الثلاثاء، 24 مارس 2026

آداب البحث والمناظرة في مشكل الصفات عند السلف

 آداب البحث والمناظرة في مشكل الصفات عند السلف

إن خوض السلف في مسائل الأسماء والصفات لم يكن طلباً للمغالبة أو الجدل العقيم، بل كان صيانة لجناب التوحيد. وقد انضبطت مناظراتهم وبحوثهم بجملة من الآداب التي تُعد "دستوراً أخلاقياً" للبحث العقدي.

أولاً: توقير النص وتقديمه على العقل (أدب التسليم)

أول أدب التزم به السلف في البحث هو عدم معارضة النص بـ "لماذا" أو "كيف" أو "لو كان كذا لكان كذا". كان البحث يبدأ من النص وينتهي إليه.

 * الأصل الشرعي: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ} [الحجرات: 1].

 * التحقيق المنهجي: اعتبر السلف أن إقحام الأقيسة العقلية في صفات الله هو نوع من سوء الأدب مع الخالق؛ لأن العقل مأمور بالاستيعاب لا بالتشريع في باب الغيب.

   (انظر: الصواعق المرسلة، ابن القيم، 2/435؛ شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، 1/212).

ثانياً: الإعراض عن المراء والخصومة في الدين

تميز منهج الأثر بالتحذير من الجدل الذي لا يثمر عملاً، خاصة مع أهل البدع الذين لا ينطلقون من تعظيم النص.

 * الأصل النبوي: قوله ﷺ: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ" [أخرجه الترمذي في سننه، 5/407، رقم 3253؛ وابن ماجه، 1/19، رقم 48].

 * التحقيق المنهجي: كان الأئمة يفرقون بين "المناظرة لإحقاق الحق" وبين "المراء لطلب الظهور". فالمناظرة تكون مع المسترشد ببيان الحجة، أما صاحب الهوى فكان الإعراض عنه هو الأدب المتبع صيانةً للقلوب من الشبهات.

   (انظر: الإبانة الكبرى، ابن بطة، 2/520؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 1/114).

ثالثاً: الدقة في استعمال الألفاظ الشرعية والعدول عن الألفاظ المبتدعة

من آداب البحث عند السلف الالتزام بالألفاظ التي وردت في الوحي (كالعلو، واليد، والوجه) والتحرز من الألفاظ المجملة التي اخترعها المتكلمون (كالجهة، والحيز، والجسم، والجوهر).

 * التحقيق: هذه الألفاظ الحادثة تحتمل حقاً وباطلاً، فكان السلف يستفصلون؛ فإن أراد المتكلم بـ "الجهة" علو الله أثبتوا المعنى ورفضوا اللفظ البدعي، وإن أراد حيزاً يحيط بالخالق رفضوا المعنى واللفظ معاً.

   (انظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 1/205؛ التدمرية، ص 71).

سرد آثار جديدة ومحققة للأئمة في آداب البحث والمناظرة

 * الإمام مالك بن أنس (ت 179هـ): قال له رجل: يا أبا عبد الله، إني أريد أن أناظرك في الدين. فقال مالك: "أما أنا فعلى بينة من ديني، وأما أنت فشاكّ، فاذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه". (انظر: الحلية، لأبي نعيم، 6/324؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي، 8/99).

 * الإمام الأوزاعي (ت 157هـ): "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم". (انظر: الشريعة، الآجري، 1/141؛ السنة، للالكائي، 1/114).

 * الإمام سفيان بن عيينة (ت 198هـ): "ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية؛ فإذا رأيت المناظر يطلب المباهاة فاعلم أنه قد ضل الطريق". (انظر: الحلية، لأبي نعيم، 7/280؛ صفة الصفوة، ابن الجوزي، 2/235).

 * الإمام الشافعي (ت 204هـ): "ما ناظرت أحداً إلا قلت: اللهم أجرِ الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته". (انظر: مناقب الشافعي، البيهقي، 1/174؛ آداب الشافعي ومناقبه، ابن أبي حاتم، ص 92).

 * الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ): "المتبع لآثار السلف في الصفات كالمتمسك بالحبل المتين، لا تضره عواصف الآراء، ولا تستهويه زخارف الأقيسة". (انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 12/404؛ سير أعلام النبلاء، 10/495).

 * الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ): سُئل عن مناظرة أهل البدع فقال: "لا تجالسوهم ولا تفتنوهم بخصومتكم، فإنهم لا يريدون الحق وإنما يريدون الفتنة". (انظر: طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، 1/31؛ الإبانة الكبرى، 2/445).

 * الإمام أبو زرعة الرازي (ت 264هـ): "إذا رأيت الرجل يخاصم في الصفات بغير أثر فاتهمه على الإسلام؛ لأن الأثر هو العصمة من الضلال". (انظر: تاريخ بغداد، 10/326؛ السنة، للالكائي، 1/160).

 * الإمام أبو داود السجستاني (ت 275هـ): "صاحب السنن لا يحتاج إلى الجدل، فحجته معه في جيبه (يعني الحديث)، أما صاحب الرأي فحجته في لسان مراء". (انظر: سير أعلام النبلاء، 13/214؛ طبقات الحنابلة، 1/155).

 * الإمام ابن بطة العكبري (ت 387هـ): "من أدب المؤمن في الصفات أن يقرأها فيخشع، ويسمعها فيخضع، ولا يضرب لها الأمثال بجهله". (انظر: الإبانة الكبرى، ابن بطة، 3/164؛ الشريعة، الآجري، 3/1075).

 * الإمام قوام السنة الأصبهاني (ت 535هـ): "أهل الحديث هم أبصر الناس بآداب الجدل؛ لأنهم لا ينطقون إلا بحجة، ولا يسكتون إلا عن عجز البشر عن إدراك الكيفية". (انظر: الحجة في محجة المحجة، الأصبهاني، 1/240).

تحقيق منهجي في "السكوت عن الكيفية" كأدب بحثي

اعتبر السلف أن "السكوت" في موضع الجهل هو "علم" في حد ذاته.

 * قاعدة السكوت: عندما سُئل مالك عن الاستواء فأطرق حتى علته الرحضاء، لم يكن إطراقه عجزاً عن الجواب اللغوي، بل كان "أدباً" في عدم الخوض فيما لم يؤذن فيه من "الكيف".

 * التطبيق: المناظر الأثري يثبت المعنى اللغوي (العلو، النزول، اليد) بقوة الحجة اللسانية، ثم "يقف" أدباً وتوقيراً عند حدود الكنه والحقيقة. وهذا الوقوف هو الذي يميز الباحث الرباني عن المتفلسف الحيران.

   (انظر: التمهيد، ابن عبد البر، 7/151؛ مجموع الفتاوى، 5/215).

رابعاً: الرحمة بالخلق والنصح للمخالف

من أدب السلف في البحث العقدي أنهم كانوا يناظرون نصحاً لا تشفياً.

 * المنهج: كان ابن تيمية يقول: "أهل السنة أعلم بالحق وأرحم بالخلق". فالبحث في مشكل الصفات يهدف إلى رد الناس إلى الفطرة والقرآن، وليس إلى تكفيرهم أو تبديعهم لغرض الخصومة الشخصية.

   (انظر: منهاج السنة النبوية، 4/337؛ الصواعق المرسلة، 1/245).



مواقف و مناظرات بين السلف وأهل التجهيل

 مواقف و مناظرات بين السلف وأهل التجهيل

1. مناظرة الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ) لمنكري العلو

دخل جماعة من المعتزلة على الإمام أبي حنيفة يناظرونه في إثبات جهة العلو لله تعالى، وكانوا يرون أن وصف الله بالعلو يقتضي الحيز والجهة وهو عندهم مجهول المعنى أو مؤول.

 * المحاجة: سألهم الإمام: "ما تقولون في إلهكم، أهو في السماء أم في الأرض؟" قالوا: "هو في كل مكان".

 * الرد : قال الإمام: "إن قيل: أين الله؟ فقولوا: في السماء"، واستدل بقوله تعالى: 

   . وألزمهم بأن العلو صفة كمال معلومة المعنى، وأن نفيها هو نفي لوجود الخالق؛ لأن ما لا يطالب بجهة علوه في الفطرة هو "العدم".

   (انظر: الفقه الأبسط، ص 51؛ العلو للعلي الغفار، الذهبي، ص 135).

2. مناظرة الإمام الشافعي (ت 204هـ) لحفص الفرد

ناظر الشافعي حفصاً الفرد في مسألة القرآن وصفات الله، وكان حفص يميل إلى مذهب التعطيل والتفويض الذي ينفي المعنى الحقيقي للصفة.

 * المحاجة: جرى الكلام حول "المشيئة" و"العلم". أراد حفص أن يجعل هذه الصفات ألفاظاً لا تدل على معانٍ قائمة بالذات.

 * الرد : قام الشافعي بتشقيق الألفاظ لغوياً، وأثبت أن الله وصف نفسه بالعلم، والعلم في لغة العرب يقتضي "معلوماً"، فإذا لم يكن لله علم حقيقي معلوم المعنى، بطل كونه عالماً. وانتهت المناظرة بتكفير الشافعي لحفص حين قال بخلق القرآن ونفى الصفة.

   (انظر: مناقب الشافعي، البيهقي، 1/407-410؛ سير أعلام النبلاء، 10/79).

3. مناظرة الإمام عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) للجهمية

سُئل ابن المبارك عن كيفية معرفة الرب، وكان الجهمية والمفوضة يزعمون أننا لا نعرف عن الله إلا "العدم المحض" لصعوبة إدراك المعنى.

 * المحاجة: قالوا له: كيف نعرف ربنا؟

 * الرد : قال: "بأنه فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه". قيل له: بحد؟ قال: "بحد".

 * استخدامه لكلمة "بحد" و"بائن" هو إثبات صريح لمعنى "الاستواء" و"العلو"، وردٌّ على من ادعى أن هذه الألفاظ متشابهة لا يُفهم معناها؛ إذ لو كانت مجهولة المعنى لما جاز لابن المبارك أن يصفها بـ "البينونة".

   (انظر: الرد على الدارمي، ص 23؛ السنة، لعبد الله بن أحمد، 1/175).

4. مناظرة الإمام إسحاق بن راهويه (ت 238هـ) عند الأمير عبد الله بن طاهر

وقع نزاع بين إسحاق وبين طائفة من المتكلمين في "النزول" الإلهي، حيث ادعى الخصوم أن النزول مجهول المعنى ويستلزم النقص.

 * المحاجة: قال الخصم لإسحاق: "كفرتَ برب ينزل من سماء إلى سماء!".

 * الرد : قال إسحاق: "آمنتُ برب يفعل ما يريد". ثم أوضح أن النزول معلوم المعنى من حيث هو فعل اختيار لله، وأن الجهل بكيفيته لا يبيح لنا نفي أصل معناه أو ادعاء جهله.

   (انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 11/376؛ فتح الباري، ابن حجر، 13/465).

5. مناظرة الإمام إبراهيم بن طهمان (ت 163هـ) في الاستواء

كان إبراهيم من علماء خراسان، وناظر من يدعي أن "الاستواء" لا معنى له أو أنه بمعنى "الاستيلاء".

 * المحاجة: أورد الخصوم أن الله كان ولا عرش، فكيف يقال استوى؟

 * الرد : قال إبراهيم: "الاستواء معلوم، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر". وبين أن حدوث العرش لا يمنع ثبوت صفة الفعل لله، وأن معنى الاستواء (العلو) ثابت في لسان العرب قبل وجود المتكلمين.

   (انظر: العلو، الذهبي، ص 142؛ تهذيب التهذيب، ابن حجر، 1/129).

6. مناظرة الإمام أبو زرعة الرازي (ت 264هـ) لمنكري الصفات الخبرية

واجه أبو زرعة من يحاول تفويض معاني (اليد والوجه) بدعوى أنها من المجملات التي لا بيان لها.

 * المحاجة: ادعى الخصم أن إثبات هذه الألفاظ بمعانيها يقتضي التشبيه، فيجب إهمال المعنى.

 * الرد والتحقيق: قال أبو زرعة: "تفسيرها كما قرأت، لا يقال فيها كيف، بل هي حق معلوم". وأوضح أن التفويض الذي يدعيه الخصوم هو "هدم للدين"؛ لأن الله لم يخاطبنا بالأعجمية، بل بلساننا، واليد في لساننا معلومة المعنى، ونحن نثبت لله يداً تليق به لا كأيدينا.

   (انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 10/326؛ طبقات الحنابلة، 1/200).

جملة من أقوال السلف المحققة في إثبات المعنى ونفي التجهيل

 * الإمام الأوزاعي (ت 157هـ): "كنا والتابعين متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". (الأسماء والصفات، البيهقي، ص 408).

 * الإمام سفيان الثوري (ت 161هـ): "ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا يُفسر بغير ذلك ولا يُكلف أحد بغيره". (شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 3/430).

 * الإمام وكيع بن الجراح (ت 197هـ): "نُسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا؟ ولا لِمَ كذا؟". (خلق أفعال العباد، البخاري، ص 71).

 * الإمام ابن عيينة (ت 198هـ): "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه". (السنة، لعبد الله بن أحمد، 1/73).

 * الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): "الأحاديث التي جاءت أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وأن الله يُرى.. هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها". (الرد على الجهمية، الدارمي، ص 81)؛ والمقصود بنفي التفسير هنا هو "تأويل المعنى لغير حقيقته".

 * الإمام يزيد بن هارون (ت 206هـ): "من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي". (العلو، الذهبي، ص 157)؛ قوله "ما يقر في قلوب العامة" دليل على وضوح المعنى.

 * الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ): "هذه الأحاديث التي يروونها في الرؤية والصفات.. حق عندنا رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أننا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها". (شرح أصول اعتقاد أهل السنة، 3/526).

 * الإمام نعيم بن حماد (ت 228هـ): "حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكير في الرب". (سير أعلام النبلاء، 10/610).

 * الإمام قتيبة بن سعيد (ت 240هـ): "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه". (العلو، الذهبي، ص 187).

 * الإمام ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ): "نحن لا نقول بالاستيلاء، بل نقول بالاستواء كما أخبر، ونفهم من كلامه ما فهمته العرب في لغتها". (تأويل مختلف الحديث، ص 215).



منهج أهل التجهيل (المفوضة) ونقد دعوى انقطاع السلف عن فهم المعاني

 منهج أهل التجهيل (المفوضة) ونقد دعوى انقطاع السلف عن فهم المعاني

يعد مذهب "التفويض" -بالمعنى الذي قرره متأخرو المتكلمين- من أدق المسائل التي التبس فيها الحق بالباطل؛ إذ حاول أصحابه نسبة مذهبهم إلى سلف الأمة، زاعمين أن الصحابة والتابعين كانوا يمرون نصوص الصفات دون إدراك لمعانيها، فجعلوهم بمنزلة "الأميين" الذين لا يعلمون من الكتاب إلا أماني. وهذا المبحث يتناول نقض هذه الدعوى وتحليلها من وجوه شتى.

أولاً: تحرير مفهوم التفويض والفرق بين تفويض "المعنى" وتفويض "الكيف"

من الضروري قبل الولوج في الردود تحرير محل النزاع؛ فالتفويض في لسان المتكلمين المعاصرين والمتأخرين ينقسم إلى قسمين، أحدهما حق والآخر باطل:

 * تفويض الكيفية (منهج السلف): وهو الإيمان بالمعنى الذي دلت عليه اللغة، مع تفويض العلم بحقيقة "كيفية" هذه الصفة إلى الله تعالى. فالسلف يعلمون معنى "النزول" لغة، لكنهم لا يعلمون "كيف" ينزل الله؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وكما أن ذاته لا تكييف لها، فصفاته كذلك.

   (انظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، 2/427؛ الرسالة التدمرية، ابن تيمية، ص 58).

 * تفويض المعنى (منهج أهل التجهيل): وهو الادعاء بأن الألفاظ الواردة في الصفات (كاليد، والعين، والاستواء) هي ألفاظ أعجمية المعنى بالنسبة لنا، لا تدل على معنى مفهوم، وأن ظاهرها غير مراد، وباطنها لا يعلمه إلا الله. وهذا هو الذي سماه المحققون "تجهيلاً"؛ لأنه ينسب للرسول ﷺ ولأصحابه الجهل بأعظم مقاصد الدين وهو العلم بالله.

   (انظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 1/205؛ مجموع الفتاوى، 5/29).

ثانياً: الأصول التي قام عليها منهج التجهيل ونقدها اعتمد أهل التجهيل على عدة ركائز حاولوا من خلالها تسويق مذهبهم:

1. الاحتجاج بقوله تعالى:

حيث وقفوا عند لفظ الجلالة، واعتبروا أن "التأويل" هنا هو "المعنى"، فاستنتجوا أن معاني آيات الصفات لا يعلمها إلا الله.

والرد على ذلك: أن التأويل في لسان القرآن يأتي بمعنى "الحقيقة التي يؤول إليها الشيء"، أي "وقوع المخبر به". فمعاني الصفات معلومة (وهي التنزيل)، أما "حقائقها وكيفياتها" فهي التي لا يعلمها إلا الله. وبناءً عليه، فإن الوقوف عند لفظ الجلالة صحيح إذا قصدنا "تأويل الكنه والحقيقة"، أما "تأويل التفسير" فقد كان ابن عباس يقول: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله".

(انظر: تفسير الطبري، 5/201؛ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، بدر الدين بن جماعة، ص 88).

2. دعوى أن "الاستواء" و"اليد" وأمثالها ألفاظ متشابهة:

زعموا أن كل ما يتعلق بالصفات هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.

والرد على ذلك: أن المتشابه نوعان: متشابه مطلق (لا يعلمه إلا الله كحقيقة الذات ووقت الساعة)، ومتشابه نسبي (يخفى على البعض ويعلمه الراسخون في العلم). فإذا ادعينا أن كل نصوص الصفات "متشابهة مطلقاً"، فقد عطلنا ثلث القرآن عن الفهم، وهذا يناقض أمر الله بتدبر القرآن.

(انظر: الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي، ص 54؛ التدمرية، ص 71).

ثالثاً: الوجوه العقلية والشرعية في بطلان مذهب التجهيل

التوسع في الرد على هذا المذهب يقتضي إيراد الوجوه التالية:

 * الوجه الأول: مناقضة صفة "البيان": وصف الله القرآن بأنه "مبين" و"نور" و"هدى". فإذا كانت أهم آيات العقيدة مجهولة المعنى، لزم أن يكون القرآن في أعظم أبوابه "لغزاً" لا بياناً فيه، وهذا محال في حق كلام الله.

 * الوجه الثاني: طعن في النبوة: النبي ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة (بلاغاً مبيناً). والبلاغ المبيين يتضمن بلاغ اللفظ ومعناه. فلو كان النبي ﷺ يقرأ آيات الصفات وهو لا يعرف معناها، أو يعرفه ولم يبينه للأمة، لكان ذلك تقصيراً في البلاغ، وهو ما نزهه الله عنه.

 * الوجه الثالث: بطلان التعبد بما لا يُفهم: كيف يُطالب العبد بمحبة الله، وتعظيمه، والتقرب إليه بصفاته، وهو لا يفهم معنى هذه الصفات؟ إن المحبة والتعظيم فرع عن المعرفة، والمعرفة فرع عن فهم المعنى.

   (انظر: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، ابن القيم، ص 142؛ شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، 1/215).

رابعاً: الاستشهاد بأقوال السلف الصالح في "إثبات المعنى" ونفي التجهيل

لقد كان السلف أحرص الناس على فهم مراد الله، وإليك جملة موسعة من آثارهم التي تبين أنهم كانوا يفهمون المعنى اللغوي ويثبتونه:

 * عبد الله بن عباس (ت 68هـ): في قوله تعالى

   قال: "كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله" (انظر: المعجم الكبير، الطبراني، 12/39؛ الأسماء والصفات، البيهقي، 2/196). فتفسيره بالقدمين هو إثبات للمعنى وإخراج له من حيز المجهول.

 * أم سلمة (رضي الله عنها) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت 136هـ): قولهما المشهور: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" (انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 3/398). وقولهما "غير مجهول" نص صريح في أن المعنى "معلوم" ومعروف لغةً، ولو كان السلف مفوضة للمعنى لقالوا "الاستواء مجهول المعنى".

 * محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): صاحب الإمام أبي حنيفة، قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا تحريف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا إلا بما وصف به نفسه" (انظر: العلو للعلي الغفار، الذهبي، ص 156). والمقصود بنفي التفسير هنا هو "التفسير الكلامي المحدث" أو "تكييف الصفة"، لا نفي فهم المعنى الأصلي.

 * الإمام الترمذي (ت 279هـ): قال في سننه بعد إيراد أحاديث الرؤية والصفات: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات.. إنما تروى هذه الأخبار ونؤمن بها ولا يُتوهم منها شيء، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك أنهم أمروا هذه الأشياء بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة" (انظر: سنن الترمذي، 2/42، عقب حديث رقم 662). قوله "بلا كيف" دليل على إثبات "أصل المعنى"، إذ لو كان المعنى غير ثابت لما احتجنا لنفي الكيفية؛ فالعدم لا كيف له.

 * الإمام الخطابي (ت 388هـ): في كتابه "شعار الدين" قال: "إن المذهب في هذه الصفات هو إثباتها كما جاءت بظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها.. فالأصل في ذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات" (انظر: العلو، الذهبي، ص 231). تأكيده على "الظاهر" يبطل مذهب التجهيل، لأن التجهيل يزعم أن ليس لها ظاهر مفهوم.

 * إسحاق بن راهويه (ت 238هـ): قال: "القول هو ما قال الله، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه في كل مكان، بل هو على العرش كما أخبر، وإنما التشبيه أن تقول: يد كيد، أما أن تقول: يد، كما قال الله، فهذا ليس بتشبيه" (انظر: الرد على الجهمية، الدارمي، ص 41). فإقراره بأن الله على العرش "كما أخبر" هو إيمان بالمعنى المفهوم من الخبر.

خامساً: الرد على شبهة "الإمرار" عند السلف

يتذرع أهل التجهيل بقول السلف: "أمرُّوها كما جاءت"، زاعمين أن الإمرار يعني القراءة باللسان مع جهل الجنان.

والرد المفصل:

إن قوله "أمرُّوها كما جاءت" يتضمن أمرين:

 * بقاء اللفظ على ما جاء عليه من الدلالة الحقيقية (أي إثبات المعنى).

 * عدم التعرض له بتأويل يغيره، ولا بتكييف يحده.

   فلو كان المراد بالإمرار هو "التجهيل"، لقالوا: "أمروا ألفاظها مع اعتقاد أنكم لا تفهمون معناها"، لكنهم قالوا "كما جاءت"، وهي قد جاءت بلسان عربي مبين يفهمه العربي من سياق الكلام.

   (انظر: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، السيوطي، ص 161؛ مدارج السالكين، ابن القيم، 2/78).

سادساً: الاستطراد في بيان تهافت منهج التجهيل عند المحققين

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في نقد هذا المنهج نقداً لاذعاً:

"تبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف هو من شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ فإنه إذا كان القرآن قد نزل ببيان الهدى، وأمر الرسول ﷺ بتبليغه، ثم يقال إن أعظم ما فيه لا يُعرف معناه، كان هذا قدحاً في الرسالة وفي القرآن"

 (انظر: درء تعارض العقل والنقل، 1/205).

ويؤكد العلامة ابن القيم أن السلف كانوا يفسرون القرآن، ولم يتركوا آية واحدة من آيات الصفات إلا وبينوا معناها، إما نصاً وإما إقراراً لمدلولها اللغوي، ولم يُنقل عن واحد منهم أنه قال "هذا لا أعرف معناه".

(انظر: مختصر الصواعق المرسلة، ص 118).


التفويض الشرعي (للكيف) مقابل التفويض البدعي (للمعنى)

  التفويض الشرعي (للكيف) مقابل التفويض البدعي (للمعنى)

يعد مصطلح "التفويض" من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى تفصيل وتحرير؛ إذ إن إطلاقه دون قيد أدى إلى جعل نصوص الصفات بمنزلة "الألغاز" أو "الحروف الأعجمية" التي لا يُفهم لها معنى، وهو ما نبرز بطلانه وتأصيل الحق فيه في المطالب الآتية:

أولاً: حقيقة "التفويض الشرعي" (تفويض الكنه والكيفية)

وهو المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأئمة القرون المفضلة، ويقوم على إثبات معاني نصوص الصفات وتفويض علم "حقيقتها وكيفيتها" إلى الله تعالى.

 * المعنى معلوم: السلف كانوا يفهمون من "الاستواء" العلو والارتفاع، ومن "اليد" ما يليق بجلال الله من القوة والقبض والبسط، ومن "النزول" الهبوط الحقيقي.

 * الكيف مجهول: وهو الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلم كيف استوى، ولا كيف نزل، ولا كيف يضحك إلا هو سبحانه.

 * "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". (الأسماء والصفات، للبيهقي، ص 408، دار الكتاب العربي؛ والتمهيد، لابن عبد البر، ج 7، ص 151).

 * "فقول ربيعة ومالك: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) وافقهما عليه أهل السنة قاطبة، فقولهما: (الاستواء غير مجهول) أي معلوم المعنى، و(الكيف غير معقول) أي لا يعقله البشر". (مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج 5، ص 365، مجمع الملك فهد).

ثانياً: بطلان "التفويض البدعي" (تفويض المعنى/ التجهيل)

وهو مذهب طائفة من المتأخرين زعموا أن السلف لم يكونوا يعرفون معاني آيات الصفات، وأنهم يقرؤونها كألفاظ مبهمة لا يُدرى ما المراد بها.

 * لوازم هذا القول الفاسدة: يقتضي أن الله خاطبنا بما لا نفهمه، وأن النبي ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل عليه، وهذا قدح في بيان القرآن وهدايته.

 * مخالفة لسان العرب: القرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب تفهم معاني الألفاظ (كاليد والعين والغضب)، فلو كانت هذه الألفاظ لا معنى لها لكان الخطاب بها لغواً، تعالى الله عن ذلك.

 * "أما التفويض، فكثير من المتأخرين يظنون أن مذهب السلف هو التفويض في المعاني، وهذا من شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ فإنه يقتضي أن الأنبياء والرسل لا يعلمون ما أنزل الله إليهم من نصوص الصفات". (درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ج 1، ص 201، جامعة الإمام محمد بن سعود).

 * "لو كان الصحابة لا يفهمون معاني آيات الصفات، لسألوا النبي ﷺ عنها كما سألوه عن غيرها، فلما أقرهم على فهمها اللغوي مع نفي التشبيه، دل على أن المعنى معلوم عندهم". (الصواعق المرسلة، لابن القيم، ج 2، ص 414، دار العاصمة).

ثالثاً: الفرق بين "العلم بالمعنى" و"العلم بالكيف"

يجب التفريق بين "فهم الخطاب" وبين "الإحاطة بالمخبر عنه".

 * فنحن نفهم معنى "الرؤية" (وهي إدراك الشيء بالبصر)، ولكن لا نعلم "كيفية" رؤية الله في الآخرة؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

 * التوثيق: "نحن نعلم ما أراد الله بقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كما نعلم ما أراد بقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، لكن حقيقة الكيفية في صفاته كحقيقة الذات، لا يعلمها إلا هو". (الرسالة التدمرية، لابن تيمية، ص 40، مكتبة العبيكان).

رابعاً: الرد على من استدل بقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} على التفويض

زعم أهل التجهيل أن الآية تدل على أن معاني الصفات لا يعلمها إلا الله (بناءً على الوقوف على لفظ الجلالة).

 * الرد: التأويل في الآية يراد به "الحقيقة والكنه" (أي وقوع الشيء ومصيره)، وهذا هو الذي لا يعلمه إلا الله. أما "التفسير" (بيان المعنى)، فقد علمه الله لنبيه وللراسخين في العلم.

 * "تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو حقيقة كنهه، وهذا لا يعلمه إلا الله، أما معاني الكلام فهي معلومة للراسخين في العلم، وإلا لكان القرآن لغزاً". (الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية، ص 15، دار الإيمان؛ وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 2، ص 8، دار طيبة).

خامساً: قاعدة "الألفاظ الموهمة" وأثر التفويض فيها

يرى السلف أن آيات الصفات ليست "ألفاظاً موهمة" لذاتها، بل الإيهام يعرض في عقل المبتدع. فالمفوض البدعي يهرب من "وهم التشبيه" بتجهيل النص، والسلف يهربون من "حقيقة التشبيه" بتفويض الكيفية مع بقاء جلال المعنى.

 * "إن قول المفوضة (الله أعلم بمراده) كلمة حق أُريد بها باطل؛ فالله أعلم بمراده يقيناً، ولكن الله أخبرنا بمراده لنفهمه ونؤمن به، لا لنجهله". (مجموع الفتاوى، ج 5، ص 298، مجمع الملك فهد).

بهذا التحرير، يتبين أن مذهب السلف هو "إثبات المعاني وتفويض الكيفيات"، وهو المنهج الوسط الذي يحترم لغة الوحي ويُقر بعجز العقل عن الإحاطة بكنه الخالق.