المبحث: التحولات العقدية في مسيرة الإمام أبي الحسن الأشعري
تمهيد:
اتفقت المصادر التاريخية على أن حياة الأشعري الفكرية لم تكن وتيرة واحدة، بل مرت بتقلبات تعكس رحلته في البحث عن الحق، وهو ما يُعرف عند الباحثين بـ "أطوار الأشعري".
الطور الأول: الاعتزال المحض (مرحلة النشأة والتمكين)
في هذا الطور، كان الأشعري تلميذاً مخلصاً لزوج أمه، شيخ المعتزلة أبي علي الجبائي. استمرت هذه المرحلة قرابة أربعين عاماً، أصبح فيها الأشعري "إمام المعتزلة" والمنافح الأول عن أصولهم الخمسة.
* المصدر: "تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري" – للحافظ ابن عساكر (ت 571هـ).
* التوثيق: ص 35، وص 127، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
* النص العلمي: يذكر ابن عساكر أن الأشعري كان "مقدماً في المعتزلة"، وأنه لزم الجبائي حتى صار نائبه في المناظرات، وصنف في الاعتزال كتباً كثيرة قبل رجوعه.
* المصدر المساند: "وفيات الأعيان" – لابن خلكان.
* التوثيق: المجلد 3، ص 284، تحقيق إحسان عباس، دار صادر.
* النص: "كان أبو الحسن مذهب المعتزلة، ثم تاب منه بصعود منبر البصرة يوم الجمعة".
الطور الثاني: مرحلة التوسط (طريقة ابن كُلّاب)
بعد اعتزاله للناس 15 يوماً، خرج الأشعري بمنهج جديد يكسر حدة الاعتزال لكنه لا يزال يتأثر ببعض المناهج الكلامية. في هذه المرحلة سلك مسلك عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وهو إثبات الصفات السبع "المعاني" (الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام) مع تأويل الصفات الخبرية (كالوجه واليدين والاستواء) أو تفويضها.
* المصدر: "مجموع الفتاوى" – لشيخ الإسلام ابن تيمية.
* التوثيق: المجلد 4، ص 72، وص 155، طبعة مجمع الملك فهد.
* النص العلمي: يقول ابن تيمية: "فكان الأشعري في حاله الثانية سلك طريق ابن كلاب، وهو أول من أحدث هذه الطريقة، وهي إثبات الصفات العقلية ونفي ما عداها بالاستدلال العقلي".
* المصدر المساند: "التمهيد" – للقاضي أبي بكر الباقلاني (ت 403هـ) (وهو تلميذ تلامذة الأشعري).
* التوثيق: ص 251 وما بعدها، طبعة المكتبة الشرقية - بيروت. (يظهر في هذا الكتاب المنهج الكلامي الذي استقر عليه الأشعري في فترته المتوسطة قبل كتاب الإبانة).
الطور الثالث: مرحلة الإثبات (موافقة السلف وأهل الحديث)
وهي المرحلة النهائية التي صنف فيها كتابه "الإبانة" وكتاب "مقالات الإسلاميين"، وفيها أعلن صراحة رجوعه إلى مذهب أهل الحديث وتقديم قول الإمام أحمد بن حنبل في أصول الديانة، فأثبت الصفات الخبرية (كالوجه واليدين والاستواء) كما جاءت بلا تأويل ولا تعطيل ولا تمثيل.
* المصدر: "الإبانة عن أصول الديانة" – لأبي الحسن الأشعري.
* التوثيق: ص 20 - 21، تحقيق د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار.
* النص العلمي: قال: "فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة.. فعرِّفونا قولكم الذي به تقولون.. قيل له: قولنا الذي نقول به.. التمسك بكتاب الله وسنة نبيه.. وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.. ولما خالف قوله مخالفون".
* المصدر: "سير أعلام النبلاء" – للحافظ الذهبي.
* التوثيق: المجلد 15، ص 85 - 86، تحقيق شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة.
* النص العلمي: يوثق الذهبي تغير حال الأشعري ويقول: "رأيت لأبي الحسن حطة (تغيراً) في الكلام، وبهرتني تصانيفه في الرد على المعتزلة، ثم رأيت له في (الإبانة) رجوعاً كلياً إلى مذهب السلف".
شهادات "أهل السنة الخلص" في استقامة الأشعري ورجوعه:
* الحافظ ابن كثير (صاحب التفسير):
* المصدر: "البداية والنهاية".
* التوثيق: المجلد 11، ص 187، طبعة دار هجر.
* القول: ذكر أن الأشعري "ذكر أطواراً ثلاثة، أولها الاعتزال، والثاني إثبات الصفات السبعة... والثالث إثبات ذلك كله (أي الصفات الخبرية) على مذهب السلف".
* الحافظ ابن حجر العسقلاني (صاحب فتح الباري):
* المصدر: "لسان الميزان".
* التوثيق: المجلد 7، ص 33، طبعة دار البشائر الإسلامية.
* القول: "أبو الحسن الأشعري، إمام المتكلمين.. كان معتزلياً ثم تاب.. نصر السنة وحدث بكتبه، وهو الذي قام في نصرة مذهب أهل السنة".
* الإمام ابن درباس الشافعي:
* المصدر: "رسالة في الذب عن أبي الحسن الأشعري".
* التوثيق: ص 105، طبعة دار الفتح.
* القول: "اعلموا أن كتاب (الإبانة) هو الذي استقر عليه أمر أبي الحسن الأشعري، وهو الذي يعتمده أهل السنة في معرفة مذهبه".
خلاصة البحث الأكاديمي:
تؤكد الأدلة الاستقرائية من كتب التراجم (كابن عساكر والذهبي) وكتب المقالات (كابن تيمية وابن كثير) أن الإمام الأشعري لم يمت وهو على اعتزال أو تأويل كلابي محض، بل ختم حياته بكتاب "الإبانة" و"المقالات"، وهما الكتابان اللذان يثبتان منهجه الأخير الموافقت لمذهب أهل الحديث في إثبات الصفات كما وردت.