- الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: الآية ١].
- الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا وَهُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ٢٥٥].
- الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ» [٣].
- الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ: لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [٤].
- اِسْمُ (الْوَتْرُ): اسْمٌ عَلَمٌ لِلْمَوْصُوفِ بِالْإِفْرَادِ، وَيُفْتَحُ ثَالِثُ مَادَّتِهِ أَوْ يُكْسَرُ فَيُقَالُ (الْوَتْرُ) وَ(الْوِتْرُ)، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (و ت ر) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَالْوَحْدَةِ وَقَطْعِ الشَّفْعِ؛ يُقَالُ: (وَتَرْتُ الْعَدَدَ وَتْراً) إِذَا جَعَلْتَهُ فَرْداً بِلَا زَوْجٍ يُصَاحِبُهُ[١].
- ٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
- هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْوِحْدَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَقْطَعُ الشَّفْعِيَّةَ وَالتَّعَدُّدَ فِي حَقِّهِ كَمَالاً، مَعَ انْفِرَادِهِ بِالنَّعْتِ الْأَسْمَى الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ وِتْرِيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ وِتْرِيَّةٌ نِسْبِيَّةٌ حَادِثَةٌ، تَقْبَلُ الِانْقِسَامَ وَالتَّجْزِئَةَ، وَتَحْتَاجُ فِِي قِوَامِهَا إِلَى غَيْرِهَا، إِذْ الْبَشَرُ كُلُّهُمْ خُلِقُوا أَزْوَاجاً عِلْماً [٢].
- وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ : هُوةُ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ فِِي ذَاتِهِ، وَلَا شَبِيهَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ، وَلَا مِثْلَ لَهُ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنَّهُ الَّذِي انْفَرَدَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّدْبِيرِ خَلْقاً، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُشْفَعَ بِغَيْرِهِ عِبَادَةً وَلَا تَعْظِيماً حَقِيقَةً .
- قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) ثَابِتٌ لِلَّهِ نَصّاً فِي السُّنَّةِ، وَأَنَّهُ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الذَّاتِ عَنِ النَّظِيرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلْوِتْرِ تَقْتَضِي شَرْعِيَّةَ تَوْتِيرِ الصَّلَوَاتِ وَالْأَعْمَالِ تَعَبُّداً نَقْلاً [٤].
- قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْوَتْرِ) تَوْحِيداً وَنَعْتاً، وَأَوْضَحَ أَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ فِي ذَاتِهِ فَلَا صَاحِبَةَ لَهُ وَلَا وَلَدَ، وَأَنَّ كُلَّ مَا خَلَقَهُ فَهُوَ شَفْعٌ لِيَتَمَيَّزَ الْخَالِقُ عَنِ الْمَخْلُوقِ طَلَباً [٥].
- قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) أَصْلاً فِي الِانْفِرَادِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، وَبَيَّنَ أَنَّ رَجَاءَ الْعَبْدِ لِقَبُولِ عَمَلِهِ يَعْتَمِدُ عَلَى تَوْحِيدِ الْقَصْدِ لِلْوَتْرِ سُبْحَانَهُ دُونَ تِلْفَاتٍ تَرْبِيَةً [٦].
- قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْوَتْرِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الْفَرْدُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الصَّالِحِ ثَبَاتاً [٧].
- قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْوَتْرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي السُّنَّةِ، وَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْقُرْآنِ بَلْ تَثْبُتُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ شَرْعاً [٨].
- قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْوَتْرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّلَاثِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ الْعِلْمِيِّ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً فِِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ بِصِيغَةِ التَّسْمِيَةِ الصَّرِيحَةِ عِلْماً [٩].
- تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْوَتْرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الشَّرِكَةَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَلَا فِي إِلَهِيَّتِهِ. وَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْوِتْرِيَّةَ مَعْنًى سَلْبِيّاً مَحْضاً، بَلْ بَيَّنَ أَنَّهُ صِفَةُ كَمَالٍ وُجُودِيَّةٌ تَقْتَضِي سِعَةَ النُّعُوتِ وَغَايَةَ الْعَظَمَةِ، فَالْوَتْرُ يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ لِأَنَّهُ انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ، فَمَنْ شَفَعَ مَعَهُ غَيْرَهُ فِِي الدُّعَاءِ فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى الِاسْمِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْوَتْرِ) بِبَيَانِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي جَعْلِ الْمَخْلُوقَاتِ شَفْعاً؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْوَتْرَ هُوَ الَّذِي كَمُلَ فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى مَا يُشْفَعُ بِهِ، بَيْنَمَا الْمَخْلُوقُ نَاقِصٌ لَا يَقُومُ إِلَّا بِزَوْجِهِ؛ وَأَوْضَحَ أَنَّ قَوْلَهُ (يُحِبُّ الْوِتْرَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ الطَّاعَاتِ وِتْراً، فَالصَّلَوَاتُ خَمْسٌ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ ثَلَاثٌ، وَالسَّمَاوَاتُ سَبْعٌ، كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيماً لِاسْمِهِ ثَبَاتاً [١١].
- الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْوَتْرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ بِمَعْنَى سَلْبِ التَّبَعُّضِ وَالتَّجَزُّؤِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ (الْمَحَبَّةُ) الَّتِي فِي الْحَدِيثِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، فَأَوَّلُوهَا بِالْإِرَادَةِ تَعْطِيلاً.
- الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ: قَالُوا هُوَ (وِتْرٌ) لَكِنْ لِنَفْيِ التَّعَدُّدِ، وَجَعَلُوا إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ الْأَزَلِيَّةِ كَالْكَلَامِ نَقْضاً لِوِتْرِيَّتِهِ وَإِثْبَاتاً لِقُدَمَاءَ مَعَهُ، فَنَفَوْا كَمَالَهُ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
- الْفَلَاسِفَةُ النَّفَاةُ: قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ (الْوَاحِدُ الْمُطْلَقُ) الَّذِي لَا صِفَةَ لَهُ وَلَا اعْتِبَارَ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى يُخِلُّ بِتَوْحِيدِ الْوِتْرِ، فَصَيَّرُوهُ عَدَماً لَا حَقِيقَةَ لَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
- النَّصَارَى وَالْقَائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ: نَقَضُوا اسْمَ الْوَتْرِ تَمَاماً، وَجَعَلُوا الْإِلَهَ شَفْعاً مُرَكَّباً مِنْ أَقَانِيمَ ثَلَاثَةٍ (الْأَبِ وَالِابْنِ وَرُوحِ الْقُدُسِ)، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ شِرْكِهِمْ كَبِيراً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
- الْغُلَاةُ مِنَ الصُّوفِيَّةِ (أَهْلُ الْوُجُودِ): غَلَوْا فِي مَعْنَى الْوَتْرِ حَتَّى قَالُوا بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الشَّفْعَ هُوَ عَيْنُ الْوَتْرِ، وَأَنَّ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَهَدَمُوا التَّوْحِيدَ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.
«المُوجَزُ العَقَدِيُّ وَاللُّغَوِيُّ فِي فَهْمِ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى»
ص ١[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْأَوَّلُ: (اللَّهُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ) أَصْلُهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ (الْإِلَهُ) عَلَى وَزْنِ فِعَالٍ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ لِلتَّخْفِيفِ وَأُدْغِمَتْ لَامُ التَّعْرِيفِ فِي لَامِهِ الْأَصْلِيَّةِ فَصَارَتَا لَاماً وَاحِدَةً مُشَدَّدَةً مُفَخَّمَةً.
وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ لَ هَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ؛ فَالْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ حُبّاً وَتَعْظِيماً وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ.
وَقِيلَ هُنَا أَيْضاً إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ (وَلِهَ) إِذَا تَحَيَّرَ، لِأَنَّ الْعُقُولَ تَتَحَيَّرُ فِي كُنْهِ عَظَمَتِهِ، أَوْ مِنْ (لَاهَ) إِذَا اِرْتَفَعَ وَاحْتَجَبَ لِعُلُوِّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَارْتِفَاعِهِ عَنْهُمْ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي عِنْدَ كِبَارِ النُّحَاةِ كَسِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ عَلَمٌ جَامِدٌ مُرْتَجَلٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ بِالْكُلِّيَّةِ، خَاصٌّ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ وَأَلِفُهُ وَلَامُهُ لَازِمَةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ.
وَيَدُلُّ عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ وَجُمُودِهِ عِنْدَهُمْ دُخُولُ حَرْفِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ دُونَ حَذْفِ أَدَاةِ التَّعْرِيفِ فَنَقُولُ: (يَا اللَّهُ)، بَيْنَمَا يَسْتَحِيلُ جَمْعُهُمَا فِي بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُشْتَقَّةِ [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الْعَلَمُ الْأَفْرَدُ الْأَعْظَمُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ الْوَاجِبَةِ الْوُجُودِ بِذَاتِهَا، الْجَامِعُ لِصِفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ كُلِّهَا الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِغَيْرِهِ تَعَالَى فِي الْأَزَلِ وَالْأَبَدِ.
وَالْحَدُّ فِيهِ أَنَّهُ الِاسْمُ الرَّأْسُ الَّذِي تَتْبَعُهُ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا فِي النُّصُوصِ، وَهُوَ الَّذِي تُعْقَدُ بِهِ الْأَيْمَانُ الشَّرْعِيَّةُ وَتُفْتَتَحُ بِهِ الصَّلَوَاتُ جَمِيعاً.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ اِسْتِحْقَاقُهُ الْمُطْلَقُ لِأَنْ تُصْرَفَ لَهُ وَحْدَهُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَخُضُوعُ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ لِجَلَالِ سُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ فِي الْمَلَكُوتِ.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ اِدَّعَاهُ أَهْلُ الشِّرْكِ وَالْوَثَنِيَّةِ، لِأَنَّ عَلَمِيَّةَ الِاسْمِ مَقْصُورَةٌ بِالْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ عَلَى الْخَالِقِ السُّبْحَانِ فَلَمْ يَتَسَمَّ بِهِ أَحَدٌ.
وَهُوَ مَانِعٌ يَقْطَعُ الطَّمَعَ فِي مُمَاثَلَةِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ، فَيُوجِبُ التَّنْزِيهَ الْمُطْلَقَ عَنِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ وَالْغَفْلَةِ الَّتِي تَعْتَرِي الْبَشَرَ وَسَائِرَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعَالَمِ [٢].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (اللَّهُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيِحِ الظَّاهِرِ (٢٦٠٢ مَرَّةٍ) نَصّاً، وَهُوَ بِذَلِكَ أَكثَرُ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ذِكْراً وَدَوَرَاناً فِي كِتَابِ اللهِ الْعَزِيزِ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ سَلَفاً وَخَلَفاً عَلَى ثُبُوتِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ)، وَجَعَلُوهُ أَصْلَ الْأُصُولِ كُلِّهَا الَّذِي لَا يَطْرَقُهُ شَكٌّ أَوْ اِحْتِمَالٌ فِي النَّقْلِ الْمُتَوَاتِرِ عَنِ الْمَعْصُومِ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ اِسْمَ (اللَّهِ) هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الَّذِي لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ رَأْسُ الْآيَاتِ وَالْأَذْكَارِ التَّوْقِيفِيَّةِ.
وَأَكَّدَ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّهُ الِاسْمُ الْجَامِعُ لِمَعَانِي الْإِلَهِيَّةِ، وَأَنَّ كُلَّ اِسْمٍ يَأْتِي بَعْدَهُ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ فَإِنَّمَا يَجْرِي مَجْرَى الصِّفَةِ وَالتَّابِعِ لَهُ لَفْظاً وَمَعْنًى مُحَقَّقاً.
وَأَمَّا الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فَقَدْ جَعَلَهُ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي كِتَابِ اللهِ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي آلَافِ الْمَوَاضِعِ الصَّرِيحَةِ.
وَأَوْضَحَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تُرَدُّ إِلَيْهِ سَائِرُ الْأَسْمَاءِ، فَإِذَا قِيلَ: مَا الرَّحْمَنُ؟ يُقَالُ: هُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ، وَلَا يُعْكَسُ ذَلِكَ أَبَداً.
وَفِي مَشْرُوعِ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيِّ، اِحْتَلَّ اِسْمُ الْجَلَالَةِ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى فِي قَائِمَةِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِحَسَبِ ضَوَابِطِهِ النَّقْدِيَّةِ الْمُحَرَّرَةِ.
وَقَدْ قَرَّرَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ اِسْمَ (اللَّهِ) هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَوَافَرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِطْلَاقِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَالتَّنْوِينِ التَّقْدِيرِيِّ الَّذِي يُمَيِّزُ مَقَامَ الْعَلَمِ الصَّرِيحِ.
وَنَقَلَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَسْقُطُ مِنْ أَيِّ حَصْرٍ أَوْ اِجْتِهَادٍ لِأَيِّ عَالِمٍ بَحَثَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، لِأَنَّهُ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى التَّوْحِيدِ.
وَقَدْ حَكَى اِبْنُ الْقَيِّمِ أَيْضاً أَنَّ هَذَا الِاسْمَ لَهُ خَصَائِصُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّهُ أَوْفَقُ الْأَسْمَاءِ لِأَنْ يَكُونَ هُوَ الِاسْمَ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَنْفَرِجُ بِهِ الْكُرُبَاتُ إِذَا دُعِيَ بِهِ.
فَثُبُوتُهُ ثُبُوتٌ قَطْعِيٌّ بِالتَّوَاتُرِ النَّصِّيِّ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ اِثْنَانِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَهُوَ مَبْدَأُ الْإِيمَانِ وَمِفْتَاحُ الدُّخُولِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ [٦].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُورُ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِاسْمِ الْجَلَالَةِ حَوْلَ شُمُولِيَّةِ صِفَةِ (الْإِلَهِيَّةِ) الَّتِي هِيَ الْوَصْفُ الْجَامِعُ لِكُلِّ مَا يُوصَفُ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي وَحْيِهِ.
فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ الْعَلِيَّةَ لَهَا الْقَيُّومِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ عَلَى الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ، فَلَا يقعُ حَدَثٌ وَلَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَتَقْدِيرِهِ الْأَزَلِيِّ الْمُحْكَمِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ الَّذِي أَوْجَدَ الْخَلْقَ مِنَ الْعَدَمِ، وَالرَّازِقُ الَّذِي تَكَفَّلَ بِأَقْوَاتِ الْعِبَادِ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ، إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ دُونَ نِقْصَانٍ.
وَهُوَ الْمُدَبِّرُ لِأُمُورِ الْمَلَكُوتِ، يُصَرِّفُ الرِّيَاحَ، وَيُنْزِلُ الْغَيْثَ، وَيَرْفَعُ أَقْوَاماً وَيَخْفِضُ آخَرِينَ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ تَعْجَزُ الْعُقُولُ الْبَشَرِيَّةُ عَنْ إِدْرَاكِ كُلِّ غَايَاتِهَا.
وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَيْضاً أَنَّهُ الْمُتَفَرِّدُ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ كَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ وَالْقَهْرِ وَالْمَجْدِ، فَلَا كَبِيرَ إِلَّا هُوَ، وَلَا عَظِيمَ سِوَاهُ، وَكُلُّ مَنْ دُونَهُ خَاضِعٌ لَهُ.
كَمَا يَتَضَمَّنُ صِفَاتِ الْجَمَالِ كَالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَالْمَغْفِرَةِ لِلذُّنُوبِ، وَالْحِلْمِ عَلَى الْعُصَاةِ، وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ الَّذِي لَا يَنْفَدُ أَبَداً.
وَفِي اِسْمِ (اللَّهِ) تَلْتَقِي نُعُوتُ السَّمْعِ الَّذِي يَسْمَعُ حَرَكَةَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، وَالْبَصَرِ الَّذِي يَرَى دَبِيبَهَا فِي ظُلُمَاتِ اللَّيْلِ، وَالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ.
فَهُوَ تَعَالَى رَقِيبٌ حَسِيبٌ مُحِيطٌ بِخَلْقِهِ، لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَمَعْنَى أُلُوهِيَّتِهِ يَجْعَلُهُ الْمَفْزَعَ الْوَحِيدَ لِلْخَلَائِقِ جَمِيعاً إِذَا ضَاقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ.
وَالْمَعْنَى يَرُدُّ كُلَّ صِفَةٍ إِلَى الذَّاتِ، فَهُوَ اللَّهُ فِي سَمَوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تَلْهَجَ الْأَلْسُنُ بِثَنَائِهِ، وَتَخْشَعَ الْجَوَارِحُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ جَامِعاً لِكُلِّ حَقَائِقِ التَّوْحِيدِ الَّتِي اِنْفَرَدَ بِهَا الْبَارِي عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا نِدَّ لَهُ فِيهَا وَلَا شَبِيهَ وَلَا مُشَاكِلَ سُبْحَانَهُ [٧].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
اِلْتَفَتَ السَّلَفُ عِنْدَ تَدَبُّرِ كِتَابِ اللهِ إِلَى صَدَارَةِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ فِي مَوَاطِنِ الْفَوَاتِحِ الْقُرْآنِيَّةِ، حَيْثُ اِفْتُتِحَتْ بِهِ السُّوَرُ الْعَظِيمَةُ كَالْفَاتِحَةِ وَالْبَقَرَةِ.
وَالْمَسْلَكُ هُنَا هُوَ اسْتِبْصَارُ كَيْفَ جَاءَ اِسْمُ (اللَّهِ) مَتْبُوعاً لَا تَابِعاً فِي كُلِّ سِيَاقٍ، مِمَّا يُبَيِّنُ لِلْمُتَدَبِّرِ أَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْوُجُودِ وَالتَّشْرِيعِ.
فِي مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، نَجِدُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَلَتْهُ جَاءَتْ لِتَوْضِيحِ أَوْصَافِ هَذِهِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَعْبُودَةِ.
وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ أَيْضاً كَيْفَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُضِيفُ الْخَلْقَ وَالْأَمْرَ إِلَى اِسْمِهِ الْعَلَمِ لِيَقْطَعَ دَعَاوَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ.
وَمِنْ مَسَالِكِ التَّدَبُّرِ الْمُفِيدَةِ النَّظَرُ فِي اِقْتِرَانِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ بِأَفْعَالِ الْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ، مِثْلَ: {وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ}، لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ مَصْدَرَ الْخَيْرِ.
وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ فِي السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ أَنَّ ذِكْرَ (اللَّهِ) يَأْتِي غَالِباً فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَالْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْفَاصِلَةِ لِيُرَبِّيَ الْأُمَّةَ عَلَى تَعْظِيمِ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَتَدَبُّرُ الْآيَاتِ الَّتِي تَحْوِي {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ} يُورِثُ الْعَقْلَ اِتِّسَاعاً فِي فَهْمِ الْإِحَاطَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا يَشُذُّ عَنْهَا شَيْءٌ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
وَيَلْهَجُ الْمُتَدَبِّرُ أَنَّ اِسْمَ الْجَلَالَةِ يُذْكَرُ عِنْدَ الْوَعِيدِ وَالْبِشَارَةِ مَعاً، مِمَّا يَجْعَلُ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ طَائِراً بَيْنَ جَنَاحَيِ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ وَالرَّجَاءِ فِي الثَّوَابِ.
إِنَّ تَكْرَارَ الِاسْمِ فِي الْقُرْآنِ بِهَذِهِ الْكَثْرَةِ الْكَاثِرَةِ لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ الذِّكْرِ، بَل| لِتَرْسِيخِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ فِي نُفُوسِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْوَحْيِ الْقُرْآنِيِّ الْمُعْجِزِ.
وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّدَبُّرُ هُنَا هُوَ الْبَابَ الْأَعْظَمَ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِهِ طَالِبُ الْعِلْمِ مِنْ مُجَرَّدِ الْقِرَاءَةِ اللَّفْظِيَّةِ إِلَى مَقَامِ الشُّهُودِ الْقَلْبِيِّ لِآثَارِ الِاسْمِ [٧].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ الْحَاصِلُ مِنْ فَهْمِ اِسْمِ (اللَّهِ) هُوَ تَحْقِيقُ الْعُبُودِيَّةِ الْخَالِصَةِ لَهُ، فَلَا يَكُونُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ مُعَظَّمٌ وَلَا مَحْبُوبٌ رَأْساً إِلَّا هُوَ.
فَإِذَا اِسْتَقَرَّ هَذَا الِاسْمُ الشَّرِيفُ فِي سُوَيْدَاءِ الْقَلْبِ، اِنْقَطَعَتْ حِبَالُ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَخْلُوقِينَ ضَعْفاً وَخَوْفاً، وَأَقْبَلَ الْعَبْدُ عَلَى مَوْلَاهُ بِكُلِّيَّتِهِ.
وَيُثْمِرُ هَذَا الْمَسْلَكُ تَرْبِيَةَ الْجَوَارِحِ عَلَى الطَّاعَةِ، فَلَا تَتَحَرَّكُ قَدَمٌ وَلَا تَبْطِشُ يَدٌ إِلَّا فِي مَرْضَاةِ (اللَّهِ) الَّذِي مَلَأَ حُبُّهُ وَأَمْرُهُ شَغَافَ النَّفْسِ.
وَيَتَعَلَّمُ الْمُرَبِّي كَيْفَ يَغْرِسُ فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ تَعْظِيمَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، فَلَا يُذْكَرُ اِسْمُهُ تَعَالَى إِلَّا مَقْرُوناً بِالتَّقْدِيسِ وَالثَّنَاءِ الْعَطِرِ الْمُنَاسِبِ.
كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَقْتَضِي دَوَامَ الذِّكْرِ بِهَذَا الِاسْمِ، فَيَلْهَجُ اللِّسَانُ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مُسْتَحْضِراً مَعَانِي التَّبَرُّؤِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ.
وَيُورِثُ الِاسْمُ الْعَبْدَ طُمَأْنِينَةً نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً تَدْفَعُ عَنْهُ وِسَاوِسَ الْقَلَقِ وَالْخَوْفِ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ أَوْ نَقْصِ الرِّزْقِ، لِأَنَّهُ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ.
وَفِي مَقَامِ الْخَلْوَةِ، يَكُونُ اِسْمُ اللهِ حَارِساً لِلْمُؤْمِنِ مِنَ السُّقُوطِ فِي حَمْأَةِ الذُّنُوبِ، حَيْثُ يَسْتَحِي أَنْ يَعْصِيَ مَنْ تَعَبَّدَ لَهُ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ هَذَا.
وَيَظْهَرُ الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ أَيْضاً فِي حُسْنِ الْخُلُقِ مَعَ الْخَلْقِ، لِأَنَّ
الْمُؤْمِنَ يَرَى أَنَّ الْعِبَادَ هُمْ عِيَالُ اللهِ، فَيَرْحَمُهُمْ رَجَاءَ رَحْمَةِ إِلَهِهِ وَمَعْبُودِهِ.
وَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ مَقَامُ الْإِحْسَانِ النَّبَوِيِّ الَّذِي جَاءَ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَراكَ بِإِحَاطَتِهِ.
وَبِذَلِكَ تَنْتَظِمُ حَيَاةُ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ عَلَى سَنَنٍ رَاشِدٍ يَحْمِيهِ نَازِعُ التَّقْوَى وَالْمُرَاقَبَةِ لِاسْمِ اللهِ، لَا مُجَرَّدَ الْخَوْفِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ الْبَشَرِيَّةِ [٧].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ
تَحْرِيرُ الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ فِي اِسْمِ (اللَّهِ) يَقُومُ عَلَى إِثْبَاتِ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَهُوَ إِفْرَادُ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْخَلْقِ.
وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ دَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ وَبَيْنَ مَاهِيَّةِ أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَنْكَرُوا إِفْرَادَ اِسْمِ اللهِ بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمَحَبَّةِ.
وَيُرَدُّ بِهَذَا الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ الصَّارِمِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ عَرَّفُوا الْإِلَهَ بِأَنَّهُ (الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ) أَوْ أَنَّهُ (الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ) بِلَا اِخْتِيَارٍ.
فَأَبْطَلَ أَهْلُ السُّنَّةِ هَذَا التَّحْرِيفَ، وَبَيَّنُوا أَنَّ مَعْنَى (اللَّه) هُوَ الْمَعْبُودُ حُبّاً وَتَعْظِيماً، لَا مُجَرَّدَ الْمُوجِدِ لِلْمَادَّةِ كَمَا زَعَمَتِ الطَّوَائِفُ الْمُبْتَدِعَةُ.
كَمَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ الَّذِينَ جَعَلُوا لَفْظَ (اللَّهِ) دَالاً عَلَى عَيْنِ الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ، فَخَلَطُوا بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ طَغْيَاناً.
وَأَثْبَتَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْعَلِيَّةِ.
وَيَتَضَمَّنُ الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ أَيْضاً رَدَّ شُبُهَاتِ الْمُعَطِّلَةِ (كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) الَّذِينَ أَثْبَتُوا الِاسْمَ جَامِداً خَالِياً مِنْ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَقِيقَةِ مَعْنًى وَوَصْفاً.
فَقَرَّرَ أَهْلُ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ اِسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى يَتَضَمَّنُ صِفَةً كَمَالِيَّةً مُشْتَقَّةً مِنْهُ، فَاللَّهُ يَتَضَمَّنُ الْإِلَهِيَّةَ، كَمَا أَنَّ الْعَلِيمَ يَتَضَمَّنُ الْعِلْمَ الْمُحِيطَ.
وَيَشْمَلُ هَذَا الْبَابُ أَيْضاً كَفْءَ لِسَانِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ، فَلَا نُمَثِّلُ صِفَاتِهِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ مُعْتَقَدُ طَالِبِ الْعِلْمِ عَلَى النَّهْجِ الْأَثَرِيِّ الصَّحِيحِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَالْحِسَابِ [٨].
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (التَّوْثِيقُ النَّقْدِيُّ وَالْفَوَائِدُ)
[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٦٧. وَفِيهِ تَفْصِيلُ مَذَاهِبِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ فِي حَذْفِ هَمْزَةِ إِلَهٍ، وَتَوْجِيهِ خُصُوصِيَّةِ اِسْمِ الْجَلَالَةِ فِي النِّدَاءِ وَالْإِعْرَابِ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَسْمَاءِ.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥.
[٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٣٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٢٢٠. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيِحِهِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢١١٤، رَقْمُ: ٢٧٦٠.
[٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٦٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٤٩٥. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضاً أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَصَحَّحَهُ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٢ لِشَوَاهِدِهِ الْقَوِيَّةِ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٥.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٤.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ اِبْنِ الْجَوْزِيِّ - الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٠. وَانْظُرْ كَذَلِكَ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣.
ص ٢
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّانِي: (الْإِلَهُ)
_______________________________________________________________
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْإِلَهُ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ لَ هَ)، وَهُوَ عَلَى وَزْنِ (فِعَالٍ) بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَعْبُودٍ، مِثْلَ كِتَابٍ بِمَعْنَى مَكْتُوبٍ.
وَالْأَلْهُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {وَيَذَرَكَ وَإِلَهَتَكَ} أَيْ عِبَادَتَكَ، فَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ خَوْفاً وَرَجَاءً.
وَقِيلَ: هُوَ مُشْتَقٌّ مِنْ (وَلِهَ) إِذَا تَحَيَّرَ وَاشْتَدَّ شَوْقُهُ، لِأَنَّ الْخَلَائِقَ تَوْلَهُ إِلَيْهِ فِي حَاجَاتِهَا وَتَتَحَيَّرُ الْعُقُولُ الشَّارِدَةُ فِي كُنْهِ صِفَاتِهِ وَعَظَمَتِهِ.
وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ (لَاهَ يَلِيهُ لَوْهاً) إِذَا اِرْتَفَعَ وَاحْتَجَبَ، وَالْإِلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى الْمَحْجُوبُ عَنْ أَبْصَارِ الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا جَلَالاً.
وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ صَرِيحٌ تَنْفَكُّ عَنْهُ أَلِفُ وَلَامُ التَّعْرِيفِ فَيُقَالُ (إِلَهٌ)، وَتَقَعُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ (إِلَهَيْنِ) وَالْجَمْعُ (آلِهَةٌ) بِحَسَبِ مَا زَعَمَهُ أَهْلُ الْأَوْثَانِ بَاطِلاً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْكَمَالِ الْمُطْلَقِ، الَّتِي تَسْتَحِقُّ نِهَايَةَ الْخُضُوعِ وَالْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَتُفْرَدُ وَحْدَهَا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ نَصّاً.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي لَهُ الْقُدْرَةُ التَّامَّةُ، وَالْعِلْمُ الْمُحِيطُ، وَالْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْغِنَى الْمُطْلَقُ عَنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ فِي الْعَالَمِينَ.
كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ مَصْدَرُ النِّعَمِ كُلِّهَا، وَالْمَفْزَعُ الَّذِي تَلْجَأُ إِلَيْهِ النُّفُوسُ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالشَّدَائِدِ لِيَكْشِفَ عَنْهَا الضُّرَّ وَالْكَرْبَ الْمُحِيطَ بِهَا.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، لِأَنَّ إِلَهِيَّتَهَا مَزْعُومَةٌ بَاطِلَةٌ تَقُومُ عَلَى النَّقْصِ وَالِافْتِقَارِ.
وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ يَحْرِمُ صَرْفَ أَيِّ ذَرَّةٍ مِنَ التَّأَلُّهِ كَالدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ لِغَيْرِ الذَّاتِ الْوَاجِبَةِ الْوُجُودِ، فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ جَوْهَرُ التَّنْزِيهِ وَالتَّوْحِيدِ [٢].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ١٦٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْكَهْفِ: الآية ١١٠].
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذاً إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ اللَّهِ، فَإِذَا عَرَفُوا اللَّهَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ» [٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ (الْإِلَهُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُفْرَداً بِمَوَاضِعَ صَرِيحَةٍ عَدِيدَةٍ، حَيْثُ جَاءَ مَجْمُوعاً مَعَ الضَّمِيرِ كَقَوْلِهِ (إِلَهُكُمْ) وَ(إِلَهَنَا) فِي (١٤٧ مَرَّةٍ) نَصّاً ثَابِتاً [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
قَرَّرَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ أَنَّ اِسْمَ (الْإِلَهِ) مَقْطُوعٌ بِثُبُوتِهِ وَتَوْقِيفِهِ، وَهُوَ الِاسْمُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ نَفْيُ الشَّرِيكِ عَنِ الذَّاتِ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عِلْماً.
وَأَدْخَلَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي سِيَاقِ كِتَابِهِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، مُسْتَدِلّاً بِآيَاتِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَطَهَ، وَعَدَّهُ اِسْماً صَرِيحاً تَتَضَمَّنُ بِنْيَتُهُ صِفَةَ الْإِلَهِيَّةِ كَمَالاً.
وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ قَائِمَتِهِ لِلْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، لِتَوَافُرِ شُرُوطِ الْعَلَمِيَّةِ وَالْإِطْلَاقِ النَّصِّيِّ الْمُحْكَمِ فِيهِ.
وَأَوْضَحَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ (الْإِلَهَ) جَاءَ نَكِرَةً وَمَعْرِفَةً وَمُضَافاً فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ الْمُتَوَاتِرِ، مِمَّا يُوجِبُ جَعْلَهُ رُكْناً أَصِيلاً فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى التَّوْقِيفِيَّةِ.
وَقَدْ حَكَى اِبْنُ تَيْمِيَّةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَنْكَرَ اِسْمَ الْإِلَهِ أَوْ جَعَلَ مَعْنَاهُ خَالِياً مِنَ الْوَصْفِ فَقَدْ كَفَرَ وَخَرَجَ عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ [٦].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْإِلَهِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْوَحِيدُ الَّذِي مَلَكَ قُلُوبَ الْخَلَائِقِ فَأَلِهَتْ لَهُ عِبَادَةً وَمَحَبَّةً وَإِجْلَالاً، لِمَا اِتَّصَفَ بِهِ مِنْ نُعُوتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَكُونُ إِلَهاً حَقّاً إِلَّا مَنْ كَانَ خَالِقاً رَازِقاً مُحْيِياً مُمِيتاً، لَهُ الْأَمْرُ كُلُّهُ وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ عَدْلاً.
فَالْمَعْنَى يَجْمَعُ بَيْنَ لَوَازِمِ الرُّبُوبِيَّةِ وَحَقَائِقِ الْأُلُوهِيَّةِ؛ إِذْ كُلُّ رَبٍّ خَالِقٍ هُوَ الْإِلَهُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَخْضَعَ لَهُ الْعَبِيدُ وَتَطْمَئِنَّ نُفُوسُهُمْ بِذِكْرِهِ وَتَقْدِيسِ سُلْطَانِهِ.
وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي عُلُوَّهُ النَّصِّيَّ وَالْعَقْلِيَّ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ وَالْوَلَدِ وَالصَّاحِبَةِ، فَهُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ.
وَشَرْحُهُ يَؤُولُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَا فِي الْكَوْنِ مُفْتَقِرٌ إِلَى إِلَهِيَّتِهِ، يَسْتَمِدُّ مِنْهُ الْوُجُودَ وَالرِّزْقَ، بَيْنَمَا هُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ بِنَفْسِهِ، مَعْبُودٌ بِحَقٍّ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ [٧].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
يَتَجَلَّى التَّدَبُّرُ فِي تَتَبُّعِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي نَفَى فِيهِ اللهُ تَعَالَى وُجُودَ آلِهَةٍ مَعَهُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا}، لِيُدْرِكَ الْعَقْلُ اِنْتِظَامَ الْكَوْنِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ.
وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ نَادَى الْأَنْبِيَاءُ أَقْوَامَهُمْ جَمِيعاً بِعِبَارَةٍ وَاحِدَةٍ: {مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ}، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ الشَّرِيفَ هُوَ مِحْوَرُ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ كُلِّهَا.
وَالنَّظَرُ فِي اِقْتِرَانِ اِسْمِ (الْإِلَهِ) بِأَوْصَافِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ فِي الْآيَاتِ، يُبَيِّنُ لِلْمُتَدَبِّرِ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ الْمَطْلُوبَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رَجَاءِ الْفَضْلِ وَحُبِّ الذَّاتِ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ الْقَهْرِ.
وَكَذَلِكَ يَلْمَحُ الْمُتَدَبِّرُ فِي خَاتِمَةِ سُورَةِ النَّاسِ قَوْلَهُ: {إِلَٰهِ النَّاسِ}، حَيْثُ جَاءَ الِاسْمُ بَعْدَ (مَلِكِ النَّاسِ) لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْمِلْكَ غَايَتُهُ حِمَايَةُ الْعَبِيدِ لِيَتَفَرَّغُوا لِعِبَادَةِ إِلَهِهِمْ.
إِنَّ تَدَبُّرَ لَفْظِ (إِلَهٍ) عِنْدَ سِيَاقِ الْمِيثَاقِ الْأَوَّلِ يُعِيدُ النَّفْسَ إِلَى فِطْرَتِهَا الْأُولَى الَّتِي جُبِلَتْ عَلَى مَعْرِفَةِ خَالِقِهَا وَالْخُضُوعِ لِأَمْرِهِ الْقَدَرِيِّ وَالشَّرْعِيِّ الصَّارِمِ [٧].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الْإِلَهِ) يَتَمَثَّلُ فِي تَصْفِيَةِ الْقَلْبِ مِنَ الْأَهْوَاءِ الَّتِي قَدْ تَتَّخِذُهَا النَّفْسُ إِلَهاً مِنْ دُونِ اللهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ}.
فَيَتَرَبَّى الْعَبْدُ عَلَى تَقْدِيمِ مَرْضَاةِ اللهِ عَلَى شَهَوَاتِهِ وَرَغَبَاتِهِ، وَيَنْقَادُ سُلُوكُهُ لِلشَّرْعِ بِحَيْثُ يَكُونُ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْلاً.
وَيُثْمِرُ هَذَا الْمَسْلَكُ عِزَّةً نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً تَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الذُّلِّ لِلْمَخْلُوقِينَ أَوْ طَلَبِ الْحَاجَاتِ مِنْهُمْ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِلَهَ الْحَقَّ بِيَدِهِ مَفَاتِيحُ الْأُمُورِ كُلِّهَا.
كَمَا يَظْهَرُ السُّلُوكُ فِي حُسْنِ التَّوَكُّلِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ، فَلَا يَشْكُو لِلْخَلْقِ، بَلْ يَفْزَعُ إِلَى مَحْرَابِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ نَاطِقاً: (يَا إِلَهِي اِرْحَمْ ضَعْفِي وَاجْبُرْ كَسْرِي).
وَيُرَسِّخُ الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُرَبِّي مَسْؤُولِيَّةَ بَيَانِ حَقِيقَةِ الْعُبُودِيَّةِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَتَلَامِيذِهِ، لِيَكُونَ سَعْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا خَالِصاً لِوَجْهِ الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ [٧].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)
قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ الْمَعْبُودُ حُبّاً وَتَعْظِيماً الَّذِي تُفْرَدُ لَهُ الْعِبَادَةُ، وَثَبَتَ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ وَالْفِطْرَةِ، وَالْإِلَهِيَّةُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ حَقِيقَةً تَقْتَضِي أَفْعَالَ الْعِبَادِ طَاعَةً.
قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: الْإِلَهُ عِنْدَهُمْ هُوَ "الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ"، فَفَسَّرُوا الْأُلُوهِيَّةَ بِالْقُدْرَةِ وَرَدُّوهَا لِلرُّبُوبِيَّةِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَأَسَّسَتْ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ) بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنِ الِاعْتِزَالِ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا: الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ [٨].
قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: هُوَ اِسْمٌ مَجَازِيٌّ خَالٍ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْمَعَانِي، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْأُلُوهِيَّةِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ وَتَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَنَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) [٨].
قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: الْإِلَهُ هُوَ الذَّاتُ بِلَا صِفَاتٍ، فَالْإِلَهِيَّةُ عَيْنُ الذَّاتِ لَا صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا، وَنَفَوْا رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ سُبْحَانَهُ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ (حَوَالَيِ الْعَامِ ١٠٥ هـ) بِالْبَصْرَةِ عِنْدَمَا اِعْتَزَلَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا: عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ [٨].
قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: الْإِلَهُ هُوَ "الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ" أَوْ "الْعِلَّةُ الْأُولَى"، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَيْسَ لَهُ اِخْتِيَارٌ وَلَا يَفْعَلُ بِمَشِيئَةٍ طَغْيَاناً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): دَخَلَتْ صِيَاغَتُهَا الْفِكْرِيَّةُ لِلْإِسْلَامِ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ عَبْرَ تَرْجَمَةِ كُتُبِ الْيُونَانِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْمُنْتَسِبِينَ لِلْمِلَّةِ: الْفَارَابِيُّ (ت ٣٣٩ هـ) وَابْنُ سِينَا [٨].
قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: الْإِلَهُ هُوَ عَيْنُ هَذَا الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ، فَلَا وُجُودَ لِخَالِقٍ بَائِنٍ عَنْ مَخْلُوقِهِ، بَلِ الْكُلُّ شَيْءٌ وَاحِدٌ حُلُولاً وَاتِّحَاداً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ كَمَذْهَبٍ مُسْتَقِلٍّ فِي التَّصَوُّفِ الْفَلْسَفِيِّ بِالْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا الْأَكْبَرُ هُوَ اِبْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) وَابْنُ سَبْعِينَ [٨].
قَوْلُ الْخَوَارِجِ: شَعَارُهُمْ عِنْدَ التَّحْكِيمِ: "لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ"، حَيْثُ فَسَّرُوا اِسْمَ الْإِلَهِ بِأَنَّهُ الْحَاكِمُ السَّيَّاسِيُّ فَقَطْ، فَكَفَّرُوا عَلِيّاً وَالْمُسْلِمِينَ بِالذُّنُوبِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ يَوْمَ حَرْفِ التَّحْكِيمِ فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ سَنَةَ (٣٧ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْأَوَّلِينَ: نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ [٨].
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (التَّوْثِيقُ النَّقْدِيُّ وَالْفَوَائِدُ)
[١] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٦٩. وَفِيهِ بَيَانُ التَّصْرِيفِ اللُّغَوِيِّ لِلَفْظِ إِلَهٍ وَعِلَّةِ جَمْعِهِ عَلَى آلِهَةٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٢.
[٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ١١٦، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٧٣٧٢. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، رَقْمُ: ١٩.
[٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٣٠.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٢.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٥. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، مَكْتَبَةُ السُّنَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨.
[٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، دَارُ عَطَاءِاتِ الْعِلْمِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٥.
[٨] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٠-٢٤٠. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ - الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٠٥ وما بَعْدَهَا.
_______________________________________٦__________________________________
ص ٣
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّالِثُ: (الرَّحْمَنُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الرَّحْمَنُ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ الصَّحِيحَةِ (رَ حَ مَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ وَالرَّأْفَةِ، وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعْلَانَ) نَصّاً.
وَهَذَا الْوَزْنُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ وَالِامْتِلَاءِ وَالْكَثْرَةِ، مِثْلَ كَلِمَةِ غَضْبَانَ لِلْمُمْتَلِئِ غَضَباً، فَالرَّحْمَنُ هُوَ الْمُمْتَلِئُ رَحْمَةً الْوَاسِعَةُ صِفَتُهُ.
وَالِاسْمُ مُشْتَقٌّ حَقِيقَةً كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مَنِ اسْمِي»، مِمَّا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ جُمُودَهُ.
وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ الَّذِي يَمْنَعُ إِطْلَاقَهُ عَلَى غَيْرِ الْبَارِي، فَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُ بِنْيَةً تَعْظِيمِيَّةً لِأَنَّهُ صَارَ عَلَماً بِالْغَلَبَةِ لَا يَقْبَلُ التَّنْوِينَ الظَّاهِرَ.
وَهُوَ اِسْمٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ إِذَا جُرِّدَ مِنَ الْأَلِفِ وَاللَّامِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ النُّحَاةِ لِعِلَّتَيِ الْعَلَمِيَّةِ وَزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ اللَّتَيْنِ فِي آخِرِهِ [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الْعَلَمُ الصَّرِيحُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُتَّصِفَةِ بِالرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي شَمِلَتْ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ بِقَدَرِهِ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ ثُبُوتُ الرَّحْمَةِ صِفَةً ذَاتِيَّةً لِلَّهِ تَعَالَى لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ بَتَاتاً، وَشُمُولُهَا لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ وَالْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ رِزْقاً.
كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ أَنَّهُ اِسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَحْدَهُ، فَلَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَخْلُوقٍ بِهِ مُطْلَقاً لَا لَفْظاً وَلَا مَعْنًى، وَمَنْ تَسَمَّى بِهِ خُذِلَ كَمُسَيْلِمَةَ.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ اِسْمُ (الرَّحِيمِ) لِأَنَّ الرَّحِيمَ دَالٌّ عَلَى إِيصَالِ الرَّحْمَةِ لِلْمَرْحُومِينَ، بَيْنَمَا الرَّحْمَنُ دَالٌّ عَلَى قِيَامِ الصِّفَةِ الْوَاسِعَةِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ عِلْماً.
وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ دَعْوَى الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّحْمَةَ مَجَازاً عَنِ النِّعْمَةِ أَوْ إِرَادَةِ الثَّوَابِ، فَيُثْبِتُ الْحَقِيقَةَ النَّصِّيَّةَ الَّتِي تَلِيقُ بِجَلَالِهِ [٢].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} [سُورَةُ طه: الآية ٥].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَٰنَ ۖ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ} [سُورَةُ الْإِسْرَاءِ: الآية ١١٠].
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ جُزْءاً، وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءاً وَاحِداً» [٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْماً مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الرَّحْمَنُ) فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَرَمَاًّ عَلَمِيّاً بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ الْمُجَرَّدِ فِي (٥٧ مَرَّةٍ) نَصّاً مَكْتُوباً، سِوَى مَا وَرَدَ فِي الْبَسْمَلَةِ مِنْ فَوَاتِحِ السُّوَرِ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَكَّدَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي أَنَّ اِسْمَ (الرَّحْمَنِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِاللَّهِ الَّتِي لَا تُطْلَقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ ثَابِتٌ ثُبُوتاً قَطْعِيّاً مُتَوَاتِراً نَقْلاً.
وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى رُكْناً فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِي سِيَاقِ الْقُرْآنِ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلاً.
وَأَوْضَحَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ مَنْزِلَةَ اِسْمِ (الرَّحْمَنِ) تَأْتِي بَعْدَ اِسْمِ الْجَلَالَةِ مُبَاشَرَةً فِي خُصُوصِيَّةِ الْعَلَمِيَّةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنَ الْعَالَمِينَ عَقْلاً وَشَرْعاً.
وَفِي مُؤَلَّفَاتِ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيِّ، نَالَ الِاسْمُ التَّصْنِيفَ الثَّالِثَ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، لِاسْتِيفَائِهِ شُرُوطَ الْإِطْلَاقِ وَالْعَلَمِيَّةِ الصَّارِمَةِ النَّقْدِيَّةِ.
وَنَقَلَ الرِّضْوَانيُّ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الِاسْمَ تَوْقِيفِيٌّ مَمْنُوعٌ مِثْلُ اِسْمِ الْجَلَالَةِ، وَلَا يَجُوزُ حَذْفُ مَعْنَاهُ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْعُظْمَى [٦].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الرَّحْمَنِ) تَفْصِيلاً عَلَى سَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، فَهِيَ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ تَعُمُّ الْخَلَائِقَ كُلَّهُمْ بِالْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ وَإِرْسَالِ النَّفَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَدَرَّ أَرْزَاقَهُ عَلَى الْعِبَادِ كَافَّةً، فَلَمْ يَقْطَعْ مَطَراً وَلَا هَوَاءً عَنْ كَافِرٍ لِكُفْرِهِ، بَلْ حَلِمَ عَلَيْهِمْ وَأَمْهَلَهُمْ جُوداً وَتَكَرُّماً مِنْهُ.
وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ مَا بِالْمَخْلُوقَاتِ مِنْ رَحْمَةٍ فَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ رَحْمَانِيَّتِهِ، حَتَّى إِنَّ الدَّابَّةَ لَتَرْفَعُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا مِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ الْمُنَزَّلِ.
وَالرَّحْمَنُ هُوَ الَّذِي رَحِمَ الْبَشَرِيَّةَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَتَنْزِيلِ الْكُتُبِ، لِأَنَّ هِدَايَةَ الْإِرْشَادِ هِيَ أَعْظَمُ تَجَلِّيَاتِ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تُنْقِذُ النُّفُوسَ مِنَ الضَّلَالِ.
وَتَفْصِيلُ الِاسْمِ يَرْتَبِطُ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، حَيْثُ خَصَّ اِسْمَ الرَّحْمَنِ بِهِ لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ سُلْطَانَهُ وَعُلُوَّهُ مَبْنِيَّانِ عَلَى الرَّحْمَةِ وَالسَّعَةِ لَا الْعَنَتِ [٧].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
يَتَجَلَّى الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ فِي النَّظَرِ بِإِتْقَانٍ إِلَى اِقْتِرَانِ اِسْمِ (الرَّحْمَنِ) بِالِاسْتِوَاءِ فِي الْقُرْآنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} فِقْهاً لِلْعُلُوِّ.
وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ جَاءَتْ سُورَةٌ كَامِلَةٌ بِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) اِفْتُتِحَتْ بِهِ، ثُمَّ عَدَّدَتْ آلَاءَ اللهِ النَّاشِئَةِ عَنْ رَحْمَتِهِ الشَّامِلَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِلثَّقَلَيْنِ.
وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ قَوْلَ عِبَادِ الرَّحْمَنِ فِي سُورَةِ الْفُرْقَانِ، حَيْثُ أُضِيفُوا إِلَى هَذَا الِاسْمِ لِيُبَيِّنَ السِّيَاقُ أَنَّ سُلُوكَهُمْ بَيْنَ النَّاسِ قَائِمٌ عَلَى السَّكِينَةِ وَالرَّحْمَةِ.
وَمِنْ مَسَالِكِ التَّدَبُّرِ الْعَجِيبَةِ قَوْلُ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ: {إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ}، حَيْثُ اِسْتَغَاثَتْ بِالرَّحْمَةِ الَّتِي تَمْنَعُ الظُّلْمَ وَتَحْمِي الضَّعِيفَ الْمُنْقَطِعَ.
إِنَّ تَدَبُّرَ سِيَاقَاتِ الِاسْمِ يُورِثُ الْعَقْلَ طُمَأْنِينَةً بِأَنَّ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ كُلَّهَا بِيَدِ رَبٍّ رَحْمَنٍ، لَا يُعَجِّلُ بِالْعُقُوبَةِ، وَيَفْتَحُ أَبْوَابَ الْفَضْلِ لِلْقَاصِدِينَ دَائِماً [٧].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الرَّحْمَنِ) هُوَ اِتِّصَافُ الْعَبْدِ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ مَعَ خَلْقِ اللهِ، كَمَا فِي النَّصِّ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».
فَيَتَرَبَّى الْمُؤْمِنُ عَلَى لِينِ الْجَانِبِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْأَيْتَامِ وَالْفُقَرَاءِ، بَلْ حَتَّى الرِّفْقِ بِالْبَهَائِمِ الْعَجْمَاءِ سُلُوكاً.
وَيُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الدَّاعِيَةِ طَرِيقَةَ النُّصْحِ بِالرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ، فَلَا يَكُونُ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ، بَلْ يَدْعُو إِلَى اللهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ الْبَلِيغَةِ.
كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَمْنَعُ النَّفْسَ مِنَ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ مَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ، لِأَنَّ الِاسْمَ يَدُلُّ عَلَى السَّعَةِ الَّتِي تَسْتَوْعِبُ خَطَايَا التَّائِبِينَ كُلَّهَا.
وَيَغْرِسُ الْمُرَبِّي فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ أَنَّ اللهَ رَحْمَنٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَيَنْشَأُ الْجِيلُ بَعِيداً عَنِ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ، مُتَمَسِّكاً بِأَخْلَاقِ الْإِسْلَامِ السَّمْحَةِ [٧].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)
قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً، وَلَا تُمَاثِلُ رَحْمَةَ الْمَخْلُوقِينَ الَّتِي فِيهَا رِقَّةٌ طَبَعِيَّةٌ.
قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: نَفَوْا قِيَامَ الرَّحْمَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِالذَّاتِ، وَفَسَّرُوا اِسْمَ الرَّحْمَنِ بِأَنَّهُ "إِرَادَةُ الْإِنْعَامِ" أَوْ "النِّعْمَةُ الْمَخْلُوقَةُ بِنَفْسِهَا"، لِأَنَّ الرَّحْمَةَ عِنْدَهُمْ خَوَرٌ وَرِقَّةٌ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْبَاقِلَّانِيُّ وَالْجُوَيْنِيُّ الَّذِينَ قَرَّرُوا تَأْوِيلَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ [٨].
قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: الرَّحْمَنُ اِسْمٌ مَجَازِيٌّ خَالٍ مِنَ الْمَعْنَى وَالْوَصْفِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللهُ رَحِيماً أَوْ رَحْمَاناً حَقِيقَةً لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ يُوجِبُ التَّجْسِيمَ وَالتَّشْبِيهَ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ بِالنِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ نَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ [٨].
قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: أَثْبَتُوا اِسْمَ الرَّحْمَنِ لَفْظاً وَنَفَوْا صِفَةَ الرَّحْمَةِ مَعْنًى، فَقَالُوا: هُوَ رَحْمَنٌ بِذَاتِهِ لَا بِرَحْمَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، وَتَأْوِيلُ الرَّحْمَةِ عِنْدَهُمْ يَعُودُ إِلَى خَلْقِ النِّعَمِ عَدْلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ بِالْبَصْرَةِ حِينَ اِعْتَزَلَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ [٨].
قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: اِسْمُ الرَّحْمَنِ يَعْنِي فَيْضَ الْوُجُودِ مِنَ الْعِلَّةِ الْأُولَى تِلْقَائِيّاً بِالضَّرُورَةِ بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا مَشِيئَةٍ اِخْتِيَارِيَّةٍ، فَالرَّحْمَةُ عِنْدَهُمْ نِظَامٌ فَلَكِيٌّ فَقَطْ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ عَبْرَ تَرْجَمَةِ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْمُنْتَسِبِينَ لِلْمِلَّةِ الْفَارَابِيُّ وَابْنُ سِينَا [٨].
قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: رَحْمَةُ الرَّحْمَنِ عِنْدَهُمْ شَمِلَتْ كُلَّ عَيْنٍ فِي الْوُجُودِ حَتَّى صَارَ الْخَالِقُ هُوَ الْمَخْلُوقُ عَيْناً، فَجَعَلُوا رَحْمَتَهُ سَارِيَةً فِي ذَاتِ كُلِّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَمَأسَسَتْ كَمَذْهَبٍ فَلْسَفِيٍّ صُوفِيٍّ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا ابْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) وَابْنُ سَبْعِينَ [٨].
قَوْلُ الْخَوَارِجِ: حَصَرُوا رَحْمَانِيَّةَ اللهِ وَأَثَرَهَا فِي الْآخِرَةِ لِمَنْ لَمْ يَرْتَكِبْ كَبِيرَةً، فَمَنْ عَصَى عِنْدَهُمْ خَرَجَ مِنْ أَثَرِ الرَّحْمَةِ وَخُلِّدَ فِي النَّارِ، فَضَيَّقُوا الرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ جَهْلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ سَنَةَ (٣٧ هـ) فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ بَعْدَ رَفْضِ الْقَضَاءِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا حُرْقُوصُ بْنُ زُهَيْرٍ وَنَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ [٨].
- _________________________________________________________________
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٨.
[٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٦٠٠٠. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ، رَقْمُ: ٢٧٥٢.
[٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٣١، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٦٩٤. وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ برقم: ١٩٠١.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٠٨.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٦. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢.
[٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٢.
[٨] أَبُو النَّصْرِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥-٩٢. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٢ وما بَعْدَهَا تَعْلِيقاً عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ.
________________________________٧_______________________________________
ص ٤
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الرَّابِعُ: (الرَّحِيمُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الرَّحِيمُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (رَ حَ مَ) الدَّالَّةِ عَلَى الرِّقَّةِ وَالْعَطْفِ، وَهُوَ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِلَا جِدَالٍ.
وَيَدُلُّ هَذَا الْوَزْنُ فِي النَّحْوِ عَلَى تَجَدُّدِ الْفِعْلِ وَحُدُوثِهِ وَتَعَدِّيهِ إِلَى الْمَحَلِّ، مِثْلَ كَلِمَةِ عَلِيمٍ وَسَمِيعٍ، فَالرَّحِيمُ هُوَ الْمُوصِلُ رَحْمَتَهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ.
وَالِاسْمُ صَرِيحٌ فِي الِاشْتِقَاقِ، تَلْحَقُهُ أَلِفُ وَلَامُ التَّعْرِيفِ لِلْكَمَالِ، وَيَقْبَلُ التَّنْوِينَ الظَّاهِرَ إِذَا جُرِّدَ، فَيُقَالُ (رَحِيمٌ)، وَتَقَعُ فِيهِ التَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ لُغَةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ.
وَيَخْتَلِفُ عَنْ وَزْنِ (فَعْلَانَ) فِي أَنَّهُ يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمَخْلُوقِ مُقَيَّداً كَمَا فِي نَصِّ النَّعْتِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تَبْجِيلاً.
وَالنُّونُ فِيهِ لَيْسَتْ زَائِدَةً كَالرَّحْمَنِ، بَلْ بِنْيَتُهُ الصَّرْفِيَّةُ جَارِيَةٌ عَلَى أُصُولِ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ الَّتِي تَقْتَضِي مَفْعُولاً يَقَعُ عَلَيْهِ أَثَرُ الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِالْفَاعِلِ [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُتَعَدِّيَةِ الَّتِي تَقَعُ عَلَى الْمَرْحُومِينَ عَدْلاً وَفَضْلاً مَقْطُوعاً بِهِ.
وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ أَنَّ الرَّحِيمَ هُوَ ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ، الَّتِي يَخُصُّ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ هِدَايَةً وَتَوْفِيقاً وَتَثْبِيتاً وَإِكْرَاماً.
كَمَا يَدْخُلُ فِي الْحَدِّ ثُبُوتُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ، الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ السُّبْحَانِيَّةُ كُلَّمَا أَرَادَ فِعْلَ ذَلِكَ نَصّاً.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ اِسْمُ (الرَّحْمَنِ)، لِأَنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الَّذِي هُوَ وَصْفُهُ، بَيْنَمَا الرَّحِيمُ دَالٌّ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ إِيصَالُهَا حَقِيقَةً.
وَهُوَ حَدٌّ مَانِعٌ يُبْطِلُ مَزَاعِمَ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّحْمَةَ أَمْراً نِسْبِيّاً خَالِياً مِنَ التَّعَلُّقِ الْفِعْلِيِّ، فَيُقَرِّرُ جَوْهَرَ الْإِثْبَاتِ السُّنِّيِّ الشَّرِيفِ [٢].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية ١٤٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: الآية ٤٣].
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَسْعَى إِذْ وَجَدَتْ صَبِيّاً فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ قُلْنَا: لَا، وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا» [٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الرَّحِيمُ) فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً وَمُنَكَّراً فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ بَلَغَتْ (١١٤ مَرَّةً) نَصّاً جَلِيّاً، سِوَى وُرُودِهِ فِي الْبَسْمَلَةِ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
جَزَمَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ بِثُبُوتِ اِسْمِ (الرَّحِيمِ) تَوْقِيفاً، وَأَوْضَحَ أَنَّ تَعَدُّدَ مَوَاضِعِهِ الْقُرْآنِيَّةِ يَرْفَعُهُ لِرُتْبَةِ الْقَطْعِ الَّذِي لَا مِرَاءَ فِيهِ عِلْماً.
وَقَرَّرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى أَنَّ اِسْمَ (الرَّحِيمِ) دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَنَقَلَ تَفْرِيقَ الْعُلَمَاءِ الْمَشْهُورَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّحْمَنِ بَيَاناً.
وَأَشَارَ ابْنُ عُثَيْمِين أَنَّ اِقْتِرَانَ الرَّحِيمِ بِأَسْمَاءَ أُخْرَى كَالْعَزِيزِ وَالْغَفُورِ، يُعْطِي كَمَالاً إِلَى كَمَالٍ، وَيُثْبِتُ أَنَّ رَحْمَتَهُ النَّاشِئَةَ عَنْ فِعْلِهِ تَقُومُ عَلَى الْعِزَّةِ وَالْقَهْرِ أَيْضاً.
وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ مِنْ كِتَابِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، نَافِياً عَنْهُ كُلَّ شُبُهَاتِ التَّأْوِيلِ أَوْ التَّعْطِيلِ الْكَلَامِيِّ.
وَبَيَّنَ الرِّضْوَانِيُّ أَنَّ (الرَّحِيمَ) مَجْمَعُ الْآثَارِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ نَقَلَ عَنِ ابْنِ الْقَيِّمِ اِسْتِحْسَانَ التَّفْرِيقِ بِأَنَّ الرَّحْمَنَ صِفَةُ الذَّاتِ وَالرَّحِيمَ صِفَةُ الْفِعْلِ [٦].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الرَّحِيمِ) تَفْصِيلاً عَلَى إِيصَالِ اللهِ تَعَالَى نَفَحَاتِ رَحْمَتِهِ لِلْمَخْلُوقِ، فَالرَّحْمَنُ اِتَّصَفَ بِهَا، وَالرَّحِيمُ رَحِمَ بِهَا خَلْقَهُ وَبَاشَرَهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْفَضْلِ.
وَالتَّفْصِيلُ فِيهِ أَنَّ رَحْمَتَهُ الرَّحِيمِيَّةَ نَوْعَانِ: رَحْمَةٌ عَامَّةٌ لِلْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا، وَرَحْمَةٌ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ تَشْمَلُ لُطْفَهُ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَتَوْفِيقِهِمْ لِلطَّاعَاتِ.
وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَغْفِرَةٍ لِذَنْبٍ، وَكُلَّ تَوْبَةٍ يُقْبِلُ اللهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ، وَكُلَّ دَفْعٍ لِعُقُوبَةٍ، هِيَ مِنْ تَمَامِ مَعْنَى اِسْمِهِ الرَّحِيمِ الْمُتَعَدِّي.
وَهُوَ الَّذِي يَرْحَمُ ضَعْفَ الْعِبَادِ عِنْدَ لِقَائِهِ فِي الْآخِرَةِ، فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَيُنْجِيهِمْ مِنَ النَّارِ الَّتِي أُعِدَّتْ لِأَهْلِ الْجُحُودِ وَالْعِصْيَانِ شَرْعاً.
وَشَرْحُ الِاسْمِ يَؤُولُ إِلَى أَنَّ الْفِعْلَ الرَّحِيمِيَّ لَا يَنْقَطِعُ عَنِ الْمُؤْمِنِ أَبَداً، فَهُوَ يَحُوطُهُ فِي قَبْرِهِ وَعِنْدَ نَشْرِهِ وَعَلَى الصِّرَاطِ حَتَّى يَسْتَقِرَّ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ [٧].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
يَتَجَلَّى التَّدَبُّرُ فِي تَتَبُّعِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الَّتِي اِقْتَرَنَ فِيهَا اِسْمُ (الرَّحِيمِ) بِاسْمِ (الْعَزِيزِ)، كَمَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ، لِيَعْلَمَ الْعَقْلُ أَنَّ رَحْمَتَهُ عَنْ قُدْرَةٍ وَعِزَّةٍ.
وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ اِقْتِرَانَهُ بِاسْمِ (التَّوَّابِ) مِثْلَ: {تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}، لِيَلْمَحَ أَنَّ قَبُولَ الْإِنَابَةِ مَحْفُوفٌ بِالرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي تَغْسِلُ أَثَرَ الْخَطِيئَةِ عَنِ التَّائِبِ.
وَكَذَلِكَ نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ نَفْيِ جَعْلِ الرَّحِيمِ لِلْكُفَّارِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا}، فَيُدْرِكُ الْمُتَدَبِّرُ أَنَّهَا رَحْمَةُ الِاصْطِفَاءِ.
وَمِنْ مَسَالِكِ النَّظَرِ أَنَّ الْبَسْمَلَةَ جَمَعَتِ الِاسْمَيْنِ مَعاً: {الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}، لِيَفْتَتِحَ الْعَبْدُ كِتَابَ رَبِّهِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ كَمَالِ الصِّفَةِ وَسَعَةِ الْفِعْلِ الْكَوْنِيِّ الشَّامِلِ.
إِنَّ تَدَبُّرَ لَفْظِ (الرَّحِيمِ) فِي آيَاتِ الْمَغْفِرَةِ وَأَحْوَالِ الْقِيَامَةِ يَغْرِسُ فِي الْقَلْبِ رَجَاءً دَائِماً يُحَرِّكُ الْجَوَارِحَ نَحْوِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ طَمَعاً فِي نَوَالِ رِضْوَانِهِ [٧].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
الْأَثَرُ التَّرْبَوِيُّ لِاسْمِ (الرَّحِيمِ) يَتَمَثَّلُ فِي أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مُوصِلاً لِلْخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ لِمَنْ حَوْلَهُ، فَلَا يَكْتَفِي بِقِيَامِ الرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ، بَلْ يُحَوِّلُهَا إِلَى أَفْعَالٍ.
فَيَتَرَبَّى الْمُؤْمِنُ سُلُوكاً عَلَى إِطْعَامِ الْجَائِعِ، وَكِسْوَةِ الْعَارِي، وَتَعْلِيمِ الْجَاهِلِ، وَتَفْرِيجِ كُرَبِ الْمَكْرُوبِينَ، بَاذِلاً نَفْسَهُ وَمَالَهُ فِي مَرْضَاةِ إِلَهِهِ.
وَتَظْهَرُ التَّرْبِيَةُ فِي حُسْنِ تَعَامُلِ الرَّجُلِ مَعَ زَوْجَتِهِ وَبَنَاتِهِ وَأَبْنَائِهِ، فَيَكُونُ رَحِيماً بِهِمْ فِي نَفَقَتِهِ وَتَوْجِيهِهِ، بَعِيداً عَنِ الْقَسْوَةِ وَالْجَفَاءِ النَّفْسِيِّ.
كَمَا أَنَّ الْمَسْلَكَ السُّلُوكِيَّ يَفْرِضُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَرْحَمَ مَنْ يَعْلَمُهُمْ، فَيَتَلَطَّفَ بِهِمْ وَيَصْبِرَ عَلَى جَفْوَتِهِمْ لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي بَابِ الْفَضْلِ وَالنُّصْحِ.
وَيُرَسِّخُ الْمُرَبِّي فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ الرَّحِيمِ تَنَالُهَا الطَّاعَةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} نَظَماً تَرْبَوِيّاً [٧].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الِاسْمِ وَالْفِرَقِ)
قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الرَّحْمَةِ الْفِعْلِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً.
قَوْلُ الْأَشَاعِرَةِ: فَسَّرُوا اِسْمَ الرَّحِيمِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ يَعُودُ إِلَى "إِرَادَةِ التَّفَضُّلِ" أَوْ "إِيصَالِ النِّعْمَةِ الْمَخْلُوقَةِ"، لِأَنَّهُمْ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ صِفَةً فِعْلِيَّةً اِخْتِيَارِيَّةً تَقُومُ بِالذَّاتِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الرَّابِعِ الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (ت ٣٢٤ هـ)، وَمِنْ رُؤُوسِهَا الْبَاقِلَّانِيُّ الَّذِي وَطَّدَ مَذْهَبَ نَفْيِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ [٨].
قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ: الرَّحِيمُ لَفْظٌ لَا مَعْنَى لَهُ قَائِمٌ بِالْبَارِي، وَهُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ كَسَائِرِ الْأَسْمَاءِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَ الْفِعْلِ الرَّحِيمِيِّ عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَ الْحَوَادِثِ فِي الذَّاتِ تَعْطِيلاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): نَشَأَتْ فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ عَلَى يَدِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ وَنَشَرَهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ) بِخُرَاسَانَ [٨].
قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ: هُوَ رَحِيمٌ بِلَا رَحْمَةٍ، فَالِاسْمُ عَلَمٌ مُجَرَّدٌ، وَمَعْنَاهُ يَعُودُ إِلَى أَحْكَامِ الْعَدْلِ وَخَلْقِ مَنَافِعِ الْعِبَادِ فَقَطْ، فَنَفَوْا قِيَامَ الْوَصْفِ بِاللهِ حَقِيقَةً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ (حَوَالَيِ السَّنَةِ ١٠٥ هـ) بِالْبَصْرَةِ بِاعْتِزَالِ وَاصِلِ بْنُ عَطَاءٍ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَالْأَعْلَافُ [٨].
قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: الْإِلَهُ رَحِيمٌ بِمَعْنَى أَنَّ نِظَامَ الْعَالَمِ يَجْرِي عَلَى وَفْقِ الْخَيْرِ الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ دُونَ تَدَخُّلٍ فِيهِ بِمَشِيئَةٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَجَدِّدٍ مِنَ الْعِلَّةِ الْأُولَى طَغْيَاناً عَقْلِيّاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): دَخَلَتِ الْمِلَّةَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ بِتَرْجَمَةِ كُتُبِ أَرِسْطُو، وَمِنْ رُؤُوسِهَا اِبْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ [٨].
قَوْلُ أَصْحَابِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: الْفِعْلُ الرَّحِيمِيُّ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ حَرَكَةِ الْوُجُودِ الْمَادِّيِّ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِيهِ الْحَقُّ فِي صُوَرِ الْخَلْقِ، فَلَا فَاعِلَ وَلَا مَفْعُولَ إِلَّا عَيْنٌ وَاحِدَةٌ حُلُولاً. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): تَبَلْوَرَتْ صُوفِيّاً فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأْسُهَا الْأَكْبَرُ اِبْنُ عَرَبِيٍّ الطَّائِيُّ (ت ٦٣٨ هـ) [٨].
قَوْلُ الْخَوَارِجِ: جَعَلُوا رَحْمَةَ اللهِ الرَّحِيمِ مَمْنُوعَةً عَنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَمَنْ مَاتَ عَلَى مَعْصِيَةٍ لَمْ تَنَلْهُ رَحْمَةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ بَلْ خُلِّدَ فِي الْجَحِيمِ جَهْلاً بِالسُّنَّةِ وَالْأَثَرِ. (نَشْأَةُ الْفِرْقَةِ): خَرَجَتْ سَنَةَ (٣٧ هـ) فِي مَعْرَكَةِ صِفِّينَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ الشَّهِيرِ، وَمِنْ رُؤُوسِهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ الرَّاسِبِيُّ [٨].
- ______________________________________________________________________
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
[٣] فَائِدَةٌ حَدِيثِيَّةٌ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٩، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٦٠٠٤. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ بِنَفْسِ اللَّفْظِ، رَقْمُ: ٢٧٥٤.
[٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢٠٧٨، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٢٧٠٥. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ، رَقْمُ: ٨٣٤.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١١.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٧. وَانْظُرْ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٥.
[٧] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٧٨. وَانْظُرْ: اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥.
[٨] أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥-١١٠. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٤ وما بَعْدَهَا تَبْيِيناً لِمَذَاهِبِ الْفِرَقِ فِي صِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
_________________________________٨_____________________________________
ص ٥
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ: (الْمَلِكُ - الْمَالِكُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمَا (الْمَلِكُ) وَ(الْمَالِكُ) مُشْتَقَّانِ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (مَ لَ كَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى قُوَّةٍ فِي الشَّيْءِ وَصِحَّةٍ، وَعَلَى تَمَامِ الرَّبْطِ وَالِاحْتِوَاءِ [١]. وَ(الْمَلِكُ) صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ دَالَّةٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمُلْكِ، وَ(الْمَالِكُ) اِسْمُ فَاعِلٍ مِنْ فِعْلِ (مَلَكَ) يَدُلُّ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكِيَّةُ وَالتَّصَرُّفُ الْفِعْلِيُّ حَقِيقَةً [٢].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ النَّافِذَةِ الْمَشِيئَةِ، الَّتِي لَهَا التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، نَهْياً وَأَمْراً، وَثَوَاباً وَعِقَاباً، بِلَا مُمَانِعٍ وَلَا مُعَقِّبٍ [٣]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ مُلْكُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ مُلْكٌ مَجَازِيٌّ قَاصِرٌ نَاقِصٌ، يَلْحَقُهُ الْعَدَمُ وَيَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ [٤].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ لِاسْمِ (الْمَلِكِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} [سُورَةُ طه: الآية ١١٤].
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ لِاسْمِ (الْمَالِكِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: الآية ٤].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ، وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» [٥].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمَلِكُ) فِي سِيَاقِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عَلَماً مَقْصُوداً فِي (٥ مَوَاضِعَ) نَصّاً، بَيْنَمَا وَرَدَ اِسْمُهُ (الْمَالِكُ) فِي مَوْضِعَيْنِ (٢) نَصّاً جَلِيّاً [٦].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمَلِكِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٧]. وَجَعَلَهُمَا الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين نَصّاً فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الدَّالَّةِ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ [٨]. وَصَنَّفَهُمَا الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ وَالسَّادِسَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ [٩].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ الِاسْمَانِ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمَالِكُ لِجَمِيعِ الْأَكْوَانِ، الْعُلْوِيِّ مِنْهَا وَالسُّفْلِيِّ، خَلْقاً وَمِلْكاً وَتَدْبِيراً. وَمَعْنَى الْمَلِكِ وَالْمَالِكِ يَقْتَضِي أَنَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُنْفَرِدُ بِتَصْرِيفِ أُمُورِ عِبَادِهِ، فَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ بِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ [١٠].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (الْمَلِكِ) بِقَوْلِهِ تَعَالَى {الْقُدُّوسُ} لِيُعْلَمَ أَنَّ مُلْكُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ عُيُوبِ مُلُوكِ الْبَشَرِ [١١]. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ خُصُوصِيَّةَ إِضَافَةِ اِسْمِ (الْمَالِكِ) إِلَى {يَوْمِ الدِّينِ} لِيَسْتَقِرَّ فِي الْيَقِينِ أَنَّ كُلَّ دَعَاوَى الْمُلْكِ الصُّورِيَّةِ لِلْبَشَرِ تَنْقَطِعُ كُلِّيَّةً فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، فَلَا نَاطِقَ وَلَا مُتَصَرِّفَ إِلَّا هُوَ [١٢].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ تَمَامَ الْخُضُوعِ وَالِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ اللهِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكٌ لِلْمَلِكِ الْحَقِّ. كَمَا يَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى عَدَمِ الذُّلِّ لِمُلُوكِ الدُّنْيَا أَوْ التَّعَلُّقِ بِأَيْدِيهِمْ، بَلْ يَفْزَعُ الْعَبْدُ بِالدُّعَاءِ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، مَعَ لُزُومِ التَّوَاضُعِ وَتَرْكِ الْكِبْرِ [١٣].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
●أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: هُوَ اِسْمٌ ثَابِتٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْمُلْكِ الْحَقِيقِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ، وَتَدْبِيرِهِ لِلْخَلْقِ فِعْلاً كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ.
●الْأَشَاعِرَةُ: نَفَوْا قِيَامَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّاتِ، وَتَأَوَّلُوا الْمُلْكَ بِأَنَّهُ يَعُودُ إِلَى مَعْنَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ أَوْ خَلْقِ الْمَمْلُوكَاتِ.
●الْمُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا الِاسْمَ لَفْظاً وَنَفَوْا الصِّفَةَ مَعْنًى، فَقَالُوا: هُوَ مَلِكٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ مُلْكٍ زَائِدَةٍ، وَتَأْوِيلُهُ عِنْدَهُمْ نَفَاذُ الصُّنْعِ فَقَطْ.
●الْجَهْمِيَّةِ: قَالُوا الِاسْمُ مَجَازٌ مَحْضٌ خَالٍ مِنَ الْوَصْفِ، نَفْياً لِقِيَامِ أَيِّ مَعْنًى بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي التَّعْطِيلِ.
●الْفَلَاسِفَةُ: الْمُلْكُ عِنْدَهُمْ هُوَ صُدُورُ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى فَيْضاً لَازِماً بِالضَّرُورَةِ بِلَا إِرَادَةٍ مَشِيئَةٍ اِخْتِيَارِيَّةٍ مِلْكاً.
●أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: جَعَلُوا الْمَلِكَ وَالْمَمْلُوكَ عَيْناً وَاحِدَةً، فَالْخَالِقُ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي صُوَرِ الْكَوْنِ.
●الْخَوَارِجُ: ضَيَّقُوا أَحْكَامَ الْمُلْكِ الشَّرْعِيَّةِ، فَأَسْقَطُوا رَعِيَّةَ الْمَلِكِ بِالتَّكْفِيرِ بِالْكَبِيرَةِ، وَنَفَوْا نَفَاذَ مَشِيئَةِ الْمَلِكِ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ شَفَاعَةً [١٤].
- ______________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٤٩١.
[٢] أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ، تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٢٤٤.
[٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
[٤] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢.
[٥] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ
، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٣٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٤٨١٢. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، رَقْمُ: ٢٧٨٨.
[٦] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٧٤.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٤.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٠.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٢.
[١٠] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٥٢٥.
[١١] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[١٢] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٧، الصَّفْحَةُ ١٥٢.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٢.
[١٤] أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨. وَانْظُرْ: شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٥-٤٠.
_________________________________٩_____________________________________
ص ٦
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّابِعُ: (الْقُدُّوسُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْقُدُّوسُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ دَ سَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَالنَّزَاهَةِ وَالتَّعْظِيمِ الْخَالِصِ بِلَا شَوْبٍ. وَهُوَ لَفْظٌ جَارٍ عَلَى وَزْنِ (فُعُّولٍ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْعَيْنِ مَعَ الضَّمِّ، وَهُوَ مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ النَّادِرَةِ فِي كَلَامِهِمْ، وَيُفِيدُ بُلُوغَ الْغَايَةِ الْقُصْوَى فِي الطَّهَارَةِ. وَالْقَدَسُ بِالْفَتْحِ هُوَ الْإِنَاءُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ بِهِ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْجَنَّةُ حَظِيرَةَ الْقُدُسِ لِطَهَارَتِهَا مِنَ الْآفَاتِ، كَمَا يُقَالُ تَقَدَّسَ الرَّجُلُ إِذَا تَطَهَّرَ وَتَنَزَّهَ عَنِ الْأَدْنَاسِ. وَالنُّونُ لَمْ تَلْحَقْ هَذَا الْبِنَاءَ الصَّرْفِيَّ، بَلْ بَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ الثُّلَاثِيِّ الدَّالِّ عَلَى الْبَرَكَةِ وَالنَّزَاهَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي تَمْنَعُ وُرُودَ النَّقْصِ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقْصٍ، وَالْمُقَدَّسَةِ عَنْ مُمَاثَلَةِ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، أَوْ جَرَيَانِ الْأَوْهَامِ الْبَشَرِيَّةِ عَلَيْهَا حَقِيقَةً. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِّ تَقْدِيسُهُ لِنَفْسِهِ الثَّابِتُ أَزَلاً، وَتَقْدِيسُ أَهْلِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَهُ تَعْظِيماً وَخُضُوعاً لِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ الْعَظِيمَةِ الْمُقَدَّسَةِ الشَّرِيفَةِ. كَمَا يَشْمَلُ تَنْزِيهَهُ عَنِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ، وَالظَّهِيرِ وَالشَّرِيكِ، وَعَنْ كُلِّ وَصْفٍ ذَمَّهُ بِهِ أَهْلُ الْجُحُودِ وَالشِّرْكِ وَالِانْحِرَافِ الْعَقَدِيِّ. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ مُقَدَّساً مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ كَالْأَرْضِ أَوْ النَّفْسِ، لِأَنَّ تَقْدِيسَهَا نِسْبِيٌّ مَحْدُودٌ مُفْتَقِرٌ لِتَطْهِيرِ اللهِ لَهَا [٢].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ} [سُورَةُ الْجُمُعَةِ: الآية ١].
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ» [٣].
الدَّلِيلُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْقُدُّوسُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُعَرَّفاً بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ مُطْلَقاً فِي (مَوْضِعَيْنِ اثْنَيْنِ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْقُدُّوسِ) نَصّاً ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْقَطْعِيَّةِ الْوُرُودِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى أَوْصَافِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ لِاسْتِيفَائِهِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّوْقِيفِ [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْقُدُّوسِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى مُبَارَكٌ فِِي ذَاتِهِ، مُطَهَّرٌ عَنْ كُلِّ مَا يَخْطُرُ بِبَالِ الْبَشَرِ مِنَ النَّقَائِصِ. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ عَنْ نَقْصِ الْفَنَاءِ أَوْ النَّوْمِ أَوْ اللَّغُوبِ، وَعَنْ كُلِّ وَصْفٍ لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ الْأَزَلِيِّ الْأَبَدِيِّ الْمُطْلَقِ شَرْعاً. كَمَا يَعْنِي أَنَّ أَفْعَالَهُ كُلَّهَا مُقَدَّسَةٌ، تَدُورُ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ وَالْحِكْمَةِ، فَلَا يَظْلِمُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً عَبَثاً بِلَا غَايَةٍ. وَهُوَ الَّذِي يُطَهِّرُ قُلُوبَ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَيُقَدِّسُ أَرْوَاحَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، فَيَنْعَكِسُ كَمَالُ الِاسْمِ عَلَى الْكَوْنِ تَطْهِيراً شَامِلاً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (الْقُدُّوسِ) بِاسْمِ (الْمَلِكِ) فِي الْقُرْآنِ، لِيَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ مُلْكَهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمُلُوكِ الْبَشَرِ الْمَشُوبِ بِالظُّلْمِ وَالْعُيُوبِ. وَيَتَدَبَّرُ التَّالِي كَيْفَ جَاءَ التَّسْبِيحُ مُقَدَّماً عَلَى التَّقْدِيسِ فِي أَقْوَالِ الْمَلَائِكَةِ: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، بَيَاناً لِأَنَّ التَّنْزِيهَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ التَّعْظِيمِ. وَمِنْ لَطَائِفِ النَّظَرِ أَنَّ جَمْعَ الرَّسُولِ بَيْنَ السُّبُّوحِ وَالْقُدُّوسِ فِي السُّجُودِ يُحَقِّقُ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْإِجْلَالِ حَالَ انْخِفَاضِ الْبَدَنِ لِلْقَدِيرِ. إِنَّ تَدَبُّرَ هَذَا الِاسْمِ الْجَلِيلِ يَفْتَحُ لِلْعَقْلِ بَابَ النَّظَرِ فِي نَقَاءِ الشَّرِيعَةِ وَخُلُوِّ أَحْكَامِهَا مِنَ الْهَوَى وَالْحَيْفِ [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ تَعْظِيماً بَالِغاً لِجَنَابِ الرَّبِّ، فَلَا يَصِفُهُ إِلَّا بِمَا صَفَّ بِهِ نَفْسَهُ تَوْقِيفاً نَقِيّاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَيَغْسِلُ قَلْبَهُ مِنَ الْحِقْدِ وَالْغِلِّ وَالْكِبْرِ، وَيُطَهِّرُ جَوَارِحَهُ مِنَ الْآثَامِ وَالْمَعَاصِي شَرْعاً. كَمَا يَفْرِضُ هَذَا الِاسْمُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ نَظَافَةَ مَأْكَلِهِ وَمَشْرَبِهِ، فَلَا يَدْخُلُ جَوْفَهُ حَرَامٌ يُدَنِّسُ نُورَ الْفَهْمِ الَّذِي نَالَهُ طَلَباً. وَيَحْرِصُ الْمُرَبِّي عَلَى غَرْسِ نَزَاهَةِ اللَّسَانِ عَنِ الْفُحْشِ وَالْكَذِبِ فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِ، لِتَكُونَ أَقْوَالُهُمْ مُقَدَّسَةً عَنِ الْخَنَا تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْقُدُّوسِ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ الثَّابِتَةِ لَهُ أَزَلاً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُقَدَّسٌ بِصِفَةِ قُدُسٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَصّاً بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ. أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ وَقَفُوا عِنْدَ التَّنْزِيهِ السَّلْبِيِّ، وَجَعَلُوا الْمَعْنَى يَعُودُ إِلَى نَفْيِ النَّقَائِصِ عَنِ الذَّاتِ دُونَ إِثْبَاتِ كَمَالِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي مَنْعِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ الْمُتَجَدِّدَةِ بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، فَصَرَفُوا الِاسْمَ عَنْ حَقِيقَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ. وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ رَحِيمٌ وَقُدُّوسٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، فَنَفَوْا مَعْنَى التَّقْدِيسِ الْقَائِمِ بِهِ حَقِيقَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْوَصْفِ الصَّرْفِيِّ يَسْتَلْزِمُ تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ، فَجَعَلُوا اِسْمَ الْقُدُّوسِ لَفْظاً مُجَرَّداً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ. وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا الْأَكْبَرِ، فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ مَعاً، وَقَالَتْ إِنَّ إِطْلَاقَ (الْقُدُّوسِ) عَلَى اللهِ تَعَالَى هُوَ مِنَ الْبَابِ الْمَجَازِيِّ الْمَحْضِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ نَفْيُ التَّشْبِيهِ الصُّورِيِّ فَقَطْ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ التَّقْدِيسِ عِنْدَهُمْ لَا تَقُومُ بِذَاتٍ لَا تُوصَفُ بِشَيْءٍ أَصْلاً طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ. وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْقُدُّوسَ بِمَعْنَى تَنَزُّهِ الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنِ الْمَادَّةِ وَعَوَارِضِ الْجِسْمِيَّةِ مَعَ نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْجُزْئِيَّاتِ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ لِلْخَلْقِ فِعْلاً وَمَشِيئَةً. وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ التَّنَاقُضِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْقُدُّوسَ هُوَ عَيْنُ الْمُتَقَدِّسِ بِهِ فِي صُوَرِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْقُدُّوسِ الْخَالِقِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ النَّاقِصِ حُلُولاً. وَضَلَّتِ الْخَوَارِجُ فِي الْبَابِ حِينَ سَلَبَتْ صِفَةَ التَّقْدِيسِ عَنْ شَرِيعَتِهِ النَّافِذَةِ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَجَعَلُوا حُكْمَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ خَالِياً مِنَ الرَّحْمَةِ وَالتَّجَاوُزِ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَبَبِ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ النَّقْلِ الصَّحِيحِ [١٢].
_____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٦٨.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٨.
[٣] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٣، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٤٨٧.
[٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٦٦، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١٤٣٠. وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٤٢.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠١.
[ ] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٩.
[١٠] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٨، الصَّفْحَةُ ٤٣.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٥.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٥-٥٥. وَانْظُرْ: أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٢.
- _________________________________١٠_____________________________________
ص ٧
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّامِنُ: (السَّلَامُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (السَّلَامُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (سَ لَ مَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى السَّلَامَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ وَالْعَاهَاتِ. وَالسَّلَامُ وَالسَّلَامَةُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَاللَّذَاذِ وَاللَّذَاذَةِ، وَهُوَ مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقَامَ الِاسْمِ تَعْظِيماً لِمَنْ وُصِفَ بِهِ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي سَلِمَتْ فِي أَوْصَافِهَا وَأَفْعَالِهَا وَأَحْكَامِهَا عَنْ كُلِّ شَوْبِ نَقْصٍ وَعَيْبٍ، وَالَّذِي يُسَلِّمُ خَلْقَهُ مِنَ الْمَظَالِمِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ نُسِبَ إِلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِعَرَضِيَّةِ سَلَامَتِهِمْ وَزَوَالِهَا [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثاً، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (السَّلَامُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (السَّلَامِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّامِنَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (السَّلَامِ) عَلَى أَنَّ حَيَاتَهُ سَلِمَتْ مِنَ الْمَوْتِ، وَقُدْرَتَهُ سَلِمَتْ مِنَ الْعَجْزِ، وَعِلْمَهُ سَلِمَتْ مِنَ النِّسْيَانِ، فَكُلُّ كَمَالٍ فِيهِ بَرِيءٌ عَنِ النَّقْصِ شَرْعاً. وَأَفْعَالُهُ سَلِمَتْ مِنَ الْعَبَثِ وَالظُّلْمِ، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً إِلَّا بِحِكْمَةٍ، وَمِنْهُ تَنْتَشِرُ السَّلَامَةُ فِي الْعَالَمَيْنِ [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ اِسْمِ (السَّلَامِ) بِالْقُدُّوسِ لِيُفِيدَ أَنَّ تَنْزِيهَهُ مَقْرُونٌ بِالسَّلَامَةِ التَّامَّةِ أَزَلاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ جَعَلَ اللهُ الْجَنَّةَ (دَارَ السَّلَامِ) لِأَنَّهَا سَلِمَتْ مِنْ كُلِّ كَدَرٍ، وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ فَيَفِيضُ الْأَمْنُ [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ سَلَامَةَ الصَّدْرِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، وَيَسْعَى لِنَشْرِ السَّلَامِ قَوْلاً وَفِعْلاً طَلَباً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى أَنْ يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، فَلَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (السَّلَامُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ السَّلَامَةِ الْمُطْلَقَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ سَالِمٌ فِي ذَاتِهِ عَنِ الْعُيُوبِ، وَفِي صِفَاتِهِ عَنِ النَّقَائِصِ، وَفِي أَفْعَالِهِ عَنِ الظُّلْمِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّأْوِيلِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ وَقَفُوا عِنْدَ التَّنْزِيهِ السَّلْبِيِّ الْمَحْضِ، وَجَعَلُوا مَعْنَى (السَّلَامِ) يَعُودُ إِلَى سَلْبِ النَّقَائِصِ عَنِ الذَّاتِ فَقَطْ، دُونَ إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ كَمَا يَزْعُمُونَ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ دَلَالَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الْوُجُودِيَّةِ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ سَلَامٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ سَلَامَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى الذَّاتِ، فَنَفَوْا جَمِيعَ صِفَاتِ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ، وَقَالُوا إِنَّ مَعْنَى الِاسْمِ هُوَ أَنَّ خَلْقَهُ سَلِمُوا مِنْ ظُلْمِهِ تَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ، فَجَعَلُوا مَدْلُولَ الِاسْمِ خَارِجاً عَنِ الذَّاتِ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الْإِلَهِيِّ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ مَعاً، وَقَالَتْ إِنَّ إِطْلَاقَ الِاسْمِ مَجَازٌ مَحْضٌ نَفْياً لِقِيَامِ أَيِّ مَعْنًى بِالذَّاتِ طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي التَّعْطِيلِ الصِّفَاتِيِّ الْكَامِلِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا السَّلَامَ بِمَعْنَى تَنَزُّهِ الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنِ التَّعَدُّدِ وَالِانْقِسَامِ وَالْمَادَّةِ فَقَطْ، مَعَ نَفْيِ الْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ عَنْهُ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الشَّرْعِيَّ وَالْكَوْنِيَّ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الْحُلُولِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ السَّلَامَ هُوَ عَيْنُ السَّلَامَةِ الظَّاهِرَةِ فِي الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ السَّلَامِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ. وَضَلَّتِ الْخَوَارِجُ فِي الْبَابِ حِينَ نَفَوْا سَلَامَةَ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، فَضَيَّقُوا رَحْمَةَ السَّلَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَصْلِهِمْ الفَاسِدِ [١٢].
____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٢، الصَّفْحَةُ ٢٨٩.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥١.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١١٥.
[٤] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ النَّيْسَابُورِيُّ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٤، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٩١.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٨.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٦.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠٨.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٠.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨٠.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٩.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٥-٦٨.
- _________________________________١١_____________________________________
ص ٨
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ التَّاسِعُ: (الْمُؤْمِنُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْمُؤْمِنُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ أَصْلَانِ لُغَوِيَّانِ يَرْجِعَانِ إِلَى مَادَّةِ (أَ مَ نَ) الثُّلَاثِيَّةِ؛ الْأَوَّلُ: مِنَ الْأَمَانِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ وَالْوَجَلِ، وَالثَّانِي: مِنَ الْأَمَانَةِ الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ وَمَعْنَاهَا التَّصْدِيقُ الْمُقَابِلُ لِلْكَذِبِ. وَالَّلَفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اِسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (آمَنَ) يُؤْمِنُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَالنُّونُ فِيهِ أَصْلِيَّةٌ لَا زَائِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْوَصْفِ وَتَحَقُّقِهِ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي صَدَّقَتْ نَفْسَهَا وَصَدَّقَتْ رُسُلَهَا فِيمَا بَلَّغُوهُ، وَالَّتِي تُؤْمِنُ عِبَادَهَا الْمُتَّقِينَ مِنْ خَوْفِ الْعَذَابِ وَالظُّلْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَصْدِيقُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُ تَصْدِيقٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاجْتِهَادِ وَالظَّنِّ، كَمَا يَخْرُجُ أَمْنُهُ لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِ مَقَادِيرِ اللهِ الْكَائِنَةِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُؤْمِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصًّا فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُؤْمِنِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ التَّاسِعَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُؤْمِنِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُصَدِّقُ لِأَوْلِيَائِهِ بِإِنْجَازِ وَعْدِهِ، وَالْمُصَدِّقُ لِرُسُلِهِ بِإِظْهَارِ الْمُعْجِزَاتِ النَّاطِقَةِ بِصِدْقِهِمْ شَرْعاً. وَهُوَ الَّذِي أَمِنَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ مِنْ ظُلْمِهِ وَجَوْرِهِ، فَلَا يَخَافُ مَعَهُ الْعَبْدُ هَضْماً وَلَا ظُلْماً، بَلْ جَعَلَ سُنَّتَهُ الْعَدْلَ الْمُطْلَقَ الَّذِي يَفِيضُ أَمْناً وَسَكِينَةً فِِي الدَّارَيْنِ عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ أَعْقَبَ اللهُ اِسْمَ السَّلَامِ بِاسْمِ (الْمُؤْمِنِ) لِيَبُثَّ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ أَنَّ سَلَامَتَهُ تُثْمِرُ أَمْنَ عِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِالتَّوْحِيدِ فَقَالَ: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، وَهَذَا أَعْظَمُ التَّصْدِيقِ طَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ حِفْظَ الْأَمَانَاتِ وَأَدَاءَهَا إِلَى أَهْلِهَا، فَلَا يَخُونُ مَنِ ائْتَمَنَهُ، وَيَكُونُ صَادِقَ اللَّهْجَةِ فِي أَقْوَالِهِ كُلِّهَا شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى أَنْ يَأْمَنَهُ جِيرَانُهُ وَإِخْوَانُهُ مِنَ الْبَوَائِقِ وَالْأَذَى، لِيُحَقِّقَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الشَّرْعُ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُؤْمِنُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَتَيِ التَّصْدِيقِ وَالْإِأْمَانِ الْقَائِمَتَيْنِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ وَلِرُسُلِهِ بِحَقِيقَةِ شَهَادَتِهِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَمُؤْمِنٌ لِعِبَادِهِ مِنَ الظُّلْمِ حَقِيقَةً بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُؤْمِنِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ الْأَزَلِيِّ حِينَ فَسَّرُوهُ بِالتَّصْدِيقِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ حِينَ فَسَّرُوهُ بِخَلْقِ الْأَمْنِ فِي الْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْمُتَجَدِّدَةِ لِلَّهِ تَعَالَى، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَصَرَفُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ عَنْ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيِّ الْمُبَاشِرِ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُؤْمِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَمْنِ فِي غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ لِأَوْلِيَائِهِ بِأَفْعَالٍ يَخْلُقُهَا لَا بِصِفَةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، فَنَفَوْا صِفَةَ التَّصْدِيقِ الْقَائِمَةِ بِالرَّبِّ كَمَا نَفَوْا سَائِرَ الصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَدْلُولَ الِاسْمِ لَا يَعُودُ عَلَى الْذَّاتِ بِوَصْفٍ زَائِدٍ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ بـ (الْمُؤْمِنِ) مَجَازٌ صِرْفٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي بَابِ الْأَوْصَافِ نَفْياً لِتَشْبِيهِهِ بِالْمَخْلُوقِ الْمُؤْمِنِ كَمَا ادَّعَوْا طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُؤْمِنَ بِمَعْنَى اِتِّصَافِ النِّظَامِ الْكَوْنِيِّ الصَّادِرِ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى بِالْإِحْكَامِ وَعَدَمِ الِاضْطِرَابِ، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الشَّهَادَةِ وَالْقَوْلِ وَالِاخْتِيَارِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ الْفِعْلِيَّةَ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الْمُصَدِّقِ وَالْمُصَدَّقِ بِهِ فِي مَظَاهِرِ الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُؤْمِنِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ حُلُولاً.
●وَضَلَّتِ الْجَبْرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يُؤْمِنُ أَحَداً مِنْ ظُلْمِهِ لِأَنَّ الظُّلْمَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مُلْكِ الْغَيْرِ، وَاللهُ يَتَصَرَّفُ فِي مُلْكِهِ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ عَدْلٌ وَلَا جَوْرٌ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْأَمْنِ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ حَقّاً لِعِبَادِهِ بِفَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
_____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٢١.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٣.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
[٤] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى، دَارُ الْمَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْقَ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٦٦٤. وَأَصْلُهُ فِِي الصَّحِيحَيْنِ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٧.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٢.
[١٠] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ، الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١٨، الصَّفْحَةُ ٤٦.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٣.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٥٠.
_________________________________١٢_____________________________________
ص ٩
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْعَاشِرُ: (الْمُهَيْمِنُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْمُهَيْمِنُ) فِيهِ لِلْعَرَبِ وَجْهَانِ؛ الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مُبْدَلٌ مِنَ الْهَمْزَةِ، فَأَصْلُهُ (مُؤَيْمِنٌ) عَلَى وَزْنِ (مُفَعْلِلٍ) مِنْ مَادَّةِ (أَ مَ نَ)، قُلِبَتِ الْهَمْزَةُ فِيهِ هَاءً كَمَا قَالُوا أَرَقْتُ الْمَاءَ وَهَرَقْتُهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ رُبَاعِيٌّ مُجَرَّدٌ مِنْ مَادَّةِ (هَ يْ مَ نَ) يَقُولُونَ هَيْمَنَ الطَّائِرُ عَلَى فِرَاخِهِ إِذَا رَفْرَفَ بِجَنَاحَيْهِ حِمَايَةً وَرِعَايَةً، فَالْمِيمُ وَالْهَاءُ أَصْلِيَّانِ فِي الْبِنَاءِ الصَّرْفِيِّ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوه الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى خَلْقِهَا بِمَا يَكُونُ مِنْهُمْ، الرَّقِيبَةِ عَلَيْهِمْ فِي أَعْمَالِهِمْ، الْحَافِظَةِ لِأَرْزَاقِهِمْ وَآجَالِهِمْ بِلَا فَوْتٍ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ هَيْمَنَةُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهَا رِقَابَةٌ مَحْدُودَةٌ يَعْتَرِيهَا الْغَفْلَةُ وَالْجَهْلُ، وَتَقْتَصِرُ عَلَى الظَّاهِرِ دُونَ الْبَاطِنِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُؤْمِنُ، أَنَا الْمُهَيْمِنُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُهَيْمِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ لَا غَيْرَ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُهَيْمِنِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعَاشِرَةِ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُهَيْمِنِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ، وَالشَّاهِدُ الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ شَرْعاً. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ الْأَمِينُ الَّذِي لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَالْحَفِيظُ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ فَلَا يَظْلِمُ مُطِيعاً وَلَا يَزِيدُ عَلَى عَاصٍ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ جَاءَ اِسْمُ (الْمُهَيْمِنِ) بَعْدَ الْمُؤْمِنِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ أَمَّنَ الْخَلْقَ هُوَ نَفْسُهُ الرَّقِيبُ الْحَفِيظُ عَلَيْهِمْ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ وَصْفَ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ {مُهَيْمِناً عَلَيْهِ} لِكَوْنِهِ شَاهِداً وَأَمِيناً عَلَى كُلِّ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ طَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ دَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ لِلَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الرَّبَّ مُهَيْمِنٌ عَلَى خَلَجَاتِ الصَّدْرِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّحَلِّي بِالْأَمَانَةِ فِي رِعَايَةِ مَنْ تَحْتَ يَدِهِ، فَيَكُونُ شَاهِداً بِالْعَدْلِ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُهَيْمِنُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَاتِ الرِّقَابَةِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحِفْظِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ شَاهِدٌ حَقِيقَةً بِكَلَامِهِ وَعِلْمِهِ، وَرَقِيبٌ عَلَى أَعْمَالِ الْعِبَادِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُهَيْمِنِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ فَقَطْ، أَوْ تَأَوَّلُوهُ بِإِرَادَةِ خَلْقِ الْحِفْظِ لِلْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ أَوْصَافِ الشَّهَادَةِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْفَوْقِيَّةِ الرَّقَابِيَّةِ الَّتِي تَقْتَضِي أَفْعَالاً اِخْتِيَارِيَّةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ دَلَالَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ الْمُبَاشِرَةِ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُهَيْمِنٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ شَاهِدَةً، أَوْ أَنَّهُ رَقِيبٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ رِقَابَةٍ وَشَهَادَةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ هَذِهِ الْأَوْصَافِ حَقِيقَةً يُؤَدِّي إِلَى التَّشْبِيهِ وَتَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ، فَجَعَلُوا اِسْمَ الْمُهَيْمِنِ لَفْظاً خَالِياً مِنَ الْمَعْنَى تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُهَيْمِنِ) هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْهَيْمَنَةِ عِنْدَهُمْ تَسْتَلْزِمُ الْمُوَاجَهَةَ وَالْمُقَابَلَةَ وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الذَّاتِ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُهَيْمِنَ بِمَعْنَى عِلْمِ الْعِلَّةِ الْأُولَى بِالنِّظَامِ الْكُلِّيِّ لِلْكَوْنِ صُدُوراً عَنْهُ، مَعَ نَفْيِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ وَأَعْمَالِ الْبَشَرِ، فَعَطَّلُوا رِقَابَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ وَجَزَاءَهُ الْفِعْلِيَّ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الرَّقِيبِ وَالْمُرَاقَبِ فِي مَظَاهِرِ الْوُجُودِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُهَيْمِنِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمُهَيْمَنِ عَلَيْهِ حُلُولاً.
●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا، فَنَفَوْا هَيْمَنَتَهُ الْأَزَلِيَّةَ وَشَهَادَتَهُ السَّابِقَةَ عَلَى الْمَقَادِيرِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
_____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤٣٧.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٥.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
[٤] أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ، مُسْنَدُ أَبِي يَعْلَى، دَارُ الْمَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ - دِمَشْقَ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٥٦٦٤.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٣٥.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٨.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٢.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٤.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٢٧.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٦.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٨٥-١١٥.
- _________________________________١٣_____________________________________
ص ١٠
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْحَادِي عَشَرَ: (الْعَزِيزُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْعَزِيزُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (عَ زَّ زَ)، وَلَهُ ثَلَاثَةُ أُصُولٍ تَدُلُّ عَلَى مَعَانِي الْقَهْرِ، وَالِامْتِنَاعِ، وَالْقِلَّةِ (أَيْ عَدَمِ النَّظِيرِ). يُقَالُ: عَزَّهُ يَعُزُّهُ إِذَا غَلَبَهُ وَقَهَرَهُ، وَعَزَّ الشَّيْءُ يَعِزُّ إِذَا قَلَّ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِثِيلٌ، وَعَزَّتِ الْبِلَادُ إِذَا امْتَنَعَتْ فَلَمْ تُوصَلْ. وَاللَّفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ (فَعِيلٍ) بِمَعْنَى فَاعِلٍ (عَازِزٍ) لِلْمُبَالَغَةِ، أَو بِمَعْنَى مَفْعُولٍ فِي بَعْضِ مَوَاطِنِهِ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَهَا الْعِزَّةُ الْكَامِلَةُ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ: عِزَّةُ الْقَهْرِ، وَعِزَّةُ الِامْتِنَاعِ، وَعِزَّةُ الْقُوَّةِ، فَلَا مِثْلَ لَهُ وَلَا غَالِبَ لَهُ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ كُلُّ مَنْ سُمِّيَ عَزِيزاً مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِأَنَّ عِزَّتَهُمْ مَوْهُوبَةٌ عَارِضَةٌ، يَشُوبُهَا الذُّلُّ وَالْقَهْرُ مِنْ غَيْرِهِمْ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ عَنْ رَبِّهِ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْعَزِيزُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ مَوْضِعاً) [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْعَزِيزِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ جَمْعاً نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْقَبُولِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْعَزِيزِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْقَاهِرُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَالْمَنِيعُ الَّذِي لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَالْقَوِيُّ الَّذِي لَا يَعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ شَرْعاً. وَتَفْصِيلُ عِزَّتِهِ يَقْتَضِي أَنَّ جَمِيعَ الْمَخْلُوقَاتِ مَقْهُورَةٌ لَدَيْهِ، خَاضِعَةٌ لِسُلْطَانِهِ، فَلَا يَتَحَرَّكُ مِنْهَا مُتَحَرِّكٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَمِنْهُ تُسْتَمَدُّ الْعِزَّةُ لِأَنْبِيَائِهِ وَعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَثْرَةَ اقْتِرَانِ اِسْمِ (الْعَزِيزِ) بِـ (الْحَكِيمِ) لِيُفِيدَ أَنَّ عِزَّتَهُ وَقَهْرَهُ لَيْسَا عَبَثاً، بَلْ مَقْرُونَانِ بِالْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ اقْتِرَانَهُ بِـ (الرَّحِيمِ) لِيَعْلَمَ أَنَّ قُدْرَتَهُ وَغَلَبَتَهُ رَحْمَةٌ لِأَوْلِيَائِهِ لَا جَبَرُوتٌ مُجَرَّدٌ، فَيُثْمِرُ ذَلِكَ تَعْظِيماً وَرَجَاءً طَلَباً [١٠].
______________________________٣٠______________________________________٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الِاسْتِغْنَاءَ بِاللَّهِ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَا يَطْلُبُ الْعِزَّةَ وَالرِّفْعَةَ إِلَّا مِنْ طَاعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً}. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالتَّرَفُّعِ عَنِ الْخُضُوعِ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
■أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْعَزِيزُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْعِزَّةِ بِأَنْوَاعِهَا (الْقَهْرِ وَالِامْتِنَاعِ وَالْقُوَّةِ) الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ عَزِيزٌ بِعِزَّةٍ هِيَ صِفَتُهُ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّعْطِيلِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْعَزِيزِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ الْأَزَلِيَّةِ فَقَطْ، أَوْ تَأَوَّلُوهُ بِعَدَمِ الْوُجُودِ لِلْمِثْلِ (الْفَرْدَانِيَّةِ السَّلْبِيَّةِ)، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ أَوْصَافِ الْغَلَبَةِ وَالْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَأَخْرَجُوا الِاسْمَ عَنْ بَعْضِ حَقَائِقِهِ الْوُجُودِيَّةِ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ بِذَاتِهِ لَا بِعِزَّةٍ قَائِمَةٍ بِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي الزَّائِدَةِ، وَفَسَّرُوا الِاسْمَ بِأَنَّهُ الْغَالِبُ لِغَيْرِهِ بِأَفْعَالٍ يَخْلُقُهَا فِي الْخَارِجِ لَا بِقُوَّةٍ ذَاتِيَّةٍ، فَجَعَلُوا مَدْلُولَ الِاسْمِ لَفْظاً مَحْضاً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الصِّفَاتِيِّ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ وَصْفَ اللهِ بِـ (الْعَزِيزِ) مَجَازٌ، لِأَنَّ الْعِزَّةَ فِي الْمَخْلُوقِ تَقْتَضِي مُنَازَعَةً وَمُغَالَبَةً وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ الرَّبِّ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْعَزِيزَ بِمَعْنَى الِامْتِنَاعِ الصِّرْفِ لِلْعِلَّةِ الْأُولَى عَنْ قَبُولِ التَّأَثُّرِ أَوِ الِانْقِسَامِ، مَعَ نَفْيِ صِفَاتِ الْقَهْرِ الْفِعْلِيِّ وَالْإِرَادَةِ، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الْكَوْنِيَّ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ عِزَّةَ اللهِ هِيَ عَيْنُ الْقُوَّةِ السَّارِيَةِ فِي طَبَائِعِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْعَزِيزِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمَذْلُولِ حُلُولاً.
●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ (الْمَجُوسِيَّةُ) حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ بِاسْتِقْلَالٍ، فَجَعَلُوا مَشِيئَةَ الْعَبْدِ غَالِبَةً لِمَشِيئَةِ اللهِ فِي مَعْصِيَتِهِ، فَنَفَوْا كَمَالَ عِزَّةِ قَهْرِهِ سُبْحَانَهُ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
- _____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٧٤.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٧.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاك we نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَطَاءِاتِ الْعِلْمِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
[٤] أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٠، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٢٥٣٣. وَأَصْلُهُ فِِي الْبُخَارِيِّ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٦٢.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت, الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٧.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٩.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٦.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٥.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٩.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ١٨٠-٢١٠.
_________________________________١٤_____________________________________
ص ١١
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّانِي عَشَرَ: (الْجَبَّارُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْجَبَّارُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (جَ بَ رَ)، وَتَدُرُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أُصُولٍ صَرَفِيَّةٍ لُغَوِيَّةٍ؛ الْأَوَّلُ: إِصْلَاحُ الشَّيْءِ بَعْدَ فَسَادِهِ، يُقَالُ: جَبَرْتُ الْعَظْمَ الْمَكْسُورَ إِذَا أَصْلَحْتَهُ وَأَعَدْتَهُ لِحَالِهِ. وَالثَّانِي: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ مَعَ الْقُوَّةِ، يُقَالُ: نَخْلَةٌ جَبَّارَةٌ إِذَا طَالَتْ وَفَاتَتْ يَدَ الْآكِلِ ارْتِفَاعاً. وَالثَّالثُ: الْقَهْرُ وَالْإِكْرَاهُ عَلَى الشَّيْءِ، يُقَالُ: جَبَرَ السُّلْطَانُ الرَّعِيَّةَ إِذَا قَهَرَهُمْ وَأَلْزَمَهُمْ بِمَا أَرَادَ. وَاللَّفْظُ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ (فَعَّالٍ) مِنْ جَبَرَ الْمُجَرَّدِ، أَوْ مِنْ أَجْبَرَ الرُّبَاعِيِّ حَذْفاً لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَهَا الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ عَلَى الْخَلْقِ ذَاتاً وَقَدْراً، وَالَّتِي تَقْهَرُ الْجَبَابِرَةَ وَتُكْرِهُ الْخَلَائِقَ عَلَى مَا تُرِيدُ قَدَراً، مَعَ جَبْرِهَا لِقُلُوبِ الْمُنْكَسِرِينَ وَضُعَفَاءِ عِبَادِهَا الْمُؤْمِنِينَ رَحْمَةً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَسْمِيَةُ الْمَخْلُوقِ جَبَّاراً لِأَنَّ جَبَرُوتَهُ مَذْمُومٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الظُّلْمِ وَالنَّقْصِ وَالتَّكَلُّفِ لِعَجْزِهِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْجَبَّارُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ، وَوَرَدَ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ صِفَةً لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ لَا غَيْرَ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْجَبَّارِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ جَمْعاً نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْوُرُودِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْجَبَّارِ) تَفْصِيلاً عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ؛ الْأَوَّلُ: جَبْرُ الْقُوَّةِ وَالْقَهْرِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ الْخُرُوجَ عَنْ سُلْطَانِ كَوْنِهِ، وَالثَّانِي: جَبْرُ الرَّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ فَهُوَ يَجْبُرُ الْكَسِيرَ، وَيُغْنِي الْفَقِيرَ، وَيُيَسِّرُ الْعَسِيرَ شَرْعاً. وَالثَّالِثُ: جَبْرُ الْعُلُوِّ فَلَا يَنَالُهُ نَقْصٌ وَلَا تَلْحَقُهُ الظُّنُونُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ وَرَدَ اِسْمُ (الْجَبَّارِ) بَعْدَ الْعَزِيزِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ جَنَابُهُ عَنِ النَّقْصِ هُوَ الَّذِي يَقْهَرُ جَبَابِرَةَ الْأَرْضِ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ نَفْيَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَنِ الرُّسُلِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ}، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْجَبَرُوتَ الْمُطْلَقَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ طَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَسْرَ نَخْوَةِ الْكِبْرِ وَالْأَنَفَةِ، فَلَا يَتَعَاظَمُ عَلَى خَلْقِ اللهِ، وَلَا يَكُونُ جَبَّاراً عَصِيّاً شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى مَحَبَّةِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِعَانَةِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَهْضُومِينَ، لِيَكُونَ جَابِراً لِقُلُوبِ الْعِبَادِ بِالْمَعْرُوفِ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْجَبَّارُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَاتِ الْعُلُوِّ وَالْقَهْرِ وَالْإِصْلَاحِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ جَبَّارٌ بِذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْجَبَّارِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ حِينَ فَسَّرُوهُ بِالْإِجْبَارِ وَالْقَهْرِ النَّافِذِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى الْعِلْمِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ (الْفَوْقِيَّةِ)، كَمَا نَفَوْا جَبْرَ الْقُلُوبِ الَّذِي يَقْتَضِي أَفْعَالاً اِخْتِيَارِيَّةً مُتَجَدِّدَةً قَائِمَةً بِالذَّاتِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَحَصَرُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ فِي مَعَانِي السَّلْبِ وَالْقَهْرِ الْأَزَلِيِّ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ جَبَّارٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِأَفْعَالِ الْقَهْرِ فِِي غَيْرِهِ، أَوْ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي مَمْلَكَتِهِ، مَعَ نَفْيِ صِفَةِ الْجَبْرِ وَالْقُوَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَزَعَمُوا أَنَّ حَقِيقَةَ الْجَبَّارِ لَا تَعُودُ عَلَى الْذَّاتِ بِوَصْفٍ ثُبُوتِيٍّ زَائِدٍ تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الصِّفَاتِيِّ. ●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ تَسْمِيَةَ اللهِ بِـ (الْجَبَّارِ) مَجَازٌ صِرْفٌ، لِأَنَّ الْجَبَّارَ فِي اللُّغَةِ يَسْتَلْزِمُ الْمُمَاسَّةَ وَالْمُدَافَعَةَ، وَهَذَا يَسْتَحِيلُ عِنْدَهُمْ فِي بَابِ الصِّفَاتِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْجَبَّارَ بِمَعْنَى قَهْرِ النَّوَامِيسِ الْكَوْنِيَّةِ الْطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى اضْطِرَاراً لَا اِخْتِيَاراً، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الرَّحْمَةِ وَجَبْرِ الْقُلُوبِ وَالْقَصْدِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ الشَّرْعِيَّةَ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ الْجَابِرِ وَالْمَجْبُورِ فِِي كُلِّ مَظَاهِرِ الطَّبِيعَةِ وَالْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْجَبَّارِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمَقْهُورِ حُلُولاً. ●وَضَلَّتِ الْجَبْرِيَّةُ الْخَالِصَةُ فِِي الْبَابِ حِينَ احْتَجُّوا بِهَذَا الِاسْمِ عَلَى نَفْيِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ يَجْبُرُ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ كَجَبْرِ الرِّيشَةِ فِِي مَهَبِّ الرِّيحِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ إِجْبَارِ الْقَدَرِ الْكَوْنِيِّ وَبَيْنَ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي جَعَلَ اللهُ فِيهِ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَاخْتِيَاراً إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
- ____________________________________________________________________
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٩.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْقَصِيدَةُ النُّونِيَّةُ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ فِي الِانْتِصَارِ لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠٥.
[٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٠، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٨٧٣. وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٥.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٧.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٩.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٢.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٦.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٢.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٦، الصَّفْحَةُ ٢٤٠-٢٧٠.
_________________________________١٥_____________________________________
ص ١٢
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ: (الْمُتَكَبِّرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْمُتَكَبِّرُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الْخُمَاسِيِّ (تَكَبَّرَ)، وَأَصْلُهُ الثُّلَاثِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (كَ بُ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْعَظَمَةِ وَالرِّفْعَةِ وَالشَّرَفِ، وَهِيَ ضِدُّ الصِّغَرِ. وَصِيغَةُ (تَفَعَّلَ) هُنَا لَا تَأْتِي بِمَعْنَى التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، بَلْ تَأْتِي لِلِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِحْقَاقِ الْمُطْلَقِ بِالْكِبْرِيَاءِ، أَوْ بِمَعْنَى التَّعَالِي التَّامِّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ وَنَقْصٍ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُنْفَرِدَةِ بِالْعَظَمَةِ وَالْكِبْرِيَاءِ، الْمُتَعَالِيَةِ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، الَّتِي تَتَكَبَّرُ عَنْ ظُلْمِ الْعِبَادِ وَعَنْ قَبُولِ النَّقْصِ وَالْعَيْبِ أَزَلاً وَأَبَداً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَكَبُّرُ الْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّهُ تَكَلُّفٌ لِصِفَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَادِّعَاءٌ لِمَقَامٍ لَيْسَ لَهُ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْجَهْلِ وَالْعَجْزِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٣].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يُمَجِّدُ الرَّبُّ نَفْسَهُ: أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْعَزِيزُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُتَكَبِّرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً نَصّاً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْمُطْلَقِ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ، وَجَاءَ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ وَالْوَصْفِ لِلْمَخْلُوقِينَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ لَا غَيْرَ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُتَكَبِّرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالْقَبُولِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُتَكَبِّرِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْعَظِيمُ ذُو الْكِبْرِيَاءِ الَّذِي يَتَعَاظَمُ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وَيَتَرَفَّعُ عَنْ شُرَكَاءِ الْخَلْقِ، فَلَا شَبِيهَ لَهُ وَلَا نَدَّ لَهُ شَرْعاً. وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّهُ الَّذِي يَكْسِرُ جَبَابِرَةَ خَلْقِهِ إِذَا نَازَعُوهُ الْعَظَمَةَ، وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْجَلَالِ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ وَحْدَهُ أَنْ يَتَمَدَّحَ بِالْكِبْرِيَاءِ كَمَالاً وَعِزّاً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خِتَامَ آيَةِ الْحَشْرِ بِقَوْلِهِ: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} بَعْدَ ذِكْرِ (الْمُتَكَبِّرِ)، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كِبْرِيَاءَهُ تَقْتَضِي تَنْزِيهَهُ الْمُطْلَقَ عَنِ النَّقْصِ وَالشَّرِيكِ شَرْعاً. وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ لِمَنْ اتَّصَفَ بِالْكِبْرِ مِنَ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ} لِيَعْلَمَ أَنَّ الرِّدَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ طَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ خُضُوعاً وَتَذَلُّلاً بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَإِطْرَاحاً لِكُلِّ دَعَاوَى الْفَخْرِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْخَلْقِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلْحَقِّ وَقَبُولِهِ مِنَ النَّاسِ كَافَّةً، لِأَنَّ الْكِبْرَ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ، فَيَحْذَرُ الْعَبْدُ أَنْ يُنَازِعَ رَبَّهُ صِفَتَهُ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
■أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُتَكَبِّرُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ الذَّاتِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ مُتَكَبِّرٌ تَعَالِياً عَنِ النَّقْصِ وَالظُّلْمِ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُتَكَبِّرِ) سَلْبِيّاً مَحْضاً يَعُودُ إِلَى تَنْزِيهِ الذَّاتِ عَنْ صِفَاتِ الْحَدَثِ، أَوْ أَعَادُوهُ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ فِي قَهْرِ الْعِبَادِ، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْكِبْرِيَاءِ كَصِفَةٍ ثُبُوتِيَّةٍ زَائِدَةٍ تَقْتَضِي الْعُلُوَّ وَالتَّعَاظُمَ الْحَقِيقِيَّ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِِي نَفْيِ أَوْصَافِ الْجَلَالِ الَّتِي يُوهِمُ ظَاهِرُهَا التَّشْبِيهَ عِنْدَهُمْ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللهَ مُتَكَبِّرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَخْلُقُ الْأَفْعَالَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى كِبْرِيَائِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُتَكَبِّرٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَةِ كِبْرِيَاءٍ قَائِمَةٍ بِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي كُلِّهَا كَعَادَتِهِمْ، وَجَعَلُوا دَلَالَةَ الِاسْمِ لَفْظِيَّةً مَجَازِيَّةً تَعْطِيلاً لِلْكَمَالِ الذَّاتِيِّ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُتَكَبِّرِ) هُوَ مَجَازٌ مَحْضٌ، لِأَنَّ الْتَّكَبُّرَ فِي الشَّاهِدِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِذِي أَعْضَاءٍ وَجِسْمٍ يَتَعَاظَمُ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ. ●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْمُتَكَبِّرَ بِمَعْنَى تَعَالِي الْعِلَّةِ الْأُولَى عَنْ قَبُولِ الْعَدَمِ أَوِ التَّغَيُّرِ الِانْفِعَالِيِّ، مَعَ سَلْبِ صِفَاتِ الْمَجْدِ وَالْكِبْرِيَاءِ الْفِعْلِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ عَنِ اللهِ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي شَنَاعَةِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ عَيْنُ كِبْرِيَاءِ الْمَوْجُودَاتِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْخَالِقِ الْمُتَكَبِّرِ وَبَيْنَ الْمَخْلُوقِ الْمُتَوَاضِعِ أَوِ الْمُسْتَكْبِرِ حُلُولاً.
●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ فِي الْبَابِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعِبَادَ مُسْتَقِلُّونَ بِأَفْعَالِهِمْ دُونَ مَشِيئَةِ اللهِ، فَجَعَلُوا لِلْعَبْدِ كِبْرِيَاءً وَتَفَرُّداً فِي مَمْلَكَةِ اللهِ، فَنَفَوْا هَيْمَنَةَ كِبْرِيَاءِ الرَّبِّ الْقَاهِرَةِ لِكُلِّ مَشِيئَةٍ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
- ___________________________________________________________________
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦١.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٢.
[٤] أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٥. وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي طَيِّ السَّمَاوَاتِ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨٩.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٠.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ... دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٨.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٧.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٤٦.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤١٠-٤٤٠.
_________________________________١٦_____________________________________
ص ١٣
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الرَّابِعَ عَشَرَ: (الْخَالِقُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْخَالِقُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (خَلَقَ) يَخْلُقُ، وَتَدُرُّ الْمَادَّةُ (خَ لَ قَ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ:
■الْأَوَّلُ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ وَتَفْصِيلُهُ قَبْلَ صُنْعِهِ .
■وَالثَّانِي: إِيجَادُ الشَّيْءِ وَإِبْدَاعُهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. وَاللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْفِعْلِ وَالْمَلَكَةِ لِلْمَوْصُوفِ بِهِ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
■هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ بِعِلْمِهَا وَتُقْصِى مَقَادِيرَهَا فِي الْأَزَلِ، ثُمَّ تُوجِدُهَا وَتَبْتَدِعُهَا فِِي الْأَعْيَانِ بِقُدْرَتِهَا وَمَشِيئَتِهَا عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ حَقِيقَةً [٢].
■وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ (الْخَلْقُ) الْمَنْسُوبُ لِلْمَخْلُوقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً}؛ لِأَنَّ خَلْقَهُ تَقْدِيرٌ ذِهْنِيٌّ أَوْ تَحْوِيلٌ لِمَادَّةٍ مَوْجُودَةٍ، لَا إِيجَادٌ عَنْ عَدَمٍ صِرْفٍ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّسْعِيرِ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْخَالِقُ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْخَالِقُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ مُفْرَداً مُعَرَّفاً وَمُضَافاً عِلْماً فِي سِيَاقِ الْمدْحِ وَالِاسْتِحْقَاقِ فِي (أَحَدَ عَشَرَ مَوْضِعاً)، كَمَا وَرَدَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ (الْخَلَّاقُ) فِي مَوْضِعَيْنِ [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْخَالِقِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ نَصّاً [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ جَرْياً عَلَى الْقَاعِدَةِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْخَالِقِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِإِيجَادِ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ، فَلَا خَالِقَ مَعَهُ لِذَرَّةٍ فِي الْكَوْنِ شَرْعاً ، وَتَفْصِيلُهُ أَنَّهُ خَلَقَ الْمَقَادِيرَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ أَبْرَزَهَا إِلَى الْوُجُودِ بِالْأَمْرِ الْكَوْنِيِّ (كُنْ)، فَجَمِيعُ الذَّوَاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْحَرَكَاتِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
■نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ اِقْتِرَانَ صِفَةِ الْخَلْقِ بِالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} لِيُفِيدَ أَنَّ مَنْ خَلَقَ الْعَالَمَ كَوْناً هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَأْمُرَ وَيَنْهَى شَرْعاً.
■وَيَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ كَيْفَ نَفَى اللهُ عَنْ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ صِفَةَ الْخَلْقِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ} لِيُبَيِّنَ بُطْلَانَ عِبَادَتِهِمْ طَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
■يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَمَالَ التَّوَجُّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي طَلَبِ الْحَاجَاتِ، لِعِلْمِهِ أَنَّ الْمَخْلُوقَ عَاجِزٌ لَا يَمْلِكُ خَلْقاً وَلَا نَفْعاً شَرْعاً.
■وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَعْظِيمِ صَنْعَةِ اللهِ فِي نَفْسِهِ وَفِي الْآفَاقِ، فَيَلْزَمُ شُكْرَ الْخَالِقِ بِإِعْمَالِ الْجَوَارِحِ فِي طَاعَتِهِ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
■أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْخَالِقُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَجَعَلُوهُ دَالاًّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةِ الْخَلْقِ وَالتَّقْدِيرِ الْقَائِمَةِ بِهِ أَزَلاً وَأَبَداً، فَهُوَ سُبْحَانَهُ خَالِقٌ لِكُلِّ شَيْءٍ بِمَا فِي ذَلِكَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِلْفِرَقِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْخَالِقِ) يَعُودُ إِلَى صِفَةِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّتَيْنِ (عَلَى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ غَيْرُ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ بَلْ هِيَ حَادِثَةٌ فِي الْخَارِجِ)، فَسَمَّوْا التَّأْثِيرَ (تَعَلُّقاً تَنْجِيزِيّاً حَادِثاً لِلْقُدْرَةِ)، فَهَرَبُوا مِنْ إِثْبَاتِ صِفَةِ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ كَصِفَةٍ أَزَلِيَّةٍ ثُبُوتِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِ الرَّبِّ تَعَالَى، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ، فَفَصَلُوا بَيْنَ الِاسْمِ وَبَيْنَ حَقِيقَةِ الْوَصْفِ الْقَائِمِ بِالْمَوْصُوفِ. ●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بَعْدَمَا قَرَّرُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ، لِيَقَعُوا فِي شَنَاعَةِ بِدْعَةِ "خَلْقِ الْأَفْعَالِ"، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّ بِاسْتِقْلَالٍ تَامٍّ عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ، فَجَعَلُوا مَعَ اللهِ خَالِقِينَ كَثِيرِينَ، وَأَخْرَجُوا أَفْعَالَ الْبَشَرِ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الْخَالِقِ تَعْطِيلاً لِعُمُومِ خَلْقِهِ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْخَالِقِ) مَجَازٌ، لِأَنَّ الْخَلْقَ يَقْتَضِي مُبَاشَرَةً وَزَمَاناً وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ تَنَاقَضُوا فَخَلَقُوا بِدْعَةَ "قَوْلِ خَلْقِ الْقُرْآنِ" لِيَجْعَلُوا كَلَامَ اللهِ صِفَةً مَخْلُوقَةً فِي غَيْرِهِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ) فَقَدْ جَعَلُوا الْخَلْقَ بِمَعْنَى "الصُّدُورِ وَالْفَيْضِ الِاضْطِرَارِيِّ" (نَظَرِيَّةُ الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ)، فَزَعَمُوا أَنَّ الْعَالَمَ صَدَرَ عَنِ الْعِلَّةِ الْأُولَى كَصُدُورِ النُّورِ عَنِ الشَّمْسِ أَزَلاً بِلَا إِرَادَةٍ وَلَا اخْتِيَارٍ، فَقَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَعَطَّلُوا صِفَةَ الْخَلْقِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِهِمُ الْأَكْبَرِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ ذَاتاً، فَالْخَالِقُ عِنْدَهُمْ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ فِي الصُّوَرِ، فَعَطَّلُوا حَقِيقَةَ الْإِيجَادِ وَالْمُبَايَنَةِ حُلُولاً.
●وَضَلَّتِ الْمَاتُرِيدِيَّةُ نِسْبِيّاً فِي الْبَابِ حِينَ أَثْبَتُوا صِفَةَ (التَّكْوِينِ) صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً جَامِدَةً تَرْجِعُ إِلَيْهَا جَمِيعُ أَفْعَالِ اللهِ كَالْخَلْقِ وَالرَّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ، فَمَنَعُوا تَجَدُّدَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ تَبَعاً لِلْمَشِيئَةِ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
_____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٨٥.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٣.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥.
[٤] أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٧٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٣٤٥١. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْأَلْبَانِيُّ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤١.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٢.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٨.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٥٠٥.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٨.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٣٦٠-٣٩٠.
_________________________________١٧_____________________________________
ص ١٤
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْخَامِسَ عَشَرَ: (الْبَارِئُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْبَارِئُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (بَرَأَ) يَبْرَأُ بَرَاءً وَبُرُوءاً، وَتَدُرُّ الْمَادَّةُ (بَ رَ أَ) فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ لُغَوِيَّيْنِ؛ الْأَوَّلُ: الْخَلْقُ وَالْإِيجَادُ مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءِ مِثَالٍ، يُقَالُ: بَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ أَيْ خَلَقَهُمْ وَأَوْجَدَهُمْ. وَالثَّانِي: التَّبَاعُدُ وَالتَّنَزُّهُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ بَرِئْتُ مِنَ الْمَرَضِ إِذَا زَالَ عَنْكَ وَتَبَاعَدْتَ مِنْهُ، وَبَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ إِذَا انْقَطَعَتْ عِصْمَتُكَ عَنْهُ. وَاللَّفْظُ فِي حَقِّ اللَّهِ يَنْصَرِفُ إِلَى تَمْيِيزِ الْمَخْلُوقَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ بِالصُّوَرِ وَالْأَشْكَالِ تَوْقِيفاً لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُوجِدُ الْخَلْقَ بَرِيئاً مِنَ التَّفَاوُتِ وَالنَّقْصِ، وَتَفْصِلُ بَعْضَهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِالْمُمَايَزَةِ فِِي الصِّفَاتِ وَالطَّبَائِعِ، مَعَ تَنَزُّهِ الذَّاتِ عَنْ شَوَائِبِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ أَزَلاً وَأَبَداً حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ أَيُّ صُنْعٍ لِلْمَخْلُوقِ؛ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَا يَمْلِكُ فَصْلَ الطَّبَائِعِ وَلَا إِيجَادَ النَّسَمَةِ بَرِيئَةً عَنِ الِاخْتِلَالِ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ: «وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً... لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ الْبَارِئُ لَا خَالِقَ غَيْرُكَ» [٤].
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْبَارِئُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ عِلْماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْإِلْزَامِ بِالْعُبُودِيَّةِ فِي (ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ)؛ مَوْضِعٌ فِي سُورَةِ الْحَشْرِ، وَمَوْضِعَانِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْبَارِئِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ نَصّاً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِيجَادِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ شَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْبَارِئِ) تَفْصِيلاً عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ مُتَمَيِّزاً، فَأَعْطَى كُلَّ مَخْلُوقٍ خَاصِّيَّتَهُ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ شَرْعاً. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الخَالِقِ أَنَّ الخَالِقَ يَرْجِعُ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَالْبَارِئُ يَرْجِعُ إِلَى التَّنْفِيذِ وَإِبْرَازِ النَّسَمَةِ حَيَّةً سَالِمَةً مِنَ الْعَيْبِ. فَالْبَارِئُ هُوَ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ الطَّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ حَدّاً يَقِفُ عِنْدَهُ، فَلَا تَتَدَاخَلُ الْأَجْنَاسُ تَدَاخُلاً يُفْسِدُ نِظَامَ الْكَوْنِ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ سِيَاقِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ عِنْدَمَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: {فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}؛ حَيْثُ نَاسَبَ ذِكْرُ (الْبَارِئِ) هُنَا لِأَنَّهُمْ لَمَّا عَبَدُوا الْعِجْلَ غَيَّرُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي بَرَأَهُمْ عَلَيْهَا، فَأُمِرُوا بِالتَّوْبَةِ إِلَى مَنْ بَرَأَ نُفُوسَهُمْ لِيُعِيدَهَا إِلَى صَفَائِهَا الْأَوَّلِ شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الرِّضَا التَّامَّ بِمَا بَرَأَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ صُورَةٍ وَطَبِيعَةٍ، فَلَا يَعْتَرِضُ عَلَى خِلْقَتِهِ وَلَا يَتَشَبَّهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ شَرْعاً. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالظُّلْمِ، تَمَسُّكاً بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَالسَّعْيِ فِي إِصْلَاحِ النَّفْسِ لِتَكُونَ بَرِيئَةً مِنَ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ كَالْحَسَدِ وَالْكِبْرِ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْبَارِئُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ صِفَةً لِلَّهِ ثَابِتَةً بِالذَّاتِ، دَالَّةً عَلَى إِيجَادِ الْبَرِيَّةِ وَفَصْلِ أَجْنَاسِهَا بِمَشِيئَتِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَالْبَارِي عِنْدَهُمْ هُوَ الَّذِي خَلَقَ النَّفْسَ النَّاطِقَةَ وَالْأَجْسَادَ النَّامِيَةَ بِلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ نَظَرُوا إِلَى (الْبَارِئِ) بِأَنَّهُ مُرَادِفٌ لِاسْمِ (الْخَالِقِ) تَمَاماً دُونَ تَمْيِيزٍ صِفَاتِيٍّ، وَأَعَادُوا مَعْنَاهُ إِلَى تَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ بِالْمَقْدُورَاتِ الْخَارِجِيَّةِ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ أَفْعَالٌ مُتَجَدِّدَةٌ تَقُومُ بِذَاتِهِ، فَحَرَمُوا الِاسْمَ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى خُصُوصِ صِفَةِ "الْبَرْءِ" كَصِفَةِ فِعْلٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُؤَوِّلَ (الْبَارِئَ) بِأَنَّهُ اللَّطِيفُ الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بَرِيئاً مِنَ الْعُيُوبِ فِِي أَصْلِهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ شُرُورَ الْعِبَادِ وَأَمْرَاضَهُمْ لَيْسَتْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَلَا مِنْ بَرْئِهِ، لِأَنَّ إِيجَادَ النَّقْصِ عِنْدَهُمْ يُنَافِي الْعَدْلَ، فَعَطَّلُوا عُمُومَ بَرْئِهِ لِلْمَكْرُوهَاتِ الَّتِي تَقْتَضِيهَا الْحِكْمَةُ الْكَوْنِيَّةُ.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ فِِي ضَلَالِهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَادَّعَتْ أَنَّ الْبَارِئَ مَجَازٌ عَنِ السَّبَبِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ "الْبَرْءَ" فِي الشَّاهِدِ يَقْتَضِي مُعَالَجَةً لِلْمَادَّةِ (كَالْبَارِئِ لِلْقَوْسِ)، وَاللَّهُ مُتَنَزِّهٌ عَنِ الْمَادَّةِ فَيَسْتَحِيلُ إِثْبَاتُ الِاسْمِ حَقِيقَةً عِنْدَهُمْ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ جَعَلُوا الْبَارِئَ هُوَ "الْمُبْدِعُ الْأَوَّلُ" الَّذِي يُفِيضُ الْوُجُودَ عَلَى الْعَقْلِ الْأَوَّلِ دُونَ مُبَاشَرَةٍ لِلْمَادِّيَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْبَرِيَّةَ تَصْدُرُ عَنْهُ صُدُوراً ذَاتِيّاً لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةٍ نَافِذَةٍ وَلَا بِأَمْرٍ شَرْعِيٍّ فَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ.
●وَوَقَعَ أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ فِي كُفْرِ الِاتِّحَادِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ عَيْنُ "الْبَرِيَّةِ" الْمَبْرُوءَةِ، فَلَا بَارِئَ وَلَا مَبْرُوءَ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَهُمْ بَلْ هُوَ وُجُودٌ وَاحِدٌ تَشَكَّلَ فِِي صُوَرِ الْمَخْلُوقَاتِ حُلُولاً ثَبَاتاً. ●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ حِينَ أَخْرَجُوا حَرَكَاتِ الْعِبَادِ وَأَفْعَالَهُمُ الِاخْتِيَارِيَّةَ عَنْ كَوْنِهَا مَبْرُوءَةً لِلَّهِ، فَجَعَلُوا النَّفْسَ هِيَ الَّتِي تَبْرَأُ أَفْعَالَهَا بِذَاتِهَا إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
- __________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
[٤] النَّسَائِيُّ، السُّنَنُ الْكُبْرَى، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٢، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ١١٢٥. وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٢.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٥.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
[١٠] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٦٠.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠١.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٧، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٥٠.
_________________________________١٨_____________________________________
ص ١٥
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّادِسَ عَشَرَ: (الْمُصَوِّرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْمُصَوِّرُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَارٍ عَلَى صِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (صَوَّرَ) يُصَوِّرُ تَصْوِيراً، وَأَصْلُهُ الثُّلَاثِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (صَ وَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى مَيْلِ الشَّيْءِ أَوْ تَخْطِيطِهِ وَتَشْكِيلِهِ عَلَى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ. يُقَالُ: صَوَّرَ الشَّيْءَ إِذَا جَعَلَ لَهُ صُورَةً وَشَكْلاً يَتَمَيَّزُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ. وَالصُّورَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هِيَ الشَّكْلُ، وَالْهَيْئَةُ، وَالْحَقِيقَةُ، وَالصِّفَةُ. وَاللَّفْظُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي الَّذِي أَعْطَى كُلَّ مَخْلُوقٍ صُورَتَهُ الْمُبَايِنَةَ لِغَيْرِهِ لُغَةً [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الدَّالُ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تُنْشِئُ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى هَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَتُعْطِي كُلَّ عَيْنٍ خَارِجِيَّةٍ شَكْلَهَا الْمَخْصُوصَ وَقَدْرَهَا الْمَحْدُودَ فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالتَّجَاوِيفِ وَالْأَلْوَانِ حَقِيقَةً [٢]. وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِّ تَصْوِيرُ الْمَخْلُوقِ (كَالنَّحَّاتِ وَالرَّسَّامِ)؛ لِأَنَّ تَصْوِيرَهُ مُجَرَّدُ مُحَاكَاةٍ لِمَادَّةٍ مَخْلُوقَةٍ سَابِقاً، وَتَقْلِيدٌ ظَاهِرِيٌّ لَا رُوحَ فِيهِ وَلَا نَفَاذَ لَهُ فِي الْإِيجَادِ سُبْحَانَهُ [٣].
٣. الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤].
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ قَالَ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [٤]؛ وَهُوَ سِيَاقٌ خَاصٌّ بِوَعِيدِ الْمُصَوِّرِينَ لِأَنَّهُمْ يُضَاهُونَ صِفَةَ الْمُصَوِّرِ.
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اِسْمُ اللهِ (الْمُصَوِّرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْوُجُوبِ وَالثَّنَاءِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ (خِتَامُ سُورَةِ الْحَشْرِ)، بَيْنَمَا وَرَدَ الْفِعْلُ مُسْنَداً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، كَقَوْلِهِ: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [٥].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمِ
أَثْبَتَ الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ اِسْمَ (الْمُصَوِّرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ نَصّاً [٦]. وَعَدَّهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين ضِمْنِ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَشِيئَةِ [٧]. وَأَثْبَتَهُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ فِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ نَقْلاً وَشَرْعاً [٨].
٦. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمِ
يَدُلُّ اِسْمُ (الْمُصَوِّرِ) تَفْصِيلاً عَلَى كَمَالِ التَّرْتِيبِ فِي الْخَلْقِ؛ فَالْخَالِقُ يُقَدِّرُ، وَالْبَارِئُ يُوجِدُ النَّسَمَةَ، وَالْمُصَوِّرُ يُعْطِي الشَّكْلَ النِّهَائِيَّ. وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَوَّرَ الْأَجْنَاسَ بِأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ، ثُمَّ صَوَّرَ أَفْرَادَ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ (كَالْبَشَرِ) بِصُوَرٍ وَمَلَامِحَ بَاطِنَةٍ وَظَاهِرَةٍ لَا تَتَطَابَقُ، لِيَقَعَ التَّعَارُفُ وَتَنْتَظِمَ مَصَالِحُ الْعَالَمِ، فَهُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ الْأَجِنَّةَ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ كَيْفَ قَدَّمَ اللَّهُ ذِكْرَ صِفَةِ التَّصْوِيرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، حَيْثُ جَاءَتْ فِي مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَى نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ زَعَمُوا أُلُوهِيَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَأَثْبَتَ اللَّهُ أَنَّ عِيسَى مِمَّنْ صُوِّرَ فِي الرَّحِمِ، وَمَنْ تَقَلَّبَ فِي أَطْوَارِ التَّصْوِيرِ لَا يَكُونُ إِلَهاً شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ شُكْراً لِلَّهِ عَلَى حُسْنِ الْقَوَامِ وَالصُّورَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}. وَيَتَرَبَّى السِّلْكُ السُّلُوكِيُّ عَلَى تَعْظِيمِ الْأَدَبِ مَعَ صُوَرِ النَّاسِ فَلَا يَعِيبُ خِلْقَةَ أَحَدٍ، لِأَنَّ الْعَيْبَ يَعُودُ عَلَى الْمُصَوِّرِ. كَمَا يَحْذَرُ الْعَبْدُ أَشَدَّ الْحَذَرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ بِصُنْعِ التَّمَاثِيلِ وَذَوَاتِ الْأَرْوَاحِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا الْوَعِيدُ تَرْبِيَةً [١١].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
●أَثْبَتَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ اِسْمَ (الْمُصَوِّرُ) عَلَى الْحَقِيقَةِ، صِفَةَ فِعْلٍ قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ، تَابِعَةً لِمَشِيئَتِهِ وَحِكْمَتِهِ، فَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لِلْمَخْلُوقَاتِ صُوَرَاً مَشْهُودَةً، كَمَا أَثْبَتُوا صِفَةَ "الصُّورَةِ" لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ (كَحَدِيثِ: خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ) عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ فَقَدْ جَعَلُوا مَعْنَى (الْمُصَوِّرِ) رَاجِعاً إِلَى الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ الَّتِي خَصَّصَتِ الْمَخْلُوقَ بِشَكْلِهِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ التَّصْوِيرُ صِفَةً فِعْلِيَّةً تَقُومُ بِالذَّاتِ وَتَتَجَدَّدُ عِنْدَ خَلْقِ كُلِّ جَنِينٍ، طَرْداً لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، كَمَا أَوَّلُوا صِفَةَ "الصُّورَةِ" الْمُضَافَةِ إِلَى اللَّهِ بِأَنَّهَا صُورَةُ آدَمَ أَوْ صِفَتُهُ هَرَبَاً مِنَ التَّجْسِيمِ عِنْدَهُمْ.
●وَجَاءَتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِتُقَرِّرَ أَنَّ اللَّهَ مُصَوِّرٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِلصُّوَرِ فِي الْأَجْسَامِ، دُونَ قِيَامِ صِفَةِ التَّصْوِيرِ بِذَاتِهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْمَعَانِي وَأَفْعَالَ الذَّاتِ، وَجَعَلُوا الِاسْمَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ يَعُودُ إِلَى أَثَرٍ مَخْلُوقٍ تَعْطِيلاً.
●وَسَارَتِ الْجَهْمِيَّةُ عَلَى غُلُوِّهَا فَنَفَتِ الِاسْمَ وَالصِّفَةَ، وَزَعَمَتْ أَنَّ إِطْلَاقَ (الْمُصَوِّرِ) عَلَى اللَّهِ هُوَ مَجَازٌ مُسْتَبْشَعٌ، لِأَنَّ التَّصْوِيرَ يَسْتَلْزِمُ التَّجْسِيدَ وَالتَّخْطِيطَ بِالْيَدِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّ اللَّهِ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ صُنْعِهِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●وَأَمَّا الْفَلَاسِفَةُ فَقَدْ سَمَّوُا الْعَقْلَ الْفَعَّالَ بِـ (وَاهِبِ الصُّوَرِ) ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ (الْعِلَّةَ الْأُولَى) لَا يُصَوِّرُ الْجُزْئِيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُهَا بِشَخْصِهَا، بَلْ تَصْدُرُ الصُّوَرُ الْهَيُولِيَّةُ عَنِ الْأَفْلَاكِ وَالْعُقُولِ النَّظَرِيَّةِ اضْطِرَاراً، فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَهُ الْخَاصَّ لِلْمَخْلُوقَاتِ.
●وَوَقَعَ الْمُشَبِّهَةُ وَالْمُجَسِّمَةُ فِي ضَلَالٍ مُقَابِلٍ حِينَ جَعَلُوا تَصْوِيرَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ كَتَصْوِيرِ آدَمِيٍّ لِتِمْثَالٍ، وَشَبَّهُوا صِفَةَ صُورَتِهِ سُبْحَانَهُ بِصُوَرِ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَمْ يُقَدِّرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
●وَضَلَّتِ الْقَدَرِيَّةُ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُ أَعْمَالَهُ الصَّالِحَةَ وَالسَّيِّئَةَ فِِي الْآخِرَةِ بِاسْتِقْلَالِ قُدْرَتِهِ، فَأَخْرَجُوا تَصْوِيرَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَفْعَالِ عَنْ مَشِيئَةِ الْمُصَوِّرِ سُبْحَانَهُ إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ [١٢].
_____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٤٦٣.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٧.
[٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٨٥.
[٤] الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ ٩، الصَّفْحَةُ ٩١، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٧٥٥٩.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١٢.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ... دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٨.
[٧] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٢.
[٨] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٩.
[٩] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٨٩.
[١١] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٢.
[١١] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٤.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٣٥٠-٣٨٠.
_________________________________١٩_____________________________________
ص ١٦
[الْمُقَارَنَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَالْعَقَدِيَّةُ بَيْنَ أَسْمَاءِ اللَّهِ: الْخَالِقِ وَالْبَارِئِ وَالْمُصَوِّرِ]
مِنْ بَدِيعِ السِّيَاقِ الْقُرْآنِيِّ أَنْ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ مُقْتَرِنَةً مُرَتَّبَةً فِي خِتَامِ سُورَةِ الْحَشْرِ؛ لِتُبَيِّنَ لِلْعَبْدِ أَطْوَارَ التَّكْوِينِ الْإِلَهِيِّ لِلْمَوْجُودَاتِ، وَهِيَ أَسْمَاءٌ تَشْتَرِكُ فِي أَصْلِ دَلَالَةِ الْإِيجَادِ وَالرُّبُوبِيَّةِ، لَكِنَّهَا تَتَمَايَزُ فِي خُصُوصِ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ تَوْقِيفاً شَرْعاً.
أَوَّلًا: ضَوَابِطُ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ وَالْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ بَيْنَهَا
■ضَابِطُ اسْمِ (الْخَالِقُ): هُوَ التَّقْدِيرُ وَالتَّفْصِيلُ لِلْمَخْلُوقِ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ إِيجَادِهِ، فَالْخَلْقُ هُنَا يَعُودُ إِلَى الْعِلْمِ وَالْقَدَرِ السَّابِقِ وَوَضْعِ الْمَقَادِيرِ الَّتِي سَيَسِيرُ عَلَيْهَا الْمَخْلُوقُ حَقِيقَةً.
■ضَابِطُ اسْمِ (الْبَارِئُ): هُوَ الِاخْتِرَاعُ وَالْإِيجَادُ لِلنَّسَمَةِ الْحَيَّةِ وَفَصْلُ الطَّبَائِعِ عَنِ الْعَدَمِ الصِّرْفِ إِلَى الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ بَرِيئَةً مِنَ التَّفَاوُتِ وَالْخَلَلِ، فَهُوَ يُمَثِّلُ خُرُوجَ الْمَقْدُورِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ طَلَباً.
■ضَابِطُ اسْمِ (الْمُصَوِّرُ): هُوَ إِعْطَاءُ الْهَيْئَةِ النِّهَائِيَّةِ وَالشَّكْلِ الْمَخْصُوصِ لِلْمَوْجُودِ بَعْدَ بَرْئِهِ، مِنَ الْأَلْوَانِ، وَالْأَبْعَادِ، وَالْمَلَامِحِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ كُلُّ فَرْدٍ عَنْ سَائِرِ بَنِي جِنْسِهِ تَعْظِيماً.
■الْفُرُوقُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَهَا: الْفَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ يَقُومُ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ لِلْمَخْلُوقِ؛ فَالْخَالِقُ هُوَ الْمُقَدِّرُ لِلشَّيْءِ فِي لَوْحِهِ، وَالْبَارِئُ هُوَ الْمُنَفِّذُ الْمُوجِدُ لِأَصْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالْمُصَوِّرُ هُوَ الْمُشَكِّلُ لَهُ بِحُسْنِ رُؤْيَتِهِ وَهَيْئَتِهِ. فَالْخَلْقُ تَقْدِيرٌ، وَالْبَرْءُ إِيجَادٌ نَقِيٌّ، وَالتَّصْوِيرُ تَمْيِيزٌ وَتَجْمِيلٌ عِلْماً.
ثَانِيًا: الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
الْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ: جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [سُورَةُ الْحَشْرِ: الآية ٢٤]
كَمَا دَلَّ عَلَى انْفِرَادِ الْخَالِقِ بِالتَّقْدِيرِ فِي قَوْلِهِ: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا}
وَدَلَّ عَلَى الْبَرْءِ فِي قَوْلِهِ: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا}
وَدَلَّ عَلَى التَّصْوِيرِ فِي قَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ}.
الْأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي حَدِيثِ التَّسْعِيرِ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الرَّازِقُ الْخَالِقُ».
وَجَاءَ ذِكْرُ الْبَارِئِ فِي اسْتِفْتَاحِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَنْتَ الْبَارِئُ لَا خَالِقَ غَيْرُكَ». وَجَاءَ الَّذَمُّ لِمَنْ ضَاهَى اسْمَ الْمُصَوِّرِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً» شَرْعاً.
ثَالِثًا: نُقُولُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ: بَيَّنَ فِي الْخَطَّابِيَّةِ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ الْمُقَدِّرُ لِلْأَشْيَاءِ، وَالْبَارِئَ هُوَ الْفَاطِرُ لِلْمَادَّةِ، وَالْمُصَوِّرَ هُوَ الْمُخَطِّطُ لِأَشْكَالِهَا لِيَقَعَ بَيْنَهَا التَّمَايُزُ شَرْعاً [١].
قَوْلُ ابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: قَرَّرَ أَنَّ الْخَلْقَ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيرِ، وَالْبَرْءُ أَخَصُّ مِنْ حَيْثُ نَفْيِ النَّقْصِ، وَالتَّصْوِيرُ يُمَثِّلُ تَمَامَ النِّعْمَةِ بِإِحْسَانِ الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ نَقْلاً [٢].
قَوْلُ ابْنِ كَثِيرٍ: أَفَادَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْخَلْقَ التَّقْدِيرُ، وَالْبَرْءُ هُوَ الْفِرْيُ وَهُوَ التَّنْفِيذُ، وَالتَّصْوِيرُ هُوَ إِبْرَازُ مَا أَرَادَ تَقْدِيرَهُ عَلَى الصُّفَةِ الَّتِي ارْتَضَاهَا كَوْناً [٣].
رَابِعًا: الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
يَتَدَبَّرُ الْقَارِئُ لِلْقُرْآنِ كَيْفَ تَتَرَافَدُ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ لِبِنَاءِ الْيَقِينِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ؛ فَعِنْدَمَا يَقْرَأُ الثَّنَاءَ بِالْخَلْقِ، يَتَدَبَّرُ عَظَمَةَ الْعِلْمِ السَّابِقِ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ. وَعِنْدَمَا يَتَدَبَّرُ لَفْظَ (بَارِئِكُمْ) فِي سِيَاقِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَلْمَحُ أَنَّ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ (عِبَادَةَ الْعِجْلِ) يَقْتَضِي رُجُوعاً إِلَى مَنْ أَوْجَدَ النَّفْسَ صَافِيَةً لِيُعِيدَ بَرْأَهَا مِنَ الشِّرْكِ. وَعِنْدَمَا يَتَدَبَّرُ آيَاتِ التَّصْوِيرِ، يَنْظُرُ فِي مِرْآةِ النَّفْسِ وَالْآفَاقِ لِيَرَى كَيْفَ جَعَلَ اللَّهُ اخْتِلَافَ الْأَلْوُنِ وَالْأَلْسِنَةِ آيَةً لِلْعَالَمِينَ طَلَباً [٤].
خَامِسًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الْجَمْعُ الثَّلَاثِيُّ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ كَمَالَ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ، رَضِيَ بِمَقَادِيرِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَلَمْ يَسْخَطْ عَلَى قَدَرِهِ شَرْعاً. وَإِذَا شَهِدَ قَلْبُهُ بَرْءَ اللَّهِ لِلْأَجْسَادِ سَالِمَةً، أَعْمَلَ جَوَارِحَهُ فِي طَاعَةِ هَذَا الْبَارِئِ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ تُفْسِدُ فِطْرَتَهُ الْأُولَى. وَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي نَفْسِهِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُصَوِّرُ، أَوْرَثَهُ ذَلِكَ الْقَنَاعَةَ التَّامَّةَ بِشَكْلِهِ وَرِزْقِهِ، وَحَذَّرَهُ مِنْ أَنْ يَعِيبَ خِلْقَةَ أَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ، لِأَنَّ التَّعْيِيبَ يَتَوَجَّهُ إِلَى صَنْعَةِ الْمُصَوِّرِ سُبْحَانَهُ، كَمَا يَتَرَبَّى عَلَى اجْتِنَابِ مَظَاهِرِ الْمُضَاهَاةِ لِلْخَلْقِ تَرْبِيَةً [٥].
سَادِسًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ
١. التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ (خَمْسَةُ أَسْطُرٍ قَبْلَ الْفِرَقِ)
تَدُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ عَقَدِيّاً عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَالَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ تَعْظِيماً عِلْماً. وَالْأَصْلُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى إِثْبَاتِ الذَّاتِ، وَإِثْبَاتِ الصِّفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْهُ، وَإِثْبَاتِ الْأَثَرِ وَالْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْمَخْلُوقَاتِ شَرْعاً. وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ تُقَرِّرُ تَفَرُّدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ الْخَالِصَةِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي التَّقْدِيرِ، وَلَا مُعِينَ لَهُ فِي الْبَرْءِ، وَلَا مُمَاثِلَ لَهُ فِي التَّصْوِيرِ حَقِيقَةً. كَمَا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَقْتَضِي إِثْبَاتَ صِفَةِ "الْكَلَامِ" وَ"الْأَمْرِ الكَوْنِيِّ" لِأَنَّ الْخَلْقَ وَالْبَرْءَ وَالتَّصْوِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَوْلِهِ: (كُنْ فَيَكُونُ) بِلَا تَأْوِيلٍ طَلَباً.
٢. مَوَاقِفُ الْفِرَقِ فِِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ
●الْأَشَاعِرَةُ: نَفَوْا قِيَامَ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ (كَالْخَلْقِ وَالْبَرْءِ وَالتَّصْوِيرِ) بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلًا، وَجَعَلُوهَا نِسَبًا وَإِضَافَاتٍ حَادِثَةً فِي الْخَارِجِ، أَوْ أَعَادُوا مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ كُلِّهَا إِلَى صِفَةِ "الْقُدْرَةِ التَّنْجِيزِيَّةِ"، فَعَطَّلُوا التَّمَايُزَ الصِّفَاتِيَّ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْبَرْءِ وَالتَّصْوِيرِ طَرْدًا لِأَصْلِهِمْ فِي نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ.
●الْمُعْتَزِلَةُ: أَنْكَرُوا صِفَاتِ الْمَعَانِي أَصْلًا، وَقَالُوا: هُوَ خَالِقٌ بَارِئٌ مُصَوِّرٌ بِذَاتِهِ لَا بِصِفَاتٍ قَائِمَةٍ بِهِ، ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ وَيَبْرَأُ أَفْعَالَ نَفْسِهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ، فَأَخْرَجُوا أَفْعَالَ الْبَشَرِ عَنْ رُبُوبِيَّةِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقِينَ آخَرِينَ تَعْطِيلاً.
●الْجَهْمِيَّةُ: ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ إِطْلَاقَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَلَى اللَّهِ هُوَ مِنَ الْمَجَازِ الْمَحْضِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخَلْقِ وَالتَّصْوِيرِ عِنْدَهُمْ تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقِينَ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَوَقَعُوا فِي بِدْعَةِ "خَلْقِ الْقُرْآنِ" حِينَ جَعَلُوا كَلَامَ اللَّهِ صِفَةً مَخْلُوقَةً مُنْفَصِلَةً عَنْهُ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●الْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا صِفَةً أَزَلِيَّةً جَامِدَةً سَمَّوْهَا (التَّكْوِينُ)، وَجَعَلُوا الْخَلْقَ وَالْبَرْءَ وَالتَّصْوِيرَ أَنْوَاعاً تَرْجِعُ إِلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْوَاحِدَةِ، لَكِنَّهُمْ مَنَعُوا تَجَدُّدَ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ تَبَعاً لِلْمَشِيئَةِ، فَعَطَّلُوا تَعَلُّقَ التَّصْوِيرِ وَالْبَرْءِ بِالْحِكْمَةِ الْحَادِثَةِ فِي وَقْتِهَا إِعْرَاضاً عَنِ النَّقْلِ.
●الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا الْخَلْقَ الِاخْتِيَارِيَّ الْقَائِمَ عَلَى الْمَشِيئَةِ، وَقَالُوا بِـ "الْفَيْضِ وَالصُّودُورِ الِاضْطِرَارِيِّ"، وَجَعَلُوا الْعَالَمَ قَدِيماً مَعَ اللَّهِ كَقِدَمِ النُّورِ مَعَ الشَّمْسِ، وَسَمَّوْا الْعَقْلَ الْعَاشِرَ بِـ (وَاهِبِ الصُّوَرِ)، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ خَالِقاً أَوْ مُصَوِّراً لِلْجُزْئِيَّاتِ بِإِرَادَتِهِ رُبُوبِيَّةً.
●أَصْحَابُ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: وَقَعُوا فِي الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْوُجُودَ عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَادَّعَوْا أَنَّ الْمُصَوِّرَ هُوَ عَيْنُ الصُّورَةِ الْمَشْهُودَةِ فِِي الْكَوْنِ، فَعَطَّلُوا حَقِيقَةَ الْمُبَايَنَةِ وَالْإِيجَادِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
٣. النَّاحِيَةُ الْأُصُولِيَّةُ فِي دَلَالَةِ الْأَسْمَاءِ
مِنْ جِهَةِ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ فِِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، يَتَجَلَّى فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ مَبْحَثُ "الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ"، وَمَبْحَثُ "الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّةِ" كَمَا يَلِي:
●دَلَالَةُ التَّطَابُقِ وَالتَّضَمُّنِ وَالِالْتِزَامِ: كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعاً بِـ التَّطَابُقِ، وَعَلَى الذَّاتِ وَحْدَهَا أَوْ الصِّفَةِ وَحْدَهَا بِـ التَّضَمُّنِ، وَيَدُلُّ كُلٌّ مِنْهَا عَلَى صِفَةِ "الْعِلْمِ" وَ"الْقُدْرَةِ" وَ"الْحَيَاةِ" بِـ الِالْتِزَامِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَحْيَا وَلَا يَعْلَمُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَالِقاً أَوْ بَارِئاً أَوْ مُصَوِّراً أُصُولاً.
●الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ فِي السِّيَاقِ: اسْمُ (الْخَالِقُ) لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ كُلَّ تَقْدِيرٍ فِِي الْكَوْنِ لِلْأَعْيَانِ وَالْأَعْرَاضِ، بَيْنَمَا اسْمُ (الْبَارِئُ) أَخَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِإِيجَادِ الْأَحْيَاءِ وَالنَّسَمَاتِ بَرِيئَةً مِنَ التَّفَاوُتِ، وَاسْمُ (الْمُصَوِّرُ) هُوَ الْأَكْثَرُ خُصُوصاً لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْهَيْئَةِ النِّهَائِيَّةِ لِلْمَخْلُوقِ بَعْدَ بَرْئِهِ، فَالْعِلَاقَةُ الْأُصُولِيَّةُ بَيْنَهَا هِيَ عِلَاقَةُ الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ الْوَجْهِيِّ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ شَرْعاً.
●قَاعِدَةُ الِاقْتِرَانِ وَالِافْتِرَاقِ: هَذِهِ الْأَسْمَاءُ تَجْرِي عَلَى قَاعِدَةِ: (إِذَا اجْتَمَعَتْ افْتَرَقَتْ، وَإِذَا افْتَرَقَتْ اجْتَمَعَتْ)؛ فَإِذَا أُفْرِدَ اسْمُ (الْخَالِقِ) فِي سِيَاقٍ آخَرَ دَلَّ عَلَى التَّقْدِيرِ وَالْإِيجَادِ وَالتَّصْوِيرِ مَعاً عُمُوماً، أَمَّا إِذَا اقْتَرَنَتْ - كَمَا فِي خِتَامِ سُورَةِ الْحَشْرِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ كُلِّ لَفْظٍ عَلَى مَعْنَاهُ الْخَاصِّ تَأْسِيساً لَا تَأْكِيداً، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْأُصُولِيِّ هُوَ التَّأْسِيسُ وَإِعْطَاءُ كُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى جَدِيداً تَعْظِيماً عِلْماً.
- ___________________________________________________________________
[٢] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٨.
[٣] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[٤] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٣، الصَّفْحَةُ ٢٩٠.
[٥] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٥.
_________________________________٢٠_____________________________________
ص ١٧ [الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
الِاسْمَانِ السَّابِعَ عَشَرَ وَالثَّامِنَ عَشَرَ: (الأَوَّلُ وَالآخِرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (الأَوَّلُ): فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِيغَةِ (أَفْعَلَ) الَّتِي تُفِيدُ الِابْتِدَاءَ وَالتَّقَدُّمَ الْمُطْلَقَ، وَقَدْ أَوْصَلَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ أَصْلَ اشْتِقَاقِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ
الْأَوَّلُ: مِنْ مَادَّةِ (أَ وَ لَ) بِمَعْنَى الِابْتِدَاءِ وَالتَّقَدُّمِ الزَّمَانِيِّ أَوْ الرُّتَبِيِّ، وَمِنْهُ تَقُولُ الْعَرَبُ: (عَامٌ أَوَّلُ) أَيْ مُتَقَدِّمٌ عَلَى غَيْرِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: مِنْ مَادَّةِ (و َأَ لَ) بِمَعْنَى الرُّجُوعِ وَالْمَصِيرِ، لِأَنَّ كُلَّ مُتَأَخِّرٍ يَؤُولُ وَيَرْجِعُ إِلَى الْأَوَّلِ فِي التَّرْتِيبِ الْوُجُودِيِّ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِيَالَةِ وَهِيَ السِّيَاسَةُ وَالتَّدْبِيرُ، فَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُدَبِّرُ الَّذِي ابْتَدَأَ سِيَاسَةَ الْمَخْلُوقَاتِ بِإِيجَادِهَا. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ سَبْقِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ مَا سِوَاهُ سَبْقاً لَا غَايَةَ لِابْتِدَائِهِ، فَلَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَلَا غَيْرٌ، وَهُوَ مَصْدَرُ الْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ لُغَةً [١].
اِسْمُ (الآخِرُ): فِي لُغَةِ الْعَرَبِ صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ (أَوْ صِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ) مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (أَ خَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى التَّأَخُّرِ، وَالْخَلْفِ، وَالِانْتِهَاءِ، ضِدَّ التَّقَدُّمِ. وَيُشْتَقُّ لُغَةً مِنْ (آخِرِ الشَّيْءِ) وَهُوَ نِهَايَتُهُ وَخَاتِمَتُهُ الَّتِي لَيْسَ بَعْدَهَا جُزْءٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ (أُخْرَيَاتُ الْأُمُورِ). وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لَهُ هُوَ إِثْبَاتُ أَبَدِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى ذَاتاً وَصِفَاتٍ، فَهُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ جَمِيعِ خَلْقِهِ بَقَاءً ذَاتِيّاً لَا أَمَدَ لَهُ، وَإِلَيْهِ تَنْتَهِي جَمِيعُ الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، فَمِنْهُ ابْتِدَاءُ كُلِّ مَوْجُودٍ بِمَشِيئَتِهِ وَإِلَيْهِ نِهَايَةُ الْمَعَادِ لِلْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ لُغَةً [٢].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِكُلِّ اسْمٍ عَلَى حِدَةٍ
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الأَوَّلُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى أَزَلِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدُّمِهِ الْمُطْلَقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ، بِحَيْثُ لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ الْعَيْنِيَّ عَدَمٌ سَابِقٌ وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ (الْأَوَّلِيَّةُ النِّسْبِيَّةُ) لِلْمَخْلُوقَاتِ كَأَوَّلِ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللَّهُ، لِأَنَّهَا أَوَّلِيَّةٌ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ وَمَحْدُودَةٌ بِالزَّمَانِ حَقِيقَةً [٣].
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الآخِرُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى أَبَدِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَبَقَائِهِ الْمُطْلَقِ بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، بِحَيْثُ لَا يَلْحَقُ وُجُودَهُ انْتِهَاءٌ وَلَا غَايَةٌ وَلَا يَكُونُ بَعْدَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ (الْآخِرِيَّةُ التَّبَعِيَّةُ) لِلْمَخْلُوقَاتِ كَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، لِأَنَّ بَقَاءَهُمَا لَيْسَ ذَاتِيّاً وَإِنَّمَا هُوَ بِإِبْقَاءِ اللَّهِ لَهُمَا بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ [٤].
٣. عَدَدُ وُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمَا اللَّهِ تَعَالَى (الأَوَّلُ وَالآخِرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْحَصْرِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ مُقْتَرِنَيْنِ، وَهُوَ مَوْضِعُ سُورَةِ الْحَدِيدِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سُورَةُ الْحَدِيدِ: الآية ٣] شَرْعاً [٥].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي ثُبُوتِ الِاسْمَيْنِ وَمَعْنَاهُمَا
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ: أَثْبَتَ فِي الْفَتْحِ اسْمَيِ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ) نَصّاً ضِمْنِ سِيَاقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَبَيَّنَ أَنَّهُمَا مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنِ الرَّبِّ أَزَلًا وَأَبَدًا نَقْلاً [٦].
قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين: عَدَّهُمَا ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِحَاطَةِ الْزَّمَانِيَّةِ، وَأَكَّدَ أَنَّ تَفْسِيرَهُمَا تَوْقِيفِيٌّ جَاءَ بِالنَّصِّ النَّبَوِيِّ الَّذِي قَطَعَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طُرُقَ التَّأْوِيلِ شَرْعاً [٧].
قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَهُمَا فِي الْمَرْتَبَتَيْنِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ وَالثَّامِنَةَ عَشْرَةَ لِوُرُودِهِمَا مُقَيَّدَيْنِ بِأَلِفِ وَلَامِ التَّعْرِيفِ وَالتَّعْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ قَصْرَ الْحَقِيقَةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْماً [٨].
٥. الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيُّ لِلِاسْمَيْنِ
يَدُلُّ الِاقْتِرَانُ بَيْنَ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ) عَلَى عِلَّةِ الْعِلَلِ وَمَصِيرِ الْكَائِنَاتِ؛ فَالأَوَّلُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا سِوَاهُ مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَتَبْطُلُ نَظَرِيَّةُ التَّسَلْسُلِ فِي الْمَاضِي. وَالآخِرُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ صَائِرٌ إِلَى الْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ الْمَرْجِعَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، فَالْأَوَّلِيَّةُ سَبَبُ الْخَلْقِ، وَالْآخِرِيَّةُ غَايَةُ الْمَعَادِ تَعْظِيماً عِلْماً [٩].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ افْتِتَاحِ سُورَةِ الْحَدِيدِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ (الأَوَّلِ وَالآخِرِ وَالظَّاهِرِ وَالباِطِنِ)، حَيْثُ نَزَلَت| لِتَقْرِيرِ كَمَالِ عَظَمَةِ اللَّهِ وَإِحَاطَتِهِ بِالْكَوْنِ، وَمِنْ بَدِيعِ التَّدَبُّرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الآيَةِ عِلَاجاً حَاسِماً لِمَنْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ شَيْئاً مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فِي بَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْخَلْقِ شَرْعاً وَطَلَباً [١٠].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَانِ الِاسْمَانِ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ صِدْقَ التَّوَجُّهِ وَقَطْعَ التَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ؛ فَإِذَا شَهِدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ (الأَوَّلُ)، لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى غَيْرِهِ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ وَطَلَبِ حَاجَتِهِ. وَإِذَا شَهِدَ أَنَّهُ (الآخِرُ)، جَعَلَهُ غَايَتَهُ الَّتِي يَقْصِدُهَا بِعَمَلِهِ، وَاسْتَعَدَّ لِلِقَائِهِ بِالتَّوْبَةِ، وَلَمْ يَحْزَنْ عَلَى فَوْتِ فَانٍ مَخْلُوقٍ تَرْبِيَةً [١١].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمَيِ اللَّهِ (الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ) عَلَى إِثْبَاتِ حَقِيقَةِ الْأَزَلِيَّةِ وَالْأَبَدِيَّةِ لِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَفَرُّدِهِ بِهِمَا تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ السَّلَفُ أَنَّ أَوَّلِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا كَامِلاً، فَلَمْ يَحْدُثْ لَهُ اسْمٌ وَلَا صِفَةٌ بَعْدَ خَلْقِ الْخَلْقِ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِ التَّأْصِيلِ عِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مَعَهُ، وَهُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَمَشِيئَتُهُ وَأَفْعَالُهُ الِاخْتِيَارِيَّةُ قَائِمَةٌ بِهِ أَزَلًا وَأَبَدًا.
فَهُوَ الْأَوَّلُ فِي ذَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ فِي صِفَاتِهِ، وَالْأَوَّلُ فِي تَدْبِيرِهِ كَوْناً، كَمَا أَنَّهُ الْآخِرُ الَّذِي لَا تَنْتَهِي أَبَدِيَّتُهُ وَلَا تَفْنَى صِفَاتُ كَمَالِهِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ إِثْبَاتَ صِفَةِ "الْوُجُودِ الذَّاتِيِّ" الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ عَدَمٌ سَابِقٌ وَلَا لَاحِقٌ، بَلْ هُوَ وُجُودٌ وَاجِبٌ لِذَاتِهِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ نُصُوصَ الْأَوَّلِيَّةِ تَقْتَضِي بَيْنُونَتَهُ سُبْحَانَهُ عَنْ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَحُلَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَمْ يَتَّحِدْ بِإِصْدَارَاتِ أَمْرِهِ شَرْعاً.
كَمَا أَنَّ آخِرِيَّتَهُ تَقْتَضِي أَنَّ بَقَاءَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ هُوَ بَقَاءٌ أَبَدِيٌّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِبْقَائِهِ، لَا أَنَّهُمَا يُشَارِكَانِ اللَّهَ فِي الْآخِرِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ عِلْماً.
فَالْبَقَاءُ الْإِلَهِيُّ بَقَاءٌ وَاجِبٌ لَازِمٌ لِلذَّاتِ، أَمَّا بَقَاءُ الْجَنَّةِ فَهُوَ مُمْكِنٌ مَوْهُوبٌ خَلَقَهُ اللَّهُ لِيَبْقَى بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ جَمْعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ فِي التَّفْسِيرِ هُوَ الْعُمْدَةُ الَّتِي تُقْطَعُ بِهَا شُبُهَاتُ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفَلَاسِفَةِ.
فَهُوَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَهُوَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الْقَوْلِ الْجَامِعِ فِي تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
●الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: حَصَرُوا مَعْنَى (الْأَوَّلِ) فِي صِفَةِ "الْقِدَمِ"، وَ(الْآخِرِ) فِي "الْبَقَاءِ"، وَجَعَلُوهُمَا صِفَتَيْنِ سَلْبِيَّتَيْنِ تَعْنِيَانِ نَفْيَ الْعَدَمِ فَقَطْ، وَمَنَعُوا قِيَامَ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّاتِ فِي الْأَزَلِ، فَعَطَّلُوا كَمَالَ التَّصَرُّفِ الْإِلَهِيِّ تَعْطِيلاً.
●الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ أَوَّلٌ وَآخِرٌ بِلَا صِفَةِ قِدَمٍ وَلَا بَقَاءٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ نَفْياً لِلصِّفَاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَزَلِيَّةِ لِلصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ يُوجِبُ شِرْكَ "تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ"، فَجَعَلُوا الِاسْمَيْنِ مُجَرَّدَ لَفْظَيْنِ سَلْبِيَّيْنِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●الْجَهْمِيَّةُ: غَلَوْا فِي نَفْيِ الِاسْمَيْنِ، وَادَّعَوْا أَنَّ إِثْبَاتَ آخِرِيَّةِ اللَّهِ الْمُطْلَقِ يُوجِبُ الْقَوْلَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَانْعِدَامِ كُلِّ مَخْلُوقٍ حَتَّى يَخْلُوَ الْكَوْنُ تَمَاماً، فَقَالُوا بِبِدْعَةِ فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَنَاقُضاً مَعَ نُصُوصِ الْقُرْآنِ.
●الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): جَعَلُوا (الْأَوَّلَ) بِمَعْنَى "الْعِلَّةِ الْأُولَى" الَّتِي صَدَرَ عَنْهَا الْعَالَمُ بِالتَّوَلُّدِ الِاضْطِرَارِيِّ لَا بِالْمَشِيئَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَالَمَ قَدِيمٌ بِأَزَلِيَّتِهِ مَعَ اللَّهِ، فَنَفَوْا انْفِرَادَ الرَّبِّ بِالْأَوَّلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ رُبُوبِيَّةً.
●الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): ضَلُّوا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْأَوَّلِ هُوَ عَيْنُ الْآخِرِ فِي الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ، وَأَنَّ الْخَالِقَ هُوَ عَيْنُ الْمَخْلُوقِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا مُبَايَنَةَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْعَالَمِ، بَلْ جَعَلُوا الْكَوْنَ هُوَ اللَّهُ حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٣٤.
[٢] الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ١٥.
[٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٤.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٢.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
[٦] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٨.
[١٠] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٨.
[١١] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣٦٥.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٨٥-٢٢٠.
__________________________________٢١______________________________________
ص ٢٠[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
الِاسْمَانِ الْعِشْرُونَ وَالْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: (الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (الظَّاهِرُ): صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (ظَ هَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَعَانٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ مِنْهَا الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ، كَمَا فِي قَوْلِهِمْ: (ظَهَرْتُ فَوْقَ السَّطْحِ)، وَمِنْهَا الْقُوَّةُ وَالْغَلَبَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ}، وَمِنْهَا الْبُرُوزُ وَالِانْكِشَافُ ضِدَّ الْخَفَاءِ. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ عُلُوِّ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَفَوْقِيَّتِهَا الْمُطْلَقَةِ عَلَى جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ سُبْحَانَهُ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِآيَاتِهِ وَبَرَاهِينِ رُبُوبِيَّتِهِ الْقَاهِرَةِ لِكُلِّ كَائِنٍ حَقِيقَةً [١].
اِسْمُ (الْبَاطِنُ): صِيغَةُ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْمَادَّةِ (بَ طَ نَ) الَّتِي تَدُلُّ لُغَةً عَلَى الْخَفَاءِ وَالِاسْتِتَارِ عَنِ الْأَبْصَارِ، وَالْقُرْبِ وَالْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَمِنْهُ (بِطَانَةُ الثَّوْبِ) وَ(بَطْنُ الْأَرْضِ) أَيْ دَاخِلُهَا. وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ لَهُ هُوَ إِثْبَاتُ قُرْبِهِ الْمُطْلَقِ وَإِحَاطَتِهِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ وَدَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ دُونَهُ شَيْءٌ يَحْجُبُ عِلْمَهُ وَنَفَاذَ أَمْرِهِ، فَهُوَ الْقَرِيبُ الْمُحِيطُ مَعَ كَوْنِهِ فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِناً عَنْ خَلْقِهِ لُغَةً [٢].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِكُلِّ اسْمٍ عَلَى حِدَةٍ
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الظَّاهِرُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ بِكُلِّ مَعَانِيهِ (عُلُوِّ الذَّاتِ، وَالْقَهْرِ، وَالْقَدْرِ)، بِحَيْثُ يَكُونُ فَوْقَ كُلِّ خَلْقِهِ بَائِناً عَنْهُمْ، فَلَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهِ عُلُوُّ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ عُلُوٌّ نِسْبِيٌّ مُحْتَاجٌ إِلَى مَا يَحْمِلُهُ عِلْماً [٣].
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِاسْمِ (الْبَاطِنُ): هُوَ الِاسْمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى كَمَالِ قُرْبِهِ وَإِحَاطَتِهِ بِبَوَاطِنِ الْمَخْلُوقَاتِ وَسَرَائِرِهَا، بِحَيْثُ لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ عَنْ دَقَائِقِهَا، فَلَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ أَصْلًا. وَيَخْرُجُ بِهِ خَفَاءُ الْمَخْلُوقَاتِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي يَحْجُبُهَا الْجَهْلُ وَتَحُدُّهَا الْأَجْسَامُ طَلَباً [٤].
٣. عَدَدُ وُرُودِهِمَا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمَا اللَّهِ تَعَالَى (الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْمَيْنِ عَلَمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْحَصْرِ فِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ) فَقَطْ مُقْتَرِنَيْنِ، وَهُوَ مَوْضِعُ سُورَةِ الْحَدِيدِ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[سُورَةُ الْحَدِيدِ:الآية٣] شَرْعاً[٥].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمَيْنِ
قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَيِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) ثَابِتَانِ لِلَّهِ نَصّاً، وَأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى كَمَالِ الْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَنَقَلَ إِجْمَاعَ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى إِثْبَاتِ الْفَوْقِيَّةِ لِلظَّاهِرِ مَعَ نَفْيِ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ لِلْبَاطِنِ نَقْلاً [٦].
قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ أَنَّ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُتَقَابِلَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ إِفْرَادُ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَأَنَّهُمَا يُثْبِتَانِ عُلُوَّ اللَّهِ فِِي دُنُوِّهِ، وَدُنُوَّهُ فِي عُلُوِّهِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ طَلَباً [٧].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّهُمَا ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْعَظِيمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى إِحَاطَةِ الرَّبِّ بِالْمَخْلُوقَاتِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَهُمَا حَقَّ الْإِثْبَاتِ صَفَا قَلْبُهُ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِلَى الْأَسْبَابِ وَعَلِمَ عَيْنَ الْيَقِينِ أَنَّ الْأُمُورَ بِيَدِ اللَّهِ تَرْبِيَةً [٨].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَيِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) فِي سِيَاقِ عَدِّهِ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَقَالَ إِنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى ظُهُورِهِ بِالْقَهْرِ وَالْأَدِلَّةِ، وَبُطُونِهِ عَنِ الْإِدْرَاكِ بِالْكَيْفِيَّةِ وَالْحَوَاسِّ ثَبَاتاً [٩].
قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّهُمَا مِنَ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ، وَقَرَّرَ أَنَّ الِاقْتِرَانَ بَيْنَهُمَا يُفِيدُ كَمَالاً زَائِداً عَنْ إِفْرَادِ كُلِّ اسْمٍ، وَأَوْجَبَ الْإِيمَانَ بِمَا دَلَّا عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ شَرْعاً [١٠].
قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ الِاسْمَيْنِ فِي الْمَرْتَبَتَيْنِ الْعِشْرِينَ وَالْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ لِوُرُودِهِمَا مُعَرَّفَيْنِ بِالْأَلِفِ وَلَامِ الْعَهْدِ، مِمَّا يَقْتَضِي قَصْرَ حَقِيقَةِ الظُّهُورِ وَالْبُطُونِ الْمُطْلَقَيْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عِلْماً [١١].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى الِاسْمَيْنِ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى التَّفْسِيرِ النَّبَوِيِّ الصَّحِيحِ؛ فَقَالَ إِنَّ (الظَّاهِرَ) هُوَ الْعَالِي فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِذَاتِهِ، وَ(الْبَاطِنَ) هُوَ الْقَرِيبُ الْمُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ دُونَهُ شَيْءٌ. وَأَوْضَحَ أَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ يُقَرِّرُ أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ، يَعْلَمُ خَفَايَاهُمْ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قُرْبِهِ وَبُطُونِهِ أَنْ يَكُونَ حَالّاً فِِي مَخْلُوقَاتِهِ، بَلْ هُوَ الْعَالِي فِي دُنُوِّهِ، الْقَرِيبُ فِي عُلُوِّهِ، تَعْظِيماً عِلْماً [١٢].
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ اِبْنُ الْقَيِّمِ الْمَعْنَى التَّفْصِيلِيَّ بِبَدِيعِ بَيَانِهِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ (الظَّاهِرَ) يَقْتَضِي عُلُوَّ الرَّبِّ الْقَاطِعَ لِشُبْهَةِ الْجَهْمِيَّةِ فِي الْحُلُولِ، وَ(الْبَاطِنَ) يَقْتَضِي قُرْبَهُ الْمُبْطِلَ لِشُبْهَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِِي عَدَمِ عِلْمِهِ بِالْجُزْئِيَّاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَعْرِفَةَ ظُهُورِهِ تُورِثُ الْعَبْدَ عِزَّةً وَخُضُوعاً لِلْعَلِيِّ الْقَدِيرِ، وَمَعْرِفَةَ بُطُونِهِ تُورِثُهُ طَهَارَةَ السَّرِيرَةِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعْلَمُ أَنَّ عَيْنَ الْبَاطِنِ نَاظِرَةٌ إِلَى دَاخِلِ قَلْبِهِ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَى اللَّهُ فِي بَاطِنِهِ مَا يَكْرَهُ ثَبَاتاً [١٣].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
يَتَدَبَّرُ الْمُؤْمِنُ جَمْعَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الْأَرْبَعَةِ فِِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ؛ حَيْثُ تُعْتَبَرُ أُصُولاً لِكُلِّ نُعُوتِ الْكَمَالِ، فَالْأَوَّلُ وَالْآخِرُ لِلْإِحَاطَةِ الزَّمَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ لِلْإِحَاطَةِ الْمَكَانِيَّةِ، وَقَدْ جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِصْناً لِلْمُسْلِمِ لِيَقْطَعَ بِهَا طَمَعَ الشَّيْطَانِ فِي قَلْبِهِ عِنْدَ الْوَسْوَسَةِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٤].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ الِاسْمَانِ عُبُودِيَّةَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ؛ فَعُبُودِيَّةُ (الظَّاهِرِ) هِيَ تَعْظِيمُ شَعَائِرِهِ بِالْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعِ لِعَظَمَتِهِ، وَعُبُودِيَّةُ (الْبَاطِنِ) هِيَ عِمَارَةُ الْقَلْبِ بِالْإِخْلَاصِ، وَالْمَحَبَّةِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَتَصْفِيَةِ السَّرَائِرِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، لِيَتَطَابَقَ ظَاهِرُ الْعَبْدِ مَعَ بَاطِنِهِ تَرْبِيَةً [١٥].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمَيْنِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمَيْنِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمَيِ اللَّهِ (الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ) عَلَى جَمْعِ الْإِثْبَاتِ بَيْنَ الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ وَالْقُرْبِ الْمُحِيطِ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ السَّلَفُ أَنَّ ظُهُورَ اللَّهِ يَعْنِي أَنَّهُ الْعَالِي فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِناً عَنْ خَلْقِهِ فَلَيْسَ قَبْلَهُ وَلَا فَوْقَهُ شَيْءٌ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ بُطُونَهُ لَا يُنَاقِضُ عُلُوَّهُ، بَلْ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ بِعِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ مَعَ اسْتِوَائِهِ عَلَى الْعَرْشِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى ذَلِكَ إِبْطَالَ كُلِّ قَوْلٍ يَزْعُمُ أَنَّ الرَّبَّ حَالٌّ فِِي الْأَمْكِنَةِ أَوْ أَنَّهُ مَمْزُوجٌ بِشَيْءٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ثَبَاتاً.
فَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ يَدُلَّانِ عَلَى عِظَمِ الذَّاتِ وَاسْتِيعَابِهَا لِلْعَالَمِ عُلُوّاً وَدُنُوّاً بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ الرُّبُوبِيَّةِ تَدْبِيراً كَوْناً.
وَيَرَى أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ التَّفْسِيرَ النَّبَوِيَّ الْوَارِدَ فِي الصَّحِيحِ هُوَ الْفَصْلُ الَّذِي يَقْطَعُ شُبُهَاتِ الْمُؤَوِّلَةِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ صِفَةَ "الْفَوْقِيَّةِ الذَّاتِيَّةِ" لَازِمَةٌ لِاسْمِ الظَّاهِرِ، فَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا بِدَعْوَى نَفْيِ الْجِهَةِ الْمَخْلُوقَةِ شَرْعاً.
كَمَا أَنَّ صِفَةَ "الْقُرْبِ الْإِلَهِيِّ" ثَابِتَةٌ لِلْبَاطِنِ، وَهِيَ لَا تَقْتَضِي نَقْصاً، بَلْ هِيَ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالِاطِّلَاعِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ السَّلَفُ مَسْلَكَ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْبَاطِنَ بِمَعْنَى الِانْعِدَامِ أَوِ الْخَفَاءِ الْمُطْلَقِ الَّذِي نَفَى الْوُجُودَ عِلْماً.
فَاللَّهُ ظَاهِرٌ بَاطِنٌ مَعاً، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِِي نُصُوصِ الْوَحْيِ هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
●الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَنْكَرُوا مَعْنَى (الظَّاهِرِ) الدَّالَّ عَلَى عُلُوِّ الذَّاتِ، وَأَوَّلُوهُ بِعُلُوِّ الْمَقْدِرَةِ وَالْقَهْرِ فَقَطْ، كَمَا جَعَلُوا (الْبَاطِنَ) بِمَعْنَى نَفْيِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ اسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ تَعْطِيلاً.
●الْمُعْتَزِلَةُ: فَسَّرُوا (الظَّاهِرَ) بِأَنَّهُ الظَّاهِرُ لِلْعُقُولِ بِالْأَدِلَّةِ وَالْحِجَجِ الْعَقْلِيَّةِ لَا بِالذَّاتِ، وَ(الْبَاطِنَ) بِأَنَّهُ الْمَحْجُوبُ عَنِ الْأَبْصَارِ فِِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَنَفَوْا رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●الْجَهْمِيَّةُ الْحُلُولِيَّةُ: غَلَوْا فِِي مَعْنَى (الْبَاطِنِ) حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ حَالٌّ بِذَاتِهِ فِِي كُلِّ مَكَانٍ وَدَاخِلُ كُلِّ جَسَدٍ، وَنَفَوْا اسْمَ الظَّاهِرِ الَّذِي يُوجِبُ عُلُوَّهُ فَوْقَ خَلْقِهِ، فَوَقَعُوا فِِي نَجَاسَةِ الْحُلُولِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
●الْفَلَاسِفَةُ (الدَّهْرِيَّةُ): قَالُوا إِنَّ اسْمَ (الْبَاطِنِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ طَبِيعَةُ الْخَفَاءِ الَّتِي لَا تَتَّصِفُ بِإِرَادَةٍ وَلَا فِعْلٍ، وَأَنْكَرُوا صِفَةَ الْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ لِلْظَّاهِرِ، فَجَعَلُوهُ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ جَامِدَةٍ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
●الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (الْبَاطِنِيَّةُ): زَعَمُوا أَنَّ لِلْشَّرِيعَةِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَأَنَّ اسْمَ (الْبَاطِنِ) يُبِيحُ لَهُمْ تَرْكَ الْوَاجِبَاتِ إِذَا وَصَلُوا إِلَى حَقِيقَةِ الْبُطُونِ، فَجَعَلُوا الِاسْمَ ذَرِيعَةً لِإِسْقَاطِ التَّكَالِيفِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٥٢٢.
[٢] الْمَصْدَرُ نَفْسُهُ، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٥٢.
[٣] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦١.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
[٥] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٣٧.
[٦] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤١٠.
[٧] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠.
[٨] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١١٢.
[٩] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٢.
[١٠] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥.
[١١] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٧٢.
[١٢] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ١٣٥-١٤٠.
[١٣] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٥-٢٥٠.
[١٤] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣٦٨.
[١٥] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٢.
__________________________________٢٢______________________________________
ص ٢١[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: (السَّمِيعُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (السَّمِيعُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالسَّمْعِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ
(سَ مِ عَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى إِدْرَاكِ الْأَصْوَاتِ، وَإِجَابَةِ الدُّعَاءِ، وَقَبُولِهِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالطَّاعَةِ يُقَالُ: (سَمِعَ لَهُ) أَيْ أَطَاعَهُ [١]
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَةِ السَّمْعِ الْمُطْلَقِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ سِرّاً أَوْ جَهْراً، وَعَلَى إِجَابَتِهِ لِمَنْ دَعَاهُ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ سَمْعُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي هُوَ سَمْعٌ حَادِثٌ نَاقِصٌ مَحْدُودٌ بِالْآلَاتِ وَالْأَمْكِنَةِ، مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، وَيَعْتَرِيهِ الصَّمَمُ وَالْآفَاتُ عِلْماً [٢].
■وَالْمَعْنَى : لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ صِفَةِ السَّمْعِ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةَ كَمَالٍ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً ثَابِتَةً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لَا يَشُوبُهَا تَعْطِيلٌ وَلَا تَمْثِيلٌ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَسْمَعُ جَمِيعَ الْأَصْوَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ اللُّغَاتِ وَتَفَنُّنِ الْحَاجَاتِ لَا يَشْغَلُهُ سَمْعٌ عَنْ سَمْعٍ، وَلَا تَخْتَلِطُ عَلَيْهِ مَسَائِلُ الْخَلْقِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْمَعُ دُعَاءَ الْمُبْتَهِلِينَ سَمْعَ قَبُولٍ وَإِجَابَةٍ حَقِيقَةً.
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (السَّمِيعُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالْخَبَرِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي غَالِبِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْبَصِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الشُّورَى، وَبِاسْمِهِ (الْقَرِيبُ) كَمَا فِي سُورَةِ سَبَإٍ شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
♤قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ثَابِتٌ لِلَّهِ حَقِيقَةً، وَأَنَّ السَّمْعَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ تَعَالَى نَفْياً لِقَوْلِ النُّفَاةِ، وَنَقَلَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بِسَمْعٍ، بَصِيرٌ بِبَصَرٍ، وَأَنَّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ الْكَمَالِ نَقْلاً [٤].
♤قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ الِاسْمِ وَأَنَّهُ مِنْ أَعْلَامِ الْوُصُوفِ الَّتِي لَا تُنْفَى صِفَاتُهَا، وَأَوْضَحَ أَنَّ إِثْبَاتَ السَّمِيعِ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ مَسْمُوعٍ خَارِجِيٍّ يَتَعَلَّقُ بِهِ الصِّفَةُ، فَالِاسْمُ ثَابِتٌ ذَاتاً وَأَثَراً طَلَباً [٥].
♤قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ الْعَظِيمَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ ثُبُوتَهُ فِِي نُصُوصِ الْكِتَابِ يَقْتَضِي مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِثْبَاتَ حَقِيقَتِهِ الَّتِي بَايَنَ اللَّهُ بِهَا الْأَصْنَامَ الْبَكْمَاءَ الصَّمَّاءَ تَرْبِيَةً [٦].
♤قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (السَّمِيعِ) نَصّاً ضِمْنِ سِيَاقِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِِي الْفَتْحِ، وَقَرَّرَ أَنَّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى إِطْلَاقِهَا عَلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ثَبَاتاً [٧].
♤قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (السَّمِيعِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَكَّدَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ وَعَلَى صِفَةِ السَّمْعِ الْأَزَلِيَّةِ الْأَبَدِيَّةِ شَرْعاً [٨].
♤قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ اللَّهِ (السَّمِيعُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ الْعِلْمِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً دَالّاً عَلَى الْعَلَمِيَّةِ وَالْوَصْفِيَّةِ عِلْماً [٩].
١٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
◇تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (السَّمِيعِ) بِأَنَّهُ الَّذِي أَحَاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ السَّمْعَ فِي حَقِّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِمَعْنَى الْعِلْمِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ هُوَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ لِلْأَصْوَاتِ قَائِمٌ بِالذَّاتِ. وَذَكَرَ أَنَّ سَمْعَهُ لِكَلَامِ الْعِبَادِ حِينَ يَتَكَلَّمُونَ هُوَ سَمْعٌ يَتَعَلَّقُ بِالْمَشِيئَةِ، فَاللَّهُ يَسْمَعُ قَوْلَ الَّذِي يُصَلِّي وَالَّذِي يَدْعُو فِِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَسَمْعُهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ بِالْجَوَارِحِ وَالْآلَاتِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
◇تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (السَّمِيعِ) بِبَيَانِ أَنْوَاعِ السَّمْعِ الْإِلَهِيِّ فَقَالَ إِنَّهُ يَنْقَسِمُ :
١_ إِلَى سَمْعِ إِدْرَاكٍ وَهُوَ الْإِحَاطَةُ بِالْأَصْوَاتِ سِرِّهَا وَجَهْرِهَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ}
٢_وَسَمْعِ إِجَابَةٍ وَقَبُولٍ كَقَوْلِ الْعَبْدِ: (سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أَيْ اسْتَجَابَ لَهُ وَأَثَابَهُ.
وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَقْتَضِي عُبُودِيَّةَ مُرَاقَبَةِ الْأَقْوَالِ، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ أَنَّ رَبَّهُ سَمِيعٌ لِكُلِّ لَفْظَةٍ، اسْتَحَى أَنْ يَنْطِقَ بِالْبَاطِلِ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ اسْمِ (السَّمِيعِ) بِاسْمِ (الْعَلِيمِ) فِي مَوَاضِعِ الدُّعَاءِ، كَقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ اللَّفْظَ وَيَعْلَمُ النِّيَّةَ الْقَائِمَةَ فِي الْقَلْبِ، مِمَّا يَجْعَلُ الدُّعَاءَ خَالِصاً مُسْتَجَاباً شَرْعاً وَطَلَباً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُثْمِرُ هَذَا الِاسْمُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ صِدْقَ التَّوَجُّهِ وَحِفْظَ الْجَوَارِحِ؛ فَلَا يَسْمَعُ بِأُذُنِهِ مَا يُغْضِبُ اللَّهَ مِنَ الْغِيبَةِ وَالْبَاطِلِ، وَيَجْعَلُ لِسَانَهُ رَطْباً بِذِكْرِهِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَصْعَدُ إِلَى السَّمِيعِ الْبَصِيرِ فَيُحَاسِبُ عَلَيْهِ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (السَّمِيعِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْمَعُ حَقِيقَةً بِسَمْعٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لَا يُشْبِهُ سَمْعَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا السَّمْعَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَ خَلْقِهِ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّمْعَ هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ، بَل هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ كَانَ سَمِيعاً فِي الْأَزَلِ، وَيَسْمَعُ الْمَسْمُوعَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا فِي الْأَعْيَانِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ اقْتِرَانِ السَّمْعِ بِالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ سَمْعَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ هَمْسٍ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ سَمْعِ الْإِجَابَةِ الَّذِي يَقْتَضِي قَبُولَ الطَّاعَاتِ وَإِعْطَاءَ السُّؤْلِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ السَّمْعَ عِبَارَةً عَنْ آلَةٍ أَوْ جَارِحَةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً عِلْماً.
فَهُوَ سَمِيعٌ لَا كَالْمَسْمُوعِينَ، وَسَمْعُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ الْمُقَدَّسَيْنِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
●الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ السَّمِيعِ وَصِفَةَ السَّمْعِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَلَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَسْمُوعَاتِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَسْمَعُ فِي الْأَزَلِ صَوْتَ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
●الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ)، وَأَنَّ اسْمَ السَّمِيعِ عَيْنُ الذَّاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ، وَأَوَّلُوا السَّمْعَ بِأَنَّهُ (الْعِلْمُ بِالْمَسْمُوعَاتِ) فَقَطْ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الصِّفَةِ وَجَعَلُوهَا عَيْنَ صِفَةِ الْعِلْمِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (السَّمِيعِ) وَصِفَةَ السَّمْعِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ السَّمْعِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تَسْمَعُ بِالْآذَانِ وَالْأَصْوَاتِ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الرَّبَّ عَدَماً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
●الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمِيعاً لِأَصْوَاتِ جُزْئِيَّاتِ الْخَلْقِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ فَقَطْ دُونَ الْجُزْئِيَّاتِ الْمُتَغَيِّرَةِ، فَنَفَوْا سَمْعَهُ لِدُعَاءِ الْعِبَادِ وَتَضَرُّعِهِمْ، وَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
●الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): غَلَوْا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ السَّمِيعَ هُوَ عَيْنُ الْمَسْمُوعِ، وَأَنَّ صَوْتَ الْمَخْلُوقِ هُوَ صَوْتُ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ السَّامِعِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَصْوَاتِ الْحَادِثَةِ، بَلْ جَعَلُوا الْكُلَّ شَيْئاً وَاحِداً حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ١٦٣.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٩.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي... الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٥٥.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٣٠.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٥٠.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، مَكْتَبَةُ الْغُرَبَاءِ الْأَثَرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٣.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٠.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٨٥-٩٠.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٢٢-٤٢٥.
[١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٧.
- ____________________________٢٣__________________________________
ص ٢٢[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: (الْبَصِيرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
اِسْمُ (الْبَصِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْبَصَرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ
(بَ صَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ، وَرُؤْيَةِ الْعَيْنِ، وَالْخِبْرَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، يُقَالُ: (بَصُرَ بِهِ) إِذَا رَآهُ أَوْ عَلِمَهُ عَنْ خِبْرَةٍ ثَاقِبَةٍ [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِصِفَةِ الْبَصَرِ الْمُطْلَقِ الْمُحِيطِ بِكُلِّ مُبْصَرٍ وَمَرْئِيٍّ خَفِيّاً كَانَ أَوْ ظَاهِراً، وَالْعَالِمِ بِأَحْوَالِ الْعِبَادِ خِبْرَةً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ بَصَرُ الْمَخْلُوقِينَ الَّذِي هُوَ إِدْرَاكٌ حَادِثٌ نَاقِصٌ مَحْدُودٌ بِالْأَشِعَّةِ وَالْأَنْوَارِ وَالْأَجْسَامِ، وَيَعْتَرِيهِ الْعَمَى، وَالْحَجْبُ، وَالْآفَاتُ عِلْماً [٢].
■وَالْمَعْنَى للعام لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْبَصَرِ وَالرُّؤْيَةِ لِلَّهِ تَعَالَى صِفَةَ كَمَالٍ ذَاتِيَّةً فِعْلِيَّةً ثَابِتَةً بِالْوَحْيِ، لَا يَعْتَرِيهَا تَعْطِيلٌ وَلَا تَأْوِيلٌ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يَرَى وَيُبْصِرُ كُلَّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ فِي الْأَكْوَانِ، فَيَرَى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْدَاءِ، فِِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، عَلَى الصَّخْرَةِ الصَّمَّاءِ، وَيُبْصِرُ حَرَكَاتِ جَوَارِحِ الْعِبَادِ وَخَفَايَا نَفْسِ الْإِنْسَانِ حَقِيقَةً
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْبَصِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالتَّمْجِيدِ فِي (اِثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي غَالِبِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (السَّمِيعُ) كَمَا فِي سُورَةِ الشُّورَى وَالْإِسْرَاءِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْخَبِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْفَاطِرِ وَالْمُلْكِ، وَجَاءَ مُطْلَقاً فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
■قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ لِلْمَوْجُودَاتِ حَقِيقِيَّةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ قَاطِبَةً هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِبَصَرٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نَقْلاً [٤].
■قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْبَصِيرِ) لِلَّهِ تَعَالَى عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ إِثْبَاتَهُ يُبْطِلُ مَزَاعِمَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَأَنَّ كَمَالَ صِفَةِ الْبَصَرِ يَتَّصِلُ بِإِحَاطَتِهِ سُبْحَانَهُ بِتَفَاصِيلِ خَلْقِهِ وَجَزَائِهِمْ طَلَباً [٥].
■قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ إِثْبَاتَهُ فِي النُّصُوصِ يُعَدُّ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ فِي بَابِ الْمُرَاقَبَةِ السُّلُوكِيَّةِ، لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُ أَنَّ حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ تَقَعُ تَحْتَ عَيْنِ الْبَصِيرِ سُبْحَانَهُ تَرْبِيَةً [٦].
■قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْبَصِيرِ) فِي عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ جَمِيعَ الْمَرْئِيَّاتِ بِلَا جَارِحَةٍ وَلَا حَدَقَةٍ، فَلَا يَخْفَى عَنْهُ مَا فِِي بَاطِنِ الْأَرْضِ وَلَا فِي أَعْلَى السَّمَوَاتِ ثَبَاتاً [٧].
■قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْبَصِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْمِيّاً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى رُؤْيَةِ الْأَشْيَاءِ، وَعَلَى الْبَصِيرَةِ النَّافِذَةِ فِي الْأَحْكَامِ وَالتَّشْرِيعِ وَتَدْبِيرِ الْخَلْقِ شَرْعاً [٨].
■قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْبَصِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ لِلتَّأْوِيلِ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
♤ تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى اسْمِ (الْبَصِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَرَى كُلَّ شَيْءٍ حَقِيقَةً رُؤْيَةً تَلِيقُ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْبَصَرِ هُوَ الْعِلْمَ بِالْمَرْئِيَّاتِ كَمَا ادَّعَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ بَايَنَتْ صِفَةَ الْعِلْمِ. وَأَوْضَحَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى تَتَعَلَّقُ رُؤْيَتُهُ بِالْمَوْجُودَاتِ عِنْدَ خَلْقِهَا، فَيَرَى خَلْقَهُ إِذَا تَحَرَّكُوا وَإِذَا عَمِلُوا، وَسَمَّى هَذَا بِالتَّعَلُّقِ الْفِعْلِيِّ الْقَائِمِ بِالْمَشِيئَةِ، مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ شَبَهِ الْجَوَارِحِ وَتَجْزِئَةِ الْأَدَوَاتِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
♤ تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْبَصِيرِ)
١_بِبَيَانِ شُمُولِ الرُّؤْيَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ وَبَوَاطِنِهَا؛ فَذَكَرَ أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ الَّذِي يُبْصِرُ تَفَاصِيلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَرَى جَرَيَانَ الدَّمِ فِي عُرُوقِ النَّمْلَةِ وَحَرَكَةَ الْأَعْضَاءِ الدَّقِيقَةِ فِِي جَوْفِهَا.
٢_ وَأَنَّ مَعْنَى الْبَصِيرِ يَتَضَمَّنُ أَيْضاً أَنَّهُ بَصِيرٌ بِأَحْوَالِ قُلُوبِ عِبَادِهِ، يَعْلَمُ مَنْ يَصْلُحُ لِهِدَايَتِهِ وَفَضْلِهِ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ تَطْهِيرَ بَاطِنِهِ كَمَا يُطَهِّرُ ظَاهِرَهُ، لِأَنَّ عَيْنَ الْبَصِيرِ تَرْعَاهُ فِِي كُلِّ لَحْظَةٍ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ (الْبَصِيرِ) بِصِفَةِ الْعِبَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَمَقَاصِدِهِمْ تَقَعُ تَحْتَ مُعَايَنَةِ الرَّبِّ الْجَلِيلِ، مِمَّا يَحُثُّ الْمُتَدَبِّرَ عَلَى مَقَامِ الْإِحْسَانِ وَهُوَ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّ اللَّهَ يَرَاهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ حَيَاءً عَمِيقاً مِنَ اللَّهِ فِِي الْخَلَوَاتِ؛ فَلَا يَجْعَلُ رَبَّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، وَيَزْجُرُ نَفْسَهُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى الْمُحَرَّمَاتِ، كَمَا يُثْمِرُ فِِي قَلْبِهِ الطُّمَأْنِينَةَ عِنْدَ تَعَرُّضِهِ لِلْظُّلْمِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الْبَصِيرَ يَرَى حَالَهُ وَيَنْصُرُهُ لَوْ بَعْدَ حِينٍ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْبَصِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَى حَقِيقَةً بِبَصَرٍ قَائِمٍ بِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ لَا يُشْبِهُ بَصَرَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا الْبَصَرَ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهُوَ يَرَى مَخْلُوقَاتِهِ إِذَا وُجِدَتْ فِي الْأَعْيَانِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْبَصَرَ هُوَ نَفْسُ الْعِلْمِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْعِلْمِ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ كَانَ بَصِيراً فِي الْأَزَلِ، وَيُبْصِرُ الْمُبْصَرَاتِ عِنْدَ حُدُوثِهَا بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ تَدْبِيراً كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ اقْتِرَانِ السَّمْعِ بِالْبَصَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ بَصَرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَحْجُبُهُ ظَلَامٌ وَلَا حِجَابٌ مِنَ الْحُجُبِ الْمَخْلُوقَةِ فِي الْأَكْوَانِ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ أَنَّهُ يَرَى حَاجَاتِ خَلْقِهِ فَيُعْطِيهِمْ رَحْمَةً وَفَضْلاً مِمَّا يُلَائِمُ أَحْوَالَهُمْ.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْبَصَرَ عِبَارَةً عَنْ آلَةٍ جَسَدِيَّةٍ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً عِلْماً.
فَهُوَ بَصِيرٌ لَا كَالْمُبْصِرِينَ، وَبَصَرُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
●الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْبَصِيرِ وَصِفَةَ الْبَصَرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا صِفَةً أَزَلِيَّةً وَاحِدَةً لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَلَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَرَى فِي الْأَزَلِ مَا سَيَخْلُقُهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
●الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (بَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ)، وَأَنَّ اسْمَ الْبَصِيرِ عَيْنُ الذَّاتِ لَا يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ زَائِدَةٍ، وَأَوَّلُوا الْبَصَرَ بِأَنَّهُ (الْعِلْمُ بِالْمُبْصَرَاتِ) فَقَطْ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الصِّفَةِ وَجَعَلُوهَا عَيْنَ صِفَةِ الْعِلْمِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
●الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْبَصِيرِ) وَصِفَةَ الْبَصَرِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الْبَصَرِ لِلَّهِ يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ بِالْمَخْلُوقَاتِ الَّتِي تُبْصِرُ بِالْأَعْيُنِ وَالْحَدَقَاتِ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ الَّذِي يُصَيِّرُ الرَّبَّ عَدَماً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
●الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بَصِيراً لِحَرَكَاتِ جُزْئِيَّاتِ الْخَلْقِ، وَقَالُوا إِنَّهُ يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ فَقَطْ دُونَ التَّفَاصِيلِ الْعَيْنِيَّةِ الْمُتَغَيِّرَةِ، فَنَفَوْا رُؤْيَتَهُ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ، وَعَطَّلُوا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
●الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): غَلَوْا حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْبَصِيرَ هُوَ عَيْنُ الْمَرْئِيِّ، وَأَنَّ ذَاتَ الْمَخْلُوقِ هِيَ عَيْنُ رُؤْيَةِ الْخَالِقِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْبَصِيرِ الْإِلَهِيِّ وَالْأَعْيَانِ الْحَادِثَةِ، بَلْ جَعَلُوا الْكُلَّ شَيْئاً وَاحِداً حُلُولاً ثَبَاتاً.
____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٦٥.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ - مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٨٠.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٨٢٠.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٠.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٧٦.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، تَفْسِيرُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٥.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ... أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٦٤.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٩٢-٩٦.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٦٠-٢٦٤.
[١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ... جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٣٤٠.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٩.
__________________________________٢٤__________________________________
ص ٢٣[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْمَوْلَى)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (الْمَوْلَى): اسْمُ مَكَانٍ أَوْ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (و ل ي) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ وَالنُّصْرَةِ؛ يُقَالُ: (وَلِيَهُ) إِذَا قَرُبَ مِنْهُ، وَ(الْوَلِيُّ وَالْمَوْلَى) يَقَعَانِ عَلَى الْمَالِكِ، وَالسَّيِّدِ، وَالنَّاصِرِ، وَالْمُعِينِ، وَالْمُحِبِّ. [١]
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْمَلِكِ وَالسِّيَادَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْقُرْبِ النَّاصِرِ لِأَوْلِيَائِهِ، وَالْمُدَبِّرِ لِأُمُورِ خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رِعَايَةً وَكَلَاءَةً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ مَوْلَوِيَّةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ وِلَايَةٌ نَاقِصَةٌ مَحْدُودَةٌ قَائِمَةٌ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ، وَيَعْتَرِيهَا الْعَجْزُ وَالْفَنَاءُ عِلْماً [٢].
٣.وَالْمَعْنَى العام لِلِاسْمِ : يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ كَمَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ لِخَلْقِهِ، فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمَوْلَى الْحَقُّ الَّذِي يَتَوَلَّى تَدْبِيرَ مَمَالِكِهِ بِالْقَهْرِ وَالْخَلْقِ، وَيَتَوَلَّى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْهِدَايَةِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ حَقِيقَةً .
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْمَوْلَى) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالِاعْتِصَامِ فِي (اِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعاً)، جَاءَ فِي بَعْضِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (النَّصِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالْحَجِّ فِِي قَوْلِهِ: {نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، وَوَرَدَ مُضَافاً إِلَى ضَمِيرِ الْجَلَالَةِ أَوْ الْمُؤْمِنِينَ شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ بِالْقُرْآنِ، وَأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ وِلَايَةَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ نَوْعَانِ: عَامَّةٌ لِلْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ بِالتَّدْبِيرِ، وَخَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ نَقْلاً [٤].
قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْمَوْلَى) وَأَوْضَحَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُ اللَّهُ فَلَا ضَيْعَةَ عَلَيْهِ وَلَا خَوْفَ، وَأَنَّ حَقِيقَةَ هَذَا الِاسْمِ تَقْتَضِي تَمَامَ الِانْقِيَادِ وَالرِّضَا بِحُكْمِهِ سُبْحَانَهُ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ طَلَباً [٥].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْمُثْبَتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَقَرَّبَ إِلَى مَوْلَاهُ بِالطَّاعَاتِ نَالَ مَحَبَّتَهُ وَوِلَايَتَهُ الْخَاصَّةَ، فَيَصِيرُ الرَّبُّ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ تَرْبِيَةً [٦].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْمَوْلَى) نَصّاً ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَوْلَى هُوَ السَّيِّدُ وَالْمُتَوَلِّي لِأُمُورِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهُ لَا مَوْلَى لِلْكَافِرِينَ عَلَى وَجْهِ النُّصْرَةِ وَالتَّأْيِيدِ ثَبَاتاً [٧].
قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْمَوْلَى) فِي الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ صِفَتَهُ الِاشْتِقَاقِيَّةَ هِيَ (الْوِلَايَةُ) الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْمَحَبَّةَ وَالتَّدْبِيرَ وَالنُّصْرَةَ شَرْعاً [٨].
قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ اللَّهِ (الْمَوْلَى) فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ اسْماً مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ الْإِلَهِيِّ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْمَوْلَى) بِأَنَّهُ الَّذِي يَتَوَلَّى مَصَالِحَ الْعِبَادِ وَيَنْصُرُهُمْ؛ وَبَيَّنَ التَّفْرِقَةَ الدَّقِيقَةَ بَيْنَ
١_الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ الَّتِي لِلْخَلْقِ جَمِيعاً كَمَا فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} فَهِيَ وِلَايَةُ الْخَلْقِ وَالْقَهْرِ، وَبَيْنَ
٢_ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لِلْمُؤْمِنِينَ كَقَوْلِهِ: {ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَىٰ لَهُمْ} فَهِيَ وِلَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ، وَنَفَى أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْمَوْلَى تَعْطِيلَ النُّصْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْمَوْلَى) بِتَوْضِيحِ أَنَّهُ أَعْظَمُ غِيَاثٍ لِلْعَبْدِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ كَوْنَ اللَّهِ مَوْلَى الْعَبْدِ يَقْتَضِي أَنْ يَتَوَلَّى حِفْظَهُ فِِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ، فَيَدْفَعَ عَنْهُ الْبَلَايَا، وَيَقُودَهُ إِلَى مَرَاضِيهِ.
وَأَوْضَحَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْمَوْلَى تَتَضَمَّنُ النُّصْرَةَ الَّتِي لَا تُقْهَرُ، فَإِذَا رَضِيَ الْعَبْدُ بِاللَّهِ مَوْلًى وَنَصِيراً، انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَأَنْزَلَ حَاجَاتِهِ كُلَّهَا بِبَابِهِ، لِأَنَّهُ نِعْمَ الْمَوْلَى الَّذِي يَكْفِي عَبْدَهُ، وَنِعْمَ النَّصِيرُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ مَنِ اعْتَصَمَ بِهِ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ خَتْمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ بِقَوْلِهِ: {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}؛ حَيْثُ تَوَسَّلَ الْعِبَادُ بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) بَعْدَ تَقْرِيرِ عَدَمِ تَكْلِيفِ النَّفْسِ إِلَّا وُسْعَهَا، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِمَوْلَوِيَّتِهِ هُوَ مِفْتَاحُ النَّصْرِ وَقَبُولِ الدُّعَاءِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ كَمَالَ التَّوَكُّلِ وَالْبَرَاءَةَ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ؛ فَيَتَّخِذُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلِيّاً وَمَلَاذاً، وَيَسْعَى فِِي تَحْقِيقِ شُرُوطِ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَلَا يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَلَا يَبْتَغِي الْعِزَّةَ عِنْدَ غَيْرِ مَوْلَاهُ الْحَقِّ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْمَوْلَى) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالْوِلَايَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَعْطِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَى خَلْقِهِ حَقِيقَةً بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ رُبُوبِيَّتِهِ وَعَظَمَتِهِ الْإِلَهِيَّةِ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ جَمْعُ الْأَدِلَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ انْقِسَامَ الْمَوْلَوِيَّةِ إِلَى تَدْبِيرٍ عَامٍّ وَنُصْرَةٍ خَاصَّةٍ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْوِلَايَةَ مَجَازٌ، بَلْ هِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ كَانَ وَلِيّاً مَوْلًى فِي الْأَزَلِ، وَيَتَوَلَّى عِبَادَهُ عِنْدَ وُجُودِهِمْ بِمَا يُصْلِحُ دِينَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ تَدْبِيراً كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ جَاءَ فِيهِ نَفْيُ الْمَوْلَى عَنِ الْكُفَّارِ يُقْصَدُ بِهِ نَفْيُ وِلَايَةِ التَّأْيِيدِ وَالْمَحَبَّةِ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ مَوْلَوِيَّةَ اللَّهِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ظَهِيرٍ أَوْ مُعِينٍ مِنَ الْخَلْقِ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْتِزَامُ طَاعَةِ الْمَوْلَى وَتَرْكُ الِاحْتِكَامِ إِلَى الطَّوَاغِيتِ وَالْأَنْدَادِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْمَوْلَى بِمَعْنَى السَّبَبِ الطَّبِيعِيِّ الْجَامِدِ الَّذِي لَا إِرَادَةَ لَهُ عِلْماً.
فَاللَّهُ هُوَ الْمَوْلَى النَّصِيرُ، وَعَقِيدَةُ السَّلَفِ فِيهِ تَرْبِطُ الْقَلْبَ بِعَرْشِ الرَّحْمَنِ تَعْظِيماً لِجَلَالِهِ وَإِثْبَاتاً لِكَمَالِهِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
■الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْمَوْلَى، لَكِنَّهُمْ أَوَّلُوا صِفَةَ الْوِلَايَةِ الْخَاصَّةِ وَالنُّصْرَةِ بِأَنَّهَا إِرَادَةُ الثَّوَابِ الْأَزَلِيَّةِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ صِفَةً فِعْلِيَّةً تَتَجَدَّدُ بِحَسَبِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعْطِيلاً.
■الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (مَوْلًى بِلَا وِلَايَةٍ) قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ مَعْنَى الْمَوْلَى هُوَ خَلْقُ النَّفْعِ وَالْإِعَانَةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ، فَنَفَوْا قِيَامَ أَفْعَالِ النُّصْرَةِ وَالْمَحَبَّةِ بِالذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
■الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْمَوْلَى) وَمَعَانِيَهُ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِطْلَاقَ الْمَوْلَى عَلَى اللَّهِ يَقْتَضِي قُرْباً مَكَانِيّاً أَوْ تَشْبِيهاً بِالْمَوَالِي مِنَ الْبَشَرِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الْقُرْبِ وَالْمَحَبَّةِ، وَصَيَّرُوا الرَّبَّ ذَاتاً جَامِدَةً تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
■الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): زَعَمُوا أَنَّ الرَّبَّ لَا يَتَوَلَّى أَحَداً مِنَ الْبَشَرِ بِالْعِنَايَةِ وَالْإِقْدَارِ الْخَاصِّ، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ الْحَادِثَةَ، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ مَوْلًى لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أَوْ مُجِيباً لِدُعَاءِ الْمَظْلُومِينَ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
■الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (الْبَاطِنِيَّةُ): غَلَوْا حِينَ جَعَلُوا الْوِلَايَةَ أَعْلَمَ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ (الْوَلِيَّ) مِنَ الْبَشَرِ يَصِلُ إِلَى مَقَامِ الْمَوْلَوِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ بِحَيْثُ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّكَالِيفُ وَيُدَبِّرُ الْكَوْنَ مَعَ اللَّهِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
___________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٤٠٧.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٥.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٧٠.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٣٠.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣٤٥.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٤١٨.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٧.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ٥٨-٦٢.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٩٠-٢٩٥.
[١٢] اِبْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٢٥.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٥.
- __________________________________٢٥__________________________________
ص ٢٤[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: (النَّصِيرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (النَّصِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالنَّصْرِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (نَ صَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْإِعَانَةِ عَلَى الْعَدُوِّ، وَالظَّفَرِ بِهِ، وَالْمَنْعِ مِنَ الْمَكْرُوهِ؛ يُقَالُ: (نَصَرَهُ يَنْصُرُهُ نَصْراً) إِذَا أَعَانَهُ وَقَوَّاهُ وَدَفَعَ عَنْهُ كَيْدَ خَصْمِهِ[١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالنَّصْرِ الْمُطْلَقِ وَالْإِعَانَةِ الْبَالِغَةِ لِخَلْقِهِ، وَالْكَافِلِ بِقَهْرِ أَعْدَائِهِ وَتَمْكِينِ أَوْلِيَائِهِ خِلَافَةً وَظُهُوراً طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ نَصْرُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ نَصْرٌ حَادِثٌ قَاصِرٌ مَشْرُوطٌ بِالْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ، وَيَعْتَرِيهِ الْخِذْلَانُ، وَالْعَجْزُ، وَالْقِلَّةُ عِلْماً [٢].
٣.وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَوْنٍ وَظَفَرٍ حَقِيقِيٍّ فِي الْوُجُودِ، فَلَا يَقَعُ نَصْرٌ فِِي الْأَرْضِ أَوْ السَّمَاءِ إِلَّا بِتَقْدِيرِهِ وَمَشِيئَتِهِ صِفَةَ فِعْلٍ ثَابِتَةً، وَهُوَ الَّذِي يُبَدِّدُ جُيُوشَ الْبَاطِلِ وَيُعِزُّ أَهْلَ الْحَقِّ حَقِيقَةً
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ : وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (النَّصِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الثَّنَاءِ وَالِاسْتِنْصَارِ فِي (أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِِي ثَلَاثَةٍ مِنْهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَالْحَجِّ وَالْفُرْقَانِ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْوَلِيُّ) فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَأَنَّ النَّصْرَ الْإِلَهِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْإِرَادَةِ وَالْمَشِيئَةِ الْفِعْلِيَّةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ اعْتِصَامَ الْعَبْدِ بِهَذَا الِاسْمِ يُبْطِلُ كَيْدَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قَاطِبَةً نَقْلاً [٤].
قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (النَّصِيرِ) لِلَّهِ تَعَالَى عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ حَقِيقَةَ النَّصْرِ لَيْسَتْ بِالْكَثْرَةِ وَلَا بِالْعُدَّةِ، بَلْ هِيَ مَدَدٌ رُوحَانِيٌّ وَتَأْيِيدٌ يَقْذِفُهُ النَّصِيرُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ طَلَباً [٥].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ جَامِعَ النَّصْرِ يَقَعُ فِي تَنْفِيذِ مَوَاعِيدِ اللَّهِ لِرُسُلِهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ تَرْبِيَةً [٦].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (النَّصِيرِ) فِي عِدَادِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ شَرْعاً، وَبَيَّنَ أَنَّ النَّصِيرَ هُوَ الْمُعِينُ الَّذِي لَا يُخْذَلُ مَنِ الْتَجَأَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ الظَّفَرِ فِي الْغَزَوَاتِ كَانَتْ بِتَأْيِيدِهِ ثَبَاتاً [٧].
قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (النَّصِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الثَّابِتَةِ عِلْمِيّاً بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي سِيَاقِ تَعْدَادِهِ لِلْأَسْمَاءِ الْمُقْتَرِنَةِ وَالْمُطْلَقَةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ النَّصْرِ الْحَقِيقِيَّةِ شَرْعاً [٨].
قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (النَّصِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الْخَامِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ لِلتَّأْوِيلِ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى اسْمِ (النَّصِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَدْفَعُ السُّوءَ عَنِ الْعَبْدِ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ غَلَبَةِ خَصْمِهِ حَقِيقَةً. وَ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَنْقَسِمُ إِلَى :
١_ نَصْرٍ كَوْنِيٍّ قَدَرِيٍّ قَدْ يَنَالُهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ بِحَسَبِ الْأَسْبَابِ
٢_وَنَصْرٍ دِينِيٍّ شَرْعِيٍّ وَهُوَ الْعَاقِبَةُ الْحَمِيدَةُ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ
وَأَكَّدَ أَنَّ مَعْنَى النَّصِيرِ لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ خَلْقِ الْقُدْرَةِ فِي الْعَبْدِ، بَلْ هُوَ فِعْلٌ إِلَهِيٌّ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خِذْلَانُ الْكُفَّارِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (النَّصِيرِ) بِبَيَانِ شُمُولِ النُّصْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ لِلْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ الْنَّصِيرَ هُوَ الَّذِي يَنْصُرُ الْعَبْدَ عَلَى نَفْسِهِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ، وَعَلَى هَوَاهُ، وَعَلَى عَدُوِّهِ الظَّاهِرِ ، وَ أَنَّ حَقِيقَةَ الِاعْتِصَامِ بِالنَّصِيرِ تَقْتَضِي:
●أَنْ يَبْرَأَ الْعَبْدُ مِنْ تَمَامِ عُدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ
●وَيَعْلَمَ أَنَّ النَّصْرَ لَيْسَ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَمَنْ نَصَرَهُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ، وَمَنْ خَذَلَهُ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُهُ مِنْ بَعْدِهِ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ خُصُوصِيَّةَ اقْتِرَانِ (النَّصِيرِ) بِاسْمِهِ (الْمَوْلَى) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ}، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْبِدَايَةَ تَقَعُ فِي التَّوَلِّي وَالْمَحَبَّةِ، وَالْجَزَاءُ يَقَعُ فِي الظَّفَرِ وَالنَّصْرِ، فَلَا نَصِيرَ لِمَنْ لَا مَوْلَى لَهُ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ شَجَاعَةً إِيمَانِيَّةً ثَابِتَةً فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ؛ فَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَيَجْعَلُ قَلْبَهُ مَوْصُولاً بِالنَّصِيرِ عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، كَمَا يَحُثُّهُ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَا اسْتَطَاعَ، لِيَكُونَ مَظْهَراً مِنْ مَظَاهِرِ نَصْرِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ]
●يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (النَّصِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ أَوْلِيَاءَهُ حَقِيقَةً بِأَفْعَالٍ قَائِمَةٍ بِذَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ لَا تُشْبِهُ أَفْعَالَ الْمَخْلُوقِينَ شَرْعاً.
●وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ هَذَا النَّصْرَ لَهُ أَسْبَابٌ شَرْعِيَّةٌ وَكَوْنِيَّةٌ، وَأَعْظَمُهَا تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ حَقِيقَةً.
وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ نَفْيَ الْقَوْلِ بِأَنَّ النَّصْرَ مَجَازٌ عَنِ الْجَزَاءِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ زَائِدَةٌ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ كَانَ نَصِيراً فِي الْأَزَلِ بِالْقُوَّةِ، وَيَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَعَارِكِ وَالْفِتَنِ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ كُلَّ مَا ثَبَتَ فِي النَّقْلِ مِنَ الْمَدَدِ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ جُنُودِ النَّصِيرِ الَّتِي يُسَخِّرُهَا طَلَباً ، وَ أَنَّ نَصْرَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ أَهْلِهِ إِلَّا لِنَقْصٍ فِِي إِيمَانِهِمْ أَوْ ارْتِكَابِهِمْ لِلْمَعَاصِي شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ إِثْبَاتُ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ وَلَوْ تَكَلَّبَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْأَرْضِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ النَّصْرَ مَحْصُوراً فِي الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ الْبَحْتَةِ دُونَ الْقُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ عِلْماً
فَهُوَ نَصِيرٌ بِالْحَقِّ، وَنَصْرُهُ كَامِلٌ مُطْلَقٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
■الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ النَّصِيرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا صِفَةَ النَّصْرِ فِعْلاً أَزَلِيّاً قَدِيماً لَا يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ الْمُتَجَدِّدَةِ، وَأَوَّلُوا النَّصْرَ الْحَادِثَ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ، فَقَعَدُوا فِِي بَابِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ تَعْطِيلاً.
■الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (نَصِيرٌ بِلَا نَصْرٍ) قَائِمٍ بِالذَّاتِ، وَأَنَّ اسْمَ النَّصِيرِ يَدُلُّ عَلَى خَلْقِ سَبَبِ الْغَلَبَةِ فِي الْمَخْلُوقِ فَقَطْ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِعْلٌ يَقُومُ بِهِ يَنْصُرُ بِهِ عَبْدَهُ طَمْساً لِلْأَدِلَّةِ.
■الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (النَّصِيرِ) وَصِفَةَ النَّصْرِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ النَّصْرِ لِلَّهِ يَقْتَضِي حَاجَتَهُ لِلْمَظْلُومِينَ أَوْ التَّشْبِيهَ بِالْمُلُوكِ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ أَتْبَاعَهُمْ، فَوَقَعُوا فِِي التَّعْطِيلِ الْمَحْضِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
■الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ نَصِيراً لِأَفْرَادِ الْبَشَرِ فِي حُرُوبِهِمْ، وَقَالُوا إِنَّ الْغَلَبَةَ تَقَعُ بِالنَّوَامِيسِ الطَّبِيعِيَّةِ الْفَلَكِيَّةِ الْعَامَّةِ فَقَطْ، دُونَ تَدَخُّلٍ إِلَهِيٍّ خَاصٍّ، فَنَفَوْا رُبُوبِيَّتَهُ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
■الْجَهْمِيَّةُ الصُّوفِيَّةُ (وَحْدَةُ الْوُجُودِ): زَعَمُوا أَنَّ النَّاصِرَ وَالْمَنْصُورَ وَالْمَنْصُورَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ، وَأَنَّ حَرْبَ الْأَدْيَانِ وَالْمِلَلِ هِيَ تَجَلِّيَاتُ الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ مَعَ نَفْسِهَا، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ النَّصْرِ وَالْخِذْلَانِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ, تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٢.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٩٥.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٨، الصَّفْحَةُ ٤٢٠.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٨٠.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ فِيمَا لِمَوَاسِمِ الْعَامِ مِنَ الْوَظَائفِ، دَارُ ابْنِ كَثِيرٍ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣١٠.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٩٥.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤١.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٩٢.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٣٤-١٣٨.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٤٥٠-٤٥٦.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٤٥.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٢٢.
__________________________________٢٦__________________________________
ص ٢٥[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: (الْعَفُوُّ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
اِسْمُ (الْعَفُوُّ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعُولٌ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْعَفْوِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (عَ فُ وَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا طَمْسُ الشَّيْءِ وَمَحْوُهُ، وَالْآخَرُ طَلَبُ الشَّيْءِ وَأَخْذُهُ فَضْلاً؛ يُقَالُ: (عَفَتِ الرِّيَاحُ الدِّيَارَ) إِذَا مَحَتْ آثَارَهَا [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْمَحْوِ الْمُطْلَقِ لِلْآثَامِ، وَالصَّفْحِ عَنِ الْجَرَائِمِ مَهْمَا عَظُمَتْ، لِمَنِ اسْتَغْفَرَ وَتَابَ، أَوْ جَاءَ بِتَوْحِيدٍ خَالِصٍ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ عَفْوُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ عَفْوٌ نَاقِصٌ مَشُوبٌ غَالِباً بِالْعَجْزِ عَنِ الِانْتِقَامِ، أَوْ الْخَوْفِ مِنَ الْعَاقِبَةِ، وَيَعْتَرِيهِ النِّسْيَانُ أَوْ تَبَقِّي الْأَثَرِ فِي النَّفْسِ عِلْماً [٢].
٣.وَالْمَعْنَى العام لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ اتِّصَافِهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّجَاوُزِ عَنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ، وَمَحْوِ آثَارِهَا مِنْ صَحَائِفِ الْمَلَائِكَةِ حَقِيقَةً، فَلَا يُطَالِبُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ تَمَامِ قُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ، بَلْ يُبَدِّلُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ فَضْلاً وَرَحْمَةً
٤. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْعَفُوُّ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْوَعْدِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالثَّنَاءِ فِي (خَمْسَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِِي أَرْبَعَةٍ مِنْهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْغَفُورُ) كَمَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَالْحَجِّ، وَوَرَدَ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْقَدِيرُ) فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ شَرْعاً [٣].
٥. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ثَابِتٌ لِلَّهِ تَعَالَى نَصّاً وَوَصْفاً، وَأَنَّهُ أَبْلَغُ مِنْ (الْغَفُورِ)؛ لِأَنَّ الْغُفْرَانَ سَتْرٌ لِلذَّنْبِ، بَيْنَمَا الْعَفْوُ هُوَ مَحْوُ الْأَثَرِ بِالْكُلِّيَّةِ نَقْلاً [٤].
قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْعَفُوِّ) عَقْدًا وَنَقْلًا، وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ الْعَفْوَ وَيُحِبُّ أَنْ يَعْفُوَ الْبَشَرُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ لِيَنَالُوا عَفْوَهُ الْأَكْبَرَ طَلَباً [٥].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ: (اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي) عَلَى أَنَّهُ سُؤَالٌ بِأَجْمَعِ أَلْفَاظِ الطَّلَبِ تَرْبِيَةً [٦].
قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْعَفُوِّ) فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْعَفُوَّ هُوَ الَّذِي يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَيَتَجَاوَزُ عَنِ الْمَعَاصِي فَلَا يُؤَاخِذُ بِهَا عِنْدَ الْإِنَابَةِ ثَبَاتاً [٧].
قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْعَفُوِّ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَذَكَرَ أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِـ(الْقَدِيرِ) يَدُلُّ عَلَى عَفْوٍ صَادِرٍ عَنْ قُدْرَةٍ تَامَّةٍ لَا عَنْ عَجْزٍ شَرْعاً [٨].
قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْعَفُوُّ) فِي الْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ اسْماً مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الصَّرِيحَةِ فِي نُصُوصِ التَّنْزِيلِ عِلْماً [٩].
٦. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْعَفُوِّ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَسْقُطُ حَقَّهُ عَنْ عِبَادِهِ تَفَضُّلاً. وَأَوْضَحَ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ نَوْعَانِ:
١_ عَفْوٌ عَامٌّ عَنْ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ بِمَا يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْمَثُلَاتِ وَلَا يُعَاجِلُهُمْ بِالْعُقُوبَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}
٢_ وَعَفْوٌ خَاصٌّ لِلتَّائِبِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ وَأَهْلِ الْبَلَاءِ؛ وَأَكَّدَ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَفْوِ تَقْتَضِي رَفْعَ الْمُؤَاخَذَةِ مَعَ حُصُولِ الرِّضَا عَنِ الْعَبْدِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْعَفُوِّ) بِأَنَّهُ التَّجَاوُزُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْ كَمَالِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ؛ فَذَكَرَ أَنَّ صِفَةَ الْعَفْوِ تَقْتَضِي طَمْسَ كِتَابَةِ الذَّنْبِ فَلَا يَرَاهُ الْعَبْدُ فِي قِيَامَتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُمْ سَيُذْنِبُونَ، لِيُظْهِرَ لَهُمْ كَمَالَ اسْمِهِ الْعَفُوِّ وَجُودِهِ، فَمَنْ شَهِدَ هَذَا الِاسْمَ انْكَسَرَ قَلْبُهُ لِمَوْلَاهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ النَّجَاةَ لَيْسَتْ بِالْعَمَلِ بَلْ بِعَفْوِ اللَّهِ الْمُطْلَقِ ثَبَاتاً [١١].
٧. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ اقْتِرَانِ اسْمِهِ (الْعَفُوِّ) بِاسْمِهِ (الْقَدِيرِ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِن تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}؛ لِيُبَيِّنَ لِلْعِبَادِ أَنَّ أَعْلَى مَرَاتِبِ الصَّفْحِ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ عَلَى إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ، فَجَاءَ الثَّنَاءُ بِالْقُدْرَةِ تَبْيِيناً لِعَظَمَةِ الْعَفْوِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٨. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَحُبَّ التَّجَاوُزِ عَنِ الْخَلْقِ؛ فَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ، وَيَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ، وَيُحْسِنُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ، طَمَعاً فِي أَنْ يُعَامِلَهُ اللَّهُ بِعَفْوِهِ يَوْمَ الْعَرْضِ، إِذْ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ تَرْبِيَةً [١٣].
٩. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]
●يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْعَفُوِّ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
●وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ عِبَادِهِ حَقِيقَةً بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الْفِعْلِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ يَشْمَلُ صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرَهَا مَا لَمْ تَكُنْ شِرْكاً مَاتَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ أَنَّ الْعَفْوَ صِفَةُ كَمَالٍ ذَاتِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ مَعاً لَا مَجَازَ فِيهَا وَلَا تَأْوِيلَ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ لَمْ يَزَلْ عَفُوّاً، وَيَعْفُو عَمَّنْ شَاءَ إِذَا ارْتَكَبُوا الْمَعَاصِي ثُمَّ اسْتَغْفَرُوا تَعَطُّفاً وَإِحْسَاناً كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ فِي الْعَفْوِ مُطْلَقَةٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِلْعِبَادِ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ بَلْ فَضْلاً طَلَباً.
●وَيُثْبِتُونَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ شَرْعاً ، وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْعَفْوَ لَا يُبْطِلُ حِكْمَةَ اللَّهِ فِي جَزَاءِ الْمُطِيعِينَ وَالْعَاصِينَ رَحْمَةً وَفَضْلاً ، وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْعَفْوَ مُتَعَارِضاً مَعَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ الَّتِي جَاءَتْ فِي الْقُرْآنِ عِلْماً ، فَاللَّهُ هُوَ الْعَفُوُّ الْقَدِيرُ، وَعَفْوُهُ نَافِذٌ بِالْحَقِّ وَالْحِكْمَةِ كَمَا وَرَدَ فِي نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ الْمُقَدَّسَةِ ثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
■الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْعَفُوِّ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوا صِفَةَ الْعَفْوِ كَنَائِرِهَا عِبَارَةً عَنْ صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ لِإِسْقَاطِ الْعُقُوبَةِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ الْعَفْوُ فِعْلاً يَقُومُ بِالذَّاتِ يَتَجَدَّدُ بِالتَّوْبَةِ تَعْطِيلاً.
■الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (عَفُوٌّ بِلَا عَفْوٍ) قَائِمٍ بِهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْعَفْوَ عَنِ التَّائِبِ وَاجِبٌ عَلَى اللَّهِ عَقْلاً لَا تَفَضُّلاً، وَأَوْجَبُوا تَعْذِيبَ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْمَشِيئَةِ وَالْعَفْوِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
■الْخَوَارِجُ: نَفَوْا تَعَلُّقَ اسْمِ (الْعَفُوِّ) بِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً كَبِيرَةً خَلَدَ فِي النَّارِ وَلَمْ يَشْمَلْهُ عَفْوٌ وَلَا مَغْفِرَةٌ، فَأَبْطَلُوا نُصُوصَ الرَّحْمَةِ، وَشَدَّدُوا عَلَى الْأُمَّةِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
■الْمُرْجِئَةُ (الْجَهْمِيَّةُ الْخَالِصَةُ): غَلَوْا فِي بَابِ الْعَفْوِ حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ الذَّنْبَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ كَمَا لَا تَنْفَعُ الطَّاعَةُ مَعَ الْكُفْرِ، وَقَالُوا إِنَّ عَفْوَ اللَّهِ حَاصِلٌ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى بِلَا تَوْبَةٍ، فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
■الْوَعِيدِيَّةُ الرَّافِضَةُ: زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْفُو عَنْ مُخَالِفِيهِمْ فِي الْمَعْتَقَدِ وَلَوْ جَاؤُوا بِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ، وَجَعَلُوا الْعَفْوَ مَحْصُوراً فِي طَائِفَتِهِمْ، فَحَجَّرُوا وَاسِعاً وَخَالَفُوا أُصُولَ التَّوْحِيدِ وَالْقُرْآنِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٥، الصَّفْحَةُ ٧٢.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٨٨.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٦٢.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ٣٨٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٣١٥.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٨٠.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ١٩٦.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٥.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٠١.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٤، الصَّفْحَةُ ١٢٠-١٢٥.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٣٤٠-٣٤٦.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٤٣٢.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
__________________________________٢٧__________________________________
ص ٢٦[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْقَدِيرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ :اِسْمُ (الْقَدِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْقُدْرَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ دَ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَبَالِغِ الشَّيْءِ وَتَمَامِ الْقُوَّةِ عَلَيْهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِهِ حُكْماً وَإِيجَاداً؛ يُقَالُ: (قَدَرَ عَلَى الشَّيْءِ قُدْرَةً) إِذَا مَلَكَ نَفَاذَ الْفِعْلِ فِيهِ دُونَ عَقَبَةٍ [١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ : هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْقُدْرَةِ الْمُطْلَقَةِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا إِيجَادُ الْمَعْدُومَاتِ وَإِعْدَامُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ وَالْمَشِيئَةِ، مَعَ تَمَامِ التَّصَرُّفِ فِِي الْمُلْكِ بِالْإِحْكَامِ وَالتَّقْدِيرِ طَلَعاً ، وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ قُدْرَةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ قُدْرَةٌ مُسْتَفَادَةٌ حَادِثَةٌ قَاصِرَةٌ، يَعْتَرِيهَا الْعَجْزُ، وَاللَّغُوبُ، وَالْجَهْلُ، وَتَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ الْأَسْبَابِ الْمَخْلُوقَةِ عِلْماً [٢].
■وَالْمَعْنَى العام لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذُو الْقُدْرَةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَأَنَّ مَشِيئَتَهُ نَافِذَةٌ فِي خَلْقِهِ إِعْدَاماً وَإِيجَاداً، فَمَا شَاءَ كَانَ بِقُدْرَتِهِ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِهِ، وَهُوَ مَوْصُوفٌ بِالْكَمَالِ الْأَزَلِيِّ فِعْلاً.
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْقَدِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ تَعْظِيمِ الْقُدْرَةِ وَالتَّكْوِينِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)جَاءَ فِِي أَغْلَبِهَا مُطْلَقاً خَتْماً لِلْآيَاتِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}، وَاقْتَرَنَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ بِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) وَبِاسْمِهِ (الْعَفُوُّ) شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
●قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) مِنْ أُمَّهَاتِ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ سُبْحَانَهُ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ الَّتِي لَا تَتَخَلَّفُ عَنْ مَشِيئَتِهِ نَقْلاً [٤].
●قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْقَدِيرِ) لِلَّهِ ذَاتاً وَوَصْفاً، وَبَيَّنَ أَنَّ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَإِحْيَاءَ الْمَوْتَى، وَإِرْسَالَ الرُّسُلِ هِيَ آثَارٌ مَشْهُودَةٌ لِهَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ فِي الْأَكْوَانِ طَلَباً [٥].
●قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) رُكْناً فِي تَقْرِيرِ مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لِأَمْرِ اللَّهِ تَنْشَأُ مِنْ مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ بِأَنَّ رَبَّهُ قَدِيرٌ لَا يُعْجِزُهُ جَبَّارٌ وَلَا يَفُوتُهُ مَطْلُوبٌ تَرْبِيَةً [٦].
●قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَدِيرِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ أَحَادِيثِ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الدَّالُّ عَلَى الْقُوَّةِ الْقَاهِرَةِ الَّتِي تُصَرِّفُ الْكَائِنَاتِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الْبَالِغَةِ ثَبَاتاً [٧].
●قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْقَدِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ نَصّاً، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْقُدْرَةِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا عَيٌّ وَلَا تَعَبٌ وَلَا لُغُوبٌ شَرْعاً [٨].
●قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْقَدِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ مُطْلَقاً مُعَرَّفاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا بَرَاهِينُ النَّقْلِ وَالْعَقْلِ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
■تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى:فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْقَدِيرِ) بِأَنَّهُ الَّذِي يَعْمَلُ مَا يَشَاءُ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي هِيَ وَصْفُهُ ، وَرَدَّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْقُدْرَةَ لَا تَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِ نَفْسِهِ، بَلْ بَيَّنَ أَنَّ الْقَدِيرَ يَقُومُ بِهِ مِنْ أَفْعَالِ الِاخْتِيَارِ مَا يَشَاءُ كَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالْخَلْقِ؛ وَأَكَّدَ أَنَّ ارْتِبَاطَ اسْمِهِ الْقَدِيرِ بِعُمُومِ الْمَشِيئَةِ هُوَ أَصْلُ إِيمَانِ الْمُوَحِّدِينَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
■تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى:فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْقَدِيرِ) بِبَيَانِ مَرَاتِبِ الْقَدَرِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى هَذَا الِاسْمِ؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْقَدِيرَ هُوَ الَّذِي قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ كُلِّهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ كَمَا تَظْهَرُ فِي خَلْقِ الْأَجْسَامِ الْعَظِيمَةِ، تَظْهَرُ فِي تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ وَتَوْفِيقِ أَوْلِيَائِهِ وَخِذْلَانِ أَعْدَائِهِ، فَمَنْ شَهِدَ صِفَةَ الْقَدِيرِ غَرِقَ فِي بَحْرِ التَّسْلِيمِ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ وَحْدَهُ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ إِعْجَازَ جَمْعِ الْقُرْآنِ بَيْنَ اسْمِهِ (الْعَلِيمِ) وَاسْمِهِ (الْقَدِيرِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً}؛ إِذْ الْقُدْرَةُ بِلَا عِلْمٍ عَمْيَاءُ تَخْبِطُ خَبْطَ عَشْوَاءَ، وَالْعِلْمُ بِلَا قُدْرَةٍ عَاجِزٌ لَا يَنْفُذُ، فَلَمَّا تَمَّ لِلَّهِ كَمَالُ الْعِلْمِ وَكَمَالُ الْقُدْرَةِ جَاءَ الْخَلْقُ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَمَامَ الِافْتِقَارِ وَالتَّبَرُّؤِ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ؛ فَلَا يَعْتَمِدُ عَلَى ذَكَائِهِ وَلَا مَالِهِ وَلَا جَاهِهِ، بَلْ يَفْزَعُ إِلَى الْقَدِيرِ فِي كُلِّ نَائِبَةٍ، وَيَسْتَخِيرُهُ بِقُدْرَتِهِ كَمَا جَاءَ فِي دُعَاءِ الِاسْتِخَارَةِ: (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ)، فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ طُمَأْنِينَةً وَرِضاً تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]
■يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْقَدِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْتَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ قَدِيرٌ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفاً بِالْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِهِ شَرْعاً ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَلَّقَتْ بِخَلْقِ أَعْيَانِ الْخَلْقِ وَصِفَاتِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ خَلْقاً وَتَقْدِيراً حَقِيقَةً ، وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ إِبْطَالَ كُلِّ قَوْلٍ يَنْفِي عُمُومَ الْخَلْقِ، فَكُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ حَادِثٌ بِقُدْرَتِهِ ثَبَاتاً فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَقُدْرَتُهُ لَا تَقِفُ عِنْدَ غَايَةٍ بَلْ هِيَ مُطْلَقَةٌ لَا يُحِيطُ بِهَا بَشَرٌ كَوْناً.
■وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ الْقُدْرَةَ تَتَعَلَّقُ بِالْمُمْكِنَاتِ، وَأَنَّ الْمُسْتَحِيلَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى تَتَعَلَّقَ بِهِ الْقُدْرَةُ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ جَمِيعَ نُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْقَدِيرَ جَازٍ عِبَادَهُ بِأَفْعَالِهِ الشَّرْعِيَّةِ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الْقَوْلُ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ قُدْرَةٌ وَمَشِيئَةٌ لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ الْقَدِيرِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ شَبَّهَ قُدْرَةَ الْخَالِقِ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ أَوْ جَعَلَهَا مَقْطُوعَةً عَنِ الْأَسْبَابِ عِلْماً.
فَهُوَ الْقَدِيرُ الْحَقُّ، وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا حِكْمَةٌ وَعَدْلٌ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
■الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْقَدِيرِ وَصِفَةَ الْقُدْرَةِ، لَكِنَّهُمْ حَصَرُوا تَعَلُّقَهَا بِالْمَفْعُولَاتِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنِ الذَّاتِ، وَمَنَعُوا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِأَفْعَالِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الْقَائِمَةِ بِهِ، فَوَقَعُوا فِِي نَقْصِ التَّأْصِيلِ تَعْطِيلاً.
■الْمُعْتَزِلَةُ (الْقَدَرِيَّةُ): قَالُوا هُوَ (قَدِيرٌ بِلَا قُدْرَةٍ) عَيْنِيَّةٍ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ الِاخْتِيَارِيَّةَ، وَأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الَّذِي يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلَالاً، فَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقِينَ طَمْسا لِلْأَدِلَّة.
■الْجَهْمِيَّةُ (الْجَبْرِيَّةُ): غَلَوْا فِي إِثْبَاتِ قُدْرَةِ الْخَالِقِ حَتَّى نَفَوْا عَنِ الْعَبْدِ كُلَّ قُدْرَةٍ وَمَشِيئَةٍ، وَجَعَلُوهُ كَالرِّيشَةِ فِِي مَهَبِّ الرِّياحِ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً، فَأَبْطَلُوا التَّكْلِيفَ وَالشَّرِيعَةَ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
■الْفَلَاسِفَةُ الدَّهْرِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ (الْقَدِيرِ) بِالْمَعْنَى الِاخْتِيَارِيِّ، وَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ (عِلَّةٌ وَاقِعَةٌ لَا تَتَخَلَّفُ)، فَلَيْسَ لَهُ مَشِيئَةٌ وَلَا قُدْرَةٌ عَلَى التَّغْيِيرِ، بَلِ الْعَالَمُ قَدِيمٌ صَدَرَ عَنْهُ اضْطِرَاراً نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
■الْغُلَاةُ مِنَ الْقَرَامِطَةِ: نَفَوْا عَنِ اللَّهِ اسْمَ الْقَدِيرِ وَنَفَوْا عَنْهُ الْعَجْزَ مَعاً، بِدَعْوَى أَنَّ إِثْبَاتَ الْقُدْرَةِ تَشْبِيهٌ لَهُ بِالْقَادِرِينَ مِنَ الْبَشَرِ، فَوَقَعُوا فِِي سَلْبِ النَّقِيضَيْنِ وَمَحْوِ الْوُجُودِ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٧٤.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٩٥.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٤٠.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٤٥٠.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٠.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١١٥.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٦٥.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٤٧.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢١٥.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٧، الصَّفْحَةُ ١٨٠-١٨٥.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٥١٠-٥١٥.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ٥٢٠.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٣٨.
______________________________٢٨______________________________________
ص ٢٧
[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
الِاسْمُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: (اللَّطِيفُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ : اِسْمُ (اللَّطِيفُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِاللُّطْفِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (لَ طَ فَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى أَصْلَيْنِ شَرِيفَيْنِ: أَحَدُهُمَا غُمُوضُ الشَّيْءِ وَخَفَاءُ مَسْلَكِهِ وَدِقَّتِهِ، وَالْآخَرُ الرِّفْقُ فِي الْفِعْلِ وَالْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ؛ يُقَالُ: (لَطَفَ فُلَانٌ بِفَلَانٍ) إِذَا رَفَقَ بِهِ وَأَوْصَلَ إِلَيْهِ نَفْعَهُ بِلِينٍ[١].
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ الدَّقِيقِ بِخَفَايَا الصُّدُورِ وَمَكْنُونَاتِ الْغَيْبِ، مَعَ رِفْقِهِ التَّامِّ فِي سَوْقِ الْأَقْدَارِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى أَوْلِيَائِهِ بِأَلْطَافٍ خَفِيَّةٍ لَا تَهْتَدِي إِلَيْهَا الْعُقُولُ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ لُطْفُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي هُوَ لُطْفٌ قَاصِرٌ مَحْدُودٌ، يَقُومُ عَلَى الظَّنِّ لَا الْعِلْمِ الْمُحِيطِ، وَيَعْتَرِيهِ الْجَفَاءُ وَالْعَجْزُ عَنْ إِدْرَاكِ مَآلَاتِ الْأُمُورِ عِلْماً [٢].
■وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الَّذِي خَفِيَ عَنِ الْأَبْصَارِ فَلَا تُدْرِكُهُ فِي الدُّنْيَا لِدِقَّةِ حِكْمَتِهِ وَجَلَالِ ذَاتِهِ، مَعَ كَوْنِهِ الْمُحِيطَ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَالَّذِي يَسُوقُ إِلَى عِبَادِهِ مَصَالِحَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَبِأَسْبَابٍ خَفِيَّةٍ لَا يَمْلِكُهَا غَيْرُهُ حَقِيقَةً .
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (اللَّطِيفُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ بَيَانِ سِعَةِ الْعِلْمِ وَدِقَّةِ الصُّنْعِ وَالْإِحْسَانِ فِي (سَبْعَةِ مَوَاضِعَ)؛ جَاءَ فِي جَمِيعِهَا مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْخَبِيرُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَلُقْمَانَ، وَالْمُلْكِ، إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَقَدْ جَاءَ مُفْرَداً غَيْرَ مُقْتَرِنٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ} شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
♤قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) مِنْ أَسْمَاءِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ الْجَامِعَةِ بَيْنِ الْعِلْمِ الدَّقِيقِ وَالْفِعْلِ الرَّفِيقِ، وَأَنَّ لُطْفَهُ بِعِبَادِهِ يَتَضَمَّنُ هِدَايَتَهُمْ إِلَى طَرِيقِ الرَّشَادِ بِأَسْبَابٍ مَقْدُورَةٍ لَا يَشْعُرُونَ بِهَا نَقْلاً [٤].
♤قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥١هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (اللَّطِيفِ) عَقْدًا وَنَقْلًا، وَذَكَرَ فِي نُونِيَّتِهِ أَنَّ لُطْفَهُ يَنْقَسِمُ إِلَى إِدْرَاكِ خَفَايَا الْأُمُورِ، وَإِلَى الرِّفْقِ فِِي إِيصَالِ الْبِرِّ لِأَوْلِيَائِهِ طَلَباً [٥].
♤قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) مَأْوًى لِقُلُوبِ الْمُسْتَضْعَفِينَ؛ إِذْ الْتِجَاءُ الْعَبْدِ إِلَى اللَّطِيفِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ يَفْتَحُ لَهُ مِنْ خَفِيِّ الْأَلْطَافِ مَا يَحَارُ فِيهِ الْبَشَرُ تَرْبِيَةً [٦].
♤قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (اللَّطِيفِ) فِي سِيَاقِ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ دَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ وَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، وَيَرْفُقُ بِعِبَادِهِ فِِي أَمْرِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ثَبَاتاً [٧].
♤قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (اللَّطِيفِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ، وَأَوْضَحَ أَنَّ اقْتِرَانَهُ بِـ(الْخَبِيرِ) يَدُلُّ عَلَى إِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِالظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنِ مَعاً شَرْعاً [٨].
♤قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (اللَّطِيفُ) فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّامِنَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ النَّقْدِيِّ لِوُرُودِهِ اسْماً صَرِيحاً ثَابِتاً بِأَلْفَاظِ التَّسْمِيَةِ الْمُطْلَقَةِ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
●تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى:
فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (اللَّطِيفِ)
■بِأَنَّهُ الَّذِي يَنْفُذُ عِلْمُهُ فِي الْأُمُورِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْخَلْقِ، فَلَا يَحْجُبُ عِلْمَهُ حِجَابٌ.
■وَبَيَّنَ أَنَّ مِنْ تَمَامِ لُطْفِهِ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ يَسُوقُ التَّرْبِيَةَ لِأَوْلِيَائِهِ بِالْمَكَارِهِ الَّتِي يَكْرَهُونَهَا لِيُوصِلَهُمْ بِهَا إِلَى أَعْلَى الْمَقَامَاتِ الَّتِي يُحِبُّونَهَا، كَمَا فَعَلَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ جَعَلَ جُبَّ السِّجْنِ طَرِيقاً لِعِزِّ مُصْرَ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
●تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى:
■فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (اللَّطِيفِ) بِأَنَّهُ الرَّفِيقُ الْخَبِيرُ الَّذِي إِذَا أَرَادَ بِعَبْدِهِ خَيْراً يَقْذِفُ فِي قَلْبِهِ لُطْفاً يُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْهِ كُلَّ مَشَقَّةٍ.
■وَذَكَرَ أَنَّ اللَّطِيفَ هُوَ الَّذِي لَا تَرَاهُ الْعُيُونُ فِي الدُّنْيَا لَكِنَّهُ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ الْعَبْدِ وَهُوَ رَاقِدٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَيَقْلِبُ كَيْدَ الْأَعْدَاءِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ سَبَبَ نَجَاةِ الْعَبْدِ، وَهَذَا لُطْفٌ فَوْقَ إِدْرَاكِ الْبَشَرِ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ}؛ إِذْ لَمْ يَقُلْ (لِعِبَادِهِ) هُنَا، بَلْ جَعَلَ اللَّطِيفَ مُتَعَلِّقاً بِالْمَشِيئَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي حَوَّلَتِ الْبَلَاءَ إِلَى تَمْكِينٍ، فَاللَّطِيفُ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ بِلَا جَلَبَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ رِفْقاً فِي التَّعَامُلِ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ؛ فَيَكُونُ لَطِيفاً فِي دَعْوَتِهِ، رَحِيماً بِأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا يَجْعَلُهُ دَائِمَ الْمُرَاقَبَةِ لِمَوْلَاهُ فِي السِّرِّ، لِعِلْمِهِ أَنَّ اللَّطِيفَ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ) [أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ] :
■يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (اللَّطِيفِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ حَقِيقَةً كَمَا وَرَدَ فِِي النُّصُوصِ الشَّرِيعَةِ الْمُقَدَّسَةِ شَرْعاً.
■وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ خَفَاءَ الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا لَا يَعْنِي نَفْيَهَا فِِي الْآخِرَةِ، بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ جَهْرَةً حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ أَنَّ اللُّطْفَ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ وَصِفَةَ الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ ثَبَاتاً.
■فَاللَّهُ لَطِيفٌ لَمْ يَزَلْ، وَيَلْطُفُ بِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ بِحِكْمَتِهِ الَّتِي لَا تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الظُّنُونُ كَوْناً
وَ أَنَّ كُلَّ مَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ مِنَ الْمَصَائِبِ هُوَ فِي طَيَّاتِهِ لُطْفٌ وَرَحْمَةٌ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ طَلَباً.
■وَيُثْبِتُونَ أَنَّ دِقَّةَ الصُّنْعِ فِي خَلْقِ الذَّرَّاتِ وَالْمَجَرَّاتِ هِيَ شَاهِدُ عِيَانٍ عَلَى صِفَةِ اللَّطِيفِ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ أَنْ لَا يَقْتَرِنَ اللُّطْفُ فِي ذِهْنِ الْعَبْدِ بِالضَّعْفِ، بَلْ هُوَ لُطْفُ الْقَاهِرِ الْقَدِيرِ رَحْمَةً وَفَضْلاً.
■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ اللُّطْفَ مَجَازاً عَنِ الثَّوَابِ، بَلْ هُوَ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِهِ عِلْماً.
فَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، وَلُطْفُهُ شَامِلٌ لِلْوُجُودِ كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُ الْكِتَابِ الْكَرِيمِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا ]
■الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ اللَّطِيفِ، لَكِنَّهُمْ أَرْجَعُوا صِفَةَ اللُّطْفِ الْفِعْلِيَّةِ إِلَى صِفَةِ الْإِرَادَةِ الْأَزَلِيَّةِ، وَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِعْلٌ لَطِيفٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ يَتَجَدَّدُ، فَحَدُّوا التَّأْصِيلَ تَعْطِيلاً.
■الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ (لَطِيفٌ بِلَا لُطْفٍ) قَائِمٍ بِالذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى اللَّطِيفِ هُوَ خَلْقُ "مَا بِهِ يَصْلُحُ حَالُ الْعَبْدِ"، وَأَوْجَبُوا عَلَى اللَّهِ خَلْقَ "الْأَصْلَحِ" فِي الدِّينِ عَقْلاً، فَحَجَّرُوا عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
■الْجَهْمِيَّةُ: أَنْكَرُوا اسْمَ اللَّطِيفِ تَمَاماً، وَزَعَمُوا أَنَّ وَصْفَ اللَّهِ بِاللَّطِيفِ يَقْتَضِي تَشْبِيهَهُ بِالْأَجْسَامِ اللَّطِيفَةِ كَالْهَوَاءِ وَالضَّوْءِ، فَأَنْكَرُوا النُّصُوصَ وَتَعَطَّلَتْ عِنْدَهُمْ مَعَانِي الرَّحْمَةِ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
■الْفَلَاسِفَةُ الِاتِّحَادِيَّةُ: زَعَمُوا أَنَّ اللُّطْفَ الْإِلَهِيَّ هُوَ سَرَيَانُ الْوُجُودِ الْمُطْلَقِ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ (الْمَادَّةِ الْأُولَى)، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ ذَاتاً مُنْفَصِلَةً تَلْطُفُ بِخَلْقِهَا اخْتِيَاراً، بَلْ قَالُوا بِالطَّبِيعَةِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
■الْبَاطِنِيَّةُ الْمَلَاحِدَةُ: قَالُوا إِنَّ اسْمَ اللَّطِيفِ مَعْنَاهُ النَّفْيُ الْمَحْضُ (لَيْسَ بِغَلِيظٍ)، فَسَلَبُوا الصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ وَجَعَلُوهُ عَدَماً لَا حَقِيقَةَ لَهُ، لِيَهْدِمُوا الشَّرِيعَةَ وَيُبْطِلُوا أَحْكَامَ الْقُرْآنِ حُلُولاً ثَبَاتاً.
- ____________________________________________________________________
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٢.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٦٣٥.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٤٨٥.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ فِي الِانْتِصَارِ لِلْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ (النُّونِيَّةُ)، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٥.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، مَجْمُوعُ رَسَائِلِ ابْنِ رَجَبٍ، دَارُ الْفَارُوقِ الْحَدِيثَةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٢٢٠.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١٣، الصَّفْحَةُ ٣٩٠.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٠.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٢٨.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ١٠، الصَّفْحَةُ ١١٥-١٢٢.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٨٠-٢٨٧.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٤٠٢.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢.
_______________________________٢٩_____________________________________
ص ٢٨[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: (الْخَبِيرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ : (اِسْمُ (الْخَبِيرُ): صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فَعِيلٍ) لِلْمَوْصُوفِ بِالْخِبْرَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (خَ بِ رَ) الَّتِي تَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْعِلْمِ بِحَقِيقَةِ الشَّيْءِ، وَمَعْرِفَةِ كُنْهِهِ، وَالْإِحَاطَةِ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَخَفَايَاهَا؛ يُقَالُ: (خَبَرْتُ الْأَمْرَ خِبْرَةً) إِذَا عَرَفْتُ بَاطِنَهُ وَمَحْصُولَهُ دُونَ اكْتِفَاءٍ بِظَاهِرِهِ.
٢. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاسْمِ
هُوَ الِاسْمُ الْعَلَمُ الدَّالُّ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى اتِّصَافِهِ بِالْعِلْمِ التَّامِّ الْمُحِيطِ بِمَكْنُونَاتِ الْأَشْيَاءِ، وَخَفَايَا الْبَوَاطِنِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ كَيْفَ لَوْ كَانَ يَكُونُ، فَلَا يَطْرَأُ عَلَى عِلْمِهِ جَهْلٌ وَلَا يَسْبِقُهُ خَفَاءٌ طَلَعاً. وَيَخْرُجُ بِهَذَا الْحَدِّ خِبْرَةُ الْمَخْلُوقِ الَّتِي هِيَ خِبْرَةٌ قَاصِرَةٌ تَنْشَأُ عَنِ التَّجْرِبَةِ، وَالِامْتِحَانِ، وَالنَّظَرِ بَعْدَ الْجَهْلِ، وَتَقِفُ عِنْدَ الظَّوَاهِرِ غَالِباً بِلَا إِحَاطَةٍ عِلْماً [٢].
■وَالْمَعْنَى لِلِاسْمِ : هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ دَقِيقٌ وَلَا جَلِيلٌ، وَالَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ بَوَاطِنُ الْأَشْيَاءِ كَمَا لَا تَغِيبُ عَنْهُ ظَوَاهِرُهَا، فَهُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى أَسْرَارِ الْقُلُوبِ، وَمَا يَكُونُ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَزْمَانِ مِمَّا هُوَ غَيْبٌ عَنِ الْأَكْوَانِ حَقِيقَةً .
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
وَرَدَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْخَبِيرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ إِثْبَاتِ الْإِحَاطَةِ وَالتَّحْذِيرِ وَالثَّنَاءِ فِي (خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ مَوْضِعاً)؛ جَاءَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا خَتْماً لِلْآيَاتِ مُقْتَرِناً بِاسْمِهِ (الْحَكِيمُ) كَمَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَسَبَأٍ، وَبِاسْمِهِ (اللَّطِيفُ) فِي سُورَةِ الْمُلْكِ، وَبِاسْمِهِ (الْعَلِيمُ) فِي سُورَةِ الْحُجُرَاتِ شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ
■قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): قَرَّرَ أَنَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ، وَأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِثْبَاتِ الْمَعْرِفَةِ بِالْبَوَاطِنِ، فَالْخَبِيرُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ خَفَايَا الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ نَقْلاً [٤].
■قَوْلُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: ٧٥1هـ): أَكَّدَ ثُبُوتَ اسْمِ (الْخَبِيرِ) ذَاتاً وَوَصْفاً، وَبَيَّنَ أَنَّ تَدْبِيرَ اللَّهِ لِلْخَلْقِ قَائِمٌ عَلَى خِبْرَتِهِ التَّامَّةِ بِعَوَاقِبِ أُمُورِهِمْ، فَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً عَبَثاً وَلَا يُشَرِّعُ حُكْماً إِلَّا عَنْ خِبْرَةٍ طَلَباً [٥].
■قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: ٧٩٥هـ): عَدَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) رَادِعاً لِلْمُكَلَّفِينَ عَنِ الْمَعَاصِي فِي الْخَلَوَاتِ؛ إِذْ الْعِلْمُ بِأَنَّ الرَّبَّ خَبِيرٌ بِالْبَوَاطِنِ يَسْلِبُ مِنَ النَّفْسِ قُدْرَتَهَا عَلَى التَّوَارِي، فَيَسْتَوِي عِنْدَ الْعَبْدِ السِّرُّ وَالْعَلَنُ تَرْبِيَةً [٦].
■قَوْلُ الْحَافِظِ اِبْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: ٨٥٢هـ): أَثْبَتَ اسْمَ (الْخَبِيرِ) فِي شَرْحِ كِتَابِ الرِّقَاقِ، وَأَوْضَحَ أَنَّهُ الَّذِي لَا تَعْزُبُ عَنْهُ خَفَايَا الضَّمَائِرِ، وَمَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ نِيَّاتُ الْعِبَادِ عِنْدَ صُدُورِ الْأَعْمَالِ مِنْهُمْ ثَبَاتاً [٧].
■قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ (ت: ١٤٢١هـ): عَدَّ اسْمَ (الْخَبِيرِ) ضِمْنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ عَقِيدَةً، وَبَيَّنَ أَنَّ الْخِبْرَةَ هِيَ الْعِلْمُ بِبَوَاطِنِ الْأُمُورِ، وَتَتَضَمَّنُ صِفَةَ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ شَرْعاً [٨].
■قَوْلُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ: أَثْبَتَ اسْمَ (الْخَبِيرُ) فِي الْمَرْتَبَةِ التَّاسِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ إِحْصَائِهِ لِوُرُودِهِ اسْماً مَقْصُوداً بِالْإِطْلَاقِ وَالْمَدْحِ فِي نُصُوصِ الْفُرْقَانِ الثَّابِتَةِ عِلْماً [٩].
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
تَفْسِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مَعْنَى (الْخَبِيرِ)
١_ بِأَنَّهُ الَّذِي يَعْلَمُ تَعَالَى مَا كَانَ
٢- وَمَا سَيَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ خِبْرَةً أَزَلِيَّةً مُحِيطَةً.
وَرَدَّ عَلَى غُلَاةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَتَّى تَقَعَ، فَبَيَّنَ أَنَّ اسْمَ الْخَبِيرِ نَصٌّ فِي إِحَاطَتِهِ بِأَعْمَالِ النُّفُوسِ وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ فِي آخِرِ مَطَافِهَا، فَالْخِبْرَةُ سَابِقَةٌ لِلْخَلْقِ وَمُصَاحِبَةٌ لَهُ تَعْظِيماً عِلْماً [١٠].
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ اِبْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ لِلْمَعْنَى: فَسَّرَ الْإِمَامُ اِبْنُ الْقَيِّمِ مَعْنَى (الْخَبِيرِ) بِأَنَّهُ عِلْمٌ يَقْتَرِنُ بِتَفَاصِيلِ الصُّنْعِ وَالْخَلْقِ؛ وَذَكَرَ أَنَّ الْخَبِيرَ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ مَصَالِحَ النُّفُوسِ وَمَا يُصْلِحُهَا مِنَ الْمِحَنِ أَوْ الْمِنَحِ، فَيَسُوقُ لَهَا مَا تَسْتَقِيمُ بِهِ عُبُودِيَّتُهَا عَنْ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ، فَمَنْ عَرَفَ خِبْرَةَ رَبِّهِ اسْتَسْلَمَ لِتَدْبِيرِهِ وَأَيْقَنَ أَنَّ كُلَّ قَضَاءٍ لَهُ هُوَ عَيْنُ الصَّوَابِ وَالْحِكْمَةِ ثَبَاتاً [١١].
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ الْإِعْجَازِيَّ فِِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ}؛ إِذْ خَتَمَ آيَةَ عِظَمِ الصُّنْعِ الْكَوْنِيِّ بِالْخِبْرَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ بَاطِناً، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الَّذِي أَتْقَنَ بِنَاءَ الْجِبَالِ هُوَ الْخَبِيرُ بِدَقَائِقِ مَا تَنْطَوِي عَلَيْهِ جَوَارِحُ الْبَشَرِ نِيَّةً وَعَمَلاً تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَصْحِيحَ الْبَاطِنِ وَطَهَارَةَ السَّرِيرَةِ؛ فَلَا يَكُونُ هَمُّهُ تَجْمِيلَ ظَاهِرِهِ لِلنَّاسِ مَعَ خَرَابِ قَلْبِهِ بِالرِّياءِ أَوْ الْحَسَدِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ نَظَرَ الْخَبِيرِ سُبْحَانَهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكْنُونِ صَدْرِهِ، فَيَجْتَهِدُ فِي إِصْلَاحِ النِّيَّةِ حَتَّى تَكُونَ خَالِصَةً صَوَاباً تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ ]
■يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْخَبِيرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً ، وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ لَمْ يَزَلْ، وَأَنَّ خِبْرَتَهُ كَامِلَةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تَتَجَدَّدُ بِوُقُوعِ الْحَوَادِثِ شَرْعاً ، وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ خِبْرَةَ اللَّهِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ بِالْوَاجِبَاتِ، وَالْمُمْكِنَاتِ، وَالْمُسْتَحِيلَاتِ خَلْقاً وَتَقْدِيراً حَقِيقَةً ، وَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ كُفْرَ مَنْ نَفَى الْعِلْمَ السَّابِقَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ خَلْقِهَا نَفْياً بَاتّاً ثَبَاتاً.
■فَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا يَكُونُ، وَكُلُّ مَا يَجْرِي فِي الْكَوْنِ قَدْ كُتِبَ فِي اللَّوِحِ الْمَحْفُوظِ عَنْ خِبْرَةٍ سَابِقَةٍ كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ صِفَةَ الْخِبْرَةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرَّدِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْرِفَةِ الْبَوَاطِنِ طَلَباً.
■وَيُثْبِتُونَ أَنَّ جَمِيعَ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مُرَاعًى فِيهَا أَحْوَالُ الْعِبَادِ وَمَا يَصْلُحُ لَهُمْ بِعِلْمِ الْخَبِيرِ شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ الْإِيمَانُ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ كَمَا جَاءَ: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى} رَحْمَةً وَفَضْلاً.
■وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ جَعَلَ خِبْرَةَ اللَّهِ مُشَابِهَةً لِخِبْرَةِ الْمَخْلُوقِينَ الَّتِي تَحْتَاجُ لِفِكْرٍ عِلْماً.
فَهُوَ الْخَبِيرُ الْبَصِيرُ، وَخِبْرَتُهُ نَافِذَةٌ مُطْلَقَةٌ كَمَا بَيَّنَتْهُ نُصُوصُ الشَّرِيعَةِ الْمُعَظَّمَةِ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا]
●الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا اسْمَ الْخَبِيرِ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ مُرَادِفاً لِاسْمِ (الْعَلِيمِ) مُرَادَفَةً مَحْضَةً، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ الْخِبْرَةُ صِفَةً تَدُلُّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ فِي اللَّفْظِ، فَأَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِي التَّكْرَارِ تَعْطِيلاً.
●الْمُعْتَزِلَةُ وَالْجَهْمِيَّةُ: قَالُوا هُوَ (خَبِيرٌ بِلَا خِبْرَةٍ) قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، وَزَعَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَ الْأَسْمَاءِ كَالْعَلِيمِ وَالْخَبِيرِ لَا يَدُلُّ إِلَّا عَلَى نَفْيِ الْجَهْلِ عَنِ الذَّاتِ دُونَ إِثْبَاتِ مَعَانِي الصِّفَاتِ طَمْسا لِلْأَدِلَّةِ.
●غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ (الْأَوَّلُونَ): نَفَوْا خِبْرَةَ اللَّهِ السَّابِقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَقَالُوا إِنَّ الْأَمْرَ "أُنُفٌ" (أَيْ مُسْتَأْنَفٌ لَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ)، فَكَفَّرَهُمُ السَّلَفُ لِنَفْيِهِمُ الْخِبْرَةَ تَنَاقُضاً مَعَ الْقُرْآنِ.
●الْفَلَاسِفَةُ الْمَشَّاؤُونَ: زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْكُلِّيَّاتِ لَا الْجُزْئِيَّاتِ، فَنَفَوْا خِبْرَتَهُ بِتَفَاصِيلِ أَحْوَالِ الْعِبَادِ وَدَقَائِقِ حَرَكَاتِهِمْ، وَجَعَلُوا عِلْمَهُ قَاصِراً عَنِ الْمَحْسُوسَاتِ نَفْياً رُبُوبِيَّةً.
●الْبَاطِنِيَّةُ وَالْقَرَامِطَةُ: سَلَبُوا اسْمَ (الْخَبِيرِ) عَنِ اللَّهِ، وَقَالُوا لَا يُوصَفُ بِالْخِبْرَةِ وَلَا بِالْجَهْلِ تَنْزِيهاً لَهُ عَنِ الصِّفَاتِ فِي زَعْمِهِمْ، فَجَعَلُوهُ أَنْقَصَ مِنَ الْمَعْدُومَاتِ كُلِّيَّةً حُلُولاً ثَبَاتاً.
____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٤، الصَّفْحَةُ ٢٢٥.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٠٨.
[٣] مُحَمَّدُ فُؤَادُ عَبْدِ الْبَاقِي، الْمُعْجَمُ الْمُفَهْرَسُ لِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٣٨.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٦، الصَّفْحَةُ ١٣٠.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٣، الصَّفْحَةُ ٩٢.
[1] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ٢٠٥.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٣١٢.
[٨] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٢.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ...
- ______________________________٣٠______________________________________
ص ٢٩[الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]الِاسْمُ الثَّلَاثُونَ: (الْوَتْرُ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ الْمُوَسَّعُ وَالْمَعْنَى السَّلَفِيُّ الْعَمِيقُ
٣. عَدَدُ وُرُودِهِ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
لَمْ يَرِدْ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى (الْوَتْرُ) فِي نُصُوصِ آيَاتِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ اسْماً عَلَماً، وَإِنَّمَا وَرَدَ لَفْظُهُ مَعْنًى فِِي التَّنْزِيلِ، بَلْ ثَبَتَ فِي نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ اسْماً عَلَماً مَقْصُوداً فِي سِيَاقِ الْإِحْصَاءِ وَالذِّكْرِ فِِي (مَوْضِعٍ وَاحِدٍ)؛ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلَّا وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ) شَرْعاً [٣].
٤. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُثْبِتِينَ لِلِاسْمِ (مُرَتَّبَةً حَسَبَ الْمَوَالِيدِ)
٥. رُكْنُ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنَى (بِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ وَالْإِمَامِ اِبْنِ الْقَيِّمِ)
٦. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ
نَلْمَحُ عِنْدَ التَّدَبُّرِ سِرَّ جَمْعِ الْقُرْآنِ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ فِي قَوْلِهِ: {وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ}؛ إِذْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْخَلْقِ الَّذِي هُوَ شَفْعٌ، وَبِذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي هِيَ وِتْرٌ، لِيَدُلَّ الْعِبَادَ بِنَظَرِهِمْ إِلَى نَقْصِ الشَّفْعِ وَحَاجَتِهِ عَلَى كَمَالِ الْوَتْرِ وَغِنَاهُ الْمُطْلَقِ تَدَبُّراً وَشَرْعاً [١٢].
٧. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (السُّلُوكِيُّ)
يُورِثُ هَذَا الِاسْمُ الْعَبْدَ تَجْرِيدَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ وَحْدَهُ؛ فَلَا يَجْعَلُ فِي قَلْبِهِ مُتَّسَعاً لِغَيْرِ مَوْلَاهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى اقْتِفَاءِ السُّنَّةِ فِِي تَوْتِيرِ أَعْمَالِهِ كَالِاسْتِجْمَارِ ثَلَاثاً، وَتَنَاوُلِ التَّمَرَاتِ وِتْراً، لِيَكُونَ فِِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ مُتَعَلِّقاً بِالْوَتْرِ تَرْبِيَةً [١٣].
٨. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي الِاسْمِ)
[أَوَّلًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلِاسْمِ عِنْدَ السَّلَفِ]
يَقُومُ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِاسْمِ اللَّهِ (الْوَتْرِ) عَلَى إِثْبَاتِ الْحَقِيقَةِ لِلذَّاتِ وَالصِّفَةِ دُونَ تَكْيِيفٍ أَوْ تَمْثِيلٍ تَعْظِيماً عِلْماً.
وَيُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ وِتْرٌ بِمَعْنَى نَفْيِ الشَّرِيكِ وَالظَّهِيرِ وَالْوَلَدِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ شَرْعاً.
وَمِنْ أُصُولِهِمْ أَنَّ تَوْحِيدَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ وِتْراً فِي كَمَالِهِ حَقِيقَةً.
وَيُرَتِّبُونَ عَلَى هَذَا الْإِثْبَاتِ إِبْطَالَ شِبْهِ أَهْلِ التَّثْلِيثِ وَالتَّنْدِيدِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْوَتْرَ شَفْعاً تَعَالَى اللَّهُ ثَبَاتاً.
فَاللَّهُ وِتْرٌ فِي مُلْكِهِ، وَكُلُّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَقَدْ جَحَدَ وِتْرِيَّةَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْإِلَهِيَّةِ كَوْناً.
وَيَرَى السَّلَفُ أَنَّ مَحَبَّتَهُ لِلْوِتْرِ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ تَعْطِيلِيٍّ طَلَباً.
وَيُثْبِتُونَ أَنَّ النُّصُوصَ النَّبَوِيَّةَ إِذَا صَحَّتْ وَجَبَ قَبُولُ اسْمِ اللَّهِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَرِدْ فِي التَّنْزِيلِ لَفْظاً شَرْعاً.
وَمِنْ تَمَامِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ عَدَمُ جَعْلِ الِانْفِرَادِ مُوجِباً لِنَفْيِ صِفَاتِ الِاخْتِيَارِ كَالْمَجِيءِ وَالرِّضَا رَحْمَةً وَفَضْلاً.
وَيُنْكِرُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوْلَ كُلِّ مَنْ شَبَّهَ وِتْرِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَاحِدِ الْعَدَدِيِّ الَّذِي يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ عِلْماً.
فَهُوَ الْوَتْرُ الْحَقُّ، وَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا حُسْنَى لَا نَقْصَ فِيهَا، كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْآثَارُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْزِيلاً وَثَبَاتاً.
[ثَانِيًا: مَقالاتُ الْفِرَقِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا - ]
____________________________________________________________________
[١] اِبْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢٧٣.
[٢] أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، دَارُ الثَّقَافَةِ الْعَرَبِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١١٥.
[٣] اَلْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْماً، رَقْمُ ٦٤١٠؛ وَمُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، رَقْمُ ٢٦٧٧.
[٤] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، الْمُجَلَّدُ ٢٢، الصَّفْحَةُ ٣١٢.
[٥] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ٢، الصَّفْحَةُ ١٨٥.
[٦] اِبْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ الْبَشَائِرِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٧٨.
[٧] الْحَافِظُ اِبْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، الْمُجَلَّدُ ١١، الصَّفْحَةُ ٢٢٦.
[٨] مُحَمَّدُ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ - الرِّيَاضِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٥٨.
[٩] د. مَحْمُودُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، دَارُ الرِّضْوَانِ - مِصْرَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ٢٤٢.
[١٠] شَيْخُ الْإِسْلَامِ اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، الْمُجَلَّدُ ٥، الصَّفْحَةُ ٢١٠-٢١٥.
[١١] اِبْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٤٢-١٤٨.
[١٢] اِبْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ ٨، الصَّفْحَةُ ٣٩٥.
[١٣] أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ، الْمَقْصَدُ الْأَسْنَى فِي شَرْحِ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، جَفْنُ الرَّادِّ - قُبْرُصَ، الْمُجَلَّدُ ١، الصَّفْحَةُ ١٥٠.
- ______________________________٣١______________________________________
_________________________________________٣٢_______________________________________________

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق