الفوائد العقدية من أثر الإمام سفيان بن عيينة
المبحث الأول: تحقيق الشخصية (ابن عُجينة أم ابن عُيينة؟)
أولاً: ضبط الاسم والنسب
في كثير من نسخ "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" للالكائي، وفي "العلو" للذهبي، يقع لبس بين الاسمين، لكن التحقيق يثبت أنهما إمامان، وكل منهما روي عنه هذا الأثر بلفظه أو معناه.
* محمد بن عُجينة (بضم العين وفتح الجيم): هو محمد بن زياد بن عُجينة البصري. ذكره ابن حبان في "الثقات" (المجلد 7، ص 395).
* سفيان بن عُيينة (بضم العين وفتح الياء): إمام مكة المعروف (ت: 198هـ).
النتيجة التحقيقية: الأثر ثابت عن سفيان بن عُيينة بشهرة واسعة، ورُوي أيضاً عن محمد بن عُجينة، وكلاهما من أئمة السلف بصرةً ومكة، وقولهما واحد في المعتقد.
ثانياً: سيرة الإمام (سفيان بن عيينة - صاحب الأثر الأشهر)
* شيوخه: عمرو بن دينار، والزهري، والأعمش.
* تلاميذه: الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية.
* منهجه: كان شديداً على الجهمية، ويُعد من أركان "أهل الحديث".
المبحث الثاني: تخريج الأثر ولفظه بالتدقيق
لقد تظافرت المصادر المسندة على نقل هذا الأثر
* رواية اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة":
* اللفظ: "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه، فتفسيره قراءته والسكوت عنه".
* المجلد 3، ص 526، رقم الأثر (735)، طبعة دار طيبة - الرياض، تحقيق د. أحمد سعد حمدان.
* رواية ابن منده في "كتاب التوحيد":
* اللفظ: "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته ولا كيف ولا مثل".
المجلد 3، ص 308، رقم (781)، طبعة دار الفضيلة، تحقيق د. علي الفقيهي.
* رواية الحافظ الذهبي في "العلو للعلي الغفار":
* اللفظ: "تفسيره قراءته والسكوت عليه".
ص 159، طبعة مكتبة أضواء السلف، تحقيق د. أشرف مقصود.
* رواية شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية":
المجلد 5، ص 204-205، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
المبحث الثالث: الفوائد العقدية (20 فائدة محققة)
* شمولية الوصف: كلمة "كل" تفيد استيعاب جميع الصفات الخبرية والفعلية والذاتية.
* مرجعية الكتاب: حصر المصدر في القرآن "في كتابه" لقطع الطريق على الفلسفات البشرية.
* تقرير "البيان القرآني": أن القرآن نزل مبيناً لا لغزاً، فلو لم يكن معناه معلوماً لما كانت قراءته تفسيراً له.
* إثبات الحقيقة ونفي المجاز: القراءة تدل على إثبات اللفظ بمعناه الظاهر المتبادر.
* التفريق بين المعنى والكيف: إثبات المعنى بالقراءة، والسكوت عن الكيف بالصمت.
* الرد على المؤولة: الذين يزعمون أن "اليد" هي "القدرة"، فلو كان كذلك لقال ابن عيينة: تفسيره صرفه عن ظاهره.
* الرد على المشبهة: السكوت يقطع طمع العقل في تخيل صورة للخالق.
* الرد على المفوضة (تفويض المعنى): الذين يقولون لا نفهم من "الاستواء" شيئاً، وهذا يبطله قول الإمام "تفسيره قراءته".
* تقرير اللسان العربي: الإيمان بأن الله خاطبنا بما نعقله من لغة العرب.
* تعظيم الذات الإلهية: بالوقوف عند النص دون زيادة أو نقصان.
* تحقيق الاتباع: حصر العلم بما أخبر الله به عن نفسه.
* إبطال القول بـ "التجسيم": لأن إمرار النص كما جاء ينفي لوازم البشرية التي يدعيها المعطلة.
* إثبات علم السلف: رداً على من زعم أن "طريقة الخلف أعلم وأحكم".
* قطع التسلسل الكيامي: العقيدة تُؤخذ من آية واحدة وقراءتها، لا من مقدمات منطقية.
* تحقيق "الأمان العلمي": السلامة في موافقة ما قاله الرعيل الأول.
* إثبات صفة "الكلام": لأن قراءة القرآن إثبات لكلام الله ووصفه لنفسه.
* بيان وظيفة العقل: العقل يتلقى ويصدق، ولا يحكم على النص بالبطلان.
* نفي التكييف: "السكوت عنه" إقرار بعجز العقل عن الإدراك الإحاطي.
* وحدة الصف السلفي: هذا القول نُقل عن مالك، والأوزاعي، وسفيان، وابن عيينة، مما يدل على الإجماع.
* المنهجية في التعليم: تربية الطالب على تعظيم النص القرآني وتقديمه على الأقوال.
المبحث الرابع: المنهج السلفي وتحقيق الموافقة
1. مفهوم "تفسيره قراءته" أكاديمياً
هذا المصطلح عند السلف يعني أن "معاني الصفات" ظاهرة بَيّنة، لا تحتاج إلى تأويلات المتكلمين المتكلفة. فكلمة "السميع" لا تحتاج لشرح أكثر من قراءتها وفهم معناها اللغوي، وهذا ما يسمى "الظاهر المراد".
انظر "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، المجلد 5، ص 38.
2. السكوت المحمود والسكوت المذموم
* السكوت المحمود: هو السكوت عن الكيفية (كيف يضحك؟ كيف ينزل؟) وعن التأويل الباطل.
* السكوت المذموم: هو السكوت عن إثبات المعنى أو السكوت عن الحق عند ظهور البدعة. ابن عُجينة قصد الأول يقيناً.
انظر "إعلام الموقعين" لابن القيم، المجلد 1، ص 45 (في ذم الرأي).
3. اتباع السلف الصالح
إن منهج ( ابن عيينة) هو عين منهج الصحابة، حيث لم ينقل عن واحد منهم أنه أول "اليد" بالنعمة، أو "الاستواء" بالاستيلاء، بل كانوا يقرؤونها ويسكتون، وهذا هو "التفويض النسبي" (تفويض الكنه لا المعنى).
الخاتمة والنتائج
* أثر سفيان ابن عيينة أصل أصيل في باب الأسماء والصفات.
* الأثر ثابت بإسناد صحيح ومخرج في أمهات الكتب.
* القاعدة السلفية تقوم على: إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل.
* التزام هذا الأثر ينجي من المهالك الكلامية والفلسفية.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق