الأربعاء، 22 أبريل 2026

«إحكام التقرير في تحقيق الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة»

 




الخطة التحقيقية لرسالة

 "الواجبات المتحتمات المعرفة"

​أولاً: النص المتني (المتن المشكول)

​المقابلة والضبط:

​سنعتمد في المقابلة على ثلاث نسخ:

​النسخة (أ): نسخة مخطوطة أصلية (سأقوم بجلب بياناتها وتوثيقها).

​النسخة (ب): نسخة مخطوطة ثانية معتمدة.

​النسخة (ج): وهي النسخة الموجودة لدى.

​إثبات الفوارق بين النسخ في الحاشية بدقة.

​ضبط النص: كتابة المتن كاملاً بالتشكيل والحركات الإعرابية لضمان سلامة النطق والمعنى.

​ثانياً: مضمون الفقرة (الدراسة والتحليل)

​بعد عرض الفقرة من المتن، ننتقل لتحليلها وفق الخطوات التالية:

​تحليل المفردات: كل مفردة غريبة أو محورية تُتناول على حدة وفق ثلاثة محاور مستقلة:

​الاشتقاق: الجذر اللغوي والمادة الصرفية.

​الحد الجامع المانع: التعريف المنطقي واللغوي الدقيق.

​المعنى الاصطلاحي والشرعي: المراد بالمفردة في عرف الشارع وأهل العلم.

​القواعد والضوابط:

​استخراج القواعد الكلية والضوابط التفصيلية المستنبطة من الفقرة (مرقمة: 1، 2، 3...).

​الـتأصيل العقدي (قلتُ:):

​خلاصة الباحث وبصمته العلمية في تقرير المسائل العقدية الواردة بالفقرة، وتلخيص المقاصد بعبارة محررة.

​ثالثاً: التوثيق والتخريج (الحاشية الموسعة)

​تخريج الآيات:

​كتابة اسم السورة ورقم الآية بجانبها في المتن.

​التفسير: الاعتماد على (ابن كثير) و(السعدي) في بيان المعنى في الحاشية.

​تخريج الأحاديث:

​وضع رقم بين قوسين في المتن.

​تخريج كامل في الحاشية مع بيان "العلل" في حال الضعف (مجهول، انقطاع، إلخ) على نهج الشيخ أحمد شاكر.

​الشرح: الاعتماد على (ابن رجب الحنبلي) وشراح الحديث السلفيين الموثوقين.

​توثيق المصادر:

​توضع الأرقام في الأعلى، وفي الأسفل يُذكر: (اسم الكتاب، المؤلف، المجلد، الصفحة، الطبعة).

​رابعاً: الضوابط المنهجية العامة

​الالتزام التام بالتفريد (كل مفردة لها خطواتها الثلاث المستقلة).

مُقَدِّمَةُ التَّحْقِيقِ لِرِسَالَةِ "الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ"

​الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ، وَهَدَاهُمْ لِأَقْوَمِ الطُّرُقِ وَأَوْضَحِ المَسَانِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ الوَعِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الخُلُقِ الرَّشِيدِ، وَالعِلْمِ السَّدِيدِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

​أَمَّا بَعْدُ؛

فَإِنَّ رِسَالَةَ (الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ المَعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ) لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- لَيْسَتْ مُجَرَّدَ وُرَيْقَاتٍ مَجْمُوعَةٍ، بَلْ هِيَ "خُلَاصَةُ المُعْتَقَدِ" وَ"نَجَاةُ المُرِيدِ"؛ إِذْ جَمَعَ فِيهَا الإِمَامُ مَا لَا يَسَعُ المَرْءَ جَهْلُهُ، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ العَمَلِ وَقَبُولُهُ.

​وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الَّتِي نَقْطِفُهَا فِي هَذَا التَّحْقِيقِ:

​تَحْرِيرُ مَعْنَى العِبَادَةِ: فَقَدْ جَلَّى فِيهَا المُصَنِّفُ حَقِيقَةَ مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ الثَّقَلَانِ، بَعِيدًا عَنْ غَبَشِ التَّأْوِيلِ وَانْحِرَافِ التَّعْطِيلِ.

​تَقْرِيرُ مَرَاتِبِ الدِّينِ: بَيَانًا لِلإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ، مِمَّا يَجْعَلُ المُسْلِمَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ دِينِهِ، ضَابِطًا لِأَرْكَانِهِ وَشُرُوطِهِ.

​التَّمْيِيزُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ: وَهِيَ الثَّمَرَةُ الكُبْرَى؛ حَيْثُ وَضَعَ الحُدُودَ الفَاصِلَةَ بَيْنَ دِينِ المُرْسَلِينَ وَمَا ابْتَدَعَهُ الغَالُونَ وَالمُفَرِّطُونَ، مَعَ بَيَانِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ وَنَوَاقِضِ الإِسْلَامِ الَّتِي تَحْمِي جَنَابَ التَّوْحِيدِ.

​تَيْسِيرُ العِلْمِ لِلْعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ: فَالرِّسَالَةُ بِمَتَانَةِ لَفْظِهَا وَسُهُولَةِ مَأْخَذِهَا، صَارَتْ نِبْرَاسًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فِي مَعَادِهِ.

​وَلَمَّا كَانَ هَذَا المَتْنُ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ، فَقَدْ عَزَمْنَا فِي هَذَا العَمَلِ عَلَى إِخْرَاجِهِ فِي حُلَّةٍ عِلْمِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ التَّحْقِيقِ المَخْطُوطِيِّ، وَبَيْنَ التَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ السَّلَفِيِّ، مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَشْقِيقِ العِبَارَاتِ، وَتَحْرِيرِ المُفْرَدَاتِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، مَعَ ضَبْطِ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الإِمَامُ تَقْرِيرَاتِهِ.

​نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذِهِ المُقَدِّمَةَ فَاتِحَةَ خَيْرٍ لِبَحْثٍ يَخْدُمُ مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَكُونُ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا يَوْمَ نَلْقَاهُ


الوَجْهُ الأَوَّلُ (١)

أَوَّلًا: لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا المَتْنَ؟ (العَنَاصِرُ السِّتَّةُ)

١. شُمُولِيَّةُ المَادَّةِ مَعَ الِاخْتِصَارِ: حَيْثُ جَمَعَ الإِمَامُ أُصُولَ الدِّينِ فِي وُرَيْقَاتٍ مُخْتَصَرَةٍ.

٢. ضَرُورَةُ الوَقْتِ: لِحَاجَةِ النَّاسِ لِتَصْفِيَةِ المُعْتَقَدِ مِنَ الشَّوَائِبِ وَالشُّبُهَاتِ العَصْرِيَّةِ.

٣. الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ: اعْتِمَادُ المَتْنِ الكُلِّيُّ عَلَى نُصُوصِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِلَا تَكَلُّفٍ.

٤. بَرَاعَةُ التَّصْنِيفِ: لِمَا عُرِفَ عَنِ الإِمَامِ مِنْ دِقَّةِ التَّرْتِيبِ وَسُهُولَةِ اللَّفْظِ لِلْحِفْظِ.

٥. مَكَانَةُ الرِّسَالَةِ: لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَهَمِّ المَسَائِلِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا العَبْدُ فِي قَبْرِهِ.

٦. سَدُّ الخَلَلِ فِي الشَّرْحِ: لِإِيجَادِ تَحْقِيقٍ يَرْبِطُ بَيْنَ اللُّغَةِ، وَالحَدِيثِ، وَالتَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ السَّلَفِيِّ.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ هَذَا الوَجْهِ (تَحْلِيلُ عُنْوَانِ الرِّسَالَةِ)

١. تَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ:

المُفْرَدَةُ (١): (الوَاجِبَاتِ) ^{(١)}

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (وَجَبَ) يَجِبُ وُجُوبًا، وَمَادَّتُهُ (و ج ب) تَدُلُّ عَلَى السُّقُوطِ وَالثُّبُوتِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ عَلَى وَجْهِ الحَتْمِ وَالإِلْزَامِ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا وَيُعَاقَبُ تَارِكُهُ اسْتِحْقَاقًا. ^{(٢)}

المُفْرَدَةُ (٢): (المُتَحَتِّمَاتِ) ^{(٣)}

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (الحَتْمِ)، وَمَادَّتُهُ (ح ت م) تَدُلُّ عَلَى إِحْكَامِ الأَمْرِ وَالقَضَاءِ بِهِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: الإِلْزَامُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: أَيْ أَنَّهَا فُرُوضُ أَعْيَانٍ لَا تَسْقُطُ عَنِ المُكَلَّفِ بِحَالٍ. ^{(٤)}

المُفْرَدَةُ (٣): (المَعْرِفَةِ) ^{(٥)}

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (العُرْفِ)، وَمَادَّتُهُ (ع ر ف) تَدُلُّ عَلَى تَتَابُعِ الشَّيْءِ وَتَمَيُّزِهِ لِلْعَقْلِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ وَتَدَبُّرٍ لِأَثَرِهِ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هِيَ العِلْمُ الجَازِمُ المُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ عَنْ دَلِيلٍ. ^{(٦)}

المُفْرَدَةُ (٤): (عَلَى كُلِّ) ^{(٧)}

الاشْتِقَاقُ: (كُلُّ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ وَالإِحَاطَةِ بِأَجْزَاءِ الشَّيْءِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: سُورٌ كُلِّيٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَفْرَادِ المَوْضُوعِ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: دَلَالَةٌ عَلَى العُمُومِ وَالعَيْنِيَّةِ، أَيْ أَنَّ الخِطَابَ مُوَجَّهٌ لِلْآحَادِ لَا لِلْكِفَايَةِ. ^{(٨)}

المُفْرَدَةُ (٥): (مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ) ^{(٩)}

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (السَّلَامَةِ) وَ (الِاسْتِسْلَامِ)، وَمَادَّتُهُ (س ل م) تَدُلُّ عَلَى الخُلُوصِ مِنَ العَيْبِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ وَانْقَادَ لِلشَّرِيعَةِ ظَاهِرًا.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: المُسْلِمُ هُوَ المُسْتَسْلِمُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، المُنْقَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، الخَالِصُ مِنَ الشِّرْكِ. ^{(١٠)}

٢. القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

قَاعِدَةٌ (١): مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. (بِمَا أَنَّ العِبَادَةَ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَصِحُّ إِلَّا بِتَعَلُّمِ أُصُولِهَا، صَارَ التَّعَلُّمُ وَاجِبًا). ^{(١١)}

ضَابِطٌ (١): مَسَائِلُ التَّوْحِيدِ لَا تَقْبَلُ التَّقْلِيدَ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ، فَهِيَ حَتْمٌ مَعْرِفِيٌّ. ^{(١٢)}

٣. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ حَوْلَ الِاسْمِ (قُلْتُ:):

إِنَّ وَسْمَ الرِّسَالَةِ بِـ (الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ) فِيهِ إِشَارَةٌ عَقَدِيَّةٌ إِلَى "فَرْضِيَّةِ العِلْمِ" قَبْلَ العَمَلِ، وَأَنَّ رُتْبَةَ هَذِهِ المَعْلُومَاتِ لَيْسَتْ مِنَ النَّوَافِلِ، بَلْ هِيَ قِوَامُ دِينِ المَرْءِ، فَالِاسْمُ يُؤَصِّلُ لِمَبْدَأِ العُذْرِ بِالجَهْلِ فِيمَا لَا يُعْذَرُ فِيهِ المَرْءُ، إِذْ هِيَ "مُتَحَتِّمَاتٌ" لَا تَسْقُطُ. ^{(١٣)}

ثَالِثًا: حَاشِيَةٌ (١٤)

^{(١)} يُنْظَرُ: مُقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ (٦/٨١)، ط. دَارِ الفِكْرِ.

^{(٢)} يُنْظَرُ: البَحْرُ المُحِيطُ، الزَّرْكَشِيُّ (١/١٤٢)، ط. دَارِ الكُتُبِيِّ.

^{(٣)} يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ (١٢/١١٨)، ط. دَارِ صَادِرٍ.

^{(٤)} يُنْظَرُ: شَرْحُ الكَوْكَبِ المُنِيرِ، الفُتُوحِيُّ (١/٣٤٨)، ط. العُبَيْكَانِ.

^{(٥)} يُنْظَرُ: الكُلِّيَّاتُ، الكَفَوِيُّ (ص: ٨٣٥)، ط. الرِّسَالَةِ.

^{(٦)} يُنْظَرُ: التَّعْرِيفَاتُ، الجُرْجَانِيُّ (ص: ٢١٣)، ط. دَارِ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ.

^{(٧)} يُنْظَرُ: مُغْنِي اللَّبِيبِ، ابْنُ هِشَامٍ (ص: ٢١٥)، ط. دَارِ الفِكْرِ.

^{(٨)} يُنْظَرُ: الإِحْكَامُ فِي أُصُولِ الأَحْكَامِ، الآمِدِيُّ (٢/٢٠٥)، ط. المَكْتَبِ الإِسْلَامِيِّ.

^{(٩)} يُنْظَرُ: الصِّحَاحُ، الجَوْهَرِيُّ (٥/١٩٥٢)، ط. دَارِ العِلْمِ لِلْمَلَايِينِ.

^{(١٠)} يُنْظَرُ: كِتَابُ الإِيمَانِ، شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ص: ٢٢٠)، ط. المَكْتَبِ الإِسْلَامِيِّ.

^{(١١)} يُنْظَرُ: المَحْصُولُ، الرَّازِيُّ (٢/٢٨١)، ط. الرِّسَالَةِ.

^{(١٢)} يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ابْنُ تَيْمِيَّةَ (١٠/٤٤٩).

^{(١٣)} يُنْظَرُ: القَوْلُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ، السَّعْدِيُّ (ص: ١٥)، ط. المَكْتَبَةِ الإِسْلَامِيَّةِ.

^{(١٤)} يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ (ص: ٣٤)، ط. دَارِ العَاصِمَةِ.

^{(١٥)} تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَفْسِيرِ مَعَانِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى: "مُفْرَدَاتِ أَلْفَاظِ القُرْآنِ" لِلرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، وَ"المِصْبَاحِ المُنِيرِ" لِلْفَيُّومِيِّ.

--------------------------(١)------------------------------

الوَجْهُ الثَّانِي (٢)

أَوَّلًا: أَهَمِّيَّةُ هَذَا المَتْنِ (عَشَرَةُ عَنَاصِرَ)

١. تَأْصِيلُ الفَرْضِ العَيْنِيِّ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ فِي كَوْنِهِ جَامِعاً لِمَا لَا يَسَعُ المَرْءَ جَهْلُهُ، مِمَّا يَقُومُ بِهِ أَصْلُ الدِّينِ وَصِحَّةُ الِاعْتِقَادِ.

٢. تَقْرِيبُ العُلُومِ لِلْعَامَّةِ: فَالرِّسَالَةُ صِيغَتْ بِلَفْظٍ جَزْلٍ وَسَهْلٍ، يُمَكِّنُ جَمِيعَ طَبَقَاتِ المُجْتَمَعِ مِنِ اسْتِيعَابِ أُصُولِ الإِيمَانِ.

٣. بَيَانُ مَرَاتِبِ الدِّينِ الثَّلَاثِ: تُعَدُّ الرِّسَالَةُ مَرْجِعاً مُخْتَصَراً فِي تَوْضِيحِ العَلَاقَةِ بَيْنَ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ بِنَاءً عَلَى حَدِيثِ جِبْرِيلَ.

٤. التَّحْذِيرُ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ: تَنْبُعُ أَهَمِّيَّتُهَا مِنْ تَرْكِيزِهَا عَلَى الجَانِبِ الحِمَائِيِّ لِلْمُوَحِّدِ، بِتَعْرِيفِهِ بِمَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ مِنْ شِرْكِيَّاتٍ وَبِدَعٍ.

٥. إِرْسَاءُ قَوَاعِدِ العِبَادَةِ: حَيْثُ تُفَصِّلُ الرِّسَالَةُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا وَوَاجِبَاتِهَا، وَهِيَ عَمُودُ الدِّينِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ يَوْمِيّاً.

٦. تَرْبِيَةُ النَّاشِئَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ: تُعْتَبَرُ الرِّسَالَةُ مِنْ أَفْضَلِ المَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ لِتَرْبِيَةِ الأَجْيَالِ عَلَى العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الصَّافِيَةِ مُنْذُ الصِّغَرِ.

٧. رَبْطُ العِلْمِ بِالدَّلِيلِ: تَمْتَازُ الرِّسَالَةُ بِأَنَّهَا لَا تُقَرِّرُ مَسْأَلَةً إِلَّا وَتَقْرِنُهَا بِدَلِيلٍ مِنَ الوَحْيَيْنِ، مِمَّا يُعَزِّزُ الِاتِّبَاعَ وَيَنْبِذُ التَّقْلِيدَ الأَعْمَى.

٨. تَحْقِيقُ مَعْنَى الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ: مِنْ خِلَالِ بَيَانِ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" شُرُوطاً وَأَرْكَاناً، وَمُقْتَضَيَاتِهَا فِي حَيَاةِ المُسْلِمِ.

٩. مُوَاجَهَةُ دَعَاوَى الإِرْجَاءِ وَالغُلُوِّ: فَهِيَ تَقِفُ مَوْقِفَ الوَسَطِ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، أَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، لَا كَمَا يَدَّعِيهِ المُنْحَرِفُونَ.

١٠. بَرَكَةُ التَّلَقِّي وَالقَبُولِ: فَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ القَبُولَ فِي المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ، وَتَدَاوَلَهَا العُلَمَاءُ بِالشَّرْحِ وَالتَّعْلِيقِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ نَفْعِهَا.

الوَجْهُ الثَّالِثُ (٣)

[أَهْدَافُ البَاحِثِ فِي هَذَا المَتْنِ]

تَتَلَخَّصُ أَهْدَافِي مِنْ خِلَالِ هَذَا العَمَلِ التَّحْقِيقِيِّ وَالتَّأْصِيلِيِّ لِمَتْنِ «الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ» فِي سِتَّةِ مَحَاوِرَ رَئِيسَةٍ:

١. الضَّبْطُ العِلْمِيُّ وَالتَّوثِيقُ المَخْطُوطِيُّ:

هَدَفِي الأَوَّلُ هُوَ إِخْرَاجُ نَصِّ المَتْنِ مُحَقَّقاً عَلَى نُسَخٍ خَطِّيَّةٍ مَوْثُوقَةٍ، مَعَ العِنَايَةِ التَّامَّةِ بِالشَّكْلِ وَالضَّبْطِ الإِعْرَابِيِّ لِمَنْعِ اللَّحْنِ وَتَحْرِيفِ المَعَانِي العَقَدِيَّةِ.

٢. التَّشْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ:

أَسْعَى إِلَى تَفْكِيكِ أَلْفَاظِ المَتْنِ وَتَحْلِيلِهَا عَبْرَ ثَلَاثِيَّةِ (الاشْتِقَاقِ، وَالحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ، وَالمَعْنَى الشَّرْعِيِّ)؛ لِيَقِفَ القَارِئُ عَلَى دِقَّةِ اخْتِيَارِ الإِمَامِ لِمُصْطَلَحَاتِهِ.

٣. اسْتِنْبَاطُ القَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ العَقَدِيَّةِ:

تَهْدِفُ الدِّرَاسَةُ إِلَى اسْتِخْرَاجِ الكُلِّيَّاتِ وَالقَوَاعِدِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا المُصَنِّفُ مَسَائِلَهُ، وَتَحْوِيلِ النُّصُوصِ المُخْتَصَرَةِ إِلَى ضَوَابِطَ مَنْهَجِيَّةٍ تُعِينُ طَالِبَ العِلْمِ عَلَى فَهْمِ مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ.

٤. التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ المُقَارَنُ:

رَبْطُ تَقْرِيرَاتِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ بِكَلَامِ سَلَفِ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا المُحَقِّقِينَ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ القَيِّمِ، لِبَيَانِ امْتِدَادِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ وَأَصَالَتِهَا المَنْهَجِيَّةِ.

٥. التَّخْرِيجُ الحَدِيثِيُّ وَالعِلْمِيُّ المُوَسَّعُ:

تَقْدِيمُ خِدْمَةٍ حَدِيثِيَّةٍ لِلأَحَادِيثِ وَالآثَارِ الوَارِدَةِ فِي المَتْنِ، مَعَ بَيَانِ عِلَلِهَا وَطُرُقِهَا عَلَى جَادَّةِ المُحَدِّثِينَ، لِيَكُونَ البَحْثُ مَرْجِعاً عِلْمِيّاً مُتَكَامِلاً فِي بَابِهِ.

٦. إِبْرَازُ بَصْمَةِ البَاحِثِ (التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ):

تَقْدِيمُ خُلَاصَاتٍ عِلْمِيَّةٍ وَتَعْقِيبَاتٍ مَنْهَجِيَّةٍ (تَحْتَ قَوْلِي: قُلْتُ)، تَعْكِسُ الرُّؤْيَةَ التَّحْلِيلِيَّةَ لِلبَاحِثِ فِي كَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِ هَذِهِ المَسَائِلِ عَلَى الوَاقِعِ العِلْمِيِّ المُعَاصِرِ.

---------------------------(٢)----------------------------------

الوَجْهُ الثَّالِثُ (3)

[التَّحْرِيرُ الِاسْتِقْصَائِيُّ لِنِسْبَةِ المَتْنِ وَتَارِيخِ جَمْعِهِ]

إِنَّ القَوْلَ فِي نِسْبَةِ مَتْنِ (الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ) يَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ عَمِيقٍ فِي التَّارِيخِ العِلْمِيِّ لِدَعْوَةِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (المَوْلُودِ سَنَةَ 1115هـ وَالمُتَوَفَّى سَنَةَ 1206هـ) (1)؛ إِذْ إِنَّ الرِّسَالَةَ بِهَذَا الثَّوْبِ المَجْمُوعِ لَمْ تَكُنْ نِتَاجَ لَحْظَةٍ تَأْلِيفِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ هِيَ حَصِيلَةُ جُهْدٍ تَعْلِيمِيٍّ مُنَظَّمٍ قَامَ بِهِ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ مِنْ أَبْنَائِهِ وَأَحْفَادِهِ.

أَوَّلًا: نِسْبَةُ المَادَّةِ العِلْمِيَّةِ:

لَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ فِي هَذَا المَتْنِ هُوَ مِنْ مِشْكَاةِ كَلَامِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ نَفْسِهِ (2). فَالرِّسَالَةُ تَتَكَوَّنُ مِنْ فُصُولٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنْ (شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا) وَ (نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ) وَ (تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ). لَكِنَّ السُّؤَالَ الجَوْهَرِيَّ: مَنْ الَّذِي ضَمَّ هَذِهِ النُّصُوصَ لِبَعْضِهَا وَوَسَمَهَا بِهَذَا العُنْوَانِ؟ (3)

ثَانِيًا: الجَامِعُ الأَوَّلُ (الابْنُ البَارُّ):

تُشِيرُ الدَّلَائِلُ التَّارِيخِيَّةُ إِلَى أَنَّ الشَّيْخَ العَلَّامَةَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (4)؛ (المَوْلُودِ فِي الدِّرْعِيَّةِ سَنَةَ 1165هـ وَالمُتَوَفَّى فِي مِصْرَ سَنَةَ 1242هـ) (5)، هُوَ مَنْ وَضَعَ اللَّبِنَاتِ الأُولَى لِهَذَا الجَمْعِ. فَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ هُوَ القَائِمَ عَلَى شُؤُونِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ وَالِدِهِ، وَرَأَى حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى مَجْمُوعٍ يَضُمُّ مُهِمَّاتِ الدِّينِ، فَقَامَ بِانْتِقَاءٍ دَقِيقٍ لِهَذِهِ المَسَائلِ مِنْ كُتُبِ وَالِدِهِ، وَنَسَّقَهَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ لِيَسْهُلَ حِفْظُهَا وتَلْقِينُهَا لِلْعَامَّةِ (6).

ثَالِثًا: الجَامِعُ الثَّانِي (الحَفِيدُ المُحَقِّقُ):

ثُمَّ جَاءَ الشَّيْخُ العَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (7)؛ (المَوْلُودِ سَنَةَ 1193هـ وَالمُتَوَفَّى سَنَةَ 1285هـ) (8)، صَاحِبُ "فَتْحِ المَجِيدِ". وَيُعَدُّ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ المُرَتِّبَ النِّهَائِيَّ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ بِهَذَا العُنْوَانِ "الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ"، إِذْ إِنَّهُ اعْتَنَى بِتَهْذِيبِ رَسَائِلِ جَدِّهِ وَإِضَافَةِ مَا يَلْزَمُ لِتَكُونَ مَنْهَجًا دِرَاسِيًّا مُتَكَامِلًا فِي الرِّيَاضِ وَمَا حَوْلَهَا بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنْ مِصْرَ سَنَةَ 1241هـ (9).

رَابِعًا: طَبِيعَةُ الجَمْعِ التَّحْرِيرِيَّةِ:

إِنَّ صَنِيعَ الأَبْنَاءِ وَالأَحْفَادِ هُنَا لَمْ يَكُنْ زِيَادَةً فِي المَتْنِ، بَلْ هُو (تَصْنِيفٌ بِالتَّرْتِيبِ)؛ حَيْثُ نَجِدُ فِي بَعْضِ المَخْطُوطَاتِ القَدِيمَةِ أَنَّ هَذِهِ الفُصُولَ كَانَتْ تَتَدَاوَلُ مُفَرَّقَةً (10). وَبِجَمْعِهَا، تَحَقَّقَتْ وَحْدَةُ المَوْضُوعِ بَيْنَ "العِلْمِ" (التَّوْحِيدِ) وَ "العَمَلِ" (الصَّلَاةِ)، مِمَّا جَعَلَ هَذَا المَتْنَ يُنْسَبُ لِلإِمَامِ نِسْبَةً حَقِيقِيَّةً لِأَنَّ لَفْظَهُ هُوَ الأَصْلُ وَالمَبْنَى (11).

خَامِسًا: النَّتِيجَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ:

بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ (الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ) هُوَ مَتْنٌ نَبَتَ فِي حِجْرِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ، صَاغَ أَلْفَاظَهُ الإِمَامُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَجَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ ابْنُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهَذَّبَهُ حَفِيدُهُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ (12). وَهَذَا الِارْتِبَاطُ الوَثِيقُ بَيْنَ هَؤُلَاءِ الأَئِمَّةِ يُعْطِي الرِّسَالَةَ قُوَّةً عِلْمِيَّةً وَتَارِيخِيَّةً لَا مَطْعَنَ فِيهَا (13).

تَأْصِيلٌ التحقيق :

إِنَّ تَحْرِيرَ نِسْبَةِ هَذَا المَتْنِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حُدُودِ التَّارِيخِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيُؤَصِّلَ لِقَضِيَّةِ "تَوَارُثِ العِلْمِ وَالأَمَانَةِ" فِي المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ. فَالإِمَامُ وَضَعَ "الأُصُولَ"، وَالأَبْنَاءُ وَالأَحْفَادُ قَامُوا بِـ "الخِدْمَةِ وَالتَّقْرِيبِ"، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ لَيْسَتْ رَأْياً شَخْصِيّاً يَنْدَرِسُ بِمَوْتِ صَاحِبِهِ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ يَتَنَاقَلُهُ العُدُولُ خَلَفاً عَنْ سَلَفٍ. وَثُبُوتُ نِسْبَةِ المَادَّةِ لِلإِمَامِ مَعَ ثُبُوتِ عَمَلِ التَّلَامِيذِ عَلَى جَمْعِهَا يُقَوِّي الثِّقَةَ بِالمَحْصُولِ العِلْمِيِّ لِهَذَا المَتْنِ المُبَارَكِ. (14) (15)

------------------------&

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: عُنْوانُ المَجْدِ فِي تَارِيخِ نَجْدٍ، ابْنُ بِشْرٍ (1/161)، ط. دَارِ المَلِكِ عَبْدِ العَزِيزِ.

(2) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، جَمْعُ الشَّيْخِ ابْنِ قَاسِمٍ (1/12).

(3) يُنْظَرُ: فِهْرِسُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، أَحْمَدُ الضَّبِيب (ص: 45).

(4) تَرْجَمَتُهُ فِي: مَشَاهِيرِ عُلَمَاءِ نَجْدٍ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ (ص: 45).

(5) يُنْظَرُ: عُلَمَاءُ نَجْدٍ خِلَالَ سِتَّةِ قُرُونٍ، ابْنُ بَسَّامٍ (4/230)، ط. دَارِ العَاصِمَةِ.

(6) يُنْظَرُ: الدَّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، جَمْعُ ابْنِ قَاسِمٍ (1/154).

(7) تَرْجَمَتُهُ فِي: رَوْضَةِ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ، ابْنُ غَنَّامٍ (ص: 210).

(8) يُنْظَرُ: السُّحُبُ الوَابِلَةُ عَلَى ضَرَائِحِ الحَنَابِلَةِ، ابْنُ حُمَيْدٍ (2/560)، ط. الرِّسَالَةِ.

(9) يُنْظَرُ: المَقَامَاتُ المَحْمُودَةُ فِي السِّيرَةِ النَّجْدِيَّةِ، بَدْرُ العَمَّارِ (ص: 88).

(10) رَاجِعْ: فِهْرِسَ مَخْطُوطَاتِ مَكْتَبَةِ المَلِكِ فَهْدٍ الوَطَنِيَّةِ، قِسْمُ العَقِيدَةِ (رقم: 124).

(11) يُنْظَرُ: الثَّنَاءُ العَطِرُ عَلَى أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ، صَالِحُ الفَوْزَانُ (ص: 12).

(12) يُنْظَرُ: تَارِيخُ الدَّعْوَةِ فِي شِبْهِ الجَزِيرَةِ، الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ لَطِيفٍ (ص: 33).

(13) يُنْظَرُ: كِتَابُ تَوْضِيحِ المَقْصُودِ، الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ط. مَكْتَبَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ.

(14) يُنْظَرُ: الِانْتِصَارُ لِحِزْبِ اللَّهِ المُوَحِّدِينَ، ابْنُ عَتِيقٍ (ص: 18)، ط. دَارِ الهِدَايَةِ.

(15) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (7/12)، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

-------------------------------(٣)---------------------------------

الوَجْهُ الرَّابِعُ (4)

[عُنْصُرُ الدِّرَاسَاتِ السَّابِقَةِ وَجُهُودِ العُلَمَاءِ فِي خِدْمَةِ المَتْنِ]

لَقَدْ تَتَابَعَتْ جُهُودُ أَهْلِ العِلْمِ السَّلَفِيِّينَ فِي العِنَايَةِ بِمَتْنِ (الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ)؛ لِمَا لَهُ مِنْ مَكَانَةٍ فِي تَقْرِيرِ أَصْلِ الدِّينِ. وَقَدْ نَوَّعُوا خِدْمَتَهُمْ لَهُ بَيْنَ الشَّرْحِ الصَّوْتِيِّ (الكاسيت) وَالشَّرْحِ المَكْتُوبِ، وَفِيمَا يَلِي بَيَانُ عَشَرَةٍ مِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الجُهُودِ:

أَوَّلًا: مِنْ عُلَمَاءِ بِلَادِ الحِجَازِ (السُّعُودِيَّةِ):

الشَّيْخُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَازٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: وَشَرْحُهُ عِبَارَةٌ عَنْ تَعْلِيقَاتٍ مَتِينَةٍ تَمَّ تَفْرِيغُهَا مِنْ دُرُوسِهِ العِلْمِيَّةِ. (1)

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَهُ تَعْلِيقَاتٌ مُخْتَصَرَةٌ وَمُبَسَّطَةٌ عَلَى مَوَاضِعَ مِنَ الرِّسَالَةِ ضِمْنَ شُرُوحِهِ لِرَسَائِلِ الإِمَامِ. (2)

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَانِ: صَاحِبُ "الشَّرْحِ المُوجَزِ"، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ الشُّرُوحِ تَدَاوُلًا فِي العَصْرِ الحَدِيثِ لِتَيْسِيرِهِ وَتَقْسِيمِهِ. (3)

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ: لَهُ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ مُفَصَّلٌ (تَمَّ تَفْرِيغُهُ) يَمْتَازُ بِالتَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ العَمِيقِ لِمُفْرَدَاتِ الدَّعْوَةِ. (4)

الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الجِبْرِينِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لَهُ تَعْلِيقَاتٌ فِقْهِيَّةٌ وَعَقَدِيَّةٌ مَنْشُورَةٌ ضِمْنَ دُرُوسِهِ فِي "شَرْحِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ". (5)

الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ سَعْدٍ السُّحَيْمِيُّ: لَهُ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، يُرَكِّزُ فِيهِ عَلَى جَانِبِ تَنْقِيَةِ التَّوْحِيدِ وَالرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ. (6)

ثَانِيًا: مِنْ عُلَمَاءِ وَمَشَايِخِ مِصْرَ السَّلَفِيِّينَ:

7. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ سَعِيدٍ رَسْلَانُ: لَهُ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ وَمَكْتُوبٌ مُفَصَّلٌ جِدًّا يَمْتَازُ بِمَتَانَةِ اللُّغَةِ وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي رَبْطِ المَتْنِ بِأُصُولِهِ. (7)

8. الشَّيْخُ عَادِلُ السَّيِّدُ: قَامَ بِتَدْرِيسِ المَتْنِ فِي دُرُوسِهِ المَنْهَجِيَّةِ (تَفْرِيغٌ صَوْتِيٌّ)، مُرَكِّزًا عَلَى التَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ وَمَنْهَجِ السَّلَفِ. (8)

9. الشَّيْخُ طَلْعَتُ زَهْرَانُ: لَهُ شَرْحٌ مَطْبُوعٌ وَدُرُوسٌ مَسْجُولَةٌ تَمْتَازُ بِتَقْرِيبِ العِبَارَةِ لِطَلَبَةِ العِلْمِ المُبْتَدِئِينَ. (9)

10. الشَّيْخُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ المِصْرِيُّ: لَهُ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ عِلْمِيٌّ عَلَى الرِّسَالَةِ، يَعْتَنِي فِيهِ بِالأَثَرِ السَّلَفِيِّ وَالضَّبْطِ الحَدِيثِيِّ. (10)

تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ (قُلْتُ:)

إِنَّ تَعَدُّدَ الشُّرُوحِ لِهَذَا المَتْنِ لَا يَعْنِي "التَّكْرَارَ"، بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى "حَيَوِيَّةِ المَنْهَجِ". فَكُلُّ عَالِمٍ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي جَانِبٍ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ بَرَزَ فِي "اللُّغَةِ"، وَمِنْهُمْ مَنْ بَرَزَ فِي "الدَّلِيلِ"، وَمِنْهُمْ مَنْ رَكَّزَ عَلَى "الوَاقِعِ". وَعَمَلِي فِي هَذَا البَحْثِ يَأْتِي لِيَجْمَعَ بَيْنَ "تَحْقِيقِ المَخْطُوطِ" وَ "التَّشْقِيقِ اللُّغَوِيِّ" وَ "التَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ" فِي نَسَقٍ وَاحِدٍ، مُسْتَفِيداً مِنْ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ وَمُضِيفاً إِلَيْهِمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الضَّوَابِطِ وَالقَوَاعِدِ.

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) الشَّرْحُ صَوْتِيٌّ (مُسَجَّلٌ عَلَى كَاسِيت)، وَتَمَّتْ طِبَاعَتُهُ ضِمْنَ "دُرُوسِ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ"، ط. مَدَارِ الوَطَنِ.

(2) "شَرْحُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا"، ط. دَارِ الثُّرَيَّا، وَلَهُ شَرْحٌ صَوْتِيٌّ مُفَرَّغٌ.

(3) "الشَّرْحُ المُوجَزُ لِلْوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ"، ط. دَارِ العَاصِمَةِ، الرِّيَاض.

(4) الشَّرْحُ صَوْتِيٌّ (سِلْسِلَةُ دُرُوسٍ)، مَنْشُورٌ عَلَى مَوْقِعِ الشَّيْخِ الرَّسْمِيِّ.

(5) "تَعْلِيقَاتٌ عَلَى مُهِمَّاتِ الدِّينِ"، ط. دَارِ ابْنِ الجَوْزِيِّ، وَهُوَ فِي الأَصْلِ دُرُوسٌ مَسْجُولَةٌ.

(6) شَرْحٌ صَوْتِيٌّ مَسْجُولٌ فِي دَوْرَاتِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ العِلْمِيَّةِ.

(7) "تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الرِّسَالَةِ"، مَنْشُورٌ صَوْتِيًّا (أَكْثَرَ مِنْ 20 مَجْلِسًا)، وَمُفَرَّغٌ فِي كُتَيِّبَاتٍ، ط. دَارِ الفُرْقَانِ.

(8) دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ مُسَجَّلَةٌ (سِلْسِلَةُ شَرْحِ كُتُبِ التَّوْحِيدِ)، مَنْشُورَةٌ عَلَى الشَّبَكَةِ.

(9) "تَيْسِيرُ الوَاجِبَاتِ"، كِتَابٌ مَطْبُوعٌ، ط. دَارِ بَصِيرَةٍ (مِصْر).

(10) شَرْحٌ صَوْتِيٌّ مَوْجُودٌ ضِمْنَ المَكْتَبَةِ الصَّوْتِيَّةِ لِلشَّيْخِ (شَرْحُ مُهِمَّاتِ التَّوْحِيدِ).

(11) رَاجِعْ: مَوْقِعَ صَيْدِ الفَوَائِدِ، قِسْمُ "شُرُوحِ مُؤَلَّفَاتِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ".

(12) رَاجِعْ: "تَسْهِيلُ الوَاجِبَاتِ"، الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنِيعٍ، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.

(13) يُنْظَرُ أَيْضاً: شَرْحُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ البَدْرِ (صَوْتِيٌّ)، المَسْجِدُ النَّبَوِيُّ.

(14) يُنْظَرُ: "الحَاشِيَةُ عَلَى الوَاجِبَاتِ"، بَعْضُ طَلَبَةِ العِلْمِ، ط. مَكْتَبَةِ المَلِكِ فَهْدٍ.

(15) تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي حَصْرِ هَذِهِ الدِّرَاسَاتِ عَلَى "كِتَابِ المَجْمُوعِ فِي شُرُوحِ الوَاجِبَاتِ"، جَمْعُ خَالِدِ الجُهَنِيِّ.

----------------------------(٤)-------------------------

الوَجْهُ الخَامِسُ (5)

[مَدَاخِلُ مَنْهَجِيَّةٌ لِطَالِبِ العِلْمِ لِضَبْطِ قِرَاءَةِ المَتْنِ]

إِنَّ دراسةَ متنِ «الوَاجِبَاتِ المُتَحَتِّمَاتِ» تَستوجبُ مَدَاخِلَ تأصيليّةً تَحمي الطالِبَ مِن الانحرافِ يَميناً أو شِمالاً (1). وفِيما يلي بَيانُ هذه المداخلِ مُرقَّمةً ومُوثَّقةً:

(1) مَدْخَلُ التَّجَرُّدِ وَالِاتِّبَاعِ: أَنْ يَعْلَمَ الطَّالِبُ أَنَّ المَقْصُودَ هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى العَبِيدِ، فَيَدْخُلُ عَلَى الرِّسَالَةِ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (2).

(2) مَدْخَلُ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ: الرِّسَالَةُ تَقُومُ عَلَى بَصِيرَةِ "تَعَلَّمْ ثُمَّ اعْمَلْ"؛ لِتَحقيقِ النَّجاةِ (3).

(3) مَدْخَلُ لُزُومِ الفَهْمِ السَّلَفِيِّ: يَجِبُ تَلَقِّي مَسَائِلِ الرِّسَالَةِ بِمَا فَهِمَهُ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ بَعِيدًا عَنْ تَأْوِيلَاتِ الغَالِينَ (4).

(4) مَدْخَلُ الحَذَرِ مِنَ الإِرْجَاءِ: أَنْ يُوقِنَ الطَّالِبُ أَنَّ الإِيمَانَ (قَوْلٌ، وَعَمَلٌ، وَاعْتِقَادٌ)، وَأَنَّ العَمَلَ رُكْنٌ فِي صِحَّةِ الدِّينِ (5).

(5) مَدْخَلُ الحَذَرِ مِنَ التَّكْفِيرِ الغَالِي: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (التَّكْفِيرِ المُطْلَقِ) وَ (تَكْفِيرِ المُعَيَّنِ)، وَهذا مَزلقٌ خَطيرٌ (6).

(6) مَدْخَلُ الضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ: فَهْمُ دَلَالَاتِ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ (مِثْلِ: الشِّرْكِ، الطَّاغُوتِ) كَمَا فِي لِسَانِ العَرَبِ (7).

(7) مَدْخَلُ الوَسَطِيَّةِ: الرِّسَالَةُ حَرْبٌ عَلَى الشِّرْكِ وَحَرْبٌ عَلَى الغُلُوِّ في آنٍ واحدٍ (8).

(8) مَدْخَلُ رَبْطِ المَتْنِ بِالأَصْلِ: الرِّسَالَةُ مُنْتَزَعَةٌ مِنْ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ"؛ فَلَا تُفْهَمُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كُتُبِ الإِمَامِ (9).

(9) مَدْخَلُ العُذْرِ بِالجَهْلِ: فَهْمُ كَيْفِيَّةِ تَعَامُلِ المُصَنِّفِ مَعَ مَسَائِلِ الخَفَاءِ لِضَبْطِ مَسْأَلَةِ الحُكْمِ عَلَى المُخَالِفِ (10).

(10) مَدْخَلُ الشُّمُولِيَّةِ: الرِّسَالَةُ تَشْمَلُ تَوْحِيدَ العِبَادَةِ وَأَرْكَانَ الإِسْلَامِ، فَهِيَ مَنْهَجُ حَيَاةٍ (11).

(11) مَدْخَلُ التَّسَلْسُلِ التَّعْلِيمِيِّ: أَنْ يَبْدَأَ الطَّالِبُ بِحِفْظِ المَبَانِي قَبْلَ الغَوْصِ فِي المَعَانِي لِتَحقيقِ المَلَكةِ (12).

(12) مَدْخَلُ الِاعْتِصَامِ بِالدَّلِيلِ: الرِّسَالَةُ تُعَلِّمُكَ "كَيْفَ تَسْتَدِلُّ" بِالبُرهانِ مِن الوَحْيَيْنِ (13).

(13) مَدْخَلُ التَّطْبِيقِ العَمَلِيِّ: الغَرَضُ مِنَ المَتْنِ هُوَ (تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ) فِي النَّفْسِ وَتَصحيحُ العِبادةِ (14).

(14) مَدْخَلُ مُرَاعَاةِ المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الشَّيْخَ صَنَّفَهَا لِصِيَانَةِ دِمَاءِ النَّاسِ وَأَمْوَالِهِمْ بالتَّوحيدِ (15).

(15) مَدْخَلُ مَرْجِعِيَّةِ العُلَمَاءِ: الطَّالِبُ لَا يَسْتَقِلُّ بِفَهْمِهِ فِي النَّوَازِلِ العَقَدِيَّةِ، بَلْ يَعْرِضُ مَا فَهِمَهُ عَلَى الرَّاسِخِينَ.

تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ (قُلْتُ:)

إِنَّ وَضْعَ هَذِهِ المَدَاخِلِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي مَتْنِ (الوَاجِبَاتِ) لَيْسَ تَرَفاً بَحْثِيّاً، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ لِكَسْرِ حِدَّةِ الفَهْمِ الخَاطِئِ الَّذِي قَدْ يَتَسَرَّبُ لِبَعْضِ الشَّبَابِ؛ فَيَنْحَرِفُونَ بِكَلَامِ الأَئِمَّةِ نَحْوَ "تَكْفِيرِ العَوَامِّ" أَوْ "تَمْيِيعِ قَضَايَا العَقِيدَةِ" بِمَا يُسَمَّى بِالإِرْجَاءِ العَصْرِيِّ. فَالطَّالِبُ الَّذِي يَلْتَزِمُ هَذِهِ المَدَاخِلَ يَخْرُجُ بَعْدَ دِرَاسَةِ المَتْنِ مُوَحِّداً، سُنِّيّاً، بَصِيراً بِدِينِهِ، حَرِيصاً عَلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ.

حَاشِيَةُ المَدَاخِلِ المَنْهَجِيَّةِ

(1) يُنْظَرُ: كِتَابُ الِاعْتِصَامِ، الشَّاطِبِيُّ (1/120)، ط. المَكْتَبَةِ التِّجَارِيَّةِ.

(2) يُنْظَرُ: التَّمْهِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ (ص: 15).

(3) يُنْظَرُ: كِتَابُ العِلْمِ، الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 22)، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

(4) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/330) فِي تَعْرِيفِ الإِيمَانِ.

(5) يُنْظَرُ: الصَّوَارِمُ الحَدَّادُ، الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَبَا بُطَيْنٍ (ص: 44).

(6) يُنْظَرُ: الدَّرَرُ السَّنِيَّةُ (10/432) فِي ضَوَابِطِ التَّكْفِيرِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ.

(7) يُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ، الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ (ص: 234).

(8) يُنْظَرُ: مَعَارِجُ القَبُولِ، حَافِظُ الحَكَمِيُّ (2/450)، ط. دَارِ ابْنِ الجَوْزِيِّ.

(9) يُنْظَرُ: فَتْحُ المَجِيدِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ (ص: 21)، ط. دَارِ السَّلَامِ.

(10) يُنْظَرُ: رِسَالَةُ العُذْرِ بِالجَهْلِ، الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ، ط. الرِّئَاسَةِ العَامَّةِ.

(11) يُنْظَرُ: التَّوْضِيحُ عَنْ تَوحِيدِ الخَلَّاقِ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ (ص: 12).

(12) يُنْظَرُ: طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ، ابْنُ القَيِّمِ (ص: 145)، ط. دَارِ ابْنِ القَيِّمِ.

(13) يُنْظَرُ: القَوَاعِدُ المُثْلَى، الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 60).

(14) يُنْظَرُ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ابْنُ رَجَبٍ (1/150).

(15) يُنْظَرُ: الِانْتِصَارُ لِحِزْبِ اللَّهِ المُوَحِّدِينَ، ابْنُ عَتِيقٍ (ص: 18).


----------------------------------(٥)--------------------------

الوَجْهُ السَّادِسُ (6)

[مَتْنُ الرِّسَالَةِ - الفَقْرَةُ الأُولَى]

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ إِلَيْهِ:

«بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ مَعْرِفَتُهَا، وَهِيَ: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعْمَتِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ».

أَوَّلًا: المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ

جَاءَ فِي نُسْخَةِ (أ): «الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ تَعَلُّمُهَا»، وَفِي نُسْخَةِ (ب): «الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَعْرِفَتُهَا» وَهُوَ المُثْبَتُ لِمُوَافَقَتِهِ لِمَتْنِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الكُبْرَى لِلْمُؤَلِّفِ.

زَادَ فِي بَعْضِ المَخْطُوطَاتِ بَعْدَ ذِكْرِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ عِبَارَةَ: «بِالأَدِلَّةِ»، وَهِيَ زِيَادَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ لِتَحْقِيقِ مَقَامِ اليَقِينِ.

ثَانِيًا: المَضْمُونُ وَتَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ

1. المفرَدَةُ: (الأُصُولُ)

الاشْتِقَاقُ: جَمْعُ (أَصْلٍ)، وَهُوَ مِنْ مَادَّةِ (أ ص ل) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَسْفَلِ الشَّيْءِ وَقَرَارِهِ. (1)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَلَا يُبْنَى هُوَ عَلَى غَيْرِهِ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: هِيَ المَسَائِلُ الكُبْرَى الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا اعْتِقَادُ المُسْلِمِ وَتَصِحُّ بِهَا نَجَاتُهُ فِي الدَّارَيْنِ.

2. المفرَدَةُ: (العَالَمِينَ)

الاشْتِقَاقُ: جَمْعُ (عَالَمٍ)، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ (العَلَامَةِ)؛ لِأَنَّ العَالَمَ عَلَامَةٌ عَلَى مُوجِدِهِ. (2)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: كُلُّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ مَوْجُودٍ.

المَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ وَالشَّرْعِيُّ: جَمِيعُ الخَلَائِقِ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالجِنِّ وَالإِنْسِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالأَرَضِينَ الَّتِي يَقُومُ اللَّهُ بِتَدْبِيرِهَا.

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ

قَاعِدَةٌ (1): "تَعَيُّنُ العِلْمِ بِالأُصُولِ الثَّلَاثَةِ"؛ أَيْ أَنَّ مَعْرِفَتَهَا فَرْضُ عَيْنٍ لَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ البَعْضِ. (3)

ضَابِطٌ (1): "كُلُّ مَعْرِفَةٍ لَا تُؤَدِّي إِلَى العِبَادَةِ فَهِيَ مَعْرِفَةٌ لُغَوِيَّةٌ لَا شَرْعِيَّةٌ"؛ لِقَوْلِهِ: (وَهُوَ مَعْبُودِي). (4)

قَاعِدَةٌ (2): "الرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الأُلُوهِيَّةَ"؛ فَمَنِ اعْتَرَفَ بِالتَّرْبِيَةِ وَالنِّعْمَةِ لَزِمَهُ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ. (5)

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ بَدْءَ المُؤَلِّفِ بِبَيَانِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ تَرْسِيخٌ لِمَنْهَجِ (السُّؤَالِ وَالجَوَابِ القَبْرِيِّ)؛ فَهَذِهِ المَسَائِلُ لَيْسَتْ ثَقَافَةً ذِهْنِيَّةً، بَلْ هِيَ "مَوَادُّ الِاخْتِبَارِ" فِي أَوَّلِ مَنَازِلِ الآخِرَةِ. وَتَأْكِيدُهُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ (رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعْمَتِهِ) يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالإِلْحَادِ؛ فَالنِّعْمَةُ مُشَاهَدَةٌ، وَالمُنْعِمُ مَعْلُومٌ بِالفِطْرَةِ وَالعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَهَذَا هُوَ التَّأْصِيلُ الَّذِي يَجِبُ أَنَّ يَنْبَنِيَ عَلَيْهِ يَقِينُ الطَّالِبِ السَّلَفِيِّ. (6)

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ التَّشْرِيحِيُّ لِلْعُلَمَاءِ

1. تَعْلِيقُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الأُصُولَ هِيَ "أَصْلُ الدِّينِ"، وَأَنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ تَكُونُ بِأَفْعَالِهِ وَبِآيَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ (الوَحْيِ) وَالكَوْنِيَّةِ (المَخْلُوقَاتِ). وَيُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ قَوْلَ العَبْدِ "رَبِّيَ اللَّهُ" يَقْتَضِي الخُضُوعَ التَّامَّ لِشَرْعِهِ، فَلَا رُبُوبِيَّةَ بِلَا تَشْرِيعٍ، وَلَا تَرْبِيَةَ بِلَا أَمْرٍ وَنَهْيٍ، وَهَذَا هُوَ لُبُّ العَقِيدَةِ. (7)

2. تَعْلِيقُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُشَرِّحُ المَسْأَلَةَ مِنْ جِهَةِ الِاسْتِدْلَالِ، فَيُبَيِّنُ أَنَّ تَعْرِيفَ الرَّبِّ بِـ "المُرَبِّي" هُوَ تَوْحِيدُ رُبُوبِيَّةٍ سِيقَ لِإِثْبَاتِ أَنَّ العِبَادَةَ (الأُلُوهِيَّةَ) هِيَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِهَذِهِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَنْكِيرَ "مَعْبُودٍ" فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ) يُفِيدُ الشُّمُولَ وَالِاسْتِغْرَاقَ لِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. (8)

3. تَعْلِيقُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُرَكِّزُ عَلَى لُزُومِ "الأَدِلَّةِ" فِي المَعْرِفَةِ؛ فَالإِيمَانُ لَا يَكُونُ عَنْ تَقْلِيدٍ فِي هَذِهِ الأُصُولِ، بَلْ لَا بُدَّ لِلْعَبْدِ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ بِبَرَاهِينِهِ. وَيُوضِحُ أَنَّ قَوْلَ المُصَنِّفِ "بِنِعْمَتِهِ" يَدْفَعُ العَبْدَ إِلَى مَقَامِ (الشُّكْرِ) الَّذِي هُوَ عِمَادُ العِبَادَةِ، مِمَّا يَرْبِطُ العِلْمَ العَقَدِيَّ بِالعَمَلِ القَلْبِيِّ. (9)

-----------------------------------&

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ (1/109)، ط. دَارِ الفِكْرِ.

(2) يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ (12/420)، ط. دَارِ صَادِرٍ.

(3) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ (ص: 18)، ط. مَدَارِ الوَطَنِ.

(4) يُنْظَرُ: حَاشِيَةُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ابْنُ قَاسِمٍ (ص: 24).

(5) يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (ص: 45).

(6) يُنْظَرُ: الِانْتِصَارُ لِحِزْبِ اللَّهِ المُوَحِّدِينَ، ابْنُ عَتِيقٍ (ص: 10).

(7) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 48-54)، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

(8) يُنْظَرُ: المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (ص: 82).

(9) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الأَوَّلُ.

--------------------------------(٦)-------------------------------

الوَجْهُ السَّابِعُ (7)

[تَتِمَّةُ تَحْقِيقِ الفَقْرَةِ الأُولَى: مَقَامُ المَعْرِفَةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ]

(تَتِمَّةُ المَتْنِ): «...مَعْرِفَتُهَا، وَهِيَ: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ... رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّاني... وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ».

أَوَّلًا: المَضْمُونُ وَتَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ)

1. المفرَدَةُ: (المَعْرِفَةُ)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (العَرْفِ)، وَهُوَ طِيبُ الرَّائِحَةِ، أَوْ مِنَ (العُرْفِ) بِمَعْنَى السُّكُونِ إِلَى الشَّيْءِ بَعْدَ إِدْرَاكِهِ. (1)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَجْهُولًا.

الفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِلْمِ: المَعْرِفَةُ يُسْبَقُهَا جَهْلٌ، لِذَا تُسْنَدُ لِلْعَبْدِ وَلَا تُسْنَدُ لِلَّهِ تَعَالَى (فَلَا يُقَالُ: اللَّهُ عَارِفٌ، بَلْ عَالِمٌ)؛ لِأَنَّ عِلْمَهُ لَمْ يُسْبَقْ بِخَفَاءٍ. (2)

أَقْسَامُهَا: * أ. مَعْرِفَةٌ وَاجِبَةٌ (عَيْنِيَّةٌ): كَالتي فِي هَذَا المَتْنِ، لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِهَا.

ب. مَعْرِفَةٌ كِفَائِيَّةٌ (نَدْبِيَّةٌ): الِاسْتِقْصَاءُ فِي دَقَائِقِ الأَدِلَّةِ وَالمَسَائِلِ الخَفِيَّةِ.

2. المفرَدَةُ: (النِّعْمَةُ)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (النُّعُومَةِ) ضِدُّ الخُشُونَةِ، وَتَدُلُّ عَلَى اللِّينِ وَالرَّفَاهِيَةِ. (3)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: الحَالَةُ الحَسَنَةُ الَّتِي يَمُنُّ بِهَا المُنْعِمُ عَلَى المُنْعَمِ عَلَيْهِ.

أَقْسَامُهَا: * أ. نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ: وَهِيَ نِعْمَةُ الدِّينِ وَالإِيمَانِ (خَاصَّةٌ بِالمُؤْمِنِينَ).

ب. نِعْمَةٌ مُقَيَّدَةٌ: نِعْمَةُ البَدَنِ وَالرِّزْقِ (عَامَّةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَالكَافِرِ). (4)

3. المفرَدَةُ: (المَعْبُودُ)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (العَبَدِ) وَهُوَ التَّذَلُّلُ؛ وَمِنْهُ (طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ) أَيْ مُذَلَّلٌ بِالأَقْدَامِ. (5)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: كُلُّ مَا قُصِدَ بِالتَّأَلُّهِ وَالخُضُوعِ وَالمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ.

دَلَالَتُهَا فِي المَتْنِ: قَوْلُهُ (لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ) هُوَ المَعْنَى التَّطْبِيقِيُّ لِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

ثَانِيًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الأُصُولِيَّةُ

قَاعِدَةٌ (1): "تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ"؛ أَيْ مَنِ اعْتَرَفَ بِالخَلْقِ (الرَّبِّ) لَزِمَهُ إِفْرَادُ العِبَادَةِ (المَعْبُودِ). (6)

ضَابِطٌ (1): "تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ"؛ فَالمُوَحِّدُ لَا يَعْبُدُ إِلَّا مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ رَبٌّ خَالِقٌ. (7)

قَاعِدَةٌ (2): "كُلُّ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ فَمَصْدَرُهَا اللَّهُ وَحْدَهُ"؛ لِقَوْلِهِ (رَبَّانِي بِنِعْمَتِهِ). (8)

ثَالِثًا: التَّعْرِيفُ بِالأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَحْرِيرٌ مُوجَزٌ)

الرَّبُّ: هُوَ الخَالِقُ المَالِكُ المُدَبِّرُ لِكُلِّ شَيْءٍ.

الدِّينُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ. (9)

النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ ﷺ: هُوَ أَبُو القَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ... وَيَنْتَهِي نَسَبُهُ الشَّرِيفُ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ. (10)

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ تَقْسِيمَ النِّعْمَةِ إِلَى دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ فِي هَذَا المَوْضِعِ لَهُ مَغْزًى دَقِيقٌ؛ فَالرُّبُوبِيَّةُ العَامَّةُ (تَرْبِيَةُ الجَسَدِ بِالطَّعَامِ) يَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الخَلْقِ، لَكِنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الخَاصَّةَ (تَرْبِيَةُ القَلْبِ بِالوِحْيِ) هِيَ الَّتِي تُحَقِّقُ مَقَامَ (وَهُوَ مَعْبُودِي). وَقَوْلُ العَبْدِ (لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ) هُوَ كَمَالُ البَرَاءَةِ مِنَ الأَنْدَادِ، وَهُوَ الحِصْنُ الحَصِينُ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ؛ فَاللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي بِنِعْمَةِ (الوُجُودِ) هُوَ الأَحَقُّ بِتَوْحِيدِ (السُّجُودِ). (11)

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ التَّشْرِيحِيُّ لِلْعُلَمَاءِ

1. العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ تَرْبِيَةَ اللَّهِ لِلْعَالَمِينَ هِيَ "خَلْقُهُمْ، وَتَمْلِيكُهُمْ، وَتَدْبِيرُ أُمُورِهِمْ"، وَأَنَّ رَبْطَ هَذَا بِالعِبَادَةِ هُوَ لِإِقَامَةِ الحُجَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ العِبَادَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُنْعِمِ الخَالِقِ. (12)

2. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُشَرِّحُ مَعْنَى (العَالَمِينَ) بِأَنَّهَا جَمْعٌ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ "مَعْرِفَةَ العَبْدِ رَبَّهُ" هِيَ المَفْتَاحُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ الجَهْلَ بِهَذَا الأَصْلِ هُوَ سَبَبُ هَلَاكِ المِلَلِ السَّابِقَةِ. (13)

3. الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِيٌّ: يَقُولُ إِنَّ قَوْلَ العَبْدِ "رَبِّيَ اللَّهُ" لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ، بَلْ هُوَ (التِزَامٌ)؛ فَالرَّبُّ هُوَ السَّيِّدُ المُطَاعُ، وَبِتَالِي فَمَعْرِفَتُهُ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ أَمْرِهِ، وَهَذَا الرَّبُّ هُوَ الَّذِي "رَبَّانِي بِنِعْمَتِهِ" الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ. (14)

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ (4/281)، ط. دَارِ الفِكْرِ.

(2) يُنْظَرُ: الفُرُوقُ اللُّغَوِيَّةُ، أَبُو هِلَالٍ العَسْكَرِيُّ (ص: 78)، ط. دَارِ العِلْمِ.

(3) يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ (12/581)، ط. دَارِ صَادِرٍ.

(4) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (11/130)، ط. مَجْمَعِ المَلِكِ فَهْدٍ.

(5) يُنْظَرُ: القَامُوسُ المُحِيطُ، الفَيْرُوزُآبَادِيُّ (ص: 340).

(6) يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ آلِ الشَّيْخِ (ص: 45).

(7) يُنْظَرُ: القَوْلُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ، السَّعْدِيُّ (ص: 12).

(8) يُنْظَرُ: حَاشِيَةُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ابْنُ قَاسِمٍ (ص: 24).

(9) يُنْظَرُ: الثَّلَاثَةُ الأُصُولِ، الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (ص: 5).

(10) يُنْظَرُ: السِّيرَةُ النَّبَوِيَّةُ، ابْنُ هِشَامٍ (1/1)، ط. مَكْتَبَةِ الحَلَبِيِّ.

(11) يُنْظَرُ: الِانْتِصَارُ لِحِزْبِ اللَّهِ المُوَحِّدِينَ، ابْنُ عَتِيقٍ (ص: 10).

(12) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 50)، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

(13) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (ص: 85).

(14) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ)، صَالِحٌ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الأَوَّلُ.

(15) يُنْظَرُ: فَتْحُ المَجِيدِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ (ص: 33).

---------------------------(٧)-----------------------------

الوَجْهُ الثَّامِنُ (8)

​[مَتْنُ الرِّسَالَةِ - الفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ]

​قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

«وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا دِينُكَ؟ فَقُلْ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، وَهُوَ: الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ».

​أَوَّلًا: المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ (تَحْقِيقُ النُّسَخِ)

​نُسْخَةُ (أ): وَهِيَ النُّسْخَةُ المَطْبُوعَةُ ضِمْنَ "مَجْمُوعِ مَتُونِ العَقِيدَةِ - مَكْنِز" (1)؛ وَجَاءَ فِيهَا اللَّفْظُ مُطَابِقاً لِمَا أُثْبِتَ فِي المَتْنِ أَعْلَاهُ.

​نُسْخَةُ (ب): وَهِيَ النُّسْخَةُ المُسْنَدَةُ فِي "حَاشِيَةِ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ" لِلشَّيْخِ ابْنِ قَاسِمٍ (2)؛ وَفِيهَا زِيَادَةُ لَفْظِ: «وَخُلُوصُ العِبَادَةِ لَهُ وَحْدَهُ» قَبْلَ ذِكْرِ الانْقِيَادِ.

​النُّسْخَةُ (ج): وَهِيَ هَذِهِ النُّسْخَةُ الَّتِي نَقُومُ عَلَى تَحْقِيقِهَا، وَقَدْ اخْتَرْنَا إِثْبَاتَ لَفْظِ (أ) لِأَنَّهُ الأَوْجَزُ وَالأَشْهَرُ فِي الحِفْظِ التَّعْلِيمِيِّ.

​ثَانِيًا: المَضْمُونُ وَتَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ

​1. المفرَدَةُ: (الِاسْتِسْلَامُ) (3)

​الاشْتِقَاقُ: مِنَ (السِّينِ وَاللَّامِ وَالمِيمِ)، وَهُوَ الانْقِيَادُ وَالخُضُوعُ، وَ (اسْتَفْعَلَ) لِلطَّلَبِ وَالمُبَالَغَةِ فِي التَّسْلِيمِ.

​الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: خُضُوعُ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ لِأَمْرِ المَوْلَى جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.

​المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: إِلْقَاءُ الزِّمَامِ لِلَّهِ تَعَالَى حُبًّا وَخَوْفًا وَرَجَاءً، وَتَرْكُ الِاعْتِرَاضِ عَلَى شَرْعِهِ.

​2. المفرَدَةُ: (الِانْقِيَادُ) (4)

​الاشْتِقَاقُ: مِنَ (القَوْدِ)، وَأَصْلُهُ سَحْبُ الشَّيْءِ مَعَ سُهُولَةٍ وَتَرْكِ مُمَانَعَةٍ.

​الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: اتِّبَاعُ الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ بِفِعْلِ المَأْمُورِ وَتَرْكِ المَحْظُورِ دُونَ حَرَجٍ.

​المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ الأَثَرُ العَمَلِيُّ لِلِاسْتِسْلَامِ، وَلَا يُعَدُّ العَبْدُ مُنْقَادًا إِلَّا إِذَا أَدَّى الطَّاعَةَ بِرِضًا وَتَسْلِيمٍ.

​3. المفرَدَةُ: (البَرَاءَةُ) (5)

​الاشْتِقَاقُ: مِنَ (البَرْءِ)، وَهُوَ الخَلَاصُ مِنَ الشَّيْءِ وَمُبَايَنَتُهُ، وَمِنْهُ بَرَأَ النَّقَهُ مِنَ المَرَضِ.

​الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: قَطْعُ العَلَاقَةِ القَلْبِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ مَعَ كُلِّ مَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ.

​المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: بُغْضُ الشِّرْكِ وَمُعَادَاتُهُ، وَتَرْكُ مُوَالَاةِ المُشْرِكِينَ فِي دِينِهِمْ.

​ثَالِثًا: الضَّوَابِطُ وَالقَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

​الضَّابِطُ (1): "الدِّينُ عِنْدَ الإِطْلَاقِ يَشْمَلُ المِلَّةَ وَالعَمَلَ وَالجَزَاءَ"؛ فَقَوْلُكَ (دِينِيَ الإِسْلَامُ) يَعْنِي مَنْهَجَ حَيَاتِكَ الَّذِي تُجْزَى عَلَيْهِ. (6)

​قَاعِدَةٌ (1): "لَا صِحَّةَ لِإِسْلَامٍ بِلَا بَرَاءَةٍ"؛ فَالتَّوْحِيدُ قَوْلٌ بِالإِثْبَاتِ (اللَّهُ) وَفِعْلٌ بِالنَّفْيِ (البَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ). (7)

​فَائِدَةٌ (1): ذِكْرُ (وَأَهْلِهِ) بَعْدَ (الشِّرْكِ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ البُغْضَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، بَلْ يَتَعَدَّى إِلَى مُبَاغَضَةِ الفَاعِلِينَ لِأَجْلِ شِرْكِهِمْ. (8)

​رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ : (قُلْتُ)​إِنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ الجَامِعَ لِلإِسْلَامِ يَضَعُ القَاعِدَةَ الصَّلْبَةَ لِمَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ مِنَ الإِرْجَاءِ؛ فَالإِسْلَامُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ عَمَلِ القَلْبِ (الِاسْتِسْلَامُ) وَعَمَلِ الجَوَارِحِ (الِانْقِيَادُ) وَتَصْفِيَةِ المَنْهَجِ (البَرَاءَةُ).

 - فَمَنْ أَخَلَّ بِالبَرَاءَةِ فَقَدْ تَلَطَّخَ دِينُهُ، وَمَنْ أَخَلَّ بِالِانْقِيَادِ فَقَدْ جَفَا إِيمَانُهُ ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ بَرَاعَةِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ فِي اخْتِيَارِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الَّتِي تَعْصِمُ الطَّالِبَ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي المَفَاهِيمِ الحَدِيثَةِ المُمَيِّعَةِ لِأَصْلِ الدِّينِ. (9)

​خَامِسًا: التَّأْصِيلُ التَّشْرِيحِيُّ لِلْعُلَمَاءِ

​1. العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُشَرِّحُ مَعْنَى (الِانْقِيَادِ بِالطَّاعَةِ) بِأَنَّهُ يَشْمَلُ فِعْلَ الأَوَامِرِ وَاجْتِنَابَ النَّوَاهِي، وَيُقَسِّمُ الطَّاعَةَ إِلَى طَاعَةٍ مُطْلَقَةٍ (لِلَّهِ وَرَسُولِهِ) وَطَاعَةٍ تَبَعِيَّةٍ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ البَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ لَا تَعْنِي الظُّلْمَ، بَلْ تَعْنِي التَّمَيُّزَ العَقَدِيَّ القَلْبِيَّ وَالبُعْدَ عَنْ طَقُوسِ أَهْلِ الضَّلَالِ، فَالإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ. (10)

​2. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُرَكِّزُ عَلَى جَانِبِ "التَّوْحِيدِ" كَمُحَرِّكٍ لِلِاسْتِسْلَامِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا يَصْدُرُ عَنْ تَوْحِيدٍ فَلَيْسَ بِإِسْلَامٍ شَرْعِيٍّ وَإِنْ تَسَمَّى صَاحِبُهُ بِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ كَلِمَةَ "وَأَهْلِهِ" هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ السَّلَفِيَّ الَّذِي يَعْرِفُ مَنَازِلَ الرِّجَالِ بِنَاءً عَلَى مُعْتَقَدِهِمْ، لَا عَلَى مُجَرَّدِ أَنْسَابِهِمْ أَوْ أَلْقَابِهِمْ. (11)

​3. الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِيٌّ: يَقُولُ إِنَّ الدِّينَ سُمِّيَ إِسْلَامًا لِأَنَّ العَبْدَ (يُسْلِمُ) نَفْسَهُ لِلَّهِ، فَلَا يَبْقَى لَهُ اخْتِيَارٌ مَعَ اخْتِيَارِ اللَّهِ. وَيُرَكِّزُ عَلَى لُزُومِ "القَصْدِ" فِي الطَّاعَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ البَرَاءَةَ هِيَ صِفَةُ "إِبْرَاهِيمَ" عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّتِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهَا لِيَكُونَ تَوْحِيدُنَا خَالِصًا مِنَ الشَّوَائِبِ. (12)

---------------------------&

​حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

​(1) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ مُهِمَّاتِ المُتُونِ، مَنْشُورَاتُ مَكْنِزٍ لِلتُّرَاثِ، ط. مِصْرَ.

(2) يُنْظَرُ: حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ النَّجْدِيُّ (ص: 28).

(3) يُنْظَرُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ (3/90)، ط. دَارِ الفِكْرِ.

(4) يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ (3/366)، ط. دَارِ صَادِرٍ.

(5) يُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ، الرَّاغِبُ الأَصْفَهَانِيُّ (ص: 120).

(6) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/22)، ط. مَجْمَعِ المَلِكِ فَهْدٍ.

(7) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ (ص: 35).

(8) يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، سُلَيْمَانُ آلِ الشَّيْخِ (ص: 210).

(9) يُنْظَرُ: الِانْتِصَارُ لِحِزْبِ اللَّهِ المُوَحِّدِينَ، ابْنُ عَتِيقٍ (ص: 45).

(10) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 122)، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

(11) يُنْظَرُ: المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (ص: 110).

(12) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ)، صَالِحٌ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الثَّانِي.

--------------------------(٨)----------------------------

الوَجْهُ التَّاسِعُ (9)

[تَتِمَّةُ تَحْقِيقِ الفَقْرَةِ الثَّانِيَةِ: أَرْكَانُ الإِسْلَامِ وَكَيْفِيَّةُ التَّحْقِيقِ]

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

«وَأَرْكَانُهُ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (1).

أَوَّلًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ عَلَى كَلَامِ المُؤَلِّفِ

1. الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ:

عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالبَرَاءَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]؛ وَهَذَا نَصٌّ فِي "الِاسْتِسْلَامِ بِالتَّوْحِيدِ" وَ "البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ". (2)

عَلَى الِانْقِيَادِ بِالأَرْكَانِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. (3)

2. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ:

حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (4).

حَدِيثُ جِبْرِيلَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ...» (5).

ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ يُبَيِّنُ أَنَّ الإِمَامَ المُجَدِّدَ لَمْ يَخْتَرِعْ تَعْرِيفًا بَدِيعًا، بَلْ سَبَكَ نُصُوصَ الوَحْيِ فِي قَالَبٍ تَعْلِيمِيٍّ. وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ يَكُونُ كَمَا يَلِي:

كَيْفِيَّةُ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ: هِيَ إِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِالقَصْدِ وَالتَّأَلُّهِ؛ فَلَا يَكُونُ فِي القَلْبِ مُنَازِعٌ لِمَحَبَّتِهِ وَلَا لِخَوْفِهِ، وَهَذَا لُبُّ "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

كَيْفِيَّةُ الِانْقِيَادِ لَهُ بِالطَّاعَةِ: هِيَ تَرْجَمَةُ هَذَا التَّوْحِيدِ إِلَى أَعْمَالٍ جَوَارِحِيَّةٍ، رَأْسُهَا الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، فَلَا انْقِيَادَ لِمَنْ ضَيَّعَ عَهْدَ اللَّهِ.

كَيْفِيَّةُ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ: هِيَ "الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ" الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ عَلَى "الإِيمَانِ بِاللَّهِ" فِي آيَةِ الكُرْسِيِّ؛ فَلَا يَصِحُّ تَوْحِيدٌ حَتَّى تُهْدَمَ صَوَامِعُ الشِّرْكِ فِي القَلْبِ وَتُقْطَعَ عَلَائِقُ الوَلَاءِ لِأَهْلِ الضَّلَالِ.

ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُؤَصِّلُ لِدَلَالَةِ "بُنِيَ"؛ فَيَقُولُ إِنَّ البِنَاءَ يَفْتَقِرُ إِلَى كُلِّ رُكْنٍ، وَأَنَّ رَبْطَ هَذِهِ الأَرْكَانِ بِالدَّلِيلِ القُرْآَنِيِّ هُوَ الَّذِي يَنْقُلُ الطَّالِبَ مِنْ رُتْبَةِ "المُقَلِّدِ" إِلَى رُتْبَةِ "المُتَّبِعِ بِبَصِيرَةٍ"، وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ الحَجَّ قُيِّدَ بِالِاسْتِطَاعَةِ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ. (6)

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُشَرِّحُ كَيْفَ أَنَّ "شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هِيَ المِفْتَاحُ، وَبَقِيَّةُ الأَرْكَانِ هِيَ حُقُوقُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ. وَيَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ: "الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ"، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ مَنْ زَعَمَ الِاسْتِسْلَامَ دُونَ أَنْ يُقِيمَ الأَرْكَانَ فَقَدْ جَاءَ بِدَعْوَى بِلَا بَيِّنَةٍ نَقْلِيَّةٍ. (7)

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ:

يُرَكِّزُ عَلَى "أَهْلِ الشِّرْكِ"؛ فَيَقُولُ إِنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ فِي قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] يَدُلُّ عَلَى أَنَّ البَرَاءَةَ ذَاتِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ، وَأَنَّ أَدَاءَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَعَ وُجُودِ الوَلَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ نَقْصٌ فِي أَصْلِ الِانْقِيَادِ. (8)

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: ثَلَاثَةُ الأُصُولِ، الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ (ص: 6).

(2) يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ (2/298)، ط. دَارِ طَيِّبَةَ.

(3) يُنْظَرُ: تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ (ص: 931).

(4) تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (رَقْمُ 8)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رَقْمُ 16).

(5) تَخْرِيجُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رَقْمُ 8) مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

(6) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ص: 65).

(7) يُنْظَرُ: تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (ص: 115).

(8) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ)، صَالِحٌ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الثَّانِي.

-----------------------------(٩)------------------------------

الوَجْهُ العَاشِرُ (10)

[مَتْنُ الرِّسَالَةِ - الفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ]

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

«وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَقُلْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمٍ، وَهاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ العَرَبِ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْماعِيلَ بْنِ إِبْراهِيمَ عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّسْلِيمِ».

أَوَّلًا: المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ (تَحْقِيقُ النُّسَخِ)

نُسْخَةُ (أ) مَكْنِز: جَاءَ فِيهَا النَّسَبُ مُخْتَصَراً إِلَى هَاشِمٍ ثُمَّ الِانْتِقَالُ لِلْقَبَائِلِ، وَهُوَ مَا أَثْبَتْنَاهُ. (1)

نُسْخَةُ (ب) ابْنُ قَاسِمٍ: زَادَتْ بَعْدَ (إِبْرَاهِيمَ): «الخَلِيلِ»، وَفِيهَا تَوْسِيعٌ فِي بَيَانِ فَضْلِ النَّسَبِ فِي الحَاشِيَةِ. (2)

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ عَلَى كَلَامِ المُؤَلِّفِ

1. الدَّلِيلُ مِنَ الكِتَابِ:

عَلَى نُبُوَّتِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29].

عَلَى اصْطِفَاءِ مَعْدِنِهِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]. (3)

2. الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ:

حَدِيثُ النَّسَبِ: قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ...» (4).

ثَالِثًا: المَضْمُونُ وَتَحْلِيلُ المُفْرَدَاتِ

1. المفرَدَةُ: (مُحَمَّدٌ) (5)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (الحَمْدِ)، وَهُوَ اسْمُ مَفْعُولٍ جَاءَ عَلَى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ (مُفَعَّل) لِلْمُبَالَغَةِ؛ أَيْ الَّذِي كَثُرَ حَمْدُ الحَامِدِينَ لَهُ لِكَثْرَةِ خِصَالِهِ الحَمِيدَةِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: العَلَمُ المَنْصُوبُ عَلَى خَاتِمِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ ﷺ.

2. المفرَدَةُ: (نَبِيُّكَ) (6)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّبَأِ) وَهُوَ الخَبَرُ العَظِيمُ؛ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ وَمُخْبَرٌ مِنْ عِنْدِهِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِنْسَانٌ حُرٌّ ذَكَرٌ، نَبَّأَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ، وَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ، أَوْ جَدَّدَ مَعَالِمَهَا فِي قَوْمِهِ.

المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: المُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ بِوَاسِطَةِ الوَحْيِ، وَمِنْ وَظِيفَتِهِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ (التَّبْلِيغُ) لِإِقَامَةِ الحُجَّةِ.

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ مَعْرِفَةَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ هِيَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ التَّصْدِيقِ بِهِ؛ فَالنَّفْسُ تَسْكُنُ إِلَى مَنْ عُرِفَ نَسَبُهُ وَطَابَ مَحْتِدُهُ. وَرَبْطُ المُؤَلِّفِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ دَعْوَةَ التَّوْحِيدِ سِلْسِلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ جَاءَ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمُتَمِّماً لِمَكَارِمِ النُّبُوَّةِ. وَأُصَحِّحُ هُنَا مَا شَاعَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ لَا يُؤْمَرُ بِالتَّبْلِيغِ؛ بَلِ التَّبْلِيغُ أَمَانَةُ الوَحْيِ، وَكُلُّ نَبِيٍّ مُكَلَّفٌ بِإِيصَالِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ إِلَى مَنْ أُرْسِلَ فِيهِمْ، وَلَوْ كَانَ بِتَجْدِيدِ شَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ. (7)

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ التَّشْرِيحِيُّ لِلْعُلَمَاءِ

1. العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ تَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ نَسَبِهِ لِيَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ "صَمِيمِ العَرَبِ" وَأَشْرَفِهِمْ، مِمَّا يَقْطَعُ حُجَجَ المُعَانِدِينَ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ بِشَرِيعَةٍ هِيَ أَكْمَلُ الشَّرَائِعِ وَأَهْيَمُهَا. (8)

2. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ "النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ"، وَيُبَيِّنُ أَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ أُمِرُوا بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَأَنَّ رَسُولَنَا ﷺ جَمَعَ بَيْنَ شَرَفِ النَّسَبِ وَشَرَفِ التَّكْلِيفِ، وَأَنَّ العَرَبَ هُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِنَصْرَتِهِ لِقُرْبِ رَحِمِهِمْ مِنْهُ. (9)

3. الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِيٌّ: يَقُولُ إِنَّ التَّعْرِيفَ بِالنَّسَبِ الشَّرِيفِ يُقَوِّي مَحَبَّةَ العَبْدِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَيُوضِحُ أَنَّ بَعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي العَرَبِ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ هِيَ تَحْقِيقٌ لِفَضْلِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَنَّ التَّبْلِيغَ صِفَةٌ لَازِمَةٌ لِكُلِّ نَبِيٍّ صَدَقَ مَعَ اللَّهِ فِي حَمْلِ الرِّسَالَةِ. (10)

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ مُهِمَّاتِ المُتُونِ (مَكْنِز)، ص: 45.

(2) يُنْظَرُ: حَاشِيَةُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص: 75.

(3) يُنْظَرُ: تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (2/185)، ط. دَارِ طَيِّبَةَ.

(4) تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رَقْمُ 2276) مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ.

(5) اشْتِقَاقُ اسْمِ مُحَمَّدٍ: يُنْظَرُ: جَلَاءُ الأَفْهَامِ، ابْنُ القَيِّمِ (ص: 160)، ط. مَكْتَبَةِ المُنِيرِيَّةِ.

(6) تَعْرِيفُ النَّبِيِّ: يُنْظَرُ: لَوَامِعُ الأَنْوَارِ البَهِيَّةِ، السَّفَّارِينِيُّ (1/220).

(7) يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (10/290) فِي مَهَامِّ الأَنْبِيَاءِ وَتَبْلِيغِهِمْ.

(8) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص: 140.

(9) يُنْظَرُ: المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ، التَّمِيمِيُّ، ص: 135.

(10) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ)، صَالِحٌ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.

----------------------------(١٠)----------------------------

الوَجْهُ الحَادِي عَشَرَ (11)

[تَتِمَّةُ مَقَامِ النُّبُوَّةِ: الفُرُوقُ، المَقْتَضَيَاتُ، وَشُرُوطُ الِاتِّبَاعِ]

أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالفُرُوقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ

1. المفرَدَةُ: (النَّبِيُّ)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّبَأِ) أَيِ الخَبَرِ العَظِيمِ؛ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ عَنِ اللَّهِ وَمُخْبَرٌ مِنْ عِنْدِهِ. (1)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِنْسَانٌ حُرٌّ ذَكَرٌ نَبَّأَهُ اللَّهُ بِوَحْيٍ، وَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ أَوْ جَدَّدَ مَعَالِمَهَا فِي قَوْمِهِ.

2. المفرَدَةُ: (الرَّسُولُ)

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرِّسَالَةِ) وَهِيَ التَّوْجِيهُ وَالإِرْسَالُ. (2)

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِنْسَانٌ حُرٌّ ذَكَرٌ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ (كِتَابٍ) وَأَمَرَهُ بِتَبْلِيغِهِ لِأَقْوَامٍ؛ إِمَّا عَامَّةً (كَالنَّبِيِّ ﷺ) أَوْ خَاصَّةً.

ثَانِيًا: مَقْتَضَيَاتُ  أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

لَا يَتِمُّ الإِيمَانُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَّا بِتَحْقِيقِ أَرْبَعَةِ مَطَالِبَ عَمَلِيَّةٍ:

تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ: فِي كُلِّ مَا نَسَبَهُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأُمُورِ المَاضِيَةِ، وَالحَاضِرَةِ، وَالغَيْبِيَّةِ المُّسْتَقْبَلِيَّةِ. (3)

طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ: بِالِامْتِثَالِ المُطْلَقِ لِأَوَامِرِهِ الشَّرْعِيَّةِ.

اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ: تَرْكُ المَحْظُورَاتِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا لِأَمْرِهِ.

أَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ: وَهُوَ مَقَامُ الِاتِّبَاعِ وَنَبْذِ البِدَعِ. (4)

ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ مَقَامَ النَّبِيِّ ﷺ مَقَامُ "عَبْدٍ مُبَلِّغٍ"، فَلَا يُرْفَعُ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا يُهْضَمُ حَقُّهُ فِي التَّشْرِيعِ؛ فَهُوَ عَبْدٌ لَا يُعْبَدُ، فَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، وَلَا يَعْلَمُ الغَيْبَ إِلَّا مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: 21] ، وَقَالَ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾ [الأعراف: 188].

 وَهُوَ رَسُولٌ لَا يُكَذَّبُ، فَالإِيمَانُ بِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَشَرٌ رَسُولٌ يُوحَى إِلَيْهِ بِوَحْيَيْنِ:

١-  القُرْآنِ العَظِيمِ (المَتْلُوِّ)

٢- وَالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ (غَيْرِ المَتْلُوِّ)، وَكِلَاهُمَا وَحْيٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النججم: 3-4].

 وَالسُّنَّةُ شَارِحَةٌ لِلْمُجْمَلِ مِنَ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44].

 فَلَا سَبِيلَ لِرِضَا اللَّهِ إِلَّا بِاتِّبَاعِهِ ﷺ فِي جَمِيعِ شُؤُونِ الحَيَاةِ، وَحُبُّهُ ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. (5)

رَابِعًا: صُوَرُ مُوَافَقَةِ العَمَلِ لِالسُّنَّةِ (ضَوَابِطُ الِاتِّبَاعِ)

حَتَّى يَكُونَ العَمَلُ مَقْبُولًا غَيْرَ مَرْدُودٍ، لَا بُدَّ مِنْ مُوَافَقَتِهِ لِلسُّنَّةِ فِي سِتِّ صُوَرٍ:

المُوَافَقَةُ فِي الجِنْسِ: كَمَنْ ضَحَّى بِغَزَالٍ بَدَلَ الشَّاةِ؛ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ وَإِنْ كَانَ الغَزَالُ أَغْلَى لِمُخَالَفَةِ الجِنْسِ المَشْرُوعِ.

المُوَافَقَةُ فِي السَّبَبِ: كَمَنْ صَامَ 27 رَجَبَ بِاعْتِبَارِهِ سَبَبًا شَرْعِيًّا؛ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ لِعَدَمِ ثُبُوتِ السَّبَبِ فِي الشَّرْعِ.

المُوَافَقَةُ فِي الصِّفَةِ: أَنْ يَأْتِيَ بِالعَمَلِ عَلَى الكَيْفِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ المَنْقُولَةِ.

المُوَافَقَةُ فِي المِقْدَارِ: كَمَنْ زَادَ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوِ التَّسْبِيحِ المَحْدُودِ بِقَصْدِ التَّشْرِيعِ.

المُوَافَقَةُ فِي الزَّمَانِ: كَأَدَاءِ الحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ أَوْ الذَّبْحِ قَبْلَ وَقْتِهِ.

المُوَافَقَةُ فِي المَكَانِ: كَالاعْتِكَافِ فِي غَيْرِ المَسَاجِدِ أَوْ الطَّوَافِ بِغَيْرِ الكَعْبَةِ. (6)

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

1. العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ السِّتَّ هِيَ المِيزَانُ لِقَبُولِ العَمَلِ، وَأَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِيهَا يُصَيِّرُ العَمَلَ (بِدْعَةً) مَرْدُودَةً، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ لَا يَنْفَصِلُ عَنْ مُتَابَعَةِ رَسُولِهِ. (7)

2. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يَرَى أَنَّ رَبْطَ الِاتِّبَاعِ بِأُمُورِ الحَيَاةِ (السِّيَاسِيَّةِ وَالاجْتِمَاعِيَّةِ) هُوَ مَحْضُ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأَنَّ تَلَقِّي الأَمْرِ مِنْ غَيْرِهِ فِيمَا شَرَعَهُ اللَّهُ نَقْصٌ فِي الِالتِزَامِ. (8)

3. الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِيٌّ: يُبَيِّنُ أَنَّ البِدْعَةَ -وَإِنِ اسْتَحْسَنَهَا النَّاسُ- ضَلَالَةٌ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ مَالِكٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ مَنِ ابْتَدَعَ فَقَدْ رَمَى الرَّسُولَ ﷺ بِالخِيَانَةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ المَزَالِقِ العَقَدِيَّةِ. (9)

-----------------------&

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: لِسَانُ العَرَبِ (مَادَّةُ نَبأ)؛ وَمُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ لِلرَّاغِبِ (ص: 482).

(2) يُنْظَرُ: القَامُوسُ المُحِيطُ (مَادَّةُ رَسَل)؛ وَمَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ (10/290) فِي تَحْرِيرِ الفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَهُمَا.

(3) التَّصْدِيقُ فِيمَا أَخْبَرَ يَشْمَلُ اليَقِينَ الجَازِمَ بِصِدْقِ نُبُوَّتِهِ وَأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ. يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ص: 145).

(4) نَبْذُ البِدَعِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ قَدِ اسْتَكْمَلَ بِوَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَا مَجَالَ لِاسْتِحْسَانِ رَأْيٍ يُخَالِفُ المَنْقُولَ.

(5) تَخْرِيجُ حَدِيثِ المَحَبَّةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (رَقْمُ 14) وَمُسْلِمٌ (رَقْمُ 44) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.

(6) هَذِهِ الصُّوَرُ السِّتُّ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنَ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ لِضَبْطِ العِبَادَاتِ. يُنْظَرُ: الإِبْدَاعُ فِي كَمَالِ الشَّرْعِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص: 15-20).

(7) يُنْظَرُ: الشَّرْحُ المُمْتِعُ عَلَى زَادِ المُسْتَقْنِعِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ) فِي مُقَدِّمَاتِ العِبَادَةِ.

(8) يُنْظَرُ: المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ) ص: 138.

(9) تَخْرِيجُ أَثَرِ الإِمَامِ مَالِكٍ: أَخْرَجَهُ الشَّاطِبِيُّ فِي (الِاعْتِصَامِ) (1/64)؛ وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فِي ذَمِّ البِدْعَةِ الحَسَنَةِ فَقَدْ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي (المَدْخَلِ) (رَقْمُ 191) وَابْنُ نَصْرٍ فِي (السُّنَّةِ) (ص: 24) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

(10) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ) لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.

--------------------------(١١)----------------------------

الوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ (12)

( المتممة الثاني (٢)الفقرة الثالثة (مقام النبوة))

[تَحْقِيقُ أَطْوَارِ الدَّعْوَةِ وَخَصَائِصِ الرِّسَالَةِ المُّحَمَّدِيَّةِ]

أَوَّلًا: مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ وَمُدَّةُ رِسَالَتِهِ

نَبَّأَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَهِيَ سِنُّ الِاكْتِمَالِ وَالنُّضْجِ البَشَرِيِّ الَّتِي تَهَيَّأَ فِيهَا لِحَمْلِ أَثْقَالِ الوَحْيِ. وَقَدْ أَقَامَ ﷺ بَعْدَ البَعْثَةِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً صَابِرًا مُحْتَسِبًا؛ مِنْهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً فِي مَكَّةَ، كَانَ جُلُّ تَرْكِيزِهِ فِيهَا عَلَى بِنَاءِ النَّوَاةِ الصَّلْبَةِ لِلْمُجْتَمَعِ المُسْلِمِ عَبْرَ غَرْسِ "أَصْلِ الأُصُولِ" وَهُوَ التَّوْحِيدُ الخَالِصُ.

 ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ فِي المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ المُبَارَكَةِ، حَيْثُ نَزَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ التَّفْصِيلِيَّةِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالحَجِّ وَالجِهَادِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، لِيَكْتَمِلَ بِنَاءُ الدَّوْلَةِ وَالدِّينِ مَعًا قَبْلَ لِحَاقِهِ ﷺ بِالرَّفِيقِ الأَعْلَى. (1)

ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ: (قُلْتُ)

إِنَّ مَقَامَ النُّبُوَّةِ هُوَ مَقَامُ اصْطِفَاءٍ مَحْضٍ، فَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يَنَالَهُ بِكَدٍّ أَوْ رِيَاضَةٍ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نُبِّئَ بِسُورَةِ (العَلَقِ) فَمَلَكَ صِفَةَ النُّبُوَّةِ بِالتَّلَقِّي، ثُمَّ أُرْسِلَ بِسُورَةِ (المُدَّثِّرِ) فَمَلَكَ صِفَةَ الرِّسَالَةِ بِالأَمْرِ بِالبَلَاغِ. وَهَذَا التَّدَرُّجُ الزَّمَانِيُّ وَالمَوْضُوعِيُّ يُعَلِّمُ طَالِبَ العِلْمِ أَنَّ العَقِيدَةَ هِيَ "الأَسَاسُ" الَّذِي لَا قِيَامَ لِلْبِنَاءِ بِدُونِهِ. كَمَا أَنَّ نَسَبَهُ ﷺ الرَّاجِعَ إِلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ يَقْطَعُ دَابِرَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ رِسَالَتَهُ مُنْبَتَّةُ الصِّلَةِ عَنِ المِلَلِ السَّابِقَةِ، بَلْ هِيَ التَّاجُ وَالخَاتِمَةُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ مِنَ الهُدَى، وَأَنَّ وُجُوبَ الإِيمَانِ بِهِ ﷺ يَعُمُّ كُلَّ مُكَلَّفٍ مِنْ جِنٍّ أَوْ إِنْسٍ إِلَى أَنْ يَرِثَ اللَّهُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا. (2)

ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (تَقَارِيرُ مُفَصَّلَةٌ)

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ:

يُفَصِّلُ الشَّيْخُ فِي حِكْمَةِ بَعْثَتِهِ ﷺ فِي سِنِّ الأَرْبَعِينَ، مُعْتَبِرًا أَنَّهَا قِمَّةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ وَالجَسَدِيَّةِ، وَيُشَرِّحُ مَعْنَى خَتْمِ الرِّسَالَةِ بِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَصَلَاحِيَّتِهَا لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. كَمَا يُؤَكِّدُ أَنَّ مَعْرِفَةَ مُدَّةِ إِقَامَتِهِ بِمَكَّةَ وَالمَدِينَةِ تُبَيِّنُ لَنَا فِقْهَ الدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَذَى فِي مَكَّةَ كَانَ تَمْهِيدًا لِلنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ فِي المَدِينَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّ شَرِيعَتَهُ نَسَخَتْ كُلَّ مَا قَبْلَهَا مِنَ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، فَلَا يُقْبَلُ مِنَ النَّاسِ دِينٌ سِوَى الإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَحَبَّتَهُ ﷺ تَقْتَضِي تَعْظِيمَ سُنَّتِهِ وَتَقْدِيمَهَا عَلَى كُلِّ قَوْلٍ بَشَرِيٍّ مَهْمَا بَلَغَ قَائِلُهُ مِنَ العِلْمِ أَوِ المَنْزِلَةِ. (3)

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُرَكِّزُ التَّمِيمِيُّ عَلَى مَسْأَلَةِ "عُمُومِ الرِّسَالَةِ لِلثَّقَلَيْنِ"، مُبَيِّنًا أَنَّ هَذَا الخِصِّيصَةَ لَمْ تُعْطَ لِنَبِيٍّ قَبْلَهُ، مِمَّا يَجْعَلُ العَالَمَ أَجْمَعَ تَحْتَ طَائِلَةِ التَّكْلِيفِ المُّحَمَّدِيِّ فِي كُلِّ الشُّؤُونِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ دَعْوَةَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مَكَّةَ كَانَتْ تَرْبِيَةً عَلَى الِاعْتِقَادِ، وَفِي المَدِينَةِ تَرْبِيَةً عَلَى الِانْقِيَادِ، وَهُمَا جَنَاحَا الإِيمَانِ اللَّذَانِ لَا يَطِيرُ العَبْدُ إِلَّا بِهِمَا. وَيُحَقِّقُ أَنَّ رَبْطَ النَّبِيِّ ﷺ بِنَسَبِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حِفْظِ اللَّهِ لِلنَّسَبِ الشَّرِيفِ حَتَّى خَرَجَ ﷺ مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ. وَيُؤَصِّلُ لِفِكْرَةِ أَنَّ العَرَبَ كَانُوا هُمُ الوِعَاءُ الأَوَّلُ لِهَذَا الوَحْيِ لِمَا تَمَيَّزُوا بِهِ مِنْ سَلَامَةِ الفِطْرَةِ وَبَلَاغَةِ اللِّسَانِ الَّتِي اسْتَوْعَبَتْ كَلَامَ اللَّهِ. وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مُكَلَّفٌ بِالبَلَاغِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ وَأَدَّى الأَمَانَةَ عَلَى أَتَمِّ وَجْهٍ، فَلَا يُوجَدُ خَيْرٌ إِلَّا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ. وَيَرَى أَنَّ التَّقْصِيرَ فِي مَعْرِفَةِ أَطْوَارِ دَعْوَتِهِ ﷺ يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَكَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِهَا عَلَى الوَاقِعِ المُعَاصِرِ. (4)

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ لِمَفْهُومِ "النَّذَارَةِ وَالبِشَارَةِ" الَّتِي جَاءَتْ بِهَا سُورَةُ المُدَّثِّرِ، مُبَيِّنًا أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلَ البَلَاغَ مَنُوطًا بِهِ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ. وَيُحَقِّقُ فِي مَعْنَى الِاسْتِسْلَامِ النَّبَوِيِّ الَّذِي رَبَّى عَلَيْهِ الصَّحَابَةَ فِي مَكَّةَ، حَيْثُ كَانَ التَّوْحِيدُ قَوْلًا وَعَمَلًا وَصَبْرًا عَلَى المَكَارِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَعْرِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاشْتِقَاقِ وَالحَدِّ تُعِينُ الطَّالِبَ عَلَى دَفْعِ شُبُهَاتِ المُبْطِلِينَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ تَمْيِيعَ مَقَامِ النُّبُوَّةِ أَوْ حَصْرَهَا فِي زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ. وَيُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ وَصْفَ "العَبْدِ المُّبَلِّغِ" هُوَ العَاصِمُ مِنَ الغُلُوِّ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الأُمَمُ السَّابِقَةُ مَعَ أَنْبِيَائِهِمْ، مِمَّا جَعَلَ شَرِيعَتَنَا أَحْرَصَ الشَّرَائِعِ عَلَى جَنَابِ التَّوْحِيدِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ السَّنَوَاتِ العَشْرَ فِي المَدِينَةِ كَانَتْ بَيَانًا لِعَظَمَةِ هَذَا الدِّينِ فِي تَظْهِيرِ المُجْتَمَعِ وَبِنَاءِ النُّظُمِ العَادِلَةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ لَا عَلَى أَهْوَاءِ البَشَرِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ حَقَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ هُوَ الِاتِّبَاعُ الصَّادِقُ المَبْنِيُّ عَلَى المَعْرِفَةِ اليَقِينِيَّةِ بِسِيرَتِهِ وَنَسَبِهِ وَمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَالحِكْمَةِ. (5)

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) يُنْظَرُ: زَادُ المَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ العِبَادِ (ابْنُ القَيِّمِ) 1/78؛ وَالبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ (ابْنُ كَثِيرٍ) 3/10 فِي تَفْصِيلِ أَعْوَامِ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ.

(2) التَّأْصِيلُ لِتَسَلْسُلِ الوَحْيِ يُبَيِّنُ رَحْمَةَ اللَّهِ بِالبَشَرِ فِي التَّدَرُّجِ مَعَهُمْ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ قَوَاعِدُ المِلَّةِ. يُنْظَرُ: جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ لِابْنِ رَجَبٍ، ص: 45.

(3) يُنْظَرُ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، ص: 152-155، ط. دَارِ الثُّرَيَّا.

(4) يُنْظَرُ: المَنْهَجُ العِلْمِيُّ لِدِرَاسَةِ العَقِيدَةِ (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ) ص: 140-142، فِي بَحْثِ خَصَائِصِ الرِّسَالَةِ.

(5) يُنْظَرُ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (صَوْتِيٌّ) لِلشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٌّ، الدَّرْسُ الرَّابِعُ، تَحْقِيقُ مَقَامِ البَلَاغِ.

(6) نُبِّئَ ﷺ بِـ (اقْرَأْ) وَأُرْسِلَ بِـ (المُدَّثِّرِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى لُزُومِ العِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَهُوَ مَا صَدَّرَ بِهِ المُؤَلِّفُ رِسَالَتَهُ.

(7) الخَتْمُ بِالنُّبُوَّةِ المُّحَمَّدِيَّةِ يَقْتَضِي عَدَمَ قَبُولِ أَيِّ دَعْوَى نُبُوَّةٍ بَعْدَهُ، وَمَنْ صَدَّقَ كَذَّاباً بَعْدَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.

------------------------------(١٢)------------------------------

الوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ (13)

[أَصْلُ الدِّينِ وَقَاعِدَتُهُ: بَيَانُ المَأْمُورِ بِهِ وَالمَنْهِيِّ عَنْهُ]

أَوَّلًا: مَتْنُ الرِّسَالَةِ (الفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «أَصْلُ الدِّينِ وَقَاعِدَتُهُ أَمْرَانِ: الأَوَّلُ: الأَمْرُ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالتَّحْرِيضُ عَلَى ذَلِكَ، وَالمُّوَالاةُ فِيهِ، وَتَكْفِيرُ مَنْ تَرَكَهُ. الثَّانِي: الإِنْذَارُ عَنِ الشِّرْكِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَالتَّغْلِيظُ فِي ذَلِكَ، وَالمُّعَادَاةُ فِيهِ، وَتَكْفِيرُ مَنْ فَعَلَهُ».

ثَانِيًا: مَقَامُ المُّقَابَلَةِ وَالتَّحْقِيقِ

بِالمُّقَابَلَةِ بَيْنَ (نُسْخَةِ مَكْنِزٍ المُّعْتَمَدَةِ) وَ (مَخْطُوطَةِ ابْنِ قَاسِمٍ)، وُجِدَ أَنَّ مَكْنِزاً أَثْبَتَتْ لَفْظَ «أَمْرَانِ» بَعْدَ «قَاعِدَتُهُ»، وَهُوَ الأَصَحُّ لِيَسْتَقِيمَ التَّقْسِيمُ بَعْدَهُ (أَوَّلًا وَثَانِيًا). كَمَا جَاءَ فِي نُسْخَةِ ابْنِ قَاسِمٍ «وَالمُّوَالاةُ لِأَجْلِهِ»، بَيْنَمَا أَثْبَتَتْ مَكْنِزٌ وَبَقِيَّةُ المَّخْطُوطَاتِ النَّجْدِيَّةِ المُّعْتَبَرَةِ «وَالمُّوَالاةُ فِيهِ»، وَهُوَ الأَوْلَى لِأَنَّ الظَّرْفِيَّةَ هُنَا تَشْمَلُ الذَّاتَ وَالفِعْلَ وَالمَّنْهَجَ. وَفِي خِتَامِ الفَقْرَةِ الثَّانِيَةِ، أَثْبَتَتِ المَّخْطُوطَاتُ لَفْظَ «فَعَلَهُ» بَدَلًا مِنْ «ارْتَكَبَهُ»، تَمَاشِياً مَعَ الِاخْتِصَارِ غَيْرِ المُّخِلِّ الَّذِي عُرِفَ بِهِ المُؤَلِّفُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ.

ثَالِثًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ لِمُفْرَدَاتِ المَتْنِ (11 مُفْرَدَةً)

الأَصْلُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ (أَصَلَ) أَيْ ثَبَتَ، وَهُوَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ

 وَحَدُّهُ: الرُّكْنُ الَّذِي لَا يَصِحُّ الشَّيْءُ إِلَّا بِهِ.

الدِّينُ: اشْتِقَاقُهُ مِنْ (دَانَ) أَيْ خَضَعَ وَذَلَّ

 وَحَدُّهُ الجَامِعُ: الِانْقِيَادُ التَّامُّ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَتَرْكِ المَّعْصِيَةِ.

القَاعِدَةُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ (قَعَدَ) وَهِيَ أَسَاسُ البِنَاءِ

 وَحَدُّهَا: الأَمْرُ الكُلِّيُّ المُّنْطَبِقُ عَلَى جَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ.

العِبَادَةُ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (التَّعْبِيدِ) وَهُوَ التَّذْلِيلُ

وَحَدُّهَا: اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ.

التَّحْرِيضُ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الحَرَضِ) وَهُوَ الهَلَاكُ

 وَحَدُّهُ: الحَثُّ الشَّدِيدُ لِدَفْعِ التَّهَاوُنِ وَإِقَامَةِ الهِمَّةِ لِلتَّوْحِيدِ.

المُّوَالاةُ: اشْتِقَاقُهَا مِنَ (الوَلْيِ) وَهُوَ القُرْبُ

 وَحَدُّهَا: المَحَبَّةُ وَالنُّصْرَةُ وَالإِعْزَازُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ لِأَجْلِ طَاعَتِهِمْ.

التَّكْفِيرُ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الكَفْرِ) وَهُوَ السَّتْرُ

 وَحَدُّهُ: الحُكْمُ بِخُرُوجِ المَّرْءِ عَنِ المِلَّةِ لِارْتِكَابِ نَاقِضٍ.

تَرَكَهُ (التَّرْكُ): اشْتِقَاقُهُ مِنَ التَّخْلِيَةِ

 وَحَدُّهُ: الإِعْرَاضُ عَنِ المَّأْمُورِ بِهِ (التَّوْحِيدِ) بِالقَلْبِ أَوْ القَوْلِ أَوْ العَمَلِ.

الإِنْذَارُ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الإِعْلَامِ

 وَحَدُّهُ: الإِخْبَارُ بِمَا فِيهِ تَخْوِيفٌ لِيَحْذَرَ المُّنْذَرُ الهَلَاكَ المُّحَقَّقَ.

الشِّرْكُ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (المُّشَارَكَةِ)

 وَحَدُّهُ الجَامِعُ: مُّسَاوَاةُ المَّخْلُوقِ بِالخَالِقِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوِ الأُلُوهِيَّةِ.

التَّغْلِيظُ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الغِلَظِ) ضِدُّ الرِّقَّةِ

 وَحَدُّهُ: الشِّدَّةُ فِي المَّقَالِ وَالنَّكِيرِ لِعِظَمِ الجُرْمِ المَّنْهِيِّ عَنْهُ. (1)

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ مَقَامَ "أَصْلِ الدِّينِ" عِنْدَ الإِمَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُومُ عَلَى نَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ، وَهُمَا رُكْنَا الشَّهَادَةِ؛ فَمَنْ لَمْ يَأْمُرْ بِالتَّوْحِيدِ وَيُحَرِّضْ عَلَيْهِ فَلَمْ يُحَقِّقِ الإِثْبَاتَ، وَمَنْ لَمْ يُنْذِرْ عَنِ الشِّرْكِ وَيُغَلِّظْ فِيهِ فَلَمْ يُحَقِّقِ النَّفْيَ.

 وتحقيق أَنَّ ذِكْرَ "التَّكْفِيرِ" عَقِبَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوْحِيدَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَهَا حُدُودٌ، فَمَنْ نَقَضَهَا بِتَرْكٍ أَوْ فِعْلٍ خَرَجَ عَنْ مُّسَمَّى الإِسْلَامِ. 

وَقَوْلُهُ «تَكْفِيرُ مَنْ تَرَكَهُ» يَقْصِدُ بِهِ جِنْسَ الإِعْرَاضِ الكُلِّيِّ، بَيْنَمَا «تَكْفِيرُ مَنْ فَعَلَهُ» يَعْنِي ارْتِكَابَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ تَوْحِيداً بِلَا بَرَاءَةٍ، أَوْ إِسْلَاماً يَقْبَلُ الشَّرِيكَ مَعَ الخَالِقِ بِحُجَّةِ الجَهْلِ المُّطْلَقِ، فَالْمُؤَلِّفُ هُنَا يَرْسُمُ خَطّاً فَاصِلاً بَيْنَ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ وَبَيْنَ جَاهِلِيَّةِ المُّشْرِكِينَ.

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ القَاعِدَةَ هِيَ "رَأْسُ المَالِ" لِلْمُسْلِمِ، فَمَنْ فَرَّطَ فِيهَا فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ. وَيُشَرِّحُ مَعْنَى "التَّحْرِيضِ" بِأَنَّهُ اسْتِنْهَاضٌ لِلْقُلُوبِ لِتَعْلَقَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ الإِخْبَارِ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الدَّفْعِ القَوِيِّ لِلتَّوْحِيدِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "المُّوَالاةَ فِيهِ" تَعْنِي أَنَّ رَابِطَةَ العَقِيدَةِ تَعْلُو عَلَى القَرَابَةِ وَالوَطَنِ، فَالْمُوَحِّدُ وَلِيُّكَ وَإِنْ بَعُدَ مَكَانُهُ. كَمَا يَرَى أَنَّ التَّغْلِيظَ فِي الشِّرْكِ ضَرُورَةٌ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَمِيلُ لِلتَّنَدُّدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ زَجْرٍ بَلِيغٍ يَكْشِفُ قُبْحَ مُّسَاوَاةِ المَّخْلُوقِ بِالمَّلِكِ الحَقِّ. وَيُحَقِّقُ أَنَّ تَكْفِيرَ مَنْ فَعَلَ الشِّرْكَ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ الظَّاهِرُ، وَأَنَّ تَنْزِيلَهُ عَلَى العَيْنِ يَتَطَلَّبُ بَيَانَ الحُجَّةِ المُّسْتَمَدَّةِ مِنَ الوَحْيِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ هَذِهِ الفَقْرَةَ هِيَ "مِيزَانُ الدَّعْوَةِ" فَمَنْ خَالَفَهَا صَارَ دَاعِيَةً لِلتَّمْيِيعِ لَا لِلتَّوْحِيدِ الصَّافِي الَّذِي جَاءَ بِهِ الرُّسُلُ. (2)

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُرَكِّزُ التَّمِيمِيُّ عَلَى أَنَّ "أَصْلَ الدِّينِ" يَكْمُنُ فِي مُّخَالَفَةِ المُشْرِكِينَ فِي أَصْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَهُوَ عَدَمُ البَرَاءَةِ. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "تَكْفِيرِ مَنْ تَرَكَهُ" بِأَنَّهُ إِجْمَاعُ السَّلَفِ فِي كُفْرِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الإِسْلَامِ بِشَرْطِهِ الصَّحِيحِ. وَيَرَى أَنَّ "المُّعَادَاةَ فِيهِ" لَيْسَتْ طَلَباً لِلْفِتْنَةِ، بَلْ هِيَ تَحْقِيقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾ حَتَّى يُوَحِّدُوا اللَّهَ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّغْلِيظَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَقْرُوناً بِالعِلْمِ لِيُؤْتِيَ ثَمَرَتَهُ فِي نُفُوسِ الخَلْقِ، فَالشِّدَّةُ فِي مَحَلِّهَا رَحْمَةٌ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ لَمْ يَعْرِفْ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" مَعْرِفَةً حَقِيقِيَّةً تَنْفَعُهُ. وَيَرَى أَنَّ جَمْعَ المُؤَلِّفِ بَيْنَ هَذِهِ العَنَاصِرِ الثَّمَانِيَةِ هُوَ حَصْرٌ لِوَاجِبَاتِ المُّكَلَّفِ تِجَاهَ التَّوْحِيدِ وَمَا يُضَادُّهُ مِنَ الشِّرْكِ المُّبِينِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ التَّكْفِيرَ هُنَا حُكْمٌ لِلتَّوْحِيدِ وَصِيَانَةٌ لَهُ مِنَ الِانْدِرَاسِ وَسَطَ رُكَامِ الجَاهِلِيَّةِ المُّتَجَدِّدَةِ. (3)

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُؤَصِّلُ سِنْدِيٌّ لِقَوْلِ المُؤَلِّفِ "أَصْلُ الدِّينِ" بِأَنَّهُ الوَاجِبُ الأَوَّلُ وَالآخِرُ، وَأَنَّ مَنْ غَابَ عَنْهُ هَذَا الوَصْفُ ضَلَّ سَعْيُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "المُّوَالاةِ" مُبَيِّناً أَنَّهَا أَصْلُ عَمَلِ القَلْبِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، فَالْمُسْلِمُ يَأْرِزُ إِلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ. وَيَرَى أَنَّ "تَكْفِيرَ مَنْ فَعَلَهُ" يَعْنِي بَيَانَ عِظَمِ النَّاقِضِ، مَعَ ضَبْطِ تَنْزِيلِهِ بِقَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ بَابُ الغُلُوِّ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "التَّحْرِيضَ" يَكُونُ بِالتَّرْغِيبِ فِي المَّثُوبَةِ، وَ "التَّغْلِيظَ" يَكُونُ بِالتَّرْهِيبِ مِنَ العُقُوبَةِ، وَهُمَا مَنْهَجُ القُرْآنِ الكَرِيمِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَنْ فَقَدَ مَقَامَ "المُّعَادَاةِ فِي الشِّرْكِ" فَقَدْ فَقَدَ فُرْقَانَهُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَصَارَ عُرْضَةً لِلتَّأَثُّرِ بِكُلِّ نَاعِقٍ. وَيَرَى أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الوَهَّابِ أَرَادَ إِحْيَاءَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَتْ غَرِيبَةً بَيْنَ النَّاسِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ تَكْفِيرَ المُّشْرِكِينَ هُوَ مِنْ تَمَامِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ. (4)

------------------------؛:------------&

سَادِسًا: حَاشِيَةُ المَّصَادِرِ وَالنِّكَاتِ الشَّرْعِيَّةِ

١-مَصَادِرُ المُّفْرَدَاتِ: (الأَصْلُ وَالشِّرْكُ): مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (1/109، 3/265)، (الدِّينُ): لِسَانُ العَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (13/166)، (العِبَادَةُ وَالمُّوَالاةُ): مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (310، 533)، (التَّحْرِيضُ وَالتَّغْلِيظُ): القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 801، 1121).

٢-تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ص: 50-52، ط. 1، دَارُ الثُّرَيَّا، 1420هـ.

٣-تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ فِي العَقِيدَةِ، ص: 34-36، ط. 2، دَارُ المُّسْلِمِ، 1418هـ.

٤-تَقْرِيرُ سِنْدِيٍّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ صَوْتِيَّةٍ)، الدَّرْسُ الخَامِسُ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.

٥-نُكْتَةٌ: تَقْدِيمُ "الأَصْلِ" عَلَى "القَاعِدَةِ" لِأَنَّ الأَصْلَ هُوَ المَّنْبَعُ وَالقَاعِدَةَ هِيَ الضَّابِطُ الكُلِّيُّ لِلْمَّنْبَعِ.

٦-قَاعِدَةٌ: كُلُّ أَمْرٍ بِالتَّوْحِيدِ يَتَضَمَّنُ نَهْياً عَنِ الشِّرْكِ، وَلَكِنَّ المُؤَلِّفَ صَرَّحَ بِهِمَا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّغْلِيظِ.

٧-ضَابِطٌ: التَّكْفِيرُ فِي قَوْلِهِ «تَرَكَهُ» هُوَ تَكْفِيرُ نَوْعٍ ابْتِدَاءً، وَلَا يَصِيرُ عَيْناً إِلَّا بِبُلُوغِ الحُجَّةِ.

٨-نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: «المُّوَالاةُ فِيهِ» جَاءَتْ بِحَرْفِ (فِي) لِتَدُلَّ عَلَى الِانْغِمَاسِ فِي مَحَبَّةِ التَّوْحِيدِ وَأَهْلِهِ.

٩-قَاعِدَةٌ: لَا يَصِحُّ بَرَاءٌ بِلَا عَدَاوَةٍ قَلْبِيَّةٍ لِلْبَاطِلِ، وَلَا يَصِحُّ وَلَاءٌ بِلَا مَحَبَّةٍ قَلْبِيَّةٍ لِلْحَقِّ.

١٠فَائِدَةٌ: سَمَّى الشِّرْكَ "فِعْلًا" وَالتَّوْحِيدَ "تَرْكاً لِلشِّرْكِ" فِي بَعْضِ المَّوَاضِعِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الشِّرْكَ حَادِثٌ وَالتَّوْحِيدَ أَصْلٌ.

١١-نُكْتَةٌ: تَقَابُلُ (التَّحْرِيضِ) مَعَ (التَّغْلِيظِ) يُشِيرُ إِلَى كَمَالِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

١٢-ضَابِطٌ: مَنْ وَالَى الكُفَّارَ لِدِينِهِمْ كَفَرَ، وَمَنْ وَالَاهُمْ لِدُنْيَاهُمْ عَصَى وَلَمْ يَكْفُرْ؛ وَهَذَا تَفْصِيلُ المُّوَالاةِ.

١٣-قَاعِدَةٌ: الإِنْذَارُ يَسْبِقُ العُقُوبَةَ؛ فَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الإِنْذَارُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الفَتْرَةِ.

١٤-نُكْتَةٌ: خَصَّ "عِبَادَةَ اللَّهِ" بِالإِنْذَارِ لِأَنَّ الشِّرْكَ لَا يَقَعُ إِلَّا فِيهَا، أَمَّا المَّحْضُ فَهُوَ لِلَّهِ.

١٥-ضَابِطٌ جَامِعٌ: أَصْلُ الدِّينِ مَنُوطٌ بِالظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، فَمَنْ حَقَّقَهُمَا فَقَدْ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ.

١٦- يقتضي مقام البحث البدء ببيان مفردة (المُّوَالاةُ)؛ وهي في الاشتقاق من (الوَلْيِ) بمعنى القرب

 وفي الحد الجامع هي: "محبة أوليائه ونصرتهم وإعزازهم لأجل دينهم". 

وهي تنقسم إلى قسمين:

 الأول: التولي الكبري، وهو محبة الكفار لدينهم أو نصرتهم على المسلمين نصرة تُظهِر كفرهم، وهذا كفر ناقل عن الملة. 

الثاني: المُّوَالاةُ الصغرى، وهي الركون إليهم لدنيا أو قرابة مع بغض دينهم، وهذا "كفر دون كفر" ومعصية لا تُخرج من الملة. 

وأما (تَكْفِيرُ مَنْ تَرَكَهُ)؛ فالمراد به هنا "تكفير النوع" عند التقعيد للأصل، أي أن جنس من ترك التوحيد كافر، أما في "المعين" فلا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع والشيخ هنا يؤصل للقاعدة الكلية التي لا يقوم الدين إلا بها. 

------------------------------(١٣)-------------------------------

الوَجْهُ الرَّابِعَ عَشَرَ (14)

[المُتَمِّمُ الأَوَّلُ: شُرُوطُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ - العِلْمُ]

أَوَّلًا: مَتْنُ الرِّسَالَةِ (الفَقْرَةُ الخَامِسَةُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «شُرُوطُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): الأَوَّلُ: العِلْمُ بِمَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.

 الثَّانِي: اليَقِينُ؛ وَهُوَ إِكْمَالُ العِلْمِ بِهَا المُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ. الثَّالِثُ: الإِخْلَاصُ المُنَافِي لِلشِّرْكِ. الرَّابِعُ: الصِّدْقُ المُنَافِي لِلْكَذِبِ.

 الخَامِسُ: المَحَبَّةُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالسُّرُورُ بِذَلِكَ. 

السَّادِسُ: الِانْقِيَادُ لِحُقُوقِهَا؛ وَهِيَ الأَعْمَالُ الوَاجِبَةُ، إِخْلَاصًا لِلَّهِ وَطَلَبًا لِمَرْضَاتِهِ.

 السَّابِعُ: القَبُولُ المُنَافِي لِلرَّدِّ».

ثَانِيًا: مَقَامُ المُّقَابَلَةِ وَالتَّحْقِيقِ

بِالمُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ، نَجِدُ أَنَّ (نُسْخَةَ مَكْنِزٍ) أَثْبَتَتْ «وَالسُّرُورُ بِذَلِكَ» فِي شَرْطِ المَحَبَّةِ، بَيْنَمَا سَقَطَتْ فِي بَعْضِ المَّخْطُوطَاتِ النَّجْدِيَّةِ. 

وَفِي شَرْطِ الِانْقِيَادِ، جَاءَ فِي نُسْخَةِ (ابْنِ قَاسِمٍ) «وَهِيَ الأَعْمَالُ المَّفْرُوضَةُ»، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لَفْظَ «الوَاجِبَةُ» فِي مَكْنِزٍ أَشْمَلُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى مَا يَجِبُ قَلْبِيًّا وَعَمَلِيًّا. 

كَمَا انْفَرَدَتْ بَعْضُ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ "القَبُولِ" عَلَى "الِانْقِيَادِ"، وَالصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ هُنَا؛ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ عَمَلٌ وَالقَبُولَ قَوْلٌ وَاعْتِقَادٌ، وَالعَمَلُ ثَمَرَةٌ.

ثَالِثًا: التَّحْرِيْرُ اللَّفْظِيُّ لِمُفْرَدَاتِ الشَّرْطِ الأَوَّلِ

1. العِلْمُ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (عَلَمَ) أَيْ مَيَّزَ، وَالعَلَامَةُ مَا يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى الشَّيْءِ (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.

أَقْسَامُهُ:

١-(علم وَاجِبٌ)  (فَرْضُ عَيْنٍ): وَهُوَ مَا لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ كَمَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ. 

٢-(فَرْضُ كِفَايَةٍ): التَّبَحُّرُ فِي دَقَائِقِ المَسَائِلِ. 

: . (مُسْتَحَبٌّ): مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فُضُولِ العِلْمِ.

2. النَّفْيُ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (نَفَى) أَيْ طَرَدَ وَتَنَحَّى عَنِ الشَّيْءِ (2).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِسْقَاطُ الحُكْمِ عَنِ المَّحْكُومِ عَلَيْهِ؛ وَالمُّرَادُ هُنَا نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ.

3. الإِثْبَاتُ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (ثَبَتَ) أَيْ دَامَ وَاسْتَقَرَّ (3).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِيجَابُ الحُكْمِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ؛ وَالمُّرَادُ هُنَا إِثْبَاتُ الأُلُوهِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

رَابِعًا: اسْتِنْبَاطُ القَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ مِنَ النَّصِّ

قَاعِدَةُ التَّلَازُمِ: لَا يَنْفَعُ قَوْلُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) إِلَّا بِاجْتِمَاعِ شُرُوطِهَا السَّبْعَةِ، فَهِيَ كَأَسْنَانِ المِفْتَاحِ.

ضَابِطُ العِلْمِ: العِلْمُ المَّطْلُوبُ هُنَا هُوَ المُّنَافِي لِلْجَهْلِ، فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَعْنَاهَا لَمْ تَنْفَعْهُ.

قَاعِدَةُ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ: التَّوْحِيدُ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى رُكْنَيْنِ (كُفْرٌ بِالطَّاغُوتِ - نَفْيٌ) وَ (إِيمَانٌ بِاللَّهِ - إِثْبَاتٌ).

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ:)

إِنَّ تَقْدِيمَ المُؤَلِّفِ لِلْعِلْمِ عَلَى سَائِرِ الشُّرُوطِ هُوَ تَقْدِيمٌ مَنْطِقِيٌّ وَشَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ العِلْمَ هُوَ أَصْلُ كُلِّ عَمَلٍ، وَلَا يُمْكِنُ لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَوْ يُخْلِصَ لِشَيْءٍ يَجْهَلُهُ. وَتَحْقِيقِي لِهَذَا المَّقَامِ أَنَّ العِلْمَ بِمَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يَقْتَضِي العِلْمَ بِبُطْلَانِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَهَذَا هُوَ "النَّفْيُ"، ثُمَّ العِلْمَ بِاسْتِحْقَاقِ اللَّهِ وَحْدَهُ لِلْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ "الإِثْبَاتُ".

 وَبَعْضُ النَّاسِ يَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ النُّطْقِ كَافٍ، وَهَذَا خَطَأٌ عَظِيمٌ؛ فَالْمُشْرِكُونَ الأَوَّلُونَ كَانُوا أَعْلَمَ بِمَعْنَى هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ مُسْلِمِي الزَّمَانِ، لِذَلِكَ أَبَوْا أَنْ يَقُولُوهَا لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّهَا تَهْدِمُ أَوْثَانَهُمْ. فَالْعِلْمُ هُنَا هُوَ "مِفْتَاحُ الدُّخُولِ" إِلَى صِحَّةِ الإِيمَانِ.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ 

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (4):

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ العِلْمَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى المُّكَلَّفِ، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا العِلْمَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ نَافِيًا لِلْجَهْلِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الكَثِيرُونَ حِينَ يَصْرِفُونَ العِبَادَةَ لِلْقُبُورِ وَهُمْ يَنْطِقُونَ بِالتَّوْحِيدِ. وَيُقَسِّمُ العِلْمَ إِلَى مَعْرِفَةِ المَّعْنَى وَمَعْرِفَةِ المُّقْتَضَى؛ فَالْمَعْنَى هُوَ أَنْ لَا مَّعْبُودَ حَقٌّ إِلَّا اللَّهُ، وَالمُّقْتَضَى هُوَ العَمَلُ بِمُوجِبِ ذَلِكَ. وَيَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ الشَّهَادَةَ عَنْ جَهْلٍ بِمَعْنَاهَا كَانَ كَمَنْ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَا يَفْهَمُهَا، فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَوْلِهِ أَثَرٌ فِي قَلْبِهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ العِلْمَ هُوَ البِذْرَةُ الَّتِي تَنْبُتُ مِنْهَا بَقِيَّةُ الشُّرُوطِ كَالصِّدْقِ وَاليَقِينِ، فَمَنْ صَحَّ عِلْمُهُ صَحَّ سَائِرُ شُرُوطِهِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ العِلْمَ المُّعْتَبَرَ شَرْعًا هُوَ مَا أَوْرَثَ الخَشْيَةَ وَالِانْقِيَادَ، لَا مُجَرَّدَ المَّعْلُومَاتِ الذِّهْنِيَّةِ البَارِدَةِ.

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (5):

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِشَرْطِ العِلْمِ بِأَنَّهُ "قَائِدُ الشُّرُوطِ"، حَيْثُ لَا يُمْكِنُ تَصَوُّرُ يَقِينٍ أَوْ إِخْلَاصٍ لِمَجْهُولٍ. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ بِأَنَّهُمَا جَنَاحَا التَّوْحِيدِ، فَمَنْ أَثْبَتَ دُونَ نَفْيٍ فَهُوَ مُّشْرِكٌ، وَمَنْ نَفَى دُونَ إِثْبَاتٍ فَهُوَ مُّعَطِّلٌ. وَيَرَى أَنَّ العِلْمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ نَوَاقِضِهَا لِيُجْتَنَبَ الوُقُوعُ فِيهَا، فَالْمُوَحِّدُ الحَقُّ هُوَ مَنْ عَرَفَ الشَّرَّ لِيَتَّقِيَهُ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ العِلْمَ عِنْدَ السَّلَفِ لَيْسَ هُوَ حِفْظَ التَّعَارِيفِ، بَلْ هُوَ وُقُوفُ القَلْبِ عَلَى عَظَمَةِ المَّعْبُودِ وَانْفِرَادِهِ بِالخَلْقِ وَالأَمْرِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ هُوَ الفَارِقُ بَيْنَ المُّؤْمِنِ الصَّادِقِ وَبَيْنَ مَنْ يَنْطِقُ بِهَا تَقْلِيدًا أَوْ عَرَضًا دُونَ فَهْمٍ لِحَقِيقَتِهَا. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ العِلْمَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ القَلْبِ طَرَدَ شُبُهَاتِ الشِّرْكِ كَمَا يَطْرَدُ الضِّيَاءُ الظَّلَامَ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ تَقْدِيمِهِ فِي مَتْنِ الأُصُولِ.

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ (6):

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي شَرْطِ العِلْمِ بِأَنَّهُ "شَرْطُ الصِّحَّةِ الأَوَّلُ"، فَكُلُّ مَا يُبْنَى عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ هَبَاءٌ مَّنْثُورٌ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ العِلْمَ بِمَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هُوَ أَفْضَلُ العُلُومِ عَلَى الإِطْلَاقِ، لِأَنَّ شَرَفَ العِلْمِ بِشَرَفِ المَّعْلُومِ. وَيُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ بِأَنَّهَا المِيزَانُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ لِتَحْطِيمِ الأَنْدَادِ فِي القُلُوبِ قَبْلَ الأَبْدَانِ. وَيَرَى أَنَّ العِلْمَ لَا يَكُونُ نَافِعًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَقْرُونًا بِالعَمَلِ، فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ المَّعْبُودُ الحَقُّ ثُمَّ لَمْ يَنْقَدْ لَهُ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ عِلْمِهِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ قَوْلِ مَنْ حَصَرَ العِلْمَ فِي مُجَرَّدِ الإِدْرَاكِ العَقْلِيِّ، بَلْ هُوَ إِذْعَانُ القَلْبِ لِمَا عَلِمَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ هُوَ الَّذِي يُصَحِّحُ مَسَارَ العَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَيُثَبِّتُهُ عِنْدَ سُؤَالِ المَّلَكَيْنِ فِي قَبْرِهِ، حَيْثُ لَا يَنْفَعُ إِلَّا العِلْمُ اليَقِينِيُّ الصَّادِقُ.

--------------------------------------------&

 حَاشِيَةُ

١-العِلْمُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (4/109)، ط. دَارُ الفِكْرِ.

٢-النَّفْيُ: لِسَانُ العَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (15/338)، ط. دَارُ صَادِرٍ.

٣-الإِثْبَاتُ: المُّصْبَاحُ المُّنِيرُ لِلْفَيُّومِيِّ (1/76)، ط. المَكْتَبَةُ العِلْمِيَّةُ.

٤-تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ص: 54-56، ط. 1، دَارُ الثُّرَيَّا، 1420هـ.

٥-تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ فِي العَقِيدَةِ، ص: 42-45، ط. 2، دَارُ المُّسْلِمِ، 1418هـ.

٦-تَقْرِيرُ سِنْدِيٍّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ مَوْقِعِ الشَّيْخِ الرَّسْمِيِّ)، الدَّرْسُ السَّادِسُ.

٧-نُكْتَةٌ: لِمَاذَا نَفَى قَبْلَ أَنْ يُثْبِتَ؟ لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ تَقْدُمُ التَّحْلِيَةَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَنْظِيفِ المَّحَلِّ مِنَ الأَقْذَارِ الشِّرْكِيَّةِ لِيَسْتَقِرَّ فِيهِ نُورُ التَّوْحِيدِ.

٨-قَاعِدَةٌ: العِلْمُ بِالنَّفْيِ لَا يَنْفَعُ بِلَا إِثْبَاتٍ (تَعْطِيلٌ)، وَالعِلْمُ بِالإِثْبَاتِ لَا يَنْفَعُ بِلَا نَفْيٍ (تَشْرِيكٌ).

٩-ضَابِطٌ: مَنْ لَمْ يَعْلَمْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِلْمًا يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ المَّعْبُودِ وَالعَابِدِ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ.

١٠-فَائِدَةٌ: سَمَّى المُؤَلِّفُ العِلْمَ شَرْطًا لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ، فَلَا وُجُودَ لِلتَّوْحِيدِ مَعَ الجَهْلِ المُّطْلَقِ.

١١-نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: «بِمَعْنَاهَا» البَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ عِلْمًا مُلَابِسًا لِلْفَهْمِ الحَقِيقِيِّ لَا مُجَرَّدَ حِكَايَةِ اللَّفْظِ.

١٢-ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: أَهْلُ الكَلَامِ فَسَّرُوا العِلْمَ بِأَنَّهُ القُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَهَذَا خَطَأٌ؛ بَلْ هُوَ العِلْمُ بِأَنَّهُ لَا مَّعْبُودَ حَقٌّ إِلَّا اللَّهُ.

١٣-قَاعِدَةٌ: كُلَّمَا زَادَ العِلْمُ بِاللَّهِ، زَادَ التَّحْقِيقُ لِمَقَامِ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ.

١٤-فَائِدَةٌ: المُّسْتَكْبِرُ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ، وَالجَاهِلُ لَمْ يَعْلَمْ ابْتِدَاءً، وَكِلَاهُمَا لَمْ يُحَقِّقِ الشَّرْطَ.

١٥-نُكْتَةٌ: الحِكْمَةُ مِنْ جَعْلِ العِلْمِ أَوَّلًا لِأَنَّهُ كَالرَّأْسِ لِلْجَسَدِ، وَبَقِيَّةُ الشُّرُوطِ كَالأَعْضَاءِ تَبَعٌ لَهُ.

--------------------------------(١٤)-----------------------------

الوَجْهُ الخَامِسُ عَشَرَ (15) - 

[المُتَمِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ: تَحْقِيقُ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَأَرْكَانِهَا]

أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ

1. الشَّرْطُ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (شَرَطَ) أَيْ أَلْزَمَ، وَالأَشْرَاطُ هِيَ العَلَامَاتُ (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ.

2. الإِلَهُ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (أَلَهَ - يَأْلَهُ - إِلَاهَةً) أَيْ عَبَدَ مَعَ الحُبِّ وَالتَّعْظِيمِ، وَالمَأْلُوهُ هُوَ المَعْبُودُ (2).

الإِعْرَابُ: (إِلَهَ): اسْمُ (لَا) النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ مَبْنِيٌّ عَلَى الفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ. (إِلَّا اللَّهُ): "إِلَّا" أَدَاةُ حَصْرٍ، وَلَفْظُ الجَلَالَةِ (اللَّهُ) بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ اسْمِ "لَا" أَوْ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.

ثَانِيًا: بَيَانُ مَعْنَى الكَلِمَةِ وَفَضْلِهَا (قُلْتُ:)

إِنَّ كَلِمَةَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ، كَمَا أَنَّهَا آخِرُ وَاجِبٍ؛ فَمَنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (3). لِذَا فَإِنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) أَعْظَمُ الوَاجِبَاتِ وَأَهَمُّهَا، وَمَعْنَاهَا: «لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ»؛ فَهِيَ نَفْيُ الأُلُوهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَإِثْبَاتُهَا كُلُّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. فَكُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا فَقَدِ اتَّخَذَهُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ بَاطِلٌ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ، فَهُوَ الَّذِي تَعْبَدُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا وَذُلًّا وَخُضُوعًا وَخَوْفًا وَتَوَكُّلًا. وَلَيْسَ لِلْقُلُوبِ سُرُورٌ وَلَا سَعَادَةٌ إِلَّا بِتَحْقِيقِ هَذَا المَعْنَى، فَإِنَّ النَّعِيمَ إِنَّمَا هُوَ فِي إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالعِبَادَةِ.

ثَالِثًا: أَرْكَانُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَدَلِيلُهَا

لِهَذِهِ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ رُكْنَانِ:

الرُّكْنُ الأَوَّلُ (النَّفْيُ): (لَا إِلَهَ)؛ وَهُوَ نَفْيُ العِبَادَةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ، وَإِبْطَالُ الشِّرْكِ، وَوُجُوبُ الكُفْرِ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي (الإِثْبَاتُ): (إِلَّا اللَّهُ)؛ وَهُوَ إِثْبَاتُ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَإِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ.

الدَّلِيلُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البَقَرَةُ: 256]؛ 

 ١- مَعْنَى الرُّكْنِ الأَوَّلِ فَهُوَ: (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) 

 ٢- وَ مَعْنَى الرُّكْنِ الثَّانِي هُوَ: (يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) .

رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ هِيَ مِفْتَاحُ دَارِ السَّلَامِ، وَأَنَّ تَفْسِيرَهَا بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ فَقَطْ خَطَأٌ عَظِيمٌ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الإِلَهَ هُوَ المَعْبُودُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، وَأَنَّ تَقْدِيرَ الخَبَرِ بِـ "حَقٌّ" هُوَ الَّذِي يَسْتَقِيمُ بِهِ مَعْنَى التَّوْحِيدِ لُغَةً وَشَرْعًا. وَيَرَى أَنَّ النَّفْيَ المَحْضَ تَعْطِيلٌ، وَالإِثْبَاتَ المَحْضَ لَا يَمْنَعُ الشِّرْكَةَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ كَمَا فِي الرُّكْنَيْنِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِغَيْرِ اللَّهِ فِي جَلْبِ النَّفْعِ أَوْ دَفْعِ الضَّرِّ هُوَ نَقْصٌ فِي تَحْقِيقِ هَذِهِ الكَلِمَةِ. وَيَرَى أَنَّ الحَيَاةَ الطَّيِّبَةَ مَرْهُونَةٌ بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ المَحْضَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهَذِهِ العُرْوَةِ فَقَدْ نَجَا مِنَ الهَلَاكِ المُّحَقَّقِ، بِشَرْطِ الصِّدْقِ وَاليَقِينِ (4).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِمَعْنَى "الإِلَهِ" بِأَنَّهُ المَعْبُودُ، مُفَصِّلًا فِي أَنَّ الرُّسُلَ جَاءُوا لِإِفْرَادِ اللَّهِ بِالتَّأَلُّهِ لَا لِمُجَرَّدِ الإِقْرَارِ بِالخَالِقِيَّةِ. وَيُحَقِّقُ فِي الرُّكْنَيْنِ بِأَنَّهُمَا حَقِيقَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَأَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِيهِمَا يَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ. وَيَرَى أَنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" تَنْفِي جَمِيعَ الوَسَائِطِ الَّتِي اتَّخَذَهَا المُشْرِكُونَ زُلْفَى إِلَى اللَّهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَقَامَ التَّأَلُّهِ هُوَ جِمَاعُ الحُبِّ وَالذُّلِّ، وَهَذَا مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. وَيُحَذِّرُ مِنْ مَسَالِكِ المُعَطِّلَةِ الَّذِينَ فَرَّغُوا مَعْنَى الأُلُوهِيَّةِ مِنْ جَوْهَرِهَا التَّعَبُّدِيِّ. وَيَرَى أَنَّ تَحْقِيقَ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ هُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِلنَّجَاةِ مِنَ الشِّرْكِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ السَّعَادَةَ القَلْبِيَّةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ المَعْبُودِ فِي القَصْدِ وَالإِرَادَةِ (5).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هِيَ أَعْظَمُ المَعْرُوفِ، وَأَنَّ الجَهْلَ بِهَا رَأْسُ كُلِّ ضَلَالٍ. وَيُفَصِّلُ فِي الرُّكْنَيْنِ مُوضِحًا أَنَّ النَّفْيَ تَطْهِيرٌ وَالإِثْبَاتَ تَعْمِيرٌ لِلسِّرِّ وَالعَلَنِ. وَيَرَى أَنَّ لَذَّةَ التَّوْحِيدِ تَفُوقُ كُلَّ لَذَّاتِ الدُّنْيَا، حَيْثُ يَسْكُنُ القَلْبُ إِلَى مَوْلَاهُ الحَقِّ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ العِبَادَةَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ، فَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ إِلَهًا بَاطِلًا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ دَعْوَةَ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ إِحْيَاءٌ لِهَذَا المَفْهُومِ الأَصِيلِ بَعْدَ انْدِرَاسِهِ. وَيَرَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَنْفَعُ إِلَّا بِعِلْمٍ يَقِينِيٍّ يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ عَمَلًا. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ كَمَالَ النَّعِيمِ مَرْهُونٌ بِإِفْرَادِ اللَّهِ بِالتَّأَلُّهِ فِي كُلِّ شُؤُونِ العَبْدِ (6).

------------------------------------------------&

حَاشِيَةُ 

(1) مَعْنَى الشَّرْطِ: لِسَانُ العَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (7/329)، القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 844).

(2) اشْتِقَاقُ الإِلَهِ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (1/127)، مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 82).

(3) فَضْلُ الكَلِمَةِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (26) عَنْ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

(4) تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ (ص: 60)، فَتَاوَى العَقِيدَةِ (1/34).

(5) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ (ص: 15-18)، تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ.

(6) تَقْرِيرُ سِنْدِيٍّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَفْرِيغُ دُرُوسٍ)، الدَّرْسُ السَّادِسُ.

(7) نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "إِلَّا اللَّهُ" بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ "إِلَهَ"، لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ المَوْجُودَ الحَقَّ هُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ.

(8) قَاعِدَةٌ: لَا تَوْحِيدَ إِلَّا بِنَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ؛ فَالنَّفْيُ المَّحْضُ تَعْطِيلٌ، وَالإِثْبَاتُ المَّحْضُ لَا يَمْنَعُ الشَّرِكَةَ.

(9) نُكْتَةٌ: سُمِّيَ "الطَّاغُوتُ" بِذَلِكَ لِتَجَاوُزِهِ الحَدَّ، وَنَفْيُهُ هُوَ أَوَّلُ مَرَاحِلِ التَّطْهِيرِ.

(10) فَائِدَةٌ: سُرُورُ القَلْبِ بِالتَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِ البَدَنِ بِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.

(11) ضَابِطٌ: "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ" تَخْرُجُ بِهَا المَعْبُودَاتُ البَاطِلَةُ الَّتِي عُبِدَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ.

(12) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: تَقْدِيمُ النَّفْيِ لِإِفَادَةِ القَصْرِ وَالحَصْرِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلَا فِي عِبَادَتِهِ.

(13) قَاعِدَةٌ: التَّأَلُّهُ مَحَبَّةً وَخَوْفًا وَرَجَاءً هُوَ لُبُّ العِبَادَةِ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.

(14) ضَابِطٌ: مَنْ قَالَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَكْفُرْ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمْ يَعْصِمْ مَالَهُ وَلَا دَمَهُ.

(15) خَاتِمَةٌ: التَّوْحِيدُ مَبْدَأُ الأَمْرِ وَمُنْتَهَاهُ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ الفَلَاحِ فِي الدَّارَيْنِ.


-----------------------------------(١٤)-----------------------

الوَجْهُ الخامس عَشَرَ (١٥) 

[المُتَمِّمُ الثَّالِثُ: شَرْطُ اليَقِينِ المُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ]

أَوَّلًا: نَصُّ الشَّرْطِ

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «الثَّانِي: اليَقِينُ؛ وَهُوَ إِكْمَالُ العِلْمِ بِهَا المُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ وَالمَرَاتِبِ

1. مُّفْرَدَةُ اليَقِينِ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: طُمَأْنِينَةُ القَلْبِ وَاسْتِقْرَارُ العِلْمِ فِيهِ بِحَيْثُ يَنْتَفِي مَعَهُ التَّرَدُّدُ وَالاضْطِرَابُ (1).

مَرَاتِبُ وَأَنْوَاعُ اليَقِينِ:

​أ- عِلْمُ اليَقِينِ: هُوَ الإِدْرَاكُ الجَازِمُ عَنْ طَرِيقِ الخَبَرِ الصَّادِقِ وَالِاسْتِدْلَالِ (كَالْعِلْمِ بِالْجَنَّةِ عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ).

​ب- عَيْنُ اليَقِينِ: هُوَ مَا أَدْرَكَهُ العَبْدُ بِحَاسَّةِ البَصَرِ وَالمُّشَاهَدَةِ (كَرُؤْيَةِ أَهْلِ المَّحْشَرِ لِلْجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ).

​ج- حَقُّ اليَقِينِ: هُوَ أَعْلَى المَرَاتِبِ، وَهُوَ مُّبَاشَرَةُ الشَّيْءِ وَمُّخَالَطَتُهُ (كَذَوْقِ أَهْلِ الجَنَّةِ لِنَعِيمِهَا بَعْدَ دُخُولِهَا).

 (أ) عِلْمُ اليَقِينِ: بِالخَبَرِ. 

(ب) عَيْنُ اليَقِينِ: بِالمُّشَاهَدَةِ.

 (ج) حَقُّ اليَقِينِ: بَالْمُّبَاشَرَةِ.

2. مُّفْرَدَةُ الشَّكِّ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: اسْتِوَاءُ طَرَفَيِ الإِدْرَاكِ (الوُقُوعِ وَالعَدَمِ) دُونَ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ (2).

3. مُّفْرَدَةُ الرَّيْبِ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِدْرَاكٌ مُّشَوَّبٌ بِقَلَقٍ وَاضْطِرَابٍ فِي النَّفْسِ يُوجِبُ تَنْفِيرَ الصَّدْرِ عَنِ المَّعْلُومِ (3).

4. الفَرْقُ بَيْنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ:

الشَّكُّ مَحْضُ تَرَدُّدٍ عَقْلِيٍّ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ

 أَمَّا الرَّيْبُ فَهُوَ شَكٌّ زَائِدٌ يَتَّصِلُ بِتَشْوِيشِ النَّفْسِ وَتَوَجُّعِ القَلْبِ، لِذَا جَاءَ نَفْيُ الرَّيْبِ عَنِ القُرْآنِ لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي نَفْيِ أَدْنَى وَسْوَسَةٍ (4).

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ

مِنَ القُرْآنِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحُجُرَات: 15].

مِنَ السُّنَّةِ: «...لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ» (5).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

تَحْقِيقِي أَنَّ اليَقِينَ هُوَ "الرُّوحُ" الَّتِي تَبُثُّ الحَيَاةَ فِي جَسَدِ العِلْمِ، فَلَا يَنْفَعُ قَوْلٌ بِلَا يَقِينٍ جَازِمٍ. وَنَفْيُ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ ضَرُورَةٌ لِاسْتِقَامَةِ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ المَّقَامَ مَّقَامُ عَقِيدَةٍ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا إِلَّا الجَزْمَ المَّحْضَ. وَاليَقِينُ هُنَا يَتَرَاقَى مِنْ مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ بِالخَبَرِ إِلَى انْشِرَاحِ الصَّدْرِ بِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي لَا نِدَّ لَهَا. وَبِقَدْرِ مَا يَدْفَعُ العَبْدُ عَنْ نَفْسِهِ خَوَاطِرَ الرَّيْبِ، يَعْلُو فِي مَرَاتِبِ عَيْنِ اليَقِينِ وَحَقِّهِ وِجْدَاناً. فَالْمُوَحِّدُ اليَقِينِيُّ كَالجَبَلِ الرَّاسِي لَا تُحَرِّكُهُ عَوَاصِفُ الشُّبُهَاتِ، لِأَنَّهُ بَنَى اعْتِقَادَهُ عَلَى أَسَاسٍ لَا يَقْبَلُ التَّزَلْزُلَ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا اليَقِينِ فِي ثَبَاتِ القَدَمِ عِنْدَ لِقَاءِ المَّلِكِ العَلَّامِ، حَيْثُ النَّجَاةُ مَرْهُونَةٌ بِصِدْقِ الِاسْتِيقَانِ (6).

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ 

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ اليَقِينَ شَرْطٌ لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ بِدُونِهِ، وَهُوَ العِلْمُ الَّذِي لَا تَرَدُّدَ مَعَهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَرَاتِبَ اليَقِينِ تَتَفَاوَتُ فِي القَلْبِ، لَكِنَّ أَصْلَهَا الوَاجِبَ هُوَ النَّفْيُ التَّامُّ لِلشَّكِّ. وَيَرَى أَنَّ تَعَلُّمَ أَدِلَّةِ التَّوْحِيدِ يَرْفَعُ العَبْدَ مِنْ رُتْبَةِ التَّقْلِيدِ إِلَى رُتْبَةِ اليَقِينِ القُرْآنيِّ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ كَمَالَ اليَقِينِ يُورِثُ كَمَالَ الِانْقِيَادِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَوَاهِيهِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ مُسْتَيْقِناً بِقَلْبِهِ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ (7).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ اليَقِينَ هُوَ حَقِيقَةُ الإِيمَانِ، وَأَنَّ الشَّكَّ هُوَ أَصْلُ النِّفَاقِ الَّذِي يَهْدِمُ العَمَلَ. وَيَرَى أَنَّ الِارْتِيَابَ فِي صِدْقِ الشَّهَادَةِ يَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنْ دُخُولِ حِصْنِ التَّوْحِيدِ المَّنِيعِ. وَيُحَقِّقُ فِي مَرَاتِبِ اليَقِينِ بِأَنَّهَا مَنَازِلُ لِلسَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ بِبَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ لَا تَكْدُرُهَا الشُّبُهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ اليَقِينَ يَقْتَضِي عِلْماً مُّحِيطاً بِمَا تَنْفِيهِ الشَّهَادَةُ وَمَا تُثْبِتُهُ مَعَ الجَزْمِ بِذَلِكَ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ اليَقِينَ هُوَ الحَيَاةُ لِلْقَلْبِ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ مَقَامُ الصِّدِّيقِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى المَّقَامَاتِ (8).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ اليَقِينَ هُوَ المَّادَّةُ الَّتِي يَقْوَى بِهَا بِنَاءُ الإِيمَانِ فِي الصُّدُورِ. وَيُفَصِّلُ فِي مَعْنَى الرَّيْبِ مُحَذِّراً مِنْ رَوَاسِبِهِ الَّتِي قَدْ تُعَلِّقُ بِالقَلْبِ فَتُضْعِفُ تَحْقِيقَ الشَّهَادَةِ. وَيَرَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ، فَمَنْ أَيْقَنَ بِبَعْضِهِ وَشَكَّ فِي بَعْضِهِ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الدَّلَائِلَ السَّمْعِيَّةَ وَالعَقْلِيَّةَ تَضَافَرَتْ لِإِيصَالِ المُّكَلَّفِ إِلَى طُمَأْنِينَةِ اليَقِينِ المَّطْلُوبَةِ شَرْعاً. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ أَهْلَ اليَقِينِ هُمُ الآمِنُونَ يَوْمَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ (9).

---------------------------------&

حَاشِيَةُ 

(1) اليَقِينُ: لِسَانُ العَرَبِ (13/457)، مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 551).

(2) الشَّكُّ: القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 1222)، مُّصْطَلَحَاتُ الأُصُولِيِّينَ.

(3) الرَّيْبُ: الكُلِّيَّاتُ لِلْكَفَوِيِّ (ص: 485)، التَّعْرِيفَاتُ لِلْجُرْجَانِيِّ.

(4) الفَرْقُ: تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (1/162)، فَتْحُ القَدِيرِ لِلشَّوْكَانِيِّ.

(5) الحَدِيثُ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ (27)، كِتَابُ الإِيمَانِ.

(6) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ أَبْحَاثِ العَقِيدَةِ وَالمَّنْهَجِ (عِمَادُ الدِّينِ).

(7) ابْنُ عُثَيْمِينَ: فَتَاوَى العَقِيدَةِ (1/54)، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ (ص: 56).

(8) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ (ص: 28)، الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ.

(9) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ (تَفْرِيغٌ).

(10) نُكْتَةٌ: اليَقِينُ لَا يُنَافِي طَلَبَ زِيَادَةِ الطُّمَأْنِينَةِ، كَمَا فِي سُؤَالِ الخَلِيلِ ﷺ.

(11) فَائِدَةٌ: مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ الكَافِرِينَ بَعْدَ اليَقِينِ بِمُوجِبَاتِ كُفْرِهِمْ فَقَدْ نَقَصَ يَقِينُهُ.

(12) ضَابِطٌ: اليَقِينُ الوَاجِبُ هُوَ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ الشُّبُهَاتُ القَادِحَةُ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ.

(13) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "يَقَنَ" مَقْلُوبُ "نَقِيَ"، لِأَنَّ اليَقِينَ يَنْقِي القَلْبَ مِنَ الكَدَرِ.

(14) قَاعِدَةٌ: كُلُّ رَيْبٍ شَكٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ شَكٍّ رَيْباً (العُمُومُ وَالخُصُوصُ).

(15) خَاتِمَةٌ: بِاليَقِينِ وَالصَّبْرِ تُنَالُ الإِمَامَةُ فِي الدِّينِ

---------------------------------(١٥)------------------------

الوَجْهُ السَّادِسُ عَشَرَ (16)

[المُتَمِّمُ الرَّابِعُ: شَرْطُ الإِخْلَاصِ المُنَافِي لِلشِّرْكِ وَالتَّنْدِيدِ]

أَوَّلًا: نَصُّ الشَّرْطِ

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «الثَّالِثُ: الإِخْلَاصُ المُنَافِي لِلشِّرْكِ».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلإِخْلَاصِ

1. مُّفْرَدَةُ الإِخْلَاصِ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (خَلَصَ) أَيْ صَفَا وَزَالَ عَنْهُ شَوْبُهُ، وَالخُلَاصَةُ هِيَ خِيَارُ الشَّيْءِ (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنْ كُلِّ شَوْبٍ يُكَدِّرُهُ، بِإِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ (2).

2. مُّفْرَدَةُ الشِّرْكِ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (شَرَكَ) وَهُوَ الِاخْتِلَاطُ وَالِاجْتِمَاعُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ (3).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى (4).

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ 

مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: 3].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البَيِّنَة: 5].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ:

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» (5).

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» (6).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

تَحْقِيقِي أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ "سِرُّ" التَّوْحِيدِ وَلُبُّهُ، إِذْ لَا يَنْفَعُ قَوْلُ الشَّهَادَةِ مَعَ وُجُودِ شَوْبِ التَّنْدِيدِ فِي القَصْدِ. وَالإِخْلَاصُ هُنَا يَعْنِي تَنْقِيَةَ هَذِهِ الكَلِمَةِ مِنْ أَدْنَى رِيَاءٍ أَوْ سُمْعَةٍ أَوْ إِرَادَةِ دُنْيَا، فَيَكُونُ البَاعِثُ عَلَيْهَا هُوَ حُبُّ اللَّهِ وَتَعْظِيمُهُ وَحْدَهُ. فَالْمُوَحِّدُ الحَقُّ هُوَ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ لِلَّهِ، فَلَا يَلْتَفِتُ لِغَيْرِهِ فِي رَغْبَةٍ وَلَا رَهْبَةٍ، حَتَّى يَكُونَ دِينُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ. وَبِهَذَا تَنْدَفِعُ الغَايَاتُ الفَانِيَةُ، وَيَبْقَى العَمَلُ صَالِحاً مُّتَقَبَّلاً عِنْدَ رَبِّ البَرِيَّةِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ. وَمَنْ فَقَدَ الإِخْلَاصَ فَقَدَ أَصْلَ القَبُولِ، وَصَارَ عَمَلُهُ هَبَاءً مَّنْثُوراً مَّهْمَا كَبُرَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ. فَلا نَجَاةَ إِلَّا بِتَوْحِيدِ المَّعْبُودِ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، نَفْياً لِلشَّرِيكِ وَإِثْبَاتاً لِلْمَلِكِ الحَقِّ المُّبِينِ (7).

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ بَاعِثُ الأَعْمَالِ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الإِخْلَاصَ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ فِي القَلْبِ مَحَلٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَةً وَتَأَلُّهاً. وَيَرَى أَنَّ حَقِيقَةَ الإِخْلَاصِ تَتَجَلَّى فِي الِاسْتِقَامَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ سِرّاً وَعَلَناً بِلَا تَلَوُّنٍ أَوْ مُّدَاهَنَةٍ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الشِّرْكَ الأَصْغَرَ يُنَافِي كَمَالَ الإِخْلَاصِ، بَيْنَمَا الشِّرْكَ الأَكْبَرَ يَهْدِمُ أَصْلَهُ وَيُبْطِلُ الشَّهَادَةَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ المَّصْفَاةُ الَّتِي تُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فِي عَمَلِ العَبْدِ (8).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ حَقِيقَةُ دِينِ الرُّسُلِ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ الفَرْقُ بَيْنَ المُّؤْمِنِ وَالمُّشْرِكِ الَّذِي يَعْبُدُ اللَّهَ وَيَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرَهُ. وَيَرَى أَنَّ الإِخْلَاصَ فِي "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يُوجِبُ تَرْكَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنَ الأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "إِبْتِغَاءِ وَجْهِ اللَّهِ" بِأَنَّهَا المِّحَكُّ الَّذِي يَكْشِفُ صِدْقَ المُّدَّعِي لِلتَّوْحِيدِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الإِخْلَاصَ يَمْنَعُ تَعَلُّقَ القَلْبِ بِالأَسْبَابِ دُونَ مُّسَبِّبِهَا، فَيَبْقَى العَبْدُ خَالِصاً لِمَوْلَاهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ أَهْلَ الإِخْلَاصِ هُمُ المُّخْلَصُونَ الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ (9).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ الإِخْلَاصَ شَرْطٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ لِأَنَّهُ يَسْلِبُهَا حُظُوظَهَا، وَلَكِنَّهُ خَفِيفٌ عَلَى مَنْ فَتَحَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ حَقِيقَةَ الإِخْلَاصِ هِيَ إِفْرَادُ المَّعْبُودِ بِالقَصْدِ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْخَلْقِ نَصِيبٌ فِي عَمَلِ المُّوَحِّدِ. وَيَرَى أَنَّ تَعَلُّمَ مَعْنَى الإِخْلَاصِ وَاقْتِفَاءَ آثَارِ السَّلَفِ فِيهِ يُقَوِّي رَابِطَةَ العَبْدِ بِرَبِّهِ وَيَحْمِيهِ مِنَ التَّنْدِيدِ الخَفِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ نُطْقَ الشَّهَادَةِ بِلَا إِخْلَاصٍ هُوَ تَلَبُّسٌ بِحَالِ المُّنَافِقِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلْقَلِيلِ مِنَ العَمَلِ وَزْناً عَظِيماً عِنْدَ اللَّهِ (10).

--------------------------------------&

 حَاشِيَةُ 

(1) اشْتِقَاقُ الإِخْلَاصِ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (2/208)، لِسَانُ العَرَبِ (4/253).

(2) مَعْنَى الإِخْلَاصِ: مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 292)، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (2/91).

(3) اشْتِقَاقُ الشِّرْكِ: القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 947)، مُّصْطَلَحَاتُ العَقِيدَةِ.

(4) مَعْنَى الشِّرْكِ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ لِلإِمَامِ المُّجَدِّدِ، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ.

(5) حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (99) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

(6) حَدِيثُ عِتْبَانَ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (425) وَمُسْلِمٌ (33) فِي مَوَاضِعَ مُّتَعَدِّدَةٍ.

(7) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ أَبْحَاثِ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي تَحْقِيقِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ.

(8) ابْنُ عُثَيْمِينَ: القَوْلُ المُّفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ (1/85)، شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ.

(9) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ (ص: 35)، رِسَالَةُ الإِخْلَاصِ.

(10) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ (تَفْرِيغٌ).

(11) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا وُصِفَ الدِّينُ بِـ "الخَالِصِ"؟ لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَهُ أَدْنَى شَوْبٍ لَمْ يَعُدْ لِلَّهِ، فَاللَّهُ لَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا خَلَصَ لَهُ.

(12) فَائِدَةٌ: الفَرْقُ بَيْنَ الإِخْلَاصِ وَالصِّدْقِ؛ الإِخْلَاصُ تَصْفِيَةُ العَمَلِ، وَالصِّدْقُ بَذْلُ المَّجْهُودِ (وَقِيلَ هُمَا مُّتَلَازِمَانِ).

(13) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: المُّخْلِصُ (بِكَسْرِ اللَّامِ) مَنْ فَعَلَ الإِخْلَاصَ، وَالمُّخْلَصُ (بِفَتْحِهَا) مَنِ اجْتَبَاهُ اللَّهُ وَطَهَّرَهُ.

(14) قَاعِدَةٌ: كُلُّ عَمَلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَكُلُّ عَمَلٍ لَا يُوَافِقُ الشَّرْعَ فَهُوَ مَرْدُودٌ.

(15) ضَابِطٌ: الإِخْلَاصُ المُّطْلَقُ يَسْتَلْزِمُ الكُفْرَ بِكُلِّ مَعْبُودٍ سِوَى اللَّهِ، فَلَا إِخْلَاصَ مَعَ بَقَاءِ تَعَلُّقٍ بَاطِلٍ


-------------------------------(١٧)----------------------------

الوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ (18)

[المُتَمِّمُ السَّادِسُ: شَرْطُ المَحَبَّةِ المُنَافِيَةِ لِلْبُغْضِ وَالكَرَاهِيَةِ]

أَوَّلًا: نَصُّ الشَّرْطِ

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «الخَامِسُ: المَحَبَّةُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِبْشَارُ بِذَلِكَ».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْمَحَبَّةِ

1. مُّفْرَدَةُ المَحَبَّةِ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (حَبَّ) وَتَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَالثَّبَاتِ، وَمِنْهُ (حَبَبُ المَاءِ) لِصَفَائِهِ وَعُلُوِّهِ، وَ (لُبَابُ الشَّيْءِ) لِخُلَاصَتِهِ (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَيْلُ القَلْبِ التَّامُّ إِلَى المَّحْبُوبِ إِيثَاراً لَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ وَالتَّعْظِيمِ (2).

2. مُّفْرَدَةُ البُغْضِ وَالكَرَاهِيَةِ:

الاشْتِقَاقُ: (بَغَضَ) نَقِيضُ حَبَّ، وَهِيَ ثِقَلٌ فِي النَّفْسِ يُوجِبُ الِانْصِرَافَ عَنِ الشَّيْءِ (3).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: نُفُورُ القَلْبِ عَنِ الشَّيْءِ لِقُبْحِهِ أَوْ لِمُضَادَّتِهِ لِمَا يَهْوَاهُ المَّرْءُ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ 

مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: 165].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المَائِدَة: 54].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ:

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» (4).

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (5).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

تَحْقِيقِي أَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ "مُحَرِّكُ" القُلُوبِ، وَبِدُونِهَا تَكُونُ الأَعْمَالُ رُسُوماً بِلَا رُوحٍ، فَمَنْ لَمْ يُحِبَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ وَمَا تَقْتَضِيهِ فَلَيْسَ بِمُوَحِّدٍ. وَالمَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَسْتَلْزِمُ إِفْرَادَ اللَّهِ بِالوَلَاءِ، وَبُغْضَ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ مِنَ الأَنْدَادِ وَالأَوْثَانِ. فَالْمُحِبُّ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ يَسْتَبْشِرُ بِذِكْرِهِ، وَيَنْشَرِحُ صَدْرُهُ لِأَوَامِرِهِ، وَيَجِدُ لَذَّةً فِي التَّذَلُّلِ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَمِنْ هُنَا كَانَتْ مَحَبَّةُ التَّوْحِيدِ مِفْتَاحَ الِاتِّبَاعِ، إِذْ المُّحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ مُّطِيعٌ، وَكُلُّ مَيْلٍ لِغَيْرِ اللَّهِ يُزَاحِمُ هَذَا الشَّرْطَ فَهُوَ نَقْصٌ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ كَمَالَ المَحَبَّةِ يُوجِبُ تَقْدِيمَ رِضَا المَّوْلَى عَلَى هَوَى النَّفْسِ، فَيَصِيرُ الهَوَى تَبَعاً لِمَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ. فَالْمَحَبَّةُ هِيَ جَنَّةُ الدُّنْيَا الَّتِي مَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا لَمْ يَدْخُلْ جَنَّةَ الآخِرَةِ (6).

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ 

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ المَحَبَّةَ شَرْطٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْ صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ مَنْ كَرِهَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حَبِطَ عَمَلُهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ المَحَبَّةَ لِلَّهِ تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ دِينِهِ وَشَرْعِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، وَبُغْضَ الشِّرْكِ وَأَعْدَائِهِ. وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِبْشَارَ بِالتَّوْحِيدِ دَلِيلٌ عَلَى سَلَامَةِ القَلْبِ مِنَ النِّفَاقِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ المُعْرِضِينَ: "إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَحَبَّةَ التَّأَلُّهِ هِيَ خَاصَّةُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِلْمَخْلُوقِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ هِيَ أَعْظَمُ لَذَّاتِ القُلُوبِ (7).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ رُكْنُ العِبَادَةِ الأَعْظَمُ، وَأَنَّ الشَّرْكَ فِي المَحَبَّةِ (مَحَبَّةُ التَّنْدِيدِ) هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ المُّشْرِكِينَ. وَيَرَى أَنَّ الصَّادِقَ فِي "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يُقَدِّمُ مَحَبَّةَ اللَّهِ عَلَى كُلِّ مَّحْبُوبٍ مِنْ مَالٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ وَلَدٍ. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الِاسْتِبْشَارِ" بِأَنَّهَا عَلَامَةُ ذَوْقِ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا مَنْ كَانَ قَلْبُهُ غَافِلاً أَوْ مُّعْرِضاً. وَيُبَيِّنُ أَنَّ المَحَبَّةَ تَقْتَضِي الوَلَاءَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالبَرَاءَ مِنْ أَهْلِ التَّنْدِيدِ عَمَلاً بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ حَيَاةُ الإِيمَانِ وَرُوحُهُ (8).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ المَّقَامُ الَّذِي يَتَنَافَسُ فِيهِ المُّتَنَافِسُونَ، وَأَنَّهَا شَرْطٌ لِصِدْقِ الِانْقِيَادِ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ مَحَبَّةُ إِجْلَالٍ وَتَعْظِيمٍ، تُورِثُ فِي النَّفْسِ الهَيْبَةَ وَالحَيَاءَ مِنْ مُّخَالَفَةِ أَمْرِهِ. وَيَرَى أَنَّ كُلَّ كَرَاهِيَةٍ لِحُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ خَدْشٌ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ يَجِبُ تَدَارُكُهُ بِالتَّوْبَةِ وَالتَّجْرِيدِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ المُّؤْمِنَ يَجِدُ فِي التَّوْحِيدِ أُنْساً وَفَرَحاً لَا يَعْدِلُهُ فَرَحُ الدُّنْيَا، لِأَنَّ القَلْبَ خُلِقَ لِيَسْكُنَ إِلَى رَبِّهِ وَحْدَهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ زَادُ المُّسَافِرِ إِلَى الدَّارِ الآخِرَةِ (9).

سَادِسًا: حَاشِيَةُ المَّصَادِرِ وَالنِّكَاتِ وَالضَّوَابِطِ

(1) اشْتِقَاقُ المَحَبَّةِ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (2/14)، لِسَانُ العَرَبِ (1/289).

(2) مَعْنَى المَحَبَّةِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (3/9)، مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 104).

(3) اشْتِقَاقُ البُغْضِ: القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 809)، تَهْذِيبُ اللُّغَةِ (8/125).

(4) حَدِيثُ الحَلَاوَةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (16) وَمُسْلِمٌ (43) عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

(5) حَدِيثُ المَحَبَّةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (15) وَمُسْلِمٌ (44) عَنْ أَنَسٍ أَيْضاً.

(6) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ أَبْحَاثِ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي نَقْضِ أَهْلِ المَّهَاوِي.

(7) ابْنُ عُثَيْمِينَ: القَوْلُ المُّفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ (2/89)، شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ.

(8) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ (ص: 48)، الوَلَاءُ وَالبَرَاءُ.

(9) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ (تَفْرِيغٌ).

(10) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا جَمَعَ بَيْنَ "المَحَبَّةِ" وَ "الِاسْتِبْشَارِ"؟ لِأَنَّ المَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ كَامِنَةً، وَالِاسْتِبْشَارَ ظُهُورُ أَثَرِهَا وَفَرَحِهَا فِي الصَّدْرِ.

(11) فَائِدَةٌ: مَحَبَّةُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" تَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ مَنْ قَالَهَا صِدْقاً، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ الوَلَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

(12) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: سُمِّيَ الحَبُّ حَبّاً لِأَنَّهُ يَجْعَلُ القَلْبَ ثَابِتاً عَلَى المَّحْبُوبِ، كَمَا تَثْبُتُ حُبُوبُ النَّبَاتِ فِي الأَرْضِ.

(13) ضَابِطٌ: مَحَبَّةُ اللَّهِ لَا تُنَالُ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ ﷺ: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾.

(14) قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَحَبَّةٍ لَا تَعُودُ إِلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ فَهِيَ مَحَبَّةُ شِرْكٍ أَوْ مَحَبَّةُ مَعْصِيَةٍ.

(15) خَاتِمَةٌ: بِالمَحَبَّةِ تَلِينُ الصِّعَابُ، وَبِهَا يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ، وَبِهَا يَنْعَمُ العَبْدُ بِالقُرْبِ مِنَ الرَّبِّ الرَّحِيمِ.

------------------------------(١٨)--------------------------

الوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ (19)

[المُتَمِّمُ السَّابِعُ: شَرْطُ الِانْقِيَادِ المُنَافِي لِلتَّرْكِ]

أَوَّلًا: نَصُّ الشَّرْطِ

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «السَّادِسُ: الِانْقِيَادُ لِحُقُوقِهَا؛ وَهِيَ الأَعْمَالُ الوَاجِبَةُ، إِخْلَاصاً لِلَّهِ وَطَلَباً لِمَرْضَاتِهِ».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلِانْقِيَادِ

1. مُّفْرَدَةُ الِانْقِيَادِ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (قَوَدَ) وَأَصْلُهُ السَّوْقُ مِنَ الأَمَامِ، وَالمِقْوَدُ مَا تُقَادُ بِهِ الدَّابَّةُ، فَالِانْقِيَادُ هُوَ الخُضُوعُ وَالسَّلَسُ لِلْمُوجِه (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: خُضُوعُ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَنَوَاهِيهِ سَمْعاً وَطَاعَةً، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِي النَّفْسِ اعْتِرَاضٌ (2).

2. مُّفْرَدَةُ التَّرْكِ وَالِامْتِنَاعِ:

الاشْتِقَاقُ: (تَرَكَ) أَيْ خَلَّى عَنِ الشَّيْءِ، وَ (امْتَنَعَ) أَيْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الِاسْتِجَابَةِ لِعِلَّةٍ فِيهِ (3).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: إِعْرَاضُ الجَوَارِحِ عَنِ العَمَلِ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ، أَوْ رَفْضُ القَلْبِ لِقَبُولِ إِلْزَامَاتِ التَّوْحِيدِ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ 

مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لُقْمَان: 22].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزُّمَر: 54].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ:

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» (4).

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» (5).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

تَحْقِيقِي أَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ "القَالَبُ العَمَلِيُّ" لِلتَّوْحِيدِ، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ المُسْلِمُ المُّسْتَسْلِمُ لِرَبِّهِ مِنَ المُّدَّعِي الَّذِي يَحْبِسُ إِيمَانَهُ فِي الكَلِمَاتِ. وَالِانْقِيَادُ المَّطْلُوبُ فِي شُرُوطِ الشَّهَادَةِ هُوَ انْقِيَادُ الِاتِّبَاعِ وَالخُضُوعِ، لَا مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الذِّهْنِيِّ، فَالْمُشْرِكُونَ كَانُوا يَعْلَمُونَ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُمْ أَبَوْا الِانْقِيَادَ. فَالْمُوَحِّدُ هُوَ مَنْ سَلَّمَ زِمَامَ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ لِلْوَحْيِ، فَيَفْعَلُ المَّأْمُورَ وَيَتْرُكُ المَّحْظُورَ طَاعَةً لِلَّهِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ كَمَالَ الِانْقِيَادِ يَظْهَرُ فِي تَرْكِ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الشَّرِيعَةِ بِالعَقْلِ أَوْ بِالذَّوْقِ، بَلْ يَكُونُ الحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَالِانْقِيَادُ هُوَ رِبَاطُ الإِيمَانِ المَّتِينُ، وَبِهِ يَسْلَمُ العَبْدُ مِنْ مَسَالِكِ المُسْتَكْبِرِينَ الَّذِينَ قَالُوا (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا). وَيَظْهَرُ أَثَرُ هَذَا الشَّرْطِ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَكُلِّ طَاعَةٍ يَقُومُ بِهَا العَبْدُ صَاغِراً لِعَظَمَةِ خَالِقِهِ (6).

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ 

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ لَازِمُ مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ المَحَبَّةَ وَلَمْ يَنْقَدْ لِلْحُكْمِ فَدَعْوَاهُ كَاذِبَةٌ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الإِسْلَامَ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، فَلَا إِسْلَامَ بِلَا انْقِيَادٍ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الشَّرْطَ يَقْتَضِي تَنْفِيذَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى طَلَباً لِلثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ العِقَابِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الِانْقِيَادَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُّغَلَّفاً بِالإِخْلَاصِ، فَلَا يَنْقَادُ العَبْدُ رِيَاءً أَوْ تَقْلِيداً مَّحْضاً. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ جَوْهَرُ العُبُودِيَّةِ الحَقَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ (7).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ مَعْنَى "العُرْوَةِ الوُثْقَى" فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ، وَبِدُونِهِ تَنْفَصِمُ هَذِهِ العُرْوَةُ. وَيَرَى أَنَّ الِانْقِيَادَ يَتَضَمَّنُ العَمَلَ بِأَرْكَانِ الإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ العِظَامِ بَعْدَ الإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. وَيُحَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "إِسْلَامِ الوَجْهِ" بِأَنَّهَا تَعْنِي إِخْلَاصَ القَصْدِ مَعَ صِحَّةِ العَمَلِ وَفِقَ المُّتَابَعَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِانْقِيَادَ يَمْنَعُ العَبْدَ مِنَ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، لِأَنَّ التَّحَاكُمَ إِلَى الطَّاغُوتِ نَقِيضُ الِانْقِيَادِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ أَهْلَ الِانْقِيَادِ هُمُ المُّفْلِحُونَ المَّنْصُورُونَ (8).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ الثَّمَرَةُ المَّطْلُوبَةُ مِنَ العِلْمِ وَاليَقِينِ، فَلَا خَيْرَ فِي عِلْمٍ لَا يُثْمِرُ خُضُوعاً لِلْمَعْبُودِ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ الِانْقِيَادَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِتْيَانِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ، مَعَ الرِّضَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ. وَيَرَى أَنَّ كُلَّ تَرَدُّدٍ فِي قَبُولِ حُكْمِ اللَّهِ هُوَ مَرَضٌ فِي القَلْبِ يُضْعِفُ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الِانْقِيَادَ الظَّاهِرَ لَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بَانْقِيَادِ البَاطِنِ، فَالْمُّنَافِقُونَ انْقَادُوا جَوَارِحاً وَتَوَلَّوْا قُلُوباً. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الِانْقِيَادَ هُوَ سَبِيلُ السَّلَامَةِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (9).

سَادِسًا: حَاشِيَةُ المَّصَادِرِ وَالنِّكَاتِ وَالضَّوَابِطِ

(1) اشْتِقَاقُ الِانْقِيَادِ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/42)، لِسَانُ العَرَبِ (3/371).

(2) مَعْنَى الِانْقِيَادِ: التَّعْرِيفَاتُ لِلْجُرْجَانِيِّ (ص: 45)، مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 416).

(3) اشْتِقَاقُ التَّرْكِ: لِسَانُ العَرَبِ (10/404)، القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 914).

(4) حَدِيثُ الهَوَى: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ، وَنَوَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الأَرْبَعِينَ (وَفِيهِ مَقَالٌ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ).

(5) حَدِيثُ الِانْقِيَادِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (23) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ.

(6) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ أَبْحَاثِ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي تَقْرِيرِ أُصُولِ الإِيمَانِ.

(7) ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ (ص: 58)، القَوْلُ المُّفِيدُ (1/92).

(8) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ (ص: 55).

(9) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ (تَفْرِيغٌ).

(10) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا عُرِّفَتِ "العُرْوَةُ الوُثْقَى" بِأَنَّهَا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؟ لِأَنَّ الِانْقِيَادَ لَهَا هُوَ الَّذِي يَعْصِمُ مِنَ السُّقُوطِ فِي الشِّرْكِ.

(11) فَائِدَةٌ: الفَرْقُ بَيْنَ الِانْقِيَادِ وَالقَبُولِ؛ القَبُولُ فِي القَلْبِ لِلْمَعْنَى، وَالِانْقِيَادُ فِي الجَوَارِحِ لِلْمَبْنَى.

(12) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الدَّابَّةُ المَّقُودَةُ لَا تُعَانِدُ قَائِدَهَا، وَكَذَلِكَ المُوَحِّدُ لَا يُعَانِدُ رَبَّهُ فِي حُكْمِهِ.

(13) ضَابِطٌ: مَنِ ادَّعَى الِانْقِيَادَ مَعَ تَرْكِ الصَّلَاةِ كُلِّيَّةً، فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ انْقِيَادِهِ عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ المُّحَقِّقِينَ.

(14) قَاعِدَةٌ: لَا انْقِيَادَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ، لِأَنَّ الِانْقِيَادَ الأَصْلِيَّ لِلَّهِ وَحْدَهُ.

(15) خَاتِمَةٌ: بِالِانْقِيَادِ يَتَحَقَّقُ مَقَامُ "عَبْدِ اللَّهِ" الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ المَّقَامَاتِ.

------------------------(١٩)--------------------------------

الوَجْهُ العِشْرُونَ (20)

​[المُتَمِّمُ الثَّامِنُ: شَرْطُ القَبُولِ المُنَافِي لِلرَّدِّ وَالاسْتِكْبَارِ]

​أَوَّلًا: نَصُّ الشَّرْطِ

​قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: 

«السَّابِعُ: القَبُولُ لِمَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الكَلِمَةُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ».

​ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْقَبُولِ

​1. مُّفْرَدَةُ القَبُولِ:

​الاشْتِقَاقُ: مِنَ (قَبِلَ) وَأَصْلُهُ يَدُلُّ عَلَى مُّوَاجَهَةِ الشَّيْءِ وَالرِّضَا بِهِ، وَالقَبُولُ نَقِيضُ الرَّدِّ، وَيُقَالُ: (قَبِلَ الهَدِيَّةَ) إِذَا أَخَذَهَا رَاضِياً (1).

​الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: تَلَقِّي مَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ بِالرِّضَا التَّامِّ وَالاعْتِرَافِ، دُونَ اعْتِرَاضٍ أَوْ رَدٍّ بِعَقْلٍ أَوْ هَوًى (2).

​2. مُّفْرَدَةُ الرَّدِّ وَالاسْتِكْبَارِ:

​الاشْتِقَاقُ: (رَدَّ) أَيْ صَرَفَ وَأَرْجَعَ، وَ (اسْتَكْبَرَ) أَيْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ فَرَأَى الحَقَّ دُونَ مَنْزِلَتِهِ (3).

​الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: (الرَّدُّ): عَدَمُ الِاعْتِرَافِ بِالشَّهَادَةِ أَوْ مُّدْلُولِهَا. (الاسْتِكْبَارُ): بَطَرُ الحَقِّ وَرَفْضُ الِانْصِيَاعِ لَهُ تَرَفُّعاً.

​ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ

​مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

​قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصَّافَّات: 35].

​قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزُّخْرُف: 23].

​مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ:

​قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضاً... فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ المَاءَ فَأَنْبَتَتِ الكَلأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ...» (4).

​قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» (5).

​رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

​تَحْقِيقِي أَنَّ القَبُولَ هُوَ "بَوَّابَةُ" الدُّخُولِ فِي التَّوْحِيدِ، وَبِدُونِهِ لَا تَنْفَعُ المَّعْرِفَةُ وَلَا اليَقِينُ؛ فَقَدْ عَرَفَ إِبْلِيسُ رَبَّهُ لَكِنَّهُ رَدَّ أَمْرَهُ اسْتِكْبَاراً. وَالقَبُولُ المَّطْلُوبُ هُوَ الرِّضَا بِكُلِّ مَا تَضَمَّنَتْهُ الشَّهَادَةُ مِنْ نَفْيٍ لِلْأَنْدَادِ وَإِثْبَاتٍ لِلْمَعْبُودِ، فَلَا يَنْتَقِي العَبْدُ مِنَ الدِّينِ مَا يُعْجِبُهُ وَيَرُدُّ مَا يَثْقُلُ عَلَيْهِ. فَالْمُوَحِّدُ الصَّادِقُ يَسْتَقْبِلُ الشَّرْعَ بِصَدْرٍ مَّنْشَرِحٍ، مُوقِناً أَنَّ الحَقَّ فِيمَا قَالَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﷺ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ آفَةَ الرَّدِّ تَنْشَأُ عَنْ تَقْدِيمِ العَقْلِ المَّحْضِ أَوْ تَقْلِيدِ الآبَاءِ عَلَى النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَهَذَا نَقِيضُ القَبُولِ. فَالْقَبُولُ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلْعِلْمِ ثَمَرَةً فِي السُّلوكِ، وَيَحْمِي القَلْبَ مِنْ غَوَائِلِ الجُحُودِ وَالإنْكَارِ. فَالْمُؤْمِنُ الحَقُّ هُوَ الَّذِي إِذَا سَمِعَ (قَالَ اللَّهُ) انْقَادَ قَلْبُهُ قَبُولاً وَرِضاً بِلَا تَلَكُّؤٍ أَوْ حَرَجٍ (6).

​خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (6 أسطر)

​1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ القَبُولَ هُوَ الضَّمَانَةُ لِعَدَمِ الوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَ فِيهِ المُّشْرِكُونَ الَّذِينَ عَرَفُوا الحَقَّ وَأَنْكَرُوهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ القَبُولَ يَكُونُ بِالقَلْبِ إِذْعَاناً، وَبَاللِّسَانِ إِقْرَاراً، فَلَا يَكْفِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ فِي أَصْلِ الدِّينِ. وَيَرَى أَنَّ أَعْظَمَ مَوَانِعِ القَبُولِ هُوَ الكِبْرُ، لِأَنَّ المُّسْتَكْبِرَ يَرَى نَفْسَهُ أَعْلَى مِنَ الِانْقِيَادِ لِلْوَحْيِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنِ اعْتَرَضَ عَلَى حُكْمٍ ثَابِتٍ مِنَ الشَّرْعِ فَقَدْ نَقَصَ قَبُولُهُ لِلشَّهَادَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ الِاعْتِرَاضِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ القَبُولَ هُوَ صِفَةُ الأَرْضِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي تَنْتَفِعُ بِالغَيْثِ (7).

​2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ القَبُولَ هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ المُّؤْمِنِ الصَّادِقِ وَبَيْنَ مَنْ قَالَهَا مُّتَأَثِّراً بِبِيئَتِهِ دُونَ رِضاً قَلْبِيٍّ بِمُقْتَضَيَاتِهَا. وَيَرَى أَنَّ الرَّدَّ لِلشَّهَادَةِ قَدْ يَكُونُ كُلِّيّاً كَحَالِ الكُفَّارِ، أَوْ جُزْئِيّاً بِرَدِّ بَعْضِ التَّشْرِيعَاتِ، وَكِلَاهُمَا خَطَرٌ عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ. وَيُحَقِّقُ فِي أَنَّ القَبُولَ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِلنُّصُوصِ مَّهْمَا خَالَفَتِ العَادَاتِ أَوْ الآرَاءَ المَّذْهَبِيَّةَ المُّتَعَصَّبَةَ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ القَبُولَ هُوَ حَقِيقَةُ "السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ" الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ بِهَا الصَّحَابَةَ الكِرَامَ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنْ قَبِلَ الدِّينَ كُلَّهُ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى (8).

​3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ القَبُولَ هُوَ ثَمَرَةُ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَأَنَّ مَنْ رَدَّ الحَقَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ فَقَدْ شَابَهَ اليَهُودَ الَّذِينَ عَرَفُوهُ وَلَمْ يَقْبَلُوهُ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ القَبُولَ يَسْتَلْزِمُ مَحَبَّةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَالْكَرَاهِيَةُ نَاقِضَةٌ لِلْقَبُولِ. وَيَرَى أَنَّ الِاعْتِرَاضَ بِالعَقْلِ عَلَى صَرِيحِ النَّقْلِ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى شَرْطِ القَبُولِ وَسُوءُ أَدَبٍ مَعَ المَّقَامِ الإِلَهِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ القَبُولَ الحَقَّ يُورِثُ فِي النَّفْسِ طُمَأْنِينَةً وَرَاحَةً لَا يَجِدُهَا مَنْ فِي قَلْبِهِ حَرَجٌ مِمَّا قَضَى اللَّهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ القَبُولَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ وَسَبَبُ التَّشْرِيفِ (9).

​------------------------------&

  

​(1) اشْتِقَاقُ القَبُولِ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/56)، لِسَانُ العَرَبِ (11/539).

​(2) مَعْنَى القَبُولِ: التَّعْرِيفَاتُ لِلْجُرْجَانِيِّ (ص: 174)، مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 654).

​(3) اشْتِقَاقُ الاسْتِكْبَارِ: لِسَانُ العَرَبِ (5/126)، القَامُوسُ المُّحِيطُ (ص: 593).

​(4) حَدِيثُ الغَيْثِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (79) وَمُسْلِمٌ (2282) عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ.

​(5) حَدِيثُ الكِبْرِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (91) عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ.

​(6) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ أَبْحَاثِ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي تَأْصِيلِ المَّتُونِ.

​(7) ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ (ص: 59)، فَتَاوَى العَقِيدَةِ (1/72).

​(8) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ (ص: 60).

​(9) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ (تَفْرِيغٌ).

​(10) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا قَيَّدَ القَبُولَ بِـ "القَلْبِ وَاللِّسَانِ"؟ لِيُخْرِجَ مَنْ قَبِلَ بِلِسَانِهِ فَقَطْ (المُّنَافِق)، وَمَنْ قَبِلَ بِقَلْبِهِ فَقَطْ (الجَاحِد).

​(11) فَائِدَةٌ: الفَرْقُ بَيْنَ القَبُولِ وَالِانْقِيَادِ؛ القَبُولُ "رِضَا البَاطِنِ"، وَالِانْقِيَادُ "خُضُوعُ الظَّاهِرِ".

​(12) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: سُمِّيَ "المُّسْتَقْبَلُ" مُّسْتَقْبَلاً لِأَنَّكَ تُواهَهُ، وَالْقَبُولُ هُوَ مُّوَاجَهَةُ الحَقِّ بِالرِّضَا.

​(13) ضَابِطٌ: مَنْ رَدَّ نَصّاً مُّتَوَاتِراً أَوْ حُكْماً مُّجْمَعاً عَلَيْهِ بَعْدَ العِلْمِ، فَقَدْ نَقَضَ شَرْطَ القَبُولِ.

​(14) قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَنْ رَدَّ الحَقَّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِي البَاطِلِ، لِأَنَّ القَلْبَ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِهِمَا.

​(15) خَاتِمَةٌ: بِالْقَبُولِ تَتِمُّ النِّعْمَةُ، وَبِهِ يَكْمُلُ التَّوْحِيدُ، وَبِهِ يَنْجُو العَبْدُ مِنْ مَسَالِكِ الجَاهِلِيَّةِ.

-------------------------------(٢٠)---------------------------

الوَجْهُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ (21)

[خَاتِمَةُ شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: الثَّمَرَةُ وَالِاجْتِمَاعُ]

أَوَّلًا: نَصُّ الجَامِعِ لِلشُّرُوطِ

قَالَ العَلَّامَةُ حَافِظٌ الحَكَمِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي (سُلَّمِ الوُصُولِ):

«وَبِثَمَانِيَةٍ شُرُوطٍ قَدْ قُيِّدَتْ ... وَفِي نُصُوصِ الوَحْيِ حَقّاً أُورِدَتْ

فَإِنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ قَائِلُهَا ... بِالنُّطْقِ إِلَّا حَيْثُ يَسْتَكْمِلُهَا».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ لِلاجْتِمَاعِ وَالِاسْتِكْمَالِ

1. مُّفْرَدَةُ الِاسْتِكْمَالِ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: تَمَامُ جَمْعِ الأَجْزَاءِ وَالشُّرُوطِ بِحَيْثُ لَا يَغِيبُ مِنْهَا وَاحِدٌ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ (1).

2. مُّفْرَدَةُ الثَّمَرَةِ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى العَمَلِ بَالشُّرُوطِ مِنَ الأَمْنِ فِي الدُّنْيَا وَالفَوْزِ بَالجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ (2).

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ (الأَدِلَّةُ البَاهِرَةُ)

مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأَنْعَام: 82].

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّخْرُف: 86].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ:

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (3).

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا... فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ...» (4).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (6 أسطر)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّمَانِيَةَ لَيْسَتْ مَحْضَ مَعْلُومَاتٍ تُحْفَظُ، بَلْ هِيَ "أَرْكَانٌ" تَقُومُ عَلَيْهَا نَجَاةُ العَبْدِ يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ. وَالِاجْتِمَاعُ فِيهَا شَرْطٌ، فَلَا يَنْفَعُ عِلْمٌ مَعَ شَكٍّ، وَلَا يَنْفَعُ قَبُولٌ مَعَ تَرْكِ الِانْقِيَادِ، فَهِيَ كَأَسْنَانِ المِفْتَاحِ إِذَا نَقَصَ سِنٌّ لَمْ يُفْتَحِ البَابُ. فَالْمُوَحِّدُ الكَامِلُ هُوَ مَنِ اسْتَوْعَبَ هَذِهِ المَعَانِيَ فِي قَلْبِهِ حَتَّى صَارَتْ سَجِيَّةً لَهُ فِي جَمِيعِ شُؤُونِهِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ الِاخْتِلَالَ فِي أَيِّ شَرْطٍ مِنْهَا يُورِثُ نَقْصاً فِي الإِيمَانِ بِقَدْرِ هَذَا الِاخْتِلَالِ، وَقَدْ يَصِلُ إِلَى النَّقْضِ الكُلِّيِّ. فَالْعِبْرَةُ بِتَحْقِيقِ الحَقَائِقِ لَا بِمُجَرَّدِ النُّطْقِ بِالخَلَائِقِ، لِأَنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ إِلَى القُلُوبِ وَالأَعْمَالِ. وَيَخْتِمُ البَاحِثُ بِأَنَّ مَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ التَّمَسُّكَ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَقَدْ حِيزَتْ لَهُ خَيْرَاتُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ (5).

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (6 أسطر)

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ، وَلَكِنَّ المِفْتَاحَ لَا يَعْمَلُ إِلَّا بِأَسْنَانِهِ، وَهِيَ هَذِهِ الشُّرُوطُ المُعْتَبَرَةُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِهَا دُونَ تَحْقِيقِ شُرُوطِهَا فَهُوَ كَمَنْ لَهُ سِلَاحٌ لَا حَدَّ لَهُ، فَلَا يُغْنِي عَنْهُ شَيْئاً عِنْدَ الشَّدَائِدِ. وَيَرَى أَنَّ كَمَالَ الِاسْتِكْمَالِ يَكُونُ بِتَصْفِيَةِ القَلْبِ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تُضَادُّ هَذِهِ الشُّرُوطَ العَظِيمَةَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَعْلِيمَ هَذِهِ الشُّرُوطِ لِلنَّاسِ هُوَ مِنْ أَوْجَبِ الوَاجِبَاتِ لِحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنَ الغُلُوِّ وَالجَفَاءِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ أَهْلَ الشُّرُوطِ هُمُ الآمِنُونَ (6).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِأَنَّ جَمْعَ الشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ هُوَ الَّذِي يُحَقِّقُ مَعْنَى "كَلِمَةِ التَّقْوَى" وَيَجْعَلُ العَبْدَ مُّسْتَحِقّاً لِوَعْدِ اللَّهِ بِالنَّصْرِ. وَيَرَى أَنَّ كُلَّ شَرْطٍ مِنْهَا يَقُومُ بِدَفْعِ نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، فَالعِلْمُ يَدْفَعُ الجَهْلَ، وَاليَقِينُ يَدْفَعُ الشَّكَّ. وَيُحَقِّقُ فِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ مُّتَلَازِمَةٌ، فَمَنْ صَدَقَ أَحَبَّ، وَمَنْ أَحَبَّ انْقَادَ، وَمَنْ انْقَادَ قَبِلَ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَوْفِيقَ اللَّهِ لِلْعَبْدِ لِاسْتِكْمَالِ هَذِهِ الشُّرُوطِ هُوَ عَيْنُ السَّعَادَةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي لَا شَقَاءَ بَعْدَهَا. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ مِيزَانُ العَدْلِ (7).

3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ هِيَ "سُورُ" التَّوْحِيدِ الَّذِي يَحْمِيهِ مِنَ التَّسَاقُطِ أَوْ التَّفْرِيطِ أَمَامَ الشُّبُهَاتِ العَصْرِيَّةِ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ مَنَاطَ النَّجَاةِ لَيْسَ فِي مُّجَرَّدِ العَدِّ وَالإِحْصَاءِ، بَلْ فِي التَّحَقُّقِ بَالْمَعَانِي قَلْباً وَقَالباً. وَيَرَى أَنَّ مَنْ حَقَّقَ هَذِهِ الشُّرُوطَ فَقَدْ جَمَعَ أُصُولَ العِبَادَةِ كُلَّهَا مِنْ حُبٍّ وَخَوْفٍ وَرَجَاءٍ وَتَسْلِيمٍ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ رُوحَ التَّوْحِيدِ تَقْوَى بِقَدْرِ العِنَايَةِ بِهَذِهِ المُّتَمِّمَاتِ فِي مَسِيرِ العَبْدِ إِلَى رَبِّهِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الصِّدْقَ مَعَ اللَّهِ فِي طَلَبِ التَّوْحِيدِ يُثْمِرُ هَذِهِ الشُّرُوطَ جَمِيعاً (8).

سَادِسًا: حَاشِيَةُ المَّصَادِرِ وَالنِّكَاتِ وَالضَّوَابِطِ

(1) الِاسْتِكْمَالُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/140)، لِسَانُ العَرَبِ (12/521).

(2) الثَّمَرَةُ: مُّفْرَدَاتُ الرَّاغِبِ (ص: 175)، تَفْسِيرُ ابْنِ القَيِّمِ.

(3) حَدِيثُ العِلْمِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (26) عَنْ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-.

(4) حَدِيثُ العِصْمَةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (25) وَمُسْلِمٌ (22) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.

(5) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: تَقْرِيرَاتُ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي خَاتِمَةِ أَبْحَاثِ العَقِيدَةِ.

(6) ابْنُ عُثَيْمِينَ: القَوْلُ المُّفِيدُ (1/95)، فَتَاوَى العَقِيدَةِ.

(7) التَّمِيمِيُّ: تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ (ص: 65).

(8) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ وَالسَّابِعُ.

(9) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا ذُكِرَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ (الكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؟ لِأَنَّهُ التَّحْقِيقُ العَمَلِيُّ لِـ "كُفْرٍ بَالطَّاغُوتِ".

(10) فَائِدَةٌ: مَنْ أَتَى بِهَذِهِ الشُّرُوطِ فَقَدْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ الَّذِي يَمْنَعُ الخُلُودَ فِي النَّارِ.

(11) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الشَّرْطُ" فِي اللُّغَةِ العَلَامَةُ، وَكَأَنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَامَاتٌ عَلَى صِحَّةِ الإِيمَانِ.

(12) ضَابِطٌ: لَا يُكَلَّفُ العَامِّيُّ بِحِفْظِ مُّصْطَلَحَاتِهَا، بَلْ بِتَحْقِيقِ مَعَانِيهَا فِطْرَةً وَعَمَلاً.

(13) قَاعِدَةٌ: مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَصِحَّةُ التَّوْحِيدِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهَذِهِ الشُّرُوطِ.

(14) نُكْتَةٌ: تَنْظِيمُ الشُّرُوطِ فِي نَظْمٍ يُسَهِّلُ اسْتِحْضَارَهَا عِنْدَ الحَاجَةِ لِلْمُّذَاكَرَةِ.

(15) خَاتِمَةٌ: نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحْيِيَنَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَيُمِيتَنَا عَلَيْهِ مُّحَقِّقِينَ لِشُرُوطِهِ.

---------------------------------(٢١)-----------------------

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«أَدِلَّةُ هَذِهِ الشُّرُوطِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَمِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ:

فَدَلِيلُ العِلْمِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: 19]، وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزُّخْرُف: 86]؛ أَيْ بـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَهُمْ يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ مَا نَطَقُوا بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ. وَمِنَ السُّنَّةِ: الحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُثْمَانَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ».

وَدَلِيلُ اليَقِينِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحُجُرَات: 15]؛ فَاشْتَرَطَ فِي صِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كَوْنَهُمْ لَمْ يَرْتَابُوا -أَيْ لَمْ يَشُكُّوا- فَأَمَّا المُرْتَابُ فَهُوَ مِنَ المُنَافِقِينَ. 

وَمِنَ السُّنَّةِ: الحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الجَنَّةَ». 

وَفِي رِوَايَةٍ: «لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحْجَبَ عَنِ الجَنَّةِ». 

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضاً مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ: «مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالجَنَّةِ».

وَدَلِيلُ الإِخْلَاصِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزُّمَر: 3]، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ حُنَفَاءَ﴾ [البَيِّنَة: 5]. 

وَمِنَ السُّنَّةِ: الحَدِيثُ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصاً مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ». 

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». 

وَلِلنَّسَائِيِّ فِي (اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ) مِنْ حَدِيثِ رَجُلَيْنِ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مُخْلِصاً بِهَا قَلْبُهُ، يُصَدِّقُ بِهَا لِسَانُهُ، إِلَّا فَتَقَ اللَّهُ لَهَا السَّمَاءَ فَتْقاً حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى قَائِلِهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، وَحَقٌّ لِعَبْدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ».

وَدَلِيلُ الصِّدْقِ: قَوْلُهُ تَعَالَى:﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)

[العَنْكَبُوت: 1-3]. 

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البَقَرَة: 8-10]. وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ».

وَدَلِيلُ المَحَبَّةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البَقَرَة: 165]. وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ...﴾ [المَائِدَة: 54].

 وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

وَدَلِيلُ الِانْقِيَادِ: مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزُّمَر: 54]. وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النِّسَاء: 125]. 

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لُقْمَان: 22]؛ أَيْ بـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النِّسَاء: 65].

 وَمِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً لِمَا جِئْتُ بِهِ»، وَهَذَا هُوَ تَمَامُ الِانْقِيَادِ وَغَايَتُهُ.

وَدَلِيلُ القَبُولِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزُّخْرُف: 23-25]. 

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصَّافَّات: 35-36]. 

وَمِنَ السُّنَّةِ: مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَاصَابَ أَرْضاً...» الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْساً وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ».»


------------------------------------&

[حَاشِيَةُ تَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ وَالتَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ لِشُرُوطِ الشَّهَادَةِ]

(1) تَخْرِيجُ الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ فِي المَتْنِ:

حَدِيثُ عُثْمَانَ (مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ...) رَقْمُ (26). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (لا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شَاكٍّ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" رَقْمُ (27). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الحَائِطِ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" رَقْمُ (31) ضِمْنَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ الحِرْصِ عَلَى الحَدِيثِ) رَقْمُ (99). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ رَقْمُ (425) وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (33). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ (فُتِقَتْ لَهُ السَّمَاءُ فَتْقاً): أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي "العَمَلِ اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ" رَقْمُ (27) وَأَحْمَدُ فِي "المُسْنَدِ". [حَسَنٌ لِغَيْرِهِ] (وَرَجُلَا الصَّحَابَةِ هُمَا: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَوْ أَبُو سَعِيدٍ).

حَدِيثُ مُعَاذٍ (مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ... صَادِقاً مِنْ قَلْبِهِ): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ رَقْمُ (128) وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (32). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ أَنَسٍ (ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ رَقْمُ (16) وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (43). [صَحِيحٌ].

حَدِيثُ (لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعاً): أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي "السُّنَّةِ" رَقْمُ (15) وَالنَّوَوِيُّ فِي "الأَرْبَعِينَ". [ضَعِيفٌ إِسْنَاداً لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ جِدّاً وَتَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ].

حَدِيثُ أَبِي مُوسَى (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ رَقْمُ (79) وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (2282). [صَحِيحٌ].

(2) القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ:

قَاعِدَةُ الِاسْتِكْمَالِ: النُّطْقُ بِالشَّهَادَةِ لا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِتَحْقِيقِ شُرُوطِهَا، فَالشَّرْطُ يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ.

قَاعِدَةُ التَّلازُمِ: هُنَاكَ تَلازُمٌ حَتْمِيٌّ بَيْنَ أَعْمَالِ القُلُوبِ (يَقِين، صِدْق، مَحَبَّة) وَأَعْمَالِ الجَوَارِحِ (انْقِيَاد، قَبُول).

قَاعِدَةُ النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ: كُلُّ شَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ يُثْبِتُ مَعْنًى وَيَنْفِي ضِدَّهُ (العِلْمُ يَنْفِي الجَهْلَ، اليَقِينُ يَنْفِي الشَّكَّ، إلخ).

قَاعِدَةُ مَنَاطِ الشَّفَاعَةِ: الإِخْلَاصُ هُوَ المِعْيَارُ الأَعْظَمُ لِنَيْلِ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

(3) الضَّوَابِطُ المَنْهَجِيَّةُ:

ضَابِطُ العِلْمِ: لا يُشْتَرَطُ فِي العِلْمِ الإِحَاطَةُ بِكُلِّ الدَّقَائِقِ، بَلْ العِلْمُ بِمَعْنَى "النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ" الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ العِبَادَةُ.

ضَابِطُ الصِّدْقِ: الصِّدْقُ المُنْجِي هُوَ "تَوَاطُؤُ القَلْبِ وَاللِّسَانِ"، فَمَنْ خَالَفَ لِسَانُهُ قَلْبَهُ فَهُوَ نِفَاقٌ.

ضَابِطُ الهَوَى: الِانْقِيَادُ التَّامُّ هُوَ تَطْوِيعُ الهَوَى البَشَرِيِّ لِيَكُونَ تَبَعاً لِلنَّصِّ الشَّرْعِيِّ، وَلَيْسَ العَكْسُ.

(4) الفَوَائِدُ وَالنِّكَاتُ العِلْمِيَّةُ:

نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: قَوْلُهُ (ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)؛ "ثُمَّ" هُنَا لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ، أَيْ أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى اليَقِينِ بَعْدَ الإِيمَانِ مَنْزِلَةٌ عَالِيَةٌ جِدّاً.

فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: حَدِيثُ "الغَيْثِ" يُقَسِّمُ الخَلْقَ تِجَاهَ القَبُولِ إِلَى ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ، وَأَخْطَرُهُمْ "القِيعَانُ" الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ هُدَى اللَّهِ وَلا يَنْفَعُونَ غَيْرَهُمْ.

نُكْتَةٌ فِي حَدِيثِ "فُتِقَتْ لَهُ السَّمَاءُ": عِبَارَةُ (حَقٌّ لِعَبْدٍ نَظَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ سُؤْلَهُ) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِخْلَاصَ فِي التَّوْحِيدِ هُوَ أَعْظَمُ سَبَبٍ لإِجَابَةِ الدُّعَاءِ.

فَائِدَةٌ فِي المَحَبَّةِ: تَقْدِيمُ (يُحِبُّهُمْ) عَلَى (يُحِبُّونَهُ) فِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المِنَّةَ لِلَّهِ أَوَّلاً بِأَنْ وَفَّقَهُمْ لِمَحَبَّتِهِ.

ضَابِطُ اليَقِينِ: اليَقِينُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ، بَلْ هُوَ اسْتِقْرَارُ المَعْلُومَةِ فِي القَلْبِ بِحَيْثُ لا يَعْرِضُ لَهَا شَكٌّ أَبَداً.

-------------------------(٢٢)-------------------------------

الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ (٢٣)

[مَبْحَثُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ: النَّاقِضُ الأَوَّلُ (الشِّرْكُ)]

أَوَّلًا: نَصُّ النَّاقِضِ (مُشَكَّلًا)

قَالَ المُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «اعْلَمْ أَنَّ نَوَاقِضَ الإِسْلَامِ عَشَرَةٌ؛ الأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: 48]، وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المَائِدَة: 72]، وَمِنْهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللَّهِ كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ أَوْ لِلْقَبْرِ».

ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلنَّاقِضِ

1. مُّفْرَدَةُ النَّوَاقِضِ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (نَقَضَ) نَقِيضُ الإِبْرَامِ، وَالنَّقْضُ هُوَ فَكُّ مَا أُحْكِمَ مِنَ البِنَاءِ أَوْ العَقْدِ (1).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: الأَقْوَالُ أَوْ الأَفْعَالُ أَوْ الاعْتِقَادَاتُ الَّتِي تُبْطِلُ الإِسْلَامَ وَتُخْرِجُ صَاحِبَهُ مِنَ المِلَّةِ إِذَا ارْتَكَبَ وَاحِدًا مِنْهَا (2).

2. مُّفْرَدَةُ الشِّرْكِ فِي العِبَادَةِ:

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ، وَأَعْظَمُهُ صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِهِ (3).

ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (6 أسطر)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ "أَصْلُ النَّوَاقِضِ" وَأَخْطَرُهَا عَلَى الإِطْلَاقِ، لِأَنَّهُ يَهْدِمُ أَصْلَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" مِنْ جُذُورِهِ. وَالشِّرْكُ المَّذْكُورُ هُنَا هُوَ "الشِّرْكُ الأَكْبَرُ" المُّخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ، الَّذِي يُحْبِطُ العَمَلَ وَيُوجِبُ الخُلُودَ فِي النَّارِ إِنْ مَاتَ العَبْدُ عَلَيْهِ بِلَا تَوْبَةٍ. وَالمُؤَلِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَثَّلَ بَالذَّبْحِ لِتَنْبِيهِ البَاحِثِ إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ يَقَعُ فِي الأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ كَمَا يَقَعُ فِي القُلُوبِ. فَالْمُشْرِكُ هُوَ مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا فِي دُعَائِهِ أَوْ خَوْفِهِ أَوْ رَجَائِهِ أَوْ نُسُكِهِ، سَوَاءً كَانَ هَذَا النِّدُّ مَلَكاً مُّقَرَّباً أَوْ نَبِيّاً مُّرْسَلاً فَضْلاً عَنِ الجِنِّ وَالأَوْثَانِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ تَسْمِيَتَهُ نَاقِضاً تَقْتَضِي أَنَّ الإِسْلَامَ يَنْقَطِعُ بِهِ كَمَا يَنْقَطِعُ الوُضُوءُ بِالنَّاقِضِ. فَالشِّرْكُ ظُلْمٌ عَظِيمٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مَعَهُ صَرْفاً وَلَا عَدْلاً (4).

رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ (6 أسطر)

1. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَإِلَهِيَّتِهِ، وَهُوَ تَنْقِيصٌ لِلْخَالِقِ -جَلَّ وَعَلَا-. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الذَّبْحَ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَّالِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ مَّقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَمَنْ ذَبَحَ لِقَبْرٍ تَقَرُّباً إِلَيْهِ فَقَدْ كَفَرَ. وَيَرَى أَنَّ خُطُورَةَ الشِّرْكِ تَكْمُنُ فِي أَنَّ صَاحِبَهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى العَبْدِ شِدَّةَ الحَذَرِ مِنْهُ وَمِنْ وَسَائِلِهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَوْ اسْتَغَاثَ بِمَيِّتٍ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا النَّاقِضِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ العَمَلَ بِهَذَا النَّاقِضِ يُبْطِلُ جَمِيعَ الحَسَنَاتِ السَّابِقَةِ (5).

2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ:

يُحَقِّقُ الشَّيْخُ سِنْدِيٌّ فِي أَنَّ الشِّرْكَ فِي العِبَادَةِ هُوَ بَطَلَانُ مَعْنَى "إِيَّاكَ نَعْبُدُ"، وَهُوَ النَّاقِضُ الَّذِي جَاءَ جَمِيعُ الرُّسُلِ لِلتَّحْذِيرِ مِنْهُ. وَيُفَصِّلُ فِي أَنَّ صَرْفَ العِبَادَةِ لِلْجِنِّ خَوْفاً مِنْ ضُرِّهِمْ أَوْ طَمَعاً فِي نَفْعِهِمْ هُوَ مِنْ صَمِيمِ شِرْكِ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى. وَيَرَى أَنَّ النَّوَاقِضَ تَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ دَقِيقٍ لِأَنَّهَا مَسَائِلُ (تَكْفِيرٍ)، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ كَوْنِ الفِعْلِ شِرْكاً أَكْبَرَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الذَّبْحَ عِنْدَ القُبُورِ تَقَرُّباً لِأَصْحَابِهَا هُوَ عِبَادَةُ أَوْثَانٍ فِي صُورَةِ قُبُورٍ، وَهِيَ مِمَّا يُنَاقِضُ الشَّهَادَةَ تَمَاماً. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنْ خَافَ الشِّرْكَ فَقَدْ حُفِظَ إِيمَانُهُ (6).

----------------------------------&

 حَاشِيَةُ 

(1) النَّقْضُ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/467).

(2) مَعْنَى النَّاقِضِ: شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ لِلْفَوْزَانِ (ص: 15).

(3) الشِّرْكُ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ (البَابُ الأَوَّلُ).

(4) تَقْرِيرُ البَاحِثِ: مُّسْتَلٌّ مِنْ تَقْرِيرَاتِ (عِمَادُ الدِّينِ) فِي كَشْفِ الشُّبُهَاتِ.

(5) ابْنُ عُثَيْمِينَ: القَوْلُ المُّفِيدُ (1/120).

(6) سِنْدِيٌّ: شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ (تَفْرِيغٌ مَّسْجِلٌ).

(7) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الذَّبْحِ: عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (1978). [صَحِيحٌ].

(8) نُكْتَةٌ: لِمَاذَا صَدَّرَ المُؤَلِّفُ بَالشِّرْكِ؟ لِأَنَّهُ القَاعِدَةُ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهَا جَمِيعُ النَّوَاقِضِ، فَكُلُّ نَاقِضٍ فِيهِ شَوْبٌ مِنَ الشِّرْكِ.

(9) فَائِدَةٌ: الفَرْقُ بَيْنَ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ (شِرْكٌ أَكْبَرُ) وَمَنْ ذَبَحَ لِلَّهِ عِنْدَ قَبْرٍ (بِدْعَةٌ وَوَسِيلَةٌ لِلشِّرْكِ).

(10) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الذَّبْحُ" فِي الأَصْلِ الشَّقُّ، وَسُمِّيَتِ العِبَادَةُ نُسُكاً لِأَنَّ النُّسُكَ هُوَ الفِضَّةُ المُّصَفَّاةُ، فَكَأَنَّ العِبَادَةَ تُصَفِّي القَلْبَ.

(11) ضَابِطٌ: مَنْ ارْتَكَبَ النَّاقِضَ جَاهِلاً أَوْ مُّتَأَوِّلاً فَلَا يُحْكَمُ بِكُفْرِ عَيْنِهِ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الحُجَّةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُّحَقِّقِينَ.

(12) قَاعِدَةٌ: كُلُّ مَا كَانَ شِرْكاً فَهُوَ نَاقِضٌ، وَلَيْسَ كُلُّ نَاقِضٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ شِرْكاً بَالْمَعْنَى الصَّرِيحِ (كَالِاسْتِهْزَاءِ).

(13) نُكْتَةٌ: قَوْلُهُ (لِلْجِنِّ أَوْ لِلْقَبْرِ)؛ الجِنُّ لِلرَّغْبَةِ فِي المَّنَافِعِ المَّسْتُورَةِ، وَالقَبْرُ لِلرَّغْبَةِ فِي بَرَكَةِ الصَّالِحِينَ المَّزْعُومَةِ.

(14) فَائِدَةٌ: الشِّرْكُ لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ لَيْلَ نَهَارَ ثُمَّ سَجَدَ لِصَنَمٍ سَجْدَةً وَاحِدَةً بَطَلَ عَمَلُهُ كُلُّهُ.

(15) خَاتِمَةٌ: المُّوَحِّدُ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ الشِّرْكَ أَكْثَرَ مِنْ خَوْفِهِ مِنَ المَّوْتِ، لِأَنَّ المَّوْتَ نِهَايَةُ الدُّنْيَا وَالشِّرْكَ نِهَايَةُ الآخِرَةِ.

------------------------------(٢٣)-----------------------------

الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ (24)

[النَّاقِضُ الثَّانِي: اتِّخَاذُ الوَسَائِطِ المُنَافِي لِلتَّوْحِيدِ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ(1)؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ(2)، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ(3)؛ كَفَرَ إِجْمَاعًا».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخِ:

النسخة (أ) مَكْنَز: «مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ كَفَرَ إِجْمَاعًا». (بِلَا تَرْقِيمٍ أَوْ فَوَاصِلَ).

النسخة (ب) قَاسِم: «مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ؛ كَفَرَ إِجْمَاعًا». (بِفَوَاصِلَ مَنْقُوطَةٍ).

النسخة (ج) البَاحِث: طَابَقَتِ النُّسْخَةَ (ب) فِي التَّرْقِيمِ وَالضَّبْطِ الإِعْرَابِيِّ الكَامِلِ.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (الدِّرَاسَةُ وَالتَّحْلِيلُ)

1. تَحْلِيلُ المُّفْرَدَاتِ:

أ- مُّفْرَدَةُ (وَسَائِطَ):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (و س ط)، وَهِيَ المَنْزِلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وَمِنْهُ وَاسِطَةُ القِلَادَةِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: كُلُّ مَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِيُوصِلَ أَحَدَهُمَا بِالآخَرِ نَفْعاً أَوْ دَفْعاً.

المَعْنَى الاصْطِلَاحِيُّ: جَعْلُ بَشَرٍ أَوْ مَلَكٍ أَوْ قَبْرٍ قَنَطَرَةً لِرَفْعِ الحَاجَاتِ لِلَّهِ، ظَنّاً أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ إِلَّا بِهِمْ.

ب- مُّفْرَدَةُ (الشَّفَاعَةَ):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (ش ف ع)، وَهُوَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ لِيَصِيرَ زَوْجاً.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: طَلَبُ الخَيْرِ لِلْغَيْرِ مِنَ المَّالِكِ لَهُ.

المَعْنَى الاصْطِلَاحِيُّ: طَلَبُ الوَسَاطَةِ عِنْدَ اللَّهِ، وَهِيَ هُنَا الشَّفَاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ المَنْفِيَّةُ الَّتِي تُطْلَبُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ.

2. القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

كُلُّ وَاسِطَةٍ تَتَضَمَّنُ صَرْفَ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ شِرْكٌ أَكْبَرُ نَاقِضٌ.

الشَّفَاعَةُ مِلْكٌ لِلَّهِ، وَطَلَبُ المِلْكِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهِ بَاطِلٌ شَرْعاً وَعَقْلاً.

يُفَرَّقُ بَيْنَ وَسَائِطِ التَّبْلِيغِ (الرُّسُل) وَوَسَائِطِ العِبَادَةِ (الأَنْدَاد).

3. (قُلْتُ):

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ المِفْصَلُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالوَثَنِيَّةِ المُّقَنَّعَةِ؛ إِذْ لَمْ يَزْعُمْ المُّشْرِكُونَ لِوَسَائِطِهِمْ رُبُوبِيَّةً، بَلْ زَعَمُوا لَهَا "جَاهاً" يُوجِبُ عَلَى اللَّهِ القَبُولَ، وَهَذَا تَنْقِيصٌ لِعَظَمَةِ الرَّبِّ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ نَصَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حَاجِباً فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ (فَإِنِّي قَرِيبٌ)، وَالتَّوَكُّلُ عَلَى هَؤُلَاءِ هُوَ لُبُّ انْقِطَاعِ العَلَاقَةِ بَيْنَ العَبْدِ وَخَالِقِهِ.

ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ اتِّخَاذَ الوَسَائِطِ يَتَضَمَّنُ فَسَاداً فِي العَقْلِ بِتَشْبِيهِ الخَالِقِ بَالْمَلِكِ الظَّالِمِ، وَفَسَاداً فِي الدِّينِ بِتَحْرِيفِ مَعْنَى العِبَادَةِ. (القَوْلُ المُفِيدُ، ج1، ص142).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ المِفْصَلُ بَيْنَ التَّوْحِيدِ السَّلَفِيِّ وَالشِّرْكِ القُبُورِيِّ. (تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ، ص80).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ فِي أَنَّ كُلَّ حُجَّةٍ يَسُوقُهَا القُبُورِيُّونَ لِتَبْرِيرِ الوَسَاطَةِ هِيَ نَفْسُهَا حُجَجُ أَبِي جَهْلٍ. (شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص20).

------------------------&

 (الحَاشِيَةُ )

(1) تَفْسِيرُ الآيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يُونُس: 18]. يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ: «أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَى المُّشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، يَظُنُّونَ أَنَّ تِلْكَ الآلِهَةَ تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَتُهَا عِنْدَ اللَّهِ». (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج4، ص254).

(2) تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ..» (1). أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (2516)، وَأَحْمَدُ (2669). العِلَلُ (عَلَى نَهْجِ أَحْمَد شَاكِر): إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ رِجَالُ الصَّحِيحِ، غَيْرَ قَيْسِ بْنِ الحَجَّاجِ وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ (قَبْلَ الِاخْتِلَاطِ)، فَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ قَادِحَةَ فِيهِ.

(3) شَرْحُ الحَدِيثِ: يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ فِي "جَامِعِ العُلُومِ وَالحِكَمِ": «هَذَا كَلَامٌ جَامِعٌ لِأُصُولِ الدِّينِ، فَإِنَّ السُّؤَالَ هُوَ الدُّعَاءُ، وَالدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ، فَمَنْ صَرَفَهُ لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ المَخْلُوقَ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً فَمَا ظَنُّكَ بِنَفْعِ غَيْرِهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ». (ج1، ص488).

(4) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الوَاسِطَةُ" تَأْتِي بِمَعْنَى الفَضْلِ، لَكِنَّهَا هُنَا بِمَعْنَى الحَائِلِ، وَالحَائِلُ عَنِ اللَّهِ ضَلَالٌ.

(5) إِثْبَاتُ الإِجْمَاعِ: نَقَلَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "مَجْمُوعِ الفَتَاوَى" (1/121) قَائِلاً: «فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ».

(6) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: يُفَرَّقُ بَيْنَ "التَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ" وَبَيْنَ "اتِّخَاذِ الوَسَائِطِ الشِّرْكِيِّ" بِأَنَّ الأَوَّلَ سُؤَالُ اللَّهِ بِجَاهِ فُلَانٍ، وَالثَّانِي سُؤَالُ فُلَانٍ نَفْسِهِ.

(7) فَائِدَةٌ: مَنْ أَنْكَرَ وَسَائِطَ التَّبْلِيغِ (الرُّسُل) كَفَرَ، وَمَنْ أَثْبَتَ وَسَائِطَ العِبَادَةِ كَفَرَ.

(8) عَزْوٌ دَقِيقٌ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ص188، دَارُ المَكْتَبِ الإِسْلَامِيِّ.

(9) نُكْتَةٌ: سُمِّيَتِ الوَاسِطَةُ (نِدًّا) لِأَنَّهَا تُنَادِدُ اللَّهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ عِنْدَ صَاحِبِهَا.

(10) خَاتِمَةٌ: بَابُ اللَّهِ مَفْتُوحٌ لَا حِجَابَ عَلَيْهِ، فَمَنِ ابْتَغَى وَاسِطَةً فَقَدْ جَهِلَ قُرْبَ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ

------------------------------(٢٤)-----------------------------

الوَجْهُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ (25)

[النَّاقِضُ الثَّالثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ(1)، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ(2)، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ(3)؛ كَفَرَ(4)».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ) مَكْنُز: «مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ كَفَرَ».

النسخة (ب) قَاسِم: «مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ؛ كَفَرَ».

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (دِرَاسَةٌ تَشْرِيحِيَّةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ)

1. المُّشْرِكِينَ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (ش ر ك)، وَهِيَ تَقْسِيمُ المِلْكِ أَوْ جَعْلُ الشَّيْءِ بَيْنَ اثْنَيْنِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: كُلُّ مَنْ صَرَفَ خَصِيصَةً مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ أَوْ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.

المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُنَا يَشْمَلُ (المُّشْرِكَ الأَصْلِيَّ) كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَ(المُّنتَسِبَ لِلْإِسْلَامِ) الَّذِي أَتَى بِمَا يَنْقُضُ أَصْلَ دِينِهِ مِنَ الِاسْتِغَاثَةِ بِالأَضْرِحَةِ وَدُعَاءِ القُبُورِ.

2. شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ:

الاشْتِقَاقُ: مِنَ (الشَّكِّ) وَهُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ، نَقِيضُ اليَقِينِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: التَّرَدُّدُ فِي الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَنْ قَامَ بِهِ الكُفْرُ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ.

المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: التَّوَقُّفُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْخَبَرِ الإِلَهِيِّ.

3. صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ:

المَعْنَى الاصْطِلَاحِيُّ: الثَّنَاءُ عَلَى طَرِيقَتِهِمْ أَوْ زَعْمُ أَنَّهَا مُوصِلَةٌ إِلَى اللَّهِ، أَوْ أَنَّ الخِلَافَ مَعَهُمْ "خِلَافٌ صُورِيٌّ".

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المُسْتَنْبَطَةُ

قَاعِدَةُ التَّلَازُمِ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الكَافِرَ فَقَدْ كَذَّبَ القُرْآنَ، وَتَكْذِيبُ القُرْآنِ كُفْرٌ.

ضَابِطُ التَّفْرِيقِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ (كُفْرِ النَّوْعِ) وَهُوَ تَكْفِيرُ الطَّائِفَةِ كَالبُوذِيَّةِ وَالقُبُورِيَّةِ، وَبَيْنَ (كُفْرِ العَيْنِ) الَّذِي يَحْتَاجُ لِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ.

قَاعِدَةُ العَدَاءِ فِي اللَّهِ: أَصْلُ التَّوْحِيدِ يَقُومُ عَلَى (الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ)، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكَ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ صِدْقاً.

رَابِعًا: (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ حِمَايَةُ "السِّيَاجِ العَقَدِيِّ" لِلْأُمَّةِ؛ إِذْ إِنَّ مَيْعَةَ الحُكْمِ عَلَى المُشْرِكِينَ تَعْنِي هَدْمَ الفَوَارِقِ بَيْنَ الإِيمَانِ وَالوَثَنِيَّةِ. وَالبَاحِثُ يُشِيرُ إِلَى أَنَّ كُفْرَ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ عِلَّتُهُ "الشَّكُّ فِي صِدْقِ الوَحْيِ"، فَإِذَا قَالَ اللَّهُ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ فَجَاءَ مَنْ يَقُولُ "إِخْوَانُنَا" أَوْ "لَا نُكَفِّرُهُمْ" فَقَدْ رَدَّ النَّصَّ. وَهَذَا يَنْسَحِبُ بَالضَّرُورَةِ عَلَى عُبَّادِ القُبُورِ وَالأَضْرِحَةِ؛ فَإِثْبَاتُ الإِسْلَامِ لِمَنْ يَنْقُضُ أَصْلَهُ (دُعَاءُ غَيْرِ اللَّهِ) هُوَ جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الشَّهَادَتَيْنِ.

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْذِيبِ خَبَرِ اللَّهِ، فَإِذَا كَفَّرَ اللَّهُ طَائِفَةً وَجَبَ عَلَيْنَا اعْتِقَادُ كُفْرِهِمْ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ صَحَّحَ مَذْهَبَ المُّشْرِكِينَ فَقَدْ سَاوَى بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ. وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ المَسْأَلَةَ دِينِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لَا مَجَالَ فِيهَا لِلْعَاطِفَةِ المُّجَرَّدَةِ عَنِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ. (القَوْلُ المُفِيدُ، ج1، ص155).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي كُفْرِ المُّشْرِكِينَ مَرَضٌ يَقْدَحُ فِي اليَقِينِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُّشْرِكَ الأَصْلِيَّ فَقَدْ كَفَرَ إِجْمَاعاً. وَيُفَصِّلُ فِي كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ عُبَّادَ القُبُورِ بَعْدَ فَهْمِ الحُجَّةِ، لِأَنَّ عَمَلَهُمْ هُوَ عَيْنُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ. وَيَرَى أَنَّ التَّصْحِيحَ لِمَذَاهِبِهِمْ هُوَ غَايَةُ المُّحَادَّةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. (تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ، ص92).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ يَرْتَبِطُ بِرُكْنِ (التَّوْحِيدِ) وَهُوَ الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَدَّدَ فِي كُفْرِ المُّشْرِكِينَ لَمْ يُحَقِّقِ البَرَاءَةَ الوَاجِبَةَ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الوَاقِعَ المُّعَاصِرَ بِمَا فِيهِ مِنْ دَعَاوَى "وَحْدَةِ الأَدْيَانِ" هُوَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِهَذَا النَّاقِضِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ التَّكْفِيرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتْبَعُ الدَّلِيلَ، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَقَدْ أَعْرَضَ عَنْ جُزْءٍ مِنَ الدِّينِ. (شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص35).

--------------------------------&

الحَاشِيَةُ

(1) اشْتِقَاقُ المُشْرِكِ: مِنَ الشَّرِكَةِ فِي اللُّغَةِ (انْظُرْ: لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ شَرَكَ، ج10، ص448).

(2) نَوْعُ الكُفْرِ: الكُفْرُ هُنَا هُوَ الكُفْرُ الأَكْبَرُ المُّخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَكْذِيبِ القُرْآنِ.

(٣) مَصْدَرُ الإِجْمَاعِ: حَكَاهُ القَاضِي عِيَاضٌ فِي (الشِّفَا)، ج2، ص281: "وَلِهَذَا نُكَفِّرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ دَانَ بِغَيْرِ مِلَّةِ المُسْلِمِينَ.. أَوْ شَكَّ فِيهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ".

(٤) شَرْحُ الحَدِيثِ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ». يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ: "عَلَّقَ العِصْمَةَ بِقَوْلِ الشَّهَادَةِ مَعَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ". (جَامِعُ العُلُومِ، ج1، ص220).

(٥) نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: الشَّكُّ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ لِأَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ جَازِمَةٌ.

(٦) ضَابِطُ التَّكْفِيرِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ (كُفْرِ العَيْنِ) فِيمَنْ تَلَبَّسَ بَالقُبُورِ، حَيْثُ لَا يُكَفَّرُ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ وَيُزَالَ اللَّبْسُ عَنْهُ.

(٧) عَزْوُ التَّقْرِيرَاتِ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ص190.

(٨) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "المَذْهَبُ" هُوَ مَكَانُ الذَّهَابِ، فَتَصْحِيحُ مَذْهَبِهِمْ هُوَ تَصْحِيحٌ لِوُجْهَتِهِمْ إِلَى النَّارِ.

-----------------------------(٢٥)--------------------------

الوَجْهُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ (26)

[النَّاقِضُ الرَّابِعُ: تَفْضِيلُ هَدْيِ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى هَدْيِهِ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«الرَّابِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ(1) أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ(2) النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ(3) مِنْ هَدْيِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ(4) غَيْرِهِ أَحْسَنُ(5) مِنْ حُكْمِهِ، كَالَّذِي يُفَضِّلُ(6) حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ(7) عَلَى حُكْمِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ(8)».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ) مَكْنُز: «مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ..» (النَّصُّ مُرْسَلٌ بِلَا تَرْقِيمٍ).

النسخة (ب) قَاسِم: زَادَتْ بَعْدَ (أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ) قَوْلَهُ: (أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ) وَهِيَ زِيَادَةٌ تَفْصِيلِيَّةٌ لِلنَّاقِضِ.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (دِرَاسَةٌ تَشْرِيحِيَّةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ)

1. اعْتَقَدَ (1):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ العَقْدِ، وَهُوَ الشَّدُّ وَالرَّبْطُ.

الحد الجامع: الجَزْمُ القَلْبِيُّ المُحْكَمُ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ.

2. هَدْيِ (2):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ الهِدَايَةِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ المُوصِلَةُ لِلْمَطْلُوبِ.

الحد الجامع: جَمِيعُ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَفْعَالِ وَالتَّقْرِيرَاتِ.

3. أَكْمَلُ (3):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ الكَمَالِ، وَهُوَ حُصُولُ مَا فِيهِ تَمَامُ الغَرَضِ.

الحد الجامع: مَا لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

4. حُكْمَ (4):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ الحَكْمَةِ، وَهِيَ مَنْعُ الظُّلْمِ لِأَجْلِ الإِصْلَاحِ.

الحد الجامع: الفَصْلُ بَيْنَ النَّاسِ وَتَشْرِيعُ المَنَاهِجِ.

5. أَحْسَنُ (5):

الحد الجامع: صِفَةُ التَّفْضِيلِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَى أَعْلَى مَصَالِحِ العِبَادِ.

6. يُفَضِّلُ (6):

الحد الجامع: تَقْدِيمُ المَفْضُولِ عَلَى الفَاضِلِ فِي الِاعْتِبَارِ أَوِ المَكَانَةِ.

7. الطَّوَاغِيتِ (7):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ الطُّغْيَانِ (مُجَاوَزَةُ الحَدِّ).

الحد الجامع: كُلُّ مَا صَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدَّمَ حُكْمَ البَشَرِ عَلَى حُكْمِ الخَالِقِ.

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالصُّوَرُ المُّفَصَّلَةُ

1. القَوَاعِدُ المُسْتَنْبَطَةُ:

القاعدة (1): هَدْيُ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ مِعْيَارُ الكَمَالِ، فَمَنْ رَأَى فِيهِ نَقْصاً فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ.

القاعدة (2): كُلُّ حُكْمٍ يُخَالِفُ حُكْمَ الرَّسُولِ ﷺ فَهُوَ حُكْمُ طَاغُوتٍ.

2. تَفْصِيلُ الصُّوَرِ وَأَحْكَامُهَا:

الصُّورَةُ الأُولَى: (اعْتِقَادُ أَكْمَلِيَّةِ غَيْرِ هَدْيِهِ):

يَدْخُلُ فِيهَا مَنْ يَرَى أَنَّ الفَلَاسِفَةَ أَوْ أَهْلَ البِدَعِ أَتَوْا بِمَا هُوَ أَنْفَعُ لِلنَّاسِ مِمَّا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ.

الحُكْمُ: كُفْرٌ لِأَنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَلَى بَلَاغِ الرِّسَالَةِ.

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: (تَفْضِيلُ حُكْمِ القَوَانِينِ عَلَى الشَّرْعِ):

كَالَّذِي يَقُولُ أَنَّ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةَ أَعْدَلُ أَوْ أَنْسَبُ لِلْحَيَاةِ المُعَاصِرَةِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ.

الحُكْمُ: كُفْرٌ عَيْنِيٌّ لِأَنَّهُ نَصَبَ المَخْلُوقَ مُشَرِّعاً مَعَ اللَّهِ.

رَابِعًا: (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ نَاقِضُ "العِلْمِ وَالحِكْمَةِ"؛ فَمَنْ فَضَّلَ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ نَسَبَ لِلَّهِ الجَهْلَ -حَاشَاهُ- بِمَصَالِحِ خَلْقِهِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ كُلَّ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ الِاسْتِحْسَانِ لِلْقَوَانِينِ الطَّاغُوتِيَّةِ هِيَ هَدْمٌ لِمُقْتَضَى "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، لِأَنَّ الرِّسَالَةَ تَعْنِي أَنَّ هَدْيَهُ ﷺ هُوَ المِعْيَارُ الأَوْحَدُ لِلْكَمَالِ البَشَرِيِّ.

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ مَنْ رَأَى حُكْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَحْسَنَ، فَقَدْ جَعَلَ المَخْلُوقَ أَعْلَمَ بِمَصَالِحِ النَّاسِ مِنَ الخَالِقِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ فَضَّلَ القَانُونَ الوَضْعِيَّ فَقَدْ كَفَرَ كُفْراً مُّخْرِجاً عَنِ المِلَّةِ، لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ مُنَزَّلَةٌ مِمَّنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ يُصَادِمُ أَدِلَّةَ القُرْآنِ القَطْعِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّضَا بَالشَّرِيعَةِ شَرْطٌ فِي تَمَامِ الإِسْلَامِ. (9).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الحَاكِمِيَّةَ هِيَ لُبُّ الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ حُكْمَ الطَّاغُوتِ أَصْلَحُ لِلْمُجْتَمَعِ فَقَدْ كَفَرَ بِالرَّسُولِ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ المَسَائِلُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ، فَمَنْ فَضَّلَ هَدْيَ الكُفَّارِ فِيهَا فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ. وَيُفَصِّلُ فِي كُفْرِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ تَعَالِيمَ الإِسْلَامِ لَا تُلَائِمُ الزَّمَانَ، مُعْتَبِراً ذَلِكَ طَعْناً فِي الرِّسَالَةِ. (10).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ فِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ يَمَسُّ خَصِيصَةَ التَّشْرِيعِ، وَأَنَّ مَنْ نَازَعَ اللَّهَ فِيهَا فَقَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ إِلَهاً. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ قَدَّمَ عَقْلَهُ عَلَى نَصِّ السُّنَّةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا النَّاقِضِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ التَّسْلِيمَ المُطْلَقَ لِلْوَحْيِ هُوَ جَوْهَرُ العُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ أَيَّ رُكُونٍ لِلْمَنَاهِجِ الغَرْبِيَّةِ هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّوَلِّي عَنْ دِينِ اللَّهِ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الكُفْرَ يُحْبِطُ العَمَلَ لِأَنَّهُ يُنَافِي الِاتِّبَاعَ. (8).

-----------------------&

الحَاشِيَةُ

(1) اشْتِقَاقُ الِاعْتِقَادِ: مِنَ العَقْدِ (انْظُرْ: "مَقَايِيسُ اللُّغَةِ"، مَادَّةُ عَقَدَ، ج4، ص80).

(2) اشْتِقَاقُ الهَدْيِ: مِنَ الهِدَايَةِ، وَهِيَ المَيْلُ إِلَى الرَّشَادِ (مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج6، ص42).

(3) نَوْعُ الكُفْرِ: كُفْرُ جُحُودٍ وَتَفْضِيلٍ مُّخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ.

(4) ضَابِطُ التَّفْضِيلِ: المُرَادُ بِهِ جَعْلُ المَفْضُولِ أَحْسَنَ أَوْ مُّسَاوِياً لِلْفَاضِلِ.

(5) اشْتِقَاقُ الحُكْمِ: مِنَ المَنْعِ لِلإِصْلَاحِ (لِسَانُ العَرَبِ، ج12، ص140).

(6) صُورَةٌ: مَنْ فَضَّلَ حُكْمَ القَانُونِ فَقَدْ جَعَلَ لِلْبَشَرِ حَقَّ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ.

(7) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "أَكْمَلُ" عَلَى وَزْنِ (أَفْعَل)، لَا يُقَالُ فِي حَقِّ المَخْلُوقِ نِسْبَةً لِلَّهِ.

(8) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: صَالِح سِنْدِيّ، "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، ص 42.

(9) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج1، ص158-160.

(10) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ"، ص 102.

----------------------------(٢٦)------------------------------

الوَجْهُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ (27)

[النَّاقِضُ الخَامِسُ: بُغْضُ شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«الخَامِسُ: مَنْ أَبْغَضَ(1) شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ(2)؛ كَفَرَ(3)».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ) مَكْنُز: «مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ عَمِلَ بِهِ كَفَرَ». (بِلَا فَوَاصِلَ).

النسخة (ب) قَاسِم: «مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ؛ كَفَرَ». (بِضَبْطِ كَلِمَةِ "شَيْئاً" بَالْتَّنْوِينِ وَتَرْقِيمِ الجُمْلَةِ).

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (دِرَاسَةٌ تَشْرِيحِيَّةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ)

1. أَبْغَضَ (1):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (ب غ ض)، وَهِيَ نَقِيضُ الحُبِّ، وَتَدُلُّ عَلَى الكَرَاهَةِ وَالثِّقَلِ.

الحد الجامع: نُفُورُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ وَاسْتِثْقَالُهُ قَلْبِيًّا.

2. وَلَوْ عَمِلَ بِهِ (2):

المعنى: أَيْ وَإِنْ أَدَّى الشَّعِيرَةَ بِجَوَارِحِهِ (كَالصَّلَاةِ أَوِ الحِجَابِ)، لَكِنَّ قَلْبَهُ كَارِهٌ لِتَشْرِيعِهَا أَوْ نَافِرٌ مِنْ كَوْنِهَا دِيناً.

3. كَفَرَ (3):

الحد الجامع: الخُرُوجُ مِنَ المِلَّةِ، لِأَنَّ هَذَا البُغْضَ يُنَافِي أَصْلَ المَحَبَّةِ الَّتِي هِيَ رُكْنُ الإِيمَانِ.

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المُسْتَنْبَطَةُ

قَاعِدَةُ التَّلَازُمِ: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، فَفَسَادُ الِاعْتِقَادِ (بَالْبُغْضِ) يُبْطِلُ صِحَّةَ العَمَلِ الظَّاهِرِ.

ضَابِطُ "شَيْئاً": نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تُفِيدُ العُمُومَ؛ فَبُغْضُ (سُنَّةٍ رَاتِبَةٍ) كَبُغْضِ (فَرِيضَةٍ مُحْكَمَةٍ) فِي كَوْنِهِ نَاقِضاً.

قَاعِدَةُ المَحَبَّةِ: مَحَبَّةُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإِسْلَامِ، وَبُغْضُهُ رِدَّةٌ.

رَابِعًا: (قُلْتُ)تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ "نَاقِضُ القَبُولِ القَلْبِيِّ"؛ فَالمُنَافِقُونَ عَمِلُوا بَالجَوَارِحِ لَكِنَّهُمْ أَبْغَضُوا بَالقُلُوبِ فَكَانُوا فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ. وَالبَاحِثُ يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ الكَرَاهَةَ لِلشَّرِيعَةِ بِوَصْفِهَا "شَرِيعَةً" هِيَ المُنَاطُ المُّكَفِّرُ، أَمَّا اسْتِثْقَالُ العَمَلِ لِمَشَقَّتِهِ مَعَ حُبِّ مَشْرُوعِيَّتِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ لَا نَاقِضٌ، فَلْيُتَنَبَّهْ لِهَذَا الفَرْقِ الدَّقِيقِ.

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ البُغْضَ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَهْدِمُ أَصْلَ الِانْقِيَادِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ عَمِلَ بِالسُّنَّةِ وَهُوَ مُبْغِضٌ لَهَا لَمْ يَنْفَعْهُ عَمَلُهُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اشْتَرَطَ الرِّضَا. وَيَرَى أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ يَنْسَحِبُ عَلَى مَنْ يَكْرَهُ تَعَدُّدَ الزَّوْجَاتِ أَوْ المِيرَاثَ بِوَصْفِهَا أَحْكَاماً شَرْعِيَّةً، فَهَذَا عَيْنُ الكُفْرِ بَالنَّصِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ سَلَامَةَ القَلْبِ مِنْ بَغْضِ الوَحْيِ هِيَ عِمَادُ التَّوْحِيدِ. (9).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ هَذَا النَّاقِضَ خَاصٌّ بِالمُنَافِقِينَ نِفَاقاً اعْتِقَادِيّاً، إِذْ الظَّاهِرُ خِلَافُ البَاطِنِ. وَيَرَى أَنَّ مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ أَبْغَضَ المُرْسِلَ سُبْحَانَهُ. وَيُفَصِّلُ فِي خُطُورَةِ مَنْ يَقُولُ "نَحْنُ نُصَلِّي لَكِنَّنَا لَا نُحِبُّ هَذَا التَّشْدِيدَ"، مُعْتَبِراً هَذِهِ العِبَارَاتِ مَزَالِقَ لِلرِّدَّةِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ المَحَبَّةَ هِيَ الرَّكِيزَةُ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا عَمَلُ الجَوَارِحِ. (10).

تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ فِي أَنَّ البُغْضَ مَحَلُّهُ القَلْبُ وَيُظْهِرُهُ اللَّهُ فِي لَحْنِ القَوْلِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ لَا يُعْذَرُ فِيهِ صَاحِبُهُ لِأَنَّهُ يَقْدَحُ فِي المَحَبَّةِ الوَاجِبَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ كَرِهَ شَيْئاً مِنَ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ. وَيَرَى أَنَّ المَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَالإِيمَانُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ بُغْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي صَدْرِ مُؤْمِنٍ. (8).

--------------------------------&

 الحَاشِيَةُ

(1) الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [مُحَمَّد: 9].

(2) تَفْسِيرُ الآيَةِ: يَقُولُ ابْنُ كَثِيرٍ: "أَيْ: لَمْ يُرِيدُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، بَلْ أَبْغَضُوهُ وَكَرِهُوهُ، فَلِذَلِكَ أَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي صِحَّتِهَا المَحَبَّةُ وَالرِّضَا". (تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ج7، ص310).

(3) الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ: 5063، وَمُسْلِمٌ: 1401).

(4) شَرْحُ الحَدِيثِ: يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: "الرَّغْبَةُ عَنِ السُّنَّةِ إِنْ كَانَتْ بَالْبُغْضِ لَهَا وَالِاسْتِكْبَارِ عَنْهَا فَهِيَ كُفْرٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَكاسُلًا فَهِيَ مَعْصِيَةٌ". (انْظُرْ: "فَتْحُ البَارِي" لِابْنِ رَجَبٍ).

(5) اشْتِقَاقُ البُغْضِ: مِنَ المَادَّةِ (ب غ ض) الَّتِي تَدُلُّ عَلَى النُّفُورِ (مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج1، ص271).

(6) نَوْعُ الكُفْرِ: كُفْرُ اعْتِقَادٍ، وَهُوَ مُّحْبِطٌ لِلْعَمَلِ بَالنَّصِّ القُرْآنِيِّ.

(7) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: جَاءَتْ "شَيْئاً" نَكِرَةً لِتَشْمَلَ كُلَّ جُزْئِيَّةٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ بَقَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا.

(8) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: صَالِح سِنْدِيّ، "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، ص 45.

(9) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج1، ص162.

(10) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ"، ص 110.

-------------------------(٢٧)---------------------------

الوَجْهُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ (٢٨)

[النَّاقِضُ السَّادِسُ: الِاسْتِهْزَاءُ بِدِينِ الرَّسُولِ ﷺ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«السَّادِسُ: مَنِ اسْتَهْزَأَ(١) بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ(٢) الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ ثَوَابِهِ(٣)، أَوْ عِقَابِهِ(٤)؛ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦]».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ) مَكْنُز: «مَنِ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ كَفَرَ». (جَاءَتْ بِلَا تَرْقِيمٍ لِلْآيَاتِ).

النسخة (ب) قَاسِم: «مَنِ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ ثَوَابِهِ أَوْ عِقَابِهِ؛ كَفَرَ». (أَثْبَتَتِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ وَفَصَلَتْ بَيْنَ المَتْنِ وَالدَّلِيلِ).

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (دِرَاسَةٌ تَشْرِيحِيَّةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ)

١. اسْتَهْزَأَ (١):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (هـ ز أ)، وَهُوَ السُّخْرِيَّةُ وَالِاسْتِخْفَافُ.

الحد الجامع: كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُقْصَدُ بِهِ تَنْقِيصُ المَقَامِ الشَّرْعِيِّ عَلَى سَبِيلِ المَزْحِ أَوِ التَّهَكُّمِ.

٢. دِينِ الرَّسُولِ (٢):

الحد الجامع: كُلُّ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ مِنَ الأَحْكَامِ العَقَدِيَّةِ وَالعَمَلِيَّةِ، سَوَاءً كَانَتْ فَرَائِضَ أَوْ سُنَنًا.

٣. ثَوَابِهِ (٣):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (ث و ب)، وَهُوَ الرُّجُوعُ، أَيْ مَا يَرْجِعُ لِلْعَامِلِ مِنْ جَزَاءٍ حَسَنٍ.

الحد الجامع: مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْمُطِيعِينَ مِنَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا.

٤. عِقَابِهِ (٤):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ المَادَّةِ (ع ق ب)، لِأَنَّهُ يَأْتِي عَقِبَ الذَّنْبِ.

الحد الجامع: مَا تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ العُصَاةَ وَالكَفَرَةَ مِنَ النَّارِ وَأَنْوَاعِ العَذَابِ.

ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ المُسْتَشْهَدِ بِهَا

١. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ:

يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي المُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: "مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ أَرْغَبَ بُطُونًا، وَلَا أَكْذَبَ أَلْسِنَةً، وَلَا أَجْبَنَ عِنْدَ اللِّقَاءِ"، فَبَيَّنَ اللَّهُ أَنَّ اسْتِهْزَاءَهُمْ بِحَمَلَةِ القُرْآنِ هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِالدِّينِ نَفْسِهِ، وَأَنَّ قَوْلَهُمْ (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ) لَيْسَ عُذْرًا، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِوُقُوعِ الكُفْرِ بَعْدَ الإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ التَّهَكُّمِيِّ. (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج٤، ص١٧٢).

٢. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ:

يُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ مُنَافٍ لِلإِيمَانِ تَمَامَ المُنَافَاةِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ قَائِمٌ عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ وَتَعْظِيمِ دِينِهِ وَرُسُلِهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الِاسْتِخْفَافَ، وَمَنِ اسْتَخَفَّ بِأَصْلِ الدِّينِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْهُ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ (قَدْ كَفَرْتُمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَبْلَ هَذِهِ المَقَالَةِ، ثُمَّ ارْتَدُّوا بِسَبَبِهَا. (تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص٣٤٢).

رَابِعًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المُسْتَنْبَطَةُ

١. قَاعِدَةُ التَّعْظِيمِ: تَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللَّهِ دَلِيلُ تَقْوَى القُلُوبِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهَا دَلِيلُ خَرَابِهَا.

٢. ضَابِطُ المَزْحِ: لَا فَرْقَ فِي الِاسْتِهْزَاءِ بَيْنَ الجَادِّ وَالهَازِلِ؛ فَالقَصْدُ اللَّفْظِيُّ كَافٍ لِإِيقَاعِ الكُفْرِ.

٣. قَاعِدَةُ الشُّمُولِ: الِاسْتِهْزَاءُ بِسُنَّةٍ وَاحِدَةٍ (كَالسِّوَاكِ أَوْ تَقْصِيرِ الثَّوْبِ) لِكَوْنِهَا شَرِيعَةً، هُوَ اسْتِهْزَاءٌ بِأَصْلِ الرِّسَالَةِ.

خَامِسًا: (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ "نَاقِضُ المَهَابَةِ"؛ فَالإِيمَانُ سِيَاجُهُ الوَقَارُ، وَمَتَى مَا اجْتَرَأَ اللِّسَانُ بِالسُّخْرِيَّةِ سَقَطَ الِاحْتِرَامُ مِنَ القَلْبِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ خُطُورَةَ هَذَا النَّاقِضِ فِي زَمَانِنَا تَكْمُنُ فِيمَا يُسَمَّى "الكُومِيدْيَا السَّاخِرَةَ" الَّتِي تَتَنَاوَلُ بَعْضَ الثَّوَابِتِ أَوْ المَظَاهِرِ الشَّرْعِيَّةِ، وَهِيَ رِدَّةٌ مُغَلَّفَةٌ بَالضَّحِكِ، فَلَا عُذْرَ لِخَائِضٍ وَلَا لِعَابِ؛ لِأَنَّ جَنَابَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ لَا يُجْعَلُ مَحَلًّا لِلتَّنَدُّرِ.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ يَنْقَسِمُ إِلَى: صَرِيحٍ (كَالسَّبِّ)، وَغَيْرِ صَرِيحٍ (كَالرَّمْزِ وَالغَمْزِ). وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنِ اسْتَهْزَأَ بِعِبَادَةٍ فَقَدِ اسْتَهْزَأَ بَالْمَعْبُودِ، وَأَنَّ الحُكْمَ بِالكُفْرِ هُنَا قَطْعِيٌّ لِدَلَالَةِ سِيَاقِ سُورَةِ التَّوْبَةِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ يُحْبِطُ العَمَلَ بِالْكُلِّيَّةِ. (٩).

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ هُوَ غَايَةُ المُحَادَّةِ لِلَّهِ، لِأَنَّ المُّؤْمِنَ يَنْقَادُ بِحُبٍّ وَتَعْظِيمٍ، وَالمُسْتَهْزِئُ يَنْفِرُ بِسُخْرِيَّةٍ. وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِالثَّوَابِ (كَالجَنَّةِ) أَوْ العِقَابِ (كَالنَّارِ) هُوَ تَكْذِيبٌ لِلْخَبَرِ الإِلَهِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ يُسْتَهْزَأُ فِيهِ وَلَمْ يُنْكِرْ فَهُوَ مِثْلُهُمْ فِي الحُكْمِ. (١٠).

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ فِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ يَمَسُّ "قَوْلَ القَلْبِ" وَ"قَوْلَ اللِّسَانِ". وَيُبَيِّنُ أَنَّ خُطُورَتَهُ تَكْمُنُ فِي سُهُولَةِ جَرَيَانِهِ عَلَى الأَلْسِنَةِ بَيْنَ الغَافِلِينَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْهُ تَكُونُ بِإِعْلَانِ تَكْذِيبِ النَّفْسِ وَتَعْظِيمِ مَا جَرَى اسْتِهْزَاؤُهُ بِهِ. وَيَرَى أَنَّ المَسْأَلَةَ مِعْيَارٌ لِصِدْقِ اليَقِينِ. (٨).

سَابِعًا: الحَاشِيَةُ (١٠ عَنَاصِر)

(١) اشْتِقَاقُ الِاسْتِهْزَاءِ: (مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج٦، ص٤٦).

(٢) عَزْوُ الآيَةِ: سُورَةُ التَّوْبَةِ، الآيَتَانِ ٦٥-٦٦.

(٣) تَخْرِيجُ سَبَبِ النُّزُولِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" (ج١٤، ص٣٣٣) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ.

(٤) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج٤، ص١٧٢.

(٥) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص٣٤٢.

(٦) نَوْعُ الكُفْرِ: كُفْرُ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ بَالإِجْمَاعِ.

(٧) ضَابِطٌ: مَنِ اسْتَهْزَأَ بَالْمُسْلِمِ لِشَخْصِهِ لَا لِدِينِهِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ، أَمَّا لِدِينِهِ فَهُوَ الكُفْرُ.

(٨) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: صَالِح سِنْدِيّ، "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، ص ٤٨.

(٩) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج١، ص١٦٥.

(١٠) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ"، ص ١١٥.

--------------------------(٢٨)--------------------------------

الوَجْهُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ (٢٩)

​[النَّاقِضُ السَّابِعُ: السِّحْرُ]

​أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

​قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«السَّابِعُ: السِّحْرُ(١)، وَمِنْهُ الصَّرْفُ(٢) وَالعَطْفُ(٣)، فَمَنْ فَعَلَهُ(٤) أَوْ رَضِيَ بِهِ(٥)؛ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢]».

​المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

​النسخة (أ) مَكْنُز: جاء فيها النص بلفظ: «السابع السحر ومنه الصرف والعطف فمن فعله أو رضي به كفر».

​النسخة (ب) قَاسِم: زادت ضبط الكلمات بالشكل التام، وأوردت الآية كاملة في الحاشية، مع تمييز (الصرف والعطف) كأمثلة تطبيقية للناقض.

​ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (دِرَاسَةٌ تَشْرِيحِيَّةٌ لِلْمُفْرَدَاتِ)

​١. السِّحْرُ (١):

​الاشْتِقَاقُ: مِنَ "السَّحَرِ" وهو اختلاط الظلام بالضياء، وسُمي بذلك لخفاء أسبابه.

​الحد الجامع: عزائم ورقى وكلام يتكلم به الساحر أو يكتبه، أو يعمل شيئاً يؤثر في بدن المَسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له.

​٢. الصَّرْفُ (٢):

​الحد الجامع: عمل سحري يُراد به تغيير وجهة الإنسان عما يحب، وأشهر صوره "التفريق بين الزوجين".

​٣. العَطْفُ (٣):

​الحد الجامع: عمل سحري يُراد به تحبيب الإنسان في شيء بطريق غير شرعي، ويُسمى "التِّوَلَة".

​٤. فَعَلَهُ (٤):

​المعنى: المباشرة بالعمل، ويدخل فيه الساحر (الفاعل الأصلي) والمستسحر (الذي يطلب السحر ليعمل له)؛ لاتفاقهما على الكفر.

​٥. رَضِيَ بِهِ (٥):

​المعنى: الإقرار القلبي بصحته، أو الدفاع عن السحرة، أو الرضا بوجودهم في المجتمع دون إنكار؛ لأن الرضا بالكفر رِدة.

​ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ (ابْنُ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيُّ)

​١. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ:

يُقرر الحافظ أن السحر من وحي الشياطين، وأن الله أنزل المَلَكين (هاروت وماروت) اختباراً للعباد، فكانا لا يُعلمان أحداً حتى يُبينا له أن هذا التعليم "فتنة" تؤدي إلى الكفر، فمن استمر وتعلّم فقد كفر. ويؤكد أن السحر له حقيقة وتأثير، ولكنه لا يقع إلا بمشيئة الله الكونية. (تفسير ابن كثير، ج١، ص٣٥٠).

​٢. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ:

يُبين أن السحر يجمع بين الشرك في الربوبية (بدعوى التصرف في الكون) والشرك في الألوهية (بالتقرب للشياطين). ويؤكد أن من تعلّم السحر فقد بطل إيمانه، لأن السحر لا يخدم صاحبه إلا إذا كفر بالله وعظم الشيطان. (تيسير الكريم الرحمن، ص٥٨).

​رَابِعًا: القَوَاعِدُ وَالأَنْوَاعُ

​١. قاعدة "السببية": السحر سبب كوني للضرر، لكنه محرم شرعاً لأنه يقوم على وسائط كفرية.

٢. ضابط "الرضا": السكوت عن السحر مع القدرة على التغيير معصية، أما الاستحسان القلبي فهو الناقض.

٣. أنواع السحر:

​سحر الشياطين: وهو القائم على العبادة لغير الله (كفر أكبر).

​سحر التخييل: وهو الذي يغير ملامح الأشياء في العين دون حقيقتها.

​خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ

​١. تقرير العَلَّامة ابن عُثيمين: يرى أن الساحر كافر لأنه لا يصل لسحره إلا بالتقرب للجن بذبح أو تدنيس مقدسات. ويُفصل في "الصرف والعطف" كونهما من أعظم مفسدات الروابط البشرية. (٩).

٢. تقرير الشيخ محمد بن خليفة التميمي: يؤصل لكون السحر مناقضاً لشهادة "لا إله إلا الله"؛ لأن الساحر يزعم لنفسه حقوقاً إلهية في الضر والنفع. (١٠).

٣. تقرير الشيخ صالح سندي: يُحقق في مسألة قتل الساحر، ويُبين أن السحر من أفتك الوسائل بالدين، وأن الرضا به يُخرج من الملة باتفاق. (٨).

-----------------------------------&

 الحَاشِيَةُ 

​(١) اشتقاق السحر: (مقاييس اللغة، ج٣، ص١٣٨).

(٢) عزو الآية: البقرة: ١٠٢.

(٣) تخريج حديث التِّوَلَة: (أخرجه أحمد وأبو داود: ٣٨٨٣).

(٤) تفسير ابن كثير: ج١، ص٣٥٠.

(٥) تفسير السعدي: ص٥٨.

(٦) ضابط: من ذهب للساحر وصدقه كفر بماله، ومن عمل سحراً كفر بذاته.

(٧) إجماع: نقل القاضي عياض الإجماع على تكفير الساحر.

(٨) عزو سندي: ص٥٣.

(٩) عزو العثيمين: "القول المفيد"، ج١، ص٤٨٩.

(١٠) عزو التميمي: ص١٢٢.

 ---------------------------(٢٩)--------------------------------

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: عِلَاجُ السِّحْرِ (النُّشْرَةُ) وَفِقْهُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الرُّقْيَةِ وَالسِّحْرِ

أَوَّلًا: النُّشْرَةُ (حَقِيقَتُهَا وَأَنْوَاعُهَا)

النُّشْرَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الانْتِشَارِ، وَهِيَ كَشْفُ الضُّرِّ عَنِ المَسْحُورِ. وَتَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

١. نُشْرَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ (حَلُّ السِّحْرِ بِالسِّحْرِ): وَهِيَ الَّتِي عَنَاهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ». وَصُورَتُهَا أَنْ يَتَقَرَّبَ النَّاشِرُ وَالمُنْتَشِرُ إِلَى الشَّيْطَانِ بِمَا يُحِبُّ لِيَبْطِلَ عَمَلَهُ عَنِ المَسْحُورِ، وَهَذَا دَاخِلٌ فِي النَّاقِضِ لِأَنَّ فِيهِ رِضاً بَالْكُفْرِ وَتَعَاطِياً لَهُ.

٢. نُشْرَةٌ شَرْعِيَّةٌ (حَلُّ السِّحْرِ بَالْوَحْيِ): وَتَكُونُ بَالْقُرْآنِ الكَرِيمِ (كالمُعَوِّذَاتِ وَآيَةِ الكُرْسِيِّ وَآيَاتِ السِّحْرِ فِي الأَعْرَافِ وَيُونُسَ وَطه)، وَبَالْأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ المَأْثُورَةِ، وَالأَدْوِيَةِ المُبَاحَةِ (كَالسَّدْرِ وَالعَسَلِ وَالحَبَّةِ السَّوْدَاءِ).

ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ كَشْفِ السَّحَرَةِ (عَلَامَاتُ السَّاحِرِ)

مِنْ تَمَامِ فِقْهِ هَذَا النَّاقِضِ أَنْ يَعْرِفَ البَاحِثُ كَيْفَ يُمَيِّزُ العَامَّةُ بَيْنَ "الرَّاقِي الشَّرْعِيِّ" وَ"السَّاحِرِ الكَافِرِ":

١. السُّؤَالُ عَنِ الِاسْمِ: السَّاحِرُ غَالِباً مَا يَسْأَلُ عَنِ اسْمِ المَرِيضِ وَاسْمِ أُمِّهِ (لِارْتِبَاطِ ذَلِكَ بِحِسَابَاتِ النُّجُومِ وَالجِنِّ).

٢. الرُّقَى المَجْهُولَةُ: التَّمْتَمَةُ بِكَلِمَاتٍ غَيْرِ مَفْهُومَةٍ أَوْ طَلَاسِمَ أَعْجَمِيَّةٍ تُنَادِي رُؤُوسَ الشَّيَاطِينِ.

٣. طَلَبُ القَرَابِينِ: طَلَبُ ذَبْحِ حَيَوَانٍ بِصِفَاتٍ مُعَيَّنَةٍ (كَغُرَابٍ أَوْ دِيكٍ أَسْوَدَ) وَلَا يُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أَوْ تَلْطِيخِ مَكَانٍ بَالْدَّمِ.

٤. الإِخْبَارُ بَالْمَغِيبَاتِ: الِادِّعَاءُ بِمَعْرِفَةِ مَكَانِ السِّحْرِ أَوْ مَنْ قَامَ بِهِ دُونَ مُقَدِّمَاتٍ حِسِّيَّةٍ، وَهَذَا مِنَ الِاسْتِعَانَةِ بِالجِنِّ المُّحَرَّمَةِ.

ثَالِثًا: حُكْمُ تَعَلُّمِ السِّحْرِ لِدَفْعِهِ (مَسْأَلَةُ العِلْمِ بِالشَّرِّ)

١. رَأْيُ الجُمْهُورِ: مَنْعُ تَعَلُّمِهِ مُطْلَقاً، لِأَنَّ الآيَةَ قَالَتْ: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فَلَمْ تُبِحِ التَّعَلُّمَ لِأَيِّ غَرَضٍ كَانَ.

٢. رَأْيُ بَعْضِ العُلَمَاءِ: أَجَازَهُ بَعْضُ المُتَأَخِّرِينَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فَقَطْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ لِمَعْرِفَةِ أَنْوَاعِهِ وَإِبْطَالِهِ، وَالصَّحِيحُ المَنْعُ لِأَنَّ ضَرَرَهُ أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِ وَطَرِيقَهُ لَا يَخْلُو مِنْ شِرْكٍ.

رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (تَوَسُّعٌ فِي النَّوَازِلِ)

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يَرَى الشَّيْخُ أَنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ السِّحْرَ يَنْفَعُ بِذَاتِهِ دُونَ مَشِيئَةِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ كُفْراً مُّخْرِجاً مِنَ المِلَّةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى التَّمَائِمِ السِّحْرِيَّةِ هُوَ خَدْشٌ فِي جَنَابِ التَّوْحِيدِ. (٩).

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يُحَذِّرُ مِنْ خُطُورَةِ "السِّحْرِ العَصْرِيِّ" المُّتَمَثِّلِ فِي بَعْضِ بَرَامِجِ الدَّجَلِ وَالشَّعْوَذَةِ الَّتِي تُنْشَرُ فِي الفَضَائِيَّاتِ، وَيَعْتَبِرُ مُشَاهَدَتَهَا مَعَ التَّصْدِيقِ دُخُولاً فِي هَذَا النَّاقِضِ. (١٠).

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُفَصِّلُ فِي قَاعِدَةِ "سَدِّ الذَّرَائِعِ"، وَأَنَّ الشَّرِيعَةَ حَرَّمَتِ السِّحْرَ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى قَطْعِ التَّوَكُّلِ عَلَى اللَّهِ وَرَبْطِ النَّاسِ بَالْمَخْلُوقَاتِ الخَفِيَّةِ المُّؤْذِيَةِ. (٨).

----------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ النُّشْرَةِ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٨٦٨) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.

(٢) قَوْلُ ابْنِ القَيِّمِ: فِي "إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ" (ج١، ص٣٥) فَصَّلَ فِي أَنْوَاعِ النُّشْرَةِ وَأَبْطَلَ نُشْرَةَ السَّحَرَةِ.

(٣) تَعْرِيفُ السَّدْرِ: هُوَ وَرَقُ شَجَرِ النَّبْقِ، وَقَدْ جَرَّبَهُ السَّلَفُ فِي عِلَاجِ المَحْبُوسِ عَنْ زَوْجَتِهِ.

(٤) عَزْوُ القُرْطُبِيِّ: "الجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ" (ج٢، ص٤٩) فِي تَقْرِيرِ كُفْرِ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ.

(٥) فَتْوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ: رَقْم (١٩٣١) فِي تَحْرِيمِ الذَّهَابِ لِلسَّحَرَةِ وَلَوْ لِلْعِلَاجِ.

(٦) نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: سُمِيَتِ التِّوَلَةُ (سِحْرُ العَطْفِ) لِأَنَّهَا تُوَلِّهُ القَلْبَ أَيْ تُحَيِّرُهُ فِي المَحَبَّةِ.

(٧) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: ص٥٦.

(٨) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ"، ج١، ص١٢٠.

(٩) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ"، ص١٣٥.

(١٠) قَاعِدَةُ مَقَاصِدِيَّةٌ: "حِفْظُ الدِّينِ مُقَدَّمٌ عَلَى حِفْظِ النَّفْسِ"، لِذَا قُتِلَ السَّاحِرُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ نَفْعٌ مُّتَوَهَّمٌ.

---------------------------(٣٠)--------------------------------

المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: فِقْهُ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَحْكَامُ التَّدَاوِي بَالْوَحْيِ

أَوَّلًا: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ

١. الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الرُّقْيَةُ مِنَ المَادَّةِ (ر ق ي)، وَهِيَ الصُّعُودُ وَالِارْتِفَاعُ، وَقِيلَ: هِيَ العُوذَةُ الَّتِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الآفَةِ كَالحُمَّى وَالصَّرْعِ.

٢. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هِيَ أَلْفَاظٌ مَّخْصُوصَةٌ مِنَ القُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ أَوْ الأَدْعِيَةِ المُّبَاحَةِ، يُقْرَأُ بِهَا عَلَى المَرِيضِ لِطَلَبِ الشِّفَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، بِشَرْطِ خُلُوِّهَا مِنَ الشِّرْكِ وَخَفَاءِ المَعْنَى.

ثَانِيًا: أَنْوَاعُ الرُّقْيَةِ

١. رُقْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ مَا اجْتَمَعَ فِيهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ (أَنْ تَكُونَ بِكَلَامِ اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ، أَنْ تَكُونَ بَاللِّسَانِ العَرَبِيِّ، أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ بِذَاتِهَا بَلْ بِقَدَرِ اللَّهِ).

٢. رُقْيَةٌ شِرْكِيَّةٌ: وَهِيَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اسْتِغَاثَةٍ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الجِنِّ أَوِ المَلَائِكَةِ أَوِ الأَنْبِيَاءِ، أَوْ كَانَتْ بِأَسْمَاءٍ أَعْجَمِيَّةٍ مَجْهُولَةٍ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

١. مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢].

٢. مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ». (رَوَاهُ مُسْلِمٌ: ٢٢٠٠).

رَابِعًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ الرُّقْيَةَ لَيْسَتْ طِلَسْماً سِحْرِيّاً، بَلْ هِيَ "دُعَاءٌ وَتَوَسُّلٌ" بِكَلَامِ الخَالِقِ لِإِزَالَةِ أَثَرِ المَخْلُوقِ الشَّيْطَانِيِّ. وَالبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ انْتِفَاعَ المَرِيضِ بِالرُّقْيَةِ مَشْرُوطٌ بِـ"قُوَّةِ نَفْسِ الرَّاقِي" وَ"قَبُولِ مَحَلِّ المُرْقَى"، فَإِذَا اجْتَمَعَ يَقِينُ الرَّاقِي مَعَ إِيمَانِ المَرِيضِ حَصَلَ الشِّفَاءُ بِإِذْنِ اللَّهِ. وَأَرَى أَنَّ التَّوَسُّعَ فِي الرُّقْيَةِ التِّجَارِيَّةِ المُّعَاصِرَةِ قَدْ يَخْدِشُ فِي كَمَالِ التَّوَكُّلِ إِذَا تَعَلَّقَ القَلْبُ بَالرَّاقِي لَا بَالرَّبِّ.

خَامِسًا: طُرُقُ الرُّقْيَةِ عِنْدَ العُلَمَاءِ

١. القِرَاءَةُ مَعَ النَّفْثِ: وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ مَعَهُ رِيقٌ خَفِيفٌ، وَهُوَ فِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ.

٢. القِرَاءَةُ مَعَ المَسْحِ: أَنْ يَمْسَحَ الرَّاقِي بِيَدِهِ اليُمْنَى عَلَى مَوْضِعِ الأَلَمِ.

٣. القِرَاءَةُ فِي المَاءِ ثُمَّ شُرْبُهُ أَوْ الِاغْتِسَالُ بِهِ: وَهِيَ طَرِيقَةٌ مَأْثُورَةٌ عَنِ السَّلَفِ.

سَادِسًا: حُكْمُ القِرَاءَةِ عَلَى الزَّيْتِ وَالمَاءِ وَالعَسَلِ

اخْتَلَفَتْ أَنْظَارُ العُلَمَاءِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

١. القَوْلُ بِالْجَوَازِ وَالِاسْتِحْبَابِ: وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ العُلَمَاءِ (الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَابْنِ القَيِّمِ)، وَمِنَ المُعَاصِرِينَ (ابْنِ بَازٍ وَالعُثَيْمِينَ)؛ لِأَنَّ القُرْآنَ كُلُّهُ بَرَكَةٌ، فَإِذَا خَالَطَ الرِّيقُ المُّتَبَرِّكُ بَالْقُرْآنِ مَاءً أَوْ زَيْتاً نَفَعَ بِإِذْنِ اللَّهِ.

٢. القَوْلُ بَالْمَنْعِ (لَمْ تَرِدْ): وَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَمِنَ المُعَاصِرِينَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ؛ حَيْثُ رَأَوْا أَنَّ الرُّقْيَةَ عِبَادَةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَصٌّ صَرِيحٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ فِي مَاءٍ لِيَشْرَبَهُ أَحَدٌ.

٣. التَّوَقُّفُ: وَهُوَ حَالُ بَعْضِ مَنْ رَأَى نَفْعَهَا وَاقِعاً لَكِنَّهُ خَشِيَ مِنَ التَّوَسُّعِ فِيهَا حَتَّى تُشْبِهَ طُرُقَ السَّحَرَةِ.

سَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ القِرَاءَةَ فِي المَاءِ وَالزَّيْتِ لَا بَأْسَ بِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ القُرْآنَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ يُغْسَلُ وَيُسْقَى لِلْمَرِيضِ. (٩).

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الرُّقْيَةَ المُّبَاحَةَ هِيَ مَا كَانَتْ لِلتَّدَاوِي لَا لِلتَّعَبُّدِ المُّحْضِ، فَتَأْخُذُ حُكْمَ الدَّوَاءِ الَّذِي يُجَرَّبُ نَفْعُهُ مَا لَمْ يُصَادِمْ نَصّاً. (١٠).

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَذِّرُ مِنَ "الرُّقْيَةِ الجَمَاعِيَّةِ" أَوْ القِرَاءَةِ عَبْرَ السَّمَّاعَاتِ، مُعْتَبِراً أَنَّ الرُّقْيَةَ تَعْتَمِدُ عَلَى مُبَاشَرَةِ الرَّاقِي لِلْمُرْقَى بَالنَّفْثِ وَالقَصْدِ. (٨).

----------------------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) اشْتِقَاقُ الرُّقْيَةِ: "لِسَانُ العَرَبِ"، ج١٤، ص٣٣٤.

(٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّرْخِيصِ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٢٠٠) عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ.

(٣) أَثَرُ الإِمَامِ أَحْمَدَ: رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ فِي "مَسَائِلِهِ" (ج٣، ص٦٠).

(٤) عَزْوُ ابْنِ القَيِّمِ: "زَادُ المَعَادِ" (ج٤، ص١٧٠) فِي بَابِ عِلَاجِ السِّحْرِ.

(٥) فَتْوَى الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ: أَبَاحَ القِرَاءَةَ فِي المَاءِ وَالزَّيْتِ (مَجْمُوعُ الفَتَاوَى ج١، ص٣٤٠).

(٦) نَوْعُ الشِّفَاءِ: القُرْآنُ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ (أَصَالَةً) وَلِلأَبْدَانِ (تَبَعاً).

(٧) ضَابِطُ الرَّاقِي: يُشْتَرَطُ فِيهِ الصَّلَاحُ وَطِيبُ المَطْعَمِ لِيُسْتَجَابَ دُعَاؤُهُ.

(٨) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: ص٥٨.

(٩) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "فَتَاوَى العَقِيدَةِ"، ص٥٩١.

(١٠) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ"، ص١٤٢.

--------------------------------(٣١)----------------------------

الوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ (٣٢)

[النَّاقِضُ الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ(١) المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ(٢) عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ(٣) مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي(٤) الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(٥)﴾ [المائدة: ٥١]».

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ) مَكْنُز: جاء فيها: «الثامن مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين والدليل قوله تعالى...» (بدون فواصل).

النسخة (ب) قَاسِم: أثبتت النص بالترقيم: «الثامن: مظاهرة المشركين...» ووضعت علامة الترقيم قبل الدليل، وأتمت سياق الآية في الحاشية.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (تَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ)

١. مُظَاهَرَةُ (١):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ "الظَّهْرِ"، وَكَأَنَّ المُّظَاهِرَ يَجْعَلُ ظَهْرَهُ لِلْمُشْرِكِينَ تَقْوِيَةً لَهُمْ، أَوْ يَقْوِي ظُهُورَهُمْ.

الحد الجامع: هِيَ الإِعَانَةُ وَالمُّؤَازَرَةُ المُّطْلَقَةُ الَّتِي يَقْصِدُ بِهَا عُلُوَّ الكُفْرِ عَلَى الإِسْلَامِ.

٢. مُعَاوَنَتُهُمْ (٢):

الاشْتِقَاقُ: مِنَ "العَوْنِ"، وَهُوَ تَقْدِيمُ المُّسَاعَدَةِ فِي أَمْرٍ مَا.

الحد الجامع: بَذْلُ النُّصْرَةِ لِلْكُفَّارِ بِالسِّلَاحِ، أَوْ المَالِ، أَوْ الرَّأْيِ، أَوْ اللِّسَانِ ضِدَّ بَيْضَةِ المُّسْلِمِينَ.

٣. يَتَوَلَّهُمْ (٣):

المعنى: التَّوَلِّي هُوَ المُّحَبَّةُ وَالنُّصْرَةُ وَالِاتِّبَاعُ. 

وَقَوْلُهُ (مِنْكُمْ) أَيْ مِمَّنْ يَدَّعِي الإِيمَانَ، فَمَنْ صَرَفَ وَلَاءَهُ لَهُمْ فَقَدِ انْخَلَعَ مِنْ رِبْقَةِ الإِسْلَامِ.

٤. لَا يَهْدِي (٤):

المعنى: نَفْيُ الهِدَايَةِ هُنَا هُوَ سَلْبُ التَّوْفِيقِ فِي الدُّنْيَا وَالإِضْلَالُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ فِي الآخِرَةِ، جَزَاءً لِانْحِيَازِهِ لِأَعْدَاءِ الدِّينِ.

٥. الظَّالِمِينَ (٥):

المعنى: المُرَادُ بِالظُّلْمِ هُنَا "الظُّلْمُ الأَكْبَرُ" (الشِّرْكُ وَالكُفْرُ)، لِأَنَّ سِيَاقَ (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يَنْقُلُ المَرْءَ إِلَى دَائِرَةِ الكُفْرِ المُّخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ.

ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ (ابْنُ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيُّ)

١. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ:

يُقَرِّرُ الحَافِظُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَهَى عِبَادَهُ المُّؤْمِنِينَ أَنْ يُوَالُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ هُوَ تَشْدِيدٌ بَلِيغٌ وَوَعِيدٌ أَكِيدٌ، يَعْنِي أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُهُمْ، لِأَنَّ المَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَنَصَرَ. (ج٣، ص١٣٢).

٢. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ:

يُبَيِّنُ أَنَّ التَّوَلِّي المُّكَفِّرَ هُوَ نُصْرَتُهُمْ عَلَى المُّؤْمِنِينَ، فَمَنْ تَوَلَّى الكُفَّارَ حَصَلَ لَهُ مِنَ الخِذْلَانِ بِقَدْرِ مَا تَوَلَّاهُمْ بِهِ، وَأَنَّ هَذَا التَّوَلِّيَ يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ، لِأَنَّ الإِيمَانَ يَقْتَضِي مُعَادَاةَ أَعْدَاءِ اللَّهِ. (ص٢٣٥).

رَابِعًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الفِقْهِيَّةُ

١. قَاعِدَةُ "التَّفْرِيقِ بَيْنَ التَّوَلِّي وَالمُّوَالَاةِ":

١- التَّوَلِّي (نُصْرَةُ الكُفَّارِ عَلَى المُّسْلِمِينَ) كُفْرٌ مُّخْرِجٌ

٢- أَمَّا المُّوَالَاةُ (لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الدِّينِ) فَهِيَ كَبِيرَةٌ وَلَا تُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ عِنْدَ بَعْضِ المُّحَقِّقِينَ.

٣. ضَابِطُ "الإِكْرَاهِ": لَا يُكَفَّرُ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مَعَاوَنَةِ الكُفَّارِ بَدَنِيّاً وَقَلْبُهُ مُّطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، وَإِنَّمَا النَّاقِضُ فِي الِاخْتِيَارِ.

٤. قَاعِدَةُ "العِبْرَةِ بَالْمَقْصِدِ": إِذَا كَانَتِ المُّعَاوَنَةُ لِأَجْلِ ظُهُورِ دِينِهِمْ وَدُحُوضِ دِينِ الإِسْلَامِ فَهِيَ الرِّدَّةُ المُّحَقَّقَةُ.

خَامِسًا: تَأْصِيلُ البَاحِثِ (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ "نَاقِضُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ"، وَهُوَ الرُّكْنُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَحْمِي بَيْضَةَ المُّسْلِمِينَ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ المُّظَاهَرَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ بِحَمْلِ السِّلَاحِ مَعَهُمْ، بَلْ تَدْخُلُ فِيهَا المُّظَاهَرَةُ "المُّعْلُومَاتِيَّةُ" (الجَاسُوسِيَّةُ)، وَالمُّظَاهَرَةُ "الفِكْرِيَّةُ" الَّتِي تُزَيِّنُ لِلْمُشْرِكِينَ غَزْوَ دِيَارِ الإِسْلَامِ. وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ الحُكْمَ بِـ (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) حُكْمٌ قَطْعِيٌّ بَالرِّدَّةِ لِانْقِطَاعِ عِصْمَةِ المُّوَالِي بِانْحِيَازِهِ لِصَفِّ الكُفْرِ.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُّحَقِّقِينَ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ المُّظَاهَرَةَ هِيَ النُّصْرَةُ المُّطْلَقَةُ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الِاسْتِعَانَةِ بَالْكَافِرِ (وَهِيَ جَائِزَةٌ بِشُرُوطٍ) وَبَيْنَ إِعَانَةِ الكَافِرِ عَلَى المُّسْلِمِ (وَهِيَ النَّاقِضُ). (٩).

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ مِنْ أَكْثَرِ النَّوَاقِضِ وُقُوعاً فِي الأَزْمِنَةِ المُّتَأَخِّرَةِ بِسَبَبِ الِارْتِبَاطَاتِ الدَّوْلِيَّةِ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فِي الِانْتِقَالِ لِلْمِلَّةِ الأُخْرَى عَقَدِيّاً. (١٠).

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُفَصِّلُ فِي مَسْأَلَةِ "جَاسُوسِ المُّسْلِمِينَ" وَالفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُّظَاهِرِ، مُؤَكِّداً أَنَّ المُّظَاهَرَةَ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ هِيَ المُّكَفِّرَةُ بَالِاتِّفَاقِ. (٨).

-----------------------------------&

الحَاشِيَةُ

(١) اشْتِقَاقُ المُّظَاهَرَةِ: "تَاجُ العَرُوسِ"، مَادَّةُ (ظهر)، ج١٣، ص٢٥٥.

(٢) تَعْرِيفُ المُّعَاوَنَةِ: "المُّفْرَدَاتُ" لِلرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، ص٥٩٤.

(٣) عَزْوُ الآيَةِ: سُورَةُ المَائِدَةِ، الآيَةُ ٥١.

(٤) نَفْيُ الهِدَايَةِ: هُوَ حِرْمَانٌ مِنْ أَلْطَافِ اللَّهِ لِمَنْ تَرَكَ حِمَى الدِّينِ.

(٥) الظَّالِمِينَ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج١٠، ص٣٩٨ (فِي مَعْنَى الشِّرْكِ).

(٦) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ج٣، ص١٣٢.

(٧) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: ص٢٣٥.

(٨) عَزْوُ سِنْدِيٍّ: "شَرْحُ النَّوَاقِضِ"، ص٦٢.

(٩) عَزْوُ العُثَيْمِينَ: "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، ج١، ص٣٤٤.

(١٠) عَزْوُ التَّمِيمِيِّ: "تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ"، ص١٥٠.

----------------------------------(٣٢)-------------------------

المُتَمِّمَةُ الأُولَى: تَشْرِيحُ مَفْهُومِ "التَّوَلِّي" (الوَجْهُ ٣٣)

أَوَّلًا: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ

١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ (١): المَادَّةُ (و ل ي)، وَأَصْلُهَا القُرْبُ وَالدُّنُوُّ؛ فَالْوَلِيُّ هُوَ القَرِيبُ، وَالتَّوَلِّي يَأْتِي بِمَعْنَى الِاتِّبَاعِ وَالنُّصْرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، أَيْ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُمْ بِالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْرَةِ حَتَّى يُصْبِحَ فِي حَيِّزِهِمْ.

٢. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (٢): هُوَ نُصْرَةُ الكُفَّارِ عَلَى المُسْلِمِينَ نُصْرَةً مُّطْلَقَةً، بِحَيْثُ يَكُونُ المَرْءُ فِي صَفِّهِمْ، ظَاهِراً وَبَاطِناً، بِقَصْدِ تَقْوِيَةِ شَوْكَةِ الكُفْرِ وَإِضْعَافِ بَيْضَةِ الإِسْلَامِ.

ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ) (٣)

تَحْقِيقِي أَنَّ التَّوَلِّيَ هُوَ نَاقِضٌ يَمَسُّ "أَصْلَ الإِيمَانِ"، لِأَنَّ حَقِيقَةَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) تَقْتَضِي إِخْلَاصَ المَحَبَّةِ وَالنُّصْرَةِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ. فَإِذَا انْصَرَفَتْ هَذِهِ النُّصْرَةُ لِلْكَافِرِينَ ضِدَّ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ وَقَعَ التَّضَادُّ الكَامِلُ مَعَ مَقْصُودِ الشَّهَادَةِ. وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ التَّوَلِّيَ هُوَ "تَحَالُفٌ مَصِيرِيٌّ" يَنْقُلُ المَرْءَ مِنَ الوَلَايَةِ الرَّبَّانِيَّةِ إِلَى الوَلَايَةِ الشَّيْطَانِيَّةِ، وَهُوَ فِعْلٌ لَا يَقُومُ بِهِ مَنْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ المُسْلِمِينَ.

ثَالِثًا: أَنْوَاعُ وَصُوَرُ التَّوَلِّي (تَوَسُّعٌ مَّطِيٌّ)

١. التَّوَلِّي بَالْمَحَبَّةِ وَالِاعْتِقَادِ (٤): وَهُوَ مَحَبَّةُ الكُفَّارِ لِأَجْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، أَوْ تَفْضِيلُ دِينِهِمْ وَأَنْظِمَتِهِمْ عَلَى دِينِ الإِسْلَامِ، وَهَذَا كُفْرٌ بَاطِنٌ يَنْضَحُ عَلَى الجَوَارِحِ.

٢. التَّوَلِّي بَالنُّصْرَةِ الحَرْبِيَّةِ (٥): وَهُوَ الانْخِرَاطُ فِي جُيُوشِهِمْ، أَوْ تَقْدِيمُ الدَّعْمِ اللَّوجِسْتِيِّ وَالمَعْلُومَاتِيِّ (الجَاسُوسِيَّةُ) لَهُمْ لِيَتَمَكَّنُوا مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ).

٣. التَّوَلِّي بَالْمُظَاهَرَةِ الفِكْرِيَّةِ (٦): وَهُوَ الدِّفَاعُ عَنْ بَاطِلِهِمْ، وَتَسْوِيغُ عُدْوَانِهِمْ عَلَى أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَجَعْلُ مَعَايِيرِ الحَقِّ وَالبَاطِلِ تَدُورُ حَوْلَ رِضَاهُمْ لَا رِضَا اللَّهِ.

٤. التَّوَلِّي بَالطَّاعَةِ المُّطْلَقَةِ (٧): كَمَنْ يُطِيعُهُمْ فِي تَحْلِيلِ الحَرَامِ أَوْ تَحْرِيمِ الحَلَالِ قَصْداً لِمُوَافَقَتِهِمْ وَرَغْبَةً فِي مِلَّتِهِمْ.

رَابِعًا: الِاسْتِشْهَادُ بَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَشُرُوحِ الأَئِمَّةِ

١. مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١].

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨): «يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا عِبَادَهُ المُّؤْمِنِينَ عَنْ مُوَالَاةِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، الَّذِينَ هُمْ أَعْدَاءُ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ، ثُمَّ تَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾. أَيْ: مَنْ تَوَلَّاهُمْ فَقَدْ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمْ، وَهَذَا تَنْفِيرٌ عَظِيمٌ عَنْ تَعَاطِي هَذَا الفِعْلِ الشَّنِيعِ».

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٩): «أَيْ: لِأَنَّ التَّوَلِّيَ التَّامَّ يُوجِبُ الِانْتِقَالَ إِلَى دِينِهِمْ، وَالتَّوَلِّي القَلِيلَ يَدْعُو إِلَى الكَثِيرِ، ثُمَّ يَتَدَرَّجُ حَتَّى يَكُونَ العَبْدُ مِنْهُمْ حَقًّا. فَفِيهِ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ مَبَادِئِ المُّوَالَاةِ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ المِلَّةِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ».

٢. مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» (١٠).

شَرْحُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (١١): «هَذَا الحَدِيثُ جَيِّدُ الإِسْنَادِ، وَهُوَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ بِهِمْ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ المُّتَشَبِّهِ بِهِمْ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾، وَذَلِكَ أَنَّ المُّشَاكَلَةَ فِي الظَّاهِرِ تُوجِبُ المُّشَاكَلَةَ فِي البَاطِنِ، وَالمُّوَالَاةُ الظَّاهِرَةُ بَرِيدٌ إِلَى التَّوَلِّي البَاطِنِ الَّذِي هُوَ الرِّدَّةُ».

شَرْحُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (١٢): «المُرَادُ أَنَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِأَهْلِ الكُفْرِ فِي أَعْمَالِهِمْ أَوْ سِمْتِهِمْ رَغْبَةً فِيهِمْ، فَإِنَّهُ يُحْشَرُ مَعَهُمْ، لِأَنَّ المَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَالنُّصْرَةُ وَالمُّوَالَاةُ هِيَ أَعْظَمُ صُوَرِ التَّشَبُّهِ المُفْضِيَةِ إِلَى انْسِلَاخِ رِبْقَةِ الإِسْلَامِ مِنَ العُنُقِ».

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (بِأَسْمَائِهِمْ الكَامِلَةِ)

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُثَيْمِينَ (١٣): يُؤَصِّلُ لِأَنَّ المُّظَاهَرَةَ هِيَ "النُّصْرَةُ الَّتِي تُرِيدُ بِهَا أَنْ تَعْلُوَ كَلِمَةُ الكُفَّارِ عَلَى كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ"، وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ لَا يَقْبَلُ التَّسَاهُلَ لِأَنَّهُ هَدْمٌ لِلْوَلَاءِ لِلَّهِ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ (١٤): يُقَرِّرُ أَنَّ التَّوَلِّيَ يَنْقُضُ "التَّوْحِيدَ العَمَلِيَّ"، وَيَرَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ التَّوَلِّي وَالمُّوَالَاةِ هُوَ دِقَّةُ المَسْلَكِ العَقَدِيِّ الَّذِي يَحْمِي مِنَ التَّكْفِيرِ بَالْمَعَاصِي.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ سِنْدِيٍّ (١٥): يُحَقِّقُ أَنَّ (فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) حُكْمٌ بَالرِّدَّةِ لِكُلِّ مَنْ نَصَرَ الكُفَّارَ بِمَالٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ رَأْيٍ تَمَكُّنًا لَهُمْ مِنْ دِيَارِ الإِسْلَامِ.

--------------------------------&

 الحَاشِيَةُ 

(١) اشْتِقَاقُ التَّوَلِّي: أَبُو مَنْصُورٍ الأَزْهَرِيُّ، تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، تَحْقِيقُ رِيَاضِ زَكِيٍّ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ العَرَبِيِّ، ط١ (٢٠٠١م)، ج١٥، ص١٢٠.

(٢) الحد الجامع: حَمَدُ بْنُ عَتِيقٍ النَّجْدِيُّ، سَبِيلُ النَّجَاةِ وَالفَكَاكِ مِنْ مُوَالَاةِ أَهْلِ الإِشْرَاكِ، دَارُ القُرْآنِ، ص ٣٣.

(٣) قُلْتُ: تَأْصِيلُ البَاحِثِ الدُّكْتُورِ عِمَادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيِّ.

(٤) صور التولي: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلُ الشَّيْخِ، أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ، مَطْبَعَةُ المَدَنِيِّ، ص ١٨.

(٥) النصرة: إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلُ الشَّيْخِ، رِسَالَةٌ فِي حُكْمِ مُوَالَاةِ المُشْرِكِينَ، الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ، ج٨، ص١٢١.

(٦) المظاهرة: عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلُ الشَّيْخِ، تُحْفَةُ الطَّالِبِ وَالجَلِيسِ، ج١، ص٢٤٠.

(٧) الطاعة: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ، الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، ط٧ (٢٠٠٤م)، ج٨، ص١٤٥.

(٨) تفسير ابن كثير: عِمَادُ الدِّينِ أَبُو الفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٩٩٩م)، ج٣، ص١٣٢.

(٩) تفسير السعدي: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ المَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط١ (٢٠٠٠م)، ص٢٣٥.

(١٠) تخريج الحديث: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ اللِّبَاسِ، بَابُ فِي لِبَاسِ الشُّهْرَةِ، رَقْم (٤٠٣١)، وَأَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ (٥١١٤). قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: "إِسْنَادُهُ حَسَنٌ" (فَتْحُ البَارِي: ١٠/٢٧١)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ.

(١١) شرح ابن تيمية: تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ، اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الجَحِيمِ، تَحْقِيقُ نَاصِرِ العَقْلِ، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ، ط٧ (١٩٩٩م)، ج١، ص٢٣٧-٢٤١.

(١٢) شرح ابن رجب: زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، فَتْحُ البَارِي شَرْحُ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، تَحْقِيقُ طَارِقِ بْنِ عِوَضِ اللَّهِ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ط١ (١٩٩٦م)، ج٧، ص٥٤.

(١٣) عزو العثيمين: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، دَارُ الوَطَنِ، ط١ (٢٠٠٥م)، ج١، ص٣٤٤-٣٤٥.

(١٤) عزو التميمي: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، مَطْبَعَةُ سَفِيرٍ، ط١ (٢٠٠٤م)، ص١٥٢-١٥٤.

(١٥) عزو سندي: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ (تَقْرِيرَاتُ دُرُوسِ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ)، ص ٦٢.

---------------------------------(٣٣)-----------------------

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ:

 فِقْهُ المُوَالَاةِ وَتَحْقِيقُ قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (الوَجْهُ ٣٤)

أَوَّلًا: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ

١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ (١): المُوَالَاةُ مَصْدَرُ "وَالَى"، وَهِيَ مُّفَاعَلَةٌ تَقْتَضِي القُرْبَ وَالمُّصَادَقَةَ، وَيُقَالُ: "وَالَى بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ" إِذَا تَابَعَ بَيْنَهُمَا. وَفِي الشَّرْعِ هِيَ التَّقَرُّبُ مِنَ الكُفَّارِ بِإِظْهَارِ المَّوَدَّةِ أَوِ الإِعَانَةِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَعَ بَقَاءِ عَقِيدَةِ البُغْضِ لِدِينِهِمْ.

٢. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (٢): هِيَ كُلُّ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يَتَضَمَّنُ نَوْعاً مِنَ المَّوَدَّةِ لِلْكَافِرِينَ، لَا يَصِلُ إِلَى حَدِّ النُّصْرَةِ المُّطْلَقَةِ لِدِينِهِمْ، بَلْ يَبْقَى فِي دَائِرَةِ المَّعْصِيَةِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ مِنْ المِلَّةِ إِذَا سَلِمَ القَلْبُ مِنَ الرِّضَا بِكُفْرِهِمْ.

ثَانِيًا: أَنْوَاعُ وَصُوَرُ المُوَالَاةِ وَحُكْمُهَا (٣)

١. مُوَالَاةٌ فِعْلِيَّةٌ: كَإِهْدَاءِ التَّحَايَا فِي أَعْيَادِهِمْ، أَوْ تَبَادُلِ المَّوَدَّةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ المُّؤَدِّيَةِ لِتَمْيِيعِ عَقِيدَةِ البَرَاءِ.

٢. مُوَالَاةٌ لِسَانِيَّةٌ: كَالْمَدْحِ الزَّائِدِ لِأَخْلَاقِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مِمَّا يُوهِمُ الرِّضَا عَنْ مَسْلَكِهِمْ.

الحُكْمُ: هِيَ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَتُسَمَّى عِنْدَ بَعْضِ الفُقَهَاءِ (المُّوَالَاةُ الصُّغْرَى) لِتَمْيِيزِهَا عَنِ التَّوَلِّي، وَحُكْمُ صَاحِبِهَا أَنَّهُ عَاصٍ مُّسْلِمٌ نَقَصَ إِيمَانُهُ الوَاجِبُ.

ثَالِثًا: قِصَّةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ (تَحْقِيقٌ وَدِرَاسَةٌ) (٤)

المَوْقِفُ: كَتَبَ حَاطِبٌ كِتَاباً لِقُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ.

سُؤَالُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟». وَالغَرَضُ مِنَ السُّؤَالِ هُوَ اسْتِفْصَالٌ عَنْ "المُّوجِبِ" وَ"القَصْدِ"، لِأَنَّ صُورَةَ الفِعْلِ صُورَةُ تَوَلٍّ، لَكِنَّ القَصْدَ هُوَ مَنَاطُ الحُكْمِ.

مَوْقِفُ الصَّحَابَةِ: قَالَ عُمَرُ: "دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُّنَافِقِ"، فَبَنَى حُكْمَهُ عَلَى الظَّاهِرِ.

الجَوَابُ النَّبَوِيُّ الفَاصِلُ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ».

رَابِعًا: الِاسْتِشْهَادُ بَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَشُرُوحِ الأَئِمَّةِ

١. مِنَ الكِتَابِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١].

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥): «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِي حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَقَدْ نَادَاهُ اللَّهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ رَغْمَ فِعْلِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ المُّوَالَاةِ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ عَظِيمَةٌ وَخِيَانَةٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ».

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٦): «يَنْهَى تَعَالَى عَنْ اتِّخَاذِ الكُفَّارِ أَوْلِيَاءَ بَالْمَّوَدَّةِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يُنَافِي وَاجِبَ الإِيمَانِ، لَكِنَّ صَدْرَ الآيَةِ بِخِطَابِ "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الإِيمَانِ فِي قَلْبِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِتَأْوِيلٍ أَوْ حَاجَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ».

٢. مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ حَاطِبٍ الطَّوِيلُ (٧).

شَرْحُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٨): «دَلَّتْ قِصَّةُ حَاطِبٍ عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَفْعَلُ كَبِيرَةً مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ مِنْ جِنْسِ المُّوَالَاةِ وَلَا يَكُفُرُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ مُقِرّاً بِالإِسْلَامِ مُحِبّاً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ "شُهُودَ بَدْرٍ" مَانِعاً مِنْ تَكْفِيرِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحَسَنَاتِ العِظَامَ تَمْحُو هَذِهِ الزَّلَّاتِ».

شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٩): «أَنَّ كَثْرَةَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالسَّابِقَةِ فِي الدِّينِ تَدْفَعُ عَنِ العَبْدِ شَرَّ عَمَلِهِ، وَقَدْ كَانَ قَوْلُهُ ﷺ لِعُمَرَ زَجْراً عَنِ التَّسَرُّعِ فِي التَّكْفِيرِ بِمُجَرَّدِ الفِعْلِ الظَّاهِرِ دُونَ النَّظَرِ إِلَى المَّقَاصِدِ وَالسَّوَابِقِ الشَّرْعِيَّةِ».

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)

تَحْقِيقِي أَنَّ قِصَّةَ حَاطِبٍ هِيَ "مِيزَانُ العَدْلِ" فِي بَابِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ؛ فَبِهَا نَرُدُّ عَلَى الخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بَالْمُّوَالَاةِ مُطْلَقاً، وَعَلَى المُّرْجِئَةِ الَّذِينَ يُمَيِّعُونَ الحُكْمَ. وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ سُؤَالَ النَّبِيِّ ﷺ (مَا حَمَلَكَ؟) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "المُّظَاهَرَةَ" قَدْ تَقَعُ مِمَّنْ لَا يُرِيدُ الكُفْرَ، فَإِذَا كَانَ الحَامِلُ دُنْيَوِيّاً مَعَ سَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ كَانَتْ مَعْصِيَةً، وَإِذَا كَانَ الحَامِلُ مَحَبَّةَ الكُفْرِ كَانَتْ رِدَّةً. وَأَرَى أَنَّ بَرَكَةَ (أَهْلِ بَدْرٍ) خُصُوصِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفَارِ وَالبَلَاءِ الحَسَنِ فِي الدِّينِ قَدْ يَكُونُ حِصْناً لِلْعَبْدِ مِنْ مَزَالِقِ الرَّدَى.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُثَيْمِينَ (١٠): يُقَرِّرُ أَنَّ حَاطِباً لَمْ يَكْفُرْ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْصُرِ الكُفَّارَ رَغْبَةً فِي دِينِهِمْ، بَلْ حُبّاً فِي حِمَايَةِ أَهْلِهِ، وَهَذَا فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ التَّوَلِّي المُّكَفِّرِ وَالمُّوَالَاةِ المُّحَرَّمَةِ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ (١١): يَرَى أَنَّ المُّوَالَاةَ هِيَ "الوَلَاءُ الخَاصُّ" لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ، وَهِيَ لَا تَهْدِمُ أَصْلَ الإِيمَانِ لَكِنَّهَا ثَلْمٌ فِي بَرَاءَةِ المُسْلِمِ مِنْ الشِّرْكِ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ سِنْدِيٍّ (١٢): يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ "المَّوَانِعِ"، وَأَنَّ سَابِقَةَ الفَضْلِ (كَشُهُودِ بَدْرٍ) مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ تَنْفِيذِ الوَعِيدِ، وَأَنَّ الحُكْمَ يَدُورُ مَعَ مَقْصِدِ القَلْبِ.

-----------------------&

الحَاشِيَةُ

(١) اشْتِقَاقُ المُوَالَاةِ: (لِسَانُ العَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ "ولي").

(٢) الحد الجامع: (انْظُرْ: "شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ"، لِابْنِ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ، ص ٢٩٠).

(٣) أنواع الموالاة: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلُ الشَّيْخِ، "فَتْحُ المَجِيدِ"، ص ٥٢٢).

(٤) قصة حاطب: (أَخْرَجَهَا البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، رَقْم ٣٠٠٧).

(٥) تفسير ابن كثير: (عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٩٩٩م)، ج٨، ص٧٣).

(٦) تفسير السعدي: (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ (٢٠٠٠م)، ص٨٤٨).

(٧) تخريج الحديث: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا كِتَابُ المَغَازِي (٤٢٧٤)، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ (٢٤٩٤).

(٨) شرح ابن تيمية: (تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج٧، ص٥٢٣).

(٩) شرح ابن رجب: (زَيْنُ الدِّينِ ابْنُ رَجَبٍ، فَتْحُ البَارِي، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج٧، ص٥٨).

(١٠) عزو العثيمين: (مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ العُثَيْمِينَ، ج٢، ص١٣٢).

(١١) عزو التميمي: (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص ١٥٥).

(١٢) عزو سندي: (صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ، دُرُوسٌ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، ص ٦٥).

قَاعِدَةٌ: "كُلُّ تَوَلٍّ مُوَالَاةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُوَالَاةٍ تَوَلِّياً".

ضَابِطٌ: مَنَاطُ التَّكْفِيرِ فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ كَانَ سَيَقَعُ لَوْ صَرَّحَ بِحُبِّ دِينِهِمْ، فَلَمَّا انْتَفَى القَصْدُ انْتَفَى الكُفْرُ.

----------------------------(٣٤)---------------------------------

المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: الِاسْتِنْبَاطَاتُ العَقَدِيَّةُ وَالقَوَاعِدُ الفِقْهِيَّةُ مِنْ نَازِلَةِ حَاطِبٍ (الوَجْهُ ٣٥)

أَوَّلًا: سِيَاقُ القِصَّةِ وَمَتْنُهَا الشَّرِيفُ (١)

«لَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسِيرَ إِلَى مَكَّةَ، كَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَاباً إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَرْسَلَهُ مَعَ امْرَأَةٍ، فَأَتَى الخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، فَأَرْسَلَ ﷺ عَلِيّاً وَالمِقْدَادَ فَأَدْرَكُوا المَرْأَةَ وَاسْتَخْرَجُوا الكِتَابَ، فَلَمَّا جِيءَ بِحَاطِبٍ قَالَ: يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَكُونَ لِي عِنْدَهُمْ يَدٌ، وَمَا فَعَلْتُهُ كُفْراً وَلَا ارْتِدَاداً، فَقَالَ ﷺ: صَدَقَ، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ شَهِدَ بَدْراً...».

ثَانِيًا: غَرِيبُ المُّفْرَدَاتِ (٢)

١. مُلْصَقاً: أَيْ لَسْتُ مِنْ صَمِيمِ نَسَبِهِمْ بَلْ حَلِيفاً لَهُمْ، فَلَا عَشِيرَةَ لِي تَمْنَعُ أَهْلِي.

٢. يَدٌ: المُرَادُ بِهَا المَعْرُوفُ وَالمِنَّةُ الَّتِي يُكَافِئُونَهُ عَلَيْهَا بِحِفْظِ مَالِهِ وَوَلَدِهِ.

٣. لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ: أَيْ لَا تَقْضِ فِيَّ بِالْقَتْلِ حَتَّى تَسْمَعَ عُذْرِي وَمَا حَمَلَنِي عَلَى ذَلِكَ.

٤. دَعْنِي: طَلَبُ التَّخْلِيَةِ لِإِقَامَةِ الحَدِّ بِنَاءً عَلَى مَا ظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينَةِ النِّفَاقِ.

٥. اطَّلَعَ: عِلْمُ اللَّهِ السَّابِقُ بِأَحْوَالِهِمْ وَمَآلِهِمْ وَتَفَضُّلُهُ عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ الشَّامِلِ.

ثَالِثًا: الفِقْهُ الِاعْتِقَادِيُّ وَالقَوَاعِدُ الضَّابِطَةُ (٣)

تُؤَصِّلُ القِصَّةُ لِقَاعِدَةِ "المَنَاطِ القَلْبِيِّ فِي المُّوَالَاةِ"؛ فَالفِعْلُ فِي ظَاهِرِهِ (مُظَاهَرَةٌ) لَكِنَّ القَصْدَ لَمْ يَكُنْ عُلُوَّ الكُفْرِ بَلْ حِمَايَةَ النَّفْسِ، فَانْتَفَى الشَّرْطُ وَوَقَعَ المَانِعُ. وَنَسْتَنْبِطُ مِنْهَا قَاعِدَةَ "الِاسْتِفْصَالِ عِنْدَ الشُّبْهَةِ"؛ فَلَمْ يُكَفِّرْهُ ﷺ بِمُجَرَّدِ الكِتَابِ بَلْ سَأَلَهُ عَنِ الحَامِلِ لَهُ. كَمَا تُقَرِّرُ ضَابِطَ "أَثَرِ الحَسَنَاتِ العِظَامِ فِي دَفْعِ أَثَرِ الكَبَائِرِ"، حَيْثُ كَانَ (شُهُودُ بَدْرٍ) سُوراً مَنِيعاً حَالَ دُونَ الحُكْمِ بِالرِّدَّةِ أَوِ القَتْلِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ طَرَدَ الحُكْمَ بِالتَّكْفِيرِ فِي المُّسَائِلِ الخَفِيَّةِ دُونَ نَظَرٍ لِلْمَقَاصِدِ.

رَابِعًا: الفَوَائِدُ المُسْتَنْبَطَةُ (٤)

١. إِثْبَاتُ بَشَرِيَّةِ الصَّحَابَةِ: وَأَنَّهُمْ قَدْ تَقَعُ مِنْهُمْ الكَبِيرَةُ، لَكِنَّ سَوَابِقَهُمْ تَمْحُوهَا.

٢. الفَرْقُ بَيْنَ فِعْلِ الكُفْرِ وَوَصْفِ الكُفْرِ: فَحَاطِبٌ فَعَلَ جِنْسَ المُّوَالَاةِ، وَلَمْ يُوصَفْ بِالْكُفْرِ لِانْتِفَاءِ قَصْدِهِ.

٣. جَوَازُ التَّجَسُّسِ لِلْإِمَامِ: عَلَى مَنْ يُرِيبُهُ أَمْرُهُ حِمَايَةً لِبَيْضَةِ الإِسْلَامِ.

٤. شَفَقَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَصْحَابِهِ: وَسَعَةُ صَدْرِهِ فِي قَبُولِ أَعْذَارِهِمْ الصَّادِقَةِ.

٥. فَضِيلَةُ أَهْلِ بَدْرٍ: وَأَنَّهُمْ فِي مَقَامٍ مُّسْتَثْنًى لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ مِثْلُ بَلَائِهِمْ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ) (٥)

تَحْقِيقِي أَنَّ هَذِهِ النَّازِلَةَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الغُلَاةِ وَالجُفَاةِ؛ فَالغُلَاةُ جَعَلُوا كُلَّ فِعْلٍ فِيهِ مُسَاعَدَةٌ لِلْكُفَّارِ كُفْراً عَيْنِيّاً مُّطْلَقاً، وَقِصَّةُ حَاطِبٍ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِاشْتِرَاطِ القَصْدِ. وَالجُفَاةُ هَوَّنُوا مِنْ شَأْنِ المُّوَالَاةِ، وَالقِصَّةُ تُثْبِتُ أَنَّهَا "كَبِيرَةٌ مُّوبِقَةٌ" اسْتَوْجَبَتْ اسْتِحْقَاقَ القَتْلِ لَوْلَا مَانِعُ (بَدْرٍ). وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لِهَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ أَنَّهَا "خِيَانَةٌ عُظْمَى" تَعْزِيرِيَّةٌ، قَدْ تَصِلُ لِلْقَتْلِ سِيَاسَةً لَا كُفْراً، مَا لَمْ يَكُنْ الدَّافِعُ الرِّضَا بِالدِّينِ، فَيَكُونَ حِينَئِذٍ رِدَّةً مُحَقَّقَةً.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (٦)

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ حَاطِباً لَمْ يَكْفُرْ بِمُجَرَّدِ الإِعَانَةِ لِأَنَّ قَلْبَهُ مُّطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المُّظَاهَرَةَ الَّتِي هِيَ نَاقِضٌ هِيَ الَّتِي تَقُومُ عَلَى مَحَبَّةِ ظُهُورِ الكُفْرِ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ قِصَّةَ حَاطِبٍ تُجَلِّي مَفْهُومَ "تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ"، وَأَنَّ انْخِرَامَ الظَّاهِرِ هُنَا كَانَ لِعَارِضٍ لَمْ يَهْدِمْ أَصْلَ البَاطِنِ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ سِنْدِيٍّ: يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الخِطَابَ فِي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شَمَلَ حَاطِباً، فَبَقِيَ لَهُ اسْمُ الإِيمَانِ مَعَ جُرْمِ الفِعْلِ، مِمَّا يُوجِبُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ التَّوَلِّي وَالمُّوَالَاةِ.

حَاشِيَةٌ

(١) قِصَّةُ حَاطِبٍ: أَخْرَجَهَا البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ المَغَازِي، بَابُ غَزْوَةِ الفَتْحِ، رَقْم (٤٢٧٤)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، رَقْم (٢٤٩٤). وَالقِصَّةُ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ بِاتِّفَاقِ الشَّيْخَيْنِ.

(٢) غَرِيبُ المُّفْرَدَاتِ: يُنْظَرُ: ابْنُ الأَثِيرِ، النِّهَايَةُ فِي غَرِيبِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، المَكْتَبَةُ العِلْمِيَّةُ، ج٤، ص٣٥٥؛ وَالجَوْهَرِيُّ، الصِّحَاحُ، مَادَّةُ (لصق).

(٣) الفِقْهُ الِاعْتِقَادِيُّ: تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج٧، ص٥٢٣ (تَحْقِيقُ مَنَاطِ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ الكُفَّارِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ).

(٤) الفوائد: ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ البَارِي، دَارُ المَعْرِفَةِ، ج٨، ص٦٣٤ (اسْتِنْبَاطُ الفَوَائِدِ الفِقْهِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ مِنْ قِصَّةِ حَاطِبٍ).

(٥) قُلْتُ: تَأْصِيلُ البَاحِثِ  عِمادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيِّ، ضِمْنَ سِلْسِلَةِ تَحْقِيقِ النَّوَاقِضِ.

(٦) عزو العلماء: (العُثَيْمِينُ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، ج١، ص٣٤٥)؛ (التَّمِيمِيُّ، شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص١٥٨)؛ (سِنْدِيٌّ، دُرُوسُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، ص٦٦).

نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ: سُؤَالُ "مَا هَذَا؟" يُبْطِلُ مَذْهَبَ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِاللَّازِمِ دُونَ الِاسْتِفْصَالِ عَنِ المُلْزِمِ.

قَاعِدَةٌ: "الحَسَنَةُ العُظْمَى (كَبَدْرٍ) قَدْ تَكُونُ مَانِعاً مِنْ إِنْفَاذِ الوَعِيدِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ".

عَزْوُ الآيَةِ: سُورَةُ المُّمْتَحِنَةِ، الآيَةُ ١، وَهِيَ العُمْدَةُ فِي الِاسْتِشْهَادِ عَلَى بَقَاءِ اسْمِ الإِيمَانِ لِحَاطِبٍ.

-----------------------------(٣٥)----------------------------

المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: ضَابِطُ الإِكْرَاهِ فِي مَسَائِلِ المُّظَاهَرَةِ وَالتَّوَلِّي (الوَجْهُ ٣٦)

أَوَّلًا: الِاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ

١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ (١): المَادَّةُ (ك ر هـ)، وَالأَصْلُ فِيهَا ضِدُّ الرِّضَا. وَأَكْرَهَهُ عَلَى الأَمْرِ: أَيْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ قَهْراً وَهُوَ لَهُ كَارِهٌ. وَالإِكْرَاهُ هُوَ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ المَرْءُ بِغَيْرِهِ فَيَسْلُبُهُ الرِّضَا وَالِاخْتِيَارَ.

٢. الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (٢): هُوَ حَمْلُ الغَيْرِ عَلَى قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ لَا يُرِيدُهُ، بِتَهْدِيدٍ جَادٍّ يَعْجِزُ عَنْ دَفْعِهِ، مَعَ بَقَاءِ القَلْبِ مُطْمَئِنّاً بِخِلَافِ مَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ.

ثَانِيًا: التَّوَسُّعُ الفِقْهِيُّ وَالعَقَدِيُّ فِي أَقْسَامِ الإِكْرَاهِ (٣)

يَنْقَسِمُ الإِكْرَاهُ إِلَى قِسْمَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ لَا بُدَّ لِلْبَاحِثِ مِنْ ضَبْطِهِمَا:

١. الإِكْرَاهُ الصَّحِيحُ (المُلْجِئُ): وَهُوَ الَّذِي يَخَافُ فِيهِ المَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ التَّلَفَ، أَوْ يَقَعُ عَلَيْهِ تَعْذِيبٌ لَا يُطَاقُ، فَيَنْطِقُ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ أَوْ يُعِينُ الكُفَّارَ بَدَنِيّاً دَفْعاً لِلْهَلَاكِ، وَهَذَا مُعْتَبَرٌ شَرْعاً.

٢. الإِكْرَاهُ غَيْرُ الصَّحِيحِ (المَّزْعُومُ): كَمَنْ يَدَّعِي الإِكْرَاهَ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ فَوَاتِ تِجَارَةٍ، أَوْ خَوْفِ سَبٍّ أَوْ شَتْمٍ، أَوْ لِمُجَرَّدِ العَيْشِ بَيْنَ ظَهْرَانِيِّ الكُفَّارِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الهِجْرَةِ؛ فَهَذَا لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، بَلْ هُوَ "تَوَلٍّ" مُّقَنَّعٌ بَالْأَعْذَارِ البَارِدَةِ.

ثَالِثًا: شُرُوطُ وَمَوَانِعُ الِاعْتِبَارِ بِالْإِكْرَاهِ (٤)

الشُّرُوطُ: (أَنْ يَكُونَ المُكْرِهُ قَادِراً عَلَى تَنْفِيذِ وَعِيدِهِ، أَنْ يَكُونَ المُكْرَهُ عَاجِزاً عَنْ الدَّفْعِ أَوِ الهَرَبِ، أَنْ يَكُونَ الوَعِيدُ فَوْرِيّاً لَا آجِلاً، أَنْ يَبْقَى القَلْبُ مُّطْمَئِنّاً بَالْإِيمَانِ).

المَّوَانِعُ: (الرِّضَا البَاطِنِيُّ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ، الِاسْتِرْسَالُ فِي الفِعْلِ بَعْدَ زَوَالِ سَبَبِ الإِكْرَاهِ، أَنْ يَكُونَ الإِكْرَاهُ عَلَى قَتْلِ مُّسْلِمٍ مَعْصُومٍ، فَهَذَا لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ عِنْدَ الجُمْهُورِ).

رَابِعًا: الِاسْتِشْهَادُ بَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَشُرُوحِ الأَئِمَّةِ

١. مِنَ الكِتَابِ: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٥): «هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِمَّنْ كَفَرَ بَعْدَ إِيمَانِهِ، فَأَمَّا مَنْ أُكْرِهَ مِنَ المُّؤْمِنِينَ عَلَى نُطْقِ كَلِمَةِ الكُفْرِ بَعْدَ تَعْذِيبٍ نَالَ مِنْهُ، وَقَلْبُهُ يَأْبَى مَا قَالَ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ العِبْرَةَ بِمَا فِي القَلْبِ، وَقَدْ نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ لَمَّا أَخَذَهُ المُّشْرِكُونَ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى نَالَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ».

تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٦): «دَلَّتِ الآيَةُ عَلَى أَنَّ كَلَامَ المُّكْرَهِ لَا عِبْرَةَ بِهِ، لِأَنَّ القَصْدَ وَالِاخْتِيَارَ قَدْ فُقِدَا، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ بِالإِيمَانِ، فَلَوْ وَافَقَهُمْ بِقَلْبِهِ كَانَ كَافِراً وَإِنْ كَانَ مُكْرَهاً فِي الظَّاهِرِ».

٢. مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٧).

شَرْحُ الحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٨): «هَذَا الحَدِيثُ عُرِفَ بَأَنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ، وَالإِكْرَاهُ المُّسْقِطُ لِلْإِثْمِ هُوَ مَا كَانَ بِغَيْرِ حَقٍّ، أَمَّا المُّسْتَكْرَهُ بِحَقٍّ كَالْمَدِينِ يُكْرَهُ عَلَى بَيْعِ مَالِهِ لَا يُعْذَرُ. وَفِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، الإِكْرَاهُ يَرْفَعُ حُكْمَ الرِّدَّةِ الظَّاهِرِيَّ عَنِ المُكَلَّفِ تَخْفِيفاً مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةً بِعِبَادِهِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَعْجِزُ عَنِ الِامْتِنَاعِ بَدَنِيّاً».

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ) (٩)

تَحْقِيقِي أَنَّ مَنَاطَ الإِكْرَاهِ فِي بَابِ المُّظَاهَرَةِ أَضْيَقُ مِنْ مَنَاطِهِ فِي بَابِ نُطْقِ الكَلِمَةِ؛ لِأَنَّ المُّظَاهَرَةَ تَتَعَدَّى لِضَرَرِ الغَيْرِ مِنَ المُّسْلِمِينَ. وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ الكَثِيرَ مِمَّنْ يَقَعُونَ فِي مُعَاوَنَةِ الكُفَّارِ اليَوْمَ يَتَمَسَّحُونَ بِالإِكْرَاهِ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ فَقْدِ الوَظِيفَةِ أَوْ المَنْصِبِ، وَهَذَا "إِكْرَاهٌ بَاطِلٌ" لَا يَصِحُّ عُذْراً فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ. وَأَرَى أَنَّ "إِكْرَاهَ القَلْبِ" هُوَ العُمْدَةُ، فَإِذَا اسْتَطَابَ المَرْءُ نُصْرَةَ الكُفَّارِ وَلَوْ تَحْتَ السَّوْطِ فَهُوَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الإِكْرَاهَ المُّعْتَبَرَ هُوَ الَّذِي يَصِلُ لِحَدِّ "الضَّرُورَةِ" الَّتِي تُبِيحُ المَّحْظُورَ دُونَ مَيْلٍ إِلَيْهِ.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ العُثَيْمِينَ (١٠): يُقَرِّرُ أَنَّ الإِكْرَاهَ الَّذِي يَعْذُرُ اللَّهُ بِهِ هُوَ مَا سَلَبَ المَرْءَ اخْتِيَارَهُ، وَأَنَّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى مُعَاوَنَةِ الكُفَّارِ بَدَنِيّاً (كَحَمْلِ مَتَاعِهِمْ) وَهُوَ كَارِهٌ لِفِعْلِهِ، بَاغِضٌ لِدِينِهِمْ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا كُفْرَ، عَمَلاً بِآيَةِ النَّحْلِ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ بْنِ عَلِيٍّ التَّمِيمِيِّ (١١): يُؤَصِّلُ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَخْلِطُ بَيْنَ "الخَوْفِ" وَ"الإِكْرَاهِ"؛ فَالخَوْفُ المُجَرَّدُ لَيْسَ بِعُذْرٍ لِوَاقِعٍ فِي نَاقِضٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ العَذَابِ أَوْ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِوُقُوعِ الهَلَاكِ، وَهَذَا مَسْلَكُ المُّحَقِّقِينَ مِنَ السَّلَفِ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُثْمَانَ سِنْدِيٍّ (١٢): يُحَقِّقُ أَنَّ الإِكْرَاهَ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ العَيْنِيِّ، لَكِنَّهُ لَا يُسْقِطُ عَنِ المُّكْرَهِ وُجُوبَ التَّرَبُّصِ لِلْهَرَبِ وَالهِجْرَةِ عِنْدَ القُدْرَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَضِيَ بِفِعْلِهِ بَعْدَ قَهْرِهِ انْقَلَبَ إِكْرَاهُهُ إِلَى تَوَلٍّ.

----------------------------------&

حَاشِيَةٌ

(١) اشْتِقَاقُ الإِكْرَاهِ: (الفَيُّومِيُّ، المِصْبَاحُ المُنِيرُ، مَادَّةُ "كره")؛ (الرَّاغِبُ، المُّفْرَدَاتُ، ص ٤٣٠).

(٢) الحد الجامع: (ابْنُ قُدَامَةَ، المُّغْنِي، دَارُ عَالَمِ الكُتُبِ، ج٧، ص١١٨).

(٣) أقسام الإكراه: (السَّرَخْسِيُّ، المَّبْسُوطُ، دَارُ المَعْرِفَةِ، ج٢٤، ص٣٨-٤٠) فِي بَابِ الإِكْرَاهِ المُّلْجِئِ وَغَيْرِ المُّلْجِئِ.

(٤) الشروط والموانع: (جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ، الأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، ص ٢٠٨).

(٥) تفسير ابن كثير: (ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٤، ص٦٠٥).

(٦) تفسير السعدي: (السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص٤٤٩).

(٧) تخريج الحديث: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (٢٠٤٣)، وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٤/١٧٠)، وَالحَاكِمُ (٢/١٩٨) وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ. وَهُوَ الحَدِيثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ فِي الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ.

(٨) شرح ابن رجب: (زَيْنُ الدِّينِ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثاً مِنْ جَوَامِعِ الكَلِمِ، دَارُ المَعْرِفَةِ، ط١، ص ٣٧٧-٣٨٠).

(٩) قُلْتُ: تَأْصِيلُ البَاحِثِ  عِمادِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيِّ.

(١٠) عزو العثيمين: (العُثَيْمِينُ، فَتَاوَى العَقِيدَةِ، مَكْتَبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، ص ٤٠٢).

(١١) عزو التميمي: (التَّمِيمِيُّ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، ص ١٦٠).

(١٢) عزو سندي: (سِنْدِيٌّ، تَقْرِيرَاتُ شَرْحِ النَّوَاقِضِ، ص ٦٧).

قَاعِدَةٌ: "لَا عِبْرَةَ بَالْفِعْلِ المُّسْتَكْرَهِ عَلَيْهِ مَا دَامَ القَلْبُ خَالِياً مِنَ الرِّضَا".

ضَابِطٌ: الإِكْرَاهُ لَا يُبِيحُ قَتْلَ المُسْلِمِ، لِأَنَّ حَيَاةَ المُّكْرَهِ لَيْسَتْ بِأَوْلَى مِنْ حَيَاةِ غَيْرِهِ.

--------------------------(٣٦)-------------------------------

الوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ (٣٧)

​[النَّاقِضُ التَّاسِعُ: اعْتِقَادُ سَعَةِ الخُرُوجِ عَنْ الشَّرِيعَةِ]

​أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُّقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

​قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«التَّاسِعُ: مَنِ اعْتَقَدَ(١) أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ(٢) الخُرُوجُ(٣) عَنْ شَرِيعَةِ(٤) مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا وَسِعَ الخَضِرَ(٥) الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى(٦) عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ(٧)».

​المُّقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

​النسخة (أ) مَكْنُز: جاء فيها النَّاقِضُ بِصِيغَةِ: «من اعتقد أن أحداً يسعه الخروج...».

​النسخة (ب) قَاسِم: أثبتت لفظ: «بَعْضَ النَّاسِ»، وهو الأوفق لِسياق رد الشبهة على من يزعمون الخصوصية لِأوليائهم.

​ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (تَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ وَالتَّرَاجِمِ)

​١. اعْتَقَدَ (١): الِاعْتِقَادُ هُوَ عَقْدُ القَلْبِ الجَازِمُ عَلَى الشَّيْءِ، وَمَحَلُّ الكُفْرِ هُنَا القَلْبُ ابْتِدَاءً، لِأَنَّهُ اسْتِحْلَالٌ لِمُحَرَّمٍ مُّجْمَعٍ عَلَيْهِ.

٢. يَسَعُهُ (٢): أَيْ يُبَاحُ لَهُ وَيَجُوزُ، وَمَنْ جَوَّزَ تَرْكَ الشَّرِيعَةِ فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى الرِّسَالَةِ.

٣. الخُرُوجُ (٣): الِانْسِلَاخُ مِنَ الِالتِزَامِ بِالأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَزَعْمُ أَنَّ المَرْءَ يَصِلُ إِلَى حَالٍ لَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى الوَحْيِ.

٤. الشَّرِيعَةُ (٤): هِيَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنَ الأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، وَشَرِيعَتُهُ ﷺ خَاتِمَةٌ وَنَاسِخَةٌ.

٥. الخَضِرُ (٥): هُوَ "عَبْدٌ صَالِحٌ"، وَالأَرْجَحُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، وَقَدْ أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْماً لَدُنِّيّاً خَاصّاً فِي وَقْتٍ لَمْ تَكُنْ فِيهِ دَعْوَةُ مُوسَى عَامَّةً لِلْبَشَرِ.

٦. مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ (٦): هُوَ مُوسَى ابْنُ عِمْرَانَ، كَلِيمُ الرَّحْمَنِ، أَحَدُ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيماً عَلَى الحَقِيقَةِ لَا المَجَازِ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَعَهُ أَخُوهُ هَارُونُ وَزِيراً.

٧. فَهُوَ كَافِرٌ (٧): هَذَا حُكْمٌ بَـ "كُفْرِ النَّوْعِ"؛ أَيْ أَنَّ هَذَا المَقَالِ وَالِاعْتِقَادِ كُفْرٌ مُّخْرِجٌ، أَمَّا تَنْزِيلُهُ عَلَى الأَعْيَانِ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ المَّوَانِعِ.

​ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ بَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

​١. مِنَ الكِتَابِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥].

​تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٨): «يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُ بَعْدَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى اللَّهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ، فَمَنِ اعْتَقَدَ وُصُولاً لِغَيْرِ شَرِيعَتِهِ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ وَهُوَ مِنَ الخَاسِرِينَ».

​٢. مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ: «وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيّاً مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» (٩).

​شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (١٠): «هَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي أَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَتْ مَا قَبْلَهَا، وَأَنَّ رِسَالَتَهُ عَامَّةٌ لِلثَّقَلَيْنِ، فَإِذَا كَانَ مُوسَى الكَلِيمُ لَا يَسَعُهُ الخُرُوجُ، فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ دُونَهُ مِمَّنْ يَزْعُمُونَ الوَلَايَةَ؟».

​رَابِعًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المُّسْتَخْرَجَةُ

​١. قَاعِدَةُ "عُمُومِ الرِّسَالَةِ": رِسَالَةُ النَّبِيِّ ﷺ عَامَّةٌ لِكُلِّ المُّكَلَّفِينَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْهَا أَحَدٌ.

٢. ضَابِطُ "الفَرْقِ بَيْنَ قِصَّةِ الخَضِرِ وَشَرِيعَتِنَا": الخَضِرُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أُمَّةِ مُوسَى، وَمُوسَى لَمْ يُرْسَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً، بِخِلَافِ مُحَمَّدٍ ﷺ.

٣. قَاعِدَةُ "تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ": مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَاطِنَهُ سَقَطَ عَنْهُ تَكْلِيفُ الظَّاهِرِ فَقَدْ هَدَمَ أَصْلَ الدِّينِ.

​خَامِسًا: تَأْصِيلُ البَاحِثِ (قُلْتُ) (١١)

​تَحْقِيقِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ رَدٌّ عَلَى "غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ" الَّذِينَ قَسَّمُوا الدِّينَ إِلَى (شَرِيعَةٍ) لِلْعَوَامِّ وَ(حَقِيقَةٍ) لِلْخَوَاصِّ. وَأُؤَصِّلُ لِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةِ الخَضِرِ احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الخَضِرَ كَانَ يَعْمَلُ بِوَحْيٍ خَاصٍّ، وَنَحْنُ لَا وَحْيَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَأَرَى أَنَّ القَوْلَ بِسَعَةِ الخُرُوجِ هُوَ قَوْلٌ بِـ "الِاسْتِغْنَاءِ عَنِ النُّبُوَّةِ"، وَهُوَ أَعْظَمُ الزَّنْدَقَةِ، لِأَنَّهُ يَعْنِي انْقِطَاعَ الحَاجَةِ إِلَى البَلَاغِ عَنِ اللَّهِ.

​سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

​١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الوَلِيَّ يَصِلُ إِلَى حَالٍ يَسْقُطُ عَنْهُ فِيهَا التَّكْلِيفُ فَهُوَ أَكْفَرُ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ حِمَايَةٌ لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ وَالمُّتَابَعَةِ، وَرَدٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ إِحْدَاثَ دِينٍ بَيْنَ العَبْدِ وَرَبِّهِ دُونَ وَاسِطَةِ الرَّسُولِ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُفَصِّلُ فِي بَيَانِ بُطْلَانِ التَّشَبُّهِ بَالْخَضِرِ، مُبَيِّناً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَرَّمَ مَجَرَّدَ النَّظَرِ فِي صُحُفِ التَّوْرَاةِ لِوُجُوبِ الِاكْتِفَاءِ بِشَرْعِهِ.

--------------------------------------&

​حَاشِيَةٌ

​(١) الاعتقاد: (المُّفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ، ص ٣٤١).

​(٢) يسعه: أَيْ يُجِيزُ لَهُ عَقْلاً وَشَرْعاً.

​(٣) الخروج: يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج١١، ص٤١٠ (فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الحَقِيقَةِ).

​(٤) الشريعة: (تَعْرِيفَاتُ الجُرْجَانِيِّ، ص ١٢٨).

​(٥) ترجمة الخضر: ابْنُ حَجَرٍ، الإِصَابَةُ فِي تَمْيِيزِ الصَّحَابَةِ، ج٢، ص٢٤٧.

​(٦) ترجمة موسى: (القُرْآنُ الكَرِيمُ، سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٦٤)، وَ"البِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ" لِابْنِ كَثِيرٍ، ج١، ص٢٣٩.

​(٧) كفر النوع: "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ" لِلْبَغَوِيِّ، ج٥، ص١٩٣.

​(٨) تفسير ابن كثير: ج٢، ص٦٨.

​(٩) تخريج الحديث: رَوَاهُ أَحْمَدُ (١٤٧٣٦)، وَالدَّارِمِيُّ (٤٣٥) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

​(١٠) شرح ابن رجب: "فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الخَلَفِ"، ص ١٤.

​(١١) قُلْتُ: تَأْصِيلُ البَاحِثِ  عِمادِ آلِ عَامِرٍ.

​نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ: قِصَّةُ الخَضِرِ "حُجَّةٌ لِلْوَلَايَةِ" فِي طَاعَةِ الوَحْيِ، وَلَيْسَتْ "مُسَوِّغاً لِلْإِعْرَاضِ" عَنْهُ.

​قَاعِدَةٌ: "كُلُّ حَقِيقَةٍ لَا تُوَافِقُ الشَّرِيعَةَ فَهِيَ زَنْدَقَةٌ".

-------------------------(٣٧)-------------------------------

الوَجْهِ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ (٣٨)

[النَّاقِضُ العَاشِرُ: الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللَّهِ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُّقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«العَاشِرُ: الإِعْرَاضُ(١) عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَتَعَلَّمُهُ(٢) وَلَا يَعْمَلُ بِهِ(٣)؛ وَالدَّلِيلُ(٤) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ(٥) مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ(٦) رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ(٧) عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ(٨) مُنْتَقِمُونَ(٩)﴾ [السجدة: ٢٢]».

المُّقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ): اتَّفَقَتِ النُّسَخُ عَلَى لَفْظِ "الإِعْرَاضِ"، وَزَادَتْ نُسْخَةُ المُّؤَلِّفِ قَيْدَ: "لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ" لِتَحْرِيرِ مَنَاطِ الكُفْرِ.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (تَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ وَالأَحْكَامِ)

١. الإِعْرَاضُ (١): لُغَةً: التَّوَلِّي وَالذَّهَابُ عَنِ الشَّيْءِ. وَشَرْعاً: هُوَ أَنْ يَتَوَلَّى بِقَلْبِهِ وَسَمْعِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، بَلْ يَنْصَرِفُ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ كُلِّيَّةً.

٢. لَا يَتَعَلَّمُهُ (٢): المُرَادُ تَرْكُ تَعَلُّمِ "أَصْلِ الدِّينِ" الَّذِي يَصِيرُ بِهِ المَرْءُ مُّسْلِماً، وَهُوَ الوَاجِبُ العَيْنِيُّ، أَمَّا تَرْكُ دَقَائِقِ العِلْمِ وَالفُرُوعِ فَهُوَ مَحَلُّ تَفْصِيلٍ.

٣. لَا يَعْمَلُ بِهِ (٣): أَيْ يَتْرُكُ جِنْسَ العَمَلِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَلَا يَنْقَادُ لِأَمْرٍ وَلَا يَنْزَجِرُ عَنْ نَهْيٍ، تَرْكَ اسْتِكْبَارٍ أَوْ زَهَادَةٍ فِي الوَحْيِ.

٤. الدَّلِيلُ (٤): مَا يُتَوَصَّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَقَدْ سَاقَ الإِمَامُ آيَةَ السَّجْدَةِ لِبَيَانِ عِظَمِ الجُرْمِ.

٥. أَظْلَمُ (٥): اسْمُ تَفْضِيلٍ، أَيْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ ظُلْماً لِنَفْسِهِ وَلِحَقِّ اللَّهِ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ الحُجَّةُ ثُمَّ أَعْرَضَ. وَالظُّلْمُ هُنَا هُوَ "الظُّلْمُ الأَكْبَرُ" (الشِّرْكُ وَالكُفْرُ).

٦. آيَاتِ (٦): جَمْعُ آيَةٍ، وَهِيَ العَلَامَةُ المُّوصِلَةُ لِلْحَقِّ، وَتَشْمَلُ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةَ وَالمُّعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةَ.

٧. أَعْرَضَ (٧): تَرَكَ النَّظَرَ وَالقَبُولَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ بَالْبَلَاغِ.

٨. المُجْرِمِينَ (٨): المُرَادُ بِهِمْ الكُفَّارُ الَّذِي اجْتَرَمُوا أَعْظَمَ الذُّنُوبِ وَهُوَ الإِعْرَاضُ عَنِ الخَالِقِ.

٩. مُنْتَقِمُونَ (٩): صِفَةُ فِعْلٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَهِيَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ بَالْعَذَابِ المُّخَلَّدِ لِأَهْلِ الإِعْرَاضِ.

ثَالِثًا: الِاسْتِشْهَادُ وَالتَّفْسِيرُ

١. مِنْ تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ (١٠):

«يَقُولُ تَعَالَى: لَا أَحَدَ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَكَّرَهُ اللَّهُ بِآيَاتِهِ، وَأَوْضَحَهَا لَهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَرَكَهَا وَتَنَاسَاهَا، وَأَعْرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا. ثُمَّ تَوَعَّدَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أَيْ: سَنَنْتَقِمُ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِعْرَاضَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ هُوَ غَايَةُ العِنَادِ وَمُوجِبُ لِعَذَابِ الِاسْتِئْصَالِ فِي الآخِرَةِ».

رَابِعًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ فِي نَاقِضِ الإِعْرَاضِ

١. قَاعِدَةُ "الإِعْرَاضُ المُّكَفِّرُ": هُوَ الإِعْرَاضُ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ الَّذِي يُمَيَّزُ بِهِ المُسْلِمُ مِنَ الكَافِرِ، لَا عَنْ فُرُوعِهِ المُّسْتَحَبَّةِ.

٢. ضَابِطُ "تَلَازُمِ العِلْمِ وَالعَمَلِ": مَنْ تَرَكَ العِلْمَ لَمْ يَعْمَلْ، وَمَنْ تَرَكَ العَمَلَ لَمْ يَنْفَعْهُ العِلْمُ، وَالنَّاقِضُ هُوَ الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ عَنْهُمَا مَعاً.

٣. قَاعِدَةُ "قِيَامِ الحُجَّةِ": لَا يُحْكَمُ بَالْإِعْرَاضِ إِلَّا بَعْدَ "التَّذْكِيرِ" بَالْآيَاتِ، كَمَا دَلَّ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾.

خَامِسًا: تَأْصِيلُ البَاحِثِ (١١)

تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ فِي هَذِهِ المَّسْأَلَةِ تَقُومُ عَلَى أَنَّ الإِعْرَاضَ لَيْسَ جَهْلاً مُّجَرَّداً، بَلْ هُوَ "جَهْلٌ مُّعْرِضٌ"؛ فَصَاحِبُهُ لَا يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ زَهَادَةً فِيهِ، وَلَا يَعْمَلُ بِمَا بَلَغَهُ صَدّاً عَنْهُ. وَيُؤَصِّلُ البَاحِثُ لِأَنَّ صُوَرَ الإِعْرَاضِ المُّعَاصِرَةِ كَالَّذِينَ يَعِيشُونَ حَيَاةً مَّادِيَّةً مُّحْضَةً لَا يَرْفَعُونَ رَأْساً بِشَيْءٍ مِنْ أَوَامِرِ الشَّرْعِ، هِيَ عَيْنُ هَذَا النَّاقِضِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الإِعْرَاضَ المُّخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ هُوَ مَا يَنْسِفُ "أَصْلَ الِالتِزَامِ"، بِحَيْثُ يَنْصَلِخُ المَرْءُ مِنْ تَبِعَاتِ العُبُودِيَّةِ ظَاهِراً وَبَاطِناً.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ العُثَيْمِينَ (١٢): يُفَصِّلُ فِي أَنَّ الإِعْرَاضَ الَّذِي يَكُونُ كُفْراً هُوَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإِيمَانِ، أَمَّا مَنْ يُعْرِضُ عَنْ بَعْضِ الوَاجِبَاتِ مَعَ إِقْرَارِهِ بَالْوُجُوبِ وَفِعْلِ الأَصْلِ، فَهَذَا عِصْيَانٌ لَا كُفْرٌ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (١٣): يُبَيِّنُ أَنَّ كُفْرَ الإِعْرَاضِ هُوَ نَوْعٌ مِنْ كُفْرِ التَّوَلِّي، وَأَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ فِي "المُّسَمَّى الشَّرْعِيِّ لِلْإِيمَانِ" لِفَقْدِهِ رُكْنَيْ العِلْمِ وَالقَصْدِ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ (١٤): يُحَقِّقُ مَسْأَلَةَ الإِعْرَاضِ بِأَنَّهَا تَرْكُ "مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إِلَّا بِهِ"، وَيُؤَكِّدُ عَلَى أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ لَا يَقْبَلُ العُذْرَ بِالْجَهْلِ لِمَنْ كَانَ مُتَمَكِّناً مِنَ التَّعَلُّمِ فَتَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ.

------------------------------------&

حَاشِيَةٌ

(١) الإعراض: (المُّفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، ص ٣٣١).

(٢) لا يتعلمه: يَنْظُرُ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ القَيِّمِ، دَارُ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، ج١، ص٣٤٧.

(٣) لا يعمل به: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ط بَعْضِ المَّصَادِرِ، ج٧، ص٦١٦.

(٤) الدليل: (تَعْرِيفَاتُ الجُرْجَانِيِّ، ص ١٠٤).

(٥) أظلم: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ" لِلسَّعْدِيِّ، ص٦٥٤ (بَيَانُ الظُّلْمِ الأَكْبَرِ).

(٦) آيات: (تَفْسِيرُ البَغَوِيِّ، ج٦، ص٣٢٤).

(٧) أعرض: (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢، ج٦، ص٣٦٧).

(٨) المجرمين: المُرَادُ بِهِمْ الكُفَّارُ لُغَةً وَشَرْعاً (ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ج٢٠، ص١٩٣).

(٩) منتقمون: (شَرْحُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ، ص ٤٥٥).

(١٠) تفسير ابن كثير: عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢ (١٩٩٩م)، ج٦، ص٣٦٧.

(١١) تأصيل الباحث: هَذِهِ تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ (عِمَادِ آلِ عَامِرٍ) فِي تَحْرِيرِ مَنَاطِ الإِعْرَاضِ.

(١٢) عزو العثيمين: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص ٢٩٢.

(١٣) عزو التميمي: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ، ص ١٦٥.

(١٤) عزو سندي: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ، دُرُوسٌ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ (تَقْرِيرَاتُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ)، ص ٧٠.

نُكْتَةٌ: الإِعْرَاضُ المُّكَفِّرُ هُوَ "إِعْرَاضٌ عَنِ الجِنْسِ" لَا عَنِ "الأَحَادِ"، فَتَنَبَّهْ.

قَاعِدَةٌ: "مَنْ كَانَتْ الحُجَّةُ مَقْدُوراً عَلَيْهَا فَتَرَكَهَا فَلَا عُذْرَ لَهُ".

-------------------------------(٣٨)---------------------------

الوَجْهِ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ (٣٩)

[خَاتِمَةُ النَّوَاقِضِ: أَحْوَالُ الفَاعِلِ وَخُطُورَةُ المَقَامِ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ (المُّقَابَلَةُ وَالضَّبْطُ)

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ بَيْنَ الهَازِلِ(١) وَالجَادِّ(٢) وَالخَائِفِ(٣) إِلَّا المُّكْرَهَ(٤)، وَكُلُّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ خَطَراً، وَأَكْثَرِ مَا يَكُونُ وُقُوعاً، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَهَا(٥) وَيَخَافَ(٦) مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ، نَعُوذُ(٧) بِاللَّهِ مِنْ مُوجِبَاتِ(٨) غَضَبِهِ(٩) وَأَلِيمِ(١٠) عِقَابِهِ(١١)».

المُّقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسْخَتَيْنِ:

النسخة (أ): ثَبَتَ فِيهَا لَفْظُ "وَالخَائِفِ"، وَهِيَ زِيَادَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ لِتَحْرِيرِ مَسْأَلَةِ الخَوْفِ المُّجَرَّدِ عَنِ الإِكْرَاهِ.

النسخة (ب): فِيهَا "وَمِنْ أَلِيمِ عِقَابِهِ" بِزِيَادَةِ حَرْفِ العَطْفِ، وَالأَمْرُ فِيهَا وَاسِعٌ.

ثَانِيًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (تَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ)

١. الهَازِلُ (١): هُوَ اللَّاعِبُ الضَّاحِكُ الَّذِي يَنْطِقُ بِالْكُفْرِ أَوْ يَفْعَلُهُ لَا قَصْداً لِحَقِيقَتِهِ، بَلْ عَلَى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ وَالمَّزْحِ.

٢. الجَادُّ (٢): هُوَ القَاصِدُ لِلْفِعْلِ أَوْ القَوْلِ عَالِماً بِمَعْنَاهُ، سَوَاءٌ اعْتَقَدَ صِحَّتَهُ أَوْ فَعَلَهُ لِغَرَضٍ آخَرَ.

٣. الخَائِفُ (٣): هُوَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِالْكُفْرِ لِمُجَرَّدِ خَوْفِ تَهْدِيدٍ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، أَوْ خَوْفاً عَلَى مَالٍ أَوْ جَاهٍ، فَهَذَا لَا يُعْذَرُ.

٤. المُّكْرَهُ (٤): مَنْ سُلِبَ الِاخْتِيَارَ بِتَعْذِيبٍ بَدَنِيٍّ أَوْ تَهْدِيدٍ مُّلْجِئٍ يَعْجِزُ عَنْ دَفْعِهِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ.

٥. يَحْذَرَهَا (٥): التَّحَرُّزُ وَالِابْتِعَادُ عَنْ مَوَاطِنِ الشُّبُهَاتِ وَمَزَالِقِ الرَّدَى.

٦. يَخَافَ (٦): الِانْكِمَاشُ الوِجْدَانِيُّ المُّؤَدِّي لِلْعَمَلِ، فَالخَوْفُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَحَارِمِ اللَّهِ.

٧. نَعُوذُ (٧): نَلْتَجِئُ وَنَعْتَصِمُ وَنَتَحَصَّنُ بِجَنَابِ اللَّهِ تَعَالَى.

٨. مُوجِبَاتِ (٨): الأَسْبَابُ المُّقْتَضِيَةُ لِحُلُولِ سَخَطِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ.

٩. غَضَبِهِ (٩): صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَهُوَ ثَمَرَةُ العِصْيَانِ وَالكُفْرِ.

١٠. أَلِيمِ (١٠): أَيْ مُوجِعٍ بَالِغِ الشِّدَّةِ فِي نِكَايَتِهِ.

١١. عِقَابِهِ (١١): الجَزَاءُ بَالشَّرِّ عَلَى مَا اقْتَرَفَهُ العَبْدُ مِنَ الآثَامِ.

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ المُّسْتَنْبَطَةُ

١. قَاعِدَةُ "القَوْلُ فِي النَّوَاقِضِ وَاحِدٌ": جَمِيعُ النَّوَاقِضِ تَسْتَوِي فِي الحُكْمِ سَوَاءً كَانَتْ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً، فَلَا تَفْرِيقَ بَيْنَهَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ.

٢. ضَابِطُ "قَصْدِ اللَّفْظِ لَا قَصْدِ الكُفْرِ": يُكَفَّرُ الهَازِلُ لِأَنَّهُ قَصَدَ اللَّفْظَ مَعَ عِلْمِهِ بِمَعْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ الخُرُوجَ مِنَ الدِّينِ.

٣. قَاعِدَةُ "انْحِصَارِ العُذْرِ": العُذْرُ المُّسْقِطُ لِلْإِثْمِ فِي بَابِ النَّوَاقِضِ مُنْحَصِرٌ فِي "الإِكْرَاهِ المُّلْجِئِ" فَقَطْ.

رَابِعًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

مِنَ الكِتَابِ: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥-٦٦].

مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».

خَامِسًا: تَأْصِيلُ البَاحِثِ (تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ)

يُقَرِّرُ البَاحِثُ أَنَّ هَذَا المَقْطَعَ هُوَ "القَوْلُ الفَصْلُ" فِي سَدِّ أَبْوَابِ التَّمَيُّعِ؛ فَيُعَرِّفُ الهَازِلَ بِأَنَّهُ مَنْ جَعَلَ الدِّينَ أُضْحُوكَةً، وَحُكْمُهُ الكُفْرُ لِأَنَّهُ اسْتَهَانَ بَالْعَظَمَةِ الإِلَهِيَّةِ. أَمَّا الخَوْفُ فَيُقَسِّمُهُ البَاحِثُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

١. خَوْفٌ طَبِيعِيٌّ مُّجَرَّدٌ: كَخَوْفِ ضَيَاعِ المَنْصِبِ أَوْ المَّقَامِ، وَهَذَا لَا يُبِيحُ النُّطْقَ بِالْكُفْرِ بَلْ هُوَ مِنَ الظُّلْمِ لِلنَّفْسِ.

٢. خَوْفٌ إِكْرَاهِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي يَنْتَقِلُ فِيهِ الخَوْفُ مِنْ حَالِ الظَّنِّ إِلَى حَالِ القَهْرِ المُّحَقَّقِ (الإِكْرَاهِ).

وَيُفَصِّلُ البَاحِثُ فِي المُّكْرَهِ تَفْصِيلاً سَلَفِيّاً بِأَنَّهُ المَّظْلُومُ الَّذِي نَطَقَ لِيَسْلَمَ بَدَنُهُ مَعَ اعْتِصَامِ قَلْبِهِ، وَيَضَعُ لَهُ شُرُوطاً: (عَدَمُ الرِّضَا، وُقُوعُ البَلَاءِ، الِاكْتِفَاءُ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ). وَصُورَةُ الإِكْرَاهِ الحَقِيقِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَا يَجِدُ فِيهَا المَرْءُ مَهْرَباً وَلَا مَحِيصاً إِلَّا التَّكَلُّمَ، بِخِلَافِ مَا يَدَّعِيهِ عَبَدَةُ الدُّنْيَا.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الهَازِلَ أَعْظَمُ جُرْماً مِنَ الجَادِّ، لِأَنَّ الهَازِلَ جَمَعَ بَيْنَ الكُفْرِ وَالِاسْتِهَانَةِ، وَيُقَرِّرُ أَنَّ الخَائِفَ الَّذِي لَمْ يُلْجَأْ لَا عُذْرَ لَهُ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ هَذِهِ الخَاتِمَةَ تَبْيِينٌ لِأَنَّ الخُرُوجَ مِنَ الدِّينِ قَدْ يَكُونُ بِأَهْوَنِ الأَسْبَابِ عِنْدَ العَبْدِ وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمَةٌ.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ: يُحَقِّقُ مَسْأَلَةَ الإِكْرَاهِ بِأَنَّهَا "رُخْصَةٌ" مَشْرُوطَةٌ بَالْبَاطِنِ، وَأَنَّ مَنْ خَافَ خَوْفاً دُنْيَوِيّاً فَوَاقَعَ النَّاقِضَ فَقَدْ آثَرَ دُنْيَاهُ عَلَى دِينِهِ.

--------------------------------&

حَاشِيَةٌ

(١) الهزل: (لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ "هزل"). وَيُنْظَرُ: "إِعْلَامُ المُّوَقِّعِينَ" لِابْنِ القَيِّمِ، ج٣، ص١٠٤.

(٢) الجاد: (تَعْرِيفَاتُ الجُرْجَانِيِّ، ص ٧٧).

(٣) الخائف: هُوَ مَنْ فَعَلَ النَّاقِضَ مُدَارَاةً لِلْكُفَّارِ، يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ص ٦١٤.

(٤) المكره: "المُّغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج٩، ص١٨٦ (شُرُوطُ الإِكْرَاهِ المُّعْتَبَرِ).

(٥) يحذرها: (المُّفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ، ص ١١٤).

(٦) يخاف: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ج١، ص٥٠٧.

(٧) نعوذ: أَيْ الِاسْتِعَاذَةُ بَاللَّهِ لِطَلَبِ الحِمَايَةِ، (تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ، ج١، ص١١٠).

(٨) موجبات: (الفَيُّومِيُّ، المِصْبَاحُ المُنِيرُ، مَادَّةُ "وجب").

(٩) غضبه: (عَقِيدَةُ السَّلَفِ وَأَصْحَابِ الحَدِيثِ لِلصَّابُونِيِّ، ص ٢١٠).

(١٠) أليم: (تَفْسِيرُ القُرْطُبِيِّ، ج١، ص١٩٧).

(١١) عقابه: (ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ "عقب").

نُكْتَةٌ: سُمِّيَ المُّكْرَهُ مُّسْتَثْنًى لِأَنَّهُ نَطَقَ بَاللِّسَانِ دُونَ انْعِقَادِ القَلْبِ، فَانْعَدَمَ فِيهِ "رُكْنُ الرِّضَا".

قَاعِدَةٌ: "كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ طَائِعاً كَفَرَ، سَوَاءً كَانَ مَازِحاً أَوْ جَادّاً".

عَزْوٌ: تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ مَجْمُوعِ تَحْقِيقَاتِهِ فِي "حَاشِيَةِ القَوْلِ السَّدِيدِ".

[نص الحديث]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ، مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا، يَزِلُّ بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ المَشْرِقِ».

وفي لفظ البخاري الآخر: «إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».

[التخريج للحاشية]

المصدر الأول: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب حفظ اللسان، رقم الحديث (٦٤٧٧)، ومسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم الحديث (٢٩٨٨).

المصدر الثاني: أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/٣٣٤) رقم (٨٣٩٢).

المصدر الثالث: أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الزهد، رقم (٢٣١٤) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

الحكم: الحديث صحيح متفق عليه، وهو في أعلى درجات الصحة.

الشاهد: قوله «لا يلقي لها بالاً»؛ أي لا يتأملها بخاطره ولا يظن أنها تؤثر، وهو ما ينطبق تماماً على "الهازل" الذي يتكلم بالكفر لمجرد الضحك أو اللعب.

أَوَّلًا: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾

١. تَفْسِيرُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (١):

«يُقَرِّرُ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ (قَدْ كَفَرْتُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّاراً قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ حَصَلَ لَهُمْ الكُفْرُ بِهَذَا القَوْلِ المَّحْضِ. وَيَرَى أَنَّ كُفْرَ الهَازِلِ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفَافَ الَّذِي يُنَافِي أَصْلَ التَّعْظِيمِ المَّقْصُودِ فِي الإِيمَانِ، فَلَا يُعْذَرُ مَنْ قَالَهُ بِزَعْمِ المَّزْحِ، لِأَنَّ هَذَا المَّقَامَ لَا يَقْبَلُ اللَّعِبَ».

٢. تَفْسِيرُ ابْنِ القَيِّمِ (٢):

«يَرَى ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ الإِيمَانَ يَقُومُ عَلَى تَعْظِيمِ الرَّبِّ وَشَعَائِرِهِ، وَأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ هُوَ ضِدُّ هَذَا التَّعْظِيمِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَمَنْ نَطَقَ بَالْكُفْرِ مَازِحاً فَقَدْ هَدَمَ رُكْنَ التَّعْظِيمِ فِي قَلْبِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَطَعَ عُذْرَهُمْ بِقَوْلِهِ (لَا تَعْتَذِرُوا)، لِأَنَّ العُذْرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي أُمُورٍ يَخْفَى فِيهَا المَّنَاطُ، أَمَّا هُنَا فَالمَّقَالُ كُفْرٌ بَوَاحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ قَدْ تُخْرِجُ العَبْدَ مِنَ الإِيمَانِ المَّحْضِ إِلَى الكُفْرِ المَّحْضِ دُونَ قَصْدِ الرِّدَّةِ».

٣. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣):

«يُبَيِّنُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المُّنَافِقِينَ وَالمَّفْتُونِينَ قَالُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَلِمَاتٍ فِيهَا سُخْرِيَةٌ بِالرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَ الوَحْيُ لِيَفْضَحَ مَا فِي صُدُورِهِمْ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) لَمْ يَنْفَعْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، بَلْ أَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَصْفَ الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُّتَّسِمِينَ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِرِ. وَهَذَا الِانْتِقَامُ الإِلَهِيُّ كَانَ بِسَبَبِ اسْتِهَانَتِهِمْ بِالمَّقَامِ النَّبَوِيِّ المُّقَدَّسِ، فَلَا رُخْصَةَ لِهَازِلٍ فِي دِينِ اللَّهِ».

٤. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٤):

«يُوضِحُ السَّعْدِيُّ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ مُّخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ، لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ مَّبْنِيٌّ عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَتَعْظِيمِ دِينِهِ وَرُسُلِهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُنَافِي هَذَا الأَصْلَ وَيُنَاقِضُهُ أَشَدَّ المُّنَاقَضَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ بَاللَّعِبِ، بَلْ جَعَلَ لَعِبَهُمْ هُوَ عَيْنَ جُرْمِهِمْ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ. وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَمَسُّ جَنَابَ الأُلُوهِيَّةِ أَوْ الرِّسَالَةِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ المَّزْحِ».

ثَانِيًا: شَرْحُ حَدِيثِ (كَلِمَةٌ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً)

١. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٥):

«يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ مَعْنَى (لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً) أَيْ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَتِهَا وَلَا يَظُنُّ أَنَّهَا تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ، وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفَافَ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ بِدِينِهِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَباً فِي خُلُودِ صَاحِبِهَا فِي النَّارِ إِذَا كَانَتْ كُفْراً، كَمَا هُوَ حَالُ المُّنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَهْزَأُوا فِي تَبُوكَ. فَالإِنْسَانُ مُّؤَاخَذٌ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ فِيهِ نِيَّةَ الكُفْرِ، مَادَامَ قَدْ قَصَدَ اللَّفْظَ المُّتَضَمِّنَ لِلْإِهَانَةِ».

٢. شَرْحُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٦):

«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ فِيهِ أَعْظَمُ تَحْذِيرٍ مِنَ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ بِمَا لَا يَلِيقُ فِي جَنَابِ اللَّهِ، وَأَنَّ صَاحِبَ (الهَزْلِ) هُوَ أَوَّلُ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يُلْقِي بَالاً لِكَلَامِهِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ النَّطْقَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لِغَرَضِ الإِضْحَاكِ أَوْ المُّجَامَلَةِ يُوجِبُ سَخَطَ اللَّهِ وَالهُوِيَّ فِي جَهَنَّمَ بَعِيراً، لِأَنَّ العِبْرَةَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَقَصْدِ المُّتَكَلِّمِ لِلْمَعْنَى القَبِيحِ. فَالجَاهِلُ قَدْ يُعْذَرُ، لَكِنَّ الهَازِلَ الَّذِي يَعْلَمُ مَعْنَى الكَلِمَةِ لَا عُذْرَ لَهُ بَتَاتاً».

٣. شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ (٧):

«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ مِنْ خِلَالِ هَذَا الحَدِيثِ لِخُطُورَةِ (الِاسْتِهَانَةِ اللَّفْظِيَّةِ) فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، وَأَنَّ مَنْ زَلَّ لِسَانُهُ بِقَوْلٍ مُّكَفِّرٍ لِأَجْلِ بَسْطِ النَّفْسِ فَقَدْ جَنَى عَلَى إِيمَانِهِ أَعْظَمَ الجِنَايَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ (مَنْ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً) هُوَ الَّذِي لَا يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي نُطْقِهِ، فَيَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا يَتَطَابَقُ مَعَ خَاتِمَةِ النَّوَاقِضِ الَّتِي سَوَّتْ بَيْنَ الهَازِلِ وَالجَادِّ، فَالنَّارُ مَوْعِدُ مَنْ لَمْ يَقْدُرْ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَدْرَهُ».

حَاشِيَةٌ

(١) ابن تيمية: "الصَّارِمُ المَّسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ"، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، ص ٥١٧.

(٢) ابن القيم: "إِعْلَامُ المُّوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ"، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج٣، ص ١٢٤.

(٣) ابن كثير: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٤، ص ١٧٢.

(٤) السعدي: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ المَّنَّانِ"، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص ٣٤٢.

(٥) ابن رجب: "فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الخَلَفِ"، وَ"جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ" (شَرْحُ حَدِيثِ حِفْظِ اللِّسَانِ)، ص ٤٢٠.

(٦) ابن عثيمين: "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، دَارُ الوَطَنِ، ج٦، ص ١٤٥.

(٧) صالح سندي: "تَقْرِيرَاتُ شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، ص ٧٢.

 

------------------------------(٣٩)--------------------------------

أَوَّلًا: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾

١. تَفْسِيرُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (١):

«يُقَرِّرُ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ يَكْفُرُ بِهِ صَاحِبُهُ بَعْدَ إِيمَانِهِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ (قَدْ كَفَرْتُمْ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا كُفَّاراً قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ حَصَلَ لَهُمْ الكُفْرُ بِهَذَا القَوْلِ المَّحْضِ. وَيَرَى أَنَّ كُفْرَ الهَازِلِ أَبْلَغُ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفَافَ الَّذِي يُنَافِي أَصْلَ التَّعْظِيمِ المَّقْصُودِ فِي الإِيمَانِ، فَلَا يُعْذَرُ مَنْ قَالَهُ بِزَعْمِ المَّزْحِ، لِأَنَّ هَذَا المَّقَامَ لَا يَقْبَلُ اللَّعِبَ».

٢. تَفْسِيرُ ابْنِ القَيِّمِ (٢):

«يَرَى ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ الإِيمَانَ يَقُومُ عَلَى تَعْظِيمِ الرَّبِّ وَشَعَائِرِهِ، وَأَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ هُوَ ضِدُّ هَذَا التَّعْظِيمِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَمَنْ نَطَقَ بَالْكُفْرِ مَازِحاً فَقَدْ هَدَمَ رُكْنَ التَّعْظِيمِ فِي قَلْبِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ اللَّهَ قَطَعَ عُذْرَهُمْ بِقَوْلِهِ (لَا تَعْتَذِرُوا)، لِأَنَّ العُذْرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي أُمُورٍ يَخْفَى فِيهَا المَّنَاطُ، أَمَّا هُنَا فَالمَّقَالُ كُفْرٌ بَوَاحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكَلِمَةَ الوَاحِدَةَ قَدْ تُخْرِجُ العَبْدَ مِنَ الإِيمَانِ المَّحْضِ إِلَى الكُفْرِ المَّحْضِ دُونَ قَصْدِ الرِّدَّةِ».

٣. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ (٣):

«يُبَيِّنُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ المُّنَافِقِينَ وَالمَّفْتُونِينَ قَالُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ كَلِمَاتٍ فِيهَا سُخْرِيَةٌ بِالرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءَ الوَحْيُ لِيَفْضَحَ مَا فِي صُدُورِهِمْ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ قَوْلَهُمْ (إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ) لَمْ يَنْفَعْهُمْ عِنْدَ اللَّهِ، بَلْ أَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَصْفَ الكُفْرِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُّتَّسِمِينَ بِالْإِيمَانِ الظَّاهِرِ. وَهَذَا الِانْتِقَامُ الإِلَهِيُّ كَانَ بِسَبَبِ اسْتِهَانَتِهِمْ بِالمَّقَامِ النَّبَوِيِّ المُّقَدَّسِ، فَلَا رُخْصَةَ لِهَازِلٍ فِي دِينِ اللَّهِ».

٤. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (٤):

«يُوضِحُ السَّعْدِيُّ أَنَّ الِاسْتِهْزَاءَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كُفْرٌ مُّخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ، لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ مَّبْنِيٌّ عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ، وَتَعْظِيمِ دِينِهِ وَرُسُلِهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ يُنَافِي هَذَا الأَصْلَ وَيُنَاقِضُهُ أَشَدَّ المُّنَاقَضَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ بَاللَّعِبِ، بَلْ جَعَلَ لَعِبَهُمْ هُوَ عَيْنَ جُرْمِهِمْ الَّذِي كَفَرُوا بِهِ. وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ عَنْ كُلِّ مَا يَمَسُّ جَنَابَ الأُلُوهِيَّةِ أَوْ الرِّسَالَةِ وَلَوْ عَلَى سَبِيلِ المَّزْحِ».

ثَانِيًا: شَرْحُ حَدِيثِ (كَلِمَةٌ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً)

١. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيِّ (٥):

«يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ مَعْنَى (لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً) أَيْ لَا يَتَفَكَّرُ فِي عَاقِبَتِهَا وَلَا يَظُنُّ أَنَّهَا تَبْلُغُ مَا بَلَغَتْ، وَهِيَ الكَلِمَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفَافَ بِحَقِّ اللَّهِ أَوْ الِاسْتِهْزَاءَ بِدِينِهِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ قَدْ تَكُونُ سَبَباً فِي خُلُودِ صَاحِبِهَا فِي النَّارِ إِذَا كَانَتْ كُفْراً، كَمَا هُوَ حَالُ المُّنَافِقِينَ الَّذِينَ اسْتَهْزَأُوا فِي تَبُوكَ. فَالإِنْسَانُ مُّؤَاخَذٌ بِمَا يَنْطِقُ بِهِ لِسَانُهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ فِيهِ نِيَّةَ الكُفْرِ، مَادَامَ قَدْ قَصَدَ اللَّفْظَ المُّتَضَمِّنَ لِلْإِهَانَةِ».

٢. شَرْحُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٦):

«يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ فِيهِ أَعْظَمُ تَحْذِيرٍ مِنَ انْطِلَاقِ اللِّسَانِ بِمَا لَا يَلِيقُ فِي جَنَابِ اللَّهِ، وَأَنَّ صَاحِبَ (الهَزْلِ) هُوَ أَوَّلُ دَاخِلٍ فِي مَعْنَى مَنْ لَا يُلْقِي بَالاً لِكَلَامِهِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ النَّطْقَ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ لِغَرَضِ الإِضْحَاكِ أَوْ المُّجَامَلَةِ يُوجِبُ سَخَطَ اللَّهِ وَالهُوِيَّ فِي جَهَنَّمَ بَعِيراً، لِأَنَّ العِبْرَةَ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ وَقَصْدِ المُّتَكَلِّمِ لِلْمَعْنَى القَبِيحِ. فَالجَاهِلُ قَدْ يُعْذَرُ، لَكِنَّ الهَازِلَ الَّذِي يَعْلَمُ مَعْنَى الكَلِمَةِ لَا عُذْرَ لَهُ بَتَاتاً».

٣. شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ (٧):

«يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ مِنْ خِلَالِ هَذَا الحَدِيثِ لِخُطُورَةِ (الِاسْتِهَانَةِ اللَّفْظِيَّةِ) فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ، وَأَنَّ مَنْ زَلَّ لِسَانُهُ بِقَوْلٍ مُّكَفِّرٍ لِأَجْلِ بَسْطِ النَّفْسِ فَقَدْ جَنَى عَلَى إِيمَانِهِ أَعْظَمَ الجِنَايَةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ (مَنْ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً) هُوَ الَّذِي لَا يُعَظِّمُ حُرُمَاتِ اللَّهِ فِي نُطْقِهِ، فَيَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا يَتَطَابَقُ مَعَ خَاتِمَةِ النَّوَاقِضِ الَّتِي سَوَّتْ بَيْنَ الهَازِلِ وَالجَادِّ، فَالنَّارُ مَوْعِدُ مَنْ لَمْ يَقْدُرْ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَدْرَهُ».

حَاشِيَةٌ

(١) ابن تيمية: "الصَّارِمُ المَّسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ"، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، ص ٥١٧.

(٢) ابن القيم: "إِعْلَامُ المُّوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ"، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج٣، ص ١٢٤.

(٣) ابن كثير: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٤، ص ١٧٢.

(٤) السعدي: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ المَّنَّانِ"، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص ٣٤٢.

(٥) ابن رجب: "فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الخَلَفِ"، وَ"جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ" (شَرْحُ حَدِيثِ حِفْظِ اللِّسَانِ)، ص ٤٢٠.

(٦) ابن عثيمين: "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، دَارُ الوَطَنِ، ج٦، ص ١٤٥.

(٧) صالح سندي: "تَقْرِيرَاتُ شَرْحِ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ"، ص ٧٢.

-----------------------------(٤٠)------------------------------

الوَجْهِ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ (٤١)

[أَنْوَاعُ التَّوْحِيدِ: أَوَّلًا: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ]

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ المُّحَقَّقُ

قَالَ المُؤَلِّفُ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

«التَّوْحِيدُ(١) ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ(٢)، وَهُوَ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ الكُفَّارُ عَلَى زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الإِسْلَامِ، وَقَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاسْتَحَلَّ(٣) دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَهُوَ: تَوْحِيدُ اللَّهِ بِفِعْلِهِ تَعَالَى. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ(٤) الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ(٥)﴾ [يونس: ٣١]، وَالآيَاتُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ جِدّاً».

ثَانِيًا: مُقَابَلَةُ النُّسْخَتَيْنِ

النسخة (أ) مَكْنُز: وَرَدَ فِيهَا: «وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ»، بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

النسخة (ب) قَاسِم: وَرَدَ فِيهَا: «وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِفِعْلِهِ»، بِصِيغَةِ الإِفْرَادِ، وَهُوَ لَفْظُ المُّصَنِّفِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى كَمَا فِي "رِسَالَةِ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

النسخة (ج): بَعْضُ المَّخْطُوطَاتِ زَادَتْ: «فَقَاتَلَهُمْ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ» بَدَلَ «وَاسْتَحَلَّ دِمَاءَهُمْ».

ثَالِثًا: مَضْمُونُ الفَقْرَةِ (تَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ)

١. التَّوْحِيدُ (١): إِفْرَادُ المَّعْبُودِ بِالقَصْدِ وَالعَمَلِ، وَهُوَ لُغَةً مِنَ التَّفَرُّدِ.

٢. الرُّبُوبِيَّةِ (٢): إِفْرَادُ اللَّهِ بِالخَلْقِ وَالمُّلْكِ وَالتَّدْبِيرِ، وَهُوَ عِلْمٌ وَخَبَرٌ.

٣. اسْتَحَلَّ (٣): أَيْ أَوْجَبَ قِتَالَهُمْ لِأَنَّ رُبُوبِيَّتَهُمْ لَمْ تَكُفَّهُمْ عَنِ الشِّرْكِ.

٤. يُدَبِّرُ (٤): يُصَرِّفُ أَمْرَ الخَلَائِقِ عُلْويِّهَا وَسُفْليِّهَا، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

٥. تَتَّقُونَ (٥): أَيْ أَفَلَا تَجْعَلُونَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عَذَابِهِ وِقَايَةً بِتَوْحِيدِهِ فِي عِبَادَتِهِ.

رَابِعًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ (ابْنُ كَثِيرٍ)

قَالَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ (٦):

«يَحْتَجُّ تَعَالَى عَلَى المُّشْرِكِينَ بِاعْتِرَافِهِمْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَرِزْقِهِ لَهُمْ مِنْ جَمِيعِ الجِهَاتِ. وَقَوْلُهُ: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ) أَيْ: الَّذِي أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ القُوَى وَلَوْ شَاءَ لَذَهَبَ بِهَا، وَالَّذِي (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ) كَمَا يُخْرِجُ الحَبَّةَ مِنَ النَّبَاتِ وَالمُّؤْمِنَ مِنَ الكَافِرِ، (وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ) أَيْ: الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ. فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ كُلِّهِ فَقُلْ لَهُمْ: (أَفَلَا تَتَّقُونَ)؟ أَيْ: أَفَلَا تَخَافُونَ اللَّهَ أَنْ تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ بَعْدَ هَذَا الإِقْرَارِ؟».

خَامِسًا: وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الإِمَامِ المُّجَدِّدِ بِالآيَةِ

اسْتَشْهَدَ الإِمَامُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِبَيَانِ أَنَّ المُّشْرِكِينَ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَصْلِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ هَذَا الإِقْرَارَ كَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ مَنْ يَعْتَرِفُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ المُّدَبِّرُ لِلْأَمْرِ المُّحْيِي المُّؤَدِّي لِلرِّزْقِ، يَلْزَمُهُ عَقْلًا وَشَرْعاً أَنْ يَعْبُدَهُ وَحْدَهُ، وَبِمَا أَنَّهُمْ صَرَفُوا العِبَادَةَ لِلْأَصْنَامِ مَعَ هَذَا الِاعْتِرَافِ، لَمْ يَنْفَعْهُمْ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ فِي عِصْمَةِ دِمَائِهِمْ.

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ (٧)

يُقَرِّرُ البَاحِثُ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ فِطْرِيٌّ ضَرُورِيٌّ، لَكِنَّهُ "وَسِيلَةٌ" لَا "غَايَةٌ" فِي ذَاتِهِ لِلنَّجَاةِ، بَلْ الغَايَةُ هِيَ تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ. وَيُؤَصِّلُ البَاحِثُ لِأَنَّ الحُكْمَ بِكُفْرِ المُّشْرِكِينَ رَغْمَ إِقْرَارِهِمْ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ يَهْدِمُ مَذْهَبَ المُّتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ حَصَرُوا التَّوْحِيدَ فِي الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ اللَّهَ صَانِعُ الكَوْنِ فَقَطْ. وَيَرَى البَاحِثُ أَنَّ الِافْتِقَارَ إِلَى اللَّهِ فِي الرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ يَجِبُ أَنْ يَقُودَ العَبْدَ إِلَى الِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي العِبَادَةِ، وَإِلَّا كَانَ إِقْرَارُهُ نَاقِصاً وَحُجَّةً عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ.

سَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٨): يُقَرِّرُ أَنَّ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ لَا يَكْفِي لِلنَّجَاةِ لِأَنَّ إِبْلِيسَ نَفْسَهُ أَقَرَّ بِهِ حِينَ قَالَ: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي)، فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَهُ لَمْ يُحَقِّقْ دِينَ الرُّسُلِ.

٢. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ (٩): يُوضِحُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّوْحِيدِ أَقَرَّ بِهِ كُفَّارُ قُرَيْشٍ فَلَمْ يَكُنْ عِبَاداً، لِأَنَّ العِبَادَةَ تَقُومُ عَلَى الذُّلِّ وَالمُّحَبَّةِ، وَهُمْ لَمْ يَخُصُّوا اللَّهَ بِهِمَا.

٣. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ (١٠): يُحَقِّقُ أَنَّ المُّشْرِكَ اليَوْمَ صَارَ شِرْكُهُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ أَغْلَظَ مِنْ شِرْكِ الأَوَّلِينَ، لِأَنَّ الأَوَّلِينَ أَقَرُّوا بِتَدْبِيرِ اللَّهِ وَهَؤُلَاءِ يَصْرِفُونَهُ لِلْأَقْطَابِ وَالأَغْوَاثِ.

----------------------------------&

حَاشِيَةٌ 

(١) التوحيد: (ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ العَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، ج٣، ص ٤٥٠).

(٢) الربوبية: (السَّفَارِينِيُّ، لَوَامِعُ الأَنْوَارِ البَهِيَّةِ، مَكْتَبَةُ الإِسْلَامِيِّ، ج١، ص ١٢٨).

(٣) استحل دماءهم: (البُخَارِيُّ، رَقْم ٢٥) حَدِيثُ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا...».

(٤) يدبر: (تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٤، ص ٢٥٢).

(٥) تتقون: (تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص ٣٦٣).

(٦) تفسير ابن كثير: (عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ط٢، ج٤، ص ٢٥٢).

(٧) تأصيل الباحث: (تَقْرِيرَاتُ البَاحِثِ عِمادِ آلِ عَامِرٍ فِي "حَاشِيَةِ القَوْلِ السَّدِيدِ").

(٨) عزو العثيمين: (مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ، قَوْلُ المُّفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج١، ص ١٥).

(٩) عزو التميمي: (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ، ص ٤٥).

(١٠) عزو سندي: (صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ، دُرُوسٌ فِي شَرْحِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، الدَّرْسُ الأَوَّلُ).

نُكْتَةٌ: "الخَالِقُ" اسْمٌ لَا يُطْلَقُ بَالْإِطْلَاقِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ، وَمَا رُوِيَ فِي حَقِّ المَّخْلُوقِ فَهُوَ مَقْيُودٌ بِالتَّحْوِيلِ وَالتَّقْدِيرِ لَا الإِيجَادِ مِنْ عَدَمٍ.

قَاعِدَةٌ: "الإِقْرَارُ بِالرُّبُوبِيَّةِ دُونَ الأُلُوهِيَّةِ إِيمَانٌ لُغَوِيٌّ لَا شَرْعِيٌّ".

--------------------------------(٤١)---------------------------

الوَجْهِ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ (٤٢)

[بَرَاهِينُ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَفْصِيلُ أَمْرِ اللهِ الكَوْنِيِّ وَالشَّرْعِيِّ]

أَوَّلًا: مَضْمُونُ المَّقْطَعِ (تَعْرِيفُ الأَمْرَيْنِ)

١. الأَمْرُ القَدَرِيُّ الكَوْنِيُّ:

هُوَ إِرَادَةُ اللهِ النَّافِذَةُ الَّتِي لَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا مُرَادُهَا أَبَداً، وَيَتَعَلَّقُ بِالخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ وَالتَّقْدِيرِ. فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَيَشْمَلُ جَمِيعَ الحَوَادِثِ فِي الكَوْنِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَكُفْرٍ وَإِيمَانٍ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ مِنْ حَيْثُ الوُقُوعُ. وَمِنْ خَصَائِصِهِ أَنَّهُ مَحْبُوبٌ للهِ مِنْ وَجْهٍ (لِحِكْمَتِهِ) وَقَدْ يَكُونُ مَكْرُوهاً مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، لَكِنَّهُ نَافِذٌ لَا مَحَالَةَ.

٢. الأَمْرُ الشَّرْعِيُّ الدِّينِيُّ:

هُوَ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ. وَهَذَا الأَمْرُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الوُقُوعُ؛ فَقَدْ يَمْتَثِلُ العَبْدُ فَيَكُونُ طَائِعاً، وَقَدْ يَعْصِي فَيَكُونُ فِاسِقاً أَوْ كَافِراً. وَاللهُ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ شَرْعاً، لَكِنَّهُ قَدْ يُقَدِّرُهَا كَوْناً لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ. فَالغَايَةُ مِنَ الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ هِيَ الِابْتِلَاءُ وَتَحْقِيقُ العُبُودِيَّةِ.

ثَانِيًا: الآيَاتُ الخَمْسُ الكَامِلَةُ (بَرَاهِينُ الرُّبُوبِيَّةِ)

١. الآيَةُ الأُولَى (دَلِيلُ الانْفِرَادِ بِالأَمْرِ وَالخَلْقِ):

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].

٢. الآيَةُ الثَّانِيَةُ (دَلِيلُ التَّدْبِيرِ الشَّامِلِ):

﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].

٣. الآيَةُ الثَّالِثَةُ (دَلِيلُ الرِّزْقِ وَالمِّلْكِ):

﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].

٤. الآيَةُ الرَّابِعَةُ (دَلِيلُ العَقْلِ القَاطِعِ):

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥-٣٦].

٥. الآيَةُ الخَامِسَةُ (دَلِيلُ الفِطْرَةِ فِي الِاضْطِرَارِ):

﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٨-٨٩].

ثَالِثًا: القَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ العَشَرَةُ (١٠)

١. قَاعِدَةُ الشُّمُولِ: مَنْ لَمْ يُوَحِّدِ اللهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ فَلَنْ يُوَحِّدَهُ فِي أُلُوهِيَّتِهِ أَبَداً.

٢. ضَابِطُ الحَصْرِ المَّقَاصِدِيِّ: كُلُّ فِعْلٍ للهِ يُوجِبُ عَمَلاً مِنَ العَبْدِ (الخَلْقُ يُوجِبُ السُّجُودَ، وَالرِّزْقُ يُوجِبُ الشُّكْرَ).

٣. قَاعِدَةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ: الأَمْرُ الكَوْنِيُّ حُجَّةٌ لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ.

٤. ضَابِطُ العَجْزِ المَّخْلُوقِيِّ: المَّرْبُوبُ لَا يَكُونُ إِلَهاً، وَالعَاجِزُ لَا يَكُونُ مَعْبُوداً.

٥. قَاعِدَةُ الحَصْرِ البَلَاغِيِّ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تَنْفِي الشِّرْكَ، وَ(إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تَنْفِي الحَوْلَ وَالقُوَّةَ عَنْ غَيْرِ اللهِ.

٦. ضَابِطُ التَّدْبِيرِ المُّطْلَقِ: لَا تَتَحَرَّكُ ذَرَّةٌ فِي الكَوْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِ الكَوْنِيِّ، فَلَا يُسْتَغَاثُ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ هَذَا التَّحْرِيكَ.

٧. قَاعِدَةُ الاِفْتِقَارِ الذَّاتِيِّ: المَّخْلُوقُ فَقِيرٌ لِخَالِقِهِ كَوْناً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ خَاضِعاً لَهُ شَرْعاً.

٨. ضَابِطُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ: الرُّبُوبِيَّةُ هِيَ مَدَارُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ الخَبَرِيِّ.

٩. قَاعِدَةُ بُّطْلَانِ الوَسَائِطِ: مَنْ أَقَرَّ بِالتَّدْبِيرِ للهِ وَحْدَهُ، بَطَلَ عِنْدَهُ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِأَصْحَابِ القُبُورِ.

١٠. ضَابِطُ السَّيْطَرَةِ الإِلَهِيَّةِ: (يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ) تَقْطَعُ أَطْمَاعَ الخَلْقِ فِي نَفْعِ مَنْ لَمْ يَنْفَعْهُ اللهُ.

رَابِعًا: تَأْصِيلُ البَاحِثِ (١)

يُقَرِّرُ البَاحِثُ أَنَّ الفَصْلَ بَيْنَ "الأَمْرِ الكَوْنِيِّ" وَ"الأَمْرِ الشَّرْعِيِّ" هُوَ مَزْلَقُ قَدَمِ كَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ؛ فَالقَدَرِيَّةُ عَظَّمُوا الأَمْرَ الشَّرْعِيَّ وَنَفَوا الكَوْنِيَّ (بِزَعْمِ خَلْقِ العَبْدِ لِفِعْلِهِ)، وَالجَبْرِيَّةُ عَظَّمُوا الكَوْنِيَّ وَأَهْدَرُوا الشَّرْعِيَّ. وَيُؤَصِّلُ البَاحِثُ لِأَنَّ "السُّنِّيَّ السَّلَفِيَّ" هُوَ مَنْ يَشْهَدُ قَدَرَ اللهِ فِي خَلْقِهِ (كَوْناً) وَيَلْتَزِمُ شَرْعَهُ فِي فِعْلِهِ (دِيناً). وَيَرَى البَاحِثُ أَنَّ اسْتِحْقَاقَ العِبَادَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى انْفِرَادِ الرَّبِّ بِالتَّدْبِيرِ، فَمَنْ قَالَ أَنَّ اللهَ هُوَ المُّدَبِّرُ ثُمَّ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ، فَقَدْ جَعَلَ لِلْمَرْبُوبِ خَاصِّيَّةَ الرَّبِّ، وَهَذَا غَايَةُ التَّنَاقُضِ العَقْلِيِّ وَالعَقَدِيِّ.

خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ (٢): يُؤَكِّدُ أَنَّ رُبُوبِيَّةَ اللهِ شَامِلَةٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَنَّ مَنْ آمَنَ بِهَا لَزِمَهُ حَتْماً أَنْ يَكُونَ مُّسْتَسْلِماً لِأَمْرِ اللهِ الشَّرْعِيِّ، لِأَنَّ الحِكْمَةَ مِنَ الخَلْقِ هِيَ العِبَادَةُ.

٢. تَقْرِيرُ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ (٣): يُبَيِّنُ أَنَّ أَكْثَرَ مَا وَقَعَ فِيهِ المُّتَأَخِّرُونَ هُوَ "تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ بِمَعْنَى الخَلْقِ" مَعَ الشِّرْكِ فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ بِمَعْنَى التَّدْبِيرِ" (كَاعْتِقَادِ النَّفْعِ فِي الأَوْلِيَاءِ).

٣. تَقْرِيرُ صَالِحٍ سِنْدِيٍّ (٤): يُحَقِّقُ أَنَّ العِبَادَةَ المَّحْصُورَةَ فِي (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) هِيَ الثَّمَرَةُ المُّبَاشِرَةُ لِلِاعْتِرَافِ بِرُبُوبِيَّتِهِ سُبْحَانَهُ، وَأَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فِي الكَوْنِ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ المَّعْبُودِ.

حَاشِيَةٌ مُطَوَّلَةٌ

(١) تأصيل الباحث: (عِمَادُ آلِ عَامِرٍ، حَاشِيَةُ القَوْلِ السَّدِيدِ، مَخْطُوطٌ).

(٢) عزو العثيمين: (ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج١، ص ٧٥).

(٣) عزو التميمي: (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، تَقْرِيرَاتُ العَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ، ص ٤٥).

(٤) عزو سندي: (صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِيٍّ، شَرْحُ الرِّسَالَةِ التَّدْمُرِيَّةِ، الدَّرْسُ السَّادِسُ).

عزو الآيات: (الأعراف ٥٤)، (السجدة ٥)، (يونس ٣١)، (الطور ٣٥)، (المؤمنون ٨٨).

نُكْتَةٌ: سُمِّيَ الأَمْرُ الكَوْنِيُّ كَوْنِيّاً لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَةِ (كُنْ)، فَكُلُّ مَا فِيهِ كَائِنٌ لَا مَحَالَةَ.

فَائِدَةٌ: تَقْدِيمُ المَّعْمُولِ فِي (إِيَّاكَ) يُفِيدُ القَصْرَ وَالحَصْرَ عِنْدَ البَلَاغِيِّينَ (يُنْظَرُ: "دَلَائِلُ الإِعْجَازِ" لِلْجُرْجَانِيِّ).

------------------------------(٤٢)-----------------------

الوَجْهِ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٣)

أَوَّلًا: النَّصُّ المَتْنِيُّ المُّحَقَّقُ

«ثَانِيًا: تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ؛ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ(١). وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِ العِبَادِ. كَالدُّعَاءِ(٢)، وَالنَّذْرِ(٣)، وَالنَّحْرِ(٤)، وَالرَّجَاءِ(٥)، وَالخَوْفِ(٦)، وَالتَّوَكُّلِ(٧)، وَالرَّغْبَةِ(٨)، وَالرَّهْبَةِ(٩)، وَالإِنَابَةِ(١٠). وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ القُرْآنِ».

ثَانِيًا: مُقَابَلَةُ النُّسْخَتَيْنِ

النسخة (أ) مَكْنُز: «تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ هُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ».

النسخة (ب) قَاسِم: «تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ»، مَعَ زِيَادَةِ حَرْفِ (فِي).

ثَالِثًا: مَضْمُونُ التَّوْحِيدِ وَتَشْرِيحُ المُّفْرَدَاتِ

١. تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ (تَمْهِيدٌ)

الاشتقاق: مِنْ (أَلَهَ، يَأْلَهُ) أَيْ عَبَدَ مَعَ الحُّبِّ وَالتَّعْظِيمِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَّانِعُ: إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِ العِبَادِ الَّتِي شَرَعَهَا، بِحَيْثُ لَا يُصْرَفُ لِغَيْرِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْهَا.

الدَّلِيلُ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣].

٢. الدُّعَاءُ (المُّفْرَدَةُ الأُولَى)

الاشتقاق: مِنَ النِّدَاءِ وَالطَّلَبِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: الرَّغْبَةُ إِلَى اللَّهِ فِيمَا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ وَالِابْتِهَالُ إِلَيْهِ فِي مَطْلُوبِهِ.

التَّقْسِيمُ:

 (أ) دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ: طَلَبُ مَا يَنْفَعُ وَدَفْعُ مَا يَضُرُّ. 

(ب) دُعَاءُ عِبَادَةٍ: كُلُّ قُرْبَةٍ يَفْعَلُهَا العَبْدُ هِيَ دُعَاءٌ لِلَّهِ بِلِسَانِ الحَالِ لِيُثِيبَهُ.

الضَّابِطُ: صَرْفُ الدُّعَاءِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ لِغَيْرِهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

الدَّلِيلُ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. وَالحديث: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» (١١).

٣. النَّذْرُ (المُّفْرَدَةُ الثَّانِيَةُ)

الاشتقاق: مِنَ الإِيجَابِ وَالِالتِزَامِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: إِلْزَامُ المُّكَلَّفِ نَفْسَهُ للهِ تَعَالَى عَمَلاً مَّقْصُوداً.

أَنْوَاعُهُ:

 (أ) نَذْرُ طَاعَةٍ (مَحْمُودٌ وَيَجِبُ الوَفَاءُ بِهِ).

 (ب) نَذْرُ مَعْصِيَةٍ (مُّحَرَّمٌ وَلَا يَجُوزُ الوَفَاءُ بِهِ). 

(ج) نَذْرٌ لِغَيْرِ اللهِ (شِرْكٌ).

الضَّابِطُ: مَنْ نَذَرَ لِقَبْرٍ أَوْ لِوَلِيٍّ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً للهِ فِي التَّعْظِيمِ.

الدَّلِيلُ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]. 

والحديث: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (١٢).

٤. النَّحْرُ (المُّفْرَدَةُ الثَّالِثَةُ)

الاشتقاق: مِنْ طَعْنِ الإِبِلِ فِي المَّنْحَرِ، وَيُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الذَّبْحِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: إِزْهَاقُ الرُّوحِ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ تَقَرُّباً وَتَعْظِيماً.

أَنْوَاعُهُ:

 (أ) تَعَبُّدِيٌّ (كالأَضَاحِي). 

(ب) لِغَيْرِ اللهِ (كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ أَوْ القُبُورِ - شِرْكٌ). 

(ج) عَادِيٌّ (لِلَّحْمِ أَوْ الضَّيْفِ).

الضَّابِطُ: الذَّبْحُ عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَصَرْفُهَا لِغَيْرِ اللهِ مَلْعُونٌ صَاحِبُهُ.

الدَّلِيلُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. 

والحديث: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» (١٣).

٥. الرَّجَاءُ (المُّفْرَدَةُ الرَّابِعَةُ)

الاشتقاق: مِنَ الأَمَلِ وَتَرَقُّبِ المَّحْبُوبِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: طَمَعُ العَبْدِ فِي رَحْمَةِ اللهِ مَعَ العَمَلِ بِالطَّاعَةِ.

مَرَاتِبُهُ:

 (أ) رَجَاءٌ مَّحْمُودٌ (مَعَ العَمَلِ). 

(ب) رَجَاءٌ مَّذْمُومٌ (أَمَانِيُّ كَاذِبَةٌ بِلَا عَمَلٍ).

الضَّابِطُ: الرَّجَاءُ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الذُّلَّ وَالخُضُوعَ عِبَادَةٌ لَا تَصْلُحُ إِلَّا للهِ.

الدَّلِيلُ: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الكهف: ١١٠]. 

والحديث: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ» (١٤).

٦. الخَوْفُ (المُّفْرَدَةُ الخَامِسَةُ)

الاشتقاق: مِنَ الذُّعْرِ وَالفَزَعِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: تَأَلُّمُ النَّفْسِ وَتَوَقُّعُ المَّكْرُوهِ حَذَراً مِنْ عِقَابِ الرَّبِّ.

أَنْوَاعُهُ: 

(أ) خَوْفُ السِّرِّ (عِبَادَةٌ - وَصَرْفُهُ لِلْقُبُورِ شِرْكٌ).

 (ب) خَوْفٌ طَبِيعِيٌّ (كَمَنْ يَخَافُ السَّبُعَ).

 (ج) خَوْفٌ مُّحَرَّمٌ (تَرْكُ الوَاجِبِ خَوْفاً مِنَ النَّاسِ).

الضَّابِطُ: كُلُّ خَوْفٍ يَمْنَعُ مِنَ الشِّرْكِ وَالمَّعَاصِي فَهُوَ وَاجِبٌ.

الدَّلِيلُ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].

٧. التَّوَكُّلُ (المُّفْرَدَةُ السَّادِسَةُ)

الاشتقاق: مِنَ الِاعْتِمَادِ وَالتَّفْوِيضِ.

الحَدُّ الجَامِعُ: صِدْقُ اعْتِمَادِ القَلْبِ عَلَى اللهِ مَعَ فِعْلِ الأَسْبَابِ المَّأْذُونِ فِيهَا.

صُوَرُهُ: 

(أ) تَوَكُّلٌ فِي المَّطَالِبِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللهُ (عِبَادَةٌ). (ب) تَوَكُّلٌ عَلَى المَّخْلُوقِ فِيمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ (تَوْكِيلٌ جَائِزٌ).

الضَّابِطُ: مَنْ جَعَلَ جَمِيعَ اعْتِمَادِهِ عَلَى السَّبَبِ فَقَدْ أَشْرَكَ شِرْكاً أَصْغَرَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ.

الدَّلِيلُ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [المائدة: ٢٣].

 والحديث: «لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ» (١٥).

٨. الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالإِنَابَةُ (تَتِمَّةُ المُّفْرَدَاتِ)

الرَّغْبَةُ: سُؤَالُ الوُصُولِ لِلْمُرَادِ بِذُلٍّ. 

(الضَّابِطُ: الرَّغْبَةُ هِيَ مِلَاكُ العَمَلِ).

الرَّهْبَةُ: خَوْفٌ يُثْمِرُ عَمَلاً وَهَرَباً إِلَى اللهِ. 

(الضَّابِطُ: أَنَّهَا تُورِثُ الحَذَرَ).

الإِنَابَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ 

(الضَّابِطُ: هِيَ الإِقْبَالُ عَلَى الطَّاعَةِ بِالقَلْبِ).

الدَّلِيلُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠].

 وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤].

--------------------------------&

 الحَاشِيَةُ 

(١) النزاع قديماً: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، ج١، ص ٢٢٤.

(٢) الدعاء: الخَطَّابِيُّ، شَأْنُ الدُّعَاءِ، دَارُ الثَّقَافَةِ، ص ٤.

(٣) النذر: القُرْطُبِيُّ، الجَامِعُ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ، ج١٩، ص ١٢٤.

(٤) النحر: الزَّبِيدِيُّ، تَاجُ العَرُوسِ، مَادَّةُ "نحر".

(٥) الرجاء: ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ص ٤٥٥.

(٦) الخوف: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص ٦١.

(٧) التوكل: ابْنُ القَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، ج٢، ص ١١٣.

(٨) الرغبة: الرَّاغِبُ، المُّفْرَدَاتُ، ص ١٩٤.

(٩) الرهبة: الفَيُّومِيُّ، المِصْبَاحُ المُنِيرُ، ص ٢٤٠.

(١٠) الإنابة: ابْنُ القَيِّمِ، طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ، ص ٢٦٧.

(١١) تخريج الحديث: أخرجه الترمذي (٢٩٦٩) عن النعمان بن بشير، وقال: "هذا حديث حسن صحيح".

(١٢) تخريج الحديث: أخرجه البخاري (٦٦٩٦) عن عائشة رضي الله عنها.

(١٣) تخريج الحديث: أخرجه مسلم (١٩٧٨) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

(١٤) تخريج الحديث: أخرجه مسلم (٢٨٧٧) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

(١٥) تخريج الحديث: أخرجه الترمذي (٢٣٤٤) وابن ماجه (٤١٦٤) عن عمر، وصححه الألباني.

-------------------------(٤٣)----------------------------

الوَجْهِ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٣)

[تَحْقِيقُ وَتَحْرِيرُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ]

المَّبْحَثُ الأَوَّلُ: حَقِيقَةُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَاشْتِقَاقُهُ

١. الِاشْتِقَاقُ وَالصِّفَةُ:

الأُلُوهِيَّةُ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ (الإِلَهِ)، أَيِ: المَّأْلُوهِ المَّعْبُودِ المُّطَاعِ؛ فَالإِلَهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الحُسْنَى، وَالأُلُوهِيَّةُ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ العَظِيمَةِ. فَهُوَ سُبْحَانَهُ المَّالُوهُ المَّعْبُودُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَأْلَهَهُ القُلُوبُ وَتَخْضَعَ لَهُ وَتَذِلَّ وَتَنْقَادَ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ الرَّبُّ العَظِيمُ، الخَالِقُ لِهَذَا الكَوْنِ، المُّدَبِّرُ لِشُؤُونِهِ، المَّوْصُوفُ بِكُلِّ كَمَالٍ، المَّنَزَّهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ.

٢. التَّعْرِيفُ وَالحَدُّ الجَامِعُ:

تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ هُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ وَحْدَهُ بِالعِبَادَةِ. وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْلَمَ العَبْدُ عِلْمَ اليَقِينِ أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ المَّالُوهُ المَّعْبُودُ عَلَى الحَقِيقَةِ، وَأَنَّ صِفَاتِ الأُلُوهِيَّةِ وَمَعَانِيَهَا لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي أَحَدٍ مِنَ المَّخْلُوقَاتِ. فَإِذَا اعْتَرَفَ العَبْدُ بِذَلِكَ، أَفْرَدَ اللَّهَ بِالعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ (كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَبِرِّ الوَالِدَيْنِ) وَالبَاطِنَةِ (كَالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَالقَدَرِ)، لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ إِلَّا رِضَا رَبِّهِ وَطَلَبَ ثَوَابِهِ.

المَّبْحَثُ الثَّانِي: أَدِلَّةُ تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَبَيَانُ أَهَمِّيَّتِهِ

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ

تَظَافَرَتِ النُّصُوصُ عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، وَتَنَوَّعَتْ دَلَالَتُهَا:

بِالأَمْرِ بِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١].

بَيَانُ مَقْصِدِ الخَلْقِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

بَيَانُ مَقْصِدِ الرُّسُلِ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].

بَيَانُ مَقْصِدِ الكُتُبِ: ﴿أَنِ انذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢].

بَيَانُ ثَوَابِ أَهْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

التَّحْذِيرُ مِنْ ضِدِّهِ (الشِّرْكِ): ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢].

المَّطْلَبُ الثَّانِي: الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ المُّطَهَّرَةِ

١. حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه: «يَا مُعَاذُ، أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟... أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» (١).

٢. حَدِيثُ بَعْثِ مُعَاذٍ إِلَى اليَمَنِ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى» (٢).

٣. حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ نِدًّا دَخَلَ النَّارَ» (٣).

٤. حَدِيثُ جَابِرٍ رضي الله عنه: «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ» (٤).

المَّطْلَبُ الثَّالِثُ: أَهَمِّيَّتُهُ وَأَنَّهُ مِحْوَرُ الخُصُومَةِ

تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ هُوَ أَعْظَمُ الأُصُولِ، وَبِوُجُودِهِ يَكُونُ الصَّلَاحُ، وَبِفَقْدِهِ يَكُونُ الشَّرُّ وَالفَسَادُ.

زُبْدَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ: كُلُّ رَسُولٍ كَانَ قَوْلُهُ الأَوَّلُ: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، كَمَا قَالَهَا هُودٌ وَصَالِحٌ وَشُعَيْبٌ (٥).

مَحَلُّ النِّزَاعِ: كَانَتِ الخُصُومَةُ بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ وَأَقْوَامِهِمْ فِي هَذَا الأَصْلِ؛ فَالرُّسُلُ يَدْعُونَ لِلإِخْلَاصِ، وَالأَقْوَامُ يُصِرُّونَ عَلَى الأَوْثَانِ: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ [نوح: ٢٣].

---------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تخريج حديث معاذ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أُمَّتَهُ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ، رَقْم (٧٣٧٣).

(٢) تخريج حديث معاذ (اليمن): أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، رَقْم (٧٣٧٢). وَلَفْظُ "يُوَحِّدُوا اللَّهَ" صَرِيحٌ فِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ.

(٣) تخريج حديث ابن مسعود: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، رَقْم (١٢٣٨).

(٤) تخريج حديث جابر: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الإِيمَانِ، رَقْم (٩٣).

(٥) عزو آيات الرسل: سُورَةُ الأَعْرَافِ، الآيَاتُ: (٦٥، ٧٣، ٨٥).

نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: قَوْلُهُ (تَأْلَهُ القُلُوبُ)؛ الأَلَهُ هُوَ التَّعَبُّدُ، وَالفِعْلُ (أَلَهَ) يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ، وَقِيلَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ المَّحَبَّةِ الصَّادِقَةِ.

فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ يُسَمَّى "تَوْحِيدَ القَصْدِ وَالطَّلَبِ"، وَهُوَ الثَّمَرَةُ المَّقْصُودَةُ مِنْ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ (العِلْمِيِّ الخَبَرِيِّ).

تَنْبِيهٌ: الشِّرْكُ فِي الأُلُوهِيَّةِ هُوَ أَعْظَمُ ظُلْمٍ، كَمَا فِي آيَةِ الأَنْعَامِ (٨٢)، حَيْثُ فُسِّرَ الظُّلْمُ فِيهَا بِالشِّرْكِ.

-----------------------------(٤٤)---------------------------

الوَجْهِ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٥)

[مُتَمِّمَةُ وُجُوبِ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ]

المَّبْحَثُ الثَّالِثُ: وُجُوبُ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: مَعْنَى العِبَادَةِ وَأُصُولُهَا الَّتِي تُبْنَى عَلَيْهَا

١. العِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ:

لُغَةً: الذُّلُّ وَالخُضُوعُ؛ يُقَالُ بَعِيرٌ مُعَبَّدٌ أَيْ مُذَلَّلٌ، وَطَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ مُذَلَّلاً قَدْ وَطِئَتْهُ الأَقْدَامُ.

شَرْعًا: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ (١).

٢. أَرْكَانُ العِبَادَةِ الثَّلَاثَةُ:

تُبْنَى العِبَادَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ عِظَامٍ، هِيَ:

الرُّكْنُ الأَوَّلُ (كَمَالُ الحُّبِّ): لِلْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

الرُّكْنُ الثَّانِي (كَمَالُ الرَّجَاءِ): كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].

الرُّكْنُ الثَّالِثُ (كَمَالُ الخَوْفِ): كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].

٣. جَمْعُ الأَرْكَانِ فِي الفَاتِحَةِ:

جَمَعَ اللَّهُ هَذِهِ الأَرْكَانَ فِي "أُمِّ الكِتَابِ":

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: فِيهَا المَّحَبَّةُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ مُنْعِمٌ، وَالمُّنْعِمُ يُحَبُّ عَلَى قَدْرِ إِنْعَامِهِ.

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: فِيهَا الرَّجَاءُ؛ فَالمُّتَّصِفُ بِالرَّحْمَةِ تُرْجَى رَحْمَتُهُ.

﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: فِيهَا الخَوْفُ؛ فَمَالِكُ الجَزَاءِ وَالحِسَابِ يُخَافُ عَذَابُهُ.

النَّتِيجَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَيْ: أَعْبُدُكَ يَا رَبِّ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ (بِمَحَبَّتِكَ، وَرَجَائِكَ، وَخَوْفِكَ).

٤. شُرُوطُ قَبُولِ العِبَادَةِ:

لَا تُقْبَلُ العِبَادَةُ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ:

الأَوَّلُ: الإِخْلَاصُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].

الثَّانِي: المُتَابَعَةُ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧].

القَاعِدَةُ: لَا عِبْرَةَ بِالعَمَلِ مَا لَمْ يَكُنْ خَالِصاً صَوَاباً؛ خَالِصاً لِلَّهِ، صَوَاباً عَلَى السُّنَّةِ (٢).

المَّطْلَبُ الثَّانِي: ذِكْرُ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ وَتَقَاسِيمِهَا

١. أَنْوَاعُ العِبَادَاتِ بِحَسَبِ حَقِيقَتِهَا:

الدُّعَاءُ: وَهُوَ نَوْعَانِ؛ دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ (سُؤَالُ اللهِ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)، وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ (كُلُّ القُرُبَاتِ).

التَّوَكُّلُ: صِدْقُ تَفْوِيضِ الأَمْرِ إِلَى اللَّهِ مَعَ مُبَاشَرَةِ الأَسْبَابِ؛ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣].

الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالخُشُوعُ: الرَّغْبَةُ (حُّبُّ الوُصُولِ)، الرَّهْبَةُ (الخَوْفُ المُّثْمِرُ لِلْهَرَبِ)، الخُشُوعُ (الذُّلُّ لِعَظَمَةِ اللَّهِ)؛ [الأنبياء: ٩٠].

الخَشْيَةُ: خَوْفٌ مَبْنِيٌّ عَلَى العِلْمِ بِعَظَمَةِ المَّخْشِيِّ؛ ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: ١٥٠].

الإِنَابَةُ: الرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ بِالطَّاعَةِ؛ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٤].

الِاسْتِعَانَةُ وَالِاسْتِغَاثَةُ: طَلَبُ العَوْنِ، وَطَلَبُ الغَوْثِ عِنْدَ الشِّدَّةِ؛ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].

الذَّبْحُ وَالنَّذْرُ: إِرَاقَةُ الدَّمِ تَعَبُّداً، وَإِلْزَامُ النَّفْسِ بِطَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ.

٢. أَقْسَامُ العِبَادَةِ بِحَسَبِ الأَعْضَاءِ:

عِبَادَاتُ القَلْبِ: كَالمَّحَبَّةِ، وَالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ.

عِبَادَاتُ اللِّسَانِ: كَالحَمْدِ، وَالتَّسْبِيحِ، وَتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وَالدُّعَاءِ.

عِبَادَاتُ الجَوَارِحِ: كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَالجِهَادِ.

-----------------------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تعريف العبادة: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، رِسَالَةُ العُبُودِيَّةِ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج١٠، ص ١٤٩.

(٢) أثر الفضيل بن عياض: نَقَلَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، ج٨، ص ٩٥.

(٣) تخريج حديث البدعة: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الصُّلْحِ، رَقْم (٢٦٩٧).

(٤) تخريج حديث الاستعانة: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي "سُنَنِهِ"، رَقْم (٢٥١٦)، وَأَحْمَدُ فِي "المُّسْنَدِ" (١/ ٣٠٧)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ".

(٥) القاعدة الأصولية (نكرة في سياق النهي): يُنْظَرُ: مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ لِابْنِ القَيِّمِ، فِي بَيَانِ عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.

(٦) تعريف التوكل: ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ج٢، ص ٤٩٧.

(٧) معنى الخشوع: الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، ج١، ص ٥٧٤.

(٨) الاستعانة: يُنْظَرُ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ لِابْنِ القَيِّمِ، ج١، ص ٦٧.

(٩) الذبح والنحر: الشَّوْكَانِيُّ فِي نَيْلُ الأَوْطَارِ، ج٥، ص ١٠٨.

(١٠) الإنابة: ابْنُ القَيِّمِ، طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ، ص ٢٦٧.

-----------------------------(٤٦)---------------------------

الوَجْهِ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٧)

[المُّتَمِّمُ الرَّابِعُ: حِمَايَةُ المُصْطَفَى ﷺ جَنَابَ التَّوْحِيدِ]

تَمْهِيدٌ: حِرْصُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ

لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ حَرِيصًا أَشَدَّ الحِرْصِ عَلَى أُمَّتِهِ لِتَكُونَ عَزِيزَةً مَنِيعَةً، مُحَقِّقَةً لِتَوْحِيدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُجَانِبَةً لِكُلِّ الوَسَائِلِ وَالأَسْبَابِ المُّفْضِيَةِ لِمَا يُضِدُّهُ وَيُنَاقِضُهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].

وَقَدْ أَكْثَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، فَحَذَّرَ وَأَنْذَرَ، وَأَبْدَأَ وَأَعَادَ، وَخَصَّ وَعَمَّ فِي حِمَايَةِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ -مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ- الَّتِي بُعِثَ بِهَا، مِنْ كُلِّ مَا قَدْ يَشُوبُهَا مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الَّتِي يَضْمَحِلُّ مَعَهَا التَّوْحِيدُ أَوْ يَنْقُصُ. فَمِنْ حِمَايَتِهِ ﷺ أَنَّهُ سَدَّ كُلَّ طَرِيقٍ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ، حَتَّى فِي الرُّقَى وَالتَّعَالِيقِ الَّتِي كَانَ يَعْتَقِدُ فِيهَا أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ.

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: الرُّقْيَةُ (تَعْرِيفُهَا، حُكْمُهَا، وَشُرُوطُهَا)

١. تَعْرِيفُ الرُّقْيَةِ:

لُغَةً: جَمْعُهَا رُقًى، وَهِيَ العُوذَةُ.

اصْطِلَاحاً: هِيَ القِرَاءَةُ وَالنَّفْثُ طَلَبًا لِلشِّفَاءِ وَالعَافِيَةِ، سَوَاءً كَانَتْ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ أَوْ مِنَ الأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ المَّأْثُورَةِ.

٢. حُكْمُ الرُّقْيَةِ:

الأَصْلُ فِيهَا الجَوَازُ مَا خَلَتْ مِنَ الشِّرْكِ.

الدَّلِيلُ: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقْيَةِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ» (١).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الرُّقْيَةِ مِنَ العَيْنِ (إِصَابَةُ العَائِنِ غَيْرَهُ بِعَيْنِهِ بِقَدَرِ اللهِ)، وَالحُمَةِ (بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ: وَهِيَ سُمُّ ذَوَاتِ السَّمُومِ كَالعَقْرَبِ)، وَالنَّمْلَةِ (بِفَتْحِ النُّونِ: قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الجَنْبِ)» (٢).

٣. شُرُوطُ جَوَازِ الرُّقْيَةِ:

أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الرُّقْيَةِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ شُرُوطٍ:

أَوَّلاً: أَلَّا يُعْتَقَدَ أَنَّهَا تَنْفَعُ لِذَاتِهَا دُونَ اللهِ؛ بَلْ هِيَ سَبَبٌ لَا تَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَاعْتِقَادُ نَفْعِهَا لِذَاتِهَا شِرْكٌ.

ثَانِيًا: أَلَّا تَكُونَ بِمَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ؛ كَالِاسْتِغَاثَةِ بِالجِنِّ أَوْ المَّلَائِكَةِ أَوْ الصَّالِحِينَ، فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ.

ثَالِثًا: أَنْ تَكُونَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ أَوْ بِمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ؛ فَمَا كَانَ طَلَاسِمَ أَوْ شَعْوَذَةً فَهُوَ مَمْنُوعٌ.

المَّطْلَبُ الثَّانِي: التَّمَائِمُ (تَعْرِيفُهَا وَحُكْمُهَا)

١. تَعْرِيفُ التَّمِيمَةِ:

جَمْعُهَا تَمَائِمُ، وَهِيَ مَا يُعَلَّقُ عَلَى الأَعْنَاقِ أَوْ الأَوْلَادِ أَوْ البَهَائِمِ مِنْ خَرَزَاتٍ أَوْ عِظَامٍ أَوْ تَعْوِيذَاتٍ، يَظُنُّونَ أَنَّهَا تَدْفَعُ العَيْنَ أَوْ تَجْلِبُ النَّفْعَ.

٢. حُكْمُ التَّمَائِمِ:

التَّحْرِيمُ المُّطْلَقُ، وَهِيَ مِنَ الشِّرْكِ لِتَعَلُّقِ القَلْبِ بِغَيْرِ اللهِ.

الأَدِلَّةُ:

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ» (٣).

عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» (٤).

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ رضي الله عنه مَرْفُوعًا: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ» (٥).

٣. مَسْأَلَةُ تَعْلِيقِ القُرْآنِ:

اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِيمَا كَانَ مِنَ القُرْآنِ، وَالصَّحِيحُ المَّنْعُ لِأَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:

١. عُمُومُ النَّهْيِ عَنِ التَّمَائِمِ وَلَا مُخَصِّصَ لَهُ.

٢. سَدُّ الذَّرِيعَةِ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَعْلِيقِ غَيْرِ القُرْآنِ.

٣. صِيَانَةُ القُرْآنِ عَنِ الامْتِهَانِ عِنْدَ دُخُولِ الخَلَاءِ.

٤. أَنَّ الِاسْتِشْفَاءَ بِهِ وَرَدَ عَلَى صِفَةِ "القِرَاءَةِ" لَا "التَّعْلِيقِ".

المَّطْلَبُ الثَّالِثُ: لُبْسُ الحَلَقَاتِ وَالخُيُوطِ

كَانَ مِنْ فِعْلِ الجَاهِلِيَّةِ لُبْسُ حَلَقَةٍ مِنْ نُحَاسٍ أَوْ خَيْطٍ لِدَفْعِ "الوَاهِنَةِ" (مَرَضٌ يَأْخُذُ فِي المَّنْكِبِ) أَوْ لِدَفْعِ العَيْنِ.

الحُكْمُ: مُحَرَّمٌ وَشِرْكٌ؛ لِأَنَّهُ اتِّخَاذُ سَبَبٍ لَمْ يَأْذَنِ اللهُ بِهِ كَوْناً وَلَا شَرْعاً.

الدَّلِيلُ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ حَلَقَةٌ مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» قَالَ: مِنَ الوَاهِنَةِ. فَقَالَ: «انْزَعْهَا، فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، فَإِنَّكَ لَوْ مُتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا» (٦).

------------------------------&

الحَاشِيَةُ

(١) تخريج حديث عوف بن مالك: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ السَّلَامِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الرُّقْيَةِ، رَقْم (٢٢٠٠). [صَحِيحٌ].

(٢) تخريج حديث أنس: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، كِتَابُ السَّلَامِ، رَقْم (٢١٩٦). [صَحِيحٌ].

(٣) تخريج حديث ابن مسعود: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (٣٨٨٣)، وَالحَاكِمُ فِي "المُّسْتَدْرَكِ" (٤/ ٢٤١) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ. [صَحِيحٌ].

(٤) تخريج حديث عقبة بن عامر: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "المُّسْنَدِ" (٤/ ١٥٦)، وَالحَاكِمُ (٤/ ٢٤٠). قَالَ المُّهَيْمِيُّ: "إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ"، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي "السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ". [صَحِيحٌ].

(٥) تخريج حديث عبد الله بن عكيم: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٤/ ٣١٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٢٠٧٢). وَفِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ لَكِنَّ لَهُ شَوَاهِدَ تَرْفَعُهُ. [حَسَنٌ لِغَيْرِهِ].

(٦) تخريج حديث عمران بن حصين: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٤/ ٤٤٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣٥٣١). صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالحَاكِمُ، وَرَدَّهُ الذَّهَبِيُّ بِعِلَّةِ الاِنْقِطَاعِ بَيْنَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ وَعِمْرَانَ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ مُّتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ. [حَسَنٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ].

(٧) حديث عائشة: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٥٧٤٣)، وَمُسْلِمٌ (٢١٩١). [صَحِيحٌ].

--------------------------(٤٧)-------------------------------

الوَجْهِ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٨)

[تَتِمَّةُ حِمَايَةِ المُصْطَفَى ﷺ جَنَابَ التَّوْحِيدِ - الجُزْءُ الثَّانِي]

المَّطْلَبُ الرَّابِعُ: التَّبَرُّكُ (أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ)

١. تَعْرِيفُ التَّبَرُّكِ:

التَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ البَرَكَةِ، وَالبَرَكَةُ هِيَ ثُبُوتُ الخَيْرِ الإِلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ وَنَمَاؤُهُ وَزِيَادَتُهُ. وَالبَرَكَةُ كُلُّهَا مِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا تُطْلَبُ إِلَّا مِنْهُ سُبْحَانَهُ.

٢. أَنْوَاعُ التَّبَرُّكِ:

أوَّلاً: التَّبَرُّكُ المَّشْرُوعُ: وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ كَوْنُهُ سَبَبًا لِلْبَرَكَةِ، مِثْلُ: التَّبَرُّكِ بِالقُرْآنِ (تِلَاوَةً وَعَمَلًا)، وَالتَّبَرُّكِ بِالأَمْكِنَةِ الفَاضِلَةِ (كَالمَّسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ)، وَالتَّبَرُّكِ بِمَا انْفَصَلَ مِنْ جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ (وَهَذَا خَاصٌّ بِهِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُ مِنْ آثَارِهِ).

ثَانِيًا: التَّبَرُّكُ المَّمْنُوعُ (البِدْعِيُّ وَالشِّرْكِيُّ): وَهُوَ طَلَبُ البَرَكَةِ مِمَّا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِ بَرَكَةً، كَالتَّمَسُّحِ بِأَحْجَارِ القُبُورِ، أَوْ التَّبَرُّكِ بِالأَشْجَارِ، أَوْ التَّمَسُّحِ بِأَجْسَادِ الصَّالِحِينَ وَثِيَابِهِمْ.

٣. مَوْقِفُ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ التَّبَرُّكِ الشِّرْكِيِّ:

لَقَدْ حَمَى ﷺ جَنَابَ التَّوْحِيدِ بِالمَّنْعِ مِنْ تَعْلِيقِ البَرَكَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ.

الدَّلِيلُ: عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا (ذَاتُ أَنْوَاطٍ) يَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ ﷺ: «اللَّهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾» (١).

المَّطْلَبُ الخَامِسُ: الغُلُوُّ فِي القُبُورِ (وَسَدُّ الذَّرَائِعِ إِلَى الشِّرْكِ)

مِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ حِمَايَةِ التَّوْحِيدِ نَهْيُهُ ﷺ عَنْ كُلِّ مَا يُفْضِي إِلَى عِبَادَةِ المَّقْبُورِينَ.

١. النَّهْيُ عَنِ البِنَاءِ وَتَجْصِيصِ القُبُورِ:

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» (٢).

٢. النَّهْيُ عَنِ اتِّخَاذِ القُبُورِ مَسَاجِدَ:

قَالَ ﷺ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى اليَهُودِ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا (٣).

٣. المَّنْعُ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَى القُبُورِ:

قَالَ ﷺ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى القُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» (٤).

المَّطْلَبُ السَّادِسُ: حِمَايَةُ التَّوْحِيدِ فِي الأَلْفَاظِ

لَمْ تَقْتَصِرْ حِمَايَتُهُ ﷺ لِلتَّوْحِيدِ عَلَى الأَفْعَالِ، بَلْ شَمِلَتِ الأَقْوَالَ الَّتِي قَدْ تُشْقِلُ مَعَانِيَ الشِّرْكِ.

١. النَّهْيُ عَنِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ بِـ "وَاوِ" العَطْفِ:

لَمَّا قَالَ لَهُ رَجُلٌ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، قَالَ ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» (٥).

٢. النَّهْيُ عَنْ سَبِّ الدَّهْرِ:

قَالَ ﷺ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» (٦).

٣. النَّهْيُ عَنْ قَوْلِ (لَوْلا اللَّهُ وَفُلَانٌ):

أَمَرَ ﷺ بِقَوْلِ: "مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ"، لِأَنَّ "ثُمَّ" تُفِيدُ التَّرْتِيبَ وَالتَّعْقِيبَ لَا المُّسَاوَاةَ.

المَّطْلَبُ السَّابِعُ: عِبَادَاتُ الجَوَارِحِ وَصَرْفُهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ

فِي هَذَا المَّقَامِ نُؤَكِّدُ أَنَّ صَرْفَ أَيِّ جُزْءٍ مِنْ عِبَادَاتِ الجَوَارِحِ (كَالصَّلَاةِ، وَالسُّجُودِ، وَالطَّوَافِ) لِغَيْرِ اللَّهِ هُوَ نَقْضٌ لِتَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ.

الضَّابِطُ: كُلُّ مَا كَانَ قُرْبَةً فِي الشَّرْعِ فَالقَصْدُ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ.

الدَّلِيلُ: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣].

------------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تخريج حديث ذات أنواط: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٢١٨٠) وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وَأَحْمَدُ فِي "المُّسْنَدِ" (٥/ ٢١٨). [صَحِيحٌ].

(٢) تخريج حديث تجصيص القبور: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الجَنَائِزِ، رَقْم (٩٧٠). [صَحِيحٌ].

(٣) تخريج حديث لعنة الله على اليهود: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٤٣٥) وَمُسْلِمٌ (٥٢٩). [صَحِيحٌ].

(٤) تخريج حديث الصلاة للقبور: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، كِتَابُ الجَنَائِزِ، رَقْم (٩٧٢). [صَحِيحٌ].

(٥) تخريج حديث ما شاء الله وشئت: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (١/ ٢١٤) وَالبُخَارِيُّ فِي "الأَدَبِ المُّفْرَدِ" (٧٨٣). [حَسَنٌ].

(٦) تخريج حديث سب الدهر: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (٤٨٢٦) وَمُسْلِمٌ (٢٢٤٦). [صَحِيحٌ].

(٧) تخريج حديث (لولا الله وفلان): يُنْظَرُ: مُسْنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ (٥/ ٣٨٤) مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه. [صَحِيحٌ].

------------------------(٤٨)------------------------------

الوَجْهِ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ (٤٩)

[المُّتَمِّمُ السَّادِسُ: التَّوَسُّلُ (مَفْهُومُهُ وَأَدِلَّتُهُ)]

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ التَّوَسُّلِ لُغَةً وَشَرْعًا

أ. التَّوَسُّلُ فِي اللُّغَةِ:

التَّوَسُّلُ مَأْخُوذٌ مِنَ (الوَسِيلَةِ)، وَهِيَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الغَيْرِ. وَالوَسِيلَةُ، وَالوَصِيلَةُ، وَالوَصِيلُ مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ؛ فَمَدَارُ اللُّغَةِ فِيهَا عَلَى التَّوَصُّلِ إِلَى المَّرَادِ، وَالسَّعْيِ فِي تَحْقِيقِهِ بِرَغْبَةٍ وَطَلَبٍ.

ب. التَّوَسُّلُ فِي الشَّرْعِ:

يُرَادُ بِهِ: التَّوَصُّلُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَالفَوْزِ بِجَنَّتِهِ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ مَا شَرَعَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ مِنَ المُّحَرَّمَاتِ.

المَّطْلَبُ الثَّانِي: مَعْنَى الوَسِيلَةِ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ

وَرَدَ لَفْظُ "الوَسِيلَةِ" فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي مَوْطِنَيْنِ، يُفَسِّرَانِ حَقِيقَةَ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ:

١. المَّوْضِعُ الأَوَّلُ (سُورَةُ المَّائِدَةِ):

قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].

المَّعْنَى المُّحَقَّقُ: نَقَلَ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ مَعْنَى الوَسِيلَةِ هُنَا هِيَ: (القُرْبَى). وَنَقَلَ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ كَمُجَاهِدٍ، وَأَبِي وَائِلٍ، وَالحَسَنِ البَصْرِيِّ، وَالسُّدِّيِّ، وَابْنِ زَيْدٍ (١). فَهِيَ عِنْدَهُمْ مَا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ.

٢. المَّوْضِعُ الثَّانِي (سُورَةُ الإِسْرَاءِ):

قَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧].

سَبَبُ النُّزُولِ وَبَيَانُ المَّعْنَى: بَيَّنَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مُنَاسَبَةَ نُزُولِهَا الَّتِي تُوَضِّحُ مَعْنَاهَا الدَّقِيقَ؛ فَقَالَ: «نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كَانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأَسْلَمَ الجِنِّيُّونَ، وَالأِنْسُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» (٢).

الدَّلَالَةُ العَقَدِيَّةُ: هَذَا النَّصُّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ المَّرَادَ بِالوَسِيلَةِ هُوَ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالعِبَادَاتِ الجَلِيلَةِ الَّتِي فَعَلَهَا هَؤُلَاءِ الجِنُّ لَمَّا أَسْلَمُوا؛ فَهُمْ طَلَبُوا مَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ لِيَنَالُوا مَرْضَاتَهُ، فَهَذَا هُوَ التَّوَسُّلُ الحَقُّ.

------------------------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تفسير المائدة: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج٣، ص ١٠٣.

(٢) تخريج أثر ابن مسعود: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، بَابُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، رَقْم (٤٧١٤). وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، رَقْم (٣٠٣٠). [صَحِيحٌ].

(٣) معنى الوسيلة لغة: يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ "وسل".

(٤) تفسير الإسراء: يُنْظَرُ: الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ البَيَانِ، ج١٧، ص ٤٨٥؛ حَيْثُ أَكَّدَ أَنَّ "الوَسِيلَةَ" هِيَ القُرْبَةُ وَطَلَبُ الحَاجَةِ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ.

------------------------------(٤٩)---------------------------

الوَجْهِ الخَمْسُونَ (٥٠)

[تَحْرِيرُ أَقْسَامِ التَّوَسُّلِ المَّشْرُوعِ وَتَفْصِيلُ أَدِلَّتِهِ]

المَّبْحَثُ الثَّالِثُ: أَقْسَامُ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ وَضَوَابِطُهُ

يَنْقَسِمُ التَّوَسُّلُ -بِحَسَبِ الِاسْتِقْرَاءِ لِنُصُوصِ الوَحْيَيْنِ- إِلَى قِسْمَيْنِ كَبِيرَيْنِ: تَوْسُّلٌ مَّشْرُوعٌ وَتَوْسُّلٌ مَّمْنُوعٌ. وَالمَّشْرُوعُ مِنْهُ هُوَ مَا قَامَ عَلَى الدَّلِيلِ الصَّحِيحِ، وَسَلَكَ فِيهِ العَبْدُ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَجَنَّتِهِ دُونَ وُقُوعٍ فِي حِمَى الشِّرْكِ أَوْ البِدْعَةِ.

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: أَنْوَاعُ التَّوَسُّلِ المَّشْرُوعِ (تَحْقِيقٌ وَتَفْصِيلٌ)

يَتَفَرَّعُ التَّوَسُّلُ المَّشْرُوعُ إِلَى ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ رَئِيسَةٍ، كُلُّ مِحْوَرٍ مِنْهَا قَائِمٌ عَلَى نَصٍّ قَاطِعٍ:

أَوَّلًا: التَّوَسُّلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى وَصِفَاتِهِ العُلَا:

هَذَا النَّوْعُ هُوَ أَجَلُّ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الدَّاعِي بَيْنَ يَدَيْ مَسْأَلَتِهِ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ يُنَاسِبُ مَطْلُوبَهُ، أَوْ صِفَةً تَقْتَضِي عِيَاذَهُ وَإِغَاثَتَهُ.

تَقْرِيرُ الأَدِلَّةِ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وَالدُّعَاءُ هُنَا يَشْمَلُ دُعَاءَ المَّسْأَلَةِ وَدُعَاءَ الثَّنَاءِ. فَإِذَا قَالَ العَبْدُ: "يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي"، فَقَدْ تَوَسَّلَ بِاسْمِهِ الغَفُورِ لِنَيْلِ المَّغْفِرَةِ. وَمِنْ ذَلِكَ التَّوَسُّلُ بِالصِّفَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ: «بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ» (١).

ثَانِيًا: التَّوَسُّلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي قَامَ بِهِ العَبْدُ:

وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إِخْلَاصِ العَبْدِ لِرَبِّهِ، فَيَسْأَلُ اللَّهَ بِقُوَّةِ إِيمَانِهِ أَوْ بِطَاعَةٍ خَفِيَّةٍ أَنْ يُفَرِّجَ كَرْبَهُ.

الأَدِلَّةُ القُرْآنِيَّةُ: حَكَى اللَّهُ عَنْ عِبَادِهِ المُّتَّقِينَ قَوْلَهُمْ: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقَنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٦]، فَتَوَسَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ (وَهُوَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ) لِنَيْلِ المَّغْفِرَةِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتَبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣].

الدَّلِيلُ مِنْ نَفَائِسِ السُّنَّةِ (قِصَّةُ أَصْحَابِ الغَارِ):

رَوَى البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قِصَّةَ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ آوَاهُمُ المَّبِيتُ إِلَى غَارٍ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: "إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللَّهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ".

تَوَسُّلُ الأَوَّلِ (بِبِرِّ الوالِدَيْنِ): ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكَانَ لَا يَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِهِ طَلَبُ الشَّجَرِ يَوْمًا فَلَمْ يُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبَ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدَهُمَا نَائِمَيْنِ، فَكَرِهَ أَنْ يَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثَ وَالقَدَحُ عَلَى يَدِهِ يَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَا شَرِبَا غَبُوقَهُمَا. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِن هذه الصَّخْرَةِ"، فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهُ.

تَوَسُّلُ الثَّانِي (بِالعِفَّةِ عَنِ المُّحَرَّمِ): ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَأَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا فَلَمَّا قَعَدَ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ، اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ"، فَقَامَ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَتَرَكَ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَاهَا. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ"، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ.

تَوَسُّلُ الثَّالِثِ (بِالأَمَانَةِ): ذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ وَأَعْطَاهُمْ أَجْرَهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرَ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَلَمَّا جَاءَهُ بَعْدَ حِينٍ يَطْلُبُ أَجْرَهُ، سَاقَ لَهُ الإِبِلَ وَالبَقَرَ وَالغَنَمَ وَالرَّقِيقَ، فَقَالَ الأَجِيرُ: "يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَسْتَهْزِئْ بِي"، فَقَالَ: "إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ"، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ"، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ (٢).

ثَالِثًا: التَّوَسُّلُ إِلَى اللَّهِ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الحَيِّ الحَاضِرِ:

وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَمِثَالُهُ أَنْ تَنْزِلَ بِالمُّسْلِمِ نَازِلَةٌ فَيَأْتِي لِمَنْ ظَاهِرُهُ الصَّلَاحُ فَيَقُولُ لَهُ: "ادْعُ اللَّهَ لِي".

الدَّلِيلُ: حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ، حَيْثُ تَوَسَّلَ المُّسْلِمُونَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ عَلَى المِّنْبَرِ، فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُغِيثَنَا"، فَدَعَا ﷺ فَنَشَأَتْ سَحَابَةٌ كَأَمْثَالِ التُّرْسِ ثُمَّ أَمْطَرَتْ (٣). وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا تَوَسُّلُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِدُعَاءِ العَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَامَ الرَّمَادَةِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا" (٤)؛ وَالمَّرَادُ هُنَا التَّوَسُّلُ "بِدُعَائِهِ" لَا "بِذَاتِهِ"، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَسَّلُوا بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بَلْ عَدَلُوا إِلَى الحَيِّ الحَاضِرِ وَهُوَ العَبَّاسُ.

الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ (تَخْرِيجٌ، فَوَائِدُ، وَتَحْقِيقٌ)

(١) تخريج حديث (برحمتك أستغيث): أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٥٢٤)، وَالحَاكِمُ فِي "المُّسْتَدْرَكِ" (١/ ٥٤٥) وَصَحَّحَهُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.

(٢) تخريج حديث أصحاب الغار: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ البُيُوعِ، بَابُ مَنِ اشْتَرَى شَيْئًا لِغَيْرِهِ بِنَفْسِهِ، رَقْم (٢٢٧٢)، وَمُسْلِمٌ، كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، رَقْم (٢٧٤٣).

نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (يَتَضَاغَوْنَ) أَيْ: يَصِيحُونَ وَيَبْكُونَ مِنَ الجُوعِ. وَ(الخَاتَمُ) هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الفَرْجِ، وَقَوْلُهَا (بِحَقِّهِ) أَيْ: بِالنِّكَاحِ الشَّرْعِيِّ.

(٣) تخريج حديث الأعرابي: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ، كِتَابُ الِاسْتِسْقَاءِ، رَقْم (١٠١٣)، وَمُسْلِمٌ، رَقْم (٨٩٧).

فائدة: قَوْلُهُ (قَزَعَةً) أَيْ: قِطْعَةً صَغِيرَةً مِنَ السَّحَابِ الرَّقِيقِ. وَ(سَلْعٌ) هُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالمَّدِينَةِ.

(٤) تخريج أثر عمر في العباس: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الِاسْتِسْقَاءِ، رَقْم (١٠١٠).

(٥) قاعدة عقدية: التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ مَشْرُوطٌ بِـثَلَاثَةِ أُمُورٍ: ١. أَنْ يَكُونَ الحَيُّ "حَيًّا" لَا مَيِّتًا. ٢. أَنْ يَكُونَ "حَاضِرًا" يَعْقِلُ الدُّعَاءَ. ٣. أَنْ يَكُونَ "قَادِرًا" بِمَعْنَى أَنَّهُ يَدْعُو اللَّهَ لَا أَنَّهُ يَخْلُقُ النَّفْعَ بِنَفْسِهِ.

(٦) تحقيق: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ، وَلَكِنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ قَوَاعِدُ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ مِنَ التَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ لِعَدَمِ وُرُودِ الدَّلِيلِ الصَّرِيحِ فِيهِ، وَلِأَنَّ العِبَادَاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ.

-----------------------------(٥٠)------------------------------

الوَجْهِ الحَادِي وَالخَمْسُونَ (٥١)

[المُّتَمِّمُ الثَّامِنُ: بَيَانُ التَّوَسُّلِ المَّمْنُوعِ وَأَنْوَاعِهِ وَخُطُورَتِهِ]

تَصْدِيرُ المَّبْحَثِ: فِي ضَابِطِ التَّوَسُّلِ المَّمْنُوعِ

إِنَّ مِمَّا حَمَى بِهِ الشَّرْعُ الحَنِيفُ جَنَابَ التَّوْحِيدِ أَنْ سَدَّ كُلَّ ذَرِيعَةٍ تُفْضِي إِلَى التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمِنْ ذَلِكَ بَابُ "التَّوَسُّلِ المَّمْنُوعِ". وَيُقْصَدُ بِهِ شَرْعًا: كُلُّ مَا اتُّخِذَ وَسِيلَةً لِلْقُرْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الشَّارِعُ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ المُّطَهَّرَةِ. فَالوَسِيلَةُ فِي العِبَادَةِ تَوْقِيفِيَّةٌ، لَا يَجُوزُ لِلْعَقْلِ البَشَرِيِّ أَنْ يَخْتَرِعَ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إِلَى اللَّهِ لَمْ يَرْسُمْهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ. وَالتَّوَسُّلُ المَّمْنُوعُ يَنْقَسِمُ بِحَسَبِ صُورَتِهِ وَمُؤَدَّاهُ إِلَى مَرَاتِبَ، بَعْضُهَا يَمَسُّ أَصْلَ التَّوْحِيدِ (شِرْكٌ أَكْبَرُ)، وَبَعْضُهَا يَمَسُّ كَمَالَهُ الوَاجِبَ (شِرْكٌ أَصْغَرُ أَوْ بِدْعَةٌ).

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: التَّوَسُّلُ الشِّرْكِيُّ بِدُعَاءِ المَّوْتَى وَالغَائِبِينَ

هَذَا النَّوْعُ هُوَ أَشَدُّ أَنْوَاعِ التَّوَسُّلِ خُطُورَةً، إِذْ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ صَرْفٌ لِأَعْظَمِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَيَتَمَثَّلُ فِي سُؤَالِ المَّيِّتِ -أَيًّا كَانَتْ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ- قَضَاءَ الحَاجَاتِ أَوْ دَفْعَ المَّلَمَّاتِ.

١. صُوَرُهُ وَمَظَاهِرُهُ:

أَنْ يَقِفَ العَبْدُ عِنْدَ قَبْرِ نَبِيٍّ أَوْ صَالِحٍ فَيَقُولَ: "يَا فُلَانُ اشْفِ مَرِيضِي"، أَوْ "يَا فُلَانُ اقْضِ دَيْنِي"، أَوْ يَلْجَأَ إِلَى الغَائِبِينَ مِنَ الجِنِّ أَوِ المَّلَائِكَةِ مُسْتَغِيثًا بِهِمْ. فَهَذَا عِبَادَةٌ لِلْمَقْبُورِ وَالغَائِبِ مِنْ دُونِ اللَّهِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ هُوَ لُبُّ العِبَادَةِ، وَتَوْجِيهُهُ لِلْمَيِّتِ اعْتِقَادٌ بِأَنَّ لَهُ قُدْرَةً خَفِيَّةً عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الكَوْنِ.

٢. الحُكْمُ العَقَدِيُّ:

هَذَا مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ المُّخْرِجِ مِنَ المِّلَّةِ الإِسْلَامِيَّةِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]؛ وَالظُّلْمُ هُنَا هُوَ الشِّرْكُ. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].

المَّطْلَبُ الثَّانِي: التَّوَسُّلُ بِفِعْلِ العِبَادَاتِ عِنْدَ القُبُورِ وَالأَضْرِحَةِ

هَذَا النَّوْعُ يُعَدُّ مِنْ وَسَائِلِ الشِّرْكِ وَذَرَائِعِهِ، حَيْثُ يَقْصِدُ العَبْدُ القَبْرَ لَا لِيَدْعُوَ المَّيِّتَ، بَلْ لِيَدْعُوَ اللَّهَ "عِنْدَ القَبْرِ"، مُعْتَقِدًا أَنَّ الدُّعَاءَ هُنَاكَ أَفْضَلُ أَوْ أَقْرَبُ لِلإِجَابَةِ.

١. المَّظَاهِرُ المُّحَرَّمَةُ (القَنَادِيلُ وَالسُّتُورُ):

القَنَادِيلُ (لُغَةً وَشَرْعًا): هِيَ المَّصَابِيحُ المُّعَلَّقَةُ الَّتِي تُوقَدُ لِلإِضَاءَةِ. وَإِيقَادُهَا عَلَى القُبُورِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ نَهْيًا غَلِيظًا؛ لِأَنَّ فِيهِ غُلُوًّا فِي القُبُورِ وَتَشْبِيهاً لَهَا بِمَحَارِيبِ العِبَادَةِ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ "المُّتَّخِذِينَ عَلَيْهَا المَّساجِدَ وَالسُّرُجَ" (١).

السُّتُورُ (لُغَةً وَشَرْعًا): جَمْعُ سِتْرٍ، وَهِيَ الأَكْسِيَةُ وَالأَقْمِشَةُ الفَاخِرَةُ الَّتِي تُوضَعُ لِتَغْطِيَةِ الأَضْرِحَةِ وَبِنَاءِ القِبَابِ عَلَيْهَا. وَهَذَا مِنَ البِدَعِ المُّحَرَّمَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضَاعَةِ المَّالِ، وَتَعْظِيمِ القُبُورِ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ، وَفِيهِ مُضَاهاةٌ لِسِتْرِ الكَعْبَةِ المُّشَرَّفَةِ.

٢. الحُكْمُ العَقَدِيُّ:

هَذَا النَّوْعُ يُصَنَّفُ ضِمْنَ الشِّرْكِ الأَصْغَرِ وَالبِدَعِ المُّحَرَّمَةِ؛ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ كُبْرَى تُفْضِي بِالجَهَلَةِ إِلَى اعْتِقَادِ النَّفْعِ فِي صَاحِبِ القَبْرِ، وَهُوَ مَنَافٍ لِكَمَالِ التَّوْحِيدِ الوَاجِبِ.

المَّطْلَبُ الثَّالِثُ: التَّوَسُّلُ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّالِحِينَ

يَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ جَوَازَ قَوْلِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِجَاهِ نَبِيِّكَ فُلَانٍ"، وَهَذَا مَسْلَكٌ لَمْ يَعْرِفْهُ الصَّحَابَةُ وَلَا التَّابِعُونَ.

١. حَقِيقَةُ الجَاهِ وَالمَّنْزِلَةِ:

الجَاهُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ القَدْرُ وَالمَّنْزِلَةُ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَلِلصَّالِحِينَ جَاهًا عَظِيمًا عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَلَكِنَّ هَذَا الجَاهَ مَنْفَعَتُهُ تَعُودُ عَلَيْهِمْ هُمْ، وَلَيْسَ لَنَا سَبِيلٌ لِجَعْلِهِ وَسِيلَةً لَنَا إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]. فَتَوَسُّلُ العَبْدِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِسَعْيِهِ هُوَ (كَمَحَبَّتِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ)، أَمَّا ذَاتُ النَّبِيِّ أَوْ جَاهُهُ فَلَيْسَ مِنْ عَمَلِ العَبْدِ الدَّاعِي.

٢. مَوْقِفُ الأَئِمَّةِ وَالسَّلَفِ:

لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُمْ تَوَسَّلُوا بِالجَاهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

نَصُّ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ: قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "يُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الدَّاعِي: أَسْأَلُكَ بِحَقِّ فُلَانٍ، أَوْ بِحَقِّ أَوْلِيَائِكَ وَرُسُلِكَ، أَوْ بِحَقِّ البَيْتِ الحَرَامِ وَالمَّشْعَرِ الحَرَامِ" (٢). وَوَجْهُ المَّنْعِ عِنْدَهُ أَنَّ المَّخْلُوقَ لَا حَقَّ لَهُ عَلَى الخَالِقِ وُجُوبًا، بَلِ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ عَلَى عِبَادِهِ.

٣. الحُكْمُ الشَّرْعِيُّ:

هَذَا التَّوَسُّلُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ؛ لِأَنَّهُ سُؤَالٌ لِلَّهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا، وَلَمْ يَأْذَنْ بِهِ فِي كِتَابِهِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿آللَّهُ أَذَنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩].

المَّطْلَبُ الرَّابِعُ: شُبَهَاتٌ وَرُدُودٌ فِي مَبْحَثِ التَّوَسُّلِ

يَسْتَدِلُّ دُعَاةُ التَّوَسُّلِ المَّمْنُوعِ بِأَحَادِيثَ ضَعِيفَةٍ أَوْ مَوْضُوعَةٍ، وَمِنْ وَاجِبِ البَاحِثِ العَقَدِيِّ تَفْنِيدُهَا:

شُبْهَةُ حَدِيثِ (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي): هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، كَمَا قَرَّرَ ذَلِكَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ.

شُبْهَةُ حَدِيثِ الأَعْمَى: اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الأَعْمَى تَوَسَّلَ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ وَهُوَ حَيٌّ حَاضِرٌ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهُ، فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ التَّوَسُّلِ المَّشْرُوعِ (دُعَاءُ الصَّالِحِ الحَيِّ) لَا التَّوَسُّلِ بِالذَّاتِ بَعْدَ المَّوْتِ.

الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ (تَخْرِيجٌ، عَزْوٌ، وَفَوَائِدُ بَحْثِيَّةٌ)

(١) تخريج حديث لعن السرج: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "سُنَنِهِ" (٣٢٣٦)، وَالتِّرْمِذِيُّ (٣٢٠)، وَالنَّسَائِيُّ (٢٠٤٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ". وَقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، لَكِنَّ مَعْنَاهُ ثَابِتٌ فِي نُصُوصٍ أُخْرَى كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" مِنْ حَدِيثِ عائِشَةَ فِي لَعْنِ مَنِ اتَّخَذَ القُبُورَ مَسَاجِدَ.

(٢) قول أبي حنيفة: يُنْظَرُ: "شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيِّ، ص ٢٩٥؛ وَ"حَاشِيَةُ ابْنِ عَابِدِينَ" (٦/ ٣٩٦). وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَّنْعَ مِنْ هَذَا التَّوَسُّلِ هُوَ مَذْهَبُ كِبَارِ الأَئِمَّةِ المُّتَقَدِّمِينَ.

(٣) معنى القناديل: المُّفْرَدُ قِنْدِيلٌ، وَهُوَ كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ أَوْ مِنْ أَصْلٍ لَاتِينِيٍّ (Candela)، وَيُرَادُ بِهَا فِي اصْطِلَاحِ الفُقَهَاءِ: المِّصْبَاحُ المُعَلَّقُ الَّذِي يَسْتَسْرِجُ بِالزَّيْتِ. وَقَدْ بَيَّنَ ابْنُ القَيِّمِ فِي "إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ" أَنَّ إِيقَادَهَا تَعْظِيماً لِلْقُبُورِ مِنْ ضَلَالَاتِ الأُمَمِ السَّابِقَةِ.

(٤) معنى الستور: السِّتْرُ لُغَةً: مَا يُسْتَرُ بِهِ. وَيُرَادُ بِهِ فِي هَذَا المَّبْحَثِ: (الحِجَالُ) أَيْ الأَقْمِشَةُ المُّزَخْرَفَةُ الَّتِي تُلْبَسُ لِلأَضْرِحَةِ. وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي "المَّجْمُوعِ" تَحْرِيمَ تَجْصِيصِ القُبُورِ وَالبِنَاءِ عَلَيْهَا، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ تزيينها بالستور مِنْ بَابِ أَوْلَى.

(٥) تفسير وان ليس للانسان إلا ما سعى: الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، ج٨، ص ٣٧؛ أَكَّدَ أَنَّهُ كَمَا لَا يُحْمَلُ عَلَى العَبْدِ وِزْرُ غَيْرِهِ، فَكَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الأَجْرِ إِلَّا مَا كَسَبَ هُوَ لِنَفْسِهِ.

(٦) تحقيق: يُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ عِنْدَ بَعْضِ المُّتَأَخِّرِينَ مَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، لَكِنَّ المُّحَقِّقِينَ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ القَيِّمِ وَأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ قَرَّرُوا المَّنْعَ المُّطْلَقَ لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّقْلِ وَلِفَسَادِ المَّعْنَى فِي التَّشْبِيهِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَّخْلُوقِ فِي "جَاهِ الشُّفَعَاءِ" عِنْدَ المُّلُوكِ.

-----------------------------(٥١)----------------------------

[المُّتَمِّمُ التَّاسِعُ: دَحْضُ الشُّبَهَاتِ وَتَحْقِيقُ المَّرْوِيَّاتِ فِي بَابِ التَّوَسُّلِ]

تَصْدِيرٌ: مَنْهَجُ أَهْلِ الِانْحِرَافِ فِي الِاسْتِدْلَالِ

إِنَّ مِنَ المُّقَرَّرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ أَنَّ العَقِيدَةَ تُبْنَى عَلَى القَطْعِ وَاليَقِينِ، وَلَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ مَشْكَاةِ الوَحْيِ المَّعْصُومِ بِثُبُوتٍ صَحِيحٍ وَدَلَالَةٍ صَرِيحَةٍ. وَقَدْ عَمَدَ المُّخَالِفُونَ لِهَذَا المَّنْهَجِ إِلَى إِيرَادِ شُبَهٍ وَاعْتِرَاضَاتٍ خَاطِئَةٍ لِيُوهِمُوا عَوَامَّ المُّسْلِمِينَ بِصِحَّةِ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ التَّوَسُّلِ المَّمْنُوعِ. وَمَدَارُ شُبَهَاتِهِمْ يَعُودُ إِلَى أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ أَوْ صَحِيحَةٍ أُسِيءَ فَهْمُهَا، وَسَنَقُومُ هُنَا بِتَحْرِيرِ القِسْمِ الأَوَّلِ وَهُوَ (الأَحَادِيثُ البَاطِلَةُ).

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: نَقْدُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالمَّوْضُوعَةِ فِي التَّوَسُّلِ

١. حَدِيثُ الجَاهِ المَّزْعُومِ:

يُرَوِّجُ البَعْضُ لِقَوْلِهِمْ: «تَوَسَّلُوا بِجَاهِي؛ فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ»، أَوْ «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِجَاهِي».

تَحْقِيقُ الرِّوَايَةِ: هَذَا الحَدِيثُ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ المُّسَانِيدِ أَوْ السُّنَنِ المُّعْتَبَرَةِ.

تَقْرِيرُ العُلَمَاءِ: قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتَبِعَهُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ، وَلَوْ كَانَ جَاهُ النَّبِيِّ ﷺ وَسِيلَةً شَرْعِيَّةً لَبَيَّنَهَا لِأُمَّتِهِ، فَالجَاهُ ثَابِتٌ لَهُ ﷺ بِلَا شَكٍّ، لَكِنَّ التَّوَسُّلَ بِهِ هُوَ المُّحْدَثُ.

٢. حَدِيثُ الِاسْتِغَاثَةِ بِأَهْلِ القُبُورِ:

يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِ: «إِذَا أَعْيَتْكُمُ الأُمُورُ فَعَلَيْكُمْ بِأَهْلِ القُبُورِ»، أَوْ «فَاسْتَغِيثُوا بِأَهْلِ القُبُورِ».

تَحْقِيقُ الرِّوَايَةِ: هَذَا مِنْ أَسْمَجِ الأَكَاذِيبِ المُّفْتَرَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ وَأَهْلِ المَّعْرِفَةِ بِالحَدِيثِ.

تَقْرِيرُ العُلَمَاءِ: ذَكَرَ العَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ وَضْعِ المُّلَاحِدَةِ وَالمُّشْرِكِينَ الَّذِينَ أَرَادُوا إِفْسَادَ دِينِ النَّاسِ وَتَحْوِيلَهُمْ عَنِ الخَالِقِ إِلَى المَّخْلُوقِ، وَهُوَ يُنَاقِضُ صَرِيحَ القُرْآنِ فِي دَعْوَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ.

٣. حَدِيثُ التَّبَرُّكِ بِالحَجَرِ:

يُرْوَى عَنْهُمْ: «لَوْ أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ ظَنَّهُ بِحَجَرٍ لَنَفَعَهُ».

تَحْقِيقُ الرِّوَايَةِ: حَدِيثٌ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ، وَهُوَ مِنْ وَضْعِ المُّشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ.

تَقْرِيرُ العُلَمَاءِ: قَالَ الدُّكْتُور صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيُّ أَنَّ هَذَا الكَلَامَ يُضَادُّ أَصْلَ الدِّينِ، فَالحِجَارَةُ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَإِحْسَانُ الظَّنِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ، وَلَوْ كَانَ الظَّنُّ بِالحَجَرِ يَنْفَعُ لَمَا عَابَ اللَّهُ عَلَى مَنْ عَبَدَ اللَّاتَ وَالعُزَّى.

٤. حَدِيثُ تَوْسَلِ آدَمَ ﷺ بِمُحَمَّدٍ ﷺ:

يَسْتَدِلُّونَ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا اقْتَرَفَ آدَمُ الخَطِيئَةَ، قَالَ: «يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لِي...»، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لَهُ: «لَوْلَا مُحَمَّدٌ مَا خَلَقْتُكَ».

تَحْقِيقُ الرِّوَايَةِ: هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ الحَاكِمُ فِي "المُّسْتَدْرَكِ" وَأَعَلَّهُ العُلَمَاءُ؛ فَفِي سَنَدِهِ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ، وَبَعْضُهُمْ رَمَاهُ بِالوَضْعِ. وَقَدْ حَكَمَ العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ (مَوْضُوعٌ) فِي "سِلْسِلَةِ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ" رَقْم (٢٥).

تَقْرِيرُ العُلَمَاءِ: شَدَّدَ الشيخُ ابنُ عُثَيْمِينَ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ تَوْبَةِ آدَمَ ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي القُرْآنِ وَبَيَّنَ الكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ وَهِيَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وَهَذَا هُوَ التَّوَسُّلُ المَّشْرُوعُ بِالِاعْتِرَافِ بِالذَّنْبِ، لَا بِالتَّوَسُّلِ بِذَوَاتِ المَّخْلُوقِينَ.

المَّطْلَبُ الثَّانِي: تَقْرِيرَاتُ المُّحَقِّقِينَ فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ

أَوَّلًا: تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

يُؤَكِّدُ السِّندِيُّ فِي مَبَاحِثِهِ أَنَّ الِاسْتِنَادَ إِلَى الأَحَادِيثِ المَّكْذُوبَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِفْلَاسِ المُّسْتَدِلِّ مِنَ الوَحْيِ الصَّحِيحِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِذَاتِ المَّخْلُوقِ فِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى مَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّ العَبْدَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسِيطًا بِمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ حِينَ قَالُوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].

ثَانِيًا: تَقْرِيرُ الدُّكْتُور مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ تَقُومُ عَلَى (مَنْهَجِ الِانْتِقَاءِ المَّعْلُولِ)، حَيْثُ يُعْرِضُونَ عَنِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ فِي وُجُوبِ إِخْلَاصِ الدُّعَاءِ، وَيَتْبَعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْ مَرْوِيَّاتٍ ضَعِيفَةٍ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَقْرِيرَ قَاعِدَةِ "العِبَادَاتُ تَوْقِيفِيَّةٌ" كَفِيلٌ بِإِسْقَاطِ جَمِيعِ هَذِهِ الشُّبَهَاتِ؛ فَمَا لَمْ يَفْعَلْهُ الرَّسُولُ ﷺ مَعَ قِيَامِ المُّقْتَضِي لَهُ فَلَيْسَ مِنْ دِينِ اللَّهِ.

ثَالِثًا: تَقْرِيرُ الفَقِيهِ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

قَرَّرَ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ (جَاهِهِ) هُوَ سُؤَالٌ لِلَّهِ بِأَمْرٍ لَا عَلَاقَةَ لِلدَّاعِي بِهِ؛ فَجَاهُ الرَّسُولِ ﷺ لَهُ هُوَ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الدَّاعِي مَاذَا قَدَّمْتَ؟ فَالصَّحِيحُ أَنْ تَتَوَسَّلَ بِإِيمَانِكَ بِالرَّسُولِ ﷺ وَمَحَبَّتِكَ لَهُ، لِأَنَّ هَذَا عَمَلُكَ أَنْتَ. أَمَّا الأَحَادِيثُ الَّتِي ذُكِرَتْ فَهِيَ عِنْدَهُ مِمَّا يُتَنَزَّهُ عَنْ إِدْخَالِهِ فِي بَابِ الِاحْتِجَاجِ العِلْمِيِّ لِظُهُورِ وَضْعِهَا وَنَكَارَتِهَا.

الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ (تَحْقِيقُ المَّصَادِرِ وَتَخْرِيجُ الآثَارِ)

(١) تخريج حديث توسلوا بجاهي: يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالوَسِيلَةِ، ص ١٥٠. وَالأَلْبَانِيُّ، التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ، ص ٨٠. حَيْثُ أَجْمَعُوا أَنَّهُ بَاطِلٌ.

(٢) تخريج حديث أصحاب القبور: ذَكَرَهُ ابْنُ القَيِّمِ فِي إِغَاثَةِ اللَّهْفَانِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَكَذَلِكَ العَجْلُونِيُّ فِي كَشْفِ الخَفَاءِ (١/ ٨٥) وَقَالَ: "لَا أَصْلَ لَهُ".

(٣) تخريج حديث الحجر: الشَّوْكَانِيُّ، الفَوَائِدُ المَّجْمُوعَةُ، ص ٤٥٥؛ وَقَالَ: "مَوْضُوعٌ".

(٤) تخريج حديث آدم: الحَاكِمُ فِي المُّسْتَدْرَكِ (٢/ ٦١٥)، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ بِقَوْلِهِ: "بَلْ مَوْضُوعٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَاهٍ". وَيُنْظَرُ: الأَلْبَانِيُّ، سِلْسِلَةُ الأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ، حَدِيثُ رَقْم (٢٥).

(٥) المراجع العلمية: * التَّصْحِيحُ العَقَدِيُّ: لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السِّندِي، مَبْحَثُ "خُرَافَاتِ القُبُورِيِّينَ".

التَّوَسُّلُ إِلَى حَقِيقَةِ التَّوَسُّلِ: لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، ص ٤٥-٦٠.

مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ العُثَيْمِينَ: ج٢، ص ٣٤٥ (بَابُ التَّوَسُّلِ).

(٦) فائدة: التَّوَسُّلُ بِحَقِّ مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ حَقًّا (كَالعِبَادِ المُوَحِّدِينَ) لَمْ يَرِدْ أَيْضًا، لِأَنَّ الحَقَّ هُنَا حَقُّ تَفَضُّلٍ لَا حَقُّ مُوجِبٍ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّوَسُّلُ بِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِهِ.

------------------------------(٥٢)----------------------------

الوَجْهِ الثَّالِثُ وَالخَمْسُونَ (٥٣)

[المُّتَمِّمُ العَاشِرُ: دَحْضُ الشُّبَهَاتِ الوَارِدَةِ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ]

المَّطْلَبُ الثَّانِي: الأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي أُسِيءَ فَهْمُهَا وَتَصَوُّرُهَا

لَمْ يَقْتَصِرْ أَهْلُ الِانْحِرَافِ فِي بَابِ التَّوَسُّلِ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالأَوْهَامِ وَالمَّكْذُوبَاتِ، بَلْ عَمَدُوا إِلَى نُصُوصٍ ثَابِتَةٍ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ، فَعَمَدُوا إِلَى لَيِّ أَعْنَاقِهَا وَتَحْرِيفِ مَدْلُولَاتِهَا عَنْ مُرَادِ الشَّارِعِ، لِيُوهِمُوا الجَهَلَةَ أَنَّ التَّوَسُّلَ البِدْعِيَّ لَهُ أَصْلٌ فِي فِعْلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَمِنْ أَشْهَرِ هَذِهِ النُّصُوصِ:

أَوَّلاً: شُبْهَةُ تَوَسُّلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بِالعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا

١. نَصُّ الرِّوَايَةِ:

ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ البُخَارِيِّ" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا قَحَطُوا (أَيْ أَصَابَهُمُ الجَدْبُ) اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُّطَّلِبِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا»، قَالَ: فَيُسْقَوْنَ (١).

٢. وَجْهُ الشُّبْهَةِ عِنْدَ المُّخَالِفِينَ:

زَعَمَ المُّخالِفُونَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ: (نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا) صَرِيحٌ فِي التَّوَسُّلِ بِالجَاهِ وَالذَّاتِ؛ فَقَالُوا: إِنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِجَاهِ العَبَّاسِ لِمَكَانَتِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا يَدُلُّ -بِزَعْمِهِمْ- عَلَى جَوَازِ التَّوَسُّلِ بِذَوَاتِ الصَّالِحِينَ وَجَاهِهِمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا.

٣. الرَّدُّ العِلْمِيُّ وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ:

هَذَا الفَهْمُ خَاطِئٌ مِنْ وُجُوهٍ عِدَّةٍ، وَسِيَاقُ النَّصِّ وَقَرَائِنُ الأَحْوَالِ تَرُدُّهُ رَدًّا قَاطِعًا:

الوَجْهُ الأَوَّلُ (مَعْنَى التَّوَسُّلِ عِنْدَ الصَّحَابَةِ): لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا لَدَى الصَّحَابَةِ -وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِاللُّغَةِ وَالشَّرْعِ- أَنَّ التَّوَسُّلَ يَكُونُ بِالذَّاتِ، بَلْ كَانَ المُّتَقَرَّرُ عِنْدَهُمْ أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ هُوَ التَّوَسُّلُ "بِدُعَائِهِ" وَشَفَاعَتِهِ حَالَ حَيَاتِهِ. فَالمَّعْنَى: كُنَّا نَسْأَلُ نَبِيَّنَا أَنْ يَدْعُوَ لَنَا فَتَسْقِينَا، وَالآنَ نَسْأَلُ عَمَّ نَبِيِّنَا أَنْ يَدْعُوَ لَنَا.

الوَجْهُ الثَّانِي (العُدُولُ عَنِ الفَاضِلِ إِلَى المَّفْضُولِ): لَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ مَشْرُوعًا، فَلِمَاذَا عَدَلَ عُمَرَ وَالصَّحَابَةُ عَنِ التَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ أَعْظَمُ الجَاهِ- إِلَى التَّوَسُّلِ بِجَاهِ العَبَّاسِ؟ إِنَّ هَذَا العُدُولَ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالمَّيِّتِ (أَيْ بِدُعَائِهِ) مُمْتَنِعٌ، فَانْتَقَلُوا إِلَى دُعَاءِ الحَيِّ الحَاضِرِ الَّذِي تُرْجَى بَرَكَةُ دُعَائِهِ لِصَلَاحِهِ وَقَرَابَتِهِ.

الوَجْهُ الثَّالِثُ (سِيَاقُ الحَادِثَةِ): وَرَدَ فِي رِوَايَاتٍ أُخْرَى لِهَذِهِ القِصَّةِ أَنَّ العَبَّاسَ قَامَ فَدَعَا رَبَّهُ، فَلَوْ كَانَ المَّقْصُودُ جَاهَهُ لَمَا احْتَاجَ العَبَّاسُ إِلَى رَفْعِ يَدَيْهِ وَالدُّعَاءِ، بَلْ لَاكْتَفَى عُمَرُ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَجَاهِهِ. لَكِنَّ العَبَّاسَ قَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَلَاءٌ إِلَّا بِذَنْبٍ، وَلَا كُشِفَ إِلَّا بِتَوْبَةٍ..." (٢)، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الوَسِيلَةَ هِيَ "الدُّعَاءُ" الصَّادِرُ مِنَ العَبَّاسِ.

الوَجْهُ الرَّابِعُ (إِقْرَارُ الصَّحَابَةِ): حَضَرَ هَذِهِ الوَاقِعَةَ كِبَارُ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِعْلَ عُمَرَ، فَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ جَائِزًا لَقَالُوا لِعُمَرَ: كَيْفَ نَعْدِلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى غَيْرِهِ؟ فَلَمَّا أَقَرُّوهُ عُلِمَ أَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَهُمُ التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الحَيِّ لَا بِذَاتِ المَّيِّتِ.

المَّطْلَبُ الثَّالِثُ: تَقْرِيرَاتُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ فِي الرَّدِّ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ

١. تَقْرِيرُ الفَقِيهِ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

أَوْضَحَ الشَّيْخُ فِي "مَجْمُوعِ الفَتَاوَى" أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هُوَ أَكْبَرُ حُجَّةٍ "عَلَى" المُّبْتَدِعَةِ لَا "لَهُمْ"؛ لِأَنَّ الحَيَّ قَادِرٌ عَلَى الدُّعَاءِ وَالتَّأْمِينِ، أَمَّا المَّيِّتُ فَقَدِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ. وَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ (بِنَبِيِّنَا) أَيْ (بِدُعَاءِ نَبِيِّنَا)، وَهَذَا مِنْ بَابِ حَذْفِ المُّضَافِ لِلْعِلْمِ بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أَيْ أَهْلَ القَرْيَةِ.

٢. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

أَكَّدَ الدُّكْتُور التَّمِيمِيُّ أَنَّ فَهْمَ المُّخَالِفِينَ لِحَدِيثِ العَبَّاسِ يَصْطَدِمُ بِأَصْلِ عَقِيدَةِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا يُعَظِّمُونَ قَدْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ كُلِّ بَشَرٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِهِ فِي جَدْبٍ أَوْ قَحْطٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، مِمَّا يَقْطَعُ بِأَنَّ "التَّوَسُّلَ بِالجَاهِ" مَعْنًى مُخْتَرَعٌ لَمْ يَعْرِفُوهُ.

٣. تَقْرِيرُ الدُّكْتُور صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ:

بَيَّنَ السِّندِيُّ أَنَّ التَّوَسُّلَ المَّشْرُوعَ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ (كَالعَبَّاسِ) يُحَقِّقُ مَعْنَى الِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ وَسُؤَالِ مَنْ يُظَنُّ بِهِ قَبُولُ الدُّعَاءِ، أَمَّا التَّوَسُّلُ بِالجَاهِ فَفِيهِ شَوْبٌ مِنَ الإِدْلَالِ عَلَى اللَّهِ بِمَنْزِلَةِ الآخَرِينَ، وَهُوَ مَا يَتَنَافَى مَعَ كَمَالِ أَدَبِ الدُّعَاءِ الَّذِي رَسَمَتْهُ الشَّرِيعَةُ.

-----------------------------&

الحَاشِيَةُ 

(١) تخريج حديث عمر في العباس: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الجُمُعَةِ، بَابُ سُؤَالِ النَّاسِ الإِمَامَ الِاسْتِسْقَاءَ إِذَا قَحَطُوا، رَقْم (١٠١٠).

(٢) تخريج دعاء العباس: أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي "الأَنْسَابِ"، وَنَقَلَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي "فَتْحِ البَارِي" (٢/ ٤٩٧) وَقَالَ: "وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ صِفَةُ مَا دَعَا بِهِ العَبَّاسُ فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ".

(٣) تحقيق لغوي: (التَّوَسُّلُ) فِي قَوْلِ عُمَرَ يُرَادُ بِهِ (طَلَبُ الدُّعَاءِ مِمَّنْ نَتَوَسَّلُ بِهِ). يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالوَسِيلَةِ، ص ٦٧.

(٤) فائدة عَقَدِيَّةٌ: العُدُولُ عَنِ المَّقْبُورِ إِلَى الحَيِّ عِنْدَ طَلَبِ الدُّعَاءِ سُنَّةٌ عُمَرِيَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى حِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ، وَلَوْ كَانَ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ المَّيِّتِ جَائِزًا لَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَحَقَّ بِذَلِكَ.

(٥) مراجع إضافية: * شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ: لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج١، ص ٥١٠.

مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي التَّوَسُّلِ: لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، ص ٨٩.

(٦) تحقيق الحافظ ابن حجر: بَيَّنَ الحَافِظُ أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، مِمَّا يُفِيدُ الِاتِّبَاعَ لِهَذَا المَّسْلَكِ الشَّرْعِيِّ فِي تَقْدِيمِ أَهْلِ الفَضْلِ وَالقَرَابَةِ لِلدُّعَاءِ عِنْدَ الأَزَمَاتِ.

-----------------------------(٥٣)---------------------------

الوَجْهِ الرَّابِعِ وَالخَمْسُونَ (٥٤)

[المُّتَمِّمُ الحَادِي عَشَرَ: تَفْنِيدُ شُبْهَةِ حَدِيثِ الأَعْمَى وَبَيَانُ مَدْلُولِهِ]

تَوْطِئَةٌ فِي سِيَاقِ الشُّبْهَةِ

مِنْ أَقْوَى مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ المُّجِيزُونَ لِلتَّوَسُّلِ البِدْعِيِّ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الضَّرِيرِ. وَهُمْ بِذَلِكَ يَسْلُكُونَ مَسْلَكَ الِانْتِزَاعِ لِلْكَلِمَاتِ مِنْ سِيَاقِهَا، وَإِغْفَالِ القَرَائِنِ المُّحِيطَةِ بِالنَّصِّ، وَالَّتِي تُحِيلُ مَعْنَاهُ مِنْ تَوَسُّلٍ بِالذَّاتِ إِلَى تَوَسُّلٍ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ بِالدُّعَاءِ.

المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: سَرْدُ الحَدِيثِ وَتَحْرِيرُ رِوَايَتِهِ

عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرَ البَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي"، قَالَ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»، قَالَ: "فَادْعُهُ"، قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ، وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِي، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ» (١).

المَّطْلَبُ الثَّانِي: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ الخَاطِئِ عِنْدَ المُّخَالِفِينَ

فَهِمَ المُّخَالِفُونَ مِنْ قَوْلِهِ: (أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ) أَنَّ هَذَا تَوَسُّلٌ بِجَاهِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ بِذَاتِهِ، وَأَنَّ هَذَا الجَاهَ مُسْتَمِرٌّ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَقَالُوا: إِذَا جَازَ لِلأَعْمَى أَنْ يَتَوَسَّلَ بِهِ فِي حَيَاتِهِ، جَازَ لَنَا أَنْ نَتَوَسَّلَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَذَا فَهْمٌ قَاصِرٌ يَرُدُّهُ أَوَّلُ الحَدِيثِ وَآخِرُهُ.

المَّطْلَبُ الثَّالِثُ: الرَّدُّ التَّفْصِيلِيُّ عَلَى الشُّبْهَةِ مِنْ وُجُوهٍ عَقَدِيَّةٍ

الوَجْهِ الأَوَّلُ (قَصْدُ الأَعْمَى):

إِنَّ الأَعْمَى جَاءَ يَطْلُبُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ "الدُّعَاءَ"، حَيْثُ قَالَ: "ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَنِي". فَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهُ التَّوَسُّلَ بِذَاتِ النَّبِيِّ ﷺ ابْتِدَاءً، وَإِنَّمَا قَصَدَ الِانْتِفَاعَ بِبَرَكَةِ دُعَائِهِ ﷺ المُّسْتَجَابِ.

الوَجْهِ الثَّانِي (تَخْيِيرُ النَّبِيِّ ﷺ):

قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ» يُؤَكِّدُ أَنَّ المَّدَارَ عَلَى "دُعَائِهِ" هُوَ ﷺ. فَلَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِالذَّاتِ هُوَ المَّقْصُودُ، لَمَا كَانَ لِتَخْيِيرِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالصَّبْرِ مَعْنًى، إِذْ يُمْكِنُ لِلأَعْمَى أَنْ يَتَوَسَّلَ بِالذَّاتِ فِي بَيْتِهِ دُونَ المَّجِيءِ إِلَيْهِ ﷺ.

الوَجْهِ الثَّالِثُ (قَوْلُهُ: اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ):

هَذِهِ الجُمْلَةُ هِيَ القَاصِمَةُ لِفَهْمِ المُّبْتَدِعَةِ؛ فَالتَّشْفِيعُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِدَاعٍ. فَالمَّعْنَى: "اللَّهُمَّ اقْبَلْ شَفَاعَتَهُ (أَيْ دُعَاءَهُ) الَّذِي دَعَاهُ لِي". وَالذَّاتُ لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا شَافِعَةٌ إِلَّا إِذَا نَطَقَتْ بِالدُّعَاءِ. كَمَا طَلَبَ الأَعْمَى أَيْضاً أَنْ يُشَفَّعَ هُوَ فِي نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ: «وَشَفِّعْنِي فِيهِ» (فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ) أَيْ: اقْبَلْ دُعَائِي فِي قَبُولِ دُعَائِهِ ﷺ لِي.

الوَجْهِ الرَّابِعُ (تَعَذُّرُ الدُّعَاءِ بَعْدَ المَّوْتِ):

إِنَّ هَذَا التَّوَسُّلَ كَانَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ، وَالدُّعَاءُ عَمَلٌ صَالِحٌ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِ الإِنْسَانِ، كَمَا ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ": «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ...» (٢). فَالنَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ لَا يَدْعُو لِأَحَدٍ طَلَبَ مِنْهُ الدُّعَاءَ عِنْدَ قَبْرِهِ، لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَى دَارِ الجَزَاءِ، وَعَمَلُهُ الدُّنْيَوِيُّ (وَمِنْهُ دُعَاؤُهُ لِلأَحْيَاءِ) قَدِ انْتَهَى.

الوَجْهِ الخَامِسُ (إِدْرَاجُ الحَدِيثِ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ):

لَقَدْ أَصَابَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ كَالبَيْهَقِيِّ حِينَ أَوْرَدُوا هَذَا الحَدِيثَ فِي كُتُبِ "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" (٣)؛ لِأَنَّ الشِّفَاءَ حَصَلَ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الحَيِّ، وَهُوَ مِنْ آيَاتِ نُبُوَّتِهِ، وَلَيْسَ قَاعِدَةً لِلتَّوَسُّلِ بِذَاتِ المَّيِّتِ.

المَّطْلَبُ الرَّابِعُ: خُلَاصَةُ الرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ

إِنَّ جَمِيعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَهْلُ القُبُورِ وَالمُّتَوَسِّلُونَ بِالذَّوَاتِ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَمْرَيْنِ جَامِعَيْنِ:

١. عَدَمُ الصِّحَّةِ: كَمَا فِي الأَحَادِيثِ المَّوْضُوعَةِ (حَدِيثُ الجَاهِ، وَحَدِيثُ آدَمَ، وَحَدِيثُ الحَجَرِ).

٢. عَدَمُ الدَّلَالَةِ: كَمَا فِي الأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (حَدِيثُ العَبَّاسِ، وَحَدِيثُ الأَعْمَى)، حَيْثُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى التَّوَسُّلِ "بِدُعَاءِ الحَيِّ" لَا "بِذَاتِ المَّيِّتِ".

الحَاشِيَةُ العِلْمِيَّةُ (تَخْرِيجٌ وَتَحْقِيقٌ بَحْثِيٌّ)

(١) تخريج حديث الأعمى: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (٣٥٧٨)، وَابْنُ مَاجَهْ (١٣٨٥)، وَأَحْمَدُ فِي "المُّسْنَدِ" (٤/ ١٣٨)، وَالبَيْهَقِيُّ فِي "دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" (٦/ ١٦٧).

حكم المُّحققين:

العَلَّامَةُ الأَلْبَانِيُّ: صَحَّحَهُ فِي "تَمَامِ المِّنَّةِ" (ص ٢٣٠) وَفِي "التَّوَسُّلُ: أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ"، وَبَيَّنَ بِاسْتِفَاضَةٍ أَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ جَوَّزَ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ.

العَلَّامَةُ أَحْمَد شَاكِر: صَحَّحَهُ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى "المُّسْنَدِ".

العَلَّامَةُ مُقْبِل بْن هَادِي الوَادِعِيُّ: صَحَّحَهُ فِي "الصَّحِيحِ المُّسْنَدِ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ" رَقْم (٩٠٩)، وَبَيَّنَ نَكَارَةَ زِيَادَةِ (قِصَّةِ الرَّجُلِ فِي عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ) الَّتِي يَسْتَدِلُّ بِهَا المُّبْتَدِعَةُ.

(٢) تخريج حديث (انقطع عمله): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الوَصِيَّةِ، رَقْم (١٦٣١).

(٣) المصدر: البَيْهَقِيُّ، دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ، ج٦، ص ١٦٧. وَإِيرَادُهُ لِلْحَدِيثِ هُنَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ يَرَاهُ مِنْ بَابِ المُعْجِزَاتِ النَّبَوِيَّةِ المُّرْتَبِطَةِ بِدُعَائِهِ ﷺ.

(٤) تنبيه: زَعْمُ المُّخَالِفِينَ أَنَّ "التَّوَجُّهَ بِالنَّبِيِّ" يَعْنِي بِذَاتِهِ، يَرُدُّهُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ فِي نَفْسِ الحَدِيثِ: "فَشَفِّعْهُ فِيَّ"، وَالشَّفَاعَةُ طَلَبٌ وَدُعَاءٌ، وَالذَّاتُ لَا تُشَفَّعُ، بَلْ صَاحِبُ الذَّاتِ هُوَ الَّذِي يَشْفَعُ بِدُعَائِهِ.

(٥) تحقيق: يُنْظَرُ: مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، مَذَاهِبُ النَّاسِ فِي التَّوَسُّلِ، ص ١١٢؛ حَيْثُ نَاقَشَ هَذَا الحَدِيثَ نِقَاشاً مُسْتَفِيضاً وَرَدَّ عَلَى تَأْوِيلَاتِ الكَوْثَرِيِّ وَغَيْرِهِ.

(٦) قاعدة: كُلُّ نَصٍّ يُوهِمُ التَّوَسُّلَ بِالذَّاتِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى التَّوَسُّلِ بِدُعَائِهِ؛ جَمْعاً بَيْنَ الأَدِلَّةِ، وَسَدّاً لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ، وَعَمَلاً بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنِ القَبْرِ إِلَى دُعَاءِ العَبَّاسِ وَيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ.

------------------------------(٥٤)---------------------------

الوَجْهِ الخَامِسُ وَالخَمْسُونَ (٥٥)

[المُّتَمِّمُ الثَّانِي عَشَرَ: تَوْحِيدُ الذَّاتِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ - المَّفَاهِيمُ وَالمُّفْرَدَاتُ]

أَوَّلاً: النُّصُوصُ المُّؤَصِّلَةُ (مُشَكَّلَةً مُحَقَّقَةً)

١. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ۞ اللَّهُ الصَّمَدُ ۞ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ۞ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾

 [سُورَةُ الإِخْلَاصِ: ١-٤].(١)

٢. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سُورَةُ الأَعْرَافِ: ١٨٠].

٣. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ١١].

ثَانِياً: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ وَتَحْرِيرِ المُّفْرَدَاتِ (لُغَةً وَاشْتِقَاقاً وَاصْطِلَاحاً)

١. التَّوْحِيدُ:

اللُّغَةُ: مَصْدَرُ "وَحَّدَ يُوَحِّدُ"، أَيْ جَعَلَ الشَّيْءَ وَاحِداً.

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الوَحْدَةِ"، وَجَمْعُهُ (تَوْحِيدَاتٌ).

الِاصْطِلَاحُ: إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّةٍ وَأُلُوهِيَّةٍ وَأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ.

٢. الذَّاتُ:

اللُّغَةُ: "ذَاتُ" الشَّيْءِ عَيْنُهُ وَحَقِيقَتُهُ، وَهِيَ فِي الأَصْلِ مُؤَنَّثُ "ذُو" بِمَعْنَى صَاحِبَةِ، ثُمَّ نُقِلَتْ لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الحَقِيقَةِ القَائِمَةِ بِالنَّفْسِ.

العَقِيدَةُ: هِيَ حَقِيقَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الَّتِي لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، وَتَوْحِيدُهَا يَعْنِي اعْتِقَادَ عَدَمِ تَعَدُّدِهَا أَوْ تَبَعُّضِهَا أَوْ مُشَابَهَتِهَا لِلْمَخْلُوقَاتِ.

٣. الأَسْمَاءُ:

اللُّغَةُ: جَمْعُ "اسْمٍ"، وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى المُّسَمَّى.

الِاشْتِقَاقُ: إِمَّا مِنَ "السُّمُوِّ" (الرِّفْعَةِ) أَوْ مِنَ "السِّمَةِ" (العَلَامَةِ).

العَقِيدَةُ: أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ سَمَّى اللَّهُ بِهَا نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، وَهِيَ حُسْنَى بَالِغَةٌ فِي الحُسْنِ غَايَتَهُ.

٤. الصِّفَاتُ:

اللُّغَةُ: جَمْعُ "صِفَةٍ"، وَهِيَ الأَمْرُ القَائِمُ بِالمَّوْصُوفِ مِمَّا يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ.

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الوَصْفِ"، وَمَصْدَرُهُ (وَصَفَ يَصِفُ صِفَةً).

العَقِيدَةُ: نُعُوتُ الكَمَالِ القَائِمَةُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى (كَالعِلْمِ، وَالقُدْرَةِ، وَالِاسْتِوَاءِ).

٥. أَحَدٌ:

اللُّغَةُ: فَرْدٌ لَا ثَانِيَ لَهُ، وَهُوَ أَبْلَغُ مِنْ "وَاحِدٍ" فِي النَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ.

المَّعْنَى العَقَدِيُّ: الَّذِي انْفَرَدَ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نَظِيرَ.

٦. الصَّمَدُ:

اللُّغَةُ: السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الحَاجَاتِ (أَيْ يُقْصَدُ).

الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الصَّمْدِ" وَهُوَ القَصْدُ مَعَ الرِّفْعَةِ.

المَّعْنَى العَقَدِيُّ: السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدُدِهِ، وَالَّذِي تَفْتَقِرُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الخَلَائِقِ، وَقِيلَ: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ.

٧. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ:

نَفْيٌ لِلْمَادِّيَّةِ وَالتَّنَاسُلِ؛ فَاللَّهُ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ (وَالِدٌ) وَلَا فَرْعٌ (وَلَدٌ)، لِكَمَالِ غِنَاهُ وَأَزَلِيَّتِهِ وَسَرْمَدِيَّتِهِ.

٨. كُفُواً (كُفُؤاً)(٥):

اللُّغَةُ: النَّظِيرُ وَالمُّسَاوِي وَالمُّكافئُ.

المَّعْنَى العَقَدِيُّ: نَفْيُ المُّثِيلِ وَالمُّشَابِهِ لِلَّهِ فِي ذَاتِهِ أَوْ أَسْمَائِهِ أَوْ صِفَاتِهِ.

ثَالِثاً: سُورَةُ الإِخْلَاصِ (التَّسْمِيَةُ وَالغَايَةُ)

سَبَبُ التَّسْمِيَةِ: سُمِّيَتْ بِـ (الإِخْلَاصِ) لِأَمْرَيْنِ:

١-لِأَنَّ اللَّهَ أَخْلَصَهَا لِنَفْسِهِ، فَلَمْ يُذْكَرْ فِيهَا إِلَّا صِفَاتُهُ وَتَوْحِيدُهُ.

٢- لِأَنَّ القَارِئَ لَهَا بِاعْتِقَادٍ يُخْلِصُ قَلْبَهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّدِّيَّةِ.

خَصِيصَتُهَا: هِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ (تَوْحِيدٌ، وَأَحْكَامٌ، وَقَصَصٌ)، وَهِيَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ.

رَابِعاً: فَادْعُوهُ بِهَا وَمَسْأَلَةُ الإِلْحَادِ العَقَدِيِّ

ذَرُوا: أَمْرٌ بِمَعْنَى "اتْرُكُوا"، وَهُوَ لِلتَّهْدِيدِ وَالوَعِيدِ.

الإِلْحَادُ (يُلْحِدُونَ)(٢):

اللُّغَةُ: المَّيْلُ وَالعُدُولُ عَنِ القَصْدِ. وَمِنْهُ (اللَّحْدُ) فِي القَبْرِ لِمَيْلِهِ إِلَى جِهَةِ القِبْلَةِ.

الجَمْعُ: أَلْحَادٌ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ (لَحَدَ).

أَنْوَاعُ الإِلْحَادِ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (المَّسَالِكُ الأَرْبَعَةُ)(٣):

إِنَّ الإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ مَيْلٌ عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، وَيَنْحَصِرُ فِي مَسَالِكَ ضَالَّةٍ:

مَسْلَكُ التَّعْطِيلِ الكُلِّيِّ: وَهُوَ نَفْيُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ جُمْلَةً (كَالجَهْمِيَّةِ)، بَعْدَ سَلْبِ مَعَانِيهَا.

مَسْلَكُ التَّعْطِيلِ الجُزْئِيِّ: إِثْبَاتُ الأَسْمَاءِ وَنَفْيُ الصِّفَاتِ، أَوْ إِثْبَاتُ بَعْضِ الصِّفَاتِ وَنَفْيُ بَعْضِهَا (كَالمُّعْتَزِلَةِ وَالأَشَاعِرَةِ).

مَسْلَكُ التَّأْوِيلِ (التَّحْرِيفِ): صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ؛ كَقَوْلِهِمْ: اليَدُ هِيَ القُدْرَةُ، وَالِاسْتِوَاءُ هُوَ الِاسْتِيلَاءُ.

مَسْلَكُ التَّفْوِيضِ التَّجْهِيلِيِّ: وَهُوَ أَخْبَثُ المَّسَالِكِ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَفْهَمُوا مَعَانِي هَذِهِ النُّصُوصِ، وَأَنَّ القُرْآنَ "طَلَاسِمُ" لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهَا، وَيَدَّعُونَ أَنَّهُمْ هُمُ الوَاحِدُونَ الَّذِينَ يَفْهَمُونَ البَوَاطِنَ، وَهَذَا اتِّهَامٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِعَدَمِ البَلَاغِ.(٤)

خَامِساً: الشِّقُّ التَّقْعِيدِيُّ وَالضَّابِطُ العَقَدِيُّ

القَاعِدَةُ الأُولَى: كُلُّ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَجَبَ إِثْبَاتُهُ لَهُ عَلَى الوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.

القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: نَفْيُ المُّمَاثَلَةِ مَعَ إِثْبَاتِ الحَقِيقَةِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (نَفْيٌ لِلتَّشْبِيهِ) 

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (إِثْبَاتٌ لِلصِّفَةِ).

سَادِساً: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

إِنَّ تَوْحِيدَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَيْسَ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ مَحْضُ التَّعْظِيمِ لِلرَّبِّ. فَالمُّعَطِّلُ يَعْبُدُ "عَدَماً"، وَالمُّشَبِّهُ يَعْبُدُ "صَنَماً"، وَالمُّوَحِّدُ يَعْبُدُ رَبّاً مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الكَمَالِ، مَنْزُوهاً عَنْ نَقَائِصِ الخَلْقِ. وَالِانْحِرَافُ فِي هَذَا البَابِ بَدَأَ بِمَيْلٍ يَسِيرٍ (الإِلْحَادِ اللُّغَوِيِّ) حَتَّى انْتَهَى بِتَجْهِيلِ خَيْرِ القُرُونِ.

سَابِعاً: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ(٦)

١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

قَرَّرَ فِي "القَوَاعِدِ المُّثْلَى" أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ عَلَى الذَّاتِ، وَأَوْصَافٌ بِاعْتِبَارِ الدَّلَالَةِ عَلَى المَّعَانِي. وَبَيَّنَ أَنَّ "الإِلْحَادَ" فِي الأَسْمَاءِ هُوَ أَصْلُ الكُفْرِ بِمَدْلُولِ الرُّبُوبِيَّةِ.

٢. تَقْرِيرُ الدُّكْتُور صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

يُؤَكِّدُ السِّندِيُّ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ قَائِمٌ عَلَى "الإِثْبَاتِ المُّفَصَّلِ وَالنَّفْيِ المُّجْمَلِ"، وَأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِتَأْوِيلِ الصِّفَاتِ هُوَ خَوْضٌ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ حَيْثُ الكَيْفِيَّةُ، مَعَ مَعْرِفَةِ المَّعْنَى لُغَةً.

٣. تَقْرِيرُ الدُّكْتُور مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ "التَّفْوِيضَ" هُوَ أَسْوَأُ مَذَاهِبِ المُّبْتَدِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ القُرْآنَ كِتَاباً أَعْجَمِيّاً لَا مَعْنَى لَهُ، وَهُوَ تَعْطِيلٌ لِفَهْمِ النُّصُوصِ الَّتِي أُمِرْنَا بِتَدَبُّرِهَا.

-------------------:-::-------------&

[حَاشِيَةُ المُّتَمِّمِ الثَّانِي عَشَرَ: تَوْحِيدُ الذَّاتِ وَالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ]

(١) تخريج سورة الإخلاص وفضلها:

أخرج البخاري في "صحيحه" (رقم ٥٠١٣) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في "قل هو الله أحد": «والذي نفسي بيده إنها لتعدل ثلث القرآن». 

ووجه العدل هنا كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في "جواب أهل العلم والإيمان" (صـ ٨٧) 

أن القرآن اشتمل على ثلاثة مقاصد: 

(توحيد، أحكام، قصص)، وهذه السورة أخلصت لبيان صفة الرحمن وتوحيده، فكانت ثلثاً بهذا الاعتبار.

(٢) تحقيق معنى "الصمد" لغةً وعقيدة:

نقل الإمام الطبري في "جامع البيان" (٢٤/ ٦٩١) جملة من أقوال السلف؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هو السيد الذي قد كمل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه»، وقال عكرمة: «الذي لا يخرج منه شيء ولا يطعم». وقد جمع ابن القيم في "الصواعق المرسلة" بين هذه المعاني بأن الصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق بفقرها، وهو الغني عنهم بكمال ذاته وصفاته.

(٣) الإلحاد في الأسماء (الاشتقاق والأنواع):

أصل الإلحاد في اللغة: المَيْل، ومنه (اللحد) في القبر لأنه يمال به عن الوسط. وفي الشرع: هو العدول بأسماء الله وصفاته عما يجب فيها. وقد حرر العلامة ابن عثيمين في "القواعد المثلى" (صـ ٥١) أن الإلحاد يقع بأربعة أمور:

أ- إنكار شيء منها أو مما دلت عليه من الصفات.

ب- جعلها دالة على مماثلة الله لخلقه.

ج- تسمية الله بما لم يسمِّ به نفسه (كتسمية الفلاسفة له "العلة الفاعلة").

د- اشتقاق أسماء للأصنام من أسمائه (كالعزى من العزيز، واللات من الإله).

(٤) مسلك "التفويض التجهيلي" وتحقيقه:

هذا المسلك الذي أشار إليه الباحث (د. عماد) في المتن، يُعد من أخطر مسالك الإلحاد المعاصر؛ إذ يزعم أصحابه أنهم متبعون للسلف في تفويض المعنى، بينما السلف كانوا يفوضون (الكيفية) لا (المعنى). يقول الإمام مالك في قاعدته الشهيرة: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول». فقولهم "معلوم" إثبات للمعنى اللغوي، وقولهم "مجهول" تفويض للحقيقة والكيف. وينظر: "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية (١/ ٢٠١).

(٥) تحقيق لغوي في "كُفُواً":

ذكر الفراء في "معاني القرآن" (٣/ ٢٩٩) أن فيها لغات: (كُفُؤاً) بالهمز، و(كُفُواً) بترك الهمز مع ضم الفاء، و(كُفْواً) بسكون الفاء. والقراءة المشهورة "كُفُوًا" بضم الفاء وترك الهمز، والمعنى في الكل يدور على النظير والمساوي.

(٦) مراجع تقريرات العلماء:

تقرير ابن عثيمين: ينظر "شرح الواسطية" (١/ ٧٨-٨٥).

تقرير د. صالح السندي: ينظر "التصحيح العقدي" مديخلات باب الأسماء.

تقرير د. محمد بن خليفة التميمي: ينظر "معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى" (صـ ١٢٠).

--------------------------------(٥٥)-----------------------

الوَجْهِ السَّادِسُ وَالخَمْسُونَ (٥٦)

[التَّتِمَّةُ الأُولَى: تَعْرِيفُ تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَتَحْرِيرُ مَنْهَجِ الإِثْبَاتِ]

أَوَّلاً: تَعْرِيفُ تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَمَنْهَجُ الإِثْبَاتِ

يُعَدُّ تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ الرُّكْنَ الثَّالِثَ مِنْ أَرْكَانِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ مَدَارُ المَّعْرِفَةِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَيُعَرَّفُ بِأَنَّهُ: إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ فِي سُنَّتِهِ، وَنَفْيُ مَا نَفَاهُ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ نَفَاهُ عَنْهُ رَسُولُهُ ﷺ، مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مَعَ الإِقْرَارِ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعَانِيهَا الصَّحِيحَةِ وَدَلَالَاتِهَا، وَاسْتِشْعَارِ آثَارِهَا وَمُقْتَضَيَاتِهَا فِي الكَوْنِ وَالخَلْقِ.

إِنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ يَقُومُ عَلَى "الإِثْبَاتِ المُّفَصَّلِ" لِكُلِّ مَا جَاءَ فِي الوَحْيَيْنِ، مَعَ الإِيمَانِ الجَازِمِ بِالتَّصْدِيقِ التَّامِّ بِكُلِّ مَا صَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ، وَمَا وَصَفَهُ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ، دُونَ الوُقُوعِ فِي أَوْحَالِ المَّحَاذِيرِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي هَدَمَتْ عَقَائِدَ الفِرَقِ الضَّالَّةِ، وَهِيَ:

١. التَّحْرِيفُ:

وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: التَّغْيِيرُ، وَإِمَالَةُ الكَلَامِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ خَطِيرَيْنِ:

أ- التَّحْرِيفُ اللَّفْظِيُّ: وَهُوَ الَّذِي يَمَسُّ بِنَاءَ الكَلِمَةِ إِمَّا بِالزِّيَادَةِ أَوْ النَّقْصِ أَوْ تَغْيِيرِ الحَرَكَةِ الإِعْرَابِيَّةِ. 

وَمِنْ أَبْرَزِ أَمْثِلَتِهِ: تَحْرِيفُ قَوْلِهِ تَعَالَى: 

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه: ٥]

 حَيْثُ زَادَ المُّعَطِّلَةُ حَرْفَ "اللَّامِ" لِتُصْبِحَ "اسْتَوْلَى".

 وَفِي هَذَا يَقُولُ صَاحِبُ (النُّونِيَّةِ) الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ:

نُونُ اليَهُودِ وَلَامُ جَهْمٍ هُمَا ... فِي وَحْيِ رَبِّ العَرْشِ زَائِدَتَانِ

(يُرِيدُ أَنَّ اليَهُودَ أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا "حِطَّةٌ" فَقَالُوا "حِنْطَةٌ" بِزِيَادَةِ النُّونِ، وَالجَهْمِيَّةُ أُمِرُوا بِإِثْبَاتِ "اسْتَوَى" فَقَالُوا "اسْتَوْلَى" بِزِيَادَةِ اللَّامِ).

ب- التَّحْرِيفُ المَّعْنَوْيُّ: وَهُوَ إِبْقَاءُ اللَّفْظِ كَمَا هُوَ مَعَ صَرْفِ مَعْنَاهُ إِلَى مَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُهُ وَلَا لُغَةُ العَرَبِ، كَمَنْ يُفَسِّرُ "يَدَ اللَّهِ" بِأَنَّهَا "القُوَّةُ" أَوْ "النِّعْمَةُ"، وَهَذَا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ الشَّرْعُ وَاللُّغَةُ.

٢. التَّعْطِيلُ:

وَهُوَ نَفْيُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَسَلْبُهَا عَنْهُ. وَالفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّحْرِيفِ هُوَ أَنَّ التَّحْرِيفَ نَفْيٌ لِلْمَعْنَى الصَّحِيحِ مَعَ اسْتِبْدَالِهِ بِمَعْنًى آخَرَ بَاطِلٍ، بَيْنَمَا التَّعْطِيلُ هُوَ نَفْيُ المَّعْنَى الصَّحِيحِ دُونَ طَرْحِ بَدِيلٍ. فَالمُّعَطِّلُ يَنْفِي وَيَصْمُتُ، وَالمُّحَرِّفُ يَنْفِي وَيَخْتَرِعُ.

٣. التَّكْيِيفُ:

وَهُوَ الخَوْضُ فِي "كَيْفِيَّةِ" الصِّفَةِ وَتَعْيِينِ هَيْئَتِهَا. وَهَذَا المَّسْلَكُ يُنْسَبُ إِلَى (الكَرَّامِيَّةِ) أَتْبَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ، الَّذِينَ أَثْبَتُوا الصِّفَاتِ إِثْبَاتاً مَحْضاً مَعَ تَعْيِينِ كَيْفِيَّاتٍ لَهَا، وَهَذَا مِنَ الضَّلَالِ المُّبِينِ؛ لِأَنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ يَعْجَزُ عَنْ إِدْرَاكِ كَيْفِيَّةِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.

٤. التَّمْثِيلُ (التَّشْبِيهُ):

وَهُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تُشْبِهُ صِفَاتِ المَّخْلُوقِينَ، كَقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: "سَمْعُهُ كَسَمْعِنَا"، أَوْ "وَجْهُهُ كَوَجْهِنَا"، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً، فَاللَّهُ لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ وَلَا نَدِيدٌ.

وَيَنْتَظِمُ المَّنْهَجُ الصَّحِيحُ فِي ثَلَاثَةِ أُصُولٍ جَامِعَةٍ:

الأَصْلُ الأَوَّلُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُشَابَهَةِ المَّخْلُوقِينَ.

الأَصْلُ الثَّانِي: الإِيمَانُ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ عَلَى الوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ.

الأَصْلُ الثَّالِثُ: قَطْعُ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ تَعَالَى.

ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

إِنَّ تَوْحِيدَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يُمَثِّلُ الذَّرْوَةَ فِي تَعْظِيمِ البَارِي جَلَّ وَعَلَا، وَهُوَ الحِصْنُ المَّنِيعُ ضِدَّ الوَثَنِيَّةِ الجَدِيدَةِ وَالإِلْحَادِ المُّقَنَّعِ. إِنَّ المُّشْكِلَةَ الكُبْرَى الَّتِي وَاجَهَتِ العَقْلَ البَشَرِيَّ عَبْرَ التَّارِيخِ هِيَ مُحَاوَلَةُ "أَنْسَنَةِ" الإِلَهِ (بِالتَّشْبِيهِ) أَوْ "تَجْرِيدِهِ" مِنَ الوُجُودِ (بِالتَّعْطِيلِ).

وَمِنْ هُنَا، فَقَدْ جَاءَ تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِيُحَقِّقَ التَّوَازُنَ بَيْنَ الإِثْبَاتِ المُّقْتَضِي لِلْمَعْرِفَةِ، وَالتَّنْزِيهِ المُّقْتَضِي لِلتَّعْظِيمِ. إِنَّنَا كَبَاحِثِينَ فِي العَقِيدَةِ نُؤْمِنُ أَنَّ العِلْمَ بِاللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَلَا يَصِفُ اللَّهَ أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ، وَلَا يَصِفُ اللَّهَ بَعْدَ اللَّهِ أَعْلَمُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. لِذَلِكَ كَانَ المَّنْهَجُ السَّلَفِيُّ هُوَ المَّنْهَجَ المُّتَّفِقَ مَعَ الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ مَعْنَى الصِّفَةِ الَّذِي يَفْهَمُهُ العَقْلُ لُغَةً، وَيَكِلُ كَيْفِيَّتَهَا إِلَى الخَالِقِ.

إِنَّ قَطْعَ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ الكَيْفِيَّةِ هُوَ قِمَّةُ التَّعَبُّدِ، لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ بِنَقْصِ المَّخْلُوقِ وَكَمَالِ الخَالِقِ. فَمَنْ جَعَلَ صِفَاتِ اللَّهِ كَصِفَاتِ المَّخْلُوقِ فَقَدْ عَبَدَ صَنَماً، وَمَنْ نَفَى صِفَاتِ اللَّهِ فَقَدْ عَبَدَ عَدَماً، أَمَّا المُّوَحِّدُ فَقَدْ عَبَدَ رَبّاً سَمِيعاً بَصِيراً عَالِماً حَكِيماً، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ

١. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):

يُقَرِّرُ العَلَّامَةُ فِي مَنْظُومَاتِهِ وَشُرُوحِهِ أَنَّ القَوْلَ فِي الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي الذَّاتِ، فَكَمَا أَنَّ لِلَّهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، فَكَذَلِكَ لَهُ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ. وَقَدْ شَدَّدَ عَلَى أَنَّ "التَّحْرِيفَ" جِنَايَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَعَقَدِيَّةٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

٢. تَقْرِيرُ الدُّكْتُور صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

يُؤَكِّدُ السِّندِيُّ فِي شُرُوحِهِ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ قَائِمٌ عَلَى "الإِثْبَاتِ الحَقِيقِيِّ" لِلْمَعْنَى، وَأَنَّ دَعْوَى التَّفْوِيضِ لِلْمَعَانِي هِيَ تَعْطِيلٌ لِفَهْمِ القُرْآنِ. وَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" يَعْنِي إِمْرَارَ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ المَّفْهُومَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ بَاطِلٍ.

٣. تَقْرِيرُ الدُّكْتُور مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

يُحَرِّرُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كُلَّ مُؤَوِّلٍ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مُمَثِّلٌ ثُمَّ مُعَطِّلٌ؛ فَهُوَ لَمْ يُؤَوِّلْ صِفَةَ "اليَدِ" مَثَلًا إِلَّا لِأَنَّهُ "مَثَّلَهَا" أَوَّلًا بِيَدِ المَّخْلُوقِ فِي ذِهْنِهِ، ثُمَّ "عَطَّلَهَا" لِيَفِرَّ مِنْ هَذَا التَّمْثِيلِ، فَالخَلَلُ بَدَأَ مِنَ التَّشْبِيهِ.

رَابِعًا: الحَاشِيَةُ المُّطَوَّلَةُ

(١) تحقيق في تحريف "استوى": نَقَلَ ابْنُ القَيِّمِ فِي (الصَّوَاعِقِ المُّرْسَلَةِ) أَنَّ ابْنَ الأَعْرَابِيِّ (إِمَامَ اللُّغَةِ) سُئِلَ عَنْ مَعْنَى "اسْتَوَى" فَقَالَ: "هُوَ عَلَى عَرْشِهِ كَمَا أَخْبَرَ"، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ الجَهْمِيَّةَ تَقُولُ "اسْتَوْلَى"، فَقَالَ: "كَذَبُوا، لَا يُقَالُ اسْتَوْلَى إِلَّا إِذَا كَانَ لَهُ مُنَازِعٌ فَغَلَبَهُ".

(٢) مذهب الكرامية: نَحَلُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ كَانَتْ تَنْحُو مَنْحَى التَّجْسِيمِ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي (تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ) مُبَيِّناً أَنَّ إِثْبَاتَ الكَيْفِ هُوَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ العَبْدُ.

(٣) الفرق بين التمثيل والتشبيه: ذَكَرَ العُلَمَاءُ أَنَّ التَّمْثِيلَ هُوَ المُّسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا التَّشْبِيهُ فَهُوَ المُّسَاوَاةُ فِي أَكْثَرِ الوُجُوهِ. وَنَفْيُ التَّمْثِيلِ أَوْلَى لِوُرُودِ النَّصِّ بِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.

(٤) استشعار الآثار: هَذَا المَّطْلَبُ الَّذِي أَضَافَهُ البَاحِثُ (د. عِمَاد) فِي التَّعْرِيفِ هُوَ عُمْدَةُ السُّلُوكِ؛ فَإِذَا عَلِمَ العَبْدُ أَنَّ اللَّهَ "بَصِيرٌ" اسْتَحْيَا أَنْ يَرَاهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ "قَدِيرٌ" تَوَكَّلَ عَلَيْهِ وَحْدَهُ.

(٥) تخريج حديث انقطاع العمل: رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١٦٣١)، وَدَلَالَتُهُ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَنَّ العِلْمَ لَا يَنْقَطِعُ أَثَرُهُ بَعْدَ المَّوْتِ، فَمَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ بَقِيَ وِزْرُهُ جَارِياً، وَمَنْ أَقَرَّ الحَقَّ بَقِيَ أَجْرُهُ.

-----------------------------(٥٦)---------------------------

الوَجْهِ السَّابِعِ وَالخَمْسُونَ (٥٧)

[أَدِلَّةُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ]

١. أَدِلَّةُ الأَصْلِ الأَوَّلِ: تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ مُشَابَهَةِ المَّخْلُوقِينَ

إِنَّ الأَدِلَّةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى تَقْرِيرِ هَذَا المَّنْهَجِ كَثِيرَةٌ؛ فَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى الأَصْلِ الأَوَّلِ وَهُوَ تَنْزِيهُ الرَّبِّ عَنْ مُشَابَهَةِ المَّخْلُوقِينَ:

الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: مُقْتَضَى الآيَةِ نَفْيُ المُّمَاثَلَةِ بَيْنَ الخَالِقِ وَالمَّخْلُوقِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مَعَ إِثْبَاتِ السَّمْعِ وَالبَصَرِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.

نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: فِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَا ثَبَتَ لِلَّهِ مِنَ السَّمْعِ وَالبَصَرِ لَيْسَ كَمَا يُثْبَتُ لِلْمَخْلُوقِينَ مِنْ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ مَعَ كَثْرَةِ مَنْ يَتَّصِفُ بِهِمَا مِنَ المَّخْلُوقِينَ، وَمَا يُقَالُ فِي السَّمْعِ وَالبَصَرِ يُقَالُ فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ.

الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١].⁽¹⁾

مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ: قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤].⁽²⁾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥].⁽³⁾ وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤].⁽⁴⁾

٢. أَدِلَّةُ الأَصْلِ الثَّانِي: الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ

وَمِنَ الأَدِلَّةِ عَلَى الأَصْلِ الثَّانِي وَهُوَ الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ:

مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].

وَمِنْ نُعُوتِ الجَلَالِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ...﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ ۚ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٤].

تَخْرِيجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ...» الحَدِيثَ.⁽٥⁾

٣. أَدِلَّةُ الأَصْلِ الثَّالِثِ: قَطْعُ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ الكَيْفِيَّةِ

وَأَمَّا الأَصْلُ الثَّالِثُ وَهُوَ قَطْعُ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ كَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهَا:

الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠].

تَفْسِيرُ العُلَمَاءِ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فِي مَعْنَى الآيَةِ: "إِحَاطَةُ العِلْمِ البَشَرِيِّ بِرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ نَفْيُ جِنْسِ أَنْوَاعِ الإِحَاطَةِ عَنْ كَيْفِيَّتِهَا".

الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣].

فَائِدَةٌ عِلْمِيَّةٌ: قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ فِي مَعْرِضِ حَدِيثِهِ عَنِ الآيَةِ: "وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ عَظَمَتِهِ، وَأَنَّهُ لِكَمَالِ عَظَمَتِهِ لَا يُدْرَكُ بِحَيْثُ يُحَاطُ بِهِ؛ فَإِنَّ الإِدْرَاكَ وَالإِحَاطَةَ بِالشَّيْءِ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ، فَالرَّبُّ يُرَى فِي الآخِرَةِ وَلَا يُدْرَكُ كَمَا يَعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِعِلْمِهِ".

قَاعِدَةٌ عَقْلِيَّةٌ: يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ لِلْعَقْلِ حَدّاً يَصِلُ إِلَيْهِ وَلَا يَتَعَدَّاهُ كَمَا أَنَّ لِلسَّمْعِ وَالبَصَرِ حَدّاً يَنْتَهِيَانِ إِلَيْهِ، فَمَنْ تَكَلَّفَ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَكَ بِالعَقْلِ كَالتَّفْكِيرِ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ فَهُوَ كَالَّذِي يَتَكَلَّفُ أَنْ يُبْصِرَ مَا وَرَاءَ الجِدَارِ أَو سَمَاعِ الأَصواتِ البَعيدةِ جِدّاً عَنْهُ.

[الحَاشِيَةُ]

⁽¹⁾ انظر: تفسير ابن كثير (٨/ ٦٠)، وأورد ما رواه البخاري في التوحيد (١٣/ ٣٧٠)، وأحمد في المسند (٦/ ٤٦) عن عائشة رضي الله عنها.

⁽²⁾ قال الطبري في تفسيره (٧/ ٦٢١): «فَلَا تُمَثِّلُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ، وَلَا تُشَبِّهُوا لَهُ الأَشْبَاهَ؛ فَإِنَّهُ لَا مَثِيلَ لَهُ وَلَا شَبِيهَ».

⁽³⁾ قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيرها: «هل تعلم للرب مثلاً أو شبيهاً».

⁽⁴⁾ قال الطبري: «ولم يكن له شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء».

⁽٥⁾ أخرجه مسلم في صحيحه، رقم الحديث: ٢٧١٣.

-----------------------------(٥٧)---------------------------

الوَجْهِ التَّاسِعُ وَالخَمْسُونَ (٥٩)

[المَّطْلَبُ الأَوَّلُ: تَعْرِيفُ الشِّرْكِ بِالمَّعْنَى العَامِّ وَالخَاصِّ]

١. المَّعْنَى العَامُّ لِلشِّرْكِ (أَنْوَاعُهُ الثَّلَاثَةُ):

يَنْقَسِمُ الشِّرْكُ بِالمَّعْنَى العَامِّ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:

أ- الشِّرْكُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ:

وَهُوَ تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، أَوْ نِسْبَةُ شَيْءٍ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهِ؛ كَالخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالإِيجَادِ، وَالإِمَاتَةِ، وَالتَّدْبِيرِ لِهَذَا الكَوْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].

ب- الشِّرْكُ فِي الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:

وَهُوَ تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].

ج- الشِّرْكُ فِي الأُلُوهِيَّةِ:

وَهُوَ تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِي شَيْءٍ مِنْ خَصَائِصِ الأُلُوهِيَّةِ؛ كَالصَّلَاةِ، وَالصِّيَامِ، وَالدُّعَاءِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

٢. المَّعْنَى الخَاصُّ لِلشِّرْكِ:

وَهُوَ أَنْ يَتَّخِذَ لِلَّهِ نِدّاً يَدْعُوهُ كَمَا يَدْعُو اللَّهَ، وَيَسْأَلُهُ الشَّفَاعَةَ كَمَا يَسْأَلُ اللَّهَ، وَيَرْجُوهُ كَمَا يَرْجُو اللَّهَ، وَيُحِبُّهُ كَمَا يُحِبُّ اللَّهَ.

ضَابِطٌ: هَذَا هُوَ المَّعْنَى المُّتَبَادَرُ مِنْ كَلِمَةِ "الشِّرْكِ" إِذَا أُطْلِقَتْ فِي القُرْآنِ أَوِ السُّنَّةِ.

[الحَاشِيَةُ]

⁽¹⁾ انظر: تفسير ابن كثير (٧/ ٤) عند قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿هل من خالق غير الله﴾، حيث بيَّن انفراد الرب بالخلق والرزق.

⁽²⁾ انظر: تفسير الطبري (٧/ ٦٢١)، في تقرير انتفاء المماثلة في الأسماء والصفات.

⁽³⁾ انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٧٤) عند آية البقرة، في بيان بطلان اتخاذ الأنداد من دون الله في المحبة والعبادة.

⁽⁴⁾ يُنظر في "المعنى الخاص": مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، في تعريف الشرك الذي أرسل الله الرسل بالنهي عنه.

---------------------------------(٦٠)------------------------

الوَجْهُ الحَادِي وَالسِّتُّونَ (٦١)

[المُّتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: تَفْصِيلُ مَسَائِلِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَأَنْوَاعِهِ]

إِنَّ الشِّرْكَ الأَكْبَرَ هُوَ اتِّخَاذُ نِدٍّ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى يُعْبَدُ كَمَا يُعْبَدُ اللَّهُ⁽١⁾، وَهُوَ النَّاقِلُ عَنْ مِلَّةِ الإِسْلَامِ وَالمُّحْبِطُ لِلأَعْمَالِ كُلِّهَا⁽٢⁾، وَصَاحِبُهُ إِنْ مَاتَ عَلَيْهِ يَكُونُ مُخَلَّداً فِي نَارِ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ فَيَمُوتَ وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُ مِنْ عَذَابِهَا⁽٣⁾. وَيَنْقَسِمُ الشِّرْكُ الأَكْبَرُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ رَئِيسَةٍ:

أَوَّلاً: شِرْكُ الدَّعْوَةِ (الدُّعَاءِ):

وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ العِبَادَاتِ بَلْ هُوَ لُبُّهَا⁽٤⁾، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. فَمَنْ دَعَا نَبِيّاً أَوْ مَلَكاً أَوْ قَبْراً فَقَدْ أَشْرَكَ⁽٥⁾، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ﴾ [المؤمنون: ١١٧].

ثَانِيًا: شِرْكُ النِّيَّةِ وَالإِرَادَةِ وَالقَصْدِ:

وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ بِأَعْمَالِهِ الدُّنْيَا وَالرِّيَاءَ ارَادَةً كُلِّيَّةً كَأَهْلِ النِّفَاقِ الخُلَّصِ⁽٦⁾، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥].

ثَالِثاً: شِرْكُ الطَّاعَةِ:

وَهُوَ طَاعَةُ المَّخْلُوقِ فِي تَحْلِيلِ الحَرَامِ أَوْ تَحْرِيمِ الحَلَالِ مَعَ الاعْتِقَادِ بِذَلِكَ⁽٧⁾، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].

رَابِعاً: شِرْكُ المَّحَبَّةِ:

وَهِيَ مَحَبَّةُ العُبُودِيَّةِ المُّسْتَلْزِمَةُ لِلذُّلِّ وَالخُضُوعِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ⁽٨⁾، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].

وَقَدْ حَرَّرَ العُلَمُاءُ تَقْرِيرَاتٍ هَامَّةً حَوْلَ هَذَا الوَجْهِ؛ حَيْثُ نَصَّ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ عَلَى عُمُومِ حُبُوطِ العَمَلِ بِهِ⁽٩⁾، بَيْنَمَا رَبَطَ الدُّكْتُور صَالِحِ السِّندِيِّ وَالدُّكْتُور مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ بَيْنَ آيَاتِ الحُبُوطِ وَنَقْضِ أَصْلِ الدِّينِ⁽١)

------------------------&

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المعنى الخاص للشرك" في رسالة المصنف، وهو اتخاذ الند مع الله في الدعاء والرجاء والمحبة.

⁽٢⁾ لقوله تعالى في سورة الزمر آية (٦٥): ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾، وهو نص في أثر الشرك على العمل.

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير" (٤/ ١٨٥) عند آية المائدة في خلود المشرك في النار وحرمانه من الجنة.

⁽٤⁾ أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ٢٦٧) والترمذي رقم (٢٩٦٩) وقال: "حديث حسن صحيح".

⁽٥⁾ لثبوت أن الدعاء عبادة في نصوص الوحيين، فصرفها لغير الله مخرج من الملة.

⁽٦⁾ يُنظر: "تفسير الطبري" في بيان أحوال من أراد بعمله الدنيا والسمعة إرادة كلية.

⁽٧⁾ أخرجه الترمذي رقم (٣٠٩٥) وحسنه، في قصة عدي بن حاتم رضي الله عنه في طاعة الأحبار.

⁽٨⁾ يُنظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية في الفرق بين محبة الله والمحبة مع الله.

⁽٩⁾ يُنظر: "القول المفيد على كتاب التوحيد"، الشيخ ابن عثيمين [١/ ١٢٠].

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، د. صالح السندي، و "نواقض الإيمان"، د. محمد التميمي [صـ ٤٥].

.

---------------------------(٦٢)---------------------------

الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ (٦٢)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ

«وَالشِّرْكُ الأَكْبَرُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ: شِرْكُ الدَّعْوَةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]. الثَّانِي: شِرْكُ النِّيَّةِ وَالإِرَادَةِ وَالقَصْدِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۞ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٥-١٦]».

ثَانِيًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الدَّعْوَةُ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ (دَعَوَ)، وَحَدُّهَا: الطَّلَبُ وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ لِنَيْلِ المَّطْلُوبِ.⁽١⁾

٢- مُخْلِصِينَ: مِنَ (خَلَصَ)، وَحَدُّهَا: تَنْقِيَةُ العَمَلِ مِنْ شَوْبِ الشِّرْكِ وَإِفْرَادُ المَّعْبُودِ بِالقَصْدِ.⁽٢⁾

٣- نَجَّاهُمْ: مِنَ (نَجَوَ)، وَحَدُّهَا: التَّخْلِيصُ مِنَ الهَلَاكِ وَالشِّدَّةِ.⁽٣⁾

٤- النِّيَّةُ: مِنَ (نَوَى)، وَحَدُّهَا: قَصْدُ الطَّاعَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالعَمَلِ.⁽٤⁾

٥- الإِرَادَةُ: مِنَ (رَوَدَ)، وَحَدُّهَا: نُزُوعُ النَّفْسِ إِلَى الفِعْلِ لِتَحْقِيقِ غَايَةٍ مَا.⁽٥⁾

٦- القَصْدُ: مِنَ (قَصَدَ)، وَحَدُّهَا: اسْتِقَامَةُ الطَّرِيقِ وَتَوَجُّهُ القَلْبِ نَحْوَ المَّقْصُودِ.⁽٦⁾

٧- يُبْخَسُونَ: مِنَ (بَخَسَ)، وَحَدُّهَا: النَّقْصُ عَلَى سَبِيلِ الظُّلْمِ.⁽٧⁾

٨- بَاطِلٌ: مِنَ (بَطَلَ)، وَحَدُّهَا: الذَّاهِبُ ضَيَاعاً الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلَا ثَوَابَ فِيهِ.⁽٨⁾

ثَالِثًا: التَّفْسِيرُ وَالتَّأْصِيلُ وَالتَّقْرِيرَاتُ

التَّفْسِيرُ: بَيَّنَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَانُوا يُخْلِصُونَ فِي الكَرْبِ، وَأَنَّ مَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا بِعَمَلِهِ جُوزِيَ بِهَا فِيهَا وَحُرِمَ الآخِرَةَ.⁽٩⁾

التَّقْرِيرَاتُ العِلْمِيَّةُ:

١- تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: أَنَّ قَصْدَ الدُّنْيَا بِالعَمَلِ مُنَافٍ لِكَمَالِ التَّوْحِيدِ الوَاجِبِ.

٢- تَقْرِيرُ السِّندِيِّ: تَمْيِيزُ مَرَاتِبِ الإِرَادَةِ فِي العَمَلِ بَيْنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ.

٣- تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: رَبْطُ حُبُوطِ العَمَلِ فِي آيَةِ هُودٍ بِبُطْلَانِ المَّقْصِدِ القَلْبِيِّ.⁽١٠⁾

------------------&

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات في غريب القرآن"، الراغب الأصفهاني، دار القلم، صـ ٣١٥.

⁽٢⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور، دار صادر، مجلد (٧)، صـ ٢٦.

⁽٣⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس، دار الفكر، مجلد (٥)، صـ ٣٩٥.

⁽٤⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني، دار الكتب العلمية، صـ ٢٤٥.

⁽٥⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي، المكتبة العلمية، صـ ٢٤٢.

⁽٦⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري، دار إحياء التراث، مجلد (٨)، صـ ٢٤٤.

⁽٧⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير، دار طيبة، مجلد (٤)، صـ ٣٠٩.

⁽٨⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي، المكتبة العلمية، مجلد (٢)، صـ ٢٤٨.

⁽٩⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير"، دار طيبة، مجلد (٦)، صـ ٢٩٧ (آية العنكبوت)، ومجلد (٤)، صـ ٣٠٩ (آية هود).

⁽١٠⁾ يُنظر: "القول المفيد"، ابن عثيمين [١/ ١٢٥]، و "شرح القواعد الأربع"، السندي، و "نواقض الإيمان"، التميمي [صـ ٤٥].

------------------------------(٦٢)------------------؛؛؛

الوَجْهُ الخَامِسُ وَالسِّتُّونَ (٦٥)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ (مُشَكَّلاً)

«الثَّالِثُ: شِرْكُ الطَّاعَةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١]. وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي لَا إِشْكَالَ فِيهِ: طَاعَةُ العُلَمَاءِ وَالعُبَّادِ فِي المَّعْصِيَةِ لَا دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهُمْ، كَمَا فَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لَمَّا سَأَلَهُ فَقَالَ: لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ عِبَادَتَهُمْ طَاعَتُهُمْ فِي المَّعْصِيَةِ».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الكَثِيرِ مِمَّنْ غَلَا فِي المَّتْبُوعِينَ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَقْيِيدِ "الطَّاعَةِ" بِكَوْنِهَا فِي "التَّبْدِيلِ" أَيْ تَحْلِيلِ الحَرَامِ وَتَحْرِيمِ الحَلَالِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- أَحْبَارَهُمْ: مِنَ (حَبَرَ)، وَالحَبْرُ هُوَ العَالِمُ المُتَّسِعُ فِي المَعْرِفَةِ، وَسُمِّيَ بِهِ لِأَثَرِ عِلْمِهِ فِي تَحْسِينِ القُلُوبِ.⁽١⁾

٢- رُهْبَانَهُمْ: مِنَ (رَهَبَ)، وَالرَّاهِبُ هُوَ العَابِدُ الَّذِي اعْتَزَلَ النَّاسَ خَوْفاً مِنَ اللَّهِ وَتَعَبُّداً.⁽٢⁾

٣- أَرْبَاباً: مِنَ (رَبَبَ)، وَالرَّبُّ هُوَ المَالِكُ وَالسَّيِّدُ المُّطَاعُ الَّذِي لَهُ حَقُّ التَّشْرِيعِ وَالأَمْرِ.⁽٣⁾

٤- إِلَٰهًا وَاحِدًا: الإِلَهُ مِنَ (أَلَهَ) أَيْ عَبَدَ، وَحَدُّهُ: المَّعْبُودُ بِحَقٍّ الَّذِي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً.⁽٤⁾

٥- لَا دُعَاؤُهُمْ إِيَّاهُمْ: أَيْ أَنَّ العِبَادَةَ المَّقْصُودَةَ فِي الآيَةِ هِيَ "طَاعَةُ الاتِّبَاعِ" وَلَيْسَتْ "دَعْوَةَ الِاسْتِغَاثَةِ" المَّعْرُوفَةَ فِي أَنْوَاعٍ أُخْرَى.⁽٥⁾

رَابِعاً: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَتَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

التَّأْصِيلُ: شِرْكُ الطَّاعَةِ يَقَعُ بِتَقْدِيمِ قَوْلِ البَشَرِ عَلَى شَرْعِ اللَّهِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ لِأَكْبَرَ (إِنِ اعْتَقَدَ حِلَّ التَّبْدِيلِ)، وَأَصْغَرَ (إِنْ فَعَلَهُ مَعَ اعْتِقَادِ التَّحْرِيمِ).⁽٦⁾

::::::::::::::::::::::::::::::::::::&

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: أخرجه الترمذي (٣٠٩٥)، والطبري (١٦٦٣١)، وابن أبي حاتم (١٠٠٥٧)، والبيهقي (٢٠١٧٠).

⁽٢⁾ دِرَاسَةُ الإِسْنَادِ: فِي إِسْنَادِهِ "عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ" كَاتِبُ اللَّيْثِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَفِيهِ "حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ" وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالسَّمَاعِ.

⁽٣⁾ العِلَّةُ: يُعَلُّ الحَدِيثُ بِالاضْطِرَابِ فِي بَعْضِ مَرَاوِيهِ، وَبِضَعْفِ كَاتِبِ اللَّيْثِ فِي المَّقَامِ الأَوَّلِ.

⁽٤⁾ الشَّوَاهِدُ: لَهُ شَوَاهِدُ مَوْقُوفَةٌ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَدْ صَحَّحَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ الأَثَرَ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ (كَمَا فَعَلَ الشَّيْخُ الأَلْبَانِيُّ فِي غَايَةِ المَّرَامِ).

⁽٥⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٢١٣، و "تهذيب اللغة"، الأزهري (٥/ ٣٢).

⁽٦⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير"، دار طيبة (٤/ ١٣٥) في بطلان شرك الطاعة.

⁽٧⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني صـ ١٤١ في حد الإله والرب.

⁽٨⁾ يُنظر: "القول المفيد"، ابن عثيمين (١/ ١٣٠) في شرح حديث عدي بن حاتم.

⁽٩⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان"، التميمي صـ ٥٥ في تأصيل طاعة العلماء في المعصية.

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، السندي، في بيان أن طاعة العلماء في التبديل الشرك الأكبر 

:::::::::::::::::::::::::::::::(٦٣):::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ (٦٣)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ (مُشَكَّلاً)

«الرَّابِعُ: شِرْكُ المَّحَبَّةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]».

ثَانِياً: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): اقْتَصَرَتْ عَلَى ذِكْرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَدَلِيلٍ عَلَى النَّوْعِ الرَّابِعِ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): زَادَتْ تَعْلِيقاً بَعْدَ الآيَةِ يُوَضِّحُ أَنَّ المَّحَبَّةَ المَّقْصُودَةَ هِيَ "مَحَبَّةُ التَّأَلُّهِ وَالعُبُودِيَّةِ" الَّتِي تَسْتَلْزِمُ الخُضُوعَ وَالذُّلَّ.

ثَالِثاً: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- مِن دُونِ اللَّهِ: (دُونِ) اشْتِقَاقُهَا مِنَ الدُّنُوِّ وَهُوَ القُرْبُ، وَحَدُّهَا هُنَا: أَيْ سِوَى اللَّهِ أَوْ مَعَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ وَيُعَظَّمُ.⁽١⁾

٢- أَنْدَاداً: اشْتِقَاقُهَا مِنْ (نَدَدَ)، وَالنِّدُّ هُوَ المَّثِيلُ وَالنَّظِيرُ، وَحَدُّهَا: كُلُّ مَا جُعِلَ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي مَحَبَّتِهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ.⁽٢⁾

٣- يُحِبُّونَهُمْ: اشْتِقَاقُهَا مِنْ (حَبَبَ)، وَحَدُّهَا هُنَا: مَحَبَّةُ التَّعْظِيمِ وَالعِبَادَةِ الَّتِي تَقُودُ لِإِيثَارِ مَرْضَاةِ المَّحْبُوبِ عَلَى غَيْرِهِ.⁽٣⁾

٤- أَشَدُّ حُبًّا: (أَشَدُّ) مِنَ الشِّدَّةِ وَالقُوَّةِ، وَحَدُّهَا: أَنَّ مَحَبَّةَ المُّؤْمِنِينَ لِلَّهِ ثَابِتَةٌ قَوِيَّةٌ خَالِصَةٌ لَا تَتَغَيَّرُ، بِخِلَافِ المُّشْرِكِينَ.⁽٤⁾

رَابِعاً: التَّفْسِيرُ وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ

تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: بَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَذُمُّ المُّشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لَهُ أَمْثَالاً وَنُظَرَاءَ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ المُّؤْمِنِينَ أَخْلَصُ حُبّاً لِلَّهِ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُمْ لَا تَشُوبُهَا شَائِبَةُ شِرْكٍ.⁽٥⁾

التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ: مَحَبَّةُ اللَّهِ هِيَ أَصْلُ الدِّينِ، وَصَرْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهَا (مَحَبَّةُ الذُّلِّ) لِغَيْرِهِ هُوَ حَقِيقَةُ التَّنْدِيدِ الوَارِدِ فِي الآيَةِ.⁽٦⁾

------------------------&

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات في غريب القرآن"، الأصفهاني صـ ٣٢١ في معنى "دون".

⁽٢⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٥/ ٤١٢)، مادة (ندد).

⁽٣⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (١/ ٢٩٠) في اشتقاق الحب ومراتبه.

⁽٤⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (١/ ٤٧٤) في معنى شدة محبة المؤمنين.

⁽٥⁾ المصدر السابق، المجلد الأول، صـ ٤٧٤، طبعة دار طيبة.

⁽٦⁾ يُنظر: "القول المفيد"، الشيخ ابن عثيمين [١/ ١٤٥] في شرح باب "ومن الناس من يتخذ...".

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، د. صالح السندي، في الفرق بين المحبة لله والمحبة مع الله.

⁽٨⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان"، د. محمد التميمي [صـ ٦٢] في بيان شرك المحبة.

⁽٩⁾ تقرير: المحبة الشركية هي التي تُسوي المخلوق بالخالق في العبادة والإجلال.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة البقرة، الآية رقم (١٦٥).

::::::::::::::::::::::::::::::(٦٤)::::::::::::::::::::::::::::&

الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ (٦٤)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ (مُشَكَّلاً)

«النَّوْعُ الثَّانِي: الشِّرْكُ الأَصْغَرُ وَهُوَ الرِّيَاءُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا صَدْرُ الآيَةِ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَنِ البَشَرِ كَافَّةً.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِوَصْفِ الرِّيَاءِ بِأَنَّهُ "الشِّرْكُ الأَصْغَرُ" كَمَا جَاءَ فِي الوَصِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ لِلصَّحَابَةِ.

ثَالِثاً: الفَائِدَةُ الأُصُولِيَّةُ (قَاعِدَةُ النَّكِرَةِ)

القَاعِدَةُ: "النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ أَوِ النَّفْيِ تُفِيدُ العُمُومَ".⁽١⁾

التَّطْبِيقُ: جَاءَتْ كَلِمَةُ (أَحَدًا) نَكِرَةً مَسْبُوقَةً بِأَدَاةِ النَّهْيِ (لَا) فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يُشْرِكْ﴾، فَتُفِيدُ عُمُومَ النَّهْيِ عَنْ إِشْرَاكِ أَيِّ أَحَدٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ (نَبِيًّا، أَوْ مَلَكًا، أَوْ وَلِيًّا، أَوْ نَفْسًا)، وَشُمُولَ النَّهْيِ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ (أَكْبَرِهِ وَأَصْغَرِهِ).⁽٢⁾

رَابِعاً: التَّفْسِيرُ (لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ)

بَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ العَمَلَ المُّتَقَبَّلَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رُكْنَيْنِ: الأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ صَالِحاً (مُوَافِقاً لِلشَّرْعِ)، وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خَالِصاً لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ، فَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ وَالمُّتَابَعَةِ.⁽٣⁾

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ 

إِنَّ تَنْصِيصَ المُّؤَلِّفِ عَلَى الرِّيَاءِ كَمِثَالٍ لِلشِّرْكِ الأَصْغَرِ يُجَلِّي خُطُورَةَ الآفَاتِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي كَمَالِ التَّوْحِيدِ الوَاجِبِ. وَالشِّرْكُ الأَصْغَرُ، وَإِنْ كَانَ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ ابْتِدَاءً، إِلَّا أَنَّهُ أَعْظَمُ مِنَ الكَبَائِرِ (كَالزِّنَا وَشُرْبِ الخَمْرِ) عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ؛ لِكَوْنِهِ يَتَعَلَّقُ بِمَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ وَجَنَابِ التَّوْحِيدِ. وَالرِّيَاءُ هُوَ طَلَبُ المَّنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بِالعِبَادَةِ، وَمَا آيَةُ الكَهْفِ إِلَّا مِيزَانٌ دَقِيقٌ لِتَصْفِيَةِ الأَعْمَالِ؛ إِذْ نَفَتْ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ (أَحَدًا)، مِمَّا يُوجِبُ عَلَى العَبْدِ المُّجَاهَدَةَ الدَّائِمَةَ لِدَفْعِ هَوَاجِسِ النَّفْسِ وَتَطْهِيرِ القَصْدِ. فَمَنْ خَالَطَ عَمَلَهُ الرِّيَاءُ فَقَدْ وَقَعَ فِي نَوْعِ تَأْلِيهٍ لِلْخَلْقِ، وَهُوَ مَزْلَقٌ خَفِيٌّ يَسْلُبُ العَمَلَ بَرَكَتَهُ وَثَوَابَهُ، وَقَدْ يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ وَصَارَ المَّحْرِكَ الأَسَاسَ لِكُلِّ طَاعَاتِهِ.⁽٤⁾


[الحَاشِيَةُ ]


⁽١⁾ يُنظر: "مذكرة في أصول الفقه"، الشنقيطي، صـ ٢٠٥ في قواعد العموم.

⁽٢⁾ يُنظر: "بدائع الفوائد"، ابن القيم (٢/ ٤٥) في دلالة النكرة في سياق النهي.

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (٥/ ٢٠٥)، دار طيبة.

⁽٤⁾ يُنظر: "القول المفيد"، ابن عثيمين [١/ ١٥٠] في خطر الرياء.

⁽٥⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، د. صالح السندي، في الفرق بين شروط قبول العمل.

⁽٦⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان"، د. محمد التميمي [صـ ٧٠] في تأصيل الشرك الأصغر.

⁽٧⁾ أخرجه أحمد (٥/ ٤٢٨) عن محمود بن لبيد رضي الله عنه بلفظ: «أخوف ما أخاف عليكم..».

⁽٨⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٤٠) في منزلة الإخلاص والرياء.

⁽٩⁾ تقرير: العمل الصالح هو ما وافق السنة، والشرك الأصغر محبط للعمل الذي قارنه.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة الكهف، الآية رقم (١١٠).

::::::::::::::::::::::::::::::::(٦٥):::::::::::::::::::::::::::&

الوَجْهُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ (٦٦)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ (مُشَكَّلاً)

«النَّوْعُ الثَّالِثُ: الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «الشِّرْكُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلَةِ السَّودَاءِ عَلَى صَفَاةٍ سَوْدَاءَ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ». وَكَفَّارَتُهُ قَوْلُهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ شَيْئاً وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي لَا أَعْلَمُ»».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): اقْتَصَرَتْ عَلَى ذِكْرِ مَتْنِ الحَدِيثِ الأَوَّلِ فِي وَصْفِ خَفَاءِ الشِّرْكِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِإِلْحَاقِ دُعَاءِ الكَفَّارَةِ عَقِبَ الحَدِيثِ مُبَاشَرَةً، لِيَكُونَ العِلَاجُ مَقْرُوناً بِالخَوْفِ مِنَ الوُقُوعِ فِيهِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- أَخْفَى: مِنَ (خَفَى)، وَحَدُّهَا: مَا اسْتَتَرَ عَنِ الحَوَاسِّ وَالقُلُوبِ فَلَا يُدْرَكُ إِلَّا بِتَدْقِيقٍ شَدِيدٍ.⁽١⁾

٢- دَبِيبُ: مِنَ (دَبَبَ)، وَحَدُّهَا: الحَرَكَةُ اللَّطِيفَةُ لِلْأَحْيَاءِ عَلَى الأَرْضِ، وَهِيَ مَا لَا يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ.⁽٢⁾

٣- صَفَاةٍ: مِنَ (صَفَوَ)، وَحَدُّهَا: الحَجَرُ الصَّلْدُ الأَمْلَسُ الَّذِي لَا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ.⁽٣⁾

٤- الرِّيَاءُ: مِنَ (رَأَى)، وَحَدُّهَا: طَلَبُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ مِنَ المَّنْزِلَةِ بِأَعْمَالِ الآخِرَةِ.⁽٤⁾

٥- أَعُوذُ: مِنَ (عَوَذَ)، وَحَدُّهَا: الالْتِجَاءُ وَالاعْتِصَامُ وَالِاحْتِمَاءُ بِالمُّسْتَعَاذِ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ.⁽٥⁾

٦- الِاسْتِغْفَارُ: مِنَ (غَفَرَ)، وَحَدُّهَا: طَلَبُ السَّتْرِ وَالتَّجَاوُزِ عَنِ الذُّنُوبِ مَعَ الوِقَايَةِ مِنْ أَثَرِهَا.⁽٦⁾

٧- كَفَّارَةٌ: مِنَ (كَفَرَ) أَيْ سَتَرَ، وَحَدُّهَا: العَمَلُ أَوْ القَوْلُ الَّذِي يَمْحُو الذَّنْبَ وَيَجْبُرُ النَّقْصَ.⁽٧⁾

رَابِعاً: الفَوَائِدُ وَالقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ

القَاعِدَةُ: "الأَصْلُ فِي العِبَادَاتِ الإِخْلَاصُ، وَكُلُّ مَا شَابَهُ قَصْدُ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ قَادِحٌ فِيهِ".

الضَّابِطُ: الشِّرْكُ الخَفِيُّ قَدْ يَكُونُ أَكْبَراً وَقَدْ يَكُونُ أَصْغَرَ بِحَسَبِ قُوَّةِ القَصْدِ وَتَمَكُّنِهِ مِنَ القَلْبِ.

الفَائِدَةُ: التَّمْثِيلُ بِـ (النَّمْلَةِ) وَ (الصَّفَاةِ) وَ (الظُّلْمَةِ) غَايَةٌ فِي بَيَانِ الخَفَاءِ، مِمَّا يَقْطَعُ دَابِرَ العُجْبِ وَيُوجِبُ الاضْطِرَارَ إِلَى دُعَاءِ الكَفَّارَةِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ وَصْفَ الشِّرْكِ بِـ "الخَفِيِّ" يُشِيرُ إِلَى مَسْلَكٍ دَقِيقٍ تَتَسَلَّلُ فِيهِ حُظُوظُ النَّفْسِ إِلَى العِبَادَةِ دُونَ شُعُورِ العَبْدِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مِنْ أَخْطَرِ مَنَاقِضِ كَمَالِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا النَّوْعُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الرِّيَاءِ الظَّاهِرِ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ كُلَّ تَوَجُّهٍ قَلْبِيٍّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي الدَّقَائِقِ. وَالاعْتِمَادُ عَلَى تَمْثِيلِ النَّبِيِّ ﷺ بِدَبِيبِ النَّمْلِ يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ الحَقِّ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ التَّفَقُّدِ لِنِيَّتِهِ، حَذِراً مِنْ رَوَائِحِ الشِّرْكِ الَّتِي قَدْ تُفْسِدُ طَاعَتَهُ. وَتَشْرِيعُ "دُعَاءِ الكَفَّارَةِ" هُوَ مَحْضُ رَحْمَةٍ لِجَبْرِ مَا قَدْ يَعْرِضُ لِلْبَشَرِ مِنْ ضَعْفٍ أَوْ ذُهُولٍ، فَالإِنْسَانُ بَشَرٌ يَعْتَرِيهِ مَا يَعْتَرِيهِ، وَالتَّوْحِيدُ صَرْحٌ عَظِيمٌ يَتَطَلَّبُ حِرَاسَةً بِيَقَظَةِ القَلْبِ وَلَهَجِ اللِّسَانِ بِالِاسْتِغْفَارِ مِمَّا عَلِمَ العَبْدُ وَمِمَّا لَمْ يَعْلَمْ. فَالمُّوَحِّدُ الصَّادِقُ يَجْمَعُ بَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِي العَمَلِ وَبَيْنَ الخَوْفِ مِنْ حُبُوطِهِ، مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، لِأَنَّ الشِّرْكَ الخَفِيَّ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ إِلَّا بِالاعْتِصَامِ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.⁽٨⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ الدُّكْتُور صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ

يُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّندِيُّ أَنَّ الشِّرْكَ الخَفِيَّ صِفَةٌ تَعُمُّ كُلَّ مَا لَا يَظْهَرُ لِلْعِيَانِ مِنَ المَّقَاصِدِ، وَأَنَّ جَعْلَهُ نَوْعاً ثَالِثاً مُسْتَقِلّاً فِي بَعْضِ التَّقَاسِيمِ هُوَ لِزِيَادَةِ التَّحْذِيرِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَنْفَكُّ عَنِ الشِّرْكِ الجَلِيِّ لَكِنَّهَا لَا تَكَادُ تَسْلَمُ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، مُؤَكِّداً عَلَى لُزُومِ هَذَا الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ صَبَاحاً وَمَسَاءً لِتَطْهِيرِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ.⁽٩⁾


[الحَاشِيَةُ ]


⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ١٥٨، و "لسان العرب" (١٤/ ٢٣٧).

⁽٢⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٢/ ٢٦٧).

⁽٣⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (١٢/ ٢٣٢).

⁽٤⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني صـ ١٤٨.

⁽٥⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير" (٨/ ٥٠٥) عند سورة الفلق.

⁽٦⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٨٠).

⁽٧⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ٥٣٤.

⁽٨⁾ تخريج الحديث الأول: أخرجه أحمد في "المسند" (٤/ ٤٠٣) من حديث أبي موسى الأشعري، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (٣٧٣١).

⁽٩⁾ تخريج الحديث الثاني (الكفارة): أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٧١٦) من حديث أبي بكر الصديق، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد" (٥٥١).

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، و "نواقض الإيمان"، التميمي صـ ٧٥.

:::::::::::::::::::::::::::::(٦٦):::::::::::::::::::::::::::&

الوَجْهُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ (٦٧)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الكُفْرُ كُفْرَانِ؛ النَّوْعُ الأَوَّلُ: كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَوَّلُ: كُفْرُ التَّكْذِيبِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. النَّوْعُ الثَّانِي: كُفْرُ الإِبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ مَعَ التَّصْدِيقِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا تَقْسِيمُ الكُفْرِ ابْتِدَاءً إِلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الأَنْوَاعِ الخَمْسَةِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِإِضَافَةِ قَيْدِ "مَعَ التَّصْدِيقِ" فِي كُفْرِ الإِبَاءِ، لِتَمْيِيزِهِ عَنْ كُفْرِ التَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الكُفْرُ: مِنَ (كَفَرَ) أَيْ سَتَرَ، وَحَدُّهُ: ضِدُّ الإِيمَانِ، وَهُوَ عَدَمُ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ تَكْذِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.⁽١⁾

٢- المِّلَّةُ: مِنَ (مَلَلَ) أَيْ أَمْلَى، وَحَدُّهَا: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ لِيَعْتَقِدُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ.⁽٢⁾

٣- أَظْلَمُ: مِنَ (ظَلَمَ) وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَحَدُّهَا: أَيْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ جَوْراً وَتَعَدِّياً مِمَّنْ نَسَبَ لِلَّهِ مَا لَا يَلِيقُ.⁽٣⁾

٤- افْتَرَى: مِنَ (فَرَى) أَيْ قَطَعَ وَخَلَقَ، وَحَدُّهَا: اخْتِلَاقُ الكَذِبِ وَنِسْبَتُهُ لِلْغَيْرِ عَمْداً.⁽٤⁾

٥- الحَقِّ: مِنَ (حَقَقَ)، وَحَدُّهُ: الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَسُوغُ إِنْكَارُهُ، وَالمَّقْصُودُ بِهِ هُنَا الوَحْيُ وَالنُّبُوَّةُ.⁽٥⁾

٦- جَهَنَّمَ: قِيلَ مِنَ (الجُهُومَةِ) وَهِيَ غِلَظُ الوَجْهِ، وَحَدُّهَا: دَارُ العِقَابِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ.⁽٦⁾

٧- مَثْوَى: مِنَ (ثَوَى) أَيْ أَقَامَ، وَحَدُّهَا: المَّقَرُّ وَالمَّكَانُ الَّذِي يُقَامُ فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ.⁽٧⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "كُلُّ تَكْذِيبٍ لِلْوَحْيِ كُفْرٌ، وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ تَكْذِيباً".

الضَّابِطُ: كُفْرُ الإِبَاءِ ضَابِطُهُ أَنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ صِدْقَ الرَّسُولِ بِيَقِينٍ، لَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ الِانْقِيَادِ وَالخُضُوعِ كِبْراً وَأَنَفَةً، وَهَذَا هُوَ حَالُ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ تَنْوِيعَ الكُفْرِ المُّخْرِجِ مِنَ المِّلَّةِ إِلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى يُبْطِلُ مَذْهَبَ المُّرْجِئَةِ الَّذِينَ حَصَرُوا الكُفْرَ فِي التَّكْذِيبِ القَلْبِيِّ فَقَطْ. فَالمُّؤَلِّفُ صَدَّرَ بِـ "كُفْرِ التَّكْذِيبِ" لِكَوْنِهِ الأَظْهَرَ، ثُمَّ ثَنَّى بِـ "كُفْرِ الإِبَاءِ" لِيُبَيِّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ المَّعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ لَا يَنْفَعَانِ صَاحِبَهُمَا إِذَا فَقَدَ عَمَلَ القَلْبِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ. فَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّباً لِوُجُودِ اللَّهِ أَوْ أَمْرِهِ، بَلْ كَانَ مُسْتَكْبِراً مُمْتَنِعاً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ يَكُونُ بِالقَوْلِ، وَالفِعْلِ، وَالاعْتِقَادِ، وَالتَّرْكِ. وَالآيَاتُ المُّصَدَّرُ بِهَا فِي المَّتْنِ تَرْسُمُ مِيزَاناً دَقِيقاً؛ فَآيَةُ العَنْكَبُوتِ تَذُمُّ الِافْتِرَاءَ وَرَدَّ الحَقِّ، وَآيَةُ البَقَرَةِ تَقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ تَرَكَ السُّجُودَ (الأَمْرَ) اسْتِكْبَاراً. فَالكَافِرُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ جَحَدَ بِقَلْبِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ أَقَرَّ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ لَكِنَّهُ أَبَى الطَّاعَةَ وَالخُضُوعَ، وَكِلَاهُمَا فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى. وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُورِثُ العَبْدَ تَعْظِيماً لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَحَذَراً مِنْ غَوَائِلِ الكِبْرِ الَّتِي حَبِطَتْ بِهَا أَعْمَالُ المُّتَقَدِّمِينَ.⁽٨⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ كُفْرَ الإِبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ هُوَ الغَالِبُ عَلَى أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَ الإِيمَانَ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْلِيسُ مُؤْمِناً، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ.⁽٩⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ كُفْرَ التَّكْذِيبِ يَتَعَلَّقُ بِالخَبَرِ، بَيْنَمَا كُفْرُ الإِبَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالأَمْرِ، وَأَنَّ جَهَنَّمَ مَثْوًى لِكُلِّ مَنْ رَدَّ الحَقَّ سَوَاءً كَذَّبَ بِهِ أَوْ تَرَكَهُ مُسْتَكْبِراً.⁽١٠⁾


[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٧١٤، و "لسان العرب" (٥/ ١٤٤).

⁽٢⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني صـ ٢١٤.

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير"، دار طيبة (٦/ ٢٩٨) عند آية العنكبوت.

⁽٤⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٤/ ٤٩٠).

⁽٥⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٢/ ٤٩٠).

⁽٦⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٦/ ١٩٦).

⁽٧⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ٨٤.

⁽٨⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٣٥) في أنواع الكفر الأكبر.

⁽٩⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ٨٨.

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه المتعلق بمسائل الكفر.

:::::::::::::::::::::::::::(٦٧):::::::::::::::::::::::::::&

الوَجْهُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ (٦٨)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: الكُفْرُ كُفْرَانِ؛ النَّوْعُ الأَوَّلُ: كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ، وَهُوَ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: النَّوْعُ الأَوَّلُ: كُفْرُ التَّكْذِيبِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ۚ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٨].

 النَّوْعُ الثَّانِي: كُفْرُ الإِبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ مَعَ التَّصْدِيقِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا تَقْسِيمُ الكُفْرِ ابْتِدَاءً إِلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الأَنْوَاعِ الخَمْسَةِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِإِضَافَةِ قَيْدِ "مَعَ التَّصْدِيقِ" فِي كُفْرِ الإِبَاءِ، لِتَمْيِيزِهِ عَنْ كُفْرِ التَّكْذِيبِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الكُفْرُ: مِنَ (كَفَرَ) أَيْ سَتَرَ، وَحَدُّهُ: ضِدُّ الإِيمَانِ، وَهُوَ عَدَمُ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ تَكْذِيبٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ.⁽١⁾

٢- المِّلَّةُ: مِنَ (مَلَلَ) أَيْ أَمْلَى، وَحَدُّهَا: مَا شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ عَلَى لِسَانِ الرُّسُلِ لِيَعْتَقِدُوهُ وَيَعْمَلُوا بِهِ.⁽٢⁾

٣- أَظْلَمُ: مِنَ (ظَلَمَ) وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَحَدُّهَا: أَيْ لَا أَحَدَ أَشَدُّ جَوْراً وَتَعَدِّياً مِمَّنْ نَسَبَ لِلَّهِ مَا لَا يَلِيقُ.⁽٣⁾

٤- افْتَرَى: مِنَ (فَرَى) أَيْ قَطَعَ وَخَلَقَ، وَحَدُّهَا: اخْتِلَاقُ الكَذِبِ وَنِسْبَتُهُ لِلْغَيْرِ عَمْداً.⁽٤⁾

٥- الحَقِّ: مِنَ (حَقَقَ)، وَحَدُّهُ: الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا يَسُوغُ إِنْكَارُهُ، وَالمَّقْصُودُ بِهِ هُنَا الوَحْيُ وَالنُّبُوَّةُ.⁽٥⁾

٦- جَهَنَّمَ: قِيلَ مِنَ (الجُهُومَةِ) وَهِيَ غِلَظُ الوَجْهِ، وَحَدُّهَا: دَارُ العِقَابِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ.⁽٦⁾

٧- مَثْوَى: مِنَ (ثَوَى) أَيْ أَقَامَ، وَحَدُّهَا: المَّقَرُّ وَالمَّكَانُ الَّذِي يُقَامُ فِيهِ عَلَى الدَّوَامِ.⁽٧⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "كُلُّ تَكْذِيبٍ لِلْوَحْيِ كُفْرٌ، وَلَيْسَ كُلُّ كُفْرٍ تَكْذِيباً".

الضَّابِطُ: كُفْرُ الإِبَاءِ ضَابِطُهُ أَنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ صِدْقَ الرَّسُولِ بِيَقِينٍ، لَكِنَّهُ يَمْتَنِعُ عَنْ الِانْقِيَادِ وَالخُضُوعِ كِبْراً وَأَنَفَةً، وَهَذَا هُوَ حَالُ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ تَنْوِيعَ الكُفْرِ المُّخْرِجِ مِنَ المِّلَّةِ إِلَى أَنْوَاعٍ شَتَّى يُبْطِلُ مَذْهَبَ المُّرْجِئَةِ الَّذِينَ حَصَرُوا الكُفْرَ فِي التَّكْذِيبِ القَلْبِيِّ فَقَطْ. فَالمُّؤَلِّفُ صَدَّرَ بِـ "كُفْرِ التَّكْذِيبِ" لِكَوْنِهِ الأَظْهَرَ، ثُمَّ ثَنَّى بِـ "كُفْرِ الإِبَاءِ" لِيُبَيِّنَ أَنَّ مُجَرَّدَ المَّعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ لَا يَنْفَعَانِ صَاحِبَهُمَا إِذَا فَقَدَ عَمَلَ القَلْبِ وَهُوَ الِانْقِيَادُ. فَإِبْلِيسُ لَمْ يَكُنْ مُكَذِّباً لِوُجُودِ اللَّهِ أَوْ أَمْرِهِ، بَلْ كَانَ مُسْتَكْبِراً مُمْتَنِعاً، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الكُفْرَ يَكُونُ بِالقَوْلِ، وَالفِعْلِ، وَالاعْتِقَادِ، وَالتَّرْكِ. وَالآيَاتُ المُّصَدَّرُ بِهَا فِي المَّتْنِ تَرْسُمُ مِيزَاناً دَقِيقاً؛ فَآيَةُ العَنْكَبُوتِ تَذُمُّ الِافْتِرَاءَ وَرَدَّ الحَقِّ، وَآيَةُ البَقَرَةِ تَقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ تَرَكَ السُّجُودَ (الأَمْرَ) اسْتِكْبَاراً. فَالكَافِرُ قَدْ يَكُونُ مِمَّنْ جَحَدَ بِقَلْبِهِ، وَقَدْ يَكُونُ مِمَّنْ أَقَرَّ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ لَكِنَّهُ أَبَى الطَّاعَةَ وَالخُضُوعَ، وَكِلَاهُمَا فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى. وَهَذَا التَّفْصِيلُ يُورِثُ العَبْدَ تَعْظِيماً لِلْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ وَحَذَراً مِنْ غَوَائِلِ الكِبْرِ الَّتِي حَبِطَتْ بِهَا أَعْمَالُ المُّتَقَدِّمِينَ.⁽٨⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ كُفْرَ الإِبَاءِ وَالاسْتِكْبَارِ هُوَ الغَالِبُ عَلَى أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَ الإِيمَانَ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْلِيسُ مُؤْمِناً، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ.⁽٩⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ كُفْرَ التَّكْذِيبِ يَتَعَلَّقُ بِالخَبَرِ، بَيْنَمَا كُفْرُ الإِبَاءِ يَتَعَلَّقُ بِالأَمْرِ، وَأَنَّ جَهَنَّمَ مَثْوًى لِكُلِّ مَنْ رَدَّ الحَقَّ سَوَاءً كَذَّبَ بِهِ أَوْ تَرَكَهُ مُسْتَكْبِراً.⁽١٠⁾

[الحَاشِيَةُ العَمُودِيَّةُ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٧١٤، و "لسان العرب" (٥/ ١٤٤).

⁽٢⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني صـ ٢١٤.

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير"، دار طيبة (٦/ ٢٩٨) عند آية العنكبوت.

⁽٤⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٤/ ٤٩٠).

⁽٥⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٢/ ٤٩٠).

⁽٦⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٦/ ١٩٦).

⁽٧⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ٨٤.

⁽٨⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٣٥) في أنواع الكفر الأكبر.

⁽٩⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ٨٨.

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه المتعلق بمسائل الكفر.

:::::::::::::::::::::::::::::(٦٨):::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ (٦٩)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«النَّوْعُ الثَّالِثُ: كُفْرُ الشَّكِّ، وَهُوَ كُفْرُ الظَّنِّ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا ۞ وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ۞ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا ۞ لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف: ٣٥-٣٨]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): سَمَّتْ هَذَا النَّوْعَ "كُفْرَ الِارْتِيَابِ"، وَهُوَ بِمَعْنَى الشَّكِّ المُّتَرَدِّدِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ مَعَهُ إِيمَانٌ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِالرَّبْطِ بَيْنَ "الشَّكِّ" وَ "الظَّنِّ"، لِتُبَيِّنَ أَنَّ عَدَمَ الجَزْمِ بِيَقِينِيَّاتِ الدِّينِ (كَالبَعْثِ) كُفْرٌ نَاقِلٌ عَنِ المِّلَّةِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الشَّكُّ: مِنَ (شَكَّ) أَيْ ضَمَّ وَجَمَعَ، وَحَدُّهُ: تَرَدُّدُ الذِّهْنِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مَعَ تَسَاوِيهِمَا، وَهُوَ ضِدُّ اليَقِينِ.⁽١⁾

٢- الظَّنُّ: مِنَ (ظَنَّ)، وَحَدُّهُ هُنَا: الِاعْتِقَادُ الرَّاجِحُ أَوْ التَّرَدُّدُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الجَزْمِ بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ.⁽٢⁾

٣- تَبِيدَ: مِنَ (بَادَ) أَيْ هَلَكَ وَانْقَطَعَ، وَحَدُّهَا: الِانْعِدَامُ وَالزَّوَالُ لِلأَعْيَانِ.⁽٣⁾

٤- السَّاعَةُ: مِنَ (سَوَعَ)، وَحَدُّهَا: يَوْمُ القِيَامَةِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُفَاجَأَتِهَا لِلْخَلْقِ أَوْ لِسُرْعَةِ الحِسَابِ فِيهَا.⁽٤⁾

٥- مُنقَلَبًا: مِنَ (قَلَبَ)، وَحَدُّهَا: المَّرْجِعُ وَالمَّصِيرُ الَّذِي يَنْقَلِبُ إِلَيْهِ المَّرْءُ فِي الآخِرَةِ.⁽٥⁾

٦- يُحَاوِرُهُ: مِنَ (حَوَرَ) أَيْ رَجَعَ، وَحَدُّهَا: المُّجَادَلَةُ وَمُرَاجَعَةُ الكَلَامِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ.⁽٦⁾

٧- سَوَّاكَ: مِنَ (سَوِيَ)، وَحَدُّهَا: تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وَتَكْمِيلُ الأَعْضَاءِ وَجَعْلُهَا مُسْتَوِيَةً.⁽٧⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "الإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَأَصْلُهُ اليَقِينُ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ شَكٌّ".

الضَّابِطُ: كُفْرُ الشَّكِّ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْذِيبُ الصَّرِيحُ، بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِصِدْقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَالشَّاكُّ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَإِنْ لَمْ يُكَذِّبْ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ تَنْصِيصَ المُّؤَلِّفِ عَلَى "كُفْرِ الشَّكِّ" يُبَيِّنُ أَنَّ الإِيمَانَ المُّعْتَبَرَ شَرْعاً هُوَ اليَقِينُ الجَازِمُ الَّذِي لَا يَعْتَرِيهِ ارْتِيَابٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾. فَصَاحِبُ الجَنَّتَيْنِ فِي سُورَةِ الكَهْفِ لَمْ يَقْطَعْ بِتَكْذِيبِ السَّاعَةِ، بَلْ قَالَ: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾، وَهَذَا "الظَّنُّ" المُّتَرَدِّدُ كَانَ كَافِياً فِي الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لِقَوْلِ صَاحِبِهِ لَهُ: ﴿أَكَفَرْتَ﴾. فَالشَّكُّ فِي ثَوَابِ اللَّهِ أَوْ عِقَابِهِ أَوْ فِي صِدْقِ رُسُلِهِ نَاقِضٌ لِأَصْلِ الإِيمَانِ، لِأَنَّ التَّصْدِيقَ اليَقِينِيَّ شَرْطٌ لِصِحَّةِ العَقِيدَةِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الكُفْرِ يَكْثُرُ عِنْدَ المُّتْرَفِينَ وَأَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا، فَظَنُّوا أَنَّ مَا أُعْطُوا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى كَرَامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ إِنْ كَانَ هُنَاكَ بَعْثٌ. وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ مَقَامَ اليَقِينِ هُوَ عِمَادُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ أَيَّ خَلَلٍ فِي هَذَا اليَقِينِ يَعْنِي هَدْمَ البِنَاءِ الإِيمَانِيِّ مِن قَوَاعِدِهِ. فَالكَافِرُ هُنَا لَمْ يَجْحَدْ رَبَّهُ صَرَاحَةً، بَلْ أَشْرَكَ مَعَهُ ظَنَّهُ الفَاسِدَ وَتَرَدُّدَهُ فِي الغَيْبِيَّاتِ، مِمَّا أَخْرَجَهُ مِنَ المِّلَّةِ حَسَبَ نَصِّ التَّنْزِيلِ.⁽٨⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُوَضِّحُ أَنَّ الشَّكَّ المُّوجِبَ لِلْكُفْرِ هُوَ الَّذِي يَسْتَوِي فِيهِ الطَّرَفَانِ عِنْدَ العَبْدِ فَلَا يَرْجَحُ عِنْدَهُ صِدْقُ الخَبَرِ، وَهَذَا يُنَافِي الِانْقِيَادَ المَّطْلُوبَ.⁽٩⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ قِصَّةَ صَاحِبِ الجَنَّتَيْنِ عُمْدَةٌ فِي بَابِ كُفْرِ الشَّكِّ، وَأَنَّ سُؤَالَ صَاحِبِهِ (أَكَفَرْتَ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الظَّنَّ فِي قِيَامِ السَّاعَةِ يُعَدُّ كُفْراً بِالخَالِقِ الَّذِي أَنْشَأَ الخَلْقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ.⁽١٠⁾


[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٤٦٠، و "مقاييس اللغة" (٣/ ٢٠٣).

⁽٢⁾ يُنظر: "التعريفات"، الجرجاني صـ ١٤١، و "تفسير ابن كثير" (٥/ ١٥٤).

⁽٣⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٢/ ٢٨٧).

⁽٤⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٢/ ١٦٥).

⁽٥⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (٥/ ١٥٦) عند آية الكهف.

⁽٦⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (٤/ ٢١٧).

⁽٧⁾ يُنظر: "تفسير البغوي"، طبعة دار طيبة (٥/ ١٧٤).

⁽٨⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٣٧) في أنواع الكفر.

⁽٩⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ٩٥.

⁽١٠⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، د. صالح السندي، الوجه الثامن المتعلق بكفر الشك.

::::::::::::::::::::::::::::(٦٩)::::::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ (٧٠)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«النَّوْعُ الرَّابِعُ: كُفْرُ الإِعْرَاضِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا بَيَانُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ يَتَعَلَّقُ بِتَرْكِ التَّعَلُّمِ وَالعَمَلِ كُلِّيَّةً.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَقْيِيدِ الإِعْرَاضِ بِأَنَّهُ الإِعْرَاضُ عَنِ "الأَصْلِ" الَّذِي لَا يَصِحُّ الإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ، وَهُوَ تَدْقِيقٌ لِمَنْعِ الخَلْطِ بَيْنَ كُفْرِ الإِعْرَاضِ وَبَيْنَ المَّعَاصِي الَّتِي فِيهَا إِعْرَاضٌ جُزْئِيٌّ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الإِعْرَاضُ: مِنَ (عَرَضَ)، وَعَرَضُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ، وَحَدُّهُ: أَنْ يُوَلِّيَ المَّرْءُ بِجَانِبِهِ عَنِ الشَّيْءِ تَرْكاً لَهُ وَزُهْداً فِيهِ.⁽١⁾

٢- أُنذِرُوا: مِنَ (نَذَرَ)، وَالإنْذَارُ هُوَ الإِبْلَاغُ المَّقْرُونُ بِالتَّخْوِيفِ، وَحَدُّهُ هُنَا: مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ وَعِيدٍ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ.⁽٢⁾

٣- مُعْرِضُونَ: اسمُ فَاعِلٍ مِنَ الإِعْرَاضِ، وَحَدُّهُمْ: الَّذِينَ لَا يَسْمَعُونَ الوَحْيَ بِقُلُوبِهِمْ، وَلَا يَنْقَادُونَ لَهُ بِجَوَارِحِهِمْ.⁽٣⁾

رَابِعاً: تَفْسِيرُ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ

يُقَرِّرُ ابْنُ كَثِيرٍ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ، وَأَنَّ الكُفَّارَ فِي غَفْلَةٍ عَمَّا يُرَادُ بِهِمْ، وَعَمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ فِي الكِتَابِ مِنَ الزَّوَاجِرِ وَالقَوَارِعِ، فَهُمْ لَا يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَتَدَبَّرُونَهُ، بَلْ هُمْ لَاهُونَ عَنْهُ بِالْمُحَادَّةِ وَالعِنَادِ.⁽٤⁾

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ كُفْرَ الإِعْرَاضِ يُمَثِّلُ حَالَةً مِنَ التَّوَلِّي الكُلِّيِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، بِحَيْثُ لَا يَتَعَلَّمُهُ العَبْدُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَلَا يَصِيخُ لَهُ سَمْعاً. وَهُوَ نَوْعٌ خَطِيرٌ لِأَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ لَا يَكُونُ مُكَذِّباً بِاللِّسَانِ، وَلَكِنَّ فِعْلَهُ وَتَرْكَهُ لِطَلَبِ الحَقِّ يَقُومُ مَقَامَ التَّكْذِيبِ. فَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الأَصْلِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ جَهْلاً أَوْ تَعَمُّداً فَقَدْ وَقَعَ فِي هَذَا النَّاقِضِ. وَالآيَةُ فِي سُورَةِ الأَحْقَافِ صَرِيحَةٌ فِي وَصْفِ هَؤُلَاءِ بِالكُفْرِ لِإِعْرَاضِهِمْ عَمَّا أُنْذِرُوا بِهِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِإِقْبَالِ القَلْبِ عَلَى الوَحْيِ تَعَلُّماً وَانْقِيَاداً. وَهَذَا الإِعْرَاضُ يَقْطَعُ الصِّلَةَ بَيْنَ العَبْدِ وَخَالِقِهِ، فَيَصِيرُ العَبْدُ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُوَ أَضَلُّ، لِأَنَّهُ تَرَكَ الغَايَةَ الَّتِي خُلِقَ مِنْ أَجْلِهَا. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّوْحِيدَ يَقْتَضِي الإِقْبَالَ الكُلِّيَّ عَلَى اللَّهِ، وَأَنَّ الإِعْرَاضَ عَنْ هُدَاهُ هُوَ مَحْضُ الجَحْدِ وَالخُسْرَانِ. فَالإِعْرَاضُ المُّكَفِّرُ هُوَ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الِاتِّبَاعِ لِلرَّسُولِ، وَهُوَ مَزْلَقٌ يَقَعُ فِيهِ المَّفْتُونُونَ بِالدُّنْيَا المُّسْتَكْبِرُونَ عَنِ الحَقِّ.⁽٥⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ كُفْرَ الإِعْرَاضِ هُوَ أَنْ يُعْرِضَ بِقَلْبِهِ وَسَمْعِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، بَلْ يَكُونُ كَالَّذِي لَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِ رَسُولٌ أَصْلاً، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ أَنْوَاعِ الكُفْرِ.⁽٦⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ حَقِيقَةَ الإِعْرَاضِ المُّكَفِّرِ هِيَ الإِعْرَاضُ عَنِ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الإِسْلَامُ بِدُونِهِ، بِأَنْ يَتْرُكَ تَعَلُّمَهُ وَالعَمَلَ بِهِ بَتَاتاً، وَلَيْسَ المَّقْصُودُ الإِعْرَاضُ عَنْ بَعْضِ فُرُوعِهِ أَوْ وَاجِبَاتِهِ الَّتِي لَا يَنْتَقِضُ الإِسْلَامُ بِتَرْكِهَا.⁽٧⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٥٥٨، و "مقاييس اللغة" (٤/ ٢٧٣).

⁽٢⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (٥/ ٢١٨).

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير البغوي"، دار طيبة (٧/ ٢٤٥).

⁽٤⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير، دار طيبة، مجلد (٧)، صـ ٢٧٥.

⁽٥⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٣٧) في بيان كفر الإعراض.

⁽٦⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ١٠٢.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه المتعلق بكفر الإعراض.

⁽٨⁾ يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، الشيخ سليمان بن عبد الله، صـ ٦٠٠.

⁽٩⁾ تقرير: الإعراض الكلي عن الوحي مخرج من الملة بإجماع المحققين.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة الأحقاف، الآية رقم (٣).

::::::::::::::::::::::::::::::::::::(٧٠):::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ السَّبْعُونَ (٧١)

أَوَّلاً: المَّتْنُ المُّقَرَّرُ (مُشَكَّلاً)

«النَّوْعُ الخَامِسُ: كُفْرُ النِّفَاقِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٣]. النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ: كُفْرٌ أَصْغَرُ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ، وَهُوَ كُفْرُ النِّعْمَةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): صَدَّرَتِ النوع الخامس بوصفه "النفاق الاعتقادي" تمييزاً له عن العملي.

٢- النُّسْخَةُ (ج): ركزت في كفر النعمة على أنه "كفر دون كفر" كما هو منقول عن ابن عباس رضي الله عنهما.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- النِّفَاقُ: مِنَ (نَفَقَ)، كَالنَّفَقِ فِي الأَرْضِ، وَحَدُّهُ: إِظْهَارُ الخَيْرِ (الإِيمَانِ) وَإِبْطَانُ الشَّرِّ (الكُفْرِ).⁽١⁾

٢- فَطُبِعَ: مِنَ (طَبَعَ)، وَحَدُّهُ: الخَتْمُ عَلَى القَلْبِ بِحَيْثُ لَا يَدْخُلُهُ حَقٌّ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ بَاطِلٌ.⁽٢⁾

٣- لَا يَفْقَهُونَ: مِنَ (فَقَهَ)، وَحَدُّهُ: عَدَمُ الفَهْمِ الدَّقِيقِ لِحَقَائِقِ الإِيمَانِ وَمَقَاصِدِ الشَّرْعِ.⁽٣⁾

٤- رَغَدًا: مِنَ (رَغَدَ)، وَحَدُّهُ: الرِّزْقُ الوَاسِعُ الطَّيِّبُ الَّذِي لَا عَنَاءَ فِيهِ.⁽٤⁾

٥- بِأَنْعُمِ اللَّهِ: جَمْعُ (نِعْمَةٍ) مِنَ (نَعِمَ)، وَحَدُّهَا: مَا يُنْعِمُ بِهِ الخَالِقُ عَلَى العَبْدِ مِن مَنَافِعَ دِينِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ.⁽٥⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "كُلُّ نِفَاقٍ اعْتِقَادِيٍّ كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَكُلُّ جُحُودٍ لِلنِّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الإِيمَانِ كُفْرٌ أَصْغَرُ".

الضَّابِطُ: كُفْرُ النِّفَاقِ يُنَاقِضُ "الصِّدْقَ" مَعَ اللَّهِ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ يُنَاقِضُ "الشُّكْرَ" لِلَّهِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ

يُشَكِّلُ كُفْرُ النِّفَاقِ أَشَدَّ أَنْوَاعِ الكُفْرِ خَفَاءً وَخُطُورَةً؛ لِأَنَّ صَاحِبَهُ يَتَسَتَّرُ بِشَعَائِرِ الإِسْلَامِ بَيْنَمَا قَلْبُهُ يَنْطَوِي عَلَى الجُحُودِ، وَآيَةُ المُّنَافِقِينَ تُبَيِّنُ أَنَّ الِانْتِكَاسَ بَعْدَ المَّعْرِفَةِ (آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) يُوجِبُ الطَّبْعَ عَلَى القَلْبِ، فَيُحْرَمُ العَبْدُ نُورَ الفَهْمِ. أَمَّا الكُفْرُ الأَصْغَرُ، كَكُفْرِ النِّعْمَةِ المَّذْكُورِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ، فَهُوَ لا يَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ وَلَكِنَّهُ يُنْقِصُ كَمَالَهُ، وَهُوَ صَرْفُ النِّعَمِ فِي غَيْرِ مَرْضَاةِ مُولِيهَا، أَوْ نِسْبَتُهَا لِغَيْرِهِ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً. وَالرَّبْطُ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا المَّقَامِ يُفِيدُ طَالِبَ العِلْمِ فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا هُوَ نَاقِضٌ لِلْمِلَّةِ وَبَيْنَ مَا هُوَ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ سُمِّيَتْ كُفْراً لِعِظَمِهَا. فَالنِّفَاقُ خِيَانَةٌ لِلْمِيثَاقِ، وَكُفْرُ النِّعْمَةِ خِيَانَةٌ لِلْمَعْرُوفِ، وَكِلَاهُمَا يَتَطَلَّبُ مَقَامَ المُّحَاسَبَةِ الدَّائِمَةِ لِلْقَلْبِ. إِنَّ القَرْيَةَ الَّتِي ذَاقَتْ لِبَاسَ الجُوعِ كَانَتْ عِبْرَةً لِكُلِّ مَنْ بَدَّلَ نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْراً، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ النِّعَمِ وَالكُفْرَ سَبَبُ النِّقَمِ، سَوَاءً كَانَ خُرُوجاً مِنَ الدِّينِ أَوْ فِسْقاً عَنِ الشُّكْرِ الوَاجِبِ.⁽٦⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ النِّفَاقَ يَقُومُ عَلَى "التَّكْذِيبِ الخَفِيِّ"، وَأَنَّ صَاحِبَهُ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الكُفْرِ وَالخِدَاعِ.⁽٧⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ السِّندِيِّ: يُبَيِّنُ أَنَّ كُفْرَ النِّعْمَةِ مِثَالٌ لِلْكُفْرِ العَمَلِيِّ الَّذِي لَا يُبْطِلُ الإِيمَانَ بِالكُلِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ طَرِيقٌ لِلْكُفْرِ الأَكْبَرِ إِنْ تَهَاوَنَ العَبْدُ بِهِ.⁽٨⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٨١٥، و "مقاييس اللغة" (٥/ ٤٥٤).

⁽٢⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير"، دار طيبة (٨/ ١٢٥) عند سورة المنافقون.

⁽٣⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٤/ ٢٠٨).

⁽٤⁾ يُنظر: "تفسير البغوي"، دار طيبة (٥/ ٤٩).

⁽٥⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (١٢/ ٥٨٢).

⁽٦⁾ يُنظر: "مدارج السالكين"، ابن القيم (١/ ٣٤٠) في أنواع الكفر.

⁽٧⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ١١٠.

⁽٨⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع"، د. صالح السندي، الوجه السبعون (الكفر الأصغر).

⁽٩⁾ يُنظر: "القول المفيد"، ابن عثيمين (٢/ ٢٤٠) في كفر النعمة.

⁽١٠⁾ عزو الآيات: المنافقون آية ٣، النحل آية :::::::::::::::::::::::::::::(٧١):::::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ (٧٢)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنِّفَاقُ نَوْعَانِ: اعْتِقَادِيٌّ وَعَمَلِيٌّ. فَالنِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ، صَاحِبُهَا مِنْ أَهْلِ الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ:

١- تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ.

٢- تَكْذِيبُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.

٣- بُغْضُ الرَّسُولِ ﷺ.

٤- بُغْضُ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ.

٥- المَّسَرَّةُ بِانْخِفَاضِ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ.

٦- الكَرَاهِيَةُ بِانْتِصَارِ دِينِ الإِسْلَامِ».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): سَمَّتْ هَذِهِ الأَنْوَاعَ "أُصُولَ النِّفَاقِ المُّخْرِجِ مِنَ الدِّينِ" وَرَبَطَتْهَا بِأَعْمَالِ القُلُوبِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَوْضِيحِ أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنْ هَذِهِ السِّتَّةِ بِمُفْرَدِهِ كَافٍ فِي إِيجَابِ الخُلُودِ فِي النَّارِ، وَأَنَّهَا قَدْ تَجْتَمِعُ كُلُّهَا فِي المُّنَافِقِ الوَاحِدِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- بُغْضُ: مِنَ (بَغَضَ)، وَحَدُّهُ: نُفُورُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ وَكَرَاهِيَتُهُ، وَهُوَ ضِدُّ الحُبِّ.⁽١⁾

٢- المَّسَرَّةُ: مِنَ (سَرَرَ)، وَحَدُّهَا: لَذَّةٌ فِي القَلْبِ عِنْدَ نَيْلِ المَّطْلُوبِ أَوْ وُقُوعِ مَا يُحِبُّهُ المَّرْءُ.⁽٢⁾

٣- انْخِفَاضِ: مِنَ (خَفَضَ) ضِدَّ الرَّفْعِ، وَحَدُّهُ هُنَا: ضَعْفُ دِينِ الإِسْلَامِ وَقِلَّةُ أَهْلِهِ وَظُهُورُ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ.⁽٣⁾

٤- انْتِصَارِ: مِنَ (نَصَرَ)، وَحَدُّهُ: الإِعَانَةُ عَلَى العَدُوِّ وَظُهُورُ الحَقِّ وَعُلُوُّ كَلِمَةِ اللَّهِ.⁽٤⁾

٥- الدَّرْكِ: مِنَ (دَرَكَ)، وَحَدُّهُ: المَّقَرُّ الَّذِي يَنْزِلُ إِلَيْهِ، وَالنَّارُ دَرَكَاتٌ كَمَا أَنَّ الجَنَّةَ دَرَجَاتٌ.⁽٥⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "مَحَبَّةُ الرَّسُولِ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ، وَبُغْضُهُ أَوْ بُغْضُ شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ نَاقِضٌ لَهُ".

الضَّابِطُ: النِّفَاقُ الاعْتِقَادِيُّ ضَابِطُهُ أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى "بُغْضٍ القَلْبِ" أَوْ "تَكْذِيبِهِ"، فَهِيَ أَنْوَاعٌ بَاطِنَةٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ، لَكِنَّهَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ المِّلَّةِ بِيَقِينٍ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ حَصْرَ المُّؤَلِّفِ لِأَنْوَاعِ النِّفَاقِ الاعْتِقَادِيِّ فِي هَذِهِ السِّتَّةِ يُجَلِّي مَعَالِمَ التَّقْصِيدِ القَلْبِيِّ لِلْمُنَافِقِ؛ فَالنِّفَاقُ لَيْسَ جُحُوداً لِسَانِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ خَلَلٌ جِذْرِيٌّ فِي عَمَلِ القَلْبِ. فَتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ بَعْضِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ يَهْدِمُ رُكْنَ التَّصْدِيقِ، وَبُغْضُهُ ﷺ أَوْ بُغْضُ شَيْءٍ مِنْ سُنَّتِهِ يَهْدِمُ رُكْنَ المَّحَبَّةِ وَالِاتِّبَاعِ. وَأَخْطَرُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ هِيَ المَّشَاعِرُ تِجَاهَ حَالِ الدِّينِ؛ فَمَنْ سَرَّهُ ضَعْفُ الإِسْلَامِ أَوْ سَاءَهُ ظُهُورُهُ، فَقَدْ وَالَى أَعْدَاءَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ النِّفَاقِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأَضْرَابُهُ. وَتَوْصِيفُ صَاحِبِهَا بِأَنَّهُ فِي "الدَّرْكِ الأَسْفَلِ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُفْرَ المُّنَافِقِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ المُّصَارِحِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَكْرٍ وَخَدِيعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. فَالإِيمَانُ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِالفَرَحِ بِنَصْرِ اللَّهِ وَالمَّحَبَّةِ التَّامَّةِ لِشَرْعِهِ، وَأَيُّ مَيْلٍ لِضِدِّ ذَلِكَ هُوَ نَزْعَةٌ نِفَاقِيَّةٌ يَجِبُ الحَذَرُ مِنْهَا. فَهَذِهِ السِّتَّةُ مَوَازِينُ لِتَطْهِيرِ البَاطِنِ، وَمَنْ عَرَفَهَا أَدْرَكَ أَنَّ مَدَارَ النَّجَاةِ عَلَى سَلَامَةِ القَصْدِ وَكَمَالِ المَّحَبَّةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ.⁽٦⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الأَنْوَاعَ تَرْجِعُ إِلَى "نَوَاقِضِ المَّحَبَّةِ" وَ "نَوَاقِضِ التَّصْدِيقِ"، وَأَنَّ بُغْضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ نَاقِضٌ مُسْتَقِلٌّ وَلَوْ عَمِلَ الإِنْسَانُ بِهِ.⁽٧⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُبَيِّنُ أَنَّ المَّسَرَّةَ بِنَقْصِ الدِّينِ وَالكَرَاهِيَةَ لِظُهُورِهِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ المُّخْرِجِ مِنَ المِّلَّةِ، لِأَنَّهَا تُصَادِمُ حَقِيقَةَ الوَلَاءِ لِلَّهِ وَلِدِينِهِ.⁽٨⁾


[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ١٤٢، و "لسان العرب" (٧/ ١٢٢).

⁽٢⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٣/ ٢٠٥).

⁽٣⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٧/ ٤٥).

⁽٤⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٥/ ٤٣٥).

⁽٥⁾ يُنظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ١٦٠) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ﴾.

⁽٦⁾ يُنظر: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية (٢٨/ ٤٣٤) فِي حَقِيقَةِ النِّفَاقِ الاعْتِقَادِيِّ.

⁽٧⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ١٤٥.

⁽٨⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه المتعلق بأصول النفاق.

⁽٩⁾ يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، الشيخ سليمان بن عبد الله، صـ ٦٢٠.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة النساء، الآية رقم (١٤٥).

::::::::::::::::::::::::::::(٧٣)::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ (٧٣)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالنِّفَاقُ العَمَلِيُّ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ ﷺ: «آيَةُ المُّنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ». وَفِي رِوَايَةٍ: «وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ»».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): جَاءَ فِيهَا حَصْرُ النفاقِ العمليِّ فِي الأَوْصَافِ الخَمْسَةِ المَّذْكُورَةِ فِي الحَدِيثَيْنِ لِبَيَانِ أَنَّهَا خِصَالٌ مَنْ كَانَتْ فِيهِ فَقَدْ شَابَهَ المُّنَافِقِينَ فِي ظَاهِرِ عَمَلِهِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِوَصْفِ هَذَا النَّوْعِ بِأَنَّهُ "النِّفَاقُ الأَصْغَرُ"، وَهُوَ تَقْسِيمٌ اصْطِلَاحِيٌّ يُقَابِلُ النِّفَاقَ الاعْتِقَادِيَّ الأَكْبَرَ، لِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ بِمُجَرَّدِهِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- آيَةُ: مِنَ (أَيَيَ)، وَحَدُّهَا: العَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ المُّمَيِّزَةُ لِلشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ.⁽١⁾

٢- أَخْلَفَ: مِنَ (خَلَفَ)، وَحَدُّهُ: عَدَمُ الوَفَاءِ بِالقَوْلِ أَوْ الوَعْدِ فِي المُّسْتَقْبَلِ.⁽٢⁾

٣- خَانَ: مِنَ (خَوَنَ)، وَحَدُّهَا: نَقْضُ الأَمَانَةِ وَالتَّفْرِيطُ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ المَّرْءُ.⁽٣⁾

٤- خَاصَمَ: مِنَ (خَصَمَ)، وَحَدُّهَا: المُّنَازَعَةُ وَالمُّجَادَلَةُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ لِإِثْبَاتِ حَقٍّ أَوْ إِبْطَالِهِ.⁽٤⁾

٥- فَجَرَ: مِنَ (فَجَرَ) أَيْ انْبَعَثَ وَاتَّسَعَ، وَحَدُّهُ هُنَا: المَّيْلُ عَنِ الحَقِّ وَالكَذِبُ فِي الخُصُومَةِ لِإِسْقَاطِ الخَصْمِ.⁽٥⁾

٦- غَدَرَ: مِنَ (غَدَرَ) أَيْ تَرَكَ، وَحَدُّهَا: نَقْضُ العَهْدِ وَتَرْكُ الوَفَاءِ بِالِالْتِزَامِ المُّبْرَمِ.⁽٦⁾

رَابِعاً: تَخْرِيجُ الحَدِيثَيْنِ وَالحُكْمُ عَلَيْهِمَا

الحَدِيثُ الأَوَّلُ: «آيَةُ المُّنَافِقِ ثَلَاثٌ..»؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٣) وَمُسْلِمٌ (٥٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ.

الحَدِيثُ الثَّانِي: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ..»؛ وَفِيهِ خَصْلَتَا (الغَدْرِ وَالفُجُورِ)؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٣٤) وَمُسْلِمٌ (٥٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَهُوَ صَحِيحٌ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ تَنْصِيصَ المُّؤَلِّفِ عَلَى النِّفَاقِ العَمَلِيِّ بَعْدَ الاعْتِقَادِيِّ يُؤَسِّسُ لِقَاعِدَةٍ سَلَفِيَّةٍ مَتِينَةٍ هِيَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ "الأَصْلِ" وَ "الوَصْفِ"؛ فَهَذِهِ الخِصَالُ الخَمْسُ (الكَذِبُ، إِخْلَافُ الوَعْدِ، الخِيَانَةُ، الفُجُورُ، الغَدْرُ) هِيَ مِنْ أَخْلَاقِ المُّنَافِقِينَ الَّتِي لَا تَتَّفِقُ مَعَ كَمَالِ الإِيمَانِ الوَاجِبِ. وَالنِّفَاقُ العَمَلِيُّ وَإِنْ كَانَ لَا يُسْلِبُ أَصْلَ الإِيمَانِ وَلَا يُخَلِّدُ صَاحِبَهُ فِي النَّارِ، إِلَّا أَنَّهُ بَرِيدٌ إِلَى النِّفَاقِ الأَكْبَرِ وَمَدْخَلٌ لِقَسْوَةِ القَلْبِ. فَالإِيمَانُ يَقْتَضِي الصِّدْقَ وَالأَمَانَةَ وَالوَفَاءَ، وَوُجُودُ هَذِهِ النَّقَائِضِ فِي العَبْدِ يَعْنِي أَنَّ فِيهِ "شُعْبَةً" مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا. وَالخُطُورَةُ تَكْمُنُ فِي أَنَّ مَنِ اعْتَادَ هَذِهِ الخِصَالَ فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الخَلْقِ، يُخْشَى عَلَيْهِ أَنْ يَنْجَرَّ إِلَيْهَا فِي تَعَامُلِهِ مَعَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ. وَمِنْ هُنَا جَاءَ التَّحْذِيرُ النَّبَوِيُّ بِهَذِهِ الصَّرَاحَةِ لِيَكُونَ المُّؤْمِنُ بَصِيراً بِنَفْسِهِ، دَائِمَ التَّطْهِيرِ لِسُلُوكِهِ مِنْ شَوَائِبِ النِّفَاقِ، لِأَنَّ السَّلَافَ كَانُوا يَخَافُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفَاقِ الأَصْغَرِ خَوْفَهُمْ مِنَ الأَكْبَرِ، لِتَدَاخُلِ الطُّرُقِ وَتَشَابُهِ الآثَارِ عَلَى القَلْبِ.⁽٧⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُوَضِّحُ أَنَّ النِّفَاقَ العَمَلِيَّ هُوَ اخْتِلَافُ السِّرِّ وَالعَلَانِيَةِ فِي المَّأْمُورَاتِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّ تَسْمِيَتَهُ نِفَاقاً هِيَ مِنْ بَابِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ لِأَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ تُشْبِهُ أَفْعَالَ المُّنَافِقِينَ الخَالِصِينَ.⁽٨⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ هُوَ النِّفَاقُ الأَصْغَرُ، وَأَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَ أَصْلِ الإِيمَانِ، لَكِنَّهُ يُنَافِي صِدْقَ العُبُودِيَّةِ، مُؤَكِّداً عَلَى أَنَّ تَرْكَ هَذِهِ الخِصَالِ هُوَ مِن صَمِيمِ تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ العَمَلِيِّ.⁽٩⁾


[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٩٠، و "لسان العرب" (١٤/ ٦١).

⁽٢⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٢/ ٢١٠).

⁽٣⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٢/ ٥٨٣).

⁽٤⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٧/ ٢٣).

⁽٥⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ٤٦٤.

⁽٦⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (٥/ ٢٤).

⁽٧⁾ يُنظر: "جامع العلوم والحكم"، ابن رجب، شرح حديث: «أربع من كن فيه..».

⁽٨⁾ يُنظر: "نواقض الإيمان الاعتقادية"، د. محمد التميمي، صـ ١٢٠ (في الفرق بين النفاقين).

⁽٩⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه الثالث والسبعون.

⁽١٠⁾ تقرير: النفاق العملي معصية كبيرة ولا يخرج من الملة إلا إذا استحل صاحبه أصله أو أدى به إلى النفاق الاعتقادي.


::::::::::::::::::::::::::::(٧٣):::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ (٧٤)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَعْنَى الطَّاغُوتِ وَرُؤُوسُ أَنْوَاعِهِ؛ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَى بَنِي آدَمَ الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانُ بِاللَّهِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].

فَأَمَّا صِفَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ: فَأَنْ تَعْتَقِدَ بُطْلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، وَتَتْرُكَهَا وَتُبْغِضَهَا، وَتُكَفِّرَ أَهْلَهَا وَتُعَادِيَهُمْ.

وَأَمَّا مَعْنَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ: فَأَنْ تَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الإِلَهُ المَّعْبُودُ وَحْدَهُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ، وَتُخْلِصَ جَمِيعَ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ كُلَّهَا لِلَّهِ، وَتَنْفِيَهَا عَنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَتُحِبَّ أَهْلَ الإِخْلَاصِ وَتُوَالِيَهُمْ، وَتُبْغِضَ أَهْلَ الشِّرْكِ وَتُعَادِيَهُمْ».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): صَدَّرَتِ الكَلَامَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ "أَصْلُ الأُصُولِ"، وَأَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذِهِ الكَلِمَةِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَفْصِيلِ مَقَامَاتِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الخَمْسَةِ (الاعْتِقَادُ، التَّرْكُ، البُغْضُ، التَّكْفِيرُ، العَدَاوَةُ)، لِتَحْقِيقِ نَفْيِ الشِّرْكِ تَمَاماً.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الطَّاغُوتُ: مِنَ (طَغَى) أَيْ جَاوَزَ الحَدَّ، وَحَدُّهُ: كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ، أَوْ جَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ.⁽١⁾

٢- اجْتَنِبُوا: مِنَ (جَنَبَ) أَيْ كَانَ فِي جَانِبٍ آخَرَ، وَحَدُّهَا: البُعْدُ الشَّدِيدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الشَّيْءِ بِحَيْثُ تَكُونُ فِي جَانِبٍ وَهُوَ فِي جَانِبٍ.⁽٢⁾

٣- بُطْلَانَ: مِنَ (بَطَلَ) ضِدَّ حَقَّ، وَحَدُّهَا: اِضْمِحْلَالُ الشَّيْءِ وَعَدَمُ اعْتِبَارِهِ شَرْعاً وَلَا عَقْلاً.⁽٣⁾

٤- تُكَفِّرَ أَهْلَهَا: مِنَ الكُفْرِ (السَّتْرِ)، وَحَدُّهَا هُنَا: اعْتِقَادُ كُفْرِ مَنْ صَرَفَ العِبَادَةَ لِغَيْرِ اللَّهِ لِانْتِفَاءِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ عَنْهُمْ.⁽٤⁾

٥- تُوَالِيَهُمْ: مِنَ (وَلِيَ) أَيْ قَرُبَ، وَحَدُّهَا: المَّحَبَّةُ وَالنُّصْرَةُ وَالقُرْبُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لِأَجْلِ إِيمَانِهِمْ.⁽٥⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ بِاللَّهِ إِلَّا بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ"، وَهُمَا رُكْنَا كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (النَّفْيُ وَالإِثْبَاتُ).

الضَّابِطُ: الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ يَشْمَلُ القَلْبَ (بِالاعْتِقَادِ وَالبُغْضِ)، وَاللِّسَانَ (بِالتَّكْفِيرِ)، وَالجَوَارِحَ (بِالتَّرْكِ وَالعَدَاوَةِ)، فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهَا دُونَ الآخَرِ عِنْدَ القُدْرَةِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ 

إِنَّ تَقْدِيمَ المُّؤَلِّفِ لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ عَلَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ هُوَ اقْتِدَاءٌ بِتَرْتِيبِ الآيَاتِ الكَرِيمَةِ، لِأَنَّ التَّخْلِيَةَ سَابِقَةٌ عَلَى التَّحْلِيَةِ؛ فَلَا يَسْتَقِرُّ الإِيمَانُ فِي قَلْبٍ فِيهِ شَائِبَةٌ مِنْ تَعْظِيمِ الأَنْدَادِ. وَصِفَةُ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ الَّتِي ذَكَرَهَا المُّؤَلِّفُ تُعَدُّ مِنْ أَدَقِّ التَّعَارِيفِ الجَامِعَةِ؛ إِذْ لَمْ يَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ الظَّاهِرِ، بَلْ أَوْجَبَ اعْتِقَادَ البُطْلَانِ وَبُغْضَ المَّعْبُودَاتِ البَاطِلَةِ وَبُغْضَ عُبَّادِهَا. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْحِيدَ مُجَرَّدُ قَوْلٍ بِلَا عَمَلٍ أَوْ بِلَا وَلَاءٍ وَبَرَاءٍ. كَمَا أَنَّ تَحْقِيقَ "الإِيمَانِ بِاللَّهِ" يَقْتَضِي حَصْرَ جَمِيعِ صُوَرِ التَّأَلُّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، مَعَ مَحَبَّةِ المُّوَحِّدِينَ وَنُصْرَتِهِمْ. فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُّشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ لَمْ يُحَقِّقِ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ، وَمَنْ لَمْ يُخْلِصْ عِبَادَتَهُ لِلَّهِ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ الإِيمَانَ المُّنجِيَ. فَهَذَا المَّقْطَعُ هُوَ خُلَاصَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ جَمِيعاً، وَهُوَ المِّيزَانُ الَّذِي يَنْقَسِمُ النَّاسُ بِهِ إِلَى سُعَدَاءَ وَأَشْقِيَاءَ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى "العُرْوَةِ الوُثْقَى" الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا.⁽٦⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ رُكْنٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَلَا يُكَفِّرُ مَنْ عَبَدَ غَيْرَهُ، فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ مِنْ أَصْلِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْتَنِبِ الطَّاغُوتَ كَمَا أُمِرَ.⁽٧⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُبَيِّنُ أَنَّ "الاجْتِنَابَ" أَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ، فَهُوَ يَقْتَضِي البُعْدَ بِالقَلْبِ وَالقَالَبِ، وَأَنَّ العَدَاوَةَ المَّذْكُورَةَ هِيَ عَدَاوَةُ الدِّينِ وَالمُّعْتَقَدِ الَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنِ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ.⁽٨⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "إعلام الموقعين"، ابن القيم (١/ ٥٠) في تعريف الطاغوت الشامل.

⁽٢⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٢٠٣، و "تفسير ابن كثير" (٤/ ٥٦٧).

⁽٣⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (١١/ ٥٦).

⁽٤⁾ يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، الشيخ سليمان بن عبد الله، صـ ٥٣.

⁽٥⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٦/ ١٤١).

⁽٦⁾ يُنظر: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"، المجلد الثاني، رسالة في معنى الطاغوت.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح رسالة فضل الإسلام"، د. محمد التميمي، الوجه المتعلق بالكفر بالطاغوت.

⁽٨⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه الرابع والسبعون.

⁽٩⁾ تقرير: الكفر بالطاغوت فرض عين على كل مكلف، وهو مقدمة الإيمان الصحيح.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة النحل، الآية رقم (٣٦).

::::::::::::::::::::::::::::::(٧٤)::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ الخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ (٧٥)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«وَهَذِهِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي سَفِهَ نَفْسَهُ مَنْ رَغِبَ عَنْهَا، وَهَذِهِ هِيَ الأُسْوَةُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ بِهَا فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَنُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. وَالطَّاغُوتُ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَرَضِيَ بِالْعِبَادَةِ، مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ طَاغُوتٌ، وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ وَرُؤُوسُهَا خَمْسَةٌ».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ "الَّذِينَ مَعَهُ" هُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى هَدْيِهِ، أَوْ أَتْبَاعُهُ المُّؤْمِنُونَ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَحْرِيرِ مَعْنَى "الطَّاغُوتِ" بِأَنَّهُ يَشْمَلُ المُّطَاعَ فِي التَّشْرِيعِ المُّخَالِفِ لِلشَّرْعِ، مِمَّا يُدْرِجُ طَوَاغِيتَ الحُكْمِ وَالِاتِّبَاعِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- سَفِهَ: مِنَ (سَفَهَ)، وَحَدُّهُ: خِفَّةُ العَقْلِ وَالجَهْلُ بِمَصَالِحِ النَّفْسِ، فَلا يَزْهَدُ فِي التَّوْحِيدِ إِلَّا جَاهِلٌ بِمَقَادِيرِ الحَقِّ.⁽١⁾

٢- أُسْوَةٌ: مِنَ (أَسَوَ)، وَحَدُّهَا: القُدْوَةُ وَالمِّثَالُ الَّذِي يُتَّبَعُ وَيُقْتَدَى بِهِ فِي الفِعْلِ وَالحَالِ.⁽٢⁾

٣- بُرَآءُ: جَمْعُ (بَرِيءٍ) مِنَ (بَرَأَ)، وَحَدُّهَا: الِانْفِصَالُ الكُلِّيُّ وَالتَّخَلِّي عَنِ الشَّيْءِ وَتَبْرِئَةُ السَّاحَةِ مِنْهُ.⁽٣⁾

٤- بَدَا: مِنَ (بَدَوَ)، وَحَدُّهَا: الظُّهُورُ بَعْدَ الخَفَاءِ، أَيْ أَنَّ العَدَاوَةَ لِلمُّشْرِكِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً.⁽٤⁾

٥- مَتْبُوعٍ: مِنَ (تَبِعَ)، وَحَدُّهُ: مَنْ يُقَلِّدُهُ النَّاسُ فِي الاعْتِقَادِ أَوِ المَّسْلَكِ مِنْ كُهَّانٍ وَأَحْبَارِ سُوءٍ.⁽٥⁾

٦- مُطَاعٍ: مِنَ (طَوَعَ)، وَحَدُّهُ: مَنْ يُنَفَّذُ أَمْرُهُ فِيمَا يُخَالِفُ أَمْرَ اللَّهِ مِنَ الأُمَرَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ.⁽٦⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَّحَبَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالبُغْضِ لِلشِّرْكِ وَأَهْلِهِ".

الضَّابِطُ: الطَّاغُوتُ لَا يَكُونُ طاغُوتاً إِذَا عُبِدَ وَهُوَ "غَيْرُ رَاضٍ" (كَالأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ)، بَلِ الطَّاغُوتُ هُوَ المَّعْبُودُ الرَّاضِي، أَوِ الشَّيْطَانُ الدَّاعِي، أَوِ المُّتَجَاوِزُ لِحَدِّهِ فِي التَّشْرِيعِ وَالِاتِّبَاعِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ 

تُعَدُّ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِعْيَارَ الصِّدْقِ فِي التَّوْحِيدِ؛ إِذْ قَامَتْ عَلَى إِعْلَانِ البَرَاءَةِ الصَّرِيحَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَعُبَّادِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ. وَالآيَةُ فِي سُورَةِ المُّمتَحِنَةِ تَرْسُمُ مَنْهَجَ "الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ" بِأَجْلَى صُورَةٍ، حَيْثُ قَدَّمَتِ البَرَاءَةَ مِنَ المُّشْرِكِينَ عَلَى البَرَاءَةِ مِن أَوْثَانِهِمْ لِبَيَانِ أَنَّ العَدَاوَةَ الدِّينِيَّةَ تَتَعَلَّقُ بِالفَاعِلِ وَالفِعْلِ مَعاً. وَمِنْ هُنَا انْطَلَقَ المُّؤَلِّفُ لِتَعْرِيفِ الطَّاغُوتِ تَعْرِيفاً جَامِعاً يَنْتَظِمُ فِيهِ المَّعْبُودُ وَالمَّتْبُوعُ وَالمُّطَاعُ، لِيَشْمَلَ كُلَّ مَنْ نَازَعَ اللَّهَ فِي خَصَائِصِ أُلُوهِيَّتِهِ أَوْ رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ حَاكِمِيَّتِهِ. فَالطَّاغُوتُ لَيْسَ صَنَماً حَجَرِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مِنَ الطُّغْيَانِ تَتَجَاوَزُ الحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ. وَقَوْلُهُ "وَرُؤُوسُهَا خَمْسَةٌ" تَقْسِيمٌ حَصْرِيٌّ لِأُصُولِ الضَّلَالِ الَّتِي تَتَفَرَّعُ عَنْهَا سَائِرُ الطَّوَاغِيتِ. فَمَنْ حَقَّقَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَرَفَ كَيْفَ يَكْفُرُ بِالطَّاغُوتِ كُفْراً يَقِينِيّاً، وَكَيْفَ يَجْعَلُ عَدَاوَتَهُ لِلْبَاطِلِ قُرْبَةً يَتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، مَعَ الحَذَرِ مِنَ المَّزَالِقِ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلَ هَذَا الاجْتِنَابِ المَّأْمُورِ بِهِ.⁽٧⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُوَضِّحُ أَنَّ البُغْضَ وَالعَدَاوَةَ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لَيْسَتْ عَدَاوَةً شَخْصِيَّةً، بَلْ هِيَ "عَدَاوَةٌ دِينِيَّةٌ" مَبْنَاهَا الغَيْرَةُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ حُبَّ اللَّهِ مَعَ مُوَادَّةِ مَنْ حَادَّهُ فَقَدْ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ.⁽٨⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ تَعْرِيفَ الطَّاغُوتِ بِالمَّعْبُودِ وَالمَّتْبُوعِ وَالمُّطَاعِ هُوَ خُلَاصَةُ مَا حَقَّقَهُ ابْنُ القَيِّمِ، وَأَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ يَحْمِي المُّوَحِّدَ مِنْ كُلِّ صُوَرَ العُبُودِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ سَوَاءً كَانَتْ عِبَادَةَ نُسُكٍ أَوْ عِبَادَةَ طَاعَةٍ وَاتِّبَاعٍ.⁽٩⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (١/ ٤١٥) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾.

⁽٢⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٧٨، و "لسان العرب" (١٤/ ٣٤).

⁽٣⁾ يُنظر: "تفسير البغوي"، دار طيبة (٨/ ٨٩) عِنْدَ آية الممتحنة.

⁽٤⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (١/ ٢١٢).

⁽٥⁾ يُنظر: "إعلام الموقعين"، ابن القيم (١/ ٥٠) فِي أَنْوَاعِ الطَّاغُوتِ.

⁽٦⁾ يُنظر: "شرح الأصول الثلاثة"، ابن عثيمين صـ ١٥٠.

⁽٧⁾ يُنظر: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية"، المجلد الثاني، صـ ١٦١.

⁽٨⁾ يُنظر: "شرح رسالة فضل الإسلام"، د. محمد التميمي، الوجه المتعلق بملة إبراهيم.

⁽٩⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه الخامس والسبعون.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة الممتحنة، الآية رقم (٤).

:::::::::::::::::::::::::::::::::(٧٥)::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ (٧٦)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«قَالَ المُّؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ وَرُؤُوسُهَا خَمْسَةٌ؛ الأَوَّلُ: الشَّيْطَانُ الدَّاعِي إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿۞ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا وَصْفُ الشَّيْطَانِ بِأَنَّهُ "أَصْلُ كُلِّ طَاغُوتٍ"، فَمَا مِنْ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِلَّا وَالشَّيْطَانُ هُوَ الآمِرُ بِذَلِكَ وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): تَمَيَّزَتْ بِتَوْضِيحِ أَنَّ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ هِيَ طَاعَتُهُ فِيمَا زَيَّنَهُ مِنَ الكُفْرِ وَالشِّرْكِ، وَلَيْسَ بِالضَّرُورَةِ السُّجُودُ لَهُ لِذَاتِهِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الشَّيْطَانُ: قِيلَ مِنَ (شَطَنَ) أَيْ بَعُدَ عَنِ الحَقِّ، أَوْ مِنَ (شَاطَ) أَيْ هَلَكَ، وَحَدُّهُ: كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ يَصُدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.⁽١⁾

٢- أَعْهَدْ: مِنَ (عَهَدَ)، وَحَدُّهَا: الوَصِيَّةُ المُّؤَكَّدَةُ وَالأَمْرُ المُّقْتَرِنُ بِالمِّيثَاقِ.⁽٢⁾

٣- عَدُوٌّ: مِنَ (عَدَا) أَيْ تَجَاوَزَ الحَدَّ فِي المُّضَارَّةِ، وَحَدُّهُ: مَنْ يَتَمَنَّى لَكَ الضَّرَرَ وَيَسْعَى فِي هَلَاكِكَ.⁽٣⁾

٤- مُّبِينٌ: مِنَ (بَانَ)، وَحَدُّهَا: الظَّاهِرُ الَّذِي لَا خَفَاءَ فِي عَدَاوَتِهِ لِعَاقِلٍ.⁽٤⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "كُلُّ عِبَادَةٍ لِغَيْرِ اللَّهِ فَهِيَ فِي الحَقِيقَةِ عِبَادَةٌ لِلشَّيْطَانِ لِأَنَّهُ الدَّاعِي إِلَيْهَا".

الضَّابِطُ: الشَّيْطَانُ رَأْسُ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ المُّزَيِّنُ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ، وَصِفَةُ الطَّغَيَانِ فِيهِ لَازِمَةٌ لِأَنَّهُ جَاوَزَ حَدَّهُ بِادِّعَاءِ الحَقِّ فِي الطَّاعَةِ المُّطْلَقَةِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (عَشَرَةُ أَسْطُرٍ)

إِنَّ تَقْدِيمَ الشَّيْطَانِ كَأَوَّلِ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ المَّعْرَكَةَ مَعَ البَاطِلِ تَبْدَأُ مِنْ مَصْدَرِهِ الأَوَّلِ؛ فَالشَّيْطَانُ هُوَ الَّذِي حَسَّنَ لِلْبَشَرِيَّةِ صَرْفَ العِبَادَةِ لِلأَحْجَارِ وَالأَشْجَارِ وَالقُبُورِ. وَالآيَةُ فِي سُورَةِ (يس) تُذَكِّرُ بَنِي آدَمَ بِالعَهْدِ القَدِيمِ وَالمِّيثَاقِ الغَلِيظِ بِتَرْكِ اتِّبَاعِهِ، وَسَمَّتْ طَاعَتَهُ "عِبَادَةً"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِانْقِيَادَ لِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ فِي قَضَايَا الِاعْتِقَادِ يُعَدُّ تَأَلُّهاً لَهُ. وَوَصْفُهُ بِـ "العَدُوِّ المُّبِينِ" يُبْطِلُ كُلَّ حُجَّةٍ لِلْمُشْرِكِينَ، إِذْ كَيْفَ يُعْبَدُ مَنْ لَا يُرِيدُ لِعَابِدِهِ إِلَّا الخِزْيَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ فَالشَّيْطَانُ طاغُوتٌ بِذَاتِهِ، وَبِدَعْوَتِهِ، وَبِأَمْرِهِ. وَمِنْ هُنَا يَجِبُ عَلَى المُّوَحِّدِ أَنْ يَقْرِنَ بَيْنَ عِبَادَةِ اللَّهِ وَبَيْنَ البَرَاءَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ وَطُرُقِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ تَحْقِيقُ "إِيَّاكَ نَعْبُدُ" مَعَ الرُّكُونِ لِخُطُوَاتِ مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ نِدّاً لِلْخَالِقِ فِي التَّشْرِيعِ وَالأَمْرِ. فَهَذَا الرَّأْسُ هُوَ المُّحَرِّكُ لِبَقِيَّةِ الرُّؤُوسِ، وَبِالكَفْرِ بِهِ يَسْتَقِيمُ بِنَاءُ التَّوْحِيدِ.⁽٥⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ عِبَادَةَ الشَّيْطَانِ هِيَ طَاعَتُهُ فِي الكُفْرِ، وَأَنَّ جَمِيعَ المُّشْرِكِينَ هُمْ عُبَّادٌ لِلشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾، وَأَنَّهُ رَأْسُ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ أَصْلُ الضَّلَالِ.⁽٦⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُبَيِّنُ أَنَّ الحِكْمَةَ مِنْ بَدْءِ المُّؤَلِّفِ بِالشَّيْطَانِ هِيَ لِكَوْنِهِ الدَّاعِي، فَمَنْ كَفَرَ بِالشَّيْطَانِ اسْتَهَانَ بِبَقِيَّةِ الطَّوَاغِيتِ، وَأَنَّ العَدَاوَةَ مَعَهُ أَصْلٌ فِي المُّعْتَقَدِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.⁽٧⁾

[الحَاشِيَةُ العَمُودِيَّةُ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٤٥٢، و "تفسير ابن كثير" (١/ ١٥٨).

⁽٢⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (١/ ٢٥٨).

⁽٣⁾ يُنظر: "مقاييس اللغة"، ابن فارس (٤/ ٢٤٩).

⁽٤⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٢/ ٢٩٠).

⁽٥⁾ يُنظر: "إغاثة اللهفان"، ابن القيم (١/ ١٠٥) فِي مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ وَعِبَادَتِهِ.

⁽٦⁾ يُنظر: "شرح رسالة فضل الإسلام"، د. محمد التميمي، الوجه المتعلق بعبادة الشيطان.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه السادس والسبعون.

⁽٨⁾ يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، الشيخ سليمان بن عبد الله، صـ ٥٥.

⁽٩⁾ تقرير: من أطاع الشيطان في تحليل حرام أو تحريم حلال فقد اتخذه طاغوتاً.

⁽١٠⁾ عزو الآية: سورة يس، الآية رقم (٦٠).

::::::::::::::::::::::::::::::(٧٦)::::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ (٧٧)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«الثَّانِي: الحَاكِمُ الجَائِرُ المُّغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠].

الثَّالِثُ: الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): فَرَّقَتْ بَيْنَ "المُّغَيِّرِ" لِلشَّرْعِ ابْتِدَاءً وَتَشْرِيعاً، وَبَيْنَ "الحَاكِمِ" بِغَيْرِهِ فِي القَضَايَا وَالوَقَائِعِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): بَيَّنَتْ أَنَّ سَبَبَ تَسْمِيَةِ الحَاكِمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ "طاغُوتاً" هُوَ جَعْلُ نَفْسِهِ نِدّاً لِلَّهِ فِي التَّشْرِيعِ وَالحُكْمِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الجَائِرُ: مِنَ (جَارَ)، وَحَدُّهُ: المَّائِلُ عَنِ القَصْدِ، وَالمُّتَجَاوِزُ لِلْعَدْلِ إِلَى الظُّلْمِ.⁽١⁾

٢- يَزْعُمُونَ: مِنَ (زَعَمَ)، وَحَدُّهَا: القَوْلُ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى كَذِبِ ادِّعَائِهِمُ الإِيمَانَ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ لِلْبَاطِلِ.⁽٢⁾

٣- يَتَحَاكَمُوا: مِنَ (حَكَمَ)، وَحَدُّهَا: رَفْعُ النِّزَاعِ إِلَى جِهَةٍ لِلْفَصْلِ فِيهِ وَإِلْزَامِ الأَطْرَافِ.⁽٣⁾

٤- ضَلَالًا بَعِيدًا: مِنَ (ضَلَّ)، وَحَدُّهُ: المَّيْلُ الشَّدِيدُ عَنِ الجَادَّةِ بِحَيْثُ يَصْعُبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.⁽٤⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "الحُكْمُ لِلَّهِ وَحْدَهُ تَشْرِيعاً وَتَنْفِيذاً، فَمَنْ نَازَعَهُ فِيهِ فَقَدْ طَغَى".

الضَّابِطُ: الطَّاغُوتُ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ سَنَّ قَوَانِينَ تُخَالِفُ شَرْعَ اللَّهِ مُسْتَحِلّاً ذَلِكَ، أَوْ زَعَمَ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِ اللَّهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ أَوْ مُسَاوٍ لَهُ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ

إِنَّ تَنْصِيبَ الحَاكِمِ المُّغَيِّرِ لِشَرْعِ اللَّهِ كَرَأْسٍ مِن رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِ (تَوْحِيدِ الحَاكِمِيَّةِ) المُّتَفَرِّعِ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الحَكَمُ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ الحُكْمُ كُلُّهُ. وَالآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ تَفْضَحُ المُّنَافِقِينَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ بِأَلْسِنَتِهِمْ بَيْنَمَا تَنْزِعُ قُلُوبُهُمْ وَأَفْعَالُهُمْ إِلَى قَوَانِينِ الجَاهِلِيَّةِ وَأَعْرَافِهَا، فَسَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ "زَعْماً" لَا حَقِيقَةَ لَهُ. وَأَمَّا الرَّأْسُ الثَّالِثُ، وَهُوَ مَنْ يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَقَدْ جَاءَ وَصْفُهُ بِالكُفْرِ فِي سُورَةِ المَّائِدَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ. وَالطَّغَيَانُ هُنَا يَتَمَثَّلُ فِي مُّجَاوَزَةِ المَّخْلُوقِ لِقَدْرِهِ، حَيْثُ نَصَّبَ نَفْسَهُ مُشَرِّعاً مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْ مُعَدِّلاً عَلَى أَحْكَامِ الخَالِقِ الحَكِيمِ. وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الطَّوَاغِيتِ يُفْسِدُ دِينَ النَّاسِ وَدُنْيَاهُمْ، لِأَنَّهُ يَصْرِفُ طَاعَتَهُمْ لِلْبَشَرِ فِي مَعْصِيَةِ رَبِّ البَشَرِ. فَالكَفْرُ بِهَذَيْنِ الرَّأْسَيْنِ يَقْتَضِي اعْتِقَادَ بُطْلَانِ كُلِّ حُكْمٍ يُخَالِفُ القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَعَدَمَ الرِّضَا بِالتَّحَاكُمِ إِلَيْهَا اخْتِيَاراً، لِتَحْقِيقِ كَمَالِ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.⁽٥⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُبَيِّنُ أَنَّ الحُكْمَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هُوَ مَحْضُ العِبَادَةِ، وَأَنَّ مَنْ غَيَّرَ شَرِيعَةَ اللَّهِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَاغُوتاً مَعْبُوداً بِالطَّاعَةِ، مُؤَكِّداً عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ سَبَبُ كُفْرِ أَهْلِ الكِتَابِ حِينَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً.⁽٦⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ الحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كُفْراً أَكْبَرَ إِذَا كَانَ فِيهَا اسْتِحْلَالٌ أَوْ تَشْرِيعٌ عَامٌّ يُضَاهِي شَرْعَ اللَّهِ، مِمَّا يَجْعَلُ الحَاكِمَ حِينَئِذٍ رَأْساً مِن رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ.⁽٧⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ١١٣، و "مقاييس اللغة" (١/ ٤٩٠).

⁽٢⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٣٨١، و "تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٤٧).

⁽٣⁾ يُنظر: "تهذيب اللغة"، الأزهري (٤/ ٨٢).

⁽٤⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (١١/ ٣٩٠).

⁽٥⁾ يُنظر: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية (٣٥/ ٣٧٢) فِي مَسْأَلَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى غَيْرِ الشَّرْعِ.

⁽٦⁾ يُنظر: "شرح الأصول الثلاثة"، د. محمد التميمي، الوجه المتعلق بطاغوت الحُكم.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه السبعون وما بعدها.

⁽٨⁾ يُنظر: "فتح المجيد"، الشيخ عبد الرحمن بن حسن، صـ ٢٨٥.

⁽٩⁾ تقرير: مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَقَدْ كَفَرَ.

⁽١٠⁾ عزو الآيات: النساء ٦٠، المائدة ٤٤.

::::::::::::::::::::::::::::::(٧٧):::::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ (٧٨)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«الرَّابِعُ: الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الغَيْبِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٦-٢٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿۞ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): وَرَدَ فِيهَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ ادِّعَاءَ عِلْمِ الغَيْبِ يُصَادِمُ خَصِيصَةً مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُ المُّدَّعِيَ نِدّاً لِلَّهِ فِي عِلْمِهِ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): بَيَّنَتْ أَنَّ هَذَا الرَّأْسَ يَشْمَلُ الكُهَّانَ، وَالمُّنَجِّمِينَ، وَالسَّحَرَةَ، وَكُلَّ مَنْ زَعَمَ الِاطِّلَاعَ عَلَى اللَّوْحِ المَّحْفُوظِ أَوْ مَعْرِفَةَ الحَوَادِثِ قَبْلَ كَوْنِهَا.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- الغَيْبُ: مِنَ (غَابَ)، وَحَدُّهُ: كُلُّ مَا غَابَ عَنِ الحِوَاسِّ وَعِلْمِ المَّخْلُوقِينَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.⁽١⁾

٢- يُظْهِرُ: مِنَ (ظَهَرَ)، وَحَدُّهَا هُنَا: الِاطِّلَاعُ وَالإِعْلَامُ، أَيْ لَا يُعْلِمُ اللَّهُ غَيْبَهُ أَحَداً إِلَّا مَنِ اصْطَفَى.⁽٢⁾

٣- ارْتَضَى: مِنَ (رَضِيَ)، وَحَدُّهَا: الِاخْتِيَارُ وَالاصْطِفَاءُ المَّبْنِيُّ عَلَى المَّحَبَّةِ وَالحِكْمَةِ.⁽٣⁾

٤- مَفَاتِحُ: جَمْعُ (مِفْتَاحٍ) أَوْ (مَفْتَحٍ) مِنَ (فَتَحَ)، وَحَدُّهَا: خَزَائِنُ الغَيْبِ أَوْ مَبَادِئُ الأُمُورِ الَّتِي لَا يُفْتَحُ بَابُ العِلْمِ بِهَا إِلَّا لِلَّهِ.⁽٤⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "تَفَرُّدُ اللَّهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ التَّوْحِيدِ، وَادِّعَاءُ عِلْمِهِ كُفْرٌ نَاقِضٌ لِلْمِلَّةِ".

الضَّابِطُ: الطَّاغُوتُ فِي هَذَا المَّقَامِ هُوَ كُلُّ مَنِ ادَّعَى عِلْمَ مَا سَيَحْدُثُ فِي المُّسْتَقْبَلِ بِطُرُقٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، لِأَنَّهُ جَاوَزَ حَدَّ المَّخْلُوقِيَّةِ إِلَى مَقَامِ الأُلُوهِيَّةِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيّ للباحث:

يُعَدُّ ادِّعَاءُ عِلْمِ الغَيْبِ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الطَّغَيَانِ؛ لِأَنَّهُ جُنَايَةٌ عَلَى أخصِّ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ المُّتَفَرِّدُ بِعِلْمِ المَّغِيبَاتِ زَمَانِيّاً وَمَكَانِيّاً. وَالآيَةُ فِي سُورَةِ الجِنِّ تَقْصُرُ الِاطِّلَاعَ عَلَى الغَيْبِ لِلرُّسُلِ فَقَطْ وَبِمَا يَشَاءُ اللَّهُ لِحِكْمَةِ التَّبْلِيغِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَيْهِ. وَآيَةُ الأَنْعَامِ تُؤَكِّدُ هَذَا الشُّمُولَ، فَلَا تَسْقُطُ وَرَقَةٌ وَلَا تَسْكُنُ حَبَّةٌ إِلَّا بِعِلْمِهِ القَدِيمِ، مِمَّا يُبْطِلُ مَزَاعِمَ الكُهَّانِ وَالعَرَّافِينَ. فَمَنِ ادَّعَى شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ طَاغُوتاً، لِأَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ شَرِيكاً لِلَّهِ فِي عِلْمِهِ المُّحِيطِ. وَالكَفْرُ بِهَذَا الطَّاغُوتِ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ هَؤُلَاءِ المُّدَّعِينَ، وَاعْتِقَادَ عَجْزِ كُلِّ مَخْلُوقٍ عَنْ مَعْرِفَةِ الخَفَايَا إِلَّا بِوَحْيٍ. وَهَذَا المَّقَامُ يُطَهِّرُ قَلْبَ المُّوَحِّدِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ نُزُولِ المَّلِمَّاتِ أَوْ طَلَبِ الحَاجَاتِ، فَيَكُونُ تَوَكُّلُهُ عَلَى مَنْ بِيَدِهِ مَفَاتِحُ الغَيْبِ وَحْدَهُ، مِمَّا يُحَقِّقُ كَمَالَ التَّوْحِيدِ وَصَفَاءَ اليَقِينِ.⁽٥⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ ادِّعَاءَ عِلْمِ الغَيْبِ هُوَ رَأْسٌ مِن رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ مُنَازَعَةَ الرَّبِّ فِي عِلْمِهِ، وَأَنَّ تَصْدِيقَ مَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ يُعَدُّ شِرْكاً فِي التَّصْدِيقِ وَالِاتِّبَاعِ.⁽٦⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُؤَصِّلُ لِهَذِهِ المَّسْأَلَةِ بِأَنَّ عِلْمَ الغَيْبِ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِلأَوْلِيَاءِ أَوْ لِلكُهَّانِ طَرِيقاً لِلْغَيْبِ الخَاصِّ بِاللَّهِ فَقَدْ طَغَى وَأَشْرَكَ، مُبَيِّناً أَنَّ هَذَا مِن تَمَامِ مَعْنَى الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.⁽٧⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٦١٧، و "مقاييس اللغة" (٤/ ٤٠٣).

⁽٢⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (٨/ ٢٤٩) عِنْدَ سُورَةِ الجِنِّ.

⁽٣⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٣/ ٥٤).

⁽٤⁾ يُنظر: "فتح الباري"، ابن حجر (٨/ ٣٩١) فِي شَرْحِ حَدِيثِ مَفَاتِحِ الغَيْبِ الخَمْسِ.

⁽٥⁾ يُنظر: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية (١٣/ ٢٤٥) فِي مَسْأَلَةِ السِّحْرِ وَالكِهَانَةِ.

⁽٦⁾ يُنظر: "شرح الأصول الثلاثة"، د. محمد التميمي، الوجه المتعلق بادعاء علم الغيب.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه الثامن والسبعون.

⁽٨⁾ يُنظر: "تيسير العزيز الحميد"، الشيخ سليمان بن عبد الله، صـ ٣٤٠.

⁽٩⁾ تقرير: مَنْ ذَهَبَ إِلَى كَاهِنٍ فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ.

⁽١٠⁾ عزو الآيات: الجن ٢٦-٢٧، الأنعام ٥٩.

::::::::::::::::::::::::::::::(٧٨):::::::::::::::::::::::::::

الوَجْهِ التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ (٧٩)

أَوَّلاً: نَصُّ المُّؤَلِّفِ (المَّتْنُ مُشَكَّلاً)

«الخَامِسُ: الَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ بِالْعِبَادَةِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩].

وَاعْلَمْ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَصِيرُ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].

الرُّشْدُ: دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْغَيُّ: دِينُ أَبِي جَهْلٍ. وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ وَهِيَ مُتَضَمِّنَةٌ لِلنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ؛ تَنْفِي جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتُثْبِتُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كُلَّهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، تَمَّتِ الرِّسَالَةُ».

ثَانِيًا: مَرْحَلَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ

١- النُّسْخَةُ (أ): أَكَّدَتْ عَلَى قَيْدِ "الرِّضَا"، لِإِخْرَاجِ المَّسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَالمَّلَائِكَةِ الَّذِينَ عُبِدُوا وَهُمْ كَارِهُونَ لِذَلِكَ.

٢- النُّسْخَةُ (ج): فَسَّرَتِ "العُرْوَةَ الوُثْقَى" بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهَا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَهِيَ المِّيناطُ الَّذِي يُعْصَمُ بِهِ العَبْدُ مِنَ الهَلَكَةِ.

ثَالِثًا: بَيَانُ المُّفْرَدَاتِ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ الجَامِعُ)

١- رَاضٍ: مِنَ (رَضِيَ)، وَحَدُّهُ: قَبُولُ الشَّيْءِ وَالسُّكُونُ إِلَيْهِ دُونَ إِنْكَارٍ، وَهُوَ ضَابِطُ الدُّخُولِ فِي مُّسَمَّى الطَّاغُوتِ لِلْمَعْبُودِ.⁽١⁾

٢- اسْتَمْسَكَ: مِنَ (مَسَكَ)، وَحَدُّهَا: الِاعْتِصَامُ الشَّدِيدُ وَالتَّعَلُّقُ الَّذِي لَا يَنْفَكُّ.⁽٢⁾

٣- بِالْعُرْوَةِ: مِنَ (عَرَا) أَيْ تَعَلَّقَ، وَحَدُّهَا: مَا يُتَمَسَّكُ بِهِ مِنْ رِبَاطٍ وَثِيقٍ.⁽٣⁾

٤- الْوُثْقَى: مُؤَنَّثُ (أَوْثَقَ)، وَحَدُّهَا: البَالِغَةُ فِي الإِحْكَامِ وَالقُوَّةِ نِهَايَتَهَا.⁽٤⁾

٥- انفِصَامَ: مِنَ (فَصَمَ)، وَحَدُّهَا: الِانْقِطَاعُ أَوْ التَّصَدُّعُ؛ أَيْ أَنَّ هَذَا العَهْدَ لَا يَنْكَسِرُ أَبَداً.⁽٥⁾

رَابِعاً: التَّقْعِيدُ وَالضَّابِطُ

القَاعِدَةُ: "كَمَالُ الإِيمَانِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ المَّعْبُودِ وَتَوْحِيدِ المُّتَابَعَةِ"، فَالرُّشْدُ فِي اتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ، وَالضَّلَالُ فِي اتِّبَاعِ سُبُلِ الجَاهِلِيَّةِ.

الضَّابِطُ: شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى رُكْنَيْنِ: (نَفْيٌ) يُوجِبُ الكُفْرَ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، وَ (إِثْبَاتٌ) يُوجِبُ إِفْرَادَ اللَّهِ بِالعِبَادَةِ.

خَامِسًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ

يَخْتِمُ المُّؤَلِّفُ رِسَالَتَهُ بِتَعْرِيفِ الطَّاغُوتِ المَّعْبُودِ الرَّاضِي، لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنْ رَضِيَ بِتَأْلِيهِ الخَلْقِ لَهُ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي أخصِّ صِفَاتِهِ، وَاسْتَحَقَّ وَعِيدَ جَهَنَّمَ المَّذْكُورَ فِي سُورَةِ الأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ انْتَقَلَ لِتَأْصِيلِ "العُرْوَةِ الوُثْقَى" الَّتِي هِيَ مَدَارُ النَّجَاةِ، رَابِطاً بَيْنَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانِ بِاللَّهِ كَرَكِيزَتَيْنِ لَا يَنْفَصِلَانِ. وَتَفْسِيرُهُ لِلرُّشْدِ بِدِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلِلْغَيِّ بِدِينِ أَبِي جَهْلٍ هُوَ تَوْضِيحٌ عَمَلِيٌّ لِلمُفَارَقَةِ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ. إِنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ كَلِمَةً تُقَالُ بِاللِّسَانِ فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ نَفْيٌ شَامِلٌ لِكُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَإِثْبَاتٌ خَالِصٌ لِجَمِيعِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ. فَمَنْ حَقَّقَ هَذَا المَّقَامَ فَقَدْ أَمْسَكَ بِأَقْوَى رِبَاطٍ يُوصِلُهُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ. وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ تَنْبَنِي عَقِيدَةُ المُّسْلِمِ عَلَى بَصِيرَةٍ، فَيَعْرِفُ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وَبُغْضُهُ، وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ وَمَحَبَّتُهُ. إِنَّهَا خُلَاصَةُ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ" وَ "القَوَاعِدِ الأَرْبَعِ" مُجْتَمِعَةً فِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ اليَسِيرَةِ مَبْنًى، العَظِيمَةِ مَعْنًى، الَّتِي تَقُودُ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَا إِلَى سَبِيلِ الرُّشْدِ وَالفَلَاحِ فِي الدَّارَيْنِ.⁽٦⁾

سَادِسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ

١- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ هِيَ "مِيثَاقُ التَّوْحِيدِ"، وَأَنَّ تَعْرِيفَ العُرْوَةِ الوُثْقَى بِالنَّفْيِ وَالإِثْبَاتِ هُوَ التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ لِمَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.⁽٧⁾

٢- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السِّندِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الخَاتِمَةَ بِالحَمْدَلَةِ وَبَيَانِ دِينِ الرُّسُلِ هُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي تَرْسِيخِ حَقِيقَةِ الإِسْلَامِ، مُبَيِّناً أَنَّ كُلَّ طَالِبِ عِلْمٍ يَجِبُ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الوَجْهَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ عِنْدَ دِرَاسَةِ نَوَاقِضِ الإِيمَانِ.⁽٨⁾

[الحَاشِيَةُ ]

⁽١⁾ يُنظر: "المصباح المنير"، الفيومي صـ ٢٢٩.

⁽٢⁾ يُنظر: "المفردات"، الأصفهاني صـ ٧٦٨.

⁽٣⁾ يُنظر: "بصائر ذوي التمييز"، الفيروز آبادي (٤/ ٧٥).

⁽٤⁾ يُنظر: "لسان العرب"، ابن منظور (١٥/ ٣٨٠).

⁽٥⁾ يُنظر: "تفسير القرآن العظيم"، ابن كثير (١/ ٦٨٤).

⁽٦⁾ يُنظر: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية (٧/ ٦٣٤) فِي مَعْنَى العُرْوَةِ الوُثْقَى.

⁽٧⁾ يُنظر: "شرح الأصول الثلاثة"، د. محمد التميمي، الخَاتِمَةُ.

⁽٨⁾ يُنظر: "شرح القواعد الأربع" (مفرغ)، د. صالح السندي، الوجه التاسع والسبعون.

⁽٩⁾ تقرير: مَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ لَمْ يَنْفَعْهُ إِيمَانُهُ بِاللَّهِ.

⁽١٠⁾ عزو الآيات: الأنبياء ٢٩، البقرة ٢٥٦.

:::::::::::::::::::::::::::::(٧٩)::::::::::::::::::::::::::::::::

خُلَاصَةُ نَتَائِجِ التَّحْقِيقِ (٤٠ نَتِيجَةً عَقَدِيَّةً وَمَنْهَجِيَّةً)

(١) أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ عَلَى العَبِيدِ هُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالكَفْرُ بِالطَّاغُوتِ.

(٢) تَقْرِيرُ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ: النَّفْيِ المَّحْضِ وَالإِثْبَاتِ الخَالِصِ.

(٣) أَنَّ النِّفَاقَ الِاعْتِقَادِيَّ سِتَّةُ أَنْوَاعٍ، مَدَارُهَا عَلَى بُغْضِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ مَا جَاءَ بِهِ.

(٤) النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ وَصَاحِبُهُ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

(٥) كَرَاهِيَةُ انْتِصَارِ دِينِ الإِسْلَامِ نَاقِضٌ عَقَدِيٌّ يُوجِبُ الرِّدَّةَ.

(٦) النِّفَاقُ العَمَلِيُّ خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ، وَهُوَ لَا يُخْرِجُ مِنَ المِّلَّةِ بِمُجَرَّدِهِ.

(٧) "الفُجُورُ فِي الخُصُومَةِ" مِنْ أَخْطَرِ خِصَالِ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ لِأَثَرِهِ عَلَى القَلْبِ.

(٨) أَنَّ النِّفَاقَ العَمَلِيَّ "بَرِيدٌ" يُوصِلُ إِلَى النِّفَاقِ الأَكْبَرِ عِنْدَ الِاسْتِمْرَاءِ عَلَيْهِ.

(٩) صِحَّةُ إِطْلَاقِ وَصْفِ "المُّنَافِقِ" عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِخِصَالِهِمْ دُونَ الحُكْمِ بِخُرُوجِهِ مِنَ الإِسْلَامِ.

(١٠) أَنَّ مَعْنَى الطَّاغُوتِ يَشْمَلُ كُلَّ مَا جَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ.

(١١) الشَّيْطَانُ هُوَ الرَّأْسُ الأَوَّلُ لِلطَّوَاغِيتِ لِأَنَّهُ الدَّاعِي لِكُلِّ شِرْكٍ.

(١٢) عِبَادَةُ الشَّيْطَانِ تَكُونُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا زَيَّنَهُ مِنَ الكُفْرِ وَالمَّعَاصِي.

(١٣) الحَاكِمُ المُّغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ طاغُوتٌ لِمُنَازَعَتِهِ الخَالِقَ فِي حَقِّ التَّشْرِيعِ.

(١٤) أَنَّ ادِّعَاءَ عِلْمِ الغَيْبِ نَاقِضٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ وَرَأْسٌ مِنْ رُؤُوسِ الضَّلَالِ.

(١٥) بَطَلَانُ مَزَاعِمِ الكُهَّانِ وَالمُّنَجِّمِينَ لِانْفِرَادِ اللَّهِ بِمَفَاتِحِ الغَيْبِ.

(١٦) الطَّاغُوتُ المَّعْبُودُ لَا يُسَمَّى طَاغُوتاً إِلَّا إِذَا كَانَ "رَاضِياً" بِالعِبَادَةِ.

(١٧) تَنْزِيهُ الأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ عَنْ وَصْفِ الطَّاغُوتِ وَإِنْ عَبَدَهُمُ النَّاسُ بِغَيْرِ رِضَاهُمْ.

(١٨) أَنَّ صِفَةَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ خَمْسَةٌ: (الاعْتِقَادُ، التَّرْكُ، البُغْضُ، التَّكْفِيرُ، العَدَاوَةُ).

(١٩) أَنَّ العَدَاوَةَ لِلمُّشْرِكِينَ عَدَاوَةٌ دِينِيَّةٌ مَبْنَاهَا الغَيْرَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ.

(٢٠) مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ هِيَ المِّيزَانُ العَمَلِيُّ لِتَحْقِيقِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ.

(٢١) تَقْدِيمُ البَرَاءَةِ مِنَ "المُّشْرِكِينَ" عَلَى "الأَوْثَانِ" فِي آيَةِ المُّمتَحِنَةِ لِأَهْمِيَّةِ البَرَاءَةِ مِنَ الفَاعِلِ.

(٢٢) أَنَّ مَنْ رَغِبَ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَدْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَجَهِلَ حَقَّ رَبِّهِ.

(٢٣) العُرْوَةُ الوُثْقَى هِيَ شَهَادَةُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا.

(٢٤) سُمِيَّتْ عُرْوَةً وُثْقَى لِأَنَّهَا المَّعْقِلُ الَّذِي لَا يَنْفَصِمُ وَلَا يَنْكَسِرُ.

(٢٥) أَنَّ "الرُّشْدَ" هُوَ دِينُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهُوَ العِلْمُ المَّقْرُونُ بِالعَمَلِ.

(٢٦) أَنَّ "الغَيَّ" هُوَ دِينُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُوَ الِانْحِرَافُ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ.

(٢٧) تَقْرِيرُ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَصِيرُ مُؤْمِناً بِاللَّهِ إِلَّا بَعْدَ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.

(٢٨) أَثَرُ تَوْحِيدِ الحَاكِمِيَّةِ فِي صِيَانَةِ جَمَاعَةِ المُّسْلِمِينَ مِنَ الشَّتَاتِ.

(٢٩) أَنَّ العِبَادَةَ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ، وَصَرْفُ أَيِّ نَوْعٍ مِنْهَا لِغَيْرِهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.

(٣٠) ضَرُورَةُ المُّقَابَلَةِ بَيْنَ نُسَخِ المَّتْنِ لِضَمَانِ دِقَّةِ النَّصِّ العَقَدِيِّ.

(٣١) أَهْمِيَّةُ الاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ (كَمَا فِي الطَّاغُوتِ وَالسَّفَهِ).

(٣٢) الرَّبطُ بَيْنَ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ وَأَسْبَابِ نُزُولِهَا لِفَهْمِ مَسَائِلِ الكُفْرِ وَالإِيمَانِ.

(٣٣) تَقْرِيرُ أَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ بُعِثُوا بِدَعْوَةٍ وَاحِدَةٍ: (اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).

(٣٤) أَنَّ تَكْفِيرَ المُّشْرِكِينَ لَازِمٌ مِنْ لَوَازِمِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ لِمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ.

(٣٥) خُطُورَةُ "الطَّاغُوتِ المُّطَاعِ" الَّذِي يَجْعَلُ طَاعَتَهُ فَوْقَ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

(٣٦) أَنَّ الهِدَايَةَ لِلتَّوْحِيدِ هِيَ أَعْظَمُ نِعْمَةٍ تَسْتَوْجِبُ الحَمْدَ عِنْدَ خِتَامِ التَّحْقيقِ.

(٣٧) دَوْرُ الحَاشِيَةِ العَمُودِيَّةِ فِي تَأْصِيلِ المَّسَائِلِ مِنْ أُمَّاتِ الكُتُبِ.

(٣٨) أَنَّ تَقْرِيرَاتِ العُلَمَاءِ المُّعَاصِرِينَ تُجَلِّي مَعَانِي المَّتْنِ لِطَالِبِ العِلْمِ.

(٣٩) الِالتِزَامُ بِتَرْتِيبِ المُّؤَلِّفِ (رُؤُوسُ الطَّوَاغِيتِ) يُعِينُ عَلَى الضَّبْطِ وَالفَهْمِ.

(٤٠) النَّتِيجَةُ الكُبْرَى: التَّوْحِيدُ هُوَ مِفْتَاحُ النَّجَاةِ وَأَسَاسُ قَبُولِ كُلِّ صَالِحِ العَمَلِ.

:::::::

الوَصَايَا الأَرْبَعُونَ (٤٠ وَصِيَّةً عَمَلِيَّةً وَمَنْهَجِيَّةً)

(١) اجْعَلْ أَوَّلَ هَمِّكَ تَصْحِيحَ مَعْتَقَدِكَ فِي اللَّهِ بِتَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالعِبَادَةِ.

(٢) تَمَسَّكْ بِالكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ عَقِيدَةً وَعَمَلاً؛ فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُكَ إِلَّا بِهِ.

(٣) احْذَرِ النِّفَاقَ الِاعْتِقَادِيَّ؛ فَإِنَّهُ المَّهْلَكَةُ العُظْمَى وَالدَّرْكُ الأَسْفَلُ مِنَ النَّارِ.

(٤) رَاقِبْ قَلْبَكَ عِنْدَ انْتِصَارِ الإِسْلَامِ؛ فَالمَّسَرَّةُ بِفَلَاحِهِ مِنْ عَلَامَاتِ الإِيمَانِ.

(٥) طَهِّرْ نَفْسَكَ مِنْ كَرَاهِيَةِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ كَانَ يَسِيراً.

(٦) جَاهِدْ نَفْسَكَ فِي تَرْكِ خِصَالِ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ؛ كَالكِذِبِ وَإِخْلَافِ الوَعْدِ.

(٧) كُنْ سَمْحاً فِي خُصُومَتِكَ، وَإِيَّاكَ وَالفُجُورَ؛ فَإِنَّهُ مِيسَمٌ مِنْ مَوَاسِمِ النِّفَاقِ.

(٨) اعْلَمْ أَنَّ التَّوْحِيدَ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ؛ فَلَا تَنْسَ أَحَدَهُمَا عَلَى حِسَابِ الآخَرِ.

(٩) لْتَكُنْ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ دَيْدَنَكَ فِي البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

(١٠) لَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ سُلْطَاناً عَلَيْكَ بِطَاعَتِهِ فِيمَا يُغْضِبُ الرَّحْمَنَ.

(١١) كُنْ مِمَّنْ يُعَظِّمُونَ شَرْعَ اللَّهِ، وَلَا تَرْضَ بِغَيْرِ أَحْكَامِهِ بَدِيلاً.

(١٢) احْذَرِ التَّعَلُّقَ بِأَهْلِ الكِهَانَةِ وَادِّعَاءِ عِلْمِ الغَيْبِ؛ فَمَفَاتِحُهُ بِيَدِ اللَّهِ وَحْدَهُ.

(١٣) إِيَّاكَ وَالرِّضَا بِأَنْ تُعْبَدَ أَوْ تُطَاعَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي مَعْصِيَتِهِ.

(١٤) حَقِّقْ مَعْنَى "العُرْوَةِ الوُثْقَى" فِي حَيَاتِكَ بِالِاعْتِصَامِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ.

(١٥) الْزَمْ طَرِيقَ "الرُّشْدِ" وَهُوَ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَجَانِبْ سُبُلَ "الغَيِّ".

(١٦) تَعَلَّمِ الدِّينَ بِأَدِلَّتِهِ؛ فَالعِلْمُ المَّبْنِيُّ عَلَى الدَّلِيلِ أَثْبَتُ فِي الفِتَنِ.

(١٧) كُنْ بَاحِثاً مُدَقِّقاً فِي مَعَانِي المُّفْرَدَاتِ الشَّرْعِيَّةِ لِتَفْهَمَ مَقَاصِدَ الوَحْيِ.

(١٨) لَا تَنْشَغِلْ بِالقِيلِ وَالقَالِ عَنْ تَرْسِيخِ أُصُولِ العَقِيدَةِ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ.

(١٩) اعْتَقِدْ أَنَّ عَدَاوَةَ الطَّاغُوتِ شَرْطٌ لِوَلَايَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.

(٢٠) كُنْ عَبْداً رَبَّانِيّاً يُفْرِدُ اللَّهَ بِخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَتَوَكُّلِهِ.

(٢١) احْرِصْ عَلَى تَوْرِيثِ هَذِهِ الوَاجِبَاتِ لِلأَجْيَالِ القَادِمَةِ بِتَعْلِيمٍ رَصِينٍ.

(٢٢) اجْعَلْ "الحَاشِيَةَ" فِي حَيَاتِكَ الرُّجُوعَ لِكَلَامِ رَاسِخِي العِلْمِ مِنَ السَّلَفِ.

(٢٣) تَمَسَّكْ بِالبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، وَلَوْ كُنْتَ وَحْدَكَ فِي الطَّرِيقِ.

(٢٤) لَا تَدَعِ الشَّكَّ يَتَسَرَّبُ إِلَى يَقِينِكَ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِالحُكْمِ وَالتَّشْرِيعِ.

(٢٥) كُنْ لِسَانَ صِدْقٍ يَدْعُو لِلتَّوْحِيدِ وَيُحَذِّرُ مِنَ الشِّرْكِ وَرُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ.

(٢٦) لَا تُدَاهِنْ فِي دِينِكَ عَلَى حِسَابِ أَصْلِ الأُصُولِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

(٢٧) اعْلَمْ أَنَّ سَفَهَ النَّفْسِ فِي تَرْكِ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ وَالِانْشِغَالِ بِالتُّرَّهَاتِ.

(٢٨) اجْعَلْ تَعْرِيفَ الطَّاغُوتِ ضَابِطاً لَكَ حَتَّى لَا تَتَجَاوَزَ حَدَّكَ كَمَخْلُوقٍ.

(٢٩) لَا تَسْكُنْ إِلَى عَمَلِكَ، بَلْ سَلِ اللَّهَ الثَّبَاتَ عَلَى العُرْوَةِ الوُثْقَى حَتَّى المَّمَاتِ.

(٣٠) كُنْ بَصِيراً بِمَكَايِدِ الشَّيْطَانِ الدَّاعِي لِعِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ.

(٣١) لْتَكُنْ صَلَاتُكَ وَنُسُكُكَ وَمَحْيَاكَ وَمَمَاتُكَ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

(٣٢) قَابِلْ كُلَّ شُبْهَةٍ بِحُجَّةٍ مِنَ المَّتْنِ وَالدَّلِيلِ المَّنْقُولِ.

(٣٣) اجْعَلِ الحَمْدَ خَاتِمَةَ كُلِّ عَمَلٍ تَوْفِيقاً مِنْ رَبِّ البَرِيَّةِ.

(٣٤) لَا تَغْفُلْ عَنْ تَحْرِيرِ مَسَائِلِ الكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ كَمَا حَرَّرَهَا عُلَمَاءُ الأُمَّةِ.

(٣٥) كُنْ وَاضِحاً فِي وَلَائِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَرَائِكَ مِنَ المُّلحِدِينَ وَالمُّشْرِكِينَ.

(٣٦) اعْمَلْ بِمَا عَلِمْتَ؛ فَإِنَّ ثَمَرَةَ العِلْمِ الخَشْيَةُ وَالِاتِّبَاعُ.

(٣٧) احْذَرِ التَّبْدِيلَ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ، وَعَظِّمِ الوَحْيَيْنِ فِي صَدْرِكَ.

(٣٨) كُنْ دَاعِيَةً لِلرُّشْدِ، سَدّاً مَنِيعاً فِي وَجْهِ الغَيِّ وَالضَّلَالِ.

(٣٩) اسْتَمْسِكْ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَثِقْ بِمَوْعُودِ اللَّهِ.

(٤٠) اجْعَلْ هَذَا التَّحْقِيقَ عِلْماً يُنْتَفَعُ بِهِ، وَحُجَّةً لَكَ لَا عَلَيْكَ يَوْمَ القِيَامَةِ.

خَاتِمَةُ التَّحْقِيقِ

وَبَعْدُ؛ فَقَدْ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ الِانْتِهَاءُ مِنْ هَذَا التَّشْرِيحِ العِلْمِيِّ وَالتَّحْقِيقِ المَّنْهَجِيِّ لِرِسَالَةِ "الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ"، وَالَّتِي تُعَدُّ أَصْلًا مَنِ الأُصُولِ العَقَدِيَّةِ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا بَاحِثٌ أَوْ طَالِبُ عِلْمٍ. لَقَدْ طُفْنَا فِي رِحَابِ هَذَا المَّتْنِ، فَحَرَّرْنَا مَسَائِلَ النِّفَاقِ، وَكَشَفْنَا عَنْ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ، وَأَحْكَمْنَا قَبْضَةَ الِاسْتِمْسَاكِ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

إِنَّ هَذَا العَمَلَ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلْكَلِمَاتِ، بَلْ هُوَ "تَمْكِينٌ عَقَدِيٌّ" قَامَ عَلَى المُّقَابَلَةِ بَيْنَ النُّسَخِ، وَتَحْرِيرِ المُّفْرَدَاتِ بِالاشْتِقَاقِ وَالحَدِّ، وَتَنْزِيلِ تَقْرِيرَاتِ العُلَمَاءِ فِي مَحَالِّهَا. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا التَّحْقِيقَ حُجَّةً لَكَ، وَنُوراً يَهْدِي إِلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الحَنِيفَةِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ عِبَادَهُ المُّوَحِّدِينَ.

تَمَّ هَذَا التَّحْقِيقُ فِي يَوْمِ: الجُمُعَةِ.

السَّاعَةُ: ١٢:٤٠ ظُهْرًا.

التَّارِيخُ الهِجْرِيُّ: ٧ ذُو القَعْدَةِ ١٤٤٧ هـ.

التَّارِيخُ المِّيلَادِيُّ: ٢٤ أَبْرِيل (نَيْسَان) ٢٠٢٦ م.

(مِنَ الصَّفْحَةِ ١ إِلَى الصَّفْحَةِ ٣٥)

مُقَدِّمَةُ المُّحَقِّقِ وَأَهَمِّيَّةُ رِسَالَةِ الوَاجِبَاتِ ............. صـ (١)

وُجُوبُ تَعَلُّمِ المَّسَائِلِ الأَرْبَعِ (العِلْمُ، العَمَلُ، الدَّعْوَةُ، الصَّبْرُ) صـ (٣)

الأَصْلُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .............. صـ (٦)

أَدِلَّةُ وُجُودِ الخَالِقِ وَتَفْرِيدُهُ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ .............. صـ (٨)

تَحْرِيرُ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ (الدُّعَاءُ، الخَوْفُ، الرَّجَاءُ، التَّوَكُّلُ) . صـ (١٠)

الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ ........... صـ (١٥)

شَرْحُ مَرْتَبَةِ الإِسْلَامِ وَأَرْكَانِهِ الخَمْسَةِ ................................. صـ (١٩)

تَحْقِيقُ شَهَادَةِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَشُرُوطِهَا .......................... صـ (٢١)

مَرْتَبَةُ الإِيمَانِ وَشُعَبُهُ وَأَرْكَانُهُ السِّتَّةُ ................................. صـ (٢٤)

مَرْتَبَةُ الإِحْسَانِ وَحَقِيقَةُ رُؤْيَةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ .......................... صـ (٢٧)

الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ ............................... صـ (٣٠)

تَحْقِيقُ نَسَبِهِ ﷺ وَمَبْدَأِ الوَحْيِ بـ (اقْرَأْ) وَ (يَا أَيُّهَا المُّدَّثِّرُ) ............ صـ (٣٢)

الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ فِي مَكَّةَ وَقِصَّةُ المِّعْرَاجِ ........................... صـ (٣٤)

وُجُوبُ الهِجْرَةِ إِلَى المَّدِينَةِ وَتَقْرِيرُ خَتْمِ النُّبُوَّةِ ........................ صـ (٣٥)

بِدَايَةُ مَسَائِلِ النِّفَاقِ وَخُطُورَتِهِ عَلَى العَبْدِ ............................. صـ (٣٦)

تَحْرِيرُ النِّفَاقِ الِاعْتِقَادِيِّ (الأَكْبَرِ) وَأَنْوَاعِهِ السِّتَّةِ ...................... صـ (٤٠)

تَفْصِيلُ أَدِلَّةِ النِّفَاقِ الاعْتِقَادِيِّ مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .................... صـ (٤٥)

تَحْرِيرُ النِّفَاقِ العَمَلِيِّ (الأَصْغَرِ) وَخِصَالِهِ الخَمْسِ ........................ صـ (٥٢)

تَحْقِيقُ المُّفْرَدَاتِ (خَانَ، فَجَرَ، غَدَرَ) بِالاشْتِقَاقِ وَالحَدِّ ............... صـ (٥٨)

أَصْلُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَأَدِلَّتُهُ مِنْ سُورَةِ المُّجَادَلَةِ ......................... صـ (٦٣)

مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَحَقِيقَةُ البَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالمُّشْرِكِينَ .................... صـ (٦٨)

تَعْرِيفُ الطَّاغُوتِ (المَّعْبُودُ، المَّتْبُوعُ، المُّطَاعُ) .......................... صـ (٧٤)

تَفْصِيلُ رُؤُوسِ الطَّوَاغِيتِ الخَمْسَةِ (تَأْصِيلًا وَتَشْرِيحًا):

الرَّأْسُ الأَوَّلُ: الشَّيْطَانُ الدَّاعِي لِلشِّرْكِ ........................ صـ (٧٦)

الرَّأْسُ الثَّانِي وَالثَّالِثُ: الحَاكِمُ المُّغَيِّرُ وَبِغَيْرِ الشَّرْعِ ............... صـ (٧٧)

الرَّأْسُ الرَّابِعُ: مَنْ يَدَّعِي عِلْمَ المَّغِيبَاتِ ........................ صـ (٧٨)

الرَّأْسُ الخَامِسُ: المَّعْبُودُ الرَّاضِي بِالعِبَادَةِ ....................... صـ (٧٩)

تَحْقِيقُ مَعْنَى (العُرْوَةِ الوُثْقَى) وَ (الرُّشْدِ) وَ (الغَيِّ) ..................... صـ (٧٩)

خَاتِمَةُ الرِّسَالَةِ وَتَمَامُ رُكْنَيِ التَّوْحِيدِ (النَّفْيُ وَالإِثْبَاتُ) ............. صـ (٧٩)

الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ (تَمَّتِ الرِّسَالَةُ) ................ صـ (٧٩)


    (إِجَازَةٌ مُسْنَدَةٌ)

[قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ رِسَالَةِ (الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ]

يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):

عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِّصْرِيُّ

«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَّرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَّعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُّجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَّمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):

الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُّحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَّسْجِدِ النَّبَوِيِّ).

الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.

الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُّحَمَّدِيُّ.

المُّسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.

الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.

الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَّدْخَلِيُّ.

ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:

الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.

الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.

الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.

الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِّصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.

الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.

الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُّعِزِّ الفَيُّومِيُّ.

ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:

مِنَ الكُوَيْتِ: الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ.

مِنَ اليَمَنِ: الشَّيْخُ أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ.

مِنَ الجَزَائِرِ: الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَّجِيدِ جُمُعَةُ.

مِنَ الهِنْدِ: الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ.

مِنَ الكُرْدِ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.

[السَّنَدُ المُّتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ"]:

أَرْوِي رِسَالَةَ "الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَّشَايِخِ المَّذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُّسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُّعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:

الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَّجِيدِ). وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.

[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:

يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُّجَدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.

تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.

كَتَبَهُ / أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ


إِجَازَةٌ خَاصَّةٌ (مُعَيَّنٌ بِمُعَيَّنٍ)

فِي بَحْثِ: [إِحْكَامُ التَّقْرِيرِ فِي تَحْقِيقِ الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ]

يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى عَفْوِ رَبِّهِ:

أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِّصْرِيُّ

البَاحِثُ فِي الدِّرَاسَاتِ المَّنْهَجِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ

«الحَمْدُ للهِ الذِي رَفَعَ مَنَارَ السُّنَّةِ بِأَهْلِ الأَثَرِ، وَجَعَلَ الإِسْنَادَ حِصْنًا لِدِينِهِ مِنَ الغَلَوِ وَالخَطَرِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ السَّالِكِينَ عَلَى المَّحَجَّةِ البَيْضَاءِ مَا اتَّصَلَتْ عَيْنٌ بِنَظَرٍ وَأُذُنٌ بِخَبَرٍ.

أَمَّا بَعْدُ؛

فَلَمَّا كَانَ بَحْثِي المَّوْسُومُ بـ «إِحْكَامُ التَّقْرِيرِ فِي تَحْقِيقِ الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ المَّعْرِفَةِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ» قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى تَحْقِيقِ أُصُولِ المُّعْتَقَدِ، وَتَحْرِيرِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ التِي لَا يَسَعُ المُّكَلَّفَ جَهْلُهَا؛ فَقَدْ رَغِبَ إِلَيَّ الأَخُ الفَاضِلُ:

(............................................................)

أَنْ أُجِيزَهُ فِيهِ، بَعْدَ أَنْ تَحَقَّقْتُ مِنْ سَلَامَةِ مَعْتَقَدِهِ، وَسَيْرِهِ عَلَى الجَادَّةِ السَّلَفِيَّةِ، وَبَعْدَ أَنْ قَرَأَ عَلَيَّ (أَوْ: قَرَأَ بِنَفْسِهِ) هَذَا البَحْثَ قِرَاءَةً مُتَأَنِّيَةً، ضَابِطًا لِكَلِمَاتِهِ، فَاهِمًا لِمَقَاصِدِهِ، مُسْتَوْعِبًا لِأَدِلَّتِهِ.

لِذَا؛ فَقَدْ أَجَزْتُهُ إِجَازَةً خَاصَّةً (مُعَيَّنٌ بِمُعَيَّنٍ) أَنْ يَرْوِيَ عَنِّي هَذَا البَحْثَ، وَأَنْ يُعَلِّمَهُ لِلنَّاسِ، بِالشَّرْطِ المُّعْتَبَرِ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَالأَثَرِ، مِنْ ضَبْطِ النَّقْلِ، وَتَحَرِّي الصِّدْقِ، وَلُزُومِ التَّقْوَى فِي السِّرِّ وَالعَلَنِ.

وَأُوصِيهِ وَنَفْسِي:

بِتَقْوَى اللهِ العَظِيمِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى مَنْهَجِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَنَشْرِ التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَالذَّبِّ عَنْ عَقِيدَةِ الإِمَامِ المُّجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- بِالعِلْمِ وَالبُرْهَانِ.

صَدَرَ هَذَا عَنِّي فِي:

يَوْمِ/ ........... المُّوَافِقِ: ...... / ...... / ١٤٤٧ هـ

المُّجِيزُ:

أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ عَامِرٍ المِّصْرِيُّ

(تَوْقِيعُ البَاحِثِ)»




أَسْئِلَةُ (المَّسَائِلِ المُّشْكِلَةِ) فِي رِسَالَةِ الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ

١. السُّؤَالُ: مَا المَّقْصُودُ بِـ (الرَّبِّ) فِي قَوْلِ المُؤَلِّفِ: «رَبِّيَ اللهُ الذِي رَبَّانِي»؟

٢. السُّؤَالُ: كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِـ (آيَاتِ اللهِ) عَلَى مَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؟

٣. السُّؤَالُ: مَا الفَرْقُ بَيْنَ (تَوْحِيدِ العِبَادَةِ) وَ(تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ)؟

٤. السُّؤَالُ: لِمَاذَا صَدَّرَ المُؤَلِّفُ الرِّسَالَةَ بِمَسْأَلَةِ (مَعْرِفَةِ العَبْدِ رَبَّهُ)؟

٥. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلَمْ يُوَحِّدْ فِي الأُلُوهِيَّةِ؟

٦. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الحَدُّ المَّانِعُ) لِتَعْرِيفِ العِبَادَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؟

٧. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ)؟

٨. السُّؤَالُ: هَلْ يُعْتَبَرُ (الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ) مِنَ المَّخْلُوقَاتِ نَوْعاً مِنَ الشِّرْكِ؟

٩. السُّؤَالُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ (الدُّعَاءَ) هُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ؟

١٠. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) وَمَا هِيَ أَمْثِلَتُهُ فِي الوَاقِعِ؟

١١. السُّؤَالُ: مَا هِيَ (الأُصُولُ الأَرْبَعَةُ) لِتَحْقيقِ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟

١٢. السُّؤَالُ: هَلْ مَعْرِفَةُ (نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ) دَاخِلَةٌ فِي وَاجِبِ المَّعْرِفَةِ؟

١٣. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (البَعْثِ) بَعْدَ المَّوْتِ وَعَلَاقَتُهُ بِمَعْرِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ؟

١٤. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ مُخَالَفَةِ سُنَّتِهِ؟

١٥. السُّؤَالُ: مَا الحِكْمَةُ الكُبْرَى مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ جَمِيعاً إِلَى البَشَرِ؟

١٦. السُّؤَالُ: إِذَا اجْتَمَعَ (الإِسْلَامُ) وَ(الإِيمَانُ) فِي نَصٍّ وَاحِدٍ فَمَا مَدْلُولُ كُلِّ مِنْهُمَا؟

١٧. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الرُّكْنُ المَّكِينُ) لِمَرْتَبَةِ الإِحْسَانِ فِي الدِّينِ؟

١٨. السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الفَرْدُ مُسْلِماً وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ إِيمَاناً كَامِلاً؟

١٩. السُّؤَالُ: مَا هِيَ أَرْكَانُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ (مَرَاتِبُ القَدَرِ)؟

٢٠. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ رُكْناً وَاحِدًا مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ؟

٢١. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (أَصْلُ الدِّينِ) الذِي لَا يَصِحُّ إِيمَانُ العَبْدِ إِلَّا بِهِ؟

٢٢. السُّؤَالُ: كَيْفَ يُحَقِّقُ العَبْدُ (الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ) تَحْقِيقاً عَمَلِيًّا؟

٢٣. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (مُحَادَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ) الوَارِدَةِ فِي آيَاتِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ؟

٢٤. السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ (الطَّاغُوتُ) مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ وَالِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ؟

٢٥. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ (المُّحَاكَمَةِ إِلَى غَيْرِ شَرْعِ اللهِ) مَعَ اعْتِقَادِ حِلِّ ذَلِكَ؟

٢٦. السُّؤَالُ: لِمَاذَا وُصِفَتْ مَسَائِلُ الرِّسَالَةِ بِأَنَّهَا (وَاجِبَاتٌ مُتَحَتِّمَاتٌ)؟

٢٧. السُّؤَالُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ (الإِكْرَاهَ) لَا يُسَوِّغُ الشِّرْكَ القَلْبِيَّ؟

٢٨. السُّؤَالُ: مَا هِيَ (العُرْوَةُ الوُثْقَى) التِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ الكَرِيمِ؟

٢٩. السُّؤَالُ: كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ (البَرَاءِ مِنَ المُّشْرِكِينَ) وَبَيْنَ (العَدْلِ وَالبِرِّ) بِهِمْ؟

٣٠. السُّؤَالُ: مَا هِيَ الثَّمَرَةُ المَّرْجُوَّةُ مِنْ دِرَاسَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ العَظِيمَةِ؟


الأَسْئِلَةُ المُّشَكَّلَةُ عَلَى رِسَالَةِ (الوَاجِبَاتِ المُّتَحَتِّمَاتِ)

الجُزْءُ الأَوَّلُ: مَسَائِلُ التَّوْحِيدِ وَالرُّبُوبِيَّةِ

١. السُّؤَالُ: مَا المَّقْصُودُ بِـ (الرَّبِّ) فِي قَوْلِ المُؤَلِّفِ: «رَبِّيَ اللهُ الذِي رَبَّانِي»؟

الرَّدُّ: المَّقْصُودُ هُنَا هُوَ الجَمْعُ بَيْنَ (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ) وَهُوَ الخَلْقُ وَالرِّزْقُ، وَبَيْنَ (تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ)؛ لِأَنَّ مَنْ رَبَّى العَبْدَ بِنِعَمِهِ هُوَ المُّسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِإِفْرَادِهِ بِالعِبَادَةِ.

٢. السُّؤَالُ: كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِـ (آيَاتِ اللهِ) عَلَى مَعْرِفَتِهِ سُبْحَانَهُ؟

الرَّدُّ: الآيَاتُ نَوْعَانِ: (كَوْنِيَّةٌ) كَالشَّمْسِ وَالقَمَرِ، وَ(شَرْعِيَّةٌ) وَهِيَ الوَحْيُ. وَالِاسْتِدْلَالُ بِهَا يَكُونُ بِالتَّفَكُّرِ فِي إِتْقَانِ الخَلْقِ الذِي يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الخَالِقِ.

٣. السُّؤَالُ: مَا الفَرْقُ بَيْنَ (تَوْحِيدِ العِبَادَةِ) وَ(تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ)؟

الرَّدُّ: (تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ) هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِأَفْعَالِهِ (كَالخَلْقِ)، أَمَّا (تَوْحِيدُ العِبَادَةِ) فَهُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِأَفْعَالِ العَبْدِ (كَالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ).

٤. السُّؤَالُ: لِمَاذَا صَدَّرَ المُؤَلِّفُ الرِّسَالَةَ بِمَسْأَلَةِ (مَعْرِفَةِ العَبْدِ رَبَّهُ)؟

الرَّدُّ: لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَسْئُولِيَّةٍ فِي القَبْرِ، وَلِأَنَّ مَعْرِفَةَ المَّعْبُودِ تَسْبِقُ مَعْرِفَةَ العِبَادَةِ نَفْسِهَا.

٥. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ أَقَرَّ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَلَمْ يُوَحِّدْ فِي الأُلُوهِيَّةِ؟

الرَّدُّ: لَا يَنْفَعُهُ إِقْرَارُهُ، وَيَكُونُ كَافِرًا كَمُشْرِكِي قُرَيْشٍ الذينَ أَقَرُّوا بِأَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ وَلَكِنَّهُمْ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ.

الجُزْءُ الثَّانِي: مَسَائِلُ العِبَادَةِ وَالشِّرْكِ

٦. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الحَدُّ المَّانِعُ) لِتَعْرِيفِ العِبَادَةِ؟

الرَّدُّ: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ.

٧. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (صَرْفُ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ)؟

الرَّدُّ: هُوَ حَقِيقَةُ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ، سَوَاءً كَانَ المَّصْرُوفُ لَهُ مَلَكًا مُقَرَّبًا أَوْ نَبِيًّا مُرْسَلًا.

٨. السُّؤَالُ: هَلْ يُعْتَبَرُ (الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ) مِنَ الحَيَوَانِ المُفْتَرِسِ شِرْكًا؟

الرَّدُّ: لَا، الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوْحِيدِ، وَإِنَّمَا الشِّرْكُ هُوَ (خَوْفُ السِّرِّ) بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ غَيْرَ اللهِ يَنْفَعُ أَوْ يَضُرُّ بِقُدْرَةٍ خَفِيَّةٍ.

٩. السُّؤَالُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ (الدُّعَاءَ) هُوَ أَعْظَمُ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ؟

الرَّدُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي}؛ فَسَمَّى الدُّعَاءَ عِبَادَةً.

١٠. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الشِّرْكُ الأَصْغَرُ) وَمَا مِثَالُهُ؟

الرَّدُّ: هُوَ كُلُّ مَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَسَمَّاهُ الشَّرْعُ شِرْكًا، مِثْلُ: (اليَسِيرِ مِنَ الرِّيَاءِ) أَوْ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ دُونَ اعْتِقَادِ العَظَمَةِ.

الجُزْءُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّ الِإسْلَامِ ﷺ

١١. السُّؤَالُ: مَا هِيَ (الأُصُولُ الأَرْبَعَةُ) لِتَحْقيقِ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ؟

الرَّدُّ: ١- طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ. ٢- تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ. ٣- اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ. ٤- أَلَّا يُعْبَدَ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ.

١٢. السُّؤَالُ: هَلْ مَعْرِفَةُ (نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ) وَاجِبَةٌ؟

الرَّدُّ: نَعَمْ، مَعْرِفَةُ نَسَبِهِ وَأَنَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَمِنَ العَرَبِ جُزْءٌ مِنْ مَعْرِفَةِ هُوِيَّةِ الرَّسُولِ الذِي نَتَّبِعُهُ.

١٣. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (البَعْثِ) بَعْدَ المَّوْتِ فِي مَعْرِفَةِ النَّبِيِّ؟

الرَّدُّ: هُوَ الإِيمَانُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَ بِخَبَرِ القِيَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ كَذَّبَ بِالبَعْثِ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ.

١٤. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ ادَّعَى مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُخَالِفُ سُنَّتَهُ؟

الرَّدُّ: مَحَبَّتُهُ نَاقِصَةٌ، لِأَنَّ شَرْطَ المَّحَبَّةِ الصَّادِقَةِ هُوَ الِاتِّبَاعُ، كَمَا فِي (آيَةِ المِّحْنَةِ) فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.

١٥. السُّؤَالُ: مَا الحِكْمَةُ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ جَمِيعًا؟

الرَّدُّ: دَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى تَوْحِيدِ اللهِ وَتَرْكِ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ.

الجُزْءُ الرَّابِعُ: مَرَاتِبُ الدِّينِ (الإِسْلَام، الإِيمَان، الإِحْسَان)

١٦. السُّؤَالُ: إِذَا اجْتَمَعَ (الإِسْلَامُ) وَ(الإِيمَانُ) فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ فَمَا مَعْنَاهُمَا؟

الرَّدُّ: يُفَسَّرُ الإِسْلَامُ بِالأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ (كَالصَّلَاةِ)، وَيُفَسَّرُ الإِيمَانُ بِالأَعْمَالِ البَاطِنَةِ (كاليَقِينِ).

١٧. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (الرُّكْنُ المَّكِينُ) لِلِإحْسَانِ؟

الرَّدُّ: هُوَ مَقَامُ (المُّراقَبَةِ)؛ أَيْ أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ.

١٨. السُّؤَالُ: هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ مُسْلِمًا وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ (إِيمَانًا كَامِلًا)؟

الرَّدُّ: نَعَمْ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا}.

١٩. السُّؤَالُ: مَا هِيَ أَرْكَانُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ؟

الرَّدُّ: أَرْبَعَةٌ: العِلْمُ، الكِتَابَةُ، المَّشِيئَةُ، وَالخَلْقُ.

٢٠. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ رُكْنًا وَاحِدًا مِنْ أَرْكَانِ الإِيمَانِ؟

الرَّدُّ: هُوَ كَافِرٌ بِاللهِ، لِأَنَّ الإِيمَانَ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي القَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ.

الجُزْءُ الخَامِسُ: مَسَائِلُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَالطَّاغُوتِ

٢١. السُّؤَالُ: مَا هُوَ (أَصْلُ الدِّينِ) الذِي لَا يَصِحُّ إِلَّا بِهِ؟

الرَّدُّ: هُوَ شَطْرَانِ: الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِيمَانُ بِاللهِ.

٢٢. السُّؤَالُ: كَيْفَ يَكُونُ (الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ) عَمَلِيًّا؟

الرَّدُّ: بِبُغْضِهِ، وَاجْتِنَابِهِ، وَتَكْفِيرِهِ، وَتَرْكِ عِبَادَتِهِ.

٢٣. السُّؤَالُ: مَا مَعْنَى (مُحَادَّةُ اللهِ وَرَسُولِهِ)؟

الرَّدُّ: هِيَ أَنْ يَكُونَ العَبْدُ فِي (حَدٍّ) أَيْ جَانِبٍ، وَالشَّرْعُ فِي جَانِبٍ آخَرَ مُعَادِيًا لَهُ.

٢٤. السُّؤَالُ: مَنْ هُوَ (الطَّاغُوتُ) لُغَةً وَاصْطِلَاحًا؟

الرَّدُّ: لُغَةً: مِنَ الطُّغْيَانِ (مُجَاوَزَةِ الحَدِّ). وَاصْطِلَاحًا: كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ.

٢٥. السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ (المُّحَاكَمَةِ إِلَى غَيْرِ شَرْعِ اللهِ)؟

الرَّدُّ: هِيَ مِنَ الكُفْرِ بِاللهِ إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّهَا أَوْ أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ حُكْمِ اللهِ.

الجُزْءُ السَّادِسُ: خَاتِمَةُ الرِّسَالَةِ وَمَقَاصِدُهَا

٢٦. السُّؤَالُ: لِمَاذَا وُصِفَتْ هَذِهِ المَّسَائِلُ بِأَنَّهَا (وَاجِبَاتٌ مُتَحَتِّمَاتٌ)؟

الرَّدُّ: لِأَنَّ الجَهْلَ بِهَا يُؤَدِّي إِلَى فَلَاتِ الدِّينِ وَالوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ المُّحْبِطِ لِلأَعْمَالِ.

٢٧. السُّؤَالُ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ (الإِكْرَاهَ) لَا يُبِيحُ الشِّرْكَ القَلْبِيَّ؟

الرَّدُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ}؛ فَشَرَطَ طُمَأْنِينَةَ القَلْبِ بِالتَّوْحِيدِ.

٢٨. السُّؤَالُ: مَا هِيَ (العُرْوَةُ الوُثْقَى) التِي لَا انْفِصَامَ لَهَا؟

الرَّدُّ: هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا.

٢٩. السُّؤَالُ: كَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَ (البَرَاءِ مِنَ المُّشْرِكِينَ) وَ(الإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا)؟

الرَّدُّ: نُبْغِضُ كُفْرَهُمْ وَنَتَبَرَّأُ مِنْ دِينِهِمْ، لَكِنْ نُعَامِلُهُمْ بِالعَدْلِ وَالبِرِّ المَّأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا لِدَعْوَتِهِمْ.

٣٠. السُّؤَالُ: مَا هِيَ الثَّمَرَةُ المَّرْجُوَّةُ مِنْ دِرَاسَةِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ؟

الرَّدُّ: تَصْحِيحُ المُعْتَقَدِ، وَتَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ، وَالنَّجَاةُ مِنْ فِتْنَةِ القَبْرِ، وَالفَوْزُ بِرِضَا اللهِ وَجَنَّتِهِ.