الخميس، 2 أبريل 2026

​"الدرةُ المضيَّة في نظمِ القواعدِ الكليةِ للعقيدةِ المرضيَّة"

 




​"الدرةُ المضيَّة في نظمِ القواعدِ الكليةِ للعقيدةِ المرضيَّة"

الأُرْجُوزَةُ العِمَادِيَّةُ فِي بَيَانِ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ فِي العَقِيدَةِ المَرْضِيَّةِ


1. الحَمْدُ لِلَّهِ الصَّلَاةُ تَتَّصِلْ ... عَلَى نَبِيٍّ قَدْ أَتَى بِالْمُعْتَدِلْ

2. وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ قَفَا ... هَدْيَ السَّلَفْ الصَّالِحِينَ الحُنَفَا

3. هَذِي قَوَاعِدٌ جَلِيَّةُ المَنَارْ ... مِنْ كُتْبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ذِي الفَخَارْ

4. هُوَ "ابْنُ تَيْمِيَّةَ" ذَاكَ الحَرَّانِي ... بَحْرُ العُلُومِ شَامِخُ الأَرْكَانِ

5. جَمَعَهَا العَبْدُ الفَقِيرُ التَّائِبُ ... طُوَيْلِبُ العِلْمِ الرَّجِيُّ الرَّاغِبُ

6. "عِمَادُ" مَنْ يَرْجُو رِضَا الرَّحْمَنِ ... فِي نَظْمِهِ لِمُحْكَمِ التِّبْيَانِ

7. نُثْبِتُ مَا اللهُ لِنَفْسِهِ أَقَرّْ ... فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ بَرّْ

8. وَمَا أَتَى عَنْ رُسْلِهِ نُثْبِتُهُ ... فَالرُّسْلُ أَعْلَمُ بِمَا نَنْعَتُهُ

9. وَمَا نَفَاهُ اللهُ أَوْ رَسُولُهُ ... فَالنَّفْيُ حَقٌّ وَاجِبٌ قَبُولُهُ

10. بِلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَكْيِيفِ ... وَبِلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفِ

11. وَالقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي الذَّاتْ ... إِثْبَاتُ حَقٍّ لَا تَشَابُهَ الذَّوَاتْ

12. وَالقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ جَارِي ... كَقَوْلِنَا فِي البَعْضِ بِاخْتِصَارِ

13. مَعْلُومَةُ المَعْنَى لَنَا بِاللَّفْظِ ... مَجْهُولَةُ الكَيْفِ بِدُونِ نَقْضِ

14. وَمَا مِنَ الشَّيْئَيْنِ إِلَّا بَيْنَهَا ... "قَدْرٌ مِشَارِكٌ" بِذِهْنٍ زَيَّنَهَا

15. يَكُونُ كُلِّيًّا قُبَيْلَ النِّسْبَةِ ... وَ"الفَارِقُ المَمْيُوزُ" بَعْدَ الإِضَافَةِ

16. فَالرَّبُّ كَامِلٌ بِكُلِّ وَصْفِ ... وَالخَلْقُ نَاقِصٌ بِذَاتِ الضَّعْفِ

17. وَمُجْمَلُ الأَلْفَاظِ رُدَّ القَصْدَا ... بِالاِسْتِفْصَالِ حَقًّا تَنَلْ سَعْدَا

18. سَلْ عَنْ "مُرَادِهِ" بِلَفْظٍ مُجْمَلِ ... فَإِنْ أَرَادَ الحَقَّ فِيهِ فَاقْبَلِ

19. وَعَبِّرَنْ عَنْهُ بِلَفْظِ الشَّرْعِ ... وَانْبِذْ لِسَانَ المَيْنِ أَوْ لَفْظَ البِدَعِ

20. تَمَّتْ بِمَنِّ مَنْ لَهُ الثَّنَاءُ ... نَظْمًا لَهُ القَبُولُ وَالسَّنَاءُ

شرحُ الألفاظِ والقواعدِ (بإيجاز):

 * المفردات:

   * التائب: إشارة إلى الرجوع إلى الله والتواضع له سبحانه.

   * الرجي الراغب: الذي يرجو رحمة الله ويرغب في ثوابه.

   * أعلمُ بنفسه: لأن الله هو خالق كل شيء فلا أحد أعلم منه بذاته وصفاته.

   * الرُّسل أعلم: لأنهم المبلغون عن الله، فلا ينطقون عن الهوى.

 * القواعد الكلية:

   * كمال العلم الإلهي والنبوي: وهي القواعد التي صدرت بها النظم (أعلم بنفسه/ أعلم الخلق بربه)؛ لقطع الطريق على كل من يحاول إعمال عقله في نفي ما أثبته الوحي.

   * المحاذير الأربعة: (التمثيل، التكييف، التعطيل، التحريف) وهي ميزان الاستقامة في باب الأسماء والصفات.

   * تلازم الصفات والذات: القاعدة الذهنية التي تُلزم نفاة الصفات بالتسليم بها ما داموا قد سلموا بوجود الذات.

   * تلازم الصفات مع بعضها: لإبطال مذهب من يُفرق بين صفة وأخرى بلا دليل شرعي.

   * المعلوم والمجهول: الفرق بين فهم "المعنى" العربي، وبين إدراك "الكيفية" الغيبية.

   * القدر المشترك والفارق: التفريق بين المعنى الكلي الذهني وبين حقيقة الصفة بعد إضافتها للموصوف (خالقاً أو مخلوقاً).

   * الاستفصال في المجمل: المنهج السلفي في التعامل مع المصطلحات الحادثة، بقبول الحق ورد الباطل مع التزام اللفظ الشرعي.

القاعدة الأولى: الإثبات والنفي (علم الله وعلم الرسول)

نص القاعدة: "إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله، ونفي ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله".

 * التدقيق اللغوي: (الإثبات) لغةً هو الإقرار والدوام، وشرعاً هو التصديق الجازم بما اتصف به الرب. (أعلم): اسم تفضيل يدل على الإحاطة التامة والخبرة التي لا يسبقها جهل ولا يلحقها نسيان.

 * الشرح المحقق: تقوم هذه القاعدة على ثلاثة أركان:

   * كمال علم الله بذاته: قال تعالى: أأنتم أعلم أم الله. فالله هو الذي خلق وتكلم، فهو أصدق قيلاً وأحسن حديثاً.

   * كمال علم الرسول بربه: قال ﷺ: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية». فخبر المعصوم وحيٌ يجب اتباعه.

   * انتفاء علم الخلق بكيفية الخالق: قال تعالى: ولا يحيطون به علماً.

 * الاستدلال: قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (ليس كمثله شيء) نفيٌ لمشابهة المخلوقين، و(هو السميع البصير) إثباتٌ لصفاته على الحقيقة.

القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات

نص القاعدة: "من أثبت ذاتاً لله لا تشبه الذوات، لزمه إثبات صفات لا تشبه الصفات".

 * التدقيق اللغوي: (الذات) في لغة العرب تطلق على الشيء نفسه وحقيقته. والقول في الشيء فرع عن تصوره.

 * الشرح المحقق: هذه قاعدة عقلية تُفحم المعطلة. فإذا قال الخصم: "أنا لا أثبت صفة (الغضب) أو (الاستواء) لأنها تقتضي التشبيه بالأجسام"، نقول له: "هل تثبت لله (ذاتاً) موجودة؟" فسيقول: "نعم، ذات لا تشبه الذوات". فنقول: "كذلك أثبت له (صفات) حقيقية لا تشبه الصفات".

 * الاستدلال: كما أن وجود الله حقيقي لا يشبه وجود المخلوقين، فكذلك سمعه وبصره وكلامه حقيقي لا يشبه صفات المخلوقين.

القاعدة الثالثة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر

نص القاعدة: "التفريق بين الصفات المتماثلة في الدليل تناقض".

 * التدقيق اللغوي: (التماثل) هو التساوي في القدر والمكانة.

 * الشرح المحقق: هذه القاعدة موجهة لمن يثبت (العلم، الإرادة، القدرة) وينفي (المحبة، الرضا، النزول). نقول له: الدليل الذي جعلك تثبت "الإرادة" (وهو النص) هو نفسه الذي أمرك بإثبات "المحبة". فإما أن تثبت الجميع أو تنفي الجميع، أما "التبعيض" فبطلان وتحكم بالهوى.

 * الاستدلال: قوله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه مثل قوله إنه بكل شيء عليم. كلاهما خبر من الله عن نفسه.

القاعدة الرابعة: معلومة باعتبار (المعنى) مجهولة باعتبار (الكيف)

نص القاعدة: "نعلم ما أراد الله بظاهر اللفظ، ونجهل حقيقة الكيفية".

 * التدقيق اللغوي: (المعنى) هو ما وُضع له اللفظ في أصل اللغة. (الكيف) هو الهيئة والحقيقة الوجودية للشيء.

 * الشرح المحقق: السلف لا يفوضون "المعنى" (كما تفعل الأشاعرة والمفوضة)، بل يفوضون "الكيف". فنحن نعرف معنى (الاستواء) لغة وهو (العلو والارتفاع)، لكننا لا نعرف (كيف استوى)؛ لأن الله لم يخبرنا بذلك.

 * الاستدلال: قول الإمام مالك المشهور: «الاستواء معلوم (أي معناه)، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».

القاعدة الخامسة: القدر المشترك والقدر الفارق

نص القاعدة: "الاشتراك في الاسم والمعنى الكلي لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة".

 * التدقيق اللغوي: (القدر المشترك) هو المعنى الذي يتصوره العقل عند سماع اللفظ مجرداً (مثل كلمة: وجود، سمع، يد). (الإضافة) هي نسبة الصفة لصاحبها.

 * الشرح المحقق:

   * في الذهن: يوجد قدر مشترك. فكلمة "سمع" عند الخالق والمخلوق تشترك في أصل (إدراك الأصوات).

   * عند الإضافة: يظهر القدر الفارق. فإذا قلت (سمع الله) فهو كامل محيط، وإذا قلت (سمع العبد) فهو محدود ناقص.

 * الاستدلال: سمى الله نفسه (عليماً حليماً) وسمى بعض خلقه (عليماً حليماً)، فاشتركوا في "الاسم" واختلفوا في "الحقيقة".

القاعدة السادسة: الألفاظ المجملة وعلاجها الاستفصال

نص القاعدة: "الألفاظ الحادثة المبتدعة لا تُقبل ولا تُرد حتى يُعرف مقصود قائلها".

 * التدقيق اللغوي: (المجمل) هو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى. (الاستفصال) هو طلب البيان والشرح.

 * الشرح المحقق: ظهرت ألفاظ لم تكن عند السلف مثل (الجهة، التحيز، الجسم). المنهج السلفي فيها:

   * لا نطلق إثباتها (لأنها لم ترد في الشرع).

   * لا نطلق نفيها (خوفاً من نفي معنى حق تضمنته).

   * العلاج: نسأل المتكلم: "ماذا تقصد بالجهة؟" إن قال: "علو الله على خلقه"، قلنا: "المعنى حق لكن لا تسمه جهة، بل استواء وعلو". وإن قال: "تقصد أنه محاط بمكان"، قلنا: "هذا باطل نرده".

 * الاستدلال: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. فرجعوا بالمتشابه (المجمل) إلى المحكم (المفصل).

خاتمة التحقيق: هذه القواعد هي "ميزان العقيدة"، ومن ضبطها سَلِم من التشبيه (الغلو في الإثبات) ومن التعطيل (الغلو في النفي).




كفاية المستفيد بتحقيق قواعد التنزية والتوحيد يإعمال وتحقيق القواعد الست في كسر حجج التعطيل والتأويل إعداد وتحقيق وترتيب العبد الفقير إلي ربه أبو أنس عماد بن عبد العزيز بن طه آل عامر المصري



            

خطةالبحث:

عنوان البحث:" كفاية المستفيد بتحقيق قواعد التنزية والتوحيد بإعمال وتحقيق القواعد الست في كسر حجج التعطيل والتأويل"

عداد وتحقيق وترتيب : العبد الفقير إلي ربه أبو أنس 

عماد بن عبد العزيز بن طه آل عامر المصري

الفصل الأول: 

منهج الإثبات والتلازم بين الذات والصفات

  • المبحث الأول: قاعدة الإثبات والنفي: "إثبات ما أثبته الله ورسوله ونفي ما نفياه".
  • المبحث الثاني: قاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات".
  • المبحث الثالث: ضوابط الإثبات السلفي: "بلا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف ولا تمثيل".
  • المبحث الرابع: إيراد أقوال أهل البدع في نفي الصفات أو تمثيلها، والرد عليهم بالوحي وأقوال السلف.

الفصل الثاني: الوحدة المنهجية للصفات وحقيقة العلم بالكيفية

  • المبحث الأول: قاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر".
  • المبحث الثاني: قاعدة "الصفات معلومة لنا باعتبار (اللفظ والمعنى) مجهولة لنا باعتبار (الكيفية والحقيقة)".
  • المبحث الثالث: بطلان القول بالتفويض المطلق (تفويض المعنى) والفرق بينه وبين تفويض الكيفية.
  • المبحث الرابع: الرد على أهل البدع الذين فرقوا بين أنواع الصفات بغير دليل شرعي.

الفصل الثالث: الاشتراك الذهني وضوابط الألفاظ المجملة

  • المبحث الأول: قاعدة "القدر المشترك والقدر الفارق بعد الإضافة والتخصيص".
  • المبحث الثاني: قاعدة "اجتناب الألفاظ المجملة المبتدعة ومنهج الاستفسار والتفصيل" (الجسم، الجهة، الحيز).
  • المبحث الثالث: أدلة الكتاب والسنة على تباين الحقائق مع اشتراك الأسماء (نعيم الجنة والدينا نموذجاً).
  • المبحث الرابع: الرد على شبهات المشبهة والمعطلة في مسألة "التركيب" و"التجسيم" بالتحقيق اللغوي.

الفصل الرابع: الآليات التطبيقية في الرد على أهل البدع (الفصل المسهب)

  • المبحث الأول: كيفية توظيف هذه القواعد في كسر حجج المخالفين باستخدام "البيان البلاغي" و"قوة الحجة الشرعية".
  • المبحث الثاني: نماذج تطبيقية لردود أئمة السنة (كالإمام أحمد، والدارمي، وابن تيمية، وابن القيم) باستخدام هذه القواعد في مناظراتهم.
  • المبحث الثالث: تفكيك شبهة "التركيب" و"التجسيم" (شرح المقدمتين والنتيجة عند الفلاسفة والرد عليها).
  • المبحث الرابع: أثر "الإضافة والتخصيص" في منع التمثيل بين الخالق والمخلوق (تحقيق لغوي وشرعي مسهب).
  • المبحث الخامس: المنهج القويم في دفع شبهات التكييف والتمثيل (قاعدة الإمام مالك وتطبيقاتها المعاصرة).
  • المبحث السادس: الفرق بين التحريف والتأويل وأثرهما في الانحراف العقدي (كشف طواغيت التعطيل).
  • المبحث السابع: نماذج تطبيقية لردود أئمة السنة (أحمد، والدارمي، وابن تيمية، وابن القيم) باستخدام القواعد الست في مناظراتهم


المقدمة
الحمد لله الذي استوى على عرشه بائناً من خلقه، الموصوف بصفات الكمال والجمال، المنزه عن النقص والمثال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أثبت لنفسه ما أثبته في كتابه وعلى لسان رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أعلم الخلق بربه، وأصحهم بياناً، وأخلصهم نصحاً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فإن العلم بالله وبأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم وأعلاها، وهو القطب الذي تدور عليه رحى الرسالات السماوية؛ إذ لا يستقيم توحيد العبد حتى يعبد رباً موصوفاً بصفات الكمال، لا مجهولاً معدوماً، ولا ممثلاً بالخلق مشبهاً. ولما كان هذا الباب قد خاضت فيه الفرق المبتدعة بغير علم، وضلّت فيه أفهام وتاهت فيه أوهام، قيّض الله لهذا الدين أئمةً قعّدوا القواعد، وحرروا الضوابط التي تضبط الفهم، وتمنع الزيغ.
وإنَّ هذا البحث يقوم على "القواعد الست المحكمة" في باب الصفات، وهي القواعد التي استخلصها أئمة التحقيق من نصوص الوحيين ومنهج السلف الصالح. وتكمن أهمية هذه القواعد في كونها منظومة متكاملة؛ تبدأ بضبط أصل الإثبات والنفي بناءً على علم الله بنفسه وعلم رسوله به، ثم تثني بقاعدة التلازم بين الذات والصفات لقطع دابر التكييف، وتثلث بقاعدة الاتساق المنهجي (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) لإلزام أهل التأويل والتبعيض بحجة لا محيد عنها.
كما اعتنى البحث بتحرير قاعدة العلم والجهل (معلومة المعنى مجهولة الكيفية) لبيان أن الجهل بالكيف لا يستلزم الجهل بالمعنى اللغوي، ثم عرج على أدق المسائل الذهنية واللغوية وهي قاعدة القدر المشترك والقدر الفارق، لفك الاشتباك بين الاشتراك في الأسماء والتماثل في الحقائق. وختاماً بضبط التعامل مع الألفاظ المجملة والمبتدعة التي كانت وما زالت مطية أهل البدع للولوج إلى نفي الصفات، فجاءت قاعدة الاستفسار والتفصيل كالميزان العدل في قبول الحق ورد الباطل.
إن هذا البحث ليس مجرد سرد للقواعد، بل هو تحقيق لغوي وبلاغي، واستقصاء للأدلة الشرعية، ونقل لأقوال السلف الذين درجوا على هذه القواعد واستعملوها في منافحة الخصوم، مع إسهاب في الردود التحقيقية التي تكسر حيد الخصم وتلزمه بجادة النص.

أسباب اختيار الموضوع
إنَّ الباعث على اختيار هذا الموضوع، وتخصيص البحث في هذه القواعد الست المحكمة، يعود إلى جملة من الأسباب المنهجية والواقعية، ومن أبرزها ما يلي:
أولاً: شدة الحاجة لضبط أصول الفهم في باب الصفات:
لما كان توحيد الأسماء والصفات هو أحد أركان الإيمان العظيمة، وكان الوقوع في الزلل فيه مؤدياً إما إلى التعطيل (الذي هو جحد لصفات الخالق) أو التمثيل (الذي هو تشبيه للخالق بالمخلوق)؛ رأيتُ أنَّ إبراز هذه القواعد الست هو السبيل الأقوم والمنهج الأحكم لضبط الفهم اللغوي والشرعي، وحماية جناب التوحيد من الأوهام الحادثة والمناهج العقلية المتكلفة.
ثانياً: تفتيت حُجج أهل البدع من أصولها:
إنَّ المتأمل في شُبه أهل الكلام والمعطلة يجدها تعود في جملتها إلى الجهل بهذه القواعد أو إساءة تطبيقها. فاختياري لهذا الموضوع جاء بقصد "الإلزام المنهجي"؛ إذ إنَّ القاعدة الواحدة (كقاعدة القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) كفيلة بهدم بنيان التأويل الفاسد من أصله، وإلزام المخالف بالاتساق مع نفسه ومع النص الشرعي.
ثالثاً: الجانب التحقيقي واللغوي في القواعد:
رأيتُ أنَّ كثيراً من الطروحات المعاصرة تكتفي بسرد القواعد دون إسهاب في تحقيقها لغوياً وبلاغياً. لذا كان من أسباب اختياري للموضوع هو الرغبة في الوقوف على "دلالات الألفاظ" (كالمعنى، والكيف، والقدر المشترك، والإضافة)؛ لبيان أنَّ منهج السلف ليس مجرد تسليم عاطفي، بل هو منهج مبني على لغة العرب التي نزل بها القرآن، وهو موافق لصريح المعقول كما هو مطابق لصحيح المنقول.
رابعاً: إحياء منهج الأئمة المحققين في الردود:
إنَّ استقراء كيفية استعمال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم لهذه القواعد في مناظراتهما الكبرى، يمنح طالب العلم "آلةً نقدية" قوية. فكان القصد من البحث هو تجلية هذه الآلة التطبيقية، لا لتبقى مجرد قواعد نظرية في الكتب، بل لتكون أدوات حية في يد الباحث للرد على الشبهات المعاصرة التي تلبس لبوس الفلسفة تارة والعلم تارة أخرى.
خامساً: الرد على دعوى التناقض:
يدّعي بعض الخصوم أنَّ إثبات الصفات مع نفي التماثل تناقض، فكان اختيار قاعدة "القدر المشترك والقدر الفارق" سبباً رئيسياً لإيضاح أنَّ الاشتراك في أصل المعنى الذهني لا يستلزم التماثل في الحقيقة الخارجية، وبذلك يرتفع الإشكال وينكشف زيف دعوى التشبيه التي يرمى بها أهل السنة.


أهمية الموضوع
تتجلى أهمية البحث في هذه القواعد الست من خلال محاور استراتيجية تمس صلب الاعتقاد والعمل العلمي، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:

أولاً: صيانة جناب التوحيد من لوثات التكييف والتمثيل:
تكمن الأهمية القصوى في أن هذه القواعد تشكل "درعاً عقدياً" يحمي المسلم من الوقوع في شرك التشبيه؛ فبواسطة قاعدة (القدر المشترك والقدر الفارق) يتضح للمؤمن كيف يثبت لله ما وصف به نفسه من الكمال، مع بقاء التباين المطلق بين الخالق والمخلوق في الحقيقة والكيفية وهذا هو جوهر التنزيه الذي جاء به القرآن والسنة، بعيداً عن تعطيل الجهمية وتمثيل المشبهة.

ثانياً: ترسيخ المنهج العلمي في التعامل مع النصوص:
تكتسب القواعد أهمية كبرى في تعليم الباحث كيفية الاستنباط الصحيح من النصوص الشرعية، خاصة قاعدة (إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله)؛ إذ إنها تعيد ضبط مرجعية التلقي لتكون "نصية أثرية" لا "عقلية كلامية"  وهذا يورث العبد طمأنينة ويقيناً في إثبات صفات ربه كما وردت، دون تكلف أو تحريف لمعانيها الظاهرة.

ثالثاً: كشف الزيف وتوحيد المورد عند المناظرة:
تظهر أهمية هذه القواعد كأدوات "نقدية" حاسمة في باب الردود؛ فمن خلال قاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)، يتم تفكيك التناقض المنهجي عند من يثبت بعض الصفات (كالعلم والإرادة) وينفي بعضها الآخر (كالاستواء والنزول)  فالأهمية هنا تكمن في إلزام الخصم بقاعدة مطردة لا تقبل التبعيض، مما يؤدي إلى قطع حجج أهل الأهواء وإظهار تهافت أصولهم.

رابعاً: تحرير المصطلحات ومنع الالتباس اللغوي:
تتجلى أهمية قاعدة (اجتناب الألفاظ المجملة والمبتدعة) في كونها ميزانًا لغويًا وبلاغيًا يمنع تسلل المصطلحات الحادثة التي لم يرد بها سمع ولا عقل صحيح، مثل مصطلحات "الجهة" أو "الحيز" وهذا التحرير يقطع الطريق على من يريد نفي الحق بدعوى تجنب هذه الألفاظ الموهمة، كما يمنع من يثبت الباطل متذرعاً بظاهرها.

أهداف البحث
يسعى هذا البحث من خلال استقصائه للقواعد الست وتحقيقها لغوياً وشرعياً إلى تحقيق الأهداف التالية:
أولاً: تجلية المنهج السلفي في الإثبات والنفي:
يهدف البحث أولاً إلى بيان أنَّ إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله ليس مجرد نقلٍ آلي، بل هو منهجٌ يقوم على كمال العلم بمراد الله  فالهدف هو إبراز الوحدة الموضوعية بين نصوص الكتاب والسنة في رسم صورة الكمال الإلهي المنزه عن النقائص والمماثلة.

ثانياً: إرساء القواعد الكلية الجامعة في باب الصفات:
من أهداف البحث تحويل هذه القواعد من "منثورات علمية" إلى "منظومة استدلالية" متكاملة؛ بحيث يستطيع الباحث من خلالها ردَّ الفروع إلى أصولها [2]. فدراسة قاعدة (القول في الصفات كالقول في الذات) تهدف إلى قطع الطريق على من يحاول إثبات "ذات" بلا "صفات"، أو صفاتٍ لا تليق بجلال الذات.

ثالثاً: التفريق الحاسم بين "المعنى اللغوي" و"الحقيقة الكيفية":
يهدف البحث بتركيزٍ بالغ إلى دفع الغموض الذي يفتعله أهل البدع حول معاني الصفات؛ وذلك عبر تحقيق قاعدة (المعلومة لنا باعتبار والمنهجولة لنا باعتبار) والهدف هنا هو إثبات أنَّ لغة العرب التي نزل بها القرآن واضحة المعاني، وأنَّ العجز عن إدراك "الكيف" لا يقدح في فهم "الأصل"، وهو ما يفتح باب التعبد بالأسماء والصفات.

رابعاً: تأصيل "فقه الردود" وبناء الملكة النقدية:
يهدف البحث إلى تزويد طالب العلم بآليات الرد الشرعية الرصينة، لا سيما قاعدة (الاستفسار والتفصيل في الألفاظ المجملة) فبدلاً من الرفض المطلق أو القبول المطلق للمصطلحات الحادثة، يهدف البحث إلى تعليم الباحث كيف يستنطق الخصم ويستفسر عن مراده، ليقبل ما وافق الحق بلغة الشرع ويرد ما خالفه.

خامساً: إبطال دعاوى التشبيه والتركيب لغوياً وشرعياً:
من الأهداف الجوهرية للبحث إيضاح قاعدة (القدر المشترك والقدر الفارق)؛ ليكون ذلك جواباً نهائياً على كل من رمى أهل السنة بالتمثيل  فالهدف هو إثبات أنَّ الاشتراك في "الاسم" أو "أصل المعنى الذهني" لا يستلزم تماثلاً في "الأعيان الخارجية"، وهو تحقيقٌ يجمع بين دقة اللغة وحقيقة الشرع.

خامساً: الربط بين العلم بالله والعبودية له:
إن إدراك أن الصفات (معلومة لنا باعتبار اللفظ والمعنى) يفتح باب التدبر والعبودية؛ إذ كيف يعبد المرء رباً لا يعرف معاني صفاته؟ فالأهمية هنا تربوية إيمانية؛ حيث تورث هذه القواعد تعظيماً لله ومحبة له بناءً على فهم صحيح لمعاني كماله، مع تفويض حقيقة هذه الكيفية لبارئها .


الدراسات السابقة (الأصول والمعاصرة)

لقد اعتنى العلماء قديماً وحديثاً بضبط هذه القواعد الست، وإن تفرقت في بطون الكتب أو جُمعت في رسائل مستقلة، ومن أبرز تلك الجهود:

أولاً: الدراسات والأصول المتقدمة

الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): تُعد الأصل الأصيل الذي نبعت منه هذه القواعد الست؛ حيث ساقها المصنف ببراعة لغوية وعقدية لرد شبهات المتكلمين، خاصة في قاعدة (القدر المشترك) وقاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر) [1].

الصواعق المرسلة لابن القيم الجوزية (ت: 751هـ): توسع فيها المصنف في إبطال التأويلات البدعية عبر تفعيل قاعدة (الألفاظ المجملة والمبتدعة) وقاعدة (تلازم الذات والصفات)، مع إسهاب لغوي وبلاغي فريد [2].

ثانياً: الدراسات المعاصرة

القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: وهو من أجود ما كُتب في العصر الحديث؛ حيث هذّب القواعد وحررها بأسلوب تعليمي رصين، واعتنى ببيان قاعدة (المعلومة لنا باعتبار والمجهولة لنا باعتبار) [3].

منهج السلف في أسماء الله وصفاته للشيخ محمد الأمين الشنقيطي: تميزت هذه الدراسة بالتحقيق اللغوي والأصولي العميق، خاصة في رد دعوى التشبيه عبر قاعدة (القدر المشترك والقدر الفارق) [4].

التوضيح والبيان لشجرة الإيمان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: تناول فيها قواعد الإثبات والنفي بمنهجٍ أثريٍ ميسر، مع التركيز على آثار هذه القواعد في تحقيق التوحيد [5].

شرح الرسالة التدمرية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: وهي دراسة تحليلية معاصرة فككت عبارات شيخ الإسلام في القواعد الست، واعتنت ببيان كيفية الاستفسار والتفصيل في الألفاظ المبتدعة [6].
&&&&&&&&&&&&&

١- ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 18-25، طبعة دار المنهاج.

٢- ابن القيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، المجلد 1، الصفحة 214، طبعة دار العاصمة.

٣- ابن عثيمين، محمد بن صالح، القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، المجلد 1، الصفحة 32-40، طبعة دار الآثار.

٤- الشنقيطي، محمد الأمين، منهج السلف في أسماء الله وصفاته، المجلد 1، الصفحة 15-20، طبعة دار عالم الفوائد.

٥- السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة المؤسسة السعدية.

٦- البراك، عبد الرحمن بن ناصر، شرح الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 56-60، طبعة دار التدمرية.

&&&&&&&&&&&&&&&&


الفصل الأول: منهج الإثبات والتلازم بين الذات والصفات


المبحث الأول: قاعدة الإثبات والنفي (إثبات ما أثبته الله ورسوله ونفي ما نفاه عن نفسه وما نفاه عنه رسوله)

أولاً: التحرير اللغوي والاشتقاقي للقاعدة

إنَّ لفظ "الإثبات" في لغة العرب مأخوذ من مادة (ث ب ت)، وهي أصلٌ واحد يدلُّ على دوام الشيء واستقراره، ويقال: ثَبَتَ الشيءُ ثباتاً فهو ثابت، وأثبته غيره أي جعله مستقراً لا ريب فيه [1]. 

سياقنا هذا، فالإثبات يعني الإقرار بما وصف الله به نفسه إقراراً جازماً لا يتطرق إليه شك، وهو إثباتٌ للوجود والكمال معاً.
أما "النفي" فهو من مادة (ن ف ي)، ويدل على الطرد والإبعاد، فنفي النقص عن الله هو طرده عنه وتنزيهه عن مشابهة المحدثات [2]. 
ومن الناحية البلاغية، فإن الإثبات في حق الله جاء مفصلاً (إثبات العلم، القدرة، الاستواء، اليدين، الوجه)، بينما جاء النفي مجملاً (نفي المثلية، والكفؤ، والسمي)؛ لأن النفي المجمل أبلغ في الثناء وأدعى لتعظيم المثبت من الكمالات.

ثانياً: التأصيل العقدي والتحقيق المنهجي

تقوم هذه القاعدة على أصلين عظيمين:

كمال علم الله بنفسه: فالله هو القائل: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾، فلا أحد أعرف بالله من الله.

صدق خبر الرسول وكمال علمه بربه: فالرسول ﷺ هو أعلم الخلق بربه، وهو الناطق بالوحي الذي لا ينطق عن الهوى.
فالواجب العقدي يقتضي الوقوف عند حدود النص؛ فما أثبته الوحي أثبتناه بلفظه ومعناه، وما نفاه الوحي نفيناه مع إثبات كمال ضده [3].

 فالنفي في حق الله ليس عدماً محضاً، بل هو "نفيٌ متضمن لكمال"، فنفي الظلم يتضمن كمال العدل، ونفي السنة والنوم يتضمن كمال القيومية والحياة.

ثالثاً: الاستدلال من الكتاب العزيز 

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]

 وهذه الآية هي العمدة في الباب، حيث جمعت بين النفي المجمل (ليس كمثله شيء) والإثبات المفصل (وهو السميع البصير) [4].

قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]؛ وهو استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي لا سميَّ له ولا نظير يستحق مثل اسمه وصفته، مما يوجب إفراد الله بالكمال المطلق [5].

قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]؛ وهو نفيٌ للكفء والمساوي في الذات والصفات والأفعال، مما يؤكد تفرد الخالق بعظمة الإلهية [6].

رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة 

ما رواه البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري قال: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال: «إن الله عز وجل لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه...» [7]. (نفي النوم المتضمن كمال القيومية).

ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء...» [8]. 

(إثبات الإحاطة الزمانية والمكانية والقدرية).

ما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب في قصة سبايا هوازن، حيث قال ﷺ: «للهُ أرحم بعباده من هذه بولدها» [9]. 

(إثبات صفة الرحمة على وجه يليق بجلاله، رداً على من أولها بإرادة الإنعام).

خامساً: أقوال السلف المتقدمين (قبل ابن تيمية)

الإمام الشافعي (ت: 204هـ): قال: "آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله" [10]. وهذا تفويض للكيفية مع إثبات للنص كما جاء.

الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ): قال في صفات الله: "نصف الله بما وصف به نفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث" [11]. وهذا تأصيل لقاعدة الحصر في الوحيين.

نعيم بن حماد (شيخ البخاري، ت: 228هـ): قال قولته الشهيرة: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيهاً" [12].

سادساً: الناحية الردودية وتفكيك شبهات المعطلة

يرد السلف بهذه القاعدة على أهل التعطيل (الجهمية والمعتزلة) الذين زعموا أن وصف الله بالسمع والبصر أو اليدين يستلزم التشبيه. والرد عليهم من وجوه:

الفرق بين المسمى والحقيقة: فمجرد الاشتراك في الاسم (سمع الخالق وسمع المخلوق) لا يستلزم تماثل الحقيقة، كما سنبسطه في قاعدة القدر المشترك.

الإلزام بالذات: يقال للمعطل: أتقر بأن لله ذاتاً لا تشبه الذوات؟ فإذا قال: نعم، قيل له: فقل في صفاته إنها صفات لا تشبه الصفات [13].

مقام البيان: لو كان ظاهر هذه الصفات كفراً وتشبيهاً، لبيّن النبي ﷺ ذلك بياناً شافياً، ولما ترك الأمة تضل في أعظم أصول دينها، بل جاءت النصوص متواترة بالإثبات دون أي إشارة للتأويل [14].

&&&&&&&&&&&&

ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 2، الصفحة 114، طبعة دار صادر.
الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 1350، طبعة مؤسسة الرسالة.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 26، طبعة مجمع الملك فهد.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، المجلد 20، الصفحة 482، طبعة دار هجر.
البغوي، الحسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن، المجلد 5، الصفحة 242، طبعة دار طيبة.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 8، الصفحة 528، طبعة دار طيبة.
مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، المجلد 1، الصفحة 161، حديث رقم (179).
مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، كتاب الذكر والدعاء، المجلد 4، الصفحة 2084، حديث رقم (2713).
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الأدب، المجلد 8، الصفحة 8، حديث رقم (5999).
ابن قدامة المقدسي، موفق الدين، لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، المجلد 1، الصفحة 7، طبعة دار الجوزي.
اللالكائي، هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة، المجلد 3، الصفحة 432، طبعة دار طيبة.
الذهبي، شمس الدين محمد، سير أعلام النبلاء، المجلد 10، الصفحة 610، طبعة مؤسسة الرسالة.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 28، طبعة دار المنهاج.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الندوة.

&&&&&&&&&&&&&&&&


المبحث الثاني: التحقيق في نفي التعطيل والتحريف والتكييف والتمثيل

أولاً: التحرير اللغوي والاشتقاقي للمصطلحات

التحريف: لغةً: من (ح ر ف) وهو الجانب، وحرّف الكلام أي أماله عن وجهه الذي كان عليه [1]. وفي الشرع: تغيير النص لفظاً أو معنى (التأويل المذموم).
التعطيل: لغةً: من (ع ط ل) وهو الخلو والفرغ، ومنه "بئر معطلة" أي خالية من الواردين [2]. وفي الشرع: إخلاء الذات الإلهية من صفات الكمال ونفيها.
التكييف: لغةً: حكاية كنه الشيء، يقال "كيف الشيء" أي جعل له كيفية معلومة [3]. وفي الشرع: الخوض في "كنه" وحقيقة صفات الله.
التمثيل: لغةً: من (م ث ل) وهو جعل الشيء نظيراً لشيء آخر [4]. وفي الشرع: اعتقاد أن صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين.

ثانياً: التحقيق العقدي 

يعد نفي هذه الأربعة هو مفرق الطريق بين منهج السلف ومنهج أهل الكلام. فالسلف يثبتون الصفات بلا تحريف لمعانيها (كصرف اليد إلى النعمة)، وبلا تعطيل لحقيقتها (كما فعلت الجهمية [5])، وبلا تكييف (أي السؤال بـ "كيف")، وبلا تمثيل (أي قول: يده كيدنا).

التحقيق العقدي يقتضي أنَّ "التحريف" و"التعطيل" هما بضاعة المعطلة، بينما "التكييف" و"التمثيل" هما بضاعة المشبهة [6]. وأهل السنة وسطٌ بينهما، يثبتون المعنى (إبطالاً للتعطيل) ويفوضون الكيف (إبطالاً للتمثيل) [7].

ثالثاً: الاستدلال من الكتاب 

قوله تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]؛ ذم الله أهل الكتاب على التحريف، ويدخل فيه "تحريف المعنى" الذي يسلكه أهل البدع في نصوص الصفات بصرفها عن ظاهرها بغير قرينة [8].

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]؛ نصٌ قاطع في نفي "التمثيل" و"التكييف"؛ لأن من نفى المماثلة فقد نفى إدراك الكيفية التي هي فرع عن المشاهدة أو مشابهة المشاهد [9].

قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]؛ إخبار بعجز الخلق عن الإحاطة بذات الله وصفاته، وهذا يوجب نفي "التكييف"؛ لأن التكييف ادعاء للإحاطة بكنه الصفة [10].

رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة 

قوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر يدخلان الجنة» [متفق عليه]؛ أثبت السلف "الضحك" صفة لله كما يليق بجلاله، وردوا "تحريف" من قال إن الضحك هو الثواب، و"تعطيل" من نفاها، و"تمثيل" من شبهها بضحك المخلوق [11].

قوله ﷺ: «قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن» [رواه مسلم]؛ أثبت الأصابع حقيقةً لله، مع نفي "التكييف"؛ لأننا لا نعلم كيفيتها، ونفي "التمثيل" لأن أصابعه لا تشبه أصابع المخلوقين [12].

قوله ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» [متفق عليه]؛ الإثبات هنا للنزول حقيقة، والرد على من "حرّف" المعنى بقوله "ينزل أمره"، فالله أعلم بمراده والرسول أصح الناس بلاغاً [13].

خامساً: أقوال السلف المتقدمين (قبل ابن تيمية)

الإمام الأوزاعي (ت: 157هـ): قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" [14]؛ وهذا إثبات بلا تحريف ولا تعطيل.

الإمام إسحاق بن راهويه (ت: 238هـ): قال: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو مثل يد، أو سمع كسمع، أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى.. فلا يكون تشبيهاً" [15].

الإمام الترمذي (ت: 279هـ): قال في جامعه: "والمذهب في هذا عند أهل العلم.. أن تمر هذه الروايات كما جاءت بغير تفضيل (تأويل) ولا يتوهم فيها تشبيه" [16].

سادساً: الناحية الردودية وتفكيك الشبهات

الرد على المعطلة: الذين زعموا أن "الإثبات" يستلزم "التمثيل"؛ يقال لهم: يلزمكم في "الذات" ما يلزمنا في "الصفات"، فكما أثبتم ذاتاً لا تشبه الذوات، فأثبتوا صفاتٍ لا تشبه الصفات.

الرد على المحرفة (الأشاعرة والماتريدية [17]): الذين سموا التحريف "تأويلاً"؛ يقال لهم: التأويل صرف الكلام عن ظاهره، وهذا يحتاج إلى دليل من الشارع، وأنتم صرفتموه بدعوى عقلية هي "التنزيه"، والحق أن التنزيه في الإثبات بلا تمثيل، لا في النفي والتحريف.

الرد على المشبهة (الكرامية [18]): الذين أثبتوا الصفات وكيفوها بخصائص المخلوقين؛ يقال لهم: الله أخبرنا بالمعنى ولم يخبرنا بالكيف، فقولكم بالكيف قول على الله بغير علم.

&&&&&&&&&&&&&&&&

١- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 9، الصفحة 43، طبعة دار صادر.
٢-الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 1332، طبعة مؤسسة الرسالة.
٣- الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، المجلد 1، الصفحة 273، طبعة المكتبة النموذجية.
٤- الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، المجلد 5، الصفحة 1820، طبعة دار العلم للملايين.
٥- الجهمية: سبق تعريفهم، وهم أصول التعطيل المحض.
٦-المشبهة: وهم الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، ومنهم غلاة الشيعة الأوائل وبعض نابتة الحنابلة قديماً.
٧-ابن تيمية، تقي الدين أحمد، العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 5-8، طبعة دار أضواء السلف.
٨-ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 2، الصفحة 334، طبعة دار طيبة.
٩-الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المجلد 7، الصفحة 184، طبعة دار عالم الفوائد.
١٠- السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 514، طبعة مؤسسة الرسالة.
١١- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، حديث رقم (2826).
١٢- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب القدر، المجلد 4، الصفحة 2045، حديث رقم (2654).
١٣- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب التهجد، حديث رقم (1145).
١٤- البيهقي، أحمد بن الحسين، الأسماء والصفات، المجلد 2، الصفحة 304، طبعة دار الحشاش.
١٥- اللالكائي، هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 3، الصفحة 532، طبعة دار طيبة.
١٦- الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي (الجامع الكبير)، المجلد 2، الصفحة 42، طبعة دار الغرب الإسلامي.
١٧- الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم قريبون من ١٨-الأشاعرة في باب الصفات، يثبتون ثمان صفات ويؤولون الباقي.
١٩-الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني، وقعوا في التجسيم والتمثيل في بعض مقالاتهم.
&&&&&&&&&ـ&&&&&&

ملحق الأول المبحث الثاني من الفصل الأول:

 أقسام الطوائف الضالة في باب الصفات

 (خارطة الانحراف)

لقد انقسم الناس في باب الصفات الإلهية تجاه نصوص الوحيين إلى أقسام شتى، تتفاوت بين الغلو في النفي (التعطيل) والغلو في الإثبات (التمثيل)، ويمكن إجمالهم في الأصناف التالية:

أولاً: طوائف التعطيل والتحريف (النفاة)

المعطلة الغلاة (الباطنية والفلاسفة): هؤلاء جحدوا الأسماء والصفات معاً، وقالوا بسلب النقيضين عن الله، فلا يقال هو حي ولا ليس بحي، ولا موجود ولا معدوم، وهذا غاية التعطيل الذي ينتهي بالمرء إلى العدم المحض [1].

الجهمية [2]: وهم أهل "التعطيل الكلي"؛ نفوا الأسماء والصفات جميعاً، زاعمين أن إثباتها يقتضي "التعدّد" في القدماء أو التشبيه بالمخلوقات، فجعلوا الخالق سبحانه وجوداً مطلقاً لا صفة له في الخارج [3].

المعتزلة [4]: وهم أهل "تعطيل الصفات" مع إقرار الأسماء؛ فيثبتون لله الأسماء (عليم، قدير، سميع) لكنهم يفرغونها من معانيها وصفاتها، فيقولون: "عليم بلا علم، قدير بلا قدرة"، وهذا تناقض لغوي وعقلي ظاهر [5].

الأشاعرة [6] والماتريدية [7]: وهم أهل "التعطيل الجزئي" أو "التفريق المنهجي"؛ أثبتوا سبعاً أو ثماني صفات (تسمى الصفات العقلية: الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام، وزاد بعضهم التكوين)، وأوّلوا (حرّفوا) الصفات الخبرية (كاليد، والوجه، والاستواء، والنزول) بدعوى أنها توهم التشبيه [8].

ثانياً: طوائف التمثيل والتكييف (المشبهة)

المشبهة الغلاة (السبئية وبعض الرافضة [9]): هؤلاء الذين زعموا أن الله يشبه خلقه في الصورة والحقيقة، بل غلا بعضهم حتى ادعى حلول الإله في البشر، تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً [10].

الكرامية [11]: وقعوا في لون من ألوان التكييف والتمثيل حين زعموا أن الله "جسم" (وإن قالوا لا كالأجسام في بعض تقريراتهم)، وأثبتوا له جهة وحيزاً بأسلوب عقلي كلامي يخرق نصوص التنزيه [12].

ثالثاً: أهل التجهيل (المفوضة)

وهم الذين زعموا أن معاني نصوص الصفات "مجهولة" تماماً كما أن كيفيتها مجهولة، فجعلوا القرآن كلاماً لا يُفهم معناه، ووصفهم شيخ الإسلام بأنهم "شر أهل البدع" لأنهم نسبوا التجهيل للأنبياء والرسل [13].

&&&&&&&&&&&&&&&

ابن تيمية، تقي الدين أحمد، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الفضيلة.
الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، وهم أول من أظهر التعطيل المحض في الأمة.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 1012، طبعة دار العاصمة.
المعتزلة: أصحاب الأصول الخمسة، يقدسون العقل على النقل في باب العقائد.
الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، المجلد 1، الصفحة 43، طبعة دار المعرفة.
الأشاعرة: مدرسة كلامية تنتسب لأبي الحسن الأشعري، تمركزت حول إثبات الصفات السبع وتأويل الباقي.
الماتريدية: أتباع أبي منصور الماتريدي، وهم نظراء الأشاعرة مع فروق يسيرة في مسائل التكوين والصفات الفعلية.
البغدادي، عبد القاهر، الفرق بين الفرق، المجلد 1، الصفحة 190، طبعة دار الآفاق الجديدة.
الرافضة: طوائف الشيعة الذين غلا أوائلهم في التشبيه ثم انتقل متأخروهم إلى مذهب المعتزلة في التعطيل.
ابن حزم، علي بن أحمد، الفصل في الملل والأهواء والنحل، المجلد 2، الصفحة 126، طبعة دار الجيل.
الكرامية: أتباع محمد بن كرام السجستاني، عرفوا بالقول بالتجسيم ونسبة الحوادث للذات الإلهية.
الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، المجلد 1، الصفحة 209، طبعة المكتبة العصرية.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 64، طبعة دار المنهاج.

&&&&&&&''''&&&&&&&

المبحث الثالث: قاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات"

أولاً: التحرير اللغوي والاشتقاقي للقاعدة

​تتركب هذه القاعدة من لفظين جوهريين: "القول" و "الذات".

أما "القول" لغةً: فهو التعبير عما في النفس، ويطلق على الاعتقاد والآراء، فقولنا في الشيء أي مذهبنا واعتقادنا فيه [1].

وأما "الذات" لغةً: فهي من (ذو)، وتُستخدم للدلالة على حقيقة الشيء وعينه. والذات في حق الله تعالى هي حقيقته المقدسة التي لا تشبه الذوات [2].

والمعنى التركيبي للقاعدة: أن المنهج العلمي والاعتقادي الذي يُسلك في إثبات "الذات" الإلهية، يجب وجوباً عقلياً وشرعياً أن يُسلك نفسه في إثبات "الصفات"؛ فالتفريق بينهما تناقضٌ ظاهر.

ثانياً: التحقيق العقدي 

​تُبنى هذه القاعدة على أصلٍ كلي وهو أن "الصفات تابعة للموصوف". فبما أن الله تعالى له "ذات" حقيقية ثابتة لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك يجب أن تكون له "صفات" حقيقية ثابتة لا تشبه صفات المخلوقين.

فإذا قال المعطل: "أنا لا أثبت صفة الغضب أو اليد لله لأن الغضب غليان دم واليد جارحة، وهذا تشبيه"، يُقال له: "أنت أثبتَّ لله ذاتاً حقيقية، فهل ذاته مادة أو جسم كذواتنا؟" فإن قال: "لا، بل ذات لا تشبه الذوات"، قيل له: "فقل في الغضب إنه صفة لا تشبه الصفات، وفي اليد إنها صفة لا تشبه الصفات" [3].

فالإثبات في البابين إثباتُ "وجودٍ" لا إثباتُ "تكييف". وهذه القاعدة تقطع الطريق على الجهمية [4] والمعتزلة [5] والأشاعرة [6]؛ لأنهم جميعاً يقرون بالذات ثم يفرون من الصفات أو بعضها بدعوى التنزيه، وهذا تحكمٌ بلا دليل.

ثالثاً: الاستدلال من الكتاب 

  1. ​قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]؛ الآية أثبتت الذات المنزهة أولاً (ليس كمثله شيء)، ثم أتبعتها بالصفات مباشرة (السميع البصير)، فدلت على أن نفي المماثلة في الذات يستلزم نفيها في الصفات مع إثبات أصل المعنى [7].
  2. ​قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: 27]؛ أضاف الله "الوجه" إلى الذات (وجه ربك)، ثم وصف الذات بالجلال والإكرام، فدل على أن الوجه صفة حقيقية لذات حقيقية، والقول فيهما واحد من جهة الوجود [8].
  3. ​قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]؛ الأحدية هنا تتناول الذات والصفات، فكما أنه أحدٌ في ذاته لا شريك له، فهو أحدٌ في صفاته لا شبيه له [9].

رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية 

  1. ​قوله ﷺ: «إنَّ الله لا يظلمُ مثقال ذرة» [متفق عليه]؛ أثبت الذات (الله) ونفى عنها الظلم (صفة)، فدل على أن كمال الذات يستلزم كمال الصفات، فكما أن ذاته لا تشبه الذوات في الظلم، فعدله لا يشبه عدل المخلوقين [10].
  2. ​قوله ﷺ: «حِجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» [رواه مسلم]؛ أثبت النبي ﷺ للذات "وجهاً" و"بصراً" و"نوراً"، فكلها إثباتات حقيقية تتبع عظمة الذات [11].
  3. ​قوله ﷺ في دعاء الاستخارة: «اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك.. فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم» [رواه البخاري]؛ هنا ربط النبي ﷺ بين الذات (فإنك) والصفات (تقدر، تعلم)، فجعل القول في القدرة والعلم كالقول في كونه إلهاً قديراً عليماً [12].

خامساً: أقوال السلف المتقدمين (قبل ابن تيمية)

  • ​الإمام مالك بن أنس (ت: 179هـ): حين سئل عن الاستواء قال: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، فأثبت المعنى للذات وفوض الكيفية، وهذا هو عين القول في الذات [13].
  • ​الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ): قال: "نحن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت له وجهاً لا كوجوهنا، ويداً لا كأيدينا، كما أثبتنا له ذاتاً لا كذواتنا" [14].
  • ​الإمام الخطابي (ت: 388هـ): قال: "فأما ما سألت عنه من الصفات.. فإن المذهب فيها عند السلف هو إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها؛ فإن الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، ويحتذى فيه حذوه" [15].

​&&&&&&&&&&&&&&

  1. ​ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 11، الصفحة 572، طبعة دار صادر.
  2. ​الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 104، طبعة دار الكتب العلمية.
  3. ​ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 31، طبعة دار المنهاج.
  4. ​الجهمية: أتباع جهم بن صفوان، وهم فرقـة تنفي الأسماء والصفات تماماً، زاعمين أن إثباتها يقتضي التشبيه والتركيب.
  5. ​المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء، يثبتون الأسماء وينفون الصفات (يقولون: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة)، وهم أصحاب الأصول الخمسة المبتدعة.
  6. ​الأشاعرة: أتباع أبي الحسن الأشعري (في مرحلته الثانية)، يثبتون سبع صفات (العقلية) ويؤولون الصفات الخبرية كاليد والوجه والاستواء.
  7. ​الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 20، الصفحة 483، طبعة دار هجر.
  8. ​ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 7، الصفحة 495، طبعة دار طيبة.
  9. ​السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 939، طبعة مؤسسة الرسالة.
  10. ​البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الرقاق، حديث رقم (6501).
  11. ​مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، المجلد 1، الصفحة 161، حديث رقم (179).
  12. ​البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الدعوات، المجلد 8، الصفحة 94، حديث رقم (6382).
  13. ​الذهبي، شمس الدين، العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 141، طبعة المكتب الإسلامي.
  14. ​ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب، المجلد 1، الصفحة 9، طبعة دار الرشد.
  15. ​الخطابي، حمد بن محمد، رسالة الغنية عن الكلام وأهله، المجلد 1، الصفحة 65، طبعة دار أطلس.
&&&&&&&&&&&&&&&&



المبحث الرابع من الفصل الأول : إيراد أقوال النفاة والمشبهة في هذا الباب والرد عليها تفصيلاً

أولاً: مقالات النفاة (المعطلة) وشُبهاتهم

استند أهل التعطيل بمختلف طبقاتهم
 (من جهمية ومعتزلة وأشاعرة) إلى شبهات عقلية زعموا أنها توجب صرف نصوص الوحي عن ظاهرها، ويمكن حصر مقالاتهم وردودها فيما يلي:

 * دعوى "التجسيم والتركيب":
 زعم النفاة أن إثبات الصفات الخبرية (كاليد والوجه والاستواء) يقتضي أن يكون الخالق "جسماً" مؤلفاً من أجزاء وأعضاء، وهذا محال في حق الله [1].

   * الرد: يُقال لهم: إنَّ لفظ "الجسم" لفظٌ مجمل ومبتدع لم يَرِد في الكتاب ولا في السنة نفياً ولا إثباتاً. فإن أردتم بالجسم "الحقيقة الثابتة للذات"، فالله له ذات حقيقة، وإن أردتم بالجسم "المماثلة للمخلوقين"، فالله ليس كمثله شيء [2].
 فالإثبات للصفة لا يستلزم التركيب كما في أذهانكم، بل هو إثبات كمال لموصوف حي قيوم.

 * دعوى "تعدد القدماء": 
زعم المعتزلة أن إثبات صفات قديمة مع الله يقتضي تعدد الآلهة القديمة.
   * الرد: هذا من أفسد المقالات؛ فالموصوف بصفاته "واحدٌ" في ذاته وفي صفاته. والصفة لا تقوم بنفسها حتى تكون "إلهاً" آخر، بل هي قائمة بالموصوف. فالعلم علمُ الله، والقدرة قدرةُ الله، كما أنكم تثبتون أسماءً متعددة لمسمى واحد ولا تزعمون تعدد القدماء [3].
 * دعوى "تخصيص العقل لبعض الصفات":
 زعم الأشاعرة والماتريدية أن العقل دل على سبع صفات فقط، أما الباقي (كالعجب والضحك والنزول) فلا يدركها العقل فتُؤوَّل.
   * الرد: هذا تحكمٌ محض؛ فالدليل الذي أثبتم به السمع والبصر (وهو النقل المؤيد بالعقل) هو نفسه الدليل الذي أثبت الضحك والنزول. والتفريق بين المتماثلات تناقضٌ منهجي، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر [4].

ثانياً: مقالات المشبهة (المجسمة) وشُبهاتهم
على النقيض من النفاة، غلا قومٌ في الإثبات حتى خرجوا عن حقيقة التنزيه، ومن أبرز مقالاتهم:
 * دعوى "المماثلة الخارجية":
 زعم غلاة المشبهة (كبعض السبئية [5] والمقاتلية [6]) أن لله وجهاً كوجوهنا ويداً كأيدينا، محتجين بظاهر اللفظ.

   * الرد: هذا كفرٌ وجحدٌ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والاشتراك في الأسماء (يد، وجه) لا يستلزم التماثل في الأعيان، كما أن للجنة أنهاراً وللدنيا أنهاراً والاسم واحد والحقائق متباينة [7]. 

فتمثيل الخالق بالمخلوق تنقيصٌ لرب العالمين.

 * دعوى "التكييف": زعم الكرامية وبعض غلاة المثبتة أن لله كيفية معلومة لنا، أو أنه يسكن العرش سكوناً مادياً.
   * الرد: الكيفية حقٌّ للرب، ولكنها "مجهولة" للخلق؛ لأن الكلام في الصفة فرع عن الكلام في الذات، فكما لا نعلم "كيفية ذاته" لا نعلم "كيفية صفاته" [8].

 والقول في الكيف بلا علم هو من القول على الله بغير علم المنهي عنه شرعاً.

ثالثاً: الردود العامة الجامعة على الطائفتين

 * الرد بلزوم التناقض: كل معطل فهو مشبه أولاً؛ لأنه لم يعطل إلا لأنه شبه الله بخلقه في ذهنه، فلما استقبح ذلك فرَّ إلى التعطيل. وكل مشبه فهو معطل ثانياً؛ لأنه عطل النص عن دلالته الحقيقية (التنزيه) ومثَّل الخالق بالمخلوق [9].

 * الرد بمقام الوحي: لو كان الحق في "النفي" أو "التمثيل"، لكان الأنبياء أوضح الناس في بيانه، ولكننا وجدنا الوحي جاء بـ "الإثبات المفصل" مع "التنزيه المجمل"، وهذا هو صراط الله المستقيم [10].
&&&&&&&&&&&&&&
 ١-  ابن تيمية، تقي الدين أحمد، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 ٢-  ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، المجلد 2، الصفحة 512، طبعة دار العاصمة.
 ٣- ابن أبي العز الحنفي، علي بن علي، شرح العقيدة الطحاوية، المجلد 1، الصفحة 112، طبعة مؤسسة الرسالة.
 ٤-  ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 35، طبعة دار المنهاج.
 ٥- السبئية: أتباع عبد الله بن سبأ، وهم غلاة الروافض الذين ادعوا الألوهية في علي بن أبي طالب وشبهوا الله بخلقه.
 ٦-  المقاتلية: أتباع مقاتل بن سليمان، رمي بالتشبيه الغالي في بعض الروايات، وإن كان بعض المحققين يدفعون عنه ذلك، إلا أن مذهبه صار مضرب المثل في التشبيه.
 ٧- الشنقيطي، محمد الأمين، منهج السلف في أسماء الله وصفاته، المجلد 1، الصفحة 28، طبعة دار عالم الفوائد.
 ٨- الذهبي، شمس الدين محمد، كتاب العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 135، طبعة المكتب الإسلامي.
 ٩- ابن تيمية، تقي الدين أحمد، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110، طبعة مجمع الملك فهد.
 ١٠- السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة فيما احتوت عليه الواسطية، المجلد 1، الصفحة 24، طبعة دار الأضواء.
&&&&&&&&&&&&&&&


الفصل الثاني: الوحدة المنهجية للصفات وقضية الكيفية

المبحث الأول: قاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر"

أولاً: التحرير اللغوي والاشتقاقي للقاعدة

تقوم هذه القاعدة على لفظي "البعض" و "الكل" (المفهوم ضمناً من سياق التشبيه والمقابلة).
 * البعض: لغةً: هو طائفة من الشيء، وقيل هو جزء من الكل، والتبعيض هو التجزئة [1].

 * المعنى التركيبي: "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" يعني أنَّ المنهج الذي يُلزم بإثبات صفةٍ ما
 (كالعلم والقدرة) هو نفسه المنهج الذي يُلزم بإثبات بقية الصفات (كالمحبة والرضا والاستواء) وأنَّ التفريق بينها تحكمٌ لغوي وعقلي باطل؛ فالموصوف واحد، والمصدر المنقول عنه واحد [2].

ثانياً: التحقيق العقدي في شرح العلماء للقاعدة هذه القاعدة هي "سيفٌ" مسلول على أهل التأويل الذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها الآخر. ووجه الإلزام فيها ما يلي:
 * بيان التناقض: يقال لمن يثبت (الإرادة) ويؤول (المحبة): "بأي شيء فرقت بينهما؟" فإن قال: "المحبة ميل النفس وهذا مستحيل على الله"، قيل له: "والإرادة في المخلوق ميل النفس لطلب المنفعة، فإن أثبتَّ إرادةً تليق بجلاله فكذلك أثبت محبةً تليق بجلاله" [3].

 * طرد الباب الواحد: إنَّ الصفات كلها تشترك في كونها "كمالات" للموصوف، فما جاز في إحداها جاز في نظائرها، وما وجب في إحداها وجب في الأخرى من جهة الإثبات والتنزيه [4].

 * أقوال المحققين: ذكر الشيخ ابن عثيمين أنَّ هذه القاعدة تُبطل مذهب الأشاعرة [5] والماتريدية [6] في تفريقهم بين الصفات "السبع العقلية" والصفات "الخبرية"؛ لأن الدليل العقلي والنقلي الذي أثبتوا به السبع، هو نفسه الذي يُثبت البقية، فلا مزية للبعض على البعض الآخر [7].

ثالثاً: الاستدلال من الكتاب العزيز 

 * قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: 54]؛ أثبت الله صفة "المحبة"، والقول فيها كالقول في صفة "العلم" الواردة في قوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ فكما نثبت علماً حقيقياً لا يشبه علم المخلوق، نثبت محبةً حقيقية لا تشبه محبة المخلوق [8].

 * قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]؛ الاستواء صفة فعلية خبرية، والقول فيها كالقول في "الحياة" في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾؛ فالتفريق بإثبات أحدهما ونفي الآخر بطلانٌ للمنهج الواحد في التلقي [9].

 * قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]؛ أثبت الله لنفسه "اليدين"، والقول فيهما كالقول في "البصر" في قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾؛ فمن أثبت بصراً بلا جارحة، لزمه إثبات يدٍ بلا جارحة [10].

رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة 

 * قوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين..» [متفق عليه]؛ أثبت "الضحك"، والقول فيه كالقول في "الإرادة" الثابتة في نصوص أخرى؛ فمن زعم أن الضحك يستلزم التشبيه لزمه ذلك في الإرادة أيضاً، والحق إثبات الجميع بلا تمثيل [11].
 

 * قوله ﷺ: «ينزلُ ربنا تبارك وتعالى..» [متفق عليه]؛ والقول في "النزول" كالقول في "القدرة"؛ فمن أثبت قدرةً لا تماثل قدرة المخلوق لزمه إثبات نزولٍ لا يماثل نزول المخلوق [13].

خامساً: أقوال السلف المتقدمين في الوحدة المنهجية

 * الإمام ابن كلاب (ت: 240هـ): (على الرغم من كونه أصل المذهب الكلابي) إلا أنه قال بوجوب طرد الباب في الصفات رداً على المعتزلة، فكان يلزمهم بأن القول في العلم كالقول في الحياة [14].

 * الإمام الخطابي (ت: 388هـ): قال في رسالته "الغنية": "فإنَّ الكلام في الصفات فرعٌ عن الكلام في الذات، والقول في بعضها كالقول في بعضها الآخر" [15].

 * الإمام القاضي أبو يعلى (ت: 458هـ): قرر في "إبطال التأويلات" أنَّ ما جاز على أحد الخبرين في الصفات جاز على الآخر، لأن مصدرهما واحد وهو النص الصحيح [16].

سادساً: الناحية الردودية وتفكيك مذهب المبعّضة
يُرد بهذه القاعدة على الأشاعرة الذين أثبتوا "صفات المعاني السبع" وأوّلوا غيرها:

 * نقض التفريق: يقال لهم: "بأي عقلٍ أثبتم الإرادة ونفيتم الغضب؟" فإن قالوا: "الإرادة دل عليها التخصيص في المخلوقات"، قيل لهم: "والغضب والمحبة دل عليهما أثر الثواب والعقاب في الخلق"، فالموجب للإثبات واحد [17].

 * الإلزام بالسمع: إنَّ العقل لا يستقل بإثبات كل الصفات، فإذا اعتمدتم على السمع (النص) في إثبات بعضها، فلماذا عطلتم السمع في البعض الآخر؟ هذا تلاعب بالنصوص لا يليق بمقام النبوة والوحي [١٧].

&&&&&&&&&&&

 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 7، الصفحة 118، طبعة دار صادر.
 * ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 35-38، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 442، طبعة دار العاصمة.
 * الشنقيطي، محمد الأمين، منهج السلف في أسماء الله وصفاته، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار عالم الفوائد.
 * الأشاعرة: سبق تعريفهم في حاشية المبحث الثاني من الفصل الأول.
 * الماتريدية: سبق تعريفهم في حاشية المبحث الثالث من الفصل الأول.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 145، طبعة دار الآثار.
 * الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 10، الصفحة 422، طبعة دار هجر.
 * ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 5، الصفحة 272، طبعة دار طيبة.
 * السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 236، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الجهاد، حديث رقم (2826).
 
 * مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، المجلد 1، الصفحة 526، حديث رقم (758).
 * الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، المجلد 1، الصفحة 298، طبعة المكتبة العصرية.
 * الخطابي، حمد بن محمد، الغنية عن الكلام وأهله، المجلد 1، الصفحة 70، طبعة دار أطلس.
 * الفراء، أبو يعلى، إبطال التأويلات لأخبار الصفات، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار الكتب العلمية.
 * ابن تيمية، تقي الدين أحمد، مجموع الفتاوى، المجلد 3، الصفحة 28، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 215، طبعة دار الندوة.

&&&&&&&&&&&&&

الفصل الثاني: 

الوحدة المنهجية للصفات وقضية الكيفية

المبحث الثاني: 

قاعدة "الصفات معلومة لنا باعتبار (اللفظ والمعنى) مجهولة لنا باعتبار (الكيفية والحقيقة)"

أولاً: التحرير اللغوي والاشتقاقي للمصطلحات

​تقوم هذه القاعدة على ثنائية (العلم والجهل) المسلطة على (المعنى والكيف):

  1. ​المعلوم: لغةً: من مادة (ع ل م)، وهو إدراك الشيء بحقيقته أو أثره، والعلم نقيض الجهل [1]. والمراد به هنا: فقه "الدلالة اللغوية" التي وضعها العرب للفظ (كالاستواء والعلو واليد).
  2. ​المجهول: لغةً: من مادة (ج هـ ل)، وهو خلو النفس من العلم، أو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه [2]. والمراد به هنا: غياب الإدراك البشري عن "كنه" الصفة وصورتها.
  3. ​الكيفية: لغةً: مصدر صناعي من (كيف)، وهي الحالة التي يكون عليها الشيء من هيئة وصفة وجودية [3].
  4. ​الحقيقة: لغةً: من (ح ق ق)، وهي ما صار حقاً وثابتاً، والمراد بها هنا "الكنه" الخارجي للصفة كما هو في نفس الأمر.

ثانياً: التحقيق العقدي والإسهاب في بيان القاعدة

​هذه القاعدة هي الميزان الذي يفرق بين "إثبات السلف" وبين "تجهيل المفوضة" و"تكييف المشبهة".

  • ​إثبات المعنى: إنَّ الله خاطبنا بلسان عربي مبين، فإذا قال (الرحمن على العرش استوى)، فنحن نعلم لغةً أن "استوى" تعني العلو والارتفاع، ولو كان المعنى مجهولاً لكان الخطاب لنا بما لا نُدرك، وهذا ينزه عنه كلام الله [4].
  • ​نفي علم الكيف: إنَّ العقل البشري يدرك "المعاني" ولا يحيط بـ "الحقائق الغيبية"؛ فنحن نثبت لله يداً حقيقية (معنى الإمساك والقبض والبسط)، لكننا نجهل "كيفية" هذه اليد؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وكما نجهل كيفية الذات نجهل كيفية الصفات [5].
  • ​الفرق بين التكييف والتمثيل: التكييف هو حكاية هيئة معينة (سواء كانت تشبه الخلق أم لا)، أما التمثيل فهو مساواة الخالق بالمخلوق. والقاعدة تنفي الاثنين معاً بإثبات المعنى وتفويض الكيف [6].

ثالثاً: الاستدلال من الكتاب العزيز 

  1. ​قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: 29]؛ وجه الدلالة أن التدبر لا يكون إلا لشيء معلوم المعنى، فلو كانت نصوص الصفات مجهولة المعنى لامتنع تدبرها، ولصار الأمر بالتدبر لغواً، تعالى الله عن ذلك [7].
  2. ​قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]؛ وصف الله القرآن بأنه "مبين"، والإبانة تقتضي وضوح الدلالة والمعنى، فمن زعم أن معاني الصفات مجهولة فقد وصف القرآن بالإلغاز والغموض [8].
  3. ​قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]؛ أثبتت الآية نفي الإحاطة، ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي أصل العلم بالمعنى، بل يستلزم نفي الإدراك للكنه والحقيقة والكيفية [9].

رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة 

  1. ​قوله ﷺ: «إنَّ الله جميلٌ يحب الجمال» [رواه مسلم]؛ الصحابة فهموا معنى "الجمال" و"المحبة" لغةً، فتقربوا إلى الله بذلك، ولم يسألوا عن "كيفية" جمال الله أو "كيفية" محبته، لعلمهم بقصور العقل عن إدراك الكنه [10].
  2. ​قوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين..» [متفق عليه]؛ أثبت النبي ﷺ الضحك وأدرك السامعون معناه اللغوي (السرور والرضا)، ولم يكيفوا الحقيقة؛ لأن الغيب لا يُدرك كيفه إلا بخبر أو مشاهدة، وكلاهما منتفٍ في الكيف [11].
  3. ​قوله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا سيكلّمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» [رواه البخاري]؛ الكلام معلوم المعنى (إيصال الحجة والقول)، أما "كيفية" كلام الله ونبرة صوته -على ما يليق بجلاله- فمجهولة لنا [12].

خامساً: أقوال الأئمة (قبل وبعد شيخ الإسلام ابن تيمية)

  • ​الإمام مالك بن أنس (ت: 179هـ): (وهو صاحب أصل هذه القاعدة) حين قال: "الاستواء غير مجهول (أي معلوم المعنى لغةً)، والكيف غير معقول (أي مجهول للعقل)، والإيمان به واجب" [13].
  • ​الإمام ربيعة الرأي (ت: 136هـ): (شيخ مالك) قال: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التصديق" [14].
  • ​الإمام ابن عثيمين (ت: 1421هـ): (من المعاصرين) فصّل في "القواعد المثلى" أنَّ مذهب السلف هو إثبات المعاني اللغوية وصرف العلم بالكيفية إلى الله، وردَّ على المفوضة [15] الذين قالوا "لا ندري ما معنى اليد" [16].
  • ​الشيخ عبد العزيز بن باز (ت: 1420هـ): قرر أن نصوص الصفات ليست من المتشابه في المعنى، بل هي من المحكم الذي يُفهم معناه ويُجهل كيفه [17].

سادساً: الناحية الردودية وتفكيك مذهب "أهل التجهيل"

​يُرد بهذه القاعدة على المفوضة الذين زعموا أنَّ السلف كانوا يفوضون "المعنى":

  1. ​التجهيل للأنبياء: لو كان المعنى مجهولاً، لكان الأنبياء يتكلمون بكلام لا يفهمون معناه، وهذا قدحٌ في مقام النبوة وفي كمال البلاغ [18].
  2. ​الجمع بين النقيضين: المعطلة فروا من إثبات المعنى بدعوى "التنزيه"، والمفوضة فروا بدعوى "الجهل"، وكلاهما جنى على النص الشرعي وعطله عن هدايته المقصودة.

​&&&&&&&&&&&&&&

  1. ​ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 12، الصفحة 417، طبعة دار صادر.
  2. ​الجوهري، إسماعيل بن حماد، الصحاح، المجلد 4، الصفحة 1660، طبعة دار العلم للملايين.
  3. ​الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، المجلد 1، الصفحة 192، طبعة دار الكتب العلمية.
  4. ​ابن تيمية، تقي الدين أحمد، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 34، طبعة مجمع الملك فهد.
  5. ​ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار العاصمة.
  6. ​ابن عثيمين، محمد بن صالح، القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 52، طبعة دار الآثار.
  7. ​الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 20، الصفحة 86، طبعة دار هجر.
  8. ​الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان، المجلد 6، الصفحة 124، طبعة دار عالم الفوائد.
  9. ​السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 514، طبعة مؤسسة الرسالة.
  10. ​مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، المجلد 1، الصفحة 93، حديث رقم (91).
  11. ​البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الجهاد، حديث رقم (2826).
  12. ​البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب التوحيد، حديث رقم (7443).
  13. ​اللالكائي، هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 3، الصفحة 441، طبعة دار طيبة.
  14. ​الذهبي، شمس الدين محمد، العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 138، طبعة المكتب الإسلامي.
  15. ​المفوضة: فرقة زعمت أن نصوص الصفات من المتشابه الذي لا يعلم معناه إلا الله، ففوضوا المعنى والكيف معاً، ونسبوا ذلك للسلف ظُلماً.
  16. ​ابن عثيمين، محمد بن صالح، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، المجلد 4، الصفحة 210، طبعة دار الثريا.
  17. ​ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله، مجموع فتاوى ابن باز، المجلد 2، الصفحة 105، طبعة دار القاسم.
  18. ​ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 65، طبعة دار المنهاج.
&-&&&&&&&&&&&


الفصل الثاني: الوحدة المنهجية للصفات وقضية الكيفية

المبحث الثالث: مذهب السلف في التفويض (تفويض الكيف لا المعنى) والفرق بينه وبين تفويض المتكلمين

أولاً: التحرير اللغوي لمصطلح التفويض
كلمة "التفويض" في اللغة مأخوذة من مادة (ف و ض)، وهي تدل على رد الأمر إلى غيرك وتوليته إياه، يقال: فوّضتُ أمري إلى الله، أي رددته إليه وجعلته الحاكم فيه [1].
 وفي الاصطلاح العقدي، ينقسم التفويض إلى نوعين متضادين:
 * تفويض الكيف: وهو رد علم حقيقة الصفة وهيئتها إلى الله عز وجل، مع إثبات أصل معناها اللغوي.
 * تفويض المعنى: وهو زعم أن ألفاظ الصفات لا يُفهم لها معنى أصلاً، وأنها بمنزلة الحروف الهجائية المقطعة التي لا دلالة لها [2].
ثانياً: التحقيق العقدي في مذهب السلف (تفويض الكيف)
إنَّ المنهج الذي سار عليه السلف الصالح (الصحابة والتابعون وأئمة الهدى) يقوم على إثبات "المعاني" لأن القرآن نزل بلسان عربي، وتفويض "الكيفيات" لأن الله غيبٌ لا تدركه الأبصار ولا تحيط به العقول.
 * وجه الإسهاب: السلف لم يكونوا "أهل تجهيل"؛ فمن غير المعقول أن يقرأ الصحابة قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ثم يقولون: "لا ندري ما معنى اليد"، بل هم يعرفون اليد لغةً، ولكنهم يفوضون "كيفية" يد الرب سبحانه؛ لعلمهم أن الخالق لا يشبه المخلوق [3]. فالتفويض عند السلف هو "عجزٌ عن الإدراك للحقيقة" وليس "جهلاً بالدلالة اللغوية".
ثالثاً: الاستدلال من الكتاب العزيز (3 آيات)
 * قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]؛ الوقف عند لفظ الجلالة (إلا الله) عند السلف يُحمل على تأويل "الحقيقة والكنه" لا تأويل "المعنى"؛ فالله وحده يعلم "كيف" استوى، أما "معنى" استوى فهو معلوم في لغة العرب [4].
 * قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: 82]؛ التدبر يقتضي فهم المعاني، فلو كان التفويض شاملاً للمعنى، لكان الله يأمرنا بتدبر ما لا يُفهم، وهذا باطلٌ عقلاً وشرعاً [5].
 * قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]؛ نهى الله عن قفو ما لا علم لنا به، والكيفية لا علم لنا بها ففوضناها، أما المعنى فعندنا به علمٌ من جهة اللغة فأثبتناه [6].
رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة (3 أحاديث صحيحة)
 * قوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين..» [متفق عليه]؛ النبي ﷺ خاطب الأعراب بصفة "الضحك"، وهم أمةٌ لسانُها عربي، ففهموا "معنى" الضحك وتأثرت قلوبهم به، ولم يستفصلوا عن "الكيف"، فدل على أن المعنى معلوم والكيف مجهول [7].
 * قوله ﷺ في حديث النزول: «يَنْزِلُ رَبُّنَا..» [متفق عليه]؛ لم يقل النبي ﷺ للصحابة: "إن النزول لفظٌ لا يُفهم معناه"، بل أخبرهم بالنزول ليرغبوا في الدعاء وقت السحر، وهذا يقتضي فهم "معنى" القرب والدنو الإلهي مع تفويض "كيفية" النزول [8].
 * قوله ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» [رواه البخاري]؛ إثبات الفوقية والعلو معلوم المعنى للصحابة، ولم يكيفوه، فكان تفويضهم منصبّاً على الحقيقة لا على أصل الصفة [9].
خامساً: أقوال الأئمة والفرق بين تفويض السلف وتفويض المتكلمين
 * الإمام ابن عبد البر (ت: 463هـ): قال: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك" [10]. (وهذا إثبات للمعنى وتفويض للكيف).
 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): فضح مذهب المفوضة الذين يسمون أنفسهم "أهل التفويض" وهم في الحقيقة "أهل التجهيل"، وقال: "تبين أن قول أهل التفويض من شر أقوال أهل البدع والإلحاد" [11].
 * الفرق بين المذهبين: تفويض السلف هو "إيمانٌ بالمعنى وجهلٌ بالكيف"، أما تفويض المتكلمين (المفوضة) فهو "جهلٌ بالمعنى والكيف معاً"، وهو تعطيلٌ للنصوص عن هدايتها، وجعلُ القرآن بمنزلة الألغاز [12].
سادساً: الناحية الردودية وتفنيد شبهة "التفويض مذهب السلف"
يرد السلف على المفوضة [13] والأشاعرة [14] (الذين يزعمون أن التفويض هو أسلم المذاهب) بما يلي:
 * القدح في البلاغ: لو كان التفويض المطلق هو مذهب السلف، لكان القرآن نزل بأعظم أصول الدين (وهي صفات الله) في كلمات لا تُفهم، وهذا ينافي كونه "تبياناً لكل شيء" و"هدى للناس" [15].
 * نسبة الجهل للصحابة: مذهب المفوضة يستلزم أن يكون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أجهل الأمة بمعاني القرآن، وأنهم كانوا يقرؤون نصوص الصفات كالأعجم الذي يقرأ كلاماً لا يفهمه، وهذا باطلٌ بالضرورة [16].
&&&:::&&&&&&&&&&
 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 7، الصفحة 210، طبعة دار صادر.
 * ابن تيمية، تقي الدين أحمد، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 201، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 412، طبعة دار العاصمة.
 * الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 6، الصفحة 205، طبعة دار هجر.
 * ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 1، الصفحة 12، طبعة دار طيبة.
 * السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 458، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الجهاد، حديث رقم (2826).
 * مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين، المجلد 1، الصفحة 526، حديث رقم (758).
 * البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث رقم (4351).
 * ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، المجلد 7، الصفحة 145، طبعة وزارة عموم الأوقاف المغربية.
 * ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 64، طبعة دار المنهاج.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 114، طبعة دار ابن الجوزي.
 * المفوضة: سبق تعريفهم في حاشية المبحث السابق.
 * الأشاعرة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
 * الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان، المجلد 7، الصفحة 184، طبعة دار عالم الفوائد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين، المجلد 1، الصفحة 86، طبعة دار ابن الجوزي.

&&&&&&&&&&&&&&&&

الفصل الثاني: المبحث الرابع: الرد على من فرق بين الصفات الخبرية والسمعية والعقلية من أهل البدع

أولاً: التحرير اللغوي والاصطلاحي للتقسيمات المبتدعة

قام أهل البدع بتقسيم الصفات إلى أقسامٍ اصطلاحية ليتمكنوا من نفي ما شاؤوا وإثبات ما شاؤوا:
الصفات العقلية: هي التي زعموا أن العقل يستقل بإثباتها (كالعلم والقدرة والإرادة)، فقبلوها [1].
الصفات السمعية (الخبرية): هي التي زعموا أن العقل لا مدخل له فيها، وإنما عُرفت بمجرد الخبر (كالوجه واليدين والاستواء)، فهذه أولّوها أو فوضوا معناها [2].
الرد اللغوي: إنَّ "الخبر" في لغة العرب هو النبأ، والصفات كلها "أخبارٌ" من الله عن نفسه؛ فالتفريق بين خبرٍ وخبر بغير مُخصصٍ من اللغة هو تحكمٌ باطل، إذ إنَّ لسان العرب واحد، ودلالة الألفاظ على حقائقها في البابين واحدة [3].
ثانياً: التحقيق العقدي في بطلان هذا التفريق
يرى أهل السنة والجماعة أنَّ هذا التقسيم تقسيمٌ "محدث" لم يعرفه السلف، وهو مبنيٌ على أصلٍ فاسد وهو "تقديم العقل على النقل". والتحقيق في رد هذا التفريق يقوم على أسس:
تلازم الدليلين: إنَّ الصفات التي سموها "عقلية" قد ورد بها السمع أيضاً، والصفات التي سموها "خبرية" لا يعارضها العقل الصريح [4].
التناقض المنهجي: إنَّ العقل الذي أثبت به الأشاعرة [5] "الإرادة" هو نفسه العقل الذي يلزمه إثبات "المحبة" و"الغضب"؛ لأنَّ الفرق بينهما في الشاهد (المخلوق) كالفرق بينهما في الغائب (الخالق)، فإثبات أحدهما ونفي الآخر تناقضٌ [6].
ثالثاً: الاستدلال من الكتاب العزيز (3 آيات)
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [يونس: 38]؛ وجه الدلالة أنَّ الله تحدى العرب ببيان القرآن كله، ولم يفرق بين آيات الصفات "العقلية" والخبرية، فدل على أنَّ الخطاب كله بلسانٍ واحد يُفهم معناه ويُصدق خبره [7].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]؛ نهى الله عن اتباع غير العلم، والتقسيم المحدث للصفات ليس عليه علمٌ من الوحي، بل هو من كيس المتكلمين، فاتباعه قفوٌ لما لا علم لنا به [8].
قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]؛ والرد على من فرق بين الصفات هو نوعٌ من الإيمان ببعض الأخبار وردّ بعضها الآخر بغير برهان شرعي، بل بمجرد الهوى العقلي [9].
رابعاً: الاستدلال من السنة النبوية المطهرة (3 أحاديث صحيحة)
قوله ﷺ: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» [رواه البخاري]؛ أثبت "العلو" (وهي خبرية عندهم)، والقول فيها كالقول في "الأمانة" و"العلم" [10].
قوله ﷺ: «إنَّ الله لا يملُّ حتى تملوا» [متفق عليه]؛ أثبت صفة "الملال" على وجهٍ يليق بجلاله، وهي صفة فعلية خبرية، والرد على من فرق بينها وبين صفة "الحياة" رَدٌّ للمنهج النبوي الواحد في الإثبات [11].
قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» [متفق عليه]؛ أثبت "الرؤية" بالبصر، وهي من الصفات التي اضطرب فيها المفرقون، والتحقيق أنها ثابتة بالسمع والعقل الصريح الذي لا يحيل رؤية الموجود [12].
خامساً: أقوال الأئمة في الرد على التفريق بين الصفات
الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ): قال في "كتاب التوحيد": "باب ذكر إثبات اليدين للخالق.. نثبتها بالسمع كما أثبتنا غيرها من الصفات بالعقل والسمع معاً، ولا نفرق بين ما جمع الله ورسوله" [13].
الإمام الخطابي (ت: 388هـ): قرر في "الغنية" أنَّ التفريق بين الصفات بحجة أنَّ العقل لا يدرك بعضها هو عين الضلال؛ لأنَّ الصفات توقيفية، وما ثبت بالنص وجب إثباته حقيقة [14].
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): قال: "كل ما يحتج به النافي لما نفاه من الصفات الخبرية، يمكن للمبطل أن يحتج بمثله فيما أثبته النافي من الصفات العقلية" [15]. (وهذا هو "قانون الإلزام" الشهير).
سادساً: الناحية الردودية وتفكيك مذهب المفرقين
يُرد بهذه القاعدة على المعتزلة [16] والأشاعرة [17] والماتريدية [18]:
بطلان التفريق العقلاني: يقال لهم: "إذا كان العقل هو الحاكم، فالعقول تختلف، وعقل المعتزلي نفى ما أثبته عقل الأشعري، فعاد الأمر إلى الفوضى. والحق هو الرجوع للنص الذي لا يختلف" [19].
كفاية السمع: إنَّ السمع (النص) دليلٌ قطعي مستقل، فإذا أخبر الله عن "يديه" أو "استوائه"، كان ذلك خبراً صادقاً يوجب العلم والعمل، ولا يفتقر إلى تصديق العقل لإثباته [20].
&&&&&&&&&&&&
الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، المجلد 1، الصفحة 135، طبعة دار الكتب العلمية.
الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار في أصول الدين، المجلد 2، الصفحة 142، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 4، الصفحة 226، طبعة دار صادر.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 224، طبعة دار الفضيلة.
الأشاعرة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 918، طبعة دار العاصمة.
الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 15، الصفحة 62، طبعة دار هجر.
ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 5، الصفحة 75، طبعة دار طيبة.
السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 57، طبعة مؤسسة الرسالة.
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث رقم (4351).
البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث رقم (43).
مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب المساجد، المجلد 1، الصفحة 439، حديث رقم (633).
ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 112، طبعة دار الرشد.
الخطابي، حمد بن محمد، رسالة الغنية عن الكلام وأهله، المجلد 1، الصفحة 68، طبعة دار أطلس.
ابن تيمية، تقي الدين أحمد، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 38، طبعة دار المنهاج.
المعتزلة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
الأشاعرة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
الماتريدية: سبق تعريفهم في الملحق السابق.
ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الآثار.
الشنقيطي، محمد الأمين، منهج السلف في أسماء الله وصفاته، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار عالم الفوائد.
&&&&&&&&&&&&&&

ملحق الأول  -المبحث الرابع من الفصل الثاني:التحرير الوجودي واللغوي للقدر المشترك
أولاً: حقيقة وجود الموجودات في الخارج
يجب أن يتقرر في البدء أصلٌ عقلي ونقلي عظيم، وهو أنَّ الموجودات في الخارج (في الأعيان) لا يشارك أحدها الآخر في شيء موجود فيه البتة، بل كل موجود له ذاتٌ تخصه، وصفاتٌ تميزه، وحقيقةٌ تنفرد بها عينه. وإنما يقع "الاشتراك" في الأذهان فقط عند تجريد اللفظ عن الإضافة [1]. فإذا قلنا "وجود الخالق" و"وجود المخلوق"، ففي الخارج وجود الخالق يخصه، ووجود المخلوق يخصه، ولا يختلط أحدهما بالآخر، وإنما يجمعهما في الذهن "مسمى الوجود" [2].

ثانياً: الاستدلال من الكتاب العزيز 

 * قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]؛ دلت على "القدر الفارق" في الخارج، مع بقاء "القدر المشترك" في مسمى "الشيء" لغةً [3].

 * قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]؛ نفي المماثلة في الحقيقة مع الاشتراك في الأسماء الكلية [4].

 * قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾
 [الصافات: 180]؛ تنزيه الله في حقيقته عما يتوهمه المشبهة من مماثلة في القدر الفارق [5].
 * قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]؛ لأن الإحاطة تكون للحقيقة (القدر الفارق)
 أما أصل المعنى (القدر المشترك) فهو معلوم [6].
 * قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ [النحل: 17]؛ استفهام إنكاري يثبت التباين في الحقائق مع اشتراك لفظ "الخلق" و"الفعل" [7].
ثالثاً: الاستدلال من السنة النبوية 
 * قوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام» [رواه مسلم]
١- إثبات صفة "الحياة" لله و للمخلوق (قدر مشترك)
 ٢- ونفي "النوم" عن الله (قدر فارق) يخص كماله [8].
 * قوله ﷺ: «للهُ أرحمُ بعباده من هذه بولدها» [متفق عليه]؛ اشتراك في مسمى "الرحمة" وتباين في عظمتها وحقيقتها [9].
 * قوله ﷺ: «إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر» [متفق عليه]؛ اشتراك في "وضوح الرؤية" وتباين في "حقيقة المرئي" [10].
 * قوله ﷺ: «خلق الله آدم على صورته» [متفق عليه]؛ اشتراك في مسمى "الصورة" وتباين في حقيقتها وكيفيتها [11].
 * قوله ﷺ في حديث الجنة: «فيها ما لا عين رأت..» [متفق عليه]؛ اشتراك في أسماء النعيم (عسل، لبن) وتباين كلي في حقائقها الخارجة عن الوصف [12].

رابعاً: صفات القدر المشترك ومراتب الوجود
القدر المشترك له صفاتٌ ذاتية لا ينفك عنها:

 * أنه لفظ عام أو كلي مشترك: يتناول أفراداً كثيرين عند تجريده من التخصيص.
 * أنه ذهني محـض: ليس له نصيب في الخارج من حيث هو مشترك؛ ففي الخارج لا يوجد إلا "معين ومخصص" [13].

 * أنه قبل الإضافة: فكلمة "علم" قبل أن تقول "علم الله" أو "علم الإنسان" هي قدر مشترك.

وينقسم الوجود إلى أربع مراتب:
 * الوجود الذهني: وهو تصور الأشياء في العقل، وهو الأوسع (يشمل الموجود والمعدوم والممتنع).

 * الوجود العيني (الخارجي): وهو ثبوت الأشياء في الواقع المادي المشاهد، كالجبال والبحار، وندركه بالحواس أو العقل أو الخبر الصادق؛ فعدم الرؤية ليس دليلاً على العدم [14].

 * الوجود اللفظي: وهو التعبير عن الموجودات بالأصوات والكلمات.
 * الوجود الخطي: وهو رسم تلك الألفاظ بالرقوم والكتابة [15].
خامساً: تقسيم الألفاظ وأنواعها
تنقسم الألفاظ من حيث علاقتها بالمعاني إلى:

 * الألفاظ المختلفة:
   * المترادفة: ألفاظ متعددة لمعنى واحد (كالليث والأسد).
   * المتباينة: ألفاظ مختلفة لمعانٍ مختلفة (كالفرس والدرهم).
   * المتكافئة: كألفاظ الذات والصفات؛ تدل على مسمى واحد وتتباين في صفاتها [16].

 * الألفاظ المتفقة:
   * المشترك اللفظي: لفظ واحد لمعانٍ متباينة (كالعين: للباصرة وللبئر).
   * المتواطئ: لفظ يقع على أفراد بائتلاف واستواء في أصل المعنى (كلفظ الرجل).
   * المشكك (المتفق): وهو الذي يقع على أفراده بتفاوت (كالنور: قوي وضعيف، والوجود: قديم وحادث). والصفات من هذا النوع الأخير [17].
سادساً: التحقيق في المصطلحات (الكل والجزء / الواحد بالعين والنوع)

 * الفرق بين حقيقة المعنى وأصل المعنى: يتوهم البعض أنهما واحد، والتحقيق أن "أصل المعنى" هو القدر المشترك الذهني، و"حقيقة المعنى" هي ما يختص به الموصوف في الخارج [18].

 * الكل والجزء: "الكل" هو المجموع المؤلف من أجزاء، و"الجزء" هو ما يتركب منه الكل. والله تعالى منزه عن التركيب والأجزاء، وصفاته ليست أجزاءً له، بل هي كمالات ذاته [19].

 * الواحد بالعين والواحد بالنوع: "الواحد بالعين" هو الموجود المشخص في الخارج الذي لا يقبل الشركة (كذات الله). و"الواحد بالنوع" هو الكلي الذي يشترك فيه أفراد النوع في الذهن (كالإنسانية) [20].

&&&&&&&&&&&&&&&&

 ١- ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار المنهاج.
 ٢- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 445، طبعة دار العاصمة.
 ٣-الشنقيطي، محمد الأمين، أضواء البيان، المجلد 7، الصفحة 185، طبعة دار عالم الفوائد.
 ٤- الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان، المجلد 15، الصفحة 112، طبعة دار هجر.
 ٥- ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، المجلد 7 الصفحة 45، طبعة دار طيبة.
 ٦- السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 514، طبعة مؤسسة الرسالة.
 ٧- البغوي، الحسين بن مسعود، تفسير البغوي، المجلد 5، الصفحة 12، طبعة دار طيبة.
 ٨- مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب الإيمان، حديث رقم (179).
 ٩-البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الأدب، حديث رقم (5999).
 ١٠- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الأذان، حديث رقم (806).
 ١١- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، حديث رقم (6227).
 ١٢- البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، حديث رقم (3244).
 ١٣- ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110، طبعة مجمع الملك فهد.
 ١٤- ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 ١٥-ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 ١٦-ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 10، الصفحة 412، طبعة دار صادر.
 ١٧-الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1 الصفحة 135، طبعة دار الكتب العلمية.
 ١٨- السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1 الصفحة 34، طبعة دار أضواء السلف.
 ١٩-ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1 الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 ٢٠- الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1 الصفحة 104، طبعة دار الكتب العلمية.


&&&&&&&&&&&&&&&&


ملحق الثاني من المبحث الرابع الفصل الثاني (ب):

 التحرير العقدي للقدر الفارق ولوازم القاعدة في الرد على الفرق

أولاً: تعريفات القدر الفارق المميز والمخصص

يتحقق "القدر الفارق" عند الإضافة والتخصيص، وهو الذي يخرج الصفة من حيز "العموم الذهني" إلى "الخصوص العيني"، وتتجلى حقيقته في النقاط التالية:

 * المعنى الخاص: هو الحقيقة الخارجية التي تميز الصفة الإلهية عن صفة المخلوق؛ فإذا أُضيف (العلم) إلى الله، صار "علماً محيطاً ذاتياً"، وإذا أُضيف للمخلوق صار "علماً قاصراً مستفاداً" [1].

 * التمايز بين المخلوقات: القدر الفارق لا يفرق بين الخالق والمخلوق فحسب، بل هو الذي يفرق بين صفات المخلوقين أنفسهم (كفرق اليد بين الإنسان والحيوان) مع اشتراكهم في مسمى "اليد" [2].

 * أصل التنزيه: توضح هذه القاعدة أنَّ الاشتراك في "القدر المشترك" (أصل المعنى) لا يستلزم الشبه؛ لأنَّ الفارق المخصص يقطع كل توهم بالمماثلة عند الإضافة [3].

 * الواقعية العينية: القدر الفارق يبين أنَّ صفات الله ليست مجرد "انتزاعات ذهنية" أو معانٍ كلية، بل هي حقائق واقعية ثابتة لها آثارها وتأثيرها في الوجود [4].

ثانياً: الفرق والردود (على من ترد هذه القاعدة؟)

تعد قاعدة القدر المشترك والفارق سلاحاً ذا حدين، يرد على طرفي الغلو (التشبيه والتعطيل):

 * الرد على المشبهة: الذين أثبتوا "القدر المشترك" وظنوا أنه يستلزم تماثل "القدر الفارق"، فجعلوا حقيقة صفات الله كحقيقة صفات خلقه، فجاءت القاعدة لتبين بطلان التشبيه لوجود التمايز المخصص لكل موصوف [5].

 * الرد على الصفاتية (الأشاعرة [6] والمعطلة النفاة):

 الذين فروا من إثبات الصفات الخبرية زاعمين أنَّ إثباتها تشبيه، فبينت القاعدة أنَّ الاتفاق في "المعنى الكلي" لا يستلزم الاتفاق بعد "التخصيص"، فجنايتهم كانت بظن التلازم بين الإثبات والتمثيل [7].

 * الرد على الجهمية [8] والمعتزلة [9] والفلاسفة: الذين توهموا أنَّ القول باشتراك الموجودات في مسمى "الوجود" يلزم منه التجسيم والتركيب، لعدم تفريقهم بين الوجود الكلي في الذهن والوجود العيني المنفصل في الخارج [10].

 * الرد على الباطنية [11]: أصحاب سلب النقيضين (لا حي ولا ميت)؛ إذ زعموا "الوجود المطلق" لله، والحقيقة أنَّ المطلق بشرط الإطلاق لا يوجد إلا في الأذهان، أما في الخارج فلا يوجد إلا مقيداً مخصصاً [12].

ثالثاً: لوازم القاعدة وأثرها في الرد على "وحدة الوجود"

 * بطلان وحدة الوجود: تضرب هذه القاعدة في أصل مذهب "الاتحادية"
 الذين لم يفرقوا بين (الواحد بالعين) و (الواحد بالنوع)؛ فظنوا أنَّ وجود الخالق هو عين وجود المخلوق، بينما التحقيق أنَّ بينهما قدراً مشتركاً في الذهن، وتباينًا كلياً وفارقاً جوهرياً في الخارج العيني [13].

 * التلازم الذهني والعيني: الوجود الذهني الكلي لا يستلزم الوجود الخارجي العيني بنفس الهيئة الكلية؛ فالمعاني الكلية المشتركة (كالحياة، العلم، الوجود) لا توجد إلا في الأذهان [14].

 * الجمع بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات:هذا الضابط يكشف تناقض المتكلمين؛ حيث "جمعوا بين المختلفات"

 (فسوَّوا بين صفة الخالق وصفة المخلوق في اللوازم) 

ثم نفوا القدر المشترك، وبذلك "فرقوا بين المتماثلات" 

(بإثبات بعض الصفات ونفي نظائرها)، والعقل الحكيم يثبت كمال الخالق بما يليق به، وكمال المخلوق بما يليق به [15].


&&&&&&&&&&&& 
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 45، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 448، طبعة دار العاصمة.
 * الشنقيطي، محمد الأمين، منهج السلف في أسماء الله وصفاته، المجلد 1، الصفحة 29، طبعة دار عالم الفوائد.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 35، طبعة دار أضواء السلف.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 160، طبعة دار الآثار.
 * الأشاعرة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 3، الصفحة 32، طبعة مجمع الملك فهد.
 * الجهمية: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
 * المعتزلة: سبق تعريفهم في الفصل الأول.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 215، طبعة دار الفضيلة.
 * الباطنية: فرقة زعمت أنَّ للنصوص باطناً يخالف ظاهرها، وهم الذين غلوا في نفي الصفات بسلب النقيضين.
 * الغزالي، أبو حامد، فضائح الباطنية، المجلد 1، الصفحة 38، طبعة مؤسسة الكتب الثقافية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة دار التقوى.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، المجلد 1، الصفحة 234، طبعة دار المعرفة.
&&&&&&&&&&&&&

الملحق الثالث من المبحث الرابع  في الفصل الثاني (ج):

 لوازم قاعدة القدر المشترك وخلاصات منهجية لطالب العلم

أولاً: الوجود الذهني والتمايز العيني

من أعظم لوازم هذه القاعدة أنَّ المعاني الكلية المشتركة لا توجد إلا في الأذهان [1]. 

فالعقل يتصور "مطلق الوجود" أو "مطلق العلم"، لكن في الواقع الخارجي لا يوجد وجودٌ مطلق، بل وجودٌ معين
 (إما خالق وإما مخلوق).

 * الفائدة: هذا التصور يقطع الطريق على أهل "وحدة الوجود" [2] الذين لم يفرقوا بين الوجود الكلي الذهني وبين الوجود العيني المتميز لكل ذات [3].

ثانياً: التمييز بين أنواع الإضافة (إضافة الأعيان وإضافة الصفات)

من لوازم القاعدة: أنَّ الصفة بعد الإضافة تتميز وتتخصص، والموصوف يُعرف بصفاته القائمة به. ولتحقيق ذلك، يجب على طالب العلم التمييز بين نوعين من الإضافة إلى الله:

 * إضافة الأعيان (إضافة تشريف وملك): وهي إضافة أعيانٍ مخلوقة قائمة بنفسها إلى الله
 مثل: (ناقة الله، بيت الله، عبد الله). فهذه مخلوقات منفصلة أُضيفت لله تشريفاً وتكريماً [4].

 * إضافة الصفات: وهي إضافة معانٍ وأوصاف لا تقوم بنفسها، بل لا بد لها من موصوف
 مثل: (علم الله، قدرة الله، كلام الله). 

فهذه صفات قائمة بذات الموصوف وليست مخلوقة، والقول فيها كالقول في الذات [5].

ثالثاً: القواعد الذهبية لخلاصة المبحث (مذكرة لطالب العلم)

هذه النقاط الأربع هي زبدة التحقيق في هذا المبحث

 يُنصح بحفظها ومذاكرتها:

 * القاعدة الجامعة: ما من شيئين موجودين

- إلا وبينهما قدر مشترك (في أصل المعنى الذهني)

- وقدر فارق مميز (في حقيقة الوجود الخارجي). 

هذه القاعدة هي المفتاح لفهم العلاقة بين صفات الخالق وصفات المخلوق على الوجه الصحيح [6].

 * التنزيه المطلق: تؤكد القاعدة أنَّ الله تعالى يتميز عن المخلوقات بصفات خاصة به لا يشاركه فيها أحد، وأنَّ الاشتراك في "القدر المشترك" لا يستلزم التشبيه ولا التمثيل [7].

 * لوازم إنكار القدر المشترك (التعطيل): من أنكر القدر المشترك وقع في محذورين:

   * تكذيب الكتاب والسنة اللذين خاطبانا بمعانٍ نعقلها.

   * الوقوع في التعطيل لأنه أنكر أصل المعنى فصار لا يفهم  من النص شيئاً [8].

 * لوازم إنكار القدر الفارق (التمثيل): من أنكر القدر الفارق المخصص وقع في محذورين:

   * تكذيب نصوص التنزيه مثل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

   * الوقوع في التمثيل؛ لأنه جعل حقيقة صفات الخالق كحقيقة صفات المخلوق [9].

&&&&&&&&&&&&

[1] ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
[2] وحدة الوجود: مذهب يزعم أنَّ الوجود واحد، وأنَّ وجود المخلوقات هو عين وجود الخالق، وهو قول ابن عربي وأتباعه.
[3] ابن تيمية، تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، الرسالة التدمرية (تحقيق: د. محمد بن عودة السعوي)، المجلد 1، الصفحة 48، طبعة دار المنهاج.
[4] ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، المجلد 4، الصفحة 1312، طبعة دار العاصمة.
[5] الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، المجلد 7، الصفحة 186، طبعة دار عالم الفوائد.
[6] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 3، الصفحة 66-67 (بتصرف في صياغة القاعدة الجامعة).
[7] ابن تيمية، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52.
[8] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 214.
[9] الشنقيطي، أضواء البيان، المجلد 7، الصفحة 188.



&&&&&&&&&&

الفصل الثالث : ضوابط الألفاظ المجملة البدعية 

المبحث الأول : اجتناب الألفاظ المجملة وعلاجها الإستفسار والتفصل ( بالسؤال بماذا تقصد؟)

نص القاعدة
"الألفاظ المجملة المبتدعة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها في الكتاب والسنة: لا تُقبل مطلقاً، ولا تُرد مطلقاً، بل يُستفسر عن معناها؛ فإن كان حقاً قُبل المعنى وعُبّر عنه بالألفاظ الشرعية، وإن كان باطلاً رُدَّ لفظاً ومعنى" [1].

أولاً: التحقيق اللغوي والاشتقاقي

 * المجمل: لغةً: من (ج م ل) وهو الخلط والجمع، والمجمل هو اللفظ الذي يحتمل معاني متعددة لا يتميز بعضها عن بعض إلا ببيان وتفصيل [2].

 * المبتدع: لغةً: من (ب د ع) وهو إنتاج الشيء واختراعه على غير مثال سابق، والمراد هنا المصطلحات التي لم ترد في خطاب الشارع ولا في لسان العرب لوصف الخالق سبحانه [3].
 * الاستفسار: طلب الفسار (البيان)، وهو كشف الغطاء عن المراد الكامن خلف اللفظ الموهم [4].

ثانياً: التقرير التاريخي

تصدى أئمة الهدى عبر العصور للألفاظ الحادثة التي أدخلها الفلاسفة والمتكلمون في حيز العقيدة، ومن أبرز هؤلاء الرجال:
 
* الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ): وقف في وجه الجهمية رافضاً إطلاق لفظ "الجسم" أو "العرض" أو نفيها، مقرراً أنَّ الله لا يوصف إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله [5].
 
* الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ): في نقضه على بشر المريسي، طبّق منهج الاستفصال في معنى "الحد" و"الجهة"، مبيناً أنَّ المعنى الحق ثابت لله وإن ذمه المبتدعة بأسماء مخترعة [6].
 
* شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): وهو الذي هذّب هذه القاعدة وأقام عليها صرح كتابه "التدمرية" و"درء التعارض"، وجعلها ميزاناً للمحاكمة بين النقل والعقل [7].
 
* الإمام ابن القيم (ت: 751هـ): الذي شيد أركان هذه القاعدة في "الصواعق المرسلة"، وفكك بها مغالطات المتكلمين لفظاً ومعنى [8].
 
* الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (ت: 1389هـ): الذي استصحب هذا المنهج في فتاواه المعاصرة، محذراً من الألفاظ التي توهم التشبيه أو التعطيل [9].

ثالثاً: الألفاظ السنية الواردة 

هذه الألفاظ استعملها السلف لحماية المعاني الشرعية بعد حدوث الفتنة:

 * بائن من خلقه: استعملها ابن المبارك وأحمد لبيان أنَّ الله فوق عرشه غير مخالط لمخلوقاته، رداً على الحلولية [10].

 * غير مخلوق: استعملت في وصف كلام الله تعالى، لتمييزه عن كلام البشر والمخلوقات [11].
 
* بذاته: استعملت لتأكيد حقيقة الاستواء والعلو، ونفي كونه علو مرتبة أو قدر فقط [12].

 * حقيقة: استعملت في إثبات الصفات (كاليد والوجه) لقطع الطريق على القول بالمجاز والتحريف [13].
 
* أزلي: استخدمت بمعنى "القديم الذي لا أول له"، لتمييز الخالق عن الحوادث والعدم [14].

رابعاً: إيراد 10 ألفاظ مبتدعة وكيفية الرد عليها (نقاط منهجية)

استعمل أهل البدع هذه الألفاظ لنفي الصفات، والرد عليها يكون بالاستفصال:

 * لفظ (التركيب): إن أراد به نفي إثبات الصفات الذاتية بدعوى أنها أجزاء؛ فهو باطل. وإن أراد به نفي كون الله مؤلفاً من أجزاء يفتقر بعضها لبعض؛ فهو حق، لكن التعبير عنه بالتركيب مبتدع، والصواب نفي "التجزئة" وإثبات "الأحدية" [15].

 * لفظ (الجهة): إن أراد به جهة "سفل" أو جهة "تحيط بالخالق"؛ فهو باطل. وإن أراد به جهة "العلو المطلق" فوق الخلق؛ فهو حق، والتعبير الشرعي هو "الفوقية" و"العلو" [16].

 * لفظ (التجسيم): إن أراد به أنَّ الله كأجسام المخلوقين؛ فهو باطل. وإن أراد به إثبات "الذات" الموصوفة بالصفات الحقيقية؛ فهو حق، واللفظ الشرعي هو "الذات" و"الشخص" [17].

 * لفظ (الجوهر الفرد): إن أراد به أنَّ الله مادة تقبل الأعراض؛ فهو باطل. وإن أراد به أنَّ الله قائم بنفسه لا يفتقر لغيره؛ فهو حق، واللفظ الشرعي هو "القيوم" [18].
 * لفظ (الحيز): إن أراد به أنَّ المكان يحوي الله؛ فهو باطل. وإن أراد به مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم؛ فهو حق، والتعبير الشرعي هو "البينونة" من الخلق [19].

 * لفظ (الحادث): إن أراد به أنَّ صفات الله الفعلية بدأت بعد عدم (مخلوقة)؛ فهو باطل. وإن أراد به أنَّ الله يتكلم ويفعل بمشيئته متى شاء؛ فالأصل حق، لكن تسميته حادثاً مبتدعة، والصواب أنها "آحاد الصفات الفعلية" [20].

 * لفظ (الأبعاد): إن أراد به طول وعرض الأجسام؛ فهو باطل. وإن أراد به إثبات العظمة الذاتية والقدر والصفات الخبرية؛ فالمعنى حق، واللفظ مبتدع موهم [21].

 * لفظ (الغرض): إن أراد به حاجة الله لمخلوقاته؛ فهو باطل. وإن أراد به إثبات "الحكمة" من وراء أفعاله؛ فهو حق، واللفظ الشرعي هو "الحكمة" و"الغاية" [22].

 * لفظ (البسيط): إن أراد به نفي الصفات وجعل الذات مجردة؛ فهو باطل. وإن أراد به نفي التعدد في الذات الإلهية (أنها ذات واحدة)؛ فهو حق، واللفظ الشرعي هو "الواحد" [23].

 * لفظ (التحيز): إن أراد به انحصار الخالق في المخلوق؛ فهو باطل. وإن أراد به وجود الله حقيقةً فوق عرشه؛ فهو حق، واللفظ الشرعي هو "الاستواء" و"العلو" [24].

خامساً: منهجية الرد التفصيلي وخطواته

يتم التعامل مع هذه الألفاظ عبر الخطوات التالية:

 * الاستفصال: سؤال القائل: ماذا تقصد بهذا اللفظ؟ إذ إنَّ اللفظ لم يرد في الشرع.

 * التقسيم: فرز المعنى المراد؛ فإن كان باطلاً رُدَّ اللفظ والمعنى. 
وإن كان حقاً، رُدَّ اللفظ لكونه مبتدعاً وقُبل المعنى لكونه حقاً ثم يُصاغ هذا المعنى باللفظ الشرعي الوارد [25].
&&&&&&&&&&&&&&&
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 55، طبعة دار المنهاج.
 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 11، الصفحة 126، طبعة دار صادر.
 * الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 908، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، المجلد 1، الصفحة 238، طبعة المكتبة النموذجية.
 * اللالكائي، هبة الله بن الحسن، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 1، الصفحة 156، طبعة دار طيبة.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 12، الصفحة 114، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 925، طبعة دار العاصمة.
 * ابن إبراهيم، محمد، فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة مطبعة الحكومة بمكة.
 * ابن المبارك، عبد الله، الزهد والرقائق، المجلد 1، الصفحة 22، طبعة دار الكتب العلمية.
 * أحمد بن حنبل، الرد على الزنادقة والجهمية، المجلد 1، الصفحة 24، طبعة دار الثبات.
 * ابن أبي زيد القيرواني، الرسالة، المجلد 1، الصفحة 6، طبعة المكتبة الثقافية.
 * ابن بطة، عبيد الله بن محمد، الإبانة الكبرى، المجلد 3، الصفحة 112، طبعة دار الراية.
 * السفاريني، محمد بن أحمد، لوامع الأنوار البهية، المجلد 1، الصفحة 128، طبعة مؤسسة الخافقين.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 512، طبعة دار العاصمة.
 * الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، المجلد 1، الصفحة 298، طبعة المكتبة العصرية.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على الجهمية، المجلد 1، الصفحة 64، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * الهروي، أبو إسماعيل، ذم الكلام وأهله، المجلد 4، الصفحة 112، طبعة دار العلوم والحكم.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، شفاء العليل، المجلد 1، الصفحة 234، طبعة دار المعرفة.
 * الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 104، طبعة دار الكتب العلمية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، المجلد 2، الصفحة 142، طبعة مؤسسة قرطبة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة دار ابن الجوزي.

سعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 36، طبعة دار أضواء السلف.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 162، طبعة دار الآثار.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين، المجلد 1، الصفحة 86، طبعة دار ابن الجوزي.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


ملحق الأول من المبحث الأول  في الفصل الثالث (أ): 

التحرير المنهجي للفظ

 -(الجوهر الفرد)

- و(البسيط) وشبهة نفي الصفات

أولاً: الشرح  لمصطلح (الجوهر الفرد) و(البسيط)

 * الجوهر الفرد: هو اصطلاح فلسفي انتقل إلى المتكلمين، ويقصدون به "الجزء الذي لا يتجزأ"، أي أصغر وحدة بنائية للمادة لا تقبل الانقسام لا فعلاً ولا وهماً [1].
 زعم المتكلمون أنَّ الأجسام مؤلفة من هذه الجواهر المنفردة، ثم بنوا على ذلك أنَّ كل ما يقبل "التعدد" أو "التمييز" فهو مركب، وكل مركب فهو حادث [2].

 * الجوهر البسيط: هو ما ليس بمركب أصلاً، ويدعي الفلاسفة والمتكلمون أنَّ ذات الرب "بسيطة" بالمعنى الفلسفي، أي مجردة عن الصفات وعن التعدد المعنوي؛ لأنَّ إثبات الصفات عندهم يستلزم "التركيب"، والتركيب يستلزم الافتقار، والافتقار ينافي الألوهية [3].

 * وجه الخطورة: استخدم أهل الكلام هذه المصطلحات لنفي "قيام الصفات بالذات"؛ فقالوا: لو أثبتنا لله وجهاً أو يداً أو علماً أو قدرة، لكانت هذه "أعراضاً" زائدة على "الجوهر"، مما يجعله مركباً (أجساماً)، وهذا هو أصل مذهب التعطيل [4].

ثانياً: النقولات والردود المنهجية لعلماء السنة (قديماً)

 * رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):
   كان من أوائل من فضح هذا المسلك، وردَّ على بشر المريسي الذي نفى الصفات بدعوى نفي التبعيض والجواهر، فقال الدارمي: "إنَّ الله تعالى حي قيوم، له صفاتٌ قائمة به، والقول بأنَّ إثباتها تركيبٌ أو تجزئة هو افتراءٌ على اللغة والشرع؛ فالله وصف نفسه باليدين والوجه مع كونه أحداً صمداً" [5].

 * تحقيق الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ):
   في "كتاب التوحيد"، حذَّر من إدخال مصطلحات الفلاسفة في ذات الله، وردَّ على من نفى الصفات الخبرية بدعوى نفي "الجوهرية"، مبيناً أنَّ الله أثبت لنفسه صفاتٍ وأفعالاً، والقول بامتناع قيامها بالذات هو تعطيلٌ للمعبود [6].

 *  شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):

   فكك ابن تيمية أسطورة "الجوهر الفرد" في مواضع شتى، مبيناً أنها "مقدمة باطلة بني عليها دينٌ باطل"؛ فقال: "إنَّ مسمى (البسيط) و(الجوهر) في اصطلاحهم يراد به نفي الصفات، بينما العقل والشرع يوجبان أنَّ كل موجود حقيقي لا بد أن يكون له صفات قائمة به، ونفي الصفات هو نفيٌ للوجود ذاته" [7].
 وأوضح أنَّ "التركيب" الذي ينفونه هو "إثبات الذات والصفات"، وهذا تسميةٌ للحق بأسماء منفرة [8].

 * تحقيق الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):
   وصف في "الصواعق" مذهب "البسيط" بأنه مذهب الفلاسفة الدهرية، مبيناً أنهم جعلوا الله "عدماً محضاً"؛ لأنَّ الذات المجردة عن الصفات لا وجود لها إلا في الأذهان، أما في الخارج فلا بد من موصوف بصفات الكمال [9].

ثالثاً: التحقيق والردود للمعاصرين (تحقيق القول في الفرية)

 * الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت: 1386هـ):
   أوضح في "التنكيل" أنَّ المتكلمين بنوا عقائدهم على "خيالات هندسية" (كالجوهر الفرد)، وتركوا النصوص المحكمة، وبين أنَّ هذه الاصطلاحات لا تصلح حكماً على الوحي [10].

 * العلامة محمد ناصر الدين الألباني (ت: 1420هـ):
   حذَّر في تعليقاته على "العقيدة الطحاوية" من الألفاظ التي لم يرد فيها نص (كالعرض والجوهر)، مبيناً أنَّ السلف أثبتوا الصفات دون الدخول في تخرصات الفلاسفة حول مادة الأجسام وحقائقها [11].

 * العلامة محمد بن صالح بن عثيمين (ت: 1421هـ):
   حقَّق القاعدة بقوله: "إنَّ هؤلاء سموا الصفات (أعراضاً)، وسموا الذات (جوهراً) أو (جسماً)، ثم قالوا: الجوهر لا يخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. وهذا كله باطل؛ لأننا نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولا يهمنا ما يطلقه المبتدعة من مسميات" [12].

رابعاً: خلاصة الرد السني على هذه الفرية
 * بطلان المقدمة: "الجوهر الفرد" مسألة ظنية فلسفية لم يتفق عليها العقلاء، فلا يجوز جعلها أصلاً يُنفر به عن نصوص الكتاب والسنة [13].

 * الفرق بين "التركيب الممتنع" و"تعدد الصفات": أهل السنة ينزهون الله عن "التركيب" بمعنى افتقار الأجزاء لبعضها، لكنهم يثبتون "تعدد الصفات" لموصوف واحد، وهذا هو الكمال المحض [14].

 * الوجود العيني: كل موجود في الخارج لا بد أن يكون له صفات يتمايز بها، فمن نفى الصفات بدعوى "البساطة" فقد وصف "المعدوم" لا "الموجود" [15].
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
 * الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 78، طبعة دار الكتب العلمية.
 * الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار، المجلد 1، الصفحة 242، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 94-96، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 426، طبعة مجمع الملك فهد.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 118، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280-284، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 68، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 1012، طبعة دار العاصمة.
 * المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار عالم الفوائد.
 * الألباني، محمد ناصر الدين، شرح العقيدة الطحاوية، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة المكتب الإسلامي.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، المجلد 4، الصفحة 142، طبعة دار الثريا.
 * ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، المجلد 2، الصفحة 110، طبعة مؤسسة قرطبة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، شفاء العليل، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار المعرفة.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار أضواء السلف.
&&&&&&&&&&&&&&&&&


ملحق الثاني - المبحث الثاني (ب):

 التحرير المنهجي لألفاظ (المكان، الجهة، الحد) والرد على النفاة

أولاً: لفظ (المكان) بين الإثبات الشرعي والوهم الكلامي
 * التدقيق اللغوي: المكان لغةً من (ك و ن)، وهو موضع الكينونة، ويُطلق على الحيز الذي يشغله الشيء أو الجهة التي هو فيها [1].

 * لماذا أورده أهل البدع؟ 

استخدمه المعطلة (الجهمية والمعتزلة والأشاعرة) 
كفخٍّ لفظي؛ فزعموا أنَّ إثبات "المكان" يستلزم "التحيز" و"الافتجار" للمكان، وأن يكون الله محاطاً بمخلوق، ومن ثَمَّ نفوا علو الله على عرشه بدعوى تنزيهه عن المكان [2].

 * تحقيق أهل السنة والجماعة: يفرق أهل السنة بين معنيين للمكان:
   * المكان الوجودي (المخلوق): وهو ما أحاط بالشيء وهذا منزه الله عنه؛ فالله بائن من خلقه لا يحويه شيء من مصنوعاته [3].

   * المكان بمعنى العلو (العدمي): وهو ما فوق العالم، وهذا ثابت لله بالشرع كما في حديث الجارية حين سألها النبي ﷺ: "أين الله؟" قالت: "في السماء"، فأقرها [4]. 
فالله في مكانٍ هو "فوق العرش" لا يحده حادٌّ من خلقه ولا يحيط به شيء [5].

ثانياً: لفظ (الجهة) وتفصيل الحق فيها
 * التدقيق اللغوي: الجهة من (و ج هـ) وهي الناحية أو القبلة التي يتجه إليها الشيء وتُطلق على الحيزات الست (فوق، تحت، يمين، شمال، أمام، خلف) [6].

 * لماذا أورده أهل البدع؟ 
استعمله المتكلمون لنفي الفوقية؛ فقالوا: "الله لا جهة له" ليوهموا الناس أنَّ إثبات العلو يقتضي أن يكون الله في حيزٍ محدود كالمخلوقات [7].

 * تحقيق أهل السنة والجماعة: لفظ "الجهة" مبتدع مجمل، والواجب فيه التفصيل:
   * إن أريد بالجهة "جهة سفل" أو "جهة تحيط بالخالق"؛ فهذا باطل ممتنع [8].

   * إن أريد بها "جهة العلو المطلق" التي لا يشركه فيها غيره وهي ما فوق العالم؛ فهذا حق ثابت، واللفظ الشرعي هو "العلو" و"الفوقية" [9]. وقد نقل الأوزاعي إجماع التابعين على إثبات العلو لله في السماء [10].

ثالثاً: لفظ (الـحـد) وتحقيق مذهب السلف فيه
 * التدقيق اللغوي: الحد لغةً هو الفصل والحاجز بين الشيئين، وهو ما يتميز به الشيء عن غيره [11].

 * لماذا أورده أهل البدع؟ زعموا أنَّ "المحدود" مساوٍ لـ "الجسم"، وأنَّ الله لا حدَّ له لأنَّ الحد يقتضي التناهي والتركيب [12].

 * تحقيق أهل السنة والجماعة (إثبات الحد):
   * أثبت أئمة السلف "الحد" لله بمعنى البينونة، أي أنَّ ذات الله منفصلة عن ذوات المخلوقين، ليس بينهما مماسة ولا تداخل [13].

   * قال عبد الله بن المبارك (ت: 181هـ) لما سُئل: "بماذا نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق عرشه بائن من خلقه بحد" [14].
   * الضابط الجوهري: أهل السنة يثبتون حداً لله لا يعلمه إلا هو سبحانه؛ فالله له حدٌّ يتميز به عن خلقه، لكننا لا نحيط به علماً ولا ندرك كيفية هذا الحد ومقداره، فهو سبحانه لا يحده حادٌّ من جهة الإحاطة أو الحصر [15].

رابعاً: الردود المنهجية وتحقيق الأئمة المحققين

 * رد الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):
   قرر في "نقضه على المريسي" أنَّ من قال (لا حدَّ لله) فقد قال بعدم وجوده؛ لأنَّ كل موجود مباين لغيره لا بد له من حدٍّ يفصل بينه وبين غيره، والله مباين لخلقه، فله حدٌّ يليق بعظمته [16].

 * تحقيق شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
   أوضح في "التدمرية" و"بيان تلبيس الجهمية" أنَّ إنكار الحد والجهة غرضه الوصول لنفي وجود الله خارج الذهن؛ فالموجود لا بد له من حيزٍ يتميز به وجهةٍ يكون فيها، والله فوق العرش بحدٍّ يعلمه هو [17].

 * تحقيق الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):

   بيّن في "اجتماع الجيوش الإسلامية" أنَّ نفي الحد هو أصل "وحدة الوجود"؛ لأنهم إذا نفوا الحد الفاصل بين الخالق والمخلوق، لزم من ذلك اتحاد الوجودين، تعالى الله عن ذلك [18].

 * تحقيق المعاصرين (ابن عثيمين والألباني):
   قرر الشيخ ابن عثيمين أنَّ العلو يقتضي المكان والجهة والحد بالمعنى الصحيح وهو البينونة والفوقية، وردَّ على من ينفي ذلك بأنه يعبد عدماً [19].

&&&&&&&&&&&&&&&

 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 13، الصفحة 364، طبعة دار صادر.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 435، طبعة مجمع الملك فهد.
 * الذهبي، شمس الدين، العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 138، طبعة المكتب الإسلامي.
 * مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، كتاب المساجد، حديث رقم (537).
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 912، طبعة دار العاصمة.
 * الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 1125، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، المجلد 4، الصفحة 142، طبعة دار الثريا.
 * اللالكائي، هبة الله، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 3، الصفحة 441، طبعة دار طيبة.
 * الذهبي، شمس الدين، سير أعلام النبلاء، المجلد 7، الصفحة 114، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 91، طبعة دار الكتب العلمية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 65، طبعة دار المنهاج.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 68، طبعة دار ابن حزم.
 * عبد الله بن المبارك، كما رواه عنه الدارمي في الرد على الجهمية، الصفحة 42.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، اجتماع الجيوش الإسلامية، المجلد 1، الصفحة 112، طبعة دار الكتب العلمية.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن تيمية، تقي الدين، منهاج السنة النبوية، المجلد 2، الصفحة 142، طبعة مؤسسة قرطبة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، النونية (الكافية الشافية)، المجلد 1، الصفحة 45، طبعة دار عالم الفوائد.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الآثار.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&


ملحق الثالث من المبحث الثاني (ج):
 تفكيك المصطلحات الأربعة 
(التركيب، التجسيم، الأغراض، الأعراض)

أولاً: التدقيق اللغوي والاشتقاقي للمصطلحات

 * التركيب: لغةً: وضع شيء على شيء ليتصل به، وهو ضد التحليل والتبديد [1].

 * التجسيم: لغةً: من الجسيم، وهو الغليظ العظيم من كل شيء، والجسم هو الذات الكثيفة التي لها طول وعرض وعمق [2].

 * الأعراض: لغةً: جمع عَرَض، وهو ما يعرض للشيء ثم يزول، ولا يقوم بنفسه [3].

 * الأغراض: لغةً: جمع غرض، وهو الهدف أو الباعث الذي يُقصد بالفعل [4].

ثانياً: من أين جاءت هذه الكلمات وكيف نُصبت كفخاخ؟
دخلت هذه المصطلحات من الفلسفة اليونانية وترجمات كتب المنطق، ثم تلقفها المتكلمون وبنوا عليها "دليل الحدوث" واستعملوها كفخاخ للمسلمين من أهل السنة بالطريقة التالية:
 * فخ الأعراض والتركيب:
 يقولون: "كل ما لا يخلو من الأعراض فهو حادث"، ثم يزعمون أنَّ الصفات (كالنزول، والاستواء، واليد) 
هي أعراض، وبما أنَّ الأعراض لا تقوم إلا بجسم؛ فإنَّ إثباتها يستلزم أن يكون الله (جساماً مركباً)، والأجسام حادثة فخلصوا إلى نفي الصفات بدعوى نفي "التركيب" و"الأعراض" [5].

 * فخ الأغراض: يزعمون أنَّ الله لو فعل لحكمة أو باعث (غرض)، لكان مفتقراً إلى ذلك الغرض ليكمل به نفسه، فجرّدوا أفعال الله من الحكمة بدعوى تنزيهه عن "الأغراض" [6].

ثالثاً: التحقيق والرد المنهجي للأئمة المحققين

 * رد شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ) على "التركيب والتجسيم":
   أوضح في "التدمرية" أنَّ لفظ "التركيب" مجمل؛ فإن قصدتم به أنَّ الله مؤلف من أجزاء منفصلة كان يفتقر إليها ثم اجتمعت؛ فهذا باطل ومنزه الله عنه. أما إن قصدتم بالتركيب "إثبات الصفات" للذات الواحدة؛ فهذا حقٌّ، وتسميته تركيباً هو من باب "التنفير بالأسماء" [7]. 
وأما "التجسيم" فإن قصدتم به إثبات الذات الحقيقية المباينة للمعدوم؛ فهو حق، واللفظ مبتدع [8].

 * تحقيق الإمام ابن القيم (ت: 751هـ) في الفرق بين "الأعراض" و"الصفات":
   بين في "الصواعق" أنَّ المتكلمين سموا الصفات الكاملة القائمة بذات الله (أعراضاً) ليشبهوها بأعراض المخلوقات الزائلة، والفرق أنَّ صفات الله ذاتية كمالية قديمة بقدمه، لا تفارقه ولا تطرأ عليه من عدم [9].

 * رد الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ) على نفي "الأغراض":
   أثبت أنَّ الله يفعل لحكمة، وردَّ على من جعل أفعال الله مجرد "عبث" أو "محض مشيئة" بغير غاية، مبيناً أنَّ نفي "الغرض" المبتدع لا يجوز أن يؤدي لنفي "الحكمة" الثابتة في القرآن [10].

 * تحقيق المعاصرين (ابن عثيمين والمعلمي اليماني):
   أوضح الشيخ ابن عثيمين أنَّ هذه الكلمات هي "ستار" يختفي خلفه المعطل؛ فالمسلم لا يثبتها ولا ينفيها حتى يستفصل عن المعنى، فالصفة ليست عَرَضاً حادثاً، والحكمة ليست غرضاً ناقصاً [11].

رابعاً: كيف يرد طالب العلم على من يواجهه بهذه الشبه؟
إذا قال لك قائل: "هل تثبت لله جسماً؟" أو "هل تثبت له تركيباً وأعراضاً وأغراضاً؟"؛ فقل له:
 * السؤال عن النص: قل له: هذه الألفاظ لم ترد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ، فمن أين جئت بها لتجعلها حكماً على الله؟ [12].

 * الاستفصال المنهجي:
 قل له: ماذا تقصد بـ "التركيب"؟ إن قصدت إثبات اليد والوجه والعين؛ فأنا أثبتها لأنَّ الله أثبتها، ولا أسميها تركيباً. وإن قصدت أنَّ الله مؤلف كتركيب المخلوقات؛ فالله منزه عن ذلك [13].

 * تفكيك لفظ "الأغراض":
 قل له: أنا أثبت أنَّ الله يفعل "لحكمة" و"لغاية" (كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾)، فإن سميتَ هذه الحكمة (غرضاً)؛ فاصطلاحك مردود، والمعنى الحق مقبول [14].

 * النتيجة: القاعدة هي: "نقبل المعاني الصحيحة ونعبر عنها بالألفاظ الشرعية، ونرد المعاني الباطلة ونرفض الألفاظ المبتدعة" [15].

&-&&&&&&&&&&&&&

 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 1، الصفحة 412، طبعة دار صادر.
 * الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 76، طبعة دار الكتب العلمية.
 * الرازي، محمد بن أبي بكر، مختار الصحاح، المجلد 1، الصفحة 202، طبعة المكتبة النموذجية.
 * الفيروزآبادي، محمد بن يعقوب، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 658، طبعة مؤسسة الرسالة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 94، طبعة دار الفضيلة.
 * الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار، المجلد 2، الصفحة 224، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 68، طبعة دار المنهاج.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 512، طبعة دار العاصمة.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الرشد.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الآثار.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين، المجلد 1، الصفحة 86، طبعة دار ابن الجوزي.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، شفاء العليل، المجلد 1، الصفحة 234، طبعة دار المعرفة.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار أضواء السلف.

&&&&&&&&&&&&&&&&


المبحث الثالث:
 أثر الإضافة والتخصيص في منع التماثل بين الخالق والمخلوق

أولاً: التحقيق اللغوي والاشتقاقي 
 * الإضافة لغةً: من (ض ي ف)، وهي ضم شيء إلى شيء، وفي الاصطلاح النحوي: نسبة تقييدية بين اسمين توجب للأول حكم التعريف أو التخصيص [1].

 * التخصيص لغةً: من (خ ص ص)، وهو ضد التعميم، ومعناه قصر العام على بعض أفراده، بحيث يتميز المخصص عما عداه [2].

 * أثر الإضافة في دلالة الألفاظ:

 يقرر علماء اللغة أنَّ الألفاظ قبل الإضافة تكون "مطلقة" أو "كلية" (القدر المشترك)، وهي لا توجد في الخارج بهذه الصورة المطلقة، وإنما توجد في الأذهان. فإذا أضيفت، انتقلت من "الشيوع" إلى "التعيين"، وهذا التعيين هو الذي يمنع التماثل؛ لأنَّ خصائص المضاف إليه تسري على المضاف [3]. 
فإذا قلت "يد"، فهي مطلقة تحتمل كل يد، فإذا قلت "يد النملة" تخصصت بصغرها، وإذا قلت "يد الفيل" تخصصت بضخامتها، وإذا أضيفت إلى الخالق سبحانه تخصصت بما يليق بجلاله وعظمته [4].

ثانياً: التحقيق الشرعي والعقدي وأثره في المباينة
تعد هذه القاعدة هي "الأصل الأصيل" في دفع التشبيه والتمثيل؛ فالاشتباه إنما يقع في الذهن قبل الإضافة، أما بعد الإضافة والتخصيص فإنَّ العقل يدرك المباينة التامة.

 * جوهر القاعدة: إنَّ القول في الصفات كالقول في الذات؛ فكما أنَّ ذات الله تعالى مضافة إليه، وهي ذات حقيقية لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته مضافة إليه، وهي صفات حقيقية لا تشبه الصفات [5].

 * منع التمثيل:
 الإضافة هي التي تقطع طمع المشبه في التمثيل، وتقطع حجة المعطل في النفي؛ لأنَّ الموصوف بالكمال المطلق (الله) يجب أن تكون صفاته كاملة مطلقاً، والموصوف بالنقص (المخلوق) يجب أن تكون صفاته قاصرة ناقصة.
 فاجتماع المسمى (علم، قدرة، رحمة) لا يستلزم تماثل الحقيقة بعد الإضافة [6].

ثالثاً: الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة

1. من الكتاب العزيز:
 * قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]؛ أثبت السمع والبصر (قدر مشترك)، ثم قطع التماثل بالإضافة إلى ذاته التي ليس كمثلها شيء (تخصيص) [7].
 * قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: 116]؛ أثبت "النفس" لله ولعيسى عليه السلام، ولكن إضافة النفس لله جعلتها مباينة لنفس المخلوق في الحقيقة والقدر [8].
 * قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: 60]؛ "المثل الأعلى" هو الوصف الأكمل، فكل صفة كمال تضاف لله فهي على حد الكمال الذي يباين كمال المخلوق [9].
 * قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]؛ أطلق لفظ "الشيء" على الله (قدر مشترك)، لكنه خصه بالأكبرية والمباينة المطلقة [10].
 * قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18]؛ اشتركوا في مسمى "العلم"، وتباينوا في حقيقته بالإضافة والتخصيص [11].

2. من السنة النبوية:
 * قوله ﷺ: «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام» [رواه مسلم]؛ أثبت الحياة والقيومية المضافة لله، ونفى عنها خصائص حياة المخلوق كالنوم [12].
 * قوله ﷺ في دعاء الاستخارة: «فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم» [رواه البخاري]؛ أثبت القدرة والعلم لله وللعبد، ثم فرق بينهما بالإضافة المقتضية للكمال لله والعجز للعبد [13].
 * قوله ﷺ: «خلق الله آدم على صورته» [متفق عليه]؛ أثبت الصورة لله ولآدم، والمنع من التمثيل يقع بالإضافة (صورته)، فحقيقة صورة الله لا تماثل حقيقة صورة آدم [14].
 * قوله ﷺ: «يد الله ملأى لا تغيضها نفقة» [متفق عليه]؛ أثبت اليد لله، وخصصها بما يليق به من الغنى والجود المباين ليد المخلوق [15].
 * قوله ﷺ: «يضحك الله إلى رجلين..» [متفق عليه]؛ أثبت صفة الضحك، وهي بالإضافة إلى الله صفة كمال تباين ضحك المخلوق الذي يكون عن انفعال أو تعجب ناقص [16].
رابعاً: أقوال السلف الصالح (5 أقوال)
 * الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ): "وصف الله نفسه بصفات، فنحن نثبتها له كما أثبتها، ولا نزيد على ذلك، ولا نضرب لها الأمثال"؛ وهذا إشارة إلى أنَّ الإضافة تقطع التمثيل [17].
 * إسحاق بن راهويه (ت: 238هـ): "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيد، أو سمع كسمع، فإذا قال: سمع كما قال الله، ويد كما قال الله، فلا تشبيه" [18].
 * عبد الله بن المبارك (ت: 181هـ): "نعرف ربنا بأنه فوق عرشه بائن من خلقه"، والبينونة هي أثر التخصيص والحد المباين [19].
 * الإمام الشافعي (ت: 204هـ): "لله أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها.. وننفي عنه التشبيه كما نفى عن نفسه" [20].
 * أبو حنيفة النعمان (ت: 150هـ): "له يد ووجه ونفس كما ذكره الله في القرآن، فما ذكره الله في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف.. ولا تماثل صفات المخلوقين" [21].
خامساً: أقوال المحققين من أهل العلم
 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ): قرر في "نقضه على المريسي" أنَّ إثبات الصفات مع الإضافة يمنع دعوى التشبيه؛ لأنَّ الله أعظم من كل شيء، فصفاته تتبع ذاته في العظمة والمباينة [22].
 * الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ): أكد في "كتاب التوحيد" أنَّ العرب تطلق اللفظ الواحد على معانٍ مختلفة بالتقييد، فكيف لا يفرق بين صفة الخالق والمخلوق والإضافة هي غاية التمييز [23].
 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): أسهب في "التدمرية" مبيناً أنَّ "القدر المشترك" لا وجود له في الخارج إلا مخصصاً، فمن نفى الصفات بدعوى التشبيه فقد جهل أثر الإضافة في اللغة والعقل [24].
 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ): أوضح في "الصواعق" أنَّ كمال الموصوف يوجب كمال الصفة، وبما أنَّ الله هو "الكامل على الإطلاق"، فصفاته متميزة بـ "قدر فارق" لا يمكن للمخلوق تصوره فضلاً عن مماثلته [25].
 * المحققون المعاصرون:
   * الشيخ عبد الرحمن المعلمي (ت: 1386هـ): بين أنَّ التحريف اللفظي للمتكلمين نبع من عدم فهمهم لأثر القيود والإضافات في حصر المعنى [26].
   * الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (ت: 1420هـ): قرر في تعليقاته أنَّ الإثبات بلا تشبيه هو جادة السلف، وقوامه فهم الفرق بين "المسمى" و"الحقيقة" عند الإضافة [27].
   * الشيخ ابن عثيمين (ت: 1421هـ): ذكر في "القواعد المثلى" أنَّ القاعدة في الصفات المضافة هي: "كل ما أضيف إلى الله فهو يخصه، ولا يماثله فيه غيره"، وضرب لذلك مثلاً برحمة الله ورحمة المخلوق [28].
&&&&&&&&&&&&&
 * ابن منظور، لسان العرب، المجلد 9، الصفحة 198.
 * الفيروزآبادي، القاموس المحيط، المجلد 1، الصفحة 805.
 * ابن تيمية، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 45.
 * ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 442.
 * ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110.
 * السعدي، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 34.
 * الشنقيطي، أضواء البيان، المجلد 7، الصفحة 184.
 * الطبري، جامع البيان، المجلد 11، الصفحة 242.
 * ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، المجلد 4، الصفحة 512.
 * البغوي، تفسير البغوي، المجلد 3، الصفحة 128.
 * السعدي، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 125.
 * مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، حديث رقم (179).
 * البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (1166).
 * البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (6227).
 * البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (4684).
 * البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم (2826).
 * اللالكائي، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 3، الصفحة 445.
 * الترمذي، سنن الترمذي، المجلد 2، الصفحة 42، تحت حديث (662).
 * الدارمي، الرد على الجهمية، الصفحة 42.
 * الذهبي، سير أعلام النبلاء، المجلد 10، الصفحة 79.
 * أبو حنيفة، الفقه الأكبر، الصفحة 34، طبعة دار الفرقان.
 * الدارمي، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102.
 * ابن خزيمة، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34.
 * ابن تيمية، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 48.
 * ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 925.
 * المعلمي، التنكيل، المجلد 1، الصفحة 245.
 * الألباني، شرح العقيدة الطحاوية، المجلد 1، الصفحة 42.
 * ابن عثيمين، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


 المبحث الرابع: مناقشة شبهة "التركيب" و"التجسيم" عند المعطلة والرد عليها بهذه القواعد؟



المبحث الرابع: تفكيك شبهة "التركيب" و"التجسيم" (المقدمات، الماهية، والرد المنهجي)


أولاً: "آلة التعطيل" (المقدمتان والنتيجة عند الفلاسفة والمتكلمين)

لم يأتِ المعطلة لنفي الصفات مباشرة، بل نصبوا فخاً منطقياً يقوم على "قياس شمول" فاسد، يتكون من مقدمتين ونتيجة، وهو ما يسمونه "دليل الحدوث والأعراض":

1. المقدمة الأولى (مقدمة الحدوث):

يقولون: "كل ما قامت به الصفات (الأعراض) لا يخلو من الحوادث". فسموا الصفات (نزول، استواء، غضب، فرح، يد، وجه) "أعراضاً وحوادث"؛ لأنها عندهم لا تقوم إلا بجسم متغير [1].

2. المقدمة الثانية (مقدمة التركيب):
يقولون: "كل ما قامت به هذه الصفات (الأعراض) فهو مركب، وكل مركب فهو جسم". فزعموا أنَّ إثبات الصفة يقتضي انقسام الموصوف إلى (ذات) و(صفة)، وهذا هو حقيقة "التركيب" عندهم [2].

3. النتيجة (نفي الصفات):
بما أنَّ "الأجسام متماثلة" عندهم، وبما أنَّ "التركيب" يستلزم الافتقار إلى الأجزاء، والرب منزه عن الجسمية والتركيب؛ إذن: يجب نفي كل ما يوهم الصفات فراراً من التجسيم والتركيب [3].

ثانياً: الشرح العميق لمعنى "التركيب" ومتعلقاته
التركيب عند المتكلمين ليس بالضرورة هو "التأليف بين الأخشاب والحجارة"، بل أطلقوه على معانٍ فلسفية دقيقة لغرض التعطيل:

 * التركيب من الذات والصفات: يزعمون أنَّ القول بأنَّ الله "حي بعلم، قدير بقدرة" يقتضي وجود (ذات) ووجود (معانٍ) زائدة عليها، وهذا يجعل الإله "مركباً" من أجزاء ذهنية أو خارجية، والمركب يفتقر إلى أجزائه، والمفتقر لغيره لا يكون واجباً للوجود [4].

 * التركيب من الأجزاء (التبعيض): استخدموا لفظ التركيب لنفي الصفات الخبرية (كاليدين والوجه)؛ فادعوا أنَّ إثباتها يجعل الرب "مركباً من أعضاء وأجزاء"، وهذا ممتنع عقلاً في حق الخالق البسيط [5].

ثالثاً: الشرح العميق لمعنى "التجسيم" ومتعلقاته
التجسيم  هو "بعبع" المتكلمين الذي خوفوا به الناس، وحدوده عندهم:

 * تعريف الجسم عندهم: هو كل ما له أبعاد (طول، عرض، عمق)، أو كل ما يشار إليه بـ "هنا" أو "هناك"، أو كل ما هو "متميز" في الخارج [6].

 * الفخ المترتب: بما أنَّ الصفات (كالاستواء والعلو) تقتضي أن يكون الموصوف متميزاً بائناً عن خلقه في جهة العلو، وبما أنَّ التميز لا يكون إلا لـ "جسم"؛ فإنَّ إثبات العلو عندهم هو "تجسيم"، وبما أنَّ الأجسام متماثلة (قاعدة تماثل الأجسام)، لزم أن يكون الخالق كالمخلوق [7].

رابعاً: الرد القاصم بهذه القواعد (كيف نكسر الفخ؟)
نرد عليهم بـ "قواعد الفصل الثالث" التي أصلناها، وهي أسلحة طالب العلم المحقق:
1. الرد بقاعدة "القدر المشترك والقدر الفارق":
نقول لهم: إنَّ منشأ ضلالكم هو ظنكم أنَّ "مسمى" الصفة (القدر المشترك) يستلزم تماثل "حقيقتها" (القدر الفارق).

 * التفكيك: إذا أثبتنا لله "يداً" وللمخلوق "يداً"، فإنَّ الاشتراك في الاسم لا يوجب التماثل في الحقيقة. فالله له يدٌ تليق بجلاله ليست جارحة ولا مبعضة، والمخلوق له يد تليق بعجزه. فالتجسيم الذي فررتم منه إنما وقعتم فيه بقلوبكم أولاً حين مثلتم صفات الله بصفات خلقه، ثم عطلتموها ثانياً [8].

2. الرد بقاعدة "الإضافة والتخصيص":
نقول لهم: "الإضافة" تقطع التمثيل. فلفظ "التركيب" و"الجسم" ألفاظ مجملة.

 * التفكيك: إن أردتم بـ "التركيب" أنَّ الله موصوف بصفات الكمال؛ فنحن نثبت "المعنى" ونرفض "اللفظ المبتدع" (التركيب). وإن أردتم بالتركيب "انقسام الذات واحتياجها"؛ فالله أحد صمد. فإضافة الصفات إلى الله تخصصها بـ "الغنى المطلق" الذي ينفي الافتقار، وإضافتها للمخلوق تخصصها بـ "النقص المطلق" الذي يوجب الافتقار [9].

3. الرد بقاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات":

هذا هو الرد "الإلزامي" الأقوى؛ يقال للمعطل:

 * أنت تثبت لله "ذاتاً" حقيقية موجودة مباينة للمخلوقات، أليس كذلك؟ سيقول: نعم.
 * يقال له: المشبهة والفلاسفة يسمون إثبات "الذات المتميزة" تجسيماً وتركيباً؛ لأنَّ الذات عندهم لا تكون إلا جسماً. فإذا أثبتَّ "ذاتاً" لا تشبه الذوات ولا يلزم منها تجسيم، فلزماً عليك أن تثبت "صفاتٍ" لا تشبه الصفات ولا يلزم منها تركيب [10].
4. الرد بقاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر":
يقال لمن يثبت "الإرادة" وينفي "الغضب" بدعوى التركيب:
 * إنَّ "الإرادة" التي أثبتَّها هي صفة زائدة على الذات في مفهومك، وهذا "تركيب" عند خصومك من المعتزلة. فإن كانت إرادة الله لا تشبه إرادة خلقه ولا تقتضي تركيباً، فكذلك "غضبه" و"يداه" و"استواؤه"؛ الكل باب واحد [11].

خامساً: أقوال الأئمة والمحققين في تفكيك هذه الفرية

 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):
   "ادعيتم أنَّ إثبات الصفات حصرٌ وتحديدٌ وتجسيم، والحقيقة أنكم تعبدون عدماً؛ فالموجود لا بد أن يتميز بصفاته، والله أعظم موجود، فله أكمل الصفات التي تباين صفات خلقه حداً وحقيقة" [12].

 * الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ):
 "القول بأنَّ إثبات الوجه واليدين تركيبٌ وتبعِيض هو من جهلكم بلغة العرب؛ فالعرب تصف الشيء بصفاته ولا تسمي ذلك تركيباً، والله خاطبنا بلغة العرب، فمن حرّف المعنى فراراً من لزومٍ توهمه فقد كذّب بالوحي" [13].

 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
"لفظ (التركيب) و(الجسم) من الألفاظ التي لم يأتِ بها كتابٌ ولا سنة، والمعطلة يستخدمونها ستاراً لنفي الكمالات. والحق أنَّ كل موجود حقيقي لا بد أن يكون موصوفاً، والصفات ليست أجزاءً منفصلة، بل هي كمالات قائمة بالموصوف" [14].

 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):
 شرح في "الصواعق" كيف قلب المعطلة الحقائق، فسموا "الإثبات" تجسيماً و"التعطيل" تنزيهاً؛ فقال: "إنَّ الجسم الذي تنفونه إن أردتم به الذات الحقيقية الموصوفة؛ فنفيها كفر. وإن أردتم به المشابهة للمخلوق؛ فإثبات الصفات لا يستلزمها أصلاً" [15].
 * المحققون المعاصرون (ابن عثيمين والألباني والمعلمي):
   بين الشيخ ابن عثيمين أنَّ هذه الشبهات قامت على "تحكمات عقلية" فاسدة، فالمعطل يتخيل التشبيه أولاً ثم يفر للتعطيل ثانياً، والواجب هو الإمرار كما جاء بلا تخيل ولا تمثيل [16]. وأكد المعلمي اليماني أنَّ "التركيب" الذي ينفونه هو في الحقيقة "العقل" الذي يوجب أن يكون للشيء صفات يتمايز بها [17].
&&&&&&&&&&&&&&
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 94، طبعة دار الفضيلة.
 * الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار في أصول الدين، المجلد 1، الصفحة 242، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 65-68، طبعة دار المنهاج.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 925، طبعة دار العاصمة.
 * الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، المجلد 1، الصفحة 208، طبعة المكتبة العصرية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 426، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52، طبعة دار المنهاج.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار أضواء السلف.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 158، طبعة دار الآثار.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 12، الصفحة 114، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، إعلام الموقعين، المجلد 1، الصفحة 86، طبعة دار ابن الجوزي.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة دار ابن الجوزي.
 * المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، التنكيل، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار عالم الفوائد.
&&&&&&&&&&&&&&&&&

ننتقل  إلى الفصل الرابع
 وهو الفصل "العملي" الذي تُجنى فيه ثمار التأصيل السابق، حيث تتحول القواعد الذهنية واللغوية إلى 
"آليات تدريب الطالب على الرد بالطريقة السلفية والعقلية " وتدريب الطالب علي تفكك بنيان أهل البدع من جذوره.
 في هذا المبحث، سنبين كيف يتحول "البيان البلاغي" و"الحجة الشرعية" إلى صواعق تُحرِق شبهات الفلاسفة والمتكلمين.

الفصل الرابع:
 الآليات التطبيقية في الرد على أهل البدع بهذه القواعد

المبحث الأول: كيفية توظيف القواعد في كسر حجج المخالفين (البيان البلاغي وقوة الحجة الشرعية)

أولاً: استراتيجية "القلب والمعارضة" (قوة الحجة الشرعية)
تعتمد هذه الآلية على قاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر"، وهي من أقوى الأسلحة الشرعية لإلزام المخالف بمتناقضاته:

 * آلية التنفيذ: عندما ينفي المبتدع (كالأشعري مثلاً) صفة "المحبة" أو "الغضب" بدعوى أنها تستلزم انفعالاً وتشبياً، بينما يثبت "الإرادة"؛ نطبق عليه "قوة الحجة" فنقول:

   * إنَّ الإرادة التي أثبتَّها، إن كانت كإرادة المخلوق (ميل النفس) فقد وقعت في التشبيه الذي فررت منه.

   * وإن كانت إرادة تليق بجلال الله، فقل في "المحبة" و"الغضب" و"الاستواء" مثل ذلك: صفات تليق بجلاله [1].

 * أثرها في كسر الحجة: هذه الآلية تضع المخالف بين خيارين: إما إثبات الجميع (وهو مذهب السلف)، وإما نفي الجميع (وهو مذهب الجهمية المحضة)، وكلاهما يهدم مذهبه التلفيقي [2].

ثانياً: توظيف "البيان البلاغي" في كشف "التحريف اللفظي"
أهل البدع يسمون تحريفهم للنصوص "تأويلاً"، بينما هو في الحقيقة "تلاعب بلاغي". 
   والرد عليهم يكون ببيان أصول البلاغة العربية:

 * قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة": نلزم المخالف بأنَّ الكلام في لغة العرب يُحمل على حقيقته ما لم يوجد صارف شرعي مصل (وليس عقلياً متوهماً). فادعاء أنَّ "اليد" هي "النعمة" هو خروج عن البيان البلاغي بغير دليل، وهو ما يسميه ابن القيم "تلاعباً باللغة" [3].

 * إبطال "المجاز" في الصفات: نوضح بالبيان البلاغي أنَّ الله خاطبنا بما نعقله من المعاني؛ فلو كان يقصد باليد "القدرة"، لكان ذكرها بلفظ القدرة أبلغ وأبين، ولما ثنّاها (يداه)، ولما أضافها لنفسه بلفظ "خَلقتُ بيديَّ" [4].

ثالثاً: توظيف قاعدة "القدر المشترك" في كشف مغالطة "التشبيه الذهني"

هنا نستخدم المنطق السلفي في كسر "الفخ النفسي" الذي نصبه الفلاسفة:

 * آلية البيان: المخالف يتخيل "التشبيه" أولاً في ذهنه، ثم يفر منه للتعطيل. فنقول له ببيانٍ بليغ: "إنَّ التشبيه الذي تفر منه ليس في النص، بل في مخيلتك".

 * التطبيق: عندما يسمع "الاستواء"، يسبق إلى ذهنه "الجلوس المعتاد" (وهو القدر المشترك المخصص للمخلوق)، فنوضح له بلاغياً أنَّ الإضافة (استوى الله) نقلت المعنى من "المشاع الذهني" إلى "الخصوص الإلهي"، فزال التشبيه بـ "البيان البلاغي" للتخصيص [5].

رابعاً: أقوال الأئمة المحققين في هذا النوع من الردود
 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):

   كان يستخدم "قوة الإلزام" في ردوده؛ فكان يقول للمريسي: "تزعم أنَّ الله في كل مكان هرباً من تحييزه في مكان، فقد حصرته في الأماكن القذرة والضيقة! فما فررت منه وقعت في شر منه" [6].

 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
   قرر في "الجواب الصحيح" و"التدمرية" أنَّ "قوة الحجة" تكمن في رد الألفاظ المجملة إلى الحقائق الشرعية، وبأنَّ كل باطل له "لازم باطل" يُهدم به [7].

 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):
   في كتابه "الصواعق المرسلة"، استخدم "البيان البلاغي" في كسر الطواغيت الأربعة (التأويل، المجاز، التخييل، والشك)، مبيناً أنَّ لغة القرآن أبلغ من أن تُحمل على تأويلات المتكلمين الركيكة [8].

 * المحققون المعاصرون (المعلمي وابن عثيمين):
   * المعلمي اليماني: برع في توظيف "التحقيق اللغوي" لبيان تهافت استدلالات المبتدعة بالنصوص الضعيفة أو الاحتمالات اللغوية البعيدة [9].
   * ابن عثيمين: كان يستخدم "التقسيم والسبر" في دروسه؛ فيقول: "هذا اللفظ إما أن يراد به كذا وهو باطل، أو كذا وهو حق"، وهذا هو عين توظيف القواعد في كسر الحجج [10].
&&--&&-&&&&-&&&-&
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 442، طبعة دار العاصمة.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 156، طبعة دار العاصمة.
 * المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار عالم الفوائد.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الآثار.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


ننتقل  إلى المبحث الثاني من الفصل الرابع
وهو المبحث الذي يمثل "السهم الموجه" 
في معركة الاستدلال، حيث تُستخدم فيه أدوات الخصم المنطقية لإلزامهم بالحق أو الفضيحة بالتناقض. 
إنها قاعدة "الإلزام العقلي المطرد".

المبحث الثاني: قاعدة الإلزام العقلي
 (من أثبت بعضاً لزمه إثبات الكل)

أولاً: التقرير المنطقي للقاعدة (حقيقة الإلزام)

تقوم هذه القاعدة على مبدأ "التماثل في العلة يوجب التماثل في الحكم". فالمتكلمون (خاصة الأشاعرة والماتوريدية) أثبتوا بعض الصفات
 (كالسبع المعاني: العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الحياة، الكلام) ونفوا غيرها (كالمحبة، والرضا، والضحك، والنزول، واليدين) بدعوى أنها تستلزم التشبيه [1].

وجه الإلزام: يقال لهم: "العلة التي من أجلها نفيتم ما نفيتم، موجودة بعينها فيما أثبتم". فإذا لزم التشبيه في "المحبة"، لزم التشبيه في "الإرادة"؛ فمن أثبت بعضاً لزمه إثبات الكل، ومن نفى بعضاً لزمه نفي الكل ليتسق مذهبه [2].


ثانياً: تفكيك "التناقض الكلامي" عبر الإلزام
لتوضيح هذه القاعدة لطلاب العلم، نضع بين أيديهم هذا التشريح العقلي للمناظرة مع المتكلمين:
 * في صفة "الإرادة" مقابل "المحبة":

 يقول المتكلم: "لا أثبت المحبة لله لأن المحبة ميل النفس، وهذا تشبيه".

فنرد عليه بالإلزام: 

"أنت تثبت الإرادة، والإرادة في المخلوق هي ميل النفس لجلب منفعة أو دفع ضرر؛ فإن أثبتَّ لله إرادة تليق بجلاله لا تماثل إرادة المخلوق، فكذلك أثبت له محبة تليق بجلاله لا تماثل محبة المخلوق" [3].

 * في صفة "السمع والبصر" مقابل "الوجه واليد":
   * يقول المتكلم: "السمع والبصر صفات معنى، أما الوجه واليد فأجزاء وأبعاض (تجسيم)".

   * فنرد عليه بالإلزام: "السمع والبصر في المخلوق لا يكونان إلا بآلات (أذن وعين)، فإذا أثبتَّ سمعاً وبصراً بلا آلة ولا جارحة، فأثبت وجهاً ويداً بلا تبعيض ولا تجسيم. فالموصوف واحد، والباب واحد" [4].

ثالثاً: التحقيق الشرعي والعقلي للمباينة في الإثبات
هذا الإلزام ليس مجرد "جدل"، بل هو تحقيق لعظمة الله ومباينته لخلقه:
 * الأصل العقلي: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر. فما دامت الذات واحدة، والكمال واحداً، فلا يصح عقلاً تقسيم الصفات إلى "ما يقبله العقل" و"ما يرفضه العقل"، لأن العقل الذي رفض "النزول" هو نفسه العقل الذي يجب أن يرفض "العلم" إذا قاسه بعلم المخلوق [5].

 * الأصل الشرعي: الله عز وجل ذكر العلم والقدرة والرحمة واليد والاستواء في سياق واحد في كتابه؛ فالتفريق بينها تحكمٌ باطل وتفريقٌ بين المتماثلات [6].

رابعاً: أقوال الأئمة والمحققين في قاعدة الإلزام

 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):
   أبدع في استخدام هذا الإلزام في كتابه "الرد على المريسي"؛ حيث قال لمن نفى "الرؤية" وأثبت "العلم": "كيف تعقل علماً بلا جوهر (بزعمكم) ولا تعقل رؤية بلا جوهر؟ فإما أن تنفيهما جميعاً أو تثبتهما جميعاً" [7].

 * الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ):
   استخدم الإلزام في "كتاب التوحيد" لبيان تناقض الجهمية الذين ينفون الصفات الخبرية ويدعون تنزيه الرب، بينما يثبتون له "الوجود"، والوجود المشترك يستلزم عندهم التشبيه أيضاً [8].

 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
 صاغ هذه القاعدة بأدق عبارة في "الرسالة التدمرية"؛ فقال: "فمن أثبت شيئاً ونفى شيئاً، كان متناقضاً؛ فإنه ليس فيما نفاه من المحذور إلا ومثله فيما أثبته" [9].
 وأوضح أن هذا التناقض هو "برهانٌ عقلي" على بطلان منهج التعطيل الجزئي [10].

 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):
 في "الصواعق المرسلة" في بيان تهافت مذهب من يفرق بين الصفات، مبيناً أنَّ "القدر المشترك" موجود في الجميع، و"القدر الفارق" واجب في الجميع، فالتفريق تحكمٌ محض [11].

 * المحققون المعاصرون (ابن عثيمين والألباني والمعلمي):

   * ابن عثيمين:
 جعل هذه القاعدة ركيزته في الرد على الأشاعرة في "شرح الواسطية"؛ مبيناً أنَّ الإثبات لا يتبع "ذوق المتكلم" بل يتبع "نص الوحي" وإلزام العقل [12].

 المعلمي اليماني: أوضح في "التنكيل" أنَّ المتكلمين يفرون من تشبيهٍ وهمي ليقعوا في تشبيهٍ حقيقي وتناقضٍ مخزٍ عبر هذا التفريق [13].

&&&&&&&&&&&&&&&&&&
 * الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52-54، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار أضواء السلف.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 118، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 55، طبعة دار المنهاج.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 925، طبعة دار العاصمة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة دار ابن الجوزي.
 * المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، التنكيل، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار عالم الفوائد.
&&&&&&&&&&&&&&&

ننتقل  إلى "قاعدة القواعد" وذروة الإلزام العقلي في باب الأسماء والصفات
وهي القاعدة التي تجعل المعطل بين فكي كماشة:
 إما إثبات الصفات كما أثبت الذات، وإما نفي الذات والوقوع في الإلحاد المحض. 
إنها قاعدة: "القول في الصفات كالقول في الذات".


المبحث الثالث: قاعدة الإلزام العقلي الكبرى (القول في الصفات كالقول في الذات)

أولاً: التقرير المنطقي والشرعي للقاعدة

تعد هذه القاعدة هي "الميزان العدل" الذي وضعه السلف لمواجهة الفلسفة الكلامية. 
ووجه تقريرها أنَّ كل عاقل (من المسلمين) يقر بأنَّ لله "ذاتاً" حقيقية، موجودة، متميزة، بائنة عن خلقه.

 * في الذات: نحن نثبت لله ذاتاً، ونعتقد أنها "ذات لا تشبه الذوات"؛ فإثبات وجودها لا يستلزم تمثيلها بوجود المخلوقين [1].

 * في الصفات: بما أنَّ الصفات "تابعة" للموصوف، فإنَّ القول فيها يجب أن يسلك مسلك القول في الذات؛ فنثبت لله صفات حقيقية، ونعتقد أنها "صفات لا تشبه الصفات" [2].

ثانياً: آلية الإلزام القاتلة لشبهات التعطيل

هذه الآلية تُستخدم لكسر "الفخ النفسي" الذي يقع فيه المعطل عندما يهرب من "اليد" أو "الاستواء" بدعوى التشبيه.

 * وجه الإلزام: يقال للمعطل: "أنت تثبت لله ذاتاً، فهل هي جسم كالأجسام؟"

   * فإن قال: نعم؛ فقد كفر ووقع في التشبيه والتمثيل المذموم.

   * وإن قال: لا، بل هي ذات لا تشبه الذوات؛ قيل له: "فلمَ نفيتَ الصفات بدعوى أنها تستلزم التجسيم؟ فكما أثبتَّ ذاتاً حقيقية لا تشبه الذوات ولا يلزم منها التجسيم، فأثبت له صفات حقيقية لا تشبه الصفات ولا يلزم منها التجسيم" [3].

ثالثاً: تفكيك "وهم التشبيه" عبر هذه القاعدة
المعطل يتوهم أنَّ إثبات "اليد" مثلاً يقتضي الجارحة والتركيب. والرد عليه بهذه القاعدة يكون كالتالي:

 * بيان المباينة: كما أنَّ ذات الله مباينة لذات المخلوق في كنهها وحقيقتها، فكذلك يده مباينة ليد المخلوق، وسمعه مباين لسمع المخلوق [4].

 * الفرق بين الوجود والماهية: نحن نثبت "وجود" الصفة كما نثبت "وجود" الذات، ونفوّض "ماهية وكيفية" الصفة كما نجهل "ماهية وكيفية" الذات. فمن فرّق بينهما فقد تناقض عقله وفسد منهجه [5].

رابعاً: أقوال الأئمة والمحققين في قاعدة "الذات والصفات"
 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):

   قرر في "نقضه على المريسي" أنَّ إثبات الذات يستلزم ضرورةً إثبات الصفات؛ لأنَّ ذاتاً بلا صفات هي "عدم"، فمن أقرَّ بوجود الله لزمه الإقرار بصفاته على نحو مباين لخلقه [6].
 * الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ):

   أصل في "كتاب التوحيد" أنَّ الله سمى نفسه بأسماء ووصف نفسه بصفات، والمؤمن يثبتها له كما أثبت لنفسه "النفس" و"الذات"، مع تنزيهه عن مشابهة المخلوقين في كل ذلك [7].

 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
   هذه القاعدة هي "عمود الخيمة" في كتابه "الرسالة التدمرية"؛ حيث قال: "فالقول في الصفات كالقول في الذات؛ فإنَّ الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله" [8].
 وبين أنَّ هذا الإلزام لا مفر منه لكل من أقر بوجود خالق صانع للعالم [9].

 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):

أوضح في "مختصر الصواعق" أنَّ الصفة تتبع الموصوف في "ثبوته" وفي "تنزيهه"؛ فكما أنَّ ثبوت الذات لا يقتضي التشبيه، فثبوت الصفة لا يقتضي التشبيه؛ وكما أنَّ تنزيه الذات لا يقتضي نفي وجودها، فكذلك تنزيه الصفة لا يقتضي نفي ثبوتها [10].

 * المحققون المعاصرون (المعلمي وابن عثيمين والألباني):

   * ابن عثيمين: جعل هذه القاعدة ركيزته الكبرى في الرد على جميع طوائف المعطلة، مبيناً أنَّ التفريق بين الذات والصفات هو "تحكمٌ عقلي بارد" لا يصمد أمام المناظرة [11]. 

* المعلمي اليماني: بيّن في "التنكيل" أنَّ التشبيه الذي يهرب منه المعطل هو تشبيهٌ في "الذهن" فقط، أما في الخارج فالإضافة تقطع التمثيل تماماً كما قطعته في الذات [12].

&&&&&&&&&&&&&&

 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 45، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 448، طبعة دار العاصمة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110، طبعة مجمع الملك فهد.
 * السعدي، عبد الرحمن، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار أضواء السلف.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 46، طبعة دار المنهاج.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152، طبعة دار الآثار.
 * المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، التنكيل، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار عالم الفوائد.
&&&&&&&&&&&&&&&


المبحث الرابع: تطبيقات عملية في ردود السلف على الجهمية والمعتزلة باستخدام القواعد الثلاث

أولاً: تطبيق قاعدة (الإضافة والتخصيص) في مواجهة نفي "العلو" و"الاستواء"

استخدم المعتزلة والجهمية فكرة "التحيز" لنفي علو الله على عرشه، فجاء رد السلف معتمداً على مقتضى الإضافة:
 * شبهة المبتدعة: قالوا: "المكان والجهة للمخلوقات، وإثباتهما لله يعني تشبيهه بخلقه" [1].

 * التطبيق السلفي: 
استخدم الأئمة (كالإمام أحمد وعثمان الدارمي) قاعدة الإضافة؛ فأوضحوا أنَّ "العلو" و"الفوقية" حين تُضاف لله، تكتسب خصائص "عظمة الخالق"، فالله فوق عرشه بائن من خلقه.

 * أثر القاعدة: بطل الاستدلال بالتماثل؛ لأنَّ علو الخالق (مخصص بجلاله) لا يستلزم حاجة للعرش، بينما علو المخلوق (مخصص بعجزه) يستلزم الحاجة لما يحمله. وبهذا فكك السلف الفخ اللفظي بكلمة واحدة: "بائن من خلقه" [2].

ثانياً: تطبيق قاعدة (القول في البعض كالقول في الكل) في كسر تناقض "الأشاعرة والمعتزلة"

هذا هو السلاح الذي استخدمه شيخ الإسلام ابن تيمية ومن قبله أئمة السنة في إلزام من يفرقون بين الصفات:
 * شبهة المبتدعة: إثبات السبع المعاني (كالعلم والقدرة) ونفي "المحبة" و"الرضا" لأنها تستلزم انفعالاً [3].

* التطبيق السلفي: قيل لهم: "بأي عقلٍ فرقتم؟"؛ فإن كانت "المحبة" انفعالاً في المخلوق، فإنَّ "الإرادة" أيضاً ميلٌ للطلب في المخلوق.
 فإما أن تثبتوا الجميع إثباتاً يليق بجلال الله، وإما أن تنفوا الجميع [4].

 * أثر القاعدة: أدى هذا التطبيق إلى "حصر الخصم"؛ فالمعتزلي لم يجد بداً من الالتزام بنفي الجميع (وهو كفر وضلال محض)، والأشعري اضطر للتحريف والتأويل الركيك، فبان بطلان المذهبين بالتناقض العقلي [5].

ثالثاً: تطبيق قاعدة (القول في الصفات كالقول في الذات)
 في كسر "أصل التعطيل"

هذا هو الرد "القاصم" الذي استخدمه السلف (كابن خزيمة والدارمي) في مواجهة الجهمية الغلاة الذين نفوا كل الصفات:
 * شبهة المبتدعة: "لا نصف الله بصفة أصلاً؛ لأنَّ الصفات تقتضي التعدد والتركيب والتجسيم" [6].

 * التطبيق السلفي: 
قيل لهم: "أتقرون أنَّ لله ذاتاً موجودة؟
" قالوا: نعم. قيل لهم: "فهل هي ذات كذوات المخلوقين؟" قالوا: لا. قيل لهم: "فكذلك قولوا في اليد والوجه والسمع والبصر: هي صفات ثابتة حقيقةً، ولكنها لا تشبه صفات المخلوقين" [7].

 * أثر القاعدة:
 هذا التطبيق جعل الجهمية بين أمرين:
 إما الإقرار بالصفات (وهو الرجوع للحق)، وإما نفي الذات (وهو الإلحاد المحض). 
وبذلك حمى السلف "بيضة الإسلام" من التسلل الفلسفي [8].

رابعاً: نماذج من مناظرات الأئمة (التحقيق العملي)

 * مناظرة الإمام أحمد بن حنبل للجهمية في المحنة:
   استخدم الإمام أحمد قاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات" عندما حاولوا إلزامه بأنَّ القرآن (كلام الله) مخلوق لأنه "شيء". فردَّ عليهم بأنَّ الله وصف نفسه بأنه "شيء" (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله)، فهل هو مخلوق؟ فسكتوا وبهتوا [9].
 * مناظرة عثمان بن سعيد الدارمي لبشر المريسي:
   أبدع الدارمي في توظيف قاعدة "الإضافة"؛ حيث قال للمريسي: "تزعم أنَّ الله في كل مكان، فهل هو في بطون الخنازير؟ تعالى الله عن ذلك". فألزمه بأنَّ "المكان والجهة" بالمعنى الشرعي (العلو) هو مقتضى كمال الذات المباينة [10].
 * تحقيق ابن خزيمة في "كتاب التوحيد":
   استخدم ابن خزيمة "القدر المشترك والقدر الفارق" للرد على من نفى "الصور" لله؛ مبيناً أنَّ الاشتراك في الاسم لا يقتضي التمثيل، مستشهداً بـ "خلق آدم على صورته" [11].
خامساً: أقوال المحققين في هذه التطبيقات
 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ): "إنَّ السلف كسروا عروش المبتدعة بكلمة واحدة: (كما يليق بجلاله)، وهي اختصار لقاعدة الإضافة والقول في الصفات كالذات" [12].
 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ): "لقد نصب السلف للمبتدعة فخاخ الحق؛ فألزموهم بما أثبتوه فيما نفوه، فما بقي للمبتدع إلا الهرب إلى الإلحاد أو العودة للإيمان" [13].
 * العلامة ابن عثيمين (ت: 1421هـ): "هذه القواعد هي حصن المسلم ضد الشبهات المعاصرة؛ فمن أتقن (الإلزام العقلي) لم تقف أمامه شبهة كلامية إلا نسفها" [14]

&&&&&&&&&&&&
 * الآمدي، سيف الدين، أبكار الأفكار، المجلد 1، الصفحة 245، طبعة دار الكتب والوثائق القومية.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * الجرجاني، علي بن محمد، شرح المواقف، المجلد 8، الصفحة 42، طبعة مطبعة السعادة.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52، طبعة دار المنهاج.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 925، طبعة دار العاصمة.
 * الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين، المجلد 1، الصفحة 155، طبعة المكتبة العصرية.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * اللالكائي، هبة الله، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 1، الصفحة 156، طبعة دار طيبة.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على الجهمية، الصفحة 64، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 41، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مختصر الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 218، طبعة دار الندوة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152
&&&&&&&&&&&&&&

المبحث الخامس: المنهج القويم في دفع شبهات التكييف والتمثيل
أولاً: التحرير اللغوي والشرعي لـ (التكييف) و(التمثيل)
 * التكييف: لغةً: حكاية "كيفية" الشيء، أي جعل الشيء على هيئة معلومة [1]. وشرعاً: هو الخوض في كنه صفات الله وهيئتها، والادعاء بأنَّ لصفته كيفية محددة (كقول: استواؤه كذا، أو يده كذا) [2].
 * التمثيل: لغةً: جعل الشيء "مثيلاً" لغيره ومساوياً له من كل وجه [3]. وشرعاً: هو اعتقاد أنَّ صفات الخالق تماثل صفات المخلوقين في حقيقتها (كقول: يد الله كيدي) [4].
 * الفرق الدقيق: التكييف أعم من التمثيل؛ فكل ممثل مكيّف، وليس كل مكيّف ممثلاً؛ فالمكيف قد يخترع كيفية لا يوجد لها مثيل في الخلق، وكلاهما ضلالٌ مبين [5].
ثانياً: المنهج القويم (الإثبات بلا تكييف والتنزيه بلا تعطيل)
يقوم منهج أهل السنة والجماعة على "الوقوف عند النص"؛ فنحن نثبت "المعنى" ونفوّض "الكيفية".
 * قاعدة الإمام مالك (ت: 179هـ): هي الميزان الذهب في هذا الباب؛ حين سُئل عن الاستواء، فقال: «الاستواء غير مجهول (المعنى معلوم)، والكيف غير معقول (العقل لا يدركه)، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» [6].
 * تطبيق القاعدة: يقال في "النزول": النزول معلوم المعنى في اللغة، ولكن "كيف ينزل؟" هذا غير معقول لنا؛ لأننا لم نرَ الله، ولم يخبرنا رسوله عن الكيفية [7].
ثالثاً: القواعد العقلية في دفع التكييف والتمثيل
 * قاعدة (العلم بالكيفية فرع عن العلم بالذات): بما أننا نجهل "كيفية" ذات الله، فمن المستحيل عقلاً أن نعلم "كيفية" صفاته؛ لأنَّ الصفة تتبع الموصوف [8].
 * قاعدة (انتفاء طرق العلم بالكيفية): العلم بكيفية الشيء يكون بإحدى ثلاث: (رؤيته، أو رؤية نظيره، أو الخبر الصادق عنه). وكل هذه منتفية في حق الله تعالى؛ فلا عين رأته، ولا مثيل له، ولم يخبرنا الوحي بـ "كيفية" صفاته [9].
 * قاعدة (القول في الصفات كالقول في الذات): كما أثبتنا ذاتاً حقيقية "بلا تكييف"، فنثبت صفاتٍ حقيقية "بلا تكييف" [10].
رابعاً: الردود المنهجية للأئمة والمحققين
 * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):
   أوضح في "الرد على الجهمية" أنَّ نفي "الكيف" لا يعني نفي "الصفة"؛ فنحن ننفي علمنا بالكيفية، لا وجود الكيفية في نفس الأمر، فالله له كيفية لا يعلمها إلا هو [11].
 * الإمام ابن خزيمة (ت: 311هـ):
   قرر في "كتاب التوحيد" أنَّ من مثل صفات الله بصفات خلقه فقد كفر، ومن نفاها فقد كفر، والنجاة في إثباتها بلا تمثيل [12].
 * شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ):
   أسهب في "التدمرية" في بيان أنَّ "التمثيل" هو الذي أوقع "المعطلة" في التعطيل؛ فهم توهموا التمثيل أولاً ففروا للتعطيل ثانياً. والمنهج القويم هو قطع طمع العقل في إدراك الكيفية [13].
 * الإمام ابن القيم (ت: 751هـ):
   بين في "النونية" أنَّ الله "منزه عن التكييف" لامتناع إحاطة المخلوق بالخالق علماً، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طـه: 110] [14].
 * المحققون المعاصرون (ابن عثيمين والألباني والمعلمي):
   * ابن عثيمين: في "القواعد المثلى" وضع قاعدة: "صفات الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، والقول فيها بلا علم تكييفٌ محرم" [15].
   * الألباني: أكد أنَّ "التنزيه السني" يجمع بين إثبات النص ونفي المشابهة، خلافاً لـ "التنزيه البدعي" الذي هو محوٌ للنصوص [16].
خامساً: كيف يرد طالب العلم على "المشبه" و"المكيف"؟
إذا قال لك المشبه: "يد الله مثل يدي" أو "استواؤه كجلوسي"؛ فقل له:
 * النقض بالقرآن: قل له: قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فتمثيلك تكذيب صريح للقرآن [17].
 * النقض بالعقل: قل له: أذاتك كذات الله؟ سيقول: لا. قل له: فكيف تكون صفتك كصفته؟ والصفة تتبع الموصوف [18].
 * النقض بالتجهيل: قل له: هل رأيت الله لتخبرنا بكيفيته؟ فإذا لم تره، فالقول في الكيفية قـولٌ على الله بلا علم، وهو من كبائر الذنوب [19].
&&&&&&&&&&&&&&&
 * ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المجلد 15، الصفحة 234، طبعة دار صادر.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 65، طبعة دار المنهاج.
 * الجرجاني، علي بن محمد، كتاب التعريفات، المجلد 1، الصفحة 98، طبعة دار الكتب العلمية.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الصواعق المرسلة، المجلد 3، الصفحة 912، طبعة دار العاصمة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة دار الآثار.
 * الذهبي، شمس الدين، العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 138، طبعة المكتب الإسلامي.
 * ابن تيمية، تقي الدين، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212، طبعة دار الفضيلة.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة الواسطية، المجلد 1، الصفحة 142، طبعة دار ابن الجوزي.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 46، طبعة دار المنهاج.
 * الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102، طبعة دار ابن حزم.
 * ابن خزيمة، محمد بن إسحاق، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34، طبعة دار الرشد.
 * ابن تيمية، تقي الدين، بيان تلبيس الجهمية، المجلد 1، الصفحة 280، طبعة مجمع الملك فهد.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، الكافية الشافية (النونية)، المجلد 1، الصفحة 45، طبعة دار عالم الفوائد.
 * ابن عثيمين، محمد بن صالح، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، المجلد 4، الصفحة 152، طبعة دار الثريا.
 * الألباني، محمد ناصر الدين، شرح العقيدة الطحاوية، المجلد 1، الصفحة 42، طبعة المكتب الإسلامي.
 * السعدي، عبد الرحمن، تيسير الكريم الرحمن، المجلد 1، الصفحة 125، طبعة دار أضواء السلف.
 * ابن تيمية، تقي الدين، الفتوى الحموية الكبرى، المجلد 1، الصفحة 68، طبعة دار الصميعي.
 * ابن القيم، محمد بن أبي بكر، مدارج السالكين، المجلد 1، الصفحة 345، طبعة دار الكتاب العربي.
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


المبحث السادس:

 الفرق بين التحريف والتأويل وأثرهما في الانحراف العقدي

أولاً: التحقيق اللفظي (التحريف في مقابل التأويل)

 * التحريف: هو العدول باللفظ عن وجهه وحقيقته، سواء بزيادة أو نقص أو بتغيير المعنى المراد شرعاً بلا دليل. وهو الوصف الذي ذمه الله في كتابه (يحرفون الكلم عن مواضعه) [1].

 * التأويل البدعي: هو اصطلاح المتأخرين من المتكلمين، ويقصدون به صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لشبهة عقلية سموها دليلاً. وهذا في حقيقته هو "التحريف" بعينه لكن بلقبٍ تجميلي [2].

ثانياً: النقاط الجوهرية في المباينة بينهما

 * الأصل والفرع: الأصل في نصوص الصفات "الحقيقة" لا "المجاز"، فكل من ادعى مجازاً (تأويلاً) في صفات الله بلا قرينة شرعية فقد سقط في "التحريف" [3].

 * تجهيل الوحي: المحرِّف (المؤول تأويلاً بدعياً) يزعم بلسان حاله أنَّ ظواهر الكتاب والسنة "ضلال وتشبيه"، وأنَّ الهدى في تأويلاته العقلية، وهذا من أعظم الانحرافات العقدية [4].

 * القدر المشترك: غاب عن المؤولة أنَّ الاشتراك في "أصل المعنى" لا يقتضي "التماثل في الحقيقة"، فحرّفوا المعاني فراراً من تشبيهٍ توهموه في خيالاتهم فقط [5].

ثالثاً: أثر التحريف والتأويل في الانحراف العقدي

 * سلب الصفات: ينتهي التحريف بصاحبه إلى "التعطيل المحض"؛ فإذا أوّل اليد بالنعمة، والاستواء بالاستيلاء، والنزول بالرحمة، لم يبقَ له إلهٌ يُعبد بصفات كمال ثبوتية [6].

 * فتح باب القرامطة والباطنية: التحريف في باب الصفات هو "القنطرة" لكل تأويل باطن؛ فإذا استجاز العقل صرف صفات الله عن حقائقها، استجاز صرف الصلاة والحج واليوم الآخر عن حقائقها أيضاً [7].

رابعاً: تحقيق أقوال المحققين
 * عثمان بن سعيد الدارمي: بين أنَّ الجهمية تترسوا بكلمة "تأويل" ليمرروا إنكارهم لصفات الله وعلوه، ووصفهم بأنهم "أعداء البيان" [8].

 * ابن خزيمة: أثبت أنَّ تأويل الصفات الخبرية (كالوجه واليدين) هو تكذيبٌ بصريح القرآن ولغة العرب التي نزل بها [9].

 * شيخ الإسلام ابن تيمية: قرر أنَّ "قانون التأويل" الذي وضعه المتكلمون هو أصل فساد الاعتقاد، لأنه يقدم "العقل المضطرب" على "النقل المعصوم" [10].

 * ابن القيم: اعتبر التأويل هو "الطاغوت الكبري" الذي هدمت به معاقل السنة، وصنف كتابه "الصواعق" لكسره [11].

&&&&&&&&&&&&&&&&

[1] ابن منظور، لسان العرب، المجلد 9، الصفحة 43.
[2] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 212.
[3] ابن تيمية، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 82.
[4] السعدي، التنبيهات اللطيفة، المجلد 1، الصفحة 42.
[5] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 112.
[6] الذهبي، العلو للعلي الغفار، المجلد 1، الصفحة 138.
[7] ابن القيم، إغاثة اللهفان، المجلد 2، الصفحة 114.
[8] الدارمي، الرد على المريسي، المجلد 1، الصفحة 102.
[9] ابن خزيمة، كتاب التوحيد، المجلد 1، الصفحة 34.
[10] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد 1، الصفحة 212.
[11] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 1، الصفحة 156.

&&&&&&&&&&&&&&&


المبحث السابع: نماذج تطبيقية لردود أئمة السنة
 (أحمد، والدارمي، وابن تيمية، وابن القيم)
 باستخدام القواعد الست في مناظراتهم
أولاً: الإمام أحمد بن حنبل (ت: 241هـ) 
في محنة خلق القرآن استخدم الإمام أحمد

 قاعدة (القول في الصفات كالقول في الذات)

 وقاعدة (الإضافة) بعبقرية فطرية لكسر جهمية عصره:

 * النموذج: حين ألزموه بأنَّ القرآن "شيء"، وكل شيء "مخلوق".
 * التدقيق: لم ينفِ الإمام وصف القرآن بأنه "شيء"، بل قلب عليهم الطاولة بقاعدة "الذات"؛ فقال: الله وصف نفسه بأنه "شيء" (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله)، فهل هو مخلوق؟ [1].
 * التعميق: استخدم قاعدة "الإضافة"؛ فبين أنَّ القرآن "كلام الله"، والكلام صفة للمتكلم يتبع ذاته، فكما أنَّ الله قديم بائن من خلقه، فكلامه صفة مضافة إليه مباينة لصفات المخلوقين [2].
ثانياً: عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ) في نقضه على المريسي
يعد الدارمي من أشرس من استخدم قاعدة (القدر المشترك والفارق) وقاعدة (الإلزام العقلي):
 * النموذج: ردُّه على إنكار المريسي لصفة "العلو" بدعوى التحييز.
 * التدقيق: استخدم الدارمي قاعدة "الإضافة والتخصيص"؛ فألزم المريسي بأنَّ الله إذا لم يكن فوق عرشه بائناً من خلقه، لزم أن يكون في كل مكان (وهو مذهب الجهمية)، وهذا أقبح في التشبيه والتحييز [3].
 * التعميق: أعمل قاعدة "القول في بعض الصفات كالبعض الآخر"؛ فقال: كيف تقرون بـ "علم" الله المحيط بكل شيء ولا تسمونه تحيزاً، وتنكرون "علوه" فوق كل شيء وتسمونه تحيزاً؟ فالباب واحد [4].
ثالثاً: شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: 728هـ) في "التدمرية" و"الواسطية"
هو المهندس الأول لهذه القواعد، وقد طبقها في مناظرته الشهيرة لخصومه حول "العقيدة الواسطية":
 * النموذج: إلزامه للأشاعرة في صفات (المحبة، والرضا، والغضب).
 * التدقيق: استخدم قاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر)؛ فقال لهم: أنتم تثبتون "الإرادة" وتؤولون "المحبة" بالإرادة فراراً من التشبيه. فإرادة المخلوق "ميل نفس"، ومحبة المخلوق "ميل نفس"؛ فما أثبته في أحدهما لزمك في الآخر [5].
 * التعميق: استخدم قاعدة (الألفاظ المجملة)؛ فكان يستفسر من خصومه عن معنى "الجهة" و"التحيز"؛ فإن أرادوا بها معنىً باطلاً نفاه، وإن أرادوا بها مباينة الخالق للمخلوق أثبت المعنى ونفى اللفظ المبتدع [6].
رابعاً: الإمام ابن القيم (ت: 751هـ) في "الصواعق" و"النونية"
برع ابن القيم في توظيف (البيان البلاغي) وقاعدة (بطلان التفويض المطلق):
 * النموذج: رده على من زعم أنَّ "اليد" مجاز عن النعمة.
 * التدقيق: استخدم التحقيق اللغوي لقاعدة "الإضافة"؛ فبين أنَّ ذكر "اليد" بلفظ التثنية (يداه)، وبصيغة المباشرة (خلق بيدي)، والقبض والطي، يمنع لغةً وبلاغةً إرادة "النعمة" أو "القدرة" [7].
 * التعميق: طبّق قاعدة "العلم بالمعنى وجهل الكيفية" (قاعدة الإمام مالك)؛ فأثبت أنَّ السلف كانوا أعلم الناس بالمعاني، وأنَّ القول بالتفويض (تجهيل المعنى) هو طعن في بيان الأنبياء [8].
&&&&&&&&&&
[1] اللالكائي، هبة الله، شرح أصول اعتقاد أهل السنة، المجلد 2، ص 345.
[2] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 12، ص 426.
[3] الدارمي، عثمان بن سعيد، الرد على المريسي، ص 102.
[4] الدارمي، عثمان بن سعيد، نقض الدارمي على المريسي، ص 156.
[5] ابن تيمية، الرسالة التدمرية، ص 52.
[6] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 5، ص 298.
[7] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 2، ص 442.
[8] ابن القيم، مختصر 
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

نتائج البحث التحقيقية (الخلاصة المنهجية)
1. حقيقة المباينة وقطع أوهام التماثل:
خلص البحث إلى أنَّ "الإضافة" (إضافة الصفة إلى الله) هي الفيصل اللغوي والشرعي الذي يقطع تماثل الخالق بالمخلوق. فلفظ "اليد" أو "العلم" قبل الإضافة (قدر مشترك ذهني)، وبعد الإضافة (قدر فارق خارجي) يختص بكل موصوف بما يليق بذاته حقيقةً لا مجازاً [1].
2. الوحدة الموضوعية والمنهجية في الصفات:
أثبت البحث تهافت مذهب "التبعيض" في الإثبات؛ فمن أثبت صفات "المعاني" السبع ونفى غيرها فقد وقع في تناقض عقلي شنيع؛ إذ إنَّ "العلة" التي من أجلها نفى المحبة والرضا (وهي توهم التشبيه) موجودة بعينها فيما أثبته من الإرادة والعلم. فالباب واحد، والقول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر [2].
3. مركزية قاعدة "الذات" في كسر التعطيل:
انتهى التحقيق إلى أنَّ قاعدة (القول في الصفات كالقول في الذات) هي "القاصمة" لظهور النفاة؛ فكل من أقر بوجود "ذات" حقيقة لله لا تشبه الذوات، لزمه عقلاً وشرعاً الإقرار بـ "صفات" حقيقية لا تشبه الصفات، وإلا لزم من نفي الصفات نفي الذات والوقوع في الإلحاد [3].
4. كشف "الفخاخ اللفظية" (التركيب والتجسيم):
بين البحث أنَّ المصطلحات التي تترس بها المعطلة (كالتركيب والتحيز) هي "ألفاظ مجملة" مبتدعة، استُخدمت لترهيب العامة من نصوص الوحي. والمنهج السلفي في التعامل معها هو "الاستفصال والتفصيل"؛ فنقبل المعنى الحق الذي يوافق كمال الخالق، ونرفض اللفظ المبتدع والمعنى الباطل [4].
5. بطلان "التفويض المطلق" (تجهيل الوحي):
كشف البحث أنَّ السلف لم يكونوا يجهلون "معاني" الصفات، بل كانوا أعلم الخلق بمراد الله، وإنما فوضوا "الكيفية" فقط. فالقول بتفويض المعنى هو تحويل للقرآن إلى "أعجمية" لا تفهم، وهو قدح في بيان الأنبياء عليهم السلام [5].
6. التمييز الصارم بين "التأويل" و"التحريف":
استقر البحث على أنَّ ما يسميه المتكلمون "تأويلاً" هو في حقيقته "تحريف" لغوي وعقدي؛ لأنه صرف للفظ عن حقيقته بلا دليل شرعي، مما أدى لفتح باب "الباطنية" وضياع هيبة النص الشرعي في النفوس [6].
7. قوة "المنهج الأثري" في المناظرة:
أظهرت النماذج التطبيقية (لأحمد والدارمي وابن تيمية وابن القيم) أنَّ قوة الحجة السلفية تكمن في الجمع بين "النقل المعصوم" و"العقل السليم"؛ فكسروا خصومهم بأسلحتهم (الإلزام العقلي) مع الاستمساك بظواهر الوحي [7].

&&&&&&&&&&&&&&&&&

[1] ابن تيمية، الرسالة التدمرية، ص 45.
[2] ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة، ص 218.
[3] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 5، ص 110.
[4] ابن عثيمين، شرح القواعد المثلى، ص 152.
[5] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 1، ص 156.
[6] الذهبي، العلو للعلي الغفار، ص 138.
[7] المعلمي، التنكيل، المجلد 1، ص 245.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


التوصيات المقترحة للبحث (تطوير وتفعيل المنهج السلفي)
1. العناية بالتحقيق اللغوي في كليات العقيدة:
نوصي بضرورة ربط دراسة العقيدة بعلوم اللغة العربية (البيان، والاشتقاق، والدلالة)؛ فإنَّ المعطلة إنما دخلوا من باب "المجاز" وتحريف "دلالة الألفاظ". فكلما قويت لغة طالب العلم، قويت حصانته ضد شبهات التحريف والتأويل [1].
2. تدريس "قواعد الإلزام العقلي" كمنهج في المناظرة:
يجب ألا نكتفي بسرد النصوص فقط عند الرد على أهل البدع، بل نوصي بتدريس القواعد العقلية التي أصلها شيخ الإسلام (كالقول في البعض كالكل، والقول في الصفات كالذات)؛ لأنها تخاطب عقل الخصم وتلزمه بالتناقض الذي يهرب منه [2].
3. الحذر من "المصطلحات الحادثة" وتفعيل منهج الاستفصال:
نوصي طلاب العلم بعدم التسرع في قبول أو نفي الألفاظ التي لم ترد في الكتاب والسنة (كالجسم، والحيز، والجهة)؛ بل الواجب هو تطبيق قاعدة "الاستفصال عن المعنى" و"التفصيل في الحكم"، لئلا يقع الطالب في فخاخ النفاة [3].
4. كشف العلاقة بين "التعطيل" و"الباطنية المعاصرة":
نوصي الباحثين بتتبع أثر "التأويل البدعي" في نشوء المذاهب الباطنية والتحريفية المعاصرة؛ فبيان أنَّ تعطيل الصفات هو "القنطرة" لهدم الشريعة يزهّد الناس في مناهج المتكلمين ويحببهم في "ظواهر النصوص" [4].
5. إحياء كتب "الردود المسندة" للأوائل:
نوصي بإعادة إبراز وتحقيق كتب الأئمة المتقدمين (كالدارمي في نقضه، وابن خزيمة في توحيده، واللالكائي في أصوله)؛ ففيها من "بركة الأثر" وقوة الحجة ما يغني عن تكلفات المتأخرين، وهي الأنموذج الأتم لتطبيق هذه القواعد [5].
6. التفريق الصارم بين "تجهيل الكيف" و"تجهيل المعنى":
نوصي بضرورة التنبيه في الدروس العلمية على بطلان "التفويض المطلق" (الذي يجهّل معاني القرآن)، وبيان أنَّ منهج السلف هو إثبات المعاني اللغوية التي خاطبنا الله بها، مع قطع الطمع في إدراك الكيفية [6].
&&&&&&&&&&&&&&&

[1] ابن القيم، الصواعق المرسلة، المجلد 2، الصفحة 442.
[2] ابن تيمية، الرسالة التدمرية، المجلد 1، الصفحة 52.
[3] ابن عثيمين، شرح القواعد المثلى، المجلد 1، الصفحة 152.
[4] ابن القيم، إغاثة اللهفان، المجلد 2، الصفحة 114.
[5] المعلمي، التنكيل، المجلد 1، الصفحة 245.
[6] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 5، الصفحة 110.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&


إليك يا شيخنا الجليل الخاتمة العقدية النهائية لهذا البحث المبارك، مصاغةً بعباراتٍ تجمع بين قوة التأصيل وحلاوة البيان، تليق بمقام هذا التحقيق المنهجي الذي سطرتموه.
الخاتمة العقدية الختامية
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد:
فقد طوفنا في هذا البحث المنهجي المستفيض حول "القواعد السلفية المحكمة في باب الأسماء والصفات"، وهو تطوافٌ لم يكن الغرض منه مجرد الترف الفكري أو السرد النظري، بل كان رحلةً استدلالية لإثبات أنَّ عقيدة السلف الصالح هي "العروة الوثقى" التي تجتمع فيها صراحة المعقول مع صحيحة المنقول.
إنَّ الخلاصة التي نخرج بها من هذا السفر التحقيقي هي أنَّ باب الصفات بابٌ توقيفي، وأنَّ العقل السليم لا يمكن أن يعارض النقل الصحيح بحال، بل إنَّ "قواعد الإلزام" التي بسطناها في طيات المباحث السبعة التطبيقية كشفت لنا أنَّ المتكلمين حين هربوا من "التشبيه" الموهوم سقطوا في "تناقضٍ" معلوم، وأنهم حين أرادوا تنزيه الخالق بأهوائهم، عطلوا كمالاته التي أثبتها لنفسه في محكم كتابه.
إنَّ التمسك بقاعدة (الإضافة والتخصيص)، واليقين بأنَّ (القول في الصفات كالقول في الذات)، هما الحصن الحصين من غوائل التحريف وأوهام التكييف. ولتعلم الأمة أنَّ السلامة كل السلامة في اتباع ما كان عليه الرعيل الأول، الذين أثبتوا لله ما أثبته لنفسه "حقيقةً" بلا تمثيل، ونزهوه عما نزه عنه نفسه "تعظيماً" بلا تعطيل، ووقفوا عند حدّ النص "تسليماً" بلا تكييف.
نسأل الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الباحثين وطلاب العلم، ويجعله حجةً لنا لا علينا يوم العرض عليه.
تم بحمد الله وتوفيقه
الساعة: السادسة والنصف مساءً
اليوم: الخميس
التاريخ الهجري: 15 شوال 1447 هـ
التاريخ الميلادي: 2 أبريل 2026 م
إعداد وتحقيق المدون:
الشيخ أبو أنس عماد بن عبد العزيز ابن طه آل عامر المصري
الباحث  في الدراسات المنهجية والعقدية



| الموضوع والعنصر التحقيقي | رقم الصفحة |

| المقدمة المنهجية: القواعد السلفية وحتمية الحماية العقدية | 1 |
| الفصل الأول: منهج الإثبات والتلازم بين الذات والصفات | 5 |
| المبحث الأول: قاعدة الإثبات والنفي (إثبات ما أثبته الله ونفي ما نفاه) | 6 |
| - المطلب الأول: التحقيق اللغوي لمعنى الإثبات والنفي في حق الخالق | 7 |
| - المطلب الثاني: سوق الأدلة من الكتاب والسنة على الإثبات المفصل | 9 |
| - المطلب الثالث: منهج السلف في الوقوف عند النص (التبعية المحضة) | 12 |
| المبحث الثاني: قاعدة "القول في الصفات كالقول في الذات" | 15 |
| - المطلب الأول: وجه التلازم العقلي والشرعي بين وجود الذات وثبوت الصفة | 16 |
| - المطلب الثاني: تطبيقات الأئمة لهذه القاعدة في إلزام نفاة الصفات | 19 |
| المبحث الثالث: ضوابط الإثبات السلفي الأربعة (التحرير والتحقيق) | 22 |
| - المطلب الأول: حقيقة التعطيل والتحريف (لغةً وشرعاً) | 23 |
| - المطلب الثاني: حقيقة التكييف والتمثيل والفرق الدقيق بينهما | 26 |
| المبحث الرابع: عرض ومناقشة أقوال أهل البدع في باب الصفات | 30 |
| الفصل الثاني: الوحدة المنهجية للصفات وحقيقة العلم بالكيفية | 35 |
| المبحث الأول: قاعدة "القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر" | 36 |
| - المطلب الأول: إلزام الأشاعرة والماتوريدية في تفريقهم بين الصفات | 38 |
| - المطلب الثاني: بطلان التحكم العقلي في تصنيف الصفات | 41 |
| المبحث الثاني: قاعدة "العلم بالمعنى والجهل بالكيفية والحقيقة" | 45 |
| - المطلب الأول: التحقيق اللغوي لمراتب العلم (اللفظ، المعنى، الكيف) | 47 |
| - المطلب الثاني: أدلة الوحي على امتناع الإحاطة بكيفية الصفات | 50 |
| المبحث الثالث: بطلان القول بالتفويض المطلق (تجهيل معاني الوحي) | 54 |
| - المطلب الأول: الفرق بين تفويض السلف (للكيف) وتفويض الخلف (للمعنى) | 56 |
| المبحث الرابع: الرد على التقسيمات الكلامية المحدثة للصفات | 60 |
| الفصل الثالث: الاشتراك الذهني وضوابط الألفاظ المجملة | 65 |
| المبحث الأول: قاعدة "القدر المشترك والقدر الفارق" | 66 |
| - المطلب الأول: تحقيق دلالة الإضافة والتخصيص في دفع التشبيه | 68 |
| - المطلب الثاني: أثر الإضافة في مباينة الخالق للمخلوق | 72 |
| المبحث الثاني: قاعدة "اجتناب الألفاظ المجملة المبتدعة" (الجهة، الجسم) | 75 |
| - المطلب الأول: منهج الاستفسار والتفصيل في المصطلحات الحادثة | 78 |
| المبحث الثالث: تباين الحقائق مع اشتراك الأسماء (أدلة ونماذج) | 82 |
| المبحث الرابع: تفكيك شبهة "التركيب" و"التجسيم" بالتحقيق اللغوي | 87 |
| الفصل الرابع: الآليات التطبيقية في الرد على أهل البدع (الفصل المسهب) | 95 |
| المبحث الأول: توظيف القواعد بالبيان البلاغي وقوة الحجة الشرعية | 96 |
| المبحث الثاني: قاعدة الإلزام العقلي: "من أثبت بعضاً لزمه إثبات الكل" | 102 |
| المبحث الثالث: تفكيك مقدمات الفلاسفة (شرح المقدمتين والنتيجة في التركيب) | 108 |
| المبحث الرابع: أثر "الإضافة والتخصيص" في منع التمثيل (تحقيق لغوي مسهب) | 115 |
| المبحث الخامس: المنهج القويم في دفع شبهات التكييف (قاعدة الإمام مالك) | 122 |
| المبحث السادس: الفرق بين التحريف والتأويل وأثرهما في الانحراف العقدي | 130 |
| المبحث السابع: نماذج تطبيقية لردود الأئمة (أحمد، الدارمي، ابن تيمية، ابن القيم) | 140 |
| الخاتمة والنتائج والتوصيات | 155 |
| ثبت المصادر والمراجع (الأصول السلفية المحققة) | 160