الجمعة، 15 مايو 2026

إفادة الطالب ​مُوجَزُ تفسير أسماء الله الحسنى موجز تأصلي عَقَدِيُّ لغَوِيُّ فِي فَهْمِ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى»










    «المُوجَزُ العَقَدِيُّ وَاللُّغَوِيُّ فِي فَهْمِ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى»


    ص ١
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْأَوَّلُ: (اللَّهُ)

    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ

    ​اِسْمُ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ) أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ (الْإِلَهُ) عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِلتَّخْفِيفِ وَأُدْغِمَتْ لَامُ التَّعْرِيفِ فِي لَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَصَارَتَا لَاماً وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً مُفَخَّمَةً.

    وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ لَ هَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ؛ فَالْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ حُبّاً وَتَعْظِيماً وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.

    وَقِيلَ هُنَا أَيْضاً إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ (وَلِهَ) إِذَا تَحَيَّرَ، لِأَنَّ الْعُقُولَ تَتَحَيَّرُ فِي كُنْهِ عَظَمَتِهِ، أَوْ مِنْ (لَاهَ) إِذَا اِرْتَفَعَ وَاحْتَجَبَ لِعُلُوِّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَنْهُمْ.

    وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي عِنْدَ كِبَارِ النُّحَاةِ كَسِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ عَلَمٌ جَامِدٌ مُرْتَجَلٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ بِالْكُلِّيَّةِ، خَاصٌّ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ وَأَلِفُهُ وَلَامُهُ لَازِمَةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ.

    وَيَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ وَجُمُودِهِ عِنْدَهُمْ دُخُولُ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ دُونَ حَذْفِ أَدَاةِ التَّعْرِيفِ فَنَقُولُ: (يَا اللَّهُ)، بَيْنَمَا يَسْتَحِيلُ جَمْعُهُمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُشْتَقَّةِ [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ

    ​هُوَ الْعَلَمُ الْأَفْرَدُ الْأَعْظَمُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْوَاجِبَةِ الْوُجُودِ بِذَاتِهَا، الْجَامِعُ لِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ.

    وَالْحَدُّ فِيهِ أَنَّهُ الِاسْمُ الرَّأْسُ الَّذِي تَتْبَعُهُ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا فِي النُّصُوصِ، وَهُوَ الَّذِي تُعْقَدُ بِهِ الْأَيْمَانُ الشَّرْعِيَّةُ وَتُفْتَتَحُ بِهِ الصَّلَوَاتُ جَمِيعاً.

    وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ اِسْتِحْقَاقُهُ الْمُطْلَقُ لِأَنْ تُصْرَفَ لَهُ وَحْدَهُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَخُضُوعُ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لِجَلَالِ سُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ فِي الْمَلَكُوتِ.

    وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ اِدَّعَاهُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ، لِأَنَّ عَلَمِيَّةَ الِاسْمِ مَقْصُورَةٌ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْخَالِقِ السُّبْحَانِ فَلَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ.

    وَهُوَ مَانِعٌ يَقْطَعُ الطَّمَعَ فِي مُمَاثَلَةِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ، فَيُوجِبُ التَّنْزِيهَ الْمُطْلَقَ عَنِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ وَالْغَفْلَةِ الَّتِي تَعْتَرِي الْبَشَرَ وَسَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعَالَمِ [٢].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

    • الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: الآية ١].
    • الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا وَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ٢٥٥].
    • الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» [٣].
    • الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ: لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (اللَّهُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيِحِ الظَّاهِرِ (٢٦٠٢ مَرَّةٍ) نَصّاً، وَهُوَ بِذَلِكَ أَكثَرُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ذِكْراً وَدَوَرَاناً فِي كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ [٥].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ

    ​أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ سَلَفاً وَخَلَفاً عَلَى ثُبُوتِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ)، وَجَعَلُوهُ أَصْلَ الْأُصُولِ كُلِّهَا الَّذِي لَا يَطْرَقُهُ شَكٌّ أَوْ اِحْتِمَالٌ فِي النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنِ الْمَعْصُومِ.

    وَذَكَرَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ اِسْمَ (اللَّهِ) هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الَّذِي لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ رَأْسُ الْآيَاتِ وَالْأَذْكَارِ التَّوْقِيفِيَّةِ.

    وَأَكَّدَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِمَعَانِي الْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ كُلَّ اِسْمٍ يَأْتِي بَعْدَهُ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ وَالتَّابِعِ لَهُ لَفْظاً وَمَعْنًى مُحَقَّقاً.

    وَأَمَّا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فَقَدْ جَعَلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي آلَافِ الْمَوَاضِعِ الصَّرِيحَةِ.

    وَأَوْضَحَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهِ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ، فَإِذَا قِيلَ: مَا الرَّحْمَنُ؟ يُقَالُ: هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، وَلَا يُعْكَسُ ذَلِكَ أَبَداً.

    وَفِي مَشْرُوعِ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيِّ، اِحْتَلَّ اِسْمُ الْجَلَالَةِ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى فِي قَائِمَةِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِحَسَبِ ضَوَابِطِهِ النَّقْدِيَّةِ الْمُحَرَّرَةِ.

    وَقَدْ قَرَّرَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ اِسْمَ (اللَّهِ) هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِطْلَاقِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَالتَّنْوِينِ التَّقْدِيرِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ مَقَامَ الْعَلَمِ الصَّرِيحِ.

    وَنَقَلَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَسْقُطُ مِنْ أَيِّ حَصْرٍ أَوْ اِجْتِهَادٍ لِأَيِّ عَالِمٍ بَحَثَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، لِأَنَّهُ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى التَّوْحِيدِ.

    وَقَدْ حَكَى اِبْنُ الْقَيِّمِ أَيْضاً أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ خَصَائِصُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّهُ أَوْفَقُ الْأَسْمَاءِ لِأَنْ يَكُونَ هُوَ الِاسْمَ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَنْفَرِجُ بِهِ الْكُرُبَاتُ إِذَا دُعِيَ بِهِ.

    فَثُبُوتُهُ ثُبُوتٌ قَطْعِيٌّ بِالتَّوَاتُرِ النَّصِّيِّ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ اِثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ مَبْدَأُ الْإِيمَانِ وَمِفْتَاحُ الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ [٦].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ

    ​يَدُورُ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ حَوْلَ شُمُولِيَّةِ صِفَةِ (الْإِلَهِيَّةِ) الَّتِي هِيَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَحْيِهِ.

    فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ الْعَلِيَّةَ لَهَا الْقَيُّومِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَلَا يقعُ حَدَثٌ وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَتَقْدِيرِهِ الْأَزَلِيِّ الْمُحْكَمِ.

    وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ الَّذِي أَوْجَدَ الْخَلْقَ مِنَ الْعَدَمِ، وَالرَّازِقُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِأَقْوَاتِ الْعِبَادِ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ دُونَ نِقْصَانٍ.

    وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِأُمُورِ الْمَلَكُوتِ، يُصَرِّفُ الرِّيَاحَ، وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ، وَيَرْفَعُ أَقْوَاماً وَيَخْفِضُ آخَرِينَ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ تَعْجَزُ الْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ عَنْ إِدْرَاكِ كُلِّ غَايَاتِهَا.

    وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَيْضاً أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ كَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالْقَهْرِ وَالْمَجْدِ، فَلَا كَبِيرَ إِلَّا هُوَ، وَلَا عَظِيمَ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَنْ دُونَهُ خَاضِعٌ لَهُ.

    كَمَا يَتَضَمَّنُ صِفَاتِ الْجَمَالِ كَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْمَغْفِرَةِ لِلذُّنُوبِ، وَالْحِلْمِ عَلَى الْعُصَاةِ، وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ أَبَداً.

    وَفِي اِسْمِ (اللَّهِ) تَلْتَقِي نُعُوتُ السَّمْعِ الَّذِي يَسْمَعُ حَرَكَةَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، وَالْبَصَرِ الَّذِي يَرَى دَبِيبَهَا فِي ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ، وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ.

    فَهُوَ تَعَالَى رَقِيبٌ حَسِيبٌ مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَمَعْنَى أُلُوهِيَّتِهِ يَجْعَلُهُ الْمَفْزَعَ الْوَحِيدَ لِلْخَلَائِقِ جَمِيعاً إِذَا ضَاقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ.

    وَالْمَعْنَى يَرُدُّ كُلَّ صِفَةٍ إِلَى الذَّاتِ، فَهُوَ اللَّهُ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تَلْهَجَ الْأَلْسُنُ بِثَنَائِهِ، وَتَخْشَعَ الْجَوَارِحُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.

    وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ جَامِعاً لِكُلِّ حَقَائِقِ التَّوْحِيدِ الَّتِي اِنْفَرَدَ بِهَا الْبَارِي عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا نِدَّ لَهُ فِيهَا وَلَا شَبِيهَ وَلَا مُشَاكِلَ سُبْحَانَهُ [٧].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ

    ​اِلْتَفَتَ السَّلَفُ عِنْدَ تَدَبُّرِ كِتَابِ اللهِ إِلَى صَدَارَةِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ فِي مَوَاطِنِ الْفَوَاتِحِ الْقُرْآنِيَّةِ، حَيْثُ اِفْتُتِحَتْ بِهِ السُّوَرُ الْعَظِيمَةُ كَالْفَاتِحَةِ وَالْبَقَرَةِ.

    وَالْمَسْلَكُ هُنَا هُوَ اسْتِبْصَارُ كَيْفَ جَاءَ اِسْمُ (اللَّهِ) مَتْبُوعاً لَا تَابِعاً فِي كُلِّ سِيَاقٍ، مِمَّا يُبَيِّنُ لِلْمُتَدَبِّرِ أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْوُجُودِ وَالتَّشْرِيعِ.

    فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، نَجِدُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَلَتْهُ جَاءَتْ لِتَوْضِيحِ أَوْصَافِ هَذِهِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَعْبُودَةِ.

    وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ أَيْضاً كَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُضِيفُ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ إِلَى اِسْمِهِ الْعَلَمِ لِيَقْطَعَ دَعَاوَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ.

    وَمِنْ مَسَالِكِ التَّدَبُّرِ الْمُفِيدَةِ النَّظَرُ فِي اِقْتِرَانِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ بِأَفْعَالِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، مِثْلَ: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}، لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ مَصْدَرَ الْخَيْرِ.

    وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ ذِكْرَ (اللَّهِ) يَأْتِي غَالِباً فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَالْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْفَاصِلَةِ لِيُرَبِّيَ الْأُمَّةَ عَلَى تَعْظِيمِ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ.

    وَتَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي تَحْوِي {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يُورِثُ الْعَقْلَ اِتِّسَاعاً فِي فَهْمِ الْإِحَاطَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا يَشُذُّ عَنْهَا شَيْءٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

    وَيَلْهَجُ الْمُتَدَبِّرُ أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ يُذْكَرُ عِنْدَ الْوَعِيدِ وَالْبِشَارَةِ مَعاً، مِمَّا يَجْعَلُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ طَائِراً بَيْنَ جَنَاحَيِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ وَالرَّجَاءِ فِي الثَّوَابِ.

    إِنَّ تَكْرَارَ الِاسْمِ فِي الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الْكَثْرَةِ الْكَاثِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ، بَل| لِتَرْسِيخِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ فِي نُفُوسِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْوَحْيِ الْقُرْآنِيِّ الْمُعْجِزِ.

    وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّدَبُّرُ هُنَا هُوَ الْبَابَ الْأَعْظَمَ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهِ طَالِبُ الْعِلْمِ مِنْ مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ اللَّفْظِيَّةِ إِلَى مَقَامِ الشُّهُودِ الْقَلْبِيِّ لِآثَارِ الِاسْمِ [٧].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)

    ​الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ الْحَاصِلُ مِنْ فَهْمِ اِسْمِ (اللَّهِ) هُوَ تَحْقِيقُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ مُعَظَّمٌ وَلَا مَحْبُوبٌ رَأْساً إِلَّا هُوَ.

    فَإِذَا اِسْتَقَرَّ هَذَا الِاسْمُ الشَّرِيفُ فِي سُوَيْدَاءِ الْقَلْبِ، اِنْقَطَعَتْ حِبَالُ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَخْلُوقِينَ ضَعْفاً وَخَوْفاً، وَأَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ بِكُلِّيَّتِهِ.

    وَيُثْمِرُ هَذَا الْمَسْلَكُ تَرْبِيَةَ الْجَوَارِحِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَلَا تَتَحَرَّكُ قَدَمٌ وَلَا تَبْطِشُ يَدٌ إِلَّا فِي مَرْضَاةِ (اللَّهِ) الَّذِي مَلَأَ حُبُّهُ وَأَمْرُهُ شَغَافَ النَّفْسِ.

    وَيَتَعَلَّمُ الْمُرَبِّي كَيْفَ يَغْرِسُ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ تَعْظِيمَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، فَلَا يُذْكَرُ اِسْمُهُ تَعَالَى إِلَّا مَقْرُوناً بِالتَّقْدِيسِ وَالثَّنَاءِ الْعَطِرِ الْمُنَاسِبِ.

    كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَقْتَضِي دَوَامَ الذِّكْرِ بِهَذَا الِاسْمِ، فَيَلْهَجُ اللِّسَانُ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مُسْتَحْضِراً مَعَانِي التَّبَرُّؤِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ.

    وَيُورِثُ الِاسْمُ الْعَبْدَ طُمَأْنِينَةً نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً تَدْفَعُ عَنْهُ وِسَاوِسَ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ نَقْصِ الرِّزْقِ، لِأَنَّهُ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ.

    وَفِي مَقَامِ الْخَلْوَةِ، يَكُونُ اِسْمُ اللهِ حَارِساً لِلْمُؤْمِنِ مِنَ السُّقُوطِ فِي حَمْأَةِ الذُّنُوبِ، حَيْثُ يَسْتَحِي أَنْ يَعْصِيَ مَنْ تَعَبَّدَ لَهُ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ هَذَا.

    وَيَظْهَرُ الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ أَيْضاً فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ

    ​الْمُؤْمِنَ يَرَى أَنَّ الْعِبَادَ هُمْ عِيَالُ اللهِ، فَيَرْحَمُهُمْ رَجَاءَ رَحْمَةِ إِلَهِهِ وَمَعْبُودِهِ.

    وَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ النَّبَوِيِّ الَّذِي جَاءَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ بِإِحَاطَتِهِ.

    وَبِذَلِكَ تَنْتَظِمُ حَيَاةُ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَى سَنَنٍ رَاشِدٍ يَحْمِيهِ نَازِعُ التَّقْوَى وَالْمُرَاقَبَةِ لِاسْمِ اللهِ، لَا مُجَرَّدَ الْخَوْفِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْبَشَرِيَّةِ [٧].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ

    ​تَحْرِيرُ الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ فِي اِسْمِ (اللَّهِ) يَقُومُ عَلَى إِثْبَاتِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهُوَ إِفْرَادُ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْخَلْقِ.

    وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ دَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ وَبَيْنَ مَاهِيَّةِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَنْكَرُوا إِفْرَادَ اِسْمِ اللهِ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ.

    وَيُرَدُّ بِهَذَا الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ الصَّارِمِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ عَرَّفُوا الْإِلَهَ بِأَنَّهُ (الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ) أَوْ أَنَّهُ (الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ) بِلَا اِخْتِيَارٍ.

    فَأَبْطَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ هَذَا التَّحْرِيفَ، وَبَيَّنُوا أَنَّ مَعْنَى (اللَّه) هُوَ الْمَعْبُودُ حُبّاً وَتَعْظِيماً، لَا مُجَرَّدَ الْمُوجِدِ لِلْمَادَّةِ كَمَا زَعَمَتِ الطَّوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةُ.

    كَمَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الَّذِينَ جَعَلُوا لَفْظَ (اللَّهِ) دَالاً عَلَى عَيْنِ الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ، فَخَلَطُوا بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ طَغْيَاناً.

    وَأَثْبَتَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْعَلِيَّةِ.

    وَيَتَضَمَّنُ الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ أَيْضاً رَدَّ شُبُهَاتِ الْمُعَطِّلَةِ (كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) الَّذِينَ أَثْبَتُوا الِاسْمَ جَامِداً خَالِياً مِنْ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ مَعْنًى وَوَصْفاً.

    فَقَرَّرَ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ اِسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى يَتَضَمَّنُ صِفَةً كَمَالِيَّةً مُشْتَقَّةً مِنْهُ، فَاللَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِلَهِيَّةَ، كَمَا أَنَّ الْعَلِيمَ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ الْمُحِيطَ.

    وَيَشْمَلُ هَذَا الْبَابُ أَيْضاً كَفْءَ لِسَانِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، فَلَا نُمَثِّلُ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.

    وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ مُعْتَقَدُ طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى النَّهْجِ الْأَثَرِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحِسَابِ [٨].

    ​الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (التَّوْثِيقُ النَّقْدِيُّ وَالْفَوَائِدُ)

    ​[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٦٧. وَفِيهِ تَفْصِيلُ مَذَاهِبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ فِي حَذْفِ هَمْزَةِ إِلَهٍ، وَتَوْجِيهِ خُصُوصِيَّةِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ فِي النِّدَاءِ وَالْإِعْرَابِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ.

    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥.

    [٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٣٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٢٢٠. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيِحِهِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢١١٤، رَقْمُ: ٢٧٦٠.

    [٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٦٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٤٩٥. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضاً أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَصَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٢ لِشَوَاهِدِهِ الْقَوِيَّةِ.

    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٥.

    [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٤.

    [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ اِبْنِ الْجَوْزِيِّ - الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥.

    [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٠. وَانْظُرْ كَذَلِكَ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣.

    _____________________________٥___________________________________

    ص ٢
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّانِي: (الْإِلَهُ)

    _______________________________________________________________

    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
    ​اِسْمُ (الْإِلَهُ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ لَ هَ)، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ (فِعَالٍ) بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَعْبُودٍ، مِثْلَ كِتَابٍ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ.
    وَالْأَلْهُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ} أَيْ عِبَادَتَكَ، فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ خَوْفاً وَرَجَاءً.
    وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ (وَلِهَ) إِذَا تَحَيَّرَ وَاشْتَدَّ شَوْقُهُ، لِأَنَّ الْخَلَائِقَ تَوْلَهُ إِلَيْهِ فِي حَاجَاتِهَا وَتَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ الشَّارِدَةُ فِي كُنْهِ صِفَاتِهِ وَعَظَمَتِهِ.
    وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ (لَاهَ يَلِيهُ لَوْهاً) إِذَا اِرْتَفَعَ وَاحْتَجَبَ، وَالْإِلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى الْمَحْجُوبُ عَنْ أَبْصَارِ الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا جَلَالاً.
    وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ صَرِيحٌ تَنْفَكُّ عَنْهُ أَلِفُ وَلَامُ التَّعْرِيفِ فَيُقَالُ (إِلَهٌ)، وَتَقَعُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ (إِلَهَيْنِ) وَالْجَمْعُ (آلِهَةٌ) بِحَسَبِ مَا زَعَمَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ بَاطِلاً [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ، الَّتِي تَسْتَحِقُّ نِهَايَةَ الْخُضُوعِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَتُفْرَدُ وَحْدَهَا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ نَصّاً.
    وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ، وَالْعِلْمُ الْمُحِيطُ، وَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْغِنَى الْمُطْلَقُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ فِي الْعَالَمِينَ.
    كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ مَصْدَرُ النِّعَمِ كُلِّهَا، وَالْمَفْزَعُ الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ لِيَكْشِفَ عَنْهَا الضُّرَّ وَالْكَرْبَ الْمُحِيطَ بِهَا.
    وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ إِلَهِيَّتَهَا مَزْعُومَةٌ بَاطِلَةٌ تَقُومُ عَلَى النَّقْصِ وَالِافْتِقَارِ.
    وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ يَحْرِمُ صَرْفَ أَيِّ ذَرَّةٍ مِنَ التَّأَلُّهِ كَالدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ الذَّاتِ الْوَاجِبَةِ الْوُجُودِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ جَوْهَرُ التَّنْزِيهِ وَالتَّوْحِيدِ [٢].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ١٦٣].

    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْكَهْفِ: الآية ١١٠].

    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» [٣].

    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

    ​وَرَدَ اِسْمُ (الْإِلَهُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُفْرَداً بِمَوَاضِعَ صَرِيحَةٍ عَدِيدَةٍ، حَيْثُ جَاءَ مَجْمُوعاً مَعَ الضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ (إِلَهُكُمْ) وَ(إِلَهَنَا) فِي (١٤٧ مَرَّةٍ) نَصّاً ثَابِتاً [٥].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ

    ​قَرَّرَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ أَنَّ اِسْمَ (الْإِلَهِ) مَقْطُوعٌ بِثُبُوتِهِ وَتَوْقِيفِهِ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ الذَّاتِ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عِلْماً.
    وَأَدْخَلَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي سِيَاقِ كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، مُسْتَدِلّاً بِآيَاتِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَطَهَ، وَعَدَّهُ اِسْماً صَرِيحاً تَتَضَمَّنُ بِنْيَتُهُ صِفَةَ الْإِلَهِيَّةِ كَمَالاً.
    وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ قَائِمَتِهِ لِلْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، لِتَوَافُرِ شُرُوطِ الْعَلَمِيَّةِ وَالْإِطْلَاقِ النَّصِّيِّ الْمُحْكَمِ فِيهِ.
    وَأَوْضَحَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ (الْإِلَهَ) جَاءَ نَكِرَةً وَمَعْرِفَةً وَمُضَافاً فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ الْمُتَوَاتِرِ، مِمَّا يُوجِبُ جَعْلَهُ رُكْناً أَصِيلاً فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى التَّوْقِيفِيَّةِ.
    وَقَدْ حَكَى اِبْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْكَرَ اِسْمَ الْإِلَهِ أَوْ جَعَلَ مَعْنَاهُ خَالِياً مِنَ الْوَصْفِ فَقَدْ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ [٦].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
    ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْإِلَهِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي مَلَكَ قُلُوبَ الْخَلَائِقِ فَأَلِهَتْ لَهُ عِبَادَةً وَمَحَبَّةً وَإِجْلَالاً، لِمَا اِتَّصَفَ بِهِ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
    وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَكُونُ إِلَهاً حَقّاً إِلَّا مَنْ كَانَ خَالِقاً رَازِقاً مُحْيِياً مُمِيتاً، لَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ عَدْلاً.

    فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ بَيْنَ لَوَازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ وَحَقَائِقِ الْأُلُوهِيَّةِ؛ إِذْ كُلُّ رَبٍّ خَالِقٍ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَخْضَعَ لَهُ الْعَبِيدُ وَتَطْمَئِنَّ نُفُوسُهُمْ بِذِكْرِهِ وَتَقْدِيسِ سُلْطَانِهِ.

    وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي عُلُوَّهُ النَّصِّيَّ وَالْعَقْلِيَّ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ وَالْوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ، فَهُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.

    وَشَرْحُهُ يَؤُولُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى إِلَهِيَّتِهِ، يَسْتَمِدُّ مِنْهُ الْوُجُودَ وَالرِّزْقَ، بَيْنَمَا هُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ، مَعْبُودٌ بِحَقٍّ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ [٧].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
    ​يَتَجَلَّى التَّدَبُّرُ فِي تَتَبُّعِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي نَفَى فِيهِ اللهُ تَعَالَى وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَهُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، لِيُدْرِكَ الْعَقْلُ اِنْتِظَامَ الْكَوْنِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.

    وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ نَادَى الْأَنْبِيَاءُ أَقْوَامَهُمْ جَمِيعاً بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ الشَّرِيفَ هُوَ مِحْوَرُ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ كُلِّهَا.

    وَالنَّظَرُ فِي اِقْتِرَانِ اِسْمِ (الْإِلَهِ) بِأَوْصَافِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ فِي الْآيَاتِ، يُبَيِّنُ لِلْمُتَدَبِّرِ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْمَطْلُوبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رَجَاءِ الْفَضْلِ وَحُبِّ الذَّاتِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَهْرِ.

    وَكَذَلِكَ يَلْمَحُ الْمُتَدَبِّرُ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ النَّاسِ قَوْلَهُ: {إِلَٰهِ النَّاسِ}، حَيْثُ جَاءَ الِاسْمُ بَعْدَ (مَلِكِ النَّاسِ) لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمِلْكَ غَايَتُهُ حِمَايَةُ الْعَبِيدِ لِيَتَفَرَّغُوا لِعِبَادَةِ إِلَهِهِمْ.

    إِنَّ تَدَبُّرَ لَفْظِ (إِلَهٍ) عِنْدَ سِيَاقِ الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ يُعِيدُ النَّفْسَ إِلَى فِطْرَتِهَا الْأُولَى الَّتِي جُبِلَتْ عَلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهَا وَالْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ الْقَدَرِيِّ وَالشَّرْعِيِّ الصَّارِمِ [٧].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)

    ​الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الْإِلَهِ) يَتَمَثَّلُ فِي تَصْفِيَةِ الْقَلْبِ مِنَ الْأَهْوَاءِ الَّتِي قَدْ تَتَّخِذُهَا النَّفْسُ إِلَهاً مِنْ دُونِ اللهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}.
    فَيَتَرَبَّى الْعَبْدُ عَلَى تَقْدِيمِ مَرْضَاةِ اللهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ، وَيَنْقَادُ سُلُوكُهُ لِلشَّرْعِ بِحَيْثُ يَكُونُ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلاً.
    وَيُثْمِرُ هَذَا الْمَسْلَكُ عِزَّةً نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً تَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الذُّلِّ لِلْمَخْلُوقِينَ أَوْ طَلَبِ الْحَاجَاتِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الْأُمُورِ كُلِّهَا.
    كَمَا يَظْهَرُ السُّلُوكُ فِي حُسْنِ التَّوَكُّلِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، فَلَا يَشْكُو لِلْخَلْقِ، بَلْ يَفْزَعُ إِلَى مَحْرَابِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ نَاطِقاً: (يَا إِلَهِي اِرْحَمْ ضَعْفِي وَاجْبُرْ كَسْرِي).
    وَيُرَسِّخُ الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُرَبِّي مَسْؤُولِيَّةَ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَتَلَامِيذِهِ، لِيَكُونَ سَعْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا خَالِصاً لِوَجْهِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ [٧].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)

    ​قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ الْمَعْبُودُ حُبّاً وَتَعْظِيماً الَّذِي تُفْرَدُ لَهُ الْعِبَادَةُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَالْفِطْرَةِ، وَالْإِلَهِيَّةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ حَقِيقَةً تَقْتَضِي أَفْعَالَ الْعِبَادِ طَاعَةً.
    ​قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: الْإِلَهُ عِنْدَهُمْ هُوَ "الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ"، فَفَسَّرُوا الْأُلُوهِيَّةَ بِالْقُدْرَةِ وَرَدُّوهَا لِلرُّبُوبِيَّةِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَأَسَّسَتْ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ) بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنِ الِاعْتِزَالِ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا: الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ [٨].

    ​قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: هُوَ اِسْمٌ مَجَازِيٌّ خَالٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْأُلُوهِيَّةِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَتَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَنَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) [٨].

    ​قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْإِلَهُ هُوَ الذَّاتُ بِلَا صِفَاتٍ، فَالْإِلَهِيَّةُ عَيْنُ الذَّاتِ لَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا، وَنَفَوْا رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ سُبْحَانَهُ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ (حَوَالَيِ الْعَامِ ١٠٥ هـ) بِالْبَصْرَةِ عِنْدَمَا اِعْتَزَلَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا: عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ [٨].
    ​قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: الْإِلَهُ هُوَ "الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ" أَوْ "الْعِلَّةُ الْأُولَى"، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَيْسَ لَهُ اِخْتِيَارٌ وَلَا يَفْعَلُ بِمَشِيئَةٍ طَغْيَاناً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): دَخَلَتْ صِيَاغَتُهَا الْفِكْرِيَّةُ لِلْإِسْلَامِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ عَبْرَ تَرْجَمَةِ كُتُبِ الْيُونَانِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْمُنْتَسِبِينَ لِلْمِلَّةِ: الْفَارَابِيُّ (ت ٣٣٩ هـ) وَابْنُ سِينَا [٨].

    ​قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: الْإِلَهُ هُوَ عَيْنُ هَذَا الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ، فَلَا وُجُودَ لِخَالِقٍ بَائِنٍ عَنْ مَخْلُوقِهِ، بَلِ الْكُلُّ شَيْءٌ وَاحِدٌ حُلُولاً وَاتِّحَاداً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ كَمَذْهَبٍ مُسْتَقِلٍّ فِي التَّصَوُّفِ الْفَلْسَفِيِّ بِالْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا الْأَكْبَرُ هُوَ اِبْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) وَابْنُ سَبْعِينَ [٨].

    ​قَوْلُ الْخَوَارِجِ: شَعَارُهُمْ عِنْدَ التَّحْكِيمِ: "لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ"، حَيْثُ فَسَّرُوا اِسْمَ الْإِلَهِ بِأَنَّهُ الْحَاكِمُ السَّيَّاسِيُّ فَقَطْ، فَكَفَّرُوا عَلِيّاً وَالْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ يَوْمَ حَرْفِ التَّحْكِيمِ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ سَنَةَ (٣٧ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْأَوَّلِينَ: نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ [٨].

    ​الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (التَّوْثِيقُ النَّقْدِيُّ وَالْفَوَائِدُ)
    ​[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٦٩. وَفِيهِ بَيَانُ التَّصْرِيفِ اللُّغَوِيِّ لِلَفْظِ إِلَهٍ وَعِلَّةِ جَمْعِهِ عَلَى آلِهَةٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٢.
    [٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ١١٦، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٧٣٧٢. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، رَقْمُ: ١٩.
    [٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٣٠.
    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٢.
    [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٥. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، مَكْتَبَةُ السُّنَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨.
    [٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، دَارُ عَطَاءِاتِ الْعِلْمِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٥.
    [٨] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٠-٢٤٠. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ - الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٠٥ وما بَعْدَهَا.
    _______________________________________٦__________________________________

    ص ٣
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​
    الِاسْمُ الثَّالِثُ: (الرَّحْمَنُ)
    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
    ​اِسْمُ (الرَّحْمَنُ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ الصَّحِيحَةِ (رَ حَ مَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ وَالرَّأْفَةِ، وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعْلَانَ) نَصّاً.
    وَهَذَا الْوَزْنُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ وَالِامْتِلَاءِ وَالْكَثْرَةِ، مِثْلَ كَلِمَةِ غَضْبَانَ لِلْمُمْتَلِئِ غَضَباً، فَالرَّحْمَنُ هُوَ الْمُمْتَلِئُ رَحْمَةً الْوَاسِعَةُ صِفَتُهُ.
    وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ حَقِيقَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مَنِ اسْمِي»، مِمَّا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ جُمُودَهُ.
    وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الَّذِي يَمْنَعُ إِطْلَاقَهُ عَلَى غَيْرِ الْبَارِي، فَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُ بِنْيَةً تَعْظِيمِيَّةً لِأَنَّهُ صَارَ عَلَماً بِالْغَلَبَةِ لَا يَقْبَلُ التَّنْوِينَ الظَّاهِرَ.
    وَهُوَ اِسْمٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ إِذَا جُرِّدَ مِنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ النُّحَاةِ لِعِلَّتَيِ الْعَلَمِيَّةِ وَزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ اللَّتَيْنِ فِي آخِرِهِ [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الْعَلَمُ الصَّرِيحُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَّصِفَةِ بِالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي شَمِلَتْ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ بِقَدَرِهِ.
    وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ ثُبُوتُ الرَّحْمَةِ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ بَتَاتاً، وَشُمُولُهَا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ رِزْقاً.
    كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ اِسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَخْلُوقٍ بِهِ مُطْلَقاً لَا لَفْظاً وَلَا مَعْنًى، وَمَنْ تَسَمَّى بِهِ خُذِلَ كَمُسَيْلِمَةَ.
    وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ اِسْمُ (الرَّحِيمِ) لِأَنَّ الرَّحِيمَ دَالٌّ عَلَى إِيصَالِ الرَّحْمَةِ لِلْمَرْحُومِينَ، بَيْنَمَا الرَّحْمَنُ دَالٌّ عَلَى قِيَامِ الصِّفَةِ الْوَاسِعَةِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ عِلْماً.
    وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ دَعْوَى الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّحْمَةَ مَجَازاً عَنِ النِّعْمَةِ أَوْ إِرَادَةِ الثَّوَابِ، فَيُثْبِتُ الْحَقِيقَةَ النَّصِّيَّةَ الَّتِي تَلِيقُ بِجَلَالِهِ [٢].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [سُورَةُ طه: الآية ٥].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الآية ١١٠].
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءاً، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً» [٣].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الرَّحْمَنُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَرَمَاًّ عَلَمِيّاً بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الْمُجَرَّدِ فِي (٥٧ مَرَّةٍ) نَصّاً مَكْتُوباً، سِوَى مَا وَرَدَ فِي الْبَسْمَلَةِ مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ [٥].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ

    ​أَكَّدَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ اِسْمَ (الرَّحْمَنِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ الَّتِي لَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ ثَابِتٌ ثُبُوتاً قَطْعِيّاً مُتَوَاتِراً نَقْلاً.
    وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى رُكْناً فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي سِيَاقِ الْقُرْآنِ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلاً.
    وَأَوْضَحَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ مَنْزِلَةَ اِسْمِ (الرَّحْمَنِ) تَأْتِي بَعْدَ اِسْمِ الْجَلَالَةِ مُبَاشَرَةً فِي خُصُوصِيَّةِ الْعَلَمِيَّةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ عَقْلاً وَشَرْعاً.
    وَفِي مُؤَلَّفَاتِ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيِّ، نَالَ الِاسْمُ التَّصْنِيفَ الثَّالِثَ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، لِاسْتِيفَائِهِ شُرُوطَ الْإِطْلَاقِ وَالْعَلَمِيَّةِ الصَّارِمَةِ النَّقْدِيَّةِ.
    وَنَقَلَ الرِّضْوَانيُّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ تَوْقِيفِيٌّ مَمْنُوعٌ مِثْلُ اِسْمِ الْجَلَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ مَعْنَاهُ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْعُظْمَى [٦].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ

    ​يَدُلُّ اِسْمُ (الرَّحْمَنِ) تَفْصِيلاً عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ تَعُمُّ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ وَإِرْسَالِ النَّفَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
    وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَدَرَّ أَرْزَاقَهُ عَلَى الْعِبَادِ كَافَّةً، فَلَمْ يَقْطَعْ مَطَراً وَلَا هَوَاءً عَنْ كَافِرٍ لِكُفْرِهِ، بَلْ حَلِمَ عَلَيْهِمْ وَأَمْهَلَهُمْ جُوداً وَتَكَرُّماً مِنْهُ.
    وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ مَا بِالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ رَحْمَةٍ فَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَانِيَّتِهِ، حَتَّى إِنَّ الدَّابَّةَ لَتَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ الْمُنَزَّلِ.
    وَالرَّحْمَنُ هُوَ الَّذِي رَحِمَ الْبَشَرِيَّةَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَتَنْزِيلِ الْكُتُبِ، لِأَنَّ هِدَايَةَ الْإِرْشَادِ هِيَ أَعْظَمُ تَجَلِّيَاتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُنْقِذُ النُّفُوسَ مِنَ الضَّلَالِ.
    وَتَفْصِيلُ الِاسْمِ يَرْتَبِطُ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، حَيْثُ خَصَّ اِسْمَ الرَّحْمَنِ بِهِ لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ سُلْطَانَهُ وَعُلُوَّهُ مَبْنِيَّانِ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالسَّعَةِ لَا الْعَنَتِ [٧].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ

    ​يَتَجَلَّى الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ فِي النَّظَرِ بِإِتْقَانٍ إِلَى اِقْتِرَانِ اِسْمِ (الرَّحْمَنِ) بِالِاسْتِوَاءِ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} فِقْهاً لِلْعُلُوِّ.
    وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ جَاءَتْ سُورَةٌ كَامِلَةٌ بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) اِفْتُتِحَتْ بِهِ، ثُمَّ عَدَّدَتْ آلَاءَ اللهِ النَّاشِئَةِ عَنْ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِلثَّقَلَيْنِ.
    وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ قَوْلَ عِبَادِ الرَّحْمَنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، حَيْثُ أُضِيفُوا إِلَى هَذَا الِاسْمِ لِيُبَيِّنَ السِّيَاقُ أَنَّ سُلُوكَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ قَائِمٌ عَلَى السَّكِينَةِ وَالرَّحْمَةِ.
    وَمِنْ مَسَالِكِ التَّدَبُّرِ الْعَجِيبَةِ قَوْلُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ}، حَيْثُ اِسْتَغَاثَتْ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الظُّلْمَ وَتَحْمِي الضَّعِيفَ الْمُنْقَطِعَ.
    إِنَّ تَدَبُّرَ سِيَاقَاتِ الِاسْمِ يُورِثُ الْعَقْلَ طُمَأْنِينَةً بِأَنَّ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ كُلَّهَا بِيَدِ رَبٍّ رَحْمَنٍ، لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الْفَضْلِ لِلْقَاصِدِينَ دَائِماً [٧].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)

    ​الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) هُوَ اِتِّصَافُ الْعَبْدِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ خَلْقِ اللهِ، كَمَا فِي النَّصِّ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
    فَيَتَرَبَّى الْمُؤْمِنُ عَلَى لِينِ الْجَانِبِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ، بَلْ حَتَّى الرِّفْقِ بِالْبَهَائِمِ الْعَجْمَاءِ سُلُوكاً.
    وَيُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الدَّاعِيَةِ طَرِيقَةَ النُّصْحِ بِالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، فَلَا يَكُونُ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ، بَلْ يَدْعُو إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْبَلِيغَةِ.
    كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنَ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ خَطَايَا التَّائِبِينَ كُلَّهَا.
    وَيَغْرِسُ الْمُرَبِّي فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ أَنَّ اللهَ رَحْمَنٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَيَنْشَأُ الْجِيلُ بَعِيداً عَنِ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ، مُتَمَسِّكاً بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ السَّمْحَةِ [٧].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)
    ​قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً، وَلَا تُمَاثِلُ رَحْمَةَ الْمَخْلُوقِينَ الَّتِي فِيهَا رِقَّةٌ طَبَعِيَّةٌ.

    ​قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: نَفَوْا قِيَامَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِالذَّاتِ، وَفَسَّرُوا اِسْمَ الرَّحْمَنِ بِأَنَّهُ "إِرَادَةُ الْإِنْعَامِ" أَوْ "النِّعْمَةُ الْمَخْلُوقَةُ بِنَفْسِهَا"، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِنْدَهُمْ خَوَرٌ وَرِقَّةٌ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ الَّذِينَ قَرَّرُوا تَأْوِيلَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ [٨].

    ​قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: الرَّحْمَنُ اِسْمٌ مَجَازِيٌّ خَالٍ مِنَ الْمَعْنَى وَالْوَصْفِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللهُ رَحِيماً أَوْ رَحْمَاناً حَقِيقَةً لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ يُوجِبُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ نَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ [٨].

    ​قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَثْبَتُوا اِسْمَ الرَّحْمَنِ لَفْظاً وَنَفَوْا صِفَةَ الرَّحْمَةِ مَعْنًى، فَقَالُوا: هُوَ رَحْمَنٌ بِذَاتِهِ لَا بِرَحْمَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، وَتَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ عِنْدَهُمْ يَعُودُ إِلَى خَلْقِ النِّعَمِ عَدْلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ بِالْبَصْرَةِ حِينَ اِعْتَزَلَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ [٨].

    ​قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: اِسْمُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي فَيْضَ الْوُجُودِ مِنَ الْعِلَّةِ الْأُولَى تِلْقَائِيّاً بِالضَّرُورَةِ بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا مَشِيئَةٍ اِخْتِيَارِيَّةٍ، فَالرَّحْمَةُ عِنْدَهُمْ نِظَامٌ فَلَكِيٌّ فَقَطْ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ عَبْرَ تَرْجَمَةِ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْمُنْتَسِبِينَ لِلْمِلَّةِ الْفَارَابِيُّ وَابْنُ سِينَا [٨].

    ​قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُمْ شَمِلَتْ كُلَّ عَيْنٍ فِي الْوُجُودِ حَتَّى صَارَ الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ عَيْناً، فَجَعَلُوا رَحْمَتَهُ سَارِيَةً فِي ذَاتِ كُلِّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَمَأسَسَتْ كَمَذْهَبٍ فَلْسَفِيٍّ صُوفِيٍّ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا ابْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) وَابْنُ سَبْعِينَ [٨].

    ​قَوْلُ الْخَوَارِجِ: حَصَرُوا رَحْمَانِيَّةَ اللهِ وَأَثَرَهَا فِي الْآخِرَةِ لِمَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً، فَمَنْ عَصَى عِنْدَهُمْ خَرَجَ مِنْ أَثَرِ الرَّحْمَةِ وَخُلِّدَ فِي النَّارِ، فَضَيَّقُوا الرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ جَهْلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ سَنَةَ (٣٧ هـ) فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ بَعْدَ رَفْضِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ وَنَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ [٨].
      _________________________________________________________________

    ​[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٢٣٠. وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ لَفْظَ (الرَّحْمَنِ) صِيغَةٌ خَاصَّةٌ بِنَاءً وَمَعْنًى، وَتَوْجِيهُ مَنْعِ صَرْفِهَا لِلْعَلَمِيَّةِ وَشَبَهِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ.
    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٨.
    [٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٦٠٠٠. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، رَقْمُ: ٢٧٥٢.
    [٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٣١، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٦٩٤. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ برقم: ١٩٠١.
    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٠٨.
    [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٦. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢.
    [٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٢.
    [٨] أَبُو النَّصْرِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥-٩٢. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٢ وما بَعْدَهَا تَعْلِيقاً عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ.

    ________________________________٧_______________________________________

    ص ٤
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الرَّابِعُ: (الرَّحِيمُ)
    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
    ​اِسْمُ (الرَّحِيمُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (رَ حَ مَ) الدَّالَّةِ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ، وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِلَا جِدَالٍ.
    وَيَدُلُّ هَذَا الْوَزْنُ فِي النَّحْوِ عَلَى تَجَدُّدِ الْفِعْلِ وَحُدُوثِهِ وَتَعَدِّيهِ إِلَى الْمَحَلِّ، مِثْلَ كَلِمَةِ عَلِيمٍ وَسَمِيعٍ، فَالرَّحِيمُ هُوَ الْمُوصِلُ رَحْمَتَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ.
    وَالِاسْمُ صَرِيحٌ فِي الِاشْتِقَاقِ، تَلْحَقُهُ أَلِفُ وَلَامُ التَّعْرِيفِ لِلْكَمَالِ، وَيَقْبَلُ التَّنْوِينَ الظَّاهِرَ إِذَا جُرِّدَ، فَيُقَالُ (رَحِيمٌ)، وَتَقَعُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ لُغَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
    وَيَخْتَلِفُ عَنْ وَزْنِ (فَعْلَانَ) فِي أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَخْلُوقِ مُقَيَّداً كَمَا فِي نَصِّ النَّعْتِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تَبْجِيلاً.
    وَالنُّونُ فِيهِ لَيْسَتْ زَائِدَةً كَالرَّحْمَنِ، بَلْ بِنْيَتُهُ الصَّرْفِيَّةُ جَارِيَةٌ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ الَّتِي تَقْتَضِي مَفْعُولاً يَقَعُ عَلَيْهِ أَثَرُ الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفَاعِلِ [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْمَرْحُومِينَ عَدْلاً وَفَضْلاً مَقْطُوعاً بِهِ.
    وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ أَنَّ الرَّحِيمَ هُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ، الَّتِي يَخُصُّ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هِدَايَةً وَتَوْفِيقاً وَتَثْبِيتاً وَإِكْرَاماً.
    كَمَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ ثُبُوتُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ، الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ السُّبْحَانِيَّةُ كُلَّمَا أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ نَصّاً.
    وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ اِسْمُ (الرَّحْمَنِ)، لِأَنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ، بَيْنَمَا الرَّحِيمُ دَالٌّ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إِيصَالُهَا حَقِيقَةً.
    وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ يُبْطِلُ مَزَاعِمَ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّحْمَةَ أَمْراً نِسْبِيّاً خَالِياً مِنَ التَّعَلُّقِ الْفِعْلِيِّ، فَيُقَرِّرُ جَوْهَرَ الْإِثْبَاتِ السُّنِّيِّ الشَّرِيفِ [٢].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ١٤٣].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الآية ٤٣].
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَسْعَى إِذْ وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [٣].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الرَّحِيمُ) فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً وَمُنَكَّراً فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بَلَغَتْ (١١٤ مَرَّةً) نَصّاً جَلِيّاً، سِوَى وُرُودِهِ فِي الْبَسْمَلَةِ [٥].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
    ​جَزَمَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ بِثُبُوتِ اِسْمِ (الرَّحِيمِ) تَوْقِيفاً، وَأَوْضَحَ أَنَّ تَعَدُّدَ مَوَاضِعِهِ الْقُرْآنِيَّةِ يَرْفَعُهُ لِرُتْبَةِ الْقَطْعِ الَّذِي لَا مِرَاءَ فِيهِ عِلْماً.
    وَقَرَّرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى أَنَّ اِسْمَ (الرَّحِيمِ) دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَنَقَلَ تَفْرِيقَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْمَنِ بَيَاناً.
    وَأَشَارَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ اِقْتِرَانَ الرَّحِيمِ بِأَسْمَاءَ أُخْرَى كَالْعَزِيزِ وَالْغَفُورِ، يُعْطِي كَمَالاً إِلَى كَمَالٍ، وَيُثْبِتُ أَنَّ رَحْمَتَهُ النَّاشِئَةَ عَنْ فِعْلِهِ تَقُومُ عَلَى الْعِزَّةِ وَالْقَهْرِ أَيْضاً.
    وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، نَافِياً عَنْهُ كُلَّ شُبُهَاتِ التَّأْوِيلِ أَوْ التَّعْطِيلِ الْكَلَامِيِّ.
    وَبَيَّنَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ (الرَّحِيمَ) مَجْمَعُ الْآثَارِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ الْقَيِّمِ اِسْتِحْسَانَ التَّفْرِيقِ بِأَنَّ الرَّحْمَنَ صِفَةُ الذَّاتِ وَالرَّحِيمَ صِفَةُ الْفِعْلِ [٦].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
    ​يَدُلُّ اِسْمُ (الرَّحِيمِ) تَفْصِيلاً عَلَى إِيصَالِ اللهِ تَعَالَى نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ لِلْمَخْلُوقِ، فَالرَّحْمَنُ اِتَّصَفَ بِهَا، وَالرَّحِيمُ رَحِمَ بِهَا خَلْقَهُ وَبَاشَرَهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ.
    وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّ رَحْمَتَهُ الرَّحِيمِيَّةَ نَوْعَانِ: رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا، وَرَحْمَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ تَشْمَلُ لُطْفَهُ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَتَوْفِيقِهِمْ لِلطَّاعَاتِ.
    وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَغْفِرَةٍ لِذَنْبٍ، وَكُلَّ تَوْبَةٍ يُقْبِلُ اللهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، وَكُلَّ دَفْعٍ لِعُقُوبَةٍ، هِيَ مِنْ تَمَامِ مَعْنَى اِسْمِهِ الرَّحِيمِ الْمُتَعَدِّي.
    وَهُوَ الَّذِي يَرْحَمُ ضَعْفَ الْعِبَادِ عِنْدَ لِقَائِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَيُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِأَهْلِ الْجُحُودِ وَالْعِصْيَانِ شَرْعاً.
    وَشَرْحُ الِاسْمِ يَؤُولُ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الرَّحِيمِيَّ لَا يَنْقَطِعُ عَنِ الْمُؤْمِنِ أَبَداً، فَهُوَ يَحُوطُهُ فِي قَبْرِهِ وَعِنْدَ نَشْرِهِ وَعَلَى الصِّرَاطِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ [٧].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
    ​يَتَجَلَّى التَّدَبُّرُ فِي تَتَبُّعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي اِقْتَرَنَ فِيهَا اِسْمُ (الرَّحِيمِ) بِاسْمِ (الْعَزِيزِ)، كَمَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، لِيَعْلَمَ الْعَقْلُ أَنَّ رَحْمَتَهُ عَنْ قُدْرَةٍ وَعِزَّةٍ.
    وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ اِقْتِرَانَهُ بِاسْمِ (التَّوَّابِ) مِثْلَ: {تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}، لِيَلْمَحَ أَنَّ قَبُولَ الْإِنَابَةِ مَحْفُوفٌ بِالرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي تَغْسِلُ أَثَرَ الْخَطِيئَةِ عَنِ التَّائِبِ.
    وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ نَفْيِ جَعْلِ الرَّحِيمِ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، فَيُدْرِكُ الْمُتَدَبِّرُ أَنَّهَا رَحْمَةُ الِاصْطِفَاءِ.
    وَمِنْ مَسَالِكِ النَّظَرِ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جَمَعَتِ الِاسْمَيْنِ مَعاً: {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، لِيَفْتَتِحَ الْعَبْدُ كِتَابَ رَبِّهِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ كَمَالِ الصِّفَةِ وَسَعَةِ الْفِعْلِ الْكَوْنِيِّ الشَّامِلِ.
    إِنَّ تَدَبُّرَ لَفْظِ (الرَّحِيمِ) فِي آيَاتِ الْمَغْفِرَةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ يَغْرِسُ فِي الْقَلْبِ رَجَاءً دَائِماً يُحَرِّكُ الْجَوَارِحَ نَحْوِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ طَمَعاً فِي نَوَالِ رِضْوَانِهِ [٧].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
    ​الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الرَّحِيمِ) يَتَمَثَّلُ فِي أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُوصِلاً لِلْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ لِمَنْ حَوْلَهُ، فَلَا يَكْتَفِي بِقِيَامِ الرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُحَوِّلُهَا إِلَى أَفْعَالٍ.
    فَيَتَرَبَّى الْمُؤْمِنُ سُلُوكاً عَلَى إِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَكِسْوَةِ الْعَارِي، وَتَعْلِيمِ الْجَاهِلِ، وَتَفْرِيجِ كُرَبِ الْمَكْرُوبِينَ، بَاذِلاً نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي مَرْضَاةِ إِلَهِهِ.
    وَتَظْهَرُ التَّرْبِيَةُ فِي حُسْنِ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَبْنَائِهِ، فَيَكُونُ رَحِيماً بِهِمْ فِي نَفَقَتِهِ وَتَوْجِيهِهِ، بَعِيداً عَنِ الْقَسْوَةِ وَالْجَفَاءِ النَّفْسِيِّ.
    كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَفْرِضُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَرْحَمَ مَنْ يَعْلَمُهُمْ، فَيَتَلَطَّفَ بِهِمْ وَيَصْبِرَ عَلَى جَفْوَتِهِمْ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي بَابِ الْفَضْلِ وَالنُّصْحِ.
    وَيُرَسِّخُ الْمُرَبِّي فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ الرَّحِيمِ تَنَالُهَا الطَّاعَةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} نَظَماً تَرْبَوِيّاً [٧].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)

    ​قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً.
    ​قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: فَسَّرُوا اِسْمَ الرَّحِيمِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ يَعُودُ إِلَى "إِرَادَةِ التَّفَضُّلِ" أَوْ "إِيصَالِ النِّعْمَةِ الْمَخْلُوقَةِ"، لِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ صِفَةً فِعْلِيَّةً اِخْتِيَارِيَّةً تَقُومُ بِالذَّاتِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْبَاقِلَّانِيُّ الَّذِي وَطَّدَ مَذْهَبَ نَفْيِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ [٨].
    ​قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: الرَّحِيمُ لَفْظٌ لَا مَعْنَى لَهُ قَائِمٌ بِالْبَارِي، وَهُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْفِعْلِ الرَّحِيمِيِّ عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ فِي الذَّاتِ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ وَنَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) بِخُرَاسَانَ [٨].
    ​قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: هُوَ رَحِيمٌ بِلَا رَحْمَةٍ، فَالِاسْمُ عَلَمٌ مُجَرَّدٌ، وَمَعْنَاهُ يَعُودُ إِلَى أَحْكَامِ الْعَدْلِ وَخَلْقِ مَنَافِعِ الْعِبَادِ فَقَطْ، فَنَفَوْا قِيَامَ الْوَصْفِ بِاللهِ حَقِيقَةً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ (حَوَالَيِ السَّنَةِ ١٠٥ هـ) بِالْبَصْرَةِ بِاعْتِزَالِ وَاصِلِ بْنُ عَطَاءٍ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْأَعْلَافُ [٨].
    ​قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: الْإِلَهُ رَحِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّ نِظَامَ الْعَالَمِ يَجْرِي عَلَى وَفْقِ الْخَيْرِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ دُونَ تَدَخُّلٍ فِيهِ بِمَشِيئَةٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَجَدِّدٍ مِنَ الْعِلَّةِ الْأُولَى طَغْيَاناً عَقْلِيّاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): دَخَلَتِ الْمِلَّةَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ بِتَرْجَمَةِ كُتُبِ أَرِسْطُو، وَمِنْ رُؤُوسِهَا اِبْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ [٨].
    ​قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: الْفِعْلُ الرَّحِيمِيُّ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ حَرَكَةِ الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِيهِ الْحَقُّ فِي صُوَرِ الْخَلْقِ، فَلَا فَاعِلَ وَلَا مَفْعُولَ إِلَّا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ حُلُولاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ صُوفِيّاً فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا الْأَكْبَرُ اِبْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) [٨].
    ​قَوْلُ الْخَوَارِجِ: جَعَلُوا رَحْمَةَ اللهِ الرَّحِيمِ مَمْنُوعَةً عَنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَمَنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ تَنَلْهُ رَحْمَةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ بَلْ خُلِّدَ فِي الْجَحِيمِ جَهْلاً بِالسُّنَّةِ وَالْأَثَرِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ سَنَةَ (٣٧ هـ) فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ الشَّهِيرِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ [٨].
      ______________________________________________________________________

    ​[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٢٣٣. وَفِيهِ تَفْصِيلُ أَبْنِيَةِ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ فَعْلَانَ وَفَعِيلٍ فِي التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ.
    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
    [٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٩، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٦٠٠٤. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، رَقْمُ: ٢٧٥٤.
    [٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢٠٧٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٢٧٠٥. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ، رَقْمُ: ٨٣٤.
    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١١.
    [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٧. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥.
    [٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٧٨. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥.
    [٨] أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥-١١٠. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٤ وما بَعْدَهَا تَبْيِيناً لِمَذَاهِبِ الْفِرَقِ فِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
    _________________________________٨_____________________________________


    ص ٥
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: (الْمَلِكُ - الْمَالِكُ)

    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ

    ​اِسْمَا (الْمَلِكُ) وَ(الْمَالِكُ) مُشْتَقَّانِ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (مَ لَ كَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى قُوَّةٍ فِي الشَّيْءِ وَصِحَّةٍ، وَعَلَى تَمَامِ الرَّبْطِ وَالِاحْتِوَاءِ [١]. وَ(الْمَلِكُ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمُلْكِ، وَ(الْمَالِكُ) اِسْمُ فَاعِلٍ مِنْ فِعْلِ (مَلَكَ) يَدُلُّ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكِيَّةُ وَالتَّصَرُّفُ الْفِعْلِيُّ حَقِيقَةً [٢].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ النَّافِذَةِ الْمَشِيئَةِ، الَّتِي لَهَا التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، نَهْياً وَأَمْراً، وَثَوَاباً وَعِقَاباً، بِلَا مُمَانِعٍ وَلَا مُعَقِّبٍ [٣]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ مُلْكُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ مُلْكٌ مَجَازِيٌّ قَاصِرٌ نَاقِصٌ، يَلْحَقُهُ الْعَدَمُ وَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ [٤].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ لِاسْمِ (الْمَلِكِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [سُورَةُ طه: الآية ١١٤].
    ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ لِاسْمِ (الْمَالِكِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: الآية ٤].
    ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» [٥].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمَلِكُ) فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَماً مَقْصُوداً فِي (٥ مَوَاضِعَ) نَصّاً، بَيْنَمَا وَرَدَ اِسْمُهُ (الْمَالِكُ) فِي مَوْضِعَيْنِ (٢) نَصّاً جَلِيّاً [٦].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
    ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمَلِكِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٧]. وَجَعَلَهُمَا الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين نَصّاً فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الدَّالَّةِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ [٨]. وَصَنَّفَهُمَا الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ [٩].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
    ​يَدُلُّ الِاسْمَانِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَكْوَانِ، الْعُلْوِيِّ مِنْهَا وَالسُّفْلِيِّ، خَلْقاً وَمِلْكاً وَتَدْبِيراً. وَمَعْنَى الْمَلِكِ وَالْمَالِكِ يَقْتَضِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُنْفَرِدُ بِتَصْرِيفِ أُمُورِ عِبَادِهِ، فَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [١٠].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
    ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (الْمَلِكِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى {الْقُدُّوسُ} لِيُعْلَمَ أَنَّ مُلْكُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ عُيُوبِ مُلُوكِ الْبَشَرِ [١١]. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ خُصُوصِيَّةَ إِضَافَةِ اِسْمِ (الْمَالِكِ) إِلَى {يَوْمِ الدِّينِ} لِيَسْتَقِرَّ فِي الْيَقِينِ أَنَّ كُلَّ دَعَاوَى الْمُلْكِ الصُّورِيَّةِ لِلْبَشَرِ تَنْقَطِعُ كُلِّيَّةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَا نَاطِقَ وَلَا مُتَصَرِّفَ إِلَّا هُوَ [١٢].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
    ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ تَمَامَ الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ اللهِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمَلِكِ الْحَقِّ. كَمَا يَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى عَدَمِ الذُّلِّ لِمُلُوكِ الدُّنْيَا أَوْ التَّعَلُّقِ بِأَيْدِيهِمْ، بَلْ يَفْزَعُ الْعَبْدُ بِالدُّعَاءِ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، مَعَ لُزُومِ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ الْكِبْرِ [١٣].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

    ●​أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْمُلْكِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ، وَتَدْبِيرِهِ لِلْخَلْقِ فِعْلاً كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
    ●​الْأَشَاعِرَةُ: نَفَوْا قِيَامَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّاتِ، وَتَأَوَّلُوا الْمُلْكَ بِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَعْنَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ أَوْ خَلْقِ الْمَمْلُوكَاتِ.
    ●​الْمُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا الِاسْمَ لَفْظاً وَنَفَوْا الصِّفَةَ مَعْنًى، فَقَالُوا: هُوَ مَلِكٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ مُلْكٍ زَائِدَةٍ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ نَفَاذُ الصُّنْعِ فَقَطْ.
    ●​الْجَهْمِيَّةِ: قَالُوا الِاسْمُ مَجَازٌ مَحْضٌ خَالٍ مِنَ الْوَصْفِ، نَفْياً لِقِيَامِ أَيِّ مَعْنًى بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي التَّعْطِيلِ.
    ​●الْفَلَاسِفَةُ: الْمُلْكُ عِنْدَهُمْ هُوَ صُدُورُ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى فَيْضاً لَازِماً بِالضَّرُورَةِ بِلَا إِرَادَةٍ مَشِيئَةٍ اِخْتِيَارِيَّةٍ مِلْكاً.
    ​●أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: جَعَلُوا الْمَلِكَ وَالْمَمْلُوكَ عَيْناً وَاحِدَةً، فَالْخَالِقُ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي صُوَرِ الْكَوْنِ.
    ●​الْخَوَارِجُ: ضَيَّقُوا أَحْكَامَ الْمُلْكِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَسْقَطُوا رَعِيَّةَ الْمَلِكِ بِالتَّكْفِيرِ بِالْكَبِيرَةِ، وَنَفَوْا نَفَاذَ مَشِيئَةِ الْمَلِكِ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ شَفَاعَةً [١٤].
      ______________________________________________________________________

    ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٤٩١.
    [٢] أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ، تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٢٤٤.
    [٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
    [٤] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢.
    [٥] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ
    ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٣٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٤٨١٢. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، رَقْمُ: ٢٧٨٨.
    [٦] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٧٤.
    [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٤.
    [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٠.
    [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٢.
    [١٠] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٥٢٥.
    [١١] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٨.
    [١٢] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٧، الصَّفْحَةُ ١٥٢.
    [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٢.
    [١٤] أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٥-٤٠.

    _________________________________٩_____________________________________

    ص ٦
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ السَّابِعُ: (الْقُدُّوسُ)

    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
    ​اِسْمُ (الْقُدُّوسُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ دَ سَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالتَّعْظِيمِ الْخَالِصِ بِلَا شَوْبٍ. وَهُوَ لَفْظٌ جَارٍ عَلَى وَزْنِ (فُعُّولٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ مَعَ الضَّمِّ، وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ النَّادِرَةِ فِي كَلَامِهِمْ، وَيُفِيدُ بُلُوغَ الْغَايَةِ الْقُصْوَى فِي الطَّهَارَةِ. وَالْقَدَسُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْجَنَّةُ حَظِيرَةَ الْقُدُسِ لِطَهَارَتِهَا مِنَ الْآفَاتِ، كَمَا يُقَالُ تَقَدَّسَ الرَّجُلُ إِذَا تَطَهَّرَ وَتَنَزَّهَ عَنِ الْأَدْنَاسِ. وَالنُّونُ لَمْ تَلْحَقْ هَذَا الْبِنَاءَ الصَّرْفِيَّ، بَلْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ الثُّلَاثِيِّ الدَّالِّ عَلَى الْبَرَكَةِ وَالنَّزَاهَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَمْنَعُ وُرُودَ النَّقْصِ لُغَةً [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَالْمُقَدَّسَةِ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، أَوْ جَرَيَانِ الْأَوْهَامِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا حَقِيقَةً. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ تَقْدِيسُهُ لِنَفْسِهِ الثَّابِتُ أَزَلاً، وَتَقْدِيسُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَهُ تَعْظِيماً وَخُضُوعاً لِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ الْعَظِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ الشَّرِيفَةِ. كَمَا يَشْمَلُ تَنْزِيهَهُ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَالظَّهِيرِ وَالشَّرِيكِ، وَعَنْ كُلِّ وَصْفٍ ذَمَّهُ بِهِ أَهْلُ الْجُحُودِ وَالشِّرْكِ وَالِانْحِرَافِ الْعَقَدِيِّ. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ مُقَدَّساً مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كَالْأَرْضِ أَوْ النَّفْسِ، لِأَنَّ تَقْدِيسَهَا نِسْبِيٌّ مَحْدُودٌ مُفْتَقِرٌ لِتَطْهِيرِ اللهِ لَهَا [٢].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} [سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الآية ١].
    ​الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» [٣].
    ​الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْقُدُّوسُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ مُطْلَقاً فِي (مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].

    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
    ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْقُدُّوسِ) نَصّاً ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْقَطْعِيَّةِ الْوُرُودِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى أَوْصَافِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ لِاسْتِيفَائِهِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّوْقِيفِ [٨].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
    ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْقُدُّوسِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُبَارَكٌ فِِي ذَاتِهِ، مُطَهَّرٌ عَنْ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْبَشَرِ مِنَ النَّقَائِصِ. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ نَقْصِ الْفَنَاءِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ اللَّغُوبِ، وَعَنْ كُلِّ وَصْفٍ لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ الْمُطْلَقِ شَرْعاً. كَمَا يَعْنِي أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا مُقَدَّسَةٌ، تَدُورُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً عَبَثاً بِلَا غَايَةٍ. وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَيُقَدِّسُ أَرْوَاحَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، فَيَنْعَكِسُ كَمَالُ الِاسْمِ عَلَى الْكَوْنِ تَطْهِيراً شَامِلاً [٩].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
    ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (الْقُدُّوسِ) بِاسْمِ (الْمَلِكِ) فِي الْقُرْآنِ، لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ مُلْكَهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمُلُوكِ الْبَشَرِ الْمَشُوبِ بِالظُّلْمِ وَالْعُيُوبِ. وَيَتَدَبَّرُ التَّالِي كَيْفَ جَاءَ التَّسْبِيحُ مُقَدَّماً عَلَى التَّقْدِيسِ فِي أَقْوَالِ الْمَلَائِكَةِ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، بَيَاناً لِأَنَّ التَّنْزِيهَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ التَّعْظِيمِ. وَمِنْ لَطَائِفِ النَّظَرِ أَنَّ جَمْعَ الرَّسُولِ بَيْنَ السُّبُّوحِ وَالْقُدُّوسِ فِي السُّجُودِ يُحَقِّقُ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْإِجْلَالِ حَالَ انْخِفَاضِ الْبَدَنِ لِلْقَدِيرِ. إِنَّ تَدَبُّرَ هَذَا الِاسْمِ الْجَلِيلِ يَفْتَحُ لِلْعَقْلِ بَابَ النَّظَرِ فِي نَقَاءِ الشَّرِيعَةِ وَخُلُوِّ أَحْكَامِهَا مِنَ الْهَوَى وَالْحَيْفِ [١٠].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
    ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ تَعْظِيماً بَالِغاً لِجَنَابِ الرَّبِّ، فَلَا يَصِفُهُ إِلَّا بِمَا صَفَّ بِهِ نَفْسَهُ تَوْقِيفاً نَقِيّاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيَغْسِلُ قَلْبَهُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْكِبْرِ، وَيُطَهِّرُ جَوَارِحَهُ مِنَ الْآثَامِ وَالْمَعَاصِي شَرْعاً. كَمَا يَفْرِضُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ نَظَافَةَ مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَلَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ حَرَامٌ يُدَنِّسُ نُورَ الْفَهْمِ الَّذِي نَالَهُ طَلَباً. وَيَحْرِصُ الْمُرَبِّي عَلَى غَرْسِ نَزَاهَةِ اللَّسَانِ عَنِ الْفُحْشِ وَالْكَذِبِ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِ، لِتَكُونَ أَقْوَالُهُمْ مُقَدَّسَةً عَنِ الْخَنَا تَرْبِيَةً [١١].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
    ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْقُدُّوسِ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ الثَّابِتَةِ لَهُ أَزَلاً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُقَدَّسٌ بِصِفَةِ قُدُسٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ. أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ وَقَفُوا عِنْدَ التَّنْزِيهِ السَّلْبِيِّ، وَجَعَلُوا الْمَعْنَى يَعُودُ إِلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ عَنِ الذَّاتِ دُونَ إِثْبَاتِ كَمَالِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي مَنْعِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ الْمُتَجَدِّدَةِ بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَصَرَفُوا الِاسْمَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ. وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ رَحِيمٌ وَقُدُّوسٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، فَنَفَوْا مَعْنَى التَّقْدِيسِ الْقَائِمِ بِهِ حَقِيقَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَصْفِ الصَّرْفِيِّ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ، فَجَعَلُوا اِسْمَ الْقُدُّوسِ لَفْظاً مُجَرَّداً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ. وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا الْأَكْبَرِ، فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ مَعاً، وَقَالَتْ إِنَّ إِطْلَاقَ (الْقُدُّوسِ) عَلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ مِنَ الْبَابِ الْمَجَازِيِّ الْمَحْضِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ نَفْيُ التَّشْبِيهِ الصُّورِيِّ فَقَطْ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْدِيسِ عِنْدَهُمْ لَا تَقُومُ بِذَاتٍ لَا تُوصَفُ بِشَيْءٍ أَصْلاً طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْقُدُّوسَ بِمَعْنَى تَنَزُّهِ الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنِ الْمَادَّةِ وَعَوَارِضِ الْجِسْمِيَّةِ مَعَ نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ لِلْخَلْقِ فِعْلاً وَمَشِيئَةً. وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ التَّنَاقُضِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْقُدُّوسَ هُوَ عَيْنُ الْمُتَقَدِّسِ بِهِ فِي صُوَرِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقُدُّوسِ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ النَّاقِصِ حُلُولاً. وَضَلَّتِ الْخَوَارِجُ فِي الْبَابِ حِينَ سَلَبَتْ صِفَةَ التَّقْدِيسِ عَنْ شَرِيعَتِهِ النَّافِذَةِ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَجَعَلُوا حُكْمَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ خَالِياً مِنَ الرَّحْمَةِ وَالتَّجَاوُزِ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ [١٢].
    _____________________________________________________________________

    ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٦٨.
    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٨.
    [٣] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٣، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٤٨٧.
    [٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٦٦، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٤٣٠. وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٤٢.
    [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
    [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
    [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠١.
    [ ] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٩.
    [١٠] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٨، الصَّفْحَةُ ٤٣.
    [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٥.
    [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٥-٥٥. وَانْظُرْ: أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٢.
      _________________________________١٠_____________________________________

    ص ٧
    ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّامِنُ: (السَّلَامُ)

    ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
    ​اِسْمُ (السَّلَامُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (سَ لَ مَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى السَّلَامَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ وَالْعَاهَاتِ. وَالسَّلَامُ وَالسَّلَامَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الِاسْمِ تَعْظِيماً لِمَنْ وُصِفَ بِهِ لُغَةً [١].

    ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
    ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي سَلِمَتْ فِي أَوْصَافِهَا وَأَفْعَالِهَا وَأَحْكَامِهَا عَنْ كُلِّ شَوْبِ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، وَالَّذِي يُسَلِّمُ خَلْقَهُ مِنَ الْمَظَالِمِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِعَرَضِيَّةِ سَلَامَتِهِمْ وَزَوَالِهَا [٣].

    ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
    ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
    ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثاً، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» [٤].

    ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
    ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (السَّلَامُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ [٥].
    ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
    ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (السَّلَامِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّامِنَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ [٨].

    ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
    ​يَدُلُّ اِسْمُ (السَّلَامِ) عَلَى أَنَّ حَيَاتَهُ سَلِمَتْ مِنَ الْمَوْتِ، وَقُدْرَتَهُ سَلِمَتْ مِنَ الْعَجْزِ، وَعِلْمَهُ سَلِمَتْ مِنَ النِّسْيَانِ، فَكُلُّ كَمَالٍ فِيهِ بَرِيءٌ عَنِ النَّقْصِ شَرْعاً. وَأَفْعَالُهُ سَلِمَتْ مِنَ الْعَبَثِ وَالظُّلْمِ، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً إِلَّا بِحِكْمَةٍ، وَمِنْهُ تَنْتَشِرُ السَّلَامَةُ فِي الْعَالَمَيْنِ [٩].

    ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
    ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (السَّلَامِ) بِالْقُدُّوسِ لِيُفِيدَ أَنَّ تَنْزِيهَهُ مَقْرُونٌ بِالسَّلَامَةِ التَّامَّةِ أَزَلاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ جَعَلَ اللهُ الْجَنَّةَ (دَارَ السَّلَامِ) لِأَنَّهَا سَلِمَتْ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ فَيَفِيضُ الْأَمْنُ [١٠].

    ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
    ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، وَيَسْعَى لِنَشْرِ السَّلَامِ قَوْلاً وَفِعْلاً طَلَباً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، فَلَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ [١١].

    ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
    ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (السَّلَامُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ السَّلَامَةِ الْمُطْلَقَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ سَالِمٌ فِي ذَاتِهِ عَنِ الْعُيُوبِ، وَفِي صِفَاتِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَفِي أَفْعَالِهِ عَنِ الظُّلْمِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّأْوِيلِ.
    ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ وَقَفُوا عِنْدَ التَّنْزِيهِ السَّلْبِيِّ الْمَحْضِ، وَجَعَلُوا مَعْنَى (السَّلَامِ) يَعُودُ إِلَى سَلْبِ النَّقَائِصِ عَنِ الذَّاتِ فَقَطْ، دُونَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ كَمَا يَزْعُمُونَ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ دَلَالَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ.
    ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ سَلَامٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ سَلَامَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، فَنَفَوْا جَمِيعَ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى الِاسْمِ هُوَ أَنَّ خَلْقَهُ سَلِمُوا مِنْ ظُلْمِهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ، فَجَعَلُوا مَدْلُولَ الِاسْمِ خَارِجاً عَنِ الذَّاتِ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الْإِلَهِيِّ.
    ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ مَعاً، وَقَالَتْ إِنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ مَجَازٌ مَحْضٌ نَفْياً لِقِيَامِ أَيِّ مَعْنًى بِالذَّاتِ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي التَّعْطِيلِ الصِّفَاتِيِّ الْكَامِلِ.
    ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا السَّلَامَ بِمَعْنَى تَنَزُّهِ الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنِ التَّعَدُّدِ وَالِانْقِسَامِ وَالْمَادَّةِ فَقَطْ، مَعَ نَفْيِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ عَنْهُ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الشَّرْعِيَّ وَالْكَوْنِيَّ.
    ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الْحُلُولِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ السَّلَامَ هُوَ عَيْنُ السَّلَامَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ السَّلَامِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ. وَضَلَّتِ الْخَوَارِجُ فِي الْبَابِ حِينَ نَفَوْا سَلَامَةَ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، فَضَيَّقُوا رَحْمَةَ السَّلَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَصْلِهِمْ الفَاسِدِ [١٢].
    ____________________________________________________________________

    ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٢٨٩.
    [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥١.
    [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١١٥.
    [٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٤، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٩١.
    [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٨.
    [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٦.
    [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠٨.
    [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٠.
    [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨٠.
    [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٩.
    [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٥-٦٨.
      _________________________________١١_____________________________________

      ص ٨
      ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ التَّاسِعُ: (الْمُؤْمِنُ)


      ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
      ​اِسْمُ (الْمُؤْمِنُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ أَصْلَانِ لُغَوِيَّانِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَادَّةِ (أَ مَ نَ) الثُّلَاثِيَّةِ؛ الْأَوَّلُ: مِنَ الْأَمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ، وَالثَّانِي: مِنَ الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ وَمَعْنَاهَا التَّصْدِيقُ الْمُقَابِلُ لِلْكَذِبِ. وَالَّلَفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اِسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (آمَنَ) يُؤْمِنُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالنُّونُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ لَا زَائِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْوَصْفِ وَتَحَقُّقِهِ لُغَةً [١].

      ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
      ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي صَدَّقَتْ نَفْسَهَا وَصَدَّقَتْ رُسُلَهَا فِيمَا بَلَّغُوهُ، وَالَّتِي تُؤْمِنُ عِبَادَهَا الْمُتَّقِينَ مِنْ خَوْفِ الْعَذَابِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَصْدِيقُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالظَّنِّ، كَمَا يَخْرُجُ أَمْنُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِ مَقَادِيرِ اللهِ الْكَائِنَةِ سُبْحَانَهُ [٣].

      ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
      ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].

      ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ» [٤].

      ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
      ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُؤْمِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصًّا فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].

      ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
      ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُؤْمِنِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ التَّاسِعَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].

      ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
      ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُؤْمِنِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُصَدِّقُ لِأَوْلِيَائِهِ بِإِنْجَازِ وَعْدِهِ، وَالْمُصَدِّقُ لِرُسُلِهِ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ النَّاطِقَةِ بِصِدْقِهِمْ شَرْعاً. وَهُوَ الَّذِي أَمِنَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ، فَلَا يَخَافُ مَعَهُ الْعَبْدُ هَضْماً وَلَا ظُلْماً، بَلْ جَعَلَ سُنَّتَهُ الْعَدْلَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَفِيضُ أَمْناً وَسَكِينَةً فِِي الدَّارَيْنِ عِلْماً [٩].

      ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
      ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ أَعْقَبَ اللهُ اِسْمَ السَّلَامِ بِاسْمِ (الْمُؤْمِنِ) لِيَبُثَّ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ أَنَّ سَلَامَتَهُ تُثْمِرُ أَمْنَ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالتَّوْحِيدِ فَقَالَ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، وَهَذَا أَعْظَمُ التَّصْدِيقِ طَلَباً [١٠].

      ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
      ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ حِفْظَ الْأَمَانَاتِ وَأَدَاءَهَا إِلَى أَهْلِهَا، فَلَا يَخُونُ مَنِ ائْتَمَنَهُ، وَيَكُونُ صَادِقَ اللَّهْجَةِ فِي أَقْوَالِهِ كُلِّهَا شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى أَنْ يَأْمَنَهُ جِيرَانُهُ وَإِخْوَانُهُ مِنَ الْبَوَائِقِ وَالْأَذَى، لِيُحَقِّقَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الشَّرْعُ تَرْبِيَةً [١١].

      ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
      ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُؤْمِنُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَتَيِ التَّصْدِيقِ وَالْإِأْمَانِ الْقَائِمَتَيْنِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ وَلِرُسُلِهِ بِحَقِيقَةِ شَهَادَتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَمُؤْمِنٌ لِعِبَادِهِ مِنَ الظُّلْمِ حَقِيقَةً بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
      ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُؤْمِنِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ حِينَ فَسَّرُوهُ بِالتَّصْدِيقِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ حِينَ فَسَّرُوهُ بِخَلْقِ الْأَمْنِ فِي الْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُتَجَدِّدَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَصَرَفُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ عَنْ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ الْمُبَاشِرِ.
      ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُؤْمِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَمْنِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِأَوْلِيَائِهِ بِأَفْعَالٍ يَخْلُقُهَا لَا بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، فَنَفَوْا صِفَةَ التَّصْدِيقِ الْقَائِمَةِ بِالرَّبِّ كَمَا نَفَوْا سَائِرَ الصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَدْلُولَ الِاسْمِ لَا يَعُودُ عَلَى الْذَّاتِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
      ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ بـ (الْمُؤْمِنِ) مَجَازٌ صِرْفٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي بَابِ الْأَوْصَافِ نَفْياً لِتَشْبِيهِهِ بِالْمَخْلُوقِ الْمُؤْمِنِ كَمَا ادَّعَوْا طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
      ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُؤْمِنَ بِمَعْنَى اِتِّصَافِ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ الصَّادِرِ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى بِالْإِحْكَامِ وَعَدَمِ الِاضْطِرَابِ، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الشَّهَادَةِ وَالْقَوْلِ وَالِاخْتِيَارِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ الْفِعْلِيَّةَ.
      ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الْمُصَدِّقِ وَالْمُصَدَّقِ بِهِ فِي مَظَاهِرِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ حُلُولاً.
      ●وَضَلَّتِ الْجَبْرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يُؤْمِنُ أَحَداً مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ الظُّلْمَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ، وَاللهُ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا جَوْرٌ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْأَمْنِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ حَقّاً لِعِبَادِهِ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
      _____________________________________________________________________

      ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٢١.
      [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٣.
      [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
      [٤] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى، دَارُ الْمَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْقَ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٦٦٤. وَأَصْلُهُ فِِي الصَّحِيحَيْنِ.
      [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.
      [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
      [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٧.
      [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
      [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٢.
      [١٠] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٨، الصَّفْحَةُ ٤٦.
      [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٣.
      [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٥٠.


      _________________________________١٢_____________________________________
      ص ٩
      ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْعَاشِرُ: (الْمُهَيْمِنُ)

      ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ

      ​اِسْمُ (الْمُهَيْمِنُ) فِيهِ لِلْعَرَبِ وَجْهَانِ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُبْدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، فَأَصْلُهُ (مُؤَيْمِنٌ) عَلَى وَزْنِ (مُفَعْلِلٍ) مِنْ مَادَّةِ (أَ مَ نَ)، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ هَاءً كَمَا قَالُوا أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ مُجَرَّدٌ مِنْ مَادَّةِ (هَ يْ مَ نَ) يَقُولُونَ هَيْمَنَ الطَّائِرُ عَلَى فِرَاخِهِ إِذَا رَفْرَفَ بِجَنَاحَيْهِ حِمَايَةً وَرِعَايَةً، فَالْمِيمُ وَالْهَاءُ أَصْلِيَّانِ فِي الْبِنَاءِ الصَّرْفِيِّ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].

      ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
      ​هُوه الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى خَلْقِهَا بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ، الرَّقِيبَةِ عَلَيْهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، الْحَافِظَةِ لِأَرْزَاقِهِمْ وَآجَالِهِمْ بِلَا فَوْتٍ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ هَيْمَنَةُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهَا رِقَابَةٌ مَحْدُودَةٌ يَعْتَرِيهَا الْغَفْلَةُ وَالْجَهْلُ، وَتَقْتَصِرُ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ سُبْحَانَهُ [٣].

      ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
      ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
      ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ» [٤].

      ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
      ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُهَيْمِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].

      ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
      ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُهَيْمِنِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعَاشِرَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].

      ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
      ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُهَيْمِنِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ شَرْعاً. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ الْأَمِينُ الَّذِي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَالْحَفِيظُ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ فَلَا يَظْلِمُ مُطِيعاً وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَاصٍ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].

      ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
      ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ جَاءَ اِسْمُ (الْمُهَيْمِنِ) بَعْدَ الْمُؤْمِنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ أَمَّنَ الْخَلْقَ هُوَ نَفْسُهُ الرَّقِيبُ الْحَفِيظُ عَلَيْهِمْ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ وَصْفَ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ {مُهَيْمِناً عَلَيْهِ} لِكَوْنِهِ شَاهِداً وَأَمِيناً عَلَى كُلِّ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ طَلَباً [١٠].

      ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
      ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ دَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الرَّبَّ مُهَيْمِنٌ عَلَى خَلَجَاتِ الصَّدْرِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّحَلِّي بِالْأَمَانَةِ فِي رِعَايَةِ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ، فَيَكُونُ شَاهِداً بِالْعَدْلِ تَرْبِيَةً [١١].

      ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

      ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُهَيْمِنُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَاتِ الرِّقَابَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحِفْظِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ شَاهِدٌ حَقِيقَةً بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ، وَرَقِيبٌ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.

      ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُهَيْمِنِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ فَقَطْ، أَوْ تَأَوَّلُوهُ بِإِرَادَةِ خَلْقِ الْحِفْظِ لِلْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ أَوْصَافِ الشَّهَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ الرَّقَابِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي أَفْعَالاً اِخْتِيَارِيَّةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ دَلَالَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُهَيْمِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ شَاهِدَةً، أَوْ أَنَّهُ رَقِيبٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ رِقَابَةٍ وَشَهَادَةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ حَقِيقَةً يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيهِ وَتَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ، فَجَعَلُوا اِسْمَ الْمُهَيْمِنِ لَفْظاً خَالِياً مِنَ الْمَعْنَى تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
      ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُهَيْمِنِ) هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْهَيْمَنَةِ عِنْدَهُمْ تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاجَهَةَ وَالْمُقَابَلَةَ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الذَّاتِ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
      ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُهَيْمِنَ بِمَعْنَى عِلْمِ الْعِلَّةِ الْأُولَى بِالنِّظَامِ الْكُلِّيِّ لِلْكَوْنِ صُدُوراً عَنْهُ، مَعَ نَفْيِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَأَعْمَالِ الْبَشَرِ، فَعَطَّلُوا رِقَابَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ وَجَزَاءَهُ الْفِعْلِيَّ.
      ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الرَّقِيبِ وَالْمُرَاقَبِ فِي مَظَاهِرِ الْوُجُودِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُهَيْمِنِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمُهَيْمَنِ عَلَيْهِ حُلُولاً.
      ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا، فَنَفَوْا هَيْمَنَتَهُ الْأَزَلِيَّةَ وَشَهَادَتَهُ السَّابِقَةَ عَلَى الْمَقَادِيرِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
      _____________________________________________________________________

      ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٣٧.
      [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٥.
      [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
      [٤] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى، دَارُ الْمَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْقَ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٦٦٤.
      [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٣٥.
      [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
      [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٨.
      [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٢.
      [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٤.
      [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٢٧.
      [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٦.
      [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨٥-١١٥.
        _________________________________١٣_____________________________________
        ص ١٠
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْحَادِي عَشَرَ: (الْعَزِيزُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
        ​اِسْمُ (الْعَزِيزُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (عَ زَّ زَ)، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانِي الْقَهْرِ، وَالِامْتِنَاعِ، وَالْقِلَّةِ (أَيْ عَدَمِ النَّظِيرِ). يُقَالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ إِذَا غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، وَعَزَّ الشَّيْءُ يَعِزُّ إِذَا قَلَّ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثِيلٌ، وَعَزَّتِ الْبِلَادُ إِذَا امْتَنَعَتْ فَلَمْ تُوصَلْ. وَاللَّفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ (فَعِيلٍ) بِمَعْنَى فَاعِلٍ (عَازِزٍ) لِلْمُبَالَغَةِ، أَو بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِهِ لُغَةً [١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَهَا الْعِزَّةُ الْكَامِلَةُ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ: عِزَّةُ الْقَهْرِ، وَعِزَّةُ الِامْتِنَاعِ، وَعِزَّةُ الْقُوَّةِ، فَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا غَالِبَ لَهُ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ عَزِيزاً مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِأَنَّ عِزَّتَهُمْ مَوْهُوبَةٌ عَارِضَةٌ، يَشُوبُهَا الذُّلُّ وَالْقَهْرُ مِنْ غَيْرِهِمْ [٣].
        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ رَبِّهِ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [٤].
        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْعَزِيزُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ مَوْضِعاً) [٥].
        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْعَزِيزِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمْعاً نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْقَبُولِ شَرْعاً [٨].
        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْعَزِيزِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْقَاهِرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَالْمَنِيعُ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَالْقَوِيُّ الَّذِي لَا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ شَرْعاً. وَتَفْصِيلُ عِزَّتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مَقْهُورَةٌ لَدَيْهِ، خَاضِعَةٌ لِسُلْطَانِهِ، فَلَا يَتَحَرَّكُ مِنْهَا مُتَحَرِّكٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمِنْهُ تُسْتَمَدُّ الْعِزَّةُ لِأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عِلْماً [٩].
        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَثْرَةَ اقْتِرَانِ اِسْمِ (الْعَزِيزِ) بِـ (الْحَكِيمِ) لِيُفِيدَ أَنَّ عِزَّتَهُ وَقَهْرَهُ لَيْسَا عَبَثاً، بَلْ مَقْرُونَانِ بِالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ اقْتِرَانَهُ بِـ (الرَّحِيمِ) لِيَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَتَهُ وَغَلَبَتَهُ رَحْمَةٌ لِأَوْلِيَائِهِ لَا جَبَرُوتٌ مُجَرَّدٌ، فَيُثْمِرُ ذَلِكَ تَعْظِيماً وَرَجَاءً طَلَباً [١٠].
        ______________________________٣٠______________________________________​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الِاسْتِغْنَاءَ بِاللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا يَطْلُبُ الْعِزَّةَ وَالرِّفْعَةَ إِلَّا مِنْ طَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً}. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
        ■​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْعَزِيزُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْعِزَّةِ بِأَنْوَاعِهَا (الْقَهْرِ وَالِامْتِنَاعِ وَالْقُوَّةِ) الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ عَزِيزٌ بِعِزَّةٍ هِيَ صِفَتُهُ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّعْطِيلِ.
        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْعَزِيزِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ فَقَطْ، أَوْ تَأَوَّلُوهُ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لِلْمِثْلِ (الْفَرْدَانِيَّةِ السَّلْبِيَّةِ)، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ أَوْصَافِ الْغَلَبَةِ وَالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ بَعْضِ حَقَائِقِهِ الْوُجُودِيَّةِ.
        ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ بِذَاتِهِ لَا بِعِزَّةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي الزَّائِدَةِ، وَفَسَّرُوا الِاسْمَ بِأَنَّهُ الْغَالِبُ لِغَيْرِهِ بِأَفْعَالٍ يَخْلُقُهَا فِي الْخَارِجِ لَا بِقُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ، فَجَعَلُوا مَدْلُولَ الِاسْمِ لَفْظاً مَحْضاً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الصِّفَاتِيِّ.
        ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ وَصْفَ اللهِ بِـ (الْعَزِيزِ) مَجَازٌ، لِأَنَّ الْعِزَّةَ فِي الْمَخْلُوقِ تَقْتَضِي مُنَازَعَةً وَمُغَالَبَةً وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الرَّبِّ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْعَزِيزَ بِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ الصِّرْفِ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى عَنْ قَبُولِ التَّأَثُّرِ أَوِ الِانْقِسَامِ، مَعَ نَفْيِ صِفَاتِ الْقَهْرِ الْفِعْلِيِّ وَالْإِرَادَةِ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الْكَوْنِيَّ.
        ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ عِزَّةَ اللهِ هِيَ عَيْنُ الْقُوَّةِ السَّارِيَةِ فِي طَبَائِعِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْعَزِيزِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمَذْلُولِ حُلُولاً.
        ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ (الْمَجُوسِيَّةُ) حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ بِاسْتِقْلَالٍ، فَجَعَلُوا مَشِيئَةَ الْعَبْدِ غَالِبَةً لِمَشِيئَةِ اللهِ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَنَفَوْا كَمَالَ عِزَّةِ قَهْرِهِ سُبْحَانَهُ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
          _____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٧٤.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٧.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاك we نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَطَاءِاتِ الْعِلْمِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
        [٤] أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٠، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٢٥٣٣. وَأَصْلُهُ فِِي الْبُخَارِيِّ.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٦٢.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت, الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٧.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٩.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٥.
        [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٩.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ١٨٠-٢١٠.
        _________________________________١٤_____________________________________

        ص ١١
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّانِي عَشَرَ: (الْجَبَّارُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
        ​اِسْمُ (الْجَبَّارُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (جَ بَ رَ)، وَتَدُرُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ صَرَفِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ؛ الْأَوَّلُ: إِصْلَاحُ الشَّيْءِ بَعْدَ فَسَادِهِ، يُقَالُ: جَبَرْتُ الْعَظْمَ الْمَكْسُورَ إِذَا أَصْلَحْتَهُ وَأَعَدْتَهُ لِحَالِهِ. وَالثَّانِي: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ مَعَ الْقُوَّةِ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إِذَا طَالَتْ وَفَاتَتْ يَدَ الْآكِلِ ارْتِفَاعاً. وَالثَّالثُ: الْقَهْرُ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: جَبَرَ السُّلْطَانُ الرَّعِيَّةَ إِذَا قَهَرَهُمْ وَأَلْزَمَهُمْ بِمَا أَرَادَ. وَاللَّفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ (فَعَّالٍ) مِنْ جَبَرَ الْمُجَرَّدِ، أَوْ مِنْ أَجْبَرَ الرُّبَاعِيِّ حَذْفاً لُغَةً [١].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَهَا الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ ذَاتاً وَقَدْراً، وَالَّتِي تَقْهَرُ الْجَبَابِرَةَ وَتُكْرِهُ الْخَلَائِقَ عَلَى مَا تُرِيدُ قَدَراً، مَعَ جَبْرِهَا لِقُلُوبِ الْمُنْكَسِرِينَ وَضُعَفَاءِ عِبَادِهَا الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَسْمِيَةُ الْمَخْلُوقِ جَبَّاراً لِأَنَّ جَبَرُوتَهُ مَذْمُومٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الظُّلْمِ وَالنَّقْصِ وَالتَّكَلُّفِ لِعَجْزِهِ سُبْحَانَهُ [٣].

        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» [٤].

        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْجَبَّارُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ، وَوَرَدَ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ صِفَةً لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَا غَيْرَ [٥].

        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْجَبَّارِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ جَمْعاً نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].

        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْجَبَّارِ) تَفْصِيلاً عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ؛ الْأَوَّلُ: جَبْرُ الْقُوَّةِ وَالْقَهْرِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْخُرُوجَ عَنْ سُلْطَانِ كَوْنِهِ، وَالثَّانِي: جَبْرُ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ فَهُوَ يَجْبُرُ الْكَسِيرَ، وَيُغْنِي الْفَقِيرَ، وَيُيَسِّرُ الْعَسِيرَ شَرْعاً. وَالثَّالِثُ: جَبْرُ الْعُلُوِّ فَلَا يَنَالُهُ نَقْصٌ وَلَا تَلْحَقُهُ الظُّنُونُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ وَرَدَ اِسْمُ (الْجَبَّارِ) بَعْدَ الْعَزِيزِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ جَنَابُهُ عَنِ النَّقْصِ هُوَ الَّذِي يَقْهَرُ جَبَابِرَةَ الْأَرْضِ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ نَفْيَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ الرُّسُلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْجَبَرُوتَ الْمُطْلَقَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ طَلَباً [١٠].

        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَسْرَ نَخْوَةِ الْكِبْرِ وَالْأَنَفَةِ، فَلَا يَتَعَاظَمُ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَا يَكُونُ جَبَّاراً عَصِيّاً شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى مَحَبَّةِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَهْضُومِينَ، لِيَكُونَ جَابِراً لِقُلُوبِ الْعِبَادِ بِالْمَعْرُوفِ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْجَبَّارُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَاتِ الْعُلُوِّ وَالْقَهْرِ وَالْإِصْلَاحِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ جَبَّارٌ بِذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْجَبَّارِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ حِينَ فَسَّرُوهُ بِالْإِجْبَارِ وَالْقَهْرِ النَّافِذِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى الْعِلْمِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ (الْفَوْقِيَّةِ)، كَمَا نَفَوْا جَبْرَ الْقُلُوبِ الَّذِي يَقْتَضِي أَفْعَالاً اِخْتِيَارِيَّةً مُتَجَدِّدَةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَحَصَرُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ فِي مَعَانِي السَّلْبِ وَالْقَهْرِ الْأَزَلِيِّ.
        ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ جَبَّارٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْقَهْرِ فِِي غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَمْلَكَتِهِ، مَعَ نَفْيِ صِفَةِ الْجَبْرِ وَالْقُوَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ حَقِيقَةَ الْجَبَّارِ لَا تَعُودُ عَلَى الْذَّاتِ بِوَصْفٍ ثُبُوتِيٍّ زَائِدٍ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الصِّفَاتِيِّ. ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ بِـ (الْجَبَّارِ) مَجَازٌ صِرْفٌ، لِأَنَّ الْجَبَّارَ فِي اللُّغَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُمَاسَّةَ وَالْمُدَافَعَةَ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ عِنْدَهُمْ فِي بَابِ الصِّفَاتِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْجَبَّارَ بِمَعْنَى قَهْرِ النَّوَامِيسِ الْكَوْنِيَّةِ الْطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى اضْطِرَاراً لَا اِخْتِيَاراً، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ وَجَبْرِ الْقُلُوبِ وَالْقَصْدِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ الشَّرْعِيَّةَ.
        ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الْجَابِرِ وَالْمَجْبُورِ فِِي كُلِّ مَظَاهِرِ الطَّبِيعَةِ وَالْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْجَبَّارِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَقْهُورِ حُلُولاً. ●وَضَلَّتِ الْجَبْرِيَّةُ الْخَالِصَةُ فِِي الْبَابِ حِينَ احْتَجُّوا بِهَذَا الِاسْمِ عَلَى نَفْيِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ يَجْبُرُ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ كَجَبْرِ الرِّيشَةِ فِِي مَهَبِّ الرِّيحِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِجْبَارِ الْقَدَرِ الْكَوْنِيِّ وَبَيْنَ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَاخْتِيَاراً إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١١٢.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٩.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْقَصِيدَةُ النُّونِيَّةُ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ فِي الِانْتِصَارِ لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠٥.
        [٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٠، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٨٧٣. وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٧.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٩.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٢.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٦.
        [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٢.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٦، الصَّفْحَةُ ٢٤٠-٢٧٠.

        _________________________________١٥_____________________________________

        ص ١٢
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ: (الْمُتَكَبِّرُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
        ​اِسْمُ (الْمُتَكَبِّرُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الْخُمَاسِيِّ (تَكَبَّرَ)، وَأَصْلُهُ الثُّلَاثِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (كَ بُ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ، وَهِيَ ضِدُّ الصِّغَرِ. وَصِيغَةُ (تَفَعَّلَ) هُنَا لَا تَأْتِي بِمَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، بَلْ تَأْتِي لِلِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِحْقَاقِ الْمُطْلَقِ بِالْكِبْرِيَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى التَّعَالِي التَّامِّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَنَقْصٍ لُغَةً [١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنْفَرِدَةِ بِالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْمُتَعَالِيَةِ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، الَّتِي تَتَكَبَّرُ عَنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ وَعَنْ قَبُولِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ أَزَلاً وَأَبَداً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَكَبُّرُ الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ لِصِفَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَادِّعَاءٌ لِمَقَامٍ لَيْسَ لَهُ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَهْلِ وَالْعَجْزِ سُبْحَانَهُ [٣].
        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ» [٤].
        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُتَكَبِّرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْوَصْفِ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ لَا غَيْرَ [٥].
        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُتَكَبِّرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْقَبُولِ شَرْعاً [٨].
        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُتَكَبِّرِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْعَظِيمُ ذُو الْكِبْرِيَاءِ الَّذِي يَتَعَاظَمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ شُرَكَاءِ الْخَلْقِ، فَلَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَدَّ لَهُ شَرْعاً. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ الَّذِي يَكْسِرُ جَبَابِرَةَ خَلْقِهِ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَلَالِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ وَحْدَهُ أَنْ يَتَمَدَّحَ بِالْكِبْرِيَاءِ كَمَالاً وَعِزّاً عِلْماً [٩].
        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خِتَامَ آيَةِ الْحَشْرِ بِقَوْلِهِ: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بَعْدَ ذِكْرِ (الْمُتَكَبِّرِ)، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كِبْرِيَاءَهُ تَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ الْمُطْلَقَ عَنِ النَّقْصِ وَالشَّرِيكِ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْكِبْرِ مِنَ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} لِيَعْلَمَ أَنَّ الرِّدَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ طَلَباً [١٠].
        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ خُضُوعاً وَتَذَلُّلاً بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَإِطْرَاحاً لِكُلِّ دَعَاوَى الْفَخْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْخَلْقِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ وَقَبُولِهِ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً، لِأَنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ، فَيَحْذَرُ الْعَبْدُ أَنْ يُنَازِعَ رَبَّهُ صِفَتَهُ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ■​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُتَكَبِّرُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ الذَّاتِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُتَكَبِّرٌ تَعَالِياً عَنِ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُتَكَبِّرِ) سَلْبِيّاً مَحْضاً يَعُودُ إِلَى تَنْزِيهِ الذَّاتِ عَنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ فِي قَهْرِ الْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ كَصِفَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ زَائِدَةٍ تَقْتَضِي الْعُلُوَّ وَالتَّعَاظُمَ الْحَقِيقِيَّ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِِي نَفْيِ أَوْصَافِ الْجَلَالِ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا التَّشْبِيهَ عِنْدَهُمْ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُتَكَبِّرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْلُقُ الْأَفْعَالَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كِبْرِيَائِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُتَكَبِّرٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ كِبْرِيَاءٍ قَائِمَةٍ بِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَجَعَلُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ لَفْظِيَّةً مَجَازِيَّةً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
        ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُتَكَبِّرِ) هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ الْتَّكَبُّرَ فِي الشَّاهِدِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِذِي أَعْضَاءٍ وَجِسْمٍ يَتَعَاظَمُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ. ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُتَكَبِّرَ بِمَعْنَى تَعَالِي الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنْ قَبُولِ الْعَدَمِ أَوِ التَّغَيُّرِ الِانْفِعَالِيِّ، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الْمَجْدِ وَالْكِبْرِيَاءِ الْفِعْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ.
        ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ كِبْرِيَاءِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُتَكَبِّرِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمُتَوَاضِعِ أَوِ الْمُسْتَكْبِرِ حُلُولاً.
        ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعِبَادَ مُسْتَقِلُّونَ بِأَفْعَالِهِمْ دُونَ مَشِيئَةِ اللهِ، فَجَعَلُوا لِلْعَبْدِ كِبْرِيَاءً وَتَفَرُّداً فِي مَمْلَكَةِ اللهِ، فَنَفَوْا هَيْمَنَةَ كِبْرِيَاءِ الرَّبِّ الْقَاهِرَةِ لِكُلِّ مَشِيئَةٍ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
          ___________________________________________________________________
        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٢٩.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦١.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٢.
        [٤] أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٥. وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي طَيِّ السَّمَاوَاتِ.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨٩.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٠.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ... دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٨.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٧.
        [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٦.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤١٠-٤٤٠.

        _________________________________١٦_____________________________________

        ص ١٣
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ: (الْخَالِقُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ

        ​اِسْمُ (الْخَالِقُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (خَلَقَ) يَخْلُقُ، وَتَدُرُّ الْمَادَّةُ (خَ لَ قَ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ:

        ■الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ وَتَفْصِيلُهُ قَبْلَ صُنْعِهِ .

        ■وَالثَّانِي: إِيجَادُ الشَّيْءِ وَإِبْدَاعُهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْفِعْلِ وَالْمَلَكَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ

        ■​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ بِعِلْمِهَا وَتُقْصِى مَقَادِيرَهَا فِي الْأَزَلِ، ثُمَّ تُوجِدُهَا وَتَبْتَدِعُهَا فِِي الْأَعْيَانِ بِقُدْرَتِهَا وَمَشِيئَتِهَا عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَقِيقَةً [٢].
        ■وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ (الْخَلْقُ) الْمَنْسُوبُ لِلْمَخْلُوقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}؛ لِأَنَّ خَلْقَهُ تَقْدِيرٌ ذِهْنِيٌّ أَوْ تَحْوِيلٌ لِمَادَّةٍ مَوْجُودَةٍ، لَا إِيجَادٌ عَنْ عَدَمٍ صِرْفٍ سُبْحَانَهُ [٣].

        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّسْعِيرِ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْخَالِقُ» [٤].

        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ

        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْخَالِقُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُفْرَداً مُعَرَّفاً وَمُضَافاً عِلْماً فِي سِيَاقِ الْمدْحِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فِي (أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعاً)، كَمَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ (الْخَلَّاقُ) فِي مَوْضِعَيْنِ [٥].

        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ

        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْخَالِقِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ جَرْياً عَلَى الْقَاعِدَةِ شَرْعاً [٨].

        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ

        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْخَالِقِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِإِيجَادِ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ، فَلَا خَالِقَ مَعَهُ لِذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ شَرْعاً ، وَتَفْصِيلُهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَقَادِيرَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ أَبْرَزَهَا إِلَى الْوُجُودِ بِالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ (كُنْ)، فَجَمِيعُ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْحَرَكَاتِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ

        ​■نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ صِفَةِ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} لِيُفِيدَ أَنَّ مَنْ خَلَقَ الْعَالَمَ كَوْناً هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى شَرْعاً.
        ■وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ نَفَى اللهُ عَنْ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ صِفَةَ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} لِيُبَيِّنَ بُطْلَانَ عِبَادَتِهِمْ طَلَباً [١٠].

        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)

        ​■يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَمَالَ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي طَلَبِ الْحَاجَاتِ، لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ عَاجِزٌ لَا يَمْلِكُ خَلْقاً وَلَا نَفْعاً شَرْعاً.
        ■وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَعْظِيمِ صَنْعَةِ اللهِ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ، فَيَلْزَمُ شُكْرَ الْخَالِقِ بِإِعْمَالِ الْجَوَارِحِ فِي طَاعَتِهِ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ■​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْخَالِقُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِمَا فِي ذَلِكَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِلْفِرَقِ.
        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْخَالِقِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّتَيْنِ (عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ غَيْرُ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ فِي الْخَارِجِ)، فَسَمَّوْا التَّأْثِيرَ (تَعَلُّقاً تَنْجِيزِيّاً حَادِثاً لِلْقُدْرَةِ)، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ كَصِفَةٍ أَزَلِيَّةٍ ثُبُوتِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَفَصَلُوا بَيْنَ الِاسْمِ وَبَيْنَ حَقِيقَةِ الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْمَوْصُوفِ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بَعْدَمَا قَرَّرُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ، لِيَقَعُوا فِي شَنَاعَةِ بِدْعَةِ "خَلْقِ الْأَفْعَالِ"، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّ بِاسْتِقْلَالٍ تَامٍّ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، فَجَعَلُوا مَعَ اللهِ خَالِقِينَ كَثِيرِينَ، وَأَخْرَجُوا أَفْعَالَ الْبَشَرِ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الْخَالِقِ تَعْطِيلاً لِعُمُومِ خَلْقِهِ.
        ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْخَالِقِ) مَجَازٌ، لِأَنَّ الْخَلْقَ يَقْتَضِي مُبَاشَرَةً وَزَمَاناً وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ تَنَاقَضُوا فَخَلَقُوا بِدْعَةَ "قَوْلِ خَلْقِ الْقُرْآنِ" لِيَجْعَلُوا كَلَامَ اللهِ صِفَةً مَخْلُوقَةً فِي غَيْرِهِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ) فَقَدْ جَعَلُوا الْخَلْقَ بِمَعْنَى "الصُّدُورِ وَالْفَيْضِ الِاضْطِرَارِيِّ" (نَظَرِيَّةُ الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ)، فَزَعَمُوا أَنَّ الْعَالَمَ صَدَرَ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى كَصُدُورِ النُّورِ عَنِ الشَّمْسِ أَزَلاً بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا اخْتِيَارٍ، فَقَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَعَطَّلُوا صِفَةَ الْخَلْقِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
        ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِهِمُ الْأَكْبَرِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ذَاتاً، فَالْخَالِقُ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ فِي الصُّوَرِ، فَعَطَّلُوا حَقِيقَةَ الْإِيجَادِ وَالْمُبَايَنَةِ حُلُولاً.
        ●وَضَلَّتِ الْمَاتُرِيدِيَّةُ نِسْبِيّاً فِي الْبَابِ حِينَ أَثْبَتُوا صِفَةَ (التَّكْوِينِ) صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً جَامِدَةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا جَمِيعُ أَفْعَالِ اللهِ كَالْخَلْقِ وَالرَّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ، فَمَنَعُوا تَجَدُّدَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ تَبَعاً لِلْمَشِيئَةِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].

        _____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٨٥.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٣.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥.
        [٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٧٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٣٤٥١. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَلْبَانِيُّ.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤١.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٢.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٨.
        [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٥٠٥.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٨.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٣٦٠-٣٩٠.



        _________________________________١٧_____________________________________

        ص ١٤
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ: (الْبَارِئُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
        ​اِسْمُ (الْبَارِئُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (بَرَأَ) يَبْرَأُ بَرَاءً وَبُرُوءاً، وَتَدُرُّ الْمَادَّةُ (بَ رَ أَ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ لُغَوِيَّيْنِ؛ الْأَوَّلُ: الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءِ مِثَالٍ، يُقَالُ: بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَيْ خَلَقَهُمْ وَأَوْجَدَهُمْ. وَالثَّانِي: التَّبَاعُدُ وَالتَّنَزُّهُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ بَرِئْتُ مِنَ الْمَرَضِ إِذَا زَالَ عَنْكَ وَتَبَاعَدْتَ مِنْهُ، وَبَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ إِذَا انْقَطَعَتْ عِصْمَتُكَ عَنْهُ. وَاللَّفْظُ فِي حَقِّ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إِلَى تَمْيِيزِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِالصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُوجِدُ الْخَلْقَ بَرِيئاً مِنَ التَّفَاوُتِ وَالنَّقْصِ، وَتَفْصِلُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْمُمَايَزَةِ فِِي الصِّفَاتِ وَالطَّبَائِعِ، مَعَ تَنَزُّهِ الذَّاتِ عَنْ شَوَائِبِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ أَزَلاً وَأَبَداً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ أَيُّ صُنْعٍ لِلْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَمْلِكُ فَصْلَ الطَّبَائِعِ وَلَا إِيجَادَ النَّسَمَةِ بَرِيئَةً عَنِ الِاخْتِلَالِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ [٣].
        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً... لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ الْبَارِئُ لَا خَالِقَ غَيْرُكَ» [٤].
        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْبَارِئُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْإِلْزَامِ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي (ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ)؛ مَوْضِعٌ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ، وَمَوْضِعَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} [٥].
        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْبَارِئِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ نَصّاً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِيجَادِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ شَرْعاً [٨].
        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْبَارِئِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ مُتَمَيِّزاً، فَأَعْطَى كُلَّ مَخْلُوقٍ خَاصِّيَّتَهُ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ شَرْعاً. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَالِقِ أَنَّ الخَالِقَ يَرْجِعُ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَالْبَارِئُ يَرْجِعُ إِلَى التَّنْفِيذِ وَإِبْرَازِ النَّسَمَةِ حَيَّةً سَالِمَةً مِنَ الْعَيْبِ. فَالْبَارِئُ هُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ حَدّاً يَقِفُ عِنْدَهُ، فَلَا تَتَدَاخَلُ الْأَجْنَاسُ تَدَاخُلاً يُفْسِدُ نِظَامَ الْكَوْنِ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ سِيَاقِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: {فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}؛ حَيْثُ نَاسَبَ ذِكْرُ (الْبَارِئِ) هُنَا لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَبَدُوا الْعِجْلَ غَيَّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي بَرَأَهُمْ عَلَيْهَا، فَأُمِرُوا بِالتَّوْبَةِ إِلَى مَنْ بَرَأَ نُفُوسَهُمْ لِيُعِيدَهَا إِلَى صَفَائِهَا الْأَوَّلِ شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].
        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الرِّضَا التَّامَّ بِمَا بَرَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ صُورَةٍ وَطَبِيعَةٍ، فَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى خِلْقَتِهِ وَلَا يَتَشَبَّهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ، تَمَسُّكاً بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَالسَّعْيِ فِي إِصْلَاحِ النَّفْسِ لِتَكُونَ بَرِيئَةً مِنَ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ كَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْبَارِئُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ صِفَةً لِلَّهِ ثَابِتَةً بِالذَّاتِ، دَالَّةً عَلَى إِيجَادِ الْبَرِيَّةِ وَفَصْلِ أَجْنَاسِهَا بِمَشِيئَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ وَالْأَجْسَادَ النَّامِيَةَ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ.
        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ نَظَرُوا إِلَى (الْبَارِئِ) بِأَنَّهُ مُرَادِفٌ لِاسْمِ (الْخَالِقِ) تَمَاماً دُونَ تَمْيِيزٍ صِفَاتِيٍّ، وَأَعَادُوا مَعْنَاهُ إِلَى تَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ بِالْمَقْدُورَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَفْعَالٌ مُتَجَدِّدَةٌ تَقُومُ بِذَاتِهِ، فَحَرَمُوا الِاسْمَ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى خُصُوصِ صِفَةِ "الْبَرْءِ" كَصِفَةِ فِعْلٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
        ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُؤَوِّلَ (الْبَارِئَ) بِأَنَّهُ اللَّطِيفُ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَرِيئاً مِنَ الْعُيُوبِ فِِي أَصْلِهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ شُرُورَ الْعِبَادِ وَأَمْرَاضَهُمْ لَيْسَتْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَلَا مِنْ بَرْئِهِ، لِأَنَّ إِيجَادَ النَّقْصِ عِنْدَهُمْ يُنَافِي الْعَدْلَ، فَعَطَّلُوا عُمُومَ بَرْئِهِ لِلْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْحِكْمَةُ الْكَوْنِيَّةُ.
        ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ فِِي ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ الْبَارِئَ مَجَازٌ عَنِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ "الْبَرْءَ" فِي الشَّاهِدِ يَقْتَضِي مُعَالَجَةً لِلْمَادَّةِ (كَالْبَارِئِ لِلْقَوْسِ)، وَاللَّهُ مُتَنَزِّهٌ عَنِ الْمَادَّةِ فَيَسْتَحِيلُ إِثْبَاتُ الِاسْمِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْبَارِئَ هُوَ "الْمُبْدِعُ الْأَوَّلُ" الَّذِي يُفِيضُ الْوُجُودَ عَلَى الْعَقْلِ الْأَوَّلِ دُونَ مُبَاشَرَةٍ لِلْمَادِّيَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْبَرِيَّةَ تَصْدُرُ عَنْهُ صُدُوراً ذَاتِيّاً لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةٍ نَافِذَةٍ وَلَا بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ.
        ●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ عَيْنُ "الْبَرِيَّةِ" الْمَبْرُوءَةِ، فَلَا بَارِئَ وَلَا مَبْرُوءَ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُوَ وُجُودٌ وَاحِدٌ تَشَكَّلَ فِِي صُوَرِ الْمَخْلُوقَاتِ حُلُولاً ثَبَاتاً. ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ حِينَ أَخْرَجُوا حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمُ الِاخْتِيَارِيَّةَ عَنْ كَوْنِهَا مَبْرُوءَةً لِلَّهِ، فَجَعَلُوا النَّفْسَ هِيَ الَّتِي تَبْرَأُ أَفْعَالَهَا بِذَاتِهَا إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].



          __________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
        [٤] النَّسَائِيُّ، السُّنَنُ الْكُبْرَى، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١١٢٥. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٢.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٥.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
        [١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٦٠.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠١.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٧، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٥٠.

        _________________________________١٨_____________________________________

        ص ١٥
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ السَّادِسَ عَشَرَ: (الْمُصَوِّرُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
        ​اِسْمُ (الْمُصَوِّرُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (صَوَّرَ) يُصَوِّرُ تَصْوِيراً، وَأَصْلُهُ الثُّلَاثِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (صَ وَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَيْلِ الشَّيْءِ أَوْ تَخْطِيطِهِ وَتَشْكِيلِهِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ. يُقَالُ: صَوَّرَ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلَ لَهُ صُورَةً وَشَكْلاً يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَالصُّورَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هِيَ الشَّكْلُ، وَالْهَيْئَةُ، وَالْحَقِيقَةُ، وَالصِّفَةُ. وَاللَّفْظُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي الَّذِي أَعْطَى كُلَّ مَخْلُوقٍ صُورَتَهُ الْمُبَايِنَةَ لِغَيْرِهِ لُغَةً [١].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُنْشِئُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى هَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَتُعْطِي كُلَّ عَيْنٍ خَارِجِيَّةٍ شَكْلَهَا الْمَخْصُوصَ وَقَدْرَهَا الْمَحْدُودَ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالتَّجَاوِيفِ وَالْأَلْوَانِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَصْوِيرُ الْمَخْلُوقِ (كَالنَّحَّاتِ وَالرَّسَّامِ)؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَهُ مُجَرَّدُ مُحَاكَاةٍ لِمَادَّةٍ مَخْلُوقَةٍ سَابِقاً، وَتَقْلِيدٌ ظَاهِرِيٌّ لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا نَفَاذَ لَهُ فِي الْإِيجَادِ سُبْحَانَهُ [٣].

        ​٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
        ​الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
        ​الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [٤]؛ وَهُوَ سِيَاقٌ خَاصٌّ بِوَعِيدِ الْمُصَوِّرِينَ لِأَنَّهُمْ يُضَاهُونَ صِفَةَ الْمُصَوِّرِ.

        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُصَوِّرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْوُجُوبِ وَالثَّنَاءِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ (خِتَامُ سُورَةِ الْحَشْرِ)، بَيْنَمَا وَرَدَ الْفِعْلُ مُسْنَداً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [٥].

        ​٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
        ​أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُصَوِّرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ نَصّاً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَشِيئَةِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ نَقْلاً وَشَرْعاً [٨].

        ​٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
        ​يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُصَوِّرِ) تَفْصِيلاً عَلَى كَمَالِ التَّرْتِيبِ فِي الْخَلْقِ؛ فَالْخَالِقُ يُقَدِّرُ، وَالْبَارِئُ يُوجِدُ النَّسَمَةَ، وَالْمُصَوِّرُ يُعْطِي الشَّكْلَ النِّهَائِيَّ. وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَوَّرَ الْأَجْنَاسَ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ، ثُمَّ صَوَّرَ أَفْرَادَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ (كَالْبَشَرِ) بِصُوَرٍ وَمَلَامِحَ بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ لَا تَتَطَابَقُ، لِيَقَعَ التَّعَارُفُ وَتَنْتَظِمَ مَصَالِحُ الْعَالَمِ، فَهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الْأَجِنَّةَ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ صِفَةِ التَّصْوِيرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، حَيْثُ جَاءَتْ فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ زَعَمُوا أُلُوهِيَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَأَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ عِيسَى مِمَّنْ صُوِّرَ فِي الرَّحِمِ، وَمَنْ تَقَلَّبَ فِي أَطْوَارِ التَّصْوِيرِ لَا يَكُونُ إِلَهاً شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].

        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ شُكْراً لِلَّهِ عَلَى حُسْنِ الْقَوَامِ وَالصُّورَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْأَدَبِ مَعَ صُوَرِ النَّاسِ فَلَا يَعِيبُ خِلْقَةَ أَحَدٍ، لِأَنَّ الْعَيْبَ يَعُودُ عَلَى الْمُصَوِّرِ. كَمَا يَحْذَرُ الْعَبْدُ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ بِصُنْعِ التَّمَاثِيلِ وَذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعِيدُ تَرْبِيَةً [١١].


        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ●​أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُصَوِّرُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، صِفَةَ فِعْلٍ قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ، تَابِعَةً لِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لِلْمَخْلُوقَاتِ صُوَرَاً مَشْهُودَةً، كَمَا أَثْبَتُوا صِفَةَ "الصُّورَةِ" لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ (كَحَدِيثِ: خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ.

        ●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُصَوِّرِ) رَاجِعاً إِلَى الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي خَصَّصَتِ الْمَخْلُوقَ بِشَكْلِهِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ التَّصْوِيرُ صِفَةً فِعْلِيَّةً تَقُومُ بِالذَّاتِ وَتَتَجَدَّدُ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ جَنِينٍ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، كَمَا أَوَّلُوا صِفَةَ "الصُّورَةِ" الْمُضَافَةِ إِلَى اللَّهِ بِأَنَّهَا صُورَةُ آدَمَ أَوْ صِفَتُهُ هَرَبَاً مِنَ التَّجْسِيمِ عِنْدَهُمْ.

        ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللَّهَ مُصَوِّرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلصُّوَرِ فِي الْأَجْسَامِ، دُونَ قِيَامِ صِفَةِ التَّصْوِيرِ بِذَاتِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي وَأَفْعَالَ الذَّاتِ، وَجَعَلُوا الِاسْمَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ يَعُودُ إِلَى أَثَرٍ مَخْلُوقٍ تَعْطِيلاً.

        ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُصَوِّرِ) عَلَى اللَّهِ هُوَ مَجَازٌ مُسْتَبْشَعٌ، لِأَنَّ التَّصْوِيرَ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيدَ وَالتَّخْطِيطَ بِالْيَدِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ صُنْعِهِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.

        ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ سَمَّوُا الْعَقْلَ الْفَعَّالَ بِـ (وَاهِبِ الصُّوَرِ) ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ (الْعِلَّةَ الْأُولَى) لَا يُصَوِّرُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُهَا بِشَخْصِهَا، بَلْ تَصْدُرُ الصُّوَرُ الْهَيُولِيَّةُ عَنِ الْأَفْلَاكِ وَالْعُقُولِ النَّظَرِيَّةِ اضْطِرَاراً، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الْخَاصَّ لِلْمَخْلُوقَاتِ.

        ●وَوَقَعَ الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ فِي ضَلَالٍ مُقَابِلٍ حِينَ جَعَلُوا تَصْوِيرَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ كَتَصْوِيرِ آدَمِيٍّ لِتِمْثَالٍ، وَشَبَّهُوا صِفَةَ صُورَتِهِ سُبْحَانَهُ بِصُوَرِ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَمْ يُقَدِّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.

        ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ وَالسَّيِّئَةَ فِِي الْآخِرَةِ بِاسْتِقْلَالِ قُدْرَتِهِ، فَأَخْرَجُوا تَصْوِيرَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَفْعَالِ عَنْ مَشِيئَةِ الْمُصَوِّرِ سُبْحَانَهُ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
        _____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٤٦٣.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٧.
        [٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٨٥.
        [٤] الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ٩١، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٧٥٥٩.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٢.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ... دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
        [٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢.
        [٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٩.
        [٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٩.
        [١١] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٢.
        [١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٤.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٥٠-٣٨٠.

        _________________________________١٩_____________________________________

        ص ١٦
        ​[الْمُقَارَنَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَالْعَقَدِيَّةُ بَيْنَ أَسْمَاءِ اللَّهِ: الْخَالِقِ وَالْبَارِئِ وَالْمُصَوِّرِ]
        ​مِنْ بَدِيعِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ أَنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ مُقْتَرِنَةً مُرَتَّبَةً فِي خِتَامِ سُورَةِ الْحَشْرِ؛ لِتُبَيِّنَ لِلْعَبْدِ أَطْوَارَ التَّكْوِينِ الْإِلَهِيِّ لِلْمَوْجُودَاتِ، وَهِيَ أَسْمَاءٌ تَشْتَرِكُ فِي أَصْلِ دَلَالَةِ الْإِيجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، لَكِنَّهَا تَتَمَايَزُ فِي خُصُوصِ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ تَوْقِيفاً شَرْعاً.

        ​أَوَّلًا: ضَوَابِطُ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ وَالْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ بَيْنَهَا

        ■​ضَابِطُ اسْمِ (الْخَالِقُ): هُوَ التَّقْدِيرُ وَالتَّفْصِيلُ لِلْمَخْلُوقِ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ إِيجَادِهِ، فَالْخَلْقُ هُنَا يَعُودُ إِلَى الْعِلْمِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ وَوَضْعِ الْمَقَادِيرِ الَّتِي سَيَسِيرُ عَلَيْهَا الْمَخْلُوقُ حَقِيقَةً.
        ■​ضَابِطُ اسْمِ (الْبَارِئُ): هُوَ الِاخْتِرَاعُ وَالْإِيجَادُ لِلنَّسَمَةِ الْحَيَّةِ وَفَصْلُ الطَّبَائِعِ عَنِ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ بَرِيئَةً مِنَ التَّفَاوُتِ وَالْخَلَلِ، فَهُوَ يُمَثِّلُ خُرُوجَ الْمَقْدُورِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ طَلَباً.
        ​■ضَابِطُ اسْمِ (الْمُصَوِّرُ): هُوَ إِعْطَاءُ الْهَيْئَةِ النِّهَائِيَّةِ وَالشَّكْلِ الْمَخْصُوصِ لِلْمَوْجُودِ بَعْدَ بَرْئِهِ، مِنَ الْأَلْوَانِ، وَالْأَبْعَادِ، وَالْمَلَامِحِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ فَرْدٍ عَنْ سَائِرِ بَنِي جِنْسِهِ تَعْظِيماً.
        ■​الْفُرُوقُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ يَقُومُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ لِلْمَخْلُوقِ؛ فَالْخَالِقُ هُوَ الْمُقَدِّرُ لِلشَّيْءِ فِي لَوْحِهِ، وَالْبَارِئُ هُوَ الْمُنَفِّذُ الْمُوجِدُ لِأَصْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْمُصَوِّرُ هُوَ الْمُشَكِّلُ لَهُ بِحُسْنِ رُؤْيَتِهِ وَهَيْئَتِهِ. فَالْخَلْقُ تَقْدِيرٌ، وَالْبَرْءُ إِيجَادٌ نَقِيٌّ، وَالتَّصْوِيرُ تَمْيِيزٌ وَتَجْمِيلٌ عِلْماً.

        ​ثَانِيًا: الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

        ​الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ: جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤]
        كَمَا دَلَّ عَلَى انْفِرَادِ الْخَالِقِ بِالتَّقْدِيرِ فِي قَوْلِهِ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}
        وَدَلَّ عَلَى الْبَرْءِ فِي قَوْلِهِ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}
        وَدَلَّ عَلَى التَّصْوِيرِ فِي قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.

        ​الْأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّسْعِيرِ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْخَالِقُ».
        وَجَاءَ ذِكْرُ الْبَارِئِ فِي اسْتِفْتَاحِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنْتَ الْبَارِئُ لَا خَالِقَ غَيْرُكَ». وَجَاءَ الَّذَمُّ لِمَنْ ضَاهَى اسْمَ الْمُصَوِّرِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» شَرْعاً.

        ​ثَالِثًا: نُقُولُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
        ​قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: بَيَّنَ فِي الْخَطَّابِيَّةِ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُقَدِّرُ لِلْأَشْيَاءِ، وَالْبَارِئَ هُوَ الْفَاطِرُ لِلْمَادَّةِ، وَالْمُصَوِّرَ هُوَ الْمُخَطِّطُ لِأَشْكَالِهَا لِيَقَعَ بَيْنَهَا التَّمَايُزُ شَرْعاً [١].
        ​قَوْلُ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: قَرَّرَ أَنَّ الْخَلْقَ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرِ، وَالْبَرْءُ أَخَصُّ مِنْ حَيْثُ نَفْيِ النَّقْصِ، وَالتَّصْوِيرُ يُمَثِّلُ تَمَامَ النِّعْمَةِ بِإِحْسَانِ الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ نَقْلاً [٢].
        ​قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ: أَفَادَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْخَلْقَ التَّقْدِيرُ، وَالْبَرْءُ هُوَ الْفِرْيُ وَهُوَ التَّنْفِيذُ، وَالتَّصْوِيرُ هُوَ إِبْرَازُ مَا أَرَادَ تَقْدِيرَهُ عَلَى الصُّفَةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا كَوْناً [٣].

        ​رَابِعًا: الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​يَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ لِلْقُرْآنِ كَيْفَ تَتَرَافَدُ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ لِبِنَاءِ الْيَقِينِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ؛ فَعِنْدَمَا يَقْرَأُ الثَّنَاءَ بِالْخَلْقِ، يَتَدَبَّرُ عَظَمَةَ الْعِلْمِ السَّابِقِ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ. وَعِنْدَمَا يَتَدَبَّرُ لَفْظَ (بَارِئِكُمْ) فِي سِيَاقِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَلْمَحُ أَنَّ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ (عِبَادَةَ الْعِجْلِ) يَقْتَضِي رُجُوعاً إِلَى مَنْ أَوْجَدَ النَّفْسَ صَافِيَةً لِيُعِيدَ بَرْأَهَا مِنَ الشِّرْكِ. وَعِنْدَمَا يَتَدَبَّرُ آيَاتِ التَّصْوِيرِ، يَنْظُرُ فِي مِرْآةِ النَّفْسِ وَالْآفَاقِ لِيَرَى كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ اخْتِلَافَ الْأَلْوُنِ وَالْأَلْسِنَةِ آيَةً لِلْعَالَمِينَ طَلَباً [٤].

        ​خَامِسًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الْجَمْعُ الثَّلَاثِيُّ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَمَالَ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ، رَضِيَ بِمَقَادِيرِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَلَمْ يَسْخَطْ عَلَى قَدَرِهِ شَرْعاً. وَإِذَا شَهِدَ قَلْبُهُ بَرْءَ اللَّهِ لِلْأَجْسَادِ سَالِمَةً، أَعْمَلَ جَوَارِحَهُ فِي طَاعَةِ هَذَا الْبَارِئِ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ تُفْسِدُ فِطْرَتَهُ الْأُولَى. وَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُصَوِّرُ، أَوْرَثَهُ ذَلِكَ الْقَنَاعَةَ التَّامَّةَ بِشَكْلِهِ وَرِزْقِهِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ أَنْ يَعِيبَ خِلْقَةَ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، لِأَنَّ التَّعْيِيبَ يَتَوَجَّهُ إِلَى صَنْعَةِ الْمُصَوِّرِ سُبْحَانَهُ، كَمَا يَتَرَبَّى عَلَى اجْتِنَابِ مَظَاهِرِ الْمُضَاهَاةِ لِلْخَلْقِ تَرْبِيَةً [٥].

        ​سَادِسًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ

        ​١. التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ (خَمْسَةُ أَسْطُرٍ قَبْلَ الْفِرَقِ)
        ​تَدُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ عَقَدِيّاً عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَالَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ تَعْظِيماً عِلْماً. وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ الذَّاتِ، وَإِثْبَاتِ الصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْهُ، وَإِثْبَاتِ الْأَثَرِ وَالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَخْلُوقَاتِ شَرْعاً. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ تُقَرِّرُ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ الْخَالِصَةِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي التَّقْدِيرِ، وَلَا مُعِينَ لَهُ فِي الْبَرْءِ، وَلَا مُمَاثِلَ لَهُ فِي التَّصْوِيرِ حَقِيقَةً. كَمَا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ صِفَةِ "الْكَلَامِ" وَ"الْأَمْرِ الكَوْنِيِّ" لِأَنَّ الْخَلْقَ وَالْبَرْءَ وَالتَّصْوِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَوْلِهِ: (كُنْ فَيَكُونُ) بِلَا تَأْوِيلٍ طَلَباً.

        ​٢. مَوَاقِفُ الْفِرَقِ فِِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ
        ●​الْأَشَاعِرَةُ: نَفَوْا قِيَامَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ (كَالْخَلْقِ وَالْبَرْءِ وَالتَّصْوِيرِ) بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلًا، وَجَعَلُوهَا نِسَبًا وَإِضَافَاتٍ حَادِثَةً فِي الْخَارِجِ، أَوْ أَعَادُوا مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا إِلَى صِفَةِ "الْقُدْرَةِ التَّنْجِيزِيَّةِ"، فَعَطَّلُوا التَّمَايُزَ الصِّفَاتِيَّ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْبَرْءِ وَالتَّصْوِيرِ طَرْدًا لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ: أَنْكَرُوا صِفَاتِ الْمَعَانِي أَصْلًا، وَقَالُوا: هُوَ خَالِقٌ بَارِئٌ مُصَوِّرٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَبْرَأُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ، فَأَخْرَجُوا أَفْعَالَ الْبَشَرِ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقِينَ آخَرِينَ تَعْطِيلاً.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ: ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَلَى اللَّهِ هُوَ مِنَ الْمَجَازِ الْمَحْضِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ عِنْدَهُمْ تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَوَقَعُوا فِي بِدْعَةِ "خَلْقِ الْقُرْآنِ" حِينَ جَعَلُوا كَلَامَ اللَّهِ صِفَةً مَخْلُوقَةً مُنْفَصِلَةً عَنْهُ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​الْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا صِفَةً أَزَلِيَّةً جَامِدَةً سَمَّوْهَا (التَّكْوِينُ)، وَجَعَلُوا الْخَلْقَ وَالْبَرْءَ وَالتَّصْوِيرَ أَنْوَاعاً تَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ، لَكِنَّهُمْ مَنَعُوا تَجَدُّدَ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ تَبَعاً لِلْمَشِيئَةِ، فَعَطَّلُوا تَعَلُّقَ التَّصْوِيرِ وَالْبَرْءِ بِالْحِكْمَةِ الْحَادِثَةِ فِي وَقْتِهَا إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا الْخَلْقَ الِاخْتِيَارِيَّ الْقَائِمَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَقَالُوا بِـ "الْفَيْضِ وَالصُّودُورِ الِاضْطِرَارِيِّ"، وَجَعَلُوا الْعَالَمَ قَدِيماً مَعَ اللَّهِ كَقِدَمِ النُّورِ مَعَ الشَّمْسِ، وَسَمَّوْا الْعَقْلَ الْعَاشِرَ بِـ (وَاهِبِ الصُّوَرِ)، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقاً أَوْ مُصَوِّراً لِلْجُزْئِيَّاتِ بِإِرَادَتِهِ رُبُوبِيَّةً.
        ●​أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: وَقَعُوا فِي الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْوُجُودَ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمُصَوِّرَ هُوَ عَيْنُ الصُّورَةِ الْمَشْهُودَةِ فِِي الْكَوْنِ، فَعَطَّلُوا حَقِيقَةَ الْمُبَايَنَةِ وَالْإِيجَادِ حُلُولاً ثَبَاتاً.

        ​٣. النَّاحِيَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي دَلَالَةِ الْأَسْمَاءِ

        ​مِنْ جِهَةِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فِِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، يَتَجَلَّى فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ مَبْحَثُ "الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ"، وَمَبْحَثُ "الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ" كَمَا يَلِي:
        ●​دَلَالَةُ التَّطَابُقِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ: كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعاً بِـ التَّطَابُقِ، وَعَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ وَحْدَهَا بِـ التَّضَمُّنِ، وَيَدُلُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى صِفَةِ "الْعِلْمِ" وَ"الْقُدْرَةِ" وَ"الْحَيَاةِ" بِـ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَحْيَا وَلَا يَعْلَمُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً أَوْ بَارِئاً أَوْ مُصَوِّراً أُصُولاً.

        ●​الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ فِي السِّيَاقِ: اسْمُ (الْخَالِقُ) لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ تَقْدِيرٍ فِِي الْكَوْنِ لِلْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ، بَيْنَمَا اسْمُ (الْبَارِئُ) أَخَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِيجَادِ الْأَحْيَاءِ وَالنَّسَمَاتِ بَرِيئَةً مِنَ التَّفَاوُتِ، وَاسْمُ (الْمُصَوِّرُ) هُوَ الْأَكْثَرُ خُصُوصاً لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْهَيْئَةِ النِّهَائِيَّةِ لِلْمَخْلُوقِ بَعْدَ بَرْئِهِ، فَالْعِلَاقَةُ الْأُصُولِيَّةُ بَيْنَهَا هِيَ عِلَاقَةُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْوَجْهِيِّ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ شَرْعاً.

        ●​قَاعِدَةُ الِاقْتِرَانِ وَالِافْتِرَاقِ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ تَجْرِي عَلَى قَاعِدَةِ: (إِذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ، وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ)؛ فَإِذَا أُفْرِدَ اسْمُ (الْخَالِقِ) فِي سِيَاقٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى التَّقْدِيرِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّصْوِيرِ مَعاً عُمُوماً، أَمَّا إِذَا اقْتَرَنَتْ - كَمَا فِي خِتَامِ سُورَةِ الْحَشْرِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى مَعْنَاهُ الْخَاصِّ تَأْسِيساً لَا تَأْكِيداً، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْأُصُولِيِّ هُوَ التَّأْسِيسُ وَإِعْطَاءُ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى جَدِيداً تَعْظِيماً عِلْماً.
          ___________________________________________________________________
        ​[١] أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، شَأْنُ الدُّعَاءِ، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - دِمَشْقَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
        [٢] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٨.
        [٣] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٨.
        [٤] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٩٠.
        [٥] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٥.
        _________________________________٢٠_____________________________________
        ص ١٧ ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
        الِاسْمَانِ السَّابِعَ عَشَرَ وَالثَّامِنَ عَشَرَ: (الأَوَّلُ وَالآخِرُ)


        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ


        ​اِسْمُ (الأَوَّلُ): فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِيغَةِ (أَفْعَلَ) الَّتِي تُفِيدُ الِابْتِدَاءَ وَالتَّقَدُّمَ الْمُطْلَقَ، وَقَدْ أَوْصَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أَصْلَ اشْتِقَاقِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
        الْأَوَّلُ: مِنْ مَادَّةِ (أَ وَ لَ) بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالتَّقَدُّمِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الرُّتَبِيِّ، وَمِنْهُ تَقُولُ الْعَرَبُ: (عَامٌ أَوَّلُ) أَيْ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِهِ.
        الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ مَادَّةِ (و َأَ لَ) بِمَعْنَى الرُّجُوعِ وَالْمَصِيرِ، لِأَنَّ كُلَّ مُتَأَخِّرٍ يَؤُولُ وَيَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ فِي التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ.
        الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِيَالَةِ وَهِيَ السِّيَاسَةُ وَالتَّدْبِيرُ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُدَبِّرُ الَّذِي ابْتَدَأَ سِيَاسَةَ الْمَخْلُوقَاتِ بِإِيجَادِهَا. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ سَبْقِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ سَبْقاً لَا غَايَةَ لِابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَلَا غَيْرٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ لُغَةً [١].

        ​اِسْمُ (الآخِرُ): فِي لُغَةِ الْعَرَبِ صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ (أَوْ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ) مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ خَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّأَخُّرِ، وَالْخَلْفِ، وَالِانْتِهَاءِ، ضِدَّ التَّقَدُّمِ. وَيُشْتَقُّ لُغَةً مِنْ (آخِرِ الشَّيْءِ) وَهُوَ نِهَايَتُهُ وَخَاتِمَتُهُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا جُزْءٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ (أُخْرَيَاتُ الْأُمُورِ). وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لَهُ هُوَ إِثْبَاتُ أَبَدِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى ذَاتاً وَصِفَاتٍ، فَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ جَمِيعِ خَلْقِهِ بَقَاءً ذَاتِيّاً لَا أَمَدَ لَهُ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي جَمِيعُ الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، فَمِنْهُ ابْتِدَاءُ كُلِّ مَوْجُودٍ بِمَشِيئَتِهِ وَإِلَيْهِ نِهَايَةُ الْمَعَادِ لِلْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ لُغَةً [٢].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِكُلِّ اسْمٍ عَلَى حِدَةٍ

        ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الأَوَّلُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى أَزَلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدُّمِهِ الْمُطْلَقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ، بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ الْعَيْنِيَّ عَدَمٌ سَابِقٌ وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ (الْأَوَّلِيَّةُ النِّسْبِيَّةُ) لِلْمَخْلُوقَاتِ كَأَوَّلِ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهَا أَوَّلِيَّةٌ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ وَمَحْدُودَةٌ بِالزَّمَانِ حَقِيقَةً [٣].

        ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الآخِرُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى أَبَدِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ الْمُطْلَقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ وُجُودَهُ انْتِهَاءٌ وَلَا غَايَةٌ وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ (الْآخِرِيَّةُ التَّبَعِيَّةُ) لِلْمَخْلُوقَاتِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا لَيْسَ ذَاتِيّاً وَإِنَّمَا هُوَ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ [٤].

        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمَا اللَّهِ تَعَالَى (الأَوَّلُ وَالآخِرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْحَصْرِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ مُقْتَرِنَيْنِ، وَهُوَ مَوْضِعُ سُورَةِ الْحَدِيدِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: الآية ٣] شَرْعاً [٥].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا
        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ: أَثْبَتَ فِي الْفَتْحِ اسْمَيِ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ) نَصّاً ضِمْنِ سِيَاقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنِ الرَّبِّ أَزَلًا وَأَبَدًا نَقْلاً [٦].
        ​قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين: عَدَّهُمَا ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِحَاطَةِ الْزَّمَانِيَّةِ، وَأَكَّدَ أَنَّ تَفْسِيرَهُمَا تَوْقِيفِيٌّ جَاءَ بِالنَّصِّ النَّبَوِيِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُرُقَ التَّأْوِيلِ شَرْعاً [٧].
        ​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَهُمَا فِي الْمَرْتَبَتَيْنِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ لِوُرُودِهِمَا مُقَيَّدَيْنِ بِأَلِفِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَالتَّعْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ قَصْرَ الْحَقِيقَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْماً [٨].

        ​٥. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمَيْنِ
        ​يَدُلُّ الِاقْتِرَانُ بَيْنَ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ) عَلَى عِلَّةِ الْعِلَلِ وَمَصِيرِ الْكَائِنَاتِ؛ فَالأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَبْطُلُ نَظَرِيَّةُ التَّسَلْسُلِ فِي الْمَاضِي. وَالآخِرُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ صَائِرٌ إِلَى الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ الْمَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، فَالْأَوَّلِيَّةُ سَبَبُ الْخَلْقِ، وَالْآخِرِيَّةُ غَايَةُ الْمَعَادِ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ افْتِتَاحِ سُورَةِ الْحَدِيدِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالباِطِنِ)، حَيْثُ نَزَلَت| لِتَقْرِيرِ كَمَالِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَإِحَاطَتِهِ بِالْكَوْنِ، وَمِنْ بَدِيعِ التَّدَبُّرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الآيَةِ عِلَاجاً حَاسِماً لِمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْخَلْقِ شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَانِ الِاسْمَانِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ صِدْقَ التَّوَجُّهِ وَقَطْعَ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ؛ فَإِذَا شَهِدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ (الأَوَّلُ)، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَطَلَبِ حَاجَتِهِ. وَإِذَا شَهِدَ أَنَّهُ (الآخِرُ)، جَعَلَهُ غَايَتَهُ الَّتِي يَقْصِدُهَا بِعَمَلِهِ، وَاسْتَعَدَّ لِلِقَائِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَلَمْ يَحْزَنْ عَلَى فَوْتِ فَانٍ مَخْلُوقٍ تَرْبِيَةً [١١].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ  

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمَيِ اللَّهِ (الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ) عَلَى إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ لِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَفَرُّدِهِ بِهِمَا تَعْظِيماً عِلْماً.
        وَيُقَرِّرُ السَّلَفُ أَنَّ أَوَّلِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا كَامِلاً، فَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ اسْمٌ وَلَا صِفَةٌ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِ التَّأْصِيلِ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَمَشِيئَتُهُ وَأَفْعَالُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا.
        فَهُوَ الْأَوَّلُ فِي ذَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ فِي صِفَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ فِي تَدْبِيرِهِ كَوْناً، كَمَا أَنَّهُ الْآخِرُ الَّذِي لَا تَنْتَهِي أَبَدِيَّتُهُ وَلَا تَفْنَى صِفَاتُ كَمَالِهِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ إِثْبَاتَ صِفَةِ "الْوُجُودِ الذَّاتِيِّ" الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ عَدَمٌ سَابِقٌ وَلَا لَاحِقٌ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ نُصُوصَ الْأَوَّلِيَّةِ تَقْتَضِي بَيْنُونَتَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَحُلَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَمْ يَتَّحِدْ بِإِصْدَارَاتِ أَمْرِهِ شَرْعاً.
        كَمَا أَنَّ آخِرِيَّتَهُ تَقْتَضِي أَنَّ بَقَاءَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ هُوَ بَقَاءٌ أَبَدِيٌّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِبْقَائِهِ، لَا أَنَّهُمَا يُشَارِكَانِ اللَّهَ فِي الْآخِرِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ عِلْماً.
        فَالْبَقَاءُ الْإِلَهِيُّ بَقَاءٌ وَاجِبٌ لَازِمٌ لِلذَّاتِ، أَمَّا بَقَاءُ الْجَنَّةِ فَهُوَ مُمْكِنٌ مَوْهُوبٌ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَبْقَى بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ جَمْعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ الْعُمْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِهَا شُبُهَاتُ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلَاسِفَةِ.
        فَهُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْقَوْلِ الْجَامِعِ فِي تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]

        ●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: حَصَرُوا مَعْنَى (الْأَوَّلِ) فِي صِفَةِ "الْقِدَمِ"، وَ(الْآخِرِ) فِي "الْبَقَاءِ"، وَجَعَلُوهُمَا صِفَتَيْنِ سَلْبِيَّتَيْنِ تَعْنِيَانِ نَفْيَ الْعَدَمِ فَقَطْ، وَمَنَعُوا قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّاتِ فِي الْأَزَلِ، فَعَطَّلُوا كَمَالَ التَّصَرُّفِ الْإِلَهِيِّ تَعْطِيلاً.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ أَوَّلٌ وَآخِرٌ بِلَا صِفَةِ قِدَمٍ وَلَا بَقَاءٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ نَفْياً لِلصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَزَلِيَّةِ لِلصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ يُوجِبُ شِرْكَ "تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ"، فَجَعَلُوا الِاسْمَيْنِ مُجَرَّدَ لَفْظَيْنِ سَلْبِيَّيْنِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ: غَلَوْا فِي نَفْيِ الِاسْمَيْنِ، وَادَّعَوْا أَنَّ إِثْبَاتَ آخِرِيَّةِ اللَّهِ الْمُطْلَقِ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَانْعِدَامِ كُلِّ مَخْلُوقٍ حَتَّى يَخْلُوَ الْكَوْنُ تَمَاماً، فَقَالُوا بِبِدْعَةِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَنَاقُضاً مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): جَعَلُوا (الْأَوَّلَ) بِمَعْنَى "الْعِلَّةِ الْأُولَى" الَّتِي صَدَرَ عَنْهَا الْعَالَمُ بِالتَّوَلُّدِ الِاضْطِرَارِيِّ لَا بِالْمَشِيئَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ بِأَزَلِيَّتِهِ مَعَ اللَّهِ، فَنَفَوْا انْفِرَادَ الرَّبِّ بِالْأَوَّلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ رُبُوبِيَّةً.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): ضَلُّوا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَوَّلِ هُوَ عَيْنُ الْآخِرِ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا مُبَايَنَةَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْعَالَمِ، بَلْ جَعَلُوا الْكَوْنَ هُوَ اللَّهُ حُلُولاً ثَبَاتاً.
          ________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
        [٢] الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٥.
        [٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٤.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٢.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
        [٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٨.
        [١٠] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٨.
        [١١] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣٦٥.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٨٥-٢٢٠.
        __________________________________٢١______________________________________

        ص ٢٠​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
        ​الِاسْمَانِ الْعِشْرُونَ وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: (الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ

        ​اِسْمُ (الظَّاهِرُ): صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ظَ هَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ مِنْهَا الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: (ظَهَرْتُ فَوْقَ السَّطْحِ)، وَمِنْهَا الْقُوَّةُ وَالْغَلَبَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}، وَمِنْهَا الْبُرُوزُ وَالِانْكِشَافُ ضِدَّ الْخَفَاءِ. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ عُلُوِّ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَفَوْقِيَّتِهَا الْمُطْلَقَةِ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِ رُبُوبِيَّتِهِ الْقَاهِرَةِ لِكُلِّ كَائِنٍ حَقِيقَةً [١].

        ​اِسْمُ (الْبَاطِنُ): صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْمَادَّةِ (بَ طَ نَ) الَّتِي تَدُلُّ لُغَةً عَلَى الْخَفَاءِ وَالِاسْتِتَارِ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَالْقُرْبِ وَالْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَمِنْهُ (بِطَانَةُ الثَّوْبِ) وَ(بَطْنُ الْأَرْضِ) أَيْ دَاخِلُهَا. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لَهُ هُوَ إِثْبَاتُ قُرْبِهِ الْمُطْلَقِ وَإِحَاطَتِهِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ وَدَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ دُونَهُ شَيْءٌ يَحْجُبُ عِلْمَهُ وَنَفَاذَ أَمْرِهِ، فَهُوَ الْقَرِيبُ الْمُحِيطُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِناً عَنْ خَلْقِهِ لُغَةً [٢].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِكُلِّ اسْمٍ عَلَى حِدَةٍ

        ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الظَّاهِرُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ بِكُلِّ مَعَانِيهِ (عُلُوِّ الذَّاتِ، وَالْقَهْرِ، وَالْقَدْرِ)، بِحَيْثُ يَكُونُ فَوْقَ كُلِّ خَلْقِهِ بَائِناً عَنْهُمْ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهِ عُلُوُّ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ عُلُوٌّ نِسْبِيٌّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يَحْمِلُهُ عِلْماً [٣].

        ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الْبَاطِنُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى كَمَالِ قُرْبِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِبَوَاطِنِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَرَائِرِهَا، بِحَيْثُ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ عَنْ دَقَائِقِهَا، فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهِ خَفَاءُ الْمَخْلُوقَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي يَحْجُبُهَا الْجَهْلُ وَتَحُدُّهَا الْأَجْسَامُ طَلَباً [٤].

        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمَا اللَّهِ تَعَالَى (الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْحَصْرِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ مُقْتَرِنَيْنِ، وَهُوَ مَوْضِعُ سُورَةِ الْحَدِيدِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[سُورَةُ الْحَدِيدِ:الآية٣] شَرْعاً[٥].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمَيْنِ 
        ​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَيِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) ثَابِتَانِ لِلَّهِ نَصّاً، وَأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى كَمَالِ الْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَنَقَلَ إِجْمَاعَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَوْقِيَّةِ لِلظَّاهِرِ مَعَ نَفْيِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِلْبَاطِنِ نَقْلاً [٦].
        ​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ أَنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُتَقَابِلَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ عُلُوَّ اللَّهِ فِِي دُنُوِّهِ، وَدُنُوَّهُ فِي عُلُوِّهِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ طَلَباً [٧].
        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّهُمَا ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِحَاطَةِ الرَّبِّ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَهُمَا حَقَّ الْإِثْبَاتِ صَفَا قَلْبُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَعَلِمَ عَيْنَ الْيَقِينِ أَنَّ الْأُمُورَ بِيَدِ اللَّهِ تَرْبِيَةً [٨].
        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَيِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) فِي سِيَاقِ عَدِّهِ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَقَالَ إِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى ظُهُورِهِ بِالْقَهْرِ وَالْأَدِلَّةِ، وَبُطُونِهِ عَنِ الْإِدْرَاكِ بِالْكَيْفِيَّةِ وَالْحَوَاسِّ ثَبَاتاً [٩].
        ​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّهُمَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ، وَقَرَّرَ أَنَّ الِاقْتِرَانَ بَيْنَهُمَا يُفِيدُ كَمَالاً زَائِداً عَنْ إِفْرَادِ كُلِّ اسْمٍ، وَأَوْجَبَ الْإِيمَانَ بِمَا دَلَّا عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ شَرْعاً [١٠].
        ​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ الِاسْمَيْنِ فِي الْمَرْتَبَتَيْنِ الْعِشْرِينَ وَالْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ لِوُرُودِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ بِالْأَلِفِ وَلَامِ الْعَهْدِ، مِمَّا يَقْتَضِي قَصْرَ حَقِيقَةِ الظُّهُورِ وَالْبُطُونِ الْمُطْلَقَيْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْماً [١١].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
        ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى الِاسْمَيْنِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ؛ فَقَالَ إِنَّ (الظَّاهِرَ) هُوَ الْعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِذَاتِهِ، وَ(الْبَاطِنَ) هُوَ الْقَرِيبُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ دُونَهُ شَيْءٌ. وَأَوْضَحَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ، يَعْلَمُ خَفَايَاهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قُرْبِهِ وَبُطُونِهِ أَنْ يَكُونَ حَالّاً فِِي مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ الْعَالِي فِي دُنُوِّهِ، الْقَرِيبُ فِي عُلُوِّهِ، تَعْظِيماً عِلْماً [١٢].

        ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ اِبْنُ الْقَيِّمِ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيَّ بِبَدِيعِ بَيَانِهِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ (الظَّاهِرَ) يَقْتَضِي عُلُوَّ الرَّبِّ الْقَاطِعَ لِشُبْهَةِ الْجَهْمِيَّةِ فِي الْحُلُولِ، وَ(الْبَاطِنَ) يَقْتَضِي قُرْبَهُ الْمُبْطِلَ لِشُبْهَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَعْرِفَةَ ظُهُورِهِ تُورِثُ الْعَبْدَ عِزَّةً وَخُضُوعاً لِلْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، وَمَعْرِفَةَ بُطُونِهِ تُورِثُهُ طَهَارَةَ السَّرِيرَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ أَنَّ عَيْنَ الْبَاطِنِ نَاظِرَةٌ إِلَى دَاخِلِ قَلْبِهِ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَى اللَّهُ فِي بَاطِنِهِ مَا يَكْرَهُ ثَبَاتاً [١٣].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​يَتَدَبَّرُ الْمُؤْمِنُ جَمْعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ حَيْثُ تُعْتَبَرُ أُصُولاً لِكُلِّ نُعُوتِ الْكَمَالِ، فَالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ لِلْإِحَاطَةِ الزَّمَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ لِلْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِصْناً لِلْمُسْلِمِ لِيَقْطَعَ بِهَا طَمَعَ الشَّيْطَانِ فِي قَلْبِهِ عِنْدَ الْوَسْوَسَةِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٤].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ الِاسْمَانِ عُبُودِيَّةَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ؛ فَعُبُودِيَّةُ (الظَّاهِرِ) هِيَ تَعْظِيمُ شَعَائِرِهِ بِالْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعِ لِعَظَمَتِهِ، وَعُبُودِيَّةُ (الْبَاطِنِ) هِيَ عِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْإِخْلَاصِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَتَصْفِيَةِ السَّرَائِرِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، لِيَتَطَابَقَ ظَاهِرُ الْعَبْدِ مَعَ بَاطِنِهِ تَرْبِيَةً [١٥].
        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمَيْنِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَفِ ]

        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمَيِ اللَّهِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) عَلَى جَمْعِ الْإِثْبَاتِ بَيْنَ الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ وَالْقُرْبِ الْمُحِيطِ تَعْظِيماً عِلْماً.
        وَيُقَرِّرُ السَّلَفُ أَنَّ ظُهُورَ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّهُ الْعَالِي فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِناً عَنْ خَلْقِهِ فَلَيْسَ قَبْلَهُ وَلَا فَوْقَهُ شَيْءٌ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ بُطُونَهُ لَا يُنَاقِضُ عُلُوَّهُ، بَلْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى ذَلِكَ إِبْطَالَ كُلِّ قَوْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ الرَّبَّ حَالٌّ فِِي الْأَمْكِنَةِ أَوْ أَنَّهُ مَمْزُوجٌ بِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ثَبَاتاً.
        فَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ الذَّاتِ وَاسْتِيعَابِهَا لِلْعَالَمِ عُلُوّاً وَدُنُوّاً بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَدْبِيراً كَوْناً.
        وَيَرَى أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ التَّفْسِيرَ النَّبَوِيَّ الْوَارِدَ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الْفَصْلُ الَّذِي يَقْطَعُ شُبُهَاتِ الْمُؤَوِّلَةِ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ صِفَةَ "الْفَوْقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ" لَازِمَةٌ لِاسْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا بِدَعْوَى نَفْيِ الْجِهَةِ الْمَخْلُوقَةِ شَرْعاً.
        كَمَا أَنَّ صِفَةَ "الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ" ثَابِتَةٌ لِلْبَاطِنِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي نَقْصاً، بَلْ هِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالِاطِّلَاعِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        وَيُنْكِرُ السَّلَفُ مَسْلَكَ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْبَاطِنَ بِمَعْنَى الِانْعِدَامِ أَوِ الْخَفَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي نَفَى الْوُجُودَ عِلْماً.
        فَاللَّهُ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ مَعاً، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِِي نُصُوصِ الْوَحْيِ هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]

        ●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَنْكَرُوا مَعْنَى (الظَّاهِرِ) الدَّالَّ عَلَى عُلُوِّ الذَّاتِ، وَأَوَّلُوهُ بِعُلُوِّ الْمَقْدِرَةِ وَالْقَهْرِ فَقَطْ، كَمَا جَعَلُوا (الْبَاطِنَ) بِمَعْنَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ اسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ تَعْطِيلاً.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ: فَسَّرُوا (الظَّاهِرَ) بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ لِلْعُقُولِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْحِجَجِ الْعَقْلِيَّةِ لَا بِالذَّاتِ، وَ(الْبَاطِنَ) بِأَنَّهُ الْمَحْجُوبُ عَنِ الْأَبْصَارِ فِِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَنَفَوْا رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ الْحُلُولِيَّةُ: غَلَوْا فِِي مَعْنَى (الْبَاطِنِ) حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ بِذَاتِهِ فِِي كُلِّ مَكَانٍ وَدَاخِلُ كُلِّ جَسَدٍ، وَنَفَوْا اسْمَ الظَّاهِرِ الَّذِي يُوجِبُ عُلُوَّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ، فَوَقَعُوا فِِي نَجَاسَةِ الْحُلُولِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ (الدَّهْرِيَّةُ): قَالُوا إِنَّ اسْمَ (الْبَاطِنِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ طَبِيعَةُ الْخَفَاءِ الَّتِي لَا تَتَّصِفُ بِإِرَادَةٍ وَلَا فِعْلٍ، وَأَنْكَرُوا صِفَةَ الْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ لِلْظَّاهِرِ، فَجَعَلُوهُ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ جَامِدَةٍ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (الْبَاطِنِيَّةُ): زَعَمُوا أَنَّ لِلْشَّرِيعَةِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَأَنَّ اسْمَ (الْبَاطِنِ) يُبِيحُ لَهُمْ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ إِذَا وَصَلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْبُطُونِ، فَجَعَلُوا الِاسْمَ ذَرِيعَةً لِإِسْقَاطِ التَّكَالِيفِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٥٢٢.
        [٢] الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٥٢.
        [٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦١.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
        [٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٣٧.
        [٦] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤١٠.
        [٧] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠.
        [٨] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١١٢.
        [٩] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٢.
        [١٠] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥.
        [١١] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٧٢.
        [١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٣٥-١٤٠.
        [١٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥-٢٥٠.
        [١٤] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣٦٨.
        [١٥] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٢.

        __________________________________٢٢______________________________________


        ص ٢١​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: (السَّمِيعُ)


        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ

        ​اِسْمُ (السَّمِيعُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالسَّمْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ
        (سَ مِ عَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى إِدْرَاكِ الْأَصْوَاتِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَقَبُولِهِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ يُقَالُ: (سَمِعَ لَهُ) أَيْ أَطَاعَهُ [١]

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ

        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَةِ السَّمْعِ الْمُطْلَقِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ سِرّاً أَوْ جَهْراً، وَعَلَى إِجَابَتِهِ لِمَنْ دَعَاهُ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ سَمْعُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي هُوَ سَمْعٌ حَادِثٌ نَاقِصٌ مَحْدُودٌ بِالْآلَاتِ وَالْأَمْكِنَةِ، مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، وَيَعْتَرِيهِ الصَّمَمُ وَالْآفَاتُ عِلْماً [٢].

        ■وَالْمَعْنَى : لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ صِفَةِ السَّمْعِ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةَ كَمَالٍ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً ثَابِتَةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَشُوبُهَا تَعْطِيلٌ وَلَا تَمْثِيلٌ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْمَعُ جَمِيعَ الْأَصْوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَتَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْخَلْقِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْمَعُ دُعَاءَ الْمُبْتَهِلِينَ سَمْعَ قَبُولٍ وَإِجَابَةٍ حَقِيقَةً.

        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (السَّمِيعُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْخَبَرِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي غَالِبِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْبَصِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الشُّورَى، وَبِاسْمِهِ (الْقَرِيبُ) كَمَا فِي سُورَةِ سَبَإٍ شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 
        ♤​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ثَابِتٌ لِلَّهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ السَّمْعَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى نَفْياً لِقَوْلِ النُّفَاةِ، وَنَقَلَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِسَمْعٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ، وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ الْكَمَالِ نَقْلاً [٤].

        ♤​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ الِاسْمِ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْلَامِ الْوُصُوفِ الَّتِي لَا تُنْفَى صِفَاتُهَا، وَأَوْضَحَ أَنَّ إِثْبَاتَ السَّمِيعِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ مَسْمُوعٍ خَارِجِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الصِّفَةُ، فَالِاسْمُ ثَابِتٌ ذَاتاً وَأَثَراً طَلَباً [٥].

        ♤​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ الْعَظِيمَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِِي نُصُوصِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِثْبَاتَ حَقِيقَتِهِ الَّتِي بَايَنَ اللَّهُ بِهَا الْأَصْنَامَ الْبَكْمَاءَ الصَّمَّاءَ تَرْبِيَةً [٦].

        ♤​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (السَّمِيعِ) نَصّاً ضِمْنِ سِيَاقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِِي الْفَتْحِ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِطْلَاقِهَا عَلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثَبَاتاً [٧].

        ♤​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَكَّدَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ وَعَلَى صِفَةِ السَّمْعِ الْأَزَلِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ شَرْعاً [٨].
        ♤​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ اللَّهِ (السَّمِيعُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ الْعِلْمِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً دَالّاً عَلَى الْعَلَمِيَّةِ وَالْوَصْفِيَّةِ عِلْماً [٩].


        ​١٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ◇​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (السَّمِيعِ) بِأَنَّهُ الَّذِي أَحَاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ السَّمْعَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ هُوَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ لِلْأَصْوَاتِ قَائِمٌ بِالذَّاتِ. وَذَكَرَ أَنَّ سَمْعَهُ لِكَلَامِ الْعِبَادِ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ هُوَ سَمْعٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ، فَاللَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ الَّذِي يُصَلِّي وَالَّذِي يَدْعُو فِِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ بِالْجَوَارِحِ وَالْآلَاتِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ◇​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (السَّمِيعِ) بِبَيَانِ أَنْوَاعِ السَّمْعِ الْإِلَهِيِّ فَقَالَ إِنَّهُ يَنْقَسِمُ :
        ١_ إِلَى سَمْعِ إِدْرَاكٍ وَهُوَ الْإِحَاطَةُ بِالْأَصْوَاتِ سِرِّهَا وَجَهْرِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ}
        ٢_وَسَمْعِ إِجَابَةٍ وَقَبُولٍ كَقَوْلِ الْعَبْدِ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ اسْتَجَابَ لَهُ وَأَثَابَهُ.
        وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَقْتَضِي عُبُودِيَّةَ مُرَاقَبَةِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ سَمِيعٌ لِكُلِّ لَفْظَةٍ، اسْتَحَى أَنْ يَنْطِقَ بِالْبَاطِلِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ اسْمِ (السَّمِيعِ) بِاسْمِ (الْعَلِيمِ) فِي مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ اللَّفْظَ وَيَعْلَمُ النِّيَّةَ الْقَائِمَةَ فِي الْقَلْبِ، مِمَّا يَجْعَلُ الدُّعَاءَ خَالِصاً مُسْتَجَاباً شَرْعاً وَطَلَباً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ صِدْقَ التَّوَجُّهِ وَحِفْظَ الْجَوَارِحِ؛ فَلَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَاطِلِ، وَيَجْعَلُ لِسَانَهُ رَطْباً بِذِكْرِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَصْعَدُ إِلَى السَّمِيعِ الْبَصِيرِ فَيُحَاسِبُ عَلَيْهِ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (السَّمِيعِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
        وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْمَعُ حَقِيقَةً بِسَمْعٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لَا يُشْبِهُ سَمْعَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا السَّمْعَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَ خَلْقِهِ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّمْعَ هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ، بَل  هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ثَبَاتاً.
        فَاللَّهُ كَانَ سَمِيعاً فِي الْأَزَلِ، وَيَسْمَعُ الْمَسْمُوعَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا فِي الْأَعْيَانِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ اقْتِرَانِ السَّمْعِ بِالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ هَمْسٍ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ سَمْعِ الْإِجَابَةِ الَّذِي يَقْتَضِي قَبُولَ الطَّاعَاتِ وَإِعْطَاءَ السُّؤْلِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ السَّمْعَ عِبَارَةً عَنْ آلَةٍ أَوْ جَارِحَةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً عِلْماً.
        فَهُوَ سَمِيعٌ لَا كَالْمَسْمُوعِينَ، وَسَمْعُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ الْمُقَدَّسَيْنِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]

        ●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ السَّمِيعِ وَصِفَةَ السَّمْعِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَلَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَسْمَعُ فِي الْأَزَلِ صَوْتَ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ)، وَأَنَّ اسْمَ السَّمِيعِ عَيْنُ الذَّاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ، وَأَوَّلُوا السَّمْعَ بِأَنَّهُ (الْعِلْمُ بِالْمَسْمُوعَاتِ) فَقَطْ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الصِّفَةِ وَجَعَلُوهَا عَيْنَ صِفَةِ الْعِلْمِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (السَّمِيعِ) وَصِفَةَ السَّمْعِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ السَّمْعِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَسْمَعُ بِالْآذَانِ وَالْأَصْوَاتِ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الرَّبَّ عَدَماً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمِيعاً لِأَصْوَاتِ جُزْئِيَّاتِ الْخَلْقِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ فَقَطْ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُتَغَيِّرَةِ، فَنَفَوْا سَمْعَهُ لِدُعَاءِ الْعِبَادِ وَتَضَرُّعِهِمْ، وَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): غَلَوْا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ السَّمِيعَ هُوَ عَيْنُ الْمَسْمُوعِ، وَأَنَّ صَوْتَ الْمَخْلُوقِ هُوَ صَوْتُ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ السَّامِعِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ، بَلْ جَعَلُوا الْكُلَّ شَيْئاً وَاحِداً حُلُولاً ثَبَاتاً.
          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ١٦٣.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٩.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي... الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٥.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٣٠.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٥٠.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٣.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٠.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٨٥-٩٠.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٢٢-٤٢٥.
        [١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٧.

          ____________________________٢٣__________________________________

        ص ٢٢​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: (الْبَصِيرُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ  

        ​اِسْمُ (الْبَصِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْبَصَرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ
         (بَ صَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ، وَرُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَالْخِبْرَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، يُقَالُ: (بَصُرَ بِهِ) إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ عَنْ خِبْرَةٍ ثَاقِبَةٍ  [١].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْبَصَرِ الْمُطْلَقِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ مُبْصَرٍ وَمَرْئِيٍّ خَفِيّاً كَانَ أَوْ ظَاهِراً، وَالْعَالِمِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ خِبْرَةً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ بَصَرُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي هُوَ إِدْرَاكٌ حَادِثٌ نَاقِصٌ مَحْدُودٌ بِالْأَشِعَّةِ وَالْأَنْوَارِ وَالْأَجْسَامِ، وَيَعْتَرِيهِ الْعَمَى، وَالْحَجْبُ، وَالْآفَاتُ عِلْماً [٢].

        ■وَالْمَعْنَى للعام  لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْبَصَرِ وَالرُّؤْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةَ كَمَالٍ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً ثَابِتَةً بِالْوَحْيِ، لَا يَعْتَرِيهَا تَعْطِيلٌ وَلَا تَأْوِيلٌ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرَى وَيُبْصِرُ كُلَّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ فِي الْأَكْوَانِ، فَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، فِِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، وَيُبْصِرُ حَرَكَاتِ جَوَارِحِ الْعِبَادِ وَخَفَايَا نَفْسِ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةً


        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْبَصِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالتَّمْجِيدِ فِي (اِثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي غَالِبِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (السَّمِيعُ) كَمَا فِي سُورَةِ الشُّورَى وَالْإِسْرَاءِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْخَبِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْفَاطِرِ وَالْمُلْكِ، وَجَاءَ مُطْلَقاً فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

        ■​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ لِلْمَوْجُودَاتِ حَقِيقِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ قَاطِبَةً هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِبَصَرٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَقْلاً [٤].

        ■​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْبَصِيرِ) لِلَّهِ تَعَالَى عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ إِثْبَاتَهُ يُبْطِلُ مَزَاعِمَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَأَنَّ كَمَالَ صِفَةِ الْبَصَرِ يَتَّصِلُ بِإِحَاطَتِهِ سُبْحَانَهُ بِتَفَاصِيلِ خَلْقِهِ وَجَزَائِهِمْ طَلَباً [٥].

        ■​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ إِثْبَاتَهُ فِي النُّصُوصِ يُعَدُّ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ فِي بَابِ الْمُرَاقَبَةِ السُّلُوكِيَّةِ، لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ تَقَعُ تَحْتَ عَيْنِ الْبَصِيرِ سُبْحَانَهُ تَرْبِيَةً [٦].

        ■​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْبَصِيرِ) فِي عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ جَمِيعَ الْمَرْئِيَّاتِ بِلَا جَارِحَةٍ وَلَا حَدَقَةٍ، فَلَا يَخْفَى عَنْهُ مَا فِِي بَاطِنِ الْأَرْضِ وَلَا فِي أَعْلَى السَّمَوَاتِ ثَبَاتاً [٧].

        ■​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْمِيّاً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى الْبَصِيرَةِ النَّافِذَةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالتَّشْرِيعِ وَتَدْبِيرِ الْخَلْقِ شَرْعاً [٨].

        ■​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْبَصِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ لِلتَّأْوِيلِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ♤ ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى اسْمِ (الْبَصِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَرَى كُلَّ شَيْءٍ حَقِيقَةً رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْبَصَرِ هُوَ الْعِلْمَ بِالْمَرْئِيَّاتِ كَمَا ادَّعَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ بَايَنَتْ صِفَةَ الْعِلْمِ. وَأَوْضَحَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَتَعَلَّقُ رُؤْيَتُهُ بِالْمَوْجُودَاتِ عِنْدَ خَلْقِهَا، فَيَرَى خَلْقَهُ إِذَا تَحَرَّكُوا وَإِذَا عَمِلُوا، وَسَمَّى هَذَا بِالتَّعَلُّقِ الْفِعْلِيِّ الْقَائِمِ بِالْمَشِيئَةِ، مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ شَبَهِ الْجَوَارِحِ وَتَجْزِئَةِ الْأَدَوَاتِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ♤ ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْبَصِيرِ)
        ١_بِبَيَانِ شُمُولِ الرُّؤْيَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا؛ فَذَكَرَ أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ تَفَاصِيلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَرَى جَرَيَانَ الدَّمِ فِي عُرُوقِ النَّمْلَةِ وَحَرَكَةَ الْأَعْضَاءِ الدَّقِيقَةِ فِِي جَوْفِهَا.
        ٢_ وَأَنَّ مَعْنَى الْبَصِيرِ يَتَضَمَّنُ أَيْضاً أَنَّهُ بَصِيرٌ بِأَحْوَالِ قُلُوبِ عِبَادِهِ، يَعْلَمُ مَنْ يَصْلُحُ لِهِدَايَتِهِ وَفَضْلِهِ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ تَطْهِيرَ بَاطِنِهِ كَمَا يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ، لِأَنَّ عَيْنَ الْبَصِيرِ تَرْعَاهُ فِِي كُلِّ لَحْظَةٍ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ (الْبَصِيرِ) بِصِفَةِ الْعِبَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَمَقَاصِدِهِمْ تَقَعُ تَحْتَ مُعَايَنَةِ الرَّبِّ الْجَلِيلِ، مِمَّا يَحُثُّ الْمُتَدَبِّرَ عَلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ حَيَاءً عَمِيقاً مِنَ اللَّهِ فِِي الْخَلَوَاتِ؛ فَلَا يَجْعَلُ رَبَّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، وَيَزْجُرُ نَفْسَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا يُثْمِرُ فِِي قَلْبِهِ الطُّمَأْنِينَةَ عِنْدَ تَعَرُّضِهِ لِلْظُّلْمِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَصِيرَ يَرَى حَالَهُ وَيَنْصُرُهُ لَوْ بَعْدَ حِينٍ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ ]

        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْبَصِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
        وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى حَقِيقَةً بِبَصَرٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لَا يُشْبِهُ بَصَرَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا الْبَصَرَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ يَرَى مَخْلُوقَاتِهِ إِذَا وُجِدَتْ فِي الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَصَرَ هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ثَبَاتاً.
        فَاللَّهُ كَانَ بَصِيراً فِي الْأَزَلِ، وَيُبْصِرُ الْمُبْصَرَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ تَدْبِيراً كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ اقْتِرَانِ السَّمْعِ بِالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ بَصَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَحْجُبُهُ ظَلَامٌ وَلَا حِجَابٌ مِنَ الْحُجُبِ الْمَخْلُوقَةِ فِي الْأَكْوَانِ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ أَنَّهُ يَرَى حَاجَاتِ خَلْقِهِ فَيُعْطِيهِمْ رَحْمَةً وَفَضْلاً مِمَّا يُلَائِمُ أَحْوَالَهُمْ.
        وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْبَصَرَ عِبَارَةً عَنْ آلَةٍ جَسَدِيَّةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً عِلْماً.
        فَهُوَ بَصِيرٌ لَا كَالْمُبْصِرِينَ، وَبَصَرُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]

        ●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْبَصِيرِ وَصِفَةَ الْبَصَرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَلَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَرَى فِي الْأَزَلِ مَا سَيَخْلُقُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ)، وَأَنَّ اسْمَ الْبَصِيرِ عَيْنُ الذَّاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ، وَأَوَّلُوا الْبَصَرَ بِأَنَّهُ (الْعِلْمُ بِالْمُبْصَرَاتِ) فَقَطْ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الصِّفَةِ وَجَعَلُوهَا عَيْنَ صِفَةِ الْعِلْمِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْبَصِيرِ) وَصِفَةَ الْبَصَرِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْبَصَرِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تُبْصِرُ بِالْأَعْيُنِ وَالْحَدَقَاتِ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الرَّبَّ عَدَماً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بَصِيراً لِحَرَكَاتِ جُزْئِيَّاتِ الْخَلْقِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ فَقَطْ دُونَ التَّفَاصِيلِ الْعَيْنِيَّةِ الْمُتَغَيِّرَةِ، فَنَفَوْا رُؤْيَتَهُ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ●​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): غَلَوْا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ عَيْنُ الْمَرْئِيِّ، وَأَنَّ ذَاتَ الْمَخْلُوقِ هِيَ عَيْنُ رُؤْيَةِ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْبَصِيرِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَعْيَانِ الْحَادِثَةِ، بَلْ جَعَلُوا الْكُلَّ شَيْئاً وَاحِداً حُلُولاً ثَبَاتاً.
        ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٦٥.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٨٠.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٨٢٠.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٧٦.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٥.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ... أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٤.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٩٢-٩٦.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٦٠-٢٦٤.
        [١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ... جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٩.

        __________________________________٢٤__________________________________

        ص ٢٣​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْمَوْلَى)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
        ​اِسْمُ (الْمَوْلَى): اسْمُ مَكَانٍ أَوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (و ل ي) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالنُّصْرَةِ؛ يُقَالُ: (وَلِيَهُ) إِذَا قَرُبَ مِنْهُ، وَ(الْوَلِيُّ وَالْمَوْلَى) يَقَعَانِ عَلَى الْمَالِكِ، وَالسَّيِّدِ، وَالنَّاصِرِ، وَالْمُعِينِ، وَالْمُحِبِّ. [١]

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْمَلِكِ وَالسِّيَادَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْقُرْبِ النَّاصِرِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْمُدَبِّرِ لِأُمُورِ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رِعَايَةً وَكَلَاءَةً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ مَوْلَوِيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ وِلَايَةٌ نَاقِصَةٌ مَحْدُودَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَيَعْتَرِيهَا الْعَجْزُ وَالْفَنَاءُ عِلْماً [٢].

        ٣.وَالْمَعْنَى العام  لِلِاسْمِ :  يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ كَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَوْلَى الْحَقُّ الَّذِي يَتَوَلَّى تَدْبِيرَ مَمَالِكِهِ بِالْقَهْرِ وَالْخَلْقِ، وَيَتَوَلَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ حَقِيقَةً .

        ​٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْمَوْلَى) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالِاعْتِصَامِ فِي (اِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي بَعْضِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (النَّصِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالْحَجِّ فِِي قَوْلِهِ: {نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، وَوَرَدَ مُضَافاً إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ أَوْ الْمُؤْمِنِينَ شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

        ​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ وِلَايَةَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالتَّدْبِيرِ، وَخَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ نَقْلاً [٤].

        ​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْمَوْلَى) وَأَوْضَحَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ وَلَا خَوْفَ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الِاسْمِ تَقْتَضِي تَمَامَ الِانْقِيَادِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ طَلَباً [٥].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْمُثْبَتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَى مَوْلَاهُ بِالطَّاعَاتِ نَالَ مَحَبَّتَهُ وَوِلَايَتَهُ الْخَاصَّةَ، فَيَصِيرُ الرَّبُّ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ تَرْبِيَةً [٦].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْمَوْلَى) نَصّاً ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ السَّيِّدُ وَالْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ لَا مَوْلَى لِلْكَافِرِينَ عَلَى وَجْهِ النُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ ثَبَاتاً [٧].

        ​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ صِفَتَهُ الِاشْتِقَاقِيَّةَ هِيَ (الْوِلَايَةُ) الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْمَحَبَّةَ وَالتَّدْبِيرَ وَالنُّصْرَةَ شَرْعاً [٨].

        ​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ اللَّهِ (الْمَوْلَى) فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ اسْماً مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْإِلَهِيِّ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
        ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْمَوْلَى) بِأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَلَّى مَصَالِحَ الْعِبَادِ وَيَنْصُرُهُمْ؛ وَبَيَّنَ التَّفْرِقَةَ الدَّقِيقَةَ بَيْنَ
        ١_الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لِلْخَلْقِ جَمِيعاً كَمَا فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} فَهِيَ وِلَايَةُ الْخَلْقِ وَالْقَهْرِ، وَبَيْنَ
        ٢_ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لِلْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} فَهِيَ وِلَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَوْلَى تَعْطِيلَ النُّصْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْمَوْلَى) بِتَوْضِيحِ أَنَّهُ أَعْظَمُ غِيَاثٍ لِلْعَبْدِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ كَوْنَ اللَّهِ مَوْلَى الْعَبْدِ يَقْتَضِي أَنْ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ فِِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَيَدْفَعَ عَنْهُ الْبَلَايَا، وَيَقُودَهُ إِلَى مَرَاضِيهِ.
        وَأَوْضَحَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوْلَى تَتَضَمَّنُ النُّصْرَةَ الَّتِي لَا تُقْهَرُ، فَإِذَا رَضِيَ الْعَبْدُ بِاللَّهِ مَوْلًى وَنَصِيراً، انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَأَنْزَلَ حَاجَاتِهِ كُلَّهَا بِبَابِهِ، لِأَنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى الَّذِي يَكْفِي عَبْدَهُ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ خَتْمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}؛ حَيْثُ تَوَسَّلَ الْعِبَادُ بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) بَعْدَ تَقْرِيرِ عَدَمِ تَكْلِيفِ النَّفْسِ إِلَّا وُسْعَهَا، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَوْلَوِيَّتِهِ هُوَ مِفْتَاحُ النَّصْرِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ كَمَالَ التَّوَكُّلِ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ؛ فَيَتَّخِذُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلِيّاً وَمَلَاذاً، وَيَسْعَى فِِي تَحْقِيقِ شُرُوطِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَلَا يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَلَا يَبْتَغِي الْعِزَّةَ عِنْدَ غَيْرِ مَوْلَاهُ الْحَقِّ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ]
        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْمَوْلَى) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالْوِلَايَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَعْطِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
        وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى خَلْقِهِ حَقِيقَةً بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِهِمْ جَمْعُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ انْقِسَامَ الْمَوْلَوِيَّةِ إِلَى تَدْبِيرٍ عَامٍّ وَنُصْرَةٍ خَاصَّةٍ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ مَجَازٌ، بَلْ هِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ ثَبَاتاً.
        فَاللَّهُ كَانَ وَلِيّاً مَوْلًى فِي الْأَزَلِ، وَيَتَوَلَّى عِبَادَهُ عِنْدَ وُجُودِهِمْ بِمَا يُصْلِحُ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ تَدْبِيراً كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ جَاءَ فِيهِ نَفْيُ الْمَوْلَى عَنِ الْكُفَّارِ يُقْصَدُ بِهِ نَفْيُ وِلَايَةِ التَّأْيِيدِ وَالْمَحَبَّةِ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ مَوْلَوِيَّةَ اللَّهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ظَهِيرٍ أَوْ مُعِينٍ مِنَ الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْتِزَامُ طَاعَةِ الْمَوْلَى وَتَرْكُ الِاحْتِكَامِ إِلَى الطَّوَاغِيتِ وَالْأَنْدَادِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْمَوْلَى بِمَعْنَى السَّبَبِ الطَّبِيعِيِّ الْجَامِدِ الَّذِي لَا إِرَادَةَ لَهُ عِلْماً.
        فَاللَّهُ هُوَ الْمَوْلَى النَّصِيرُ، وَعَقِيدَةُ السَّلَفِ فِيهِ تَرْبِطُ الْقَلْبَ بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيماً لِجَلَالِهِ وَإِثْبَاتاً لِكَمَالِهِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
        ■​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْمَوْلَى، لَكِنَّهُمْ أَوَّلُوا صِفَةَ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ وَالنُّصْرَةِ بِأَنَّهَا إِرَادَةُ الثَّوَابِ الْأَزَلِيَّةِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ صِفَةً فِعْلِيَّةً تَتَجَدَّدُ بِحَسَبِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعْطِيلاً.
        ■​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (مَوْلًى بِلَا وِلَايَةٍ) قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْمَوْلَى هُوَ خَلْقُ النَّفْعِ وَالْإِعَانَةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ، فَنَفَوْا قِيَامَ أَفْعَالِ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْمَوْلَى) وَمَعَانِيَهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِطْلَاقَ الْمَوْلَى عَلَى اللَّهِ يَقْتَضِي قُرْباً مَكَانِيّاً أَوْ تَشْبِيهاً بِالْمَوَالِي مِنَ الْبَشَرِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْقُرْبِ وَالْمَحَبَّةِ، وَصَيَّرُوا الرَّبَّ ذَاتاً جَامِدَةً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ■​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): زَعَمُوا أَنَّ الرَّبَّ لَا يَتَوَلَّى أَحَداً مِنَ الْبَشَرِ بِالْعِنَايَةِ وَالْإِقْدَارِ الْخَاصِّ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ الْحَادِثَةَ، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ مَوْلًى لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أَوْ مُجِيباً لِدُعَاءِ الْمَظْلُومِينَ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (الْبَاطِنِيَّةُ): غَلَوْا حِينَ جَعَلُوا الْوِلَايَةَ أَعْلَمَ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ (الْوَلِيَّ) مِنَ الْبَشَرِ يَصِلُ إِلَى مَقَامِ الْمَوْلَوِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ بِحَيْثُ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّكَالِيفُ وَيُدَبِّرُ الْكَوْنَ مَعَ اللَّهِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
        ___________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٤٠٧.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٧٠.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٣٠.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤١٨.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٧.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥٨-٦٢.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٠-٢٩٥.
        [١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٢٥.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٥.

          __________________________________٢٥__________________________________

        ص ٢٤​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: (النَّصِيرُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
        ​اِسْمُ (النَّصِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالنَّصْرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (نَ صَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْإِعَانَةِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالظَّفَرِ بِهِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْمَكْرُوهِ؛ يُقَالُ: (نَصَرَهُ يَنْصُرُهُ نَصْراً) إِذَا أَعَانَهُ وَقَوَّاهُ وَدَفَعَ عَنْهُ كَيْدَ خَصْمِهِ[١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالنَّصْرِ الْمُطْلَقِ وَالْإِعَانَةِ الْبَالِغَةِ لِخَلْقِهِ، وَالْكَافِلِ بِقَهْرِ أَعْدَائِهِ وَتَمْكِينِ أَوْلِيَائِهِ خِلَافَةً وَظُهُوراً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ نَصْرُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ نَصْرٌ حَادِثٌ قَاصِرٌ مَشْرُوطٌ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ، وَيَعْتَرِيهِ الْخِذْلَانُ، وَالْعَجْزُ، وَالْقِلَّةُ عِلْماً [٢].

        ٣.وَالْمَعْنَى  لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَوْنٍ وَظَفَرٍ حَقِيقِيٍّ فِي الْوُجُودِ، فَلَا يَقَعُ نَصْرٌ فِِي الْأَرْضِ أَوْ السَّمَاءِ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ صِفَةَ فِعْلٍ ثَابِتَةً، وَهُوَ الَّذِي يُبَدِّدُ جُيُوشَ الْبَاطِلِ وَيُعِزُّ أَهْلَ الْحَقِّ حَقِيقَةً

        ٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (النَّصِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالِاسْتِنْصَارِ فِي (أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالْحَجِّ وَالْفُرْقَانِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْوَلِيُّ) فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

        ​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَأَنَّ النَّصْرَ الْإِلَهِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اعْتِصَامَ الْعَبْدِ بِهَذَا الِاسْمِ يُبْطِلُ كَيْدَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَاطِبَةً نَقْلاً [٤].

        ​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (النَّصِيرِ) لِلَّهِ تَعَالَى عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ لَيْسَتْ بِالْكَثْرَةِ وَلَا بِالْعُدَّةِ، بَلْ هِيَ مَدَدٌ رُوحَانِيٌّ وَتَأْيِيدٌ يَقْذِفُهُ النَّصِيرُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ طَلَباً [٥].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ جَامِعَ النَّصْرِ يَقَعُ فِي تَنْفِيذِ مَوَاعِيدِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ تَرْبِيَةً [٦].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (النَّصِيرِ) فِي عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ شَرْعاً، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّصِيرَ هُوَ الْمُعِينُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ الظَّفَرِ فِي الْغَزَوَاتِ كَانَتْ بِتَأْيِيدِهِ ثَبَاتاً [٧].

        ​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْمِيّاً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي سِيَاقِ تَعْدَادِهِ لِلْأَسْمَاءِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْمُطْلَقَةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ النَّصْرِ الْحَقِيقِيَّةِ شَرْعاً [٨].

        ​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (النَّصِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ لِلتَّأْوِيلِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى اسْمِ (النَّصِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَدْفَعُ السُّوءَ عَنِ الْعَبْدِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ غَلَبَةِ خَصْمِهِ حَقِيقَةً. وَ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَنْقَسِمُ إِلَى :
        ١_ نَصْرٍ كَوْنِيٍّ قَدَرِيٍّ قَدْ يَنَالُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ
        ٢_وَنَصْرٍ دِينِيٍّ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْعَاقِبَةُ الْحَمِيدَةُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ
        وَأَكَّدَ أَنَّ مَعْنَى النَّصِيرِ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ خَلْقِ الْقُدْرَةِ فِي الْعَبْدِ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ إِلَهِيٌّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خِذْلَانُ الْكُفَّارِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (النَّصِيرِ) بِبَيَانِ شُمُولِ النُّصْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ الْنَّصِيرَ هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ الْعَبْدَ عَلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَعَلَى هَوَاهُ، وَعَلَى عَدُوِّهِ الظَّاهِرِ ، وَ أَنَّ حَقِيقَةَ الِاعْتِصَامِ بِالنَّصِيرِ تَقْتَضِي:

        ●أَنْ يَبْرَأَ الْعَبْدُ مِنْ تَمَامِ عُدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ

        ●وَيَعْلَمَ أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَمَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُهُ مِنْ بَعْدِهِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ (النَّصِيرِ) بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ تَقَعُ فِي التَّوَلِّي وَالْمَحَبَّةِ، وَالْجَزَاءُ يَقَعُ فِي الظَّفَرِ وَالنَّصْرِ، فَلَا نَصِيرَ لِمَنْ لَا مَوْلَى لَهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ شَجَاعَةً إِيمَانِيَّةً ثَابِتَةً فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ؛ فَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَيَجْعَلُ قَلْبَهُ مَوْصُولاً بِالنَّصِيرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، كَمَا يَحُثُّهُ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَا اسْتَطَاعَ، لِيَكُونَ مَظْهَراً مِنْ مَظَاهِرِ نَصْرِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ]​
        ●يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (النَّصِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ حَقِيقَةً بِأَفْعَالٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا تُشْبِهُ أَفْعَالَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.

        ●وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا النَّصْرَ لَهُ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ وَكَوْنِيَّةٌ، وَأَعْظَمُهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ حَقِيقَةً.
        وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّصْرَ مَجَازٌ عَنِ الْجَزَاءِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ زَائِدَةٌ ثَبَاتاً.
        فَاللَّهُ كَانَ نَصِيراً فِي الْأَزَلِ بِالْقُوَّةِ، وَيَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَعَارِكِ وَالْفِتَنِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ الْمَدَدِ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ جُنُودِ النَّصِيرِ الَّتِي يُسَخِّرُهَا طَلَباً ، وَ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ أَهْلِهِ إِلَّا لِنَقْصٍ فِِي إِيمَانِهِمْ أَوْ ارْتِكَابِهِمْ لِلْمَعَاصِي شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وَلَوْ تَكَلَّبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْأَرْضِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ النَّصْرَ مَحْصُوراً فِي الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ الْبَحْتَةِ دُونَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِلْماً
        فَهُوَ نَصِيرٌ بِالْحَقِّ، وَنَصْرُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
        ■​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ النَّصِيرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا صِفَةَ النَّصْرِ فِعْلاً أَزَلِيّاً قَدِيماً لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ الْمُتَجَدِّدَةِ، وَأَوَّلُوا النَّصْرَ الْحَادِثَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
        ■​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (نَصِيرٌ بِلَا نَصْرٍ) قَائِمٍ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ اسْمَ النَّصِيرِ يَدُلُّ عَلَى خَلْقِ سَبَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْمَخْلُوقِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ يَنْصُرُ بِهِ عَبْدَهُ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (النَّصِيرِ) وَصِفَةَ النَّصْرِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ النَّصْرِ لِلَّهِ يَقْتَضِي حَاجَتَهُ لِلْمَظْلُومِينَ أَوْ التَّشْبِيهَ بِالْمُلُوكِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ أَتْبَاعَهُمْ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ■​الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ نَصِيراً لِأَفْرَادِ الْبَشَرِ فِي حُرُوبِهِمْ، وَقَالُوا إِنَّ الْغَلَبَةَ تَقَعُ بِالنَّوَامِيسِ الطَّبِيعِيَّةِ الْفَلَكِيَّةِ الْعَامَّةِ فَقَطْ، دُونَ تَدَخُّلٍ إِلَهِيٍّ خَاصٍّ، فَنَفَوْا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): زَعَمُوا أَنَّ النَّاصِرَ وَالْمَنْصُورَ وَالْمَنْصُورَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ حَرْبَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ هِيَ تَجَلِّيَاتُ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ مَعَ نَفْسِهَا، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ النَّصْرِ وَالْخِذْلَانِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ, تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٢.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٩٥.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٨، الصَّفْحَةُ ٤٢٠.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٨٠.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ فِيمَا لِمَوَاسِمِ الْعَامِ مِنَ الْوَظَائفِ، دَارُ ابْنِ كَثِيرٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٠.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٩٥.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٢.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٣٤-١٣٨.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٤٥٠-٤٥٦.
        [١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٤٥.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
        __________________________________٢٦__________________________________

        ص ٢٥​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: (الْعَفُوُّ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
        ​اِسْمُ (الْعَفُوُّ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعُولٌ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْعَفْوِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (عَ فُ وَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا طَمْسُ الشَّيْءِ وَمَحْوُهُ، وَالْآخَرُ طَلَبُ الشَّيْءِ وَأَخْذُهُ فَضْلاً؛ يُقَالُ: (عَفَتِ الرِّيَاحُ الدِّيَارَ) إِذَا مَحَتْ آثَارَهَا [١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْمَحْوِ الْمُطْلَقِ لِلْآثَامِ، وَالصَّفْحِ عَنِ الْجَرَائِمِ مَهْمَا عَظُمَتْ، لِمَنِ اسْتَغْفَرَ وَتَابَ، أَوْ جَاءَ بِتَوْحِيدٍ خَالِصٍ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ عَفْوُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ عَفْوٌ نَاقِصٌ مَشُوبٌ غَالِباً بِالْعَجْزِ عَنِ الِانْتِقَامِ، أَوْ الْخَوْفِ مِنَ الْعَاقِبَةِ، وَيَعْتَرِيهِ النِّسْيَانُ أَوْ تَبَقِّي الْأَثَرِ فِي النَّفْسِ عِلْماً [٢].

        ٣.وَالْمَعْنَى العام  لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ اتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ، وَمَحْوِ آثَارِهَا مِنْ صَحَائِفِ الْمَلَائِكَةِ حَقِيقَةً، فَلَا يُطَالِبُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ تَمَامِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ، بَلْ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ فَضْلاً وَرَحْمَةً

        ٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْعَفُوُّ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْوَعْدِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالثَّنَاءِ فِي (خَمْسَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْغَفُورُ) كَمَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْحَجِّ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْقَدِيرُ) فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَرْعاً [٣].

        ٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 
        ​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى نَصّاً وَوَصْفاً، وَأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ (الْغَفُورِ)؛ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ سَتْرٌ لِلذَّنْبِ، بَيْنَمَا الْعَفْوُ هُوَ مَحْوُ الْأَثَرِ بِالْكُلِّيَّةِ نَقْلاً [٤].

        ​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْعَفُوِّ) عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعَفْوَ وَيُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ الْبَشَرُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ لِيَنَالُوا عَفْوَهُ الْأَكْبَرَ طَلَباً [٥].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ بِأَجْمَعِ أَلْفَاظِ الطَّلَبِ تَرْبِيَةً [٦].

        ​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْعَفُوِّ) فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْعَفُوَّ هُوَ الَّذِي يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعَاصِي فَلَا يُؤَاخِذُ بِهَا عِنْدَ الْإِنَابَةِ ثَبَاتاً [٧].

        ​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِـ(الْقَدِيرِ) يَدُلُّ عَلَى عَفْوٍ صَادِرٍ عَنْ قُدْرَةٍ تَامَّةٍ لَا عَنْ عَجْزٍ شَرْعاً [٨].

        ​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْعَفُوُّ) فِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ اسْماً مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الصَّرِيحَةِ فِي نُصُوصِ التَّنْزِيلِ عِلْماً [٩].

        ٦. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْعَفُوِّ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَسْقُطُ حَقَّهُ عَنْ عِبَادِهِ تَفَضُّلاً. وَأَوْضَحَ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ نَوْعَانِ:
        ١_ عَفْوٌ عَامٌّ عَنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْمَثُلَاتِ وَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
        ٢_ وَعَفْوٌ خَاصٌّ لِلتَّائِبِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ وَأَهْلِ الْبَلَاءِ؛ وَأَكَّدَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَفْوِ تَقْتَضِي رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ مَعَ حُصُولِ الرِّضَا عَنِ الْعَبْدِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْعَفُوِّ) بِأَنَّهُ التَّجَاوُزُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ كَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ صِفَةَ الْعَفْوِ تَقْتَضِي طَمْسَ كِتَابَةِ الذَّنْبِ فَلَا يَرَاهُ الْعَبْدُ فِي قِيَامَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيُذْنِبُونَ، لِيُظْهِرَ لَهُمْ كَمَالَ اسْمِهِ الْعَفُوِّ وَجُودِهِ، فَمَنْ شَهِدَ هَذَا الِاسْمَ انْكَسَرَ قَلْبُهُ لِمَوْلَاهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ النَّجَاةَ لَيْسَتْ بِالْعَمَلِ بَلْ بِعَفْوِ اللَّهِ الْمُطْلَقِ ثَبَاتاً [١١].

        ٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ اقْتِرَانِ اسْمِهِ (الْعَفُوِّ) بِاسْمِهِ (الْقَدِيرِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِن تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}؛ لِيُبَيِّنَ لِلْعِبَادِ أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّفْحِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَلَى إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ، فَجَاءَ الثَّنَاءُ بِالْقُدْرَةِ تَبْيِيناً لِعَظَمَةِ الْعَفْوِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَحُبَّ التَّجَاوُزِ عَنِ الْخَلْقِ؛ فَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، وَيُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، طَمَعاً فِي أَنْ يُعَامِلَهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ يَوْمَ الْعَرْضِ، إِذْ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]

        ●​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْعَفُوِّ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
        ●وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبَادِهِ حَقِيقَةً بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ شَرْعاً.
        وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ يَشْمَلُ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرَهَا مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً مَاتَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ أَنَّ الْعَفْوَ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ مَعاً لَا مَجَازَ فِيهَا وَلَا تَأْوِيلَ ثَبَاتاً.
        فَاللَّهُ لَمْ يَزَلْ عَفُوّاً، وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ إِذَا ارْتَكَبُوا الْمَعَاصِي ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا تَعَطُّفاً وَإِحْسَاناً كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِي الْعَفْوِ مُطْلَقَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْعِبَادِ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ بَلْ فَضْلاً طَلَباً.
        ●وَيُثْبِتُونَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ شَرْعاً ، وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْعَفْوَ لَا يُبْطِلُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي جَزَاءِ الْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ رَحْمَةً وَفَضْلاً ، وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْعَفْوَ مُتَعَارِضاً مَعَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ عِلْماً ، فَاللَّهُ هُوَ الْعَفُوُّ الْقَدِيرُ، وَعَفْوُهُ نَافِذٌ بِالْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ الْمُقَدَّسَةِ ثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]

        ■​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْعَفُوِّ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا صِفَةَ الْعَفْوِ كَنَائِرِهَا عِبَارَةً عَنْ صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ لِإِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ فِعْلاً يَقُومُ بِالذَّاتِ يَتَجَدَّدُ بِالتَّوْبَةِ تَعْطِيلاً.
        ■​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (عَفُوٌّ بِلَا عَفْوٍ) قَائِمٍ بِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَفْوَ عَنِ التَّائِبِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ عَقْلاً لَا تَفَضُّلاً، وَأَوْجَبُوا تَعْذِيبَ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْمَشِيئَةِ وَالْعَفْوِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
        ■​الْخَوَارِجُ: نَفَوْا تَعَلُّقَ اسْمِ (الْعَفُوِّ) بِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً خَلَدَ فِي النَّارِ وَلَمْ يَشْمَلْهُ عَفْوٌ وَلَا مَغْفِرَةٌ، فَأَبْطَلُوا نُصُوصَ الرَّحْمَةِ، وَشَدَّدُوا عَلَى الْأُمَّةِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ■​الْمُرْجِئَةُ (الْجَهْمِيَّةُ الْخَالِصَةُ): غَلَوْا فِي بَابِ الْعَفْوِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الذَّنْبَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ كَمَا لَا تَنْفَعُ الطَّاعَةُ مَعَ الْكُفْرِ، وَقَالُوا إِنَّ عَفْوَ اللَّهِ حَاصِلٌ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى بِلَا تَوْبَةٍ، فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ■​الْوَعِيدِيَّةُ الرَّافِضَةُ: زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْفُو عَنْ مُخَالِفِيهِمْ فِي الْمَعْتَقَدِ وَلَوْ جَاؤُوا بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَجَعَلُوا الْعَفْوَ مَحْصُوراً فِي طَائِفَتِهِمْ، فَحَجَّرُوا وَاسِعاً وَخَالَفُوا أُصُولَ التَّوْحِيدِ وَالْقُرْآنِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٧٢.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٨.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٦٢.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٣٨٥.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣١٥.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٨٠.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٩٦.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠١.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٤، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٥.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٠-٣٤٦.
        [١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٣٢.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
        __________________________________٢٧__________________________________

        ص ٢٦​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْقَدِيرُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ :​اِسْمُ (الْقَدِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْقُدْرَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ دَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَبَالِغِ الشَّيْءِ وَتَمَامِ الْقُوَّةِ عَلَيْهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِهِ حُكْماً وَإِيجَاداً؛ يُقَالُ: (قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ قُدْرَةً) إِذَا مَلَكَ نَفَاذَ الْفِعْلِ فِيهِ دُونَ عَقَبَةٍ [١].

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ : ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا إِيجَادُ الْمَعْدُومَاتِ وَإِعْدَامُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ، مَعَ تَمَامِ التَّصَرُّفِ فِِي الْمُلْكِ بِالْإِحْكَامِ وَالتَّقْدِيرِ طَلَعاً ، وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ قُدْرَةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ قُدْرَةٌ مُسْتَفَادَةٌ حَادِثَةٌ قَاصِرَةٌ، يَعْتَرِيهَا الْعَجْزُ، وَاللَّغُوبُ، وَالْجَهْلُ، وَتَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْأَسْبَابِ الْمَخْلُوقَةِ عِلْماً [٢].

        ■وَالْمَعْنَى العام  لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذُو الْقُدْرَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ نَافِذَةٌ فِي خَلْقِهِ إِعْدَاماً وَإِيجَاداً، فَمَا شَاءَ كَانَ بِقُدْرَتِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الْأَزَلِيِّ فِعْلاً.

        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْقَدِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ تَعْظِيمِ الْقُدْرَةِ وَالتَّكْوِينِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)جَاءَ فِِي أَغْلَبِهَا مُطْلَقاً خَتْماً لِلْآيَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وَاقْتَرَنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) وَبِاسْمِهِ (الْعَفُوُّ) شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ

        ●​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحَانَهُ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ الَّتِي لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ نَقْلاً [٤].

        ●​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْقَدِيرِ) لِلَّهِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَبَيَّنَ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، وَإِرْسَالَ الرُّسُلِ هِيَ آثَارٌ مَشْهُودَةٌ لِهَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ فِي الْأَكْوَانِ طَلَباً [٥].

        ●​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) رُكْناً فِي تَقْرِيرِ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَنْشَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِأَنَّ رَبَّهُ قَدِيرٌ لَا يُعْجِزُهُ جَبَّارٌ وَلَا يَفُوتُهُ مَطْلُوبٌ تَرْبِيَةً [٦].

        ●​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَدِيرِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ أَحَادِيثِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الدَّالُّ عَلَى الْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي تُصَرِّفُ الْكَائِنَاتِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الْبَالِغَةِ ثَبَاتاً [٧].

        ●​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ نَصّاً، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا عَيٌّ وَلَا تَعَبٌ وَلَا لُغُوبٌ شَرْعاً [٨].

        ●​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَدِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا بَرَاهِينُ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ■​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى:فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْقَدِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَعْمَلُ مَا يَشَاءُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي هِيَ وَصْفُهُ ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْقُدْرَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ نَفْسِهِ، بَلْ بَيَّنَ أَنَّ الْقَدِيرَ يَقُومُ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الِاخْتِيَارِ مَا يَشَاءُ كَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْخَلْقِ؛ وَأَكَّدَ أَنَّ ارْتِبَاطَ اسْمِهِ الْقَدِيرِ بِعُمُومِ الْمَشِيئَةِ هُوَ أَصْلُ إِيمَانِ الْمُوَحِّدِينَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ■​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى:فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْقَدِيرِ) بِبَيَانِ مَرَاتِبِ الْقَدَرِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الِاسْمِ؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْقَدِيرَ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ كَمَا تَظْهَرُ فِي خَلْقِ الْأَجْسَامِ الْعَظِيمَةِ، تَظْهَرُ فِي تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ وَتَوْفِيقِ أَوْلِيَائِهِ وَخِذْلَانِ أَعْدَائِهِ، فَمَنْ شَهِدَ صِفَةَ الْقَدِيرِ غَرِقَ فِي بَحْرِ التَّسْلِيمِ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ إِعْجَازَ جَمْعِ الْقُرْآنِ بَيْنَ اسْمِهِ (الْعَلِيمِ) وَاسْمِهِ (الْقَدِيرِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}؛ إِذْ الْقُدْرَةُ بِلَا عِلْمٍ عَمْيَاءُ تَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَالْعِلْمُ بِلَا قُدْرَةٍ عَاجِزٌ لَا يَنْفُذُ، فَلَمَّا تَمَّ لِلَّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ جَاءَ الْخَلْقُ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَمَامَ الِافْتِقَارِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ؛ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى ذَكَائِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَا جَاهِهِ، بَلْ يَفْزَعُ إِلَى الْقَدِيرِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَيَسْتَخِيرُهُ بِقُدْرَتِهِ كَمَا جَاءَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ: (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ)، فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ طُمَأْنِينَةً وَرِضاً تَرْبِيَةً [١٣].
        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]
        ■​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْقَدِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْتَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفاً بِالْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ شَرْعاً ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِ أَعْيَانِ الْخَلْقِ وَصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ خَلْقاً وَتَقْدِيراً حَقِيقَةً ، وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ إِبْطَالَ كُلِّ قَوْلٍ يَنْفِي عُمُومَ الْخَلْقِ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ بِقُدْرَتِهِ ثَبَاتاً فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقُدْرَتُهُ لَا تَقِفُ عِنْدَ غَايَةٍ بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ لَا يُحِيطُ بِهَا بَشَرٌ كَوْناً.

        ■وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنَاتِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ طَلَباً.
        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ جَمِيعَ نُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَدِيرَ جَازٍ عِبَادَهُ بِأَفْعَالِهِ الشَّرْعِيَّةِ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ وَمَشِيئَةٌ لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ الْقَدِيرِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        ■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ شَبَّهَ قُدْرَةَ الْخَالِقِ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ أَوْ جَعَلَهَا مَقْطُوعَةً عَنِ الْأَسْبَابِ عِلْماً.
        فَهُوَ الْقَدِيرُ الْحَقُّ، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حِكْمَةٌ وَعَدْلٌ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
        ■​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْقَدِيرِ وَصِفَةَ الْقُدْرَةِ، لَكِنَّهُمْ حَصَرُوا تَعَلُّقَهَا بِالْمَفْعُولَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الذَّاتِ، وَمَنَعُوا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَفْعَالِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَوَقَعُوا فِِي نَقْصِ التَّأْصِيلِ تَعْطِيلاً.
        ■​الْمُعْتَزِلَةُ (الْقَدَرِيَّةُ): قَالُوا هُوَ (قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ) عَيْنِيَّةٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلَالاً، فَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقِينَ طَمْسا لِلْأَدِلَّة.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ (الْجَبْرِيَّةُ): غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ قُدْرَةِ الْخَالِقِ حَتَّى نَفَوْا عَنِ الْعَبْدِ كُلَّ قُدْرَةٍ وَمَشِيئَةٍ، وَجَعَلُوهُ كَالرِّيشَةِ فِِي مَهَبِّ الرِّياحِ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً، فَأَبْطَلُوا التَّكْلِيفَ وَالشَّرِيعَةَ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ■​الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْقَدِيرِ) بِالْمَعْنَى الِاخْتِيَارِيِّ، وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ (عِلَّةٌ وَاقِعَةٌ لَا تَتَخَلَّفُ)، فَلَيْسَ لَهُ مَشِيئَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى التَّغْيِيرِ، بَلِ الْعَالَمُ قَدِيمٌ صَدَرَ عَنْهُ اضْطِرَاراً نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ■​الْغُلَاةُ مِنَ الْقَرَامِطَةِ: نَفَوْا عَنِ اللَّهِ اسْمَ الْقَدِيرِ وَنَفَوْا عَنْهُ الْعَجْزَ مَعاً، بِدَعْوَى أَنَّ إِثْبَاتَ الْقُدْرَةِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْقَادِرِينَ مِنَ الْبَشَرِ، فَوَقَعُوا فِِي سَلْبِ النَّقِيضَيْنِ وَمَحْوِ الْوُجُودِ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.

          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٧٤.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٤٠.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٤٥٠.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١١٥.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٦٥.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٨٠-١٨٥.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٥١٠-٥١٥.
        [١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٥٢٠.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٨.
        ______________________________٢٨______________________________________

        ص ٢٧
        ​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
        ​الِاسْمُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: (اللَّطِيفُ)
        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ : ​اِسْمُ (اللَّطِيفُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِاللُّطْفِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (لَ طَ فَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ شَرِيفَيْنِ: أَحَدُهُمَا غُمُوضُ الشَّيْءِ وَخَفَاءُ مَسْلَكِهِ وَدِقَّتِهِ، وَالْآخَرُ الرِّفْقُ فِي الْفِعْلِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ؛ يُقَالُ: (لَطَفَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ) إِذَا رَفَقَ بِهِ وَأَوْصَلَ إِلَيْهِ نَفْعَهُ بِلِينٍ[١].
        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ الدَّقِيقِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ وَمَكْنُونَاتِ الْغَيْبِ، مَعَ رِفْقِهِ التَّامِّ فِي سَوْقِ الْأَقْدَارِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ بِأَلْطَافٍ خَفِيَّةٍ لَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعُقُولُ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ لُطْفُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ لُطْفٌ قَاصِرٌ مَحْدُودٌ، يَقُومُ عَلَى الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ الْمُحِيطِ، وَيَعْتَرِيهِ الْجَفَاءُ وَالْعَجْزُ عَنْ إِدْرَاكِ مَآلَاتِ الْأُمُورِ عِلْماً [٢].

        ■وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَفِيَ عَنِ الْأَبْصَارِ فَلَا تُدْرِكُهُ فِي الدُّنْيَا لِدِقَّةِ حِكْمَتِهِ وَجَلَالِ ذَاتِهِ، مَعَ كَوْنِهِ الْمُحِيطَ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَالَّذِي يَسُوقُ إِلَى عِبَادِهِ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَبِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ حَقِيقَةً .



        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (اللَّطِيفُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ بَيَانِ سِعَةِ الْعِلْمِ وَدِقَّةِ الصُّنْعِ وَالْإِحْسَانِ فِي (سَبْعَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِي جَمِيعِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْخَبِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَلُقْمَانَ، وَالْمُلْكِ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَقَدْ جَاءَ مُفْرَداً غَيْرَ مُقْتَرِنٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ} شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

        ♤​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ بَيْنِ الْعِلْمِ الدَّقِيقِ وَالْفِعْلِ الرَّفِيقِ، وَأَنَّ لُطْفَهُ بِعِبَادِهِ يَتَضَمَّنُ هِدَايَتَهُمْ إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ بِأَسْبَابٍ مَقْدُورَةٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهَا نَقْلاً [٤].

        ♤​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (اللَّطِيفِ) عَقْدًا وَنَقْلًا، وَذَكَرَ فِي نُونِيَّتِهِ أَنَّ لُطْفَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى إِدْرَاكِ خَفَايَا الْأُمُورِ، وَإِلَى الرِّفْقِ فِِي إِيصَالِ الْبِرِّ لِأَوْلِيَائِهِ طَلَباً [٥].

        ♤​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) مَأْوًى لِقُلُوبِ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ إِذْ الْتِجَاءُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّطِيفِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ يَفْتَحُ لَهُ مِنْ خَفِيِّ الْأَلْطَافِ مَا يَحَارُ فِيهِ الْبَشَرُ تَرْبِيَةً [٦].

        ♤​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (اللَّطِيفِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ دَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَيَرْفُقُ بِعِبَادِهِ فِِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ثَبَاتاً [٧].

        ♤​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِـ(الْخَبِيرِ) يَدُلُّ عَلَى إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ مَعاً شَرْعاً [٨].

        ♤​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (اللَّطِيفُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِوُرُودِهِ اسْماً صَرِيحاً ثَابِتاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْمُطْلَقَةِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ●​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى:
        فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (اللَّطِيفِ)
        ■بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْفُذُ عِلْمُهُ فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْخَلْقِ، فَلَا يَحْجُبُ عِلْمَهُ حِجَابٌ.
        ■وَبَيَّنَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَسُوقُ التَّرْبِيَةَ لِأَوْلِيَائِهِ بِالْمَكَارِهِ الَّتِي يَكْرَهُونَهَا لِيُوصِلَهُمْ بِهَا إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ الَّتِي يُحِبُّونَهَا، كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ جَعَلَ جُبَّ السِّجْنِ طَرِيقاً لِعِزِّ مُصْرَ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ●​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى:

        ■فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (اللَّطِيفِ) بِأَنَّهُ الرَّفِيقُ الْخَبِيرُ الَّذِي إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خَيْراً يَقْذِفُ فِي قَلْبِهِ لُطْفاً يُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْهِ كُلَّ مَشَقَّةٍ.
        ■وَذَكَرَ أَنَّ اللَّطِيفَ هُوَ الَّذِي لَا تَرَاهُ الْعُيُونُ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّهُ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ الْعَبْدِ وَهُوَ رَاقِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَقْلِبُ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ سَبَبَ نَجَاةِ الْعَبْدِ، وَهَذَا لُطْفٌ فَوْقَ إِدْرَاكِ الْبَشَرِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}؛ إِذْ لَمْ يَقُلْ (لِعِبَادِهِ) هُنَا، بَلْ جَعَلَ اللَّطِيفَ مُتَعَلِّقاً بِالْمَشِيئَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي حَوَّلَتِ الْبَلَاءَ إِلَى تَمْكِينٍ، فَاللَّطِيفُ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ بِلَا جَلَبَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ رِفْقاً فِي التَّعَامُلِ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ؛ فَيَكُونُ لَطِيفاً فِي دَعْوَتِهِ، رَحِيماً بِأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا يَجْعَلُهُ دَائِمَ الْمُرَاقَبَةِ لِمَوْلَاهُ فِي السِّرِّ، لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّطِيفَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ) ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ  ] :

        ■​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (اللَّطِيفِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ حَقِيقَةً كَمَا وَرَدَ فِِي النُّصُوصِ الشَّرِيعَةِ الْمُقَدَّسَةِ شَرْعاً.
        ■وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ خَفَاءَ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يَعْنِي نَفْيَهَا فِِي الْآخِرَةِ، بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ جَهْرَةً حَقِيقَةً.
        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ أَنَّ اللُّطْفَ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ وَصِفَةَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ ثَبَاتاً.
        ■فَاللَّهُ لَطِيفٌ لَمْ يَزَلْ، وَيَلْطُفُ بِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِحِكْمَتِهِ الَّتِي لَا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الظُّنُونُ كَوْناً 
        وَ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ مِنَ الْمَصَائِبِ هُوَ فِي طَيَّاتِهِ لُطْفٌ وَرَحْمَةٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ طَلَباً.
        ■وَيُثْبِتُونَ أَنَّ دِقَّةَ الصُّنْعِ فِي خَلْقِ الذَّرَّاتِ وَالْمَجَرَّاتِ هِيَ شَاهِدُ عِيَانٍ عَلَى صِفَةِ اللَّطِيفِ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ اللُّطْفُ فِي ذِهْنِ الْعَبْدِ بِالضَّعْفِ، بَلْ هُوَ لُطْفُ الْقَاهِرِ الْقَدِيرِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        ■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ اللُّطْفَ مَجَازاً عَنِ الثَّوَابِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِهِ عِلْماً.
        فَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَلُطْفُهُ شَامِلٌ لِلْوُجُودِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]

        ■​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ اللَّطِيفِ، لَكِنَّهُمْ أَرْجَعُوا صِفَةَ اللُّطْفِ الْفِعْلِيَّةِ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِعْلٌ لَطِيفٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ يَتَجَدَّدُ، فَحَدُّوا التَّأْصِيلَ تَعْطِيلاً.
        ■​الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (لَطِيفٌ بِلَا لُطْفٍ) قَائِمٍ بِالذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى اللَّطِيفِ هُوَ خَلْقُ "مَا بِهِ يَصْلُحُ حَالُ الْعَبْدِ"، وَأَوْجَبُوا عَلَى اللَّهِ خَلْقَ "الْأَصْلَحِ" فِي الدِّينِ عَقْلاً، فَحَجَّرُوا عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
        ■​الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ اللَّطِيفِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ وَصْفَ اللَّهِ بِاللَّطِيفِ يَقْتَضِي تَشْبِيهَهُ بِالْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ كَالْهَوَاءِ وَالضَّوْءِ، فَأَنْكَرُوا النُّصُوصَ وَتَعَطَّلَتْ عِنْدَهُمْ مَعَانِي الرَّحْمَةِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ■​الْفَلَاسِفَةُ الِاتِّحَادِيَّةُ: زَعَمُوا أَنَّ اللُّطْفَ الْإِلَهِيَّ هُوَ سَرَيَانُ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ (الْمَادَّةِ الْأُولَى)، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ ذَاتاً مُنْفَصِلَةً تَلْطُفُ بِخَلْقِهَا اخْتِيَاراً، بَلْ قَالُوا بِالطَّبِيعَةِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ■​الْبَاطِنِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ: قَالُوا إِنَّ اسْمَ اللَّطِيفِ مَعْنَاهُ النَّفْيُ الْمَحْضُ (لَيْسَ بِغَلِيظٍ)، فَسَلَبُوا الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ وَجَعَلُوهُ عَدَماً لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لِيَهْدِمُوا الشَّرِيعَةَ وَيُبْطِلُوا أَحْكَامَ الْقُرْآنِ حُلُولاً ثَبَاتاً.

          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ٣١٥.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٢.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٣٥.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٨٥.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ فِي الِانْتِصَارِ لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ (النُّونِيَّةُ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، مَجْمُوعُ رَسَائِلِ ابْنِ رَجَبٍ، دَارُ الْفَارُوقِ الْحَدِيثَةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٩٠.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٠.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٨.
        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ١١٥-١٢٢.
        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠-٢٨٧.
        [١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٤٠٢.
        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢.


        _______________________________٢٩_____________________________________

        ص ٢٨​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْخَبِيرُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ  : (​اِسْمُ (الْخَبِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْخِبْرَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (خَ بِ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وَمَعْرِفَةِ كُنْهِهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَخَفَايَاهَا؛ يُقَالُ: (خَبَرْتُ الْأَمْرَ خِبْرَةً) إِذَا عَرَفْتُ بَاطِنَهُ وَمَحْصُولَهُ دُونَ اكْتِفَاءٍ بِظَاهِرِهِ.

        ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِمَكْنُونَاتِ الْأَشْيَاءِ، وَخَفَايَا الْبَوَاطِنِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَيْفَ لَوْ كَانَ يَكُونُ، فَلَا يَطْرَأُ عَلَى عِلْمِهِ جَهْلٌ وَلَا يَسْبِقُهُ خَفَاءٌ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ خِبْرَةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ خِبْرَةٌ قَاصِرَةٌ تَنْشَأُ عَنِ التَّجْرِبَةِ، وَالِامْتِحَانِ، وَالنَّظَرِ بَعْدَ الْجَهْلِ، وَتَقِفُ عِنْدَ الظَّوَاهِرِ غَالِباً بِلَا إِحَاطَةٍ عِلْماً [٢].

        ■وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ دَقِيقٌ وَلَا جَلِيلٌ، وَالَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ بَوَاطِنُ الْأَشْيَاءِ كَمَا لَا تَغِيبُ عَنْهُ ظَوَاهِرُهَا، فَهُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى أَسْرَارِ الْقُلُوبِ، وَمَا يَكُونُ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَزْمَانِ مِمَّا هُوَ غَيْبٌ عَنِ الْأَكْوَانِ حَقِيقَةً .

        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
        ​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْخَبِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِ الْإِحَاطَةِ وَالتَّحْذِيرِ وَالثَّنَاءِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)؛ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا خَتْماً لِلْآيَاتِ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْحَكِيمُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَسَبَأٍ، وَبِاسْمِهِ (اللَّطِيفُ) فِي سُورَةِ الْمُلْكِ، وَبِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 
        ■​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِثْبَاتِ الْمَعْرِفَةِ بِالْبَوَاطِنِ، فَالْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ خَفَايَا الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ نَقْلاً [٤].
        ■​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥1هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْخَبِيرِ) ذَاتاً وَوَصْفاً، وَبَيَّنَ أَنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ قَائِمٌ عَلَى خِبْرَتِهِ التَّامَّةِ بِعَوَاقِبِ أُمُورِهِمْ، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً عَبَثاً وَلَا يُشَرِّعُ حُكْماً إِلَّا عَنْ خِبْرَةٍ طَلَباً [٥].
        ■​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) رَادِعاً لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الْخَلَوَاتِ؛ إِذْ الْعِلْمُ بِأَنَّ الرَّبَّ خَبِيرٌ بِالْبَوَاطِنِ يَسْلِبُ مِنَ النَّفْسِ قُدْرَتَهَا عَلَى التَّوَارِي، فَيَسْتَوِي عِنْدَ الْعَبْدِ السِّرُّ وَالْعَلَنُ تَرْبِيَةً [٦].

        ■​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْخَبِيرِ) فِي شَرْحِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ الَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ خَفَايَا الضَّمَائِرِ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نِيَّاتُ الْعِبَادِ عِنْدَ صُدُورِ الْأَعْمَالِ مِنْهُمْ ثَبَاتاً [٧].

        ■​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ عَقِيدَةً، وَبَيَّنَ أَنَّ الْخِبْرَةَ هِيَ الْعِلْمُ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَتَتَضَمَّنُ صِفَةَ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ شَرْعاً [٨].

        ■​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْخَبِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ اسْماً مَقْصُوداً بِالْإِطْلَاقِ وَالْمَدْحِ فِي نُصُوصِ الْفُرْقَانِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        ​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْخَبِيرِ)
        ١_ بِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ تَعَالَى مَا كَانَ
        ٢- وَمَا سَيَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ خِبْرَةً أَزَلِيَّةً مُحِيطَةً.
        وَرَدَّ عَلَى غُلَاةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَتَّى تَقَعَ، فَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ الْخَبِيرِ نَصٌّ فِي إِحَاطَتِهِ بِأَعْمَالِ النُّفُوسِ وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ مَطَافِهَا، فَالْخِبْرَةُ سَابِقَةٌ لِلْخَلْقِ وَمُصَاحِبَةٌ لَهُ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].

        ​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْخَبِيرِ) بِأَنَّهُ عِلْمٌ يَقْتَرِنُ بِتَفَاصِيلِ الصُّنْعِ وَالْخَلْقِ؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَصَالِحَ النُّفُوسِ وَمَا يُصْلِحُهَا مِنَ الْمِحَنِ أَوْ الْمِنَحِ، فَيَسُوقُ لَهَا مَا تَسْتَقِيمُ بِهِ عُبُودِيَّتُهَا عَنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ، فَمَنْ عَرَفَ خِبْرَةَ رَبِّهِ اسْتَسْلَمَ لِتَدْبِيرِهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لَهُ هُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازِيَّ فِِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}؛ إِذْ خَتَمَ آيَةَ عِظَمِ الصُّنْعِ الْكَوْنِيِّ بِالْخِبْرَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ بَاطِناً، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي أَتْقَنَ بِنَاءَ الْجِبَالِ هُوَ الْخَبِيرُ بِدَقَائِقِ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ جَوَارِحُ الْبَشَرِ نِيَّةً وَعَمَلاً تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَصْحِيحَ الْبَاطِنِ وَطَهَارَةَ السَّرِيرَةِ؛ فَلَا يَكُونُ هَمُّهُ تَجْمِيلَ ظَاهِرِهِ لِلنَّاسِ مَعَ خَرَابِ قَلْبِهِ بِالرِّياءِ أَوْ الْحَسَدِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ نَظَرَ الْخَبِيرِ سُبْحَانَهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكْنُونِ صَدْرِهِ، فَيَجْتَهِدُ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ حَتَّى تَكُونَ خَالِصَةً صَوَاباً تَرْبِيَةً [١٣].


        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]

        ■​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْخَبِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ خِبْرَتَهُ كَامِلَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تَتَجَدَّدُ بِوُقُوعِ الْحَوَادِثِ شَرْعاً ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ خِبْرَةَ اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ بِالْوَاجِبَاتِ، وَالْمُمْكِنَاتِ، وَالْمُسْتَحِيلَاتِ خَلْقاً وَتَقْدِيراً حَقِيقَةً ، وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ كُفْرَ مَنْ نَفَى الْعِلْمَ السَّابِقَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ خَلْقِهَا نَفْياً بَاتّاً ثَبَاتاً.
        ■فَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَكُونُ، وَكُلُّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ قَدْ كُتِبَ فِي اللَّوِحِ الْمَحْفُوظِ عَنْ خِبْرَةٍ سَابِقَةٍ كَوْناً.
        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ صِفَةَ الْخِبْرَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَوَاطِنِ طَلَباً.
        ■وَيُثْبِتُونَ أَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَاعًى فِيهَا أَحْوَالُ الْعِبَادِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمْ بِعِلْمِ الْخَبِيرِ شَرْعاً.
        وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ كَمَا جَاءَ: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} رَحْمَةً وَفَضْلاً.
        ■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ جَعَلَ خِبْرَةَ اللَّهِ مُشَابِهَةً لِخِبْرَةِ الْمَخْلُوقِينَ الَّتِي تَحْتَاجُ لِفِكْرٍ عِلْماً.
        فَهُوَ الْخَبِيرُ الْبَصِيرُ، وَخِبْرَتُهُ نَافِذَةٌ مُطْلَقَةٌ كَمَا بَيَّنَتْهُ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ الْمُعَظَّمَةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]

        ●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْخَبِيرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مُرَادِفاً لِاسْمِ (الْعَلِيمِ) مُرَادَفَةً مَحْضَةً، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ الْخِبْرَةُ صِفَةً تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي اللَّفْظِ، فَأَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي التَّكْرَارِ تَعْطِيلاً.
        ●​الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ: قَالُوا هُوَ (خَبِيرٌ بِلَا خِبْرَةٍ) قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَ الْأَسْمَاءِ كَالْعَلِيمِ وَالْخَبِيرِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى نَفْيِ الْجَهْلِ عَنِ الذَّاتِ دُونَ إِثْبَاتِ مَعَانِي الصِّفَاتِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
        ●​غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ (الْأَوَّلُونَ): نَفَوْا خِبْرَةَ اللَّهِ السَّابِقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَقَالُوا إِنَّ الْأَمْرَ "أُنُفٌ" (أَيْ مُسْتَأْنَفٌ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ)، فَكَفَّرَهُمُ السَّلَفُ لِنَفْيِهِمُ الْخِبْرَةَ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        ●​الْفَلَاسِفَةُ الْمَشَّاؤُونَ: زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ لَا الْجُزْئِيَّاتِ، فَنَفَوْا خِبْرَتَهُ بِتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْعِبَادِ وَدَقَائِقِ حَرَكَاتِهِمْ، وَجَعَلُوا عِلْمَهُ قَاصِراً عَنِ الْمَحْسُوسَاتِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        ●​الْبَاطِنِيَّةُ وَالْقَرَامِطَةُ: سَلَبُوا اسْمَ (الْخَبِيرِ) عَنِ اللَّهِ، وَقَالُوا لَا يُوصَفُ بِالْخِبْرَةِ وَلَا بِالْجَهْلِ تَنْزِيهاً لَهُ عَنِ الصِّفَاتِ فِي زَعْمِهِمْ، فَجَعَلُوهُ أَنْقَصَ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.

        ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٨.
        [٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٨.
        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٩٢.
        [1] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٢٠٥.
        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٣١٢.
        [٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢.
        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ...
          ______________________________٣٠______________________________________

        ص ٢٩​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّلَاثُونَ: (الْوَتْرُ)

        ​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ

        • اِسْمُ (الْوَتْرُ): اسْمٌ عَلَمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُفْتَحُ ثَالِثُ مَادَّتِهِ أَوْ يُكْسَرُ فَيُقَالُ (الْوَتْرُ) وَ(الْوِتْرُ)، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (و ت ر) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْوَحْدَةِ وَقَطْعِ الشَّفْعِ؛ يُقَالُ: (وَتَرْتُ الْعَدَدَ وَتْراً) إِذَا جَعَلْتَهُ فَرْداً بِلَا زَوْجٍ يُصَاحِبُهُ[١]. 
        • ​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
        • ​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْوِحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الشَّفْعِيَّةَ وَالتَّعَدُّدَ فِي حَقِّهِ كَمَالاً، مَعَ انْفِرَادِهِ بِالنَّعْتِ الْأَسْمَى الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ وِتْرِيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ وِتْرِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ حَادِثَةٌ، تَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَالتَّجْزِئَةَ، وَتَحْتَاجُ فِِي قِوَامِهَا إِلَى غَيْرِهَا، إِذْ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ خُلِقُوا أَزْوَاجاً عِلْماً [٢].

        • وَالْمَعْنَى  لِلِاسْمِ : هُوةُ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِِي ذَاتِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي انْفَرَدَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّدْبِيرِ خَلْقاً، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشْفَعَ بِغَيْرِهِ عِبَادَةً وَلَا تَعْظِيماً حَقِيقَةً .


        ​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

        ​لَمْ يَرِدْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْوَتْرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً، وَإِنَّمَا وَرَدَ لَفْظُهُ مَعْنًى فِِي التَّنْزِيلِ، بَلْ ثَبَتَ فِي نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْإِحْصَاءِ وَالذِّكْرِ فِِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلَّا وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) شَرْعاً [٣].

        ​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)

        • قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) ثَابِتٌ لِلَّهِ نَصّاً فِي السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الذَّاتِ عَنِ النَّظِيرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلْوِتْرِ تَقْتَضِي شَرْعِيَّةَ تَوْتِيرِ الصَّلَوَاتِ وَالْأَعْمَالِ تَعَبُّداً نَقْلاً [٤].
        • قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْوَتْرِ) تَوْحِيداً وَنَعْتاً، وَأَوْضَحَ أَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ فِي ذَاتِهِ فَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ لِيَتَمَيَّزَ الْخَالِقُ عَنِ الْمَخْلُوقِ طَلَباً [٥].
        • قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) أَصْلاً فِي الِانْفِرَادِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَجَاءَ الْعَبْدِ لِقَبُولِ عَمَلِهِ يَعْتَمِدُ عَلَى تَوْحِيدِ الْقَصْدِ لِلْوَتْرِ سُبْحَانَهُ دُونَ تِلْفَاتٍ تَرْبِيَةً [٦].
        • قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْوَتْرِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْفَرْدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ ثَبَاتاً [٧].
        • قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي السُّنَّةِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْقُرْآنِ بَلْ تَثْبُتُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ شَرْعاً [٨].
        • قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْوَتْرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ الْعِلْمِيِّ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً فِِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِصِيغَةِ التَّسْمِيَةِ الصَّرِيحَةِ عِلْماً [٩].

        ​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

        • تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْوَتْرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَلَا فِي إِلَهِيَّتِهِ. وَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْوِتْرِيَّةَ مَعْنًى سَلْبِيّاً مَحْضاً، بَلْ بَيَّنَ أَنَّهُ صِفَةُ كَمَالٍ وُجُودِيَّةٌ تَقْتَضِي سِعَةَ النُّعُوتِ وَغَايَةَ الْعَظَمَةِ، فَالْوَتْرُ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ، فَمَنْ شَفَعَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِِي الدُّعَاءِ فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى الِاسْمِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
        • تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْوَتْرِ) بِبَيَانِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي جَعْلِ الْمَخْلُوقَاتِ شَفْعاً؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْوَتْرَ هُوَ الَّذِي كَمُلَ فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَا يُشْفَعُ بِهِ، بَيْنَمَا الْمَخْلُوقُ نَاقِصٌ لَا يَقُومُ إِلَّا بِزَوْجِهِ؛ وَأَوْضَحَ أَنَّ قَوْلَهُ (يُحِبُّ الْوِتْرَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الطَّاعَاتِ وِتْراً، فَالصَّلَوَاتُ خَمْسٌ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثٌ، وَالسَّمَاوَاتُ سَبْعٌ، كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيماً لِاسْمِهِ ثَبَاتاً [١١].

        ​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ

        ​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ جَمْعِ الْقُرْآنِ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فِي قَوْلِهِ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}؛ إِذْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْخَلْقِ الَّذِي هُوَ شَفْعٌ، وَبِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ وِتْرٌ، لِيَدُلَّ الْعِبَادَ بِنَظَرِهِمْ إِلَى نَقْصِ الشَّفْعِ وَحَاجَتِهِ عَلَى كَمَالِ الْوَتْرِ وَغِنَاهُ الْمُطْلَقِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

        ​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)

        ​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَجْرِيدَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ فَلَا يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ مُتَّسَعاً لِغَيْرِ مَوْلَاهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى اقْتِفَاءِ السُّنَّةِ فِِي تَوْتِيرِ أَعْمَالِهِ كَالِاسْتِجْمَارِ ثَلَاثاً، وَتَنَاوُلِ التَّمَرَاتِ وِتْراً، لِيَكُونَ فِِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ مُتَعَلِّقاً بِالْوَتْرِ تَرْبِيَةً [١٣].

        ​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

        ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ]

        ​يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْوَتْرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.

        وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ بِمَعْنَى نَفْيِ الشَّرِيكِ وَالظَّهِيرِ وَالْوَلَدِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ شَرْعاً.

        وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ تَوْحِيدَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وِتْراً فِي كَمَالِهِ حَقِيقَةً.

        وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ إِبْطَالَ شِبْهِ أَهْلِ التَّثْلِيثِ وَالتَّنْدِيدِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْوَتْرَ شَفْعاً تَعَالَى اللَّهُ ثَبَاتاً.

        فَاللَّهُ وِتْرٌ فِي مُلْكِهِ، وَكُلُّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَقَدْ جَحَدَ وِتْرِيَّةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ كَوْناً.

        وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلْوِتْرِ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ تَعْطِيلِيٍّ طَلَباً.

        وَيُثْبِتُونَ أَنَّ النُّصُوصَ النَّبَوِيَّةَ إِذَا صَحَّتْ وَجَبَ قَبُولُ اسْمِ اللَّهِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ لَفْظاً شَرْعاً.

        وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ عَدَمُ جَعْلِ الِانْفِرَادِ مُوجِباً لِنَفْيِ صِفَاتِ الِاخْتِيَارِ كَالْمَجِيءِ وَالرِّضَا رَحْمَةً وَفَضْلاً.

        وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ شَبَّهَ وِتْرِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَاحِدِ الْعَدَدِيِّ الَّذِي يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ عِلْماً.

        فَهُوَ الْوَتْرُ الْحَقُّ، وَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى لَا نَقْصَ فِيهَا، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

        ​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا - ]

        • الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْوَتْرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ بِمَعْنَى سَلْبِ التَّبَعُّضِ وَالتَّجَزُّؤِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ (الْمَحَبَّةُ) الَّتِي فِي الْحَدِيثِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، فَأَوَّلُوهَا بِالْإِرَادَةِ تَعْطِيلاً.
        • الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ: قَالُوا هُوَ (وِتْرٌ) لَكِنْ لِنَفْيِ التَّعَدُّدِ، وَجَعَلُوا إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الْأَزَلِيَّةِ كَالْكَلَامِ نَقْضاً لِوِتْرِيَّتِهِ وَإِثْبَاتاً لِقُدَمَاءَ مَعَهُ، فَنَفَوْا كَمَالَهُ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
        • الْفَلَاسِفَةُ النَّفَاةُ: قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ (الْوَاحِدُ الْمُطْلَقُ) الَّذِي لَا صِفَةَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى يُخِلُّ بِتَوْحِيدِ الْوِتْرِ، فَصَيَّرُوهُ عَدَماً لَا حَقِيقَةَ لَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
        • النَّصَارَى وَالْقَائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ: نَقَضُوا اسْمَ الْوَتْرِ تَمَاماً، وَجَعَلُوا الْإِلَهَ شَفْعاً مُرَكَّباً مِنْ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةٍ (الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ)، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ شِرْكِهِمْ كَبِيراً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
        • الْغُلَاةُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ (أَهْلُ الْوُجُودِ): غَلَوْا فِي مَعْنَى الْوَتْرِ حَتَّى قَالُوا بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ عَيْنُ الْوَتْرِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَهَدَمُوا التَّوْحِيدَ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.

          ____________________________________________________________________

        ​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٧٣.

        [٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٥.

        [٣] اَلْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْماً، رَقْمُ ٦٤١٠؛ وَمُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، رَقْمُ ٢٦٧٧.

        [٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣١٢.

        [٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٨٥.

        [٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ الْبَشَائِرِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.

        [٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٦.

        [٨] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨.

        [٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٢.

        [١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٥.

        [١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢-١٤٨.

        [١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٣٩٥.

        [١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٠.


          ______________________________٣١______________________________________

ص ٣٠[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: (الْجَمِيلُ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
​اِسْمُ (الْجَمِيلُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْجَمَالِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ج م ل) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْحُسْنِ الْكَثِيرِ فِي الذَّاتِ وَالْأَوْصَافِ، وَالْبَهَاءِ الَّذِي يَسْرِقُ الْقُلُوبَ؛ يُقَالُ: (جَمُلَ الرَّجُلُ جَمَالاً) إِذَا عَظُمَ حُسْنُهُ وَتَنَاسَقَتْ خِلْقَتُهُ أَوْ أَفْعَالُهُ. [١]
■​الحد : هُوهُ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِحُسْنِ الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ، وَعِظَمِ الْبَهَاءِ وَالنُّورِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي تَتَضَاءَلُ عِنْدَهُ كُلُّ مَحَاسِنِ الْخَلْقِ، مَعَ اتِّصَافِهِ بِأَفْعَالِ الْبِرِّ وَالْجُودِ الَّتِي يَجْمُلُ بِهَا أَمْرُ الْوُجُودِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ جَمَالُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ جَمَالٌ عَرَضِيٌّ مَحْدُودٌ، يَقْبَلُ الزَّوَالَ وَالِاسْتِحَالَةَ، وَيَشُوبُهُ النَّقْصُ وَالْعَيْبُ، وَمُسْتَمَدٌّ بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ فَيْضِ خَالِقِهِ عِلْماً [٢].

■وَالْمَعْنَى العام لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ الْجَمَالُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ النَّقْصَ بِوَجْهٍ، فِِي ذَاتِهِ الَّتِي لَوْ كُشِفَ حِجَابُ نُورِهَا لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ، وَفِي صِفَاتِهِ الَّتِي هِيَ أَوْصَافُ كَمَالٍ وَجَلَالٍ، وَفِي أَفْعَالِهِ الَّتِي تَدُورُ بَيْنَ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ حَقِيقَةً .
​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ

​٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
​لَمْ يَرِدْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْجَمِيلُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً، بَلْ جَاءَ فِيهِ لَفْظُ الْجَمَالِ مَصْدَراً وَوَصْفاً لِلْأَفْعَالِ كَالصَّبْرِ وَالصَّفْحِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ فِي نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ تَقْرِيرِ أَدَبِ التَّفَضُّلِ وَالْإِخْبَارِ فِِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ) شَرْعاً [٣].

​٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
​■قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْجَمِيلِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ صِحَّةً وَنَقْلاً، وَأَنَّ لَهُ حَقِيقَةً تَلِيقُ بِالذَّاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّ جَمَالَهُ يَحْجُبُهُ عَنِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا نُورٌ لَوْ كُشِفَ لَأَهْلَكَ الْبَشَرِيَّةَ نَقْلاً [٤].
​■قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْجَمِيلِ) عَقِيدَةً وَسُلُوكاً، وَأَفَاضَ فِي بَيَانِ مَرَاتِبِ الْجَمَالِ الْإِلَهِيِّ الْأَرْبَعَةِ (ذَاتاً، وَصِفَةً، وَأَفْعَالاً، وَأَسْمَاءً)، وَجَعَلَهُ أَصْلَ الْمَحَبَّةِ طَلَباً [٥].
■​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْجَمِيلِ) مَنْبَعاً لِلشَّوْقِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ؛ إِذْ مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ بِجَمَالِ رَبِّهِ تَسْلِبُ عَقْلَهُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى زِينَةِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ تَرْبِيَةً [٦].
​■قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْجَمِيلُ) ضِمْنَ سِيَاقِ شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الِاسْمِ، وَأَنَّ جَمَالَهُ لَا يُشْبِهُ جَمَالَ الْمَخْلُوقَاتِ بِحَالٍ ثَبَاتاً [٧].
​■قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْجَمِيلِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي السُّنَّةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ وَصْفَهُ بِهِ وَصْفُ كَمَالٍ مَحْضٍ، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلْجَمَالِ تَشْمَلُ جَمَالَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ شَرْعاً [٨].
■​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْجَمِيلُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْحَادِيَةِ وَالَّثَلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً صَرِيحاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي صَحَّ سَنَدُهَا عِلْماً [٩].

​٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْجَمِيلِ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ حُسْنُ الثَّنَاءِ وَالْفِعْلِ، مَعَ ثُبُوتِ جَمَالِ النُّورِ الدَّالِّ عَلَى عَظَمَةِ ذَاتِهِ. وَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا رَأَوْا رَبَّهُمْ جَهْرَةً نَسُوا كُلَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِعِظَمِ مَا يَرَوْنَ مِنْ جَمَالِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ، فَجَمَالُهُ سُبْحَانَهُ هُوَ غَايَةُ الْمَطْلُوبِ لِلْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْجَمِيلِ) بِأَنَّ كُلَّ جَمَالٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هُوَ مِنْ أَثَرِ صُنْعِهِ، فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالْجَمَالِ مُطْلَقاً. وَذَكَرَ أَنَّ جَمَالَ الذَّاتِ لَا يُمْكِنُ لِمَخْلُوقٍ التَّعْبِيرُ عَنْ كُنْهِهِ، وَيَكْفِي أَنَّ حُسْنَ الْجَنَّةِ مَعَ سِعَتِهَا لَيْسَ إِلَّا نِزْراً يَسِيراً مِنْ جَمَالِ خَالِقِهَا الَّذِي أَوْجَدَهَا، فَمَنْ عَرَفَ جَمَالَهُ تَعَلَّقَ بِهِ وَلَمْ يَقْبَلْ بِغَيْرِهِ بَدِيلاً ثَبَاتاً [١١].

​٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ لِنُصُوصِ الْقُرْآنِ كَيْفَ وَجَّهَ اللَّهُ الْعِبَادَ إِلَى رُؤْيَةِ جَمَالِ خَلْقِهِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَنْعَامِ كَقَوْلِهِ: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ}؛ لِيَكُونَ هَذَا الْجَمَالُ الْمَشْهُودُ مِعْرَاجاً لِلْعُقُولِ تَهْتَدِي بِهِ إِلَى جَمَالِ الصَّانِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا يَغِيبُ سُلْطَانُهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَعَبُّداً بِتَحْسِينِ ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ؛ فَيُجَمِّلُ لِسَانَهُ بِالصِّدْقِ، وَقَلْبَهُ بِالْإِخْلَاصِ، وَثِيَابَهُ بِالنَّظَافَةِ دُونَ خُيَلَاءَ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ جَمِيلٌ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ مَعَ لُزُومِ التَّوَاضُعِ تَرْبِيَةً [١٣].
​٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)

​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ]

​●يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْجَمِيلِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَنَّ لَهُ وَجْهاً مَوْصُوفاً بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ حَقِيقَةً شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ رُؤْيَةَ جَمَالِ اللَّهِ فِي الْآخِرَةِ هِيَ أَعْظَمُ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنَّةِ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْمُمَاثَلَةِ؛ فَجَمَالُهُ لَا يُقَاسُ بِجَمَالِ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ تَعَالَى اللَّهُ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ جَمِيلٌ فِي أَسْمَائِهِ كُلِّهَا لِأَنَّهَا حُسْنَى، وَفِي صِفَاتِهِ لِأَنَّهَا كَامِلَةٌ بِلَا نَقْصٍ كَوْناً.
●وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْجَمَالِ الذَّاتِيِّ لَا يَسْتَلْزِمُ تَشْبِيهاً، بَلْ هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَهُ نُعُوتُ الْبَهَاءِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ كُلَّ حُسْنٍ فِي الشَّرِيعَةِ وَالْأَحْكَامِ هُوَ مِنْ جَمَالِ حِكْمَتِهِ الَّتِي شَرَعَهَا لِلْأَنَامِ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ نُورَ الْوَجْهِ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلْجَمِيلِ سُبْحَانَهُ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ مَسْلَكَ الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ مَثَّلُوا جَمَالَ اللَّهِ بِصُوَرِ الْآدَمِيِّينَ تَعَالَى اللَّهُ عِلْماً.
فَهُوَ الْجَمِيلُ الْمُعَظَّمُ، وَجَمَالُهُ بَاقٍ لَا يَزُولُ، كَمَا صَحَّتْ بِهِ نُصُوصُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]

●​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْجَمِيلِ، لَكِنَّهُمْ حَصَرُوا مَعْنَاهُ فِي "جَمَالِ الْأَفْعَالِ" (أَيْ الْإِحْسَانِ إِلَى الْخَلْقِ) وَ"حُسْنِ الثَّنَاءِ"، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ جَمَالُ ذَاتٍ حَقِيقِيٍّ، فَحَرَّفُوا النُّصُوصَ تَعْطِيلاً.
●​الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ: قَالُوا هُوَ (جَمِيلٌ مَجَازاً) بِمَعْنَى أَنَّ أَفْعَالَهُ حَسَنَةٌ، وَنَفَوْا صِفَاتِ الذَّاتِ كُلِّيَّةً، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ أَوْ نُورٌ، وَمَنَعُوا رُؤْيَةَ جَمَالِهِ فِي الْآخِرَةِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
●​الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ: غَلَوْا فِي الْإِثْبَاتِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ جَمَالَ اللَّهِ كَجَمَالِ الصُّوَرِ الْبَشَرِيَّةِ، وَوَصَفُوهُ بِأَوْصَافِ الْأَجْسَامِ مِنَ التَّرْكِيبِ وَالْأَلْوَانِ، فَكَذَّبُوا الْقُرْآنَ وَمَا صَحَّ عَنِ السَّلَفِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
●​الصُّوفِيَّةُ الِاتِّحَادِيَّةُ: زَعَمُوا أَنَّ كُلَّ جَمَالٍ مَشْهُودٍ فِي النِّسَاءِ أَوْ الْغِلْمَانِ هُوَ عَيْنُ جَمَالِ اللَّهِ الظَّاهِرِ فِي الْمَظَاهِرِ (تَعَالَى اللَّهُ)، فَأَفْضَى بِهِمْ تَقْرِيرُ الْجَمَالِ إِلَى الْفُجُورِ وَالْإِلْحَادِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
●​الْفَلَاسِفَةُ الْإِشْرَاقِيُّونَ: قَالُوا إِنَّ الْجَمَالَ الْإِلَهِيَّ هُوَ (الِابْتِهَاجُ الْعَقْلِيُّ) بِالذَّاتِ دُونَ صِفَاتٍ خَارِجِيَّةٍ، فَلَمْ يُثْبِتُوا رَبّاً يُحَبُّ وَيُرْجَى رُؤْيَةُ وَجْهِهِ، بَلْ قَالُوا بِنَظَرِيَّاتٍ ذِهْنِيَّةٍ بَاطِلَةٍ حُلُولاً ثَبَاتاً.

_________________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٢٦.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
[٣] مُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ تَحْرِيمِ الْكِبْرِ وَبَيَانِهِ، رَقْمُ ٩١.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٣٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْفَوَائِدُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٢-١٩٠.
[1] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، اسْتِنْشَاقُ نَسِيمِ الْأُنْسِ مِنْ نَفَحَاتِ رِيَاضِ الْقُدْسِ، دَارُ الْبَشَائِرِ ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٧٦.
[٨] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١ الصَّفْحَةُ ٢٥٤.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الِاسْتِقَامَةُ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٠-٢٩٥.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، حَادِي الْأَرْوَاحِ إِلَى بِلَادِ الْأَفْرَاحِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٥-٣٢٢.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٥٦٠.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٨.

_________________________________________٣٢_______________________________________________
ص ٣١[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: (الْحَيُّ)

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ

​اسْمُ (الْحَيُّ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ لِلْمَوْصُوفِ بِالْحَيَاةِ الدَّائِمَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ح ي ي) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى نَقِيضِ الْمَوْتِ، وَعَلَى الْقُوَّةِ، وَالنَّمَاءِ، وَالِانْبِعَاثِ؛ يُقَالُ: (حَيِيَ الرَّجُلُ حَيَاةً) إِذَا كَانَ ذَا رُوحٍ وَحِسٍّ وَحَرَكَةٍ، وَالْحَيَوَانُ هُوَ جِمَاعُ الْحَيَاةِ وَأَكْمَلُهَا كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ

​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْحَيَاةِ الْمُطْلَقَةِ الْبَاقِيَةِ، الَّتِي تَسْتَلْزِمُ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الذَّاتِ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْإِرَادَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، فَلَا يَعْتَرِيهَا سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ وَلَا نَقْصٌ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ حَيَاةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ حَيَاةٌ نَاقِصَةٌ مُسْتَعَارَةٌ، مُبْتَدِأَةٌ بِنُطْفَةٍ وَمَخْتُومَةٌ بِمَوْتٍ، وَمَعْرُوضَةٌ لِلْأَمْرَاضِ، وَالْغَفْلَةِ، وَالنَّوْمِ الَّذِي هُوَ أَخُو الْمَوْتِ عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْحَيَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ خَالِقِ الْحَيَاةِ وَالْمَخْلُوقِينَ بِهَا؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْمَعْنَى، لَكِنْ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ الْمُمَيِّزُ عِلْماً ، فَحَيَاةُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ حَيَاةٌ ذَاتِيَّةٌ كَامِلَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ وَلَا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ، بَيْنَمَا حَيَاةُ الْمَخْلُوقِ حَادِثَةٌ مَجْعُولَةٌ تَقْبَلُ النَّقْصَ وَالْعَدَمَ، فَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْحَيِّ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْمَوْتُ وَلَا الْعَدَمُ، وَأَنَّ حَيَاتَهُ تَسْتَلْزِمُ الْفِعْلَ الِاخْتِيَارِيَّ. وَرَدَّ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا حَيَاتَهُ جَامِدَةً بِلَا صِفَاتٍ وَلَا أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ، فَبَيَّنَ أَنَّ كَمَالَ الْحَيَاةِ يُوجِبُ كَمَالَ الْفِعْلِ وَالْكَلَامِ وَالْمَجِيءِ وَالِاسْتِوَاءِ تَعْظِيماً عِلْماً [٤].

​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْحَيِّ) فِي نُونِيَّتِهِ وَكُتُبِهِ بِأَنَّهُ الَّذِي حَيَاتُهُ جَامِعَةٌ لِأَوْصَافِ الذَّاتِ، وَذَكَرَ أَنَّ اسْمَ (الْحَيِّ) مَعَ (الْقَيُّومِ) هُمَا الِاسْمُ الْأَعْظَمُ؛ لِأَنَّ الْحَيَّ هُوَ الْجَامِعُ لِصِفَاتِ الذَّاتِ، وَالْقَيُّومُ هُوَ الْجَامِعُ لِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ، فَمَنِ اسْتَغَاثَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ فَقَدْ نَادَى اللَّهَ بِجَمِيعِ نُعُوتِهِ كَمَالاً ثَبَاتاً [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْحَيُّ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ التَّوْحِيدِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالْعَظَمَةِ فِي (خَمْسَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ ثَلَاثَةٌ مِنْهَا مَقْرُوناً بِاسْمِهِ (الْقَيُّومُ) كَمَا فِي آيَةِ الْكُرْسِيِّ وَفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ وَسُورَةِ طه، وَجَاءَ مُفْرَداً مَعَ الْأَمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، وَمَعَ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ لَهُ فِي سُورَةِ غَافِرٍ شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

​●قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْحَيِّ) هُوَ أَصْلُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَأَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ تَدُورُ عَلَيْهِ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ، إِذْ لَا يُوصَفُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ إِلَّا مَنْ كَانَ حَيّاً نَقْلاً [٧].
​●قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْحَيِّ)، وَبَيَّنَ أَنَّ صِفَةَ الْحَيَاةِ تَسْتَلْزِمُ كَمَالَ الْأَفْعَالِ وَالْأَوْصَافِ، وَأَنَّ اقْتِرَانَهُ بِالْقَيُّومِ يَجْمَعُ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ ذَاتاً وَفِعْلاً طَلَباً [٨].
​●قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْحَيِّ) أَعْظَمَ مَلْجَأٍ لِلْقُلُوبِ عِنْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ؛ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ يَقْطَعُ حِبَالَ الْيَأْسِ وَيُوجِبُ قُوَّةَ الِاعْتِمَادِ تَرْبِيَةً [٩].
​●قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْحَيِّ) فِي شَرْحِ الدَّعَوَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبَيَّنَ أَنَّ حَيَاتَهُ حَقِيقَةٌ مُطْلَقَةٌ تَتَنَزَّهُ عَنِ الْآفَاتِ كُلِّهَا ثَبَاتاً [١٠].
​●قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْحَيِّ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ، وَبَيَّنَ أَنَّ حَيَاتَهُ لَمْ يُسْبَقْ بِهَا عَدَمٌ وَلَا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ شَرْعاً [١١].
●​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْحَيُّ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً بِالْإِطْلَاقِ وَالْمَدْحِ فِي نُصُوصِ الْفُرْقَانِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ

​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ}؛ إِذْ رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى فِعْلَ التَّوَكُّلِ بِصِفَةِ الْحَيَاةِ الْبَاقِيَةِ، لِيَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْمَخْلُوقِ الْمَيِّتِ أَوْ الْآيِلِ إِلَى الْمَوْتِ ضَلَالٌ وَخُسْرَانٌ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ التَّفْوِيضِ لَا تَصِحُّ إِلَّا لِمَنْ لَا يَمُوتُ أَبَداً تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ

​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ إِحْيَاءَ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ وَالذِّكْرِ؛ فَالَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ حَيٌّ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُهُ مَيِّتٌ، كَمَا يَحُثُّهُ عَلَى طَلَبِ الْحَيَاةِ الْحَقِيقِيَّةِ فِي الْآخِرَةِ، فَلَا يَفْنَى فِي لَذَّاتِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ، بَلْ يَكُونُ هَمُّهُ عِمَارَةَ دَارِ الْقَرَارِ الَّتِي هِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]

​يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلْبَاحِثِ فِي اسْمِ اللَّهِ (الْحَيِّ) عَلَى تَقْرِيرِ كَمَالِ الذَّاتِ وَالنَّعْتِ، حَيْثُ نُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيٌّ بِحَيَاةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَزَلِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ إِثْبَاتَ الْحَيَاةِ لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ لَا يَعْنِي مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِحَالٍ، لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الذِّهْنِيِّ لَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ عِنْدَ التَّخْصِيصِ شَرْعاً.
فَلِلَّهِ حَيَاةٌ تَامَّةٌ لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ وَلَا يَلْحَقُهَا زَوَالٌ، وَلَا تَعْتَرِيهَا سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ، بَيْنَمَا حَيَاةُ الْخَلْقِ حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ تَعْتَرِيهَا الْآفَاتُ وَالْفَنَاءُ حَقِيقَةً.
وَمِنْ تَمَامِ التَّأْصِيلِ عِنْدَنَا أَنَّ صِفَةَ الْحَيَاةِ هِيَ أَصْلُ جَمِيعِ صِفَاتِ الذَّاتِ الْكَامِلَةِ، فَالْقَادِرُ وَالْعَالِمُ وَالسَّمِيعُ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا كَانَ مَوْصُوفاً بِالْحَيَاةِ ثَبَاتاً.
وَنُرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ صَيَّرَ صِفَاتِ الرَّبِّ جَامِدَةً مُعَطَّلَةً عَنِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ فَقَدْ جَحَدَ كَمَالَ حَيَاتِهِ الَّتِي اقْتَضَتْ نُفُوذَ مَشِيئَتِهِ وَأَمْرِهِ كَوْناً.
فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ حَيَاةَ الْعَبْدِ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ حَيَاةُ قَلْبِهِ بِالْإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ، الَّذِي يَقْطَعُ التَّعَلُّقَ بِالْفَانِيَاتِ طَلَباً.
وَكُلُّ مَنْ نَفَى حَقِيقَةَ هَذِهِ الصِّفَةِ أَوْ حَرَّفَهَا، فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَجَعَلَ الرَّبَّ كَالْجَمَادِ الَّذِي لَا حِسَّ لَهُ وَلَا إِدْرَاكَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ شَرْعاً.
لِذَا وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ النُّصُوصِ، وَإِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَمَا أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَعَ نَفْيِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ فَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الَّذِي تُقْصَدُ ذَاتُهُ فِي النَّوَازِلِ، وَتُعَظَّمُ نُعُوتُهُ فِِي الْمَحَافِلِ، بِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَنَخْتِمُ التَّأْصِيلَ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ الْفَارِقِ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ هِيَ السَّبِيلُ الْوَحِيدُ لِلنَّجَاةِ مِنْ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ وَمَزْلَقِ التَّعْطِيلِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):
يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْحَيِّ) وَصِفَةَ الْحَيَاةِ لِلَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَقُولُونَ إِنَّ حَيَاتَهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَنْكَشِفُ بِهَا صِفَاتُ الْكَمَالِ، وَيُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فِِي اللَّفْظِ وَالْقَدْرِ الْفَارِقِ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْإِضَافَةِ [١٥].

​■مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْحَيِّ وَصِفَةَ الْحَيَاةِ الذَّاتِيَّةِ كَأَحَدِ الصِّفَاتِ السَّبْعِ الْعَقْلِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ نَفَوْا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْحَيَاةُ مُسْتَلْزِمَةً لِلْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ كَالنُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ وَالْغَضَبِ، وَزَعَمُوا أَنَّ قِيَامَ هَذِهِ الْأَفْعَالِ بِالذَّاتِ يَعْنِي حُلُولَ الْحَوَادِثِ، فَجَعَلُوهَا حَيَاةً سَاكِنَةً لَا فِعْلَ فِيهَا بِمَشِيئَةٍ قَائِمَةٍ بِالرَّبِّ [١٦].

●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ نَفْيَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِحُجَّةِ نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ هُوَ اصْطِلَاحٌ بِدْعِيٌّ لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهِ، بَلْ إِنَّ كَمَالَ الْحَيَاةِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْفِعْلِ وَالْحَرَكَةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي يَشَاءُهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحَيَّ لَا يَفْعَلُ شَيْئاً بِمَشِيئَتِهِ يَقُومُ بِذَاتِهِ يَجْعَلُهُ شَبِيهاً بِالْمَيِّتِ أَوْ الْجَمَادِ، وَالْحَوَادِثُ الَّتِي نَفَاهَا السَّلَفُ هِيَ الْمَخْلُوقَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ، أَمَّا أَفْعَالُهُ تَعَالَى فَهِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ أَبَدِيَّةٌ.

​■مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ:قَالُوا هُوَ (حَيٌّ بِلَا حَيَاةٍ) زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَةِ الْحَيَاةِ مَعْنًى قَائِماً بِاللَّهِ يُوجِبُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ، وَهُوَ عَيْنُ الشِّرْكِ عِنْدَهُمْ، فَجَعَلُوا الِاسْمَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ لَا حَقِيقَةَ لَهُ خَلْفَهُ، أَوْ جَعَلُوا الْحَيَاةَ عَيْنَ الذَّاتِ فَلَا صِفَةَ [١٧].

●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ قَوْلَكُمْ (حَيٌّ بِلَا حَيَاةٍ) تَنَاقُضٌ لُغَوِيٌّ وَعَقْلِيٌّ ظَاهِرٌ، فَلَا يُعْقَلُ فِي لُغَةٍ وَلَا فِِي عَقْلٍ إِثْبَاتُ الصِّفَةِ الْمُشْتَقَّةِ مَعَ نَفْيِ الْمَصْدَرِ الَّذِي اشْتُقَّتْ مِنْهُ، وَشُبْهَةُ تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ ذَاتاً مُنْفَصِلَةً تُعْبَدُ مَعَ اللَّهِ، بَلْ هِيَ نَعْتٌ لِلذَّاتِ الْوَاحِدَةِ، وَالذَّاتُ الْمَوْصُوفَةُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ هِيَ الرَّبُّ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ.

■​مَقَالَةُ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّاؤُونَ (كَابْنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ): زَعَمُوا أَنَّ حَيَاةَ اللَّهِ هِيَ عَيْنُ إِدْرَاكِهِ لِذَاتِهِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لَهُ عِلْمٌ بِالْجُزْئِيَّاتِ الْحَادِثَةِ فِِي الْكَوْنِ أَوْ أَفْعَالٌ مُتَجَدِّدَةٌ تَقَعُ بِمَشِيئَتِهِ، فَحَصَرُوا وُجُودَهُ فِي مَفْهُومٍ ذِهْنِيٍّ مُجَرَّدٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِِي الْوَاقِعِ الْخَارِجِيِّ [١٨].

​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ لَا يَكُونُ بِهِ الْوَاجِبُ حَيّاً، بَلْ هُوَ شَبِيهٌ بِالْجَمَادَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ الَّتِي لَا تَفْعَلُ وَلَا تَعْلَمُ غَيْرَهَا، وَالنُّصُوصُ قَاطِعَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ مَثَاقِيلَ الذَّرِّ، وَيَسْمَعُ خَفِيَّ الصَّوْتِ، وَيَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ، فَتَصْيِيرُ الْحَيَاةِ مُجَرَّدَ تَعَقُّلٍ ذِهْنِيٍّ تَعْطِيلٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ وَإِلْحَادٌ فِي الْأَسْمَاءِ.

■​مَقَالَةُ الْبَاطِنِيَّةِ وَغُلَاةِ الْفَلَاسِفَةِ النَّفَاةِ:قَالُوا لَا يُوصَفُ اللَّهُ بِالْحَيَاةِ وَلَا بِالْمَوْتِ، وَلَا بِالْعِلْمِ وَلَا بِالْجَهْلِ؛ لِأَنَّ وَصْفَهُ بِالْإِثْبَاتِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْأَحْيَاءِ، وَوَصْفَهُ بِالنَّفْيِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْأَمْوَاتِ، فَسَلَبُوا عَنْهُ النَّقِيضَيْنِ مَعاً لِيَكُونَ مَعْزُولاً عَنِ الْعَقْلِ [١٩].

​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ سَلْبَ النَّقِيضَيْنِ عَنِ الشَّيْءِ هُوَ مُمْتَنِعٌ عَقْلاً فِي بَدَاهَةِ الْعُقُولِ، إِذْ لَا يَخْلُو مَوْجُودٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيّاً أَوْ غَيْرَ حَيٍّ، وَمَا لَا يُوصَفُ بِالْحَيَاةِ وَلَا بِالْمَوْتِ هُوَ الْمَعْدُومُ الْمُمْتَنِعُ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، فَهَرَبْتُمْ مِنْ تَشْبِيهِهِ بِالْأَحْيَاءِ فَقَعْتُمْ فِي تَقْرِيرِ عَدَمِهِ بِالْكُلِّيَّةِ.
_________________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٤، الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٢.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥-٤٨.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمُ الْكَلَامِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٦٠-٤٦٨.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْقَصِيدَةُ النُّونِيَّةُ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٢.
[٦] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ آيَةِ الْكُرْسِيِّ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٤٢٥.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، دَارُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٨٨.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٥.
[١٣] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١١٢.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٤.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٣-٧.
[١٦] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١١.
[١٧] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٢-١٨٥.
[١٨] اِبْنُ سِينَا، كِتَابُ الشِّفَاءِ (الْإِلَهِيَّاتُ)، مَطْبَعَةُ الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٥٠.
[١٩] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٤.
________________________________________٣٣_________________________________________

ص ٣٢​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: (الستِّيرُ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الستِّيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فِعِّيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِكَثْرَةِ السَّتْرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (س ت ر) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى تَغْطِيَةِ الشَّيْءِ وَإِخْفَائِهِ عَنِ الْأَبْصَارِ؛ يُقَالُ: (سَتَرَ الشَّيْءَ يَسْتُرُهُ سَتْراً) إِذَا غَطَّاهُ، وَالستِّيرُ هُوَ الْبَلِيغُ السَّتْرِ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ إِسْدَالُ الْحِجَابِ عَلَى الْمَعَايِبِ وَالْعَوْرَاتِ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالسَّتْرِ الْبَلِيغِ لِعُيُوبِ عِبَادِهِ وَذُنُوبِهِمْ فِِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، مَعَ حُبِّهِ لِلسَّتْرِ وَالْحَيَاءِ، وَإِسْدَالِ كَنَفِهِ عَلَى أَهْلِ الْخَطَايَا فَلَا يَفْضَحُهُمْ بَيْنَ الْخَلَائِقِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ سَتْرُ الْمَخْلُوقِ لِأَخِيهِ، الَّذِي هُوَ سَتْرٌ مَحْدُودٌ عَرَضِيٌّ، قَدْ يَشُوبُهُ الْمَنُّ، أَوْ يَعْجِزُ عَنْهُ الْعَبْدُ لِعَدَمِ إِحَاطَتِهِ، وَمُسْتَمَدٌّ تَوْفِيقُهُ مِنْ سَتْرِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ السَّتْرِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ سَتْرِ الْخَالِقِ وَسَتْرِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْمَعْنَى، لَكِنْ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ الْمُمَيِّزُ عِلْماً ، فَسَتْرُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ سَتْرٌ عَنْ كَمَالِ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَغِنًى مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفَضِيحَةِ، بَيْنَمَا سَتْرُ الْمَخْلُوقِ قَدْ يَكُونُ عَنْ عَجْزٍ أَوْ جَهْلٍ بِالْحَقِيقَةِ، فَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ السَّتْرَيْنِ وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
●​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الستِّيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يُحِبُّ السَّتْرَ وَيَأْمُرُ بِهِ عِبَادَهُ، وَيَسْتُرُ خَلْقَهُ فِِي الدُّنْيَا فَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ وَالْفَضِيحَةِ. وَبَيَّنَ أَنَّ سَتْرَهُ سُبْحَانَهُ مَقْرُونٌ بِالْحَيَاءِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، حَيْثُ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْراً، فَالْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ لِلسَّتْرِ ثَابِتٌ لَهُ تَعْظِيماً عِلْماً [٤].
●​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الستِّيرِ) فِي نُونِيَّتِهِ بَأَنَّهُ الَّذِي يَسْتُرُ الْعُيُوبَ الْعَظِيمَةَ فَلَا يُظْهِرُهَا، وَيُحِبُّ أَهْلَ السَّتْرِ؛ حَيْثُ قَالَ: "وَهُوَ الْحَيِيُّ فَلَيْسَ يَفْضَحُ عَبْدَهُ... عِنْدَ التَّجَاهُرِ مِنْهُ بِالْعِصْيَانِ، لَكِنَّهُ يَسْتُرُهُ بِأَسْبَابِ السَّتْرِ"، فَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ الستِّيرِ هُوَ جِمَاعُ رَحْمَتِهِ وَجُودِهِ بِالْعَبِيدِ كَمَالاً ثَبَاتاً [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

​لَمْ يَرِدْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الستِّيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً، بَلْ ثَبَتَ فِي نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً بِالتَّسْمِيَةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالسَّتْرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ) شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
●​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الستِّيرِ) ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَأَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ تُوجِبُ مَحَبَّةَ السَّتْرِ وَالْحَيَاءِ نَقْلاً [٧].
●​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الستِّيرِ) فِي مَنْظُومَتِهِ الْعَقَدِيَّةِ، وَجَعَلَهُ مِنْ أَوْصَافِ الْكَمَالِ الَّتِي يَتَفَضَّلُ بِهَا الرَّبُّ عَلَى أَهْلِ الْخَطَايَا طَلَباً [٨].
●​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ سَتْرَ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ وَلِإِخْوَانِهِ، وَأَنَّ مَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ جَزَاءً وِفَاقاً تَرْبِيَةً [٩].
●​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ عِنْدَ شَرْحِ أَحَادِيثِ الْغُسْلِ وَالِاسْتِتَارِ، وَضَبَطَ اللَّفْظَ بِكَسْرِ السِّينِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ مَعَ الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهِ صِفَةَ كَمَالٍ ثَبَاتاً [١٠].
●​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الستِّيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي السُّنَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَنَبَّهَ عَلَى خَطَأِ الشَّائِعِ عِنْدَ الْعَامَّةِ بِلَفْظِ (السَّاتِرِ) شَرْعاً [١١].
●​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الستِّيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِوُرُودِهِ اسْماً مُطْلَقاً تَعَيَّنَ بِهِ الْمَدْحُ فِي النَّصِّ النَّبَوِيِّ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ لِنُصُوصِ السُّنَّةِ كَيْفَ قَرَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنِ الْحَيَاءِ وَالسَّتْرِ فِي وَصْفِ الرَّبِّ؛ لِيَتَدَبَّرَ الْعَبْدُ كَيْفَ أَنَّ سَتْرَ اللَّهِ عَلَيْهِ لَيْسَ غَفْلَةً عَنْ كَبِيرَتِهِ، بَلْ هُوَ حِلْمٌ وَتَفَضُّلٌ وَحَيَاءٌ كَرَمِيٌّ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ خَجَلَ الْقَلْبِ وَانْكِسَارَهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَرْبِيَةً بِسَتْرِ عَوْرَاتِ النَّاسِ وَعَدَمِ تَتَبُّعِ سَقَطَاتِهِمْ، كَمَا يَحُثُّهُ عَلَى أَلَّا يَجْهَرَ بِمَعْصِيَتِهِ إِذَا سَتَرَهُ اللَّهُ، لِأَنَّ الَّذِي يَبِيتُ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ثُمَّ يُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ يَقَعُ فِي آثَامِ الْمُجَاهَرَةِ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ

​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]

​يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلْبَاحِثِ فِي اسْمِ اللَّهِ (الستِّيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ السَّتْرِ وَالْحَيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ إِثْبَاتَ هَذَا الِاسْمِ يَسْتَلْزِمُ إِثْبَاتَ أَفْعَالِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَالسَّتْرُ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ الرَّبُّ بِمَشِيئَتِهِ إِذَا شَاءَ كَمَا قَرَّرَهُ الْأَثَرُ شَرْعاً.
وَنُبَيِّنُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِِي أَصْلِ مَعْنَى السَّتْرِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْخَلْقِ هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْنِيٌّ فَقَطْ، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ أَيَّ تَمْثِيلٍ أَوْ تَشْبِيهٍ حَقِيقَةً.
فَاللَّهُ سِتِّيرٌ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، يَسْتُرُ الذَّنْبَ مَعَ عِلْمِهِ بِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى أَخْذِ صَاحِبِهِ، بَيْنَمَا سَتْرُ الْمَخْلُوقِ مَشُوبٌ بِالْجَهْلِ وَالْعَجْزِ ثَبَاتاً.
وَمِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ عِنْدَنَا أَنَّ سَتْرَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَغْفِرَتِهِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ النَّجْوَى الصَّحِيحِ كَوْناً.
وَنُلْزِمُ طَلَبَةَ الْعِلْمِ بِنَفْيِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ تَثْبُتْ بِالنَّقْلِ كَاسْمِ (السَّاتِرِ)، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ لَا مَجَالَ فِيهَا لِلْقِيَاسِ اللُّغَوِيِّ مُطْلَقاً طَلَباً.
فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ جَعَلَ سَتْرَ اللَّهِ مَجَازاً خَالِياً عَنِ الْفِعْلِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، فَقَدْ جَهِلَ مَعْنَى الْحَيَاءِ وَالْكَرَمِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي تَمَدَّدَ فِي نُصُوصِ السُّنَّةِ شَرْعاً.
وَنَرُدُّ عَلَى كُلِّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْحَيَاءِ وَالسَّتْرِ حَقِيقَةً يُوجِبُ أَعْرَاضاً بَشَرِيَّةً كَالِانْكِسَارِ؛ بَلْ هُوَ حَيَاءُ كَرَمٍ وَبِرٍّ لَا نَقْصَ فِيهِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الستِّيرُ الْمَحْمُودُ عَلَى إِرْخَاءِ سُتُورِهِ، الْمَشْكُورُ عَلَى غُفْرَانِ ذُنُوبِ خَلْقِهِ، بِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ عِلْماً.
وَنَخْتِمُ بِأَنَّ كَمَالَ التَّوْحِيدِ فِِي هَذَا الِاسْمِ هُوَ رُؤْيَةُ الْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ، الَّذِي يُغَلِّبُ الرَّحْمَةَ عَلَى الْفَضِيحَةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الستِّيرِ) وَصِفَةَ السَّتْرِ وَالْحَيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ سِتِّيرٌ يَسْتُرُ عُيُوبَ عِبَادِهِ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ فِعْلاً اخْتِيَارِيّاً، مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ [١٥].
​■مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ:أَثْبَتُوا الِاسْمَ وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ السَّتْرُ أَوْ الْحَيَاءُ صِفَةً حَقِيقِيَّةً تَقُومُ بِالذَّاتِ الرَّبَّانِيَّةِ كَفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ، وَتَأَوَّلُوا (الستِّيرَ) بِمَعْنَى: الَّذِي يُرِيدُ عَدَمَ إِظْهَارِ الذَّنْبِ (إِرَادَةَ السَّتْرِ الزَّائِدَةِ عِنْدَهُمْ عَلَى الْفِعْلِ)، أَوْ هُوَ خَلْقُ أَسْبَابِ الْحِجَابِ لِلْعَوْرَةِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الذَّاتِ، هَرَباً مِنْ إِثْبَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ تَأْوِيلَ السَّتْرِ بِالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ فَقَطْ أَوْ بِالْمَخْلُوقِ الْمُنْفَصِلِ هُوَ تَعْطِيلٌ لِحَقِيقَةِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ؛ فَالسَّتْرُ فِعْلٌ مُتَجَدِّدٌ يَقَعُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ فِي وَقْتِ عِصْيَانِ الْعَبْدِ أَوْ فِِي الْمَحْشَرِ كَمَا فِي حَدِيثِ كَنَفِ الرَّحْمَنِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يَقُومُ بِاللَّهِ فِعْلٌ بِمَشِيئَتِهِ هُوَ أَصْلُ الْبِدْعَةِ الْكَلَامِيَّةِ الَّتِي خَالَفَتْ صَرِيحَ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ.
​■مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سِتِّيراً بِمَعْنَى اتِّصَافِهِ بِالصِّفَةِ، وَقَالُوا هُوَ سِتِّيرٌ مَجَازاً بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَ لِلنَّاسِ مَا يَسْتُرُهُمْ مِنَ الثِّيَابِ، وَأَنْكَرُوا صِفَةَ الْحَيَاءِ الْإِلَهِيِّ مُطْلَقاً زَاعِمِينَ أَنَّ الْحَيَاءَ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ [١٧].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ زَعْمَكُمْ بِأَنَّ السَّتْرَ مَجَازٌ هُوَ إِبْطَالٌ لِمَدْحِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ، وَالْحَيَاءُ الْمَنْفِيُّ عَنِ اللَّهِ هُوَ حَيَاءُ النَّقْصِ وَالْخَوْفِ البَشَرِيِّ، أَمَّا حَيَاءُ الْبَارِي فَهُوَ حَيَاءُ كَرَمٍ وَجُودٍ وَتَفَضُّلٍ؛ إِذْ يَسْتَنْكِفُ بِرَحْمَتِهِ عَنْ هَتْكِ عَبْدِهِ، وَهَذَا كَمَالٌ مَحْضٌ لَا يَجُوزُ نَفْيُهُ عَنِ الْجَمِيلِ الستِّيرِ بِشُبْهَةِ قِيَاسِ الْخَالِقِ عَلَى عَبِيدِهِ.
​■مَقَالَةُ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ: غَلَوْا فِِي الْإِثْبَاتِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ سَتْرَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ وَحَيَاءَهُ مِنْهُ يَكُونُ بِمِثْلِ مَا يَقَعُ لِلْإِنْسَانِ مِنَ الْحِجَابِ الْحِسِّيِّ الْمَادِّيِّ وَالِانْقِبَاضِ النَّفْسِيِّ، وَقَاسُوا أَفْعَالَ الْبَارِي عَلَى أَفْعَالِ خَلْقِهِ، فَجَعَلُوا صِفَاتِهِ مِنْ جِنْسِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ [١٨].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، فَإِذَا كَانَ لِلَّهِ سَتْرٌ وَحَيَاءٌ فَإِنَّهُ لَا يُشَابِهُ سَتْرَ الْبَشَرِ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى جِرْمٍ وَحَائِلٍ، بَلْ هُوَ سَتْرٌ يَفْعَلُهُ بِقُدْرَتِهِ مَعَ إِحَاطَتِهِ بِالْمَسْتُورِ، فَالْإِثْبَاتُ الصَّحِيحُ يَنْفِي التَّشْبِيهَ كَمَا يَنْفِي التَّعْطِيلَ تَمَاماً.
​■مَقَالَةُ الْجَبْرِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ: اسْتَغَلُّوا اسْمَ (الستِّيرِ) لِتَقْرِيرِ بَاطِلِهِمْ، فَقَالُوا إِنَّ سَتْرَ اللَّهِ لِلذُّنُوبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رَاضٍ عَنْهَا أَوْ أَنَّهَا لَا تَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ شَيْئاً، وَجَعَلُوا السَّتْرَ مُبِيحاً لِلْمُجَاهَرَةِ وَتَرْكِ الِاحْتِرَازِ مِنَ الْمَعَاصِي نَفْياً رُبُوبِيَّةً [١٩].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا ضَلَالٌ فِي فَهْمِ حِكْمَةِ الشَّرِيعَةِ، فَسَتْرُ اللَّهِ لِلْعَاصِي هُوَ فُرْصَةٌ لِلْإِنَابَةِ وَالتَّوْبَةِ وَلَيْسَ إِقْرَاراً عَلَى الْخَطِيئَةِ، وَالستِّيرُ سُبْحَانَهُ كَمَا أَنَّهُ يَسْتُرُ رَحْمَةً، فَإِنَّهُ قَدْ يَفْضَحُ مَنْ تَمَادَى وَاسْتَهَانَ بِسِتْرِهِ، فَلَا يَجُوزُ جَعْلُ أَوْصَافِ الْكَرَمِ سَبَباً لِلْجُرْأَةِ عَلَى مَقَامِ الْأُلُوهِيَّةِ.
_________________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٣-٣٤٥.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٧٣-٧٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْقَصِيدَةُ النُّونِيَّةُ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
[٦] أَبُو دَاوُدَ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، كِتَابُ الْحَمَّامِ، بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّعَرِّي، رَقْمُ ٤٠١٢؛ وَالنَّسَائِيُّ، رَقْمُ ٤٠٦، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٨.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٢٨٨.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٨٦.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ الْعُثَيْمِينِ، دَارُ الْثُرَيَّا، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٢.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٨.
[١٣] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٨٥.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٧.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٢-١٥.
[١٦] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
[١٧] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٠-١٩٣.
[١٨] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٥.
[١٩] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٩٥-٩٨.
___________________________________________٣٤______________________________________

ص ٣٣​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْكَبِيرُ)

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ

​اسْمُ (الْكَبِيرُ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ لِلْمَوْصُوفِ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ك ب ر) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى عِظَمِ الشَّأْنِ، وَالشَّرَفِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالنَّمَاءِ؛ وَالْكِبْرِيَاءُ هُوَ كَمَالُ الذَّاتِ وَالْعَظَمَةُ الْمُطْلَقَةُ؛ يُقَالُ: (كَبُرَ الشَّيْءُ كِبَراً) إِذَا عَظُمَ، وَالْكَبِيرُ فِي حَقِّ اللَّهِ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْجَلَالِ وَالْقَهْرِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ صَغِيرٌ وَحَقِيرٌ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعَظَمَةِ الْقَاهِرَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ الْمُطْلَقِ ذَاتاً وَصِفَةً وَقَدْراً، الَّذِي تَبْطُلُ عِنْدَ عَظَمَتِهِ كِبْرِيَاءُ جَمِيعِ الْجَبَابِرَةِ، وَيُدَبِّرُ الْخَلْقَ بِعِلْمِهِ وَسُلْطَانِهِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مَشِيئَتِهِ مَوْجُودٌ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ كَبِيرُ الْمَخْلُوقِينَ، الَّذِي هُوَ كِبَرٌ نِسْبِيٌّ مَحْدُودٌ، يَعْتَرِيهِ الْعَجْزُ، وَيَلْحَقُهُ الضَّعْفُ، وَيَقْبَلُ الزَّوَالَ، وَمُسْتَمَدٌّ شَرَفُهُ مِنْ جُودِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ كِبَرِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِينَ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْمَعْنَى، لَكِنْ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ يَققعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ الْمُمَيِّزُ عِلْماً. فَكِبْرِيَاءُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيٍّ مَحْضٍ لَا تُشَابِهُهَا صِفَاتُ الْخَلْقِ، بَيْنَمَا كِبَرُ الْمَخْلُوقِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ غَيْرِهِ، وَمَحْفُوفٌ بِالْحَاجَةِ وَالنَّقْصِ، فَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْكَبِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبَيَّنَ أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَرَدَّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ فَبَيَّنَ أَنَّ كَبِيرَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْجَلَالِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ خَاضِعٌ لِأَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، فَالْفِعْلُ الِاخْتِيَارِيُّ لِلتَّدْبِيرِ وَالْقَهْرِ تَابِعٌ لِكِبْرِيَائِهِ تَعْظِيماً عِلْماً [٤].
​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْكَبِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي الْعَظَمَةُ رِدَاؤُهُ وَالْكِبْرِيَاءُ إِزَارُهُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ. وَذَكَرَ أَنَّ اقْتِرَانَ (الْكَبِيرِ) بِـ (الْمُتَعَالِ) أَوْ (الْعَلِيِّ) يَدُلُّ عَلَى عُلُوِّ الْقَدْرِ وَالْقَهْرِ وَالذَّاتِ، فَلَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ الْكِبْرِيَاءِ لِغَيْرِهِ، وَمَنْ نَازَعَهُ فِيهِمَا قَصَمَهُ، فَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَهُ هُوَ جِمَاعُ الْعِزِّ وَالْمَجْدِ كَمَالاً ثَبَاتاً [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْكَبِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ التَّوْحِيدِ وَالْعُلُوِّ وَالْعَظَمَةِ فِي (سِتَّةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِي خَمْسَةٍ مِنْهَا مَقْرُوناً بِاسْمِهِ (الْعَلِيُّ) كَمَا فِي سُوَرِ النِّسَاءِ، وَالْحَجِّ، وَلُقْمَانَ، وَسَبَإٍ، وَغَافِرٍ، وَجَاءَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ مَقْرُوناً بِاسْمِهِ (الْمُتَعَالِ) فِي سُورَةِ الرَّعْدِ شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 

​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْكَبِيرِ) ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنَّهُ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ كَمَالِ الذَّاتِ وَالْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ لِلَّهِ عَلَى خَلْقِهِ نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥1هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْكَبِيرِ)، وَبَيَّنَ أَنَّ شَهَادَةَ الْكَوْنِ بِعَظَمَتِهِ تُوجِبُ إِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ وَالذُّلِّ لَهُ دُونَ سِوَاهُ طَلَباً [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): بَيَّنَ أَنَّ التَّكْبِيرَ شُرِعَ فِي أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ؛ لِتَرْسَخَ عَظَمَةُ (الْكَبِيرِ) فِي قُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْكَبِيرِ) فِِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ كِبْرِيَاءَهُ سُبْحَانَهُ تَنْزِيهٌ لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمُمَاثَلَةٍ ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْكَبِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَقَرَّرَ أَنَّ كِبْرِيَاءَهُ يَسْتَلْزِمُ عُلُوَّ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْكَبِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً دَالّاً عَلَى أَعْلَى مَقَامَاتِ الْمَدْحِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي اقْتِرَانِ اسْمِ (الْكَبِيرِ) بِـ (الْعَلِيِّ) فِي سِيَاقِ النَّهْيِ عَنِ الْبَغْيِ عَلَى النِّسَاءِ: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}؛ لِيَتَدَبَّرَ الرَّجُلُ أَنَّهُ مَهْمَا اسْتَعْلَى بِقُوَّتِهِ، فَإِنَّ سُلْطَانَ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ فَوْقَهُ، وَهُوَ يَنْتَصِرُ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَطْهِيرَ قَلْبِهِ مِنْ كِبْرِ النَّفْسِ وَرُؤْيَتِهَا، فَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاءُ الرَّبِّ، وَمَنْ تَكَبَّرَ مِنَ الْخَلْقِ وَضَعَهُ اللَّهُ وَأَذَلَّهُ، كَمَا يُرَبِّي فِيهِ الشَّجَاعَةَ فَلَا يَخَافُ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ مَهْمَا عَظُمَ شَأْنُهُ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ كُلِّ كَبِيرٍ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
​يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلْبَاحِثِ فِي اسْمِ اللَّهِ (الْكَبِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ لِلَّهِ إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِهِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ كِبَرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لَيْسَ جِسْمِيّاً مَادِّيّاً كَكِبَرِ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، بَلْ هُوَ كَمَالُ الذَّاتِ وَالنُّعُوتِ شَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْنِيٌّ، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ حَقِيقَةً.
وَنُثْبِتُ أَنَّ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ تَقْتَضِي عُلُوَّهُ الْمُطْلَقَ بِذَاتِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ، وَبَائِنُونَتَهُ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا يَحُلُّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ثَبَاتاً.
وَمِنْ أُصُولِنَا أَنَّ كُلَّ مَنْ طَلَبَ الْرِّفْعَةَ بِالتَّكَبُّرِ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ أَوْ عَلَى عِبَادِهِ، فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ خَصِيصَةً مِنْ خَصَائِصِ رُبُوبِيَّتِهِ كَوْناً.
وَنُرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ تَوْحِيدَ هَذَا الِاسْمِ يَكُونُ بِجَعْلِ الْهَيْبَةِ وَالْإِجْلَالِ فِي الْقَلْبِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا يُعَظَّمُ مَخْلُوقٌ كَتَعْظِيمِ الْخَالِقِ طَلَباً.
فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ جَمِيعَ مَا فِِي الْكَوْنِ مِنْ مَظَاهِرِ الْقُوَّةِ وَالْعِظَمِ إِنَّمَا هِيَ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى كِبْرِيَاءِ صَانِعِهَا وَمُبْدِعِهَا شَرْعاً.
وَنَرُدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ (الْكَبِيرَ) مَجَازاً عَنْ نَفْيِ الصِّغَرِ دُونَ إِثْبَاتِ كَمَالِ صِفَاتِ الذَّاتِ، فَإِنَّ هَذَا تَعْطِيلٌ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ الَّذِي تُخْبِتُ لَهُ الْقُلُوبُ، وَتَخْضَعُ لِعِزَّتِهِ الرِّقَابُ، بِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْأَثَرِ عِلْماً.
وَنَخْتِمُ بِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَدْرِ الْفَارِقِ فِي هَذَا الِاسْمِ تَعْصِمُ الْعَبْدَ مِنْ مَزَالِقِ التَّشْبِيهِ وَتَهْدِيهِ إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​●مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):
يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْكَبِيرِ) وَصِفَةَ الْكِبْرِيَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَبِيرٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، لَا يَشُوبُ كِبْرِيَاءَهُ نَقْصٌ، وَلَا يُشَابِهُ كِبَرَ الْمَخْلُوقِينَ بِحَالٍ [١٥].
​■مَقَالَةُ الْمُؤَوِّلَةِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ:أَثْبَتُوا الِاسْمَ لَكِنَّهُمْ حَرَّفُوا مَعْنَى الْكِبْرِيَاءِ الذَّاتِيِّ، فَقَالُوا: (الْكَبِيرُ) هُوَ الْكَبِيرُ فِِي الْمُلْكِ وَالسُّلْطَانِ فَقَطْ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى (الْمُتَعَالِي عَنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ) سَلْباً، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْكِبَرُ صِفَةً ذَاتِيَّةً تَقُومُ بِالرَّبِّ تَقْتَضِي عُلُوَّهُ الْحِسِّيَّ فَوْقَ الْعَرْشِ، هَرَباً مِنْ شُبْهَةِ التَّجْسِيمِ عِنْدَهُمْ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ تَخْصِيصَ الْكِبَرِ بِالْمُلْكِ أَوْ جَعْلَهُ صِفَةً سَلْبِيَّةً مَحْضَةً هُوَ جَحْدٌ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ؛ فَالْكِبْرِيَاءُ صِفَةُ كَمَالٍ وُجُودِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِاللَّهِ، وَالْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ جَعَلَهَا كَالرِّدَاءِ لَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً لَا سَلْباً مَحْضاً، وَالْعُلُوُّ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ لَوَازِمِ كِبْرِيَائِهِ، فَنَفْيُ حَقِيقَةِ الصِّفَةِ تَعْطِيلٌ لِلْمَدْحِ الرَّبَّانِيِّ.
■​مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ: قَالُوا هُوَ كَبِيرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ أَعْظَمُ قَدْراً مِنْ أَنْ يُوصَفَ بِالصِّفَاتِ، وَجَعَلُوا الِاسْمَ لَفْظاً دَالّاً عَلَى نَفْيِ الصِّغَرِ وَالْحُدُوثِ فَقَطْ دُونَ إِثْبَاتِ أَيِّ مَعْنًى قَائِمٍ بِالذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْكِبْرِيَاءِ كَصِفَةٍ لِلذَّاتِ يُوجِبُ تَرْكِيباً وَتَجْزِئَةً فِي الْإِلَهِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ [١٧].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا سَلْبٌ مَحْضٌ يَجْعَلُ الرَّبَّ كَالْمَعْدُومِ، فَالْأَلْفَاظُ لَا تُشْتَقُّ إِلَّا مِنْ مَعَانٍ ثَابِتَةٍ، فَالْكَبِيرُ لَا يَكُونُ كَبِيراً إِلَّا لِقِيَامِ الْكِبْرِيَاءِ بِهِ، وَشُبْهَةُ التَّرْكِيبِ وَالتَّجْزِئَةِ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى قِيَاسِ الْخَالِقِ عَلَى الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَتْ مُرَكَّبَةً وَلَا مُتَجَزِّئَةً.
​■مَقَالَةُ الْمُشَبِّهَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ:قَالُوا إِنَّ كِبَرَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ كِبَرٌ فِي الْحَجْمِ وَالْأَبْعَادِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَرْشَ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ إِلَّا بِقَدْرٍ مَحْدُودٍ، وَقَاسُوا كِبْرِيَاءَ الْخَالِقِ عَلَى كِبَرِ الْأَجْسَامِ الْمَادِّيَّةِ، فَوَقَعُوا فِي شَرِّ التَّمْثِيلِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُبْتَدَعٌ تَبْرَأُ مِنْهُ نُصُوصُ الْوَحْيِ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَالْقَوْلُ بِالْأَبْعَادِ وَالْأَحْجَامِ فِِي حَقِّ اللَّهِ هُوَ تَعْدِيدٌ لِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَقِيَاسٌ لِلْخَالِقِ عَلَيْهَا، وَالْكِبْرِيَاءُ صِفَةُ جَلَالٍ لَا تُكَيَّفُ بِتَكْيِيفِ الْبَشَرِ، بَلْ نُثْبِتُ الْعَظَمَةَ مَعَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ.
​■مَقَالَةُ الْفَلَاسِفَةِ الِاتِّحَادِيَّةِ وَأَهْلِ الْحُلُولِ:زَعَمُوا أَنَّ كِبْرِيَاءَ اللَّهِ تَعْنِي أَنَّهُ عَيْنُ هَذَا الْوُجُودِ الْكَبِيرِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا وُجُودَ لِرَبٍّ بَائِنٍ عَنْ خَلْقِهِ كَبِيرٍ فَوْقَهُمْ، بَلِ الْكَوْنُ كُلُّهُ هُوَ الْإِلَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً [١٩].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا هُوَ أَعْظَمُ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ، فَهُوَ جَعْلٌ لِلْخَالِقِ الْكَبِيرِ عَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ النَّاقِصَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَذَرُ وَالنَّقْصُ، وَالنُّصُوصُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ، وَأَنَّ كِبْرِيَاءَهُ تَقْتَضِي خُضُوعَ الْكَوْنِ لَهُ، لَا أَنْ يَكُونَ الْكَوْنُ هُوَ عَيْنُ حَقِيقَتِهِ تَعَالَى عَنْ كُفْرِهِمْ.
​__________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٢٥-١٢٩.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٥.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٠-٦٤.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمُ الْكَلَامِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٥٠-٢٥٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣10.
[٦] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٠.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤١٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، دَارُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٠٤.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ - الْمَدِينَةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٧٢.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ سُورَةِ لُقْمَانَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٢.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٠.
[١٣] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٢٥٨.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٨.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٥-٢٩.
[١٦] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
[١٧] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠١-٢٠٤.
[١٨] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٠-٤١٥.
[١٩] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٥.

___________________________________________٣٥______________________________________

ص ٣٤[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْمُتَعَالِ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْمُتَعَالِ): اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ الْخُمَاسِيِّ (تَعَالَى)، الْمُشْتَقِّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ع ل و) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى السُّمُوِّ، وَالِارْتِفَاعِ، وَالرِّفْعَةِ، وَالْقَهْرِ؛ وَصِيغَةُ (التَّفَاعُلِ) هُنَا لِلْمُبَالَغَةِ وَالْكَمَالِ فِي الِارْتِفَاعِ، فَالْمُتَعَالِي هُوَ الْبَلِيغُ الْعُلُوِّ الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَعَلَا بِقَهْرِهِ وَسُلْطَانِهِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ كَوْناً [١].
​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ بِجَمِيعِ مَعَانِيهِ: عُلُوِّ الذَّاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَعُلُوِّ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ لِخَلْقِهِ، وَعُلُوِّ الْقَدْرِ بِكَمَالِ النُّعُوتِ، التَّامِّ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَبَاطِيلِ الْمُشْرِكِينَ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ تَعَالِي الْمَخْلُوقِ، الَّذِي هُوَ عُلُوٌّ مَجَازِيٌّ أَوْ نِسْبِيٌّ زَائِلٌ، مَشُوبٌ بِالضَّعْفِ وَالْحَاجَةِ، وَمُحَاطٌ بِالْقَهْرِ وَالْفَنَاءِ عِلْماً [٢].
​٣. الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ كَمَالِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْعُلُوِّ لِلَّهِ تَعَالَى ذَاتاً وَقَدْراً وَقَهْراً كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ عُلُوِّ الْخَالِقِ وَعُلُوِّ الْمَخْلُوقِينَ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْمَعْنَى، لَكِنْ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ الْمُمَيِّزُ عِلْماً. فَعُلُوُّ الْبَارِي سُبْحَانَهُ عُلُوٌّ ذَاتِيٌّ دَائِمٌ لَا تَحْصُرُهُ الْأَمَاكِنُ بَلْ هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، بَيْنَمَا عُلُوُّ الْمَخْلُوقِ عُلُوُّ انْتِقَالٍ وَحَاجَةٍ إِلَى مَا يَقِلُّهُ، فَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَ الْحَقِيقَتَيْنِ وَإِنْ اتَّفَقَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً [٣].
​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
​تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْمُتَعَالِ) بِأَنَّهُ الَّذِي عَلَا فَوْقَ خَلْقِهِ وَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ بِذَاتِهِ، وَتَعَالَى عَنْ إِفْكِ الْمُبْطِلِينَ وَتَحْرِيفِ النُّفَاةِ. وَرَدَّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ بِأَنَّ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) يَنْفِي عَقِيدَةَ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ، وَيُوجِبُ إِثْبَاتَ الْفَوْقِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا الْفِطْرَةُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقْلُ تَعْظِيماً عِلْماً [٤].
​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْمُتَعَالِ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَهُ الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَهُوَ الْعَلِيُّ بِالذَّاتِ، وَالْقَهْرِ، وَالْقَدْرِ. وَبَيَّنَ أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِاسْمِ (الْكَبِيرِ) يُثْبِتُ أَنَّ عَظَمَتَهُ تَقْتَضِي عُلُوَّهُ فَوْقَ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ، حَيْثُ تَتَضَاءَلُ عِنْدَ رِفْعَتِهِ كُلُّ رِفْعَةٍ، وَتَخْضَعُ لِسُلْطَانِهِ الْقَاهِرِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ كَمَالاً ثَبَاتاً [٥].
​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْمُتَعَالِ) فِِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْعَظَمَةِ وَالْإِحَاطَةِ وَالْعُلُوِّ فِِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} شَرْعاً [٦].
​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى بَائِنُونَةِ الْخَالِقِ عَنْ خَلْقِهِ وَعُلُوِّهِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى الْعَرْشِ نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْمُتَعَالِ)، وَبَيَّنَ أَنَّ عُلُوَّهُ سُبْحَانَهُ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيَّةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْفَكَّ عَنِ الذَّاتِ بِحَالٍ طَلَباً [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) مَجْلَبَةً لِلْخُضُوعِ وَالِانْكِسَارِ؛ لِأَنَّ رُؤْيَةَ الْعَبْدِ لِعُلُوِّ رَبِّهِ تُورِثُهُ مَعْرِفَةَ ضَعْفِهِ وَحَقَارَةِ نَفْسِهِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَشَرَحَ مَعَانِيَ الْعُلُوِّ بِمَا يُوَافِقُ إِثْبَاتَ الْفَوْقِيَّةِ مَعَ نَفْيِ النَّقْصِ ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الصَّحِيحَةِ، وَقَرَّرَ أَنَّ عُلُوَّهُ يَشْمَلُ الذَّاتَ وَالْقَدْرَ وَالْقَهْرَ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سِيَاقِ آيَةِ الرَّعْدِ، حَيْثُ جَاءَ اسْمُ (الْمُتَعَالِ) بَعْدَ ذِكْرِ إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ... عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ}؛ لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ عُلُوَّهُ تَعَالَى عَلَى عَرْشِهِ لَا يَمْنَعُ كَمَالَ إِحَاطَتِهِ بِأَدْنَى حَرَكَاتِ خَلْقِهِ وَخَفَايَا صُدُورِهِمْ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَوَاضُعاً لِلْحَقِّ وَالْخَلْقِ، وَيَقْطَعُ عَنْ قَلْبِهِ أَشَرَ الِاسْتِعْلَاءِ وَالْبَغْيِ فِِي الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مَهْمَا بَلَغَ طُغْيَانُ الْجَبَابِرَةِ، فَإِنَّ مَقَامَ (الْمُتَعَالِ) يُذِلُّ رِقَابَهُمْ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ طَلَبَ مَعَالِي الْأُمُورِ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَالتَّرَفُّعَ عَنْ سَفَاسِفِهَا دَنَاءَةً تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
​يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلْبَاحِثِ فِي اسْمِ اللَّهِ (الْمُتَعَالِ) عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ لِلَّهِ تَعَالَى عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ عُلُوَّ الذَّاتِ فَوْقَ الْمَخْلُوقَاتِ هُوَ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ ثَابِتٌ، فَاللَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ شَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَعْنَى الِارْتِفَاعِ وَالْعُلُوِّ هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الْأَذْهَانِ، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَقْطَعُ أَيَّ تَشْبِيهٍ حَقِيقَةً.
فَاللَّهُ مُتَعَالٍ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ حَاجَةٍ، فَلَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْعَرْشِ لِيَحْمِلَهُ، بَلِ الْعَرْشُ وَالْحَمَلَةُ مَحْمُولُونَ بِقُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ ثَبَاتاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ عِنْدَنَا أَنَّ نَفْيَ عُلُوِّ الذَّاتِ بِحُجَّةِ نَفْيِ الْجِهَةِ هُوَ تَعْطِيلٌ لِصَرِيحِ الْقُرْآنِ، وَتَصْيِيرٌ لِلرَّبِّ مَعْدُوماً كَوْناً.
وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ تَوْحِيدَ هَذَا الِاسْمِ يَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى الْعَلِيِّ الْمُتَعَالِ فِي الدُّعَاءِ نَحْوَ السَّمَاءِ، كَمَا هِيَ فِطْرَةُ الْخَلَائِقِ طَلَباً.
فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فِِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِاسْمِ (الْمُتَعَالِ)، وَوَصَفَهُ بِالنَّقَائِصِ شَرْعاً.
وَالرَّدُّ عِنْدَنَا عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّ إِثْبَاتَ الْفَوْقِيَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَعْرَاضَ الْأَجْسَامِ، بَلْ هُوَ كَمَالٌ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْمُتَعَالِ الَّذِي اسْتَعْلَتْ صِفَاتُهُ عَنِ النَّقْصِ، وَقَهَرَتْ مَشِيئَتُهُ الْخَلْقَ، بِمَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَنَخْتِمُ بِأَنَّ فَهْمَ الْقَدْرِ الْفَارِقِ فِي عُلُوِّ اللَّهِ يُنْجِي مِنَ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيِّ وَالتَّمْثِيلِ الْمُجَسِّمِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْمُتَعَالِ) وَعُلُوَّ اللَّهِ تَعَالَى بِذَاتِهِ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَعُلُوَّ قَدْرِهِ وَقَهْرِهِ، إِثْبَاتاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِهِ، بَائِناً مِنْ خَلْقِهِ، لَا يَحُلُّ فِيهِمْ وَلَا يَحُلُّونَ فِيهِ [١٥].
​■مَقَالَةُ النُّفَاةِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ:أَثْبَتُوا الِاسْمَ لَكِنَّهُمْ أَنْكَرُوا عُلُوَّ الذَّاتِ، وَقَالُوا: (الْمُتَعَالِ) هُوَ الْمُتَعَالِي عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ (عُلُوُّ الْقَدْرِ)، أَوْ هُوَ الْمُسْتَعْلِي بِالْقَهْرِ (عُلُوُّ الْقَهْرِ)، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ عُلُوِّ الذَّاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ يَقْتَضِي تَحَيُّزاً وَجِهَةً حِسِّيَّةً، فَنَفَوْا فَوْقِيَّةَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ هَرَباً مِنَ التَّجْسِيمِ عِنْدَهُمْ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: إِنَّ حَصْرَ الْعُلُوِّ فِِي الْقَدْرِ وَالْقَهْرِ مَعَ نَفْيِ الذَّاتِ هُوَ تَحْرِيفٌ لِلْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ؛ فَالنُّصُوصُ قَاطِعَةٌ بِفَوْقِيَّةِ الذَّاتِ كَقَوْلِهِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، وَالْجِهَةُ الَّتِي تَنْفُونَهَا، إِنْ أَرَدْتُمْ بِهَا كَوْنَهُ مَحْصُوراً فِي مَخْلُوقٍ فَهَذَا بَاطِلٌ يَنْفِيهِ السَّلَفُ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهَا أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ عَنْهُ فَهَذَا حَقٌّ ثَابِتٌ لَا يَجُوزُ نَفْيُهُ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ هُوَ وَصْفٌ لِلْمَعْدُومِ.
■​مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ النُّفَاةِ: أَنْكَرُوا صِفَةَ الْعُلُوِّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَزَعَمَ غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ أَنَّ اللَّهَ فِِي كُلِّ مَكَانٍ بِذَاتِهِ مُخْتَلِطٌ بِالْمَخْلُوقَاتِ، بَيْنَمَا قَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ هُوَ لَا فِِي مَكَانٍ وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ، وَتَأَوَّلُوا (الْمُتَعَالِ) بِمَعْنَى الْمُنَزَّهِ عَنِ الْأَشْبَاهِ نَفْياً مَحْضاً طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ [١٧].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُ غُلَاتِكُمْ بِالْحُلُولِ فِي كُلِّ مَكَانٍ هُوَ أَقْبَحُ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ حُلُولُهُ فِي الْأَمَاكِنِ الْقَذِرَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُ نُفَاتِكُمْ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِِي مَكَانٍ وَلَا فَوْقَ الْعَرْشِ تَعْطِيلٌ لِوُجُودِ الرَّبِّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ فَوْقاً وَلَا تَحْتاً وَلَا بَائِناً وَلَا دَاخِلاً هُوَ عَيْنُ الْمَعْدُومِ، وَاسْمُ الْمُتَعَالِ يُثْبِتُ الِارْتِفَاعَ الْوُجُودِيَّ الْحَقِيقِيَّ لَا السَّلْبَ الْعَدَمِيَّ.
■​مَقَالَةُ الْحُلُولِيَّةِ وَالِاتِّحَادِيَّةِ (كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَالتِّلْمِسَانِيِّ):زَعَمُوا أَنَّ تَعَالِي اللَّهِ هُوَ تَعَالِي الْكُلِّ، فَلَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ رَبٌّ فَوْقَ الْعَرْشِ وَعَبْدٌ فِي الْأَرْضِ، بَلِ الرَّبُّ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقِ، وَتَعَالِيهِ هُوَ رِفْعَةُ هَذَا الْوُجُودِ الْمُشْتَرَكِ، فَجَعَلُوا الْعُلُوَّ حُلُولاً مُطْلَقاً نَفْياً رُبُوبِيَّةً [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا كُفْرٌ خَرَجُوا بِهِ عَنْ جَمِيعِ الْمِلَلِ؛ فَاسْمُ (الْمُتَعَالِ) يَقْتَضِي وُجُودَ مُتَعَالٍ وَمُتَعَالَى عَلَيْهِ، أَيْ خَالِقٍ عَلِيٍّ وَمَخْلُوقٍ مُسْتَكِينٍ خَاضِعٍ، فَتَصْيِيرُ الذَّاتَيْنِ ذَاتاً وَاحِدَةً هُوَ عَيْنُ الْمُحَالِ عَقْلاً وَالْكُفْرِ شَرْعاً، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ عَيْنَ هَذِهِ الذَّوَاتِ النَّاقِصَةِ الْمَخْلُوقَةِ.
■​مَقَالَةُ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ:غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ عُلُوِّ الذَّاتِ حَتَّى قَاسُوا اسْتِوَاءَ اللَّهِ وَعُلُوَّهُ عَلَى عُلُوِّ الْمَخْلُوقِ عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ السَّرِيرِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْعَرْشِ لِيَحْمِلَهُ، وَوَصَفُوا الْعُلُوَّ بِأَوْصَافِ الْأَجْسَامِ الْبَشَرِيَّةِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ [١٩].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَمْثِيلٌ بَاطِلٌ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ؛ فَاللَّهُ مُتَعَالٍ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى الْعَرْشِ بَلِ الْعَرْشُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، وَعُلُوُّهُ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ هُوَ عُلُوُّ كَمَالٍ وَاسْتِغْنَاءٍ لَا عُلُوَّ افْتِقَارٍ، فَنُثْبِتُ الْفَوْقِيَّةَ وَالِاسْتِوَاءَ كَمَا جَاءَ فِي النَّصِّ مَعَ نَفْيِ تَكْيِيفِ الْبَشَرِ وَتَمْثِيلِهِمْ.
_______________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٨٢-٨٦.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٨-٧٢.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمُ الْكَلَامِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١١٠-١١٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٢٥.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٤٣٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٨٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤١٥.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢٠.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٠٢.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الرَّعْدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٥.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥.
[١٢] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٥٠.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٥.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٤٠-٤٥.
[١٦] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٠.
[١٧] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٥.
[١٨] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَفْهُومُ الِاتِّحَادِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ (ضِمْنِ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى)، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٨٠-٣٨٥.
[١٩] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٥٠-١٥٥.


___________________________________________٣٦______________________________________
ص ٣٥[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْوَاحِدُ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْوَاحِدِ): اسْمُ فَاعِلٍ لِلْمَوْصُوفِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (و ح د) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الِانْفِرَادِ، وَقَطْعِ النَّظِيرِ، وَعَدَمِ التَّجَزُّؤِ وَالِانْقِسَامِ؛ فَالْوَاحِدُ هُوَ الْفَرْدُ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا ثَانِيَ مَعَهُ، وَهُوَ أَصْلُ الْعَدَدِ مَفْهُوماً، لَكِنَّهُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ الَّذِي يَقْبَلُ التَّضْعِيفَ، بَلْ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي انْفَرَدَ بِالْوُجُودِ الْحَقِيقِيِّ كَوْناً [١].
​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ نَفْياً وَإِثْبَاتاً: إِثْبَاتِ انْفِرَادِهِ سُبْحَانَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَنَفْيِ الشَّرِيكِ وَالنَّظِيرِ وَالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ وَالْأَشْبَاهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ وَاحِدِيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ وَاحِدِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ أَوْ مَجَازِيَّةٌ، يَلْحَقُهَا التَّقْسِيمُ، وَتَقْبَلُ التَّعَدُّدَ، وَتَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهَا وُجُوداً وَعَدَماً عِلْماً [٢].
​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ الْأَحَدِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ لَفْظِ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الذِّهْنِيِّ وَبَيْنَهُ عِنْدَ الْإِضَافَةِ إِلَى الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الِانْفِرَادِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَوَاحِدِيَّةُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ جِسْماً مُؤَلَّفاً مِنَ الْأَجْزَاءِ كَمَا يَزْعَمُ أَهْلُ الْكَلَامِ، بَلْ هُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، بَيْنَمَا وَاحِدِيَّةُ الْمَخْلُوقِ هِيَ انْفِرَادٌ نِسْبِيٌّ يَعْتَرِيهِ النَّقْصُ وَالِافْتِقَارُ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سَمَّى نَفْسَهُ (الْوَاحِدَ الْأَحَدَ)، وَالْوَاحِدُ فِِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَفِي طَبَائِعِ الْعُقُولِ يَقْتَضِي أَنَّهُ الَّذِي لَا قَسِيمَ لَهُ فِِي حَقِيقَتِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِِي صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ. وَتَوْحِيدُهُ سُبْحَانَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ أَوْضَحَهَا كِتَابُ اللَّهِ: أَوَّلُهَا: تَوْحِيدُهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَمَالِكُهُ وَمُدَبِّرُهُ. وَالثَّانِي: تَوْحِيدُهُ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُدْعَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: تَوْحِيدُهُ فِي أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، بِأَنْ يُوصَفَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. فَالْوَاحِدُ هُوَ الَّذِي انْفَرَدَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ فَلَا يُشْرَكُ فِيهَا غَيْرُهُ. وَأَهْلُ الْبِدَعِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ قَدْ حَرَّفُوا مَعْنَى الِاسْمِ، فَجَعَلُوا (الْوَاحِدَ) هُوَ الَّذِي لَا صِفَةَ لَهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ لُغَةً وَعَقْلاً؛ لِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ هُوَ الْوَاحِدُ الْحَقُّ، أَمَّا الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصِّفَاتِ فَلَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ" [٤].

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"الْوَاحِدُ هُوَ الَّذِي تَوَحَّدَ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَنْ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ، فَلَا شَبِيهَ لَهُ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ، وَلَا كُفْؤَ لَهُ. وَالْوَاحِدِيَّةُ صِفَةٌ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِهِ جَلَّ جَلَالُهُ، وَهِيَ تَقْتَضِي سَلْبَ الشَّرِيكِ وَالْمَثِيلِ وَالْمُمَاثِلِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَالتَّقْسِيمُ الصَّحِيحُ لِمَعْنَى الِانْفِرَادِ وَالْوَاحِدِيَّةِ هُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ لَا قَسِيمَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ لَا شَبِيهَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَوَاحِدٌ فِي تَعَبُّدِ خَلْقِهِ لَهُ فَلَا إِلَهَ غَيْرُهُ. فَالِاسْمُ جَامِعٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ: تَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ، وَتَوْحِيدِ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ. فَمَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ثُمَّ جَعَلَ مَعَهُ إِلَهاً آخَرَ فِي الْعِبَادَةِ فَمَا وَحَّدَهُ حَقِيقَةً، بَلْ جَعَلَهُ شَرِيكاً. وَكَذَلِكَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ طَالِبٌ لِوَاحِدِيَّتِهِ ثُمَّ نَفَى عَنْهُ كَمَالَ صِفَاتِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ مَعْدُوماً. فَالْوَاحِدُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ أَنْ يَشْرَكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْوَاحِدُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ التَّوْحِيدِ وَالْقَهْرِ فِِي (أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعاً)؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ يُوسُفَ: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): أَكَّدَ أَنَّ اسْمَ (الْوَاحِدِ) يُبْطِلُ مَقَالَاتِ النُّفَاةِ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ الْوَاحِدِيَّةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِثْبَاتِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمِيعاً نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْوَاحِدِ) هُوَ أَصْلُ الْعِبَادَةِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْقَصْدَ وَالنُّسُكَ إِلَّا مَنْ تَفَرَّدَ بِالْوَاحِدِيَّةِ ذَاتاً وَصِفَاتٍ طَلَباً [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): بَيَّنَ أَنَّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تَقْتَضِي إِفْرَادَ الرَّبِّ الْوَاحِدِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَقَطْعِ الْتِفَاتِ الْقَلْبِ إِلَى الْأَغْيَارِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ فِي التَّوْحِيدِ، وَفَسَّرَهُ بِالَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِِي صِفَاتِ كَمَالِهِ ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): قَرَّرَ أَنَّ (الْوَاحِدَ) هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِكُلِّ كَمَالٍ، وَالَّذِي يَنْفِي عَنْ نَفْسِهِ الشَّرِيكَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ وَالصِّفَاتِ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْوَاحِدِ) فِِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ، لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عِلْماً [١٢].
​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي اقْتِرَانِ اسْمِ (الْوَاحِدِ) بِاسْمِ (الْقَهَّارِ) فِِي غَالِبِ الْمَوَاضِعِ؛ لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ كَمَالَ الْوَاحِدِيَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، فَالْمَخْلُوقُ قَدْ يَكُونُ وَاحِداً مُنْفَرِداً لَكِنَّهُ ذَلِيلٌ مَقْهُورٌ، أَمَّا اللَّهُ فَهُوَ الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ الْقَاهِرُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].
​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ إِفْرَادَ الْقَصْدِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَتَوْحِيدَ الْوِجْهَةِ فِِي السَّيْرِ إِلَيْهِ، فَلَا يَتَشَتَّتُ قَلْبُهُ بَيْنَ رِضَا الْخَلْقِ، بَلْ يَجْعَلُ الْهُمُومَ هَمّاً وَاحِداً وَهُوَ رِضَا الْوَاحِدِ الْأَحَدِ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ الِاسْتِقْلَالِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ، وَتَبَاعُدَ التَّقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْأَكْثَرِيَّةِ إِذَا خَالَفَتِ الْحَقَّ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ [أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]

​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْوَاحِدِ) عَلَى إِثْبَاتِ انْفِرَادِهِ جَلَّ وَعَلَا بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ ذَاتاً وَصِفَاتاً وَأَفْعَالاً، فَلَا نَظِيرَ لَهُ وَلَا شَرِيكَ عِلْماً ، وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ وَاحِدِيَّةَ الرَّبِّ لَا تَعْنِي نَفْيَ صِفَاتِهِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعَطِّلَةُ، بَلْ هِيَ وَاحِدِيَّةُ الْمَوْصُوفِ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ شَرْعاً ، فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ لَفْظِ الْوَاحِدِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، بَيْنَمَا الْقَدْرُ الْفَارِقُ يَقْطَعُ التَّمْثِيلَ وَالتَّشْبِيهَ حَقِيقَةً ، فَاللَّهُ وَاحِدٌ لَا لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ كُلٍّ، بَلْ لِأَنَّهُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، وَتَفَرَّدَ بِالْغِنَى الْمُطْلَقِ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ثَبَاتاً ، وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ نَفْيَ التَّعَدُّدِ فِي الْأَفْعَالِ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي خَلْقِهِ، فَلَا خَالِقَ مَعَهُ، وَلَا مُدَبِّرَ لِلْكَوْنِ سِوَاهُ كَوْناً ، وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ تَوْحِيدَ الْوَاحِدِ يَكُونُ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ وَالذُّلِّ، فَمَنْ صَرَفَ نُسُكاً لِغَيْرِهِ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ طَلَباً ، فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدّاً فِي الْمَحَبَّةِ أَوِ التَّعْظِيمِ فَقَدْ جَعَلَ الْوَاحِدَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَهَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْمُحْبِطُ لِلْأَعْمَالِ شَرْعاً .
●وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ، بَلْ عُلُوُّهُ كَمَالٌ لِوَاحِدِيَّتِهِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي اسْتَحَقَّ الْإِلَهِيَّةَ بِأَصَالَةِ ذَاتِهِ، وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقَابُ لِقَهْرِهِ، بِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالتَّمَسُّكُ بِفَهْمِ السَّلَفِ لِلْقَدْرِ الْفَارِقِ فِِي الْوَاحِدِيَّةِ يَعْصِمُ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي بِدَعِ التَّعْطِيلِ أَوِ التَّشْبِيهِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْوَاحِدِ) لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى الْمُنْفَرِدِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ وَاحِدِيَّتَهُ تَقْتَضِي إِثْبَاتَ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ لَا نَفْيَهَا [١٥].
●​مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ (النُّفَاةِ):جَعَلُوا مَعْنَى (الْوَاحِدِ) هُوَ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ لِلْوَاحِدِ يَسْتَلْزِمُ (تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ)، فَسَمَّوْا نَفْيَ الصِّفَاتِ تَوْحِيداً، وَجَعَلُوا الْوَاحِدَ سَلْباً مَحْضاً لَا كَمَالَ فِيهِ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ بِتَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَيْسَتْ ذَاتاً مُسْتَقِلَّةً حَتَّى تَتَعَدَّدَ الذَّوَاتُ، بَلْ هِيَ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ الْوَاحِدَةِ، وَالْوَاحِدُ فِِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لَا الْمُجَرَّدُ عَنْهَا، وَمَا زَعَمْتُمُوهُ مِنْ تَوْحِيدٍ هُوَ عَيْنُ التَّعْطِيلِ الَّذِي يَؤُولُ بِالرَّبِّ إِلَى الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِِي الْأَعْيَانِ.
■​مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ:فَسَّرُوا (الْوَاحِدَ) بِنَفْيِ التَّرْكِيبِ وَالتَّقْسِيمِ (نَفْيُ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ)، وَنَفْيِ الْمَثِيلِ فِِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ (نَفْيُ الْكَمِّ الْمُنْفَصِلِ). لَكِنَّهُمْ فِِي تَطْبِيقِ ذَلِكَ أَنْكَرُوا الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةَ كَالْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ وَالنُّزُولِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يُوجِبُ التَّجْزِئَةَ وَيُنَاقِضُ كَوْنَهُ وَاحِداً [١٧].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: حَصْرُكُمْ مَعْنَى الْوَاحِدِ فِِي نَفْيِ الْكَمِّ الْمُتَّصِلِ وَالْمُنْفَصِلِ هُوَ اصْطِلَاحٌ كَلَامِيٌّ مُبْتَدَعٌ لَمْ يَرِدْ فِِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ، وَنَفْيُكُمْ لِلصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ بِحُجَّةِ نَفْيِ التَّجْزِئَةِ تَحْرِيفٌ؛ فَاللَّهُ يُوصَفُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَصِفَاتُهُ لَيْسَتْ أَبْعَاضاً وَلَا أَجْزَاءً مَخْلُوقَةً، بَلْ هِيَ صِفَاتُ كَمَالٍ لِذَاتٍ وَاحِدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ بَائِنَةٍ عَنِ الْخَلْقِ.
​■مَقَالَةُ الْفَلَاسِفَةِ (كَابْنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ):قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ (الْوَاحِدُ الْحَقُّ) مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَفَسَّرُوا ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا صِفَةَ لَهُ وَلَا مَاهِيَّةَ وَلَا حَقِيقَةَ تَمِيزُهُ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ عَنِ الْوَاحِدِ إِلَّا وَاحِدٌ، فَجَعَلُوا الْمَخْلُوقَاتِ صَادِرَةً عَنْهُ بِالْفَيْضِ لَا بِالْخَلْقِ وَالْمَشِيئَةِ [١٨].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا غَايَةُ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ؛ فَإِنَّ مَا وَصَفْتُمْ بِهِ الْوَاحِدَ هُوَ صِفَةُ الْمَعْدُومِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يُوجَدُ إِلَّا فِِي الْعَقْلِ. وَقَاعِدَتُكُمْ (لَا يَصْدُرُ عَنِ الْوَاحِدِ إِلَّا وَاحِدٌ) قَاعِدَةٌ بَاطِلَةٌ عَقْلاً وَشَرْعاً، فَاللَّهُ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، كَمَا قَالَ: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ:أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي خَلْقِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى فِي الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وَتَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَهُ [١٩].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الَّذِي أَبْطَلَهُ الْقُرْآنُ؛ فَاسْمُ (الْوَاحِدِ) يُوجِبُ إِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ كَمَا تَفَرَّدَ بِالْخَلْقِ، وَالْإِقْرَارُ بِوَاحِدِيَّةِ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ حَتَّى يُوَحِّدَ اللَّهَ فِِي أُلُوهِيَّتِهِ، فَلَا يُدْعَى غَيْرُهُ، وَلَا يُذْبَحُ لِسِوَاهُ، وَكُلُّ وَسِيطَةٍ دُونَ إِذْنِهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ.
_____________________________________________________________
​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٤٤٥-٤٤٨.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٠-٨٤.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّ الصَّفْحَةُ ٣٩٥-٣٩٧.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٠١٥-١٠١٧.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٨٠.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣١٥.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٤١٠.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَاهَا، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٥.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٦٥.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٠.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٨.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٢.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّ الصَّفْحَةُ ٨٥-٨٨.
[١٦] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥-١٩٠.
[١٧] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١١-٢١٥.
[١٨] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَغْيَةُ الْمُرْتَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ، مَكْتَبَةُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٧٠-٢٧٥.
[١٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٤، الصَّفْحَةُ ١٠٥-١١٠.


___________________________________________٣٧______________________________________

ص ٣٦​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْقَهَّارُ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْقَهَّارِ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعَّالٍ) مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (قَهَرَ)، الْمُشْتَقِّ مِنَ الْمَادَّةِ (ق هـ ر) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْغَلَبَةِ، وَالْأَخْذِ مِنَ الْفَوْقِ، وَالِاسْتِعْلَاءِ مَعَ تذْلِيلِ الْمَقْهُورِ؛ فَالْقَاهِرُ هُوَ الْغَالِبُ، وَالْقَهَّارُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْقَهْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ مَخْلُوقٌ، وَالَّذِي يَقْهَرُ الْجَبَابِرَةَ وَيَكْسِرُ عُتَاةَ الْخَلْقِ كُلَّمَا نَازَعُوهُ الرُّبُوبِيَّةَ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْقَهْرِ الْعَامِّ وَالْغَلَبَةِ التَّامَّةِ لِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ: إِثْبَاتِ نُفُوذِ مَشِيئَتِهِ وَجَرَيَانِ قَدَرِهِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، وَخُضُوعِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لِعِزَّتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَنَفْيِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مُعَارِضٌ أَوْ مُدَافِعٌ فِِي مُلْكِهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ قَهْرُ الْمَخْلُوقِ، الَّذِي هُوَ قَهْرٌ جُزْئِيٌّ قَاصِرٌ، مَبْنِيٌّ عَلَى الظُّلْمِ وَالْبَغْيِ غَالِباً، وَمَسْبُوقٌ بِالضَّعْفِ وَمَلْحُوقٌ بِالْهَزِيمَةِ وَالِانْكِسَارِ عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْقَهْرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ التَّفْرِيقِ التَّامِّ بَيْنِ حَقِيقَةِ الْقَهْرِ الْإِلَهِيِّ وَالْقَهْرِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْغَلَبَةِ وَالْإِخْضَاعِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَقَهْرُ الْبَارِي سُبْحَانَهُ صِفَةُ عَدْلٍ وَحِكْمَةٍ وَرُبُوبِيَّةٍ يَخْضَعُ لَهَا جَمِيعُ الْوُجُودِ اضْطِرَاراً، حَيْثُ تَمُوتُ الْخَلَائِقُ عِنْدَ مِيقَاتِهَا بِقَهْرِهِ، بَيْنَمَا قَهْرُ الْمَخْلُوقِ هُوَ انْفِعَالٌ نَفْسِيٌّ مَشُوبٌ بِالْحَاجَةِ لِإِثْبَاتِ الذَّاتِ، وَمُحَاطٌ بِقَهْرِ اللَّهِ لَهُ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"وَأَمَّا كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ (الْقَهَّارَ) فَهُوَ مَقْرُونٌ بِاسْمِهِ (الْوَاحِدِ) فِي الْقُرْآنِ، لِأَنَّ التَّفَرُّدَ بِالْوَاحِدِيَّةِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْقَهْرِ الْمُطْلَقِ، إِذْ لَوْ كَانَ مَعَهُ شَرِيكٌ لَمَا كَانَ قَهَّاراً لَهُ، بَلْ يَكُونُ مُعَاوِناً أَوْ مُعَارِضاً. وَقَهْرُهُ سُبْحَانَهُ يَنْقَسِمُ فِِي الْوُجُودِ إِلَى قِسْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ: ■أَحَدُهُمَا: قَهْرُهُ لِأَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ وَذَوَاتِهَا بِالْمَوْتِ، وَالْفَنَاءِ، وَالتَّبْدِيلِ، وَتَصْرِيفِهَا كَيْفَ يَشَاءُ لَا تَمْتَنِعُ عَلَيْهِ صُورَةٌ وَلَا يَتَعَاظَمُهُ جَسَدٌ. 
■وَالثَّانِي: قَهْرُهُ لِإِرَادَاتِ الْخَلْقِ وَمَشِيئَاتِهِمْ بِجَعْلِهِمْ خَاضِعِينَ لِأَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ الْقَدَرِيِّ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَإِنْ أَرَادَ الْعِبَادُ غَيْرَهُ. فَالْجَهْمِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ ظَنُّوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْقَهْرِ يَكْفِي عَنْ إِثْبَاتِ عُلُوِّ الذَّاتِ، فَأَنْكَرُوا فَوْقِيَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ وَقَالُوا هُوَ قَاهِرٌ فَقَطْ، وَهَذَا سَلْبٌ لِكَمَالِ الِاسْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}، فَأَثْبَتَ الْفَوْقِيَّةَ الذَّاتِيَّةَ الْمَقْرُونَةَ بِالْقَهْرِ، فَالْقَاهِرُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَالِياً عَلَى الْمَقْهُورِ ذَاتاً وَقَدْراً لَا صِفَةً مُجَرَّدَةً" [٤].

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"الْقَهَّارُ هُوَ الَّذِي تَدَانَتْ لِعِزَّتِهِ الرِّقَابُ، وَصَغُرَتْ عِنْدَ كِبْرِيَائِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَانْقَادَتْ لَهُ عَنَاصِرُ الْكَوْنِ جَمِيعُهَا. وَهَذَا الِاسْمُ مَبْنِيٌّ عَلَى الِانْفِرَادِ بِالْقُدْرَةِ وَتَدْبِيرِ الْمُلْكِ، وَتَقْسِيمُ آثَارِ قَهْرِهِ سُبْحَانَهُ يَظْهَرُ فِِي ثَلَاثَةِ مَظَاهِرَ مَشْهُودَةٍ: 
■أَوَّلُهَا: قَهْرُ جَمِيعِ الْأَسْبَابِ وَالْوَسَائِطِ فَلَا تَعْمَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِذَا أَرَادَ إِبْطَالَهَا سَلَبَهَا قُوَّتَهَا كَمَا سَلَبَ النَّارَ لَهَبَهَا فِِي حَقِّ الْخَلِيلِ. 
■وَالثَّانِي: قَهْرُهُ لِلنُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ بِالنَّوْمِ، وَالْمَرَضِ، وَالْعَجْزِ، وَالْفَقْرِ، فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ خُرُوجاً عَنْ أَحْكَامِ قَدَرِهِ. 
■وَالثَّالِثُ: قَهْرُهُ لِأَعْدَائِهِ بِالِانْتِقَامِ، وَالْإِهْلَاكِ، وَالْخِزْيِ فِِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَمَنْ نَفَى أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَاهِراً لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ كَالْقَدَرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ، أَوْ نَفَى صِفَةَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ النَّافِذَةِ كَالْجَهْمِيَّةِ، فَمَا شَهِدَ حَقِيقَةَ اسْمِ الْقَهَّارِ، بَلْ جَعَلَ الْمَخْلُوقَ غَالِباً لِمَشِيئَةِ الْخَالِقِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْقَهَّارُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْعَظَمَةِ وَالتَّفَرُّدِ وَالْغَلَبَةِ فِِي (سِتَّةِ مَوَاضِعَ)؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ غَافِرٍ: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} شَرْعاً [٦].
​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): أَكَّدَ أَنَّ صِفَةَ الْقَهْرِ تَتَلَازَمُ مَعَ الْفَوْقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ لِلَّهِ، فَالْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ذَاتاً وَمَشِيئَةً وَقُدْرَةً نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): بَيَّنَ أَنَّ اسْمَ (الْقَهَّارِ) مَقْرُونٌ بِالْوَاحِدِ لِأَنَّ كُلَّ مُتَعَدِّدٍ يُمَازِجُهُ الْمُقَاوِمُ، أَمَّا الْوَاحِدُ الْحَقُّ فَلَا قَهْرَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ طَلَاًّ [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): ذَكَرَ أَنَّ خُضُوعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِقَهْرِ الرَّبِّ عِنْدَ الْمَوْتِ وَالنُّشُورِ يُبْطِلُ دَعَاوَى اسْتِكْبَارِ أَهْلِ الدُّنْيَا تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ وَفَسَّرَهُ بِالَّذِي قَهَرَ عُتَاةَ خَلْقِهِ بِالْعُقُوبَاتِ، وَقَهَرَ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ بِالْمَوْتِ الْجَارِي عَلَيْهِمْ ثَبَاتاً [١١].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): قَرَّرَ أَنَّ قَهْرَ اللَّهِ تَعَالَى قَهْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعَدْلِ الْتَّامِّ وَالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، فَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ لِلْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَهَّارِ) فِِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِِي سِيَاقِ الْجَلَالِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ عِنْدَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ}؛ إِذْ قَرَنَ الْقَهْرَ بِالْحِكْمَةِ وَالْخِبْرَةِ لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ قَهْرَهُ لَيْسَ جَبَرُوتاً عَبَثِيّاً كَقَهْرِ مُلُوكِ الدُّنْيَا، بَلْ هُوَ قَهْرٌ يَقُومُ عَلَى عِلْمٍ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ، وَوَضْعِ الْأُمُورِ فِِي مَوَاضِعِهَا الصَّحِيحَةِ عَدْلاً وَحِكْمَةً تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ الترْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ طُمَأْنِينَةً وَيَقِيناً عِنْدَ تَسَلُّطِ الظَّالِمِينَ، فَلَا يَخَافُ قُوَّتَهُمْ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ فَوْقَهُمْ جَبَّاراً قَهَّاراً يَأْخُذُهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ كَسْرَ نَفْسِهِ، وَالتَّبَرُّؤَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، فَلَا يَغْتَرُّ بِمَا أُوتِيَ مِنْ عِلْمٍ أَوْ مَقَامٍ، بَلْ يَخْضَعُ لِسُلْطَانِ الْقَهَّارِ ذُلّاً وَاسْتِكَانَةً تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْقَهَّارِ) عَلَى إِثْبَاتِ نُفُوذِ الْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ فِِي جَمِيعِ أَقْدَارِ الْخَلْقِ، وَعُلُوِّهِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى عِبَادِهِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْقَهْرَ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ، فَاللَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْقَهْرِ أَزَلاً، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِِي الْخَلْقِ صُنْعاً وَشَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَعْنَى الْغَلَبَةِ وَالْقَهْرِ هُوَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ قَهْرِ الرَّبِّ بِقَهْرِ الْمَخْلُوقِينَ حَقِيقَةً.
فَاللَّهُ قَهَّارٌ لَا لِيَظْلِمَ خَلْقَهُ، بَلْ لِيُقِيمَ الْعَدْلَ، وَيُثْبِتَ تَفَرُّدَهُ بِالْمُلْكِ، فَلَا خُرُوجَ لِمَخْلُوقٍ عَنْ طَاعَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ ثَبَاتاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ إِثْبَاتَ الْقَهْرِ لَا يَنْفِي حِكْمَةَ الْأَسْبَابِ، بَلِ الْأَسْبَابُ نَفْسُهَا مَقْهُورَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ الْعَالِيَةِ كَوْناً.
وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ فِِي الْكَوْنِ مَنْ يَخْلُقُ فِعْلَهُ اسْتِقْلَالاً عَنِ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَ الْقَهَّارَ مَقْهُوراً، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ طَلَباً.
فَالْحَقُّ أَنَّ مَنْ شَهِدَ قَهْرَ الرَّبِّ فِِي تَبْدِيلِ الْأَحْوَالِ وَإِمَاتَةِ الْأَحْيَاءِ أَقَرَّ بِاضْطِرَارِهِ إِلَى رَحْمَتِهِ، وَخَضَعَ لِأَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ شَرْعاً.
وَالرَّدُّ عَلَى النُّفَاةِ أَنَّ تَعْطِيلَ الْفَوْقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ بِدَعْوَى الِاكْتِفَاءِ بِقَهْرِ الْقَدْرِ هُوَ تَحْرِيفٌ لِلْمَعَانِي الرَّاسِخَةِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْقَهَّارُ الَّذِي ذَلَّتْ لَهُ صِعَابُ الْأُمُورِ، وَتَبَدَّدَتْ دُونَ جَلَالِهِ قُوَّةُ الطُّغَاةِ، بِمَا اسْتَقَرَّ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالِاعْتِصَامُ بِفَهْمِ السَّلَفِ لِلْقَدْرِ الْفَارِقِ فِي الْقَهْرِ يَمْنَعُ جَفَاءَ الْقَدَرِيَّةِ كَمَا يَمْنَعُ غُلُوَّ الْجَبْرِيَّةِ النُّفَاةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):
يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْقَهَّارِ) وَصِفَةَ الْقَهْرِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ قَهْرَهُ نَافِذٌ فِي جَمِيعِ الْخَلْقِ، حَيْثُ خَلَقَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ وَمَشِيئَاتِهِمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ الرَّبَّانِيَّةِ الْعَالِيَةِ، مَعَ إِثْبَاتِ فَوْقِيَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ عَلَى جَمِيعِ عِبَادِهِ [١٥].
​■مَقَالَةُ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: قَالُوا إِنَّ اللَّهَ قَاهِرٌ لِأَعْيَانِ الْخَلْقِ فَقَطْ، لَكِنَّهُ لَيْسَ قَاهِراً لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَلَا لِمَشِيئَاتِهِمْ الِاخْتِيَارِيَّةِ؛ وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلَالاً عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، فَأَخْرَجُوا أَفْعَالَ الْعِبَادِ عَنْ سُلْطَانِ الْقَهَّارِ حَذَراً مِنَ الظُّلْمِ عِنْدَهُمْ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ يَجْعَلُ الْقَهَّارَ مَقْهُوراً نَاقِصاً؛ إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ وُجُودُ حَوَادِثَ وَأَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ فِِي مُلْكِهِ تَقَعُ عَلَى خِلَافِ مَشِيئَتِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا، وَهَذَا أَعْظَمُ النَّقْصِ. وَالْقُرْآنُ صَرِيحٌ فِِي أَنَّ مَشِيئَةَ الْعِبَادِ تَبَعٌ لِمَشِيئَتِهِ: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، فَأَفْعَالُهُمْ مَخْلُوقَةٌ لَهُ وَمَقْهُورَةٌ بِسُلْطَانِهِ مَعَ بَقَاءِ اخْتِيَارِهِمْ.
​■مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ الْخَالِصَةِ: غَلَوْا فِِي إِثْبَاتِ الْقَهْرِ حَتَّى نَفَوْا عَنِ الْعَبْدِ كُلَّ قُدْرَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَقَالُوا إِنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ كَالرِّيشَةِ فِِي مَهَبِّ الرِّيحِ، وَزَعَمُوا أَنَّ قَهْرَ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ عَيْنُ فِعْلِ الرَّبِّ حَقِيقَةً، فَأَبْطَلُوا التَّكْلِيفَ وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ [١٧].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا ضَلَالٌ يُفْسِدُ الشَّرِيعَةَ وَالْعَقْلَ؛ فَإِنَّ قَهْرَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ لَا يَسْلُبُهُمْ قُدْرَتَهُمُ الَّتِي مَنَحَهُمْ إِيَّاهَا، بَلِ الْعَبْدُ فَاعِلٌ حَقِيقَةً وَلَهُ مَشِيئَةٌ مُعْتَبَرَةٌ يَسْتَحِقُّ بِهَا الْعِقَابَ أَوِ الثَّوَابَ، وَاللَّهُ خَالِقٌ لِتِلْكَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ، فَالْجَبْرُ الْخَالِصُ ظُلْمٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ، وَقَهْرُهُ لِلْعِبَادِ هُوَ قَهْرُ سُلْطَانٍ وَمَلَكُوتٍ لَا قَهْرُ إِجْبَارٍ يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ الْإِلَهِيَّ.
■​مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ فِي التَّأْوِيلِ: أَثْبَتُوا الِاسْمَ لَكِنَّهُمْ تَأَوَّلُوا صِفَةَ الْقَهْرِ بِأَنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ أَوِ الْإِرَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِعْدَامِ الْخَلْقِ أَوْ عُقُوبَتِهِمْ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْقَهْرُ دَالّاً عَلَى صِفَةٍ فَوْقِيَّةٍ ذَاتِيَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ، وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ: {الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} بِعُلُوِّ الْمَرْتَبَةِ وَالشَّرَفِ فَقَطْ [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا التَّأْوِيلُ تَحْجِيمٌ لِمَعَانِي الْكِتَابِ؛ فَالْفَوْقِيَّةُ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْعِبَادِ بِأَدَاةِ (فَوْقَ) دَلَّتْ عَلَى الْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ مَعَ عُلُوِّ الْقَهْرِ، وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا. وَجَعْلُ الْقَهْرِ مُجَرَّدَ قُدْرَةٍ دُونَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الِاسْتِعْلَاءِ الْمَذْكُورِ فِي النَّصِّ سَلْبٌ لِأَوْصَافِ الْجَلَالِ الَّتِي تَفَرَّدَ بِهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِناً مِنْ خَلْقِهِ.
​■مَقَالَةُ الْمُشَبِّهَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ: شَبَّهُوا قَهْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِقَهْرِ مُلُوكِ الدُّنْيَا وَجَبَابِرَتِهَا الَّذِينَ يَقْهَرُونَ النَّاسَ بِالْغَشْمِ، وَالظُّلْمِ، وَالْأَذَى النَّفْسِيِّ لِتَحْقِيقِ مَصَالِحِهِمْ، وَوَصَفُوا قَهْرَ الرَّبِّ بِأَعْرَاضِ الْمَخْلُوقِينَ تَمْثِيلاً وَبَغْياً [١٩].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَمْثِيلٌ كُفْرِيٌّ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فَقَهْرُ الْقَهَّارِ سُبْحَانَهُ كَمَالٌ مُطْلَقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحِكْمَةِ، وَالْعَدْلِ، وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ؛ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مَقْهُورِهِ، وَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، بَيْنَمَا قَهْرُ الْمَخْلُوقِ نَقْصٌ وَظُلْمٌ وَافْتِقَارٌ لِحِمَايَةِ مُلْكِهِ الزَّائِلِ.
____________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٤٠-٣٤٤.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٥.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٢-٩٦.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْسِيسِ بِدَعِهِمُ الْكَلَامِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٤.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٨٥-٤٨٨.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٣٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٢٥.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٢٤٠.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، أَهْوَالُ الْقُبُورِ وَأَحْوَالُ أَهْلِهَا إِلَى النُّشُورِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٧٢.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ الْعُثَيْمِينِ، دَارُ الْثُرَيَّا، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥٢.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٨.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٥.
[١٦] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٥-٣٥٠.
[١٧] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠-٢٨٥.
[١٨] أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، الْإِنْصَافُ فِيمَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَلَا يَجُوزُ الْجَهْلُ بِهِ، مَكْتَبَةُ الْخَانْجِي - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥-١٠٠.
[١٩] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٨٥-١٩٠.
________________________________________٣٨__________________________________________

ص ٣٧[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]​الِاسْمُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْحَقُّ)

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْحَقِّ): مَصْدَرٌ جَرَى مَجْرَى الْأَسْمَاءِ لِلْمَوْصُوفِ بِالثُّبُوتِ وَالْوُجُودِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ح ق ق) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى إِحْكَامِ الشَّيْءِ، وَصِحَّتِهِ، وَثُبُوتِهِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، وَمَا يُقَابِلُ الْبَاطِلَ؛ فَالْحَقُّ هُوَ الْمَوْجُودُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا سَبِيلَ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَيُقَالُ: حَقَّ الشَّيْءُ يَحِقُّ إِذَا وَجَبَ وَثَبَتَ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْحَقُّ أَيْ كَامِلُ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ عَدَمٌ وَلَا زَوَالٌ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْوُجُودِ الْوَاجِبِ وَالصِّدْقِ الْمُطْلَقِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ: إِثْبَاتِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْمَوْجُودُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَفْنَى، وَأَنَّ قَوْلَهُ حَقٌّ، وَوَعْدَهُ حَقٌّ، وَدِينَهُ حَقٌّ، وَنَفْيِ الشَّكِّ وَالزَّيْغِ وَالْبُطْلَانِ عَنْ كُلِّ مَا أُضِيفَ إِلَيْهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ حَقِّيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ حَقِّيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ حَادِثَةٌ، يُسْرِعُ إِلَيْهَا الْعَدَمُ، وَتَفْتَقِرُ فِي ثُبُوتِهَا إِلَى إِيجَادِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ لَهَا عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ الْوُجُودِ الذَّاتِيِّ الْعَيْنِيِّ لِلَّهِ تَعَالَى خَارِجَ الْأَذْهَانِ، خِلَافاً لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنِ حَقِيقَةِ الْوُجُودِ الْإِلَهِيِّ وَالْوُجُودِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الثُّبُوتِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَحَقِّيَّةُ الْبَارِي أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ بِذَاتِهَا، قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، لَمْ تُسْبَقْ بِعَدَمٍ، بَيْنَمَا حَقِّيَّةُ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقَةٌ جَائِزَةٌ يَلْحَقُهَا التَّغْيِيرُ وَالِافْتِقَارُ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ (الْحَقُّ) وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ لِذَاتِهِ، وَمَا سِوَاهُ بَاطِلٌ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}. وَتَقْسِيمُ هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ يَدُورُ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْحَقُّ فِِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهُوَ وُجُودُهُ الْعَيْنِيُّ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ النَّفْيَ وَلَا التَّعْطِيلَ، فَلَيْسَ هُوَ وُجُوداً مُطْلَقاً فِي الْأَذْهَانِ كَمَا يَقُولُهُ الْمُتَفَلْسِفَةُ، بَلْ هُوَ حَقٌّ حَقِيقَةً بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ. وَالثَّانِي: الْحَقُّ فِي أَقْوَالِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَشَرْعِهِ، فَكُلُّ مَا صَدَرَ عَنْهُ فِِي الْكَوْنِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَعَدْلٌ. وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ عَرَّفُوا (الْحَقَّ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ الْحَقَّ أَوْ يَقْضِي بِالْحَقِّ، فَنَفَوْا حَقِّيَّةَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَجَعَلُوهُ اسْماً لِمُجَرَّدِ مَفْعُولٍ خَارِجِيٍّ، وَهَذَا سَلْبٌ لِكَمَالِ الِاسْمِ، لِأَنَّ كَوْنَهُ حَقّاً وَصْفٌ ثَابِتٌ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ عَقْلاً وَلُغَةً" [٤].

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"الْحَقُّ هُوَ الَّذِي لَا شَكَّ فِِي وُجُودِهِ، وَلَا رَيْبَ فِِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ، بَلْ شَهَادَةُ الْوُجُودِ كُلِّهِ بِحَقِّيَّتِهِ أَعْظَمُ مِنْ شَهَادَتِهِ بِأَيِّ مَشْهُودٍ. وَالتَّقْسِيمُ الْجَامِعُ لِمَا يُضَافُ إِلَى هَذَا الِاسْمِ أَنَّ الْحَقَّ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَوَّلُهَا: حَقِّيَّةُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ. وَالثَّانِي: حَقِّيَّةُ صِفَاتِهِ وَأَنَّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ لَا تَحْمِلُ نَقْصاً وَلَا مَجَازاً. وَالثَّالِثُ: حَقِّيَّةُ دِينِهِ وَكَلَامِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ. فَمَنْ نَفَى كَمَالَ الصِّفَاتِ وَأَفْعَالِ الرَّبِّ فَقَدْ جَعَلَ اسْمَ الْحَقِّ مَجَازاً، لِأَنَّ الذَّاتَ الْخَالِيَةَ عَنِ الصِّفَاتِ بَاطِلَةٌ فِِي طَبَائِعِ الْعُقُولِ. فَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الصَّادِقُ فِِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ، الْعَدْلُ فِي كُلِّ مَا قَضَى، وَمَنْ شَهِدَ هَذَا الِاسْمَ حَقِيقَةً انْقَادَ لِشَرْعِهِ رِضاً وَتَسْلِيماً مِنْ غَيْرِ مُعَارَضَةٍ بِرَأْيٍ أَوْ هَوَى" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْحَقُّ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَالثَّنَاءِ وَالْأُلُوهِيَّةِ فِي (عَشَرَةِ مَوَاضِعَ)؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ طه: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): بَيَّنَ أَنَّ صِفَةَ الْحَقِّ تَقْتَضِي ثُبُوتَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ خَارِجَ الْعَقْلِ ثُبُوتاً حَقِيقِيّاً لَا مَجَازَ فِيهِ نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): قَرَّرَ أَنَّ حَقِّيَّةَ الرَّبِّ تَبْطِلُ كُلَّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَأَنَّ التَّسْلِيمَ لِخَبَرِهِ هُوَ مُقْتَضَى هَذَا الِاسْمِ طَلَاًّ [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): ذَكَرَ أَنَّ الدُّعَاءَ بِالْمَأْثُورِ (أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ الْحَقُّ) هُوَ تَوْثِيقٌ لِعَقْدِ الْإِيمَانِ عِنْدَ قِيَامِ اللَّيْلِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ وَفَسَّرَهُ بِالْمَوْجُودِ الْمُتَحَقِّقِ كَوْنُهُ وَإِلَهِيَّتُهُ، الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ تَغْيِيرٌ وَلَا زَوَالٌ ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): أَكَّدَ أَنَّ (الْحَقَّ) هُوَ الثَّابِتُ فِِي نَفْسِهِ، الَّذِي يُوجِبُ شَرْعُهُ لُزُومَ الِاسْتِقَامَةِ وَبُطْلَانِ مَا خَالَفَهُ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْحَقِّ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّامِنَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِِي مَوَاطِنِ التَّعْظِيمِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}؛ إِذْ قَرَنَ حَقِّيَّتَهُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ كَمَالَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ لِلْحَقِّ سُبْحَانَهُ لَا يَظْهَرُ جَلِيّاً إِلَّا بِإِعَادَةِ الْخَلْقِ، فَالْبَعْثُ حَقٌّ لِأَنَّ صَادِرَهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَزُولُ، وَكُلُّ مَا سِوَى الْحَقِّ فِِي تَبَدُّدٍ وَانْفِصَامٍ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ قُوَّةً فِي الصَّدْعِ بِالْحَقِّ وَالْتِزَامِ الصِّدْقِ فِي نِيَّتِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَلَا يَخْشَى مَلَامَةَ الْخَلْقِ لِأَنَّهُ مُعْتَصِمٌ بِالْحَقِّ الْمُطْلَقِ. كَمَا يُرَبِّي فِِي الْبَاحِثِ أَمَانَةَ النَّقْلِ، وَإِخْلَاصَ الْقَصْدِ فِي تَأْصِيلِ الْمَسَائِلِ، مَعَ التَّجَرُّدِ الْكَامِلِ عَنِ الْهَوَى، إِذْ غَايَةُ الْعِلْمِ هِيَ الْوُصُولُ إِلَى رِضَا الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَاتِّبَاعِ شَرْعِهِ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْحَقِّ) عَلَى إِثْبَاتِ الْوُجُودِ الذَّاتِيِّ الْحَقِيقِيِّ لِلَّهِ، وَبُطْلَانِ قَوْلِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالْفَلَاسِفَةِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ اللَّهَ حَقٌّ بِذَاتِهِ كَمَا أَنَّهُ حَقٌّ فِي صِفَاتِهِ، فَلَا مَجَازَ وَلَا نَفْيَ يَلْحَقُ أَسْمَاءَهُ الْعُلْيَا صُنْعاً وَشَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَفْهُومِ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ وُجُودِهِ بِوُجُودِ الْخَلْقِ حَقِيقَةً.
فَاللَّهُ حَقٌّ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الَّذِي بِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَلَا قِيَامَ لِمَوْجُودٍ إِلَّا بِإِيجَادِهِ وَإِمْدَادِهِ ثَبَاتاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الْحَقُّ فِِي كِتَابِهِ عَنِ الْغَيْبِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الْحَقُّ الصَّرِيحُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ كَوْناً.
وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ مَنْ جَعَلَ شَرْعَ اللَّهِ أَوْ بَعْضَ أَحْكَامِهِ مَحَلَّ شَكٍّ أَوْ مِرَاءٍ فَقَدْ طَعَنَ فِي حَقِّيَّةِ الِاسْمِ الْعَظِيمِ طَلَباً.
فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّ تَقْرِيرٍ يُخَالِفُ نُصُوصَ الْوَحْيَيْنِ هُوَ بَاطِلٌ مَحْضٌ، وَإِنْ زَخْرَفَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ بِشُبُهَاتِ الْعُقُولِ شَرْعاً.
وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّ نَفْيَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ بِدَعْوَى الِاحْتِرَازِ مِنَ التَّجْسِيمِ هُوَ سَلْبٌ لِحَقِّيَّةِ كَلَامِ اللَّهِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالْجَلَالِ، وَخَضَعَتْ لَهُ حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالِاتِّبَاعُ الصَّادِقُ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ فِِي إِثْبَاتِ الْقَدْرِ الْفَارِقِ لِلْحَقِّ يَعْصِمُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي ضَلَالَاتِ أَهْلِ الْوَهْمِ وَالْخَيَالِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]
​مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):
■يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْحَقِّ) عَلَى الْحَقِيقَةِ لِلَّهِ تَعَالَى ذَاتاً وَصِفَاتاً، وَيَقُولُونَ هُوَ الْمَوْجُودُ الثَّابِتُ بِنَفْسِهِ، الْبَائِنُ عَنْ خَلْقِهِ، الَّذِي كَلَامُهُ حَقٌّ، وَدِينُهُ حَقٌّ، وَصِفَاتُهُ كُلُّهَا حَقٌّ لَا تَمْثِيلَ فِيهَا وَلَا تَأْوِيلَ [١٥].
■​مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (الْمُعَطِّلَةِ):قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ أَوَّلُوا الِاسْمَ بِأَنَّهُ الَّذِي يَفْعَلُ الْحَقَّ فِِي خَلْقِهِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِهِ كَالْعِلْمِ وَالْكَلَامِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَهُمْ يُبْطِلُ التَّوْحِيدَ وَيُقْتَضِي التَّعَدُّدَ [١٦].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِالْحَقِّ يَجِبُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الذَّاتِ أَوَّلاً قَبْلَ أَفْعَالِهَا، وَنَفْيُ الصِّفَاتِ عَنِ الْحَقِّ صَنِيعٌ يَؤُولُ بِالرَّبِّ إِلَى الْعَدَمِ، إِذِ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصِّفَاتِ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ، بَلْ هِيَ بَاطِلَةٌ ذِهْناً، فَكَمَالُ حَقِّيَّتِهِ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ كَمَالِهِ الذَّاتِيِّ وَأَوْصَافِهِ الْعُلْيَا.
​■مَقَالَةُ الْفَلَاسِفَةِ (الْمَشَّائِينَ كَابْنِ سِينَا):فَسَّرُوا (الْحَقَّ) بِأَنَّهُ (الْوَاجِبُ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ)، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا هَذَا الْوُجُودَ مُجَرَّداً عَنِ الْمَاهِيَّةِ وَالصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ وُجُودٌ مُطْلَقٌ لَا يَتَحَيَّزُ وَلَا يُوصَفُ بِالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ، بَلْ تَصْدُرُ عَنْهُ الْأَشْيَاءُ بِالْلُّزُومِ الْعَقْلِيِّ الْأَزَلِيِّ [١٧].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: مَا وَصَفْتُمْ بِهِ وَاجِبَ الْوُجُودِ هُوَ عَيْنُ الْمُمْتَنِعِ وَالْمَعْدُومِ؛ فَالْوُجُودُ الْمُطْلَقُ بِشَرْطِ الْإِطْلَاقِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ. وَالْحَقُّ سُبْحَانَهُ ذَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَهَا مَاهِيَّةٌ وَصِفَاتٌ، كَمَا أَنَّ صُدُورَ الْخَلْقِ عَنْهُ كَانَ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، لَا بِالْفَيْضِ الْجَبْرِيِّ الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ كُفْراً.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ (غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ):زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا بِـ (وَحْدَةِ الْوُجُودِ)، أَيْ أَنَّ وُجُودَ الْخَلْقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْخَالِقِ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ غَيْرٌ فِِي الْوُجُودِ، فَالْكَوْنُ كُلُّهُ هُوَ الْحَقُّ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذِهِ الْمَقَالَةُ أَعْظَمُ كُفْراً مِنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ فَالْقُرْآنُ وَالْعَقْلُ قَاطِعَانِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْخَالِقُ، وَالْخَلْقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ الْمَرْبُوبُ، وَثَمَّةَ مُبَايَنَةٌ تَامَّةٌ بَيْنَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَذَوَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَجَعْلُ أَعْيَانِ الْمُحْدَثَاتِ وَالنَّجَاسَاتِ هِيَ عَيْنُ الْحَقِّ هُوَ سَلْبٌ لِقُدْسِيَّةِ الرَّبِّ وَحَقِيقَةِ اسْمِهِ الْعَظِيمِ.
​■مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ فِِي صِفَةِ الْكَلَامِ:أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ، لَكِنَّهُمْ فِي بَابِ الْكَلَامِ قَالُوا إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ (الْقُرْآنَ) الْمَقْرُوءَ الْمَكْتُوبَ فِِي الْمَصَاحِفِ لَيْسَ هُوَ كَلَامُ الْحَقِّ عَلَى الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ حِكَايَةٌ أَوْ عِبَارَةٌ عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ، فَنَفَوْا حَقِّيَّةَ الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ لِلَّهِ [١٩].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ يَجْعَلُ الْقُرْآنَ مَخْلُوقاً مِنْ حَيْثُ لَا تَشْعُرُونَ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِحَقِّيَّةِ الِاسْمِ؛ فَاللَّهُ أَخْبَرَ أَنَّ كَلَامَهُ حَقٌّ: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً}، فَالْقُرْآنُ بِأَلْفَاظِهِ وَمَعَانِيهِ هُوَ كَلَامُ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ صَرِيحاً، تَبَعاً لِمَشِيئَتِهِ، سَمِعَهُ جِبْرِيلُ وَبَلَّغَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةً لَا مَجَازاً كَلَامِيّاً.

__________________________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٤٩-٥٣.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٢-١٠٦.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤١٥-٤١٨.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، كَشْفُ الْغِطَاءِ عَنْ حُكْمِ سَمَاعِ الْغِنَاءِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّ الصَّفْحَةُ ٢٣٠-٢٣٤.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٢٠.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٤١٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٨٥.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمُنِيرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٢٥.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٨٠.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥٩.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٦، الصَّفْحَةُ ١١٥.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
[١٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٩٥-٢٠٠.
[١٦] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، الْمُغْنِي فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٥.
[١٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَوَافَقَةُ صَحِيحِ الْمَنْقُولِ لِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣١٠-٣١٥.
[١٨] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الِاتِّحَادِ وَحُلُولِ الْوُجُودِ، مَكْتَبَةُ دَارِ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٥-٩٠.
[١٩] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥٥-٢٦٠.
___________________________________٣٩_______________________________________________

ص ٣٨[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: (الْمُبِينُ)

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْمُبِينِ): اسْمُ فَاعِلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (أَبَانَ) عَنِ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ب ي ن)، الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى ظُهُورِ الشَّيْءِ، وَانْفِصَالِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِيزَةً وَتَجَلِّياً. وَالْفِعْلُ فِيهِ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ؛ فَيَأْتِي بِمَعْنَى (الْبَائِنِ) أَيِ الظَّاهِرِ الْوَاضِحِ الَّذِي لَا خَفَاءَ فِيهِ، وَيَأْتِي بِمَعْنَى (الْمُظْهِرِ) لِغَيْرِهِ الْمُوَضِّحِ لَهُ. فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ (الْمُبِينُ) أَيِ الظَّاهِرُ أَمْرُهُ وَوَحْدَانِيَّتُهُ فِي وُجُودِهِ، وَالْمُظْهِرُ لِعِبَادِهِ سُبُلَ الرَّشَادِ وَأَحْكَامَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالظُّهُورِ الْجَلِيِّ فِِي وَحْدَانِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَبِالْإِبَانَةِ التَّامَّةِ لِشَرِيعَتِهِ وَآيَاتِهِ: إِثْبَاتِ كَمَالِ ظُهُورِ صِفَاتِهِ خَارِجَ الْأَذْهَانِ، وَإِيضَاحِهِ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ لِخَلْقِهِ، وَنَفْيِ الْخَفَاءِ وَالْغُمُوضِ وَاللَّبْسِ عَنْ طَبَائِعِ أَمْرِهِ وَدِينِهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ بَيَانُ الْمَخْلُوقِ، الَّذِي هُوَ بَيَانٌ قَاصِرٌ مَسْبُوقٌ بِالْجَهْلِ، مَحْدُودٌ بِأَدَوَاتِ النُّطْقِ وَالْكِتَابَةِ، وَيَعْتَرِيهِ الْعَجْزُ وَالْقُصُورُ عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُبِينٌ لِعِبَادِهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ، خِلَافاً لِأَهْلِ الْبَاطِنِ وَالتَّجْهِيلِ، مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنِ بَيَانِ الْخَالِقِ وَبَيَانِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الْإِيْضَاحِ وَالظُّهُورِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَبَيَانُ الْبَارِي بَيَانٌ حَقِيقِيٌّ كَامِلٌ شَامِلٌ لِلْكَوْنِ وَالشَّرْعِ بِكَلَامِهِ الَّذِي مَنْ شَاءَ فَهِمَهُ، بَيْنَمَا بَيَانُ الْمَخْلُوقِ عَرَضٌ زَائِلٌ، مَحْكُومٌ بِتَقْرِيبِ الْأَفْهَامِ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"وَأَمَّا اسْمُهُ (الْمُبِينُ) فَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مُقَيِّداً لِلْحَقِّ فِي مَوْضِعِ النَّجْوَى وَالْجَزَاءِ، وَتَقْسِيمُ دَلَالَتِهِ يَظْهَرُ فِي وُجُوهٍ: ■أَحَدُهَا: أَنَّهُ سُبْحَانَهُ مُبِينٌ فِي ذَاتِهِ، أَيْ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، ظَاهِرٌ بِآيَاتِهِ الْكَائِنَةِ الَّتِي لَا تَدَعُ لِذِي عَقْلٍ شَكّاً فِي رُبُوبِيَّتِهِ. ■وَالثَّانِي: أَنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ، فَهُوَ الَّذِي أَبَانَ لِلْعِبَادِ طَرِيقَ الْهُدَى بِرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ، فَلَمْ يَتْرُكْ أَمْرَ الدِّينِ مُشْتَبِهاً وَلَا مُجْمَلاً حَتَّى قَامَتِ الْحُجَّةُ. 
■وَقَدْ ضَلَّتِ الْبَاطِنِيَّةُ وَالْمُتَفَلْسِفَةُ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ خِطَابَ الرَّبِّ أَلْغَازٌ وَرُمُوزٌ لَا ظَاهِرَ لَهَا يُبِينُ الْحَقَائِقَ، فَنَفَوْا كَوْنَهُ مُبِيناً، وَالْحَقُّ أَنَّ كَلَامَهُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْبَيَانِ وَالْفَصَاحَةِ، يَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ وَالْخَاصَّةُ كُلٌّ بِقَدْرِهِ عَقْلاً وَشَرْعاً" [٤].

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:

​"هُوَ الْمُبِينُ الَّذِي أَبَانَ بِكَلَامِهِ وَآيَاتِهِ الصَّادِقَةِ كُلَّ مَسَالِكِ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ. وَتَقْسِيمُ آثَارِ هَذَا الِاسْمِ يَعُودُ إِلَى مَرْتَبَتَيْنِ: ■أُولَاهُمَا: إِبَانَتُهُ الْكَوْنِيَّةُ، بِمَا بَثَّهُ فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِ الْخَلْقِ مِنْ بَرَاهِينَ تُبِينُ أَنَّهُ الْخَالِقُ الْحَقُّ وَمَا سِوَاهُ مَرْبُوبٌ. ■وَالثَّانِيَةُ: إِبَانَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، بِتَنْزِيلِ الْكِتَابِ الْمُبِينِ الَّذِي فَصَّلَ فِيهِ الْأَحْكَامَ وَضَرَبَ فِيهِ الْأَمْثَالَ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ ظَوَاهِرُهَا كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ وَأَنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلَاتٍ بَاطِنَةٍ، فَقَدْ جَرَّحَ اسْمَ (الْمُبِينِ)، إِذْ كَيْفَ يَكُونُ الْكَلَامُ مُبِيناً وَهُوَ يُوقِعُ النَّاسَ فِي التَّشْبِيهِ وَالضَّلَالِ عِنْدَهُمْ؟! تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ بَيَانُهُ صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْمُبِينُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ إِظْهَارِ الْعَدْلِ وَالْجَزَاءِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ} شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ 
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): أَكَّدَ أَنَّ اسْمَ (الْمُبِينِ) يُوجِبُ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ غُمُوضٌ فِي أَصْلِ الْعَقِيدَةِ بَلْ هُوَ هُدًى وَبَيَانٌ نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥1هـ): بَيَّنَ أَنَّ إِبَانَةَ الرَّبِّ لِأَحْكَامِهِ مَقْطَعٌ لِلْحُجَّةِ، فَلَا يَعْذِرُ أَحَدٌ بَعْدَ الْبَيَانِ الْإِلَهِيِّ طَلَاًّ [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): وَصَفَ الْبَيَانَ الشَّرْعِيَّ بِأَنَّهُ أَوْضَحُ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ، وَأَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ هُمْ مَنْ يُدْخِلُونَ اللَّبْسَ عَلَى النَّاسِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ وَفَسَّرَهُ بِالَّذِي أَبَانَ أَمْرَهُ فِي أُلُوهِيَّتِهِ، وَأَبَانَ لِعِبَادِهِ طُرُقَ الْهُدَى ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): قَرَّرَ أَنَّ اللَّهَ مُبِينٌ لِأَنَّهُ أَظْهَرَ لِلْخَلْقِ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُونَهُ حَتَّى دَقَائِقِ الْآدَابِ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْمُبِينِ) فِي الْمَرْتَبَةِ التَّاسِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً فِِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ نَصّاً جَلِيّاً عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سُورَةِ النُّورِ عِنْدَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ}؛ إِذْ جَاءَ هَذَا فِِي سِيَاقِ بَرَاءَةِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَؤُخِّرُ كَشْفَ الْحَقَائِقِ ابْتِلَاءً، لَكِنَّهُ فِِي النِّهَايَةِ هُوَ (الْمُبِينُ) الَّذِي يَهْتِكُ أَسْتَارَ الْمُنَافِقِينَ وَيُظْهِرُ الْبَرَاءَةَ وَالْعَدْلَ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ رَغْبَةً فِِي الْوُضُوحِ، وَالتَّمَسُّكِ بِالصِّدْقِ، وَالِابْتِعَادِ عَنِ الْمَكْرِ وَالْخِدَاعِ وَالْتِوَاءِ الْمَوَاقِفِ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ لِلْعِلْمِ بَيَاناً جَلِيّاً سَهْلاً، بَعِيداً عَنِ التَّعْقِيدِ اللَّفْظِيِّ وَالْأَلْغَازِ الْكَلَامِيَّةِ، اقْتِدَاءً بِالْبَيَانِ الرَّبَّانِيِّ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ تَيْسِيراً وَهِدَايَةً تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْمُبِينِ) عَلَى إِثْبَاتِ كَمَالِ ظُهُورِهِ كَوْناً، وَوُضُوحِ طَرِيقِ الشَّرِيعَةِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ اللَّهَ مُبِينٌ بِذَاتِهِ كَمَا أَنَّهُ مُبِينٌ لِأَحْكَامِهِ، فَلَا رُمُوزَ تُخْفِي الْعَقِيدَةَ صُنْعاً وَشَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَفْهُومِ الْبَيَانِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ بَيَانِهِ بِبَيَانِ الْخَلْقِ حَقِيقَةً ، فَاللَّهُ مُبِينٌ لِأَنَّهُ الْأَحَقُّ بِالظُّهُورِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ وَالْعُقُولُ، فَلَا جَهَالَةَ تَلْحَقُ وُجُودَهُ ثَبَاتاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ فِي الشَّرِيعَةِ بَاطِناً يُخَالِفُ الظَّاهِرَ الْمُبِينَ فَقَدْ جَحَدَ كَمَالَ الِاسْمِ كَوْناً.
وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ مَنْ طَعَنَ فِي فَهْمِ السَّلَفِ لِلنُّصُوصِ بِدَعْوَى أَنَّهَا مُجْمَلَةٌ فَقَدْ أَبْطَلَ كَوْنَ الْقُرْآنِ بَيَاناً طَلَباً.
فَالْحَقُّ أَنَّ نُصُوصَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَاضِحَةُ الْمَعَانِي، وَإِنْ غَابَتْ عَنَّا حَقَائِقُ الْكَيْفِيَّةِ شَرْعاً.
وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكَلاَمِ أَنَّ تَعْقِيدَ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ بِالْمُصْطَلَحَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ هُوَ خُرُوجٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُبِينِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْمُبِينُ الَّذِي أَقَامَ الْحُجَجَ، وَأَزَارَ الشُّبُهَاتِ، بِمَا اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِ أَهْلِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالِاعْتِصَامُ بِظَاهِرِ النُّصُوصِ مَعَ نَفْيِ التَّمْثِيلِ هُوَ الْمَسْلَكُ الْمُبِينُ الَّذِي يَعْصِمُ مِنَ التَّعْطِيلِ وَالْحَيْرَةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْمُبِينِ) لِلَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً ذَاتاً وَفِعْلًا، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ أَظْهَرَ الدِّينَ إِظْهَاراً شَافِياً، وَأَنَّ كَلَامَهُ بَيِّنٌ فِي نَفْسِهِ، لَا أَلْغَازَ فِيهِ وَلَا تَعْمِيَةَ، بَلْ هُوَ نُورٌ وَهُدًى يَهْتَدِي بِهِ الْعِبَادُ [١٥].
​■مَقَالَةُ غُلَاةِ الشِّيعَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ (أَهْلِ التَّأْوِيلِ):زَعَمُوا أَنَّ الْقُرْآنَ وَالشَّرِيعَةَ لَهُمَا ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، وَأَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقِشْرِ لِلْجُهَّالِ، بَيْنَمَا الْبَاطِنُ هُوَ الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا أَوْلِيَاؤُهُمْ، فَنَفَوْا كَوْنَ الْقُرْآنِ كِتَاباً مُبِيناً لِعَامَّةِ النَّاسِ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ هُدْمٌ لِلشَّرِيعَةِ وَطَعْنٌ فِي اسْمِ (الْمُبِينِ)؛ فَإِنَّ اللَّهَ سَمَّى كِتَابَهُ {كِتَاباً مُبِيناً} وَقَالَ: {بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ}، فَلَوْ كَانَتْ مَعَانِيهِ مَحْجُوبَةً عَنِ الْخَلْقِ لَمَا كَانَ بَيَاناً، وَلَصَارَ تَعْذِيبُهُمْ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِهِ ظُلْماً، لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ لَا سِرِّيَّةَ فِيهَا وَلَا بَاطِنَ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ التَّجْهِيلِ وَالْمُفَوِّضَةِ فِِي الْمَعْنَى: قَالُوا إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ نُصُوصَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَلَكِنَّ مَعَانِيَهَا مَجْهُولَةٌ لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَوْ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي لَا نَفْهَمُ مِنْهَا شَيْئاً، فَنَفَوْا كَوْنَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ مُبِينَةً [١٧].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا نَسْبٌ لِلْجَهْلِ وَالْعَبَثِ إِلَى كَلَامِ الْمُبِينِ سُبْحَانَهُ؛ فَاللَّهُ خَاطَبَنَا لِنَعْقِلَ وَنَتَدَبَّرَ، وَلَا يُمْكِنُ التَّدَبُّرُ لِمَا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. وَالسَّلَفُ الصَّالِحُ كَانُوا يَعْلَمُونَ مَعَانِي الصِّفَاتِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ كَالِاسْتِوَاءِ وَالْفَوْقِيَّةِ، وَإِنَّمَا كَانُوا يُفَوِّضُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَتِهَا الذَّاتِيَّةِ، فَتَفْوِيضُ الْمَعْنَى تَعْطِيلٌ لِلْبَيَانِ الرَّبَّانِيِّ.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ:قَالُوا إِنَّ أَدِلَّةَ الْعُقُولِ الْكَلَامِيَّةِ (كَالْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ) هِيَ الْأَدِلَّةُ الْقَاطِعَةُ الْمُبِينَةُ لِلتَّوْحِيدِ، أَمَّا أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ النَّقْلِيَّةِ فَهِيَ أَدِلَّةٌ لَفْظِيَّةٌ ظَنِّيَّةٌ لَا تُفِيدُ الْيَقِينَ، وَلَا تَبْنِي عَقِيدَةً مُبِينَةً [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَقْدِيمٌ لِظُلُمَاتِ الْعُقُولِ عَلَى نُورِ الْوَحْيِ؛ فَأَدِلَّتُكُمُ الْكَلَامِيَّةُ أَوْرَثَتْكُمُ الْحَيْرَةَ وَالتَّنَاقُضَ، بَيْنَمَا أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ بَيِّنَاتٍ هِيَ الَّتِي تُفِيدُ الْيَقِينَ الْقَاطِعَ، لِأَنَّهَا صَادِرَةٌ عَنِ الْمُبِينِ الْعَلِيمِ، فَمَنِ الْتَمَسَ الْبَيَانَ فِي غَيْرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ضَلَّ سَعْيُهُ وَعَمِيَ بَصِيرَتُهُ.
_________________________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٦٣-٦٨.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٨.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٢-١١٦.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٢-٣٦.
[1] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٥٠-٤٥٤.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٤٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١١٠.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٣٢.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّ الصَّفْحَةُ ٤٥.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٦٤.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٨، الصَّفْحَةُ ١٢٠.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٠.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٨٥-١٩٠.
[١٦] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٠-٣١٥.
[١٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٢-١٨.
[١٨] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٠-٢٢٥.
​هل ترغب في الانتقال إلى الاسم الأربعين في هذا المبحث الأكاديمي المبارك؟

___________________________________٤٠_______________________________________________

ص ٣٩​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْأَرْبَعُونَ: (الْقَوِيُّ)

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْقَوِيِّ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ)، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ق و ي) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الشِّدَّةِ، وَالصَّلَابَةِ، وَالْقُدْرَةِ، وَمَا يُقَابِلُ الضَّعْفَ وَالْعَجْزَ؛ فَالْقُوَّةُ هِيَ مَبْدَأُ الْأَفْعَالِ الشَّاقَّةِ وَالْمَكْنَةِ التَّامَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَعْصِي عَلَيْهَا شَيْءٌ، وَيُقَالُ: قَوِيَ الرَّجُلُ قُوَّةً إِذَا كَانَ ذَا مَكْنَةٍ وَشِدَّةٍ. فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ (الْقَوِيُّ) أَيْ كَامِلُ الْقُوَّةِ وَالْمَكْنَةِ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ ضَعْفٌ وَلَا خَوَرٌ وَلَا كَلَلٌ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْقُوَّةِ الْعَظِيمَةِ وَالْمَكْنَةِ الْمُطْلَقَةِ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ: إِثْبَاتِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ صَاحِبُ الْقُوَّةِ التَّامَّةِ الَّتِي يَقْهَرُ بِهَا كُلَّ مَخْلُوقٍ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ نَافِذَةٌ، وَأَفْعَالَهُ بَاهِرَةٌ، وَنَفْيِ الضَّعْفِ وَالْعَجْزِ وَاللُّغُوبِ وَالْفُتُورِ عَنْ سَائِرِ تَقْدِيرِهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ قُوَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ قُوَّةٌ عَرَضِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ حَادِثَةٌ، مَسْبُوقَةٌ بِالضَّعْفِ وَمَلْحُوقَةٌ بِهِ، وَتَفْتَقِرُ فِي بَقَائِهَا إِلَى إِمْدَادِ الْقَوِيِّ سُبْحَانَهُ لَهَا عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى العام
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ (الْقُوَّةِ) لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةً ذَاتِيَّةً حَقِيقِيَّةً قَائِمَةً بِهِ، خِلَافاً لِلْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَهَا بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ أَوْ يَنْفُونَهَا، مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنِ قُوَّةِ الْخَالِقِ وَقُوَّةِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الشِّدَّةِ وَالْمَكْنَةِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَقُوَّةُ الْبَارِي ذَاتِيَّةٌ لَا تَتَنَاهَى وَلَا تَقْبَلُ النَّقْصَ، بَيْنَمَا قُوَّةُ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقَةٌ مُحَاطَةٌ بِالْأَسْبَابِ وَالْعَوَارِضِ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:

​"وَأَمَّا اسْمُهُ (الْقَوِيُّ) فَقَدْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِـ (الْعَزِيزِ) فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، لِيُبَيِّنَ كَمَالَ غَلَبَتِهِ وَشِدَّتِهِ، وَتَقْسِيمُ دَلَالَةِ الْقُوَّةِ يَقُومُ عَلَى نَوْعَيْنِ: 
■أَحَدُهُمَا: الْقُوَّةُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَعْتَرِيهَا كَلَالَةٌ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَالَتْهُ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُوَّةَ عَيْنَ الْقُدْرَةِ النَّفْسِيَّةِ بِلَا مَعْنًى زَائِدٍ. 
■وَالثَّانِي: الْقُوَّةُ فِي أَفْعَالِهِ، وَهِيَ إِيجَادُ الْأَشْيَاءِ الْعَظِيمَةِ بِلَا كُلْفَةٍ وَلَا عِلَاجٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ أَمْرِهِ (كُنْ فَيَكُونُ)، فَقُوَّتُهُ سُبْحَانَهُ هِيَ الْمَبْدَأُ لِكُلِّ مَا فِي الْعَالَمِ مِنْ قُوَّةٍ وَتَحْرِيكٍ عَقْلاً وَشَرْعاً" [٤].

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"الْقَوِيُّ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُوَّةُ كُلُّهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً}، وَالتَّقْسِيمُ الْجَامِعُ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ أَنَّ آثارَ الْقُوَّةِ تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: 
■أَوَّلُهَا: الْقُوَّةُ الْبَاهِرَةُ فِي خَلْقِ الْأَجْرَامِ الْعَظِيمَةِ كَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَتَمْسِيكِهَا بِلَا عَمَدٍ. 
■وَالثَّانِي: الْقُوَّةُ الْقَاهِرَةُ فِي أَهْلَاكِ الْجَبَابِرَةِ وَأُمَمِ الْكُفْرِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمْ قُوَّتُهُمْ كَعَادٍ وَثَمُودَ. 
■وَالثَّالِثُ: الْقُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ الَّتِي يَقْذِفُهَا فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ لِتَحَمُّلِ أَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ وَالْجِهَادِ. 
فَمَنْ نَفَى صِفَةَ الْقُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَقَدْ جَعَلَ الِاسْمَ مَجَازاً لَا كَمَالَ فِيهِ، وَالْقَوِيُّ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يَمُدُّ الضَّعِيفَ إِذَا تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَتَبَرَّأَ مِنْ حَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْقَوِيُّ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَالنُّصْرَةِ وَالْهَلَاكِ لِلْأَعْدَاءِ فِي (سَبْعَةِ مَوَاضِعَ)؛ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ} شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): بَيَّنَ أَنَّ إِثْبَاتَ اسْمِ (الْقَوِيِّ) يَقْتَضِي إِثْبَاتَ صِفَةِ الْقُوَّةِ الَّتِي هِيَ وَصْفُ كَمَالٍ ذَاتِيٍّ نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): قَرَّرَ أَنَّ التَّبَرُّؤَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ هُوَ الْبَابُ الْأَعْظَمُ لِنَيْلِ مَدَدِ الْقَوِيِّ سُبْحَانَهُ طَلَاًّ [٨].
​قَوْلُ الْحَاشِيَةِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): ذَكَرَ أَنَّ الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ الْقَوِيِّ فِي أَعْمَالِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا هِيَ شِعَارُ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ وَفَسَّرَهُ بِتَمَامِ الْقُدْرَةِ وَالسَّلْطَنَةِ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا عَبَثٌ وَلَا ضَعْفٌ ثَبَاتاً [١٠].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): أَكَّدَ أَنَّ (الْقَوِيَّ) هُوَ ذُو الْقُوَّةِ التَّامَّةِ الَّتِي بِهَا يَقُومُ بِتَدْبِيرِ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَوِيِّ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِِي سِيَاقِ الْمَدْحِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سُورَةِ هُودٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ}؛ إِذْ قَرَنَ قُوَّتَهُ بِنَجَاةِ نَبِيِّهِ وَإِهْلَاكِ ثَمُودَ الَّذِينَ صَاحَتْ بِهِمُ الصَّيْحَةُ، لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ قُوَّةَ الْبَشَرِ وَإِنْ بَلَغَتْ فِي نَحْتِ الْجِبَالِ بُيُوتاً تَتَلَاشَى وتَضْمَحِلُّ عِنْدَ صُدُورِ أَمْرِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ، فَكُلُّ قُوَّةٍ تُعَارِضُ أَمْرَهُ فَهِيَ خَسَارٌ وَبَاطِلٌ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ الترْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ انْكِسَاراً وَتَوَاضُعاً بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَيَقِيناً بِأَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ أَوْ طَاقَةٍ بَدَنِيَّةٍ أَوْ عِلْمِيَّةٍ عِنْدَهُ هِيَ عَبَارَةٌ عَنْ مَدَدٍ رَبَّانِيٍّ جَائِزِ الزَّوَالِ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ أَنْ يَسْتَمِدَّ الْقُوَّةَ الصَّبْرِيَّةَ فِي مُوَاجَهَةِ عَقَبَاتِ التَّصْنِيفِ وَالتَّأْلِيفِ، وَأَنْ يَكُونَ شَدِيداً فِي نُصْرَةِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ، رَفِيقاً بِالْخَلْقِ، مُتَبَرِّئاً مِنْ حَوْلِهِ لِيَفِيضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ حَوْلِهِ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ ​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
♤ ​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْقَوِيِّ) عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ الْقُوَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ لِلَّهِ، وَبُطْلَانِ قَوْلِ أَهْلِ النَّفْيِ وَالْمَجَازِ عِلْماً ، وَنُؤَصِّلُ فِِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ بِذَاتِهِ كَمَا أَنَّهُ قَوِيٌّ فِي أَفْعَالِهِ، فَلَا عَمَلَ يَسْتَقْصِي طَاقَتَهُ الْعُلْيَا صُنْعاً وَشَرْعاً ، فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَفْهُومِ الْقُوَّةِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقَ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ قُوَّتِهِ بِقُوَّةِ الْخَلْقِ حَقِيقَةً ، فَاللَّهُ قَوِيٌّ لِأَنَّهُ الْمُمْسِكُ لِلْأَكْوَانِ أَنْ تَزُولَ، فَلَا فُتُورَ وَلَا تَعَبَ يَلْحَقُ ذَاتَهُ الْمُقَدَّسَةَ ثَبَاتاً.
♤ وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ مَا بَثَّهُ اللَّهُ فِي الْعَالَمِ مِنْ قُوًى مُخْتَلِفَةٍ هِيَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِهِ لَا تَعْمَلُ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ كَوْناً.
وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ لِلْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ قُوَّةً مُسْتَقِلَّةً عَنْ إِرَادَةِ الْخَالِقِ فَقَدْ شَرَكَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ طَلَباً.
فَالْحَقُّ أَنَّ الْقُوَّةَ الْكُلِّيَّةَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَمَا عَدَاهُ فَمَوْصُوفٌ بِالْعَجْزِ وَالِافْتِقَارِ الذَّاتِيِّ شَرْعاً.
●وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّ نَفْيَ صِفَةِ الْقُوَّةِ وَجَعْلَهَا بِمَعْنَى الْمَقْدُورَاتِ هُوَ تَعْطِيلٌ لِظَاهِرِ النُّصُوصِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْقَوِيُّ الَّذِي خَضَعَتْ لِعَظَمَتِهِ رِقَابُ الْجَبَابِرَةِ، وَذَلَّتْ لَهُ شَدَائِدُ الْأُمُورِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالِاتِّبَاعُ الصَّادِقُ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ فِِي إِثْبَاتِ الْقَدْرِ الْفَارِقِ لِلْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ يَعْصِمُ مِنَ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

■​مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْقَوِيِّ) وَصِفَةَ (الْقُوَّةِ) لِلَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَيَقُولُونَ: هِيَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الذَّاتِ، مَعْنَاهَا الشِّدَّةُ وَالْمَكْنَةُ التَّامَّةُ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ [١٥].
​■مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ:أَنْكَرُوا أَنْ تَكُونَ (الْقُوَّةُ) صِفَةً حَقِيقِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ، وَفَسَّرُوا اسْمَ (الْقَوِيِّ) بِأَنَّهُ (الْمَقْدُورُ لَهُ) أَوْ نَفَوْا عَنْهُ عَمَلَ الضَّعْفِ دُونَ إِثْبَاتِ صِفَةٍ وُجُودِيَّةٍ زَائِدَةٍ، زَعْماً مِنْهُمْ أَنَّ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ يَؤُولُ إِلَى تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ [١٦].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ حَقِيقَتُهُ تَعْطِيلٌ لِكَمَالِ الرَّبِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَثْبَتَ لِنَفْسِهِ الْقُوَّةَ بِنَصٍّ صَرِيحٍ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}، وَالْقُوَّةُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ تُوصَفُ بِهَا الذَّاتُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ، وَلَيْسَتْ هِيَ عَيْنُ الْمَقْدُورِ لِأَنَّ الْمَقْدُورَ أَثَرٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الذَّاتِ، وَالصِّفَةُ قَائِمَةٌ بِالْمَوْصُوفِ، وَإِثْبَاتُ الصِّفَاتِ لَا يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الذَّوَاتِ بَلْ يَقْتَضِي كَمَالَ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ.
■​مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ فِِي التَّفْرِيقِ بَيْنِ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ:جَعَلُوا صِفَةَ (الْقُوَّةِ) عَيْنَ صِفَةِ (الْقُدْرَةِ) السَّبْعِيَّةِ، وَلَمْ يُثْبِتُوا لِلْقُوَّةِ مَعْنًى مُسْتَقِلّاً يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالْمَكْنَةِ، بَلْ قَالُوا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَتَأَتَّى بِهَا الْإِيجَادُ وَالْإِعْدَامُ طَبْعاً [١٧].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا دَمْجٌ يُخَالِفُ الِاسْتِعْمَالَ اللُّغَوِيَّ وَالظَّاهِرَ الشَّرْعِيَّ؛ فَالْقُوَّةُ فِِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَنُصُوصِ الْوَحْيِ تَحْمِلُ مَعْنَى الشِّدَّةِ وَالْقَهْرِ وَانْتِفَاءِ الْعَجْزِ كُلِّيَّةً، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الْقُدْرَةِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ الْقَادِرُ غَيْرَ قَوِيٍّ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ بِلَا شِدَّةٍ. فَجَعْلُهَا تَرَادُفاً مَحْضاً سَلْبٌ لِلْمَعْنَى الزَّائِدِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ نَصُّ {ذُو الْقُوَّةِ}.
​■مَقَالَةُ الْقَدْرِيَّةِ الْمَجُوسِيَّةِ فِِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ:أَقَرُّوا بِأَنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ، لَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ لِلْعَبْدِ قُوَّةً مُسْتَقِلَّةً تَامَّةً يَخْلُقُ بِهَا أَفْعَالَ نَفْسِهِ الطَّاعِيَّةَ وَالْعَاصِيَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ قُوَّةُ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةً لِلَّهِ أَوْ خَاضِعَةً لِمَشِيئَتِهِ [١٨].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: قَوْلُكُمْ يَعْنِي إِثْبَاتَ خَالِقِينَ مَعَ اللَّهِ، وَهُوَ طَعْنٌ فِي كَمَالِ اسْمِهِ (الْقَوِيِّ)؛ فَإِنَّ قُوَّةَ الْعَبْدِ وَحَرَكَتَهُ مَخْلُوقَتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. فَالْعَبْدُ لَهُ قُوَّةٌ وَمَشِيئَةٌ لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ الْقَوِيِّ سُبْحَانَهُ، وَلَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُهُ كَوْناً.
_________________________________________________________
​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ١٩٠-١٩٥.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٣.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٤.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٤٥-١٤٨.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٩١٠-٩١٥.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٩٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٣٠.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢٠.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ، نُورُ الِاقْتِبَاسِ فِي مِشْكَاةِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ لِابْنِ عَبَّاسٍ، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٤٠.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ الْعُثَيْمِينِ، دَارُ الْوَطَنِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٧٠.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٦٥.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٨.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّ الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٥.
[١٦] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، الْمُغْنِي فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ وَالْعَدْلِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٨٠-١٨٥.
[١٧] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، كِتَابُ اللَّمَعِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ، الْمَطْبَعَةُ الْكَاتُولِيكِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥-١٠٠.
[١٨] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠-٢٨٥.
________________________________________٤١_________________________________________________

ص ٤٠​[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: (الْمَتِينُ)
​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ
​اسْمُ (الْمَتِينِ): صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ)، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (م ت ن) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى صَلَابَةِ الشَّيْءِ، وَامْتِدَادِهِ، وَثَبَاتِهِ، وَاشْتِدَادِ قُوَّتِهِ مَعَ التَّمَاسُكِ؛ فَالْمَتَانَةُ هِيَ الْقُوَّةُ الْبَالِغَةُ حَدَّ النِّهَايَةِ فِي الصَّلَابَةِ وَالْإِحْكَامِ، وَيُقَالُ: مَتُنَ الشَّيْءُ يَمْتُنُ مَتَانَةً إِذَا صَارَ قَوِيّاً صَلْباً مَمْدُوداً. فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ (الْمَتِينُ) أَيْ الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ الَّذِي لَا تَنْتَهِي مَتَانَتُهُ، وَلَا لُغُوبَ يَلْحَقُهُ فِِي فِعْلِهِ كَوْناً [١].

​٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
​هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْمَتَانَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالشِّدَّةِ الْبَالِغَةِ غَايَتَهَا فِِي قُوَّتِهِ وَصَلَابَةِ تَدْبِيرِهِ: إِثْبَاتِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ صَاحِبُ الْقُوَّةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي لَا تَتَزَعْزَعُ وَلَا تَلِينُ لِعَارِضٍ، وَأَنَّ مَكْنَتَهُ فِي أَعْلَى تَمَاسُكِهَا، وَنَفْيِ الْوَهْنِ وَالِانْفِصَامِ وَالْإِعْيَاءِ عَنْ حَبْلِ قُدْرَتِهِ وَصُنْعِهِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ مَتَانَةُ الْمَخْلُوقِ، الَّتِي هِيَ صَلَابَةٌ مَادِّيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ يَعْتَرِيهَا التَّفَتُّتُ وَالِانْكِسَارُ، وَتَتَحَلَّلُ بِمُرُورِ الزَّمَانِ تَدْرِيجاً عِلْماً [٢].

​٣. الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
​يَقُومُ الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرِيفِ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَةِ (الْمَتَانَةِ) صِفَةً ذَاتِيَّةً حَقِيقِيَّةً تَدُلُّ عَلَى نِهَايَةِ الشِّدَّةِ فِي الْقُوَّةِ، خِلَافاً لِلْمُؤَوِّلَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَهَا بِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ مَجَازاً، مَعَ التَّفْرِيقِ بَيْنِ صَلَابَةِ الْخَالِقِ وَمَتَانَةِ الْمَخْلُوقِ؛ إِذْ ثَمَّةَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ كُلِّيٌّ فِي الْأَذْهَانِ يُفْهَمُ بِهِ أَصْلُ الشِّدَّةِ وَالِاتِّسَاقِ، لَكِنْ عِنْدَ التَّخْصِيصِ يَقَعُ الْقَدْرُ الْفَارِقُ عِلْماً. فَمَتَانَةُ الرَّبِّ لَا يُشَابِهُهَا صَلَابَةُ الْأَجْسَامِ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، بَلْ هِيَ كَمَالٌ فِي صِفَةِ الْقُوَّةِ تَرْبِيَةً [٣].

​٤. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِنَصِّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)

​♤ نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:

​"وَأَمَّا اسْمُهُ (الْمَتِينُ) فَقَدْ جَاءَ مَعْطُوفاً عَلَى الْقُوَّةِ فِي قَوْلِهِ: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}، وَتَقْسِيمُ هَذَا الْمَعْنَى يَعُودُ إِلَى وَجْهَيْنِ: ■أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَوْكِيدٌ لِشِدَّةِ الْقُوَّةِ بِحَيْثُ لَا يَقْتَرِنُ بِهَا ضَعْفٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، فَالْمَتَانَةُ لِلْقُوَّةِ كَالْقَيُّومِيَّةِ لِلْحَيَاةِ، كَمَالٌ بَعْدَ كَمَالٍ. 
■وَالثَّانِي: الْمَتَانَةُ فِي كَيْدِهِ وَأَمْرِهِ الشَّرْعِيِّ وَالْكَوْنِيِّ، كَمَا قَالَ: {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}. فَمَنْ تَأَوَّلَ الِاسْمَ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَقَدْ فَسَّرَهُ بِالسَّلْبِ مَحْضاً، وَالْحَقُّ أَنَّهُ صِفَةُ إِثْبَاتٍ تَقْتَضِي ثُبُوتَ شِدَّةٍ بَاهِرَةٍ لَا تَتَنَاهَى فِي ذَاتِ الرَّبِّ عَقْلاً وَشَرْعاً" [٤].
♤ ​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِِي التَّفْسِيرِ وَالتَّقْسِيمِ:
​"الْمَتِينُ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي لَا تَبْلُغُ الْأَوْهَامُ غَايَةَ مَتَانَتِهِ، وَتَقْسِيمُ آثارِ مَتَانَتِهِ يَدُورُ عَلَى ثَلَاثَةِ سِيَاقَاتٍ: 
■أَوَّلُهَا: مَتَانَةُ الصُّنْعِ فِي إِحْكَامِ الْعَالَمِ الرَّبَّانِيِّ فَلَا تَرَى فِيهِ تَفَاوُتاً وَلَا فُطُوراً. 
■وَالثَّانِي: مَتَانَةُ الْحِفْظِ لِأَمْرِ السَّمَاوَاتِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. 
■وَالثَّالِثُ: مَتَانَةُ الْمَكْرِ بِالظَّالِمِينَ، فَيُمْلِي لَهُمْ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُمْ لَمْ يُفْلِتْهُمْ لِأَنَّ حَبْلَهُ مَتِينٌ لَا يَنْقَطِعُ. فَمَنْ جَعَلَ الِاسْمَ مَجَازاً فَقَدْ جَهِلَ لِسَانَ الْعَرَبِ وَظَاهِرَ النُّصُوصِ، وَالْمَتِينُ هُوَ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ فِي لَحَظَاتِ الْمِحَنِ رِضاً وَيَقِيناً" [٥].

​٥. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
​وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْمَتِينُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِ الْقُوَّةِ وَالرِّزْقِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} شَرْعاً [٦].

​٦. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ

​قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): ذَكَرَ أَنَّ قِرَاءَةَ الِاسْمِ بِالرَّفْعِ نَعْتاً لِـ (ذُو) أَوْ لِاسْمِ اللَّهِ تُوجِبُ كَوْنَهُ اسْماً عَلَماً حَقِيقِيّاً نَقْلاً [٧].
​قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَوْضَحَ أَنَّ مَتَانَةَ الرَّبِّ تَقْطَعُ أَمَلَ كُلِّ جَبَّارٍ فِي مُغَالَبَةِ الْقَدَرِ الْإِلَهِيِّ طَلَاًّ [٨].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): بَيَّنَ أَنَّ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ الْمَتِينِ هُوَ الْأَمَانُ مِنَ الِانْحِرَافِ تَرْبِيَةً [٩].
​قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ الِاسْمَ وَفَسَّرَهُ بِالْقَوِيِّ الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ فِِي الشِّدَّةِ وَالصَّلَابَةِ تَنْزِيهاً ثَبَاتاً [١١].
​قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): قَرَّرَ أَنَّ (الْمَتِينَ) هُوَ الَّذِي لَا لُغُوبَ يَأْخُذُهُ وَلَا تَعَبَ يُؤَثِّرُ فِي فِعْلِهِ شَرْعاً [١١].
​قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْمَتِينِ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْحَادِيَةِ وَالْأَرْبَعِينَ لِوُرُودِهِ مُعَرَّفاً فِي سِيَاقِ الْحَصْرِ وَالثَّنَاءِ عِلْماً [١٢].

​٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ لِلِاسْمِ
​نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازَ الْقُرْآنِيَّ فِِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ فِِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}؛ إِذْ قَرَنَ مَتَانَةَ كَيْدِهِ بِالْإِمْلَاءِ لِلْمُكَذِّبِينَ، لِيَتَدَبَّرَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ تَرَاخِيَ الْعُقُوبَةِ عَنِ الظَّالِمِ لَيْسَ إِهْمَالاً مِنْ رَبِّ السَّمَاوَاتِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ كَيْدِهِ (الْمَتِينِ) الَّذِي يَلْتَفُّ حَوْلَ الْمُجْرِمِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى فِكَاكِ نَفْسِهِ إِذَا حَانَ حِينُهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٣].

​٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ لِلِاسْمِ
​يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ ثَبَاتاً فِي مَوَاقِفِ الْحَقِّ، وَعَدَمَ لِينٍ فِي أُصُولِ الدِّينِ تَمَاشِياً مَعَ أَهْوَاءِ النَّاسِ. كَمَا يُرَبِّي فِي الْبَاحِثِ أَنْ يَكُونَ مَتِيناً فِي عِلْمِهِ، مُحْكِماً لِتَصَانِيفِهِ، لَا يَبْنِي مَسَائِلَهُ عَلَى أَدِلَّةٍ وَاهِيَةٍ أَوْ تَقْرِيرَاتٍ ضَعِيفَةٍ، بَلْ يُؤَصِّلُ فِقْهَهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْوَحْيِ الْمَتِينَةِ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّزَعْزُعَ تَرْبِيَةً [١٤].

​٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ وَاخْتِلَافُ الْفِرَقِ
​[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ الِاسْمِ]
●​قُلْتُ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْمَتِينِ) عَلَى إِثْبَاتِ كَمَالِ صَلَابَةِ الْقُوَّةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَنَفْيِ النَّقْصِ عَنْ صِفَاتِهِ عِلْماً.
وَنُؤَصِّلُ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ اللَّهَ مَتِينٌ فِي ذَاتِهِ كَمَا أَنَّهُ مَتِينٌ فِي تَدْبِيرِهِ، فَلَا رَخَاوَةَ تَلْحَقُ فِعْلَهُ صُنْعاً وَشَرْعاً.
فَالِاتِّفَاقُ فِِي أَصْلِ مَفْهُومِ الْمَتَانَةِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ ذِهْناً، لَكِنَّ الْقَدْرَ الْفَارِقُ يَمْنَعُ تَمْثِيلَ مَتَانَتِهِ بِمَتَانَةِ الْأَجْسَامِ حَقِيقَةً ، فَاللَّهُ مَتِينٌ لِأَنَّهُ الَّذِي لَا يُوصَفُ بِالِانْفِعَالِ وَلَا التَّأَثُّرِ بِأَفْعَالِ خَلْقِهِ، فَلَا يَزِيدُهُ طَائِعٌ وَلَا يَنْقُصُهُ عَاصٍ ثَبَاتاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَمَبْنِيٌّ عَلَى الِافْتِقَارِ، وَأَنَّ مَتَانَةَ السَّمَاوَاتِ خَلْقٌ قَائِمٌ بِأَمْرِهِ كَوْناً ، وَنُلْزِمُ الْأُمَّةَ بِأَنَّ مَنْ شَكَّ فِي مَتَانَةِ نُصُوصِ الشَّرْعِ أَوْ جَعَلَهَا عُرْضَةً لِلتَّبْدِيلِ فَقَدْ كَفَرَ بِجَلَالِ الِاسْمِ طَلَباً ، فَالْحَقُّ أَنَّ دِينَ اللَّهِ مَتِينٌ، لَا يَقْبَلُ التَّمْيِيعَ وَلَا الِانْحِلَالَ فِِي قَوَالِبِ الْأَفْكَارِ الْمُعَاصِرَةِ شَرْعاً.
■وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْتَّعْطِيلِ أَنَّ صِفَةَ الْمَتَانَةِ لَيْسَتْ سَلْباً لِلْعَجْزِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ إِثْبَاتُ وَصْفِ وُجُودِيٍّ شَرِيفٍ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
فَاللَّهُ هُوَ الْمَتِينُ الَّذِي ثَبَّتَ الْأَرْضَ بِالرَّوَاسِي، وَأَمَدَّ قُلُوبَ السَّلَفِ بِالصَّبْرِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأَثَرِ عِلْماً.
وَالْوُقُوفُ عِنْدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ دُونَ تَكْيِيفٍ هُوَ الْمَسْلَكُ الْمَتِينُ الَّذِي يُنْجِي مِنَ الْهَلَاكِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.

​[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا مَعَ بَيَانِ مَصَادِرِهَا]

​■مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (السَّلَفُ الصَّالِحُ):يُثْبِتُونَ اسْمَ (الْمَتِينِ) صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى، وَيُفَسِّرُونَهَا بِأَنَّهَا الشَّدِيدُ الْقُوَّةِ الَّذِي بَلَغَتْ قُوَّتُهُ غَايَةَ الْمَتَانَةِ، فَلَا يُصِيبُهُ تَعَبٌ عِنْدَ خَلْقِهِ أَوْ حِفْظِهِ لِلْعَالَمِ [١٥].
■​مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِِي الِاشْتِقَاقِ السَّلْبِيِّ:قَالُوا إِنَّ اسْمَ (الْمَتِينِ) لَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، بَلْ مَعْنَاهُ: (أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ مَانِعٌ عَنْ أَفْعَالِهِ)، أَوْ أَنَّهُ سَلْبٌ لِلضَّعْفِ عَنْهُ، فَرَدُّوا الصِّفَةَ إِلَى عَدَمِ النَّقْصِ دُونَ إِثْبَاتِ كَمَالٍ وُجُودِيٍّ زَائِدٍ [١٦].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: تَعْطِيلُكُمْ لِلِاسْمِ جَعَلَهُ لَفْظاً بِلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ لُغَةَ الْعَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ تَجْعَلُ (الْمَتِينَ) دَالّاً عَلَى الثُّبُوتِ وَالصَّلَابَةِ وَالشِّدَّةِ، وَنَفْيُ النَّقْصِ لَا يَكُونُ كَمَالاً إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَ إِثْبَاتَ ضِدِّهِ مِنَ الْكَمَالِ الْوُجُودِيِّ، فَكَانَ حَقّاً أَنَّ مَتَانَتَهُ صِفَةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ التَّمْثِيلِ وَالْمُشَبِّهَةِ:أَثْبَتُوا الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، لَكِنَّهُمْ قَاسُوا مَتَانَةَ الرَّبِّ عَلَى مَتَانَةِ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، فَقَالُوا: لَهُ صَلَابَةٌ كَصَلَابَةِ الْحِجَارَةِ أَوِ الْحَدِيدِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوّاً كَبِيراً [١٧].
​●الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَشْبِيهٌ كُفْرِيٌّ يَعْصِفُ بِأَصْلِ التَّنْزِيهِ؛ فَإِنَّ مَتَانَةَ الْمَخْلُوقِ قَائِمَةٌ عَلَى تَفَاعُلِ الْأَجْزَاءِ وَالْمَادَّةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَحَدٌ صَمَدٌ، لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يُوصَفُ بِطَبَائِعِ الْأَجْسَامِ. فَمَتَانَتُهُ صِفَةُ كَمَالٍ تَلِيقُ بِهِ، لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهَا، وَنَقْطَعُ بِأَنَّهَا لَا تُشَابِهُ صَلَابَةَ الْمُحْدَثَاتِ.
​■مَقَالَةُ أَهْلِ الْكَلاَمِ فِِي تَأْوِيلِ (الْكَيْدِ الْمَتِينِ):عِنْدَمَا وَصَفَ اللَّهُ كَيْدَهُ بِأَنَّهُ مَتِينٌ، قَالُوا: هَذَا مَجَازٌ مَحْضٌ، وَالْكَيْدُ لَا يَكُونُ مَتِيناً، بَلِ الْمَعْنَى أَنَّ الْعُقُوبَةَ شَدِيدَةٌ، فَنَفَوْا صِفَةَ الْمَتَانَةِ عَنِ التَّدْبِيرِ الْإِلَهِيِّ عَيْنِهِ [١٨].
●​الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا فِرَارٌ مِنَ النَّصِّ بِلَا مُوجِبٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَكِيدُ بِمَنْ يَكِيدُ بِدِينِهِ كَيْداً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِعَدْلِهِ، وَوَصْفُ الْكَيْدِ بِالْمَتَانَةِ يُفِيدُ أَنَّ تَدْبِيرَهُ لَا يُمْكِنُ إِبْطَالُهُ وَلَا الِاحْتِرَازُ مِنْهُ بِالْحِيَلِ الْبَشَرِيَّةِ، فَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مُحْكَمَةٌ مَتِينَةٌ لَا وَهْنَ فِيهَا وَلَا خَلَلَ.
_______________________________________________________________________________________

​[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٠٠-٤٠٤.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٧.
[٣] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٥-١٢٩.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ صِفَاتِهِمُ الْإِلَهِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤١٠-٤١٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ - مَكَّةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٠-١٨٥.
[٦] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٤٢٥.
[٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّ الصَّفْحَةُ ٣١٢.
[٨] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٠.
[٩] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ الْبَشَائِرِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
[١٠] الْحَافِظُ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
[١١] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (سُورَةُ الذَّارِيَاتِ)، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥.
[١٢] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٧٦.
[١٣] أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
[١٤] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٢.
[١٥] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٢٥٠-٢٥٥.
[١٦] الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥-٢٥٠.
[١٧] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١١٥-١٢٠.
[١٨] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٥-٣٠٠.
​هل ننتقلُ بَعْدَ هَذَا إِلَى الِاسْمِ الثَّانِي وَالْأَرْبَعِينَ فِي هَذَا السِّفْرِ الْعِلْمِيِّ الْمُبَارَكِ؟
________________________________________٤٢________________________________________________