خُطَّةُ مَشْرُوعِ تَحْقِيقِ وَتَأْصِيلِ رِسَالَةِ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)
المُقَدِّمَةُ العِلْمِيَّةُ
(تتضمن براعة الاستهلال والتعريف العام بالمتن).
أولاً: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ (عَشَرَةُ أَسْبَابٍ)
عِظَمُ شَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ وَطَاعَتُهُ.
مَكَانَةُ المُؤَلِّفِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ وَدَوْرُهُ التَّجْدِيدِيُّ.
بَرَاعَةُ التَّرْتِيبِ فِي المَرَاتِبِ السَّبْعِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُصَنِّفُ.
شِدَّةُ حَاجَةِ طُلابِ العِلْمِ لِفَهْمِ كَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ.
خُلُوُّ كَثِيرٍ مِنَ المَكْتَبَاتِ مِنْ تَحْقِيقٍ جَامِعٍ بَيْنَ الضَّبْطِ وَالتَّأْصِيلِ المَنْهَجِيِّ.
الرَّغْبَةُ فِي إِبْرَازِ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ المَنْبَثِقَةِ مِنَ المُتُونِ العَقَدِيَّةِ.
نُدْرَةُ الشُّرُوحِ الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ النَّصِّ وَالقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ.
كَوْنُ الرِّسَالَةِ جَامِعَةً لِأُصُولِ العَمَلِ وَالعِلْمِ وَالاِتِّبَاعِ.
الاِقْتِدَاءُ بِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي العِنَايَةِ بِمُخْتَصَرَاتِ العَقِيدَةِ.
قِيَامِي بِتَحْقِيقِ نَصٍّ مُسْنَدٍ لَدَيَّ إِجَازَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِيهِ لِخِدْمَةِ طُلابِ العِلْمِ.
ثانياً: أَهَمِّيَّةُ هَذَا المَتْنِ
تَكْمُنُ أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ فِي كَوْنِهِ خَارِطَةَ طَرِيقٍ لِلْمُكَلَّفِ، تَبْدَأُ مِنَ العِلْمِ وَتَنْتَهِي بِالصَّبْرِ عَلَى الدَّعْوَةِ، وَتُعَالِجُ مَزَالِقَ النُّفُوسِ فِي عَدَمِ الاِمْتِثَالِ.
ثالثاً: أَهْدَافُ البَاحِثِ فِي هَذَا المَشْرُوعِ
إِخْرَاجُ نَصٍّ مُحَقَّقٍ عَلَى نُسَخٍ أَصِيلَةٍ مَضْبُوطٍ بِالتَّشْكِيلِ التَّامِ.
تَقْعِيدُ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ المُسْتَنْبَطَةِ مِنَ المَتْنِ.
رَبْطُ طَالِبِ العِلْمِ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ لِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ.
رابعاً: المَدَاخِلُ العَشَرَةُ لِلْمَتْنِ
(وَهِيَ المَعَايِيرُ المَنْهَجِيَّةُ لِقِرَاءَةِ المَتْنِ وَفَهْمِ مَقَاصِدِهِ بِسُهُولَةٍ).
خامساً: السِّيرَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلإِمَامِ المُصَنِّفِ
(تَرْجَمَةٌ مُوجَزَةٌ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ 1115هـ - 1206هـ).
سادساً: نِسْبَةُ المَتْنِ وَتَوْثِيقُهُ التَّارِيخِيُّ
(تَوْثِيقُ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ لِلإِمَامِ عَبْرَ نُقُولِ العُلَمَاءِ وَالمُؤَرِّخِينَ لِلدَّعْوَةِ).
سابعاً: الإِجَازَةُ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ
قُلْتُ: إِنِّي مُجَازٌ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَى الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، وَأَنَا رَاجِي عَفْوِ رَبِّهِ الشَّيْخُ أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آل عَامِرٍ المِصْرِيُّ.
القِسْمُ الدِّرَاسِيُّ (خُطَّةُ التَّحْقِيقِ المَصْمُتَةُ)
1. قِسْمُ التَّحْقِيقِ وَالمُقَابَلَةِ:
سَيَتِمُّ عَرْضُ المَتْنِ عَلَى ثَلاثِ نُسَخٍ أَصِيلَةٍ:
النُّسْخَةُ (أ): نُسْخَةُ المَكْتَبَةِ السَّعُودِيَّةِ (خَطِّيَّةٌ).
النُّسْخَةُ (ب): نُسْخَةُ مَجْمُوعِ الرَّسَائِلِ وَالمَسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ.
النُّسْخَةُ (ج): نُسْخَةُ طَبْعَةِ جَامِعَةِ الإِمَامِ (مُؤَلَّفَاتُ الشَّيْخِ).
النُّسْخَةُ (د): هِيَ النُّسْخَةُ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَهِيَ مَدَارُ التَّحْقِيقِ وَالمُطَابَقَةِ.
2. المَنْهَجُ الفَنِّيُّ فِي الضَّبْطِ:
التَّشْكِيلُ التَّامُّ: لِكُلِّ حَرْفٍ وَكَلِمَةٍ.
المُفْرَدَاتُ: اسْتِخْرَاجُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا مَعَ بَيَانِ: (الاِشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ، اسْتِعْمَالاتِ العَرَبِ لِلَّفْظَةِ، الحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ، المَعْنَى الشَّرْعِيِّ).
القِسْمُ التَّطْبِيقِيُّ (النَّصُّ مَعَ التَّأْصِيلِ)
سَيَتِمُّ تَقْسِيمُ الرِّسَالَةِ إِلَى فِقَرَاتٍ (أ، ب، ج...)، مَعَ ذِكْرِ المَرَاتِبِ السَّبْعِ لِلأَمْرِ وَهِيَ:
المَرْتَبَةُ الأُولَى: العِلْمُ بِهِ.
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: المَحَبَّةُ لَهُ.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: العَزْمُ عَلَى الفِعْلِ.
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الفِعْلُ.
المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ: كَوْنُهُ يَقَعُ عَلَى المَشْرُوعِ خَالِصاً صَوَاباً.
المَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: التَّحْذِيرُ مِنْ فِعْلِ مَا يُحْبِطُهُ.
المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ عَلَيْهِ.
مَنْهَجُ الشَّرْحِ (قُلْتُ):
إِيرَادُ القَطْعَةِ مَشْكُولَةً.
اسْتِخْرَاجُ القَاعِدَةِ العَقَدِيَّةِ وَالقَاعِدَةِ الأُصُولِيَّةِ وَضَابِطِهِمَا.
إِيرَادُ أَقْوَالِ الشُّرَّاحِ (كَالسِّنْدِيِّ، وَابْنِ عُثَيْمِينَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ) سَوَاءٌ فِي المَتْنِ أَوْ حَوْلَ المَوْضُوعِ.
ضَوَابِطُ التَّنْسِيقِ الفَنِّيِّ (نِظَامُ الوَجْهِ)
السَّطْرُ: 100 سَطْرٍ فِي الوَجْهِ الوَاحِدِ.
النَّقْلُ: 85 سَطْراً نَقْلاً مُوَثَّقاً.
الحَاشِيَةُ: 15 سَطْراً لِلتَّعْلِيقِ وَالتَّوْثِيقِ.
التَّوْثِيقُ: وَضْعُ رَقْمٍ بَيْنَ قَوْسَيْنِ (1) فِي الأَعْلَى، وَفِي الأَسْفَلِ: (اسْمُ الكِتَابِ، اسْمُ المُؤَلِّفِ، رَقْمُ المُجَلَّدِ، رَقْمُ الصَّفْحَةِ، رَقْمُ الطَّبْعَةِ).
[الخطة المنهجية لشرح رسالة: واجبنا نحو ما أمرنا الله به]
المبحث الأول: العلم والتعلم (المرتبة الأولى)
المضمون: وجوب العلم بالله وبأوامره، وكيف أن العلم هو أساس العمل.
المحاور: تعريف العلم الشرعي، الفرق بين العلم الكسبي والوهبي، وأدلة وجوب تعلم أصول الدين.
المبحث الثاني: المحبة والقبول (المرتبة الثانية)
المضمون: مرتبة القلب في الاستجابة للأمر الشرعي.
المحاور: حقيقة المحبة الإلهية، علامات قبول القلب للأمر، وذم الإعراض والنفور عن أوامر الله.
المبحث الثالث: العزم والنية (المرتبة الثالثة)
المضمون: عقد القلب على الامتثال قبل المباشرة.
المحاور: الفرق بين الهم والعزم، أثر النية في توفيق العبد، ومفسدات العزم من التردد والتسويف.
المبحث الرابع: الامتثال والعمل (المرتبة الرابعة)
المضمون: إنزال الأمر إلى جوارح العبد ومباشرة الفعل.
المحاور: حقيقة الامتثال، شروط قبول العمل (الإخلاص والمتابعة)، وتلازم الظاهر والباطن.
المبحث الخامس: حقيقة الاتباع وأصول السنة
المضمون: تحقيق الركن الثاني من شروط قبول العمل (المتابعة).
المحاور: معنى الاقتداء بالرسول ﷺ، لزوم فهم السلف الصالح، وضابط "السنة" في العبادات.
المبحث السادس: الابتداع في الدين (مبحث البدعة المستفيض)
المضمون: بيان ضد المتابعة وهو الابتداع.
المحاور:
تعريف البدعة لغةً وشرعاً.
التقسيم الجوهري: (البدعة الدنيوية) الأصل فيها الإباحة، و(البدعة الدينية) وهي الضلالة.
أدلة ذم البدعة من الكتاب والسنة.
قاعدة: "الأصل في العبادات المنع إلا بدليل".
المبحث السابع: أحكام المبتدع وهجر أهل البدع
المضمون: الموقف الشرعي من أرباب الابتداع.
المحاور:
حكم المبتدع (بين التكفير والتبديع).
أصول هجر أهل البدع: شروطه، غاياته، وضوابطه المصلحية.
التحذير من مجالستهم والاستماع لشبهاتهم.
المبحث الثامن: الإخلاص والصدق (المرتبة الخامسة)
المضمون: تجريد العمل من الرياء والسمعة حال وقوعه.
المحاور: حقيقة الإخلاص، أنواع الشرك الأصغر، وكيفية حماية العمل من مفسداته أثناء المباشرة.
المبحث التاسع: الحذر من الإحباط (المرتبة السادسة)
المضمون: صيانة العمل بعد الفراغ منه.
المحاور: مفسدات العمل المتأخرة (العجب، المنّ، الأذى)، وأدلة حبوط الأعمال بعد وقوعها صحيحة.
المبحث العاشر: الثبات وحسن الختام (المرتبة السابعة)
المضمون: وجل الصالحين من تقلب القلوب وسلب النور.
المحاور: مفهوم الثبات، علامات حسن وسوء الخاتمة، والتأصيل العقدي لمسألة "يسبق عليه الكتاب".
[مواصفات التنفيذ]
عدد الأسطر: يلتزم الباحث بـ 100 سطر لكل مبحث (بإجمالي 1000 سطر للرسالة كاملة).
المنهجية: يبدأ كل مبحث بـ "قُلْتُ" (لسان الباحث) لم مدة 20-30 سطراً، ثم يتبعه بنقول العلماء المسندة.
الحاشية: تدرج الحاشية في نهاية كل مبحث لتوثيق المصادر (ابن تيمية، ابن القيم، صالح آل الشيخ، صالح سندي، التميمي.. إلخ).
الخَاتِمَةُ وَالفَهَارِسُ
نَتَائِجُ البَحْثِ وَالتَّوْصِيَاتُ.
فِهْرِسُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ.
فِهْرِسُ القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ وَالأُصُولِيَّةِ.
[الوَجْهُ الأَوَّلُ: المُقَدِّمَةُ]
إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (1).
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وَكُلَّ ضَلالَةٍ فِي النَّارِ.
قُلْتُ: إِنَّ العِلْمَ بِأَوَامِرِ اللهِ -تَعَالَى- هُوَ مِفْتَاحُ النَّجَاةِ، وَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِمُتُونِ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ هُوَ دَيْدَنُ السَّالِكِينَ إِلَى رِضْوَانِ رَبِّ العَالَمِينَ. وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ هَذِهِ المُنِيفَاتِ رِسَالَةُ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ" لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، الَّتِي رَسَمَ فِيهَا مَنْهَجاً دَقِيقاً فِي التَّعَامُلِ مَعَ التَّكْلِيفِ الإِلَهِيِّ.
إِنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا، قَدْ حَوَتْ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فِي بَابِ الِامْتِثَالِ، حَيْثُ جَعَلَهَا المُصَنِّفُ فِي سَبْعِ مَرَاتِبَ تَأْخُذُ بِيَدِ العَبْدِ مِنْ ظُلْمَةِ الجَهْلِ إِلَى أَنْوَارِ الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ. فَالوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَمْرَ اللهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَوْلٍ يُقَالُ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ تَقُومُ عَلَى العِلْمِ، ثُمَّ المَحَبَّةِ، ثُمَّ العَزْمِ، ثُمَّ العَمَلِ، ثُمَّ الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ، ثُمَّ الحَذَرِ مِنَ المُحْبِطَاتِ، وَخِتَامُهَا الثَّبَاتُ.
وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَقُومَ عَلَى هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِتَحْقِيقٍ وَتَأْصِيلٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، مُسْتَعِيناً بِاللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، ثُمَّ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ وَمَطْبُوعَةٍ، لِإِخْرَاجِهَا فِي حُلَّةٍ تَلِيقُ بِمَكَانَتِهَا العِلْمِيَّةِ، مَعَ ضَبْطِ كُلِّ حَرْفٍ وَكَلِمَةٍ بِالشَّكْلِ التَّامِّ، لِيَسْهُلَ عَلَى طَالِبِ العِلْمِ قِرَاءَتُهَا وَتَدَبُّرُهَا.
وَإِنَّ هَذَا العَمَلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نَثْرٍ لِلْكَلِمَاتِ، بَلْ هُوَ تَقْعِيدٌ لِأُصُولِ الاعْتِقَادِ، فَقَدْ جَعَلْتُ فِي كُلِّ مَقْطَعٍ مِنْهَا قَاعِدَةً عَقَدِيَّةً وَأُصُولِيَّةً، مَعَ عَزْوِ كُلِّ قَوْلٍ إِلَى مَصْدَرِهِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، مُلْتَزِماً بِمَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي التَّلَقِّي وَالاِسْتِدْلَالِ.
قُلْتُ: وَيَأْتِي هَذَا المَشْرُوعُ لِيَسُدَّ ثُغْرَةً فِي المَكْتَبَةِ العَقَدِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الطَّبَعَاتِ لَمْ تُعْنَ بِتَشْكِيلِ المَتْنِ أَوْ رَبْطِهِ بِالقَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ رَبْطاً مَنْهَجِيّاً بَيِّناً، وَهَذَا مَا سَعَيْتُ إِلَيْهِ جَاهِداً فِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ.
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________&
(1) هَذِهِ هِيَ "خُطْبَةُ الحَاجَةِ" الَّتِي كَانَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهَا أَصْحَابَهُ.
تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "السُّنَنِ"، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابٌ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ، رَقْمُ (2118). وَالتِّرْمِذِيُّ فِي "السُّنَنِ"، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ، رَقْمُ (1105) وَقَالَ: "حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ". وَالنَّسَائِيُّ فِي "السُّنَنِ"، كِتَابُ الجُمُعَةِ، بَابُ كَيْفِيَّةِ الخُطْبَةِ، رَقْمُ (1404). وَابْنُ مَاجَهْ فِي "السُّنَنِ"، كِتَابُ النِّكَاحِ، بَابُ خُطْبَةِ النِّكَاحِ، رَقْمُ (1892).
الحُكْمُ عَلَيْهِ: الحَدِيثُ صَحِيحٌ، صَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ "خُطْبَةُ الحَاجَةِ" وَفِي "إِرْوَاءُ الغَلِيلِ" (6/ 143) رَقْمُ (1607). المَصْدَرُ: (خُطْبَةُ الحَاجَةِ، نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، المَكْتَبُ الإِسْلامِيُّ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ الرَّابِعَةُ).
_________________________________ 1 _______________________________________
[الوَجْهُ رَقْمُ: 2]
تَابِعُ المُقَدِّمَةِ: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَشْرُوعِ
أَوَّلاً: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ هَذَا المَتْنِ (عَشَرَةُ أَسْبَابٍ):
قُلْتُ: لِمَا عُرِفَ عَنِ الإِمَامِ المُصَنِّفِ مِنْ دِقَّةِ الاِسْتِنْبَاطِ وَغَزَارَةِ العِلْمِ فِي أَقَلِّ الكَلِمَاتِ.
كَوْنُ المَتْنِ مَبْنِيًّا عَلَى تَقْسِيمٍ حَصْرِيٍّ عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ لِمَرَاتِبِ الامْتِثَالِ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ.
قُلْتُ: رَغْبَةً فِي إِحْيَاءِ هَذَا المَتْنِ الَّذِي غَفَلَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنْ طُلابِ العِلْمِ رَغْمَ جَلالَةِ قَدْرِهِ.
اتِّصَالُ سَنَدِي بِهَذَا المَتْنِ إِلَى مُؤَلِّفِهِ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَيَّ خِدْمَتَهُ نَشْراً وَتَحْقِيقاً.
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا المَتْنَ يُعَدُّ رُكْنًا أَسَاسِيًّا فِي فَهْمِ مَنْهَجِ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ وَكَيْفِيَّةِ التَّعَبُّدِ.
سُهُولَةُ حِفْظِ المَتْنِ وَقُوَّةُ سَبْكِهِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ نَمُوذَجاً مِثَالِيًّا لِلتَّدْرِيسِ العَقَدِيِّ.
قُلْتُ: لِحَاجَةِ النُّسَخِ المَوْجُودَةِ إِلَى ضَبْطٍ بِالتَّشْكِيلِ التَّامِّ الَّذِي يَمْنَعُ اللَّحْنَ فِي مَعَانِيهِ.
كَوْنُ المَتْنِ يَتَنَاوَلُ الجَانِبَ العَمَلِيَّ لِلْعَقِيدَةِ (امْتِثَالُ الأَمْرِ) وَلَيْسَ فَقَطْ المَسَائِلَ النَّظَرِيَّةَ.
قُلْتُ: لاِشْتِمَالِهِ عَلَى نُكَتٍ بَدِيعَةٍ فِي بَابِ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ عَزَّ نَظِيرُهَا فِي غَيْرِهِ.
جَمْعُ المَتْنِ بَيْنَ عِلْمِ الظَّاهِرِ (العَمَلِ) وَعِلْمِ البَاطِنِ (المَحَبَّةِ وَالعَزْمِ وَالإِخْلَاصِ).
ثَانِيًا: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ مَوْضُوعِ المَتْنِ (عَشَرَةُ أَسْبَابٍ أُخْرَى):
11. قُلْتُ: إِنَّ مَوْضُوعَ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) هُوَ لُبُّ العُبُودِيَّةِ وَأَصْلُ التَّكْلِيفِ.
12. تَفَشِّي الجَهْلِ بِكَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ، حَيْثُ يُكْتَفَى بِالعِلْمِ دُونَ العَمَلِ.
13. قُلْتُ: لِبَيَانِ أَنَّ الأَمْرَ الشَّرْعِيَّ لَهُ مَرَاحِلُ نَفْسِيَّةٌ وَعَمَلِيَّةٌ لَا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ رِعَايَتِهَا.
14. ضَرُورَةُ التَّأْصِيلِ لِمَسْأَلَةِ "المَحَبَّةِ" كَرُكْنٍ رَكِينٍ فِي امْتِثَالِ الأَوَامِرِ العَقَدِيَّةِ.
15. قُلْتُ: لِكَشْفِ شُبُهَاتِ المُرْجِئَةِ وَأَهْلِ التَّفْرِيطِ الَّذِينَ فَصَلُوا بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ وَالثَّبَاتِ.
16. الحَاجَةُ المَاسَّةُ لِتَقْعِيدِ ضَوَابِطِ "الثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ" فِي زَمَنِ الفِتَنِ وَالمُتَغَيِّرَاتِ.
17. قُلْتُ: تَوْضِيحُ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ فِي أَنَّ العَمَلَ لَا يُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَ خَالِصًا صَوَابًا.
18. بَيَانُ خُطُورَةِ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ، وَهُوَ مَوْضُوعٌ يَغْفُلُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ العَابِدِينَ.
19. قُلْتُ: رَبْطُ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ (كَبَابِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ) بِالتَّطْبِيقِ العَقَدِيِّ الوَاقِعِيِّ.
20. تَرْسِيخُ مَبْدَأِ "العَزْمِ المَصْمُوتِ" الَّذِي يَنْقُلُ العَبْدَ مِنْ مَجَالِ التَّمَنِّي إِلَى مَجَالِ التَّحْقِيقِ.
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________^
(1) قُلْتُ: قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ أَنَّ "الأَصْلَ فِي الأَمْرِ الوُجُوبُ مَا لَمْ تَصْرِفْهُ قَرِينَةٌ"، وَهَذَا المَتْنُ يُفَصِّلُ مَا يَلْزَمُ المُكَلَّفَ بَعْدَ ثُبُوتِ الوُجُوبِ.
(2) يُنْظَرُ فِي مَعْنَى الِامْتِثَالِ وَأَرْكَانِ العِبَادَةِ: (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، دَارُ العَالِمِ لِلْفَوَائِدِ، مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ، ج 1، ص 150).
(3) يُنْظَرُ فِي سِيرَةِ المُصَنِّفِ وَجُهُودِهِ فِي هَذَا البَابِ: (عُنْوَانُ المَجْدِ فِي تَارِيخِ نَجْدٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرٍ، مَكْتَبَةُ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ، الطَّبْعَةُ الرَّابِعَةُ، ج 1، ص 164).
^____________________________2_____________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 3]
تَابِعُ المُقَدِّمَةِ: أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ وَأَهْدَافُ البَاحِثِ
ثَالِثاً: أَهَمِّيَّةُ هَذَا المَتْنِ (عَشَرَةُ نِقَاطٍ):
قُلْتُ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ فِي كَوْنِهِ يَتَنَاوَلُ "هَنْدَسَةَ الِامْتِثَالِ"، فَلَيْسَ الشَّأْنُ أَنْ تَعْمَلَ فَحَسْبُ، بَلْ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفَ تَعْمَلُ.
إِنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ تُعَالِجُ مَرَضَ "التَّسْوِيفِ" وَ"العَجْزِ" عَنْ طَرِيقِ مَرْتَبَةِ العَزْمِ الصَّادِقِ.
قُلْتُ: تَتَجَلَّى الأَهَمِّيَّةُ فِي رَبْطِ كُلِّ عَمَلٍ جَارِحٍ بِمَحَرِّكِ القَلْبِ (المَحَبَّةِ)، وَهِيَ رُوحُ العِبَادَةِ.
هَذَا المَتْنُ يَمْنَعُ الخَلَلَ فِي المَقَاصِدِ، حَيْثُ يُؤَكِّدُ عَلَى مَرْتَبَةِ الإِخْلاصِ وَالصَّوَابِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي العَمَلِ.
قُلْتُ: تَنْبُعُ الأَهَمِّيَّةُ مِنْ كَوْنِ المَتْنِ حَائِطَ صَدٍّ ضِدَّ مُحْبِطَاتِ الأَعْمَالِ الَّتِي قَدْ تَهْدِمُ مَا بَنَاهُ العَبْدُ فِي سِنِينَ.
يُعَدُّ المَتْنُ مَنْهَجاً تَرْبَوِيّاً لِتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ.
قُلْتُ: ضَرُورَةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لِكُلِّ دَاعِيَةٍ، إِذْ تُعَلِّمُهُ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الأَمْرِ هُوَ الثَّمَرَةُ المَرْجُوَّةُ مِنَ العِلْمِ.
إِنَّ هَذَا المَتْنَ يَخْتَصِرُ لِطَالِبِ العِلْمِ عَشَرَاتِ المُجَلَّدَاتِ فِي فِقْهِ السُّلُوكِ وَالعَقِيدَةِ العَمَلِيَّةِ.
قُلْتُ: أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ تَظْهَرُ فِي تَقْسِيمِهِ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يُرَاقِبُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الطَّاعَةِ.
كَوْنُ المَتْنِ خَاتِمَةً لِمُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ العَمَلِيِّ، مِمَّا يَعْنِي نُضُوجَ التَّجْرِبَةِ الدَّعْوِيَّةِ فِيهِ.
رَابِعاً: أَهْدَافُ البَاحِثِ فِي هَذَا المَشْرُوعِ (عَشَرَةُ أَهْدَافٍ):
11. قُلْتُ: هَدَفِي الأَسْمَى هُوَ نَيْلُ شَرَفِ خِدْمَةِ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ المُتَمَثِّلِ فِي نُصُوصِ أَئِمَّةِ الهُدَى.
12. إِخْرَاجُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ مُحَقَّقَةً عَلَى نُسَخٍ ثَلاثٍ (أ، ب، ج) مَعَ النُّسْخَةِ (د) لِضَمَانِ أَصَالَةِ النَّصِّ.
13. قُلْتُ: رَسْمُ خَارِطَةٍ أُصُولِيَّةٍ لِكُلِّ مَقْطَعٍ، بِحَيْثُ يَعْرِفُ القَارِئُ القَاعِدَةَ الَّتِي اسْتَنَدَ إِلَيْهَا الإِمَامُ.
14. هَدَفِي أَنْ يَكُونَ الشَّرْحُ جَامِعاً لِنُقُولِ كِبَارِ العُلَمَاءِ مِمَّنْ سَبَرَ غَوْرَ هَذِهِ المَسَائِلِ.
15. قُلْتُ: تَأْصِيلُ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ بِصِيغَةِ (قُلْتُ) لِيَظْهَرَ جُهْدُ البَاحِثِ فِي التَّرْجِيحِ وَالتَّحْلِيلِ.
16. الِالْتِزَامُ بِالتَّشْكِيلِ التَّامِّ الَّذِي يَحْفَظُ لِلُّغَةِ بَهَاءَهَا وَلِلْمَعْنَى سَلامَتَهُ.
17. قُلْتُ: تَوْثِيقُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ تَوْثِيقاً صَارِماً يَعْتَمِدُ عَلَى الطَّبَعَاتِ الأَصِيلَةِ وَأَرْقَامِ المَجَلَّدَاتِ.
18. بَيَانُ الِاشْتِقَاقَاتِ اللُّغَوِيَّةِ لِلْمُفْرَدَاتِ الغَرِيبَةِ بِحَدٍّ جَامِعٍ مَانِعٍ.
19. قُلْتُ: رَبْطُ طُلابِ العِلْمِ بِأَسَانِيدِ الشُّيُوخِ، لِيَكُونَ التَّلَقِّي اتِّصَالاً لَا انْقِطَاعاً.
20. تَقْدِيمُ نَمُوذَجٍ بَحْثِيٍّ يَلْتَزِمُ بِمِعْيَارِ الكَثَافَةِ (100 سَطْرٍ) لِتَعْوِيدِ النَّفْسِ عَلَى الضَّبْطِ وَالحَصْرِ.
[الحَاشِيَةُ ]________________________________◇
(1) قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الأَهْدَافَ تَقُومُ عَلَى نِيَّةِ نَشْرِ التَّوْحِيدِ وَبَيَانِ وَاجِبِ العَبِيدِ، وَهِيَ المَقْصِدُ الأَسْمَى لِكُلِّ سَلَفِيٍّ.
(2) يُنْظَرُ فِي أَهَمِّيَّةِ تَرْتِيبِ العِلْمِ وَالعَمَلِ: (مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، ج 1، ص 320).
(3) حَوْلَ مَنْهَجِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي رَسَائِلِهِ: (دَعَاوَى المُنَاوِئِينَ لِدَعْوَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَبْدُ العَزِيزِ العَبْدُ اللَّطِيفِ، دَارُ الوَطَنِ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، ص 45).
^_______________________________ 3 ______________________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 4 ]
تَابِعُ المُقَدِّمَةِ: جُهُودُ السَّابِقِينَ وَتَوْثِيقُ نِسْبَةِ المَتْنِ
خَامِساً: جُهُودُ العُلَمَاءِ السَّابِقِينَ فِي العِنَايَةِ بِالمَتْنِ (عَشَرَةُ جُهُودٍ):
قُلْتُ: العِنَايَةُ الأُولَى كَانَتْ لِتَلامِذَةِ الشَّيْخِ وَأَبْنَائِهِ الَّذِينَ نَقَلُوا هَذِهِ الرِّسَالَةَ فِي مَجَامِيعِهِمُ الخَطِّيَّةِ الأُولَى.
جُهْدُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي إِدْرَاجِهَا ضِمْنَ "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ".
قُلْتُ: اعْتِنَاءُ جَامِعَةِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ بِطَبْعِهَا ضِمْنَ المَجْمُوعِ الكَامِلِ لِمُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ (قِسْمُ العَقِيدَةِ).
شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ، حَيْثُ جَعَلَهَا مَقْصِداً لِلدَّرْسِ العَقَدِيِّ لِمَا فِيهَا مِنْ تَرْتِيبٍ بَدِيعٍ.
قُلْتُ: جُهْدُ الشَّيْخِ بَدْرِ بْنِ عَلِيٍّ العُتَيْبِيِّ فِي ضَبْطِ نَصِّهَا وَتَحْقِيقِهِ عَلَى نُسَخٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الأَثَرِ.
عِنَايَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ البَدْرِ بِشَرْحِ مَضَامِينِ الرِّسَالَةِ وَتَيْسِيرِهَا لِلْعُمُومِ فِي دُرُوسِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ.
قُلْتُ: مَا قَامَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّهَامِيُّ مِنْ تَعْلِيقَاتٍ نَفِيسَةٍ تَرْبِطُ المَتْنَ بِأُصُولِ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ.
جُهُودُ المَدَارِسِ الحَنْبَلِيَّةِ فِي مِصْرَ (كَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ فَارُوقٍ وَغَيْرِهِ) فِي إِقْرَاءِ هَذَا المَتْنِ ضِمْنَ السُّلَّمِ التَّعْلِيمِيِّ.
قُلْتُ: العِنَايَةُ التَّخْرِيجِيَّةُ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي المَتْنِ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ البَاحِثِينَ المُعَاصِرِينَ.
جُهْدُ الشَّيْخِ صَالِحِ السَّنْدِيِّ فِي بَيَانِ المَعَانِي العَقَدِيَّةِ الدَّقِيقَةِ الَّتِي اِحْتَوَتْ عَلَيْهَا مَرَاتِبُ الأَمْرِ السَّبْعُ.
سَادِساً: تَأْصِيلُ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ لِلإِمَامِ (تَوْثِيقٌ تَارِيخِيٌّ):
قُلْتُ: إِنَّ صِحَّةَ نِسْبَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (1115هـ - 1206هـ) أَمْرٌ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ أَهْلِ الفَنِّ، وَيُوثَّقُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: وُجُودُهَا بِخَطِّ بَعْضِ تَلَامِيذِهِ المُعَاصِرِينَ لَهُ، وَثَانِيهَا: نَقْلُ كِبَارِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ عَنْهَا نَصّاً مَعَ عَزْوِهَا إِلَيْهِ، وَثَالِثُهَا: أَنَّ أُسْلُوبَ الرِّسَالَةِ فِي التَّقْسِيمِ وَالاِسْتِدْلَالِ هُوَ نَفْسُ "النَّفَسِ العِلْمِيِّ" لِلإِمَامِ فِي رَسَائِلِهِ الصُّغْرَى.
قُلْتُ: وَقَدْ تَتَبَّعْتُ ذِكْرَهَا فِي المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ كَـ "عُنْوَانِ المَجْدِ" وَغَيْرِهِ، فَوَجَدْتُ الِاتِّفَاقَ قَائِماً عَلَى اعْتِبَارِهَا مِنْ مَتِينِ مَا صَنَّفَ فِي بَابِ "العَمَلِ بِالعِلْمِ" (1).
[الحَاشِيَةُ ]________________________________________^
(1) يُنْظَرُ فِي تَوْثِيقِ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ: (مُؤَلَّفَاتُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، إِعْدَادُ مَعْهَدِ البُحُوثِ العِلْمِيَّةِ، جَامِعَةُ الإِمَامِ، ج 1، ص 15).
(2) حَوْلَ جُهُودِ الشَّيْخِ بَدْرِ العُتَيْبِيِّ فِي الرِّسَالَةِ: (طَبْعَةُ دَارِ الظِّهَارِيَّةِ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الأُولَى).
(3) يُنْظَرُ فِي بَيَانِ جُهُودِ الشَّيْخِ ابْنِ قَاسِمٍ: (مُقَدِّمَةُ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ، ج 1، ص 8).
(4) قُلْتُ: اسْتَفَدْتُ فِي هَذَا الحَصْرِ مِنْ مُرَاجَعَةِ الفَهَارِسِ الحَدِيثَةِ لِلرَّسَائِلِ العَقَدِيَّةِ المَطْبُوعَةِ إِلَى غَايَةِ عَامِ 2026م.
^_____________________________________ 4____________________________________^
&____________________________[(إِجَازَةُ المَتْنِ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ)]__________________________________&
&______________________[إِجَازَةٌ مُسْنَدَةٌ إِلَى رِسَالَةِ: وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ]________________________&
المُقَدِّمَةُ:
«الحَمْدُ للهِ الذِي رَفَعَ مَنَارَ الدِّينِ بِالإِسْنَادِ، وَجَعَلَهُ حِصْناً لِلشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالفَسَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ المَعَادِ. أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الإِسْنَادِ خَصِيصَةٌ بَاهِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبِهِ يُحْفَظُ المَنْقُولُ، وَيَتَمَيَّزُ الحَقُّ عَنِ الفُضُولِ، وَلَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ التِي هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ.
وَإِنَّ رِسَالَةَ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ مِنْ أَنْفَسِ مَا كُتِبَ فِي بَيَانِ مَرَاتِبِ الامْتِثَالِ وَطَرِيقِ السَّيْرِ إِلَى ذِي الجَلَالِ، وَصَوْنُ رِوَايَتِهَا بِالاتِّصَالِ هُوَ صَوْنٌ لِمَعَانِيهَا مِنَ الِانْحِرَافِ وَالِانْتِحَالِ. وَإِتْمَاماً لِلْمَنْفَعَةِ، فَقَدْ أَجَزْتُ بِمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ وَالرِّوَايَةِ:
الطَّالِبَ / ....................................
وَالطَّالِبَةَ / ....................................،
لِيَتَّصِلَ سَنَدُهُمَا بِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ الحَنِيفِيَّةِ، سَائِلًا اللهَ لَهُمَا التَّوَفِيقَ وَالثَّبَاتَ عَلَى المَنْهَجِ القَوِيمِ.»
[قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ رِسَالَةِ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ]
يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
قلت : فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):
(١) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).
(٢) الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
(٣) الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
(٤) المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
(٥) الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
(٦) الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.
ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:
(٧) الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).
(٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
(٩) الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
(١٠) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
(١١) الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.
(١٢) الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
(١٣) الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.
ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:
(١٤) الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ (الكُوَيْت).
(١٥) الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ (اليَمَن).
(١٦) الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ (الجَزَائِر).
(١٧) الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ (الهِنْد).
(١٨) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.
[السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ"]:
أَرْوِي رِسَالَةَ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ: الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ). وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.
[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:
يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى. تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ. (١)
[الحَاشِيَةُ ]______________________________^
(١) قُلْتُ: هَذَا السَّنَدُ هُوَ رِبَاطُ العِلْمِ الَّذِي يَحْفَظُ لِلرِّسَالَةِ مَكَانَتَهَا، وَقَدْ أَثْبَتُّهُ هُنَا لِيَكُونَ مَدْخَلًا شَرْعِيًّا لِتَحْقِيقِ المَتْنِ، حَيْثُ نُقِلَتِ الرِّسَالَةُ عَبْرَ هَؤُلَاءِ الأَثْبَاتِ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. المَصْدَرُ: (أَسَانِيدُ البَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ المِصْرِيِّ، ثَبَتٌ مَخْطُوطٌ).
^__________________________________ 5 __________________________________^
[( الأَسَانِيدِ التَّفْصِيلِيَّةِ)]
تَابِعُ الإِجَازَةِ: طُرُقُ رِوَايَةِ الأَشْيَاخِ إِلَى الإِمَامِ المُصَنِّفِ
أَوَّلاً: سَنَدُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ المُحْسِنِ القَاسِمِ: يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ المُحْسِنِ عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ (جَامِعِ المَجْمُوعِ)، عَنْ شَيْخِهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ أَبِيهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (الجَدِّ) (1).
ثَانِيًا: سَنَدُ الشَّيْخِ بَدْرِ بْنِ عَلِيٍّ العُتَيْبِيِّ: يَرْوِي الشَّيْخُ بَدْرٌ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِرٍ أَبُو وَادِي، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (الجَدِّ) (2).
ثَالِثًا: سَنَدُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّهَامِيِّ: يَرْوِي الشَّيْخُ الدَّهَامِيُّ عَنِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ أَحْمَدَ الأَرْكِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ هُلَيِّلٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (3).
رَابِعًا: سَنَدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ (مِصْر): يَرْوِي الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ الإِمَامِ الجَدِّ (4).
خَامِسًا: سَنَدُ الشَّيْخِ وَائِلِ كَمَالٍ المِصْرِيِّ: يَرْوِي الشَّيْخُ وَائِلٌ عَنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الحِبْشِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عُمَرَ بْنِ حَمْدَانَ المَحْرَسِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ ظَاهِرٍ الوَتْرِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الغَنِيِّ الدَّهْلَوِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ إِسْحَاقَ الدَّهْلَوِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهْلَوِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (5).
[الحَاشِيَةُ ]__________________________^
(1) يُنْظَرُ: (تَسْهِيلُ الوُصُولِ إِلَى فَهْمِ مَرَاتِبِ الأَمْرِ، عَبْدُ المُحْسِنِ القَاسِمِ، طَبْعَةُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، 1445هـ، ص 5).
(2) يُنْظَرُ: (الثَّبَتُ المُسْنِدُ لِمَرْوِيَّاتِ بَدْرِ العُتَيْبِيِّ، دَارُ الظِّهَارِيَّةِ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، ص 89).
(3) يُنْظَرُ: (إِتْحَافُ الأَثْبَاتِ بِمَرْوِيَّاتِ الدَّهَامِيِّ، مَخْطُوطٌ خَاصٌّ بِالبَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ).
(4) يُنْظَرُ: (مَشْيَخَةُ مُحَمَّدِ بْنِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ، إِجَازَةٌ مَكْتُوبَةٌ لِلْبَاحِثِ، بِتَارِيخِ 2024م).
(5) يُنْظَرُ: (قَطْفُ الثَّمَرِ فِي أَسَانِيدِ أَهْلِ الأَثَرِ، مَدْرَسَةُ الآجُرِّيِّ، مِصْرَ، ص 12).
^_____________________________ 6___________________________^
تَابِعُ الإِجَازَةِ: طُرُقُ رِوَايَةِ بَقِيَّةِ الأَشْيَاخِ إِلَى الإِمَامِ
سَادِساً: سَنَدُ الشَّيْخِ نَاصِرِ بْنِ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيِّ (مِصْر): يَرْوِي الشَّيْخُ نَاصِرٌ عَنِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (1).
سَابِعاً: سَنَدُ الشَّيْخِ أُسَامَةَ بْنِ السَّيِّدِ التِّيدِيِّ وَعَاطِفٍ الفَيُّومِيِّ (مِصْر): يَرْوِيَانِ عَنِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ العُصَيْمِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِرٍ أَبُو وَادِي، عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ (2).
ثَامِناً: سَنَدُ الشَّيْخِ دَغْشِ بْنِ شَبِيبٍ العَجَمِيِّ (الكُوَيْت): يَرْوِي الشَّيْخُ دَغْشٌ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، بِسَنَدِهِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ إِلَى الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ عُلَمَاءِ آلِ الشَّيْخِ وُصُولاً إِلَى الإِمَامِ الجَدِّ (3).
تَاسِعاً: سَنَدُ الشَّيْخِ أَبِي خَالِدٍ وَلِيدٍ الغَرْبِيِّ (اليَمَن): يَرْوِي الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ عَنِ الشَّيْخِ يَحْيَى بْنِ عُثْمَانَ المُدَرِّسِ، عَنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ نَادِرِينْ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ حَسَنِ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ جَدِّهِ الإِمَامِ (4).
عَاشِراً: سَنَدُ الأَشْيَاخِ الأَكْرَادِ (مُحَمَّد كَامِل، حَمِيد، أَمْجَان الكُرْدِي):يَرْوُونَ عَنِ الشَّيْخِ غُلَامِ اللهِ بْنِ رَحْمَتِ اللهِ الكُرْدِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الحَقِّ بْنِ هَاشِمٍ الهِنْدِيِّ، عَنِ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ (الحَفِيدِ)، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ الإِمَامِ الجَدِّ (5).
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________^
(1) يُنْظَرُ: (إِجَازَةُ الشَّيْخِ نَاصِرٍ السُّوهَاجِيِّ لِلْبَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ، مَكْتُوبَةٌ بِمِصْرَ، عَامِ 1444هـ).
(2) يُنْظَرُ: (البُرْهَانُ فِي أَسَانِيدِ العُصَيْمِيِّ إِلَى كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ، طَبْعَةُ الرِّيَاضِ، ص 210).
(3) يُنْظَرُ: (سِلْسِلَةُ المَرْوِيَّاتِ النَّجْدِيَّةِ لِلشَّيْخِ دَغْشٍ العَجَمِيِّ، دَارُ إِيلَافَ، الكُوَيْت، ص 55).
(4) يُنْظَرُ: (أَسَانِيدُ عُلَمَاءِ مَكَّةَ فِي القَرْنِ الرَّابِعِ عَشَرَ، مَطْبَعَةُ المَدِينَةِ، ص 134).
(5) يُنْظَرُ: (الثَّبَتُ الكُرْدِيُّ فِي رِوَايَةِ رَسَائِلِ التَّوْحِيدِ، الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلٍ القُرَبِيُّ، مَخْطُوطٌ).
_________________________________ 7 __________________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 8 - (سِيرَةُ الإِمَامِ المُصَنِّفِ - ج1)]
خَامِساً: السِّيرَةُ الذَّاتِيَّةُ لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ (1115هـ - 1206هـ)
1. الِاسْمُ وَالنَّسَبُ وَالمَوْلِدُ:
قُلْتُ: هُوَ الإِمَامُ شَيْخُ الإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ رَاشِدِ بْنِ بُرَيْدِ بْنِ مُشَرَّفٍ التَّمِيمِيُّ. وُلِدَ فِي مَدِينَةِ "العُيَيْنَةِ" بِنَجْدٍ سَنَةَ (1115هـ) فِي بَيْتِ عِلْمٍ وَفَضْلٍ؛ فَجَدُّهُ سُلَيْمَانُ كَانَ مُفْتِيَ نَجْدٍ، وَأَبُوهُ عَبْدُ الوَهَّابِ كَانَ قَاضِيًا وَعَالِمًا فَقِيهًا (1).
2. النَّشْأَةُ وَبَيْتُ العِلْمِ:
قُلْتُ: نَشَأَ الإِمَامُ فِي حِجْرِ وَالِدِهِ، وَحَفِظَ القُرْآنَ قَبْلَ بُلُوغِهِ عَشْرَ سِنِينَ، وَبَدَأَ طَلَبَ العِلْمِ عَلَى أَبِيهِ فِي الفِقْهِ الحَنْبَلِيِّ وَالتَّفْسِيرِ وَالحَدِيثِ. كَانَ بَيْتُهُ مَحْرَابًا لِلْعِلْمِ، مِمَّا أَثَّرَ فِي تَكْوِينِهِ البَاكِرِ، فَكَانَ حَادَّ الذَّكَاءِ، قَوِيَّ الحِفْظِ، كَثِيرَ المُطَالَعَةِ فِي كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ القَيِّمِ (2).
3. الرِّحْلَةُ فِي طَلَبِ العِلْمِ:
قُلْتُ: لَمْ يَكْتَفِ الإِمَامُ بِعِلْمِ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ، بَلْ رَحَلَ إِلَى مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَأَخَذَ عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيْفٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ حَيَاةِ السِّنْدِيِّ، وَتَلَقَّى عَنْهُمَا الحَدِيثَ وَأُصُولَهُ. ثُمَّ رَحَلَ إِلَى البَصْرَةِ وَأَخَذَ عَنْ عُلَمَائِهَا كَالشَّيْخِ مُحَمَّدٍ المَجْمُوعِيِّ، وَكَانَ فِي كُلِّ رِحْلَتِهِ مَعْنِيًّا بِتَصْحِيحِ العَقِيدَةِ وَنَبْذِ البِدَعِ (3).
4. قِيَامُ الدَّعْوَةِ وَالاِنْتِقَالُ إِلَى الدِّرْعِيَّةِ:
قُلْتُ: بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى نَجْدٍ، جَهَرَ بِالدَّعْوَةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، فَوَاجَهَ صُعُوبَاتٍ فِي العُيَيْنَةِ، مِمَّا اضْطَرَّهُ لِلِانْتِقَالِ إِلَى "الدِّرْعِيَّةِ" عَامَ (1157هـ). وَهُنَاكَ كَانَ اللِّقَاءُ التَّارِيخِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ -رَحِمَهُ اللهُ-، حَيْثُ تَعَاهَدَا عَلَى نَصْرِ دِينِ اللهِ وَإِقَامَةِ التَّوْحِيدِ.
5. المَنْحَةُ وَبِدَايَةُ الاِنْتِشَارِ:
قُلْتُ: كَانَتِ المَنْحَةُ الرَّبَّانِيَّةُ فِي اِقْتِنَاعِ الأَمِيرِ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ (زَوْجَتِهِ مُوضِي بِنْتِ أَبِي وَهْطَانَ) بِدَعْوَةِ الشَّيْخِ، فَجَلَسَ الأَمِيرُ طَالِبًا لِلْعِلْمِ عِنْدَ الإِمَامِ، وَبَدَأَتِ الدِّرْعِيَّةُ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَنَارَةٍ يَؤُمُّهَا طُلابُ العِلْمِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ، وَانْتَشَرَتِ الرَّسَائِلُ الدَّعْوِيَّةُ لِتُحَارِبَ الشِّرْكَ وَتُعِيدَ الأُمَّةَ إِلَى مَعِينِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (4).
[الحَاشِيَةُ ]____________________^
(1) تَرْجَمَةُ الأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ: هُوَ مُؤَسِّسُ الدَّوْلَةِ السُّعُودِيَّةِ الأُولَى، تُوُفِّيَ سَنَةَ 1179هـ، كَانَ رَجُلَ عِبَادَةٍ وَشَجَاعَةٍ وَحِكْمَةٍ. يُنْظَرُ: (عُنْوَانُ المَجْدِ، ابْنُ بِشْرٍ، ج 1، ص 14).
(2) تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ عَبْدِ الوَهَّابِ (وَالِدِ المُصَنِّفِ): عَالِمٌ فَقِيهٌ حَنْبَلِيٌّ، تَوَلَّى القَضَاءَ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 1153هـ. يُنْظَرُ: (عُلَمَاءُ نَجْدٍ خِلالَ ثَمَانِيَةِ قُرُونٍ، البَسَّامُ، ج 1، ص 125).
(3) تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ حَيَاةِ السِّنْدِيِّ: هُوَ العَلَّامَةُ المُحَدِّثُ نَزِيلُ المَدِينَةِ، صَاحِبُ الحَاشِيَةِ عَلَى البُخَارِيِّ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 1163هـ. يُنْظَرُ: (سِلْكُ الدُّرَرِ فِي أَعْيَانِ القَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ، المُرَادِيُّ، ج 4، ص 34).
(4) قُلْتُ: تَوْثِيقُ المَوَاقِفِ الدَّعْوِيَّةِ مَأْخُوذٌ مِنَ المَصَادِرِ الأَصِيلَةِ لِتَارِيخِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ، مَعَ مُرَاعَاةِ الدِّقَّةِ فِي التَّوَارِيخِ المَذْكُورَةِ.
^________________________________ 8 ____________________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 9 - (مِحَنُ الإِمَامِ وَجِهَادُهُ العِلْمِيُّ)]
تَابِعُ السِّيرَةِ: المِحَنُ، وَتَارِيخُ التَّصْنِيفِ، وَمُوَاجَهَةُ الخُصُومِ
1. المِحَنُ الأُولَى وَالثَّبَاتُ:
قُلْتُ: لَمْ تَكُنْ طَرِيقُ التَّوْحِيدِ مَفْرُوشَةً بِالوُرُودِ، فَقَدْ تَعَرَّضَ الإِمَامُ لِمِحَنٍ شَدِيدَةٍ؛ مِنْهَا مُحَاوَلَةُ اغْتِيَالِهِ فِي "البَصْرَةِ" حِينَ صَدَعَ بِالحَقِّ، وَمِنْهَا إِخْرَاجُهُ مِنَ "العُيَيْنَةِ" مَاشِياً بِلَا مَتَاعٍ بَعْدَ ضَغْطِ أَمِيرِ الإِحْسَاءِ عَلَى ابْنِ مَعْمَرٍ. وَكَانَ الشَّيْخُ فِي كُلِّ ذَلِكَ يَقُولُ: "مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً"، حَتَّى فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ الدِّرْعِيَّةِ (1).
2. الجِهَادُ العِلْمِيُّ وَأَسْبَابُ التَّصْنِيفِ (تَوْثِيقٌ تَارِيخِيٌّ):
قُلْتُ: صَنَّفَ الإِمَامُ كُتُبَهُ لِحَاجَةِ الوَاقِعِ، وَمِنْ ذَلِكَ:
كِتَابُ التَّوْحِيدِ: كَتَبَهُ فِي رِحْلَتِهِ بَيْنَ البَصْرَةِ وَحُرَيْمِلَاءَ (نَحْوَ 1150هـ) لَمَّا رَأَى تَعَلُّقَ النَّاسِ بِالأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ.
رِسَالَةُ أَهْلِ القَصِيمِ: كَتَبَهَا سَنَةَ (1160هـ) رَدّاً عَلَى مَنْ سَأَلَهُ عَنْ عَقِيدَتِهِ لَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ الِافْتِرَاءُ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ.
رِسَالَةُ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ: كَتَبَهَا لِتَأْصِيلِ "مَرَاتِبِ العَمَلِ" بَعْدَ أَنْ رَأَى مَنْ يَعْلَمُ وَلَا يَعْمَلُ، أَوْ يَعْمَلُ وَلَا يَثْبُتُ (2).
3. المِحْنَةُ الكُبْرَى (الحَمَلَاتُ الخَارِجِيَّةُ):
قُلْتُ: لَمَّا اسْتَقَرَّتِ الدَّعْوَةُ، تَوَجَّسَتِ الدَّوْلَةُ العُثْمَانِيَّةُ خِيفَةً، فَأَوْعَزَتْ إِلَى وَالِي مِصْرَ (مُحَمَّد عَلِي بَاشَا) بِالقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ. فَبَدَأَتِ الحَمَلَاتُ العَسْكَرِيَّةُ بَعْدَ وَفَاةِ الشَّيْخِ، لَكِنَّ بُذُورَهَا كَانَتْ فِي عَهْدِهِ مَنْ خِلَالَ الِافْتِرَاءَاتِ الَّتِي بُعِثَتْ لِلأَسِتَانَةِ. بَعَثَ مُحَمَّد عَلِي ابْنَهُ (طُوسُون) سَنَةَ (1226هـ) فَفَشِلَ، ثُمَّ بَعَثَ (إِبْرَاهِيم بَاشَا) سَنَةَ (1231هـ) الَّذِي حَاصَرَ الدِّرْعِيَّةَ، وَكَانَ دَافِعُهُمُ السِّيَاسِيُّ مُتَغَطِّياً بِدَعَاوَى دِينِيَّةٍ بَاطِلَةٍ ضِدَّ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ (3).
4. سَبَبُ العَدَاءِ لِلدَّعْوَةِ:
قُلْتُ: كَانَ السَّبَبُ أَنَّ أَهْلَ البِدَعِ رَفَعُوا تَقَارِيرَ كَاذِبَةً لِلدَّوْلَةِ العُثْمَانِيَّةِ تَزْعُمُ أَنَّ الشَّيْخَ يُكَفِّرُ الأُمَّةَ وَيَخْرُجُ عَلَى الخِلَافَةِ، وَمَا كَانَ جِهَادُهُ إِلَّا لِتَصْحِيحِ المِلَّةِ. وَقَدْ أَوْرَثَ ذَلِكَ صِرَاعاً مَرِيراً سَالَتْ فِيهِ دِمَاءُ المُرَاحِمِينَ، لَكِنَّ اللهَ نَصَرَ الدَّعْوَةَ بِبَقَاءِ أَثَرِهَا العِلْمِيِّ النَّقِيِّ (4).
[الحَاشِيَةُ ]______________________________^
(1) تَنْبِيهٌ عِلْمِيٌّ: مُحَمَّد عَلِي بَاشَا (الأَلْبَانِيُّ) كَانَ وَالِيَ مِصْرَ، وَرَغْمَ بِنَائِهِ لِمِصْرَ الحَدِيثَةِ، إِلَّا أَنَّ حَمَلَاتِهِ عَلَى نَجْدٍ كَانَتْ بِأَمْرٍ عُثْمَانِيٍّ لِتَحْطِيمِ القُوَّةِ السُّعُودِيَّةِ النَّاشِئَةِ. يُنْظَرُ: (تَارِيخُ عَجَائِبِ الآثَارِ، الجَبَرْتِيُّ، ج 3، ص 540).
(2) حَوْلَ زَمَنِ كِتَابَةِ "كِتَابِ التَّوْحِيدِ": يُنْظَرُ (مُقَدِّمَةُ الرَّدِّ عَلَى المُنَاوِئِينَ، الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ اللَّطِيفِ، ص 12).
(3) تَرْجَمَةُ إِبْرَاهِيم بَاشَا: قَائِدٌ عَسْكَرِيٌّ، حَاصَرَ الدِّرْعِيَّةَ سَنَةَ 1233هـ، وَكَانَ لَهُ دَوْرٌ فِي تَهْدِيمِ أَسْوَارِهَا بَعْدَ اسْتِسْلَامِ الإِمَامِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سُعُودٍ. يُنْظَرُ: (عُنْوَانُ المَجْدِ، ج 1، ص 390).
(4) قُلْتُ: هَذِهِ التَّوَارِيخُ تَمَّ تَدْقِيقُهَا بِحَسَبِ تَقْوِيمِ تِلْكَ الحِقْبَةِ وَمَا أَوْرَدَهُ المُؤَرِّخُونَ الثِّقَاتُ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ وَمِصْرَ.
^________________________________٩_________________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 10 - (أَسْبَابُ تَصْنِيفِ المَتْنِ وَمَنْزِلَتِهِ)]
سَادِساً: مَنْزِلَةُ مَتْنِ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) وَأَسْبَابُ تَأْلِيفِهِ
1. المَنْزِلَةُ العِلْمِيَّةُ لِلرِّسَالَةِ:
قُلْتُ: تَعُدُّ هَذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا قَاعِدَةً كُبْرَى فِي "فِقْهِ الامْتِثَالِ"؛ فَهِيَ لَا تَتَحَدَّثُ عَنْ مُجَرَّدِ مَعْلُومَاتٍ عَقَدِيَّةٍ، بَلْ تَرْسُمُ طَرِيقاً عَمَلِيّاً لِكُلِّ مُسْلِمٍ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى. وَقَدْ جَعَلَهَا العُلَمَاءُ ضِمْنَ "الرَّسَائِلِ السَّبْعِ" الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا طَالِبُ العِلْمِ فِي بِدَايَةِ طَلَبِهِ، لِأَنَّهَا تَرْبِطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ وَالثَّبَاتِ (1).
2. أَسْبَابُ تَصْنِيفِ المَتْنِ (بَيَانٌ تَحْقِيقِيٌّ):
قُلْتُ: اِسْتُقْرِيَتْ أَسْبَابُ كِتَابَةِ الإِمَامِ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ فِي ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
أَوَّلُهَا: رَدُّ الفِصَامِ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ؛ حَيْثُ رَأَى الشَّيْخُ فِئَاماً مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُونَ الحَقَّ وَلَا يَعْمَلُونَ بِهِ، أَوْ يَعْمَلُونَ بِلَا إِخْلَاصٍ، فَوَضَعَ مَرَاتِبَ الأَمْرِ السَّبْعَ لِتَكُونَ مِيزَاناً لِلْمُكَلَّفِ.
ثَانِيهَا: بَيَانُ خُطُورَةِ "التَّفْرِيطِ" وَ"الغُلُوِّ"؛ فَالإِمَامُ رَأَى مَنْ يَغْلُو فِي الدِّينِ فَيَخْرُجُ عَنِ الجَادَّةِ، وَمَنْ يُفَرِّطُ فَيَقَعُ فِي المَعَاصِي، فَجَاءَتِ الرِّسَالَةُ لِتُبَيِّنَ أَنَّ الحَذَرَ مِنَ الوُقُوعِ فِي النَّهْيِ مَرْتَبَةٌ كُبْرَى.
ثَالِثُهَا: تَثْبِيتُ الدُّعَاةِ وَطُلابِ العِلْمِ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ تَعَرَّضَ لِخُصُومٍ كُثُرٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ "الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ" هُوَ الثَّمَرَةُ النِّهَائِيَّةُ لِلْعِلْمِ بِاللهِ (2).
3. سَبَبُ التَّسْمِيَةِ وَمُرَادُ الإِمَامِ:
قُلْتُ: لَمْ يَضَعِ الشَّيْخُ عُنْوَاناً طَوِيلاً، بَلْ جَعَلَهُ (وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) لِيَكُونَ السُّؤَالُ حَاضِراً فِي ذِهْنِ كُلِّ مُسْلِمٍ: "مَاذَا فَعَلْتُ بِأَمْرِ اللهِ؟". وَتَحْتَ هَذَا العُنْوَانِ اِسْتَحْضَرَ الإِمَامُ كُلَّ مَقَامَاتِ الدِّينِ مِنْ: عِلْمٍ، وَمَحَبَّةٍ، وَعَزْمٍ، وَعَمَلٍ، وَإِخْلَاصٍ، وَحَذَرٍ، وَثَبَاتٍ (3).
4. اِرْتِبَاطُ الرِّسَالَةِ بِالوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ:
قُلْتُ: كُتِبَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي مَرْحَلَةِ اِشْتِدَادِ الدَّعْوَةِ فِي الدِّرْعِيَّةِ، حَيْثُ كَانَ الشَّيْخُ يُرَبِّي جِيلاً مِنَ المُرَاحِمِينَ الَّذِينَ سَيَحْمِلُونَ هَمَّ التَّوْحِيدِ، فَكَانَتْ بِمَثَابَةِ "دَسْتُورٍ تَرْبَوِيٍّ" يُعَلِّمُهُمُ الاِنْضِبَاطَ مَعَ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ اِمْتِثَالاً وَتَرْكاً (4).
[الحَاشِيَةُ ]___________________^
(1) يُنْظَرُ فِي مَنْزِلَةِ الرِّسَالَةِ: (الدَّلِيلُ إِلَى مَتُونِ العَقِيدَةِ، الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ قَاسِمٍ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، ص 45).
(2) حَوْلَ مَرَاتِبِ الأَمْرِ السَّبْعِ: يُنْظَرُ (شَرْحُ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ، الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَانُ، مَطْبَعَةُ التَّوْحِيدِ، ص 10).
(3) قُلْتُ: قَامَ الإِمَامُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِتَلْخِيصِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ حَوْلَ "مَرَاتِبِ الامْتِثَالِ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عُمُقِ اِطِّلَاعِهِ وَتَقْرِيبِهِ لِلْعِلْمِ.
(4) يُنْظَرُ: (مَجْمُوعُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ، ج 5، رِسَالَةُ "وَاجِبُنَا"، تَصْدِيرُ الجَامِعَةِ).
^____________________________ 10___________________________________^
[الوَجْهُ رَقْمُ: 11 - (المَدَاخِلُ العَشَرَةُ لِلْمَتْنِ)]
سَابِعاً: مَدَاخِلُ فَهْمِ المَتْنِ لِلطَّالِبِ اللَّبِيبِ
1. مَدْخَلُ التَّرْتِيبِ المَنْطِقِيِّ:
قُلْتُ: يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَرَاتِبَ المَتْنِ السَّبْعَ مُرَتَّبَةٌ تَرْتِيباً عَقْلِيّاً وَشَرْعِيّاً؛ تَبْدَأُ بِالقَلْبِ (العِلْمِ وَالمَحَبَّةِ)، ثُمَّ القَصْدِ (العَزْمِ)، ثُمَّ الجَوَارِحِ (العَمَلِ وَالإِخْلَاصِ وَالحَذَرِ)، ثُمَّ الدَّوَامِ (الثَّبَاتِ)، فَلَا تَتَقَدَّمُ مَرْتَبَةٌ عَلَى أُخْرَى (1).
2. مَدْخَلُ الغَايَةِ العَمَلِيَّةِ:
قُلْتُ: هَذَا المَتْنُ لَيْسَ لِلثَّقَافَةِ النَّظَرِيَّةِ، بَلْ هُوَ "دَلِيلُ نَجَاةٍ"؛ فَكُلُّ سَطْرٍ فِيهِ يَسْتَوْجِبُ مِنَ الطَّالِبِ أَنْ يَسْأَلَ نَفْسَهُ: "أَيْنَ أَنَا مِنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ عِنْدَ طَاعَتِي لِرَبِّي؟"، فَهِيَ رِسَالَةٌ لِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
3. مَدْخَلُ مِحْوَرِيَّةِ التَّوْحِيدِ:
قُلْتُ: اِفْهَمْ أَيُّهَا الطَّالِبُ أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ هُنَا هِيَ تَحْقِيقٌ لِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؛ فَالْعِلْمُ يَنْفِي الجَهْلَ، وَالمَحَبَّةُ تَنْفِي الكَرَاهِيَةَ، وَالإِخْلَاصُ يَنْفِي الشِّرْكَ، فَالرِّسَالَةُ هِيَ التَّوْحِيدُ فِي ثَوْبِهِ العَمَلِيِّ.
4. مَدْخَلُ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ:
قُلْتُ: اِسْتَحْضِرْ عِنْدَ القِرَاءَةِ أَنَّ الإِمَامَ بَنَى هَذِهِ المَرَاتِبَ عَلَى قَوَاعِدِ "بَابِ الأَمْرِ" عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْرُدْهَا بِصِيغَةٍ جَافَّةٍ، بَلْ بِصِيغَةٍ تَمَسُّ القَلْبَ وَتُحَرِّكُ الهِمَّةَ لِلِامْتِثَالِ (2).
5. مَدْخَلُ شُمُولِيَّةِ التَّكْلِيفِ:
قُلْتُ: لَا تَظُنَّ أَنَّ المَرَاتِبَ خَاصَّةٌ بِالفَرَائِضِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ فِي كُلِّ أَمْرٍ شَرْعِيٍّ، سَوَاءٌ كَانَ وَاجِباً أَوْ مُسْتَحَبّاً، فَالطَّالِبُ يُطَبِّقُهَا فِي صَلَاتِهِ، وَفِي بَرِّهِ، وَفِي طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ نَفْسِهِ.
6. مَدْخَلُ الحَذَرِ مِنَ العَوَائِقِ:
قُلْتُ: نَبَّهَ الإِمَامُ فِي مَرْتَبَةِ "الحَذَرِ" عَلَى مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ، فَعَلَى الطَّالِبِ أَنْ يَدْخُلَ لِلْمَتْنِ وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ لِوُجُودِ قُطَّاعِ طَرِيقٍ يَمْنَعُونَهُ مِنْ تَمَامِ العَمَلِ أَوْ قَبُولِهِ (3).
7. مَدْخَلُ الِاتِّصَالِ بِالسَّلَفِ:
قُلْتُ: هَذَا المَتْنُ نَبْعٌ صَافٍ مِنْ مَشْكَاةِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ؛ فَالطَّالِبُ فِيهِ لَا يَقْرَأُ رَأْياً مُجَرَّداً، بَلْ يَقْرَأُ خُلَاصَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ.
8. مَدْخَلُ الدِّقَّةِ فِي الأَلْفَاظِ:
قُلْتُ: اعْتَنِ بِكُلِّ لَفْظَةٍ؛ فَالإِمَامُ لا يُكَرِّرُ المَعَانِي عَبَثاً، فَفَرْقٌ بَيْنَ (العَزْمِ) وَ(العَمَلِ)، وَبَيْنَ (المَحَبَّةِ) وَ(الإِخْلَاصِ)، وَتَحْرِيرُ هَذِهِ الفُرُوقِ هُوَ جَوْهَرُ البَحْثِ.
9. مَدْخَلُ الثَّبَاتِ وَالِاسْتِمْرَارِ:
قُلْتُ: جَعَلَ الإِمَامُ "الثَّبَاتَ" هُوَ الخِتَامَ؛ لِيُعْلِمَ الطَّالِبَ أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ بِالبِدَايَاتِ المُحْرِقَةِ فَقَطْ، بَلْ بِالنِّهَايَاتِ المُشْرِقَةِ وَالدَّوَامِ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى المَمَاتِ (4).
10. مَدْخَلُ الِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ:
قُلْتُ: أَهَمُّ مَدْخَلٍ هُوَ أَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ أَنَّهُ لَا يَنَالُ هَذِهِ المَرَاتِبَ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ، بَلْ بِتَوْفِيقِ اللهِ؛ فَلَا عِلْمَ إِلَّا بِتَعْلِيمِهِ، وَلَا ثَبَاتَ إِلَّا بِتَثْبِيتِهِ، فَلْيَدْخُلْ مُسْتَعِيناً بِاللهِ.
[الحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ]
(1) يُنْظَرُ فِي تَرْتِيبِ المَقَاصِدِ: (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ابْنُ القَيِّمِ، ج 1، ص 88).
(2) قُلْتُ: الرَّبْطُ بَيْنَ الأُصُولِ وَالسُّلُوكِ هُوَ مِيزَةُ عُلَمَاءِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ بَرَعَ المُصَنِّفُ فِيهِ أَيَّمَا بَرَاعَةٍ.
(3) يُنْظَرُ فِي مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ لِلْعَامِلِ: (إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ، ابْنُ القَيِّمِ، ج 1، ص 115).
(4) قُلْتُ: الثَّبَاتُ مَطْلَبٌ عَزِيزٌ، وَقَدْ أَفْرَدَهُ المُصَنِّفُ بِالذِّكْرِ تَنْبِيهاً عَلَى غُرُورِ النَّفْسِ بِالعَمَلِ القَلِيلِ.
^______________________________ 11 _________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 12 - (تَحْقِيقُ المَتْنِ وَتَأْصِيلُ المُفْرَدَاتِ)]
أَوَّلاً: نَصُّ المَتْنِ مُحَقَّقاً وَمُقَابَلاً
قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «إِذَا أَمَرَ اللهُ العَبْدَ بِأَمْرٍ؛ وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ سَبْعُ مَرَاتِبَ: الأُولَى: العِلْمُ بِهِ، الثَّانِيَةُ: مَحَبَّتُهُ، الثَّالثَةُ: العَزْمُ عَلَى الفِعْلِ، الرَّابِعَةُ: العَمَلُ، الخَامِسَةُ: كَوْنُهُ يَقَعُ عَلَى المَشْرُوعِ خَالِصاً صَوَاباً، السَّادِسَةُ: التَّحْذِيرُ مِنْ فِعْلِ مَا يُحْبِطُهُ، السَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ عَلَيْهِ».
♤_____________________________________________________________♤
تَوْثِيقُ المَتْنِ وَالمُقَابَلَةِ:
قُلْتُ: هَذَا النَّصُّ مُثْبَتٌ عِنْدَنَا بَعْدَ المُقَابَلَةِ الدَّقِيقَةِ؛ حَيْثُ جَاءَ فِي نُسْخَةِ المَكْتَبَةِ السُّعُودِيَّةِ الخَطِّيَّةِ (أ) بِقَوْلِهِ "سَبْعُ مَرَاتِبَ"، وَاتَّفَقَتْ مَعَهَا نُسْخَةُ طَبْعَةِ جَامِعَةِ الإِمَامِ (ج) فَمَا بَيْنَ المَعْقُوفَتَيْنِ هُوَ المُرَجَّحُ. أَمَّا نُسْخَةُ مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ (ب) فَقَدْ جَاءَ فِيهَا بَدَلَ لَفْظِ "خَالِصاً صَوَاباً" قَوْلُهُ "مُخْلِصاً صَوَاباً"، وَالصَّوَابُ مَا فِي (أ) لِأَنَّ "خَالِصاً" وَصْفٌ لِلْعَمَلِ. كَمَا وَرَدَ فِي النُّسْخَةِ (ب) لَفْظُ "مَا يُبْطِلُهُ" مَكَانَ "مَا يُحْبِطُهُ"، وَالمُعْتَمَدُ مَا فِيهِ لَفْظُ "الإِحْبَاطِ" لِمُوَافَقَتِهِ لِلسِّيَاقِ القُرْآنِيِّ.
ثَانِياً: تَفْصِيلُ الأَمْرِ وَأَقْسَامِهِ
قُلْتُ: الأَمْرُ فِي هَذَا المَقَامِ يَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ المَصْدَرِ وَالتَّعَلُّقِ إِلَى قِسْمَيْنِ كَبِيرَيْنِ:
الأَوَّلُ: أَمْرٌ قَدَرِيٌّ كَوْنِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ مُرَادُ اللهِ، وَيَشْمَلُ كُلَّ مَا خَلَقَهُ اللهُ وَقَدَّرَهُ، وَهَذَا لَا يُثَابُ العَبْدُ عَلَى مُجَرَّدِ وُقُوعِهِ.
الثَّانِي: أَمْرٌ شَرْعِيٌّ دِينِيٌّ: وَهُوَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ لِيُبَلِّغَهُ، وَهُوَ مَحَلُّ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ، وَهُوَ المَقْصُودُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، حَيْثُ يَجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَمُرَّ بِالمَرَاتِبِ السَّبْعِ لِيَكُونَ مُمْتَثِلاً.
ثَالِثاً: فِقهُ المُفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ وَالمَعْنَى)
1. (أَمَرَ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (أَمَرَ) الهَمْزَةُ وَالمِيمُ وَالرَّاءُ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى عُلُوٍّ وَنَمَاءٍ، وَمِنْهُ "الإِمْرَةُ" وَهِيَ الوِلَايَةُ.
اِسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ: تَقُولُ العَرَبُ: "آمَرَ الرَّجُلُ بَنِي فُلَانٍ" أَيْ صَارَ أَمِيراً عَلَيْهِمْ يُطَاعُ قَوْلُهُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: طَلَبُ الفِعْلِ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِمَّنْ هُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً.
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: طَلَبُ اللهِ تَعَالَى مِنَ العَبْدِ فِعْلَ شَيْءٍ عَلَى جِهَةِ الإِلْزَامِ (وُجُوباً) أَوْ النَّدْبِ (اسْتِحْبَاباً).
2. (المَرْتَبَةُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ر ت ب)، وَالرَّاتِبُ هُوَ الدَّائِمُ المُسْتَقِرُّ، وَالمَرْتَبَةُ هِيَ المَنْزِلَةُ.
اِسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ: رَتَبَ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ فِي مَكَانِهِ، وَرَتَبْتُ الكُتُبَ أَيْ جَعَلْتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَوْضِعاً نَسَقِيّاً.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَنْزِلَةٌ مُحَدَّدَةٌ فِي سِيَاقِ تَرْتِيبٍ تَصَاعُدِيٍّ أَوْ تَنَازُلِيٍّ.
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: مَقَامُ العَبْدِ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ اِمْتِثَالاً لِأَمْرِهِ، حَيْثُ يَبْدَأُ بِالعِلْمِ وَيَنْتَهِي بِالثَّبَاتِ.
3. (العِلْمُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ع ل م)، وَالعَلَامَةُ هِيَ مَا يُبَيِّنُ الشَّيْءَ، وَالعِلْمُ نَقِيضُ الجَهْلِ.
اِسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ: عَلِمَ بِالخَبَرِ أَيْ أَيْقَنَ بِهِ وَأَحَاطَ بِهِ خُبْراً.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ المَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكاً جَازِماً.
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ مَعْرِفَةُ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ العُبُودِيَّةِ كَمَا قَالَ اللهُ: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ".
4. (المَحَبَّةُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ح ب ب)، وَالحَبُّ بَذْرُ النَّبَاتِ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ لُبُّ القَلْبِ وَبَذْرَةُ العَمَلِ.
اِسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ: اسْتُعْمِلَتْ لِلْمَيْلِ الشَّدِيدِ، وَيُقَالُ "أَحَبَّ البَعِيرُ" إِذَا بَرَكَ وَلَمْ يَقُمْ، فَكَأَنَّ المُحِبَّ بَرَكَ قَلْبُهُ عِنْدَ مَحْبُوبِهِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ لِكَمَالٍ فِيهِ أَوْ لِنَفْعٍ يُرْجَى مِنْهُ.
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: إِيثَارُ مَحَابِّ اللهِ عَلَى مَحَابِّ النَّفْسِ، وَهِيَ المَحَرِّكُ الأَعْظَمُ لِلِامْتِثَالِ.
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________^
(1) يُنْظَرُ: (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، عُلَمَاءُ نَجْدٍ، ج 1، ص 156).
(2) حَوْلَ تَقْسِيمِ الأَمْرِ: يُنْظَرُ (شِفَاءُ العَلِيلِ، ابْنُ القَيِّمِ، ص 112).
(3) يُنْظَرُ: (مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ، مَادَّةُ "أَمَرَ" وَ "عَلَمَ").
(4) قُلْتُ: اِعْتَمَدْنَا نُسْخَةَ (د) المُرَجَّحَةَ بَعْدَ سَبْرِ كَافَّةِ الفُرُوقِ بَيْنَ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ لِضَمَانِ صِحَّةِ النِّسْبَةِ لِلإِمَامِ.
^___________________________12_________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 13 - (تَحْرِيرُ القَوَاعِدِ وَالتَّقْرِيرَاتِ المَنْهَجِيَّةِ)]
أَوَّلاً: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المَنْهَجِيَّةُ لِلْقِطْعَةِ
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا المَتْنَ يَقُومُ عَلَى دَعَائِمَ مَنْهَجِيَّةٍ تُنَظِّمُ سَيْرَ العَبْدِ إِلَى رَبِّهِ، وَأَبْرَزُهَا:
القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ: "الإِيمَانُ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ"، فَهَذِهِ المَرَاتِبُ هِيَ التَّفْصِيلُ العَمَلِيُّ لِحَقِيقَةِ الإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، حَيْثُ لَا يَنْفَكُّ فِيهِ العِلْمُ عَنِ القَصْدِ وَالعَمَلِ (١).
القَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: "الأَصْلُ فِي الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ الِامْتِثَالُ التَّامُّ"، وَالتَّمَامُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ القَلْبِيَّةِ وَالجَوَارِحِيَّةِ، فَالآمِرُ هُوَ اللهُ، وَالمُكَلَّفُ هُوَ العَبْدُ، وَالرَّابِطُ بَيْنَهُمَا هُوَ طَلَبُ الفِعْلِ عَلَى وَجْهِ الإِلْزَامِ.
الضَّابِطُ المَنْهَجِيُّ الجَامِعُ: "كُلُّ تَقْصِيرٍ فِي مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ المَرَاتِبِ السَّبْعِ يُفْضِي إِلَى نَقْصٍ فِي العُبُودِيَّةِ بِحَسَبِهِ"، فَالنَّقْصُ فِي العِلْمِ جَهْلٌ، وَفِي المَحَبَّةِ نِفَاقٌ، وَفِي العَزْمِ عَجْزٌ، وَفِي العَمَلِ تَرْكٌ، وَفِي الإِخْلَاصِ شِرْكٌ، وَفِي الثَّبَاتِ رِدَّةٌ أَوْ نُكُوصٌ (٢).
ثَانِيًا: مَقْصُودُ الإِمَامِ مِنْ هَذِهِ الجُمَلِ وَالتَّرْتِيبِ
قُلْتُ: إِنَّ مَقْصُودَ الإِمَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- مِنْ سِيَاقِ هَذِهِ المَرَاتِبِ بِهَذَا التَّرْتِيبِ الدَّقِيقِ هُوَ رَسْمُ خَارِطَةِ طَرِيقٍ لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ فِي تَعَامُلِهَا مَعَ الخِطَابِ الإِلَهِيِّ؛ فَبَدَأَ بِالعِلْمِ لِأَنَّهُ القَائِدُ، ثُمَّ المَحَبَّةِ لِأَنَّهَا المُحَرِّكُ، ثُمَّ العَزْمِ لِأَنَّهُ نِيَّةُ القَلْبِ الجَازِمَةُ، ثُمَّ العَمَلِ لِأَنَّهُ الثَّمَرَةُ، ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ العَمَلِ (الخُلُوصَ وَالصَّوَابَ) لِأَنَّ بِهِمَا القَبُولَ، ثُمَّ حَذَّرَ مِمَّا يُبْطِلُهُ لِأَنَّ العَمَلَ قَدْ يَفْسَدُ بَعْدَ تَمَامِهِ، ثُمَّ خَتَمَ بِالثَّبَاتِ لِأَنَّ الخَوَاتِيمَ هِيَ المِعْيَارُ، فَمَقْصُودُهُ هُوَ سَدُّ كُلِّ مَنْفَذٍ يَدْخُلُ مِنْهُ الشَّيْطَانُ عَلَى المُكَلَّفِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ دِينَهُ (٣).
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْقِطْعَةِ المَتْنِيَّةِ
إِنَّ هَذِهِ الفَقْرَةَ المَتْنِيَّةَ تُمَثِّلُ رَدّاً حَاسِمًا عَلَى مَذَاهِبِ الإِرْجَاءِ وَالتَّعْطِيلِ؛ فَقَوْلُهُ "وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ سَبْعُ مَرَاتِبَ" بَيَانٌ لِأَنَّ مَقَامَ التَّكْلِيفِ مَقَامٌ عَظِيمٌ يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الآمِرِ جَلَّ جَلَالُهُ. وَتَأْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ الإِيمَانِ هُوَ القَلْبُ وَاللِّسَانُ وَالجَوَارِحُ، وَهَذِهِ المَرَاتِبُ السَّبْعُ تَتَوَزَّعُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ الثلاثةِ؛ فَالْعِلْمُ وَالمَحَبَّةُ وَالعَزْمُ مَقَامُ القَلْبِ، وَالعَمَلُ وَالإِخْلَاصُ وَالثَّبَاتُ مَقَامُ الجَوَارِحِ وَالقَلْبِ مَعًا. فَالإِمَامُ يُؤَصِّلُ هُنَا لِعَقِيدَةِ "العُبُودِيَّةِ الشَّامِلَةِ" الَّتِي لَا تَتَجَزَّأُ، حَيْثُ يَنْظُرُ المُوَحِّدُ إِلَى الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ بِعَيْنِ الِافْتِقَارِ وَالِامْتِثَالِ، لَا بِعَيْنِ التَّشَهِّي وَالِاخْتِيَارِ، وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ العَمَلِيُّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، حَيْثُ يَنْتَقِلُ العَبْدُ مِنْ مَعْرِفَةِ الحَقِّ إِلَى مَحَبَّتِهِ ثُمَّ تَنْفِيذِهِ وَالاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ مَهْمَا بَلَغَتِ التَّضْحِيَاتُ (٤).
رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ
١. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ:
«اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ المَرَاتِبَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ فِي رِسَالَتِهِ هِيَ المِيزَانُ الصَّادِقُ لِأَحْوَالِ السَّالِكِينَ إِلَى اللهِ؛ فَمَنْ فَقَدَ العِلْمَ ضَلَّ، وَمَنْ فَقَدَ المَحَبَّةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ فَقَدَ العَزْمَ فَهُوَ عَاجِزٌ مَهِينٌ، وَقَدْ أَرَادَ الشَّيْخُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ أَنْ يَكُونَ المُوَحِّدُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ، فَلَا يَغْتَرَّ بِمُجَرَّدِ المَعْرِفَةِ دُونَ العَمَلِ، وَلَا بِالعَمَلِ دُونَ الثَّبَاتِ، وَهَذَا هُوَ لُبُّ دَعْوَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.»( ٥)
٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَحْمَانَ الخَالِدِيِّ:
«إِنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ المَرَاتِبِ يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ فَهْمِ المُصَنِّفِ لِنُصُوصِ الوَحْيَيْنِ؛ فَقَدْ جَعَلَ "تَحْذِيرَ مَا يُحْبِطُ العَمَلَ" بَعْدَ "الوُقُوعِ عَلَى المَشْرُوعِ"، وَهَذَا تَنْبِيهٌ لَطِيفٌ إِلَى أَنَّ العَبْدَ بَعْدَ إِتْمَامِهِ لِلطَّاعَةِ يَحْتَاجُ إِلَى حِرَاسَتِهَا مِنَ العُجْبِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ الَّتِي تَهْدِمُ مَا بَنَاهُ، فَالرِّسَالَةُ فِي حَقِيقَتِهَا تَرْبِيَةٌ لِلْمُرِيدِ عَلَى كَمَالِ الإِخْبَاتِ وَالتَّوَاضُعِ لِرَبِّ العَالَمِينَ.»( ٦)
٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ:
«مَقْصُودُ جَدِّنَا رَحِمَهُ اللهُ هُوَ كَشْفُ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ عَلَى العِبَادِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَرْضَى مِنَ العَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ الحَقَّ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يَعْمَلَ بِهِ، أَوْ يَرْضَى بِعَمَلِهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَنْ يَثْبُتَ عَلَيْهِ، فَجَاءَتْ هَذِهِ المَرَاتِبُ السَّبْعُ كَالدُّرُوعِ الحَصِينَةِ الَّتِي تَحْمِي دِينَ المَرْءِ فِي كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ حَيَاتِهِ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ رَاضٍ عَنْهُ.»( ٧)
٤. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَازٍ:
«هَذِهِ الرِّسَالَةُ المُبَارَكَةُ تُبَيِّنُ لَنَا الوَاجِبَ العَظِيمَ الَّذِي خُلِقْنَا مِنْ أَجْلِهِ؛ وَهُوَ الامْتِثَالُ لِأَمْرِ اللهِ عَنْ حُبٍّ وَتَعْظِيمٍ، وَقَدْ أَجَادَ الشَّيْخُ فِي بَيَانِ أَنَّ العِلْمَ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، فَإِذَا كَانَ العِلْمُ صَحِيحاً ثَمَّتْ بَقِيَّةُ المَرَاتِبِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ جَدِيرَةٌ بِالعِنَايَةِ وَالتَّدْرِيسِ لِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى مَنْهَجِ الاسْتِدْلَالِ الصَّحِيحِ وَالتَّرْبِيَةِ السَّلَفِيَّةِ النَّقِيَّةِ.» (٨)
الحَاشِيَةُ _______________________^
(١) يُنْظَرُ فِي تَأْصِيلِ مَفْهُومِ الإِيمَانِ وَتَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ: (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج ٧، ص ١٢٤)، وَقَدْ فَرََّعَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ مَرَاتِبَهُ عَلَى هَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ.
(٢) يُنْظَرُ فِي القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ لِلأَمْرِ وَالنَّهْيِ: (الرِّسَالَةُ، الشَّافِعِيُّ، ص ٢٤٠)، وَ(إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ، ابْنُ القَيِّمِ، ج ١، ص ٣٩).
(٣) قُلْتُ: مَقْصُودُ الشَّيْخِ مِنَ التَّرْتِيبِ هُوَ مُرَاعَاةُ "تَرْتِيبِ الخَلْقِ وَالإِرَادَةِ"، وَهُوَ مَبْحَثٌ دَقِيقٌ فِي كُتُبِ السَّلَفِ لِبَيَانِ كَيْفِيَّةِ حُصُولِ الطَّاعَةِ فِي النَّفْسِ.
(٤) يُنْظَرُ فِي تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ: (فَتْحُ المَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص ٨٨)، حَيْثُ رَبَطَ بَيْنَ مَرَاتِبِ العَمَلِ وَتَحْقِيقِ كَمَالِ التَّوْحِيدِ.
(٥) نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ مُسْتَفَادٌ مِنْ (شَرْحِ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ وَرَسَائِلِ الإِمَامِ، تَفْرِيغُ مَجَالِسِهِ العِلْمِيَّةِ بِالرِّيَاضِ).
(٦) يُرَاجَعُ فِي تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَحْمَانَ: (مِنْهَاجُ أَهْلِ الحَقِّ وَالاتِّبَاعِ فِي مُخَالَفَةِ أَهْلِ الجَهْلِ وَالابْتِدَاعِ، ص ٥٥).
(٧) قُلْتُ: هَذَا التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ يَسْتَنِدُ إِلَى أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ هِيَ حِصْنٌ لِمَا بَعْدَهَا، وَقَدْ رَاعَى الإِمَامُ فِيهَا التَّرْتِيبَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دَعْوَتَهُ هِيَ امْتِدَادٌ لِمَدْرَسَةِ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي السَّلُوكِ وَالعَقِيدَةِ.
(٨) يُنْظَرُ فِي تَقْرِيرِ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ: (مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ج 2، ص 310).
(٩) يُنْظَرُ فِي تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ، ص 182).
^_______________________13______________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 14 - (التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَالأُصُولِيُّ الجَامِعُ)]
قُلْتُ: إِنَّ التَّحْقِيقَ العِلْمِيَّ لِقَوْلِ الإِمَامِ «وَجَبَ عَلَيْهِ فِيهِ سَبْعُ مَرَاتِبَ» يَقْتَضِي النَّظَرَ فِي كَوْنِ هَذِهِ المَرَاتِبِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَقْسِيمٍ تَعْلِيمِيٍّ، بَلْ هِيَ قَوَاعِدُ وُجُودِيَّةٌ لِصِحَّةِ الِانْقِيَادِ؛ فَمِنْ جِهَةِ التَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ، نَجِدُ أَنَّ الإِمَامَ رَبَطَ بَيْنَ "الأَمْرِ" وَبَيْنَ "الظَّنِّ بِاللهِ" وَ"تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ"؛ إِذْ إِنَّ العَبْدَ إِذَا تَلَقَّى الأَمْرَ بِالإِعْرَاضِ أَوْ بِالتَّكَاسُلِ فَقَدْ قَدَحَ فِي أَصْلِ تَعْظِيمِ الآمِرِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ العُبُودِيَّةَ الحَقَّةَ هِيَ الَّتِي يَتَطَابَقُ فِيهَا حُكْمُ الذِّهْنِ (العِلْم) مَعَ حَرَكَةِ القَلْبِ (المَحَبَّة وَالعَزْم) مَعَ فِعْلِ الأَرْكَانِ (العَمَل)، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهَا فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ أَهْلِ البِدَعِ مِنْ مُرْجِئَةٍ وَوَعِيدِيَّةٍ. وَمِنْ هُنَا نُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ السَّبْعِ هِيَ حِصْنٌ حَصِينٌ يَمْنَعُ العَبْدَ مِنَ السُّقُوطِ فِي مَهَاوِي الغَفْلَةِ، فَالْعِلْمُ يَمْنَعُ مِنَ الضَّلَالِ، وَالمَحَبَّةُ تَمْنَعُ مِنَ الِارْتِيَابِ، وَالعَزْمُ يَمْنَعُ مِنَ التَّرَدُّدِ، وَالعَمَلُ يَمْنَعُ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَالإِخْلَاصُ يَمْنَعُ مِنَ التَّشْرِيكِ، وَالحَذَرُ يَمْنَعُ مِنَ العُجْبِ، وَالثَّبَاتُ يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِكَاسِ.
أَمَّا مِنْ جِهَةِ التَّقْعِيدِ الأُصُولِيِّ، فَإِنَّ الفِقْهَ فِي هَذِهِ القِطْعَةِ يَدُورُ حَوْلَ مَبْحَثِ "مُقَدِّمَةِ الوَاجِبِ"؛ فَلَمَّا كَانَ الِامْتِثَالُ لِأَمْرِ اللهِ وَاجِباً عَيْنِيّاً، صَارَ كُلُّ مَا يُوصِلُ إِلَيْهِ وَاجِباً بِنَفْسِ الدَّرَجَةِ. وَالإِمَامُ هُنَا يَسْتَعْمِلُ دَلَالَةَ الِاقْتِضَاءِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ لَفْظَ "الأَمْرِ" فِي الشَّرْعِ لَا يُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ إِيقَاعِ الفِعْلِ الصُّورِيِّ، بَلْ يُرَادُ بِهِ الفِعْلُ المَوْصُوفُ بِهَذِهِ المَرَاتِبِ. فَالشَّارِعُ حِينَ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ -مَثَلاً- لَمْ يُرِدْ رُكُوعاً وَسُجُوداً خَالِياً عَنِ العِلْمِ بِأَرْكَانِهَا أَوْ مَحَبَّةِ لِقَاءِ اللهِ فِيهَا، فَتَكُونُ هَذِهِ المَرَاتِبُ لَوَازِمَ شَرْعِيَّةً لِلْأَمْرِ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ. وَهَذَا يُوصِلُنَا إِلَى ضَابِطٍ أُصُولِيٍّ جَلِيلٍ وَهُوَ: "أَنَّ حَقِيقَةَ الِامْتِثَالِ تَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ المُقْتَضِي (المَحَبَّة وَالعَزْم) وَانْتِفَاءِ المَانِعِ (مَا يُحْبِطُ العَمَل)"، وَهُوَ مَا جَلَّاهُ المُصَنِّفُ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَبْيَنِ إِشَارَةٍ، لِيَكُونَ المُكَلَّفُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي خِطَابَاتِ الوَحْيِ.
نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«إِنَّ هَذِهِ المَرَاتِبَ السَّبْعَ الَّتِي ذَكَرَهَا الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ تَشْرِيحٌ دَقِيقٌ لِعَمَلِيَّةِ الِامْتِثَالِ القَلْبِيِّ وَالقَالَبِيِّ؛ حَيْثُ نَجِدُ أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَغْفَلْ عَنْ أَيِّ ثَغْرَةٍ قَدْ يَدْخُلُ مِنْهَا النَّقْصُ عَلَى التَّدَيُّنِ. وَالعَلَاقَةُ بَيْنَ هَذِهِ المَرَاتِبِ هِيَ عَلَاقَةُ تَرْسِيخٍ وَتَمْكِينٍ؛ فَالْعِلْمُ يُورِثُ المَحَبَّةَ، وَالمَحَبَّةُ تُوَلِّدُ العَزْمَ، وَهَكَذَا حَتَّى نَصِلَ إِلَى الثَّبَاتِ الَّذِي هُوَ عُنْوَانُ الصِّدْقِ مَعَ اللهِ. وَكُلُّ طَالِبِ عِلْمٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَطْبِيقِ هَذِهِ المَعَايِيرِ عَلَى عِبَادَاتِهِ لِيَعْلَمَ مَدَى قُرْبِهِ أَو بُعْدِهِ عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي تَعْظِيمِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ (١).»
نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«تُعَدُّ رِسَالَةُ "وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ" مِنْ أَهَمِّ الرَّسَائِلِ التَّرْبَوِيَّةِ العَقَدِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَنْقُلُ التَّوْحِيدَ مِنْ حَيِّزِ التَّقْرِيرِ الذِّهْنِيِّ إِلَى حَيِّزِ التَّطْبِيقِ السُّلُوكِيِّ. وَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مِنَ المَرَاتِبِ السَّبْعِ هُوَ خُلَاصَةُ مَا بَثَّهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي مَدَارِجِ السَّالِكِينَ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ الإِمَامَ قَدَّمَهُ فِي قَالَبٍ مَنْطِقِيٍّ يُنَاسِبُ جَمِيعَ طَبَقَاتِ المُكَلَّفِينَ. وَالتَّرْكِيزُ عَلَى مَرْتَبَةِ "الحَذَرِ مِمَّا يُحْبِطُ العَمَل" يَدُلُّ عَلَى عُمُقِ النَّظَرِ فِي آفَاتِ النُّفُوسِ الَّتِي قَدْ تُضَيِّعُ جُهْدَ السَّنَوَاتِ فِي لَحْظَةِ عُجْبٍ أَوْ رِيَاءٍ، فَالرِّسَالَةُ حِمَايَةٌ لِلْعَمَلِ فِي بَدْئِهِ وَأَثْنَائِهِ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ (٢).»
الحَاشِيَةُ ______________________________________^
(١) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، تَسْجِيلَاتُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، الدَّرْسُ الأَوَّلُ. وَقَدْ عَلَّقْتُ عَلَيْهِ بِأَنَّ حَصْرَ المَرَاتِبِ فِي سَبْعٍ هُوَ حَصْرٌ اسْتِقْرَائِيٌّ لِمَا يَحْتَاجُهُ المُكَلَّفُ لِتَمَامِ الِانْقِيَادِ، وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِغَيْرِهَا مِنَ المَقَامَاتِ، لَكِنَّهَا الأُصُولُ الَّتِي تَنْدَرِجُ تَحْتَهَا الفُرُوعُ.
(٢) يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، (المُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ فِي بَابِ العَمَلِ وَالامْتِثَالِ)، دَارُ الإِيلَافِ، ص ١١٢. وَمُرَادُ الشَّيْخِ هُنَا التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ دَعْوَةَ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ هِيَ دَعْوَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ بِالقَدْرِ الَّذِي هِيَ فِيهِ دَعْوَةٌ عَقَدِيَّةٌ.
(٣) قُلْتُ: مِمَّا يَسْتَفِيدُهُ البَاحِثُ مِنْ جَمْعِ هَذِهِ التَّقْرِيرَاتِ أَنَّ العِلْمَ لَيْسَ مَقْصُوداً لِذَاتِهِ فِي الشَّرْعِ، بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَرَاتِبِ الَّتِي تَلِيهِ، وَإِلَّا كَانَ حُجَّةً عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
(٤) يُرَاجَعُ فِي ضَابِطِ الِامْتِثَالِ الأُصُولِيِّ: (جَامِعُ المَسَائِلِ، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، المَجْمُوعَةُ الثَّالِثَةُ، ص ٤٥)، حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ لَوَازِمَ الأَمْرِ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الطَّاعَةِ تَبَعاً.
^___________________________________ 14 _________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 15 - (المَرْتَبَةُ الأُولَى: العِلْمُ بِهِ)]
أَوَّلاً: نَصُّ المَرْتَبَةِ الأُولَى : قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
[«المَرْتَبَةُ الأُولَى: العِلْمُ بِهِ]: [إِذَا عَرَفَ الإِنْسَانُ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ وَنَهَى عَنِ الشِّرْكِ، أَوْ عَرَفَ: أَنَّ اللهَ أَحَلَّ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، أَوْ عَرَفَ: أَنَّ اللهَ حَرَّمَ أَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ وَأَحَلَّ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ إِنْ كَانَ فَقِيراً]؛ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْلَمَ المَأْمُورَ بِهِ وَيَسْأَلَ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَهُ، وَيَعْلَمَ المَنْهِيَّ عَنْهُ وَيَسْأَلَ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَهُ. وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِالمَسْأَلَةِ الأُولَى، وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّوْحِيدِ؛ فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ عَلِمَ أَنَّ التَّوْحِيدَ حَقٌّ وَالشِّرْكَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَسْأَلْ، وَعَرَفَ: أَنَّ اللهَ حَرَّمَ الرِّبَا وَبَاعَ وَاشْتَرَى وَلَمْ يَسْأَلْ، وَعَرَفَ: تَحْرِيمَ أَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ وَجَوَازَ الأَكْلِ بِالمَعْرُوفِ وَيَتَوَلَّى مَالَ اليَتِيمِ وَلَمْ يَسْأَلْ» (1).
♤__________________________________________________________♤
ثَانِياً: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ (أ، ب، ج) بِالنُّسْخَةِ (د)
قُلْتُ: بَعْدَ النَّظَرِ فِي "الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" (أ) وَ"مَجْمُوعِ الرَّسَائِلِ" (ب) وَ"طَبْعَةِ الجَامِعَةِ" (ج)، تَبَيَّنَ مَا يَلِي:
اتَّفَقَتِ النُّسَخُ فِي أَصْلِ سِيَاقِ المَرَاتِبِ، إِلَّا أَنَّ نُسْخَةَ (أ) جَاءَتْ فِيهَا صِيغَةُ "يَعْرِفَهُ فَتْوَى" فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، بَيْنَمَا نُسْخَةُ (ج) اِقْتَصَرَتْ عَلَى "إِلَى أَنْ يَعْرِفَهُ".
الزِّيَادَةُ الَّتِي بَيْنَ الحَاجِزَيْنِ المَعْقُوفَيْنِ [ ] هِيَ مِنْ صَنِيعِنَا فِي النُّسْخَةِ (د) لِتَوْضِيحِ المُرَادِ وَرَبْطِ الأَمْثِلَةِ بِأُصُولِهَا، وَهِيَ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ سِيَاقِ تَقْرِيرَاتِ الإِمَامِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى لِتَتِمَّ الفَائِدَةُ (2).
ثَالِثاً: فِقْهُ المُفْرَدَاتِ وَالتَّحْلِيلُ اللَّفْظِيُّ
1. (العِلْمُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ع ل م)، وَيَدُلُّ عَلَى أَثَرٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ، وَالعِلْمُ نَقِيضُ الجَهْلِ.
اِسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ: يُقَالُ "عَلِمْتُ الشَّيْءَ" إِذَا أَيْقَنْتُهُ، وَ"تَعَلَّمْتُ" أَيْ طَلَبْتُ العِلْمَ.
الحدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكاً جَازِماً.
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: مَعْرِفَةُ الهُدَى بِدَلِيلِهِ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى: عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ (مَا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنِ النَّفْسِ)، وَعِلْمٍ نَظَرِيٍّ (مَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ).
2. (المَعْرِفَةُ) وَالفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِلْمِ:
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ع ر ف)، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى تَتَابُعِ الشَّيْءِ مُتَّصِلاً بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
الحدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ لِأَثَرِهِ.
الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ: العِلْمُ يُطْلَقُ عَلَى اللهِ تَعَالَى (العَلِيم)، أَمَّا المَعْرِفَةُ فَلَا تُطْلَقُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ؛ لِأَنَّ المَعْرِفَةَ لُغَةً تُفِيدُ اِسْتِحْدَاثَ عِلْمٍ بَعْدَ جَهْلٍ، أَوْ تَمْيِيزَ الشَّيْءِ بَعْدَ نِسْيَانِهِ، وَاللهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ أَزَلاً وَأَبَداً، لَمْ يَسْبِقْ عِلْمَهُ جَهْلٌ وَلَا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ (3).
3. (التَّوْحِيدُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (و ح د)، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِداً.
الحدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
أَنْوَاعُهُ بِالِاسْتِقْرَاءِ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (إِفْرَادُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ)، وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ (إِفْرَادُ اللهِ بِأَفْعَالِ العِبَادِ)، وَتَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَالعَلَاقَةُ بَيْنَهَا أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ (تَسْتَلْزِمُ) الأُلُوهِيَّةَ، وَالأُلُوهِيَّةَ (تَتَضَمَّنُ) الرُّبُوبِيَّةَ (4).
4. (الشِّرْكُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ش ر ك)، وَهُوَ المَقَاسَمَةُ وَالمُقَارَنَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ.
الحدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: جَعْلُ شَرِيكٍ مَعَ اللهِ تَعَالَى فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ.
أَنْوَاعُهُ: شِرْكٌ أَكْبَرُ (مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ)، وَشِرْكٌ أَصْغَرُ (كَالرِّيَاءِ وَالحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ)، وَهُوَ أَعْظَمُ الكَبَائِرِ بَعْدَ الكُفْرِ (5).
رَابِعاً: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ لِلْمَرْتَبَةِ
القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ: "العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ"، فَلَا يَصِحُّ امْتِثَالٌ لِأَمْرٍ مَجْهُولٍ، وَالجَهْلُ بِأُصُولِ الدِّينِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى العِلْمِ إِعْرَاضٌ يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوْحِيدِ.
القَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: "مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ"، فَلَمَّا كَانَ التَّوْحِيدُ وَالبَيْعُ الحَلَالُ وَاجِبَيْنِ، صَارَ سُؤَالُ العَالِمِ عَنْهُمَا وَاجِباً لِتَصْحِيحِ العَمَلِ.
الضَّابِطُ الجَامِعُ: "الإِعْرَاضُ عَنْ تَعَلُّمِ مَا لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِهِ نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ العَمَلِيَّةِ".
الحَاشِيَةُ ________________________^
(1) يُنْظَرُ: (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، ج 2، ص 74-75).
(2) قُلْتُ: الزِّيَادَةُ بَيْنَ الحَاجِزَيْنِ لِتَقْرِيبِ صُورَةِ الفَقْرَةِ لِلطَّالِبِ تَمَاشِياً مَعَ شَرْحِ الإِمَامِ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ "مَجْمُوعِ المُؤَلَّفَاتِ".
(3) يُنْظَرُ فِي الفَرْقِ بَيْنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ: (بَدَائِعُ الفَوَائِدِ، ابْنُ القَيِّمِ، ج 2، ص 180).
(4) يُنْظَرُ فِي أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ وَالتَّلَازُمِ: (تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ص 25).
(5) يُنْظَرُ فِي مَادَّةِ "شَرَكَ": (لِسَانُ العَرَبِ، ج 10، ص 448).
^______________________________15______________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 16 - (مَقْصُودُ المَرْتَبَةِ الأُولَى وَتَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ)]
أَوَّلاً: مَقْصُودُ الإِمَامِ مِنْ إِيرَادِ مَرْتَبَةِ العِلْمِ أَوَّلاً
قُلْتُ: إِنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ- مِنْ تَقْدِيمِ "العِلْمِ" عَلَى سَائِرِ المَرَاتِبِ هُوَ تَأْصِيلُ أَنَّ العِلْمَ هُوَ القَائِدُ وَالعَمَلَ هُوَ التَّابِعُ؛ فَلَا يَصِحُّ لِلْعَبْدِ أَنْ يَدَّعِيَ مَحَبَّةَ أَمْرٍ أَوْ عَزْماً عَلَيْهِ وَهُوَ يَجْهَلُ حَقِيقَتَهُ وَمُرَادَ اللهِ فِيهِ. وَأَرَادَ الإِمَامُ بِهَذَا التَّقْدِيمِ التَّنْبِيهَ عَلَى أَنَّ "الإِعْرَاضَ" عَنِ التَّعَلُّمِ هُوَ أَصْلُ كُلِّ بَلَاءٍ، وَأَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ أَوِ الرِّبَا لَا جُحُوداً لِتَحْرِيمِهِ نَطْقاً، بَلْ إِعْرَاضاً عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ شَرْعاً. فَالعِلْمُ هُنَا هُوَ "العِلْمُ العَيْنِيُّ" الَّذِي لَا يَعْذُرُ اللهُ أَحداً بِجَهْلِهِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ أَهْلُ الِاسْتِقَامَةِ عَنْ أَهْلِ الغَوَايَةِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ عَلَى جَهَالَةٍ، أَوْ يَعْرِضُونَ عَنِ الوَحْيِ اسْتِغْنَاءً بِآرَائِهِمْ.
ثَانِياً: تَقْرِيرَاتُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ (القُدَمَاءُ وَالمُعَاصِرُونَ)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ:
«إِنَّ العِلْمَ بِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَقَدْ صَدَّرَ الإِمَامُ بِهِ المَرَاتِبَ لِأَنَّهُ لَا يُعْبَدُ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى العَمَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ. وَقَدْ نَبَّهَ الشَّيْخُ فِي مَسْأَلَةِ التَّوْحِيدِ عَلَى أَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّوْحِيدَ حَقٌّ، لَكِنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ تَعَلُّمِ تَفَاصِيلِهِ وَحُدُودِهِ، فَوَقَعُوا فِي الشِّرْكِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ، وَهَذَا هُوَ دَاءُ الأُمَمِ السَّابِقَةِ (1).»
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ:
«مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ هُوَ رَفْعُ الجَهْلِ عَنِ المُكَلَّفِ فِي أَهَمِّ المَسَائِلِ؛ فَالْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ وَبِالمُعَامَلَاتِ كَالبَيْعِ وَالرِّبَا، هُوَ الَّذِي يَحْمِي دِينَ العَبْدِ وَمَالَهُ. وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْ عَمَّا أُوجِبَ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهُ، فَقَدْ فَرَّطَ فِي جَنَابِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْرِفُوهُ ثُمَّ يَعْبُدُوهُ، وَالإِعْرَاضُ عَنْ هَذَا العِلْمِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّوَلِّي الَّذِي ذَمَّهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ (2).»
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَحْمَانَ:
«قَدَّمَ المُصَنِّفُ العِلْمَ لِأَنَّهُ مِيزَانُ الامْتِثَالِ، وَبِهِ يُعْرَفُ الخَلَالُ مِنَ الحَرَامِ. وَقَدْ ضَرَبَ الأَمْثِلَةَ بِالتَّوْحِيدِ وَالرِّبَا وَمَالِ اليَتِيمِ لِيَشْمَلَ الدِّينُ جَوَانِبَ العَقِيدَةِ وَالمُعَامَلَاتِ وَالأَخْلَاقِ. فَالْعِلْمُ الَّذِي يَقْصِدُهُ الشَّيْخُ هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَتْبَعُهُ سُؤَالٌ وَطَلَبٌ، لَا مُجَرَّدُ سَمَاعٍ لَا أَثَرَ لَهُ فِي الوَاقِعِ، فَمَنْ عَلِمَ حُرْمَةَ شَيْءٍ ثُمَّ بَاشَرَهُ دُونَ سُؤَالٍ عَنْ تَفَاصِيلِهِ، فَقَدْ جَنَى عَلَى نَفْسِهِ (3).»
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«تَأْكِيدُ الشَّيْخِ عَلَى مَرْتَبَةِ العِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ خُطْوَاتِ العُبُودِيَّةِ هِيَ الانْقِيَادُ لِلْوَحْيِ مَعْرِفَةً وَاسْتِدْلَالاً. وَالعِلْمُ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدٍ لَيْسَ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ لِلنَّجَاةِ؛ فَكَيْفَ يَتَّقِي الشِّرْكَ مَنْ لَا يَعْرِفُ صُوَرَهُ؟ وَكَيْفَ يَتَّقِي الرِّبَا مَنْ لَا يَعْرِفُ أَحْكَامَ البُيُوعِ؟ لِذَلِكَ كَانَ السُّؤَالُ وَالتَّفَقُّهُ هُوَ الوَاجِبُ الأَوَّلُ بَعْدَ بُلُوغِ الأَمْرِ لِلْمُكَلَّفِ، وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ عُمُقَ التَّأْصِيلِ التَّرْبَوِيِّ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ (4).»
5. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«تُمَثِّلُ مَرْتَبَةُ العِلْمِ فِي هَذَا المَتْنِ الرُّكْنَ الأَوَّلَ مِنْ أَرْكَانِ الامْتِثَالِ؛ فَالشَّيْخُ بَيَّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ العِلْمِ الإِجْمَالِيِّ لَا يَكْفِي لِلنَّجَاةِ إِذَا كَانَ مَعَهُ إِعْرَاضٌ عَنِ التَّفَاصِيلِ الوَاجِبَةِ. وَالرَّبْطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالسُّؤَالِ فِي قَوْلِهِ (وَيَسْأَلَ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَعْرِفَهُ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِلْمَ عَمَلٌ مُتَوَاصِلٌ، وَأَنَّ تَرْكَ السُّؤَالِ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي (كَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ) يُعَدُّ تَفْرِيطاً يَقْدَحُ فِي صِدْقِ التَّدَيُّنِ وَالالْتِزَامِ بِالشَّرْعِ (5).»
6. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوزَانَ الفَوزَانِ:
«إِنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ يُرَبِّي النَّاسَ عَلَى نَبْذِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى وَالإِعْرَاضِ عَنِ الحَقِّ. فَالْمَرْتَبَةُ الأُولَى تَقْتَضِي مِنَ المُسْلِمِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ أَمْرِ اللهِ لِيُطَبِّقَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلِ الكِتَابَ لِيُقْرَأَ فَقَطْ، بَلْ لِيُعْمَلَ بِهِ، وَالعَمَلُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ العِلْمِ. وَهَذَا التَّقْرِيرُ هُوَ الَّذِي مَيَّزَ دَعْوَةَ التَّوْحِيدِ بِجَعْلِهَا دَعْوَةً عِلْمِيَّةً عَمَلِيَّةً تُحَارِبُ الجَهْلَ وَالخُرَافَةَ (6).»
الحَاشِيَةُ _______________________________^
(1) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ فِي تَحْقِيقِ دَعْوَةِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ)، دَارُ العَاصِمَةِ، ط 3، ص 142.
(2) عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، (مِنْهَاجُ التَّأْسِيسِ وَالتَّقْدِيسِ فِي كَشْفِ شُبُهَاتِ دَاوُدَ بْنِ جَرْجِيسَ)، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط 1، ص 88.
(3) سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ، (الضِّيَاءُ الشَّارِقُ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ المَاذِقِ المَارِقِ)، دَارُ السَّلَفِ، ط 2، ص 210.
(4) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، نُسْخَةٌ مَنْشُورَةٌ عَلَى مَوْقِعِهِ الرَّسْمِيِّ، ص 12.
(5) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، (القَوَاعِدُ الجَامِعَةُ فِي بَابِ التَّوْحِيدِ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط 1، ص 54.
(6) صَالِحُ بْنُ فَوزَانَ الفَوزَانِ، (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط 4، ج 1، ص 30.
^________________________________ 16___________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 17 - (مَبْحَثُ العِلْمِ: حَقِيقَتُهُ، مَرَاتِبُهُ، وَأَهَمِّيَّتُهُ)]
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ العِلْمِ وَتَعْرِيفُهُ المَنْهَجِيُّ
قُلْتُ: إِنَّ العِلْمَ فِي اصْطِلَاحِ المُحَقِّقِينَ هُوَ: «إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الحَقِيقَةِ أَوِ الوَاقِعِ إِدْرَاكاً جَازِماً»؛ فَالإِدْرَاكُ جِنْسٌ يَخْرُجُ بِهِ العَدَمُ المَحْضُ، وَقَوْلُنَا "عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ" يَخْرُجُ بِهِ الجَهْلُ المُرَكَّبُ، وَ"الجَازِمُ" يَخْرُجُ بِهِ الشَّكُّ وَالظَّنُّ وَالوَهْمُ. وَالعِلْمُ هُوَ الغَرْسُ الأَوَّلُ فِي أَرْضِ القَلْبِ، فَلَا يَخْرُجُ ثَمَرُ العَمَلِ وَالامْتِثَالِ إِلَّا إِذَا سُقِيَ بِمَاءِ البَصِيرَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ العِلْمُ مُقَدَّماً عَلَى كُلِّ مَرْتَبَةٍ، إِذْ هُوَ النُّورُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ العَبْدُ طَرِيقَ مَرْضَاةِ رَبِّهِ، وَبِهِ يَعْرِفُ مَوَاضِعَ قَدَمِهِ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ (1).
ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ العِلْمِ لِلأُمَّةِ وَلِطَالِبِ العِلْمِ خَاصَّةً
قُلْتُ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ -وَعِلْمِ التَّوْحِيدِ عَلَى رَأْسِهِ- فِي كَوْنِهِ حَائِطَ الصَّدِّ المَنِيعِ الَّذِي يَمْنَعُ تَلَاشِي هُوِيَّةِ الأُمَّةِ وَذَوَبَانَهَا فِي أَوْحَالِ الجَهْلِ وَالخُرَافَةِ. فَأَهَمِّيَّتُهُ لِلأُمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ لِلْجَسَدِ، إِذْ لَا نَجَاةَ لَهَا مِنَ الفِتَنِ المُضِلَّةِ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى مَحْكَمَاتِ الوَحْيِ. أَمَّا طَالِبُ العِلْمِ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلتَّوْحِيدِ وَأَنْوَاعِهِ وَمَعْرِفَتَهُ لِلشِّرْكِ وَأَقْسَامِهِ تُعَدُّ تُرْساً يَقِيهِ الوُقُوعَ فِي شِبَاكِ الضَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ "الأَشْيَاءَ تَتَبَيَّنُ بِأَضْدَادِهَا"، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشِّرْكَ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الحَرَامَ وَضَوَابِطَهُ لَمْ يَسْلَمْ عَمَلُهُ مِنَ الدَّخَنِ (2).
ثَالِثًا: مَرَاتِبُ العِلْمِ (فَرْضُ العَيْنِ وَفَرْضُ الكِفَايَةِ)
قُلْتُ: يَنْقَسِمُ العِلْمُ مِنْ حَيْثُ حُكْمِ التَّكْلِيفِ إِلَى مَرْتَبَتَيْنِ:
فَرْضُ العَيْنِ: وَهُوَ مَا لَا يَسَعُ المُكَلَّفَ جَهْلُهُ، مِثْلُ مَعْرِفَةِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَأَرْكَانِ الإِسْلَامِ، وَأَحْكَامِ مَا يُبَاشِرُهُ العَبْدُ مِنْ عِبَادَاتٍ وَمُعَامَلَاتٍ (كَأَحْكَامِ البَيْعِ لِمَنْ يَتَّجِرُ).
فَرْضُ الكِفَايَةِ: وَهُوَ التَّبَحُّرُ فِي دَقَائِقِ المَسَائِلِ، وَمَعْرِفَةُ الأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ، وَالرَّدُّ عَلَى الشُّبُهَاتِ المُعَقَّدَةِ، مِمَّا إِذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ (3).
رَابِعًا: الاسْتِشْهَادُ الشَّرْعِيُّ وَتَبْوِيبَاتُ العُلَمَاءِ
قُلْتُ: قَدْ بَوَّبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ "بَابُ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ"، وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، فَبَدَأَ اللهُ بِالعِلْمِ قَبْلَ الِاسْتِغْفَارِ الَّذِي هُوَ عَمَلٌ. وَهَذَا التَّبْوِيبُ نَهَجَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الغَافِقِيُّ (ت: 582هـ) الَّذِي أَكَّدَ هَذَا المَعْنَى فِي تَآلِيفِهِ، مُبَيِّناً أَنَّ النُّطْقَ بِالشَّيْءِ لَا يَنْفَعُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ. وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ»، فَعَلَّقَ الدُّخُولَ عَلَى "العِلْمِ" (4).
خَامِسًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي العِلْمِ (خَمْسَةُ أَقْوَالٍ)
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: «مَنْ عَبَدَ اللهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ».
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «العِلْمُ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ».
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ فَضْلِ العِلْمِ: «أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ حِينَ بَدَأَ بِهِ: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)؟».
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ».
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كُنْ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ» (5).
الحَاشِيَةُ _______________________________^
(1) يُنْظَرُ فِي تَعْرِيفِ العِلْمِ: (شَرْحُ الأُصُولِ مِنْ عِلْمِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص 15).
(2) يُنْظَرُ فِي أَهَمِّيَّةِ تَعَلُّمِ الضِّدِّ لِفَهْمِ الحَقِّ: (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج 10، ص 301).
(3) حَوْلَ قِسْمَيِ العِلْمِ (العَيْنِي وَالكِفَائِي): (إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، الغَزَالِيُّ، ج 1، ص 14).
(4) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رقم 26) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَتَبْوِيبُ البُخَارِيِّ فِي "كِتَابِ العِلْمِ" (ج 1، ص 24). وَالغَافِقِيُّ هُوَ: أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الغَافِقِيُّ، يُنْظَرُ فِي تَوْثِيقِ مَنْهَجِهِ: (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 21، ص 134).
(5) يُنْظَرُ فِي أَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: (جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ، ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، ص 122). وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي: (حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ، أَبُو نُعَيْمٍ، ج 9، ص 119).
^_________________________________17_____________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 18 - (تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِمَرْتَبَةِ المَحَبَّةِ)]
أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ وَأَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ (قَدِيماً)
1. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرٍ السَّعْدِيِّ:
«إِنَّ أَصْلَ الدِّينِ وَقَاعِدَتَهُ هُوَ مَحَبَّةُ اللهِ، وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ، وَكَرَاهِيَةُ مَا يُبْغِضُهُ اللهُ مِنَ الأَعْمَالِ وَالأَقْوَالِ. وَقَدْ دَلَّتْ آيَةُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ عَلَى أَنَّ كَرَاهِيَةَ مَا أَنْزَلَ اللهُ هِيَ العِلَّةُ فِي حُبُوطِ العَمَلِ؛ لِأَنَّ العَمَلَ مَهْمَا كَانَ صَالِحاً فِي الظَّاهِرِ، فَإِذَا خَلَا مِنَ المَحَبَّةِ وَصَدَرَ عَنْ كَرَاهِيَةٍ كَانَ جَسَداً بِلَا رُوحٍ، وَصَارَ صَاحِبُهُ مُشَابِهاً لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ وَقُلُوبُهُمْ مُبْغِضَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ (1).»
2. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (الحَفِيدِ):
«قَرَّرَ جَدُّنَا الإِمَامُ أَنَّ المَحَبَّةَ مَرْتَبَةٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا مُوَحِّدٌ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِمَحَبَّةِ الآمِرِ وَمَحَبَّةِ أَمْرِهِ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَهُوَ يَكْرَهُ شَيْئاً مِمَّا أَنْزَلَهُ اللهُ، فَقَدْ كَذَّبَ دَعْوَاهُ، وَخَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الإِسْلَامِ بِحُبُوطِ عَمَلِهِ. فَالْمَحَبَّةُ هِيَ مِيزَانُ الإِخْلَاصِ، وَبِهَا يَتَمَيَّزُ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ رَغْبَةً وَمَحَبَّةً مِمَّنْ يَعْبُدُهُ تَقْلِيداً أَوْ رِيَاءً، وَهَذَا نَاقِضٌ مِنَ النَّوَاقِضِ الجَلِيَّةِ (2).»
3. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ (جَامِعِ الدُّرَرِ):
«إِنَّ إِيرَادَ الشَّيْخِ لِمَرْتَبَةِ المَحَبَّةِ بَعْدَ العِلْمِ تَرْتِيبٌ بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ العِلْمَ بِلَا مَحَبَّةٍ هُوَ عِلْمُ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ، فَهُمَا عَالِمَانِ بِالحَقِّ مُسْتَيْقِنَانِ بِهِ، لَكِنَّهُمَا كَارِهَانِ لَهُ مُبْغِضَانِ. فَالمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُحَوِّلُ العِلْمَ إِلَى دِينٍ، وَبِدُونِهَا لَا يَكُونُ المَرْءُ مُمْتَثِلاً. وَقَدْ حَرِصَ الإِمَامُ فِي كُلِّ رَسَائِلِهِ عَلَى تَقْرِيرِ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَالمَحَبَّةُ هِيَ رَأْسُ النِّيَّةِ وَقَاعِدَتُهَا (3).»
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ
4. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
«المَحَبَّةُ عِنْدَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ أَحَدُ رُكْنَيِ العِبَادَةِ، وَالآيَةُ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} هِيَ عُمْدَةٌ فِي بَابِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ. فَالْمَحَبَّةُ لَيْسَتْ أَمْراً تَبَعِيّاً، بَلْ هِيَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ العَمَلِ، وَكُلُّ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ مِنَ التَّشْرِيعَاتِ، سَوَاءً كَانَتْ فِي العِبَادَاتِ أَوْ فِي المَوَارِيثِ أَوِ الحُدُودِ، يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِ قَبُولُهَا بِمَحَبَّةٍ وَرِضاً، وَالبُغْضُ لِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا هُوَ خُرُوجٌ عَنِ الِانْقِيَادِ (4).»
5. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«قَرَّرَ الإِمَامُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ أَنَّ العِلْمَ لَا يَكْفِي؛ فَأَكْثَرُ النَّاسِ يَعْلَمُونَ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ، لَكِنَّهُمْ يَبْغَضُونَ شَرِيعَتَهُ لِمُخَالَفَتِهَا لِشَهَوَاتِهِمْ. فَالْمَحَبَّةُ هِيَ الضَّابِطُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ المُؤْمِنِ الصَّادِقِ وَبَيْنَ المُعْرِضِ عَنِ الدِّينِ. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةً لِمَا أَمَرَ اللهُ بِهِ، فَلْيُرَاجِعْ تَوْحِيدَهُ، فَإِنَّ المَحَبَّةَ تَتْبَعُ المَعْرِفَةَ بِجَلَالِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ، وَبِدُونِهَا تَنْهَدِمُ بَقِيَّةُ المَرَاتِبِ مِنْ عَزْمٍ وَعَمَلٍ (5).»
6. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«مَرْتَبَةُ المَحَبَّةِ هِيَ الرُّوحُ المُحَرِّكَةُ لِلْجَوَارِحِ؛ وَالشَّيْخُ بَيَّنَ أَنَّ الحُبُوطَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ الكَرَاهِيَةِ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ، وَهَذَا مِنَ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ الخَفِيَّةِ الَّتِي قَدْ يَغْفَلُ عَنْهَا كَثِيرُونَ. فَالْمَحَبَّةُ هُنَا هِيَ قَصْدُ القَلْبِ وَتَوَجُّهُهُ لِلرِّضَا بِحُكْمِ اللهِ كَوْناً وَشَرْعاً. وَمَنْ جَعَلَ هَوَاهُ مِعْيَاراً لِقَبُولِ الأَحْكَامِ، فَأَحَبَّ مَا وَافَقَ هَوَاهُ وَأَبْغَضَ مَا خَالَفَهُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ المَهْلَكَةِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الشَّيْخُ (6).»
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ
قُلْتُ: إِنَّ التَّأْمُلَ فِي جَعْلِ "المَحَبَّةِ" المَرْتَبَةَ الثَّانِيَةَ يُوقِفُنَا عَلَى أَصْلٍ عَقَدِيٍّ مَتِينٍ؛ وَهُوَ أَنَّ التَّوْحِيدَ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى "تَوْحِيدِ المَحَبَّةِ"؛ فَالإِلَهُ هُوَ المَأْلُوهُ، وَالمَأْلُوهُ هُوَ المَعْبُودُ حُبّاً وَتَعْظِيماً. وَلَمَّا كَانَ العِلْمُ (المَرْتَبَةُ الأُولَى) يُعَرِّفُ العَبْدَ بِالأَمْرِ، كَانَتِ المَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تَدْفَعُهُ لِقَبُولِ هَذَا الأَمْرِ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ. وَمِنْ هُنَا نُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ تَقْصِيرٍ فِي العَمَلِ بَعْدَ العِلْمِ، سَبَبُهُ نَقْصٌ فِي المَحَبَّةِ؛ إِذْ لَوْ كَمُلَتِ المَحَبَّةُ لَكَمُلَ الِانْقِيَادُ.
وَتَأْصِيلُ حُبُوطِ العَمَلِ بِالكَرَاهِيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ القُلُوبِ هِيَ الأَصْلُ، وَأَنَّ الإِيمَانَ لَا يَصِحُّ بِدُونِهَا. فَمَنْ أَبْغَضَ مَا أَنْزَلَ اللهُ فَقَدْ قَادَحَ فِي حِكْمَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ، وَنَصَبَ نَفْسَهُ حَكَماً عَلَى رَبِّهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الكِبْرِ الَّذِي أَوْبَقَ إِبْلِيسَ. لِذَا، فَالْمَحَبَّةُ عِنْدَ البَاحِثِ هِيَ الشَّرْطُ الضِّمْنِيُّ فِي كُلِّ عِبَادَةٍ، وَهِيَ الوَاسِطَةُ الضَّرُورِيَّةُ بَيْنَ العِلْمِ النَّظَرِيِّ وَالعَزْمِ التَّطْبِيقِيِّ. فَلَا عَزْمَ إِلَّا عَنْ مَحَبَّةٍ، وَلَا ثَبَاتَ إِلَّا عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ القَلْبُ حُبّاً.
الحَاشِيَةُ _________________________________^
(1) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، (تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ المَنَّانِ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط 1، ص 784.
(2) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، (فَتْحُ المَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، مَكْتَبَةُ دَارِ السَّلَامِ، ط 2، ص 395.
(3) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، (حَاشِيَةُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، المَطَابِعُ الأَهْلِيَّةُ، ط 1، ص 412.
(4) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، (التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، دَارُ التَّوْحِيدِ، ط 1، ص 522.
(5) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، نُسْخَةٌ مَنْشُورَةٌ إِلكِتْرُونِيّاً، ص 18.
(6) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، (نَوَاقِضُ الإِيمَانِ الِاعْتِقَادِيَّةُ وَضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ عِنْدَ السَّلَفِ)، دَارُ الإِيلَافِ، ط 2، ج 2، ص 156.
^_____________________________________18______________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ:19- (تَحْقِيقُ مَقَامِ المَحَبَّةِ: التَّأْصِيلُ، التَّفْنِيدُ، وَالثَّمَرَةُ)]
أَوَّلاً: تَأْصِيلُ مَفْهُومِ المَحَبَّةِ وَأَقْسَامِهَا
قُلْتُ: إِنَّ المَحَبَّةَ هِيَ قِبْلَةُ القَلْبِ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهَا، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ يَجِبُ الفَصْلُ بَيْنَهُمَا لِتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ:
- المَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ (مَحَبَّةُ التَّأَلُّهِ): وَهِيَ المَحَبَّةُ المَقْرُونَةُ بِالذُّلِّ وَالتَّعْظِيمِ وَالخُضُوعِ، وَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا للهِ وَحْدَهُ، وَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكاً أَكْبَرَ. وَيَلْحَقُ بِهَا مَحَبَّةُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَعْمَالِ، فَهِيَ تَبَعٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ.
- المَحَبَّةُ الجِبِلِّيَّةُ (الطَّبِيعِيَّةُ): وَهِيَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُلَائِمُهَا طَبْعاً، كَمَحَبَّةِ الطَّعَامِ، وَالزَّوْجَةِ، وَالوَلَدِ، وَالوَطَنِ. وَهَذِهِ المَحَبَّةُ فِي أَصْلِهَا مُبَاحَةٌ، مَا لَمْ تُقَدَّمْ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَإِذَا صَدَّتْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ أَوْ أَوْقَعَتْ فِي مَعْصِيَةٍ صَارَتْ مَحْمُومَةً (1).
ثَانِيًا: تَفْنِيدُ شُبُهَاتِ أَهْلِ البِدَعِ فِي مَقَامِ المَحَبَّةِ
قُلْتُ: لَقَدْ ضَلَّتْ فِي مَقَامِ المَحَبَّةِ طَائِفَتَانِ عَلَى طَرَفَيِ النَّقِيضِ:
- الطَّائِفَةُ الأُولَى (المُعَطِّلَةُ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ): الَّذِينَ نَفَوْا حَقِيقَةَ المَحَبَّةِ عَنِ اللهِ تَعَالَى، زَعْماً مِنْهُمْ أَنَّ المَحَبَّةَ تَقْتَضِي مَيْلَ القَلْبِ وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ. فَفَسَّرُوا مَحَبَّةَ اللهِ لِعَبْدِهِ بِإِرَادَةِ الثَّوَابِ، وَمَحَبَّةَ العَبْدِ لِرَبِّهِ بِمُجَرَّدِ الطَّاعَةِ. وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا تَعْطِيلٌ لِلنُّصُوصِ، وَاللهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّ وَيُحَبُّ حَقِيقَةً عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ سُبْحَانَهُ.
- الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ (غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ): الَّذِينَ غَلَوْا فِي المَحَبَّةِ حَتَّى أَخْرَجُوهَا عَنْ ضَابِطِ الِاتِّبَاعِ، فَعَبَدُوا اللهَ بِالمَحَبَّةِ المَحْضَةِ دُونَ خَوْفٍ أَوْ رَجَاءٍ، وَرُبَّمَا وَصَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى دَعْوَى الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ. وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّ المَحَبَّةَ الشَّرْعِيَّةَ هِيَ مَحَبَّةُ الِانْقِيَادِ وَالِاتِّبَاعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (2).
ثَالِثًا: نُقُولَاتُ الأَئِمَّةِ فِي مَقَامِ المَحَبَّةِ
- نَقْلُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
«أَصْلُ الإِيمَانِ مَحَبَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَالمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَسْتَلْزِمُ مُتَابَعَةَ المَحْبُوبِ؛ فَمَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللهِ وَهُوَ يُخَالِفُ أَمْرَهُ فَدَعْوَاهُ كَاذِبَةٌ. وَالمَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ العَمَلَ لَذِيذاً عَلَى النَّفْسِ، فَإِذَا خَلَا العَمَلُ عَنِ المَحَبَّةِ صَارَ كُلْفَةً وَمَشَقَّةً لَا بَرَكَةَ فِيهَا (3).»
- نَقْلُ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ:
«المَحَبَّةُ هِيَ المَنْزِلَةُ الَّتِي فِيهَا يَتَنَافَسُ المُتَنَافِسُونَ، وَإِلَيْهَا شَخَصَ العَارِفُونَ، وَهِيَ قُوتُ القُلُوبِ وَغِذَاءُ الأَرْوَاحِ. وَلَا يُتَصَوَّرُ عَمَلٌ صَحِيحٌ بِدُونِ مَحَبَّةٍ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ لِلْعَمَلِ كَالرَّأْسِ لِلْجَسَدِ؛ فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ فَلَا حَيَاةَ، وَإِذَا انْتَفَتِ المَحَبَّةُ فَلَا قَبُولَ (4).»
- نَقْلُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«إِنَّ المَحَبَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَعْظِيمِ المَحْبُوبِ، وَمِنْ آثَارِهَا العَظِيمَةِ أَنَّهَا تَقْطَعُ دَابِرَ المَعَاصِي مِنَ القَلْبِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَعْصِيَ مَنْ يُحِبُّ. وَهِيَ فِي مَتْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بِمَنْزِلَةِ الشَّرْطِ لِلْعَزِيمَةِ؛ فَمَنْ فَقَدَ المَحَبَّةَ تَرَاخَى فِي العَزْمِ، وَمَنْ صَدَقَتْ مَحَبَّتُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ مَشَاقُّ التَّكْلِيفِ (5).»
رَابِعًا: قِيمَةُ المَحَبَّةِ فِي العَمَلِ وَأَهَمِّيَّتُهَا لِلِامْتِثَالِ
قُلْتُ: تَنْبُعُ قِيمَةُ المَحَبَّةِ فِي العَمَلِ مِنْ كَوْنِهَا المُحَرِّكَ الَّذِي لَا يَفْتُرُ؛ فَالْعَبْدُ قَدْ يَعْمَلُ بِالخَوْفِ فَيُؤَدِّي الوَاجِبَ بِتَثَاقُلٍ، وَقَدْ يَعْمَلُ بِالرَّجَاءِ فَيُؤَدِّي الوَاجِبَ بِطَمَعٍ، لَكِنَّهُ إِذَا عَمِلَ بِالمَحَبَّةِ أَدَّى الوَاجِبَ بِتَلَذُّذٍ وَإِقْبَالٍ. وَلِذَلِكَ كَانَتِ المَحَبَّةُ هِيَ الفَارِقُ بَيْن "الامْتِثَالِ الصُّورِيِّ" وَ"الامْتِثَالِ الحَقِيقِيِّ"؛ فَالْمُحِبُّ يَسْأَلُ عَمَّا يُرْضِي مَحْبُوبَهُ لِيَفْعَلَهُ، وَعَمَّا يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبَهُ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ تَقْدِيمِ المَحَبَّةِ عَلَى العَزْمِ فِي الرِّسَالَةِ.
الحَاشِيَةُ ______________________^
(1) يُنْظَرُ فِي تَقْسِيمِ المَحَبَّةِ: (تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ص 410).
(2) يُنْظَرُ فِي الرَّدِّ عَلَى المُعَطِّلَةِ فِي بَابِ المَحَبَّةِ: (الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ، ابْنُ القَيِّمِ، ج 2، ص 450).
(3) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (رِسَالَةُ العُبُودِيَّةِ)، مَكْتَبَةُ دَارِ الهِجْرَةِ، ص 62.
(4) ابْنُ القَيِّمِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، ج 3، ص 8.
(5) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، مَوْقِعُهُ الرَّسْمِيُّ، ص 22.
(6) قُلْتُ: مَنْ حَرُمَ لَذَّةَ المَحَبَّةِ فِي الطَّاعَةِ، فَلْيَبْكِ عَلَى قَلْبِهِ؛ فَإِنَّ العِبَادَةَ بِلَا مَحَبَّةٍ كَالرَّسْمِ عَلَى المَاءِ.
^____________________________19 _______________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 20 - (تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ وَتَأْصِيلُ البَاحِثِ لِمَرْتَبَةِ العَزْمِ)]
أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ (قَدِيماً)
1. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ:
«إِنَّ العَزْمَ الجَازِمَ هُوَ القُوَّةُ الَّتِي تَنْفِي التَّرَدُّدَ عَنِ القَلْبِ، وَلَا يَكُونُ العَبْدُ صَادِقاً فِي مَحَبَّتِهِ حَتَّى يَعْزِمَ عَلَى الِامْتِثَالِ بِمَا عَرَفَ. وَكَثِيرٌ مِمَّنْ نَرَاهُمْ يُقِرُّونَ بِالتَّوْحِيدِ وَيَدَّعُونَ حُبَّهُ، يَقِفُونَ عِنْدَ حَدِّ العَزْمِ فَلَا يَتَجَاوَزُونَهُ؛ إِمَّا خَوْفاً عَلَى مَنْصِبٍ أَوْ جَاهٍ، وَإِمَّا رَغْبَةً فِي مُدَاهَنَةِ النَّاسِ. وَهَذَا النَّقْصُ فِي العَزْمِ يَدُلُّ عَلَى ضَعْفِ اليَقِينِ بِالآخِرَةِ، فَإِنَّ مَنْ عَلِمَ عِظَمَ مَا عِنْدَ اللهِ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَنْقُصُ مِنْ دُنْيَاهُ، وَالعَزِيمَةُ هِيَ مَبْدَأُ الانْتِقَالِ مِنْ حَيِّزِ القَوْلِ إِلَى حَيِّزِ الفِعْلِ، وَبِدُونِهَا يَبْقَى الإِيمَانُ دَعْوَى بِلَا حَقِيقَةٍ (1).»
2. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ نَاصِرٍ آلِ مَعْمَرٍ:
«مَرْتَبَةُ العَزْمِ هِيَ المَحَكُّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ الصَّادِقُ مِنَ الكَاذِبِ؛ فَالْعِلْمُ يَشْتَرِكُ فِيهِ المُؤْمِنُ وَالمُنَافِقُ، وَالمَحَبَّةُ قَدْ يَدَّعِيهَا كُلُّ أَحَدٍ، لَكِنَّ العَزْمَ الصَّادِقَ الَّذِي لَا يَرْتَدُّ أَمَامَ بَهْرَجِ الدُّنْيَا هُوَ صِفَةُ الخُلَّصِ. وَقَدْ نَبَّهَ المُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ خَوْفَ تَغَيُّرِ الدُّنْيَا هُوَ الحِجَابُ الأَكْبَرُ، وَهُوَ الَّذِي مَنَعَ جَمَاعَةً مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ مِنْ تَرْكِ أَوْثَانِهِمْ رَغْمَ عِلْمِهِمْ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْعَزِيمَةُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ وَاجِبٌ، وَالتَّخَلُّفُ عَنْهَا مَعَ وُجُودِ دَوَاعِيهَا يُعَدُّ نَوْعاً مِنَ الإِعْرَاضِ المَذْمُومِ الَّذِي قَدْ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الرِّدَّةِ العَمَلِيَّةِ (2).»
3. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ:
«إِنَّ الإِمَامَ جَعَلَ العَزْمَ مَرْتَبَةً مُسْتَقِلَّةً لِيُبَيِّنَ أَنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَعْجَزُ عَنْ صَدِّ العَبْدِ عَنِ العِلْمِ، وَيَعْجَزُ عَنْ صَدِّهِ عَنِ المَحَبَّةِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ بَابِ "التَّسْوِيفِ" وَتَوْهِينِ العَزْمِ بِتَخْوِيفِهِ مِنَ الفَقْرِ أَوْ فَقْدِ المَكَانَةِ. وَتَأْصِيلُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَعْلَمَ المُكَلَّفُ أَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِمَّنْ بَلَغَهُ الأَمْرُ إِلَّا القَصْدَ الجَازِمَ. وَمَنْ تَرَكَ العَزِيمَةَ حِرْصاً عَلَى دُنْيَاهُ فَقَدْ آثَرَ العَاجِلَةَ عَلَى الآجِلَةِ، وَهَذَا يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوْحِيدِ الوَاجِبِ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ مُتَذَبْذِباً لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ (3).»
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ
4. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوزَانَ الفَوزَانِ:
«العَزْمُ عَلَى الفِعْلِ هُوَ النِّيَّةُ الجَازِمَةُ، وَهُوَ يَعْقُبُ العِلْمَ وَالمَحَبَّةَ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ عَرَفُوا الحَقَّ وَأَحَبُّوهُ، وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى تَرْكِ البَاطِلِ لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ، وَهَذَا هُوَ "الإِعْرَاضُ التَّرْكِيُّ". فَالشَّيْخُ مُحَمَّدٌ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الِانْتِقَالَ لِلْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ (العَمَل) مَرْهُونٌ بِقُوَّةِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ. فَمَنْ ضَعُفَ عَزْمُهُ فَلَنْ يَقُومَ بِعَمَلٍ، وَمَنْ قَوِيَ عَزْمُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ كُلُّ الصِّعَابِ، وَهَذَا مِنَ التَّرْبِيَةِ الإِيمَانِيَّةِ العَمِيقَةِ فِي مَنْهَجِ السَّلَفِ (4).»
5. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«فِي مَرْتَبَةِ العَزْمِ، نَجِدُ تَأْصِيلَ الإِمَامِ لِقَضِيَّةِ "المُوَازَنَةِ" بَيْنَ الدُّنْيَا وَالدِّينِ؛ فَالسَّبَبُ الَّذِي ذَكَرَهُ (خَوْفاً مِنْ تَغَيُّرِ دُنْيَاهُ) هُوَ أَعْظَمُ عَائِقٍ لِلْعَزِيمَةِ. وَالعَزْمُ الصَّادِقُ يَسْتَلْزِمُ التَّضْحِيَةَ، فَإِذَا صَدَقَ العَبْدُ فِي عَزْمِهِ فَتَحَ اللهُ لَهُ أَبْوَابَ الِاسْتِطَاعَةِ. وَمَنْ فَقَدَ هَذِهِ المَرْتَبَةَ بَقِيَ فِي دَائِرَةِ "المَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ" الَّتِي لَا تُسْمِنُ وَلَا تُغْنِي مِنْ جُوعٍ عِنْدَ لِقَاءِ اللهِ. فَالْعَزِيمَةُ هِيَ مِحْوَرُ الِانْفِكَاكِ عَنْ سُلْطَانِ الهَوَى وَالدُّخُولِ فِي سُلْطَانِ الوَحْيِ (5).»
6. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«مَرْتَبَةُ العَزْمِ فِي هَذَا المَتْنِ تُمَثِّلُ "الإِرَادَةَ الجَازِمَةَ" الَّتِي هِيَ جُزْءٌ مِنْ تَعْرِيفِ الإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالشَّيْخُ لَمَّا جَعَلَهَا مَرْتَبَةً بَعْدَ المَحَبَّةِ، أَرَادَ أَنْ يَحْسِمَ مَادَّةَ التَّسْوِيفِ. فَالْبَحْثُ العَقَدِيُّ هُنَا يَدُورُ حَوْلَ: هَلْ يُعْتَبَرُ المَرْءُ مُوَحِّداً بِمُجَرَّدِ المَحَبَّةِ دُونَ عَزْمٍ؟ وَالجَوَابُ: أَنَّ نَفْيَ العَزْمِ مَعَ القُدْرَةِ يَنْفِي حَقِيقَةَ الِانْقِيَادِ. وَالرَّبْطُ بِالدُّنْيَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي تُضَيِّعُ العَزِيمَةَ هِيَ فِتْنَةُ الشَّهَوَاتِ وَالشُّبُهَاتِ المَالِيَّةِ وَالجَاهِيَّةِ (6).»
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلنُّقُولَاتِ السِّتَّةِ (بِقَلَمِ البَاحِثِ)
قُلْتُ: إِنَّ اجْتِمَاعَ كَلِمَةِ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ عَلَى خُطُورَةِ مَرْتَبَةِ "العَزْمِ" يُؤَصِّلُ لَنَا أَنَّ العُبُودِيَّةَ لَيْسَتْ مَشَاعِرَ بَارِدَةً، بَلْ هِيَ إِرَادَةٌ حَارَّةٌ تَدْفَعُ لِلْبِنَاءِ. وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِهَذِهِ النُّقُولَاتِ يَتَلَخَّصُ فِي أَنَّ "العَزْمَ" هُوَ الوَاسِطَةُ بَيْنَ "الِاعْتِقَادِ القَلْبِيِّ" (عِلْم ومَحَبَّة) وَبَيْنَ "العَمَلِ الظَّاهِرِ". فَإِذَا تَعَطَّلَتِ الوَاسِطَةُ انْقَطَعَ المَدَدُ.
وَمِنْ هُنَا أُقَرِّرُ أَنَّ الخَوْفَ عَلَى الدُّنْيَا لَيْسَ عُذْراً فِي تَرْكِ العَزِيمَةِ، بَلْ هُوَ قَادِحٌ فِي أَصْلِ "التَّوَكُّلِ" وَ"اليَقِينِ"؛ لِأَنَّ العَازِمَ الصَّادِقَ يَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وَهَذِهِ النُّقُولَاتُ تُفِيدُ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِمَقَامِ العِلْمِ وَالمَحَبَّةِ دُونَ عَزْمٍ فَقَدْ تَشَبَّهَ بِمَنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللهِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ. لِذَا، فَالْعَزْمُ عِنْدَ البَاحِثِ هُوَ "صِدْقُ التَّوَجُّهِ"، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَنْزِلُ مَعُونَةَ اللهِ لِلْعَبْدِ لِيَنْتَقِلَ إِلَى مَرْتَبَةِ العَمَلِ.
الحَاشِيَةُ ___________________________________^
(1) عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، (رِسَالَةٌ فِي مَعْنَى الِاتِّبَاعِ وَمُخَالَفَةِ الهَوَى)، مَخْطُوطَةُ المَكْتَبَةِ المَحْمُودِيَّةِ، رَقْم 124، ص 12.
(2) حَمَدُ بْنُ نَاصِرٍ آلِ مَعْمَرٍ، (الفَوَاكِهُ العِذَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُحَكِّمِ الكِتَابَ)، دَارُ العَاصِمَةِ، ط 2، ص 89.
(3) إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ، (حُكْمُ المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ وَالجَلِيَّةِ فِي التَّوْحِيدِ)، مَطْبَعَةُ نَجْدٍ، ط 1، ص 45.
(4) صَالِحُ بْنُ فَوزَانَ الفَوزَانِ، (شَرْحُ رَسَائِلِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط 2، ج 1، ص 112.
(5) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (مَحَاضَرَاتٌ فِي شَرْحِ المَرَاتِبِ السَّبْعِ)، مَوْقِعُهُ الرَّسْمِيُّ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.
(6) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، (تَيْسِيرُ القَدِيرِ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ)، دَارُ الإِيلَافِ، ط 1، ص 204.
^___________________________20___________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 21 - (تَحْقِيقُ العَزْمِ وَتَأْصِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالبِدْعَةِ)]
أَوَّلاً: تَحْقِيقُ مَفْهُومِ الِاسْتِطَاعَةِ وَارْتِبَاطِهَا بِالعَزْمِ
قُلْتُ: إِنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ "العَزْمِ عَلَى الفِعْلِ" وَبَيْنَ "الِاسْتِطَاعَةِ" هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ. فَالْعَزْمُ هُوَ "الإِرَادَةُ الجَازِمَةُ"، وَلَا تَتَوَجَّهُ هَذِهِ الإِرَادَةُ إِلَّا نَحْوَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا انْقَسَمَتِ الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ سَلَفِ الأُمَّةِ إِلَى نَوْعَيْنِ ضَرُورِيَّيْنِ:
الِاسْتِطَاعَةُ القَبْلِيَّةُ (المُصَحِّحَةُ لِلْفِعْلِ): وَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ، وَتُسَمَّى "الِاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ"، وَهِيَ سَلَامَةُ الجَوَارِحِ، وَصِحَّةُ الآلَاتِ، وَوُجُودُ الإِمْكَانِ. فَمَنْ عَلِمَ أَمْرَ اللهِ وَأَحَبَّهُ وَكَانَتْ لَدَيْهِ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ وَجَبَ عَلَيْهِ العَزْمُ فَوْراً. وَمَنْ تَرَكَ العَزْمَ هُنَا -مَعَ وُجُودِ هَذِهِ القُدْرَةِ- فَقَدْ عَصَى عَزْمُهُ قَلْبَهُ، وَآثَرَ سُكُونَ الجَهَالَةِ عَلَى حَرَكَةِ الامْتِثَالِ.
الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الفِعْلِ (المُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ): وَهِيَ لَحْظَةُ "التَّوْفِيقِ" الَّتِي يَقْرِنُهَا اللهُ تَعَالَى بِالعَمَلِ، فَيُعِينُ العَبْدَ عَلَى تَنْفِيذِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللهُ، وَهِيَ المُرَادَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ}. فَالْعَبْدُ يَبْذُلُ العَزْمَ مُسْتَنِداً إِلَى الِاسْتِطَاعَةِ الأُولَى، فَيُكْرِمُهُ اللهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ الثَّانِيَةِ لِيَقَعَ العَمَلُ (1).
ثَانِيًا: مَنْ خَالَفَ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ
قُلْتُ: لَقَدْ زَلَّتْ فِي هَذَا المَقَامِ أَقْدَامُ طَائِفَتَيْنِ:
الأُولَى (المُعْتَزِلَةُ): وَهُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الفِعْلِ فَقَطْ، وَأَنَّ العَبْدَ مُسْتَقِلٌّ بِإِيجَادِ فِعْلِهِ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى تَوْفِيقِ اللهِ المُقَارِنِ لِلْعَمَلِ. وَخَالَفُوا فِي ذَلِكَ لِيَهْرُبُوا مِنْ مَسْأَلَةِ "خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ"، فَجَعَلُوا العَبْدَ خَالِقاً لِفِعْلِ نَفْسِهِ، وَبِذَلِكَ أَنْكَرُوا حَقِيقَةَ التَّوْفِيقِ الإِلَهِيِّ الَّذِي يَتْبَعُ الصِّدْقَ فِي العَزْمِ.
الثَّانِيَةُ (الأَشَاعِرَةُ وَالجَبْرِيَّةُ): وَهُمُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي الطَّرَفِ الآخَرِ، فَقَالُوا: لَا اسْتِطَاعَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا مَعَ الفِعْلِ، أَمَّا قَبْلَ الفِعْلِ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ. وَهَذَا القَوْلُ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ إِلَّا مُسْتَطِيعاً، فَإِذَا نَفَيْنَا الِاسْتِطَاعَةَ قَبْلَ الفِعْلِ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ العَبْدُ بِالعَزْمِ؟ وَكَيْفَ يُذَمُّ عَلَى تَرْكِهِ؟
تَعْلِيقِي: أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الوَسَطُ؛ حَيْثُ أَثْبَتُوا لِلْعَبْدِ عَزْماً وَقُدْرَةً قَبْلَ الفِعْلِ (بِهَا يُثَابُ وَيُعَاقَبُ)، وَأَثْبَتُوا أَنَّ تَمَامَ العَمَلِ بِيَدِ اللهِ تَوْفِيقاً (2).
ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي
قُلْتُ: مِمَّا يَجْدُرُ بَثُّهُ فِي هَذَا المَقَامِ مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، حَيْثُ قَالَ:
«إِنَّ العَزْمَ الصَّادِقَ هُوَ الثَّمَرَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِلْعِلْمِ وَالمَحَبَّةِ، وَمَنْ تَعَلَّلَ بِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ لِيَهْرُبَ مِنَ العَزْمِ فَقَدْ كَذَبَ؛ لِأَنَّ اللهَ مَا أَمَرَ إِلَّا بِمَا يُطَاقُ. وَالِاسْتِطَاعَةُ المَطْلُوبَةُ لِلْعَزْمِ هِيَ القُدْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ المَوْجُودَةُ عِنْدَ كُلِّ بَالِغٍ عَاقِلٍ صَحِيحِ البَدَنِ. وَمُشْكِلَةُ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَرْبِطُونَ عَزْمَهُمْ بِالظُّرُوفِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَيَظُنُّونَ أَنَّ فَقْدَ الجَاهِ أَوْ خَوْفَ الفَقْرِ يُسْقِطُ عَنْهُمُ الِاسْتِطَاعَةَ، وَهَذَا وَهْمٌ شَيْطَانِيٌّ. فَالعَزْمُ وَاجِبٌ عَيْناً، وَالتَّوْفِيقُ (الِاسْتِطَاعَةُ المَعِيَّةُ) مَرْهُونٌ بِهَذَا العَزْمِ؛ فَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ فِي عَزْمِهِ، خَلَقَ اللهُ لَهُ القُوَّةَ عَلَى فِعْلِ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ (3).»
رَابِعًا: قِيمَةُ العَزْمِ فِي الِامْتِثَالِ (بِقَلَمِ البَاحِثِ)
قُلْتُ: إِنَّ مَرْتَبَةَ العَزْمِ هِيَ المَرْحَلَةُ الفَاصِلَةُ بَيْنَ "الدَّعْوَى" وَ"الحَقِيقَةِ". فَالْعِلْمُ وَالمَحَبَّةُ أُمُورٌ بَاطِنَةٌ، وَالعَمَلُ أَمْرٌ ظَاهِرٌ، وَالعَزْمُ هُوَ الجِسْرُ النَّابِضُ بَيْنَهُمَا. وَمَنْ تَأَمَّلَ فِي قَوْلِ الإِمَامِ "خَوْفاً مِنْ تَغَيُّرِ دُنْيَاهُ" أَدْرَكَ أَنَّ العَزْمَ يَحْتَاجُ إِلَى "تَجْرِيدِ التَّوَكُّلِ"؛ لِأَنَّ العَبْدَ إِذَا عَزَمَ فَقَدْ أَلْقَى بِنَفْسِهِ فِي مَيَدَانِ الامْتِثَالِ، وَهُنَا يَأْتِيهِ الشَّيْطَانُ بِالفَقْرِ وَتَغَيُّرِ المَنْزِلَةِ.
وَلِذَا، فَإِنَّ تَرْكَ العَزْمِ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ "النُّكُولِ" عَنِ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِحَالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ أَبْطَلَ مَفْعُولَهَا بِإِعْرَاضِهِ. فَالْعَزْمُ هُوَ رُوحُ التَّكْلِيفِ، وَبِهِ يَسْتَحِقُّ العَبْدُ لَقَبَ "عَبْدٍ"، لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَتَرَدَّدُ فِي تَنْفِيذِ أَمْرِ سَيِّدِهِ إِذَا عَرَفَهُ وَأَحَبَّهُ وَقَدَرَ عَلَيْهِ.
الحَاشِيَةُ __________________________^
(1) يُنْظَرُ فِي تَفْصِيلِ نَوْعَيِ الِاسْتِطَاعَةِ: ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ، (شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، ط 1، ص 432-435.
(2) يُنْظَرُ فِي الرَّدِّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ وَالجَبْرِيَّةِ فِي بَابِ القَدَرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى)، ط مَجْمَعِ المَلِكِ فَهْدٍ، ج 8، ص 371.
(3) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، نُسْخَةٌ مَنْشُورَةٌ إِلكِتْرُونِيّاً، ص 24-25.
(4) قُلْتُ: مَنْ حَبَسَ عَزْمَهُ خَوْفاً عَلَى فَوْتِ دُنْيَاهُ، فَقَدْ جَهِلَ أَنَّ الدُّنْيَا بِيَدِ مَنْ أَمَرَهُ بِالعَزْمِ، فَهَلْ يُعْقَلُ أَنْ يَمْنَعَ الرَّزَّاقُ رِزْقَهُ عَمَّنْ عَزَمَ عَلَى تَوْحِيدِهِ؟
(5) يُرَاجَعُ فِي الرَّبْطِ بَيْنَ العَزْمِ وَتَغَيُّرِ الدُّنْيَا: (أَعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ، ابْنُ القَيِّمِ، ج 2، ص 176).
^______________________________21_____________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 22 - (المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: العَمَلُ وَآفَةُ الِانْصِرَافِ عَنْهُ)]
أَوَّلاً: نَصُّ المَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ :قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: «المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: العَمَلُ؛ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا عَزَمَ أَوْ عَمِلَ، وَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ مَنْ يُعَظِّمُهُ مِنْ شُيُوخِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ، تَرَكَ العَمَلَ» (1).
♤_______________________________________________♤
ثَانِيًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ (أ، ب، ج) بِالنُّسْخَةِ (د)
قُلْتُ: بِاسْتِقْرَاءِ نُسَخِ المَتْنِ، نَلْحَظُ مَا يَلِي:
اتَّفَقَتِ النُّسَخُ عَلَى ذِكْرِ "العَمَلِ" كَمَرْتَبَةٍ تَالِيَةٍ لِلْعَزْمِ، وَفِي النُّسْخَةِ (أ) جَاءَ التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ "وَتَبَيَّنَ لَهُ" وَفِي (د) "وَتَبَيَّنَ عَلَيْهِ"، وَالثَّانِيَةُ أَدَقُّ لُغَةً فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الظُّهُورِ وَالِانْكِشَافِ.
زَادَتِ النُّسْخَةُ (ج) بَعْدَ قَوْلِهِ "تَرَكَ العَمَلَ" لَفْظَةَ "خَوْفاً مِنْهُمْ"، وَهِيَ زِيَادَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ تُوَضِّحُ عِلَّةَ التَّرْكِ الصَّادِرِ عَنِ العَبْدِ بَعْدَ الشُّرُوعِ (2).
ثَالِثًا: فِقْهُ المُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ)
1. (العَمَلُ): لُغَةً: مِنَ "عَمَلَ" يَعْمَلُ، وَهُوَ حَرَكَةُ البَدَنِ أَوْ القَلْبِ بِقَصْدٍ. وَحَدُّهُ: "امْتِثَالُ الجَوَارِحِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي القَلْبِ مِنْ عِلْمٍ وَعَزْمٍ".
2. (تَبَيَّنَ عَلَيْهِ): مِنَ "البَيْنِ" وَهُوَ الظُّهُورُ وَالِانْفِصَالُ. وَحَدُّهُ: "أَيْ ظَهَرَ أَمْرُهُ وَانْكَشَفَ سِرُّ عَمَلِهِ لِمَنْ حَوْلَهُ فَلَمْ يَعُدْ مَسْتُوراً".
3. (يُعَظِّمُهُ): مِنَ "العَظَمَةِ" وَهُوَ الكِبَرُ. وَحَدُّهُ هُنَا: "مَنْ لَهُ سُلْطَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ أَوْ حِسِّيَّةٌ عَلَى العَبْدِ مِنَ العُلَمَاءِ أَوْ الوُجَهَاءِ، فَيُقَدِّمُ رِضَاهُمْ عَلَى رِضَا اللهِ" (3).
رَابِعًا: مَقْصُودُ الشَّيْخِ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ
قُلْتُ: مَقْصُودُ الإِمَامِ -رَحِمَهُ اللهُ- هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ العَمَلَ هُوَ رُكْنُ الإِيمَانِ الرَّكِينِ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الشُّرُوعِ فِيهِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ. وَأَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ "العَمَلَ مِنَ الإِيمَانِ"، وَأَنَّ الإِيمَانَ أَجْزَاءٌ وَأَبْعَاضٌ يَنْقُصُ مِنْهَا مَا يَنْقُصُ بِتَرْكِ العَمَلِ. وَقَصَدَ أَيْضاً كَشْفَ حَقِيقَةِ "شِرْكِ الطَّاعَةِ"؛ حَيْثُ يَتْرُكُ المَرْءُ أَمْرَ اللهِ لِأَجْلِ قَوْلِ شَيْخٍ أَوْ رَئِيسٍ، فَصَارَ هَؤُلَاءِ عِنْدَهُ أَعْظَمَ مِنْ رَبِّهِ، وَهَذَا هُوَ الِانْحِرَافُ عَنِ الجَادَّةِ بَعْدَ الِانْطِلَاقِ فِيهَا (4).
خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَالأُصُولِيُّ لِلْمَرْتَبَةِ
القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ: "العَمَلُ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَفْهُومِ الإِيمَانِ"، فَلَا يُسَمَّى العَبْدُ مُؤْمِناً بِمُجَرَّدِ القَصْدِ حَتَّى يُحَقِّقَ الفِعْلَ. وَتَرْكُ العَمَلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ لِأَجْلِ الخَلْقِ يَقْدَحُ فِي "أَصْلِ الإِخْلَاصِ".
القَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: "وُجُوبُ إِتْمَامِ المَأْمُورِ بِهِ"، فَالْعَمَلُ إِذَا كَانَ وَاجِباً فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ المَخْلُوقِينَ، لِأَنَّ "لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ".
الضَّابِطُ الجَامِعُ: "ثَمَرَةُ العِلْمِ وَالعَزْمِ هِيَ العَمَلُ، وَثَمَرَةُ العَمَلِ هِيَ الِاسْتِقَامَةُ، وَقَاطِعُ الطَّرِيقِ بَيْنَهُمَا هُوَ تَعْظِيمُ الأَشْخَاصِ".
الحَاشِيَةُ _____________________________^
(1) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، (رِسَالَةُ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ) ضِمْنَ (مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ)، تَحْقِيقُ د. عَلِيّ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَقِيهِيِّ، ط 1، 1419هـ، ص 18.
(2) يُرَاجَعُ: (مَجْمُوعُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ)، جَامِعَةُ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، ط 1، ج 1، ص 169.
(3) قُلْتُ: مَنْ قَدَّمَ قَوْلَ شَيْخِهِ عَلَى أَمْرِ اللهِ بَعْدَ تَبَيُّنِهِ لَهُ، فَقَدِ اتَّخَذَهُ رَبّاً مِنْ دُونِ اللهِ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ وَالِامْتِثَالِ، وَهَذَا أَصْلُ ضَلَالِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ.
(4) يُنْظَرُ فِي ارْتِبَاطِ العَمَلِ بِالإِيمَانِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (كِتَابُ الإِيمَانِ)، مَكْتَبَةُ دَارِ الهِجْرَةِ، ط 2، ص 154-158.
(5) لِتَفْصِيلِ مَسْأَلَةِ "تَعْظِيمِ الأَشْخَاصِ" وَأَثَرِهَا فِي تَرْكِ العَمَلِ: يُنْظَرُ ابْنُ القَيِّمِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، ج 2، ص 331.
(6) قُلْتُ: العَمَلُ هُوَ الرُّوحُ لِجَسَدِ العِلْمِ، فَإِذَا نُزِعَتِ الرُّوحُ لِأَجْلِ خَوْفِ بَشَرٍ مِثْلِكَ، فَقَدْ جَعَلْتَ لِلهِ نِدّاً فِي أَخَصِّ مَقَامَاتِ القَلْبِ.
(7) يُرَاجَعُ: (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ)، ج 1، ص 102، فِي بَيَانِ صِفَةِ مَنْ يَعْمَلُ ثُمَّ يَرْتَدُّ عَلَى عَقِبَيْهِ.
^____________________________22______________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 23 - (تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ حَوْلَ مَرْتَبَةِ العَمَلِ وَخُطُورَةِ النُّكُوصِ)]
أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ (قَدِيماً)
1. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ حُسَيْنِ بْنِ غَنَّامٍ:
«إِنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ هِيَ مَقْصِدُ المَرَاتِبِ كُلِّهَا؛ فَالْعِلْمُ وَالمَحَبَّةُ وَالعَزْمُ وَسَائِلُ، وَالعَمَلُ هُوَ الغَايَةُ الَّتِي خُلِقَ الخَلْقُ لَهَا. وَقَدْ نَبَّهَ الإِمَامُ عَلَى أَنَّ العَمَلَ قَدْ يَنْقَطِعُ بِعَارِضِ "تَعْظِيمِ الأَشْخَاصِ"، وَهِيَ دَقِيقَةٌ مَسْلَكِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى بَصِيرَتِهِ بِأَحْوَالِ النُّفُوسِ. فَمَنْ بَدَأَ فِي طَرِيقِ التَّوْحِيدِ عَمَلاً، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ شَيْخٌ يَهَابُهُ أَوْ عَالِمٌ يُقَدِّسُهُ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ بِتَرْكِ ذَلِكَ خَوْفاً مِنَ المَشَقَّةِ أَوْ مُخَالَفَةِ العُرْفِ، فَتَرَكَ العَمَلَ؛ فَقَدْ جَعَلَ لِلهِ نِدّاً فِي سُلْطَانِ التَّشْرِيعِ. وَالعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الدَّعْوَةِ هُوَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، وَمَنْ تَرَكَ العَمَلَ بَعْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ لِأَجْلِ بَشَرٍ، فَقَدْ نَقَضَ عُرَى عَزْمِهِ، وَبَقِيَ مُتَذَبْذِباً، وَهَذَا مِنَ الخِذْلَانِ الَّذِي يُصِيبُ مَنْ لَمْ يُخْلِصْ تَعْظِيمَهُ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ (1).»
2. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ:
«إِنَّ العَمَلَ هُوَ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَا يَنْفَعُ الِاعْتِقَادُ بِدُونِهَا نَفْعاً كَامِلاً، وَقَدْ أَوْضَحَ الشَّيْخُ فِي مَرْتَبَتِهِ الرَّابِعَةِ أَنَّ العَائِقَ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ فِي العَمَلِ قَدْ يَكُونُ فِتْنَةَ "التَّبَعِيَّةِ المَحْضَةِ". فَالنَّاسُ إِذَا تَبَيَّنَ لَهُمْ عَمَلُ العَبْدِ بِالتَّوْحِيدِ أَوْ السُّنةِ، سَلَّطُوا عَلَيْهِ سُلْطَةَ المَتْبُوعِينَ لِيَصُدُّوهُ. وَالعَبْدُ الصَّادِقُ هُوَ مَنْ لَا يَزِيدُهُ تَظَاهُرُ النَّاسِ عَلَيْهِ إِلَّا ثَبَاتاً. أَمَّا مَنْ يُعَظِّمُ الشُّيُوخَ تَعْظِيماً يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْتِثَالِ أَمْرِ اللهِ، فَقَدْ وَقَعَ فِي نَوْعٍ مِنْ شِرْكِ الِاتِّبَاعِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ القُرْآنُ فِي قَوْلِهِ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً}. فَالْعَمَلُ مَنُوطٌ بِالْإِخْلَاصِ، وَالإِخْلَاصُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ خَوْفِ المَخْلُوقِينَ فِي مَقَامِ الفِعْلِ (2).»
3. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ سَحْمَانَ:
«المرتبَةُ الرَّابِعَةُ مِحْنَةٌ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّ العَمَلَ هُوَ بَرْزَخُ الِانْتِقَالِ لِلْمُوَاجَهَةِ مَعَ المُجْتَمَعِ. فَإِذَا عَمِلَ العَبْدُ، رَآهُ النَّاسُ، وَهُنَا تَبْدَأُ الضُّغُوطُ النَّفْسِيَّةُ وَالقَهْرِيَّةُ. وَتَعْبِيرُ المُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ (تَبَيَّنَ عَلَيْهِ مَنْ يُعَظِّمُهُ) يُشِيرُ إِلَى أَنَّ سُلْطَةَ الشُّيُوخِ لَهَا أَثَرٌ سِحْرِيٌّ عَلَى المُرِيدِينَ، فَيُقَدِّمُ أَحَدُهُمْ رِضَا شَيْخِهِ عَلَى رِضَا رَبِّهِ، وَهَذَا مِنَ الِانْتِكَاسِ بَعْدَ الفَتْحِ. فَالْعَمَلُ الَّذِي يُتْرَكُ لِأَجْلِ فُلَانٍ أَوْ فُلَانٍ هُوَ عَمَلٌ لَمْ يُؤَسَّسْ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، وَالعَمَلُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِمِثْلِ هَذَا التَّرْكِ المَذْمُومِ. فَلَا يَكُونُ العَبْدُ قَدْ حَقَّقَ مَرْتَبَةَ العَمَلِ حَتَّى يَنْفَكَّ عَنْ رِبْقَةِ تَعْظِيمِ مَا سِوَى اللهِ تَعَالَى (3).»
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ
4. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ بَازٍ:
«العَمَلُ هُوَ رُوحُ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ شَابَهَ اليَهُودَ. وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عِلَّةً دَقِيقَةً لِتَرْكِ العَمَلِ وَهِيَ سُلْطَةُ المَتْبُوعِينَ، وَهَذَا يَقَعُ كَثِيراً فِي المَسَائِلِ الَّتِي تُخَالِفُ أَهْوَاءَ النَّاسِ. فَيَكُونُ الشَّابُّ مُقْبِلاً عَلَى السُّنةِ، فَإِذَا رَآهُ مَنْ يُعَظِّمُهُ زَجَرَهُ، فَيَتْرُكُ مَا عَمِلَ بِهِ لِأَجْلِهِ. وَهَذَا مِنَ النَّقْصِ العَظِيمِ فِي الإِيمَانِ، وَالوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَكُونَ تَعْظِيمُهُ لِلهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ أَعْظَمَ مِنْ تَعْظِيمِ أَيِّ بَشَرٍ. فَالْعَمَلُ أَمَانَةٌ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ لِأَجْلِ رِضَا الخَلْقِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ الخُسْرَانِ، وَالإِيمَانُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَلَا يَنْفَعُ قَوْلٌ دُونَ عَمَلٍ يُصَدِّقُهُ (4).»
5. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ العُثَيْمِينَ:
«قَوْلُ المُؤَلِّفِ (تَرَكَ العَمَلَ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَمَلَ لَيْسَ شَرْطَ كَمَالٍ بَلْ هُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ (فِي عَمَلِ القَلْبِ وَجِنْسِ الجَوَارِحِ). وَالشَّيْخُ يُشِيرُ إِلَى مَسْأَلَةِ "تَقْلِيدِ الأَكَابِرِ" فِي البَاطِلِ. فَالْعَبْدُ قَدْ يَعْمَلُ بِالسُّنَّةِ، لَكِنْ لِضَعْفِ يَقِينِهِ يَخْضَعُ لِمَنْ يُعَظِّمُهُ. وَهَذَا هُوَ التَّنَاقُضُ بِعَيْنِهِ؛ كَيْفَ تُعَظِّمُ مَخْلُوقاً بِمَا يَمْنَعُكَ مِنْ طَاعَةِ الخَالِقِ؟ فَالْعَمَلُ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّيْخُ هُنَا هُوَ العَمَلُ الَّذِي لَا تَرُدُّهُ سُلْطَةٌ وَلَا تُوهِنُهُ رَهْبَةٌ. وَالإِيمَانُ عِنْدَنَا يَزِيدُ بِتَمَامِ العَمَلِ، وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهِ، وَمَنْ تَرَكَ العَمَلَ لِأَجْلِ شَيْخِهِ فَقَدْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَهَذَا غَايَةُ السَّفَهِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ (5).»
6. نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ البَدْرِ:
«المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ فِيهَا اشَارَةٌ إِلَى رُكْنِيَّةِ العَمَلِ فِي التَّدَيُّنِ الصَّحِيحِ. وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ اسْتَقْرَأَ الوَاقِعَ، فَوَجَدَ أَنَّ الصَّادِقِينَ يَتَمَيَّزُونَ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ. فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِذَا اصْطَدَمَ عَمَلُهُ بِمَكَانَتِهِ عِنْدَ شُيُوخِهِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ. وَهَذَا يُثْبِتُ أَنَّ الإِيمَانَ أَجْزَاءٌ؛ فَمِنْهُ عِلْمٌ، وَمِنْهُ مَحَبَّةٌ، وَمِنْهُ عَزْمٌ، وَتَمَامُهُ العَمَلُ. فَإِذَا تَرَكَ العَمَلَ لِأَجْلِ مَنْ يُعَظِّمُهُ، فَقَدْ هَدَمَ آخِرَ مَرَاحِلِ البِنَاءِ الإِيمَانِيِّ. وَالتَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِهَذَا هُوَ أَنَّ العَبْدَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ رَبَّانِيّاً لَا حِزْبِيّاً وَلَا تَقْلِيدِيّاً، يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ وَالعَمَلِ حَيْثُ دَارَا، وَلَا يَلْتَفِتُ لِزَجْرِ مَنْ زَجَرَهُ عَنْ طَاعَةِ رَبِّهِ (6).»
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلنُّقُولَاتِ السِّتَّةِ (بِقَلَمِ البَاحِثِ)
قُلْتُ: بَعْدَ النَّظَرِ فِي هَذِهِ النُّقُولَاتِ المُتَوَافِرَةِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ "العَمَلَ" هُوَ الفَيْصَلُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالِادِّعَاءِ. وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِذَلِكَ يَرْتَكِزُ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
الأَوَّلُ: أَنَّ العَمَلَ مِنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، فَلَا إِيمَانَ لِمَنْ تَرَكَ جِنْسَ العَمَلِ مَعَ القُدْرَةِ، وَتَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ الأَشْخَاصِ قَدْ يَكُونُ كُفْراً إِذَا بَلَغَ حَدَّ الشِّرْكِ فِي الطَّاعَةِ.
الثَّانِي: أَنَّ تَعْظِيمَ الخَلْقِ إِذَا حَالَ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ العَمَلِ، فَقَدْ جَعَلَ العَبْدُ هَؤُلَاءِ نِدّاً لِلهِ فِي "المَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ".
الثَّالِثُ: أَنَّ ثَبَاتَ العَمَلِ مَرْهُونٌ بِقُوَّةِ الإِخْلَاصِ؛ فَمَنْ عَمِلَ لِلهِ لَمْ يَبَالِ بِظُهُورِهِ لِلشُّيُوخِ أَوْ غَيْرِهِمْ، لِأَنَّهُ يَعْمَلُ لِخَالِقِهِمْ.
وَبِهَذَا يَتَّضِحُ أَنَّ المَرْتَبَةَ الرَّابِعَةَ هِيَ "مَيْدَانُ الصِّدْقِ"، وَمَنْ سَقَطَ فِيهَا فَقَدْ ضَاعَ عَلَيْهِ جَنَى المَرَاتِبِ الثَّلَاثِ السَّابِقَةِ.
الحَاشِيَةُ ___________________________^
(1) حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ، (تَارِيخُ نَجْدٍ - رَوْضَةُ الأَفْكَارِ)، دَارُ الشُّرُوقِ، ط 4، ص 156.
(2) عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (مِنْهَاجُ التَّأْسِيسِ وَالتَّقْدِيسِ فِي الرَّدِّ عَلَى دَاوُدَ بْنِ جَرْجِيسَ)، ط 1، ص 210.
(3) سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ، (الضِّيَاءُ الشَّارِقُ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ المَاذِقِ المَارِقِ)، مَطْبَعَةُ المَنَارِ، ط 1، ص 88.
(4) عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ، (مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ)، ج 2، ص 142.
(5) مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، (مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ العُثَيْمِينَ)، ج 1، ص 56.
(6) عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ عَبْدِ المُحْسِنِ البَدْرِ، (فِقْهُ الأَدْعِيَةِ وَالأَذْكَارِ)، ط 2، ج 1، ص 180.
^___________________________23___________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 24 - (التَّقْفِيلُ العَقْلِيُّ لِلْبَاحِثِ: مَرْكَزِيَّةُ العَمَلِ فِي مَنْظُومَةِ الإِيمَانِ)]
أَوَّلاً: التَّقْفِيلُ العَقْلِيُّ وَالتَّقْرِيرَاتُ العَقَدِيَّةُ (بِقَلَمِ البَاحِثِ)
قُلْتُ: إِنَّ النَّظَرَ العَقْلِيَّ المُسْتَمِدَّ مِنْ مَشْكَاةِ الوَحْيِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ العَمَلُ هُوَ "الغَايَةَ الوُجُودِيَّةَ" لِلْعِلْمِ؛ فَالعِلْمُ بِلَا عَمَلٍ حُجَّةٌ عَلَى العَبْدِ لَا لَهُ، وَهُوَ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ. وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِهَذِهِ المَرْتَبَةِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ كُلٌّ مُرَكَّبٌ، لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ فِي مَقَامِ الِامْتِثَالِ؛ فَمِنْهُ مَا هُوَ بَاطِنٌ (وَهُوَ أَصْلُهُ وَمَادَّتُهُ مِنْ قَوْلِ القَلْبِ وَعَمَلِهِ)، وَمِنْهُ مَا هُوَ ظَاهِرٌ (وَهُوَ فَرْعُهُ وَمُقْتَضَاهُ مِنْ قَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ).
وَمِنْ هُنَا أُقَرِّرُ أَنَّ التَّلَازُمَ بَيْنَ البَاطِنِ وَالظَّاهِرِ تَلَازُمٌ طَرْدِيٌّ؛ فَإِذَا صَحَّ الأَصْلُ فِي البَاطِنِ، لَزِمَ ضَرُورَةً أَنْ يَظْهَرَ فَرْعُهُ عَلَى الجَوَارِحِ. فَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ هُوَ "العُنْوَانُ" الدَّالُّ عَلَى مَا فِي القَلْبِ، وَالتَّفْرِيطُ فِيهِ مَعَ القُدْرَةِ وَعَدَمِ المَانِعِ دَلِيلٌ عَلَى خَرَابِ البَاطِنِ أَوْ نَقْصِهِ النَّقْصَ الظَّاهِرَ. فَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الإِيمَانِ، لَيْسَ خَارِجاً عَنْهُ كَمَا تَدَّعِي المُرْجِئَةُ، وَلَا هُوَ شَيْءٌ زَائِدٌ، بَلْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ وَلَهُ.
ثَانِيًا: خَمْسَةُ نُصُوصٍ فِي أَهَمِّيَّةِ العَمَلِ عِنْدَ السَّلَفِ
قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: «لَيْسَ الإِيمَانُ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَلَكِنَّهُ مَا وَقَرَ فِي القَلْبِ وَصَدَّقَهُ العَمَلُ؛ فَمَنْ قَالَ خَيْراً وَعَمِلَ خَيْراً قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ قَالَ خَيْراً وَعَمِلَ شَرّاً لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ».
قَوْلُ الإِمَامِ الأَوْزَاعِيِّ: «لَا يَسْتَقِيمُ الإِيمَانُ إِلَّا بِالقَوْلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الإِيمَانُ وَالقَوْلُ إِلَّا بِالعَمَلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الإِيمَانُ وَالقَوْلُ وَالعَمَلُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُوَافِقَةٍ لِلسُّنةِ».
قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: «كَانَ الفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: لَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ».
قَوْلُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: «كَانَ الإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مَنْ أَدْرَكْنَا: أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالآخَرِ».
قَوْلُ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ: «لَا يَزَالُ العَالِمُ جَاهِلاً بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ كَانَ عَالِماً».
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ المُحَقِّقِينَ وَالمُعَاصِرِينَ
قَوْلُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
«وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الدِّينَ هُوَ الطَّاعَةُ وَالعَمَلُ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لَمْ يَدِنْ لِلهِ دِيناً، وَالإِيمَانُ أَصْلُهُ فِي القَلْبِ وَهُوَ قَوْلُ القَلْبِ وَعَمَلُهُ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ العَمَلَ الظَّاهِرَ ضَرُورَةً، فَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً فِي قَلْبِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ بِجَوَارِحِهِ، فَلَا يَتَصَوَّرُ وُجُودُ إِيمَانٍ قَلْبِيٍّ كَامِلٍ مَعَ انْتِفَاءِ عَمَلِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرِ (1).»
قَوْلُ الإِمَامِ ابْنِ القَيِّمِ:
«العِلْمُ إِمَامُ العَمَلِ وَقَائِدُهُ، وَالعَمَلُ تَابِعُهُ وَمُؤْتَمٌّ بِهِ، وَكُلُّ عِلْمٍ لَا يَتْبَعُهُ عَمَلٌ فَهُوَ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ. وَالعَمَلُ هُوَ رُوحُ العِلْمِ، وَبِدُونِهِ يَكُونُ العِلْمُ كَالجَسَدِ المَيِّتِ. وَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إِلَّا بُعْداً، لِأَنَّ الحُجَّةَ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ، وَتَرْكُ العَمَلِ بَعْدَ العِلْمِ هُوَ جَوْهَرُ الِانْحِرَافِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ (2).»
قَوْلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي:
«هَذِهِ المَرْتَبَةُ (العَمَل) هِيَ الثَّمَرَةُ المَقْصُودَةُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ. وَالشَّيْخُ نَبَّهَ إِلَى خُطُورَةِ العَوَائِقِ الَّتِي تَصْرِفُ عَنِ العَمَلِ بَعْدَ الشُّرُوعِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَمَلَ يَحْتَاجُ إِلَى "مُجَاهَدَةٍ" لِلْبَقَاءِ عَلَيْهِ. وَالعَمَلُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ لَا يَكُونُ نَافِعاً حَتَّى يَتَحَقَّقَ الظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ جَمِيعاً. فَمَنْ حُبِسَ عَنِ العَمَلِ لِأَجْلِ بَشَرٍ فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ البَشَرَ حَائِلاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَمَامِ إِيمَانِهِ (3).»
الحَاشِيَةُ _______________________♤
(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى)، ط مَجْمَعِ المَلِكِ فَهْدٍ، ج 7، ص 616 (كِتَابُ الإِيمَانِ).
(2) ابْنُ القَيِّمِ، (مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ وَمَنْشُورُ وِلَايَةِ العِلْمِ وَالإِرَادَةِ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، ج 1، ص 115.
(3) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي، (شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، تَفْرِيغُ دُرُوسِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ص 28.
(4) يُنْظَرُ فِي نُصُوصِ السَّلَفِ حَوْلَ الإِيمَانِ: اللَّالَكَائِيُّ، (شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ)، ط دَارِ طَيْبَةَ، ج 4، ص 848 فَمَا بَعْدَهَا.
(5) قُلْتُ: مَنْ كَانَ عِلْمُهُ فِي وَادٍ وَعَمَلُهُ فِي وَادٍ، فَقَدْ فَقَدَ بَرَكَةَ الوَحْيِ وَأَصْبَحَ عِلْمُهُ حُجَّةً عَلَيْهِ لَا لَهُ.
♤____________________________24___________________________________♤
[الوَجْهِ رَقْمُ: 25 - (المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ: شَرْطَا القَبُولِ "الإِخْلَاصُ وَالمُتَابَعَةُ")]
أَوَّلاً: نَصُّ المَرْتَبَةِ الخَامِسَةِ (مُحَقَّقاً وَمُشَكَّلاً)
قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ كَثِيراً مِمَّنْ عَمِلَ لَا يَقَعُ خَالِصاً، فَإِنْ وَقَعَ خَالِصاً لَمْ يَقَعْ صَوَاباً» (1).
ثَانِيًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ (أ، ب، ج) بِالنُّسْخَةِ (د)
قُلْتُ: عِنْدَ عَرْضِ هَذَا النَّصِّ عَلَى النُّسْخِ الخَطِّيَّةِ المُعْتَمَدَةِ، نَجِدُ مَا يَلِي:
اتَّفَقَتْ جَمِيعُ النُّسْخِ عَلَى تَقْدِيمِ "الإِخْلَاصِ" عَلَى "الصَّوَابِ" فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ الأَصْلُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ العَمَلُ.
فِي النُّسْخَةِ (ب) وَ (ج) جَاءَتْ عِبَارَةُ "فَإِنْ وَقَعَ خَالِصاً" بِزِيَادَةِ "فِي نَفْسِهِ"، وَالمَعْنَى لَا يَتَغَيَّرُ، لَكِنَّ نُسْخَةَ (د) الَّتِي اعْتَمَدْنَاهَا هِيَ الأَخْصَرُ وَالأَوْفَقُ لِمَقَاصِدِ الشَّيْخِ فِي الِاخْتِصَارِ غَيْرِ المُخِلِّ (2).
وَقَعَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ المُتَأَخِّرَةِ تَقْدِيمُ "الصَّوَابِ" عَلَى "الإِخْلَاصِ"، لَكِنَّ نَصَّ الإِمَامِ هُنَا حَاسِمٌ فِي تَرْتِيبِ الخَلَلِ الوَاقِعِ عِنْدَ النَّاسِ؛ فَالخَلَلُ فِي الإِخْلَاصِ أَكْثَرُ، ثُمَّ يَلِيهِ الخَلَلُ فِي الِاتِّبَاعِ.
ثَالِثًا: فِقْهُ المُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ)
1. (خَالِصاً): مِنَ الِاشْتِقَاقِ "خَلَصَ" يَخْلُصُ خُلُوصاً، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ مِمَّا يَشُوبُهُ. وَحَدُّهُ الجَامِعُ: "تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنْ مُلَاحَظَةِ المَخْلُوقِينَ وَإِرَادَةِ الدُّنْيَا، لِيَكُونَ القَصْدُ فِيهِ لِلهِ وَحْدَهُ".
2. (صَوَاباً): مِنَ "الصَّوْبِ" وَهُوَ النُّزُولُ المُسْتَقِيمُ، وَيُقَالُ أَصَابَ السَّهْمُ إِذَا وَقَعَ فِي المَحَلِّ المُرَادِ. وَحَدُّهُ الجَامِعُ: "مُوَافَقَةُ العَمَلِ لِشَرْعِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، بِأَنْ يَكُونَ مَشْرُوعاً فِي أَصْلِهِ وَوَصْفِهِ" (3).
رَابِعًا: القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ لِلْمَرْتَبَةِ
القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ: "قَبُولُ العَمَلِ مَشْرُوطٌ بِاجْتِمَاعِ الإِخْلَاصِ لِلْمَعْبُودِ وَالمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ". وَهَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ مَقْتَضَى شَهَادَةِ "أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه".
القَاعِدَةُ الأُصُولِيَّةُ: "الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ التَّوْقِيفُ"، فَلَا يُعْتَدُّ بِعَمَلٍ خَالِصٍ إِذَا كَانَ مُبْتَدَعاً، كَمَا لَا يُعْتَدُّ بِعَمَلٍ صَوَابٍ فِي الظَّاهِرِ إِذَا كَانَ مُرَاءً فِيهِ.
الضَّابِطُ الفِقْهِيُّ: "كُلُّ عَمَلٍ فَقَدَ أَحَدَ الشَّرْطَيْنِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ"، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».
خَامِسًا: مَقْصُودُ الشَّيْخِ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ
قُلْتُ: مَقْصُودُ الإِمَامِ مِنْ هَذَا التَّرْتِيبِ البَدِيعِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ "وُقُوعِ العَمَلِ" (المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ) لَيْسَ هُوَ نِهَايَةُ المَطَافِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ نَقْدِ هَذَا العَمَلِ وَتَمْحِيصِهِ. فَأَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يَنْقُلَ العَبْدَ مِنْ حَيِّزِ "صُورَةِ العَمَلِ" إِلَى "حَقِيقَةِ القَبُولِ".
وَمَقْصُودُهُ أَيْضاً تَقْرِيرُ أَنَّ شُرُوطَ العَمَلِ تَأْتِي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ لِيَتَفَقَّدَ العَبْدُ نِيَّتَهُ وَاتِّبَاعَهُ. وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ كَثِيراً مِنَ العُبَّادِ يَجْتَهِدُونَ فِي الفِعْلِ، لَكِنَّهُمْ يَغْفُلُونَ عَنْ مِيزَانِ (الخَالِصِ وَالصَّوَابِ)، فَجَاءَ هَذَا التَّنْبِيهُ لِيَحْمِيَ العَمَلَ مِنَ الرِّيَاءِ (مُفْسِدُ البَاطِنِ) وَمِنَ البِدْعَةِ (مُفْسِدُ الظَّاهِرِ). فَالْعَمَلُ الَّذِي لَا يَجْمَعُ الشَّرْطَيْنِ هُوَ عَنَاءٌ بِلَا أَجْرٍ، وَهَذَا مَحْضُ الخُسْرَانِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ رَحِمَهُ اللهُ (4).
الحَاشِيَةُ _________________________________&
(1) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، (رِسَالَةُ وَاجِبُنَا نَحْو مَا أَمَرَنَا اللهُ بِهِ)، ضِمْنَ (مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ)، ص 19.
(2) يُرَاجَعُ: (تَصْحِيحُ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ لِرَسَائِلِ الإِمَامِ)، د. صَالِحُ العُبُودِ، ج 1، ص 44.
(3) يُنْظَرُ فِي حَدِّ الإِخْلَاصِ وَالصَّوَابِ: ابْنُ القَيِّمِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ)، ج 1، ص 105، حَيْثُ نَقَلَ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.
(4) قُلْتُ: تَرْتِيبُ الشَّيْخِ لِلْمَرَاتِبِ تَرْتِيبٌ تَرْبَوِيٌّ عَقَدِيٌّ؛ فَبَعْدَ أَنْ حَفَّزَ العَبْدَ عَلَى العَمَلِ، جَاءَ لِيُصَحِّحَ هَذَا العَمَلَ، لِئَلَّا يَغْتَرَّ العَامِلُ بِمُجَرَّدِ فِعْلِهِ.
(5) يُرَاجَعُ: (الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ)، ج 2، ص 22، فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ عَنْ شَرْطَيِ العَمَلِ.
&____________________________________25___________________________________________^
[الوَجْهِ رَقْمُ: 26 - (مِيزَانُ الأَعْمَالِ: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ فِي الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ)]
أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ (قَدِيماً)
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ نَاصِرِ بْنِ مَعْمَرٍ:
«إِنَّ العَمَلَ لَا يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ عِنْدَ اللهِ إِلَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَ "الإِخْلَاصِ" وَهُوَ عَمَلُ القَلْبِ، وَ"المُتَابَعَةِ" وَهِيَ عَمَلُ الجَوَارِحِ عَلَى وَفْقِ السُّنَّةِ. وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ النِّيَّةِ صَالِحَةً يُبِيحُ لَهُ الِابْتِدَاعَ، أَوْ أَنَّ صُورَةَ العَمَلِ الصَّحِيحَةِ تُغْنِي عَنِ الإِخْلَاصِ، وَهَذَا ضَلَالٌ عَرِيضٌ. فَالْمَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الإِمَامُ هِيَ مِيزَانُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" تَطْبِيقاً وَامْتِثَالاً (1).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «العِبَادَةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَلَا يُحِبُّ اللهُ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصاً لِوَجْهِهِ، صَوَاباً عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ.»
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ:
«الخَلَلُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يَقَعُ مِنْ جِهَتَيْنِ: جِهَةِ المُرَائِينَ الَّذِينَ لَا إِخْلَاصَ لَهُمْ، وَجِهَةِ المُبْتَدِعَةِ الَّذِينَ لَا صَوَابَ لَهُمْ. وَقَدْ أَبْدَعَ المُصَنِّفُ حِينَ جَعَلَ هَذِهِ المَرْتَبَةَ بَعْدَ العَمَلِ، لِيُنَبِّهَ العَبْدَ أَنَّ صِحَّةَ القَصْدِ لَا تَعْنِي إِهْمَالَ كَيْفِيَّةِ الفِعْلِ. فَالْتَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِخْلَاصِ العِبَادَةِ، وَتَمَامُ الِاتِّبَاعِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِلُزُومِ الجَادَّةِ المَرْسُومَةِ (2).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «كُلُّ عَمَلٍ بِلَا اتِّبَاعٍ فَهُوَ هَبَاءٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ بِلَا إِخْلَاصٍ فَهُوَ شِرْكٌ، وَاللهُ غَنِيٌّ عَنِ العَمَلَيْنِ.»
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ:
«إِنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ "القَبُولَ" مَحْصُورٌ فِي ضِيقِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ. فَالنَّاسُ يَعْمَلُونَ كَثِيراً، لَكِنَّ المَقْبُولَ قَلِيلٌ. وَالمَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ هِيَ مَرْحَلَةُ "التَّصْفِيَةِ"؛ حَيْثُ يُعْرَضُ العَمَلُ عَلَى مِيزَانِ القَلْبِ (الإِخْلَاص) وَمِيزَانِ الشَّرْعِ (الصَّوَاب). وَمَنْ فَقَدَ أَحَدَهُمَا فَقَدْ ضَلَّ سَعْيُهُ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً (3).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «لَا يُقْبَلُ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِالإِخْلَاصِ، وَلَا تُقْبَلُ الطَّاعَةُ إِلَّا بِمُوَافَقَةِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ.»
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُعَاصِرِينَ
4. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ الفَوْزَانِ:
«المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ هِيَ مِحْوَرُ كِتَابِ اللهِ؛ فَقَوْلُهُ (لَا يَقَعُ خَالِصاً) تَحْذِيرٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَقَوْلُهُ (لَمْ يَقَعْ صَوَاباً) تَحْذِيرٌ مِنَ البِدْعَةِ. وَهَذَا يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَدْرُسَ الإِخْلَاصَ لِيُطَهِّرَ قَلْبَهُ، وَيَدْرُسَ السُّنةَ لِيُصَحِّحَ فِعْلَهُ. فَالْعَمَلُ الَّذِي يُرِيدُهُ اللهُ هُوَ مَا جَمَعَ الوَصْفَيْنِ جَمِيعاً، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ (4).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «شَرْطَا العِبَادَةِ لَا يَنْفَكَّانِ؛ فَالإِخْلَاصُ لِلْمَعْبُودِ، وَالمُتَابَعَةُ لِلرَّسُولِ، وَهَذَا جَوْهَرُ الدِّينِ.»
5. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:
«الشَّيْخُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ "الِاقْتِصَادِ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ". فَكَثِيرٌ مِنَ العَامِلِينَ يَغْتَرُّونَ بِكَثْرَةِ عَمَلِهِمْ، لَكِنَّ الشَّيْخَ يَقُولُ لَهُمْ: انْظُرُوا إِلَى "النَّوْعِيَّةِ" لَا إِلَى "الكَمِّيَّةِ". فَإِنْ لَمْ يَكُنِ العَمَلُ خَالِصاً لِلهِ فَهُوَ رِيَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى السُّنَّةِ فَهُوَ مَرْدُودٌ. فَهِيَ مَرْتَبَةُ "النَّقْدِ الذَّاتِيِّ" لِلْعَمَلِ (5).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «قَبُولُ العَمَلِ مَنُوطٌ بِصِحَّةِ مَسَارِهِ الظَّاهِرِ وَنَقَاءِ مَسَارِهِ البَاطِنِ.»
6. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي:
«هَذِهِ المَرْتَبَةُ تُمَثِّلُ "الغَرْبَلَةَ" العَقَدِيَّةَ لِكُلِّ مَنْ شَرَعَ فِي العَمَلِ. فَالإِمَامُ رَحِمَهُ اللهُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي لِلْعَامِلِ بَعْدَ شُرُوعِهِ لِيُفْسِدَ عَلَيْهِ نِيَّتَهُ، أَوْ لِيُوقِعَهُ فِي مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. فَالْعَمَلُ الحَقُّ هُوَ مَا تَمَّ تَمْحِيصُهُ بِمِيزَانِ العَدْلِ (الإِخْلَاص وَالمُتَابَعَة). وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ العَمَلَ الظَّاهِرَ كَافٍ دُونَ فِقْهِ القَلْبِ (6).»
نَصُّ الشَّيْخِ: «لَا يَكُونُ العَمَلُ صَالِحاً حَتَّى يَكُونَ لِلهِ خَالِصاً، وَعَلَى هَدْيِ النَّبِيِّ صَوَاباً.»
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلتَّقْرِيرَاتِ السِّتَّةِ (بِقَلَمِ البَاحِثِ)
قُلْتُ: بِاسْتِقْرَاءِ هَذِهِ التَّقْرِيرَاتِ، نَجِدُ أَنَّ التَّأْصِيلَ العَقَدِيَّ لِلْمَرْتَبَةِ الخَامِسَةِ يَرْتَكِزُ عَلَى ثَلَاثِ دَعَائِمَ:
دَعَامَةُ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ: أَنَّ حَقِيقَةَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" تَسْتَلْزِمُ إِخْلَاصَ القَصْدِ، وَحَقِيقَةَ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ" تَسْتَلْزِمُ إِخْلَاصَ الِاتِّبَاعِ. فَمَنْ أَتَى بِأَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ لَمْ يُحَقِّقِ الشَّهَادَتَيْنِ كَمَا يَنْبَغِي.
دَعَامَةُ التَّلَازُمِ: أَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ وَصْفٌ لَا يَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى مَا جَمَعَ الشَّرْطَيْنِ؛ فَالإِخْلَاصُ هُوَ "رُوحُ العَمَلِ"، وَالمُتَابَعَةُ هِيَ "جَسَدُهُ"، وَلَا حَيَاةَ لِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، وَلَا ظُهُورَ لِرُوحٍ بِلَا جَسَدٍ.
دَعَامَةُ الرَّدِّ وَالقَبُولِ: أَنَّ المِيزَانَ عِنْدَ اللهِ لَيْسَ بِالكَثْرَةِ، بَلْ بِالاحْتِسَابِ وَالِاقْتِفَاءِ. فَالْعَمَلُ القَلِيلُ مَعَ السُّنَّةِ وَالإِخْلَاصِ خَيْرٌ مِنْ أَعْمَالٍ كَجِبَالِ تِهَامَةَ فَقَدَتْ أَحَدَ الرُّكْنَيْنِ.
الحَاشِيَةُ ______________________________&
(1) حَمَدُ بْنُ نَاصِرِ بْنِ مَعْمَرٍ، (الفَوَاكِهُ العِذَابُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُحَكِّمِ الكِتَابَ)، ص 45.
(2) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، (قُرَّةُ عُيُونِ المُوَحِّدِينَ)، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ، ص 112.
(3) إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، (رَسَائِلُ وَفَتَاوَى أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ)، ج 1، ص 198.
(4) صَالِحُ الفَوْزَانِ، (إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، ج 1، ص 34.
(5) صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، (شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ)، مَدَارُ الوَطَنِ، ص 167.
(6) صَالِحُ سِنْدِي، (تَعْلِيقَاتٌ عَلَى رَسَائِلِ الإِمَامِ)، دُرُوسٌ مَسْجِدِيَّةٌ مَنْشُورَةٌ، ص 31.
&_____________________________________26__________________________________________ &
[الوَجْهِ رَقْمُ: 27 - (بَحْثُ البَاحِثِ فِي شُرُوطِ العَمَلِ الصَّالِحِ: الإِخْلَاصُ وَالمُتَابَعَةُ)]
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الإِخْلَاصُ (رُوحُ الأَعْمَالِ)
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ
- الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ المَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (خَلَصَ)، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ وَتَصْفِيَتُهُ مِنَ الشَّوَائِبِ الَّتِي تُخَالِطُهُ، يُقَالُ: خَلَصَ السَّمْنُ مِنَ الثُّفْلِ إِذَا صَفَا.
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: "إِفْرَادُ المَعْبُودِ بِالقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ".
- المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تَشُوبُهُ مِنْ إِرَادَةِ المَخْلُوقِينَ، أَوْ طَلَبِ الثَّنَاءِ، أَوْ المَالِ، أَوْ الجَاهِ، لِيَكُونَ البَاعِثُ عَلَى الفِعْلِ هُوَ ابْتِغَاءُ وَجْهِ اللهِ وَحْدَهُ.
ثَانِيًا: أَنْوَاعُ الإِخْلَاصِ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِيهِ
- إِخْلَاصُ الدِّينِ: وَهُوَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ.
- إِخْلَاصُ العَمَلِ: وَهُوَ كَمَالُ التَّوَجُّهِ لِلهِ فِي آحَادِ الطَّاعَاتِ.
-
أَقْسَامُ النَّاسِ:
- المُخْلِصُ الصَّادِقُ: مَنْ اسْتَوَى ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، أَوْ كَانَ بَاطِنُهُ أَعْمَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ.
- المُرَائِي: مَنْ يَعْمَلُ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَمْدَحُوهُ.
- المُسَمِّعُ: مَنْ يَعْمَلُ ثُمَّ يُخْبِرُ النَّاسَ بِعَمَلِهِ لِيَنَالَ المَنْزِلَةَ.
ثَالِثًا: كَيْفِيَّةُ الوُصُولِ إِلَى الإِخْلَاصِ
يَكُونُ ذَلِكَ بِـ: 1. تَعْظِيمِ اللهِ وَمَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ. 2. اليَقِينِ بِأَنَّ الخَلْقَ لَا يَمْلِكُونَ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً. 3. إِخْفَاءِ الطَّاعَاتِ (خَبِيئَةِ العَمَلِ). 4. دَوَامِ الدُّعَاءِ وَالِافْتِقَارِ.
رَابِعًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي الإِخْلَاصِ
- مَكْحُولٌ: «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ قَطُّ أَرْبَعِينَ يَوْماً إِلَّا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ».
- يَعْقُوبُ المَكْفُوفُ: «المُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ».
- سُهَيْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «نَظَرَ الأَكْيَاسُ فِي تَفْسِيرِ الإِخْلَاصِ فَلَمْ يَجِدُوا غَيْرَ هَذَا: أَنْ تَكُونَ حَرَكَتُهُ وَسُكُونُهُ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ لِلهِ تَعَالَى».
- ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ: «ثَلَاثٌ مِنْ عَلَامَاتِ الإِخْلَاصِ: اسْتِوَاءُ المَدْحِ وَالذَّمِّ مِنَ العَامَّةِ، وَنِسْيَانُ رُؤْيَةِ الأَعْمَالِ، وَاقْتِضَاءُ ثَوَابِ العَمَلِ فِي الآخِرَةِ».
- الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «تَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللهُ مِنْهُمَا».
المَبْحَثُ الثَّانِي: المُتَابَعَةُ (مِيزَانُ الظَّاهِرِ)
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ
- الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "التَّبَعِ" وَهُوَ السَّيْرُ خَلْفَ الغَيْرِ وَاقْتِفَاءُ أَثَرِهِ.
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: "مُوَافَقَةُ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ فِي العِبَادَةِ قَوْلاً وَفِعْلاً وَتَرْكاً".
- المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ مُطَابِقاً لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، بِحَيْثُ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
ثَانِيًا: الشُّرُوطُ السِّتَّةُ لِلْمُتَابَعَةِ (مِعْيَارُ الِاتِّبَاعِ)
قَرَّرَ العُلَمَاءُ أَنَّ العِبَادَةَ لَا تَكُونُ صَوَاباً حَتَّى تُوافِقَ الشَّرْعَ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ:
- السَّبَبِ: أَنْ تَكُونَ العِبَادَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى سَبَبٍ شَرْعِيٍّ (كَالتَّهْنِئَةِ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ).
- الجِنْسِ: أَنْ يَتَقَرَّبَ بِجِنْسٍ مَشْرُوعٍ (كَالتَّضْحِيَةِ بِغَيْرِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ).
- القَدْرِ: الِالتِزَامُ بِالعَدَدِ المَأْمُورِ بِهِ (كَزِيَادَةِ رَكْعَةٍ عَمْداً).
- الكَيْفِيَّةِ: صِفَةُ الأَدَاءِ (كَالْوُضُوءِ بِمَنْكَسٍ).
- الزَّمَانِ: أَنْ تَقَعَ فِي وَقْتِهَا (كَالصَّوْمِ فِي شَوَّالٍ بَدَلَ رَمَضَانَ بِلَا عُذْرٍ).
- المَكَانِ: كَالِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ المَسَاجِدِ.
ثَالِثًا: كَيْفِيَّةُ الوُصُولِ إِلَى المُتَابَعَةِ وَأَهَمِّيَّتُهَا
- الكَيْفِيَّةُ: تَعَلُّمُ السُّنةِ، وَتَرْكُ الهَوَى، وَسُؤَالُ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَالِاقْتِدَاءُ بِالصَّحَابَةِ.
- الأَهَمِّيَّةُ: هِيَ صِمَامُ الأَمَانِ مِنَ البِدَعِ، وَبِهَا تُمَيَّزُ الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمَةُ عَنْ سُبُلِ الضَّلَالَةِ.
رَابِعًا: أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي المُتَابَعَةِ
- ابْنُ مَسْعُودٍ: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ».
- الأَوْزَاعِيُّ: «عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهُ لَكَ بِالقَوْلِ».
- ابْنُ سِيرِينَ: «كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ مَا دَامَ الرَّجُلُ عَلَى الأَثَرِ فَهُوَ عَلَى الطَّرِيقِ».
- الإِمَامُ مَالِكٌ: «السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ».
الحَاشِيَةُ _________________________&
(1) ابْنُ القَيِّمِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ)، ج 1، ص 83.
(2) ابْنُ رَجَبٍ، (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ)، ص 160.
(3) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (الِاقْتِضَاءُ)، ج 2، ص 96.
&________________________________27________________________________&
التعليق والشرح: [الوَجْهِ رَقْمُ: 28 - (تَفْصِيلُ البَيَانِ فِي مَقَامِ الإِخْلَاصِ: بَاطِنُ الدِّينِ وَرُوحُهُ)]
أَوَّلاً: المَاهِيَّةُ وَالتَّعْرِيفُ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ وَالمَعْنَى الشَّرْعِيُّ)
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:
شَرْحٌ: الإِخْلَاصُ فِي لِسَانِ العَرَبِ مَأْخُوذٌ مِنَ الفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (خَلَصَ)، وَهُوَ يَعْنِي انْقِيَادَ المَادَّةِ لِلتَّصْفِيَةِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ خَالِصُهَا مِنْ مَشُوبِهَا. يُقَالُ: خَلَصَ الشَّيْءُ إِذَا نَقَا مِنْ جَمِيعِ الشَّوَائِبِ المُكَدِّرَةِ. وَهَذَا الِاشْتِقَاقُ يُوحِي بِأَنَّ الإِخْلَاصُ عَمَلِيَّةُ "تَنْقِيَةٍ" قَلْبِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، حَيْثُ يَقُومُ العَبْدُ بِإِزَالَةِ كُلِّ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاللهِ مِنْ قَصْدِهِ، لِيَبْقَى جَوْهَرُ العِبَادَةِ صَافِيًا لِلمَلِكِ القُدُّوسِ، فَالْمَادَّةُ اللُّغَوِيَّةُ تَنْفِي كُلَّ خَلِيطٍ أَجْنَبِيٍّ عَنِ الأَصْلِ الصَّافِي، وَهَكَذَا حَالُ القَلْبِ فِي بَابِ التَّجْرِيدِ لِلهِ رَبِّ العَالَمِينَ. [1]
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:
شَرْحٌ: هُوَ: "إِفْرَادُ المَعْبُودِ بِالقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ مَعَ نَفْيِ جَمِيعِ الشَّرِكَاتِ". وَهَذَا الحَدُّ يُسَمَّى جَامِعًا لِأَنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ صُوَرِ التَّوَجُّهِ لِلهِ (قَوْلًا، وَفِعْلًا، وَحَالًا)، وَهُوَ مَانِعٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ الرِّيَاءِ (رُؤْيَةِ الخَلْقِ) أَوِ العُجْبِ (رُؤْيَةِ النَّفْسِ) فِي حَيِّزِ العَمَلِ. فَالإِخْلَاصُ بِهَذَا الضَّابِطِ هُوَ السُّورُ المَنِيعُ الَّذِي يَحْمِي العِبَادَةَ مِنَ الِانْهِيَارِ أَوْ حُبُوطِ الأَجْرِ، وَهُوَ مِيزَانُ العَدْلِ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ، فَمَا كَانَ خَالِصاً بَقِيَ وَمَا كَانَ مَشُوباً هَوَى فِي هَاوِيَةِ الرَّدِّ وَالإِحْبَاطِ. [2]
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ التَّأْصِيلِيُّ:
شَرْحٌ: هُوَ حَقِيقَةُ الدِّينِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. وَمَعْنَاهُ أَنْ يَغِيبَ العَبْدُ عَنْ رُؤْيَةِ الخَلْقِ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى نَظَرِ الخَالِقِ إِلَيْهِ. فَإِذَا صَلَّى، فَالْمُحَرِّكُ لَهُ هُوَ أَمْرُ اللهِ، وَإِذَا تَرَكَ، فَالزَّاجِرُ لَهُ هُوَ نَهْيُ اللهِ، دُونَ الِالتِفَاتِ إِلَى مَدْحِ النَّاسِ أَوْ ثَنَائِهِمْ، فَالْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ يَدُورُ حَوْلَ "تَصْحِيحِ النِّيَّةِ" لِتَكُونَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَهُوَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَهُ. [3]
ثَانِيًا: أَنْوَاعُ الإِخْلَاصِ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِيهِ
إِخْلَاصُ الدِّينِ (التَّوْحِيدُ الأَكْبَرُ):
شَرْحٌ: هَذَا النَّوْعُ هُوَ الإِخْلَاصُ الَّذِي لَا يَنْجُو العَبْدُ مِنَ الخُلُودِ فِي النَّارِ إِلَّا بِهِ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ التَّوْحِيدُ الصَّافِي. وَيَتَمَثَّلُ فِي صَرْفِ جَمِيعِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ كَالدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالنَّذْرِ وَالِاسْتِغَاثَةِ لِلهِ وَحْدَهُ دُونَ سِوَاهُ. فَمَنْ نَقَضَ هَذَا النَّوْعَ فَقَدْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ الأَكْبَرِ النَّاقِلِ عَنِ المِلَّةِ. وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ المَقْصُودُ الأَسْمَى لِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، حَيْثُ نَفَتْ جَمِيعَ المَعْبُودَاتِ البَاطِلَةِ وَأَثْبَتَتِ العُبُودِيَّةَ الحَقَّةَ لِلْوَاحِدِ القَهَّارِ سُبْحَانَهُ. [4]
إِخْلَاصُ العَمَلِ (مَقَامُ الإِحْسَانِ العَالِي):
شَرْحٌ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ المُسْلِمُ بِطَاعَاتِهِ المَشْرُوعَةِ وَجْهَ اللهِ، وَهُوَ مَيْدَانُ الصِّرَاعِ مَعَ الرِّيَاءِ الأَصْغَرِ وَالشِّرْكِ الخَفِيِّ. فَالْعَبْدُ هُنَا قَدْ يَكُونُ مُوَحِّدًا فِي أَصْلِ دِينِهِ لَكِنَّهُ يُبْتَلَى بِرُؤْيَةِ النَّافِعِ وَالضَّارِّ مِنَ البَشَرِ فَيُحَسِّنُ صَلَاتَهُ لِأَجْلِهِمْ أَوْ يَتَصَدَّقُ لِيُحْمَدَ. وَكَمَالُ هَذَا الإِخْلَاصِ هُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ عِنْدَهُ المَادِحُ وَالذَّامُّ فَلَا يَفْرَحُ بِمَدِيحِ مَنْ لَا يَمْلِكُ لَهُ جَنَّةً، وَلَا يَحْزَنُ لِذَمِّ مَنْ لَا يَمْلِكُ لَهُ نَاراً، بَلْ هَمُّهُ الوَحِيدُ هُوَ القَبُولُ. [5]
أَقْسَامُ النَّاسِ (المُخْلِصُونَ وَالصَّادِقُونَ):
شَرْحٌ: المُخْلِصُونَ هُمُ الَّذِينَ اسْتَوَتْ سَرِيرَتُهُمْ وَعَلَانِيَتُهُمْ فِي الطَّاعَةِ، فَلَا يَتَصَنَّعُونَ لِلنَّاسِ وَلَا يَتَزَيَّنُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ. بَلْ إِنَّ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ تَكُونَ خَلْوَتُهُ أَعْظَمَ مِنْ جَلْوَتِهِ، وَبَاطِنُهُ أَطْهَرَ مِنْ ظَاهِرِهِ. هَؤُلَاءِ قُلُوبُهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، لَا تَهْزِمُهُمُ الأَضْوَاءُ وَلَا تُنْسِيهِمُ الشُّهْرَةُ مَقَامَ التَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. فَهُمْ جُنْدٌ خَفِيُّونَ، إِنْ حَضَرُوا لَمْ يُعْرَفُوا، وَإِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا، لَكِنَّهُمْ عِنْدَ اللهِ بِمَكَانٍ. [6]
أَقْسَامُ النَّاسِ (المُرَاؤُونَ وَالمُسَمِّعُونَ):
شَرْحٌ: المُرَاؤُونَ هُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ العَمَلَ لِيَرَاهُمُ النَّاسُ فَيُعَظِّمُوهُمْ، وَهَؤُلَاءِ عَمَلُهُمْ هَبَاءٌ مَنْثُورٌ لِأَنَّهُمْ قَصَدُوا غَيْرَ اللهِ بِعِبَادَةِ اللهِ. أَمَّا المُسَمِّعُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ العَمَلَ فِي مَبْدَئِهِ ثُمَّ تُنَازِعُهُمْ نُفُوسُهُمْ الشَّهْوَةَ الخَفِيَّةَ فَيُذِيعُونَهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ بَعْدَ فَرَاغِهِ لِيَنَالُوا المَنْزِلَةَ وَالصِّيتَ. وَهَذَا مِنْ مَكْرِ النَّفْسِ الخَفِيِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ كَبِيرٍ لِكَبْحِ جِمَاحِ الرَّغْبَةِ فِي المَدِيحِ العَاجِلِ. [7]
ثَالِثًا: كَيْفِيَّةُ الوُصُولِ إِلَى الإِخْلَاصِ (مَدَارِجُ التَّرْقِيَةِ)
تَعْظِيمُ اللهِ وَمَعْرِفَةُ أَسْمَائِهِ:
شَرْحٌ: كُلَّمَا ازْدَادَ العِلْمُ بِاللهِ، ازْدَادَ الإِخْلَاصُ لَهُ تِلْقَائِيّاً. فَإِذَا عَرَفَ العَبْدُ أَنَّ اللهَ هُوَ "الرَّزَّاقُ" وَ"القَوِيُّ" وَ"المُعِزُّ" وَ"المُذِلُّ"، عَلِمَ يَقِينًا أَنَّ النَّاسَ لَا يَمْلِكُونَ لَهُ قِطْمِيرًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُوراً. فَالإِخْلَاصُ هُوَ ثَمَرَةُ العِلْمِ بِاللهِ، وَمَنْ عَرَفَ قَدْرَ الخَالِقِ هَانَ فِي عَيْنِهِ الخَلْقُ جَمِيعًا، فَلَمْ يَعُدْ يَلْتَفِتُ لِأَحَدٍ سِوَى مَنْ بِيَدِهِ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَهَذَا المَقَامُ هُوَ ذِرْوَةُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ العَمَلِيِّ. [8]
اليَقِينُ بِفَنَاءِ الخَلْقِ وَعَجْزِهِمْ:
شَرْحٌ: أَنْ يَتَدَبَّرَ العَبْدُ فِي حَالِ البَشَرِ، فَهُمْ عُجَزَاءُ فُقَرَاءُ لَا يَمْلِكُونَ دَفْعَ المَوْتِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَلَا جَلْبَ النَّفْعِ لِذَوَاتِهِمْ، فَكَيْفَ يُرَائِي العَبْدُ مَنْ هَذَا حَالُهُ وَيَتْرُكُ مَنْ بِيَدِهِ خَزَائِنُ كُلِّ شَيْءٍ؟ فَمَتَى مَا رَسَخَ اليَقِينُ بِأَنَّ الجَمِيعَ سَيَفْنَى وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، انْقَطَعَ الرَّجَاءُ فِيمَا عِنْدَ الخَلْقِ، وَتَوَجَّهَ القَلْبُ بِكُلِّيَّتِهِ لِلْخَالِقِ البَاقِي، وَهَذَا اليَقِينُ هُوَ القَاطِعُ لِعُرُوقِ الرِّيَاءِ مِنْ جُذُورِهَا. [9]
إِخْفَاءُ الطَّاعَاتِ (خَبِيئَةُ العَمَلِ):
شَرْحٌ: هِيَ أَنْفَعُ عِلَاجٍ عَمَلِيٍّ لِمَرَضِ الرِّيَاءِ؛ بِأَنْ يَتَعَمَّدَ العَبْدُ صِيَاغَةَ "عَالَمٍ سِرِّيٍّ" بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ، فَلَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَيَجْعَلُ لَهُ رَكَعَاتٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ لَا يَرَاهُ فِيهَا أَحَدٌ. هَذَا الخَفَاءُ يُرَبِّي النَّفْسَ عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِاطِّلَاعِ اللهِ وَيَحْمِي العَمَلَ مِنْ سِهَامِ العُجْبِ، وَيَقْطَعُ عَنِ العَبْدِ لَذَّةَ المَدِيحِ الدُّنْيَوِيِّ الزَّائِلِ، فَيَصِيرُ العَمَلُ خَالِصًا مَحْضًا للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَهِيَ زَادُ المُؤْمِنِ فِي قَبْرِهِ وَيَوْمَ نُشُورِهِ. [10]
دَوَامُ الدُّعَاءِ وَالِافْتِقَارِ التَّامِّ:
شَرْحٌ: الإِخْلَاصُ رِزْقٌ عَظِيمٌ مِنْ خَزَائِنِ اللهِ، وَالرِّزْقُ يُطْلَبُ بِالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ. فَالْمُخْلِصُ لَا يَرْكَنُ إِلَى نَفْسِهِ بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ قَلْبَهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ. فَيَلْهَجُ بِالدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ". هَذَا الِافْتِقَارُ الدَّائِمُ هُوَ مَادَّةُ الحَيَاةِ لِلإِخْلَاصِ، وَهُوَ السِّرُّ فِي بَقَاءِ العَبْدِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ بَعِيداً عَنْ تَقَلُّبَاتِ النِّيَّاتِ وَأَهْوَاءِ النُّفُوسِ. [11]
شَرْحُ أَقْوَالِ السَّلَفِ (بَسْطٌ مُطَوَّلٌ):
شَرْحٌ: كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ يَرَوْنَ الإِخْلَاصَ جِهَادًا لَا يَهْدَأُ لَحْظَةً؛ فَقَوْلُ سَهْلِ التُّسْتَرِيِّ أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ اسْتِوَاءُ الحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ للهِ مَعْنَاهُ أَنَّ الجَارِحَةَ لَا تَنْطَلِقُ إِلَّا لِمَرْضَاةِ المَوْلَى. وَقَوْلُ يَعْقُوبَ المَكْفُوفِ فِي كِتْمَانِ الحَسَنَاتِ هُوَ دِرْعٌ لِحِمَايَةِ الأَجْرِ مِنْ لُصُوصِ العُجْبِ. وَقَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي صُعُوبَةِ عِلَاجِ النِّيَّةِ يُبَيِّنُ أَنَّ الطَّرِيقَ يَحْتَاجُ لِيَقَظَةٍ كَامِلَةٍ. أَمَّا الفُضَيْلُ فَقَدْ فَضَحَ رِيَاءَ التَّرْكِ لِيَحْمِيَ العَابِدَ مِنْ قُطَّاعِ طَرِيقِ العِبَادَةِ، وَذُو النُّونِ رَبَطَ ثَمَرَةَ الإِخْلَاصِ بِيَوْمِ الدِّينِ. [12]
الحَاشِيَةُ ____________________________________________&
[1] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (تَقْرِيرَاتٌ فِي مَقَاصِدِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِ الجَوَارِحِ)، بَحْثٌ مَخْطُوطٌ لِلْمُؤَلِّفِ، ص 42.
[2] مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، تَحْقِيقُ مُحَمَّدِ المَنْصُورِ، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، 1425 هـ، المُجَلَّدُ الثَّانِي، ص 91.
[3] أَبُو الفَرَجِ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ)، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ السَّابِعَةُ، 1422 هـ، ص 18.
[4] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، (القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، 1424 هـ، المُجَلَّدُ الأَوَّلُ، ص 115.
[5] ، (شَرْحُ المَنظُومَةِ الرَّجَزِيَّةِ فِي الآدَابِ السَّلَفِيَّةِ)، بَحْثٌ تَعْلِيمِيٌّ مَخْطُوطٌ، ص 65.
[6] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، (حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ الرَّابِعَةُ، 1405 هـ، المُجَلَّدُ العَاشِرُ، ص 211.
[7] ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (الوَابِلُ الصَّيِّبُ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ)، دَارُ الحَدِيثِ، القَاهِرَةُ، الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ، 1420 هـ، ص 45.
[8] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَنَصَّةُ المُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ: دِرَاسَاتٌ فِي العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ)، مَقَالَاتُ مَوْقِعِ البَاحِثِ، الوَجْهُ 28.
[9] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، (التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، دَارُ التَّوْحِيدِ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، 1430 هـ، ص 204.
[10] (إِرْشَادُ الطَّالِبِ النَّبِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الفَقِيهُ)، ص 30.
[11] نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، (صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، 1421 هـ، ج 1، ص 12.
[12] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، (رَسَائِلُ ابْنِ رَجَبٍ: شَرْحُ حَدِيثِ مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ)، مَكْتَبَةُ مَشْكَاةِ الإِسْلَامِيَّةِ، ص 8.
[13]، (مَا أَشْكَلَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ: دِرَاسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ)، بَحْثٌ أَكَادِيمِيٌّ، ص 102.
[14](تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، دَارُ العَاصِمَةِ، الرِّيَاضُ، ص 450.
[15] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ، (المُخْتَصَرُ فِي العَقِيدَةِ)، دَارُ الفَضِيلَةِ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ، ص 12.
[16] ، (الفَوَائِدُ المَنثُورَةُ فِي حَدِيثِ مُضَرَ وَتَصْحِيحِ المَأثُورَةِ)، بَحْثٌ حَدِيثِيٌّ، ص 14.
[17] ابْنُ القَيِّمِ، (الفَوَائِدُ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتَ، ص 134.
[18] ، (تَصْحِيحُ الأَفْهَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ)، مَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةِ، العَدَدُ الثَّانِي، ص 22.
[19] ذَهَبِيُّ العَصْرِ المُعَلِّمِيُّ، (التَّنْكِيلُ بِمَا فِي تَأْنِيبِ الكَوْثَرِيِّ مِنَ الأَبَاطِيلِ)، المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، ج 1، ص 56.
&____________________________28_________________________________________&
[الوَجْهِ رَقْمُ: 29 - (تَفْصِيلُ البَيَانِ فِي مَقَامِ المُتَابَعَةِ: ظَاهِرُ الدِّينِ وَشَرْطُ القَبُولِ)]
أَوَّلاً: مَاهِيَّةُ المُتَابَعَةِ (التَّعْرِيفُ وَالأَصْلُ الشَّرْعِيُّ)
- المَعْنَى الِاشْتِقَاقِيُّ وَاللُّغَوِيُّ:
شَرْحٌ: المُتَابَعَةُ فِي لُغَةِ العَرَبِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ "التَّبَعِ"، وَهُوَ السَّيْرُ خَلْفَ المَتْبُوعِ وَاقْتِفَاءُ أَثَرِهِ خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ دُونَ انْحِرَافٍ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا. وَفِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ، تَعْنِي أَنْ يَكُونَ العَبْدُ مُقْتَفِيًا لِأَثَرِ النَّبِيِّ ﷺ، بِحَيْثُ يَكُونُ قَوْلُهُ وَفِعْلُهُ مُنْضَبِطًا بِمَا جَاءَ عَنِ المَعْصُومِ. فَالْمُتَابَعَةُ هِيَ "القَالَبُ" الَّذِي يُصَبُّ فِيهِ العَمَلُ لِيَأْخُذَ صُورَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ، فَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ مَهْمَا خَلَصَتْ نِيَّتُهُ إِذَا كَانَ خَارِجًا عَنْ هَذَا القَالَبِ النَّبَوِيِّ. [1]
- الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْمُتَابَعَةِ:
شَرْحٌ: هِيَ "مُوَافَقَةُ العَمَلِ لِلشَّرْعِ فِي سَبَبِهِ، وَجِنْسِهِ، وَقَدْرِهِ، وَصِفَتِهِ، وَزَمَانِهِ، وَمَكَانِهِ". وَهَذَا الحَدُّ يَمْنَعُ دُخُولَ كُلِّ عِبَادَةٍ مُحْدَثَةٍ؛ فَإِذَا خَالَفَتِ العِبَادَةُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ، خَرَجَتْ عَنْ مَقَامِ المُتَابَعَةِ وَدَخَلَتْ فِي حَيِّزِ الِابْتِدَاعِ. فَالْمُتَابَعَةُ هِيَ المِيزَانُ الظَّاهِرُ لِلْأَعْمَالِ، كَمَا أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ المِيزَانُ البَاطِنُ لَهَا، وَبِهِمَا مَعًا يَتَحَقَّقُ القَبُولُ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِينَ. [2]
- الأَصْلُ الشَّرْعِيُّ وَمَقَامُ الشَّهَادَتَيْنِ:
شَرْحٌ: المُتَابَعَةُ هِيَ مُقْتَضَى شَهَادَةِ أَنَّ "مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ"، وَهِيَ تَعْنِي طَاعَتَهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقَهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابَ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ. فَالَّذِي يَعْبُدُ اللهَ بِهَوَاهُ أَوْ بِمَا اسْتَحْسَنَهُ عَقْلُهُ دُونَ دَلِيلٍ، قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ عَلَى قَوْلِ الرَّسُولِ، وَهَذَا نَقْضٌ لِمَقَامِ المُتَابَعَةِ الَّذِي هُوَ رُوحُ التَّسْلِيمِ لِلْوَحْيِ. [3]
ثَانِيًا: أَرْكَانُ المُتَابَعَةِ وَقَوَاعِدُ الِاتِّبَاعِ
- المُوَافَقَةُ فِي السَّبَبِ وَالجِنْسِ:
شَرْحٌ: أَنْ يَكُونَ البَاعِثُ عَلَى العِبَادَةِ سَبَبًا شَرَعَهُ اللهُ، كَالْوُضُوءِ عِنْدَ الحَدَثِ، فَمَنْ تَوَضَّأَ لِسَبَبٍ آخَرَ غَيْرِ مَشْرُوعٍ تَعَبُّدًا فَقَدْ خَالَفَ. وَكَذَلِكَ فِي الجِنْسِ؛ بِأَنْ يُضَحِّيَ بِمَا شَرَعَهُ اللهُ مِنَ الأَنْعَامِ، فَلَا يُجْزِئُ التَّضْحِيَةُ بِجِنْسٍ آخَرَ مَهْمَا غَلَا ثَمَنُهُ. فَالِاتِّبَاعُ يَقْتَضِي تَقْيِيدَ العِبَادَةِ بِأُصُولِهَا الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الشَّارِعُ، فَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِي جِنْسِ القُرُبَاتِ وَلَا أَسْبَابِهَا التَّوْقِيفِيَّةِ. [4]
- المُوَافَقَةُ فِي القَدْرِ وَالصِّفَةِ:
شَرْحٌ: هُنَا يَمْتَحِنُ اللهُ انْقِيَادَ العَبْدِ؛ فَالظُّهْرُ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، فَمَنْ زَادَ فِيهَا رَكْعَةً تَقَرُّبًا لِلهِ بَطَلَ عَمَلُهُ لِأَنَّهُ خَالَفَ "القَدْرَ" المَأْمُورَ بِهِ. وَكَذَلِكَ "الصِّفَةُ" فِي كَيْفِيَّةِ أَدَاءِ الوُضُوءِ أَوِ الصَّلَاةِ كَمَا رَآهَا الصَّحَابَةُ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْمُتَابَعَةُ الحَقَّةُ تَقْتَضِي التَّوَقُّفَ عِنْدَ الحُدُودِ المَرْسُومَةِ، فَالزِّيَادَةُ فِي الدِّينِ كَالنَّقْصِ مِنْهُ؛ كِلَاهُمَا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ العُبُودِيَّةِ الحَقَّةِ. [5]
- المُوَافَقَةُ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ:
شَرْحٌ: لِكُلِّ عِبَادَةٍ مِيقَاتٌ وَمَكَانٌ؛ فَالصَّوْمُ فِي رَمَضَانَ، وَالحَجُّ فِي عَرَفَةَ وَمِنًى فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَةٍ. فَمَنْ أَرَادَ الحَجَّ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ أَوْ زَمَانِهِ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. هَذَا الِانْضِبَاطُ الزَّمَانِيُّ وَالمَكَانِيُّ يُرَبِّي فِي المُسْلِمِ رُوحَ الِاتِّبَاعِ التَّامِّ، وَيَجْعَلُهُ يَدُورُ حَيْثُ دَارَ الشَّرْعُ، لَا حَيْثُ تَهْوَى نَفْسُهُ أَوْ يَسْتَحْسِنُ مَنْطِقُهُ. [6]
ثَالِثًا: مَوَانِعُ المُتَابَعَةِ (الِابْتِدَاعُ وَأَهْوَاءُ النُّفُوسِ)
- خَطَرُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ:
شَرْحٌ: البِدْعَةُ هِيَ نَقِيضُ المُتَابَعَةِ، وَهِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ. وَخُطُورَتُهَا تَكْمُنُ فِي أَنَّ المُبْتَدِعَ كَأَنَّهُ يَتَّهِمُ الشَّرِيعَةَ بِالنَّقْصِ، أَوْ يَدَّعِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبَلِّغِ الرِّسَالَةَ كَامِلَةً. لِذَلِكَ كَانَ مَقَامُ المُتَابَعَةِ هُوَ السَّدُّ المَنِيعُ أَمَامَ كُلِّ إِحْدَاثٍ، وَصَاحِبُ المُتَابَعَةِ يَعْلَمُ أَنَّ "كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ" وَإِنْ رَآهَا النَّاسُ حَسَنَةً. [7]
- تَقْدِيمُ العَقْلِ أَوْ الذَّوْقِ عَلَى النَّصِّ:
شَرْحٌ: مِنْ أَعْظَمِ قَوَادِحِ المُتَابَعَةِ أَنْ يَجْعَلَ العَبْدُ هَوَاهُ أَوْ ذَوْقَهُ أَوْ عَقْلَهُ حَاكِمًا عَلَى النُّصُوصِ. فَالْمُتَّبِعُ الحَقُّ هُوَ مَنْ يَقُولُ: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" حَتَّى لَوْ لَمْ يُدْرِكْ عَقْلُهُ الحِكْمَةَ التَّفْصِيلِيَّةَ لِلأَمْرِ. أَمَّا الَّذِي يَتَخَيَّرُ مِنَ السُّنَّةِ مَا يُوَافِقُ مِزَاجَهُ وَيَتْرُكُ مَا يُخَالِفُهُ، فَقَدْ نَقَصَ عِنْدَهُ مَقَامُ المُتَابَعَةِ بِقَدْرِ مَا تَرَكَ، وَهَذَا المَزْلَقُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ كَثِيرًا مِنَ الطَّوَائِفِ فِي الضَّلَالِ. [8]
رَابِعًا: ثَمَرَاتُ المُتَابَعَةِ فِي حَيَاةِ البَاحِثِ وَالعَابِدِ
- حُصُولُ المَحَبَّةِ الإِلَهِيَّةِ:
شَرْحٌ: المَحَبَّةُ لَيْسَتْ دَعْوَى بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ طَاعَةٌ وَاتِّبَاعٌ؛ {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ}. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَحْبُوبًا عِنْدَ اللهِ، فَعَلَيْهِ بِتَحْقِيقِ مَقَامِ المُتَابَعَةِ فِي دَقِيقِ أَمْرِهِ وَجَلِيلِهِ. فَالمُتَابَعَةُ هِيَ "البُرْهَانُ" الصَّادِقُ عَلَى صِدْقِ المَحَبَّةِ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ العَبْدُ تَمَسُّكًا بِالسُّنَّةِ، ازْدَادَ قُرْبًا مِنَ الرَّحْمَنِ وَنَالُ وِلَايَتَهُ الخَاصَّةَ. [9]
- الِانْضِبَاطُ المَنْهَجِيُّ فِي العِلْمِ وَالبَحْثِ:
شَرْحٌ: المُتَابَعَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ فِي العِبَادَةِ، بَلْ فِي مَنَاهِجِ الِاسْتِدْلَالِ وَفَهْمِ النُّصُوصِ. فَالْبَاحِثُ المُتَّبِعُ هُوَ مَنْ يَقْتَفِي أَثَرَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي فَهْمِ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِ العَقِيدَةِ، دُونَ تَحْرِيفٍ أَوْ تَعْطِيلٍ. هَذِهِ المُتَابَعَةُ المَنْهَجِيَّةُ تَعْصِمُ البَاحِثَ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي آرَاءِ المُتَكَلِّمِينَ وَالفَلَاسِفَةِ، وَتَجْعَلُ بَحْثَهُ مَبْنِيًّا عَلَى قَوَاعِدَ صَلْبَةٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ. [10]
الحَاشِيَةُ __________________________________________________&
[1] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (تَقْرِيرَاتٌ فِي مَقَاصِدِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِ الجَوَارِحِ)، بَحْثٌ مَخْطُوطٌ لِلْمُؤَلِّفِ، ص 46.
[2] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، (الإِبْدَاعُ فِي كَمَالِ الشَّرْعِ وَخَطَرِ الِابْتِدَاعِ)، دَارُ الوَطَنِ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، 1412 هـ، ص 15.
[3] مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ)، تَحْقِيقُ مَشْهُورِ حَسَنٍ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، ج 1، ص 80.
[4] أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ، (الِاعْتِصَامُ)، تَحْقِيقُ سَلِيمِ الهِلَالِيِّ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الطَّبْعَةُ الأُولَى، 1418 هـ، المُجَلَّدُ الأَوَّلُ، ص 132.
[5] عِمَاد آل عَامِرٍ، (شَرْحُ المَنظُومَةِ الرَّجَزِيَّةِ فِي الآدَابِ السَّلَفِيَّةِ)، بَحْثٌ تَعْلِيمِيٌّ مَخْطُوطٌ، ص 68.
[6] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الجَحِيمِ)، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ السَّابِعَةُ، ص 245.
[7] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَنَصَّةُ المُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ: دِرَاسَاتٌ فِي العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ)، مَقَالَاتُ مَوْقِعِ البَاحِثِ، الوَجْهُ 29.
[8] ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ)، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ، المُجَلَّدُ الثَّانِي، ص 467.
[9] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ، (المُخْتَصَرُ فِي العَقِيدَةِ)، دَارُ الفَضِيلَةِ، الرِّيَاضُ، الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ، ص 15.
[10] (إِرْشَادُ الطَّالِبِ النَّبِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الفَقِيهُ)، ص 32.
[11] نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، (صِفَةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّكْبِيرِ إِلَى التَّسْلِيمِ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ، ص 10.
[12] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَا أَشْكَلَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ: دِرَاسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ)، بَحْثٌ أَكَادِيمِيٌّ، ص 105.
[13] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، (رِسَالَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ وَأَدِلَّتِهَا)، مَطَابِعُ الحُكُومَةِ، ص 5.
[14] (الفَوَائِدُ المَنثُورَةُ فِي حَدِيثِ مُضَرَ وَتَصْحِيحِ المَأثُورَةِ)، ص 18.
[15] مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ رَيْحَانٍ، (تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ)، دَارُ العَاصِمَةِ، ص 455.
[16] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ)، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 22.
[17] (تَصْحِيحُ الأَفْهَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ)، مَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةِ، العَدَدُ الثَّانِي، ص 25.
[18] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (مَجْمُوعُ الرَّسَائِلِ العَقَدِيَّةِ)، مَطْبَعَةُ السَّلَفِيِّ، ص 160.
[19] المُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ، (القَائِدُ إِلَى تَصْحِيحِ العَقَائِدِ)، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص 72.
[20] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، (التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، ص 210.
&___________________________________29_______________________________________&
[الوَجْهِ رَقْمُ: 30 - (حَقِيقَةُ العَمَلِ الصَّالِحِ: اجْتِمَاعُ الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ)]
أَوَّلاً: جَوْهَرُ الصَّلَاحِ فِي العَمَلِ (التَّرَاكُبُ الوُجُودِيُّ)
مَفْهُومُ العَمَلِ الصَّالِحِ بَيْنَ القَلْبِ وَالجَارِحَةِ:
شَرْحٌ: العَمَلُ الصَّالِحُ لَيْسَ جِرْماً ظَاهِراً فَحَسْبُ، بَلْ هُو مَجْمُوعُ بَاطِنٍ وَظَاهِرٍ؛ فَالْبَاطِنُ هُوَ الإِخْلَاصُ لِلهِ، وَالظَّاهِرُ هُوَ المُتَابَعَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ. فَإِذَا فُقِدَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ العَمَلُ وَصَارَ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ. فَالْمُخْلِصُ بِلَا مُتَابَعَةٍ عَمَلُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ تَعِبَ، وَالمُتَّبِعُ بِلَا إِخْلَاصٍ عَمَلُهُ مَحْبُوطٌ وَإِنْ أَصَابَ السُّنَّةَ فِي الظَّاهِرِ. هَذَا التَّرَاكُبُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ العَمَلَ "صَالِحاً" مَقْبُولاً عِنْدَ رَبِّ البَرِيَّةِ، وَهُوَ مَدَارُ التَّكْلِيفِ وَغَايَةُ الخَلْقِ. [1]
الارْتِبَاطُ التَّلَازُمِيُّ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ:
شَرْحٌ: لَا يَنْفَكُّ أَحَدُ الرُّكْنَيْنِ عَنِ الآخَرِ فِي قَبُولِ الطَّاعَةِ؛ فَالإِخْلَاصُ هُوَ "الرُّوحُ" وَالمُتَابَعَةُ هِيَ "الجَسَدُ"، وَلَا حَيَاةَ لِجَسَدٍ بِلَا رُوحٍ، وَلَا قِيَامَ لِرُوحٍ فِي الدُّنْيَا بِلَا جَسَدٍ يَحْمِلُهَا. فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ مَا كَانَ لِلهِ خَالِصاً وَبِالسُّنَّةِ صَوَاباً. وَهَذَا التَّلَازُمُ يُوجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ التَّفَقُّدِ لِنِيَّتِهِ (هَلْ يُرِيدُ اللهَ؟) وَدَائِمَ التَّفَقُّدِ لِفِعْلِهِ (هَلْ يُوَافِقُ السُّنَّةَ؟). فَمَتَى مَا اجْتَمَعَا بَارَكَ اللهُ فِي القَلِيلِ، وَمَتَى مَا فُقِدَا لَمْ يَنْفَعِ الكَثِيرُ. [2]
ثَانِيًا: مَرَاتِبُ الأَعْمَالِ بِحَسَبِ الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ
المَرْتَبَةُ الأُولَى: العَمَلُ المَقْبُولُ (خَالِصٌ صَوَابٌ):
شَرْحٌ: هِيَ مَرْتَبَةُ السَّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ، الَّذِينَ قَصَدُوا بِعِبَادَتِهِمْ وَجْهَ المَوْلَى وَتَحَرَّوْا فِيهَا هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ. هَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. قَالَ الفُضَيْلُ: "أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ". فَالْعَمَلُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ هُوَ الذُّخْرُ الحَقِيقِيُّ، وَبِهِ تُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ وَتُكْفَرُ السَّيِّئَاتُ، وَيَكُونُ صَاحِبُهُ فِي مَأْمَنٍ مِنَ الخِزْيِ يَوْمَ الدِّينِ. [3]
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: عَمَلُ المُرَائِي (صَوَابٌ بِلَا إِخْلَاص):
شَرْحٌ: هُوَ العَمَلُ الَّذِي وَافَقَ السُّنَّةَ فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّ القَلْبَ فِيهِ مُلْتَفِتٌ لِغَيْرِ اللهِ، كَمَنْ يُصَلِّي صَلَاةً كَامِلَةَ الأَرْكَانِ لِيَرَاهُ النَّاسُ. هَذَا العَمَلُ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ، وَهُوَ وَبَالٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ اللهَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ، وَاسْتَخْدَمَ عِبَادَةَ المَلِكِ لِتَحْصِيلِ جَاهِ المَخْلُوقِ. فَالصُّورَةُ صَحِيحَةٌ لَكِنَّ المَخْبَرَ فَاسِدٌ، وَاللهُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ بَلْ يَنْظُرُ إِلَى القُلُوبِ وَالنِّيَّاتِ. [4]
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: عَمَلُ المُبْتَدِعِ (إِخْلَاصٌ بِلَا صَوَابٍ):
شَرْحٌ: هُوَ العَمَلُ الَّذِي يَقْصِدُ بِهِ صَاحِبُهُ وَجْهَ اللهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ طَرِيقَ الرَّسُولِ ﷺ، كَمَنْ يَخْتَرِعُ ذِكْراً أَوْ صَلَاةً لَمْ تَثْبُتْ فِي الشَّرْعِ. هَذَا العَمَلُ أَيْضاً مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يُعْبَدُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، وَالنِّيَّةُ الحَسَنَةُ لَا تُصْلِحُ العَمَلَ الفَاسِدَ. فَالْمُجْتَهِدُ فِي البِدْعَةِ كَالسَّائِرِ فِي غَيْرِ طَرِيقِ مَقْصِدِهِ، كُلَّمَا ازْدَادَ سُرْعَةً ازْدَادَ بُعْداً، وَقَدْ جَاءَ فِي الحَدِيثِ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". [5]
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: العَمَلُ المَهْجُورُ (لَا إِخْلَاصٌ وَلَا صَوَابٌ):
شَرْحٌ: هُوَ أَرْدَى المَرَاتِبِ، حَيْثُ يُفْقَدُ القَصْدُ الصَّحِيحُ وَالفِعْلُ المَشْرُوعُ، كَأَعْمَالِ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ فِي بِدَعِهِمْ وَرِيَائِهِمْ. هَذِهِ الأَعْمَالُ تَتَهَاوَى كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ، وَلَا يَقُومُ لِصَاحِبِهَا وَزْنٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَالاعْتِبَارُ بِهَذِهِ المَرَاتِبِ يُبَيِّنُ لِلْبَاحِثِ أَهَمِيَّةَ الرَّبْطِ بَيْنَ العِلْمِ بِالسُّنَّةِ وَتَزْكِيَةِ النَّفْسِ، لِيَبْقَى دَائِماً فِي المَرْتَبَةِ الأُولَى المَرْضِيَّةِ. [6]
ثَالِثًا: أَثَرُ العَمَلِ الصَّالِحِ عَلَى بَصِيرَةِ البَاحِثِ
تَحْوِيلُ العِلْمِ إِلَى عِبَادَةٍ مَقْبُولَةٍ:
شَرْحٌ: البَاحِثُ فِي عُلُومِ الشَّرِيعَةِ (كَالْعَقِيدَةِ وَالحَدِيثِ) يَكُونُ بَحْثُهُ عَمَلاً صَالِحاً إِذَا أَخْلَصَ النِّيَّةَ فِي كَشْفِ الحَقِّ وَاتَّبَعَ مَنَاهِجَ السَّلَفِ فِي التَّحْقِيقِ. فَالتَّدْقِيقُ فِي "مُضَرَ" كَمَدَارٍ لِلْإِسْنَادِ، أَوْ بَحْثُ اشْتِقَاقِ "آيَاتِ الصِّفَاتِ"، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرَفٍ فِكْرِيٍّ، بَلْ هُوَ تَقَرُّبٌ إِلَى اللهِ بِنَصْرِ دِينِهِ. فَمَتَى مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الإِخْلَاصُ وَالمُتَابَعَةُ، صَارَ القَلَمُ مِحْرَاباً، وَصَارَتِ المَسَائِلُ قُرُبَاتٍ تُدَّخَرُ لِيَوْمِ الحِسَابِ. [7]
نُورُ البَصِيرَةِ وَالفُرْقَانِ:
شَرْحٌ: العَمَلُ الصَّالِحُ يُورِثُ نُوراً فِي القَلْبِ وَفُرْقَاناً يُمَيِّزُ بِهِ العَبْدُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ؛ {إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}. فَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الطَّاعَةِ بِإِخْلَاصٍ وَاتِّبَاعٍ تُصَفِّي مِرْآةَ القَلْبِ، فَيَرَى البَاحِثُ دَقَائِقَ المَسَائِلِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الأَذْكِيَاءِ مِنَ المَحْرُومِينَ. هَذَا الفَهْمُ المَوْهُوبُ هُوَ ثَمَرَةُ العَمَلِ، فَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ، وَبَقِيَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَاتٍ بَارِدَةٍ لَا رُوحَ فِيهَا. [8]
رَابِعًا: خَاتِمَةُ المَقَامِ فِي بَيَانِ الثَّبَاتِ
الِاسْتِقَارُ عَلَى المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ:
شَرْحٌ: جِمَاعُ العَمَلِ الصَّالِحِ هُوَ لُزُومُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، فَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِقَصْدِ اللهِ وَأَتْبَعُهُمْ لِرَسُولِهِ. فَالْبَاحِثُ النَّبِيهُ يَجْعَلُ مِنْ هَدْيِهِمْ مِيزَاناً لِعَمَلِهِ وَبَحْثِهِ، فَلَا يَخْرُجُ عَنْ غَرْزِهِمْ. هَذَا الثَّبَاتُ هُوَ الَّذِي يَحْمِي مِنَ الِانْجِرَافِ خَلْفَ المَنَاهِجِ الحَادِثَةِ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، أَوْ تُقَدِّمُ العَقْلَ عَلَى النَّقْلِ، فَيَبْقَى العَمَلُ صَالِحاً مُصْلِحاً حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ. [9]
الحَاشِيَةُ _______________________________________________&
[1] (تَقْرِيرَاتٌ فِي مَقَاصِدِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِ الجَوَارِحِ)، بَحْثٌ مَخْطُوطٌ لِلْمُؤَلِّفِ، ص 50.
[2] ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ، ج 1، ص 180.
[3] أَبُو الفَرَجِ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثاً)، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 34.
[4] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، (شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ)، دَارُ الثُّرَيَّا، الطَّبْعَةُ الثَّالِثَةُ، ص 22.
[5] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَنَصَّةُ المُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ: دِرَاسَاتٌ فِي العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ)، مَقَالَاتُ مَوْقِعِ البَاحِثِ، الوَجْهُ 30.
[6] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى)، ج 18، ص 243.
[7] عِمَاد آل عَامِرٍ، (إِرْشَادُ الطَّالِبِ النَّبِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الفَقِيهُ)، ص 35.
[8] ابْنُ القَيِّمِ، (الوَابِلُ الصَّيِّبُ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ)، دَارُ الحَدِيثِ، ص 52.
[9] (شَرْحُ المَنظُومَةِ الرَّجَزِيَّةِ فِي الآدَابِ السَّلَفِيَّةِ)، بَحْثٌ تَعْلِيمِيٌّ مَخْطُوطٌ، ص 72.
[10] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، (التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، ص 215.
[11] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (مَجْمُوعُ الرَّسَائِلِ العَقَدِيَّةِ)، مَطْبَعَةُ السَّلَفِيِّ، ص 164.
[12] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، (حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، ج 8، ص 12.
[13] نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، (سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ، ج 1، ص 45.
[14] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَا أَشْكَلَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ: دِرَاسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ)، ص 110.
[15] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، (كِتَابُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى العَبِيدِ)، ص 8.
[16] (تَصْحِيحُ الأَفْهَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ)، مَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةِ، ص 28.
[17] ابْنُ كَثِيرٍ، (تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ)، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 8، ص 493.
[18] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ، (المُخْتَصَرُ فِي العَقِيدَةِ)، ص 18.
[19] (الفَوَائِدُ المَنثُورَةُ فِي حَدِيثِ مُضَرَ)، ص 22.
[20] (تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ)، ص 460.
قلت عِمَاد آل عَامِرٍ : فِي خِتَامِ هَذَا الوَجْهِ: «فَإِذَا اسْتَقَامَ المِيزَانَانِ فِي كَفَّةِ العَبْدِ؛ خَلَصَ القَصْدُ وَصَحَّ الفِعْلُ، فَتِلْكَ هِيَ الحَيَاةُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ».
&__________________________________30_________________________________&
[الوَجْهِ رَقْمُ: 31 - (آفَاتُ العَمَلِ: عِلَلُ القُلُوبِ وَمُبْطِلَاتُ الأُجُورِ)]
أَوَّلاً: حَقِيقَةُ الآفَةِ وَأَثَرُهَا عَلَى القَصْدِ
تَعْرِيفُ الآفَةِ فِي مَقَامِ التَّعَبُّدِ:
شَرْحٌ: الآفَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ العَرَضُ المُفْسِدُ لِمَا أَصَابَهُ، وَفِي مَقَامِ العِبَادَةِ هِيَ كُلُّ مَا يَدْخُلُ عَلَى العَمَلِ فَيُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الإِخْلَاصِ أَوْ حَدِّ الصَّوَابِ. وَالآفَاتُ قَدْ تَكُونُ ظَاهِرَةً كَتَرْكِ رُكْنٍ، أَوْ بَاطِنَةً وَهِيَ الأَخْطَرُ؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ فِي الخَفَاءِ كَالسُّوسِ فِي الخَشَبِ، فَيَبْدُو العَمَلُ فِي الظَّاهِرِ عَظِيماً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ خَاوٍ لَا رُوحَ فِيهِ. فَالْبَاحِثُ النَّبِيهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَشَدَّ حَذَراً مِنْ آفَاتِ عَمَلِهِ مِنْهُ مِنْ فَقْرِهِ أَوْ مَرَضِهِ، لِأَنَّ آفَةَ الدِّينِ مَهْلَكَةٌ لِلْآخِرَةِ. [1]
خُطُورَةُ الغَفْلَةِ عَنْ عُيُوبِ النَّفْسِ:
شَرْحٌ: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وَمِنْ أَعْظَمِ آفَاتِهَا أَنْ تَمْكُرَ بِصَاحِبِهَا فَتُرِيَهُ القَبِيحَ حَسَناً. فَإِذَا غَفَلَ العَبْدُ عَنْ تَفَقُّدِ خَبَايَا قَلْبِهِ، دَخَلَتْ عَلَيْهِ الآفَاتُ مِنْ أَبْوَابٍ شَتَّى، فَيَصِيرُ يَعْمَلُ لِأَجْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْمَلُ لِأَجْلِ رَبِّهِ. هَذَا "الِاسْتِدْرَاجُ القَلْبِيُّ" هُوَ الَّذِي خَافَهُ السَّلَفُ الصَّالِحُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: "مَا جَاهَدْتُ نَفْسِي عَلَى شَيْءٍ أَشَدَّ عَلَيَّ مِنَ الإِخْلَاصِ"، وَذَلِكَ لِتَلَوُّنِ الآفَاتِ وَسُرْعَةِ دُخُولِهَا عَلَى النِّيَّةِ. [2]
ثَانِيًا: تَفْصِيلُ أُمَّهَاتِ الآفَاتِ (الرِّيَاءُ، العُجْبُ، السُّمْعَةُ)
آفَةُ الرِّيَاءِ (الشِّرْكُ الأَصْغَرُ):
شَرْحٌ: الرِّيَاءُ هُوَ رُؤْيَةُ الخَلْقِ فِي العَمَلِ، وَطَلَبُ المَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِهِمْ بِأَعْمَالِ الآخِرَةِ. وَهُوَ آفَةٌ قَاتِلَةٌ تُحْبِطُ العَمَلَ الَّذِي خَالَطَتْهُ؛ فَاللهُ تَعَالَى أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. وَالرِّيَاءُ يَتَسَلَّلُ فِي هَيْئَةِ الصَّلَاةِ، أَوْ طُولِ القِيَامِ، أَوْ حَتَّى فِي طَرِيقَةِ الكَلَامِ وَالبَحْثِ العِلْمِيِّ لِيُقَالَ: "مَا أَعْلَمَهُ!". فَالْمُرَائِي يَبْنِي قَصْراً عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، لِأَنَّ مَنْ طَلَبَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللهِ، سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ. [3]
آفَةُ العُجْبِ (رُؤْيَةُ النَّفْسِ):
شَرْحٌ: العُجْبُ هُوَ "كِبْرُ العِبَادَةِ"، وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ العَبْدُ إِلَى عَمَلِهِ بِعَيْنِ التَّعْظِيمِ وَيَنْسَى فَضْلَ اللهِ عَلَيْهِ. وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّيَاءِ أَنَّ الرِّيَاءَ شِرْكٌ بِالخَلْقِ، وَالعُجْبَ شِرْكٌ بِالنَّفْسِ. وَالعُجْبُ يَمْنَعُ العَبْدُ مِنَ الِافْتِقَارِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَيُورِثُهُ الغُرُورَ الَّذِي هُوَ بَرِيدُ الهَلَاكِ. فَالْمُعْجَبُ بِبَحْثِهِ أَوْ بِصَلَاتِهِ يَكِلُهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ وُكِلَ إِلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ. [4]
آفَةُ السُّمْعَةِ وَحُبُّ الجَاهِ:
شَرْحٌ: السُّمْعَةُ هِيَ الرِّيَاءُ بَعْدَ العَمَلِ، بِأَنْ يَتَحَدَّثَ العَبْدُ بِمَا فَعَلَ لِيَسْمَعَ النَّاسُ فَيُثْنُوا عَلَيْهِ. أَمَّا حُبُّ الجَاهِ فَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي التَّصَدُّرِ وَأَنْ يَكُونَ مَشَاراً إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ. وَهَذِهِ الآفَةُ تَعْصِفُ بِكَثِيرٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ؛ حَيْثُ يَصِيرُ هَمُّ أَحَدِهِمْ كَثْرَةَ الأَتْبَاعِ أَوْ ثَنَاءَ المَشَايِخِ، فَيَضِيعُ مَقْصُودُ الوَحْيِ فِي دَهَالِيزِ حُبِّ الظُّهُورِ، وَ"حُبُّ الظُّهُورِ يَقْصِمُ الظُّهُورَ" كَمَا قِيلَ، وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ تَلَقِّي نُورِ الحَقِّ بِتَجَرُّدٍ. [5]
ثَالِثًا: آفَاتٌ خَفِيَّةٌ فِي طَرِيقِ البَاحِثِينَ
آفَةُ التَّعَصُّبِ لِلْمَذْهَبِ أَوِ الرَّأْيِ:
شَرْحٌ: هَذِهِ آفَةٌ تَعْرِضُ لِلْمُشْتَغِلِينَ بِالعِلْمِ، حَيْثُ يَكُونُ الِانْتِصَارُ لِلرَّأْيِ أَوْ لِلشَّيْخِ مُقَدَّماً عَلَى اتِّبَاعِ الدَّلِيلِ. هَذَا النَّوْعُ مِنَ الآفَاتِ يُعْمِي البَصِيرَةَ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ فِي أَقْوَالِ المُخَالِفِينَ، وَيُخْرِجُ البَحْثَ عَنْ مَقَامِ "المُتَابَعَةِ" الصَّحِيحَةِ إِلَى مَقَامِ "الهَوَى المَتْبُوعِ". فَالْبَاحِثُ الصَّادِقُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعَ الدَّلِيلِ حَيْثُ اسْتَقَلَّتْ رَكَائِبُهُ، مُبْتَعِداً عَنْ حَمِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ فِي التَّعَصُّبِ لِلأَشْخَاصِ. [6]
آفَةُ التَّسْوِيفِ وَتَرْكِ العَمَلِ بِالعِلْمِ:
شَرْحٌ: هِيَ أَنْ يَنْشَغِلَ العَبْدُ بِجَمْعِ المَعْلُومَاتِ وَتَحْقِيقِ المَسَائِلِ (كَشَرْحِ المَنْظُومَاتِ أَوْ فَهْمِ مَدَارِ الحَدِيثِ) دُونَ أَنْ يَنْعَكِسَ ذَلِكَ عَلَى عَمَلِهِ وَخُشُوعِهِ. هَذَا "الجُمُودُ العِلْمِيُّ" آفَةٌ تَجْعَلُ العِلْمَ حُجَّةً عَلَى صَاحِبِهِ لَا لَهُ. فَالْعِلْمُ الصَّحِيحُ هُوَ مَا أَوْرَثَ الخَشْيَةَ، وَكُلُّ عِلْمٍ لَا يُورِثُ عَمَلاً فَهُوَ آفَةٌ مَسْتُورَةٌ بِثِيَابِ الطَّلَبِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَعَوَّذُونَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ. [7]
رَابِعًا: عِلَاجُ الآفَاتِ وَطَرِيقُ الخَلَاصِ
دَوَامُ المُحَاسَبَةِ وَالِافْتِقَارِ:
شَرْحٌ: العِلَاجُ يَبْدَأُ بِمُحَاسَبَةِ النَّفْسِ عِنْدَ كُلِّ خَاطِرَةٍ؛ (لِمَاذَا فَعَلْتُ؟ وَلِمَنْ فَعَلْتُ؟). وَيَتَأَكَّدُ بِدَوَامِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللهِ أَنْ يَعْصِمَ القَلْبَ مِنَ التَّشَتُّتِ. فَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ صَلَاحَ قَلْبِهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ رَبِّهِ، وَمَنْ أَيْقَنَ بِضَعْفِهِ لَجَأَ إِلَى القَوِيِّ سُبْحَانَهُ. هَذَا الِانْكِسَارُ هُوَ التِّرْيَاقُ الَّذِي يَقْتُلُ جَرَاثِيمَ العُجْبِ وَالرِّيَاءِ، وَيُعِيدُ العَمَلَ إِلَى مِحْرَابِ العُبُودِيَّةِ الخَالِصَةِ. [8]
إِخْفَاءُ العَمَلِ وَطَلَبُ الخُمُولِ:
شَرْحٌ: كَمَا أَنَّ الآفَةَ تَنْمُو مَعَ الأَضْوَاءِ، فَإِنَّ الصَّلَاحَ يَنْمُو فِي الخَفَاءِ. فَعَلَى البَاحِثِ وَالعَابِدِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى "خَبِيئَةٍ" مِنَ العَمَلِ الصَّالِحِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ، وَأَنْ يَفْرَحَ بِسَتْرِ اللهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ فَرَحِهِ بِثَنَاءِ النَّاسِ. هَذَا الخُمُولُ المَقْصُودُ (أَيْ عَدَمُ طَلَبِ الشُّهْرَةِ) هُوَ المَحْضِنُ الآمِنُ لِلإِخْلَاصِ، وَبِهِ يَنْجُو العَمَلُ مِنَ الآفَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ فِي مَحَافِلِ الظُّهُورِ. [9]
حَاشِيَةُ __________________________________&
[1] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (تَقْرِيرَاتٌ فِي مَقَاصِدِ القُلُوبِ وَأَعْمَالِ الجَوَارِحِ)، بَحْثٌ مَخْطُوطٌ لِلْمُؤَلِّفِ، ص 54.
[2] أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ، (إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ)، دَارُ المَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، المُجَلَّدُ الثَّالِثُ، كِتَابُ ذَمِّ الجَاهِ وَالرِّيَاءِ، ص 290.
[3] مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ)، تَحْقِيقُ عَبْدِ العَزِيزِ الجَلِيلِ، دَارُ الطَّيْبَةِ، ج 1، ص 450.
[4] أَبُو الفَرَجِ ابْنُ الجَوْزِيِّ، (تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ)، دَارُ القَلَمِ، بَيْرُوتَ، الطَّبْعَةُ السَّادِسَةُ، 1424 هـ، ص 180.
[5] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَنَصَّةُ المُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ: دِرَاسَاتٌ فِي العَقِيدَةِ وَالإِيمَانِ)، مَقَالَاتُ مَوْقِعِ البَاحِثِ، الوَجْهُ 31.
[6] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى)، ج 28، ص 125.
[7] (شَرْحُ المَنظُومَةِ الرَّجَزِيَّةِ فِي الآدَابِ السَّلَفِيَّةِ)، بَحْثٌ تَعْلِيمِيٌّ مَخْطُوطٌ، ص 75.
[8] ابْنُ القَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ، (الوَابِلُ الصَّيِّبُ مِنَ الكَلِمِ الطَّيِّبِ)، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، ص 38.
[9] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، (حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ)، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، ج 1، ص 350.
[10] عِمَاد آل عَامِرٍ، (إِرْشَادُ الطَّالِبِ النَّبِيهِ إِلَى مَعْرِفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الفَقِيهُ)، ص 38.
[11] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيُّ، (المُخْتَصَرُ فِي العَقِيدَةِ)، دَارُ الفَضِيلَةِ، ص 22.
[12] نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، (صَحِيحُ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ)، مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ، ج 1، ص 25.
[13] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، (القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، ج 1، ص 210.
[14] (تَصْحِيحُ الأَفْهَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ)، مَجَلَّةُ السَّلَفِيَّةِ، ص 30.
[15] مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، (كِتَابُ التَّوْحِيدِ)، بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ، ص 45.
[16] عِمَاد آل عَامِرٍ، (مَا أَشْكَلَ مِنْ آيَاتِ الصِّفَاتِ: دِرَاسَةٌ لُغَوِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ)، ص 115.
[17] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ)، مَؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 48.
[18] صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، (التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ)، ص 220.
[19] (الفَوَائِدُ المَنثُورَةُ فِي حَدِيثِ مُضَرَ)، ص 25.
[20] عِمَاد بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آل عَامِرٍ، (مَجْمُوعُ الرَّسَائِلِ العَقَدِيَّةِ)، مَطْبَعَةُ السَّلَفِيِّ، ص 160.
&______________________________31___________________________________&
[المرتبة السادسة: وَجَلُ أَهْلِ الصَّلَاحِ مِنْ حُبُوطِ العَمَلِ]
أَوَّلاً: نَصُّ المَرْتَبَةِ (مُشَكَّلاً بَيْنَ مَعْقُوفَتَيْنِ) (1)
«الْمَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ الصَّالِحِينَ يَخَافُونَ مِنْ هُبُوطِ الْعَمَلِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الحجرات: 2]، وَهَذَا مِنْ أَقَلِّ الْأَشْيَاءِ فِي زَمَانِنَا». (2)
♤______________♤________________♤___________________♤___________________♤
ثَانِيًا: المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسَخِ الخَطِّيَّةِ (3)
عِنْدَ النَّظَرِ فِي الأُصُولِ الخَطِّيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ النُّسْخَةَ الَّتِي بَيْنَ يَدَيْكُمْ هِيَ (النُّسْخَةُ أ)،
وَهِيَ النُّسْخَةُ الأُمُّ الَّتِي اعْتَمَدَتْ لَفْظَ "هُبُوطِ العَمَلِ" تَمَاماً كَمَا فِي (النُّسْخَةِ ج)، بَيْنَمَا انْفَرَدَتِ (النُّسْخَةُ ب) بِلَفْظِ "حَبْطِ العَمَلِ".
(4) وَفِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ بِالآيَةِ، جَاءَتْ نُسْخَتُكُمْ (أ) بِإِثْبَاتِ "أَنْ" النَّاصِبَةِ كَمَا فِي الرَّسْمِ العُثْمَانِيِّ، وَوَافَقَتْهَا (ج)، بَيْنَمَا سَقَطَتِ "أَنْ" فِي (ب).
(5) وَفِي خَاتِمَةِ المَرْتَبَةِ، جَاءَ لَفْظُ "فِي زَمَانِنَا" فِي نُسْخَتِكُمْ (أ) وَنُسْخَةِ (ج)، وَخَالَفَتْهُمَا (ب) بِلَفْظِ "فِي هَذَا الزَّمَانِ".
(6) وَبِهَذَا تَتَحَقَّقُ مَتَانَةُ النُّصُوصِ فِي نُسْخَتِكُمْ لِمُوَافَقَتِهَا لِأَكْثَرِ الأُصُولِ ضَبْطاً. (7)
ثَالِثًا: تَحْلِيلُ المِفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ وَالشَّرْعُ)
الصَّالِحُونَ: مِنَ الصَّلَاحِ وَهُوَ ضِدُّ الفَسَادِ (8)،
وَهُوَ فِي الشَّرْعِ مَنْ سَلِمَتْ عَقِيدَتُهُ وَاسْتَقَامَتْ طَاعَتُهُ. (9)
الخَوْفُ: فَزَعُ القَلْبِ مِنْ مُرْتَقَبٍ مَكْرُوهٍ (10)،
وَهُوَ فِي سُلُوكِ السَّلَفِ مَحْرِكُ الجَوَارِحِ نَحْوَ مَرْضَاةِ المَوْلَى. (11)
الحُبُوطُ: مَأْخُوذٌ مِنْ "حَبِطَتِ النَّاقَةُ" إِذَا انْتَفَخَتْ عُرُوقُهَا بَعْدَ أَكْلِ الحَبَطِ فَتَهْلِكُ (12)،
وَشَرْعاً هُوَ ذَهَابُ أَثَرِ الطَّاعَةِ وَبُطْلَانُهَا. (13)
الشُّعُورُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ يَخْفَى (14)،
وَالمُرَادُ بِهِ هُنَا اليَقَظَةُ لِدَقَائِقِ العِلَلِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي العَمَلِ بَعْدَ فَرَاغِهِ. (15)
رَابِعًا: القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالتَّعْلِيلُ المَقَاصِدِيُّ
تَقُومُ هَذِهِ المَرْتَبَةُ عَلَى قَاعِدَةِ: "الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ، وَالأَمْنُ مِنَ المَكْرِ حِرْمَانٌ" (16).
وَقَدْ رَتَّبَهَا الشَّيْخُ بَعْدَ مَرْتَبَةِ "شُرُوطِ العَمَلِ" تَنْبِيهاً عَلَى أَنَّ الإِتْيَانَ بِالإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ لَا يُوجِبُ الدَّلَالَ عَلَى اللهِ (17)
بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْقُبَهُ وَجَلٌ مِنْ عَدَمِ القَبُولِ أَوْ طُرُوءِ نَاقِضٍ خَفِيٍّ (18).
فَهِيَ مَرْتَبَةٌ حَارِسَةٌ لِلْمَرْتَبَةِ السَّابِقَةِ، تَمْنَعُ دُخُولَ العُجْبِ عَلَى المُتَعَبِّدِ (19)
وَتَرْبِطُهُ بِمَقَامِ الِافْتِقَارِ الدَّائِمِ الَّذِي هُوَ رُوحُ العُبُودِيَّةِ. (20)
الحَاشِيَةُ ____________________________♤
(1) ابن جرير الطبري، جامع البيان.
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم.
(3) ابن الصلاح، علوم الحديث.
(4) ابن منظور، لسان العرب.
(5) الزبيدي، تاج العروس.
(6) الجوهري، الصحاح.
(7) السيوطي، تدريب الراوي.
(8) الراغب الأصفهاني، المفردات.
(9) النووي، شرح صحيح مسلم.
(10) الجرجاني، التعريفات.
(11) الهروي، منازل السائرين.
(12) الفيروز آبادي، القاموس المحيط.
(13) ابن تيمية، مجموع الفتاوى.
(14) الكفوي، الكليات.
(15) الغزالي، إحياء علوم الدين.
(16) ابن رجب، جامع العلوم والحكم.
(17) الشاطبي، الموافقات.
(18) ابن الجوزي، صيد الخاطر.
(19) القشيري، الرسالة القشيرية.
(20) ابن القيم، مدارج السالكين.
♤_____________________________________32_____________________________________♤
[تَتِمَّةُ المَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ: المَقَاصِدُ وَتَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ]
أَوَّلاً: مَقْصُودُ الشَّيْخِ وَالِارْتِبَاطُ السِّيَاقِيُّ
مَقْصُودُ الشَّيْخِ: يَرْمِي الشَّيْخُ مِنْ إِيرَادِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ إِلَى "تَحْقِيقِ التَّقْوَى الخَفِيَّةِ"؛ فَالمُؤْمِنُ لَا يَقِفُ عِنْدَ ظَاهِرِ العَمَلِ، بَلْ يَنْفُذُ إِلَى عِلَلِهِ. (1)
الِارْتِبَاطُ بِمَا قَبْلَهَا: جَاءَتْ بَعْدَ مَرْتَبَةِ "شُرُوطِ العَمَلِ" لِتَكُونَ "مِكْبَحاً" لِلنَّفْسِ عَنِ الإِدْلَالِ بِالطَّاعَةِ؛ فَإِذَا أَحْسَنَ العَبْدُ القَصْدَ وَالمُتَابَعَةَ (المَرْتَبَةُ 5)، خِيفَ عَلَيْهِ العُجْبُ، فَجَاءَ التَّحْذِيرُ مِنَ الحُبُوطِ (المَرْتَبَةُ 6). (2)
الِارْتِبَاطُ بِمَا بَعْدَهَا: تُمَهِّدُ هَذِهِ المَرْتَبَةُ لِلَّتِي تَلِيهَا فِي "مَقَامِ الِافْتِقَارِ وَالِانْكِسَارِ"؛ إِذْ لَا يَنْكَسِرُ لِلَّهِ إِلَّا مَنْ خَافَ أَنْ يُسْلَبَ مَا أُعْطِيَ. (3)
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ المَشَايِخِ (نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ)
أ) المَتَقَدِّمُونَ:
الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا». (4)
سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَا عَالَجْتُ شَيْئاً أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ». (5)
ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: «أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ، مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يَقُولُ إِنَّهُ عَلَى إِيمَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ». (6)
ب) المُعَاصِرُونَ:
ابْنُ بَازٍ: «الوَاجِبُ عَلَى المُؤْمِنِ أَنْ يَحْذَرَ، فَالإِيمَانُ لَيْسَ بِالتَّمَنِّي وَلَا بِالتَّحَلِّي، وَالخَوْفُ مِنَ الحُبُوطِ هُوَ شَأْنُ المُتَّقِينَ». (7)
ابْنُ عُثَيْمِينَ: «الخَوْفُ مِنَ الحُبُوطِ لَا يَعْنِي الشَّكَّ فِي وَعْدِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ الخَوْفُ مِنْ عَدَمِ تَمَامِ الشَّرْطِ أَوْ وُجُودِ المَانِعِ فِي العَمَلِ». (8)
صَالِحُ الفَوْزَانُ: «الحُبُوطُ خَطَرٌ دَائِمٌ يَتَرَصَّدُ العَمَلَ، وَمَنْ أَمِنَ الحُبُوطَ فَقَدْ وَقَعَ فِي غُرُورٍ يَهْدِمُ عَمَلَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ». (9)
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (ثَلَاثَةُ إِيرَادَاتٍ)
تَعَلُّقُ الحُبُوطِ بِالكَبَائِرِ وَالرِّدَّةِ: نَصُّ القَاعِدَةِ: «الحُبُوطُ الكُلِّيُّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالرِّدَّةِ، وَالحُبُوطُ الجُزْئِيُّ يَكُونُ بِمُحْبِطَاتٍ خَاصَّةٍ كَالتَّأَلِّي عَلَى اللهِ». (10)
خَوْفُ النِّفَاقِ الأَصْغَرِ: «الخَوْفُ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ هُوَ خَوْفُ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ كَمَالَ القَبُولِ». (11)
قَاعِدَةُ المُوَازَنَةِ: «العَمَلُ إِذَا خَالَطَهُ مُحْبِطٌ فَالْمُعْتَبَرُ الغَالِبُ، وَلَكِنَّ الصَّالِحِينَ يَسْتَعْظِمُونَ يَسِيرَ القَدْحِ حِذَاراً مِنَ السَّلْبِ». (12)
الحَاشِيَةُ ____________________________________♤
(1) ابن القيم، مدارج السالكين.
(2) الشاطبي، الموافقات.
(3) الهروي، منازل السائرين.
(4) ابن جرير الطبري، تهذيب الآثار.
(5) النووي، حلية الأولياء.
(6) البخاري، صحيح البخاري (كتاب الإيمان).
(7) ابن باز، مجموع فتاوى ومقالات.
(8) ابن عثيمين، القول المفيد.
(9) صالح الفوزان، إعانة المستفيد.
(10) ابن تيمية، مجموع الفتاوى.
(11) ابن رجب، جامع العلوم والحكم.
(12) ابن أبي العز، شرح الطحاوية.
(13) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن.
(14) ابن كثير، التفسير.
(15) البغوي، معالم التنزيل.
(16) القشيري، الرسالة.
(17) السيوطي، الإكليل.
(18) الخطيب البغدادي، اقتضاء العلم العمل.
(19) الآجري، أخلاق العلماء.
(20) ابن حبان، روضة العقلاء.
♤_____________________________33_______________________________♤
أَوَّلاً: عَشَرَةُ آثَارٍ عَنِ السَّلَفِ فِي الخَوْفِ مِنَ الحُبُوطِ
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ}، قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ». (1)
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «وَدِدْتُ أَنِّي شَعَرَةٌ فِي صَدْرِ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ»، وَكَانَ يُمْسِكُ بِلِسَانِهِ وَيَقُولُ: «هَذَا الَّذِي أَوْرَدَنِي المَوَارِدَ». (2)
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: «يَا حُذَيْفَةُ، نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ، هَلْ سَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ المُنَافِقِينَ؟». (3)
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ». (4)
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «لِأَنْ أَسْتَيْقِنَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلَاةً وَاحِدَةً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}». (5)
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ فِي وَصْفِ الصَّحَابَةِ: «أَدْرَكْتُ أَقْوَاماً صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانُوا مِنْ أَنْ تُسْلَبَ حَسَنَاتُهُمْ أَشَدَّ خَوْفاً مِنْكُمْ مِنْ أَنْ تُعَاقَبُوا عَلَى سَيِّئَاتِكُمْ». (6)
قَالَ يُوسُفُ بْنُ أَسْبَاطٍ: «تَخَلُّصُ النِّيَّةِ مِنْ فَسَادِهَا أَشَدُّ عَلَى العَامِلِينَ مِنْ طُولِ الِاجْتِهَادِ». (7)
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عِنْدَ مَوْتِهِ وَهُوَ يَبْكِي: «أَخْشَى آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ}، فَأَنَا أَخْشَى أَنْ يَبْدُوَ لِي مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ أَكُنْ أَحْتَسِبُ». (8)
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «بَكَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، فَبَكَتْ فَاطِمَةُ، فَبَكَى أَهْلُ الدَّارِ، فَلَمَّا انْجَلَتْ عَنْهُمُ العَبْرَةُ سَأَلُوهُ، فَقَالَ: ذَكَرْتُ مُنْصَرَفَ النَّاسِ مِنْ بَيْنِ يَدَيِ اللَّهِ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ». (9)
قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ: «لَا تَغْتَرَّ بِمَكَانٍ صَالِحٍ، فَلَا مَكَانَ أَصْلَحُ مِنَ الجَنَّةِ، وَلَقِيَ فِيهَا آدَمُ مَا لَقِيَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ العِبَادَةِ، فَإِنَّ إِبْلِيسَ بَعْدَ طُولِ العِبَادَةِ لَقِيَ مَا لَقِيَ». (10)
ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِحَالِ السَّلَفِ فِي هَذَا المَضْمُونِ
إِنَّ هَذَا الإِشْفَاقَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَرْتَكِزُ عَلَى قَاعِدَةٍ عَقَدِيَّةٍ مَفَادُهَا أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَعْوَى، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ قَلْبِيَّةٌ يَصْحَبُهَا خَوْفٌ مِنْ "سَلْبِ النِّعْمَةِ" وَ"حُبُوطِ المَزِيَّةِ". فَهُمْ لَمْ يَخَافُوا لِشَكٍّ فِي كَرَمِ اللَّهِ، بَلْ خَافُوا مِنْ تَقْصِيرِ أَنْفُسِهِمْ فِي تَحْقِيقِ شُرُوطِ القَبُولِ، أَوْ مِنْ وُجُودِ دَخَلٍ خَفِيٍّ مِنَ الرِّيَاءِ أَوِ العُجْبِ الَّذِي يَجْعَلُ العَمَلَ "رَدًّا". وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ هُنَا يُفَرِّقُ بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الحُبُوطِ: الحُبُوطُ الكُلِّيُّ الَّذِي يَمْحَقُ الدِّينَ بِالرِّدَّةِ، وَالحُبُوطُ الجُزْئِيُّ الَّذِي يَمْحَقُ ثَوَابَ الطَّاعَةِ بِالمَعْصِيَةِ أَوْ تَرْكِ الإِخْلَاصِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ أَعْرَفَ النَّاسِ بِاللَّهِ، فَلِذَلِكَ كَانُوا أَعْرَفَ النَّاسِ بِمَكَايِدِ النَّفْسِ، فَأَدْرَكُوا أَنَّ العَبْدَ مَهْمَا بَلَغَ فِي الصَّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَنُ التَّحَوُّلَ، لِأَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ الأَبْرَارِ وَيَخَافُ خَوْفَ الفُجَّارِ، خَوْفاً يَدْفَعُهُ لِلِازْدِيَادِ لَا لِلْقُنُوطِ. وَهَذَا المَعْنَى هُوَ "تَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ"؛ إِذِ العَبْدُ يَشْهَدُ فِعْلَ اللَّهِ فِيهِ فَيَشْكُرُ، وَيَشْهَدُ تَقْصِيرَهُ فَيَسْتَغْفِرُ، وَيَشْهَدُ عَظَمَةَ المَعْبُودِ فَيَوْجَلُ. وَمِنْ هُنَا كَانَ خَوْفُهُمْ مِنَ الحُبُوطِ دَلِيلاً عَلَى صِحَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ، لِأَنَّ مَنْ أَمِنَ الحُبُوطَ فَقَدْ أَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ، وَمَنْ أَمِنَ مَكْرَ اللَّهِ فَقَدْ حُرِمَ التَّوْفِيقَ. فَالِاسْتِقَامَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ الثَّبَاتُ عَلَى الوَجَلِ حَتَّى يَلْقَوْا عَزَّ وَجَلَّ، فَيَكُونَ الأَمْنُ هُنَاكَ جَزَاءً عَلَى الخَوْفِ هُنَا.
الحَاشِيَةُ ______________________________♤
(1) أخرجه الترمذي في سننه (3175) وابن ماجه (4198). نُكْتَةٌ: الوجلُ هنا صِفَةُ مدحٍ، لأنه قارنَ الطاعةَ، ولو كان يأساً لكان مَذمُوماً.
(2) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/34). نُكْتَةٌ: تمني الصديق أن يكون شعرة دليلٌ على فنائه عن رؤية نفسه في جنب عظمة ربه.
(3) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (14/563). نُكْتَةٌ: خوفُ عمر مع كمال إيمانه هو مَحْضُ التواضعِ وقمعِ النفسِ عن الإدلال.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه (6308). نُكْتَةٌ: الفرق بين المؤمن والفاجر هو في "حجم الذنب" في العين، فالمؤمن يستعظمه حياءً.
(5) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب (التقوى). نُكْتَةٌ: الاعتماد على قوله {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ} هو أصلُ مذهب السلف في الخوف من شروط التقوى.
(6) أخرجه الإمام أحمد في الزهد. نُكْتَةٌ: "السلب بعد العطاء" هو أوجعُ ما يخافُه الصالحون، وهو سرُّ المداومة على الاستقامة.
(7) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب. نُكْتَةٌ: ثقلُ النية يأتي من تقلُّبها، فالمجاهد فيها مرابطٌ على ثغر قلبه.
(8) أخرجه أبو نعيم في الحلية (3/146). نُكْتَةٌ: مكمن الخوف في هذه الآية هو المفاجأة بما لم يكن العبد يظنه ذنباً أو قادحاً.
(9) انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي. نُكْتَةٌ: البكاء الجماعي هنا هو "عدوى إيمانية" تدل على حياة القلوب في ذلك الزمان.
(10) انظر: مدارج السالكين لابن القيم. نُكْتَةٌ: "عدم الاغترار" هو الضابط العَقديُّ الذي يمنع العبد من الركون إلى حاله أو عمله.
♤_________________________________34____________________________________♤
[الوَجْهُ رَقْمُ: 35 - المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ وَخَوْفُ السَّوَابِقِ]
أَوَّلاً: نَصُّ المَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ
«الْمَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ عَلَى الْحَقِّ، وَالْخَوْفُ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: "إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَيُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ"، وَهَذِهِ أَيْضًا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَخَافُ مِنْهُ الصَّالِحُونَ، وَهِيَ قَلِيلٌ فِي زَمَانِنَا؛ فَالتَّفْكِيرُ فِي حَالِ الَّذِي تَعْرِفُ مِنَ النَّاسِ فِي هَذَا وَغَيْرِهِ يَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ كَثِيرٍ تَجْهَلُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ».
♤____________________________◇____________________________♤
ثَانِيًا: المُقَابَلَةُ وَتَخْرِيجُ الحَدِيثِ
المُقَابَلَةُ: جاء في (أ) و (ج): "الثبات على الحق"، وفي (ب): "الثبات على الأمر"، واللفظ الأول هو الموافق لنسختكم وهو الأوفق للسياق الشرعي. وجاء في (ب) "يُختم له بالخاتمة" بينما في (أ) و (ج) "يُختم له بعمل أهل النار" وهو الموافق للفظ الحديث النبوي.
تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: أخرجه البخاري (6594)، و مسلم (2643) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، وَيُقَالُ لَهُ: اكْتُبْ عَمَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ...» الحديث بتمامه.
ثَالِثًا: تَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ
الثَّبَاتُ:
الاشتقاق: من (ث ب ت)، وهو دوام الشيء واستقراره.
الاستعمال: يقال ثبت السهم في الهدف، وثبت القدم في الوحل.
الحد الجامع: هو لزوم الصراط المستقيم من غير حيدة ولا تذبذب.
الحَقُّ: هو الشيء الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وشعراً هو ما أنزله الله ووحيُه.
الخَوْفُ: انزعاج القلب وتوقعه للمكروه.
مراتب الخوف: (الخوف: للعوام)، (الخشية: للعلماء)، (الهيبة: للمحبين)، (الإجلال: للمقربين).
أنواعه:
المحمود: ما حال بينك وبين محارم الله.
المذموم: ما أدى إلى القنوط أو ترك العمل.
الطبيعي: كالخوف من السبع أو النار، وهو لا يقدح في الإيمان.
سُوءُ الخَاتِمَةِ: هي أن يدرك العبدَ الموتُ وهو على حالة سيئة أو عقيدة فاسدة.
يُخْتَمُ لَهُ: أي يصير آخره وعاقبة أمره إلى ذلك العمل.
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَالقَوَاعِدُ
القاعدة العقدية: "الاعتبار بالخواتيم لا بالبدايات". شرحها: أن العبد مهما عمل من صالحات فإن العبرة بما يلقى الله عليه، وهذا يدفع العبد لدوام الافتقار وعدم الركون للعمل.
القاعدة الأصولية: "الاستصحاب في الثبات". شرحها: استصحاب حال الاستقامة واجب شرعاً، لكن اليقين بالنجاة معلق بالخاتمة الغيبية.
الضابط: "كل طاعة لا تصحبها خشيةُ السلب فهي استدراج". شرحه: أن المؤمن الصادق يخاف أن يُسلب ما أُعطي من الهداية لعِلمِه بتقلّب القلوب.
خَامِسًا: مَقْصُودُ الشَّيْخِ
مقصود الشيخ هو "قطع عروق الكبر والعُجب" من قلب السالك؛ فإذا علم العبد أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، وأنه قد يسبق عليه الكتاب في آخر لحظة، انكسر قلبه، ولزم التضرع، ولم يترفع على أحد من الخلق، وظل في حالة حذر دائم تجعله يستنفر قواه في الطاعة طلباً للثبات.
الحَاشِيَةُ ___________________________♤
(1) البخاري، الصحيح.
(2) مسلم، الصحيح.
(3) ابن حجر، فتح الباري.
(4) النووي، المنهاج.
(5) ابن تيمية، الاستقامة.
(6) ابن القيم، مدارج السالكين.
(7) الراغب، المفردات.
(8) الفيروز آبادي، القاموس المحيط.
(9) ابن منظور، لسان العرب.
(10) الجرجاني، التعريفات.
(11) الكفوي، الكليات.
(12) ابن رجب، جامع العلوم والحكم.
(13) الشاطبي، الموافقات.
(14) القرطبي، التذكرة.
(15) الغزالي، الإحياء.
(16) ابن أبي العز، شرح الطحاوية.
(17) السهروردي، عوارف المعارف.
(18) ابن الجوزي، صيد الخاطر.
(19) الخطيب البغدادي، الفقيه والمتفقه.
(20) البيهقي، شعب الإيمان.
♤_____________________________35___________________________________♤
[تَقْرِيرَاتُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ وَالمُعَاصِرِينَ حَوْلَ المَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ]
أَوَّلاً: تَلامِيذُ الشَّيْخِ وَأَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ (نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ)
الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ: «إِنَّ خَوْفَ الصَّالِحِينَ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ لَيْسَ شَكّاً فِي المَوْعُودِ، وَلَكِنَّهُ الحَذَرُ مِنْ غَوَائِلِ النَّفْسِ؛ فَإِنَّ القَلْبَ أَشَدُّ تَقَلُّباً مِنَ القِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا، وَمَنْ أَمِنَ الثَّبَاتَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ». (1)
الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: «العِبْرَةُ بِالخَوَاتِيمِ هِيَ مَحَكُّ العُبُودِيَّةِ؛ فَقَدْ يَعْمَلُ الرَّجُلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَفِي بَاطِنِهِ دَسِيسَةٌ مِنْ دَسَائِسِ السُّوءِ تَظْهَرُ عِنْدَ المَوْتِ فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ». (2)
الشَّيْخُ حَمَدُ بْنُ عَتِيقٍ: «إِنَّ مِمَّا يَقْطَعُ مَفَاوِزَ الغُرُورِ عَنِ القَلْبِ: النَّظَرُ فِي سَوَابِقِ القَدَرِ؛ فَمَا يَدْرِي العَبْدُ مَا خُطَّ لَهُ فِي الأَزَلِ، وَلَا بِمَاذَا يُخْتَمُ لَهُ فِي الأَجَلِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَجَلِ العَارِفِينَ». (3)
ثَانِيًا: العُلَمَاءُ المُعَاصِرُونَ (نُصُوصٌ صَرِيحَةٌ)
الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ: «الخَوْفُ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ يَحْفِزُ المُؤْمِنَ عَلَى دَوَامِ الِاسْتِقَامَةِ وَلُزُومِ التَّوْبَةِ، وَلَا يَنْبَغِي لِلمُؤْمِنِ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى سَابِقِ عَمَلِهِ، بَلْ يَسْأَلُ اللَّهَ الثَّبَاتَ حَتَّى يَلْقَاهُ». (4)
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينُ: «قَوْلُهُ ﷺ: (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ دَائِماً عَلَى خَوْفٍ وَوَجَلٍ، وَأَنْ لَا يَعْجَبَ بِعَمَلِهِ مَهْمَا كَثُرَ؛ لِأَنَّ العِبْرَةَ بِمَا يَمُوتُ عَلَيْهِ». (5)
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي (حَفِظَهُ اللَّهُ): «أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ بَيْنَ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ، وَمِنْ أَعْظَمِ بَوَاعِثِ الخَوْفِ عِنْدَهُمْ: هَيْبَةُ السَّوَابِقِ وَخَوْفُ الخَوَاتِيمِ، فَإِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، فَالثَّبَاتُ مَحْضُ فَضْلٍ، وَالسَّلْبُ عَدْلٌ». (6)
ثَالِثًا: مَضْمُونُ هَذِهِ التَّقْرِيرَاتِ عِنْدَهُمْ
تَتَّفِقُ كَلِمَةُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنَ المَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ هُوَ:
تَحْقِيقُ الِافْتِقَارِ الِاضْطِرَارِيِّ: بِحَيْثُ يَلْهَجُ لِسَانُ العَبْدِ دَائِماً بـ "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ". (7)
الحَذَرُ مِنَ "الدَّسِيسَةِ الخَفِيَّةِ": وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ وَأَقَرَّهُ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ أَنَّ سُوءَ الخَاتِمَةِ لَا يَكُونُ لِمَنْ اسْتَقَامَ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَإِنَّمَا لِمَنْ كَانَ فِيهِ خَبِيئَةُ سُوءٍ. (8)
دَفْعُ التَّعَالِي عَلَى العُصَاةِ: فَإِذَا خَافَ العَبْدُ عَلَى نَفْسِهِ السَّلْبَ، لَمْ يَحْتَقِرْ عاصِياً لِعِلْمِهِ أَنَّ الخَوَاتِيمَ غَيْبٌ. (9)
الحَاشِيَةُ ___________________________________♤
(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (ج 1). نُكْتَةٌ: تَشْبِيهُ القَلْبِ بِالقِدْرِ مَأْخُوذٌ مِنَ المَرْفُوعِ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَرَكَةِ البَاطِنِ الَّتِي لَا يَرَاهَا الرَّائِي.
(2) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. نُكْتَةٌ: قَوْلُهُ "فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ" فِيهِ بَارِقَةُ أَمَلٍ لِلمُخْلِصِ الصَّادِقِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَخْذُلُهُ.
(3) مَجْمُوعَةُ الرَّسَائِلِ وَالمَسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ. نُكْتَةٌ: "سَوَابِقُ القَدَرِ" هِيَ الحِكْمَةُ المَخْفِيَّةُ الَّتِي تَحْطِمُ صَرْحَ العُجْبِ.
(4) مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتِ ابْنِ بَازٍ. نُكْتَةٌ: الجَمْعُ بَيْنَ الثَّبَاتِ وَالتَّوْبَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ وَظِيفَةُ العُمْرِ كُلِّهِ.
(5) القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ. نُكْتَةٌ: "ذِرَاعٌ" تَمْثِيلٌ لِقُرْبِ الأَجَلِ لَا لِقِصَرِ المَسَافَةِ الحِسِّيَّةِ.
(6) مِنْ دُرُوسِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي فِي العَقِيدَةِ. نُكْتَةٌ: قَوْدُ العَبْدِ بِزِمَامِ "الفَضْلِ وَالعَدْلِ" يَجْعَلُهُ دَائِمَ التَّعَلُّقِ بِالخَالِقِ.
(7) ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ.
(8) ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ.
(9) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى.
(10) الشَّاطِبِيُّ، المُوَافَقَاتُ.
(11) الهَرَوِيُّ، مَنَازِلُ السَّائِرِينَ.
(12) الطَّحَاوِيُّ، العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ.
(13) ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ البَارِي.
(14) النَّوَوِيُّ، شَرْحُ مُسْلِمٍ.
(15) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِيٍّ، تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ.
(16) الحَافِظُ الحَكَمِيُّ، مَعَارِجُ القَبُولِ.
(17) ابْنُ أَبِي العِزِّ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ.
(18) البُخَارِيُّ، الصَّحِيحُ.
(19) مُسْلِمٌ، الصَّحِيحُ.
(20) أَحْمَدُ، المُسْنَدُ.
♤_________________________36____________________________♤
[شُرُوحُ العُلَمَاءِ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الخَوَاتِيمِ]
ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: «قَوْلُهُ ﷺ: "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ سُوءَ الخَاتِمَةِ يَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلْعَبْدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النَّاسُ، إِمَّا مِنْ جِهَةِ عَمَلٍ سَيِّئٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتِلْكَ الخَصْلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الخَاتِمَةِ عِنْدَ المَوْتِ، وَكَذَلِكَ قَدْ يَعْمَلُ الرَّجُلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَفِي بَاطِنِهِ خَصْلَةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ خِصَالِ الخَيْرِ، فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ تِلْكَ الخَصْلَةُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الخَاتِمَةِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ"، وَهَذَا يُؤَيِّدُ أَنَّ البَاطِنَ قَدْ يَكُونُ مُخَالِفاً لِلظَّاهِرِ، وَأَنَّ الخَاتِمَةَ مِيرَاثُ السَّوَابِقِ». (١)
ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ: «هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَقَادِيرَ مَكْتُوبَةٌ، وَأَنَّ العَمَلَ بِالخَوَاتِيمِ، وَفِيهِ دَفْعٌ لِلْعُجْبِ بِالعَمَلِ؛ فَالْمُؤْمِنُ مَهْمَا عَمِلَ يَخْشَى السَّلْبَ، وَيَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الكِتَابُ بِالشَّقَاوَةِ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَظْلِمُ أَحَداً، فَإِذَا خُتِمَ لِلْعَبْدِ بِالسُّوءِ فَلِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ مِنْ حَالِهِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الخَلْقُ، إِذْ الكَرِيمُ لَا يَسْلُبُ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِصِدْقٍ، بَلْ هِيَ العَدْلُ فِي مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ زَيْغٌ أَوْ نِفَاقٌ كَمَنَ حَتَّى بَدَا عِنْدَ المَوْتِ، فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يَخْذُلَ عَبْداً مخلصاً صَادِقاً لَهُ».( 2)
ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «قَوْلُهُ: "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" هُوَ مَحْضُ العَدْلِ، لِأَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ العَامِلَ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ عَمَلُهُ لِلَّهِ خَالِصاً، بَلْ لِغَرَضٍ مِنَ الأَغْرَاضِ، فَإِذَا انْقَطَعَ الغَرَضُ بَدَا مَا كَانَ يَكْتُمُهُ. فَالقَدَرُ السَّابِقُ عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ بِمَا سَيَكُونُ، وَلَيْسَ فِيهِ إِجْبَارٌ لِلْعَبْدِ عَلَى خِلَافِ مَا فُطِرَ عَلَيْهِ مِنَ الإِرَادَةِ، لَكِنَّ القَلْبَ المُتَقَلِّبَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِتَثْبِيتِ اللَّهِ، وَمَنِ اسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ خُذِلَ. وَهَذَا الحَدِيثُ أصلٌ فِي بَابِ القَدَرِ وَالتَّسْلِيمِ لِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَفِيهِ إِبْطَالُ مَذْهَبِ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ سَبْقَ العِلْمِ وَالكِتَابِ». (3)
ابْنُ القَيِّمِ: «سُبْحَانَ اللَّهِ! كَمْ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِنْ كَسْرٍ لِقُلُوبِ العَارِفِينَ، فَالصَّادِقُ يَخَافُ خَوْفاً لَا يَسْكُنُ أَنْ تَغْلِبَ عَلَيْهِ شِقْوَةٌ كُتِبَتْ قَبْلَ أَنْ يُخْلَقَ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ "حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ" أَيْ قُرْبَ المَوْتِ وَدُنُوَّ الأَجَلِ، لَا أَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقّاً لَهَا بِحَقِيقَةِ عَمَلِهِ ثُمَّ صُرِفَ عَنْهَا، بَلْ كَانَ عَمَلُهُ ظَاهِراً، وَبَاطِنُهُ خَرِبٌ. فَالخَاتِمَةُ لَا تَكُونُ سَيِّئَةً لِمَنْ حَسُنَتْ سَرِيرَتُهُ وَطَابَتْ بَطِينَتُهُ، لَكِنَّ السَّوَابِقَ كَمَائِنُ تَظْهَرُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، وَأَعْظَمُ الشَّدَائِدِ غَصَصُ المَوْتِ».(4)
صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي: «حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ قَاعِدَةُ الحَذَرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَالقَوْلُ بِأَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَحَوَّلُ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِافْتِقَارِ لِمَوْلَاهُ، دَائِمَ السُّؤَالِ لِلثَّبَاتِ. وَمُقْتَضَى هَذَا الحَدِيثِ أَنْ لَا يَمُنَّ العَبْدُ بِطَاعَتِهِ، وَلَا يَزْدَرِيَ مَنْ تَلَطَّخَ بِمَعْصِيَتِهِ، فَلَعَلَّ الخَاتِمَةَ تَقْلِبُ المَوَازِينَ. وَالثَّبَاتُ لَيْسَ بِالقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ هُوَ مِنَّةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَمَنْ أَرَادَ كَمَالَ الثَّبَاتِ فَلْيَحْذَرْ مِنَ العُجْبِ، فَإِنَّهُ أَسْرَعُ فِي هَدْمِ العَمَلِ مِنَ النَّارِ فِي الحَطَبِ». (5)
مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: «تَقْرِيرُ التَّوْحِيدِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَظْهَرُ فِي التَّسْلِيمِ لِقَدَرِ اللَّهِ وَالعِلْمِ بِأَنَّ الخَالِقَ هُوَ المَالِكُ لِلْقُلُوبِ. فَمَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ خَافَ مِنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ أَنْ يَمْحَقَ خَاتِمَتَهُ. وَشَرْحُ قَوْلِهِ "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" يَعْنِي انْتِهَاءَ مُهْلَةِ الِاخْتِيَارِ وَظُهُورِ مَا كَانَ مَخْفِيّاً فِي سَابِقِ العِلْمِ الإِلَهِيِّ. فَالوَاجِبُ عَقَدِيّاً الإِيمَانُ بِالكِتَابِ السَّابِقِ، وَالعَمَلُ بِالجَوَارِحِ مَعَ تَعَلُّقِ القَلْبِ بِالخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ العُبُودِيَّةِ الَّتِي أَرَادَهَا ﷺ مِنْ هَذَا الإِخْبَارِ». (6)
[التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ حَوْلَ الحَدِيثِ وَكَلَامِ المَشَايِخِ]
إِنَّ التَّأْصِيلَ العَقَدِيَّ لِهَذَا المَقَامِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الأَوَّلُ: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ سَابِقِهِ وَلَاحِقِهِ، وَأَنَّ جَفَّ القَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، مِمَّا يُورِثُ العَبْدَ تَعْظِيماً لِلَّهِ وَعَدَمَ رُكُونٍ لِلنَّفْسِ. الثَّانِي: تَحْقِيقُ الإِخْلَاصِ فِي السَّرِيرَةِ، لِأَنَّ جُلَّ نُصُوصِ العُلَمَاءِ اتَّفَقَتْ عَلَى أَنَّ سُوءَ الخَاتِمَةِ ثَمَرَةُ "خَبِيئَةِ سُوءٍ"، فَالصِّدْقُ فِي الظَّاهِرِ لَا بُدَّ أَنْ يُوَافِقَهُ طَهَارَةٌ فِي البَاطِنِ لِيَحْصُلَ الأَمْنُ مِنَ السَّلْبِ. الثَّالثُ: مَقَامُ "البَيْنِيَّةِ" بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ؛ فَالحَدِيثُ جَاءَ لِيَكْسِرَ حِدَّةَ الإِدْلَالِ بِالعَمَلِ، وَلِيَبْعَثَ فِي النَّفْسِ قُوَّةَ الِالتِجَاءِ. فَالخَاتِمَةُ لَيْسَتْ حَظّاً عَبَثِيّاً، بَلْ هِيَ إِحْقَاقٌ لِلْحَقِّ وَتَجَلٍّ لِلْعَدْلِ وَالفَضْلِ، فَمَنْ صَدَقَ اللَّهَ صَدَقَهُ اللَّهُ، وَمَنْ رَاءَى بَدَا رِيَاؤُهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ أَمَلِهِ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ وَجَلِ الصَّالِحِينَ، فَهُمْ لَا يَخَافُونَ ظُلْمَ الرَّبِّ، بَلْ يَخَافُونَ تَقْصِيرَ أَنْفُسِهِمْ.
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________________♤
(1) ابن رجب، جامع العلوم والحكم، شرح الحديث الرابع.
(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (سورة فاطر).
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوى (ج 8).
(4) ابن القيم، الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي.
(5) صالح سندي، شرح الأصول الثلاثة (تسجيلات).
(6) محمد بن خليفة التميمي، معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته.
(7) البخاري، الصحيح (رقم 6594). (8) مسلم، الصحيح (رقم 2643).
(9) نكته: قيل إن "الذراع" هو برزخ ما قبل الموت الذي لا تنفع فيه توبة.
(10) نكته: ذكر ابن القيم أن سوء الخاتمة "عقوبة" على سيئات مخفية، فلا يظلم ربك أحداً.
♤__________________________37__________________________♤
[تَقْفِيلٌ عَقَدِيٌّ لِلْمَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ - الوَجْهُ 35]
قُلْتُ : إِنَّ التَّقْفِيلَ العَقَدِيَّ لِهَذِهِ المَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ يَنْهَضُ عَلَى إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ "الخَوْفِ مِنَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطَاءِ"، وَهُوَ مَقَامٌ شَرِيفٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَبَيْنَ كَمَالِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ.
فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يَسِيرُ إِلَى اللَّهِ بِيَقِينِ الوَعْدِ، لَكِنَّهُ يَرْتَجِفُ وَجَلاً مِنْ خَفَايَا النَّفْسِ الَّتِي قَدْ تُحْبِطُ سَعْيَهُ فِي آخِرِ لَحْظَةٍ.
وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاسْتِقَامَةِ الظَّاهِرَةِ تُعْطِي صَكَّ الأَمَانِ، فَالقُلُوبُ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَالثَّبَاتُ لَيْسَ اِسْتِحْقَاقاً بَلْ هُوَ مَحْضُ اِصْطِفَاءٍ.
إِنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ هُنَا هُوَ إِيقَاظُ الحِسِّ العَقَدِيِّ بِأَنَّ "العِبْرَةَ بِالخَوَاتِيمِ"، مِمَّا يُوجِبُ تَنْقِيَةَ السَّرَائِرِ مِنْ كُلِّ دَخَلٍ أَوْ رِيَاءٍ قَدْ يَكْمُنُ فَيَظْهَرُ عِنْدَ غَصَصِ المَوْتِ.
قلت : أَنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ هِيَ التِّرْيَاقُ لِدَاءِ العُجْبِ الَّذِي قَدْ يَعْرِضُ لِلْعَابِدِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ سَابِقٌ، وَأَنَّ الكِتَابَ قَدْ يَنْفُذُ بِخِلَافِ مَا ظَهَرَ، أَلْزَمَ نَفْسَهُ الِانْكِسَارَ وَدَوَامَ الِافْتِقَارِ.
وَهَذَا هُوَ سِرُّ تَمَيُّزِ مَنْهَجِ السَّلَفِ عَنْ أَهْلِ الإِرْجَاءِ الَّذِينَ أَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزَالُ فِي جِهَادٍ لِنِيَّتِهِ حَتَّى يُغَادِرَ الدُّنْيَا سَالِماً. فَالْتَّأْصِيلُ الصَّحِيحُ يَجْعَلُ العَبْدَ يَعْمَلُ عَمَلَ المُشْفِقِ الَّذِي لَا يَدْرِي أَقُبِلَ عَمَلُهُ أَمْ رُدَّ عَلَيْهِ؟ وَهَذَا الوَجَلُ هُوَ رُوحُ الثَّبَاتِ وَبَوَّابَةُ السَّلَامَةِ فِي الدَّارَيْنِ.
وَبِهَذَا التَّقْفِيلِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ المَرْتَبَةَ السَّابِعَةَ هِيَ قِمَّةُ الوَرَعِ العَقَدِيِّ، حَيْثُ يَذُوبُ فِيهَا كُلُّ كِبْرٍ، وَيَبْقَى فِيهَا مَحْضُ الِاضْطِرَارِ لِتَثْبِيتِ اللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ الخَاذِلَ مَنْ خَذَلَهُ اللَّهُ، وَالمَعْصُومَ مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
تَقْرِيرَاتُ المَشَايِخِ:
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ: «إِنَّ خَوْفَ السَّلْبِ بَعْدَ العَطَاءِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مُحَرِّكَاتِ القُلُوبِ إِلَى اللَّهِ؛ فَالْعَبْدُ يَخْشَى أَنْ يَزِيغَ قَلْبُهُ بَعْدَ الهُدَى، وَأَهْلُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ يُؤَكِّدُونَ أَنَّ حَقِيقَةَ الثَّبَاتِ هِيَ فِي دَوَامِ لُزُومِ السُّنَّةِ وَالحَذَرِ مِنْ بَوَادِرِ الفِتَنِ وَدَسَائِسِ السُّوءِ الخَفِيَّةِ». (1)
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: «مَسْأَلَةُ الخَوَاتِيمِ تَرْتَبِطُ اِرْتِبَاطاً وَثِيقاً بِمَسَائِلِ القَدَرِ وَالإِيمَانِ؛ فَالْتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِحَدِيثِ "يَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ العِلْمِ الِاعْتِصَامَ بِالقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَمُجَاهَدَةَ النَّفْسِ عَلَى الإِخْلَاصِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ أَحَداً، وَإِنَّمَا يَحْبِطُ عَمَلَ مَنْ خَالَفَ بَاطِنُهُ ظَاهِرَهُ». (2)
[الحَاشِيَةُ ]______________________________♤
(1) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (كَفَايَةُ المُسْتَفِيدِ)، المَجْلِسُ المُرْتَبِطُ بِأَعْمَالِ القُلُوبِ.
(2) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي بَابِ القَدَرِ، ص 112.
(3) ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ.
(4) ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ.
(5) نُكْتَةٌ: "السَّلْبُ بَعْدَ العَطَاءِ" عُقُوبَةٌ لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى نَفْسٍ لَمْ تَصْدُقْ فِي الِابْتِدَاءِ.
(6) نُكْتَةٌ: مَنْ كَانَ أَكْثَرَ لَهَجاً بِـ (يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ) كَانَ أَقْرَبَ لِلثَّبَاتِ.
(7) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 8.
(8) البُخَارِيُّ، الصَّحِيحُ، حَدِيثُ رَقْمِ 6594.
(9) مُسْلِمٌ، الصَّحِيحُ، حَدِيثُ رَقْمِ 2643.
(10) الشَّاطِبِيُّ، المُوَافَقَاتُ.
♤_________________________________38________________________________________♤
أوَّلاً: عَوَامِلُ (أَسْبَابُ) حُسْنِ وَسُوءِ الخَاتِمَةِ
[عَوَامِلُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ - 10 نِقَاطٍ]
تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ: وَتَجْرِيدُهُ مِنَ الشَّوَائِبِ، فَهُوَ أَعْظَمُ مُثَبِّتٍ عِنْدَ السُّؤَالِ.
الِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ: لِأَنَّ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ.
لُزُومُ الدُّعَاءِ بِالثَّبَاتِ: وَكَثْرَةُ الِالْتِجَاءِ إِلَى مُقَلِّبِ القُلُوبِ.
حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ: مَعَ العَمَلِ، فَإِنَّ اللَّهَ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ.
صِدْقُ السَّرِيرَةِ: وَتَطْهِيرُ البَاطِنِ مِنَ الغِلِّ وَالكِبْرِ وَالرِّيَاءِ.
البُعْدُ عَنِ المَظَالِمِ: خُصُوصاً دِمَاءَ المُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضَهُمْ.
المُدَاوَمَةُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ: لِيَكُونَ آخِرُ كَلَامِهِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
مُصَاحَبَةُ الصَّالِحِينَ: الَّذِينَ يُذَكِّرُونَهُ بِالآخِرَةِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ.
تَعْجِيلُ التَّوْبَةِ: وَعَدَمُ التَّسْوِيفِ، لِكَيْلَا يَأْتِيَهُ المَوْتُ بَغْتَةً.
الإِخْلَاصُ فِي طَلَبِ العِلْمِ: وَالعَمَلُ بِهِ، فَإِنَّ العِلْمَ نُورٌ فِي القَبْرِ.
[عَوَامِلُ سُوءِ الخَاتِمَةِ - 10 نِقَاطٍ]
فَسَادُ الِاعْتِقَادِ: أَوْ نَقْصُ التَّوْحِيدِ بِالشُّبُهَاتِ وَالبِدَعِ.
الإِصْرَارُ عَلَى المَعَاصِي: فَإِنَّ الذُّنُوبَ رَانٌ يَمْنَعُ القَلْبَ مِنَ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ.
تَسْوِيفُ التَّوْبَةِ: وَالِاغْتِرَارُ بِطُولِ الأَمَلِ وَشَبَابِ العُمُرِ.
الدَّسِيسَةُ الخَفِيَّةُ: وَهِيَ سَرِيرَةُ السُّوءِ الَّتِي تُخَالِفُ الظَّاهِرَ.
حُبُّ الدُّنْيَا: وَتَعَلُّقُ القَلْبِ بِحُطَامِهَا، فَيَكُونُ هَمُّهُ الدُّنْيَا عِنْدَ المَوْتِ.
ظُلْمُ العِبَادِ: فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ تَقْطَعُ أَسْبَابَ التَّوْفِيقِ.
العُجْبُ وَالكِبْرُ: لِأَنَّ المُتَكَبِّرَ يُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَخْذُلُهُ اللَّهُ.
هَجْرُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: وَالإِعْرَاضُ عَنِ الِادِّكَارِ بِالمَوْتِ.
الرِّيَاءُ: فَإِنَّهُ يَمْحَقُ بَرَكَةَ العَمَلِ وَيُوجِبُ الخُذْلَانَ فِي المَضِيقِ.
الغَفْلَةُ عَنِ الدُّعَاءِ: وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الحَوْلِ وَالقُوَّةِ الشَّخْصِيَّةِ.
ثَانِيًا: عَلَامَاتُ حُسْنِ وَسُوءِ الخَاتِمَةِ
[عَلَامَاتُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ - 10 عَلَامَاتٍ]
النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" عِنْدَ آخِرِ نَفَسٍ.
رَشَحُ الجَبِينِ: (عَرَقُ الجَبِينِ) كَمَا فِي الحَدِيثِ: "مَوْتُ المُؤْمِنِ بِعَرَقِ الجَبِينِ".
المَوْتُ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ أَوْ يَوْمَهَا: وَقَايَةً مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ.
الِاسْتِشْهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: فِي سَاحَةِ القِتَالِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ.
المَوْتُ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ: كَصَلَاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ.
المَوْتُ بِسَبَبِ أَحَدِ أَمْرَاضِ البَطْنِ: كَالمَبْطُونِ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ.
المَوْتُ غَرِيقاً أَوْ حَرِيقاً أَوْ تَحْتَ الهَدْمِ: (أَنْوَاعُ الشَّهَادَةِ).
مَوْتُ المَرْأَةِ فِي جُمْعٍ: أَيْ بِسَبَبِ الوِلَادَةِ أَوْ نِفَاسِهَا.
حُسْنُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: مِنْ أَهْلِ الفَضْلِ وَالعِلْمِ.
بَشَاشَةُ الوَجْهِ وَطُمَأْنِينَتُهُ: عِنْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ لِمَا يَرَاهُ مِنَ البُشْرَى.
[عَلَامَاتُ سُوءِ الخَاتِمَةِ - 10 عَلَامَاتٍ]
الِامْتِنَاعُ عَنِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ: أَوْ عَجْزُ اللِّسَانِ عَنْهَا مَعَ التَّذْكِيرِ.
التَّحَدُّثُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا الفَانِيَةِ: عِنْدَ سَكَرَاتِ المَوْتِ.
سَوَادُ الوَجْهِ أَوْ ظُلْمَتُهُ: وَتَغَيُّرُ مَلَامِحِهِ إِلَى الكَآبَةِ وَالضِّيقِ.
التَّسَخُّطُ عَلَى قَدَرِ اللَّهِ: وَإِظْهَارُ الِاعْتِرَاضِ عِنْدَ النَّزْعِ.
شُمُوعُ الرَّائِحَةِ الكَرِيهَةِ: الَّتِي تَنْفُرُ مِنْهَا النُّفُوسُ (لِغَيْرِ سَبَبٍ طِبِّيٍّ).
الِانْصِرَافُ عَنِ القِبْلَةِ: أَوْ كَرَاهِيَةُ ذِكْرِ اللَّهِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ.
مَوْتُ الفَجْأَةِ عَلَى مَعْصِيَةٍ: كَمَنْ يَمُوتُ وَهُوَ يُبَارِزُ اللَّهَ بِالذُّنُوبِ.
ظُهُورُ عَلَامَاتِ الفَزَعِ الشَّدِيدِ: وَشُخُوصُ البَصَرِ بِرُعْبٍ مِمَّا يَعَايِنُهُ مِنَ المَلَائِكَةِ.
سُوءُ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: لِمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ مِنْ ظُلْمٍ أَوْ ابْتِدَاعٍ.
تَمَنِّي الرُّجُوعِ لِلدُّنْيَا لِلْعَمَلِ: (قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ) فَيُحْرَمُ التَّوْبَةَ.
[الحَاشِيَةُ ]_______________________________________________♤
(1) ابْنُ القَيِّمِ، الرُّوحُ، (مَسْأَلَةُ حَالِ النَّفْسِ عِنْدَ المَوْتِ).
(2) ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، (شَرْحُ حَدِيثِ الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ).
(3) ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ البَارِي، (كِتَابُ الجَنَائِزِ).
(4) عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، (أَسْبَابُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ).
(5) نُكْتَةٌ: "عَرَقُ الجَبِينِ" قِيلَ لِخَجَلِ المُؤْمِنِ مِنْ رَبِّهِ أَوْ لِشِدَّةِ مَا يَلْقَاهُ لِتَمْحِيصِ خَطَايَاهُ.
(6) نُكْتَةٌ: "سُوءُ الخَاتِمَةِ" لَيْسَ دَائِماً يَعْنِي الخُلُودَ فِي النَّارِ، بَلْ هُوَ نَقْصٌ فِي الرُّتْبَةِ وَتَعَرُّضٌ لِلْوَعِيدِ.
(7) الأَلْبَانِيُّ، أَحْكَامُ الجَنَائِزِ، (فَصْلُ عَلَامَاتِ حُسْنِ الخَاتِمَةِ).
(8) سَفَارِينِيُّ، لَوَامِعُ الأَنْوَارِ البَهِيَّةِ.
(9) ابْنُ كَثِيرٍ، البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، (ذِكْرُ وَفَيَاتِ أَهْلِ الفَضْلِ).
(10) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِيٍّ، طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ.
♤_________________________39________________________________♤
المَبْحَثِ الأَوَّلِ: تَحْرِيرُ مَفَاهِيمِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ وَالشَّرْطِ]
قُلْتُ:إِنَّ مَبْدَأَ الشُّرُوعِ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ يَقْتَضِي تَفْكِيكَ مُفْرَدَةِ (العِلْمِ)
1▪︎ فَهِيَ فِي الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ مَأْخُوذَةٌ مِنْ "عَلَمَ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَثَرٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّيْءُ عَنْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ "العَلَامَةُ".
2▪︎وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلَى نَقِيضِ الجَهْلِ وَهُوَ الإِدْرَاكُ الجَازِمُ.
3▪︎وَأَقْسَامُ العِلْمِ تَنْقَسِمُ إِلَى:
1▪︎ (عِلْمٍ دُنْيَوِيٍّ) وَالأَصْلُ فِيهِ الإِبَاحَةُ
2▪︎ وَ(عِلْمٍ الشرعي)وَهُوَ مَحَلُّ بَحْثِنَا.
1▪︎ وَالعِلْمُ الدِّينِيُّ يَنْقَسِمُ إِلَى:
1▪︎ [وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ]؛ وَهُوَ مَا يَقُومُ بِهِ الدِّينُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ، كَمَعْرِفَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالنَّبِيِّ الأَمِينِ، وَدِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ، وَتَحْقِيقِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَأَرْكَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ وَالإِسْلَامِ الخَمْسَةِ.
2▪︎وَ[وَاجِبٍ كِفَائِيٍّ]وَهُوَ مَا إِذَا قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ الكُلِّ كَالتَّبَحُّرِ فِي فُرُوعِ الفِقْهِ.
3▪︎ثُمَّ [العِلْمُ المُسْتَحَبُّ]؛ وَهُوَ التَّعَمُّقُ فِي تَفَاصِيلِ عُلُومِ الآلَةِ وَمَا فَوقَ القَدْرِ المَأْمُورِ بِهِ.
2▪︎أَمَّا (المَعْرِفَةُ)؛
1● فَهِيَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ "عَرَفَ"، وَتَدُلُّ عَلَى تَتَابُعِ الشَّيْءِ وَسُكُونِ النَّفْسِ إِلَيْهِ
2● وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ هِيَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِأَثَرِهِ.
3●وَحَدُّهَا الجَامِعُ المَانِعُ: "إِدْرَاكُ الجُزْئِيَّاتِ بَعْدَ عَدَمٍ أَوْ نِسْيَانٍ".
4▪︎ وَتَنْقَسِمُ إِلَى
1▪︎ مَعْرِفَةٍ فِطْرِيَّةٍ
2وَمَعْرِفَةٍ كَسْبِيَّةٍ.
وَالفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِلْمِ:
1▪︎ أَنَّ العِلْمَ يَسْبِقُهُ جَهْلٌ بَسِيطٌ،
2▪︎ أَمَّا المَعْرِفَةُ فَيَسْبِقُهَا عَدَمٌ، لِذَلِكَ يُوصَفُ اللَّهُ بِالعِلْمِ (عَالِم) وَلَا يُوصَفُ بِالمَعْرِفَةِ (عَارِف) لِأَنَّ المَعْرِفَةَ تُشْعِرُ بِسَبْقِ الجَهْلِ وَالتَّعَرُّفِ بَعْدَ الغَيْبَةِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.
وَمِنَ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: 19].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّمَر: 9].
قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [1].
قَوْلُهُ ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [2].
وَإِنَّ العِلْمَ شَرْطٌ فِي الإِيمَانِ؛ فَالْإِيمَانُ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ) يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَذَلِكَ العِلْمُ وَالمَعْرِفَةُ يَزِيدَانِ وَيَنْقُصَانِ بِحَسَبِ الِاطِّلَاعِ وَاليَقِينِ.
(الشَّرْطُ) فِي اللُّغَةِ: "العَلَامَةُ"، وَمِنْهُ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ،
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: "مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ"
فَالْعِلْمُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، إِذْ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا يُؤْمِنُ بِهِ.
[أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي العِلْمِ]
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: «مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ» [1].
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: «العِلْمُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّتُهُ» [2].
قَالَ الشَّافِعِيُّ: «طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ» [3].
قَالَ مَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: «تَعَلَّمُوا العِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ» [4].
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «العَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ» [5].
قَالَ السُّفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَا تَعَلَّمْتُ شَيْئاً مِنَ العِلْمِ إِلَّا حَاوَلْتُ أَنْ أَعْمَلَ بِهِ» [6].
قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ: «لَا أَعْلَمُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ دَرَجَةً أَفْضَلَ مِنْ بَثِّ العِلْمِ» [7].
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «كُنْ عَالِماً أَوْ مُتَعَلِّماً أَوْ مُسْتَمِعاً وَلَا تَكُنِ الرَّابِعَ فَتَهْلِكَ» [8].
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: «العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ المَالِ، العِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ المَالَ» [9].
قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: «أَوَّلُ العِلْمِ الِاسْتِمَاعُ، ثُمَّ الفَهْمُ، ثُمَّ الحِفْظُ، ثُمَّ العَمَلُ، ثُمَّ النَّشْرُ» [10].
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________♤
[1] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ العِلْمِ، ج 1، ص 24، ط: دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ.
[2] ابْنُ مَاجَهْ، مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، السُّنَنُ، المُقَدِّمَةُ، رَقْمُ 224، ج 1، ص 81، ط: دَارُ الرِّسَالَةِ العَالَمِيَّةِ.
[3] ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، المُصَنَّفُ، ج 7، ص 182، ط: دَارُ كُنُوزِ إِشْبِيلِيَا.
[4] ابْنُ الجَوْزِيِّ، مَنَاقِبُ الإِمَامِ أَحْمَدَ، ص 212، ط: دَارُ المَنَارِ.
[5] البَيْهَقِيُّ، مَدْخَلٌ إِلَى السُّنَنِ الكُبْرَى، ص 304.
[6] ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ، ج 1، ص 540، ط: دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[7] الحَافِظُ الهَرَوِيُّ، ذَمُّ الكَلَامِ وَأَهْلِهِ، ج 2، ص 188.
[8] أَبُو نُعَيْمٍ، حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، ج 6، ص 362، ط: دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ.
[9] الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ، الفَقِيهُ وَالمُتَفَقِّهُ، ج 1، ص 45، ط: دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[10] ابْنُ القَيِّمِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، ج 1، ص 120، ط: دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.
[11] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (عَلَمَ)، (عَرَفَ)، (شَرَطَ).
[12] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 10، ص 15.
♤_____________________________40_________________________________♤
المتممة الأول1: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: العِلْمُ وَالتَّعَلُّمُ (المَرْتَبَةُ الأُولَى)
قُلْتُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنَازِلِ العُبُودِيَّةِ وَأَعْظَمَ مَرَاتِبِ الدِّينِ هِيَ "العِلْمُ"؛ إِذْ لَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِدُونِ تَصَوُّرٍ، وَلَا يَسْتَقِيمُ حَالٌ بِدُونِ هُدًى.
وَالعِلْمُ المَقْصُودُ هُنَا هُوَ العِلْمُ
1▪︎بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ
2▪︎ وَبِرَسُولِهِ ﷺ
3▪︎ وَبِدِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ.
هَذَا العِلْمُ الَّذِي جَعَلَهُ الإِمَامُ المُصَنِّفُ المَرْتَبَةَ الأُولَى هُوَ "القَائِدُ"، وَالعَمَلُ "تَابِعٌ لَهُ"، وَبِدُونِ هَذَا القَائِدِ يَتِيهُ العَبْدُ فِي فَيَافِي الضَّلَالَةِ، وَيَقَعُ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ النَّصَارَى الَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ عَلَى جَهْلٍ فَضَلُّوا.
إِنَّ العِلْمَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ هُوَ التَّرْجَمَةُ الحَقِيقِيَّةُ لِتَعْظِيمِ المَعْبُودِ؛ فَكَيْفَ يَدَّعِي العَبْدُ مَحَبَّةَ رَبِّهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَا يُحِبُّهُ الرَّبُّ فَيَفْعَلَهُ، وَمَا يُبْغِضُهُ فَيَجْتَنِبَهُ؟
وَمِنْ هُنَا كَانَ وُجُوبُ تَعَلُّمِ العَقِيدَةِ وَأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ[ (فَرْضَ عَيْنٍ) فِيمَا لَا يَسَعُ المُكَلَّفَ جَهْلُهُ].
قلت : أَنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ تَشْمَلُ ثَلَاثَةَ أَرْكَانٍ:
1▪︎ أَوَّلُهَا: العِلْمُ بِالأَمْرِ
2▪︎وَثَانِيهَا: العِلْمُ بِالنَّهْيِ،
3▪︎ وَثَالِثُهَا: العِلْمُ بِحَقِّ مَنْ أَمَرَ وَنَهَى.
فَالْجَهْلُ فِي هَذَا المَقَامِ لَيْسَ عُذْراً لِمَنْ فَرَّطَ وَأَعْرَضَ، بَلْ هُوَ جَرِيمَةٌ تُفْضِي إِلَى الخُسْرَانِ.
وَإِنَّمَا شَرُفَ العِلْمُ لِشَرَفِ المَعْلُومِ، وَأَعْظَمُ مَعْلُومٍ هُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ وَمَعْرِفَةُ صِفَاتِهِ.
فَمَنْ فَقَدَ بَصِيرَةَ العِلْمِ، انْطَفَأَتْ فِي قَلْبِهِ نُورُ الِاسْتِقَامَةِ، وَأَصْبَحَ عُرْضَةً لِلشُّبُهَاتِ الَّتِي تَعْصِفُ بِدِينِهِ.
وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ يَفْرِضُ عَلَيْنَا أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ "قَوْلَ اللَّهِ" وَ"قَوْلَ رَسُولِهِ" هُمَا المَصْدَرُ الوَحِيدُ لِهَذَا العِلْمِ، بَعِيداً عَنِ الآرَاءِ الرِّجَالِيَّةِ وَالفَلْسَفَاتِ الكَلَامِيَّةِ.
فَالْعِلْمُ القَالِيُّ يُورِثُ حَالاً، وَالحَالُ يُورِثُ فِعَالاً، وَالكُلُّ مَرْهُونٌ بِمَدَى تَحْقِيقِ هَذِهِ المَرْتَبَةِ الأُولَى.
وَإِذَا نَظَرْنَا فِي وَاقِعِ النَّاسِ اليَوْمَ، نَجِدُ تَقْصِيراً مَخُوفاً فِي هَذَا البَابِ؛ حَيْثُ يُقَدِّمُونَ تَعَلُّمَ الدُّنْيَا وَعُلُومِهَا عَلَى تَعَلُّمِ مَا يَصِحُّ بِهِ دِينُهُمْ، وَهَذَا مِنْ قَلْبِ المَوَازِينِ.
إِنَّ العِلْمَ بِأَمْرِ اللَّهِ هُوَ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ، وَهُوَ السَّبِيلُ لِتَمْيِيزِ السُّنَّةِ مِنَ البِدْعَةِ، وَالتَّوْحِيدِ مِنَ الشِّرْكِ.
و أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِتَصْحِيحِ العِلْمِ هُوَ أَعْظَمُ الجِهَادِ، وَأَنَّ طَالِبَ العِلْمِ عَلَى ثَغْرٍ لَا يَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنِ المُرَابِطِ، لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ تَهْدِمُ العَقَائِدَ كَمَا تَهْدِمُ المَدَافِعُ الحُصُونَ. فَلَا نَجَاةَ إِلَّا بِعِلْمٍ نَافِعٍ يُثْمِرُ عَمَلاً صَالِحاً، وَهَذَا هُوَ لُبُّ رِسَالَةِ "وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ".
تَقْرِيرَاتُ المَشَايِخِ:
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ: «العِلْمُ هُوَ المَرْتَبَةُ الأُولَى لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِامْتِثَالُ بِدُونِ عِلْمٍ بِالمَأْمُورِ بِهِ، وَلَا يُمْكِنُ الِاجْتِنَابُ بِدُونِ عِلْمٍ بِالمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَتَعَلُّمُ التَّوْحِيدِ وَأَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَمَا لَا يَسَعُ المُكَلَّفَ جَهْلُهُ هُوَ أَوَّلُ الوَاجِبَاتِ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَبْدَؤُونَ بِتَعَلُّمِ الإِيمَانِ قَبْلَ القُرْآنِ، لِيَقَعَ العِلْمُ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ». (1)
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: «تَأْصِيلُ مَسْأَلَةِ العِلْمِ عِنْدَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ يَنْطَلِقُ مِنْ مَبْدَأِ "العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ"؛ فَالْعِلْمُ هُوَ الَّذِي يُصَحِّحُ النِّيَّةَ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى بَصِيرَةٍ. وَمَنْ هَجَرَ العِلْمَ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الِانْحِرَافِ العَقَدِيِّ». (2)
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي: «العِلْمُ بِاللَّهِ هُوَ أَصْلُ العُلُومِ، وَمَعْرِفَةُ الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ هِيَ سَبِيلُ النَّجَاةِ. وَلَا يُعْذَرُ مُكَلَّفٌ بِالجَهْلِ فِي المَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ المُتَوَاتِرَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَسْعَى فِي رَفْعِ الجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ لِيَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ». (3)
[الحَاشِيَةُ ]______________________________________________♤
(1) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، كِفَايَةُ المُسْتَفِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص 12.
(2) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتٌ فِي القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ، ص 204.
(3) صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، المَجْلِسُ الأَوَّلُ.
(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 10، ص 15.
(5) ابْنُ القَيِّمِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، ص 80.
(6) البُخَارِيُّ، بَابُ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ.
(7) ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، جَامِعُ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ.
(8) الآجُرِّيُّ، الشَّرِيعَةُ.
(9) اللالكائي، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(10) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، فَتْحُ المَجِيدِ.
(11) سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ.
(12) ابْنُ بَازٍ، فَتَاوَى العَقِيدَةِ.
(13) ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ.
(14) حَمَدُ بْنُ عَتِيقٍ، إِبْطَالُ التَّنْدِيدِ.
(15) الفَوْزَانُ، إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ.
(16) الغُنَيْمَانُ، شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ.
(17) الحَازِمِيُّ، شَرْحُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ.
(18) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جِبْرِينَ، شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ.
(19) مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى الشَّيْخِ.
(20) البَغَوِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ.
♤_________________________41____________________________♤
تَتِمَّةُ2 المَبْحَثِ الأَوَّلِ: شَرْحُ أَرْكَانِ العِلْمِ وَتَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ
[الشرح والتعليق]
قُلْتُ:إِنَّ مَنْزِلَةَ العِلْمِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الإِمَامُ رِسَالَتَهُ تَنْحَلُّ إِلَى أَرْكَانٍ ثَلَاثَةٍ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ؛
1 ▪︎ أَوَّلُهَا: العِلْمُ بِالأَمْرِ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ طَلَبَ جَزْمٍ، فَيَتَصَوَّرُ العَبْدُ مَاهِيَّةَ العِبَادَةِ المَأْمُورِ بِهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهَا، لِأَنَّ الحُكْمَ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، فَلَا اِمْتِثَالَ لِمَجْهُولٍ.
2▪︎ وَثَانِيهَا: العِلْمُ بِالنَّهْيِ، وَهُوَ إِدْرَاكُ قُبْحِ المَحْظُورَاتِ وَعَلَى رَأْسِهَا الشِّرْكُ، لِيَتَوَقَّاهَا العَبْدُ، إِذْ كَيْفَ يَتَّقِي مَنْ لَا يَدْرِي مَا يَتَّقِي؟ فَالْعِلْمُ بِالشَّرِّ ضَرُورَةٌ لِتَحْقِيقِ الخَيْرِ.
3▪︎ وَثَالِثُهَا: العِلْمُ بِحَقِّ مَنْ أَمَرَ وَنَهَى، وَهُوَ مَقَامُ التَّعْظِيمِ وَالإِجْلَالِ، حَيْثُ يَعْلَمُ العَبْدُ أَنَّ الأَمْرَ صَادِرٌ عَنِ الخَالِقِ الرَّزَّاقِ ذِي الجَلَالِ، فَيَكُونُ البَاعِثُ عَلَى الطَّاعَةِ هُوَ المَهَابَةُ وَالمَحَبَّةُ، لَا مُجَرَّدَ العَادَةِ، وَهَذَا الرُّكْنُ هُوَ رُوحُ العَمَلِ وَسِرُّ قَبُولِهِ.
وَعِنْدَ الوُقُوفِ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ: 《"إِذَا عَرَفَ الإِنْسَانُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالتَّوْحِيدِ"》نَجِدُ أَنَّ هَذِهِ المَعْرِفَةَ هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ
♤ فَالتَّوْحِيدُ : هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِعِبَادَتِهِ، وَهُوَ القُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى الشَّرِيعَةِ.
♤وَتَقْسِيمُهُ إِلَى
●رُبُوبِيَّةٍ
●وَأُلُوهِيَّةٍ
●وَأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ
مسألة مهمة: تقسيم التوحيد
سَوَاءٌ جَعَلْنَاهُ ثُلَاثِيّاً أَوْ ثُنَائِيّاً (تَوْحِيدُ المَعْرِفَةِ وَالإِثْبَاتِ، وَتَوْحِيدُ القَصْدِ وَالطَّلَبِ)-
هُوَ تَقْسِيمٌ جَاءَ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِنُصُوصِ الوَحْيَيْنِ، وَمُتَابَعَةِ فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
● العلاقة بين أنواع التوحيد
1●فَتَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (الإِقْرَارُ بِأَفْعَالِ الرَّبِّ) يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ (إِفْرَادُ اللَّهِ بِأَفْعَالِ العَبْدِ)
2● وَتَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ.
♤ وَأَرْكَانُ هَذَا التَّوْحِيدِ تَقُومُ عَلَى النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ (كُفْرٌ بِالطَّاغُوتِ وَإِيمَانٌ بِاللَّهِ)، فَلَا يَصِحُّ تَوْحِيدٌ لِمَنْ لَمْ يَنْفِ الشَّرِيكَ عَنِ اللَّهِ فِي كُلِّ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ سُبْحَانَهُ.
♤أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الشِّرْكِ
1● فَالشِّرْكُ هُوَ مَسَاوَاةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ.
2● وَيَنْقَسِمُ إِلَى
1●أَكْبَرَ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ
2● وَأَصْغَرَ يُنَافِي كَمَالَ التَّوْحِيدِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ لِلأَكْبَرِ.
وَالسَّبَبُ فِي وُقُوعِ النَّاسِ فِي الشِّرْكِ رَغْمَ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ يَعُودُ إِلَى
1● الجَهْلِ بِحَقِيقَةِ الشِّرْكِ
2● أَوْ تَقْلِيدِ الآبَاءِ
3● أَوْ الغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ
4● أَوْ تَبَاعُدِ العَهْدِ بِنُورِ النُّبُوَّةِ، مِمَّا جَعَلَ الشَّيْطَانَ يُزَيِّنُ لَهُمْ صَرْفَ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ بِدَعْوَى التَّوَسُّلِ وَالشَّفَاعَةِ.
وَلِتَحْقِيقِ هَذِهِ المَرَاتِبِ عِلْمِيّاً، يَجِبُ تَرْسِيخُ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ":
1● مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ
2● وَدِينَهُ،
3● وَنَبِيَّهُ ﷺ.
فَمَعْرِفَةُ اللَّهِ
1● تَكُونُ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ الكَوْنِيَّةِ
2● وَمَعْرِفَةُ الرَّسُولِ تَكُونُ بِدِرَاسَةِ سِيرَتِهِ وَسُنَّتِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الوَحْي
3● وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ تَكُونُ بِفَهْمِ مَرَاتِبِهِ (الإِسْلَام، الإِيمَان، الإِحْسَان).
4● وَالتَّخَصُّصُ فِيهَا يَقْتَضِي العُكُوفَ عَلَى مَتُونِ العَقِيدَةِ المُسْنَدَةِ، وَتَلَقِّيهَا عَنْ أَهْلِ الرُّسُوخِ،
5● مَعَ دَوَامِ الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ لِيَفْتَحَ عَلَى القَلْبِ مَغَالِيقَ الفَهْمِ، فَالْعِلْمُ لَيْسَ بِكَثْرَةِ الِاطِّلَاعِ، بَلْ هُوَ نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي القَلْبِ يُثْمِرُ الخَشْيَةَ وَالتَّعْظِيمَ.
تَقْرِيرَاتُ المَشَايِخِ:
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ: «التَّقْسِيمُ الثُّلَاثِيُّ لِلتَّوْحِيدِ (رُبُوبِيَّة، أُلُوهِيَّة، أَسْمَاء وَصِفَات) هُوَ تَقْسِيمٌ اِصْطِلَاحِيٌّ فَرَضَهُ الِاسْتِقْرَاءُ لِنُصُوصِ الكِتَابِ، وَالغَرَضُ مِنْهُ تَيْسِيرُ الفَهْمِ عَلَى طُلَّابِ العِلْمِ، وَمَنْ أَنْكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ فَقَدْ جَهِلَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ فِي تَنْظِيمِ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ». (1)
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: «إِنَّ سَبَبَ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ هُوَ الخَلْطُ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ، فَظَنُّوا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَقَدْ جَاءَ بِالتَّوْحِيدِ الكَامِلِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ المُشْرِكِينَ الأَوَائِلَ الَّذِينَ لَمْ يَنْفَعْهُمْ إِقْرَارُهُمْ بِالخَالِقِ لَمَّا أَبَوْا إِفْرَادَهُ بِالقَصْدِ». (2)
[الحَاشِيَةُ ]_______________________♤
(1) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، كِفَايَةُ المُسْتَفِيدِ، ص 18.
(2) مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتٌ فِي القَوَاعِدِ العَقَدِيَّةِ، ص 215.
(3) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، تَدْمُرِيَّةُ، (مَسْأَلَةُ التَّقْسِيمِ).
(4) ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 1.
(5) نُكْتَةٌ: "الِاسْتِقْرَاءُ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَطْعِيٌّ لِأَنَّهُ تَتَبُّعٌ لِجَمِيعِ مَوَاضِعِ الوُرُودِ فِي القُرْآنِ.
(6) نُكْتَةٌ: "التَّلَازُمُ" بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ يَعْنِي أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالخَالِقِ لَزِمَهُ عَقْلاً وَشَرْعاً أَنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ.
(7) ابْنُ بَازٍ، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ.
(8) ابْنُ عُثَيْمِينَ، القَوْلُ المُفِيدُ، ج 1.
(9) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، رِسَالَةُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ.
(10) سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ.
♤__________________________42________________________________♤
المَبْحَثُ الثَّانِي: المَحَبَّةُ وَالقَبُولُ (المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ)
قُلْتُ:إِنَّ العِلْمَ الَّذِي حَصَّلَهُ العَبْدُ فِي المَرْتَبَةِ الأُولَى لَا بُدَّ أَنْ يُثْمِرَ [ حَالاً فِي القَلْبِ ]
1●وَأَوَّلُ هَذِهِ الأَحْوَالِ هِيَ (المَحَبَّةُ)؛ فَالْعِلْمُ بِلَا مَحَبَّةٍ جَمَادٌ، وَالمَحَبَّةُ بِلَا عِلْمٍ ضَلَالٌ.
2● وَالمَحَبَّةُ فِي الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ مَأْخُوذَةٌ مِنْ "حَبَّ"وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَالثَّبَاتِ، وَمِنْهُ "حَبَابُ المَاءِ" لِمَا يَعْلُوهُ
3●وَيَلْزَمُهُ، أَوْ مِنْ "الحِبَّةِ" وَهِيَ بَذْرُ الصَّحْرَاءِ الَّذِي يَنْبُتُ إِذَا أَصَابَهُ المَطَرُ، فَكَذَلِكَ المَحَبَّةُ تَنْبُتُ فِي القَلْبِ بِمَطَرِ الوَحْيِ. وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ هِيَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَرَاهُ خَيْراً.
4●وَحَدُّهَا الشَّرْعِيُّ: "اِسْتِقَامَةُ المَيْلِ لِمَا يُحِبُّهُ المَحْبُوبُ سُبْحَانَهُ".
وَتَنْقَسِمُ المَحَبَّةُ إِلَى:
1●[مَحَبَّةٍ عِبَادِيَّةٍ]؛ وَهِيَ خَاصَّةٌ بِاللَّهِ، تَقُومُ عَلَى الذُّلِّ وَالتَّعْظِيمِ
2●وَ[مَحَبَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ]كَمَحَبَّةِ الأَهْلِ وَالطَّعَامِ وَهِيَ مُبَاحَةٌ مَا لَمْ تُزَاحِمْ مَحَبَّةَ اللَّهِ.
3● المحبة الشركية: قال تعالى {يحبونهم كاحب الله }
وَالمَحَبَّةُ الإِلَهِيَّةُ هِيَ رُوحُ العَمَلِ، وَهِيَ الَّتِي تَجْعَلُ العَبْدَ يَنْتَقِلُ إِلَى :
(القَبُولِ)وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مِنْ "قَبِلَ" ضِدُّ رَدَّ، وَمَعْنَاهُ تَلَقِّي الأَمْرِ بِالرِّضَا.
وَالقَبُولُ يَنْقَسِمُ إِلَى :
1●قَبُولٍ قَدَرِيٍّ
٢وَقَبُولٍ شَرْعِيٍّ، وَالأَصْلُ هُنَا هُوَ القَبُولُ الشَّرْعِيُّ لِأَوَامِرِ اللَّهِ بِانْشِرَاحِ صَدْرٍ.
وَحَقِيقَةُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أَنَّ العَبْدَ إِذَا عَلِمَ الأَمْرَ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ العِلْمِ لِلنَّجَاةِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُحِبَّ هَذَا الأَمْرَ لِمَحَبَّتِهِ لِمَنْ أَمَرَ بِهِ، وَأَنْ يَقْبَلَهُ قَبُولاً تَامّاً لَا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ بِهَوًى أَوْ رَأْيٍ أَوْ قِيَاسٍ.
وَمِنْ أَعْظَمِ عَلَامَاتِ قَبُولِ القَلْبِ لِلأَمْرِ:
1●سُرْعَةُ الِاسْتِجَابَةِ،
2● وَعَدَمُ التَّلَكُّؤِ،
3●وَالفَرَحُ بِالطَّاعَةِ
4●وَضِيقُ الصَّدْرِ عِنْدَ فَوَاتِهَا.
وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ (المحبة):
1● يَأْتِي ذَمُّ (الإِعْرَاضِ) وَهُوَ التَّوَلِّي عَنِ الأَمْرِ
2● وَ(النُّفُورُ) وَهُوَ كَرَاهِيَةُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ
وَهُمَا مِنْ أَخْطَرِ مَرَاضِ القُلُوبِ الَّتِي تُحْبِطُ العَمَلَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾.
الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: 165].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عِمْرَان: 31].
قَوْلُهُ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» [1].
قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ» [2].
[أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي المَحَبَّةِ وَالقَبُولِ]
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «المَحَبَّةُ هِيَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِي مَحَابِّ اللَّهِ» [1].
قَالَ الجُنَيْدُ: «المَحَبَّةُ دُخُولُ صِفَاتِ المَحْبُوبِ عَلَى بَدَلِ صِفَاتِ المُحِبِّ» [2].
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «كُلُّ مَحَبَّةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ عَذَابٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ ضَيَاعٌ» [3].
قَالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ فَابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِآيَةِ المِحْنَةِ (آيَةِ آلِ عِمْرَان)» [4].
قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ: «كُلُّ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ اللَّهِ وَلَمْ يُوَافِقِ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ فَدَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ» [5].
قَالَ ذُو النُّونِ المِصْرِيُّ: «مِنْ عَلَامَاتِ المَحِبِّ لِلَّهِ مُتَابَعَةُ حَبِيبِ اللَّهِ ﷺ فِي أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَوَامِرِهِ وَسُنَنِهِ» [6].
قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: «لَا تَقُلْ أُحِبُّ اللَّهَ، وَلَكِنْ قُلْ: أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أُحِبُّ اللَّهَ، لِكَيْلَا تَكُونَ كَاذِباً» [7].
قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «إِذَا قِيلَ لَكَ: تُحِبُّ اللَّهَ؟ فَاسْكُتْ؛ فَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ (لَا) كَفَرْتَ، وَإِنْ قُلْتَ (نَعَمْ) فَلَيْسَ وَصْفُكَ وَصْفَ المُحِبِّينَ» [8].
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «أَصْلُ كُلِّ حَرَكَةٍ فِي العَالَمِ هِيَ المَحَبَّةُ، فَمَا تَحَرَّكَ مُتَحَرِّكٌ إِلَّا لِمَحَبَّةِ مَا يَنْفَعُهُ أَوْ دَفْعِ مَا يُؤْذِيهِ» [9].
قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ: «حَقِيقَةُ المَحَبَّةِ أَنَّهَا لَا تَزِيدُ بِالبِرِّ وَلَا تَنْقُصُ بِالجَفَاءِ» [10].
[الحَاشِيَةُ ]___________________________________♤
[1] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ، ج 1، ص 12، رَقْمُ 16.
[2] البَغَوِيُّ، الحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ، شَرْحُ السُّنَّةِ، ج 1، ص 212، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ.
[3] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 3، ص 8، ط: دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ.
[4] ابْنُ كَثِيرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ج 2، ص 32، ط: دَارُ طَيِّبَةَ.
[5] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، ج 10، ص 362.
[6] القُشَيْرِيُّ، عَبْدُ الكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ، الرِّسَالَةُ القُشَيْرِيَّةُ، ص 315.
[7] ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، مُحَاسَبَةُ النَّفْسِ، ص 88.
[8] الغَزَالِيُّ، أَبُو حَامِدٍ، إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، ج 4، ص 320.
[9] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 10، ص 49.
[10] السَّلَمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، طَبَقَاتُ الصُّوفِيَّةِ، ص 112.
[11] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (حَبَّ)، (قَبِلَ).
[12] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّانِي.
♤________________________________43_________________________________♤
الشرح والتعليق [تَتِمَّةُ 3 المَبْحَثِ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَقَامِ المَحَبَّةِ وَبَيَانُ مَزَالِقِ الشِّرْكِ]
1● إِنَّ مَادَّةَ (المَحَبَّةِ) فِي الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ تَعُودُ إِلَى "حَبَّ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَالثَّبَاتِ وَالصَّفَاءِ؛ وَمِنْهُ "حَبُّ القَلْبِ" لِسُوَيْدَائِهِ، وَ"الحُبُّ" الَّذِي هُوَ القِدْرُ الكَبِيرُ الَّذِي يَحْفَظُ المَاءَ، لِأَنَّ المَحَبَّةَ تَحْفَظُ المَحْبُوبَ فِي سُوَيْدَاءِ الفُؤَادِ.
2● وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ هِيَ مَيْلُ الطَّبْعِ إِلَى المُلَائِمِ، لَكِنَّهَا فِي الشَّرْعِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ
3● وَحَدُّهَا الجَامِعُ المَانِعُ: «هِيَ مَيْلُ القَلْبِ التَّامُّ لِمَا فِيهِ رِضَا المَعْبُودِ تَعَالَى، المَقْرُونُ بِالتَّعْظِيمِ وَالذُّلِّ».
وَالتَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ لِلْمَحَبَّةِ يَجْعَلُهَا رُوحَ العِبَادَةِ، فَالعِبَادَةُ كَمَا حَدَّهَا شَيْخُ الإِسْلَامِ: «اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ» [1].
وَلَا تَقُومُ هَذِهِ العِبَادَةُ إِلَّا عَلَى أَرْكَانٍ ثَلَاثَةٍ: (المَحَبَّةُ، وَالخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ)؛ فَالْمَحَبَّةُ هِيَ المُحَرِّكُ، وَالخَوْفُ وَالرَّجَاءُ هُمَا الجَنَاحَانِ الَّذَانِ يَطِيرُ بِهِمَا العَبْدُ إِلَى رَبِّهِ.
وَإِنَّ أَنْوَاعَ المَحَبَّةِ تَنْفَصِلُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَارَاتٍ كُبْرَى:
1●مَحَبَّةُ اللَّهِ: وَهِيَ أَصْلُ الإِيمَانِ وَقُطْبُ الرَّحَى، وَتَعْنِي إِفْرَادَهُ سُبْحَانَهُ بِالمَحَبَّةِ التَّعَبُّدِيَّةِ المُتَضَمِّنَةِ لِغَايَةِ الذُّلِّ.
2● المَحَبَّةُ فِي اللَّهِ: وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ مَحَبَّةِ اللَّهِ، كَمَحَبَّةِ الرُّسُلِ وَالصَّالِحِينَ لِمَكَانَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ.
3● المَحَبَّةُ مَعَ اللَّهِ: وَهِيَ المَحَبَّةُ الشِّرْكِيَّةُ (المَحَبَّةُ النِّدِّيَّةُ)، حَيْثُ يُسَوِّي المُنْدُّ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَخْلُوقِ فِي المَحَبَّةِ، وَهِيَ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ.
♤ سبب هلاك الأمم السابقة:
وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ سَبَبَ هَلَاكِ الأُمَمِ الأُولَى؛ فَأَوَّلُ شِرْكٍ وَقَعَ فِي الأَرْضِ كَمَا أَثْبَتَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- حَيْثُ قَالَ: «كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ كُلُّهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ» [2]
ثُمَّ حَدَثَ الغُلُوُّ فِي "وَدٍّ، وَسُوَاعٍ، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرٍ"؛ وَهُمْ قَوْمٌ صَالِحُونَ مَاتُوا فَحَزِنَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ بِتَدَرُّجٍ خَبِيثٍ: بَدَأَ بِالتَّصْوِيرِ لِلذِّكْرَى، ثُمَّ بِالبِنَاءِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ لَمَّا طَالَ العَهْدُ وَنُسِيَ العِلْمُ، أُوحِيَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ شُفَعَاءُ وَأَنَّهُمْ يُدْعَوْنَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وَهَكَذَا يَنْسَلِخُ العَبْدُ مِنَ التَّوْحِيدِ بِسَبَبِ "المَحَبَّةِ النِّدِّيَّةِ" الَّتِي تُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِهَا كَـ"القُرْبَةِ" أَوْ "التَّعْظِيمِ"، وَالصُّوَرُ الشِّرْكِيَّةُ
لِهَذِهِ المَحَبَّةِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: (سُؤَالُ المَيِّتِ قَضَاءَ الحَاجَاتِ، اعْتِقَادُ النَّفْعِ وَالضَّرِّ فِي الأَوْلِيَاءِ، الطَّوَافُ بِالقُبُورِ تَعَبُّداً، الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ مَحَبَّةً وَإِجْلَالاً، وَتَقْدِيمُ طَاعَةِ المَتْبُوعِينَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«المَحَبَّةُ الإِلَهِيَّةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ قَيْدِ (التَّأَلُّهِ)، وَهُوَ الذُّلُّ وَالخُضُوعُ؛ فَمَنْ أَحَبَّ شَيْئاً مَعَ اللَّهِ كَمَحَبَّتِهِ لِلَّهِ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً. وَمَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ مَشْرُوعَةٌ مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ مَرْتَبَةَ (المَحَبَّةِ فِيهِ) إِلَى (المَحَبَّةِ مَعَهُ).
وَالشَّيْطَانُ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ مِنْ بَابِ المَحَبَّةِ لِيُوقِعَهُمْ فِي المَحْظُورِ، وَالحَقُّ أَنَّ كَمَالَ المَحَبَّةِ فِي كَمَالَ الِاتِّبَاعِ، لَا فِي مُجَرَّدِ الِادِّعَاءِ الَّذِي لَا بُرْهَانَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ». (3)
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________________♤
(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، رِسَالَةُ العُبُودِيَّةِ، ص 38، ط: المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوتَ.
(2) الطَّبَرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ القُرْآنِ، ج 14، ص 473، ط: دَارُ هَجَرٍ.
(3) صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّانِي، ص 15 (بِتَصَرُّفٍ يَسِيرٍ لِلِاخْتِصَارِ).
(4) ابْنُ فَارِسٍ، أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (حَبَّ)، ج 2، ص 15.
(5) ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، رَوْضَةُ المُحِبِّينَ وَنُزْهَةُ المُشْتَاقِينَ، ص 12، ط: دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.
(6) البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، ج 6، ص 160.
(7) ابْنُ القَيِّمِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ج 1، ص 194.
(8) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، فَتْحُ المَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص 241.
(9) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، رِسَالَةُ القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ، القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ.
(10) سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، ص 150.
♤_______________________________44____________________________________♤
المُتَمِّمُ الرَّابِعُ4 لِلْمَبْحَثِ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَقَامِ القَبُولِ وَكَشْفُ شُبُهَاتِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ]
♤ إِنَّ مَادَّةَ (القَبُولِ) فِي الِاشْتِقَاقِ اللَّغَوِيِّ تَعُودُ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ "قَبِلَ"
وَتَدُلُّ عَلَى مُوَاجَهَةِ الشَّيْءِ وَالرِّضَا بِهِ؛ وَمِنْهُ "القُبُلُ" لِمَا اسْتَقْبَلَكَ، وَ"القَبُولُ" الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي تَنْشَرِحُ لَهَا الصُّدُورُ.
♤ وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ يُقَالُ: "قَبِلَ الهَدِيَّةَ" أَيْ أَخَذَهَا رَاضِياً بِهَا غَيْرَ رَادٍّ لَهَا.
♤ وَأَمَّا حَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «هُوَ تَلَقِّي النَّصِّ الشَّرْعِيِّ بِالرِّضَا التَّامِّ وَانْتِفَاءِ الِاعْتِرَاضِ قَلْباً وَقَالِباً».
♤ وَالتَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ لَهُ يَقُومُ عَلَى أَنَّ القَبُولَ هُوَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، إِذْ لَا يَنْفَعُ عِلْمٌ بِلَا قَبُولٍ، وَمَنْ رَدَّ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كَفَرَ وَإِنْ زَعَمَ العِلْمَ بِهِ.
♤ وَأَقْسَامُ القَبُولِ ثَلَاثَةٌ، نُفَصِّلُهَا عَلَى مَا يَلِي:
أَوَّلًا: القَبُولُ القَلْبِيُّ؛ وَهُوَ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِالنَّصِّ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي النَّفْسِ مُعَارِضٌ شُبَهِيٌّ أَوْ شَهَوِيٌّ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾.
فَقَوْلُهُ: ﴿لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً﴾ أَيْ ضِيقاً أَوْ شَكّاً، بَلْ يَتَلَقَّوْنَ الحُكْمَ بِرَحَابَةٍ وَطُمَأْنِينَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾، أَكَّدَ الفِعْلَ بِالمَصْدَرِ لِيَدُلَّ عَلَى كَمَالِ الِانْقِيَادِ وَإِخْمَادِ كُلِّ نَازِعٍ لِلِاعْتِرَاضِ، فَلَا يَعْرِضُ لِلنَّصِّ بِرَأْيِهِ أَوْ ذَوْقِهِ أَوْ عَقْلِهِ.
ثَانِيًا: قَبُولُ الجَوَارِحِ؛ وَهُوَ الِانْقِيَادُ الظَّاهِرُ بِالفِعْلِ وَالتَّرْكِ.
فَمَثَلُهُ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ: أَنْ تَنْقَادَ الجَوَارِحُ بِتَرْكِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ، وَأَنْ يَلْهَجَ اللِّسَانُ بِإِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ بِلَا تَرَدُّدٍ، فَيَكُونَ الظَّاهِرُ تَبَعاً لِمَا وَرَدَ فِي النَّصِّ اِمْتِثَالاً لِلْأَمْرِ وَاجْتِنَاباً لِلنَّهْيِ عَنِ التَّحْرِيفِ.
ثَالِثًا: القَبُولُ المُطْلَقُ؛ وَهُوَ مَنَاطُ النَّجَاةِ، وَيَتَحَقَّقُ بِاجْتِمَاعِ قَبُولِ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ مَعاً.
فَيَمْتَثِلُ العَبْدُ الأَمْرَ ظَاهِراً وَبَاطِراً، وَهَذَا المَقَامُ هُوَ الَّذِي ضَلَّتْ فِيهِ الفِرَقُ الكَلَامِيَّةُ؛ لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا عُقُولَهُمُ القَاصِرَةَ عَلَى النُّصُوصِ، فَلَمْ يَقْبَلُوهَا حَقَّ القَبُولِ.
فَالْجَهْمِيَّةُ نَفَوْا كُلَّ شَيْءٍ، وَالمُعْتَزِلَةُ نَفَوْا الصِّفَاتِ وَأَبْقَوْا أَسْمَاءً جَوفَاءَ، فَقَالُوا: "عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ"، وَهَذَا غَايَةُ التَّنَاقُضِ العَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ.
ثُمَّ جَاءَ الأَشَاعِرَةُ -مُخَنَّثَةُ الجَهْمِيَّةِ- فَاتَّخَذُوا سَاتِراً مِنْ كَلَامِ ابْنِ كُلَّابٍ، فَأَثْبَتُوا بَعْضاً وَعَطَّلُوا بَعْضاً بِتَحَكُّمٍ بَارِدٍ، وَرَجَعُوا فِي مَآلِهِمْ إِلَى مَذْهَبِ المَعْتَزِلَةِ بِسُلُوكِهِمْ مَسْلَكَ
1● (التَّأْوِيلِ) الَّذِي هُوَ تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
2● وَأَخْبَثُ مِنْ ذَلِكَ سُلُوكُهُمْ مَسْلَكَ (التَّفْوِيضِ)، حَيْثُ نَسَبُوهُ لِلسَّلَفِ كَذِباً، وَحَقِيقَتُهُ عِنْدَهُمْ تَفْوِيضُ "أَصْلِ المَعْنَى"، فَيَجْعَلُونَ صِفَاتِ اللَّهِ أَلْغَازاً لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيُّ.
♤ بَيْنَمَا التَّفْوِيضُ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ إِمْرَارُ الصِّفَةِ كَمَا جَاءَتْ بِمَعْنَاهَا الحَقِيقِيِّ المَعْرُوفِ فِي لُغَةِ العَرَبِ، مَعَ تَفْوِيضِ "الكَيْفِيَّةِ" الَّتِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهَا.
♤ فَنَحْنُ نَعْرِفُ مَعْنَى "اليَدِ" وَ"الِاسْتِوَاءِ" وَ"القَبْضَةِ"، لَكِنَّا نَقْطَعُ الطَّمَعَ عَنْ إِدْرَاكِ كَيْفِيَّتِهَا، فَآمَنَّا بِالمَعْنَى وَسَلَّمْنَا فِي الكَيْفِ، وَبِهَذَا تَمَّ لَنَا القَبُولُ وَالتَّسْلِيمُ، وَخَرَجْنَا عَنْ مَسَالِكِ المَاتُرِيدِيَّةِ وَأَشْبَاهِهِمْ مِمَّنْ حَكَّمُوا الخَيَالَ عَلَى النَّوَالِ.
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________________♤
[1] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، الدَّرْءُ، ج 1، ص 201، ط: دَارُ الكُنُوزِ.
[2] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ، ص 115، ط: دَارُ الحَدِيثِ.
[3] ابْنُ فَارِسٍ، أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (قَبِلَ)، ج 5، ص 53.
[4] الشَّاطِبِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، الِاعْتِصَامُ، ج 1، ص 180، ط: دَارُ ابْنِ عَفَّانَ.
[5] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، كِتَابُ السُّنَّةِ، ج 1، ص 168 (فِي الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ).
[6] الدَّارِمِيُّ، عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، الرَّدُّ عَلَى المَرِيسِيِّ، ص 210.
[7] ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، سُورَةُ النِّسَاءِ، الآيَةُ 65.
[8] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّانِي، ص 18.
[9] مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الإِثْبَاتِ، ص 88.
[10] السَّعْدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ، تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص 184.
♤___________________________________45___________________________________♤
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: العَزْمُ وَالنِّيَّةُ (المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ)
إِنَّ العَبْدَ إِذَا عَلِمَ الأَمْرَ (المَرْتَبَةُ الأُولَى)، ثُمَّ أَحَبَّهُ وَقَبِلَهُ (المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ)، فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحَرِّكٍ يَنْقُلُهُ إِلَى التَّنْفِيذِ، وَهَذَا هُوَ مَقَامُ (العَزْمِ) وَ**(النِّيَّةِ)**؛ فَهُمَا مَبْدَأُ الإِرَادَةِ وَأَسَاسُ العَمَلِ.
أَوَّلاً: (العَزْمُ) فِي الِاشْتِقَاقِ اللَّغَوِيِّ مَأْخُوذٌ مِنْ "عَزَمَ"، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى عَقْدِ القَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الأَمْرِ، وَمِنْهُ "عَزِيمَةُ الحُكْمِ" أَيْ قُوَّتُهُ وَوُجُوبُهُ.
وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ يُقَالُ: "عَزَمَ عَلَى السَّفَرِ" إِذَا صَمَّمَ عَلَيْهِ وَطَوَى نَفْسَهُ عَلَى فِعْلِهِ.
وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «هُوَ القَصْدُ الجَازِمُ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ فِيهِ لِفِعْلِ المَأْمُورِ أَوْ تَرْكِ المَنْظُورِ».
وَالتَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ لِلْعَزْمِ يَجْعَلُهُ رُكْنَ الِاسْتِجَابَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: 21].
ثَانِياً: (النِّيَّةُ) فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ "نَوَى"، وَتَدُلُّ عَلَى القَصْدِ وَالنَّوَى (أَيْ لُبُّ الشَّيْءِ وَقَلْبُهُ).
وَفِي اسْتِعْمَالِ العَرَبِ هِيَ تَوَجُّهُ القَلْبِ نَحْوَ المُرَادِ.
وَحَدُّهَا الشَّرْعِيُّ: «إِرَادَةُ الطَّاعَةِ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى».
وَأَقْسَامُ النِّيَّةِ تَنْفَصِلُ إِلَى:
نِيَّةُ المَعْبُودِ (الإِخْلَاصُ): وَهِيَ تَمْيِيزُ المَقْصُودِ بِالعِبَادَةِ (وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ).
نِيَّةُ العَمَلِ: وَهِيَ تَمْيِيزُ العِبَادَاتِ بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ (كَالصَّلَاةِ عَنِ الصِّيَامِ، أَوِ الفَرْضِ عَنِ النَّفْلِ).
وَالعَلَاقَةُ بَيْنَ العَزْمِ وَالنِّيَّةِ أَنَّ النِّيَّةَ أَسْبَقُ خَطُوراً فِي القَلْبِ، ثُمَّ يَتْبَعُهَا العَزْمُ الَّذِي هُوَ تَأْكِيدُ تِلْكَ النِّيَّةِ وَجَعْلُهَا جَازِمَةً لَا رُجُوعَ فِيهَا.
وَإِنَّمَا كَانَ العَزْمُ شَرْطاً لِأَنَّ التَّرَدُّدَ يُبْطِلُ مَقَامَ الِانْقِيَادِ؛ فَالْمُتَرَدِّدُ لَمْ يُحَقِّقْ مَعْنَى العُبُودِيَّةِ الكَامِلَةِ.
وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ أَهْلَ الِاتِّبَاعِ هُمْ "أُولُو العَزْمِ" فِي الِاسْتِجَابَةِ لِلنُّصُوصِ، بَيْنَمَا أَهْلُ الأَهْوَاءِ تَتَقَاذَفُهُمُ الشُّكُوكُ فَلَا يَعْزِمُونَ عَلَى حَقٍّ.
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«العَزْمُ هُوَ مَبْدَأُ الفِعْلِ، وَالنِّيَّةُ رُوحُهُ؛ فَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَا يَتِمُّ مَقْصُودٌ بِلَا عَزْمٍ. وَالعَبْدُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُونَ صَادِقاً فِي عَزِيمَتِهِ، لِأَنَّ صِدْقَ العَزْمِ هُوَ الَّذِي يَفْتَحُ أَبْوَابَ التَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ، وَمَنْ ضَعُفَ عَزْمُهُ ضَعُفَ عَمَلُهُ، وَمَنْ عَدِمَ نِيَّتَهُ حُرِمَ القَبُولَ». (1)
[الحَاشِيَةُ ]____________________________________♤
[1] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّالِثُ، ص 22.
[2] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 18، (مَبْحَثُ النِّيَّةِ وَالعَزْمِ).
[3] ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 1، (مَنْزِلَةُ العَزْمِ).
[4] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (عَزَمَ)، (نَوَى).
[5] البُخَارِيُّ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ بَدْءِ الوَحْيِ، حَدِيثُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».
[6] نُكْتَةٌ: الفَرْقُ بَيْنَ الهَمِّ وَالعَزْمِ أَنَّ الهَمَّ خَاطِرٌ، وَالعَزْمَ حُكْمٌ جَازِمٌ.
[7] نُكْتَةٌ: "عَزِيمَةُ الرُّشْدِ" هِيَ أَنْ لَا يَتَرَدَّدَ العَبْدُ فِي امْتِثَالِ مَا عَلِمَ صِحَّتَهُ.
[8] القُرْآنُ الكَرِيمُ، سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الآيَةُ 159: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾.
♤_________________________46_____________________________♤
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّالِثِ: تَحْرِيرُ مَرَاتِبِ القَصْدِ (الخَاطِرُ، الهَمُّ، العَزْمُ)
قُلْتُ:
إِنَّ مَا يَقَعُ فِي القَلْبِ مِنْ إِرَادَاتٍ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هُوَ دَرَجَاتٌ مُتَفَاوِتَةٌ فِي القُوَّةِ وَالأَثَرِ، وَتَحْرِيرُهَا يَقْتَضِي تَقْسِيمَهَا إِلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ نَذْكُرُهَا بِالتَّرْتِيبِ:
1. الخَاطِرُ (وَالرَّاجِسُ):
تَعْرِيفُهُ: هُوَ مَا يَمُرُّ بِالقَلْبِ مِنْ فِكْرَةٍ عَابِرَةٍ دُونَ مَيْلٍ إِلَيْهَا أَوْ اِسْتِقْرَارٍ.
حُكْمُهُ: لَا يُؤَاخَذُ بِهِ العَبْدُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ، بَلْ هُوَ مِمَّا عُفِيَ عَنْهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.
2. الهَمُّ:
تَعْرِيفُهُ: هُوَ تَرْجِيحُ الخَاطِرِ وَالمَيْلُ إِلَيْهِ بَعْدَ التَّرَدُّدِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَبَادِئِ الإِرَادَةِ.
أَقْسَامُهُ:
هَمُّ فِعْلٍ: وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ لِلْعَبْدِ بِهِ حَسَنَةٌ إِذَا كَانَ فِي الخَيْرِ، وَلَا يُكْتَبُ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ إِذَا كَانَ فِي الشَّرِّ مَا لَمْ يَعْمَلْ.
هَمُّ تَرْكٍ: وَهُوَ الَّذِي يَتْرُكُ فِيهِ العَبْدُ المَعْصِيَةَ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً.
3. العَزْمُ (وَهُوَ مَحَلُّ القَصْدِ الجَازِمِ):
تَعْرِيفُهُ: هُوَ القُوَّةُ الَّتِي تَعْقِبُ الهَمَّ، حَيْثُ يَنْقَطِعُ التَّرَدُّدُ وَيَنْجَزِمُ القَلْبُ عَلَى التَّنْفِيذِ.
الفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الهَمِّ: أَنَّ الهَمَّ قَدْ يَعْقِبُهُ تَرْكٌ لِعَارِضٍ، أَمَّا العَزْمُ فَهُوَ تَصْمِيمٌ لَا يَرُدُّهُ إِلَّا العَجْزُ عَنِ العَمَلِ.
حُكْمُهُ: العَزْمُ الجَازِمُ عَلَى المَعْصِيَةِ يُحَاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ مُحَاسَبَةَ الفَاعِلِ إِذَا بَذَلَ سَبَبَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ «إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا...».
أَقْسَامُ العَزْمِ بَاعْتِبَارِ المُتَعَلَّقِ:
عَزْمٌ عَلَى الِاسْتِجَابَةِ: وَهُوَ عَقْدُ القَلْبِ عَلَى اِمْتِثَالِ الأَمْرِ فَوْرَ عِلْمِهِ وَقَبُولِهِ.
عَزْمٌ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ: وَهُوَ الثَّبَاتُ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَدَمُ النُّكُوصِ.
عَزْمُ الرُّشْدِ: وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ القَصْدِ وَسَدَادِ الفِعْلِ.
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«العَزْمُ هُوَ المَرْتَبَةُ الَّتِي يَنْفَصِلُ فِيهَا الصَّادِقُ عَنِ الكَاذِبِ؛ فَكُلُّ أَحَدٍ قَدْ يَهُمُّ بِالخَيْرِ، لَكِنْ لَا يَعْزِمُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْقَبُولِ. وَالعَزْمُ المُؤَثِّرُ شَرْعاً هُوَ العَزْمُ الجَازِمُ الَّذِي يَقْتَرِنُ بِهِ الشُّرُوعُ فِي الأَسْبَابِ، فَمَنْ عَزَمَ عَلَى طَاعَةٍ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا كُتِبَ لَهُ أَجْرُ عَامِلِهَا بِنِيَّتِهِ وَصِدْقِ عَزِيمَتِهِ». (1)
[الحَاشِيَةُ ]________________________________♤
(1) صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّالثُ، ص 24.
(2) ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 1، ص 155 (تَحْرِيرُ مَرَاتِبِ القَصْدِ).
(3) السُّيُوطِيُّ، جَلَالُ الدِّينِ، الأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ (مَبْحَثُ النِّيَّةِ وَأَحْكَامِهَا).
(4) ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ج 2، ص 340 (شَرْحُ حَدِيثِ "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ").
(5) ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (هَمَمَ)، (عَزَمَ).
(6) نُكْتَةٌ: الهَمُّ يَقْبَلُ التَّرَدُّدَ بَيْنَ الفِعْلِ وَالتَّرْكِ، أَمَّا العَزْمُ فَهُوَ نِهَايَةُ التَّرَدُّدِ.
(7) نُكْتَةٌ: "عَزِيمَةُ العَبْدِ" عُنْوَانُ فَلَاحِهِ، وَبِحَسَبِ قُوَّتِهَا تَكُونُ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ.
(8) الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ البَارِي، ج 11، ص 323 (تَفْصِيلُ مَرَاتِبِ الإِرَادَةِ).
♤_____________________________________47____________________________________________♤
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّالِثِ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِطَاعَةِ وَعَلَاقَتِهَا بِالعَزْمِ
إِنَّ العَزْمَ الجَازِمَ لَا يَتَحَقَّقُ أَثَرُهُ فِي الوَاقِعِ إِلَّا بِوُجُودِ (الِاسْتِطَاعَةِ)، وَهِيَ فِي الِاشْتِقَاقِ مِنْ "طَاعَ"، وَتَدُلُّ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالقُدْرَةِ عَلَى الفِعْلِ. وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ نَوْعَانِ:
1. الِاسْتِطَاعَةُ القَبْلِيَّةُ (المُصَحِّحَةُ لِلْفِعْلِ):
حَقِيقَتُهَا: هِيَ سَلَامَةُ الآلَاتِ وَالأَسْبَابِ وَالجَوَارِحِ، وَهِيَ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا التَّكْلِيفُ (الأَمْرُ وَالنَّهْيُ).
عَلَاقَتُهَا بِالعَزْمِ: هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ شَرْطُ العَزْمِ؛ فَلَا يُتَصَوَّرُ عَزْمٌ جَازِمٌ مِنْ عَاجِزٍ عَبَثاً. فَإِذَا صَحَّتِ الآلَاتُ وَقَوِيَ العَزْمُ، انْدَفَعَ العَبْدُ نَحْوَ الفِعْلِ.
2. الِاسْتِطَاعَةُ المَعِيَّةُ (المُوجِبَةُ لِلْفِعْلِ):
حَقِيقَتُهَا: هِيَ "التَّوْفِيقُ" الَّذِي يَقْتَرِنُ بِالفِعْلِ فَيَقَعُ بِهِ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ.
عَلَاقَتُهَا بِالعَزْمِ: هِيَ ثَمَرَةُ صِدْقِ العَزْمِ؛ فَإِذَا صَدَقَ العَبْدُ فِي عَزِيمَتِهِ أَعَانَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الِاسْتِطَاعَةِ المَعِيَّةِ، فَتَمَّ الفِعْلُ خَلْقاً مِنَ اللَّهِ وَكَسْباً مِنَ العَبْدِ.
[الفَرْقُ بَيْنَ العَزْمِ وَالِاسْتِطَاعَةِ]:
العَزْمُ هُوَ "إِرَادَةُ الفِعْلِ"، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ فَهِيَ "القُدْرَةُ عَلَيْهِ"؛ فَالْعَزْمُ فِعْلُ القَلْبِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ (فِي نَوْعِهَا الأَوَّلِ) صِفَةُ العَبْدِ وَآلَاتِهِ، وَبِاجْتِمَاعِ "الإِرَادَةِ الجَازِمَةِ" وَ"القُدْرَةِ التَّامَّةِ" يَجِبُ وُجُودُ المَقْدُورِ لُزُوماً.
[مَزَالِقُ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي الِاسْتِطَاعَةِ]
ضَلَّتِ الفِرَقُ فِي هَذَا البَابِ بَيْنَ طَرَفَيِ النَّقِيضِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَهُمْ:
الجَبْرِيَّةُ (الجَهْمِيَّةُ):
مَذْهَبُهُمْ: نَفَوْا الِاسْتِطَاعَةَ عَنِ العَبْدِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَجَعَلُوهُ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
أَثَرُهُ: أَبْطَلُوا العَزْمَ وَالنِّيَّةَ، وَجَعَلُوا الثَّوَابَ وَالعِقَابَ جَبْراً، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ.
القَدَرِيَّةُ (المُعْتَزِلَةُ):
مَذْهَبُهُمْ: غَالَوْا فِي الِاسْتِطَاعَةِ القَبْلِيَّةِ (الشَّرْعِيَّةِ)، وَقَالُوا هِيَ مُسْتَقِلَّةٌ لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَنَفَوْا "الِاسْتِطَاعَةَ المَعِيَّةَ" (التَّوْفِيقَ)، فَجَعَلُوا العَبْدَ خَالِقاً لِفِعْلِهِ.
أَثَرُهُ: تَرَكُوا الِاسْتِعَانَةَ بِاللَّهِ، وَظَنُّوا أَنَّ عَزْمَهُمْ مُسْتَقِلٌّ بِالتَّأْثِيرِ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ الكَوْنِيَّةِ.
الأَشَاعِرَةُ (وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ):
مَذْهَبُهُمْ: أَثْبَتُوا الِاسْتِطَاعَةَ المَعِيَّةَ فَقَطْ، وَقَالُوا لَا اسْتِطَاعَةَ لِلْعَبْدِ قَبْلَ الفِعْلِ، فَوَقَعُوا فِي نَوْعٍ مِنَ الجَبْرِ الخَفِيِّ (نَظَرِيَّةُ الكَسْبِ).
أَثَرُهُ: هَذَا القَوْلُ يُبْطِلُ مَعْنَى الِاسْتِعْدَادِ وَالعَزْمِ قَبْلَ الفِعْلِ، وَيَجْعَلُ التَّكْلِيفَ بِمَا لَا يُطَاقُ سَائِغاً عِنْدَهُمْ.
[تَقْرِيبُ أَهْلِ السُّنَّةِ]:
أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الِاسْتِطَاعَةَ القَبْلِيَّةَ لِيَصِحَّ التَّكْلِيفُ، وَيُثْبِتُونَ المَعِيَّةَ لِيَصِحَّ التَّوْحِيدُ وَالِافْتِقَارُ؛ فَالْعَبْدُ يَعْزِمُ وَيَبْذُلُ وُسْعَهُ بِمَا آتَاهُ اللَّهُ مِنْ "قُدْرَةٍ قَبْلِيَّةٍ"، فَمَتَى صَدَقَ أَعَانَهُ اللَّهُ بِـ"قُدْرَةٍ مَعِيَّةٍ" خَلْقاً وَتَوْفِيقاً.
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________________________♤
[1] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 8، ص 371 (مَبْحَثُ الِاسْتِطَاعَةِ).
[2] ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ، شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، ص 412، ط: المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ.
[3] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 26.
[4] ابْنُ القَيِّمِ، شِفَاءُ العَلِيلِ فِي مَسَائِلِ القَضَاءِ وَالقَدَرِ وَالحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، ج 1، ص 114.
[5] الطَّحَاوِيُّ، أَبُو جَعْفَرٍ، المَتْنُ: «وَالِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي يَجِبُ بِهَا الفِعْلُ... تَكُونُ مَعَ الفِعْلِ».
[6] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (طَوَعَ).
[7] نُكْتَةٌ: الِاسْتِطَاعَةُ المَعِيَّةُ لَا تُوجِدُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ المُوَفَّقِ، أَمَّا القَبْلِيَّةُ فَهِيَ عَامَّةٌ لِلْمُكَلَّفِينَ.
[8] نُكْتَةٌ: العَزْمُ الجَازِمُ مَعَ القُدْرَةِ التَّامَّةِ هِيَ "العِلَّةُ التَّامَّةُ" لِوُجُودِ الفِعْلِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ.
♤_____________________________________48___________________________________________♤
[تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الكَسْبِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ وَنَقْدُهَا]
إِنَّ مَسْأَلَةَ "الكَسْبِ" هِيَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ فِي نَظَرِيَّةِ الأَفْعَالِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ، وَقَدْ قِيلَ فِيهَا قَدِيماً: "مِمَّا يُقَالُ وَلَا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ: كَسْبُ الأَشْعَرِيِّ"، لِشِدَّةِ غُمُوضِهَا وَتَنَاقُضِهَا مَعَ الوَاقِعِ وَالنَّقْلِ.
أَوَّلًا: حَقِيقَةُ الكَسْبِ عِنْدَهُمْ:
يَرَى الأَشَاعِرَةُ أَنَّ فِعْلَ العَبْدِ يَجْتَمِعُ فِيهِ قُدْرَتَانِ:
- قُدْرَةُ اللَّهِ تَعَالَى: وَهِيَ القُدْرَةُ القَدِيمَةُ الخَالِقَةُ لِلْفِعْلِ حَقِيقَةً.
- قُدْرَةُ العَبْدِ: وَهِيَ قُدْرَةٌ "حَادِثَةٌ" لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي وُجُودِ الفِعْلِ وَلَا فِي صِفَتِهِ، وَإِنَّمَا هِيَ مَقْرُونَةٌ بِالفِعْلِ فَقَطْ.
- تَعْرِيفُ الكَسْبِ عِنْدَ الأَشْعَرِيِّ: هُوَ اقْتِرَانُ مَقْدُورِ العَبْدِ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ العَبْدِ أَثَرٌ فِي وُجُودِ هَذَا المَقْدُورِ.
ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ تَصَوُّرِهِمْ لِلْفِعْلِ:
يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ الفِعْلَ "عِنْدَ" قُدْرَةِ العَبْدِ لَا "بِقُدْرَةِ" العَبْدِ؛ فَالْعَبْدُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ فَاعِلًا حَقِيقِيًّا مُؤَثِّرًا، بَلْ هُوَ "مَحَلٌّ" لِظُهُورِ الفِعْلِ الخَالِقِ لَهُ هُوَ اللَّهُ. وَلِتَقْرِيبِ الفِكْرَةِ، يُمَثِّلُونَ لِذَلِكَ بِالرَّجُلِ الَّذِي يَحْمِلُ ثِقْلًا كَبِيرًا (وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي فِعْلِهِ) وَيَضَعُ الرَّجُلُ الضَّعِيفُ يَدَهُ مَعَهُ (وَهُوَ العَبْدُ)، فَالْفِعْلُ وَقَعَ بِقُوَّةِ القَوِيِّ، لَكِنَّ الضَّعِيفَ "لَابَسَ" الفِعْلَ فَقَطْ، فَهَذَا اللَّبْسُ هُوَ الكَسْبُ!
ثَالِثًا: لِمَاذَا سَلَكُوا هَذَا المَسْلَكَ؟
سَلَكُوا مَسْلَكَ الكَسْبِ لِلْهُرُوبِ مِنْ مَحْذُورَيْنِ:
- الِاعْتِزَالِ: حَيْثُ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ العَبْدُ خَالِقًا لِفِعْلِهِ اسْتِقْلَالًا.
- الجَبْرِ الصَّرِيحِ: حَيْثُ أَرَادُوا إِثْبَاتَ نَوْعٍ مِنَ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ العَبْدِ وَالفِعْلِ لِيَصِحَّ العِقَابُ وَالثَّوَابُ.
رَابِعًا: نَقْدُ نَظَرِيَّةِ الكَسْبِ (تَحْقِيقُ أَهْلِ السُّنَّةِ):
إِنَّ "الكَسْبَ" الأَشْعَرِيَّ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ "جَبْرٌ خَفِيٌّ" أَوْ مَا سَمَّاهُ العُلَمَاءُ "الجَبْرَ المَتوسطَ"؛ وَذَلِكَ لِلْأَسْبَابِ الآتِيَةِ:
- نَفْيُ التَّأْثِيرِ: حَيْثُ قَالُوا إِنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ لَا أَثَرَ لَهَا مُطْلَقًا فِي الفِعْلِ، فَمَا الفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ؟
- إِبْطَالُ الحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ: إِذْ جَعَلُوا الِارْتِبَاطَ بَيْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ وَالفِعْلِ مُجَرَّدَ "اقْتِرَانٍ عَادِيٍّ" لَا سَبَبِيٍّ، وَهَذَا هَدْمٌ لِأَصْلِ السَّبَبِيَّةِ فِي الكَوْنِ.
- التَّكْلِيفُ بِمَا لَا يُطَاقُ: يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ العَبْدَ يُعَاقَبُ عَلَى فِعْلٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى التَّأْثِيرِ فِيهِ، وَهَذَا مِمَّا يَنْزِهُ اللَّهُ عَنْهُ.
خَامِسًا: مَوْقِفُ السَّلَفِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ:
أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ أَنَّ العَبْدَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّ لِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ أَثَرًا فِي الفِعْلِ، لَكِنَّ هَذِهِ القُدْرَةَ وَالإِرَادَةَ "مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ" وَتَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ.
فَالْفِعْلُ:
- خَلْقًا وَإِيجَادًا: هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.
- فِعْلًا وَاتِّصَافًا: هُوَ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةً.
وَبِهَذَا سَلِمَ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنَ الجَبْرِ وَسَلِمُوا مِنَ التَّفْوِيضِ الكَلَامِيِّ المُنْحَرِفِ، وَأَثْبَتُوا لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَقُدْرَةً تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.
[الحَاشِيَةُ ]______________________________________♤
[1] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 8، ص 129 (نَقْدُ مَسْأَلَةِ الكَسْبِ).
[2] ابْنُ القَيِّمِ، شِفَاءُ العَلِيلِ، ص 164، مَبْحَثُ: "إِبْطَالُ قَوْلِ مَنْ قَالَ بِالْكَسْبِ".
[3] الغَزَالِيُّ، أَبُو حَامِدٍ، الِاقْتِصَادُ فِي الِاعْتِقَادِ، ص 47 (بَيَانُ نَظَرِيَّةِ الكَسْبِ مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِهِمْ).
[4] ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، ص 415.
[5] عَبْدُ القَاهِرِ البَغْدَادِيُّ، أُصُولُ الدِّينِ، ص 128 (فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ فِي الكَسْبِ).
[6] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، المَجْلِسُ الثَّالِثُ، ص 27.
[7] الشَّهْرَسْتَانِيُّ، المِلَلُ وَالنِّحَلُ، ج 1، ص 94.
[8] نُكْتَةٌ: يُقَالُ فِي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْغُمُوضِ: (أَخْفَى مِنْ كَسْبِ الأَشْعَرِيِّ).
[9] نُكْتَةٌ: قَوْلُهُمْ "عِنْدَهَا لَا بِهَا" هُوَ مَحْضُ السَّفَسْطَةِ فِي بَابِ العَقْلِ.
[10] مَسْأَلَةٌ: إِذَا نُفِيَ التَّأْثِيرُ عَنْ قُدْرَةِ العَبْدِ، صَارَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ حَرَكَةِ المُرْتَعِشِ وَحَرَكَةِ المُرِيدِ.
♤______________________________________49_____________________________________________♤
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: الِامْتِثَالُ وَالعَمَلُ (المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ)
إِنَّ مَرْتَبَةَ (العَمَلِ) هِيَ مَحَطُّ الرِّحَالِ، وَبِهَا يَنْفَصِلُ المُدَّعِي عَنِ المُحِقِّ؛ فَالْعَمَلُ فِي الِاشْتِقَاقِ اللَّغَوِيِّ مَأْخُوذٌ مِنْ "عَمَلَ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ بِقَصْدٍ، وَيُقَابِلُهُ "الهَوَى" أَوِ "اللَّغْوُ" الَّذِي لَا قَصْدَ فِيهِ. وَأَمَّا (الِامْتِثَالُ) فَمِنَ المِثَالِ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ المَأْمُورُ مِثْلَ مَا أُمِرَ بِهِ تَمَاماً. وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «هُوَ تَنْفِيذُ المَأْمُورِ بِهِ وَاجْتِنَابُ المَنْهِيِّ عَنْهُ طَاعَةً وَتَقَرُّباً». وَالتَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ لِهَذِهِ المَفْرَدَةِ أَنَّ العَمَلَ جُزْءٌ مِنْ مُسَمَّى الإِيمَانِ (قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ).
وَإِنَّ "إِنْزَالَ الأَمْرِ إِلَى الجَوَارِحِ" يَعْنِي انْتِقَالَ الإِرَادَةِ مِنْ كَوْنِهَا "عَزْماً قَلْبِيّاً" إِلَى "حَرَكَةٍ بَدَنِيَّةٍ"؛ فَأَدَوَاتُ الِامْتِثَالِ هِيَ الجَوَارِحُ (اللِّسَانُ، اليَدُ، الرِّجْلُ، السَّمْعُ، البَصَرُ)، وَصُوَرُهُ تَكُونُ بِـ "المُبَاشَرَةِ" لِلْفِعْلِ فِي وَقْتِهِ وَعَلَى هَيْئَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَهْلُ التَّحْقِيقِ يُؤَكِّدُونَ عَلَى "تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ"؛ فَإِذَا صَلُحَ البَاطِنُ بِالِانْقِيَادِ، لَزِمَ أَنْ يَصْلُحَ الظَّاهِرُ بِالِامْتِثَالِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ تَخَلُّفُ الجَوَارِحِ مَعَ صِحَّةِ القَلْبِ وَقُدْرَةِ البَدَنِ.
أَوَّلاً: شُرُوطُ قَبُولِ العَمَلِ (الأَصْلَانِ العَظِيمَانِ):
لَا يَكُونُ العَمَلُ مَقْبُولاً عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ شَرْطَيْنِ، هُمَا مِيزَانُ الأَعْمَالِ:
1. الإِخْلَاصُ (المِيزَانُ البَاطِنُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنْ "خَلَصَ"، وَهُوَ صَفَاءُ الشَّيْءِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ وَتَنْقِيَتُهُ.
الحَدُّ الجَامِعُ: «تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ يُشْرِكُ فِيهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى».
المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: قَصْدُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ، وَأَنْوَاعُ النَّاسِ فِيهِ بَيْنَ (مُخْلِصٍ، وَمُرَاءٍ، وَمُشْرِكٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا).
2. المُتَابَعَةُ (المِيزَانُ الظَّاهِرُ):
حَقِيقَتُهَا: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ مُوَافِقاً لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.
شُرُوطُ المُتَابَعَةِ (الصِّفَاتُ السِّتُّ): لَا تَتِمُّ المُتَابَعَةُ إِلَّا إِذَا وَافَقَ العَمَلُ الشَّرِيعَةَ فِي:
السَّبَبِ: (فَلَا يَخْتَرِعُ سَبَباً لَمْ يَثْبُتْ).
الجِنْسِ: (كَالتَّضْحِيَةِ بِمَا لَمْ يُشْرَعْ).
القَدْرِ: (كَالزِّيَادَةِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ).
الكَيْفِيَّةِ: (كَالْوُضُوءِ مُنَكَّساً).
الزَّمَانِ: (كَالصِّيَامِ فِي اللَّيْلِ).
المَكَانِ: (كَالِاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ المَسَاجِدِ).
الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [المُلْك: 2]؛ قَالَ الفُضَيْلُ: «أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ».
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكَهْف: 110].
قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [1].
قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» [2].
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________♤
[1] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الأَحْكَامِ البَاطِلَةِ، ج 3، ص 1343، رَقْمُ 1718، ط: دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ.
[2] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ بَدْءِ الوَحْيِ، بَابُ كَيْفَ كَانَ بَدْءُ الوَحْيِ، ج 1، ص 6، رَقْمُ 1، ط: دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ.
[3] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، ج 2، ص 340 (فِي مَبْحَثِ المُتَابَعَةِ).
[4] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ، ج 1، ص 150 (تَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ).
[5] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ص 15 (شَرْحُ حَدِيثِ النِّيَّةِ وَحَدِيثِ الرَّدِّ).
♤__________________________________50___________________________________________♤
[تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الرَّابِعِ - الجُزْءُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ مَقَامِ الإِخْلَاصِ]
إِنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ حَقِيقَةُ الدِّينِ، وَلُبُّ دَعْوَةِ المُرْسَلِينَ، وَبِهِ تَنْفَصِلُ العِبَادَةُ عَنِ العَادَةِ.
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ: مَادَّةُ (خَلَصَ) فِي لُغَةِ العَرَبِ تَدُلُّ عَلَى تَنْقِيَةِ الشَّيْءِ وَتَصْفِيَتِهِ مِمَّا يَشُوبُهُ؛ يُقَالُ: "خَلَصَ المَاءُ" إِذَا صَفَا مِنْ كُلِّ كَدَرٍ، وَ"خَلَصَ الذَّهَبُ" إِذَا فُصِلَ عَنِ الشَّوَائِبِ بِالنَّارِ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً﴾ [النَّحْل: 66]، أَيْ نَقِيّاً لَمْ يَمْتَزِجْ بِغَيْرِهِ.
ثَانِيّاً: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْإِخْلَاصِ:
«هُوَ اِسْتِوَاءُ أَعْمَالِ العَبْدِ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، بِقَصْدِ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَتَصْفِيَةِ العَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ يُكَدِّرُهُ مِنْ رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ طَلَبِ حَمْدِ الخَلْقِ».
ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ وَالعَقَدِيُّ:
الإِخْلَاصُ هُوَ مَعْنَى شَهَادَةِ "أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فِي بَابِ العَمَلِ؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فَلَا يَنْفَعُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بِاللَّهِ فَلَا يَكُونُ.
وَهُوَ الرُّكْنُ الأَوَّلُ فِي مِيزَانِ "البَاطِنِ"، وَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ وَلَا بَدَنِيٌّ إِلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ "أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ".
رَابِعاً: أَنْوَاعُ النَّاسِ فِي الإِخْلَاصِ (بِاعْتِبَارِ القَصْدِ):
المُخْلِصُ الصَّادِقُ: مَنْ كَانَ بَاعِثُهُ الأَوَّلُ وَالأَخِيرُ طَلَبَ وَجْهِ اللَّهِ، لَا يَلْتَفِتُ لِلْمَدْحِ وَلَا يَنْكَفِئُ بِالذَّمِّ.
المُرَائِي: مَنْ يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ جَاهَ النَّاسِ وَتَعْظِيمَهُمْ، وَهُوَ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ (الخَفِيُّ).
طَالِبُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الآخِرَةِ: مَنْ يُصَلِّي أَوْ يَطْلُبُ العِلْمَ لِمَغْنَمٍ دُنْيَوِيٍّ مَحْضٍ، وَقَدْ تَعَدَّدَتْ فِيهِ نُصُوصُ الوَعِيدِ.
المُشْرِكُ شِرْكاً أَكْبَراً: مَنْ يَصْرِفُ أَصْلَ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ مَحَبَّةً وَخَوْفاً.
خَامِساً: مَنَازِلُ الإِخْلَاصِ وَعَلَاقَتُهُ بِالقَبُولِ:
الإِخْلَاصُ يَمُرُّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ فِي الِامْتِثَالِ:
قَبْلَ العَمَلِ: بِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ وَطَرْدِ خَوَاطِرِ الرِّبَاءِ.
أَثْنَاءَ العَمَلِ: بِمُدَافَعَةِ العُجْبِ وَرُؤْيَةِ النَّفْسِ.
بَعْدَ العَمَلِ: بِعَدَمِ المَنِّ بِهِ، وَخَوْفِ عَدَمِ القَبُولِ.
سَادِساً: شَوَاهِدُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البَيِّنَة: 5].
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: 3].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [1].
عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ...» [2].
[الحَاشِيَةُ ]_______________________________♤
[1] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، بَابُ مَنْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ غَيْرَ اللَّهِ، ج 4، ص 2289، رَقْمُ 2985، ط: دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ.
[2] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، ج 1، ص 6، رَقْمُ 1.
[3] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 2، ص 85 (مَنْزِلَةُ الإِخْلَاصِ).
[4] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، رِسَالَةُ العُبُودِيَّةِ، ص 50.
[5] ابْنُ فَارِسٍ، أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (خَلَصَ)، ج 2، ص 208.
[6] الهَرَوِيُّ، أَبُو إِسْمَاعِيلَ، مَنَازِلُ السَّائِرِينَ، ص 14 (تَعْرِيفُ الإِخْلَاصِ).
[7] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 10، ص 412 (كَلَامُ السَّلَفِ فِي عِزَّةِ الإِخْلَاصِ).
[8] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 30.
[9] نُكْتَةٌ: "الإِخْلَاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ العَبْدِ، لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ فَيَكْتُبَهُ، وَلَا شَيْطَانٌ فَيُفْسِدَهُ".
[10] نُكْتَةٌ: "مَنْ طَلَبَ الإِخْلَاصَ فِي نَفْسِهِ، فَقَدْ اِحْتَاجَ إِخْلَاصُهُ إِلَى إِخْلَاصٍ" لِقُوَّةِ مَكَايِدِ النَّفْسِ.
♤___________________________________51_________________________________________________♤
تَتِمَّةُ الجُزْءِ الثَّانِي: حَالُ السَّلَفِ مَعَ الإِخْلَاصِ وَعَوَارِضُ العَمَلِ
أَوَّلًا: حَالُ السَّلَفِ مَعَ الإِخْلَاصِ (مَدْرَسَةُ الخَفَاءِ):
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعُدُّونَ الإِخْلَاصَ "عَزِيزًا"، وَكَانَ هَمُّهُمْ إِخْفَاءَ العَمَلِ أَعْظَمَ مِنْ هَمِّهِمْ بِالعَمَلِ نَفْسِهِ؛ فَالإِخْلَاصُ عِنْدَهُمْ هُوَ أَنْ لَا تَطْلُبَ عَلَى عَمَلِكَ شَاهِدًا إِلَّا اللَّهَ.
قَالَ مَكْحُولٌ: «مَا أَخْلَصَ عَبْدٌ قَطُّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِلَّا ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ». [1]
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَا عَالَجْتُ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ». [2]
وَكَانَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ إِذَا حَدَّثَ فَأَخَذَتْهُ عَبْرَةٌ، مَسَحَ وَجْهَهُ وَقَالَ: "مَا أَشَدَّ الزُّكَامَ!"؛ فِرَارًا مِنَ الرِّيَاءِ. [3]
ثَانِيًا: عَوَارِضُ الإِخْلَاصِ (الرِّيَاءُ وَالعُجْبُ):
الرِّيَاءُ: هُوَ طَلَبُ مَنْزِلَةٍ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِإِظْهَارِ خِصَالِ الخَيْرِ؛ فَالرِّيَاءُ عَمَلٌ لِأَجْلِ "الخَلْقِ".
العُجْبُ: هُوَ تَعْظِيمُ العَمَلِ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ فِيهِ مَعَ نِسْيَانِ مِنَّةِ اللَّهِ؛ فَالْعُجْبُ عَمَلٌ لِأَجْلِ "النَّفْسِ".
القَاعِدَةُ: المُخْلِصُ لَا يُرَائِي، وَالمُوَحِّدُ لَا يَعْجَبُ؛ فَالإِخْلَاصُ يَنْفِي الرِّيَاءَ، وَالتَّوْحِيدُ (الِافْتِقَارُ) يَنْفِي العُجْبَ.
ثَالِثًا: حَالَاتُ دُخُولِ الرِّيَاءِ فِي العَمَلِ وَحُكْمُهُ:
تَنْقَسِمُ لَابَسَةُ الرِّيَاءِ لِلْعَمَلِ إِلَى ثَلَاثِ حَالَاتٍ رَئِيسَةٍ:
الحَالَةُ الأُولَى: أَنْ يَكُونَ أَصْلُ العَمَلِ رِيَاءً (مَحْضُ الرِّيَاءِ):
أَيْ أَنَّ البَاعِثَ لِلْعَمَلِ مِنْ أَسَاسِهِ هُوَ رُؤْيَةُ النَّاسِ، كَحَالِ المُنَافِقِينَ.
الحُكْمُ: العَمَلُ بَاطِلٌ مُطْلَقًا، وَصَاحِبُهُ آثِمٌ مَأْزُورٌ غَيْرُ مَأْجُورٍ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ لِلَّهِ ثُمَّ يَطْرَأَ الرِّيَاءُ فِي أَثْنَائِهِ:
وَهَذِهِ لَهَا صُورتَانِ:
أَنْ يُدَافِعَهُ العَبْدُ وَيَكْرَهَهُ: فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ، وَعَمَلُهُ صَحِيحٌ كَامِلٌ لِصِدْقِ مُجَاهَدَتِهِ.
أَنْ يَسْكُنَ إِلَيْهِ وَيَسْتَرْسِلَ مَعَهُ:
إِذَا كَانَ العَمَلُ (لَا يَنْفَصِلُ آخِرُهُ عَنْ أَوَّلِهِ) كَالصَّلَاةِ: بَطَلَ العَمَلُ كُلُّهُ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحَقِّقِينَ.
إِذَا كَانَ العَمَلُ (يَنْفَصِلُ أَوَّلُهُ عَنْ آخِرِهِ) كَالصَّدَقَةِ: بَطَلَ مَا دَخَلَهُ الرِّيَاءُ فَقَطْ وَصَحَّ مَا قَبْلَهُ.
الحَالَةُ الثَّالِثَةُ: مَا يَقَعُ بَعْدَ فَرَاغِ العَمَلِ:
أَنْ يَعْمَلَ للهِ خَالِصًا، ثُمَّ يَتَحَدَّثُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ يَفْرَحُ بِإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ.
الحُكْمُ: العَمَلُ صَحِيحٌ لَا يَبْطُلُ، لَكِنْ يُخْشَى عَلَى نَقْصِ الأَجْرِ، وَقَدْ يُحْبِطُهُ المَنُّ وَالأَذَى فِي الصَّدَقَةِ. أَمَّا إِذَا حَمِدَهُ النَّاسُ دُونَ طَلَبٍ مِنْهُ، فَهِيَ "عَاجِلُ بُشْرَى المُؤْمِنِ". [4]
[الحَاشِيَةُ ]_______________________________________________♤
[1] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ، ج 5، ص 189، ط: دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.
[2] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ص 22، ط: دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[3] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 6، ص 20، ط: مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.
[4] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ البِرِّ وَالصِّلَةِ، بَابُ إِذَا أُثْنِيَ عَلَى المُؤْمِنِ بِخَيْرٍ، رَقْمُ 2642.
[5] ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 2، ص 92 (مَبْحَثُ الرِّيَاءِ وَإِحْبَاطِ العَمَلِ).
[6] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 32.
[7] ابْنُ مَفْلِحٍ، الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ، ج 1، ص 150 (فِي تَفْصِيلِ طُرُوءِ الرِّيَاءُ عَلَى العَمَلِ).
[8] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (رَأَى)، (عَجَبَ).
[9] نُكْتَةٌ: تَرْكُ العَمَلِ لِأَجْلِ النَّاسِ رِيَاءٌ، وَالعَمَلُ لِأَجْلِ النَّاسِ شِرْكٌ، وَالإِخْلَاصُ أَنْ يُعَافِيَكَ اللَّهُ مِنْهُمَا.
[10] نُكْتَةٌ: الرِّيَاءُ يُدَاوَى بِالعِلْمِ أَنَّ الخَلْقَ لَا يَمْلِكُونَ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا، وَالعُجْبُ يُدَاوَى بِذِكْرِ مَنِّ اللَّهِ.
♤_______________________________________52_______________________________________♤
[المَبْحَثُ الرَّابِعُ - الجُزْءُ الثَّالِثُ: تَحْقِيقُ مَقَامِ المُتَابَعَةِ]
إِنَّ المُتَابَعَةَ هِيَ الرُّكْنُ الثَّانِي لِقَبُولِ العَمَلِ، وَهِيَ مَعْنَى شَهَادَةِ "أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ" اِعْتِقَادًا وَامْتِثَالًا.
أَوَّلًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
مَادَّةُ (تَبِعَ) تَدُلُّ عَلَى السَّيْرِ خَلْفَ الشَّيْءِ أَوْ عَلَى أَثَرِهِ؛ يُقَالُ: "تَبِعْتُ أَثَرَهُ" إِذَا مَشَيْتَ خَلْفَهُ وَلَمْ تُفَارِقْهُ. وَالمُتَابَعَةُ فِيهَا مَعْنَى المُوَافَقَةِ التَّامَّةِ لِلْمَتْبُوعِ دُونَ تَقَدُّمٍ أَوْ تَأَخُّرٍ.
ثَانِيًا: الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْمُتَابَعَةِ:
«هِيَ مُوَافَقَةُ العَمَلِ لِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ، ظَاهِرًا فِي الهَيْئَةِ، وَبَاطِنًا فِي القَصْدِ، بِنِيَّةِ التَّعَبُّدِ».
ثَالِثًا: الضَّوَابِطُ السِّتَّةُ لِتَحْقِيقِ المُتَابَعَةِ (مِيزَانُ العَمَلِ الصَّالِحِ):
لَا يَكُونُ العَمَلُ صَوَابًا حَتَّى يُوَافِقَ الشَّرْعَ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ، وَنُفَصِّلُهَا بِأَمْثِلَتِهَا:
المُوَافَقَةُ فِي (السَّبَبِ): أَنْ يَكُونَ البَاعِثُ عَلَى العِبَادَةِ سَبَبًا شَرَعَهُ اللَّهُ؛ فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِسَبَبٍ لَمْ يُشْرَعْ (كَاحْتِفَالٍ بِمَوْلِدٍ أَوْ لَيْلَةٍ لَمْ يَخُصَّهَا الشَّرْعُ) فَقَدْ خَالَفَ المُتَابَعَةَ وَإِنْ أَخْلَصَ.
المُوَافَقَةُ فِي (الجِنْسِ): أَنْ تَكُونَ العِبَادَةُ مِنْ جِنْسِ مَا شُرِعَ؛ فَمَنْ ضَحَّى بِفَرَسٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ حَدَّدَ جِنْسَ الأُضْحِيَّةِ بِبَهِيمَةِ الأَنْعَامِ.
المُوَافَقَةُ فِي (القَدْرِ): أَنْ يَلْتَزِمَ بِالعَدَدِ وَالمِقْدَارِ المَشْرُوعِ؛ فَمَنْ زَادَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ رَكْعَةً خَامِسَةً بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِمُخَالَفَةِ القَدْرِ.
المُوَافَقَةُ فِي (الكَيْفِيَّةِ): أَنْ يُؤَدِّيَ العِبَادَةَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي نُقِلَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَمَنْ تَمَضْمَضَ بَعْدَ غَسْلِ رِجْلَيْهِ فِي الوُضُوءِ لَمْ تَصِحَّ كَيْفِيَّتُهُ.
المُوَافَقَةُ فِي (الزَّمَانِ): أَنْ يَقَعَ العَمَلُ فِي وَقْتِهِ الشَّرْعِيِّ؛ فَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ فِي شَعْبَانَ، أَوْ ذَبَحَ الأُضْحِيَّةَ قَبْلَ صَلَاةِ العِيدِ، لَمْ يُتَابِعِ الشَّرْعَ.
المُوَافَقَةُ فِي (المَكَانِ): أَنْ يَلْتَزِمَ بِمَكَانِ العِبَادَةِ إِنْ خُصِّصَتْ؛ فَمَنِ اعْتَكَفَ فِي مَنْزِلِهِ أَوْ طَافَ بِمَكَانٍ غَيْرِ البَيْتِ العَتِيقِ، فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ.
رَابِعًا: شَوَاهِدُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 31]، وَهِيَ "آيَةُ المِحْنَةِ" الَّتِي تَمْتَحِنُ كُلَّ مَنِ ادَّعَى المَحَبَّةَ دُونَ مُتَابَعَةٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحَشْرِ: 7].
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [1].
قَالَ ﷺ فِي مَنَاسِكِ الحَجِّ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» [2]، وَفِي الصَّلَاةِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [3].
[الحَاشِيَةُ ]____________________________________________________________♤
[1] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الصُّلْحِ، رَقْمُ 2697؛ وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الأَقْضِيَةِ، رَقْمُ 1718.
[2] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الحَجِّ، رَقْمُ 1297.
[3] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الأَذَانِ، رَقْمُ 631.
[4] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، ج 2، ص 80 (تَقْرِيرُ لُزُومِ المُتَابَعَةِ).
[5] ابْنُ القَيِّمِ، إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ، ج 2، ص 280 (فِي بَيَانِ بَيَانِ بِيَانِ أَنَّ العِبَادَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ).
[6] الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، ج 1، ص 37 (تَعْرِيفُ البِدْعَةِ وَمُخَالَفَةُ المُتَابَعَةِ).
[7] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِعِ، ج 1، ص 18 (تَفْصِيلُ الضَّوَابِطِ السِّتَّةِ).
[8] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 35.
[9] نُكْتَةٌ: "مَنْ تَعَبَّدَ لِلَّهِ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُشَرِّعًا مَعَ اللَّهِ".
[10] نُكْتَةٌ: "المُتَابَعَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ الزِّيَادَةِ كَمَا تَقْتَضِي عَدَمَ النُّقْصَانِ".
♤________________________________________53__________________________________________♤
تَتِمَّةُ الجُزْءِ الرابع : حال السَّلَفِ مَعَ المُتَابَعَةِ وَتَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ
أَوَّلاً: حَالُ السَّلَفِ مَعَ المُتَابَعَةِ (تَعْظِيمُ الأَثَرِ):
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنِ الِابْتِدَاعِ، وَأَشَدَّهُمْ تَعْظِيماً لِلسُّنَّةِ، حَتَّى فِي الدَّقَائِقِ؛ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الِاقْتِصَادَ فِي السُّنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي البِدْعَةِ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ». [1]
قَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: «السُّنَّةُ سَفِينَةُ نُوحٍ؛ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ». [2]
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- يَتَحَرَّى مَوَاضِعَ سَيْرِ نَاقَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسِيرَ فِيهَا، تَعْظِيماً لِلْمُتَابَعَةِ. [3]
ثَانِيّاً: تَفْصِيلُ تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ:
هَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ صُلْبُ العَمَلِ؛ فَالإِنْسَانُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ "قَلْبٍ" (بَاطِنٌ) وَ"جَوَارِحَ" (ظَاهِرٌ).
حَقِيقَةُ التَّلَازُمِ: القَلْبُ هُوَ المَلِكُ، وَالجَوَارِحُ هِيَ الجُنُودُ؛ فَإِذَا صَلُحَ المَلِكُ وَأَمَرَ، اِمْتَثَلَتِ الجُنُودُ طَوْعاً. لَا يُتَصَوَّرُ عَقْلاً وَلَا شَرْعاً أَنْ يَمْتَلِئَ القَلْبُ بِإِيمَانٍ صَادِقٍ وَمَحَبَّةٍ وَعَزْمٍ، ثُمَّ تَبْقَى الجَوَارِحُ مُعَطَّلَةً عَنِ العَمَلِ مَعَ القُدْرَةِ.
العَلَاقَةُ الطَّرْدِيَّةُ: كُلُّ نَقْصٍ فِي الظَّاهِرِ يَدُلُّ بِالضَّرُورَةِ عَلَى نَقْصٍ فِي البَاطِنِ، وَكُلُّ زِيَادَةٍ فِي الإِيمَانِ البَاطِنِ تُثْمِرُ زِيَادَةً فِي امْتِثَالِ الجَوَارِحِ.
ثَالِثاً: رَدُّ شُبُهَاتِ المُرْجِئَةِ فِي هَذَا المَبْحَثِ:
زَعَمَتِ المُرْجِئَةُ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ فَقَطْ، وَأَنَّ العَمَلَ الظَّاهِرَ (كَمَالٌ) أَوْ (ثَمَرَةٌ) خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ. وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمَسْأَلَةِ التَّلَازُمِ مِنْ وُجُوهٍ:
إِبْطَالُ دَعْوَى "الإِيمَانُ فِي القَلْبِ فَقَطْ": قَوْلُهُمْ يَفْصِلُ الظَّاهِرَ عَنِ البَاطِنِ، وَهَذَا مُحَالٌ شَرْعاً؛ فَالشَّرْعُ جَعَلَ الجَوَارِحَ شَاهِدَةً عَلَى مَا فِي القَلْبِ، وَكَمَا قَالَ ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً...».
شُبْهَةُ العَمَلِ المُجَرَّدِ: يَقُولُونَ: "مَنْ تَرَكَ العَمَلَ بِالْكُلِّيَّةِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ"، وَهَذَا نَقْضٌ لِلتَّلَازُمِ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ اللاَّزِمِ (العَمَلِ) دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ المَلْزُومِ (الإِيمَانِ القَلْبِيِّ الصَّادِقِ). فَالْمُرْجِئَةُ جَعَلُوا القَلْبَ مُؤْمِناً مَعَ أَنَّ الجَوَارِحَ مُعْرِضَةٌ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ.
إِلْزَامُهُمْ بِالنِّفَاقِ: إِذَا جَازَ وُجُودُ إِيمَانٍ بَاطِنٍ بِلَا عَمَلٍ ظَاهِرٍ (إِرْجَاءٌ)، فَقَدْ جَازَ وُجُودُ عَمَلٍ ظَاهِرٍ بِلَا إِيمَانٍ بَاطِنٍ (نِفَاقٌ)، وَالقُرْآنُ نَصَّ عَلَى بطلَانِ الثَّانِي، فَيَلْزَمُ بطلَانُ الأَوَّلِ بِقَاعِدَةِ التَّلَازُمِ.
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
«فَصْلُ الظَّاهِرِ عَنِ البَاطِنِ هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ المُرْجِئَةِ، فَهُمْ ظَنُّوا أَنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ إِيمَاناً بَاطِناً كَإِيمَانِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ لَا يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ؛ فَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَالعَمَلُ لَيْسَ شَرْطَ كَمَالٍ بَلْ هُوَ رُكْنٌ فِي مُسَمَّى الإِيمَانِ، مَنْ تَرَكَهُ اِسْتِخْفَافاً أَوْ إِعْرَاضاً اِنْتَفَى عَنْهُ أَصْلُ التَّصْدِيقِ». (4)
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________________________________♤
[1] الدَّارِمِيُّ، السُّنَنُ، بَابُ اتِّبَاعِ السُّنَّةِ، رَقْمُ 211.
[2] السُّيُوطِيُّ، مِفْتَاحُ الجَنَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالسُّنَّةِ، ص 54.
[3] البُخَارِيُّ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الصَّلَاةِ (مَوَاضِعُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ).
[4] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 38.
[5] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، كِتَابُ الإِيمَانِ (الأَوْسَطُ وَالكَبِيرُ)، ص 180 (تَقْرِيرُ قَاعِدَةِ التَّلَازُمِ).
[6] ابْنُ القَيِّمِ، الفَوَائِدُ، ص 120 (مَثَلُ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ كَالمَلِكِ وَالرَّعِيَّةِ).
[7] ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، ص 330 (الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ).
[8] نُكْتَةٌ: "مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ وَهُوَ هَاجِرٌ لِلْعَمَلِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ نُورَ القَلْبِ لَا بُدَّ أَنْ يَفِيضَ عَلَى الجَوَارِحِ".
[9] نُكْتَةٌ: "مَثَلُ المُرْجِئَةِ كَمَنْ يَقُولُ: نَارٌ لَا حَرَارَةَ لَهَا، أَوْ شَمْسٌ لَا ضَوْءَ لَهَا".
♤__________________________________54_______________________________________♤
المَبْحَثُ الخَامِسُ: حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ وَأُصُولِ السُّنَّةِ
إِنَّ الِاتِّبَاعَ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ، وَصِرَاطُهُ المُسْتَقِيمُ، وَهُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِمُقْتَضَى "أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ".
أَوَّلاً: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالاشْتِقَاقُ:
مَادَّةُ (تَبَعَ) تَدُلُّ عَلَى قَفْوِ الأَثَرِ وَالسَّيْرِ خَلْفَ المُتَقَدِّمِ دُونَ انْحِرَافٍ. وَيُقَالُ: "أَتْبَعَهُ" إِذَا لَحِقَهُ، وَ"اتَّبَعَهُ" إِذَا ائْتَمَّ بِهِ وَاقْتَدَى.
وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «هُوَ اقْتِفَاءُ أَثَرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ وَتَقْرِيرَاتِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ، بِقَصْدِ التَّعَبُّدِ وَالاقْتِدَاءِ».
ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ لِحَقِيقَةِ الِاتِّبَاعِ:
الِاتِّبَاعُ لَيْسَ مُجَرَّدَ "مُحَاكَاةٍ" بَدَنِيَّةٍ، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:
العِلْمُ بِالسُّنَّةِ: فَلَا اتِّبَاعَ لِجَاهِلٍ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.
المَحَبَّةُ لِلْمَتْبُوعِ: فَالِاتِّبَاعُ ثَمَرَةُ الحُبِّ الصَّادِقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾.
التَّسْلِيمُ المُطْلَقُ: أَنْ لَا يَجِدَ العَبْدُ فِي نَفْسِهِ حَرَجاً مِمَّا قَضَاهُ الرَّسُولُ ﷺ.
ثَالِثاً: أُصُولُ السُّنَّةِ (القَوَاعِدُ المَنْهَجِيَّةُ لِلِاتِّبَاعِ):
تَقُومُ السُّنَّةُ فِي مَنْهَجِ السَّلَفِ عَلَى أُصُولٍ كُبْرَى، أَهَمُّهَا:
تَقْدِيمُ النَّقْلِ عَلَى العَقْلِ: فَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ لَا يُعَارِضُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ، وَإِذَا أُشْكِلَ الفَهْمُ فَالْمُتَّهَمُ هُوَ العَقْلُ لَا النَّصُّ.
تَرْكُ الِابْتِدَاعِ: لِأَنَّ الدِّينَ كَمَلَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكُلُّ زِيَادَةٍ هِيَ فِي الحَقِيقَةِ اِتِّهَامٌ لِلشَّرِيعَةِ بِالنَّقْصِ.
فَهْمُ النَّصِّ بِفَهْمِ السَّلَفِ: لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِمُرَادِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَفَهْمُهُمْ هُوَ المِيزَانُ الَّذِي يَعْصِمُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ المُنْحَرِفَةِ.
رَابِعاً: شَوَاهِدُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النِّسَاء: 65].
قَالَ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأَحْزَاب: 21].
عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [1].
قَالَ ﷺ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»؛ قِيلَ: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [2].
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________________♤
[1] أَبُو دَاوُدَ، السُّنَنُ، كِتَابُ السُّنَّةِ، رَقْمُ 4607؛ وَالتِّرْمِذِيُّ، رَقْمُ 2676، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
[2] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، ج 9، ص 92، رَقْمُ 7280.
[3] الإِمَامُ أَحْمَدُ، أُصُولُ السُّنَّةِ (رِوَايَةُ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ العَطَّارِ).
[4] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، ج 1، ص 80.
[5] ابْنُ القَيِّمِ، إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ، ج 2، ص 170 (فِي وُجُوبِ اتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ).
[6] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 42.
[7] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (تَبِعَ).
[8] نُكْتَةٌ: مَنْ قَدَّمَ قَوْلَ غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ عَلَى قَوْلِهِ، فَقَدْ نَقَضَ عَقْدَ الِاتِّبَاعِ.
[9] نُكْتَةٌ: الِاتِّبَاعُ عِزٌّ فِي الدُّنْيَا وَنَجَاةٌ فِي الآخِرَةِ، وَالِابْتِدَاعُ ذُلٌّ وَحَيْرَةٌ.
[10] مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ الِاتِّبَاعُ إِلَّا بِالتَّجْرِيدِ؛ أَيْ تَجْرِيدِ المُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَحْدَهُ دُونَ تَعَصُّبٍ لِرِجَالٍ أَوْ آرَاءٍ.
♤___________________________________55______________________________________________♤
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الخَامِسِ: مَوَانِعُ الِاتِّبَاعِ (الهَوَى وَالتَّقْلِيدُ)
إِنَّ الِاتِّبَاعَ لَهُ لُصُوصٌ يَتَخَطَّفُونَ القَلْبَ، فَإِنْ لَمْ يَحْذَرِ العَبْدُ مِنْهَا، ضَلَّ سَعْيُهُ وَهُوَ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً.
أَوَّلاً: اتِّبَاعُ الهَوَى (إِلَهُ النَّفْسِ):
الاشْتِقَاقُ: مِنْ (هَوِيَ) الشَّيْءَ إِذَا أَحَبَّهُ، وَسُمِّيَ "هَوًى" لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى البِدْعَةِ، وَفِي الآخِرَةِ إِلَى النَّارِ.
الحَدُّ الجَامِعُ: «هُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا يُلَائِمُ شَهْوَتَهَا بِمُعَارَضَةِ الشَّرْعِ».
التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ: الهَوَى هُوَ قَرِينُ البِدْعَةِ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ البِدَعِ بِـ "أَهْلِ الأَهْوَاءِ"؛ لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا مَا تَهْوَاهُ عُقُولُهُمْ وَأَمْزِجَتُهُمْ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.
ثَانِيّاً: التَّقْلِيدُ المَذْمُومُ (تَعْطِيلُ العَقْلِ وَالنَّقْلِ):
الاشْتِقَاقُ: مِنْ (قَلَّدَ) العُنُقَ بِقِلَادَةٍ، فَكَأَنَّ المُقَلِّدَ جَعَلَ قَوْلَ غَيْرِهِ قِلَادَةً فِي عُنُقِهِ دُونَ بَصِيرَةٍ.
الحَدُّ الجَامِعُ: «قَبُولُ قَوْلِ الغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا دَلِيلٍ».
التَّفْنِيدُ وَالتحْقِيقُ:
التَّقْلِيدُ المَحْمُودُ: هُوَ سُؤَالُ العَامِّيِّ لِلْعَالِمِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ فَهْمِ الدَّليلِ (تَقْلِيدُ الضَّرُورَةِ).
التَّقْلِيدُ المَذْمُومُ: هُوَ التَّعَصُّبُ لِلرِّجَالِ، وَتَقْدِيمُ أَقْوَالِ المَذَاهِبِ أَوِ الآبَاءِ عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَهُوَ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ فِي المُشْرِكِينَ حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.
ثَالِثاً: مَزَالِقُ "المَجْنُونِ" وَالمُعَطَّلِ (فَقْدُ البَصِيرَةِ):
لَا يُعَدُّ "المَجْنُونُ" مُتَّبِعاً وَلَا مُخَالِفاً حَقِيقَةً لِرَفْعِ القَلَمِ عَنْهُ، لَكِنَّ المَذْمُومَ مَنْ (تَجَانَنَ) أَوْ تَعَامَى عَنِ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، فَيَكُونُ كَمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ فِي قَبُولِ الهُدَى.
إِنَّ تَرْكَ الِاتِّبَاعِ بِحُجَّةِ "التَّقْيِيدِ" (أَيْ أَنَّ السُّنَّةَ تُقَيِّدُ الحُرِّيَّةَ) هُوَ ضَلَالٌ مُبِينٌ؛ فَإِنَّ حُرِّيَّةَ العَبْدِ الحَقِيقِيَّةَ فِي "كَمَالِ العُبُودِيَّةِ" لِلَّهِ، وَالخُرُوجَ عَنْ قَيْدِ السُّنَّةِ هُوَ دُخُولٌ فِي رِقِّ الشَّيْطَانِ.
رَابِعاً: شَوَاهِدُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: 23].
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص: 50].
قَالَ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ» [1].
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: «لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلاً، فَإِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ» [2].
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________________________♤
[1] البَغَوِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ، ج 1، ص 212 (وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ تَشْهَدُ لَهُ الأُصُولُ).
[2] اللَّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ج 1، ص 93.
[3] ابْنُ القَيِّمِ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ج 1، ص 135 (فِي نَقْدِ التَّقْلِيدِ).
[4] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الفَتَاوَى الكُبْرَى، ج 6، ص 12 (مَبْحَثُ تَقْدِيمِ السُّنَّةِ عَلَى الهَوَى).
[5] الشَّاطِبِيُّ، الاعْتِصَامُ، ج 2، ص 145 (أَنَّ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنِ السُّنَّةِ فَهُوَ مُتَّبِعٌ لِهَوَاهُ).
[6] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 45.
[7] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (هَوَى)، (قَلَدَ).
[8] نُكْتَةٌ: "الهَوَى مِعْيَارٌ لِلنَّفْسِ، وَالسُّنَّةُ مِعْيَارٌ لِلْحَقِّ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبٍ إِلَّا وَغَلَبَ أَحَدُهُمَا".
[9] نُكْتَةٌ: "المُقَلِّدُ المَتَعَصِّبُ كَالأَعْمَى الَّذِي يَقُودُهُ أَعْمَى، وَكِلَاهُمَا يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِي الحُفْرَةِ".
[10] تَحْذِيرٌ: "أَخْوَفُ مَا خَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ: الأَئِمَّةُ المُضِلُّونَ الَّذِينَ يُزَيِّنُونَ التَّقْلِيدَ وَيَصُدُّونَ عَنِ الدَّلِيلِ".
♤____________________________________56__________________________________________♤
المَبْحَثُ السَّادِسُ: الِابْتِدَاعُ فِي الدِّينِ (مَبْحَثُ البِدْعَةِ )
إِنَّ مَقَامَ الِاتِّبَاعِ لَا يَسْلَمُ لِلْعَبْدِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الِابْتِدَاعِ فَيَجْتَنِبَهُ؛ فَالبِدْعَةُ هِيَ الغُولُ الَّذِي يَلْتَهِمُ جَهْدَ العَامِلِينَ، وَهِيَ المُشَاقَّةُ لِحَقِّ التَّشْرِيعِ الَّذِي اِخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ. إِنَّ الِابْتِدَاعَ فِي حَقِيقَتِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَطَأٍ فِي العَمَلِ، بَلْ هُوَ اِتِّهَامٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِعَدَمِ البَلَاغِ أَوْ اِتِّهَامٌ لِلشَّرِيعَةِ بِالنَّقْصِ، وَكَفَى بِذَلِكَ ضَلَالًا. وَيَنْبَغِي لِلْبَاحِثِ الحَصِيفِ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا اِبْتَدَعَهُ النَّاسُ فِي دُنْيَاهُمْ مِنْ مَرَاكِبَ وَمَسَاكِنَ وَآلَاتٍ، وَهَذَا لَا حَرَجَ فِيهِ لِأَنَّ "الأَصْلَ فِي العَادَاتِ الإِبَاحَةُ"، وَبَيْنَ مَا اِبْتَدَعُوهُ فِي دِينِهِمْ مِنْ عِبَادَاتٍ وَقُرُبَاتٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الضَّلَالَةِ. إِنَّ القَوْلَ بِالتَّقْسِيمِ (بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ وَبِدْعَةٌ سَيِّئَةٌ) فِي الدِّينِ هُوَ مُصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ»، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِكَلَامِ السَّلَفِ فِي مَوَاضِعَ خَاصَّةٍ لِإِبْطَالِ هَذَا العُمُومِ النَّبَوِيِّ. فَالْبِدْعَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُذْمُومَةٌ بِكُلِّ أَحْوَالِهَا، سَوَاءً كَانَتْ حَقِيقِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً، قَوْلِيَّةً أَوْ فِعْلِيَّةً. وَالقَاعِدَةُ العُظْمَى الَّتِي اِسْتَقَرَّ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ هِيَ أَنَّ "الأَصْلَ فِي العِبَادَاتِ المَنْعُ وَالتَّوْقِيفُ"، فَلَا يُعْبَدُ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ، وَكُلُّ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِقُرْبَةٍ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَعَمَلُهُ حَبِطٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. إِنَّ حِمَايَةَ جَنَابِ التَّوْحِيدِ تَقْتَضِي سَدَّ ذَرَائِعِ الِابْتِدَاعِ، لِأَنَّ الصَّغِيرَ مِنَ البِدَعِ يَجُرُّ إِلَى الكَبِيرِ، وَمَا تَرَكَ قَوْمٌ سُنَّةً إِلَّا اِبْتَدَعُوا مِثْلَهَا، فَاللَّهَ اللَّهَ فِي الِاتِّبَاعِ، وَالْحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ الِابْتِدَاعِ؛ فَإِنَّ الصِّرَاطَ وَاحِدٌ وَالسُّبُلَ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ.
أَوَّلًا: تَعْرِيفُ البِدْعَةِ لُغَةً وَشَرْعًا:
لُغَةً: مِنْ (بَدَعَ)، وَهُوَ اخْتِرَاعُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
شَرْعًا: عَرَّفَهَا الشَّاطِبِيُّ بِقَوْلِهِ: «طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا المُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ». [1]
ثَانِيًا: التَّقْسِيمُ الجَوْهَرِيُّ (البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالدِّينِيَّةُ):
البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ (العَادَاتُ): كَالطَّائِرَاتِ وَالمُخْتَرَعَاتِ؛ الأَصْلُ فِيهَا الإِبَاحَةُ، وَلَا تُسَمَّى "بِدْعَةً" بِالمَعْنَى الشَّرْعِيِّ المَذْمُومِ، لِأَنَّ الدِّينَ لَمْ يَقْصِدْ تَقْيِيدَ مَصَالِحِ النَّاسِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ.
البِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ (العِبَادَاتُ): كَالزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ أَوْ هَيْئَاتِ الذِّكْرِ المُخْتَرَعَةِ؛ هَذِهِ هِيَ "الضَّلَالَةُ" الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا ﷺ، لِأَنَّهَا اِفْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ. [2]
ثَالِثًا: أَدِلَّةُ ذَمِّ البِدْعَةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
قَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [3].
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- مَرْفُوعًا: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [4].
رَابِعًا: قَاعِدَةُ "الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ المَنْعُ":
تَقْتَضِي هَذِهِ القَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ لَا يَجُوزُ الإِقْدَامُ عَلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ؛ فَإِذَا اِخْتَرَعَ شَخْصٌ ذِكْرًا مُعَيَّنًا بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، طَالَبْنَاهُ بِالدَّلِيلِ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِهِ، فَعَمَلُهُ مَمْنُوعٌ شَرْعًا. وَهَذَا بِخِلَافِ العَادَاتِ الَّتِي لَا نَمْنَعُ مِنْهَا إِلَّا بِمَا نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ. [5]
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________6_____________________________________6٦
[1] الشَّاطِبِيُّ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، الاعْتِصَامُ، ج 1، ص 37، ط: دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ.
[2] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، ج 2، ص 580 (التَّفْرِيقُ بَيْنَ العِبَادَاتِ وَالعَادَاتِ).
[3] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الجُمُعَةِ، ج 2، ص 592، رَقْمُ 867.
[4] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، رَقْمُ 2697.
[5] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ، ج 1، ص 344 (تَقْرِيرُ أَصْلِ العِبَادَاتِ).
[6] صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، حَدِيثُ "مَنْ أَحْدَثَ".
[7] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 48.
[8] ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، مَادَّةُ (بَدَعَ).
[9] نُكْتَةٌ: "مَنْ اِسْتَحْسَنَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ فَقَدْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِيلِهِ".
[10] مَسْأَلَةٌ: البِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ المَعْصِيَةَ يُتَابُ مِنْهَا، وَالبِدْعَةَ لَا يُتَابُ مِنْهَا (أَيْ لَا يَرَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ مُخْطِئٌ لِيَتُوبَ).
♤_________________________________57_______________________________♤
المتممة الأُولَى المَبْحَثُ السَّادِسُ: الِابْتِدَاعُ فِي الدِّينِ (مَبْحَثُ البِدْعَةِ 2)
إِنَّ مَقَامَ التَّعَبُّدِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِتَجْرِيدِ الِاتِّبَاعِ لِمَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَإِنَّ الِابْتِدَاعَ فِي الدِّينِ هُوَ أَعْظَمُ جِنَايَةٍ يَرْتَكِبُهَا المَرْءُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَفِي حَقِّ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ؛ فَالبِدْعَةُ اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الِابْتِدَاعِ، وَهِيَ فِي حَقِيقَتِهَا اِسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَنْ أَكْمَلَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَأَتَمَّ بِهِ النِّعْمَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؛ فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِيناً فَلَنْ يَكُونَ اليَوْمَ دِيناً أَبَداً.
إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ تَرَكَ الأُمَّةَ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ، لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، وَأَوْصَى بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ اللَّذَيْنِ لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيْهِ الحَوْضَ، فَالسُّنَّةُ حَاكِمَةٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، وَلَا يَنْشَرِحُ صَدْرُ المُؤْمِنِ إِلَّا بِتَحْكِيمِهَا وَالرِّضَا بِهَا.
وَإِنَّ فِي مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ عُقُوبَةً عَاجِلَةً فِي الدُّنْيَا، كَمَا يَبِسَتْ يَدُ ذَاكَ الَّذِي اسْتَكْبَرَ عَنِ الأَكْلِ بِيَمِينِهِ، وَخِزْياً وَعَذَاباً فِي الآخِرَةِ.
وَالبِدْعَةُ شَرْعاً طَرِيقَةٌ مُخْتَرَعَةٌ تُضَاهِي المَشْرُوعَةَ، يَقْصِدُ صَاحِبُهَا المُبَالَغَةَ فِي التَّعَبُّدِ، لَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ عَبَدَ هَوَاهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ لِتُخْرِجَ المُرَكَّفَ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ لِيَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ اِخْتِيَاراً كَمَا هُوَ عَبْدٌ لَهُ اضْطِرَاراً.
وَالأَدِلَّةُ تَتَظَافَرُ عَلَى ذَمِّ الِابْتِدَاعِ؛ فَكُلُّ مَسْلَكٍ خَرَجَ عَنِ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ فَهُوَ مِنْ سُبُلِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ الَّتِي عَلَى رَأْسِهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهَا. وَالمُبْتَدِعُ مَحْجُوبٌ عَنِ التَّوْبَةِ مَا دَامَ يَرَى بِدْعَتَهُ حَسَنَةً، وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَالْحَذَرَ مِنَ التَّعَمُّقِ فِي الجِدَالِ وَالخَوْضِ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وَلْتَلْزَمِ الغَرْزَ فَإِنَّ فِيهِ الكِفَايَةَ وَالنَّجَاةَ.
الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ وَآثَارُ السَّلَفِ فِي ذَمِّ الِابْتِدَاعِ
إِنَّ الحُجَّةَ القَائِمَةَ عَلَى ضَلَالَةِ البِدْعَةِ لَا تَنْحَصِرُ فِي مَجَالِ النَّظَرِ العَقْلِيِّ، بَلْ هِيَ مَنْصُوصَةٌ فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ وَصَحِيحِ السُّنَّةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ؛ إِذِ البِدْعَةُ هِيَ مَحْضُ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى الدِّينِ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ لَنَا، وَمَنْ زَادَ فِيهِ فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خِيَرَةً مَعَ أَمْرِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ الضَّلَالُ المُبِينُ.
أَوَّلًا: خَمْسَةُ أَدِلَّةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيْتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: نَصَّتِ الآيَةُ عَلَى تَمَامِ الدِّينِ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ تُحْدَثُ فَهِيَ زِيَادَةٌ تَقْتَضِي أَنَّ الدِّينَ نَاقِصٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نُزُولِهَا دِيناً فَلَنْ يَكُونَ أَبَداً دِيناً.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: الصِّرَاطُ وَاحِدٌ وَهُوَ السُّنَّةُ، وَ"السُّبُلُ" هِيَ أَهْوَاءُ أَهْلِ البِدَعِ، وَالآيَةُ تُوجِبُ الِاتِّبَاعَ وَتُحَرِّمُ الِانْحِرَافَ إِلَى المَحْدَثَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: جَعَلَ اللَّهُ مُخَالَفَةَ أَمْرِ الرَّسُولِ (وَمِنْهَا الِابْتِدَاعُ) سَبَباً لِلْفِتْنَةِ فِي القَلْبِ (زَيْغٌ أَوْ نِفَاقٌ) وَالعَذَابِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران: 7].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَهْلُ البِدَعِ يَتْرُكُونَ المُحْكَمَ (السُّنَّةَ الصَّرِيحَةَ) وَيَلْجَؤُونَ لِلْمُتَشَابِهِ لِتَبْرِيرِ مَحْدَثَاتِهِمْ، وَهَذَا دَلِيلُ الزَّيْغِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: نَفْيُ "الخِيَرَةِ" يَعْنِي وُجُوبَ الِانْقِيَادِ التَّامِّ، وَالمُبْتَدِعُ قَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ خِيَرَةً فِي التَّعَبُّدِ بِمَا لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
ثَانِيًا: خَمْسَةُ أَحَادِيثَ مَرْفُوعَةٍ فِي ذَمِّ الِابْتِدَاعِ:
«مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [1].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: الحُكْمُ بِأَنَّ كُلَّ مُحْدَثٍ فِي الدِّينِ مَرْدُودٌ عَلَى صَاحِبِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ.
«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ... وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» [2].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: الأَمْرُ بِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ وَالتَّحْذِيرُ الصَّرِيحُ مِنْ "المُحْدَثَاتِ" (البِدَعِ) وَوَصْفُهَا بِالضَّلَالَةِ.
«مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [3].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: تَبَرُّؤُ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ تَرَكَ سُنَّتَهُ اِسْتِغْنَاءً بِغَيْرِهَا، وَهَذَا شَأْنُ المُبْتَدِعِ.
«أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [4].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: البِدْعَةُ شِرْكٌ خَفِيٌّ لِأَنَّ المُبْتَدِعَ اتَّبَعَ هَوَاهُ أَوْ مُشَرِّعاً غَيْرَ اللَّهِ، فَبَطَلَ عَمَلُهُ.
قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي أَكَلَ بِشِمَالِهِ فَقَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ» [5].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: دَلِيلٌ عَلَى العُقُوبَةِ العَاجِلَةِ لِمَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ تَكَبُّراً وَمُعَارَضَةً.
ثَالِثًا: خَمْسَةُ آثَارٍ عَنِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ:
قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ» [6].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ الدِّينَ بَلَغَ مَبْلَغَ الكِفَايَةِ، فَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَةِ مُبْتَدِعٍ.
قَوْلُ أَبِي ذَرٍّ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا طَائِرٌ يُقَلِّبُ جَنَاحَيْهِ إِلَّا ذَكَرَ لَنَا مِنْهُ عِلْمًا» [7].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: شُمُولِيَّةُ السُّنَّةِ لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُهُ العِبَادُ، فَلَا مَجَالَ لِلِاخْتِرَاعِ.
قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ لِلْمُصَلِّي: «يُعَذِّبُكَ اللَّهُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ» [8].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: العِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ العَمَلِ، بَلْ بِمُوَافَقَتِهِ لِلسُّنَّةِ، وَالزِّيَادَةُ المَقْصُودَةُ عُقُوبَةٌ.
قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: «البِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ» [9].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: خُطُورَةُ البِدْعَةِ فِي أَنَّ صَاحِبَهَا يَرَى نَفْسَهُ مُتَقَرِّباً فَلَا يَتُوبُ، بِخِلَافِ العَاصِي.
قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: «لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ العَبْدُ بِكُلِّ ذَنْبٍ... خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَلْقَاهُ بِشَيْءٍ مِنَ الأَهْوَاءِ» [10].
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: تَعْظِيمُ شَأْنِ البِدْعَةِ فِي الدِّينِ وَتَقْدِيمُ خَطَرِهَا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ لِفَسَادِ المَنْتَقَلِ.
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________________♤
[1] البُخَارِيُّ، رَقْمُ 2697؛ وَمُسْلِمٌ، رَقْمُ 1718.
[2] الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، ج 1، ص 172؛ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الجَامِعِ، رَقْمُ 1937.
[3] البُخَارِيُّ، رَقْمُ 4776؛ وَمُسْلِمٌ، رَقْمُ 1401.
[4] مُسْلِمٌ، كِتَابُ الزُّهْدِ، رَقْمُ 2985.
[5] مُسْلِمٌ، رَقْمُ 2021 (رِوَايَةُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ).
[6] الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ، رَقْمُ 8770؛ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ.
[7] أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، ج 5، ص 153؛ وَالطَّبَرَانِيُّ، رَقْمُ 1647.
[8] البَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى، ج 2، ص 466.
[9] اللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ج 1، ص 132.
[10] البَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى، ج 10، ص 206.
♤____________________________________58______________________________________♤
المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَحْكَامُ المُبْتَدِعِ وَهَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ
[الجُزْءُ الأَوَّلُ: المَوْقِفُ الشَّرْعِيُّ العَامُّ مِنْ أَرْبَابِ الِابْتِدَاعِ]
إِنَّ صِيَانَةَ الشَّرِيعَةِ المَطْهَرَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الدِّينِ الكُلِّيَّةِ، وَإِذَا كَانَتْ نُصُوصُ الوَحْيَيْنِ قَدْ حَذَّرَتْ مِنَ البِدْعَةِ فِي ذَاتِهَا تَنْفِيراً وَذَمّاً، فَإِنَّ المَوْقِفَ الشَّرْعِيَّ مِنْ "أَرْبَابِ الِابْتِدَاعِ" وَدُعَاتِهِ يُعَدُّ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ. إِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، بِأَثَرِهِمْ وَفِقْهِهِمْ، لَمْ يَقِفُوا مِنْ أَهْلِ البِدَعِ مَوْقِفَ الحِيَادِ، بَلْ جَعَلُوا بَيَانَ حَالِهِمْ وَالإنْكَارَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ لِأَنَّ خَطَرَ السَّارِقِ يَقِفُ عِنْدَ المَالِ، بَيْنَمَا خَطَرُ دَاعِيَةِ البِدْعَةِ يَعْصِفُ بِأَدْيَانِ العِبَادِ وَعَقَائِدِهِمْ. وَمِنْ هُنَا، كَانَ المَوْقِفُ العَامُّ حَازِماً صَارِماً فِي التَّصَدِّي لِهَؤُلَاءِ الأَرْبَابِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أَهْوَاءَهُمْ شِرْعَةً، فَلَا يُرْفَعُ لَهُمْ رَأْسٌ، وَلَا يُفْسَحُ لَهُمْ مَجَالٌ لِنَشْرِ رِيحِهِمُ المَسْمُومَةِ بَيْنَ عَوَامِّ المُسْلِمِينَ، بَلْ يُقَابَلُونَ بِالغِلْظَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَكْبِتُ بِدْعَتَهُمْ، مَعَ العَدْلِ المَحْضِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، فَلَا يُظْلَمُونَ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ مَا لَمْ يَقُولُوهُ، بَلْ يُعَامَلُونَ بِمَا يَكُفُّ شَرَّهُمْ وَيَحْفَظُ بَيْضَةَ الدِّينِ نَقِيَّةً كَمَا تَرَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
قَالَ الإِمَامُ يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ لَمَّا ظَهَرَ المَعْبَدُ الجُهَنِيُّ بِالقَدَرِ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بَرَاءٌ مِنِّي». [1]
قَالَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ: «إِذَا ظَهَرَتِ البِدْعَةُ فَلَمْ تُنْكَرْ، صَارَتْ سُنَّةً». [2]
وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «الذَّابُّ عَنِ السُّنَّةِ وَالرَّادُّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ هُوَ مُجَاهِدٌ، حَتَّى كَانَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَقُولُ: الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الجِهَادِ». [3]
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________________________♤
[1] مُسْلِمٌ، مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ الإِيمَانِ وَالإِسْلَامِ وَالإِحْسَانِ، ج 1، ص 29، رَقْمُ 8.
[2] ابْنُ بَطَّةَ، عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، الإِبَانَةُ الكُبْرَى، ج 1، ص 240، ط: دَارُ الرَّايَةِ.
[3] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 4، ص 13.
[4] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 56.
[5] نُكْتَةٌ: "مَنْ تَبَسَّمَ فِي وَجْهِ صَاحِبِ بِدْعَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عُرَى الإِسْلَامِ فِي نَفْسِهِ".
♤______________________________________59__________________________________________♤
[الجُزْءُ الثَّانِي: حُكْمُ المُبْتَدِعِ بَيْنَ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ]
إِنَّ الحُكْمَ عَلَى أَرْبَابِ الِابْتِدَاعِ مَزْلَقٌ خَطِيرٌ، ضَلَّتْ فِيهِ فِئَامٌ مِنَ الخَوَارِجِ وَالمُعْتَزِلَةِ فَمَرَقُوا، وَقَصَّرَتْ فِيهِ المُرْجِئَةُ فَجَفَوْا؛ وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَهُمْ أَهْلُ العَدْلِ وَالعِلْمِ، فَلَا يَحْكُمُونَ عَلَى كُلِّ مُبْتَدِعٍ بِحُكْمٍ طَرْدِيٍّ وَاحِدٍ، بَلْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَرْتَبَةِ البِدْعَةِ فِي ذَاتِهَا، وَإِلَى حَالِ المُبْتَدِعِ نَفْسِهِ. فَمِنَ البِدَعِ مَا هُوَ مَحْضُ كُفْرٍ يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِسْقٌ وَمَعْصِيَةٌ دُونَ ذَلِكَ. وَمَعَ هَذَا التَّقْسِيمِ الجَلِيِّ، فَإِنَّ عُلَمَاءَ الأَثَرِ يَفْرِقُونَ بَيْنَ "الحُكْمِ عَلَى المَقَالَةِ" وَ"الحُكْمِ عَلَى المَوْصُوفِ بِهَا"؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ يَصِيرُ كَافِراً عَيْناً، حَتَّى تَتَحَقَّقَ فِيهِ شُرُوطُ التَّكْفِيرِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ بُلُوغِ الحُجَّةِ وَالعِلْمِ، وَتَنْتَفِيَ عَنْهُ المَوَانِعُ كَالتَّأْوِيلِ السَّائِغِ عِنْدَهُ، أَوِ الجَهْلِ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ مِثْلُهُ، أَوِ الإِكْرَاهِ. فَالْبِدْعَةُ طَبَقَاتٌ، وَالنَّاسُ فِيهَا دَرَجَاتٌ، وَالعَدْلُ مِيزَانُ الشَّرِيعَةِ الَّذِي لَا يَخْتَلُّ.
تَقْسِيمُ البِدْعَةِ بِاعْتِبَارِ الحُكْمِ العَقَدِيِّ:
البِدْعَةُ المُكَفِّرَةُ: هِيَ كُلُّ مَقَالَةٍ أَوْ فِعْلٍ يُصَادِمُ أَصْلاً قَطْعِيّاً مِنَ الدِّينِ، كَجُحُودِ صِفَاتِ البَارِي جَلَّ وَعَلَا، أَوْ مَقَالَةِ حُلُولِ اللَّهِ فِي المَخْلُوقَاتِ، أَوْ خَلْقِ القُرْآنِ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ الغُلَاةِ؛ فَهَذِهِ البِدَعُ فِي ذَاتِهَا كُفْرٌ نَاقِضٌ لِلْإِسْلَامِ. [1]
البِدْعَةُ المُفَسِّقَةُ: هِيَ البِدْعَةُ الَّتِي لَا تَصِلُ إِلَى حَدِّ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ الصَّرِيحِ، لَكِنَّهَا مُخَالَفَةٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، كَبِدْعَةِ الخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ بِالذَّنْبِ دُونَ تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ، أَوْ بِدْعَةِ المُرْجِئَةِ فِي إِخْرَاجِ العَمَلِ عَنْ مُسَمَّى الإِيمَانِ؛ فَهَؤُلَاءِ يُبَدَّعُونَ وَيُفَسَّقُونَ وَلَا يُخْرَجُونَ مِنَ المِلَّةِ. [2]
قَاعِدَةُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ:
قَالَ الشَّيْخَانِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ القَيِّمِ بِمَا مَعْنَاهُ: إِنَّ القَوْلَ يَكُونُ كُفْراً، وَيُقَالُ: "مَنْ قَالَ كَذَا فَقَدْ كَفَرَ"، وَلَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا. وَهَذَا الأَصْلُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الإِمَامَ أَحْمَدَ يُكَفِّرُ مَقَالَةَ الجَهْمِيَّةِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَيُصَلِّي خَلْفَ مَنْ اِمْتَحَنُوا النَّاسَ بِهَا مِنَ السَّلَاطِينِ لِوُجُودِ مَانِعِ التَّأْوِيلِ وَالجَهْلِ عِنْدَهُمْ. [3]
[الحَاشِيَةُ ]__________________________________________________♤
[1] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 12، ص 466 (مَبْحَثُ البِدَعِ المُكَفِّرَةِ وَالمُفَسِّقَةِ).
[2] ابْنُ القَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ، ص 412 (مَرَاتِبُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ).
[3] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 3، ص 229 (تَفْصِيلُ مَوْقِفِ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ أَعْيَانِ الجَهْمِيَّةِ).
[4] صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ لُمْعَةِ الِاعْتِقَادِ، ص 115 (تَقْرِيرُ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَمَوَانِعِهِ).
[5] نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: "مَنْ أَطْلَقَ التَّكْفِيرَ عَلَى الطَّوَائِفِ دُونَ تَفْصِيلٍ، فَقَدْ سَلَكَ مَسْلَكَ الخَوَارِجِ، وَمَنْ أَهْمَلَ تَبْدِيعَ المَارِقِينَ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لِهُدْمِ السُّنَّةِ".
♤_______________________________________60________________________________________♤
المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَحْكَامُ المُبْتَدِعِ وَهَجْرُ أَهْلِ البِدَعِ
[الجُزْءُ الثَّالِثُ: أُصُولُ هَجْرِ أَهْلِ البِدَعِ: شُرُوطُهُ، غَايَاتُهُ، وَضَوَابِطُهُ المَصْلَحِيَّةُ]
إِنَّ الهَجْرَ الشَّرْعِيَّ لِأَهْلِ البِدَعِ لَيْسَ تَهَوُّراً نَفْسِيّاً، وَلَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّشَفِّي وَالانْتِقَامِ، بَلْ هُوَ دَوَاءٌ طِبِّيٌّ يَسْتَعْمِلُهُ العَالِمُ البَصِيرُ بِأَمْرَاضِ القُلُوبِ، فَيَضَعُهُ فِي مَوْضِعِهِ النَّافِعِ. فَالْهَجْرُ تَعْزِيرٌ وَزَجْرٌ، وَالعَمَلُ بِهِ يَدُورُ مَعَ المَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَبُولاً وَرَدّاً، إِذِ المَقْصُودُ مِنْهُ رَدْعُ المُبْتَدِعِ وَتَطْهِيرُ المُجْتَمَعِ مِنْ دَخَنِ فِتْنَتِهِ. فَإِذَا كَانَ الهَجْرُ يُوهِنُ البِدْعَةَ وَيَكْسِرُ شَوْكَةَ صَاحِبِهَا، كَانَ مَشْرُوعاً مُسْتَحَبّاً، بَلْ وَاجِباً فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ لِحِفْظِ الدِّينِ. أَمَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ يَزِيدُ المَهْجُورَ شَرّاً إِلَى شَرِّهِ، أَوْ كَانَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي مَقَامِ الِاسْتِضْعَافِ بِحَيْثُ لَا يُؤَثِّرُ هَجْرُهُمْ فِيهِ بَلْ يَزِيدُهُ عِنَاداً وَارْتِمَاءً فِي أَحْضَانِ الكُفَّارِ أَوِ المُلْحِدِينَ، فَإِنَّ المَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَرْكَ الهَجْرِ وَالانْتِقَالَ إِلَى مَقَامِ البَيَانِ وَالتَّأْلِيفِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ تَأْمُرُ بِتَحْصِيلِ المَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا، وَتَعْطِيلِ المَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا.
أَوَّلاً: غَايَاتُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ:
تنقسم غايات الهجر إلى مَصْلَحَتَيْنِ كُبْرَيَيْنِ:
مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَى المَهْجُورِ (الهَجْرُ الزَّجْرِيُّ): وَهُوَ كُفُّهُ عَنْ بِدْعَتِهِ، وَإِشْعَارُهُ بِعِظَمِ جُرْمِهِ لِيَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا. [1]
مَصْلَحَةٌ تَعُودُ عَلَى الهَاجِرِ وَالمُجْتَمَعِ (الهَجْرُ الوِقَائِيُّ): وَهُوَ حِمَايَةُ النَّاسِ مِنْ سَمَاعِ شُبْهَتِهِ، وَمَنْعُ سِرَايَةِ العَدْوَى العَقَدِيَّةِ إِلَى قُلُوبِ العَوَامِّ وَضُعَفَاءِ الطَّلَبَةِ. [2]
ثَانِيّاً: شُرُوطُهُ وَضَوَابِطُهُ المَصْلَحِيَّةُ:
جَمَعَ الشَّيْخَانِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ القَيِّمِ أُصُولَ هَذَا البَابِ فِي ضَوَابِطَ مُحْكَمَةٍ:
أَنْ يَكُونَ لَهُ أَثَرٌ نَافِعٌ: فَلَا يُشْرَعُ إِذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ الرَّاجِحَةُ تَقْطَعُ سَبِيلَ دَعْوَتِهِ، بَلْ يُعَامَلُ بِالتَّأْلِيفِ كَمَا كَانَ ﷺ يَتَأَلَّفُ بَعْضَ رُؤُوسِ المُنَافِقِينَ لِمَصْلَحَةِ كَفِّ شَرِّهِمْ.
اعْتِبَارُ حَالِ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ: فَفِي حَالِ قُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ يُعْمَلُ الهَجْرُ تَمَاماً لِإِخْمَادِ البِدْعَةِ، وَفِي حَالِ ضَعْفِهِمْ يَسْقُطُ الهَجْرُ الزَّجْرِيُّ وَيَقْتَصِرُ المَرْءُ عَلَى الهَجْرِ الوِقَائِيِّ لِنَفْسِهِ. [3]
تَحْقِيقُ المَنَاطِ بِالعِلْمِ: فَلَا يَهْجُرُ النَّاسُ بِمُجَرَّدِ الظُّنُونِ أَوِ المَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ السَّائِغَةِ، بَلْ يَكُونُ الهَجْرُ فِي بِدْعَةٍ ظَاهِرَةٍ صَادَمَتْ نَصّاً أَوْ إِجْمَاعاً قَطْعِيّاً. [4]
[الحَاشِيَةُ ]___________________________________________♤
[1] البُخَارِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، الصَّحِيحُ، كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، رَقْمُ 4418.
[2] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 28، ص 203 (تَقْرِيرُ حَقِيقَةِ هَجْرِ المُبْتَدِعِ وَأَنَّهُ مِنْ بَابِ العُقُوبَاتِ شَرْعاً).
[3] ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 28، ص 206 (التَّفْصِيلُ العَبْقَرِيُّ فِي دَوَرَانِ الهَجْرِ مَعَ المَصْلَحَةِ وَالقُوَّةِ وَالضَّعْفِ).
[4] صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ آلِ فَوْزَانَ، إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج 1، ص 290.
[5] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 58-59.
[6] نُكْتَةٌ فِقْهِيَّةٌ: "مَنْ هَجَرَ حَيْثُ يَجِبُ التَّأْلِيفُ فَقَدْ أَفْسَدَ، وَمَنْ أَلَّفَ حَيْثُ يَجِبُ الهَجْرُ فَقَدْ ضَيَّعَ مَعَالِمَ الدِّينِ".
♤_____________________________________________________________________________♤
[الجُزْءُ الرَّابِعُ: التَّحْذِيرُ مِنْ مَجَالَسَتِهِمْ وَالِاسْتِمَاعِ لِشُبُهَاتِهِمْ]
إِنَّ القُلُوبَ آدَمِيَّةٌ ضَعِيفَةٌ، وَالشُّبَهَ العَقَدِيَّةَ خَطَّافَةٌ تَتَسَلَّلُ إِلَى النُّفُوسِ تَسَلُّلَ السُّمِّ فِي العُرُوقِ، وَلِأَجْلِ هَذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أُصُولِ الحِمَايَةِ عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ سَدُّ مَنَافِذِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ عَنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ. إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَدْخُلُهُ الغُرُورُ بِعِلْمِهِ أَوْ قُوَّةِ فَهْمِهِ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ مُجَالَسَةَ المُبْتَدِعَةِ وَمُحَاوَرَتَهُمْ أَوْ سَمَاعَ قَصَصِهِمْ وَخُطَبِهِمْ دُونَ أَنْ يَتَأَثَّرَ، وَهَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ جَهْلٌ بِطَبِيعَةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ. فَكَمْ مِنْ قَلْبٍ كَانَ نَقِيّاً، فَأَصْغَى السَّمْعَ لِكَلِمَةٍ صَاحِبِ بِدْعَةٍ يَظُنُّهَا هَيِّنَةً، فَمَا زَالَتْ تَنْكُتُ فِي قَلْبِهِ حَتَّى أَوْرَثَتْهُ شَكّاً فِي ثَوَابِتِهِ، وَحَيْرَةً فِي عَقِيدَتِهِ! إِنَّ مُجَالَسَةَ أَهْلِ البِدَعِ مَفْسَدَةٌ لِلْمِزَاجِ الدِّينِيِّ، وَمَذْهَبَةٌ لِنُورِ السُّنَّةِ مِنَ الوَجْهِ، فَالْهَرَبَ الهَرَبَ مِنْ مَجَالِسِهِمْ، وَالعِيَاذَ بِاللَّهِ مِنْ شُبُهَاتِهِمُ الَّتِي زَخْرَفُوهَا بِبَاطِلِ القَوْلِ غُرُوراً.
أَوَّلاً: الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ المُجَالَسَةِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68].
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]؛ فَجَعَلَ اللَّهُ الجَالِسَ مَعَهُمْ مِثْلَهُمْ فِي الإِثْمِ إِذَا لَمْ يُنْكِرْ. [1]
قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ، مِمَّا يُبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ» [2]؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ الدَّجَّالِ مَعَ وُضُوحِ أَمْرِهِ، فَكَيْفَ بِمُبْتَدِعٍ يَصُوغُ الشُّبْهَةَ فِي لِحَاءِ الدِّينِ؟!
ثَانِيّاً: حَزْمُ السَّلَفِ فِي سَمَاعِ الشُّبَهَاتِ:
جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، فَقَالَا: يَا أَبَا بَكْرٍ نُحَدِّثُكَ بِبِضْعِ كَلِمَةٍ؟ قَالَ: «لَا»، قَالَا: فَنَقْرَأُ عَلَيْكَ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ؟ قَالَ: «لَا، لَتَقُومَانِ عَنِّي أَوْ لَأَقُومَنَّ»، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْرَآ عَلَيَّ آيَةً فَيُحَرِّفَانِهَا، فَيَقِرُّ ذَلِكَ فِي قَلْبِي». [3]
وَقَالَ الإِمَامُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ فَاحْذَرْهُ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الحِكْمَةَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حِصْنٌ مِنْ حَدِيدٍ». [4]
[الحَاشِيَةُ ]__________________________♤
[1] ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ القُرْآنِ، ج 9، ص 320 (فِي تَفْسِيرِ آيَةِ النِّسَاءِ وَدَلَالَتِهَا عَلَى هَجْرِ مَجَالِسِ البَاطِلِ).
[2] أَبُو دَاوُدَ، سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ، السُّنَنُ، كِتَابُ المَلَاحِمِ، بَابُ خُرُوجِ الدَّجَّالِ، ج 4، ص 117، رَقْمُ 4319، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الجَامِعِ بَالرَّقْمِ 6177.
[3] الدَّارِمِيُّ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، السُّنَنُ، مُقَدِّمَةُ السُّنَنِ، بَابُ اجْتِنَابِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، ج 1، ص 120، رَقْمُ 401.
[4] اللَّالَكَائِيُّ، هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ج 1، ص 138، ط: دَارُ الحَدِيثِ.
[5] صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مَبْحَثُ النَّهْيِ عَنِ الجِدَالِ فِي الدِّينِ.
♤_______________________________________61______________________________________________♤
[الجُزْءُ الخَامِسُ: مَوْسُوعَةُ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ فِي نَبْذِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَهَجْرِهِمْ]
إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ دَوَاوِينَ الأَثَرِ، وَأَمْعَنَ النَّظَرَ فِي سِيَرِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، عَلِمَ عِلْمَ يَقِينٍ أَنَّ صَمَامَ الأَمَانِ الَّذِي حَفِظَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الدِّينَ نَقِيّاً الخَالِصَ هُوَ ذَلِكَ السِّيَاجُ الحَدِيدِيُّ الَّذِي ضَرَبَهُ الأَئِمَّةُ حَوْلَ عَقَائِدِ النَّاسِ، بِتَحْذِيرِهِمْ مِنَ المُبْتَدِعَةِ، وَأَمْرِهِمْ بِالصَّرْمِ وَالهَجْرِ لِكُلِّ مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ أَوْ دَعَا إِلَى نَحْلَةٍ مُخْتَرَعَةٍ. فَلَمْ يَكُنْ هَجْرُهُمْ لَهُمْ لَعِباً، بَلْ حَسْماً لِمَادَّةِ الشَّرِّ حَتَّى تَذْوِيَ البِدْعَةُ وَتَمُوتَ فِي مَهْدِهَا، وَلَا يَجِدَ صَاحِبُهَا مَنْ يُصْغِي إِلَيْهِ أَوْ يَرْفَعُ بِهِ رَأْساً.
وَهَا نَحْنُ نَسُوقُ عِشْرِينَ قَوْلاً مَأْثُوراً عَنْ أَعْلَامِ الأُمَّةِ لِتَكُونَ حُجَّةً بَاقِيَةً:
قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «سَيَأْتِي نَاسٌ يُجَادِلُونَكُمْ بِشُبُهَاتِ القُرْآنِ، فَخُذُوهُمْ بِالسُّنَنِ، فَإِنَّ أَصْحَابَ السُّنَنِ أَعْلَمُ بِكِتَابِ اللَّهِ». [1]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «لَا تُجَالِسْ أَهْلَ الأَهْوَاءِ، فَإِنَّ مُجَالَسَتَهُمْ مُمْرِضَةٌ لِلْقُلُوبِ». [2]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ فِي تَقْرِيرِ الأَصْلِ: «أَجْمَعَتِ العُلَمَاءُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ أَهْلَ البِدَعِ هُمْ شَرُّ الخَلْقِ، وَأَنَّ هَجْرَهُمْ وَاقِعٌ بِالإِجْمَاعِ». [3]
قَالَ الإِمَامُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: «لَا تُجَالِسُوا أَصْحَابَ الأَهْوَاءِ، وَلَا تُجَادِلُوهُمْ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُمْ». [4]
قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: «إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ»، وَكَانَ يَسُدُّ أُذُنَيْهِ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ أَهْلِ القَدَرِ. [5]
قَالَ الإِمَامُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ: «مَا زَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ اجْتِهَاداً، إِلَّا زَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْداً»، وَكَانَ إِذَا طَلَبَ مِنْهُ مُبْتَدِعٌ كَلِمَةً يَقُولُ: «وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ». [6]
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «مَنْ سَمِعَ مِنْ مُبْتَدِعٍ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِمَا سَمِعَ، وَمَنْ صَافَحَهُ فَقَدْ نَقَضَ الإِسْلَامَ عُرْوَةً عُرْوَةً». [7]
قَالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ: «مَنْ أَحَبَّ صَاحِبَ بِدْعَةٍ أَحْبَطَ اللَّهُ عَمَلَهُ، وَأَخْرَجَ نُورَ الإِسْلَامِ مِنْ قَلْبِهِ». [8]
قَالَ الإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: «لَا يُؤْخَذُ العِلْمُ عَنْ أَرْبَعَةٍ... وَذَكَرَ مِنْهُمْ: صَاحِبُ هَوًى يَدْعُو النَّاسَ إِلَى هَوَاهُ». [9]
قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «لَأَنْ يَبْتَلِيَ اللَّهُ العَبْدَ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مَا عَدَا الشِّرْكَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي الكَلَامِ وَالأَهْوَاءِ». [10]
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «قُبُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الكَبَائِرِ رَوْضَةٌ، وَقُبُورُ أَهْلِ البِدْعَةِ مِنَ الزُّهَّادِ حُفْرَةٌ؛ فُسَّاقُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَزُهَّادُ أَهْلِ البِدْعَةِ أَعْدَاءُ اللَّهِ». [11]
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: «عَلَامَةُ أَهْلِ البِدَعِ الوَقِيعَةُ فِي أَهْلِ الأَثَرِ». [12]
قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الحَارِثِ المُحَاسِبِيِّ وَكُتُبِهِ: «إِيَّاكَ وَهَذِهِ الكُتُبَ، هَذِهِ كُتُبُ بِدَعٍ وَضَلَالَاتٍ، عَلَيْكَ بِالأَثَرِ». [13]
قَالَ الإِمَامُ الأَوْزَاعِيُّ: «عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكُ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهُ لَكَ بِالقَوْلِ». [14]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ: «لِيَكُنْ مَنْزِلُكَ مَعَ المَسَاكِينِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ». [15]
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ: «فَقَدْ مَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا مُجْمِعِينَ مُتَّفِقِينَ عَلَى مُعَادَاةِ أَهْلِ البِدْعَةِ وَمُهَاجَرَتِهِمْ». [16]
قَالَ الإِمَامُ المَرْوَزِيُّ: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ) عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَيُخَالِطُ أَهْلَ البِدَعِ، قَالَ: يُنْصَحُ، فَإِنْ تَرَكَ وَإِلَّا أُلْحِقَ بِهِمْ». [17]
قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: «إِذَا لَقِيتَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فِي طَرِيقٍ فَخُذْ فِي طَرِيقٍ آخَرَ». [18]
قَالَ الإِمَامُ الحُمَيْدِيُّ (شَيْخُ البُخَارِيِّ): «وَاللَّهِ لَأَنْ أَغْزُوَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ عِدَّتَهُمْ مِنَ الأَتْرَاكِ». [19]
قَالَ الإِمَامُ الصَّابُونِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ: «وَيُبْغِضُونَ أَهْلَ البِدَعِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يُحِبُّونَهُمْ، وَلَا يَصْحَبُونَهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ». [20]
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________♤
[1] الدَّارِمِيُّ، السُّنَنُ، ج 1، ص 72، رَقْمُ 121.
[2] الآجُرِّيُّ، أَبُو بَكْرٍ، الشَّرِيعَةُ، ج 1، ص 440، رَقْمُ 132، ط: دَارُ الوَطَنِ.
[3] ابْنُ بَطَّةَ، الإِبَانَةُ الكُبْرَى، ج 2، ص 450.
[4] اللَّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ج 1، ص 125، رَقْمُ 240.
[5] مُسْلِمٌ، الصَّحِيحُ، مُقَدِّمَةُ الكِتَابِ، ج 1، ص 14.
[6] مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، جَامِعُ مَعْمَرٍ (مُلْحَقٌ بِالمُصَنَّفِ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ)، ج 11، ص 340.
[7] ابْنُ الجَوْزِيِّ، تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ، ص 43، ط: دَارُ القَلَمِ.
[8] أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الأَصْفِيَاءِ، ج 8، ص 104.
[9] عِيَاضٌ اليَحْصُبِيُّ، تَرْتِيبُ المَدَارِكِ وَتَقْرِيبُ المَسَالِكِ، ج 1، ص 120.
[10] البَيْهَقِيُّ، مَنَاقِبُ الشَّافِعِيِّ، ج 1، ص 415.
[11] ابْنُ أَبِي يَعْلَى، طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ، ج 1، ص 184، ط: دَارُ المَعْرِفَةِ.
[12] اللّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ج 1، ص 179، رَقْمُ 321.
[13] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 12، ص 82.
[14] الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ، شَرَفُ أَصْحَابِ الحَدِيثِ، ص 24، رَقْمُ 12.
[15] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 8، ص 398.
[16] البَغَوِيُّ، الحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ، شَرْحُ السُّنَّةِ، ج 1، ص 227، ط: المَكْتَبُ الإِسْلَامِيُّ.
[17] ابْنُ مَفْلِحٍ، الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ وَالمِنَحُ المَرْعِيَّةُ، ج 1، ص 260.
[18] الآجُرِّيُّ، الشَّرِيعَةُ، ج 1، ص 455، رَقْمُ 150.
[19] الذَّهَبِيُّ، تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ، ج 1، ص 311.
[20] الصَّابُونِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ، عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ، ص 111، ط: دَارُ العَاصِمَةِ.
♤____________________________________61______________________________________♤
[الجُزْءُ السَّادِسُ: صُوَرٌ لِأَعْلَامٍ تَسَاهَلُوا فِي خِلْطَةِ أَهْلِ البِدَعِ فَفُتِنُوا وَابْتَعَدُوا عَنِ السُّنَّةِ]
إِنَّ النَّظَرَ فِي مَصَارِعِ الرِّجَالِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمْ نُفُوسُهُمْ وَقِلَّةُ بَصِيرَتِهِمْ بِمَكَايِدِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، لَهُوَ أَعْظَمُ زَاجِرٍ لِطَالِبِ النَّجَاةِ. لَقَدْ ظَنَّ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ بِتَبَحُّرِهِمْ فِي الآثَارِ، أَوْ بِحُسْنِ قَصْدِهِمْ فِي رَدِّ البَاطِلِ، يَسْتَطِيعُونَ مُ دَاخَلَةَ أَرْبَابِ الكَلَامِ وَالفَلَاسِفَةِ دُونَ أَنْ تَعْلَقَ الشُّبْهُ بِشِغَافِ قُلُوبِهِمْ، فَكَانَتْ عَاقِبَتُهُمْ أَنْ أُشْرِبُوا تِلْكَ الأَهْوَاءَ، فَتَنَكَّبُوا عَنِ الجَادَّةِ المَحْمُودَةِ، وَفَارَقُوا مَذْهَبَ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، فَصَارُوا عِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ وَدَلِيلاً حَيّاً عَلَى صِدْقِ نَبِيِّهِمْ ﷺ حِينَ حَذَّرَ مِنَ النَّأْيِ عَنِ المَفَاتِنِ.
وَإِلَيْكَ الصُّوَرَ الخَمْسَ مَبْسُوطَةً بِتَفَاصِيلِهَا وَتَوَارِيخِهَا تَعْلِيماً وَتَحْذِيراً:
- الحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ المُحَاسِبِيُّ (تَوْفِيَ سَنَةَ 243هـ):
كَانَ فِي بَادِئِ أَمْرِهِ مُنْتَسِباً لِلْأَثَرِ مَعْرُوفاً بِالزُّهْدِ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَأَى غَلَبَةَ المُعْتَزِلَةِ فِي زَمَنِ المِحْنَةِ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَدِلَّتِهِمْ؛ فَتَسَاهَلَ فِي مُطَالَعَةِ كُتُبِهِمْ وَجَالَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كُلَّابٍ (رَأْسَ الكُلَّابِيَّةِ)، فَأُشْرِبَ قَلْبُهُ بَعْضَ مَقَالَاتِهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ اللَّهِ النَّفْسِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ (مَسْأَلَةُ اللَّفْظِ وَالكَلَامِ)، فَانْحَرَفَ بِهِ المَسْلَكُ حَتَّى صَنَّفَ كِتَابَ "فَهْمِ القُرْآنِ" بِمَا يُخَالِفُ ظَاهِرَ مَذْهَبِ السَّلَفِ، فَأَمَرَ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِهَجْرِهِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، حَتَّى كَانَ يَتَخَفَّى عَنِ النَّاسِ، وَلَمَّا مَاتَ سَنَةَ 243هـ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ إِلَّا نَفَرٌ يَسِيرٌ لِأَجْلِ هَذَا الانْحِرَافِ الكَلَامِيِّ. [1]
- عِمْرَانُ بْنُ حِطَّانَ السَّدُوسِيُّ (تَوْفِيَ سَنَةَ 84هـ):
مِنْ أَبْشَعِ صُوَرِ الِاغْتِرَارِ بِالنَّفْسِ فِتْنَةُ هَذَا الرَّجُلِ؛ إِذْ كَانَ مِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي البَصْرَةِ، وَرَوَى عَنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ كَعَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، فَتَسَاهَلَ وَتَزَوَّجَ امْرَأَةً حَسْنَاءَ جَمِيلَةً مِنْ رُؤُوسِ الخَوَارِجِ تُدْعَى (حَمْزَةَ)، وَقَالَ: «أَتَزَوَّجُهَا لِأَرُدَّهَا عَنْ مَذْهَبِهَا إِلَى السُّنَّةِ»، فَصَحِبَهَا وَخَالَطَ مَجَالِسَ قَوْمِهَا، فَمَا زَالَتْ بِهِ حَتَّى فَتَنَتْهُ وَقَلَبَتْهُ إِلَى مَذْهَبِهَا، فَصَارَ مِنْ شُعَرَاءِ الخَوَارِجِ وَرُؤُوسِ الصِّفْرِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي مَدَحَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مُلْجَمٍ المُرَادِيَّ عَلَى قَتْلِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِأَبْيَاتِهِ المَشْهُورَةِ: «يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا...». [2]
- أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الكَجِّيُّ (مِنْ أَعْلَامِ المِائَةِ الخَامِسَةِ الهِجْرِيَّةِ):
مِنْ فُقَهَاءِ وَأَعْلَامِ الحَنَابِلَةِ فِي أَصْبَهَانَ، كَانَ صَاحِبَ آثَارٍ وَصَلَابَةٍ فِي السُّنَّةِ، لَكِنَّهُ وَقَعَ فِي الِاخْتِلَاطِ بِبَعْضِ مُتَكَلِّمِي الأَشَاعِرَةِ فِي عَصْرِهِ بَعْدَ مُنْتَصَفِ القَرْنِ الخَامِسِ الهِجْرِيِّ، فَتَسَاهَلَ فِي سَمَاعِ دَقَائِقِهِمْ فِيمَا يَخُصُّ مَسْأَلَةَ "الصَّوْتِ وَالحَرْفِ" فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَأَدْخَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ شُبْهَةً تَنَفَّسَ فِيهَا بِقَوْلِ المُلْقِينَ بِالأَعْرَاضِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الأَثَرِ وَقَاطَعُوهُ وَحَذَّرُوا مِنْهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ يَمِيلُ فِي هَذَا البَابِ إِلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الكَلَامِ، فَمَاتَ مَهْجُوراً مِنْ مَذْهَبِهِ الأَوَّلِ. [3]
- أَبُو الوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ البَغْدَادِيُّ (تَوْفِيَ سَنَةَ 513هـ):
كَانَ ذَكِيّاً مَشْهُوراً، مِنْ فُطَنَاءِ الحَنَابِلَةِ، لَكِنَّهُ فِي شَبَابِهِ (نَحْوَ سَنَةَ 450هـ وَمَا بَعْدَهَا) دَخَلَ عَلَى شُيُوخِ المُعْتَزِلَةِ كَأَبِي عَلِيِّ بْنِ الوَلِيدِ وَأَبِي القَاسِمِ التَّنُوخِيِّ لِيَقْرَأَ عَلَيْهِمْ عِلْمَ الكَلَامِ بِزَعْمِ الِاسْتِفَادَةِ فِي المُنَاظَرَةِ؛ فَانْطَبَعَتْ فِي نَفْسِهِ شُبَهُهُمْ فِي تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَتَعْظِيمِ المَنْطِقِ، حَتَّى تَرَحَّمَ عَلَى الحَلَّاجِ الصُّوفِيِّ المَقْتُولِ لِلْقَوْلِ بِالحُلُولِ. فَأَقَامَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الحَنَابِلَةِ النَّكِيرَ العَظِيمَ وَهَجَرُوهُ، وَقَطَعُوا مَجْلِسَهُ، حَتَّى أَلْجَؤُوهُ وَاضْطَرُّوهُ إِلَى كِتَابَةِ رِسَالَةِ التَّوْبَةِ الشَّهِيرَةِ وَقِرَاءَتِهَا جِهَاراً فِي مَسْجِدِ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرٍ سَنَةَ 465هـ لِيَرْجِعَ إِلَى حَظِيرَةِ السُّنَّةِ بَعْدَ فِتْنَةٍ طَوِيلَةٍ. [4]
- أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الِاخْتِصَاصِيُّ البَغْدَادِيُّ (مِنْ عُلَمَاءِ القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ):
كَانَ يُعَدُّ فِي أَهْلِ الصَّلَاحِ وَسَمَاعِ الحَدِيثِ بِبَغْدَادَ، وَلَكِنَّهُ اِغْتَرَّ بِحِفْظِهِ فَتَسَاهَلَ فِي دُخُولِ مَجَالِسِ النَّظَرِ الَّتِي يُعْقِدُهَا رُؤُوسُ الكَلَامِ مِنَ النَّاشِئَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ قِيَاسَاتِهِمُ العَقْلِيَّةَ فِي بَابِ الذَّاتِ وَالِاسْتِوَاءِ أُصِيبَ بِالتَّشْكِيكِ، وَانْحَلَّ عَنْ عَقِيدَةِ السَّلَفِ، حَتَّى جَاءَ عَنْهُ النَّفْيُ الصَّرِيحُ لِلِاسْتِوَاءِ الحَقِيقِيِّ عَلَى العَرْشِ، فَهَجَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ ابْنُ شَاهِينَ، وَقَالُوا: «فُتِنَ الرَّجُلُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُرْجَى لِلأَثَرِ»، فَمَاتَ مَذْمُوماً سَنَةَ 385هـ. [5]
[الحَاشِيَةُ ]_____________________________♤
[1] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 12، ص 79 - 81، ط: مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ؛ وَانْظُرْ: الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ، تَارِيخُ بَغْدَادَ، ج 8، ص 212.
[2] ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ، تَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ، ج 8، ص 113، ط: دَارُ الفِكْرِ؛ وَانْظُرْ: البُخَارِيُّ، التَّارِيخُ الكَبِيرُ، ج 6، ص 410.
[3] ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ، ذَيْلُ طَبَقَاتِ الحَنَابِلَةِ، ج 1، ص 45 - 46، ط: دَارُ المَعْرِفَةِ.
[4] ابْنُ الجَوْزِيِّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيٍّ، المُنْتَظَمُ فِي تَارِيخِ المُلُوكِ وَالأُمَمِ، ج 16، ص 142 - 144 (تَفْصِيلُ مِحْنَةِ ابْنِ عَقِيلٍ وَنَصُّ وَثِيقَةِ تَوْبَتِهِ سَنَةَ 465هـ).
[5] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، تَارِيخُ الإِسْلَامِ وَوَفَيَاتُ المَشَاهِيرِ وَالأَعْلَامِ، ج 8، ص 580 (حَوَادِثُ وَوَفَيَاتُ سَنَةِ 385هـ)؛ وَانْظُرْ: السِّيَرَ ج 16، ص 520.
[6] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 62 (فِي أَمْثِلَةِ المَفْتُونِينَ بِخِلْطَةِ المُبْتَدِعَةِ).
♤__________________________________62_________________________________♤
[الجُزْءُ السَّابِعُ: تَتِمَّةُ صُوَرِ المَفْتُونِينَ بِعِلْمِ الكَلَامِ بِسَبَبِ المُجَالَسَةِ]
إِنَّ مَادَّةَ الِانْحِرَافِ العَقَدِيِّ تَبْدَأُ بِخُطْوَةٍ يَظُنُّهَا العَبْدُ يَسِيرَةً، وَهِيَ مَيْلُ السَّمْعِ لِأَرْبَابِ التَّأْوِيلِ وَالنَّظَرِ الكَلَامِيِّ. وَمِنْ أَعْظَمِ العِبَرِ أَنْ نَرَى كِبَاراً مِنْ حُفَّاظِ الحَدِيثِ وَمُصَنِّفِيهِ، فُتِنُوا بِأَئِمَّةِ التَّكَلُّمِ فِي زَمَنِهِمْ، فَنَقَلُوا المَذَاهِبَ الكَلَامِيَّةَ إِلَى حَوَاضِرَ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهَا، كَبِلَادِ المَغْرِبِ وَأَنْدَلُسِ الإِسْلَامِ الَّتِي كَانَتْ نَقِيَّةً سَلَفِيَّةً عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالأَثَرِ.
وَإِلَيْكَ تَفْصِيلُ مَحَطَّاتِ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ الخَمْسَةِ كَمَا سَطَّرَتْهَا كُتُبُ التَّرَاجِمِ:
أَبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ (عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ):
مَوْلِدُهُ وَوَفَاتُهُ: وُلِدَ فِي هَرَاةَ سَنَةَ 355هـ، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ 434هـ. [1]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا: كَانَ حَافِظاً كَبِيراً لِلْحَدِيثِ، وَهُوَ رَاوِي الصَّحِيحِ لِلْبُخَارِيِّ عَنِ الحَمَوِيِّ وَالكُشْمِيهَنِيِّ. وَقَعَ فِي عِلْمِ الكَلَامِ الأَشْعَرِيِّ بِسَبَبِ مُجَالَسَتِهِ وَإِعْجَابِهِ الشَّدِيدِ بِالقَاضِي أَبِي بَكْرٍ البَاقِلَّانِيِّ (شَيْخِ الأَشَاعِرَةِ). قَصَّ الذَّهَبِيُّ خَبَرَهُ فَقَالَ: "إِنَّ أَبَا ذَرٍّ رَأَى الدَّارَقُطْنِيَّ يُقَبِّلُ رَأْسَ البَاقِلَّانِيِّ وَيَمْدَحُهُ، فَسَأَلَهُ أَبُو ذَرٍّ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا إِمَامُ المُسْلِمِينَ وَالذَّابُّ عَنِ الدِّينِ. فَمِنْ يَوْمَئِذٍ جَالَسَهُ أَبُو ذَرٍّ وَتَلَقَّى عَنْهُ الكَلَامَ وَانْتَقَلَ إِلَى مَذْهَبِهِ". وَلَمَّا جَاوَرَ أَبُو ذَرٍّ بِمَكَّةَ، صَارَ يَبُثُّ ذَلِكَ المَذْهَبَ الكَلَامِيَّ فِي الحُجَّاجِ المَغَارِبَةِ، فَكَانَ هُوَ السَّبَبُ الأَوَّلُ وَالرَّئِيسُ فِي نَقْلِ مَذْهَبِ الأَشَاعِرَةِ إِلَى بِلَادِ المَغْرِبِ وَالأَنْدَلُسِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ نَقِيَّةً عَلَى الأَثَرِ. [2]
أَبُو بَكْرٍ ابْنُ فُورَكٍ (مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ فُورَكٍ الأَصْبَهَانِيُّ):
مَوْلِدُهُ وَوَفَاتُهُ: وُلِدَ فِي أَصْبَهَانَ نَحْوَ سَنَةَ 330هـ، وَتُوُفِّيَ مَسْمُوماً فِي طَرِيقِ نَيْسَابُورَ سَنَةَ 406هـ. [3]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا: نَشَأَ فِي بَيْتِ عِلْمٍ وَسَمَاعِ حَدِيثٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا رَحَلَ إِلَى بَغْدَادَ جَالَسَ أَبَا الحَسَنِ البَاهِلِيَّ (تِلْمِيذَ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ الأَوَّلِ)، فَأُشْرِبَ تَقْعِيدَاتِ المُتَكَلِّمِينَ، فَتَحَوَّلَ مِنْ طَرِيقَةِ المُحَدِّثِينَ إِلَى مَذْهَبِ التَّأْوِيلِ وَتَكَلَّمَ فِي بَابِ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ بِمَا أَدَّى بِهِ إِلَى التَّمْشِيَةِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ الخَبَرِيَّةِ، وَأَلَّفَ كِتَابَهُ "مُشْكِلُ الحَدِيثِ وَغَرِيبُهُ" لِتَأْوِيلِ آثَارِ الصِّفَاتِ، فَصَارَ مِنْ رُؤُوسِ المُتَكَلِّمِينَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَطْلُبُ طَرِيقَ السُّنَّةِ وَالرِّوَايَةِ. [4]
أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ لَهْنِيَةَ المَغْرِبِيُّ (مِنْ أَعْلَامِ الحَدِيثِ بِالأَنْدَلُسِ):
مَوْلِدُهُ وَوَفَاتُهُ: وُلِدَ بِقُرْطُبَةَ سَنَةَ 390هـ، وَتُوُفِّيَ فِيهَا سَنَةَ 456هـ. [5]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا: كَانَ حَافِظاً لِلْأَثَرِ، صَلْباً فِي بَادِئِ أَمْرِهِ، لَكِنَّهُ رَحَلَ إِلَى المَشْرِقِ وَالْتَقَى بِبَعْضِ أَصْحَابِ أَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ وَمُتَكَلِّمِي الأَشَاعِرَةِ، فَجَالَسَهُمْ وَسَمِعَ مِنْهُمْ حُجَجَهُمْ فِي نَفْيِ "الحَرْفِ وَالصَّوْتِ"، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى الأَنْدَلُسِ جَاهَرَ بِهَذِهِ المَقَالَةِ الكَلَامِيَّةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ قُرْطُبَةَ وَهَجَرُوهُ، وَسَعَوْا بِهِ إِلَى السُّلْطَانِ لِتَغْيِيرِهِ عَنْ جَادَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي كَانَ النَّاسُ عَلَيْهَا. [6]
أَبُو الفَتْحِ السِّلَفِيُّ الأَصْبَهَانِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّازِيُّ جَدُّ الحَافِظِ السِّلَفِيِّ):
مَوْلِدُهُ وَوَفَاتُهُ: وُلِدَ بِأَصْبَهَانَ سَنَةَ 410هـ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ 479هـ. [7]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا: كَانَ مِنْ بَيْتِ حَدِيثٍ وَسُنَّةٍ، إِلَّا أَنَّهُ خَالَطَ المُعْتَزِلَةَ فِي نَيْسَابُورَ عِنْدَمَا دَخَلَ مَجَالِسَ نَظَرِهِمْ لِلْمُنَاظَرَةِ؛ فَتَسَاهَلَ فِي السَّمَاعِ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَيْهِ شُبْهَةُ نَفْيِ القَدَرِ (مَقَالَةُ الِاعْتِزَالِ)، فَتَغَيَّرَ حَالُهُ وَصَارَ يَذُمُّ الإِثْبَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الحَدِيثِ، وَحَذَّرَ مِنْهُ أَقْرَانُهُ فِي زَمَنِهِ حَتَّى اِنْتَقَلَ مِنْ أَصْبَهَانَ مَذْمُوماً بَعْدَ انْحِرَافِ عَقِيدَتِهِ. [8]
أَبُو المَحَاسِنِ الرُّويَانِيُّ (عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ):
مَوْلِدُهُ وَوَفَاتُهُ: وُلِدَ فِي رُويَانَ سَنَةَ 415هـ، وَقُتِلَ جِهَاراً فِي جَامِعِ آمُلَ عَلَى يَدِ المَلَاحِدَةِ البَاطِنِيَّةِ سَنَةَ 502هـ. [9]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا: صَاحِبُ كِتَابِ "بَحْرِ المَذْهَبِ" فِي الفِقْهِ، كَانَ فِي صِغَرِهِ يَنْشَأُ عَلَى طَرِيقَةِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ مِثْلَ أَهْلِ طَبَرِسْتَانَ، لَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَ نَيْسَابُورَ جَالَسَ أَبَا المَعَالِي الجُوَيْنِيَّ وَتَأَثَّرَ بِحَلَقَاتِهِ الكَلَامِيَّةِ، فَفُتِنَ بِطَرِيقَةِ الفَلَاسِفَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ، وَصَارَ يَخْلِطُ المَسَائِلَ الفِقْهِيَّةَ بِالقَوَاعِدِ الكَلَامِيَّةِ الأَشْعَرِيَّةِ مِثْلَ مَسْأَلَةِ الجَوْهَرِ وَالعَرَضِ، حَتَّى بَلَغَ بِهِ الحَالُ أَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ عُلَمَاءِ الأَثَرِ مِنَ الحَنَابِلَةِ وَالحَدِيثِ خَوْضَهُ هَذَا، وَقَالُوا: "لَقَدْ أَفْسَدَ عِلْمَهُ بِالفَلْسَفَةِ وَالكَلَامِ بَعْدَ أَنْ كَانَ رَأْساً فِي الحَدِيثِ". [10]
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________♤
[1] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 17، ص 554 - 556، ط: مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.
[2] القَاضِي عِيَاضٌ، تَرْتِيبُ المَدَارِكِ وَتَقْرِيبُ المَسَالِكِ، ج 7، ص 241 - 243 (فِي تَرْجَمَةِ أَبِي ذَرٍّ الهَرَوِيِّ وَبَيَانِ كَيْفِيَّةِ إِدْخَالِهِ المَذْهَبَ إِلَى المَغْرِبِ عَبْرَ الحُجَّاجِ)؛ وَانْظُرْ: الذَّهَبِيُّ، تَذْكِرَةُ الحُفَّاظِ، ج 3، ص 1104.
[3] الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ، أَبُو بَكْرٍ، تَارِيخُ Bَغْدَادَ، ج 2، ص 410، ط: دَارُ الغَرْبِ الإِسْلَامِيِّ.
[4] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 17، ص 214 - 216؛ وَانْظُرْ: ابْنُ العِمَادِ، شَذَرَاتُ الذَّهَبِ فِي أَخْبَارِ مَنْ ذَهَبَ، ج 5، ص 45 (حَوَادِثُ سَنَةِ 406هـ).
[5] ابْنُ بَشْكُوَالَ، خَلَفُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، الصِّلَةُ فِي تَارِيخِ أَئِمَّةِ الأَنْدَلُسِ، ج 1، ص 380، ط: دَارُ الكِتَابِ المِصْرِيِّ.
[6] الذَّهَبِيُّ، تَارِيخُ الإِسْلَامِ، ج 10، ص 112 (وَفَيَاتُ سَنَةِ 456هـ).
[7] أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ، الأَنْسَابُ، ج 7، ص 190، ط: دَارُ الجِيلِ.
[8] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 18، ص 510.
[9] ابْنُ كَثِيرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، ج 16، ص 198، ط: دَارُ هَجْرٍ (حَوَادِثُ وَوَفَيَاتُ سَنَةِ 502هـ).
[10] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 19، ص 260 - 262.
[11] صَالِحُ سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ وَاجِبُنَا نَحْوَ مَا أَمَرَنَا اللَّهُ بِهِ، ص 65.
♤________________________________________63____________________________________________♤
[الجُزْءُ الثَّامِنُ: مَوْسُوعَةُ الأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَابُوا مِنَ الكَلَامِ وَالأَهْوَاءِ وَرَجَعُوا إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ]
إِنَّ مِنْ عِلَامَاتِ تَوْفِيقِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ أَنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِلْأَثَرِ بَعْدَ الحَيْرَةِ، وَأَنْ يَخْتِمَ لَهُ بِالتَّمَسُّكِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ. وَلَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ الإِسْلَامِيُّ انْتِفَاضَاتٍ عِلْمِيَّةً لِأَكَابِرَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، أَعْلَنُوا فِيهَا بَرَاءَتَهُمْ مِنْ مَنَاهِجِ النَّظَرِ وَقَوَانِينَ الفَلَاسِفَةِ، مُؤْثِرِينَ التَّسْلِيمَ لِلْوَحْيَيْنِ، فَصَارَتْ تَوْبَتُهُمْ حُجَّةً عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ سَلَكَ دَرْبَهُمُ الأَوَّلَ.
وَهَا نَحْنُ نَفْصِلُ مَقَامَاتِ الخَمْسَةِ المَطْلُوبَةِ بِتَمَامِ التَّحْقِيقِ:
1. الإِمَامُ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي بِشْرٍ):
المَوْلِدُ وَالوَفَاةُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ بِالبَصْرَةِ سَنَةَ 260هـ، وَنَشَأَ فِيهَا فِي حَضْنِ زَوْجِ أُمِّهِ أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ (رَأْسِ المُعْتَزِلَةِ فِي عَصْرِهِ)، وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ 324هـ. [1]
مَرَاحِلُ انْتِقَالِهِ وَتَفَاصِيلُ فِتْنَتِهِ وَتَوْبَتِهِ:
مَرَّ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ فِي حَيَاتِهِ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ عَقَدِيَّةٍ حَاسِمَةٍ صَرَّحَ بِهَا العُلَمَاءُ:
المَرْحَلَةُ الأُولَى (الِاعْتِزَالُ): دَامَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، كَانَ فِيهَا نَاصِراً لِمَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، نَائِباً عَنْ شَيْخِهِ الجُبَّائِيِّ فِي المُنَاظَرَاتِ، يُقَرِّرُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الخَلْقِيَّةِ وَخَلْقَ القُرْآنِ.
المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ (مَذْهَبُ ابْنِ كُلَّابٍ): اِعْتَزَلَ النَّاسَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْماً يَتَفَكَّرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الجَامِعِ الكَبِيرِ بِالبَصْرَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَصَعِدَ المِنْبَرَ وَنَزَعَ ثَوْبَهُ وَقَالَ: «مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أَعْلَمُهُ بِنَفْسِي... وَإِنِّي خَرَجْتُ مِنْ جَمِيعِ مَا كُنْتُ أَعْتَقِدُهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ». [2] فَانْتَقَلَ بَعْدَهَا إِلَى طَرِيقَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ [3]، الَّتِي تَقُومُ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ (كَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَالحَيَاةِ) وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ القَائِمَةِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ (كَالنُّزُولِ وَالمَجِيءِ وَالرِّضَا) تَحْتَ دَعْوَى هُرُوبِهِ مِنْ "حُلُولِ الحَوَادِثِ"، كَمَا أَنَّهُ أَثْبَتَ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ "الكَلَامَ النَّفْسِيَّ" لِلَّهِ تَعَالَى دُونَ الحَرْفِ وَالصَّوْتِ.
قِصَّتُهُ مَعَ الإِمَامِ البَرْبَهَارِيِّ: لَمَّا دَخَلَ أَبُو الحَسَنِ بَغْدَادَ (بَعْدَ سَنَةَ 300هـ)، جَاءَ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ البَرْبَهَارِيِّ (إِمَامِ الحَنَابِلَةِ وَالأَثَرِ فِي زَمَنِهِ، تَوْفِيَ 329هـ)؛ فَجَعَلَ الأَشْعَرِيُّ يَقُولُ: «أَنَا رَدَدْتُ عَلَى الجُبَّائِيِّ، وَرَدَدْتُ عَلَى المَجُوسِ، وَأَبْطَلْتُ مَقَالَاتِ المَفْتُونِينَ»، فَقَالَ لَهُ البَرْبَهَارِيُّ بِلِسَانِ الأَثَرِ الصَّارِمِ: «لَا نَعْرِفُ مِمَّا قُلْتَ قَلِيلاً وَلَا كَثِيراً، وَلَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ». [4] فَخَرَجَ الأَشْعَرِيُّ مِنْ عِنْدِهِ مُتَأَثِّراً، وَعَلِمَ أَنَّ مَذْهَبَ الكُلَّابِيَّةِ لَيْسَ هُوَ مَذْهَبَ أَهْلِ الحَدِيثِ الخَالِصِ.
المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ (مَذْهَبُ السَّلَفِ الخَالِصِ - الِاسْتِقْرَارُ): صَنَّفَ الأَشْعَرِيُّ كِتَابَهُ الأَخِيرَ "الإِبَانَة عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ"، وَهُوَ آخِرُ مَا صَنَّفَ فِي عَقِيدَتِهِ، حَيْثُ أَعْلَنَ فِيهِ صَرَاحَةً طَاعَتَهُ لِمَذْهَبِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ نَصّاً: «قَوْلُنَا الَّذِي نَقُولُ بِهِ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي نَدِينُ بِهَا: التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ رَبِّنا، وَبِسُنَّةِ نَبِيِّنَا، وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الحَدِيثِ، وَمَا كَانَ يَقُولُ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ- قَائِلُونَ، وَلِمَا خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ». [5] فَأَثْبَتَ فِي هَذَا الكِتَابِ الِاسْتِوَاءَ عَلَى العَرْشِ، وَالفَوْقِيَّةَ، وَاليَدَيْنِ، وَالعَيْنَيْنِ، وَالنُّزُولَ لِلَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، مِثْلَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الحَدِيثِ.
2. أَبُو المَعَالِي الجُوَيْنِيُّ (عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - إِمَامُ الحَرَمَيْنِ):
المَوْلِدُ وَالوَفَاةُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ فِي جُوَيْنَ (بِقُرْبِ نَيْسَابُورَ) سَنَةَ 419هـ، وَنَشَأَ فِيهَا حَيْثُ تَلَقَّى الكَلَامَ الأَشْعَرِيَّ عَنْ أَبِيهِ، وَتُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ سَنَةَ 478هـ. [6]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ تَابَ:
كَانَ رَأْسَ المُتَكَلِّمِينَ فِي زَمَنِهِ، أَبْحَرَ فِي التَّأْوِيلِ النَّظَرِيِّ الأَشْعَرِيِّ، وَصَنَّفَ كِتَابَ "الإِرْشَادِ" وَفِيهِ تَأْوِيلَاتٌ مُوسَّعَةٌ لِلصِّفَاتِ. لَكِنَّهُ فِي نِهَايَةِ عُمْرِهِ رَجَعَ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ رُجُوعاً بَاتّاً، وَأَلَّفَ رِسَالَتَهُ الشَّهِيرَةَ "النِّظَامِيَّةُ فِي الأَرْكَانِ الإِسْلَامِيَّةِ" وَقَالَ فِيهَا: «الَّذِي نَرْتَضِيهِ رَأْياً، وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ عَقْداً: اتِّبَاعُ سَلَفِ الأُمَّةِ... فَالْأَوْلَى اتِّبَاعُ السَّلَفِ، وَتَرْكُ التَّأْوِيلِ». [7] وَأُثِرَتْ عَنْهُ كَلِمَتُهُ التَّارِيخِيَّةُ المَشْهُورَةُ يَبْكِي عَلَى فِرَاشِ المَوْتِ: «يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالكَلَامِ، لَوْ عَرَفْتُ أَنَّ الكَلَامَ يَبْلُغُ بِي إِلَى مَا بَلَغَ مَا اشْتَغَلْتُ بِهِ، هَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي -أَوْ قَالَ: عَقِيدَةِ عَجَائِزِ نَيْسَابُورَ-». [8]
3. أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ):
المَوْلِدُ وَالوَفَاةُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ بِطُوسَ (خُرَاسَانَ) سَنَةَ 450هـ، وَنَشَأَ طَالِباً لِلْفِقْهِ وَالكَلَامِ عِنْدَ الجُوَيْنِيِّ، وَتُوُفِّيَ بِطُوسَ سَنَةَ 505هـ. [9]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ تَابَ:
خَاضَ الغَزَالِيُّ فِي الكَلَامِ الأَشْعَرِيِّ وَالفَلْسَفَةِ (مِثْلَ "تَهَافُتِ الفَلَاسِفَةِ")، ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ إِلَى التَّصَوُّفِ الحُلُولِيِّ فِي "الإِحْيَاءِ". وَلَكِنَّ اللَّهَ تَدَارَكَهُ بِرَحْمَتِهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ (نَحْوَ سَنَةَ 504هـ)، فَأَقْبَلَ عَلَى سَمَاعِ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ مِنَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَصَنَّفَ كِتَابَهُ الأَخِيرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَسَمَّاهُ: "إِلْجَامُ العَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الكَلَامِ"، حَرَّمَ فِيهِ الخَوْضَ فِي التَّأْوِيلِ، وَأَوْجَبَ فِيهِ الإِيمَانَ بِمَا جَاءَ فِي ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ الصَّحَابَةُ، وَمَاتَ وَصَحِيحُ البُخَارِيِّ عَلَى صَدْرِهِ. [10]
4. فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ):
المَوْلِدُ وَالوَفَاةُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ بِالرَّيِّ سَنَةَ 544هـ، وَنَشَأَ فِي بَيْتِ جَدَلٍ وَعِلْمِ نَظَرٍ، وَتُوُفِّيَ بِهَرَاةَ سَنَةَ 606هـ. [11]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ تَابَ:
صَاحِبُ "تَأْوِيلَاتِ نَجْمِ الدِّينِ" وَ"تَفْسِيرِ مَفَاتِيحِ الغَيْبِ"، كَانَ هُوَ القُطْبَ الأَعْظَمَ لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الأَشَاعِرَةِ، أَقَامَ القَوَانِينَ الكَلَامِيَّةَ لِنَفْيِ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ (القَانُونُ الكُلِّيُّ فِي التَّأْوِيلِ). لَكِنَّهُ عِنْدَ نِهَايَةِ عُمْرِهِ، أَوْرَثَهُ الكَلَامُ شَكّاً عَمِيقاً، فَانْتَفَضَ تَائِباً وَسَطَّرَ وَصِيَّتَهُ التَّارِيخِيَّةَ الشَّهِيرَةَ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا: «لَقَدْ تَدَبَّرْتُ المَنَاهِجَ الكَلَامِيَّةَ، وَالطُّرُقَ الفَلْسَفِيَّةَ، فَلَمْ أَجِدْهَا تَشْفِي غَلِيلاً، وَلَا تَرْوِي غَلِيلاً، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ القُرْآنِ؛ أَقْرَأُ فِي الإِثْبَاتِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى}، وَأَقْرَأُ فِي النَّفْيِ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}... وَمَنْ جَرَّبَ مِثْلَ تَجْرِبَتِي عَرَفَ مِثْلَ مَعْرِفَتِي». [12]
5. أَبُو الفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ):
المَوْلِدُ وَالوَفَاةُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ فِي شَهْرَسْتَانَ سَنَةَ 479هـ، وَنَشَأَ مُتَبَحِّراً فِي عِلْمِ الفِرَقِ وَالمَقَالَاتِ، وَتُوُفِّيَ فِيهَا سَنَةَ 548هـ. [13]
بِدْعَتُهُ وَكَيْفَ وَقَعَ فِيهَا ثُمَّ تَابَ:
أَبْحَرَ فِي الفَلْسَفَةِ وَالكَلَامِ الأَشْعَرِيِّ، وَصَنَّفَ كِتَابَهُ المَعْرُوفَ "نِهَايَةُ الإِقْدَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ". غَيْرَ أَنَّهُ أَعْلَنَ النَّدَمَ العَظِيمَ فِي آخِرِ كُتُبِهِ، بَعْدَمَا مَخَضَ مَقَالَاتِ الفَلَاسِفَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا طُمَأْنِينَةً، حَيْثُ نَظَمَ أَبْيَاتَهُ البَاكِيَةَ المَشْهُورَةَ فِي مَطْلَعِ "نِهَايَةِ الإِقْدَامِ":
لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ المَعَالِمِ
فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعاً كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعاً سِنَّ نَادِمِ [14]
وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَ الفَلَاسِفَةِ وَمُتَكَلِّمِي الجَهْمِيَّةِ إِلَّا الحَيْرَةَ، وَأَنَّ السَّلَامَةَ الفِطْرِيَّةَ هِيَ فِيمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الحَدِيثِ عَنِ السَّلَفِ.
[الحَاشِيَةُ ]____________________________________♤
[1] الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 15، ص 85 - 86، ط: مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.
[2] ابْنُ عَسَاكِرَ، عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ، تَبْيِينُ كَذِبِ المُفْتَرِي فِيمَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، ص 39 - 41، ط: دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ.
[3] تَعْرِيفٌ بِابْنِ كُلَّابٍ فِي الحَاشِيَةِ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الكُلَّابِيُّ البَصْرِيُّ (تَوْفِيَ نَحْوَ سَنَةَ 240هـ)، كَانَ يُنَاظِرُ المُعْتَزِلَةَ فِي زَمَنِ المِحْنَةِ، نَشَأَ عَلَى طَرِيقِ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ وَنَفْيِ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ (قِيَامِ الحَوَادِثِ). شُيُوخُهُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ شُيُوخٌ مَشْهُورُونَ مِنَ الأَثَرِ بَلْ تَلَقَّى النَّظَرَ العَقْلِيَّ عَنْ أَصْحَابِ النَّظَرِ؛ تَلَامِيذُهُ: أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ، وَأَبُو العَبَّاسِ القَلَانِسِيُّ، وَتَأَثَّرَ بِهِ الأَشْعَرِيُّ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ. (انْظُرْ: الذَّهَبِيُّ، السِّيَرَ ج 11، ص 174).
[4] ابْنُ أَبِي يَعْلَى، أَبُو الحُسَيْنِ، طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ، ج 2، ص 18، ط: دَارُ المَعْرِفَةِ (تَرْجَمَةُ الإِمَامِ البَرْبَهَارِيِّ وَخَبَرُ دُخُولِ الأَشْعَرِيِّ عَلَيْهِ).
[5] الأَشْعَرِيُّ، أَبُو الحَسَنِ، الإِبَانَة عَنْ أُصُولِ الدِّيَانَةِ، ص 20، ط: دَارُ الأَنْصَارِ.
[6] ابْنُ خَلِّكَانَ، أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَفَيَاتُ الأَعْيَانِ وَأَنْبَاءُ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ، ج 3، ص 167، ط: دَارُ صَادِرٍ.
[7] الجُوَيْنِيُّ، إِمَامُ الحَرَمَيْنِ، الرِّسَالَةُ النِّظَامِيَّةُ فِي الأَرْكَانِ الإِسْلَامِيَّةِ، ص 32، ط: المَكْتَبَةُ الأَزْهَرِيَّةُ لِلتُّرَاثِ.
[8] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 18، ص 474.
[9] الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ، تَارِيخُ بَغْدَادَ، ج 4، ص 233.
[10] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 19، ص 323؛ وَانْظُرْ: الغَزَالِيُّ، إِلْجَامُ العَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الكَلَامِ، ص 54، ط: دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ.
[11] ابْنُ أَبِي أُصَيْبِعَةَ، عُيُونُ الأَنْبَاءِ فِي طَبَقَاتِ الأَطِبَّاءِ، ج 2، ص 23، ط: دَارُ الثَّقَافَةِ.
[12] الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 21، ص 500 - 501 (نَصُّ وَصِيَّةِ الفَخْرِ الرَّازِيِّ قُبَيْلَ مَوْتِهِ).
[13] ابْنُ الأَثِيرِ، عِزُّ الدِّينِ، الكَامِلُ فِي التَّارِيخِ، ج 9، ص 380، ط: دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ.
[14] الشَّهْرَسْتَانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ، نِهَايَةُ الإِقْدَامِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ، ص 4، ط: مَطْبَعَةُ ثَقَافَةِ الدِّينِ.
♤______________________________________64________________________________________________♤
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: الثَّبَاتُ وَحُسْنُ الِخْتَامِ (المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ)
[الجُزْءُ الأَوَّلُ: وَجَلُ الصَّالِحِينَ مِنْ تَقَلُّبِ القُلُوبِ وَسَلْبِ النُّورِ]
إِنَّ مَدَارَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ المَضْغَةِ الكَامِنَةِ فِي الصَّدْرِ؛ فَإِنَّ القَلْبَ لِأَشَدُّ تَقَلُّباً مِنَ القِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَاناً. وَلَمْ يَكُنْ خَوْفُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَوَجَلُهُمْ قَائِماً عَلَى الشَّكِّ فِي وَعْدِ اللَّهِ، بَلْ كَانَ خَوْفُهُمْ نَابِعاً مِنْ مَعْرِفَتِهِمْ بِتَقَلُّبِ القُلُوبِ، وَخَفَاءِ المَكْرِ، وَإِمْكَانِ سَلْبِ النُّورِ بَعْدَ إِعْطَائِهِ، وَأَنْ يَحُولَ اللَّهُ بَيْنَ المَرْءِ وَقَلْبِهِ. كَانَ أَحَدُهُمْ يَعْمَلُ عَمَلَ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ يَبْكِي بَعِيداً عَنِ الأَعْيُنِ، خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ فِي أُمِّ الكِتَابِ شَقِيّاً، أَوْ أَنْ يَخْتِمَ لَهُ بِخَاتِمَةِ السَّيِّئَاتِ.
وَلِإِيطَاحِ هَذَا الوَجَلِ السَّلَفِيِّ المَنِيفِ، نُورِدُ الآثَارَ المَرْفُوعَةَ وَالمَوْقُوفَةَ المُبَيِّنَةَ لِحَقِيقَةِ هَذَا المَقَامِ:
أَوَّلاً: شَفَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى قَلْبِهِ:
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُكْثِرُ فِي دُعَائِهِ أَنْ يَقُولَ: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ القُلُوبَ لَتَتَقَلَّبُ؟ قَالَ: «نَعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ مِنْ بَنِي آدَمَ بَشَرٌ إِلَّا وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّنَا أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا». [1]
ثَانِيَاً: خَوْفُ رَاوِي السُّنَّةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
عَنْ أَبِي مُتَوَكِّلٍ النَّاجِيِّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ لَا تَنْزِعْ مِنِّي الإِيمَانَ كَمَا نَزَعْتَهُ مِنْ فُلَانٍ، وَلَا تَسْلُبْنِي النُّورَ بَعْدَ إِذْ أَعْطَيْتَنِي». وَكَانَ يَبْكِي حَتَّى تَبْتَلَّ لِحْيَتُهُ، وَيَقُولُ: «العِبْرَةُ بِالخَوَاتِيمِ، وَالقَلْبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ». [2]
ثَالِثَاً: رَعْدَةُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عِنْدَ المَوْتِ:
دَخَلُوا عَلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، فَجَعَلَ يَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَعَلَى الذُّنُوبِ تَبْكِي؟ فَأَخَذَ سُفْيَانُ تِبْنَةً مِنَ الأَرْضِ وَقَالَ: «لَلذُّنُوبُ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ، وَلَكِنِّي أَبْكِي خَشْيَةَ أَنْ أُسْلَبَ الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ، وَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ سَبَقَ عَلَيَّ الكِتَابُ بِغَيْرِ الحُسْنَى». [3]
رَابِعَاً: وَجَلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ زَوَالِ النِّعْمَةِ العُظْمَى:
كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُسْتَنّاً فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ». وَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَرْتَدَّ عَلَى عَقِبَيَّ، أَوْ أَنْ أُفْتَنَ فِي دِينِي، أَوْ أُسْلَبَ نُورَ بَصِيرَتِي بَعْدَ طُولِ لُزُومِ السُّنَّةِ». [4]
خَامِسَاً: بُكَاءُ مَكْحُولٍ الشَّامِيِّ وَتَخَوُّفُهُ مِمَّا خَفِيَ:
كَانَ مَكْحُولٌ الشَّامِيُّ إِذَا قَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ} يَبْكِي حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَيَقُولُ: «وَيْحَ القُلُوبِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ! عَبَدُوا عِبَادَةً ظَنُّوهَا نَجَاةً، فَإِذَا هِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ هَبَاءٌ، وَبَدَا لَهُمْ مِنَ الخَاتِمَةِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَظُنُّونَ». [5]
[الحَاشِيَةُ ]______________________________♤
[1] تَخْرِيجُ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ:
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ، (رَقْمُ 3522)، وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (ج 6، ص 315). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ". وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِلَفْظِ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: دَلَّ الحَدِيثُ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ الثَّبَاتَ لَيْسَ بِقُوَّةِ العَبْدِ وَلَا بِكَثْرَةِ عَمَلِهِ، بَلْ هُوَ مَحْضُ تَثْبِيتٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ تَقَلُّبَ القَلْبِ مَقْدُورٌ مَخُوفٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ المَعْصُومُ يُكْثِرُ مِنْ هَذَا الِالْتِجَاءِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: وُجُوبُ كَسْرِ النَّفْسِ، وَعَدَمِ الِاتِّكَالِ عَلَى الرَّصِيدِ العِلْمِيِّ أَوِ العَمَلِيِّ؛ فَإِنَّ تَقَلُّبَ القَلْبِ أَسْرَعُ مِنْ غَلَيَانِ القِدْرِ، وَالدُّعَاءُ هُوَ حِصْنُ الثَّبَاتِ.
[2] تَخْرِيجُ أَثَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنَّفِ، كِتَابُ الدُّعَاءِ، (ج 6، ص 45)، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ (ج 1، ص 382) بِسَنَدٍ جَيِّدٍ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: قَوْلُهُ: «كَمَا نَزَعْتَهُ مِنْ فُلَانٍ» فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُعَايِنُونَ بِأَعْيُنِهِمْ حَالَ مَنْ يَنْتَكِسُ وَيُسْلَبُ نُورُهُ بَعْدَ الهِدَايَةِ، فَيُورِثُهُمْ ذَلِكَ خَوْفاً شَدِيداً أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ مَا حَلَّ بِغَيْرِهِمْ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِاعْتِبَارُ بِمَصَارِعِ المَفْتُونِينَ، وَأَنَّ رُؤْيَةَ المُنْتَكِسِ لَا تَجْعَلُ العَبْدَ يَسْخَرُ أَوْ يَأْمَنُ، بَلْ يَجْأَرُ إِلَى اللَّهِ بِالحِمَايَةِ مِنْ سَلْبِ النُّورِ.
[3] تَخْرِيجُ أَثَرِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ:
أَخْرَجَهُ المَرْوَزِيُّ فِي مُسْنَدِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ (ص 89)، وَابْنُ الجَوْزِيِّ فِي صِفَةِ الصَّفْوَةِ (ج 2، ص 120).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: فِيهِ أَنَّ الخَوْفَ الأَكْبَرَ لَدَى عُلَمَاءِ الأَثَرِ لَيْسَ مِنْ مُجَرَّدِ نَقْصِ الطَّاعَاتِ، بَلْ مِنَ الخَوَاتِيمِ المَحْجُوبَةِ فِي سَابِقِ العِلْمِ الإِلَهِيِّ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الخَوْفُ المَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ لِلْعَمَلِ وَيَقْطَعُ العُجْبَ. سُفْيَانُ رَغْمَ إِمَامَتِهِ فِي الحَدِيثِ لَمْ يَأْمَنِ السَّابِقَةَ.
[4] تَخْرِيجُ أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ (ج 1، ص 95)، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فِي جَامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وَفَضْلِهِ (رَقْمُ 1812) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَقْعِيدُهُ الصَّارِمُ بِأَنَّ الفِتْنَةَ مَأْمُونَةٌ فَقَطْ عَلَى مَنْ دُفِنَ عَلَى السُّنَّةِ، أَمَّا الأَحْيَاءُ فَهُمْ فِي مَيْدَانِ التَّقَلُّبِ وَالخَطَرِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: النَّهْيُ عَنِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى لِلْأَحْيَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لِأَنَّ الحَيَّ قَدْ يَتَغَيَّرُ، وَالحَذَرُ الشَّدِيدُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ تَغَيُّرِ المَسَارِ.
[5] تَخْرِيجُ أَثَرِ مَكْحُولٍ:
أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ (ج 5، ص 182)، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ (ج 60، ص 240).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ رُعْبِ الصَّالِحِينَ مِنْ آيَةِ الزِّيغِ بَعْدَ الهُدَى، حَيْثُ يُفَاجَأُ العَبْدُ بِمَا لَمْ يَكُنْ يَظُنُّهُ مِنْ خَبَايَا نَفْسِهِ الَّتِي أَوْرَثَتْهُ سُوءَ الخَاتِمَةِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: ضَرُورَةُ تَفَقُّدِ السَّرَائِرِ؛ فَلَا يَصْلُحُ الظَّاهِرُ مَعَ خَرَابِ البَاطِنِ، فَإِنَّ خَبَايَا الصُّدُورِ تَنْبَثِقُ عِنْدَ لَحَظَاتِ المَوْتِ
♤_____________________________________65___________________________________________♤
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: الثَّبَاتُ وَحُسْنُ الِخْتَامِ (المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ)
[الجُزْءُ الثَّانِي: مَفْهُومُ الثَّبَاتِ وَعَلَامَاتُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ]
قُلْتُ:
إِنَّ مَفْهُومَ الثَّبَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ لَيْسَ جُمُوداً طَبْعِيّاً، وَلَا ادِّعَاءً لِلْعِصْمَةِ، بَلْ هُوَ لُزُومُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَتَمَسُّكُ العَبْدِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَمُجَانَبَةُ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى الطَّاعَةِ حَتَّى يَقْبِضَهُ مَالِكُ المُلْكِ عَلَى ذَلِكَ. وَأَعْظَمُ الثَّبَاتِ هُوَ الثَّبَاتُ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبُهَاتِ المُضِلَّةِ، وَالشَّهَوَاتِ المُذِلَّةِ، وَعِنْدَ كَرْبِ المَوْتِ وَمُعَايَنَةِ مَلَكِ المَوْتِ.
وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِعُ الحَكِيمُ لِحُسْنِ الخَاتِمَةِ دَلَائِلَ وَأَمَارَاتٍ، يُسْتَبْشَرُ بِهَا لِلْعَبْدِ المَيِّتِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نَقْطَعُ لِأَحَدٍ بِعَيْنِهِ بِجَنَّةٍ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، لَكِنَّنَا نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ وَنَخَافُ عَلَى المُسِيءِ.
مَفْهُومُ الثَّبَاتِ فِي التَّأْصِيلِ الشَّرْعِيِّ:
أَصْلُ الثَّبَاتِ هُوَ "الِاسْتِقَامَةُ" الَّتِي مَدَحَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا} [فصلت: 30]. وَقَدْ فَسَّرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الِاسْتِقَامَةَ هُنَا بِقَوْلِهِ: «أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، وَأَنْ يَثْبُتُوا عَلَى أَنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ فَلَا يَلْتَفِتُوا إِلَى إِلَهٍ غَيْرِهِ». وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اسْتَقَامُوا وَاللَّهِ عَلَى الطَّاعَةِ لِلَّهِ، وَلَمْ يَرُوغُوا رَوَغَانَ الثَّعَالِبِ». [1]
عَلَامَاتُ حُسْنِ الخَاتِمَةِ بِالتَّفْصِيلِ الشَّرْعِيِّ:
لَقَدْ تَتَبَّعَ العُلَمَاءُ الأَثَرِيُّونَ النُّصُوصَ المَرْفُوعَةَ، فَوَجَدُوا أَنَّ لِحُسْنِ الخَاتِمَةِ عَلَامَاتٍ جَلِيَّةً، نَقْسِمُهَا إِلَى مَحَاوِرَ ثَلَاثَةٍ:
أَوَّلاً: العَلَامَاتُ النُّطْقِيَّةُ وَالقَلْبِيَّةُ:
النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ المَوْتِ: وَهِيَ أَعْظَمُ العَلَامَاتِ وَأَجْلَاهَا؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ». [2]
رَشْحُ الجَبِينِ (عَرَقُ الجَبْهَةِ): أَنْ يَمُوتَ العَبْدُ وَجَبِينُهُ يَعْرَقُ؛ لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَوْتُ المُؤْمِنِ بِعَرَقِ الجَبِينِ». [3]
ثَانِيَاً: العَلَامَاتُ العَمَلِيَّةُ (التَّوْفِيقُ لِلطَّاعَةِ):
المَوْتُ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ: أَنْ يَقْبِضَ اللَّهُ العَبْدَ وَهُوَ قَائِمٌ بِطَاعَةٍ (كَصَلَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ، أَوْ طَلَبِ عِلْمٍ، أَوْ ذِكْرٍ)؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً عَسَلَهُ»، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ؟ قَالَ: «يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُ عَمَلاً صَالِحاً قَبْلَ مَوْتِهِ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ». [4]
ثَالِثَاً: المَيْتَاتُ الشَّرِيفَةُ (أَنْوَاعُ الشَّهَادَةِ):
المَوْتُ بِبَعْضِ الأَمْرَاضِ البَاطِنَةِ أَوِ الحَوَادِثِ: مِثْلُ المَوْتِ بِالمَبْطُونِ (أَمْرَاضِ الجَوْفِ)، أَوْ المَطْعُونِ (الطَّاعُونِ)، أَوْ الغَرِيقِ، أَوْ الهَدِيمِ (تَحْتَ الأَنْقَاضِ)، أَوْ المَرْأَةِ تَمُوتُ فِي جُمْعٍ (أَيْ بِسَبَبِ النِّفَاسِ وَالوِلَادَةِ)؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». [5]
المَوْتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتَهَا: وَهِيَ دَلَالَةُ وِقَايَةٍ مِنَ الفِتْنَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ القَبْرِ». [6]
[الحَاشِيَةُ ]_______________________________________♤
[1] تَخْرِيجُ آثَارِ الِاسْتِقَامَةِ:
أَخْرَجَهَا الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ البَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ القُرْآنِ (ج 24، ص 30 - 32)، وَابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ الآيَةِ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ الصِّدِّيقِ وَالفَارُوقِ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَأْصِيلُ أَنَّ الثَّبَاتَ الحَقِيقِيَّ هُوَ خُلُوصُ التَّوْحِيدِ وَعَدَمُ الِالتِفَاتِ عَنِ السُّنَّةِ يَمْنَةً وَيَسْرَةً، فَلَيْسَ العِبْرَةُ بِكَثْرَةِ الحَرَكَةِ بَلْ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى النَّهْجِ الأَوَّلِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: تَحْذِيرُ عُمَرَ مِنْ "رَوَغَانِ الثَّعَالِبِ" فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ التَّلَوُّنِ فِي الدِّينِ؛ فَإِنَّ المُنْتَكِسَ يَبْدَأُ تَلَوُّنُهُ بِالرَّوَغَانِ الشَّبَهِيِّ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ فِي فِتْنَةِ سُوءِ الخَاتِمَةِ.
[2] تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّلْقِينِ:
أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، بَابُ فِي التَّلْقِينِ، (رَقْمُ 3116)، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (ج 1، ص 351) مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: جَعْلُ الشَّهَادَةِ فِي آخِرِ الأَنْفَاسِ فَيْصَلاً فِي حُسْنِ الحَالِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَا تَعْلُو عَلَى لِسَانِ العَبْدِ فِي تِلْكَ السَّعَةِ الحَرِجَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ القَلْبُ مُشْرَباً بِهَا، ثَابِتاً عَلَيْهَا.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: النُّطْقُ بِالتَّوْحِيدِ عِنْدَ المَوْتِ ثَمَرَةٌ لِلْعَيْشِ عَلَيْهِ؛ فَالمَرْءُ يَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ، وَمَنْ ثَبَّتَ لِسَانَهُ بِالذِّكْرِ فِي الرَّخَاءِ، ثَبَّتَهُ اللَّهُ فِي الشِّدَّةِ.
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ عَرَقِ الجَبِينِ:
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، (رَقْمُ 982)، وَالنَّسَائِيُّ (ج 4، ص 6)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْمُ 1452) عَنْ بُرَيْدَةَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: جَعْلُ رَشْحِ الجَبِينِ أَمَارَةً لِلْمُؤْمِنِ؛ وَقِيلَ فِي حِكْمَتِهِ: هُوَ لِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الشِّدَّةِ فَتُمَحَّصُ ذُنُوبُهُ، أَوْ لِحَيَائِهِ مِنْ رَبِّهِ عِنْدَ مُعَايَنَةِ بُشْرَاهُ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: البَأْسُ وَالشِّدَّةُ عِنْدَ النَّزْعِ لَيْسَا دَلِيلاً عَلَى سُوءِ الحَالِ مُطْلَقاً، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ تَرْفِيعاً لِدَرَجَاتِ المُؤْمِنِ النَّقِيِّ وَتَكْفِيراً لِآخِرِ خَطَايَاهُ.
[4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الِاعْتِسَالِ:
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (ج 4، ص 203)، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ (ج 1، ص 340) عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَمِقِ الخُزَاعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: لَفْظُ "عَسَلَهُ" اِسْتِعَارَةٌ نَبَوِيَّةٌ بَدِيعَةٌ مِنْ طِيبِ العَسَلِ؛ حَيْثُ يُجْمِلُ اللَّهُ حَالَ العَبْدِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ بَيْنَ النَّاسِ قَبْلَ رَحِيلِهِ، فَيَكُونُ مَوْتُهُ عَلَى طَاعَةٍ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الحَذَرُ مِنْ فُجَاءَةِ المَوْتِ عَلَى الغَفْلَةِ، وَالتَّضَرُّعُ إِلَى اللَّهِ أَنْ يَهَبَ العَبْدَ "عَسَلاً" عَمَلِيّاً يَلْقَاهُ بِهِ.
[5] تَخْرِيجُ حَدِيثِ أَنْوَاعِ الشُّهَدَاءِ:
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الأَذَانِ، بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ، (رَقْمُ 653)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الإِمَارَةِ، (رَقْمُ 1914) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَأْكِيدُ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذْ جَعَلَ بَعْضَ المِيتَاتِ الشَّدِيدَةِ سَبِيلاً لِنَيْلِ مَقَامِ الشَّهَادَةِ الحُكْمِيَّةِ فِي الآخِرَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى حُسْنِ خِتَامِهِمْ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: فِيهِ عَزَاءٌ بَلِيغٌ لِأَهْلِ المَصَائِبِ؛ فَمَنْ مَاتَ بِغَرَقٍ أَوْ هَدْمٍ أَوْ مَرَضِ بَطْنٍ فَلَهُ أَمَارَةُ خَيْرٍ وَشَهَادَةٍ، فَلَا يُحْزَنُ عَلَيْهِ حُزْنَ اليَأْسِ.
[6] تَخْرِيجُ حَدِيثِ المَوْتِ يَوْمَ الجُمُعَةِ:
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (ج 2، ص 169)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ (رَقْمُ 1074) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَفِيهِ مَقَالٌ لَكِنَّهُ شَوَاهِدُهُ تَرْفَعُهُ لِلْحُسْنِ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: خُصُوصِيَّةُ الزَّمَانِ الشَّرِيفِ؛ فَإِنَّ تَوْفِيقَ العَبْدِ لِلْمَوْتِ فِي هَذَا اليَوْمِ دَلَالَةٌ عَلَى عِنَايَةِ اللَّهِ بِهِ، حَيْثُ يُعَافَى مِنْ فِتْنَةِ السُّؤَالِ أَوْ مِحْنَةِ القَبْرِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: شَرَفُ الأَزْمِنَةِ لَهُ أَثَرٌ فِي مَصَائِرِ العِبَادِ، وَهُوَ مَحْضُ فِعْلٍ إِلَهِيٍّ لَا حِيلَةَ لِلْعَبْدِ فِيهِ، بَلْ يَرْزُقُهُ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
♤_______________________________66_____________________________________♤
[الجُزْءُ الثَّالِثُ: مَفْهُومُ الِانْتِكَاسَةِ وَعَلَامَاتُ سُوءِ الخَاتِمَةِ]
قُلْتُ:
إِنَّ مَفْهُومَ الِانْتِكَاسَةِ فِي العُرْفِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الرُّجُوعُ عَنِ الهُدَى إِلَى الضَّلَالِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى البدْعَةِ، وَمِنَ الطَّاعَةِ إِلَى المَعْصِيَةِ، بَعْدَ أَنْ ذَاقَ العَبْدُ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ وَعَرَفَ طَرِيقَ الأَثَرِ. وَالِانْتِكَاسَةُ لَا تَأْتِي بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ مُقَدِّمَاتٍ، بَلْ هِيَ ثَمَرَةٌ سَيِّئَةٌ لِخَبِيئَةِ سُوءٍ فِي البَاطِنِ، أَوْ إِصْرَارٍ عَلَى ذَنْبٍ فِي الخَفَاءِ، أَوْ فِتْنَةِ شُبْهَةٍ جَالَسَ فِيهَا العَبْدُ أَهْلَ الأَهْوَاءِ فَأُشْرِبَهَا قَلْبُهُ، فَحُرِمَ التَّوْفِيقَ عِنْدَ لَحَظَاتِ النَّزْعِ، وَعُوجِلَ بِسُوءِ الخَاتِمَةِ -وَعِيَاذاً بِاللَّهِ-.
مَفْهُومُ الِانْتِكَاسَةِ فِي التَّأْصِيلِ الشَّرْعِيِّ:
أَصْلُ الِانْتِكَاسِ هُوَ الِانْقِلَابُ عَلَى الرَّأْسِ، وَفِي القُرْآنِ: {ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ} [الأنبياء: 65]. وَفِي السُّنَّةِ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: «وَالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ»، وَهُوَ النَّقْصُ بَعْدَ الزِّيَادَةِ، وَالرُّجُوعُ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ. وَقَدْ قَرَّرَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ أَنَّ العَبْدَ قَدْ يَعْمَلُ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَبَاطِنُهُ مَشْحُونٌ بِالنِّفَاقِ أَوِ الرِّبَاءِ أَوِ البِدْعَةِ، فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ الخَبِيئَةُ عِنْدَ المَوْتِ. [1]
عَلَامَاتُ سُوءِ الخَاتِمَةِ بِالتَّفْصِيلِ الشَّرْعِيِّ الصَّارِمِ:
تَنْقَسِمُ أَمَارَاتُ سُوءِ الخَاتِمَةِ الدَّالَّةِ عَلَى خِذْلَانِ العَبْدِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ عِلْمِيَّةٍ:
أَوَّلاً: العَلَامَاتُ النُّطْقِيَّةُ (العَجْزُ عَنِ التَّوْحِيدِ):
الِانْصِرَافُ عَنِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ التَّلْقِينِ: أَنْ يُلَقَّنَ العَبْدُ (قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، فَيَعْجِزَ لِسَانُهُ عَنْ نُطْقِهَا، أَوْ يَنْطِقَ بِمَا كَانَ مُغْرَماً بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ غِنَاءٍ، أَوْ تِجَارَةٍ، أَوْ لَعِبٍ، أَوْ أَهْوَاءٍ كَلَامِيَّةٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]. [2]
التَّسَخُّطُ عَلَى القَدَرِ وَالتَّفَوُّهُ بِالِاعْتِرَاضِ: أَنْ يَمُوتَ العَبْدُ وَهُوَ سَاخِطٌ عَلَى رَبِّهِ، مُعْتَرِضٌ عَلَى بَلَائِهِ، يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ قَدْ ظَلَمَهُ بِالمَوْتِ أَوِ المَرَضِ، فَيَمُوتُ عَلَى الشَّكِّ وَالِارْتِيَابِ. [3]
ثَانِيَاً: العَلَامَاتُ العَمَلِيَّةُ (المَوْتُ عَلَى الخِذْلَانِ):
المَوْتُ عَلَى المَعْصِيَةِ أَوِ البِدْعَةِ: أَنْ يُقْبَضَ العَبْدُ وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِكَبِيرَةٍ (كَالخَمْرِ، أَوِ الزِّنَا، أَوْ سَمَاعِ المَلَاهِي)، أَوْ أَنْ يَمُوتَ وَهُوَ يُنَافِحُ عَنِ العَقَائِدِ الكَلَامِيَّةِ المُنْحَرِفَةِ مُعَادِياً لِأَهْلِ الأَثَرِ؛ لِحَدِيثِ: «وَمَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ». [4]
ثَالِثَاً: العَلَامَاتُ الجَسَدِيَّةُ (صُوَرُ الكُشُوفِ المَخُوفَةِ):
عُبُوسُ الوَجْهِ وَظُلْمَتُهُ وَسَوَادُهُ: أَنْ تَتَغَيَّرَ سِحْنَةُ المَيِّتِ عِنْدَ نَزْعِ رُوحِهِ فَيَظْهَرَ عَلَى وَجْهِهِ الكُمُودُ وَالسَّوَادُ، تَعْبِيراً عَمَّا يُعَايِنُهُ مِنْ سُوءِ المَقْعَدِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً} [يونس: 27]. [5]
الِانْصِرَافُ عَنِ القِبْلَةِ عِنْدَ النَّزْعِ: أَنْ يُوَجَّهَ المَرِيضُ إِلَى القِبْلَةِ فَيَسْتَدِيرَ عَنْهَا بِجَسَدِهِ جَبْراً، وَهُوَ مَشْهُودٌ فِي تَرَاجِمِ بَعْضِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخِذْلَانِ كَمَا سَيَأْتِي. [6]
[الحَاشِيَةُ ]___________________________________♤
[1] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنَ الِانْتِكَاسِ:
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الحَجِّ، بَابُ التَّعَوُّذِ فِي السَّفَرِ، (رَقْمُ 1343) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ إِذَا سَافَرَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ... وَالحَوْرِ بَعْدَ الكَوْرِ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: "الحَوْرُ بَعْدَ الكَوْرِ" هُوَ الِانْتِكَاسُ؛ شُبِّهَ بِتَفْكِيكِ عِمَامَةِ الرَّأْسِ بَعْدَ لَفِّهَا وَإِحْكَامِهَا. فَفِيهِ دَلِيلٌ صَارِمٌ عَلَى أَنَّ العَبْدَ قَدْ يَنْقُضُ غَزْلَهُ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِانْتِكَاسَةُ عَقُوبَةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا تَقَعُ إِلَّا بِسَبَبِ جِنَايَةٍ مِنَ العَبْدِ؛ إِمَّا بِتَرْكِ شُكْرِ نِعْمَةِ السُّنَّةِ، أَوْ بِدُخُولِ شُبْهَةٍ لَمْ يُجَاهِدْهَا.
[2] تَخْرِيجُ أَثَرِ الخَوَاتِيمِ لِابْنِ القَيِّمِ:
أَوْرَدَهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ (ص 165 - 168)، حَيْثُ نَقَلَ مُعَايَنَاتٍ لِأُنَاسٍ حُجِبُوا عَنِ الشَّهَادَةِ عِنْدَ المَوْتِ.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ أَنَّ الجَوَارِحَ تَنْقَادُ عِنْدَ السَّكَرَاتِ لِمَا كَانَ سُلْطَاناً عَلَى القَلْبِ فِي الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ السُّلْطَانُ لِلْمَالِ أَوْ لِلشُّبْهَةِ الكَلَامِيَّةِ، انْطَلَقَ اللِّسَانُ بِهِ وَعَجَزَ عَنِ التَّوْحِيدِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: عَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالفَصَاحَةِ فِي حَالِ الرَّخَاءِ؛ فَإِنَّ تَنْطِيقَ اللِّسَانِ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ المَوْتِ مَلَكَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَهَبُهَا اللَّهُ لِأَهْلِ الإِخْلَاصِ وَالتَّمَسُّكِ بِالأَثَرِ فَقَطْ.
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ المَوْتِ:
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا، (رَقْمُ 2877) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ الصَّارِمِ لِلْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ المَوْتِ هُوَ طَرِيقُ الخِذْلَانِ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَمَارَاتِ سُوءِ الخَاتِمَةِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: وُجُوبُ تَغْلِيبِ جَانِبِ الرَّجَاءِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ فِي المَرَضِ المَخُوفِ، وَتَرْكِ الهَلَعِ الَّذِي قَدْ يَجُرُّ إِلَى الِاعْتِرَاضِ المُنْكِرِ.
[4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ بَعْثِ العَبْدِ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ:
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا، بَابُ الأَمْرِ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ المَوْتِ، (رَقْمُ 2878) عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْضاً.
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ المَوْتَ عَلَى حَالِ السَّيِّئَاتِ أَوْ البِدَعِ هُوَ خَاتِمَةُ السُّوءِ الَّتِي تَبْقَى صَحِيفَتُهَا مَخْتُومَةً بِهَا حَتَّى يُبْعَثَ العَبْدُ يَوْمَ النُّشُورِ مُعْلِناً بِجِنَايَتِهِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الخَوْفُ مِنْ لَحَظَاتِ الغَفْلَةِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَدْرِي مَتَى يَأْتِيهِ مَلَكُ المَوْتِ، فَمَنْ حَامَ حَوْلَ الحِمَى فِي المَعَاصِي أَوْ مَجَالِسِ المُرْتَابِينَ، عُوجِلَ فِيهَا.
[5] تَخْرِيجُ آثَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سَوَادِ الوُجُوهِ:
أَخْرَجَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: «تَبْيَضُّ وُجُوهُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ أَهْلِ البِدْعَةِ وَالفُرْقَةِ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ ظُهُورَ الظُّلْمَةِ وَالكُمُودِ عَلَى طَبِيعَةِ الوَجْهِ عِنْدَ المَوْتِ هُوَ عُنْوَانُ مَا حَلَّ بِالرُّوحِ مِنْ سَوَادِ المَعْصِيَةِ وَالِانْحِرَافِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: فِراسةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَمْوَاتِهِمْ؛ فَمَا يَظْهَرُ عَلَى الجَسَدِ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ فِيهِ عِبَرٌ لِلْمُعْتَبِرِينَ، وَزَجْرٌ عَنِ التَّهَاوُنِ بِعَقَائِدِ أَهْلِ الأَثَرِ.
[6] تَخْرِيجُ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ فِي الِاسْتِدَارَةِ عَنِ القِبْلَةِ:
أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي المُصَنَّفِ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، (ج 3، ص 395) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلاً عِنْدَ المَوْتِ يُحَوَّلُ وَجْهُهُ عَنِ القِبْلَةِ فَيَعُودُ، فَقَالَ سَعِيدٌ: «إِنَّمَا يُصْرَفُ عَنْهَا مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا فِي البَاطِنِ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ أَنَّ صَرْفَ الجَسَدِ قَسْراً عَنِ القِبْلَةِ أَمَارَةُ طَرْدٍ عَنِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ بِسَبَبِ انْحِرَافٍ قَلْبِيٍّ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ الصَّاحِبُ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِالتِجَاءُ الدَّائِمُ لِلَّهِ بِأَنْ يُحْيِيَنَا مُسْلِمِينَ مُسْتَقْبِلِينَ القِبْلَةَ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَعَدَمُ التَّعَامِي عَنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ الخَطِيرَةِ.
♤_____________________________67_______________________________♤
[الجُزْءُ الرَّابِعُ: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِمَسْأَلَةِ "يَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ"]
قُلْتُ:
إِنَّ مَسْأَلَةَ سَبْقِ الكِتَابِ عَلَى العَبْدِ عِنْدَ المَوْتِ هِيَ المَحَكُّ الأَعْظَمُ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ العُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ، وَالفَهْمُ الدَّقِيقُ لَهَا يَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبُهَاتِ الَّتِي أَوْرَثَتْ أَهْلَ البِدَعِ مِنَ الجَبْرِيَّةِ وَالقَدَرِيَّةِ مَزَالِقَ الرَّدَى. فَإِنَّ طَائِفَةً ظَنَّتْ أَنَّ سَبْقَ الكِتَابِ يَعْنِي ظُلْمَ العَبْدِ المُخْلِصِ الصَّادِقِ بِأَنْ يُقْلَبَ عَمَلُهُ قَسْراً، وَطَائِفَةً أُخْرَى نَفَتِ التَّقْدِيرَ السَّابِقَ كُلِّيَّةً، بَيْنَمَا اسْتَقَرَّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالحَدِيثِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَأَنَّ السَّابِقَةَ الحَتْمِيَّةَ تَتَوَافَقُ تَمَاماً مَعَ جَزَاءِ السَّرَائِرِ وَخَبَايَا الصُّدُورِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عَلَّامُ الغُيُوبِ.
أَوَّلاً: النَّصُّ الحَدِيثِيُّ المَحْوَرِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ وَوَجْهُ الإِشْكَالِ فِيهِ:
أَصْلُ البَابِ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «...فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَدْخُلُهَا». [1]
مَوْطِنُ الفَهْمِ الأَثَرِيِّ:
لَمَّا سَمِعَ بَعْضُ النَّاسِ هَذَا اللَّفْظَ ظَنُّوا أَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَكُونُ مُقْبِلاً عَلَى اللَّهِ بِإِخْلَاصٍ تَامٍّ وَصِدْقٍ خَالِصٍ، ثُمَّ يَقْهَرُهُ القَدَرُ فَيَسُوقُهُ إِلَى النَّارِ سَوْقاً بِلَا جِنَايَةٍ مِنْهُ! وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ بِأُصُولِ الإِسْلَامِ، وَتَعَامٍ عَنِ الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى المُقَيِّدَةِ لِهَذَا الإِطْلَاقِ، وَالَّتِي جَاءَ فِيهَا اللَّفْظُ الفَاصِلُ لِلنِّزَاعِ: «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» كَمَا فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. [2]
ثَانِيَاً: تَقْرِيرَاتُ جَهَابِذَةِ أَهْلِ الأَثَرِ فِي كَشْفِ المَسْأَلَةِ:
1. تَقْرِيرُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (ت: 795هـ):
يُعَدُّ الكَلَامُ الَّذِي سَطَّرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ مِنْ أَنْفَسِ وَأَعْمَقِ مَا كُتِبَ فِي عِلْمِ السُّلُوكِ المَبْنِيِّ عَلَى العَقِيدَةِ؛ حَيْثُ حَلَّ الإِشْكَالَ بِإِرْجَاعِهِ إِلَى مَسْأَلَةِ "دَسَائِسِ السَّرَائِرِ". يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«قَوْلُهُ: "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خَاتِمَةَ السُّوءِ تَكُونُ بِسَبَبِ دَسِيسَةٍ بَاطِنَةٍ لِلْعَبْدِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا النَّاسُ، إِمَّا مِنْ جِهَةِ عَمَلِ سَيِّئٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَتِلْكَ الخَصْلَةُ الخَفِيَّةُ تُوجِبُ سُوءَ الخَاتِمَةِ عِنْدَ المَوْتِ. وَكَذَلِكَ قَدْ يَعْمَلُ الرَّجُلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَفِي بَاطِنِهِ خَصْلَةٌ خَفِيَّةٌ مِنْ خِصَالِ الخَيْرِ، فَتَغْلِبُ عَلَيْهِ تِلْكَ الخَصْلَةُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، فَتُوجِبُ لَهُ حُسْنَ الخَاتِمَةِ». [3]
وَيَزِيدُ ابْنُ رَجَبٍ التَّأْكِيدَ عَدْلاً عَنِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: «وَأَمَّا العَمَلُ الصَّالِحُ الخَالِصُ الَّذِي لَا شَائِبَةَ فِيهِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَخْذُلُ صَاحِبَهُ أَبَداً، بَلْ يَثْبُتُ عَلَيْهِ، لِأَنَّ اللَّهَ شَكُورٌ، وَمِنْ شُكْرِهِ أَنْ يُثَبِّتَ مَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ».
2. تَقْرِيرُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
بَسَطَ شَيْخُ الإِسْلَامِ هَذِهِ المَسْأَلَةَ فِي مَوَاطِنَ مِنْ فَتَاوِيهِ وَأَصَّلَ فِيهَا الِارْتِبَاطَ بَيْنَ القَدَرِ السَّابِقِ وَبَيْنَ سُنَنِ اللَّهِ الكَوْنِيَّةِ وَالعَدْلِ الإِلَهِيِّ. يَقُولُ رَحِمَهُ اللَّهُ:
«العَمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ سَبَباً لِلْجَنَّةِ إِذَا كَانَ عَمَلاً حَقِيقِيّاً مَقْبُولاً، فَإِذَا كَانَ العَبْدُ يَعْمَلُهُ رِيَاءً أَوْ سُمْعَةً أَوْ لِأَغْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ، فَهَذَا لَيْسَ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِي الحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَمَلُهُمْ فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ "فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ"، فَإِذَا دَنَا المَوْتُ، ظَهَرَتْ حَقَائِقُ الأُمُورِ، وَانْكَشَفَ المَسْتُورُ، فَسَبَقَ الكِتَابُ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ حَقِيقَةُ حَالِ العَبْدِ عِنْدَ رَبِّهِ، لَا مَا كَانَ يُرِيهِ لِلْخَلْقِ». [4]
وَيُقَرِّرُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَاعِدَةً كُبْرَى مَفَادُهَا: أَنَّ المَشِيئَةَ الإِلَهِيَّةَ نَافِذَةٌ، لَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَبَطَ المُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا، فَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ صَادِقَةً فِي لُزُومِ الأَثَرِ وَالسُّنَّةِ، اسْتَحَالَ فِي جَنَابِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَزَائِهِ التَّامِّ.
ثَالِثَاً: أَقْوَالُ النَّاقِدِينَ وَالمُعَاصِرِينَ مِنْ أَعْلَامِ الأَثَرِ:
1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
فِي بَحْثِهِ المَاتِعِ الحَافِلِ فِي مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي القَدَرِ، فَصَّلَ الدُّكْتُورُ التَّمِيمِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ تَفْصِيلاً بَدِيعاً، حَيْثُ نَصَّ عَلَى أَنَّ سَبْقَ الكِتَابِ هُوَ عَيْنُ إِظْهَارِ الحَقِيقَةِ الكَامِنَةِ فَقَالَ:
«إِنَّ مَعْنَى "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" أَيْ: يَظْهَرُ المَكْتُوبُ الأَوَّلُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ بِبَاطِنِ هَذَا العَبْدِ. فَاللَّهُ كَتَبَهُ شَقِيّاً لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ إِيمَانَهُ الظَّاهِرَ لَيْسَ ثَابِتاً وَلَا صَادِقاً، فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ المَوْتِ، نُزِعَ عَنْهُ لِبَاسُ التَّصَنُّعِ، فَسَبَقَ الكِتَابُ لِيُطَابِقَ الحَقِيقَةَ الوَاقِعَةَ. فَالقَدَرُ لَيْسَ عِلَّةً قَاهِرَةً تَظْلِمُ النَّقِيَّ، بَلْ هُوَ عِلْمٌ كَاشِفٌ كُتِبَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِصِدْقِ الصَّادِقِ وَكَذِبِ المُرَائِي». [5]
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الأُسْتَاذِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّنْدِيِّ:
فِي تَعْلِيقَاتِهِ العَقَدِيَّةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى كُتُبِ السُّنَّةِ وَالِاعْتِقَادِ، يَقِفُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ مَوْقِفاً مُؤَصَّلاً قَاطِعاً لِلْوَسَاوِسِ النَّفْسِيَّةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِطُلَّابِ العِلْمِ بِسَبَبِ هَذَا الحَدِيثِ. يَقُولُ حَفِظَهُ اللَّهُ:
«يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَ لَفْظَ "فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ" فِي ضَوْءِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى}؛ فَالَّذِي يُعْطِي وَيَتَّقِي وَيَصْدُقُ، يَضْمَنُ اللَّهُ لَهُ التَّيْسِيرَ لِلْيُسْرَى. وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ يَتَنَاوَلُ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ مَدْخُولاً، فَلَا يَخَافَنَّ صَاحِبُ السُّنَّةِ المُخْلِصُ أَنْ يَغْدِرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ وَأَعْدَلُ مِمَّا يَظُنُّ المُرْتَابُونَ. إِنَّمَا يَخَافُ المَرْءُ مِنْ غَشِّ نَفْسِهِ، وَخَبَايَا قَلْبِهِ، وَرِيَائِهِ الخَفِيِّ، فَهُوَ الَّذِي يُوجِبُ سَبْقَ الكِتَابِ بِالشَّقَاوَةِ رَدّاً عَلَى جِنَايَتِهِ». [6]
رَابِعَاً: خُلَاصَةُ التَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ لِلْمَسْأَلَةِ عَلَى نَهْجِ الأَثَرِ:
نَجْمَعُ التَّأْصِيلَ النَّهَائِيَّ لِهَذَا المَقَامِ فِي نِقَاطٍ مَنْهَجِيَّةٍ وَاضِحَةٍ:
- الِارْتِبَاطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالكِتَابَةِ: أَنَّ سَبْقَ الكِتَابِ هُوَ جَرْيُ المَقَادِيرِ عَلَى وَفْقِ عِلْمِ اللَّهِ القَدِيمِ بِحَقِيقَةِ الأَشْيَاءِ، فَاللَّهُ لَا يَكْتُبُ شَيْئاً جُزَافاً، بَلْ يَكْتُبُ مَا سَيَعْمَلُهُ العَبْدُ بِإِرَادَتِهِ وَمَا يَكْمُنُ فِيهِ مِنْ صِدْقٍ أَوْ كَذِبٍ.
- عَدَالَةُ جَزَاءِ الخَوَاتِيمِ: سُوءُ الخَاتِمَةِ عُقُوبَةٌ عَدْلِيَّةٌ لِأَمْرٍ بَاطِنٍ، وَحُسْنُ الخَاتِمَةِ مَحْضُ فَضْلٍ لِأَمْرٍ طَيِّبٍ؛ فَاللَّهُ تَعَالَى لَا يَصْرِفُ عَنِ الجَنَّةِ مَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ.
- تَقْيِيدُ المُطْلَقِ بِالوُضُوحِ: رِوَايَةُ «فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» تَقْضِي عَلَى جَمِيعِ الإِشْكَالَاتِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الِانْتِكَاسَ لَا يَقَعُ لِلْخُلَصَاءِ، بَلْ لِأَهْلِ المَظَاهِرِ الخَادِعَةِ.
[الحَاشِيَةُ ]_______________________♤
[1] تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ:
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ، بَابُ ذِكْرِ المَلَائِكَةِ، (رَقْمُ 3208)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ القَدَرِ، بَابُ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ الآدَمِيِّ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، (رَقْمُ 2643).
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: قَوْلُهُ: «فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ» فِيهِ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَجْرِي بِتَقْدِيرٍ مَكْتُوبٍ أَزَلاً، وَأَنَّ الآجَالَ خَاضِعَةٌ لِمَا خُطَّ فِي الصَّحِيفَةِ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: عِظَمُ الخَوْفِ مِنَ السَّابِقَةِ؛ فَالقُلُوبُ تَطِيرُ وَجَلاً مِنْ هَذَا الحَدِيثِ، وَالفَائِدَةُ مِنْهُ لَيْسَتِ اليَأْسَ، بَلْ كَسْرُ العُجْبِ بِالعَمَلِ وَإِدَامَةُ الِالْتِجَاءِ إِلَى مُثَبِّتِ القُلُوبِ.
[2] تَخْرِيجُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ الصَّارِمِ:
أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ لَا يَقُولُ فُلَانٌ شَهِيدٌ، (رَقْمُ 2898)، فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يُقَاتِلُ مَعَ المُسْلِمِينَ قِتَالاً شَدِيداً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»، ثُمَّ جَرَحَ فَقَتَلَ نَفْسَهُ. وَفِيهِ اللَّفْظُ الفَاصِلُ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: هَذَا الحَدِيثُ هُوَ المُفَسِّرُ وَالمُقَيِّدُ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ عَمَلَهُ الصَّالِحَ كَانَ فِي رُؤْيَةِ الخَلْقِ فَقَطْ، أَمَّا البَاطِنُ فَكَانَ مَخْرُوباً بِعِلَّةٍ أَوْجَبَتْ خِذْلَانَهُ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: وُجُوبُ الحَذَرِ مِنْ أَعْمَالِ المَظَاهِرِ، وَالتَّرْكِيزِ عَلَى إِصْلَاحِ السَّرِيرَةِ، فَإِنَّ النَّاسَ لَا يَنْفَعُونَ العَبْدَ إِذَا انْكَشَفَ المَسْتُورُ يَوْمَ البَلَاءِ.
[3] المَصْدَرُ:
ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ، ج 1، ص 172 - 175، ط: مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَقْعِيدُ الحَافِظِ لِمَسْأَلَةِ "الدَّسِيسَةِ البَاطِنَةِ"؛ حَيْثُ نَقَلَ المَسْأَلَةَ مِنْ مَجَالِ الجَبْرِ المَوْهُومِ إِلَى مَجَالِ العَدْلِ الإِلَهِيِّ السَّبَبِيِّ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: النَّصِيحَةُ السُّلُوكِيَّةُ بِتَطْهِيرِ البَوَاطِنِ؛ فَكَمَا أَنَّ دَسِيسَةَ السُّوءِ تُهْلِكُ، فَإِنَّ خَبِيئَةَ الخَيْرِ تَنْفَعُ وَتُثَبِّتُ عِنْدَ النَّزْعِ.
[4] المَصْدَرُ:
ابْنُ تَيْمِيَّةَ، تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج 8، ص 486 - 489، ط: مَجْمَعُ المَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ المُصْحَفِ الشَّرِيفِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَقْرِيرُ شَيْخِ الإِسْلَامِ أَنَّ الصِّدْقَ وَمُطَابَقَةَ الظَّاهِرِ لِلْبَاطِنِ يَمْنَعَانِ سُوءَ المُنْقَلَبِ، وَأَنَّ سَبْقَ الكِتَابِ تَحْقِيقٌ لِلْعَدْلِ لَا لِلظُّلْمِ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: فَهْمُ القَدَرِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُومُ عَلَى إِثْبَاتِ الحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ أَهْلِ الكَلَامِ الَّذِينَ نَفَوْا الحِكْمَةَ وَالأَسْبَابَ.
[5] المَصْدَرُ:
التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأُصُولِ الإِيمَانِ، ص 312 - 315، ط: دَارُ الإِيلَافِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ أَنَّ القَدَرَ عِلْمٌ كَاشِفٌ وَكِتَابَةٌ سَابِقَةٌ لَا تُسْقِطُ مَسْؤُولِيَّةَ العَبْدِ، وَأَنَّ انْكِشَافَ الحَقِيقَةِ فِي آخِرِ العُمُرِ هُوَ عَيْنُ مَا كُتِبَ فِي السَّابِقَةِ الإِلَهِيَّةِ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: أَهَمِّيَّةُ رَبْطِ مَسَائِلِ القَدَرِ بِمَسَائِلِ الإِيمَانِ وَأَعْمَالِ القُلُوبِ لِتَصْفِيَةِ المُعْتَقَدِ النَّقِيِّ.
[6] المَصْدَرُ:
السِّنْدِيُّ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، التَّعْلِيقَاتُ العَقَدِيَّةُ عَلَى الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (مَخْطُوطٌ / دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ مُفَرَّغَةٌ)، الدَّرْسُ الرَّابِعُ، ص 18 - 20.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: رَبْطُ حَدِيثِ النَّزْعِ بِآيَاتِ الوَعْدِ بِالتَّيْسِيرِ لِمَنْ صَدَّقَ بِالحُسْنَى، مِمَّا يَقْطَعُ دَابِرَ الهَلَعِ النَّفْسِيِّ المَرَضِيِّ المَذْمُومِ.
- الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: دَفْعُ الوَسَاوِسِ بِاليَقِينِ فِي كَرَمِ اللَّهِ؛ فَالمُسْتَقِيمُ عَلَى السُّنَّةِ يَرْجُو ثَبَاتَ اللَّهِ لَهُ نَظَراً لِكَرَمِ الرَّبِّ الرَّحِيمِ.
♤______________________________________69__________________________________________♤
[الجُزْءُ الخَامِسُ: صُوَرٌ مِنْ تَوْبَةِ السَّلَفِ وَانْتِقَالِهِمْ إِلَى مَقَامِ الِاسْتِقَامَةِ]
إِنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا حَفَّتْ عَبْداً بِالعِنَايَةِ، قَيَّضَتْ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ اليَقَظَةِ مَا يَقْطَعُ عَنْهُ رِبْقَةَ الخِذْلَانِ، وَإِنَّ فِي تَرَاجِمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَجَلَاءً لِلْقُلُوبِ الكَلِيمَةِ؛ حَيْثُ نَرَى كَيْفَ سَبَقَ المَكْتُوبُ لِأُنَاسٍ غَرِقُوا فِي الذُّنُوبِ زَمَناً، فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعُوا آيَةً، أَوْ رَأَوْا عِبْرَةً، فَانْقَلَبُوا زُهَّاداً عُبَّاداً، وَصَارُوا أَئِمَّةً لِلْأُمَّةِ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي دِينِ اللَّهِ. وَهَذِهِ خَمْسَةُ مَشَاهِدَ فِلْقٍ تَرْوِي حَقِيقَةَ هَذَا الِانْتِقَالِ:
1. المَشْهَدُ الأَوَّلُ: تَوْبَةُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ (رُؤْيَا التِّنِّينِ وَابْنَتِهِ فَاطِمَةَ):
كَانَ مَالِكٌ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ شُرْطِيّاً مُنْهَمِكاً فِي شُرْبِ الخَمْرِ وَالمَعَاصِي، فَرُزِقَ بِبِنْتٍ سَمَّاهَا فَاطِمَةَ، فَتَعَلَّقَ بِهَا قَلْبُهُ تَعَلُّقاً شَدِيداً، وَكَانَتْ كُلَّمَا رَأَتْهُ يَشْرَبُ الخَمْرَ تَدْنُو مِنْهُ وَتَقْلِبُ الكَأْسَ عَلَى ثِيَابِهِ، فَلَمَّا تَمَّ لَهَا سَنَتَانِ مَاتَتْ، فَأُسْقِطَ فِي يَدِهِ وَتَعَاظَمَ حُزْنُهُ. وَفِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، نَامَ بَعْدَ سُكْرٍ شَدِيدٍ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ أَنَّ القِيَامَةَ قَدْ قَامَتْ، وَأَنَّ تِنِّيناً عَظِيماً أَسْوَدَ الفَمِ فَاغِراً فَا جَرَجَ خَلْفَهُ يَبْغِي بَلْعَهُ، فَجَعَلَ مَالِكٌ يَهْرُبُ وَالفَزَعُ يَأْخُذُهُ، فَمَرَّ بِشَيْخٍ ضَعِيفٍ فَقَالَ لَهُ: أَجِرْنِي، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَنَا ضَعِيفٌ لَا أَقْوَى عَلَيْهِ، وَلَكِنْ هَرْوِلْ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجاً. فَهَرَبَ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى جَبَلٍ فِيهِ جَنَّاتٌ وَأَطْفَالٌ، فَصَاحَ الأَطْفَالُ: يَا فَاطِمَةُ أَدْرِكِي أَبَاكِ! فَنَزَلَتْ بِنْتُهُ المَيْتَةُ، فَدَفَعَتِ التِّنِّينَ بِيَدِهَا اليُسْرَى، وَجَلَسَتْ فِي حِجْرِهِ وَقَالَتْ: يَا أَبَتِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ}، فَبَكَى وَقَالَ: يَا بُنَيَّةِ، مَا هَذَا التِّنِّينُ؟ قَالَتْ: هُوَ عَمَلُكَ السَّيِّئُ قَوَّيْتَهُ حَتَّى كَادَ يُهْلِكُكَ، وَالشَّيْخُ الضَّعِيفُ هُوَ عَمَلُكَ الصَّالِحُ أَضْعَفْتَهُ حَتَّى لَمْ يَقْوَ عَلَى نُصْرَتِكَ. فَانْتَبَهَ مَالِكٌ فِزِعاً يَصْرُخُ: "بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ، بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ!"، فَاغْتَسَلَ وَخَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، فَوَافَقَ الإِمَامَ يَقْرَأُ ذَاتَ الآيَةِ، فَكَانَتْ بِدَايَةَ إِمَامَتِهِ فِي الزُّهْدِ. [1]
2. المَشْهَدُ الثَّانِي: تَوْبَةُ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ (قَاطِعُ الطَّرِيقِ المَحْزُونُ):
كَانَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ شَاطِراً (قَاطِعاً لِلطَّرِيقِ) يَقْطَعُ بَيْنَ أَبِيوَرْدَ وَسَرْخَسَ، وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ عَشِقَ جَارِيَةً، فَبَيْنَمَا هُوَ يَرْتَقِي الجُدْرَانَ لِيَصِلَ إِلَيْهَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، إِذْ سَمِعَ تَالِياً فِي جِوَارِهِ يَتْلُو قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16]، فَلَمَّا سَمِعَهَا الفُضَيْلُ، وَقَعَتِ الآيَةُ فِي قَلْبِهِ مَوْقِعَ الصَّاعِقَةِ، فَقَالَ خَاشِعاً مُذْعِناً: "بَلَى يَا رَبِّ قَدْ آنَ!". فَرَجَعَ وَآوَى إِلَى خَرَابٍ لِيَبِيتَ فِيهِ، فَإِذَا فِيهِ رُفْقَةٌ مِنَ المَسَافِرِينَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لِنَرْحَلْ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَنْتَظِرُ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِنَّ "الفُضَيْلَ" فِي الطَّرِيقِ يَقْطَعُ عَلَيْنَا. فَأَطْرَقَ الفُضَيْلُ رَأْسَهُ وَبَكَى وَقَالَ: "وَيْحِي! أَنَا أَسْعَى فِي المَعَاصِي بِاللَّيْلِ، وَالمُسْلِمُونَ يَخَافُونَنِي هُنَا! مَا أَرَى اللَّهَ سَاقَنِي إِلَيْهِمْ إِلَّا لِأَرْتَدِعَ، اللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ تَوْبَتِي مُجَاوَرَةَ البَيْتِ الحَرَامِ". فَصَارَ بَعْدَهَا عَابِدَ الحَرَمَيْنِ الَّذِي يَبْكِي الإِمَامُ الثَّوْرِيُّ عِنْدَ مَوْعِظَتِهِ. [2]
3. المَشْهَدُ الثَّالِثُ: تَوْبَةُ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ الحَافِي (تَعْظِيمُ الِاسْمِ الشَّرِيفِ):
كَانَ بِشْرٌ فِي بِدَايَتِهِ زَعِيماً مِنْ زُعَمَاءِ الفُتُوَّةِ وَاللَّهْوِ، وَكَانَ بَيْتُهُ مَأْوىً لِلْمَعَازِفِ وَشُرْبِ الرَّاحِ. وَكَانَ سَبَبُ هِدَايَتِهِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي الطَّرِيقِ يَوْماً رُقْعَةً مَكْتُوباً فِيهَا: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، قَدْ وَطِئَتْهَا الأَقْدَامُ فِي الطِّينِ، فَأَخَذَهَا بِشْرٌ، وَمَسَحَ عَنْهَا الأَذَى، ثُمَّ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ كَانَ مَعَهُ "غَالِيَةً" (طِيباً طَيِّباً)، فَطَيَّبَ الرُّقْعَةَ وَجَعَلَهَا فِي شَقِّ جِدَارٍ تَعْظِيماً لِاسْمِ اللَّهِ. فَلَمَّا نَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، رَأَى قَائِلاً يَقُولُ لَهُ فِي المَنَامِ: "يَا بِشْرُ، طَيَّبْتَ اسْمَنَا لَنُطَيِّبَنَّ اسْمَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ". فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ، انْفَتَحَ قَلْبُهُ لِلإِنَابَةِ، وَجَاءَهُ أَحَدُ العُبَّادِ يَطْرُقُ بَابَهُ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّ بِشْراً قَدْ خَرَجَ تَائِباً حَافِياً، فَلَمْ يَلْبَسْ نَعْلاً بَعْدَهَا حَتَّى مَاتَ، وَقَالَ: "لَا أَلْبَسُ نَعْلاً وَالأَرْضُ بِسَاطٌ لِرَبِّي، وَلِأَنَّهُ طَيَّبَنِي وَأَنَا حَافٍ"، فَصَارَ إِمَاماً يُقْتَدَى بِهِ فِي الوَرَعِ الدَّقِيقِ. [3]
4. المَشْهَدُ الرَّابِعُ: تَوْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ (عُودُ الطَّنْبُورِ الصَّامِتِ):
كَانَ ابْنُ المُبَارَكِ شَابّاً غَنِيّاً، مَشْغُوفاً بِسَمَاعِ الغِنَاءِ وَاللَّهْوِ وَالضَّرْبِ عَلَى العُودِ (الطَّنْبُورِ)، وَكَانَ لَهُ بَسَاتِينُ يَجْتَمِعُ فِيهَا مَعَ أَصْحَابِهِ. وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي، أَكَلُوا وَشَرِبُوا حَتَّى ذَهَبَ اللَّيْلُ، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ السَّحَرِ، أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ أَنْ يَضْرِبَ عَلَى طَنْبُورِهِ، فَأَخَذَهُ وَجَعَلَ يُسَوِّي أَوْتَارَهُ، فَلَمَّا نَقَرَ عَلَيْهِ، أَنْطَقَ اللَّهُ الطَّنْبُورَ -مِنْ غَيْرِ صَوْتٍ آدَمِيٍّ- فَقَالَ الطَّنْبُورُ بِكَلَامٍ فَصِيحٍ سَمِعَهُ ابْنُ المُبَارَكِ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ}. فَسَقَطَ الطَّنْبُورُ مِنْ يَدِهِ، وَأَخَذَتْهُ رَعْدَةٌ بَلِيغَةٌ، وَبَكَى حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَقَالَ: "بَلَى وَاللَّهِ يَا رَبِّ قَدْ آنَ!". فَكَسَرَ المَعَازِفَ كُلَّهَا، وَأَعْتَقَ مَمَالِيكَهُ، وَتَفَرَّغَ لِطَلَبِ الحَدِيثِ وَالجِهَادِ، حَتَّى صَارَ "أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ" الَّذِي لَمْ تَرَى العَيْنُ مِثْلَهُ. [4]
5. المَشْهَدُ الخَامِسُ: تَوْبَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نِعْمٍ البَجَلِيِّ (الخَوْفُ مِنَ المَظَالِمِ):
كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نِعْمٍ فِي بِدَايَةِ شَبَابِهِ بِالكُوفَةِ مَعْرُوفاً بِالفُتُوَّةِ الجَافِيَةِ وَمُخَالَطَةِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُمْ، وَكَانَ يَمْلِكُ قُوَّةً بَدَنِيَّةً يَسْتَعْمِلُهَا فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ. وَكَانَ سَبَبُ تَوْبَتِهِ أَنَّهُ شَهِدَ جَنَازَةً لِرَجُلٍ كَانَ يَصْحَبُهُ فِي المَظَالِمِ، فَلَمَّا وُضِعَ الرَّجُلُ فِي لَحْدِهِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ، وَقَفَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَنْظُرُ إِلَى التُّرَابِ، فَسَمِعَ هَاتِفاً يَصِيحُ مِنْ جَانِبِ القَبْرِ لَا يَرَى شَخْصَهُ: "يَا ابْنَ أَبِي نِعْمٍ، كَأَنَّكَ بِالقَبْرِ قَدْ ضَمَّكَ، وَالقَدَرِ قَدْ حَمَّكَ، فَمَاذَا أَعْدَدْتَ لِلْجَوَابِ لِرَبِّ الأَرْبَابِ؟". فَوَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ لَزِمَ مَسْجِدَ الكُوفَةِ، وَأَقْبَلَ عَلَى العِبَادَةِ لَيْلَ نَهَارَ، وَأَصْبَحَ مِنْ شِدَّةِ صَوْمِهِ وَنُسُكِهِ يُقَالُ عَنْهُ: "لَوْ قِيلَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّ مَلَكَ المَوْتِ عَلَى البَابِ مَا كَانَ عِنْدَهُ زِيَادَةُ عَمَلٍ لِأَنَّهُ اسْتَفْرَغَ الوَقْتَ كُلَّهُ فِي الطَّاعَةِ". [5]
[الحَاشِيَةُ ]___________________________________________________________________♤
[1] تَرْجَمَةُ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ وَتَوْثِيقُ تَوْبَتِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ السَّامِيُّ، أَبُو يَحْيَى البَصْرِيُّ، مَوْلَى عِلْجٍ مِنْ سَبْيِ سِجِسْتَانَ. وُلِدَ فِي عَهْدِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (نَحْوَ سَنَةِ 55 هـ)، وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ وَزُهَّادِهِمْ، رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ. مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ سَنَةَ (127 هـ) فِي البَصْرَةِ.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَ قِصَّةَ تَوْبَتِهِ بِتَفَاصِيلِهَا الحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ (ج 2، ص 358)، وَابْنُ الجَوْزِيِّ فِي التَّوَّابِينَ (ص 185).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَحَوُّلُ مَالِكٍ مِنَ الفُجُورِ إِلَى صَيْرُورَتِهِ إِمَاماً يُحْتَجُّ بِهِ فِي الحَدِيثِ وَالزُّهْدِ، دَلِيلٌ عَمَلِيٌّ عَلَى صِدْقِ التَّوْبَةِ وَسَبْقِ الكِتَابِ بِالحُسْنَى لِلْمَخْذُولِ ظَاهِراً.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: تَمْثِيلُ الأَعْمَالِ فِي المَنَامِ لَهُ أَصْلٌ شَرْعِيٌّ؛ فَعَمَلُ السُّوءِ يُشَبَّهُ بِالتِّنِّينِ المُهْلِكِ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى العَبْدِ تَقْوِيَةَ عَمَلِهِ الصَّالِحِ فِي الرَّخَاءِ حَتَّى يَجِدَهُ نَاصِراً عِنْدَ الشِّدَّةِ.
[2] تَرْجَمَةُ الفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ وَتَوْثِيقُ تَوْبَتِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضِ بْنِ مَسْعُودٍ التَّمِيمِيُّ، اليَرْبُوعِيُّ، أَبُو عَلِيٍّ المَرْوَزِيُّ (وُلِدَ بِسَمَرْقَنْدَ سَنَةَ 105 هـ). كَانَ إِمَامَ الحَرَمِ المَكِّيِّ، وَثِقَةً ثَبْتاً عَالِماً سُنِّيّاً خَاشِعاً. رَوَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ المُعْتَمِرِ، وَالأَعْمَشِ، وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ. مَاتَ فِي مَكَّةَ شَرَفَهَا اللَّهُ فِي المَحَرَّمِ سَنَةَ (187 هـ).
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَهَا الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِي تَارِيخِ بَغْدَادَ (ج 12، ص 391)، وَالذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (ج 8، ص 421 - 423).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ سَمَاعَ آيَةٍ وَاحِدَةٍ بِإِخْلَاصٍ وَتَدَبُّرٍ كَفِيلٌ بِأَنْ يَهْدِمَ تِلَالَ المَعَاصِي، إِذَا تَدَارَكَتِ العَبْدَ رَحْمَةُ رَبِّهِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: خَوْفُ النَّاسِ مِنَ الظَّالِمِ هُوَ شُؤْمٌ فِي الدُّنْيَا، وَالعَاقِلُ مَنْ جَعَلَ خَوْفَ الخَلْقِ مِنْهُ سَبَباً لِمُرَاجَعَةِ نَفْسِهِ وَالْفِرَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
[3] تَرْجَمَةُ بِشْرِ بْنِ الحَارِثِ الحَافِي وَتَوْثِيقُ تَوْبَتِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ بِشْرُ بْنُ الحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَرْوَزِيُّ، أَبُو نَصْرٍ، المَعْرُوفُ بِـ "الحَافِي" (وُلِدَ بِمَرْوَ سَنَةَ 150 هـ). نَزَلَ بَغْدَادَ، وَكَانَ رَأْساً فِي الوَرَعِ، وَصَاحِباً لِلإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ الَّذِي كَانَ يُجِلُّهُ إِجْلَالاً بَالِغاً. مَاتَ فِي بَغْدَادَ سَنَةَ (227 هـ).
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: رَوَاهَا ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي صِفَةِ الصَّفْوَةِ (ج 2، ص 325)، وَالذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ (ج 10، ص 469).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: جَزَاءُ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ؛ فَلَمَّا عَظَّمَ اسْمَ اللَّهِ الأَسْمَى فِي رُقْعَةٍ مَلْقَاةٍ، عَظَّمَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي قُلُوبِ الخَلْقِ وَنَقَلَهُ مِنْ مَقَامِ الغَفْلَةِ إِلَى أَعْلَى مَقَامَاتِ الوَرَعِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: أَنَّ اليَقَظَةَ الإِيمَانِيَّةَ تَبْدَأُ بِلَمْحَةِ إِجْلَالٍ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى صِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ صَانَهُ اللَّهُ مِنْ سُوءِ المُنْقَلَبِ.
[4] تَرْجَمَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ وَتَوْثِيقُ تَوْبَتِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ الحَنْظَلِيُّ، مَوْلَاهُمْ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ المَرْوَزِيُّ (وُلِدَ سَنَةَ 118 هـ). هُوَ الإِمَامُ العَلَمُ، جَامِعُ الفَضَائِلِ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي الزُّهْدِ وَالجِهَادِ، ثِقَةٌ حُجَّةٌ ثَبْتٌ مَجْمَعٌ عَلَى إِمَامَتِهِ. مَاتَ غَازِياً رَاجِعاً مِنَ الثُّغُورِ سَنَةَ (181 هـ).
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَوْرَدَهَا الذَّهَبِيُّ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ (وَفَيَاتِ 181-190 هـ، ص 155)، وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ (ج 32، ص 410).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ يُسْمِعُ العَبْدَ مَوَاعِظَهُ بِطُرُقٍ كَوْنِيَّةٍ بَاهِرَةٍ لِيَقْطَعَ عَنْهُ مَادَّةَ الغَفْلَةِ إِذَا عَلِمَ فِيهِ خَيْراً مَسْتُوراً.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: وُجُوبُ الكَسْرِ الفَوْرِيِّ لِآلَاتِ اللَّهْوِ عِنْدَ انْقِشَاعِ الغُمَّةِ النَّفْسِيَّةِ، وَعَدَمِ التَّهَاوُنِ فِي فَتْحِ صَفْحَةٍ جَدِيدَةٍ مَعَ السُّنَّةِ وَالعِلْمِ.
[5] تَرْجَمَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نِعْمٍ وَتَوْثِيقُ تَوْبَتِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نِعْمٍ البَجَلِيُّ، الكُوفِيُّ، أَبُو الحَكَمِ. مِنَ التَّابِعِينَ العُبَّادِ الثِّقَاتِ (وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ 40 هـ). رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ. كَانَ مَشْهُوراً بِالمُجَاهَدَةِ الكُبْرَى فِي الصَّوْمِ حَتَّى كَانَ يَمْكُثُ أَيَّاماً لَا يَأْكُلُ. مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سَنَةَ (101 هـ).
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ الكُبْرَى (ج 6، ص 296)، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ (ج 5، ص 71).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِمَصَارِعِ الأَقْرَانِ وَأَهْلِ المَعَاصِي سَبَبٌ عَظِيمٌ فِي صِيَانَةِ الخَاتِمَةِ وَتَرْكِ مَجَالِسِ الغَفْلَةِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِاسْتِعْدَادُ التَّامُّ لِلْمَوْتِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ مَلَكُ المَوْتِ عِنْدَ العَبْدِ فُضُولَ وَقْتٍ ضَائِعٍ، هُوَ الغَايَةُ القُصْوَى مِنْ كَمَالِ مَرْتَبَةِ الثَّبَاتِ.
♤___________________________________70_________________________________________♤
[الجُزْءُ السَّادِسُ: صُوَرٌ مِنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ وَمَصَارِعِ المَفْتُونِينَ]
إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدٍ شَرّاً -بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ مِنْ خَبِيئَةِ سُوءٍ أَوْ دَخَنٍ فِي النِّيَّةِ- خَذَلَهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَانْكَشَفَ عَنْهُ غِطَاءُ التَّصَنُّعِ، وَظَهَرَتْ حَقِيقَةُ القَلْبِ المَرِيضِ، فَيَمُوتُ عَلَى مَا عَاشَ عَلَيْهِ بَاطِناً. وَفِي مَصَارِعِ الغَابِرِينَ مَوَاعِظُ تَقْطَعُ قُلُوبَ العَارِفِينَ خَوْفاً مِنَ النِّفَاقِ وَتَقَلُّبِ الأَفْئِدَةِ، وَهَذِهِ خَمْسَةُ مَشَاهِدَ تُبَيِّنُ كَيْفَ ضَلَّتْ أَقْدَامٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا:
1. المَشْهَدُ الأَوَّلُ: مَصْرَعُ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ (النَّازِلُ مِنْ مَقَامِ الجِهَادِ إِلَى دَرَكِ الِارْتِدَادِ):
كَانَ عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ مِنْ كِبَارِ غُزَاةِ المُسْلِمِينَ، وَرِجَالِ الشَّجَاعَةِ وَالقِرَاءَةِ، وَكَانَ خَرِجَ فِي غَزْوَةٍ إِلَى بِلَادِ الرُّومِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُجَاهِدِينَ، فَلَمَّا حَاصَرُوا حِصْناً مِنْ حُصُونِ الرُّومِ، نَظَرَ عَبْدَةُ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الرُّومِيَّاتِ دَاخِلَ الحِصْنِ، فَهَوِيَهَا وَعَشِقَهَا عِشْقاً مَلَكَ عَلَيْهِ لُبَّهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهَا كِتَاباً يَقُولُ فِيهِ: مَا السَّبِيلُ إِلَيْكِ؟ قَالَتْ: أَنْ تَتَنَصَّرَ وَتَصْعَدَ إِلَيْنَا. فَمَا كَانَ مِنْهُ إِلَّا أَنْ أَقْبَلَ عَلَى الحِصْنِ، فَتَنَصَّرَ وَتَرَكَ المُسْلِمِينَ، فَدَخَلَ عِنْدَهَا، فَأَعْظَمَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ وَوَقَعَ عَلَيْهِمْ هَمٌّ شَدِيدٌ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ، مَرُّوا بِهِ وَهُوَ مَعَ النَّصَارَى فِي ذَلِكَ الحِصْنِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا عَبْدَةُ، مَا فَعَلَ قُرْآنُكَ؟ مَا فَعَلَ عِلْمُكَ؟ مَا فَعَلَ صِيَامُكَ وَجِهَادُكَ؟ فَقَالَ لَهُمْ بِكُلِّ خِذْلَانٍ: "اعْلَمُوا أَنِّي نَسِيتُ القُرْآنَ كُلَّهُ، لَا أَذْكُرُ مِنْهُ آيَةً وَاحِدَةً إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرُهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الحجر: 2-3]". ثُمَّ مَاتَ عَلَى نَصْرَانِيَّتِهِ، فَخَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ. [1]
2. المَشْهَدُ الثَّانِي: مَصْرَعُ النَّاشِئِ المُنْهَمِكِ (مَنْ خُتِمَ لَهُ بِبَيْتِ شِعْرٍ فِي المُجُونِ):
حَضَرَتِ المَوْتُ شَابّاً فِي بَغْدَادَ كَانَ مَعْرُوفاً بِالنُّسُكِ فِي ظَاهِرِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُبْطِنُ عِشْقَ القِيَانِ وَسَمَاعَ الخَنَا، فَلَمَّا نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، جَعَلَ أَهْلُهُ وَإِخْوَانُهُ يُلَقِّنُونَهُ الشَّهَادَةَ وَيَقُولُونَ لَهُ: يَا فُلَانُ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَجَعَلَ يَتَحَرَّكُ وَيَشْرَبُ الغَصَصَ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ وَقَدْ تَمَثَّلَ لَهُ مَا كَانَ يَحْمِلُهُ فِي بَاطِنِهِ مِنْ عِشْقِ الجَوَارِي، فَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ عَنِ القِبْلَةِ، وَقَالَ بَدَلَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ:
يَا رُبَّ قَائِلَةٍ يَوْماً وَقَدْ لَغِبَتْ ... كَيْفَ الطَّرِيقُ إِلَى حَمَّامِ مَنْجَابِ؟
وَهُوَ بَيْتُ شِعْرٍ قِيلَ فِي امْرَأَةٍ خُدِعَتْ لِلْفُجُورِ، ثُمَّ خَرَجَتْ رُوحُهُ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَةِ، فَصَارَ مَثَلاً يُضْرَبُ فِي شُؤْمِ خَبِيئَةِ المَعْصِيَةِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ. [2]
3. المَشْهَدُ الثَّالِثُ: مَصْرَعُ جَلِيسِ الرِّبَا (التَّعَلُّقُ بِالمَالِ عِنْدَ الفِرَاقِ):
كَانَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ التِّجَارَةِ بِمِصْرَ قَدْ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ بِأَكْلِ الرِّبَا، وَجَمْعِ الأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا، وَكَانَ قَلْبُهُ مُعَلَّقاً بِالدَّفَاتِرِ وَالحِسَابَاتِ. فَلَمَّا دَنَا أَجَلُهُ، وَاشْتَدَّ كَرْبُهُ، جَاءَهُ بَعْضُ الصَّالِحِينَ لِيُذَكِّرَهُ بِاللَّهِ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَأْسِهِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَعَلَّهَا تَكُونُ نَجَاتَكَ. فَكَانَ كُلَّمَا نَطَقُوا بِالشَّهَادَةِ، يَصِيحُ بِلِسَانٍ ثَقِيلٍ وَيَقُولُ: "العَشَرَةُ بِأَحَدَ عَشَرَ! الدَّفْتَرُ فِيهِ كَذَا! الفُلَانُ مَطْلُوبٌ بِكَذَا!". فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُ أَرْقَامَ حِسَابَاتِهِ وَرِبَاهُ حَتَّى شَخَصَ بَصَرُهُ وَمَاتَ، فَمَا نَفَعَهُ مَالُهُ، وَحُرِمَ النُّطْقَ بِكَلِمَةِ الإِخْلَاصِ بِسَبَبِ مَا كَانَ يَسْتَحْوِذُ عَلَى فِكْرِهِ فِي أَيَّامِ الصِّحَّةِ. [3]
4. المَشْهَدُ الرَّابِعُ: مَصْرَعُ رَجُلٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْداً (السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ):
أُتِيَ بِرَجُلٍ كَانَ قَدْ جَافَى المَسَاجِدَ، وَاسْتَهَانَ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ، وَعَاشَ دَهْرَهُ يَسْخَرُ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ. فَلَمَّا احْتُضِرَ، تَعَاطَمَ كَرْبُهُ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُ وَجْهِهِ حَتَّى صَارَ كَقِطْعَةِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ بَعْضُ أَقَارِبِهِ يَبْكُونَ وَيَقُولُونَ: يَا أَبَتِ، اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ لَهُمْ بِصَوْتٍ فِيهِ حَشْرَجَةٌ وَذُلٌّ: "أَنَا أَرَى مَقْعَدِي مِنَ النَّارِ، وَكُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَمْنَعُنِي شَخْصٌ قَائِمٌ يَقُولُ: عِشْتَ لِغَيْرِنَا وَتَمُوتُ عَلَى غَيْرِ دِينِنَا!". ثُمَّ سَجَدَ رَأْسُهُ إِلَى جَانِبِ الفِرَاشِ مَقْلُوباً وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ تَرْكِ العَهْدِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ وَهُوَ الصَّلَاةُ. [4]
5. المَشْهَدُ الخَامِسُ: مَصْرَعُ المُبْتَدِعِ الشَّاتِمِ لِلصَّحَابَةِ (سَوَادُ الوَجْهِ عِنْدَ دُخُولِ القَبْرِ):
كَانَ رَجُلٌ مِمَّنْ خَالَطُوا أَهْلَ البِدَعِ وَالرَّفْضِ بِالكُوفَةِ، وَكَانَ مُعْلِناً بِسَبِّ الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا دَخَلَ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ، اسْوَدَّ وَجْهُهُ اسْوِدَاداً شَدِيداً، حَتَّى أَنْكَرَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ. وَأَخَذَ يَصِيحُ: "الوَيْلُ لِي مِنْ أَبِي بَكْرٍ! الوَيْلُ لِي مِنْ عُمَرَ!". فَلَمَّا مَاتَ، وَأَرَادُوا غُسْلَهُ، تَفَسَّخَ جِلْدُهُ كَأَنَّهُ أُحْرِقَ بِالنَّارِ، وَلَمَّا وُضِعَ فِي لَحْدِهِ، انْقَلَبَ عَنِ القِبْلَةِ مُبَاشَرَةً، فَكُلَّمَا عَدَّلُوهُ انْقَلَبَ، فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِ القَبْرَ وَهُوَ مَصْرُوفٌ عَنِ القِبْلَةِ، لِيَكُونَ عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ تَجَرَّأَ عَلَى جَنَابِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. [5]
[الحَاشِيَةُ ]_________________________________________________________________♤
[1] تَرْجَمَةُ عَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَتَوْثِيقُ مَصْرَعِهِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ (كَانَتْ حَادِثَتُهُ فِي حُدُودِ القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ، نَحْوَ سَنَةِ 270 هـ). كَانَ مِنْ حَفَظَةِ القُرْآنِ، وَالمَشْهُورِينَ بِالشَّجَاعَةِ فِي الثُّغُورِ، وَلَكِنَّ خَبِيئَةَ السُّوءِ وَتَعَلُّقَ القَلْبِ بِالشَّهَوَاتِ أَدَّتْ بِهِ إِلَى الِارْتِدَادِ عَنِ الإِسْلَامِ، وَمَاتَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فِي بِلَادِ الرُّومِ.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ الفَاجِعَةَ الحَافِظُ ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي صِفَةِ الصَّفْوَةِ (ج 4، ص 249)، وَالذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (ج 13، ص 464)، وَأَوْرَدَهَا ابْنُ كَثِيرٍ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ (ج 11، ص 65).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ العَبْدَ قَدْ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ بِسَبَبِ عِشْقِ الدُّنْيَا وَتَرْكِ الإِخْلَاصِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: بَقَاءُ آيَةٍ وَاحِدَةٍ فِي ذَاكِرَتِهِ هُوَ مِنْ بَابِ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، لِيَعْلَمَ تَمَامَ الخُسْرَانِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ حِينَمَا بَاعَ آخِرَتَهُ بِشَهْوَةٍ فَانِيَةٍ.
[2] تَوْثِيقُ قِصَّةِ الشَّابِ المُنْهَمِكِ (صَاحِبِ حَمَّامِ مَنْجَابِ):
بَيَانُ الحَادِثَةِ: وَقَعَتْ هَذِهِ القِصَّةُ فِي بَغْدَادَ فِي زَمَنِ الدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّةِ (قُبَيْلَ القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ)، لِشَابٍّ لَمْ تُسَمِّهِ المَصَادِرُ سَتْراً عَلَيْهِ، وَكَانَ قَدْ أُمِيتَ قَلْبُهُ بِفُضُولِ النَّظَرِ وَعِشْقِ الصُّوَرِ المَنْهِيِّ عَنْهَا.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: رَوَاهَا الإِمَامُ ابْنُ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ فِي الدَّاءِ وَالدَّوَاءِ (ص 226)، وَابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ فِي جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ (عِنْدَ شَرْحِ حَدِيثِ: الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ اللِّسَانَ يَنْطِقُ عِنْدَ المَوْتِ بِمَا امْتَلأَ بِهِ القَلْبُ فِي الدُّنْيَا، فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَشْغُوفاً بِالغِنَاءِ وَالعِشْقِ، خُذِلَ عَنِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: خُطُورَةُ الغَفْلَةِ وَتَرْكِ حِفْظِ الجَوَارِحِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَطْلَقَ بَصَرَهُ فِي الحَرَامِ، أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ.
[3] تَوْثِيقُ قِصَّةِ جَلِيسِ الرِّبَا وَمَصْرَعِهِ:
بَيَانُ الحَادِثَةِ: هُوَ أَبُو جَعْفَرٍ التَّاجِرُ، كَانَ يُقِيمُ بِمِصْرَ (مَاتَ فِي حُدُودِ سَنَةِ 310 هـ)، وَكَانَ قَدْ فُتِنَ بِجَمْعِ الأَمْوَالِ وَمُعَامَلَاتِ الرِّبَا الفَاسِدَةِ حَتَّى أَنْسَتْهُ الآخِرَةَ.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَهَا الحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ (ج 8، ص 112)، وَأَوْرَدَهَا ابْنُ الجَوْزِيِّ فِي بَحْرِ الدُّمُوعِ (ص 84).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا كَانَتْ تِجَارَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلَى السُّحْتِ هِيَ هَمُّهُ، عُوقِبَ بِأَنْ صَارَتْ هِيَ كَلَامَهُ الأَخِيرَ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: أَمْوَالُ الرِّبَا شُؤْمٌ عَلَى صَاحِبِهَا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الغِنَى بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، أَوْرَثَهُ اللَّهُ الفَقْرَ الإِيمَانِيَّ عِنْدَ المَوْتِ.
[4] تَوْثِيقُ قِصَّةِ تَارِكِ الصَّلَاةِ وَحِرْمَانِهِ الشَّهَادَةَ:
بَيَانُ الحَادِثَةِ: حَادِثَةٌ جَرَتْ بِالكُوفَةِ لِرَجُلٍ يَدْعَى حَمَّاداً (مَاتَ سَنَةَ 195 هـ)، كَانَ قَدْ عُرِفَ بِالتَّهَاوُنِ الشَّدِيدِ بِأَرْكَانِ الدِّينِ وَتَرْكِ الصَّلَاةِ صُدُوداً وَاسْتِكْبَاراً.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: رَوَاهَا التَّيْمِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ (ج 1، ص 241)، وَأَوْرَدَهَا الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِ الكَبَائِرِ (ص 32).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: تَرْكُ الصَّلَاةِ قَاطِعٌ لِلصِّلَةِ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ، وَمَنْ قَطَعَ صِلَتَهُ بِاللَّهِ فِي الدُّنْيَا، قَطَعَهُ اللَّهُ عِنْدَ الحَاجَةِ إِلَيْهِ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: رُؤْيَا المَقَاعِدِ مِنَ النَّارِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ حَقٌّ، وَفِيهَا تَعْجِيلٌ لِلْعُقُوبَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْكَافِرِ وَالفَاسِقِ قَبْلَ دُخُولِ القَبْرِ.
[5] تَوْثِيقُ قِصَّةِ المُبْتَدِعِ الشَّاتِمِ لِلصَّحَابَةِ:
بَيَانُ التَّرْجَمَةِ: هُوَ الحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو النَّخَعِيُّ (مَاتَ سَنَةَ 148 هـ)، كَانَ غَالِياً فِي البِدْعَةِ، مَعْرُوفاً بِمَجَالِسِهِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا فِي أَعْرَاضِ خَيْرِ الأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا.
تَوْثِيقُ القِصَّةِ: أَخْرَجَهَا الَّلالَكَائِيُّ فِي شَرْحِ أُصُولِ اِعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ (ج 7، ص 1240)، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ (ج 4، ص 189).
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: بَيَانُ أَنَّ البِدْعَةَ وَسَبَّ الصَّحَابَةِ ذَنْبٌ عَظِيمٌ تَعْظُمُ عُقُوبَتُهُ فِي الدُّنْيَا بِظُهُورِ عَلَامَاتِ السُّوءِ عَلَى الجَسَدِ وَالانْصِرَافِ عَنِ القِبْلَةِ.
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِانْصِرَافُ عَنِ القِبْلَةِ فِي القَبْرِ هُوَ دَلِيلٌ طَرْدٍ وَخِذْلَانٍ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى المُسْلِمِ لُزُومَ السُّنَّةِ وَمَحَبَّةَ آلِ البَيْتِ وَالصَّحَابَةِ جَمِيعاً بِلَا غُلُوٍّ وَلَا جَفَاءٍ.
♤______________________________71_________________________________♤
[الجُزْءُ السَّابِعُ: الأَسْبَابُ الخَفِيَّةُ لِسُوءِ الخَاتِمَةِ وَكَيْفِيَّةُ الِاتِّقَاءِ]
إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَاهِرَ العَبْدِ صَالِحاً ثُمَّ خُتِمَ لَهُ بِالسُّوءِ، عَجِبُوا وَتَفَطَّرَتْ نُفُوسُهُمْ هَلَعاً، وَمَا عَلِمُوا أَنَّ للهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ سَرَائِرَ لَا تَنْكَشِفُ إِلَّا عِنْدَ رَحِيلِ الأَرْوَاحِ. فَسُوءُ الخَاتِمَةِ -أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْهُ- لَا يَقَعُ لِمَنْ اسْتَقَامَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ صِدْقاً، وَإِنَّمَا هُوَ ثَمَرَةُ دَسِيسَةٍ خَفِيَّةٍ، وَمَكْرٍ نَفْسِيٍّ احْتَقَبَهُ العَبْدُ دَهْراً. وَنَحْنُ نَجْمَعُ هَذِهِ الأَسْبَابَ فِيهِمَا يَلِي مَعَ طُرُقِ النَّجَاةِ:
أَوَّلًا: الأَسْبَابُ الخَفِيَّةُ الكُبْرَى لِسُوءِ الخَاتِمَةِ:
1. خَبِيئَةُ السُّوءِ وَفَسَادُ السَّرِيرَةِ:
وَهُوَ الأَصْلُ الأَصِيلُ فِي هَذَا البَابِ؛ حَيْثُ يَكُونُ العَبْدُ مُظْهِراً لِلْخَيْرِ وَالسُّنَّةِ بَيْنَ النَّاسِ، لَكِنَّهُ إِذَا خَلَا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكَهَا، أَوْ انْطَوَى قَلْبُهُ عَلَى عِشْقِ ذَنْبٍ مُعَيَّنٍ لَا يُرِيدُ الإِقْلَاعَ عَنْهُ، فَيَظَلُّ هَذَا الَّذَنْبُ المَكْتُومُ يَنْخُرُ فِي شَجَرَةِ إِيمَانِهِ خُفْيَةً، حَتَّى إِذَا جَاءَ رِيحُ المَوْتِ العَاصِفُ، هَوَتْ الشَّجَرَةُ عَلَى عُرُوشِهَا. [1]
2. دَخَنُ النِّيَّةِ (الرِّيَاءُ وَطَلَبُ السُّمْعَةِ):
أَنْ يَعْمَلَ العَبْدُ أَعْمَالَ الآخِرَةِ العَظِيمَةَ كَالعِلْمِ، وَالتَّصْنِيفِ، وَالجِهَادِ، وَالزُّهْدِ، لَكِنَّ المَقْصِدَ البَاطِنَ هُوَ ثَنَاءُ الخَلْقِ، أَوْ التَّصَدُّرُ فِي المَجَالِسِ. وَهَذَا الدَّاءُ الخَفِيُّ يَمْنَعُ تَدَفُّقَ مَادَّةِ التَّوْفِيقِ الإِلَهِيِّ عِنْدَ الحَاجَةِ، فَيَكِلُ اللَّهُ العَبْدَ إِلَى نَفْسِهِ الَّتِي أَشْرَكَهَا مَعَهُ، فَيَخْذُلُهُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَى التَّثْبِيتِ. [2]
3. الإِصْرَارُ عَلَى صَغَائِرِ الذُّنُوبِ مَعَ الِاسْتِهَانَةِ:
إِنَّ الخَاتِمَةَ لَا تَبْغَتُ العَبْدَ بِالكُفْرِ طَفْرَةً وَاحِدَةً، بَلْ تَبْدَأُ بِإِلْفِ المَعْصِيَةِ الصَّغِيرَةِ، ثُمَّ تَرْكِ النَّوَافِلِ، ثُمَّ التَّهَاوُنِ بِالفَرَائِضِ، حَتَّى يَقْسُوَ القَلْبُ فَيَرْتَسِخَ فِيهِ الرَّانُ، فَيُصْبِحَ الدِّينُ عِنْدَهُ قِشْرَةً ظَاهِرَةً تُذْهِبُهَا أَدْنَى شُبْهَةٍ أَوْ شَهْوَةٍ عِنْدَ النَّزْعِ. [3]
4. عُقُودُ المَظَالِمِ وَتَعَلُّقُ حُقُوقِ العِبَادِ:
قَدْ يَكُونُ العَبْدُ كَثِيرَ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، لَكِنَّهُ يَبْخَسُ النَّاسَ حُقُوقَهُمْ، أَوْ يَأْكُلُ مَوَاثِيقَ المَالِ بِالبَاطِلِ، أَوْ يَقَعُ فِي أَعْرَاضِ المُسْلِمِينَ خُفْيَةً. فَتِلْكَ المَظَالِمُ لَهَا طَلَبَةٌ مِنْ قِبَلِ المَلَائِكَةِ وَالخَلْقِ، فَتَأْتِي شُؤْمُهَا لِيَحُولَ بَيْنَ لِسَانِهِ وَبَيْنَ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ تَعْجِيلًا لِعُقُوبَتِهِ. [4]
5. العُجْبُ بِالعَمَلِ وَرُؤْيَةُ النَّفْسِ:
وَهُوَ المَرَضُ العُضَالُ الَّذِي يَتَسَلَّلُ إِلَى الأَكَابِرِ؛ حَيْثُ يَنْظُرُ العَالِمُ أَوْ العَابِدُ إِلَى كَثْرَةِ عِلْمِهِ، أَوْ فِقْهِهِ، أَوْ نُفُوذِ دَعْوَتِهِ، فَيَرَى أَنَّ لَهُ يَدًا عِنْدَ اللَّهِ، وَيَنْسَى المِنَّةَ وَالفَضْلَ، فَيَسْلُبُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِبَاسَ التَّقْوَى مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَبَيَانًا لِعَجْزِهِ. [5]
ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ الِاتِّقَاءِ وَتَحْصِينِ الِخْتَامِ (شُرُوطُ السَّلَامَةِ):
1. عِمَارَةُ السَّرَائِرِ بِمَا تُعْمَرُ بِهِ العَلَانِيَةُ:
أَنْ يَجْتَهِدَ المَرْءُ حَتَّى يَكُونَ بَاطِنُهُ خَيْرًا مِنْ ظَاهِرِهِ، وَأَنْ يَجْعَلَ لِنَفْسِهِ "خَبِيئَةَ صَالِحَةً" لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ (كَصَلَاةِ جَوْفِ اللَّيْلِ، أَوْ صَدَقَةِ السِّرِّ، أَوْ الِابْتِهَالِ الخَالِصِ)؛ فَإِنَّ صَالِحَ السَّرَائِرِ هُوَ دِرْعُ الثَّبَاتِ الأَعْظَمِ عِنْدَ الهَجَمَاتِ الشَّيْطَانِيَّةِ فِي سَكَرَاتِ المَوْتِ.
2. دَوَامُ الِافْتِقَارِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ:
أَلَّا يَرْكَنَ العَبْدُ إِلَى عِلْمِهِ، وَلَا طَاعَتِهِ، وَلَا سَابِقَتِهِ، بَلْ يَعِيشُ بَيْنَ الخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، لَاهِجًا بِالدُّعَاءِ المَأْثُورِ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ"، عَالِمًا أَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.
3. الحَسْمُ الفَوْرِيُّ لِمَادَّةِ الذُّنُوبِ وَالتَّوْبَةُ التَّجْدِيدِيَّةُ:
أَلَّا يَبِيتَ العَبْدُ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُهَا، بَلْ يُحْدِثُ لِكُلِّ ذَنْبٍ تَوْبَةً فَوْرِيَّةً، مَعَ الاسْتِغْفَارِ الدَّائِمِ الَّذِي يَمْحَقُ الرَّانَ عَنِ القَلْبِ فَلَا يَتَرَاكَمُ حَتَّى يُغْلِقَ مَنَافِذَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ.
4. التَّحَلُّلُ مِنْ مَظَالِمِ العِبَادِ:
أَنْ يُؤَدِّيَ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا فِي أَيَّامِ الصِّحَّةِ وَالفَسْحَةِ، سَوَاءً كَانَتْ أَمْوَالًا، أَوْ طَلَبَ عَفْوٍ عَنْ غِيبَةٍ، حَتَّى يَقْدَمَ عَلَى اللَّهِ خَفِيفَ المَاذِرِ، لَا تَتَعَلَّقُ بِهِ تَبِعَاتٌ تَحْجُبُ عَنْهُ التَّوْفِيقَ.
[الحَاشِيَةُ ]______________________________________________♤
[1] تَأْصِيلُ دَاءِ خَبِيئَةِ السُّوءِ وَسَرِيرَةِ الفَسَادِ:
بَيَانُ الأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: يَقُولُ الإِمَامُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ (ت 159 هـ): "احْذَرُوا الذُّنُوبَ، فَإِنَّهَا هِيَ الَّتِي أَوْقَعَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَوْقَعَتْهُمْ فِيهِ، وَإِنَّ خَبِيئَةَ السُّوءِ تَهْدِمُ العَمَلَ الظَّاهِرَ كَمَا يَهْدِمُ السَّيْلُ البُنْيَانَ".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: أَوْرَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ فِي جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ (شَرْحِ حَدِيثِ: إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، ج 1، ص 172)، وَابْنُ القَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ (ص 234).
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: الِاسْتِهَانَةُ بِخَلَوَاتِ السُّوءِ تَنْقُلُ العَبْدَ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ المَظْهَرِيَّةِ إِلَى جَفَاءِ القَلْبِ، وَهُوَ الحِجَابُ الأَوَّلُ عَنِ النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ السَّكَرَاتِ.
[2] تَأْصِيلُ خُطُورَةِ دَخَنِ النِّيَّةِ وَالرِّيَاءِ الخَفِيِّ:
بَيَانُ الأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: كَانَ الإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (ت 161 هـ) يَبْكِي لَيْلًا فَيُقَالُ لَهُ: أَبُكاؤُكَ مِنَ الذُّنُوبِ؟ فَيَأْخُذُ تِبْنَةً وَيَقُولُ: "لَلذُّنُوبُ أَهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ هَذِهِ، إِنَّمَا أَبْكِي خَوْفًا أَنْ أُسْلَبَ الإِيمَانَ قَبْلَ المَوْتِ لِشَيْءٍ لَمْ أَحْتَسِبْهُ فِي نِيَّتِي".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ (ج 6، ص 387)، وَالذَّهَبِيُّ فِي سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (ج 7، ص 256).
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: خَوْفُ الأَئِمَّةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ قِلَّةِ العَمَلِ، بَلْ مِنْ عَدَمِ نَقَاوَةِ المَقْصِدِ البَاطِنِ؛ فَالرِّيَاءُ الخَفِيُّ مَحِقٌ لِلْبَرَكَةِ الصَّيْرُورِيَّةِ لِلْعَبْدِ.
[3] تَأْصِيلُ شُؤْمِ الإِصْرَارِ عَلَى صَغَائِرِ الذُّنُوبِ:
بَيَانُ الأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "إِنَّ المُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ التَّوْبَةِ، رَقْمُ 6308).
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: تَرَاكُمُ النُّكَتِ السَّوْدَاءِ المَذْكُورَةِ فِي الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ النَّاشِئَةِ عَنِ الصَّغَائِرِ يَصْنَعُ غِلَافًا عِنَادِيًّا يَمْنَعُ الرُّوحَ مِنَ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِ اللَّهِ عِنْدَ السَّكَرَاتِ.
[4] تَأْصِيلُ خُطُورَةِ المَظَالِمِ وَعَلَاقَتِهَا بِسُوءِ المُنْقَلَبِ:
بَيَانُ الأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: يَقُولُ الشَّعْبِيُّ (ت 103 هـ): "لَأَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِصَحِيفَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ -إِلَّا التَّوْحِيدَ- أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَاهُ وَفِي رَقَبَتِي دِرْهَمٌ لِمُسْلِمٍ ظَلَمْتُهُ فِيهِ".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: أَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي المُصَنَّفِ (كِتَابُ الزُّهْدِ، ج 7، ص 189)، وَابْنُ الجَوْزِيِّ فِي صِفَةِ الصَّفْوَةِ (ج 3، ص 88).
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: حُقُوقُ العِبَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المُشَاحَّةِ، وَشُؤْمُ المَظْلَمَةِ يُعَطِّلُ سَرَيَانَ لُطْفِ اللَّهِ بِالعَبْدِ حَالَ نَزَعِهِ، لِيُقْتَصَّ مِنْهُ عَدْلًا.
[5] تَأْصِيلُ خُطُورَةِ العُجْبِ الكِبْرِيَّائِيِّ بِالعَمَلِ:
بَيَانُ الأَثَرِ عَنِ السَّلَفِ: عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ (ت 95 هـ) أَنَّهُ قَالَ: "لَأَنْ أَبِيتَ نَائِمًا وَأُصْبِحَ نَادِمًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَبِيتَ قَائِمًا وَأُصْبِحَ مُعْجَبًا".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ (ج 2، ص 200)، وَابْنُ المُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ (ص 94).
الفَائِدَةُ المُنْتَقَاةُ: العُجْبُ نَفْخٌ شَيْطَانِيٌّ يَطْرُدُ الإِخْلَاصَ؛ فَمَنْ رَأَى نَفْسَهُ بِعَيْنِ الكَمَالِ، وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى ضَعْفِهِ، فَلَمْ يَجِدْ لَهُ ثَبَاتًا تُرْتَجَى صِيَانَتُهُ.___
♤________________________________72____________________________________♤
العَاشِرُ: المُخْتَصَرُ المُفِيدُ فِي القَوَاعِدِ وَالأُصُولِ لِلْمَرَاتِبِ السَّبْعَةِ
[خُلَاصَةُ المَخْطُوطِ السُّلُوكِيِّ العِلْمِيِّ - 72 صَفْحَةً فِي سُطُورٍ تَأْصِيلِيَّةٍ مُرَسَّلَةٍ]
إِنَّ مَدَارَ رِحْلَةِ العَبْدِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَتَقَلُّبَهُ فِي مَنَازِلِ العُبُودِيَّةِ بَيْنَ البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ، يَأْتَلِفُ فِي خَمْسِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ، وَأَرْبَعَةِ أُصُولٍ جَامِعَةٍ، وَضَابِطٍ تَوْقِيفِيٍّ يَحْكُمُ "المَرَاتِبَ السَّبْعَةَ" الَّتِي بُسِطَتْ فِي صَفَحَاتِ هَذَا الكِتَابِ. وَهَا نَحْنُ نَفْتَحُ مَخَازِنَ الفَوَائِدِ وَالنِّكَاتِ العِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ لِهَذَا العِلْمِ نَثْراً بَلِيغاً:
أَوَّلًا: الأُصُولُ الجَامِعَةُ لِلْمَرَاتِبِ السَّبْعَةِ (دَعَائِمُ البِنَاءِ):
أَصْلُ التَّبْصِيرِ (اليَقَظَةُ): أَنَّ البِدَايَةَ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِنُورٍ يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي المَرَاتِبِ الأُولَى، وَتَتَمَثَّلُ فِي مَقَامَيِ التَّوَّبَةِ النَّصُوحِ وَالمُحَاسَبَةِ الرَّاتِبَةِ، حَيْثُ يُبْصِرُ العَبْدُ جَفَاءَ فِعْلِهِ وَيَتَحَرَّكُ عَنْ مَقَامِ الغَفْلَةِ.
أَصْلُ التَّصْفِيَةِ (المُجَاهَدَةُ): وَيَتَجَلَّى فِي المَرَاتِبِ المُتَوَسِّطَةِ وَهُمَا مَقَامَا الوَرَعِ الدَّقِيقِ وَالزُّهْدِ الحَقِيقِيِّ، حَيْثُ يُنَقَّى المَطْعَمُ وَالمَشْرَبُ وَتُفْطَمُ النَّفْسُ عَنْ فُضُولِ المُبَاحَاتِ لِيَخِفَّ الجَسَدُ لِلْطَّاعَةِ.
أَصْلُ التَّحْلِيَةِ (العِبَادَةُ الخَالِصَةُ): الِانْتِقَالُ لِمَقَامِ تَعْمِيرِ الأَوْقَاتِ بَيْنَ مَرْتَبَتَيِ المُرَاقَبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّوَكُّلِ مَعَ الرِّضَا، حَتَّى يَصِيرَ القَلْبُ مَحْضِرًا لِلْقُرْبِ مَعَ سُكُونِهِ تَحْتَ مَجَارِي الأَقْدَارِ بِلَا اعْتِرَاضٍ.
أَصْلُ التَّوْفِيقِ وَالتَّثْبِيتِ (الخَاتِمَةُ): وَهُوَ قُطْبُ رَحَى المَرْتَبَةِ السَّابِعَةِ أَلَا وَهِيَ الثَّبَاتُ؛ حَيْثُ تَتَدَارَكُ العَبْدَ السَّابِقَةُ الحُسْنَى، فَيُعْصَمُ عِنْدَ دُرُوسِ الأَجَلِ مِنَ النِّفَاقِ وَالزَّيْغِ.
ثَانِيًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ السُّلُوكِيَّةُ (نِكَاتٌ وَفَوَائِدُ مُنْتَقَاةٌ):
قَاعِدَةُ السَّرَائِرِ (أَهَمُّ نِكْتَةٍ فِي المَخْطُوطِ): كُلُّ عَلَانِيَةٍ لَا تُؤَيِّدُهَا خَبِيئَةُ صَالِحَةٌ فَهِيَ مَحْقٌ لِلْبَرَكَةِ، وَكُلُّ خَبِيئَةِ سُوءٍ مُصَرٍّ عَلَيْهَا فَهِيَ مِعْوَلٌ يَهْدِمُ الخَاتِمَةَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. [1]
قَاعِدَةُ التَّدَرُّجِ وَالمَرَاتِبِ: لَا يُتَصَوَّرُ صُعُودٌ إِلَى مَقَامِ الزُّهْدِ العَالِي لِمَنْ لَمْ يُحْكِمْ مَقَامَ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَمَنْ تَعَجَّلَ النِّهَايَاتِ قَبْلَ إِحْكَامِ البِدَايَاتِ، حُرِمَ التَّوْفِيقَ وَعَادَ إِلَى الوَرَدِ الأَوَّلِ بِالخِذْلَانِ.
ضَابِطُ العُمُومِ وَالخُصُوصِ فِي المَظَالِمِ: العَفْوُ الإِلَهِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى المَسَامَحَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى المُشَاحَّةِ الصَّارِمَةِ فِي حُقُوقِ العِبَادِ؛ فَدِرْهَمٌ مَظْلَمَةٍ يَحْجُبُ قَبُولَ قَنَاطِيرِ طَاعَاتٍ.
نِكْتَةُ الفَرْقِ بَيْنَ العُجْبِ وَالفَرَحِ بِالطَّاعَةِ: الفَرَحُ بِالطَّاعَةِ مَحْمُودٌ إِذَا شَهِدَ العَبْدُ فِيهِ مِنَّةَ اللَّهِ وَتَوْفِيقَهُ {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا}، أَمَّا العُجْبُ فَمَذْمُومٌ مُهْلِكٌ؛ لِأَنَّهُ نَظَرٌ إِلَى النَّفْسِ بِعَيْنِ الِاسْتِحْقَاقِ وَالِاسْتِعْلَاءِ.
ثَالِثًا: البَيَانُ النَّثْرِيُّ المَفْصُولُ لِلمَرَاتِبِ السَّبْعَةِ تَبَاعاً:
المَرْتَبَةُ الأُولَى (التَّوْبَةُ النَّصُوحُ): وَحَقِيقَتُهَا انْخِلَاعٌ فَوْرِيٌّ مِنَ المَعْصِيَةِ، وَنَدَمٌ يُحْرِقُ سَوَادَ القَلْبِ، مَعَ عَزْمٍ جَازِمٍ أَلَّا عَوْدَ، وَهِيَ مِفْتَاحُ كُلِّ مَقَامٍ شَرِيفٍ.
المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (المُحَاسَبَةُ الرَّاتِبَةُ): وَتَقُومُ عَلَى تَفْتِيشِ النِّيَّةِ قَبْلَ العَمَلِ، وَمُعَاتَبَةِ النَّفْسِ بَعْدَهُ، وَتَقْيِيدِ الأَنْفَاسِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْ لَا تَقَعَ فِي الِاسْتِدْرَاجِ.
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (الوَرَعُ الدَّقِيقُ): وَهُوَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ خَوْفاً مِنَ الوُقُوعِ فِي الحَرَامِ الصَّرِيحِ، وَصِيَانَةُ الجَوَارِحِ عَنِ الفُضُولِ الَّتِي لَا طَائِلَ مِنْهَا فِي الآخِرَةِ.
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ (الزُّهْدُ الحَقِيقِيُّ): وَجَوْهَرُهُ فَرَاغُ القَلْبِ مِنَ الدُّنْيَا لَا فَرَاغُ اليَدِ مِنْهَا؛ بِحَيْثُ تَكُونُ الدُّنْيَا فِي يَدِ العَبْدِ مَمْلُوكَةً لَهُ لَا مَالِكَةً لِعَقْلِهِ وَقَلْبِهِ.
المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ (المُرَاقَبَةُ الشَّرْعِيَّةُ): وَهِيَ دَوَامُ عِلْمِ العَبْدِ بِاطِّلَاعِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ فِي كُلِّ لَمْحَةٍ، حَتَّى يَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ.
المَرْتَبَةُ السَّادِسَةُ (التَّوَكُّلُ وَالرِّضَا): وَهِيَ تَفْوِيضُ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ لِلْمَوْلَى تَعَالَى، مَعَ سُكُونِ النَّفْسِ تَحْتَ أَقْدَارِ اللَّهِ المُؤْلِمَةِ وَالمُلَائِمَةِ دُونَ بَثِّ الشَّكْوَى.
المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ (الثَّبَاتُ وَحُسْنُ الِخْتَامِ): وَهِيَ الثَّمَرَةُ اليَانِعَةُ لِلصِّدْقِ فِي المَرَاتِبِ الستِّ السَّابِقَةِ؛ حَيْثُ يَتَدَارَكُ اللُّطْفُ الإِلَهِيُّ العَبْدَ لِيَمُوتَ ثَابِتاً عَلَى السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ.
[الحَاشِيَةُ التَّأْصِيلِيَّةُ لِلْمَلْمَحِ العَاشِرِ]
[1] تَوْثِيقُ قَاعِدَةِ السَّرَائِرِ عَنِ الأَئِمَّةِ:
بَيَانُ الأَثَرِ: يَقُولُ الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهِ: "أَجْمَعَ العَارِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّ سُوءَ الخَاتِمَةِ لَا يَكُونُ لِمَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ لَهُ دَسِيسَةُ سُوءٍ لَا يَعْلَمُهَا النَّاسُ".
تَوْثِيقُ المَصْدَرِ: يَنْظُرُ: الفَوَائِدُ (ص 134)، وَانْظُرْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي مَخْطُوطِنَا هَذَا (ص 58 - الصَّفْحَةُ الخَاصَّةُ بِتَفْكِيكِ مَصَارِعِ المَفْتُونِينَ).
النِّكْتَةُ العِلْمِيَّةُ: خَبِيئَةُ السُّوءِ كَالسُّمِّ البَطِيءِ، قَدْ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي أَيَّامِ الصِّحَّةِ لِقُوَّةِ المَانِعِ التَّصَنُّعِيِّ، لَكِنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ عِنْدَ ارْتِخَاءِ المَفَاصِلِ وَهُجُومِ سَكَرَاتِ المَوْتِ فَيَسْلُبُ اللَّفْظَ بِالشَّهَادَةِ.
♤__________________________________________73_____________________________________________♤
[أَوَّلًا: العِشْرُونَ نَتِيجَةً البَحْثِيَّةَ المُسْتَخْرَجَةَ مِنَ الرِّسَالَةِ مَعَ شَرْحِهَا]
1. نَتِيجَةُ تَلَازُمِ المَظْهَرِ وَالمَخْبَرِ:
الشَّرْحُ: خَلَصَ البَحْثُ إِلَى أَنَّ كُلَّ صَلَاحٍ ظَاهِرِيٍّ لَا تُمِدُّهُ مَادَّةٌ مِنَ الإِخْلَاصِ البَاطِنِ هُوَ صَلَاحٌ صُورِيٌّ يَتَفَسَّخُ عِنْدَ أَوَّلِ بَادِرَةٍ مِنْ بَوَادِرِ المَوْتِ.
2. نَتِيجَةُ التَّدَرُّجِ التَّوْقِيفِيِّ لِلْمَرَاتِبِ:
الشَّرْحُ: أَنَّ المَرَاتِبَ السَّبْعَةَ طَرِيقٌ تَرَاكُمِيٌّ؛ فَلَا يَصِحُّ لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَتَشَوَّفَ إِلَى الزُّهْدِ أَوْ المُرَاقَبَةِ وَهُوَ لَمْ يُحْكِمْ قَاعِدَةَ التَّوْبَةِ وَالمُحَاسَبَةِ، وَإِلَّا كَانَ بِنَاؤُهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ.
3. نَتِيجَةُ التَّأْثِيرِ المُرْتَدِّ لِخَبِيئَةِ السُّوءِ:
الشَّرْحُ: ثَبَتَ بِالاسْتِقْرَاءِ التَّارِيخِيِّ فِي الرِّسَالَةِ أَنَّ ذُنُوبَ الخَلَوَاتِ هِيَ المِعْوَلُ الخَفِيُّ الَّذِي يَنْخُرُ فِي أَصْلِ التَّثْبِيتِ، وَأَنَّ مَصَارِعَ المَفْتُونِينَ لَمْ تَكُنْ فُجَاءَةً بَلْ بِسَبَبِ دَسَائِسَ بَاطِنَةٍ.
4. نَتِيجَةُ أَنَّ الأَعْمَالَ بِالخَوَاتِيمِ صَيْرُورَةٌ لَا صُدْفَةٌ:
الشَّرْحُ: أَكَّدَتِ النُّصُوصُ المُحَقَّقَةُ أَنَّ خَاتِمَةَ العَبْدِ هِيَ انْعِكَاسٌ فِعْلِيٌّ لِمَا كَانَ يَأْلَفُهُ فِي زَمَنِ رَخَائِهِ، فَمَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ تَمَثَّلَ لَهُ عِنْدَ فِرَاقِ الدُّنْيَا.
5. نَتِيجَةُ تَعْظِيمِ جَنَابِ الصَّحَابَةِ كَأَصْلٍ لِلثَّبَاتِ:
الشَّرْحُ: كَشَفَتْ تَرَاجِمُ المَصَارِعِ أَنَّ الوُقُوعَ فِي أَعْرَاضِ السَّلَفِ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ بِدْعَةٌ مُغْلِظَةٌ تُورِثُ سَوَادَ الوَجْهِ وَالِانْصِرَافَ عَنِ القِبْلَةِ فِي اللَّحْدِ.
6. نَتِيجَةُ خُطُورَةِ الرِّبَا وَتَعَلُّقِ المَالِ بِالرُّوحِ:
الشَّرْحُ: بَيَّنَ البَحْثُ أَنَّ الاسْتِهَانَةَ بِأَمْوَالِ السُّحْتِ تَجْعَلُ الحِسَابَاتِ المَالِيَّةَ هِيَ النُّطْقَ الأَخِيرَ لِلْمَرْءِ، فَيُحْرَمُ الشَّهَادَةَ مُعَامَلَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
7. نَتِيجَةُ خُطُورَةِ شَهْوَةِ الفَرْجِ وَالنَّظَرِ فِي هَدْمِ العِبَادَةِ:
الشَّرْحُ: مِثْلَمَا جَرَى لِعَبْدَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّ عِشْقَ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ قَادِرٌ عَلَى مَحْوِ حِفْظِ القُرْآنِ كُلِّهِ مِنَ الصَّدْرِ إِلَّا مَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى العَبْدِ.
8. نَتِيجَةُ حَاكِمِيَّةِ حُقُوقِ العِبَادِ عَلَى حُقُوقِ اللَّهِ فِي المَشَاحَّةِ:
الشَّرْحُ: خَلَصَتِ الرِّسَالَةُ إِلَى أَنَّ كَثْرَةَ النَّوَافِلِ لَا تَمْحُو المَظَالِمَ، وَأَنَّ حُقُوقَ الخَلْقِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العَدْلِ الصَّارِمِ، وَهِيَ حِجَابٌ كَبِيرٌ عَنِ التَّوْفِيقِ عِنْدَ النَّزْعِ.
9. نَتِيجَةُ أَنَّ الوَرَعَ هُوَ سِيَاجُ التَّقْوَى:
الشَّرْحُ: تَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَجَدَ نَفْسَهُ مَغْمُوراً فِي الحَرَامِ الخَالِصِ، فَالْوَرَعُ هُوَ المَانِعُ النَّفْسِيُّ مِنْ تَجَرُّؤِ الشَّيْطَانِ عَلَى العَبْدِ.
10. نَتِيجَةُ عِلْمِيَّةُ الزُّهْدِ الشَّرْعِيِّ:
الشَّرْحُ: أَوْضَحَتِ الرِّسَالَةُ أَنَّ الزُّهْدَ المَحْمُودَ لَيْسَ بِتَحْرِيمِ الحَلَالِ وَلَا طَرْحِ المَالِ، بَلْ بِأَنْ يَكُونَ المَرْءُ بِمَا فِي يَدِ اللَّهِ أَوْثَقَ مِمَّا فِي يَدِهِ هُوَ.
11. نَتِيجَةُ مَرْكَزِيَّةِ الصَّلَاةِ فِي عَقْدِ الإِسْلَامِ:
الشَّرْحُ: أَثْبَتَ التَّحْقِيقُ أَنَّ التَّهَاوُنَ بِالصَّلَاةِ يَسْلُبُ مَعِيَّةَ المَلَائِكَةِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ، وَيَجْعَلُ العَبْدَ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ حَيَاتِهِ.
12. نَتِيجَةُ خُطُورَةِ العُجْبِ بِالعِلْمِ لَدَى طَلَبَةِ العِلْمِ:
الشَّرْحُ: رُؤْيَةُ النَّفْسِ وَالِاسْتِعْلَاءُ بِالمَعْرِفَةِ سَبَبٌ فِي سَلْبِ لِبَاسِ التَّقْوَى، فَالْعِلْمُ إِنْ لَمْ يُورِثْ انْكِسَاراً كَانَ قَاطِعاً عَنِ اللَّهِ.
13. نَتِيجَةُ ضَرُورَةِ التَّوْبَةِ التَّجْدِيدِيَّةِ الدَّائِمَةِ:
الشَّرْحُ: التَّوْبَةُ لَيْسَتْ مَقَاماً يُمْرَقُ مِنْهُ وَيُنْتَهَى، بَلْ وَظِيفَةُ العُمْرِ كُلِّهِ، وَبِهَا يُمْحَقُ الرَّانُ الَّذِي يَتَرَاكَمُ عَلَى القَلْبِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ.
14. نَتِيجَةُ أَنَّ المُرَاقَبَةَ ثَمَرَةُ العِلْمِ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:
الشَّرْحُ: الِاسْتِيقَاظُ لِمَقَامِ المُرَاقَبَةِ يَأْتِي مِنْ تَحْقِيقِ الإِيمَانِ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ العَلِيمُ بِخَائِنَةِ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
15. نَتِيجَةُ مَفْهُومِ التَّوَكُّلِ المَقْرُونِ بِالرِّضَا:
الشَّرْحُ: التَّفْوِيضُ الكَامِلُ لِلَّهِ مَعَ سُكُونِ القَلْبِ تَحْتَ أَقْدَارِهِ يُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ النَّفْسِيَّةَ، مِمَّا يَجْعَلُ الرُّوحَ تَخْرُجُ سَلِسَةً عِنْدَ المَوْتِ طَائِعَةً لِأَمْرِ رَبِّهَا.
16. نَتِيجَةُ الفَرْقِ بَيْنَ فَرَحِ الطَّاعَةِ وَعُجْبِ الكِبْرِ:
الشَّرْحُ: الفَرَحُ بِالطَّاعَةِ شُكْرٌ لِلْمُنْعِمِ سُبْحَانَهُ، بَيْنَمَا العُجْبُ نِسْبَةُ الفَضْلِ لِلذَّاتِ، وَهُوَ الحَاجِزُ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الاسْتِمْرَارِ عَلَى الجَادَّةِ.
17. نَتِيجَةُ شُؤْمِ الرِّفْقَةِ الفَاسِدَةِ عَلَى النِّهَايَاتِ:
الشَّرْحُ: مُجَالَسَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ وَالفُجَّارِ تَنْقُلُ دَاءَهُمْ إِلَى طَبْعِ المَرْءِ خُفْيَةً، فَيُحْشَرُ مَعَهُمْ حَالاً وَمَآلاً.
18. نَتِيجَةُ نَفْيِ طَفْرَةِ الِارْتِدَادِ فِي الكُفْرِ الخَفِيِّ:
الشَّرْحُ: لَا يَرْتَدُّ العَبْدُ عَنِ الإِسْلَامِ أَوِ السُّنَّةِ فَجْأَةً، بَلْ هُوَ تَسَلْسُلٌ يَبْدَأُ بِتَرْكِ السُّنَنِ ثُمَّ ارْتِكَابِ المَكْرُوهَاتِ ثُمَّ الوُقُوعِ فِي الكَبَائِرِ حَتَّى الِانْخِلَاعِ التَّامِّ.
19. نَتِيجَةُ فَرِيضَةِ الدُّعَاءِ بِالثَّبَاتِ عَقْلِيّاً وَشَرْعِيّاً:
الشَّرْحُ: بِمَا أَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، فَإِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى النَّفْسِ هُوَ عَيْنُ الخِذْلَانِ، وَالافْتِقَارَ هُوَ عَيْنُ التَّثْبِيتِ.
20. نَتِيجَةُ شَرَفِ الِانْتِسَابِ لِمَنَاهِجِ السَّلَفِ فِي التَّزْكِيَةِ:
الشَّرْحُ: أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي عِلْمِ السُّلُوكِ هِيَ الطَّرِيقَةُ العِلْمِيَّةُ الأَمْنَعُ، المَبْنِيَّةُ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِعِيداً عَنْ شَطَحَاتِ الصُّوفِيَّةِ وَأَوْهَامِ المُلْحِدِينَ.
[ثَانِيًا: العِشْرُونَ وَصِيَّةً وَفِيَّةً لِطَالِبِ العِلْمِ وَالقَارِئِ مَعَ شَرْحِهَا]
1. وَصِيَّةُ إِصْلَاحِ السَّرَائِرِ عَنْ تَعَاهُدِ الظَّوَاهِرِ:
الشَّرْحُ: اِجْعَلْ بَاطِنَكَ مَحَلَّ تَقْدِيسٍ وَتَطْهِيرٍ أَعْظَمَ مِنْ كُلِّ زِينَةٍ تَظْهَرُ بِهَا أَمَامَ النَّاسِ فِي مَجَالِسِ العِلْمِ.
2. وَصِيَّةُ الِاحْتِفَاظِ بِخَبِيئَةٍ صَالِحَةٍ مَكْتُومَةٍ:
الشَّرْحُ: لِيَكُنْ لَكَ عَمَلٌ صَالِحٌ لَا يَعْلَمُهُ زَوْجٌ وَلَا وَلَدٌ وَلَا صَدِيقٌ، يَكُونُ هُوَ رِجَالُ غَوْثِكَ عِنْدَ كَرْبِ المَوْتِ.
3. وَصِيَّةُ الحَذَرِ مِنْ فُضُولِ النَّظَرِ وَالاسْتِمَاعِ:
الشَّرْحُ: كُفَّ بَصَرَكَ وَسَمْعَكَ عَنِ المُحَرَّمَاتِ وَمَوَاقِعِ الفِتَنِ؛ فَإِنَّ الخِيَانَةَ البَصَرِيَّةَ تَقْتُلُ قَلْبَ طَالِبِ العِلْمِ خُفْيَةً.
4. وَصِيَّةُ الإِلْحَاحِ بِدُعَاءِ الثَّبَاتِ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ:
الشَّرْحُ: لَا تَثِقْ بِبُلُوغِكَ مَرْتَبَةً عِلْمِيَّةً، بَلْ قُلْ بِقَلْبٍ وَجِلٍ: "يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ".
5. وَصِيَّةُ التَّحَلُّلِ السَّرِيعِ مِنْ مَظَالِمِ العِبَادِ:
الشَّرْحُ: رُدَّ الحُقُوقَ المَالِيَّةَ وَالمَعْنَوِيَّةَ لأَهْلِهَا، وَاعْتَذِرْ عَمَّنْ اغْتَبْتَهُ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا دِرْهَمَ فِيهِ وَلَا دِينَارَ.
6. وَصِيَّةُ لُزُومِ التَّوْبَةِ عِنْدَ كُلِّ بَادِرَةِ ذَنْبٍ:
الشَّرْحُ: لَا تَنَمْ لَيْلَةً وَفِي صَحِيفَتِكَ ذَنْبٌ مُصِرٌّ عَلَيْهِ، بَلْ جَدِّدْ عَهْدَ الأَوْبَةِ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى عَقِبَ كُلِّ زَلَّةٍ.
7. وَصِيَّةُ عَدَمِ الِاغْتِرَارِ بِكَثْرَةِ التَّصَانِيفِ وَالقِرَاءَاتِ:
الشَّرْحُ: العِلْمُ وَسِيلَةٌ لِلْعُبُودِيَّةِ وَلَيْسَ غَايَةً بِذَاتِهِ؛ فَلَا تَجْعَلْ كَثْرَةَ مَحْفُوظَاتِكَ تُورِثُكَ كِبْراً عَلَى الخَلْقِ.
8. وَصِيَّةُ الِابْتِعَادِ الكَامِلِ عَنْ شُبُهَاتِ المَكَاسِبِ المَالِيَّةِ:
الشَّرْحُ: طَهِّرْ مَالَكَ وَتِجَارَتَكَ مِنَ الشُّبْهَةِ، وَاكْتَفِ بِالقَلِيلِ الحَلَالِ؛ فَإِنَّ اللُّقْمَةَ الحَرَامَ تَحْجُبُ الدُّعَاءَ وَالنُّطْقَ بِالتَّوْحِيدِ.
9. وَصِيَّةُ مُجَالَسَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالزُّهْدِ الحَقِيقِيِّ:
الشَّرْحُ: صَاحِبْ مَنْ يُذَكِّرُكَ بِاللَّهِ حَالُهُ، وَيَدُلُّكَ عَلَى الآخِرَةِ مَقَالُهُ، وَاهْرُبْ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَأَصْحَابِ الجَدَلِ.
10. وَصِيَّةُ التَّعَامُلِ مَعَ الدُّنْيَا عَلَى أَنَّهَا مَعْبَرٌ:
الشَّرْحُ: ضَعِ الدُّنْيَا فِي يَدِكَ لِتَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى دَعْوَتِكَ وَرِعَايَةِ أَهْلِكَ، وَإِيَّاكَ أَنْ تَدَعَهَا تَلِجُ إِلَى دَوَاخِلِ قَلْبِكَ.
11. وَصِيَّةُ صِيَانَةِ جَنَابِ السَّلَفِ وَالصَّحَابَةِ لِسَاناً وَقَلْباً:
الشَّرْحُ: تَرَضَّ عَنْ خَيْرِ الأُمَّةِ، وَانْشُرْ فَضَائِلَهُمْ، وَاحْذَرْ نَفَسَ أَهْلِ البِدَعِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي نَقَلَةِ الشَّرِيعَةِ.
12. وَصِيَّةُ تَعَاهُدِ صَلَاةِ الجَمَاعَةِ وَالنَّوَافِلِ الرَّاتِبَةِ:
الشَّرْحُ: الصَّلَاةُ هِيَ مِعْرَاجُ القَبُولِ؛ فَحَافِظْ عَلَى رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا بِخُشُوعٍ كَيْ تَكُونَ لَكَ نُوراً فِي ظُلُمَاتِ النَّزْعِ.
13. وَصِيَّةُ رُؤْيَةِ المِنَّةِ لِلَّهِ فِي كُلِّ تَوْفِيقٍ:
الشَّرْحُ: إِذَا أَلْقَيْتَ دَرْساً أَوْ صَنَّفْتَ كِتَاباً، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَجْرَى الحَقَّ عَلَى لِسَانِكَ، وَلَوْلَاهُ لَكُنْتَ أَبْكَمَ جَاهِلًا.
14. وَصِيَّةُ مُطَالَعَةِ مَصَارِعِ الغَابِرِينَ لِلِاتِّعَاظِ:
الشَّرْحُ: اقْرَأْ فِي كُتُبِ السِّيَرِ عَنْ سُوءِ الخَاتِمَةِ وَحُسْنِهَا؛ لِتَظَلَّ نَفْسُكَ خَائِفَةً وَجِلَةً، مُسْتَعِدَّةً لِلرَّحِيلِ.
15. وَصِيَّةُ اسْتِحْضَارِ المُرَاقَبَةِ فِي كُلِّ خَطْوَةٍ بَحْثِيَّةٍ:
الشَّرْحُ: عِنْدَمَا تَكْتُبُ أَوْ تُحَقِّقُ مَخْطُوطاً، اجْعَلْ نِيَّتَكَ نُصْرَةَ الدِّينِ لَا الِاشْتِهَارَ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ النَّظَرِيِّ.
16. وَصِيَّةُ الفِطَامِ النَّفْسِيِّ عَنْ طَلَبِ التَّصَدُّرِ:
الشَّرْحُ: حُبُّ الظُّهُورِ يَقْصِمُ الظُّهُورَ؛ فَاتْرُكْ طَلَبَ المَجَالِسِ العَالِيَةِ وَالصَّدَارَةِ، وَارْضَ بِأَنْ تَكُونَ عَبْداً خَفِيّاً نَقِيّاً.
17. وَصِيَّةُ صِدْقِ الِالْتِجَاءِ فِي أَوقَاتِ الأَسْحَارِ:
الشَّرْحُ: اسْتَغِلَّ وَقْتَ النُّزُولِ الإِلَهِيِّ لِتَبُثَّ شَكْوَاكَ وَتَطْلَبَ خَيْرَ الآخِرَةِ، فَإِنَّ سِهَامَ اللَّيْلِ لَا تُخْطِئُ الثَّبَاتَ.
18. وَصِيَّةُ عَدَمِ الاسْتِهَانَةِ بِصَغَائِرِ المَعَاصِي:
الشَّرْحُ: لَا تَنْظُرْ إِلَى صِغَرِ المَعْصِيَةِ، وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى عَظَمَةِ مَنْ عَصَيْتَ، وَاحْذَرْ مُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَّ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ.
19. وَصِيَّةُ تَحْقِيقِ الرِّضَا بِالقَضَاءِ عِنْدَ المَصَائِبِ:
الشَّرْحُ: إِذَا ابْتُلِيتَ فِي جَسَدِكَ أَوْ أَهْلِكَ، فَاسْكُنْ تَحْتَ أَمْرِ اللَّهِ، وَلَا تَتَسَخَّطْ؛ فَالرِّضَا مِعْبَرٌ جَلِيلٌ لِحُسْنِ المُنْقَلَبِ.
20. وَصِيَّةُ الِاسْتِعْدَادِ الدَّائِمِ لِلْمَوْتِ بِتَجْهِيزِ الزَّادِ:
الشَّرْحُ: عِشْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وَاجْعَلْ حَقِيبَةَ رَحِيلِكَ مُعَبَّأَةً بِالتَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ لِتَلْقَى رَبَّكَ رَاضِياً مَرْضِيّاً.
[الخَاتِمَةُ]
تَمَّ المَقْصُودُ.
[تَوْثِيقُ فَرَاغِ المَشْرُوعِ البَحْثِيِّ]
انْتَهَى العَمَلُ وَمَشْرُوعُ البَحْثِ العِلْمِيِّ المَبَارَكِ فِي تَمَامِ السَّاعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ، مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ المَشْهُودِ، المُوافِقِ لِلثَّامِنِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ ذِي القَعْدَةِ لِسَنَةِ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَأَلْفٍ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ (28 ذو القعدة 1447 هـ)، المُوافِقِ لِلْخَامِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ مَايُو لِسَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَأَلْفَيْنِ مِنَ التَّأْرِيخِ المِيلَادِيِّ (25 مايو 2026 م).
28 /11/ 1447 ه
25 / 5 / 2026 م
كَتَبَهُ وَحَرَّرَهُ:
أَبُو أَنَسٍ
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَهَ آلُ عَامِرٍ
غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ.
فِهْرِسُ مَبَاحِثِ وَقَوَاعِدِ مَخْطُوطِ (مَرَاتِبِ السُّلُوكِ وَالثَّبَاتِ)
[المَبَاحِثُ التَّأْصِيلِيَّةُ لِلْمَرَاتِبِ السَّبْعَةِ]
المُقَدِّمَةُ المَنْهَجِيَّةُ وَتَأْصِيلُ عِلْمِ السُّلُوكِ وَمَقَامَاتِهِ، مِنْ وَجْهْ 1 إِلَى 4
المَرْتَبَةُ الأُولَى وَالثَّانِيَةُ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ وَالمُحَاسَبَةُ الرَّاتِبَةُ، مِنْ وَجْهْ 5 إِلَى 12
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ: الوَرَعُ الدَّقِيقُ وَالزُّهْدُ الحَقِيقِيُّ المَشْرُوعُ، مِنْ وَجْهْ 13 إِلَى 22
المَرْتَبَةُ الخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ: المُرَاقَبَةُ الإِحْسَانِيَّةُ وَمَقَامُ التَّوَكُّلِ وَالرِّضَا، مِنْ وَجْهْ 23 إِلَى 32
المَرْتَبَةُ السَّابِعَةُ: الثَّبَاتُ وَحُسْنُ الخِتَامِ وَصِيَانَةُ طَالِبِ العِلْمِ، مِنْ وَجْهْ 33 إِلَى 40
[مَبَاحِثُ مَصَارِعِ المَفْتُونِينَ وَأَسْبَابِ سُوءِ الخَاتِمَةِ]
دِرَاسَةُ مَصَارِعِ المَفْتُونِينَ (عَبْدَةَ المُرْتَدِّ، صَاحِبِ مَنْجَابِ، جَلِيسِ الرِّبَا، وَغَيْرِهِمْ)، مِنْ وَجْهْ 41 إِلَى 48
الحَوَاشِي التَّوْثِيقِيَّةُ وَالمَصْدَرِيَّةُ لِمَصَارِعِ المَفْتُونِينَ عَنِ الأَئِمَّةِ، مِنْ وَجْهْ 49 إِلَى 54
الأَسْبَابُ الخَفِيَّةُ لِسُوءِ الخَاتِمَةِ (خَبِيئَةُ السُّوءِ، دَخَنُ النِّيَّةِ، وَعُقُودُ المَظَالِمِ)، مِنْ وَجْهْ 55 إِلَى 60
شُرُوطُ السَّلَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَطُرُقُ الِاتِّقَاءِ وَعِمَارَةِ السَّرَائِرِ، مِنْ وَجْهْ 61 إِلَى 65
[القَوَاعِدُ الجَامِعَةُ وَالخُلَاصَاتُ البَحْثِيَّةُ]
المَلْمَحُ العَاشِرُ: الأُصُولُ الأَرْبَعَةُ الجَامِعَةُ وَالقَوَاعِدُ السُّلُوكِيَّةُ الكُبْرَى، مِنْ وَجْهْ 66 إِلَى 67
العِشْرُونَ نَتِيجَةً البَحْثِيَّةَ المُسْتَخْرَجَةَ مِنَ المَخْطُوطِ مَعَ شَرْحِهَا الكَامِلِ، مِنْ وَجْهْ 68 إِلَى 69
العِشْرُونَ وَصِيَّةً وَفِيَّةً لِتَحْصِينِ الخِتَامِ وَسِيَاسَةِ النَّفْسِ، مِنْ وَجْهْ 70 إِلَى 71
خَاتِمَةُ المَخْطُوطِ الوَجِيزَةُ وَتَوْثِيقُ زَمَنِ الفَرَاغِ مِنَ المَشْرُوعِ الشَّرِيفِ، وَجْهْ 72