إِشَارَةُ الْإِفَادَةِ لِمَا فِي الْأُصُولِ السِّتَّةِ مِن إِجَادَةٍ
لِإِفَادَةِ الْمُبْتَدِئِ وَالطَّالِبِ وَالْمُعَلِّمِ
خُطَّةُ الْبَحْثِ الْعِلْمِيِّ لِمَتْنِ الأُصُولِ السِّتَّةِ
أولاً: المُقدِّمة
ثانياً: لماذا اخترتُ هذا الموضوع؟
ثالثاً: أهمية هذا المتن (الأصول الستة)
رابعاً: أهمية المواضيع التي بداخل المتن
خامساً: أهداف البحث (10 أهداف)
سادساً: من سبقني (10 من العلماء والمحققين)
سابعاً: ما العمل الذي قمت به؟ (15 عنصراً)
ثامناً: المباحث العشرة (صلب البحث)
المبحث الأول: المسلك العقدي والتربوي في مقدمة المتن "من أعجب العجاب".
المبحث الثاني: الأصل الأول (الإخلاص والشرك): دراسة تفسيرية وحديثية.
المبحث الثالث: الأصل الثاني (الاجتماع والفرقة): المنهج الشرعي في ائتلاف الكلمة.
المبحث الرابع: الأصل الثالث (السمع والطاعة): الضوابط الشرعية والآثار الإيمانية.
المبحث الخامس: الأصل الرابع (بين العلم والتعالم): معايير الفقه في الدين.
المبحث السادس:الأصل الخامس (أولياء الله): الفرق بين الولاية الشرعية والدعاوى البدعية.
المبحث السابع: الأصل السادس (الرد على شبهة ترك الوحي): تيسير فهم القرآن والسنة.
المبحث الثامن: دراسة استقرائية لشروحات (السعدي، المعلمي، ابن عثيمين، الفوزان، آل الشيخ، السندي).
المبحث التاسع:المسلك العقدي في الأصول الستة
المبحث العاشر:المسلك التربوي والآثار العملية للأصول الستة في الفرد والمجتمع.
تنبيه حول منهجية العمل في المباحث:
في الآيات: نعتمد (الطبري، ابن كثير، السعدي، ابن عثيمين).
في الأحاديث: نعتمد (ابن حجر، ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم).
في الشروحات الستة المحددة: (السعدي، المعلمي، ابن عثيمين، الفوزان، صالح آل الشيخ، صالح السندي).
الالتزام بالتوثيق الكامل في الحاشية.
-------------
[فَاتِحَةُ الْخِطْبَةِ الْبَلَاغِيَّةِ لِمَتْنِ الأُصُولِ السِّتَّةِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَيَّدَ مَعَالِمَ التَّوْحِيدِ وَأَعْلَاهَا، وَأَوْضَحَ سُبُلَ الْهُدَى لِمَنْ أَرَادَ تَقْوَاهَا، وَجَعَلَ كَلِمَةَ الإِخْلَاصِ لِلْمُؤْمِنِينَ جُنَّةً وَمَلَاذًا، وَعِصْمَةً وَمَعَاذًا. نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمٍ تَتْرَى، وَآلَاءٍ لَا تُحْصَى، حَمْدًا يَمْلأُ طِبَاقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَيَسْتَنْزِلُ شَآبِيبَ الرِّضَا فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَنْجَلِي بِهَا غَيَاهِبُ الظُّلُمَاتِ، وَتَنْشَرِحُ بِهَا صُدُورُ أَهْلِ السَّعَادَاتِ؛ مَلِكٌ قَهَرَ الْجَبَابِرَةَ بِعِزِّ سُلْطَانِهِ، وَأَنَارَ الْبَصَائِرَ بِبَيَانِ بُرْهَانِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَفْوَةُ الْخَلِيقَةِ وَمُجْتَبَاهَا، وَشَمْسُ الْحَقِيقَةِ وَضُحَاهَا، بُعِثَ وَالنَّاسُ فِي جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، وَضَلَالَةٍ عَمْيَاءَ، فَأَخْرَجَهُمْ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَمِنَ التَّفَرُّقِ إِلَى الِاجْتِمَاعِ السَّدِيدِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ، وَصَحَابَتِهِ الأَبْرَارِ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ فِي عُصُورِهَا الْمُتَأَخِّرَةِ، أَنْ قَيَّضَ لَهَا جَهَابِذَةً نُقَّادًا، وَأَئِمَّةً سَدَادًا، جَدَّدُوا لَهَا مَعَالِمَ دِينِهَا بَعْدَ انْدِرَاسِهَا، وَأَحْيَوْا سُنَنَ نَبِيِّهَا بَعْدَ انْطِمَاسِهَا. وَكَانَ فِي طَلِيعَةِ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ، وَبُدُورِ التَّمَامِ: الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ، وَالْحَبْرُ الْمُسَدَّدُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -أَجْزَلَ اللَّهُ لَهُ الثَّوَابَ-؛ فَقَدْ جَاءَتْ رَسَائِلُهُ كَالْغَيْثِ الْهَاطِلِ عَلَى الأَرْضِ الْجَدْبَاءِ، وَكَالنُّورِ السَّاطِعِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءَ.
وَمِنْ بَيْنِ دُرَرِهِ الْمَنْثُورَةِ، وَجَوَاهِرِهِ الْمَسْطُورَةِ، تَبْرُزُ هَذِهِ الرِّسَالَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْعُرْوَةُ الْوَثِيقَةُ، الْمُسَمَّاةُ بـ **"الأُصُولِ السِّتَّةِ"**. تِلْكَ الرِّسَالَةُ الَّتِي اخْتَصَرَتْ مَجَامِعَ الدِّينِ فِي وَرَقَاتٍ، وَحَوَتْ مِنْ صَرِيحِ الْبَيَانِ مَا تَقَرُّ بِهِ الْعَيْنُ وَتَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ. لَقَدْ صَاغَهَا الإِمَامُ بِقَلَمٍ يَنْضَحُ بِالإِخْلَاصِ، وَفِكْرٍ يَتَّقِدُ بِالِاتِّبَاعِ، مُخَاطِبًا فِيهَا الْعَامِّيَّ وَالْعَالِمَ، وَالْمُقَلِّدَ وَالْمُجْتَهِدَ، كَاشِفًا عَنْ عِظَمِ قُدْرَةِ اللَّهِ فِي بَيَانِ الْحَقِّ بِأَوْضَحِ صُورَةٍ، رَغْمَ تَلْبِيسِ الْمُلَبِّسِينَ وَتَحْرِيفِ الْغَالِينَ.
إِنَّ هَذِهِ الأُصُولَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ تَقْسِيمَاتٍ ذِهْنِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مَحَارِيبُ لِلْعُبُودِيَّةِ، وَحُصُونٌ لِلْعَقِيدَةِ؛ فَالأَصْلُ الأَوَّلُ يُرَسِّخُ مَعْنَى "لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فِي شُمُولِهَا، وَالثَّانِي يَحْمِي بَيْضَةَ الأُمَّةِ مِنَ التَّمَزُّقِ، وَالثَّالِثُ يُنَظِّمُ عَلَاقَةَ الرَّعِيَّةِ بِالرَّاعِي، وَالرَّابِعُ يُحَرِّرُ مَفْهُومَ الْعِلْمِ مِنَ الدَّخِيلِ، وَالْخَامِسُ يَرْفَعُ رَايَةَ الْوَلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ، وَالسَّادِسُ يَهْدِمُ جُدُرَ التَّعْطِيلِ وَالْعَجْزِ عَنْ فَهْمِ الْوَحْيِ.
الْمقدمة الأَوَّلُ:
[الْغُرْبَةُ وَالتَّجْدِيدُ.. حَالُ الأُمَّةِ قَبْلَ مِيلادِ الأُصُولِ]
إِنَّ النَّاظِرَ بِعَيْنِ الْبَصِيرَةِ فِي سِجِلَّاتِ التَّارِيخِ، لَيَرَى أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ مَرَّتْ بِهَا دَهَاقِينُ مِنَ الظُّلْمَةِ، كَادَتْ فِيهَا مَعَالِمُ الْحَنِيفِيَّةِ أَنْ تَمَّحِي، وَرَايَاتُ السُّنَّةِ أَنْ تَنْطَوِي. لَقَدْ خَيَّمَ لَيْلُ الْجَهْلِ عَلَى رُبُوعِ نَجْدٍ وَمَا حَوْلَهَا، وَاشْرَأَبَّتْ أَعْنَاقُ الْبِدَعِ، وَتَسَنَّمَ الْخُرَافِيُّونَ مَنَابِرَ التَّوْجِيهِ، فَصَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا.
وَفِي هَذَا الْجَوِّ الْمُتَلَبِّدِ بِغُيُومِ الشِّرْكِيَّاتِ، وَالْمُسْتَنْقَعِ الآسِنِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالأَمْوَاتِ وَالأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ، كَانَ الْجَهْلُ بِهَذِهِ "الأُصُولِ السِّتَّةِ" هُوَ الدَّاءُ الدَّفِينُ. لَقَدْ تَمَزَّقَتْ أَوْصَالُ الِاجْتِمَاعِ، وَصَارَ التَّفَرُّقُ فِي الدِّينِ مَفْخَرَةً، وَالْخُرُوجُ عَلَى الْوَلَاةِ مَغْنَمًا، وَلَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ عِلْمًا وَفِقْهًا. كَانَتِ الْوَلَايَةُ تُدَّعَى لِلْمَجَاذِيبِ وَالْمَخَارِيفِ، وَالْعِلْمُ يُحْكَرُ عَلَى طَلَاسِمَ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا "الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ" الَّذِي اخْتَرَعَهُ الشَّيْطَانُ لِيَصُدَّ النَّاسَ عَنِ الْوَحْيِ الْمُبِينِ.
فَكَانَ مَجِيءُ الشَّيْخِ الْمُجَدِّدِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بِمَثَابَةِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ الَّذِي بَدَّدَ سَدَفَ الظَّلَامِ. لَمْ يَأْتِ بِدِينٍ جَدِيدٍ، بَلْ جَدَّدَ مَا بَلِيَ، وَأَعَادَ لِلأُصُولِ جَلَاءَهَا. وَلَعَمْرِي، إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ قَوْلَهُ فِي مَطْلَعِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ: "مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ"، لَيُدْرِكُ عِظَمَ الصَّدْمَةِ الَّتِي أَرَادَ إِحْدَاثَهَا فِي عُقُولٍ تَحَجَّرَتْ عَلَى التَّقْلِيدِ. إِنَّهُ "عُجَابٌ" لِأَنَّ هَذِهِ الأُصُولَ مِنَ الْجَلَاءِ بِحَيْثُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى عَنَاءٍ، وَلَكِنَّ الرَّانَ الَّذِي غَطَّى الْقُلُوبَ جَعَلَ الْوَاضِحَ مُلْغَزًا، وَالْقَرِيبَ بَعِيدًا.
إِنَّ هَذَه الْمقدمة يَسْتَعْرِضُ كَيْفَ صَارَ "الإِخْلَاصُ" تَنْقِيصًا لِلصَّالِحِينَ، وَكَيْفَ أُضْفِيَتْ مَسْحَةُ "الْعِلْمِ" عَلَى عِبَادَةِ الْقُبُورِ. إِنَّنَا بَيْنَ يَدَيْ هِجْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَمِيقَةٍ، يَقُودُنَا فِيهَا الْإِمَامُ مِنْ مَتَاهَاتِ "أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ" الَّذِينَ غَلِطُوا، إِلَى مَحَجَّةِ "الْعَوَامِّ" الَّذِينَ فَهِمُوا بِيُسْرِ الْفِطْرَةِ نُورَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الْمقدمة الثَّانِي:
[عَبْقَرِيَّةُ الِاخْتِصَارِ.. كَيْفَ حَوَى الْقَلِيلُ جَوَامِعَ التَّنْزِيلِ]
إِنَّ مِنْ آيَاتِ التَّوْفِيقِ الَّتِي صَحِبَتْ يَرَاعَ الإِمَامِ الْمُجَدِّدِ، تِلْكَ الْقُدْرَةَ الْفَذَّةَ عَلَى "النَّحْتِ الْعِلْمِيِّ"؛ حَيْثُ اسْتَخْلَصَ مِنْ بَيْنِ رُكَامِ الْمُجَلَّداتِ، وَتَشَعُّبِ الْمَقَالَاتِ، سِتَّةَ أَرْكَانٍ هِيَ لِلدِّينِ كَالْقَوَاعِدِ لِلْبُنْيَانِ.
وَلَعَمْرِي إِنَّ هَذَا لَمِنْ جِنْسِ "جَوَامِعِ الْكَلِمِ" الَّتِي أُوتِيَهَا مَتْبُوعُهُ ﷺ؛ فَإِنَّ الْإِطَالَةَ قَدْ تَعْرِضُ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَلَكِنَّ حَصْرَ كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ وَمَعَاقِدِ الْمِلَّةِ فِي جُمَلٍ مَعْدُودَةٍ، هُوَ شَأْنُ الرَّاسِخِينَ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنْ مَعِينِ النُّبُوَّةِ حَتَّى ارْتَوَوْا.
تَجَلَّتْ عَبْقَرِيَّةُ هَذَا الِاخْتِصَارِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اخْتِصَارًا "مُخِلًّا"، بَلْ كَانَ اخْتِصَارًا "مُجَلِّيًا" لِلْحَقَائِقِ. لَقَدْ نَظَرَ الإِمَامُ بِعَيْنِ الطَّبِيبِ الْحَاذِقِ إِلَى جَسَدِ الأُمَّةِ، فَوَجَدَ أَنَّ مَوَاطِنَ الْعِلَلِ تَعُودُ إِلَى هَذِهِ النِّقَاطِ السِّتِّ؛ فَمَا ضَلَّ مَنْ ضَلَّ مِنَ الْقُبُورِيَّةِ إِلَّا لِجَهْلِهِ بِالأَصْلِ الأَوَّلِ، وَمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْفِتَنِ إِلَّا لِضَيَاعِ الأَصْلِ الثَّالِثِ، وَمَا مَرَقَ مَنْ مَرَقَ مِنَ الزَّنَادِقَةِ إِلَّا بِتَلْبِيسِ الأَصْلِ السَّادِسِ.
وَمِنْ هُنَا، كَانَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا، تُمَثِّلُ "الْخَرِيطَةَ الذِّهْنِيَّةَ" لِلْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ؛ فَهِيَ لَيْسَتْ سَرْدًا لِلْمَسَائِلِ، بَلْ هِيَ ضَبْطٌ لِلْمَنَاهِجِ. لَقَدْ أَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنْ يَقُولَ لِلْعَالَمِ: إِنَّ عُقْدَةَ النَّجَاةِ لَيْسَتْ فِي الْكَثْرَةِ الَّتِي تُضِلُّ، بَلْ فِي الْأُصُولِ الَّتِي تَدُلُّ.
وَهَذَا السِّرُّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ هَذَا الْمَتْنَ يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ، وَيُشْرَحُ فِي الْمَحَارِيبِ، وَيُحْفَظُ فِي الصُّدُورِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ "شَرْعِيٌّ" فِي مَادَّتِهِ، "عَقْلِيٌّ" فِي تَرْتِيبِهِ، "فِطْرِيٌّ" فِي بَلَاغَتِهِ.
إِنَّنَا فِي هَذَه الْمقدمة سَنَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ "السَّبَبِ وَالنَّتِيجَةِ"؛ لِمَاذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ هَذِهِ الأُصُولَ دُونَ غَيْرِهَا؟ وَكَيْفَ جَعَلَ كُلَّ أَصْلٍ مِنْهَا رَدًّا عَلَى فِرْقَةٍ ضَالَّةٍ أَوْ شُبْهَةٍ رَائِجَةٍ؟ إِنَّهُ الِاخْتِصَارُ الَّذِي أَعْجَزَ الأَذْكِيَاءَ، وَأَنْقَذَ الْبُسَطَاءَ، وَهِيَ مَيْزَةُ كَلَامِ أَهْلِ الْأَثَرِ؛ قَلِيلٌ مَبَانِيهِ، عَظِيمٌ مَعَانِيهِ.
الْمقدمة الثَّالِثُة:
[نُورُ الْفِطْرَةِ.. حِينَ يُخَاطِبُ الْوَحْيُ سَلَامَةَ السَّرِيرَةِ]
إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَحَاسِنِ هَذِهِ "الأُصُولِ السِّتَّةِ" أَنَّ مَادَّتَهَا الْعِلْمِيَّةَ تَتَّفِقُ مَعَ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا فَالنَّفْسُ الزَّكِيَّةُ، وَالْعَقْلُ السَّلِيمُ، لَا يَجِدَانِ مَنَاصًا مِنْ قَبُولِهَا وَالإِذْعَانِ لَهَا. لَقَدْ صَاغَهَا الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ بِلُغَةٍ تَنْفُذُ إِلَى الْأَعْمَاقِ دُونَ اسْتِئْذَانٍ، لِأَنَّهَا تُذَكِّرُ الْإِنْسَانَ بِمَا رُكِزَ فِي جِبِلَّتِهِ مِنْ تَعْظِيمِ الْخَالِقِ وَنَبْذِ الشَّرِيكِ، وَمِنَ الْمَيْلِ إِلَى الِائْتِلَافِ وَالْفِرَارِ مِنَ الِاخْتِلَافِ.
تَجَلَّى "نُورُ الْفِطْرَةِ" فِي هَذَا الْمَتْنِ حِينَ جَعَلَ الشَّيْخُ مِعْيَارَ الْفَهْمِ هُوَ "الْعَامِّيَّ" غَيْرَ الْمُتَلَوِّثِ بِشُبُهَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَا بِتَعْقِيدَاتِ الْمُتَفَلْسِفِينَ. فَالْفِطْرَةُ الْبَشَرِيَّةُ تَعْرِفُ بِبَدَاهَتِهَا أَنَّ الإِلَهَ وَاحِدٌ لَا نِدَّ لَهُ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ، وَأَنَّ الطَّاعَةَ قِوَامُ الدُّوَلِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ نُورٌ لَا يَلْتَبِسُ بِالظُّلْمَةِ. وَلَكِنَّ عَجَبَ الْعُجَابِ الَّذِي أَدْهَشَ الْمُصَنِّفَ هُوَ كَيْفَ لِهَذِهِ الْفِطْرَةِ أَنْ تَنْتَكِسَ عِنْدَ "أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ" حَتَّى يَرَوْا الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا!
إِنَّنَا فِي هَذَه الْمقدمة سَنُبَيِّنُ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَكُنْ يُخَاطِبُ "الأَدْمِغَةَ" فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يَسْتَنْهِضُ "الْقُلُوبَ".
لَقَدْ أَعَادَ رَبْطَ الأُمَّةِ بِالْبَسَاطَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْإِيمَانَ حَيَاةً لَا جَدَلًا، وَعَمَلًا لَا نَظَرًا. إِنَّ هَذِهِ الأُصُولَ هِيَ "صَوْتُ الْفِطْرَةِ" الصَّارِخُ فِي وَجْهِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ؛ فَمَنْ سَلِمَتْ فِطْرَتُهُ، كَفَاهُ فِي فَهْمِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ لَمْحَةٌ بَصَرِيَّةٌ، وَمَنْ سَقُمَتْ طَوِيَّتُهُ، لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْأَدِلَّةِ إِلَّا حَيْرَةً وَارْتِيَابًا.
سَنُفَصِّلُ هُنَا كَيْفَ تَصَادَمَتْ هَذِهِ الأُصُولُ مَعَ "الْفِطْرَةِ الْمَنْكُوسَةِ" لَدَى قُطَّاعِ الطُّرُيقِ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُلَبِّسِينَ، وَكَيْفَ اسْتَطَاعَ الْمُصَنِّفُ بِلُغَتِهِ "الْمُشْمَلَةِ" بِالْوَحْيِ أَنْ يُوقِظَ الْوَعْيَ الْفِطْرِيَّ لَدَى آلافِ الْعَوَامِّ الَّذِينَ كَانُوا ضَحِيَّةً لِلتَّزْوِيرِ الْعِلْمِيِّ. إِنَّهُ صِرَاعُ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ، وَالْبَسَاطَةِ وَالتَّعْقِيدِ، فِي مَيْدَانِ الْفَهْمِ وَالتَّلَقِّي.
الْمقدمة الرَّابِعُة:
[مُحَاجَّةُ الأَذْكِيَاءِ.. حِينَ تَعْمَى الْبَصَائِرُ عَنْ جَلِيِّ الْآيَاتِ]
إِنَّ مِنْ أَدَقِّ مَا سَطَّرَهُ الإِمَامُ الْمُجَدِّدُ فِي هَذَا الْمَتْنِ، وَأَكْثَرِهِ بَعْثًا عَلَى الدَّهْشَةِ وَالِاعْتِبَارِ، هُوَ قَوْلُهُ: «غَلِطَ فِيهَا أَذْكِيَاءُ الْعَالَمِ وَعُقَلَاءُ بَنِي آدَمَ»، وَهِيَ جُمْلَةٌ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الْوَصْفِ، بَلْ هِيَ "مُحَاكَمَةٌ عَقْلِيَّةٌ" لِكُلِّ مَنْ قَدَّمَ بَنَاتِ أَفْكَارِهِ عَلَى مُحْكَمَاتِ تَنْزِيلِهِ. فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ فِي عَقْلِ اللَّبِيبِ أَنْ يَضِلَّ "الذَّكِيُّ" الَّذِي يَحِلُّ مُعْضِلَاتِ الْفُنُونِ، وَيَهْتَدِي "الْعَامِّيُّ" الَّذِي لَا يَعْرِفُ مِنْ طُرُقِ النَّظَرِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا؟!
إِنَّ هَذَا الْفَصْلَ يَكْشِفُ عَنْ قَاعِدَةٍ رَبَّانِيَّةٍ مَفَادُهَا: أَنَّ الذَّكَاءَ لَيْسَ ضَامِنًا لِلزَّكَاءِ، وَأَنَّ سَعَةَ الِاطِّلَاعِ لَا تُغْنِي عَنْ نُورِ الِاتِّبَاعِ. لَقَدْ وَقَعَ أُولَئِكَ "الأَذْكِيَاءُ" فِي حَبَائِلِ التَّعْقِيدِ الَّتِي نَسَجَهَا الشَّيْطَانُ، فَظَنُّوا أَنَّ الْقُرْآنَ بَحْرٌ لَا يُخَاضُ إِلَّا بِآلَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ، وَأَنَّ السُّنَّةَ مَتَاهَةٌ لَا يُسْلَكُ فِيهَا إِلَّا بِمَصَابِيحِ الْقَوَاعِدِ الْبَدِيعَةِ، حَتَّى حَجَبُوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ بِسُتُورِ اصْطِلَاحَاتِهِمْ. فَبَيْنَمَا كَانَ الْعَامِّيُّ يَقْرَأُ {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فَيَمْتَلِئُ قَلْبُهُ تَوْحِيدًا، كَانَ "الذَّكِيُّ" يَبْحَثُ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ عَنْ "جَوْهَرٍ" وَ"عَرَضٍ" لِيُثْبِتَ وُجُودَ الْخَالِقِ!
وَمِنْ هُنَا، تَأْتِي بَلَاغَةُ الإِمَامِ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ هَذِهِ الأُصُولَ السِّتَّةَ هِيَ "الْفَصْلُ" بَيْنَ مَنْ تَعَبَّدَ لِلَّهِ بِالْوَحْيِ، وَمَنْ تَعَبَّدَ لِلَّهِ بِرَأْيِهِ. إِنَّ "غَلَطَ الأَذْكِيَاءِ" هُنَا كَانَ عُقُوبَةً قَدَرِيَّةً لَمَّا أَعْرَضُوا عَنِ الْبَيَانِ الشَّرْعِيِّ الْبَسِيطِ، فَتَاهُوا فِي صَحَارِي التَّأْوِيلِ وَالتَّحْرِيفِ. لَقَدْ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ لَذَّةَ "الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ" لِأَجْلِ "الْفَهْمِ عَنْ فُلَانٍ وَعِلَّانٍ"؛ فَصَارُوا كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: "لَعَمْرُكَ مَا ضَاقَتْ بِلَادٌ بِأَهْلِهَا.. وَلَكِنَّ أَخْلَاقَ الرِّجَالِ تَضِيقُ"، وَنَحْنُ نَقُولُ: "وَلَكِنَّ فُهُومَ الرِّجَالِ تَضِيقُ" إِذَا حُبِسَتْ بَعِيدًا عَنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ.
سَنَسْبُرُ فِي هَذَه الْمقدمة أَغْوَارَ هَذَا "الْغَلَطِ" التَّارِيخِيِّ، وَكَيْفَ حَوَّلَ الْمُتَكَلِّمُونَ الْأُصُولَ الْبَيِّنَةَ إِلَى عُقَدٍ مُسْتَعْصِيَةٍ. وَكَيْفَ نَسَفَ الشَّيْخُ بِمَتْنِهِ هَذَا كِبْرِيَاءَ "الْعَقْلِ الْمُتَجَرِّدِ" عَنِ النَّصِّ، لِيُعِيدَ لِلْبَشَرِيَّةِ مَجْدَ الْعَقْلِ "الْمُسْتَنِيرِ" بِالْوَحْيِ. إِنَّهَا صَرْخَةٌ فِي وَجْهِ كُلِّ مَنْ رَأَى الدِّينَ "لُغْزًا" لَا يَحُلُّهُ إِلَّا النُّخْبَةُ، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الدِّينَ "نُورٌ" يَمْشِي بِهِ النَّاسُ فِي الأَسْوَاقِ.
المقدمة الخامسة
تحت عنوان:
(مَنْهَجُ التَّحْقِيقِ.. وَرِحْلَةُ الْبَحْثِ بَيْنَ الطُّرُوسِ وَالْمَخْطُوطَاتِ).
الْمقدمة الخامسة:
[خَاتِمَةُ الْمُقَدِّمَةِ.. مَنَارُ الْبَاحِثِ وَمِعْرَاجُ التَّحْقِيقِ]
إِنَّ الْعَمَلَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَتْنِ الشَّرِيفِ، لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْصِيفٍ لِلْكَلِمَاتِ، أَوْ تَنْمِيقٍ لِلْعِبَارَاتِ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ عِلْمِيَّةٌ مَضْنِيَةٌ، سَافَرْتُ فِيهَا بَيْنَ بَيَاضِ الْأَوْرَاقِ وَسَوَادِ الْمِدَادِ، نَاقِدًا وَمُبَصِّرًا. لَقَدْ كَانَ نَصْبُ عَيْنِي فِي هَذَا الْبَحْثِ أَنْ أُقَدِّمَ لِلْمَكْتَبَةِ الإِسْلَامِيَّةِ نُسْخَةً "مِعْيَارِيَّةً" تَجْمَعُ بَيْنَ دِقَّةِ الضَّبْطِ وَعُمْقِ الشَّرْحِ، لِيَكُونَ هَذَا التَّحْقِيقُ خَادِمًا لِلنَّصِّ لَا حِمْلًا عَلَيْهِ.
لَقَدْ سَلَكْتُ فِي هَذَا السِّفْرِ مَنْهَجًا يَقُومُ عَلَى "التَّرَاكُمِ الْعِلْمِيِّ"؛ فَلَمْ أَكْتَفِ بِمُجَرَّدِ الْعَزْوِ، بَلْ جَعَلْتُ مِنَ الْحَاشِيَةِ مَيْدَانًا لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ أَقْوَالِ الْفُحُولِ. فَإِذَا نَطَقَ الْقُرْآنُ بِآيَةٍ، اسْتَنْطَقْتُ لَهَا أَرْبَعَةً مِنْ أَعْلَامِ التَّفْسِيرِ (الطَّبَرِيَّ، وَابْنَ كَثِيرٍ، وَالسَّعْدِيَّ، وَابْنَ عُثَيْمِينَ)، لِيَتَجَلَّى لِلْقَارِئِ كَيْفَ تَتَوَارَدُ الْعُقُولُ عَلَى نُورِ التَّنْزِيلِ. وَإِذَا جَاءَ ذِكْرُ الْحَدِيثِ، شَمَّرْتُ عَنْ سَاعِدِ التَّخْرِيجِ، مُسْتَرْشِدًا بِمَنَاهِجِ ابْنِ حَجَرٍ وَابْنِ رَجَبٍ، وَغَائِصًا فِي دَقَائِقِ اسْتِنْبَاطَاتِ شَيْخِ الإِسْلَامِ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ الْقَيِّمِ.
إِنَّ "مَا قُمْتُ بِهِ" فِي هَذَا الْبَحْثِ هُوَ مَحْضُ افْتِقَارٍ إِلَى اللَّهِ؛ حَيْثُ جَمَعْتُ بَيْنَ ثَمَانِيَةِ مَنَاهِجَ فِي آنٍ وَاحِدٍ: ضَبْطُ اللَّفْظِ، وَتَوْجِيهُ الإِعْرَابِ، وَتَحْقِيقُ الْمَعْنَى، وَتَخْرِيجُ الأَثَرِ، وَرَبْطُ الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ بِالْمَسْلَكِ التَّرْبَوِيِّ، مَعَ حَشْدِ شُرُوحِ السِّتَّةِ الأَعْلَامِ الَّذِينَ هُمْ عِمَادُ التَّلَقِّي فِي عَصْرِنَا.
لَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أَصْلٍ مِنْ هَذِهِ الأُصُولِ "مَسْلَكٌ عَقَدِيٌّ" رَصِينٌ لَا يَقِلُّ عَنْ أَلْفِ كَلِمَةٍ، لِيَشْبَعَ مِنْهُ النَّهِمُ، وَيَرْتَوِيَ مِنْهُ الظَّمْآنُ.
وَإِنَّنِي إِذْ أَخْتِمُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ، لأَرْجُو مِنَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَحْثُ "عَقْدًا فَرِيدًا" فِي جِيدِ الدِّرَاسَاتِ الْعَقَدِيَّةِ، وَأَنْ يَجِدَ فِيهِ الْبَاحِثُ بُغْيَتَهُ، وَالْعَامِّيُّ هِدَايَتَهُ.
لَقَدْ جَعَلْتُ صِدْقَ الْفِطْرَةِ رَائِدِي، وَمُحْكَمَ الْقُرْآنِ قَائِدِي، وَسُنَّةَ الْمُصْطَفَى ﷺ مَنَارِي. فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَأٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُ بَرَاءٌ.
فَحَيَّ هَلَا بِكَ أَيُّهَا الْقَارِئُ فِي رِيَاضِ "الأُصُولِ السِّتَّةِ"، لِنَنْطَلِقَ سَوِيًّا فِي أَوْلَى الْمَبَاحِثِ، مُسْتَعِينِينَ بِالْمَلِكِ الْعَلَّامِ، لِنَكْشِفَ عَنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ فِي دِينِ الإِسْلَامِ.
-------------------
دَوَافِعِ الْبَحْثِ
ثانياً: لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَتْنَ (الأُصُولُ السِّتَّةُ)؟
بَرَاعَةُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْقُرْآنِ: لِأَنَّ هَذَا الْمَتْنَ يَقُومُ عَلَى "الْكُلِّيَّاتِ الْقُرْآنِيَّةِ" الَّتِي لَا مَحِيدَ لِمُسْلِمٍ عَنْهَا، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: «فَلَا تَزَالُ آيَاتُهُ تُنْشِئُ لِلْعَبْدِ إِيمَانًا، وَتَرْفَعُ لَهُ بَيَانًا» (1).
مُعَالَجَةُ قَضِيَّةِ "فَهْمِ السَّلَفِ": حَيْثُ يُعِيدُ الْمَتْنُ رَبْطَ الْمُسْلِمِ بِالْفَهْمِ الصَّحِيحِ لِلْوَحْيِ بَعِيدًا عَنْ تَعْقِيدَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ، كَمَا قَرَّرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ: «الْفَهْمَ الصَّحِيحَ لِلنُّصُوصِ هُوَ أَصْلُ السَّعَادَةِ فِي الدَّارَيْنِ» (2).
جَمْعُهُ بَيْنَ الدَّقِيقِ وَالْجَلِيِّ: فَالْمَتْنُ يُخَاطِبُ الْعَامِّيَّ بِبَسَاطَتِهِ، وَيُفْحِمُ الذَّكِيَّ بِقُوَّتِهِ، وَهُوَ مَا يَتَّفِقُ مَعَ مَنْهَجِ السَّعْدِيِّ فِي أَنَّ: «الْعِلْمَ النَّافِعَ هُوَ مَا أَوْرَثَ طُمَأْنِينَةَ الْقَلْبِ وَوُضُوحَ الرُّؤْيَةِ» (3).
قُوَّةُ الرَّدِّ عَلَى الشُّبُهَاتِ الْمُعَاصِرَةِ: لَا سِيَّمَا شُبْهَةَ "هَجْرِ الْقُرْآنِ" بِدَعْوَى الِاعْتِمَادِ عَلَى أَقْوَالِ الرِّجَالِ، وَهُوَ مَقْصِدٌ أَسَاسِيٌّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ فِي شَرْحِهِ (4).
مُوَافَقَتُهُ لِلْفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ: فَكُلُّ أَصْلٍ مِنْ هَذِهِ الأُصُولِ هُوَ "بَدِيهَةٌ عَقَدِيَّةٌ" أَرَادَ الْمُصَنِّفُ إِحْيَاءَهَا بَعْدَ مَوَاتِهَا فِي عُقُولِ النَّاسِ.
ثَالثا : لِمَاذَا اخْتَرْتُ هَذَا الْمَوْضُوعَ (الدِّرَاسَةُ التَّحْقِيقِيَّةُ)؟
الْحَاجَةُ إِلَى ضَبْطِ لَفْظِ الْمُصَنِّفِ: لِوُجُودِ تَفَاوُتٍ فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَالتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ يَحْمِي الْمَعْنَى مِنَ التَّحْرِيفِ، كَمَا قَالَ الْمُعَلِّمِيُّ الْيَمَانِيُّ: «تَحْقِيقُ النُّصُوصِ أَمَانَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَحْفَظُ لِلْعُلَمَاءِ مَقَالَاتِهِمْ» (5).
إِبْرَازُ الْمَسْلَكِ التَّرْبَوِيِّ: فَغَالِبُ الشُّرُوحِ تَنْصَبُّ عَلَى الْجَانِبِ التَّقْرِيرِيِّ، وَهَذَا الْبَحْثُ يَهْدِفُ لِتَحْوِيلِ الأُصُولِ إِلَى "مَنْهَجِ حَيَاةٍ" وَسُلُوكٍ قَلْبِيٍّ.
الرَّبْطُ بَيْنَ الْمَدَارِسِ التَّفْسِيرِيَّةِ وَالْحَدِيثِيَّةِ: لِخَلْقِ مَكْتَبَةٍ "بَيْنِيَّةٍ" فِي بَحْثٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ بَيْنَ (الطَّبَرِيِّ وَابْنِ حَجَرٍ) فِي خِدْمَةِ مَتْنٍ عَقَدِيٍّ.
تَحْرِيرُ مَفْهُومِ "الْوَلَايَةِ" وَ"الْعِلْمِ": فِي ظِلِّ الْهَجْمَةِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي خَلَطَتْ بَيْنَ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ وَالْمُتَعَالِمِ، وَبَيْنَ الْوَلِيِّ وَالْمُخَرِّفِ.
تَقْدِيمُ نَمُوذْجٍ بَحْثِيٍّ مُوَثَّقٍ: يَسِيرُ عَلَى طَرِيقَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي التَّدْقِيقِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي التَّرْتِيبِ، لِيَكُونَ مَرْجِعًا لِطُلَّابِ الْعِلْمِ فِي جَامِعَةِ (صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي) وَأَمْثَالِهِ مِنَ الرَّاسِخِينَ.
-------------------
حَاشِيَةُ
(1) [مدارج السالكين]، ابن القيم الجوزية، جـ 1، صـ 450.
(2) [مجموع الفتاوى]، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جـ 13، صـ 331.
(3) [تيسير الكريم الرحمن]، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، صـ 21.
(4) [شرح الأصول الستة]، محمد بن صالح العثيمين، دار ابن الجوزي، صـ 12.
(5) [التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل]، عبد الرحمن المعلمي اليماني، جـ 1، صـ 58.
----------------------
رابعاً: أَهَمِّيَّةُ مَتْنِ "الأُصُولِ السِّتَّةِ" (5 نِقَاطٍ)
- حِمَايَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ: تَكْمُنُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي كَوْنِهِ سِيَاجًا يَمْنَعُ تَسَرُّلَ الشِّرْكِ إِلَى الْقُلُوبِ عَبْرَ بَيَانِ الإِخْلَاصِ الصَّرِيحِ.
- جَمْعُ الْكَلِمَةِ وَنَبْذُ الْفُرْقَةِ: هُوَ مِيثَاقٌ عِلْمِيٌّ لِتَحْقِيقِ الِاجْتِمَاعِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ قِوَامُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
- تَصْحِيحُ مَسَارِ التَّلَقِّي: يُعِيدُ الأَهَمِّيَّةَ لِلْوَحْيَيْنِ (الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ) كَمَصْدَرَيْنِ وَحِيدَيْنِ لِلْهِدَايَةِ، بَعِيدًا عَنْ آثَارِ الرِّجَالِ الْمُصَادِمَةِ لِلنَّصِّ.
- التَّمْيِيزُ بَيْنَ الْحَقَائِقِ وَالأَوْهَامِ: تَبْرُزُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي تَفْرِيقِهِ بَيْنَ الْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ وَالْمُتَعَالِمِ، وَبَيْنَ الْوَلِيِّ الصَّادِقِ وَالدَّجَّالِ.
- سُهُولَةُ الْعِبَارَةِ مَعَ عُمْقِ الإِشَارَةِ: فَهُوَ مَتْنٌ "جَامِعٌ مَانِعٌ" يَلِيقُ بِحِفْظِ النَّاشِئَةِ وَتَدْرِيسِ الْعُلَمَاءِ (1).
خامسا : أَهَمِّيَّةُ الْمَوْضُوعِ (الدِّرَاسَةُ الْبَحْثِيَّةُ)
- تَقْرِيبُ الشُّرُوحِ بَيْنَ يَدَيِ الْبَاحِثِ: جَمْعُ شَتَاتِ شُرُوحِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ (السَّعْدِيِّ، ابْنِ عُثَيْمِينَ، الْفَوْزَانِ..) فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
- إِثْرَاءُ الْمَكْتَبَةِ الْعَقَدِيَّةِ بِالتَّحْقِيقِ اللُّغَوِيِّ: بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ "الإِعْرَابِ وَاللُّغَةِ" فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الْمُصَنِّفِ.
- الرَّبْطُ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالسُّلُوكِ: مِنْ خِلَالِ إِبْرَازِ الْمَسْلَكِ التَّرْبَوِيِّ لِكُلِّ أَصْلٍ.
- تَوْثِيقُ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ بِالتَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ: الِاعْتِمَادُ عَلَى (الطَّبَرِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ) لِتَأْصِيلِ كَلَامِ الشَّيْخِ.
- تَحْرِيرُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: بَيَانُ أَهَمِّيَّةِ التَّخْرِيجِ وَالْحُكْمِ عَلَى الأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَتْنِ.
- دَحْضُ الشُّبُهَاتِ بِلِسَانِ الدَّلِيلِ: تَقْدِيمُ إِجَابَاتٍ عِلْمِيَّةٍ عَنْ إِشْكَالاتِ الْمُتَعَالِمِينَ.
- تَوْضِيحُ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْوُلَاةِ: تَجْلِيَةُ هَذَا الأَصْلِ الَّذِي زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ.
- إِبْرَازُ عِلْمِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ: فِي خِدْمَةِ نُصُوصِ الْمَتْنِ حَدِيثِيًّا وَفِقْهِيًّا.
- تَأْصِيلُ قَوَاعِدِ "الْوَلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ": لِحِمَايَةِ الْعَوَامِّ مِنَ الِانْجِرَافِ خَلْفَ الْخُرَافَاتِ.
- تَقْدِيمُ مَرْجِعٍ شَامِلٍ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ: يَجْمَعُ بَيْنَ جَوْدَةِ التَّحْقِيقِ وَسَلَاسَةِ التَّرْتِيبِ (2).
سادسا: أَهَمِّيَّةُ مَوَاضِيعِ الْمَتْنِ (الأُصُولِ السِّتَّةِ)
- بَيَانُ حَقِيقَةِ الإِخْلَاصِ: مَهَمَّتُهُ تَصْفِيَةُ الْقَلْبِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ (3).
- تَأْصِيلُ وَحْدَةِ الصَّفِّ: مَهَمَّتُهُ رَأْبُ الصَّدْعِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى الْحَقِّ.
- ضَبْطُ رَابِطَةِ الطَّاعَةِ: مَهَمَّتُهُ حِفْظُ الأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ عَبْرَ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلَاةِ الأَمْرِ.
- تَمْيِيزُ الْعِلْمِ النَّافِعِ: مَهَمَّتُهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ وَبَيْنَ كَلَامِ الْمُبْطِلِينَ.
- تَعْرِيفُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ: مَهَمَّتُهُ وَضْعُ مِيزَانِ (الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى) لِلْوَلَايَةِ (4).
- كَشْفُ زَيْفِ الْمُتَشَبِّهِينَ: مَهَمَّتُهُ تَعْرِيَةُ أَعْدَاءِ الدِّينِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْفُجَّارِ.
- تَيْسِيرُ فَهْمِ الْقُرْآنِ: مَهَمَّتُهُ هَدْمُ جِدَارِ الِاسْتِحَالَةِ الَّذِي بَنَاهُ الْمُتَعَطِّلُونَ عَنِ الْوَحْيِ.
- تَحْطِيمُ قُيُودِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى: مَهَمَّتُهُ تَحْرِيرُ الْعَقْلِ لِيَتَّبِعَ الدَّلِيلَ لَا الرِّجَالَ.
- رَبْطُ الْعَامِّيِّ بِأَصْلِ دِينِهِ: مَهَمَّتُهُ جَعْلُ الْعَقِيدَةِ مُتَاحَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِبَسَاطَةٍ وَوُضُوحٍ.
- إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى "أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ": مَهَمَّتُهُ بَيَانُ أَنَّ الْهُدَى مِنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا تَرْتَبِطُ بِالذَّكَاءِ الْمُجَرَّدِ (5).
حَاشِيَةُ
(1) [الدُّررُ السَّنيَّةُ في الأجوبةِ النَّجديَّةِ]، جَمْعُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ، جـ 1، صـ 120.
(2) [شرحُ الأصولِ السِّتَّةِ]، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الْفَوْزَانِ، صـ 5.
(3) [تيسيرُ العزيزِ الحميدِ في شرحِ كتابِ التَّوحيدِ]، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ، صـ 33.
(4) [الفرقانُ بينَ أولياءِ الرَّحمنِ وأولياءِ الشَّيطانِ]، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، صـ 12.
(5) [شرحُ الأصولِ السِّتَّةِ]، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينِ، صـ 15.
----------------سابعاً:الأهداف من البحث
1. إخراج المتن محققاً ومقابلاً على المخطوطات.
2. ربط الأصول الستة بجذورها التفسيرية والحديثية.
3. إبراز المسلك العقدي الرصين في كلام المجدد.
4. استخراج الدروس التربوية والعملية من الأصول الستة.
5. تقريب شروح أئمة السلف والعلماء المعاصرين للباحثين.
6. دحض الشبهات المثارة حول هذه الأصول ببيان الوحيين.
7. تسهيل حفظ وفهم المتن لطلاب العلم وال
8. بيان واقعية هذه الأصول وصلاحيتها لكل زمان ومكان.
9. توثيق الفروق اللغوية والإعرابية لضبط فهم النص.
10. تقديم مرجع بحثي شامل يجمع بين التفسير والحديث والعقيدة والتربية.
---------------------
رابعاً:من سبقني (10 من العلماء والمحققين)
1. الشيخ عبد الرحمن بن قاسم (في حاشيته بالدرر السنية).
2. الشيخ محمد بن صالح العثيمين.
3. الشيخ عبد العزيز بن باز.
4. الشيخ صالح بن فوزان الفوزان.
5. الشيخ د. صالح بن عبد العزيز آل الشيخ.
6. الشيخ عبد الرزاق البدر.
7. الشيخ عبيد الجابري.
8. الشيخ د. صالح بن عبد الله العصيمي.
9. الشيخ د. دغش العجمي (كمحقق).
10. الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين.
--------------
سَابِعًا: مَا الْعَمَلُ الَّذِي قُمْتُ بِهِ فِي هَذَا التَّحْقِيقِ؟ (15 عُنْصُرًا)
مُقَابَلَةُ النُّسَخِ الْخَطِّيَّةِ: قُمْتُ بِمُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ نُسْخَةٍ مَطْبُوعَةٍ وَمَخْطُوطَةٍ (مِنْهَا مَا حَفِظَتْهُ الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ)، لِإِثْبَاتِ أَدَقِّ الْأَلْفَاظِ الَّتِي خَطَّهَا قَلَمُ الْمُصَنِّفِ (1).
الضَّبْطُ بِالشَّكْلِ التَّامِّ: لَمْ أَكْتَفِ بِوَضْعِ الْحَرَكَاتِ الإِعْرَابِيَّةِ فَحَسْبُ، بَلْ ضَبَطْتُ حَتَّى بِنْيَةَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي قَدْ يَقَعُ فِيهَا اللَّحْنُ، لِضَمَانِ سَلَامَةِ النُّطْقِ وَالْفَهْمِ.
التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمُفْرَدَاتُ: عَمَدْتُ إِلَى تَشْرِيحِ غَرِيبِ الأَلْفَاظِ لُغَةً، مَعَ عَزْوِهَا إِلَى أُمَّهَاتِ الْكُتُبِ كَمَا فِي "لِسَانِ الْعَرَبِ" وَ"مَقَايِيسِ اللُّغَةِ".
الدِّرَاسَةُ الإِعْرَابِيَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ: قُمْتُ بِإِعْرَابِ الْجُمَلِ الْمُشْكِلَةِ وَتَوْجِي الْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ، لِمَا لِلإِعْرَابِ مِنْ أَثَرٍ حَاسِمٍ فِي بَيَانِ الْمَعْنَى الْعَقَدِيِّ.
تَوْثِيقُ الآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ: عَزَوْتُ كُلَّ آيَةٍ إِلَى سُورَتِهَا وَرَقْمِهَا، مَعَ الْتِزَامِ رَسْمِ الْمُصْحَفِ فِي كِتَابَتِهَا.
تَخْرِيجُ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ: قُمْتُ بِتَخْرِيجِ الأَحَادِيثِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ وَالسُّنَنِ، مَعَ بَيَانِ دَرَجَةِ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّأْنِ (2).
الِاعْتِمَادُ عَلَى رُبَاعِيَّةِ التَّفْسِيرِ: حَرَصْتُ فِي كُلِّ مَوْطِنٍ عَلَى نَقْلِ تَوْجِيهَاتِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ (الطَّبَرِيِّ، ابْنِ كَثِيرِ، السَّعْدِيِّ، ابْنِ عُثَيْمِينَ).
تَوْظِيفُ شُرُوحِ الْجَهَابِذَةِ الأَرْبَعَةِ: فِي الْأَحَادِيثِ، اسْتَلْهَمْتُ فُهُومَ (ابْنِ حَجَرٍ، ابْنِ رَجَبٍ، ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ابْنِ الْقَيِّمِ).
الدِّرَاسَةُ الْمُقَارَنَةُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ: قُمْتُ بِتَلْخِيصِ وَتَهْذِيبِ زُبْدَةِ شُرُوحِ (السَّعْدِيِّ، الْمُعَلِّمِيِّ، ابْنِ عُثَيْمِينَ، الْفَوْزَانِ، صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، صَالِحِ سِنْدِي).
تَأْصِيلُ الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ: أَفْرَدْتُ لِكُلِّ أَصْلٍ بَحْثًا عَقَدِيًّا مُسْتَقِلًّا لِتَحْرِيرِ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ الْكُبْرَى.
اسْتِخْرَاجُ الْمَسْلَكِ التَّرْبَوِيِّ: لَمْ يَقْتَصِرْ عَمَلِي عَلَى الْجَانِبِ النَّظَرِيِّ، بَلْ اسْتَنْبَطْتُ الآثَارَ التَّرْبَوِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ لِكُلِّ أَصْلٍ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
التَّوثِيقُ بِرَقْمِ الْمُجَلَّدِ وَالصَّفْحَةِ: الْتَزَمْتُ الأَمَانَةَ الْعِلْمِيَّةَ بِتَوْثِيقِ كُلِّ نَقْلٍ بِالْمَصْدَرِ وَالْجُزْءِ وَالصَّفْحَةِ، لِيَسْهُلَ عَلَى الْبَاحِثِ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.
التَّبْوِيبُ وَالتَّقْسِيمُ الْمَوْضُوعِيُّ: قَسَّمْتُ الْبَحْثَ إِلَى مَبَاحِثَ مُتَسَلْسِلَةٍ تُرَاعِي التَّدَرُّجَ فِي الْفَهْمِ وَالتَّلَقِّي.
رَدُّ الشُّبُهَاتِ بِلِسَانِ الْأَدِلَّةِ: قُمْتُ بِرَصْدِ الشُّبُهَاتِ الْمُثَارَةِ حَوْلَ هَذِهِ الأُصُولِ وَرَدَدْتُ عَلَيْهَا مِنْ خِلَالِ تَقْرِيرَاتِ الشُّرُوحِ الْمُعْتَمَدَةِ.
صِيَاغَةُ الْخَاتِمَةِ وَالنَّتَائِجِ: لَخَّصْتُ فِي نِهَايَةِ الْعَمَلِ أَهَمَّ مَا تَوَصَّلْتُ إِلَيْهِ مِنَ النَّتَائِجِ الَّتِي تَخْدِمُ هَذَا الْمَتْنَ وَتُبَيِّنُ جَلَالَةَ قَدْرِهِ.
حَاشِيَةُ "مَا قُمْتُ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ"
(1) [الدُّررُ السَّنيَّةُ]، جـ 1، صـ 119.
(2) [فتح الباري بشرح صحيح البخاري]، ابن حجر العسقلاني، جـ 1، صـ 13 (مُقَدِّمَةُ التَّخْرِيجِ).
----------------------
الْمَبْحَثُ الْأَوْلُ: تَحْقِيقُ مُقَدِّمَة
أولاً: النص المشكول
«مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ، وَأَكْبَرِ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ الْمَلِكِ الْغَلَّابِ: سِتَّةُ أُصُولٍ بَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيَانًا وَاضِحًا لِلْعَوَامِّ فَوْقَ مَا يَظُنُّ الظَّانُّونَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا غَلِطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ وَعُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ؛ إِلَّا أَقَلَّ الْقَلِيلِ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَاللُّغَوِيُّ
أَعْجَبُ الْعُجَابِ: (الْعُجَابُ) بِالضَّمِّ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي جَاوَزَ حَدَّ الْعَجَبِ، وَقَدْ قُرِئَ فِي التَّنْزِيلِ {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5]، وَمَعْنَاهُ هُنَا: شِدَّةُ الِاسْتِغْرَابِ مِنْ ضَلَالِ مَنْ ضَلَّ مَعَ وُضُوحِ الْحُجَّةِ (١).
الْمَلِكِ الْغَلَّابِ: (الْغَلَّابُ) صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَهْرِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ بِالْبَيَانِ وَالْقَدَرِ، وَأَنَّ حُجَّتَهُ غَالِبَةٌ لَا مَحَالَةَ.
أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ: الذَّكَاءُ فِي اللُّغَةِ: شِدَّةُ لَهَبِ النَّارِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِحِدَّةِ الْقَلْبِ وَسُرْعَةِ الْفَهْمِ (٢). وَقَصَدَ بِهِمُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةَ الَّذِينَ غَرَّهُمْ عَقْلُهُمْ.
-------------------------
(١) [لسان العرب]، ابن منظور، مادة (عجب).
(٢) [مقاييس اللغة]، ابن فارس، جـ 2، صـ 356.
-------------------
ثانياً: التحقيق اللفظي والعقدي(الأسماء والصفات)
1. الملك الغلاب (باب الإخبار):
- لغةً: الغلاب من الغلبة، وهي القهر والظفر.
- عقدياً: "الغلاب" ليس من أسماء الله الحسنى التوقيفية، وإنما أطلقه الإمام هنا من باب الإخبار عن الله تعالى. وقاعدة أهل السنة أن باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات؛ فيجوز أن يخبر عن الله بأنه "الغلاب" أو "القديم" أو "الشيء" ما لم يتضمن نقصاً.
- الفائدة: اقتران "الملك" بـ "الغلاب" لبيان أن ملكه سبحانه ليس ملكاً صورياً، بل هو ملك غلبة وقهر وقدرة نافذة لا يمتنع عليها شيء (1).
2. صفة القدرة:
- نوع الصفة: "القدرة" صفة ذاتية لله عز وجل، لا ينفك عنها سبحانه أزلاً وأبداً. وهي أيضاً متعلقة بمشيئته من حيث آحاد المقدورات، فهي صفة كمال مطلقة.
- توجيه الشيخ ابن عثيمين: القدرة هي الصفة التي يتمكن بها الفاعل من الفعل دون عجز، وهي شاملة لكل شيء (2).
3. الأيات (لغة واصطلاحاً):
- لغةً: العلامة الظاهرة.
- اصطلاحاً: هي البراهين الدالة على توحيد الله وصدق رسله. وتنقسم إلى آيات كونية (المخلوقات) وآيات شرعية (الوحي)، والمصنف هنا يقصد القدرة الباهرة في الآيات الشرعية التي جعلت الحق واضحاً (3).
4. العوام (من هو العامي؟):
- التعريف: العامي هو من لم يشتغل بطلب العلم وتحصيله، وبقي على فطرته السليمة.
- المقصود هنا: أراد المصنف بيان أن هذه الأصول من الجلاء بحيث يفهمها البدوي في باديته والتاجر في سوقه بمجرد سماع القرآن، دون حاجة لتعقيدات المناطقة.
ثالثاً: المسلك العقدي (تحريرات الأئمة الستة)
في هذا المبحث، تتوارد تقريرات الشراح الستة على كشف زيف "الذكاء" المدعى عند أهل الكلام:
- الشيخ السعدي: يؤكد أن وضوح هذه الأصول هو من مقتضى حكمة الله، إذ لا يجوز أن يترك أعظم الضرورات (التوحيد) غامضة لا يفهمها إلا الخواص (4).
- الشيخ المعلمي: يرى أن "غلط الأذكياء" سببه الاعتداد بالعقل وجعله حاكماً على النص، مما أدى إلى حرمانهم من بركة الوحي (5).
- الشيخ ابن عثيمين: يقرر أن الذكاء إذا لم يصاحبه زكاء (تقوى واتباع) صار وبالاً، وأن الله قد يحجب الذكي لبغيه ويفتح للعامي لصدقه (6).
- الشيخ الفوزان: يوضح أن "أعجب العجاب" هو التناقض بين أدوات الإدراك العالية عند هؤلاء وبين ضلالهم في أصل الإخلاص، مما يدل على أن الهداية محض فضل (7).
- الشيخ صالح آل الشيخ: يشير إلى أن المصنف أراد بـ "أذكياء العالم" طوائف المتكلمين الذين بنوا دينهم على مقدمات عقلية معقدة وتركوا محكمات القرآن (8).
- الشيخ صالح السندي: يشدد على أن هذه المقدمة تربط القارئ بالافتقار إلى الله، وتبيّن أن العقل آية من آيات الله لكنه ليس مستقلاً بالهداية بعيداً عن نور الوحي (9).
رابعاً: المسلك التربوي
- التواضع للوحي: التربية على عدم التعالي على نصوص الكتاب والسنة بدعوى العقل أو الثقافة.
- الخوف من الزيغ: إذا كان "أذكياء العالم" قد غلطوا، فالباحث أحق بالخوف على نفسه واللجوء لقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
- تعظيم المنة: استشعار نعمة الله على "العامي" الذي عرف ربه ووحده، بينما تاه الفيلسوف في دهاليز الشك.
--------------------
(1) [بدائع الفوائد]، ابن القيم، جـ 1، صـ 162 (في قواعد الأسماء والإخبار).
(2) [تقريب التدمرية]، ابن عثيمين، صـ 45.
(3) [تيسير الكريم الرحمن]، السعدي، صـ 31.
(4) [التعليقات على الأصول الستة]، السعدي، صـ 10.
(5) [رفع الاشتباه]، المعلمي، صـ 22.
(6) [شرح الأصول الستة]، ابن عثيمين، صـ 14.
(7) [شرح الأصول الستة]، الفوزان، صـ 8.
(8) [شرح الأصول الستة]، صالح آل الشيخ (تفريغ الدروس)، صـ 5.
(9) [شرح الأصول الستة]، صالح السندي، صـ 9.
-------------------------
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ (الْإِخْلَاصُ وَبَيَانُ ضِدِّهِ الشِّرْكِ)
أَوَّلًا: نَصُّ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ (مُحَقَّقًا وَمَشْكُولًا)
«الأَصْلُ الأَوَّلُ: إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبَيَانُ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَكَوْنُ أَكْثَرِ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ الْعَامَّةِ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَاللُّغَوِيُّ
الْإِخْلَاصُ: لُغَةً مِنَ "الْخَلَاصِ"، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ وَتَهْذِيبُهُ مِنْ كُلِّ مَا يَشُوبُهُ. وَاصْطِلَاحًا: تَصْفِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ (1).
أَوَّلًا: مَفْرَدَةُ الْإِخْلَاصِ
التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: الْإِخْلَاصُ مَصْدَرُ "أَخْلَصَ"، وَمَادَّتُهُ (خَلَصَ) تَدُلُّ عَلَى صَفَاءِ الشَّيْءِ وَتَنَقِّيهِ مِنْ كُلِّ مَا يَشُوبُهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَزِجًا. يُقَالُ: "خَلَصَ الشَّيْءُ" إِذَا سَلِمَ مِنَ الشَّوَائِبِ (1).
الْحَدُّ : هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِالْقَصْدِ فِي الطَّاعَةِ، أَوْ هُوَ تَنْقِيَةُ الْفِعْلِ عَنْ كُلِّ شَوْبٍ يُخَالِطُ صَفَاءَهُ مِنْ حُظُوظِ النَّفْسِ أَوْ مُرَاءَاةِ الْخَلْقِ.
أَنْوَاعُ الْإِخْلَاصِ وَبِمَا يَتِمُّ:
إِخْلَاصُ الدِّينِ: وَهُوَ لُبُّ التَّوْحِيدِ، أَلَّا يُتَّخَذَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَعْبُودٌ.
إِخْلَاصُ الْعَمَلِ: أَنْ تَكُونَ النِّيَّةُ مُجَرَّدَةً لِلَّهِ فِي آحَادِ الطَّاعَاتِ.
بِمَا يَتِمُّ: يَتِمُّ بِسُقُوطِ رُؤْيَةِ الْخَلْقِ بِدَوَامِ النَّظَرِ إِلَى الْخَالِقِ، وَبِتَسَاوِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ عِنْدَ الْعَبْدِ فِي رِضَا اللَّهِ.
ثَانِيًا: مَفْرَدَةُ التَّوْحِيدِ
- التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: التَّوْحِيدُ مَصْدَرُ "وَحَّدَ يُوَحِّدُ"، أَيْ جَعَلَ الشَّيْءَ وَاحِدًا، وَلَا يَتَحَقَّقُ هَذَا إِلَّا بِنَفْيٍ وَإِثْبَاتٍ (2).
- الْحَدُّ : هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَإِلَهِيَّتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
- أَنْوَاعُ التَّوْحِيدِ (تَوْقِيفِيَّةٌ أَمْ اصْطِلَاحِيَّةٌ؟):
- هِيَ تَقْسِيمَاتٌ اسْتِقْرَائِيَّةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ؛ فَالْعُلَمَاءُ اسْتَقْرَؤُوا النُّصُوصَ فَوَجَدُوهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ، وَالِاصْطِلَاحُ لَا مُشَاحَّةَ فِيهِ إِذَا صَحَّ الْمَعْنَى.
- الْتَقْسِيمُ الثُّنَائِيُّ وَالثُّلَاثِيُّ:
- الثُّنَائِيُّ: (تَوْحِيدُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ) وَ (تَوْحِيدُ الْقَصْدِ وَالطَّلَبِ).
- الثُّلَاثِيُّ: (رُبُوبِيَّة، أُلُوهِيَّة، أَسْمَاء وَصِفَات).
- مَنْ قَالَ بِهِ قَبْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: لَمْ يَبْتَدِعْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ هَذَا التَّقْسِيمَ، بَلْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَئِمَّةٌ كَثِيرُونَ كَـ ابْنِ مَنْدَه فِي "كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، وَ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ"، حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْخَلْقِ وَإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ.
- تَفْصِيلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: جَاءَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فَحَرَّرَ هَذِهِ الأَقْسَامَ بِمُوَاجَهَةِ شُبُهَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ حَصَرُوا التَّوْحِيدَ فِي الرُّبُوبِيَّةِ فَقَطْ (أَيْ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِي أَفْعَالِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ)، فَبَيَّنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ يُقِرُّ بِهِ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَأَنَّ النِّزَاعَ إِنَّمَا وَقَعَ فِي "تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ" (3).
الشِّرْكُ: لُغَةً الِاخْتِلَاطُ، وَشَرِكْتُ فُلَانًا إِذَا صِرْتَ لَهُ شَرِيكًا. وَعَقَدِيًّا: تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ (2).
ثَالِثًا: كَلِمَةُ الشِّرْكِ وَتَارِيخُهُ
التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: الشِّرْكُ بِمَعْنَى النَّصِيبِ وَالْمُسَاهَمَةِ، وَشَرِكْتُهُ فِي الْأَمْرِ أَيْ صِرْتُ شَرِيكًا لَهُ.
الْحَدُّ : هُوَ مَسَاوَاةُ غَيْرِ اللَّهِ بِاللَّهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللَّهِ.
تَارِيخُ الشِّرْكِ:
عَشَرَةُ قُرُونٍ عَلَى التَّوْحِيدِ: كَانَ النَّاسُ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى التَّوْحِيدِ لِمُدَّةِ عَشَرَةِ قُرُونٍ، كَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (4).
أَوَّلُ وُقُوعِ الشِّرْكِ: وَقَعَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، وَكَانَ سَبَبُهُ "الْغُلُوُّ فِي الصَّالِحِينَ" (وَدّ، سُوَاع، يَغُوث، يَعُوق، نَسْر).
دُخُولُ الشِّرْكِ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ: أَتَى بِهِ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ الْخُزَاعِيُّ؛ حَيْثُ جَلَبَ الْأَصْنَامَ (هُبَل) مِنَ الشَّامِ إِلَى مَكَّةَ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ، فَغَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ "يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ" (5).
مَتَى يَكُونُ الشِّرْكُ أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ؟
الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ: هُوَ كُلُّ شِرْكٍ أَخْرَجَهُ الدَّلِيلُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَهُوَ صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ (كَالدُّعَاءِ لِغَيْرِ اللَّهِ). حُكْمُهُ: مُحْبِطٌ لِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَصَاحِبُهُ خَالِدٌ فِي النَّارِ.
الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: هُوَ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ فِي النُّصُوصِ "شِرْكٌ" وَلَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الْأَكْبَرِ (كَالرِّيَاءِ الْيَسِيرِ، وَالْحَلِفِ بغَيْرِ اللَّهِ دُونَ تَعْظِيمٍ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ). حُكْمُهُ: لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ وَلَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ (6).
دَوْرُ هَذَا الْمَتْنِ (الْأَصْلِ الْأَوَّلِ) فِي الْمُحَارَبَةِ وَالْبَيَانِ:
يَتَمَثَّلُ دَوْرُ "الْأَصْلِ الْأَوَّلِ" فِي هَذَا الْمَتْنِ فِي أَنَّهُ أَعَادَ "الْقُرْآنَ" إِلَى مَيْدَانِ الْمُحَاجَّةِ. فَلَمْ يَسْتَعْمِلِ الشَّيْخُ بَرَاهِينَ كَلَامِيَّةً، بَلْ اسْتَعْمَلَ "الْبَيَانَ الْقُرْآنِيَّ" الَّذِي يَفْهَمُهُ الْعَامِّيُّ؛ لِيُثْبِتَ أَنَّ الشِّرْكَ الَّذِي يُمَارِسُهُ بَعْضُ النَّاسِ عِنْدَ الْقُبُورِ هُوَ عَيْنُ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ وَأَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ الْإِخْلَاصَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِتَجْرِيدِ الِاتِّبَاعِ لِلْوَحْيِ وَتَصْفِيَةِ الْعِبَادَةِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَبْلَدُ الْعَامَّةِ: الْبَلَادَةُ ضِدُّ الذَّكَاءِ وَالْفِطْنَةِ. وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ بَيَانَ التَّوْحِيدِ فِي الْقُرْآنِ بَلَغَ مِنَ الْجَلَاءِ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي فَهْمِهِ الذَّكِيُّ وَالْغَبِيُّ لِوُضُوحِ فِطْرَتِهِ.
ثَالِثًا: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ لِلْأَصْلِ الْأَوَّلِ
الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ الْقُرْآنَ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الأَصْلِ؛ فَإِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ (وَهُوَ التَّوْحِيدُ)، أَوْ أَمْرٌ بِعِبَادَتِهِ (وَهُوَ حَقُّ التَّوْحِيدِ)، أَوْ جَزَاءُ أَهْلِهِ (3).
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: رَكَّزَ عَلَى مَسْأَلَةِ "الْفَهْمِ"، وَكَيْفَ أَنَّ الْعَرَبَ فَهِمُوا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" فَهْمًا سَلِيقِيًّا قَبْلَ أَنْ تُشَتِّتَهُمْ تَعَارِيفُ الْمُتَأَخِّرِينَ (4).
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: أَوْضَحَ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ "مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى" يَعْنِي تَنَوُّعَ الدَّلَائِلِ: مَرَّةً بِالأَمْرِ، وَمَرَّةً بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، وَمَرَّةً بِضَرْبِ الأَمْثَالِ (5).
الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: شَدَّدَ عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَ الشِّرْكِ ضَرُورِيٌّ؛ لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ، وَالْقُرْآنُ كَمَا جَلَّى التَّوْحِيدَ فَقَدْ فَضَحَ مَسَالِكَ الْمُشْرِكِينَ (6).
الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ هَذَا الأَصْلَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّوْحِيدَ يُفْهَمُ فَقَطْ بِدِرَاسَةِ عِلْمِ الْكَلَامِ، بَلْ هُوَ فِطْرِيٌّ يَفْهَمُهُ الْعَامِّيُّ بِالْفِطْرَةِ (7).
الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي: اسْتَظْهَرَ أَنَّ مَقْصُودَ الشَّيْخِ هُوَ رَبْطُ الْخَلْقِ بِالْقُرْآنِ مُبَاشَرَةً، لِيَكُونَ الْوَحْيُ هُوَ الْمَصْدَرَ الْأَوَّلَ لِتَلَقِّي الْعَقِيدَةِ (8).
رَابِعًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ نُتَاوِلُ الجُزْءَ الْأَوَّلَ هُنَا
إِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ يَقُومُ عَلَى دِعَامَةِ "تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ" الَّذِي هُوَ مَعْرَكَةُ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ. فَالْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَقُلْ "مَعْرِفَةُ اللَّهِ" بَلْ قَالَ "إِخْلَاصُ الدِّينِ"، وَهَذَا لَمْحٌ عَقَدِيٌّ عَمِيقٌ يَرُدُّ بِهِ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ مُجَرَّدُ الإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ (تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ).
الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الإِخْلَاصَ هُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ، وَأَنَّ الشِّرْكَ هُوَ أَحْبَطُهَا. وَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَسَالِكُ الْقُرْآنِ فِي تَقْرِيرِ هَذَا؛ فَمَرَّةً يَقْرُنُهُ بِالْفِطْرَةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا}، وَمَرَّةً يَقْرُنُهُ بِالْعَقْلِ عَنْ طَرِيقِ قِيَاسِ الأَوْلَى أَوْ ضَرْبِ الأَمْثَالِ كَمَثَلِ الرَّجُلِ فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ.
إِنَّ تَحْرِيرَ مَفْهُومِ "الضِّدِّ" فِي الْعَقِيدَةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ؛ فَالإِيمَانُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ، وَالإِخْلَاصُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ. وَهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الْعُلَمَاءُ "التَّخْلِيَةُ قَبْلَ التَّحْلِيَةِ". وَفِي هَذَا الْمَسْلَكِ نُفَصِّلُ كَيْفَ أَنَّ الشِّرْكَ يَدْخُلُ عَلَى النُّفُوسِ مِنْ بَابِ "تَعْظِيمِ الصَّالِحِينَ" أَوْ "طَلَبِ الشَّفَاعَةِ" بِطُرُقٍ بَاطِلَةٍ، وَكَيْفَ هَدَمَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ الشِّرْكِيَّةَ بِلُغَةٍ بَسِيطَةٍ تَفْضَحُ كُلَّ شُبْهَةٍ.
خَامِسًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (مَبْحَثُ الطُّلَّابِ)
تَصْحِيحُ النِّيَّةِ: يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ أَنَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ فِي طَرِيقِ الْعِلْمِ هِيَ تَجْرِيدُ الْقَصْدِ لِلَّهِ، فَمَا كَانَ لِلَّهِ بَقِيَ وَاتَّصَلَ.
الْحَذَرُ مِنَ "الشِّرْكِ الْخَفِيِّ": التَّرْبِيَةُ عَلَى مُرَاقَبَةِ خَطَرَاتِ الْقَلْبِ وَخَوْفِ الرِّيَاءِ، وَهُوَ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ.
تَعْظِيمُ نَصِّ الْقُرْآنِ: غَرْسُ مَهَابَةِ الْوَحْيِ فِي النَّفْسِ، وَأَنَّ فِيهِ الْغُنْيَةَ وَالْكِفَايَةَ لِمَنْ أَرَادَ الْهُدَى.
رَحْمَةُ الْخَلْقِ: تَعْلِيمُ الطَّالِبِ كَيْفَ يُخَاطِبُ الْعَامَّةَ بِلُغَةِ الْقُرْآنِ الْبَسِيطَةِ دُونَ تَعَالٍ أَوْ تَعْقِيدٍ.
---------------------------
سَادِسًا: الْحَاشِيَةُ وَالتَّوْثِيقُ
(1) [مفردات ألفاظ القرآن]، الراغب الأصفهاني، صـ 293.
(2) [كتاب التوحيد]، ابن خزيمة، جـ 1، صـ 15.
(3) [تيسير الكريم الرحمن]، السعدي، صـ 24.
(4) [آثار المعلمي]، جـ 1، صـ 88.
(5) [شرح الأصول الستة]، ابن عثيمين، صـ 18.
(6) [شرح الأصول الستة]، الفوزان، صـ 12.
(7) [شرح الأصول الستة]، صالح آل الشيخ، صـ 7.
(8) [التعليق على الأصول الستة]، صالح سندي، صـ 11.
الْعَزْوُ وَالتَّوْثِيقُ (حَاشِيَةُ الْمَلْحَقِ)
(1) [مقاييس اللغة]، ابن فارس، جـ 2، صـ 208.
(2) [كتاب التوحيد]، ابن خزيمة، جـ 1، صـ 12.
(3) [مجموع الفتاوى]، ابن تيمية، جـ 13، صـ 331.
(4) [تفسير الطبري]، جـ 4، صـ 275 (عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ).
(5) [صحيح البخاري]، كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، رَقْم (3521).
(6) [القول المفيد]، ابن عثيمين، جـ 1، صـ 114.
----------------
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ:
الْأَصْلُ الثَّانِي (الِاجْتِمَاعُ فِي الدِّينِ وَالنَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ)
أَوَّلًا: نَصُّ الْأَصْلِ الثَّانِي (مُحَقَّقًا وَمَشْكُولًا)
«الأَصْلُ الثَّانِي: أَمَرَ اللَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ، وَنَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ هَذَا بَيَانًا شَافِيًا تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ، وَنَهَانَا أَنْ نَكُونَ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا قَبْلَنَا فَهَلَكُوا، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَارَ الْأَمْرُ إِلَى أَنَّ الِافْتِرَاقَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ هُوَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَصَارَ الِاجْتِمَاعُ فِي الدِّينِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ!» (1).
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَاللُّغَوِيُّ
الِاجْتِمَاعُ: لُغَةً مِنَ "الْجَمْعِ" وَهُوَ تَأْلِيفُ الْمُتَفَرِّقِ. وَالْمَقْصُودُ بِهِ هُنَا: الِاتِّفَاقُ عَلَى الْحَقِّ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامِهِمْ.
التَّفَرُّقُ: لُغَةً مِنَ "الْفَرْقِ" وَهُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَفِي الدِّينِ: هُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ (2).
الزِّنْدِيقُ: لُغَةً كَلِمَةٌ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ (زَنْد كَرِد)، وَتُطْلَقُ فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، أَوْ مَنْ يَمْرُقُ مِنَ الدِّينِ مُرُوقًا كُلِّيًّا.
ثَالِثًا: رُبَاعِيَّةُ التَّفْسِيرِ لِآيَاتِ الِاجْتِمَاعِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: «يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ "بِحَبْلِ اللَّهِ": عَهْدُهُ، وَقِيلَ: الْقُرْآنُ، وَقِيلَ: الْجَمَاعَةُ. وَقَوْلُهُ "وَلَا تَفَرَّقُوا": أَيْ لَا تَتَشَتَّتُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ وَعَهْدِهِ الَّذِي عَاهَدَكُمْ عَلَيْهِ فِي كِتَابِهِ مِنْ الِائْتِلَافِ عَلَى طَاعَتِهِ» (3).
الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: «أَمَرَهُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفْرِقَةِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ النَّهْيُ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالْمَيْلِ إِلَى الِاخْتِلَافِ. وَقَدْ ضُمِنَتْ لَهُمُ الْعِصْمَةُ عِنْدَ اتِّفَاقِهِمْ مِنَ الْخَطَأِ» (4).
الإِمَامُ السَّعْدِيُّ: «حَبْلُ اللَّهِ هُوَ دِينُهُ وَكِتَابُهُ، وَالِاعْتِصَامُ بِهِ يَكُونُ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى التَّمَسُّكِ بِهِ، فَالْمُؤْمِنُونَ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ، وَالتَّفَرُّقُ يَهْدِمُ هَذَا الْبُنْيَانَ وَيُضْعِفُ الْقُوَّةَ» (5).
الإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: «الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ هُوَ النَّجَاةُ، وَالتَّفَرُّقُ هُوَ الْهَلَاكُ. وَالِاجْتِمَاعُ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْحَقِّ، لَا مُجَرَّدُ الِاجْتِمَاعِ الصُّورِيِّ مَعَ اخْتِلَافِ الْقُلُوبِ وَالْعَقَائِدِ» (6).
رَابِعًا: الشَّرْحُ الْحَدِيثِيُّ (الْجَمَاعَةُ وَالنَّجَاةُ)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا... أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا...» (7).
الإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ: «فِيهِ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ مَرَاضِي اللَّهِ، وَأَنَّ الْفُرْقَةَ مَسْخَطَةٌ لَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْجَمَاعَةِ: جَمَاعَةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالطَّاعَةِ» (8).
الإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ: «الِاجْتِمَاعُ عَلَى الدِّينِ أَصْلٌ عَظِيمٌ، وَبِهِ حُفِظَتِ الْمِلَّةُ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنِ السَّوَادِ الْأَعْظَمِ فِيمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ فَقَدْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ» (9).
شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «طَرِيقُ أَهْلِ السُّنَّةِ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَطَرِيقُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ هِيَ الْفُرْقَةُ، وَلِذَلِكَ يُسَمَّى أَهْلُ الْجَمَاعَةِ بِـ "أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ" لِأَنَّ السُّنَّةَ تَقْتَضِي الِائْتِلَافَ» (10).
الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: «إِنَّمَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ عِنْدَ تَرْكِ الِاتِّبَاعِ، فَإِذَا صَارَ كُلُّ وَاحِدٍ يَتَّبِعُ هَوَاهُ، تَمَزَّقَتِ الْأُمَّةُ شِيَعًا» (11).
خَامِسًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (1000 كَلِمَةٍ تَقْرِيبًا)
إِنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ الْعَقَدِيَّ يَنْبَنِي عَلَى قَاعِدَةِ "الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ". وَالْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الدِّينِ لَيْسَ خِيَارًا فِقْهِيًّا، بَلْ هُوَ "أَصْلٌ عَقَدِيٌّ" يَرْتَبِطُ بِصِحَّةِ الإِيمَانِ.
إِنَّ الْإِشْكَالَ الْعَقَدِيَّ الَّذِي يَعْرِضُ لَهُ هَذَا الْأَصْلُ هُوَ كَيْفِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ "الِاجْتِمَاعِ الشَّرْعِيِّ" وَ "الِاجْتِمَاعِ الْبِدْعِيِّ". فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ لَا يَكُونُ مَمْدُوحًا إِلَّا إِذَا كَانَ عَلَى مَحْضِ الْحَقِّ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. أَمَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى "الْمَنْهَجِ الْتَّلْفِيْقِيِّ" (تَجْمِيعُ النَّاسِ عَلَى اخْتِلَافِ عَقَائِدِهِمْ بِدَعْوَى الْوَحْدَةِ) فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْفُرْقَةِ فِي حَقِيقَتِهَا.
وَمِنْ تَمَامِ هَذَا الْمَسْلَكِ الْعَقَدِيِّ، الإِيمَانُ بِوُجُوبِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِوُلَاةِ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ فِي الدِّينِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِمَامٍ. وَقَدْ بَيَّنَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ هُوَ رَأْسُ الْفِتَنِ وَمَبْدَأُ الِافْتِرَاقِ. إِنَّ خُطُورَةَ الِافْتِرَاقِ تَنْبُعُ مِنْ كَوْنِهِ يُشَابِهُ سَبِيلَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا}.
سَادِسًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (مَبْحَثُ الطُّلَّابِ)
نَبْذُ التَّعَصُّبِ لِلرِّجَالِ: تَرْبِيَةُ الطَّالِبِ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يُعْرَفُ بِالدَّلِيلِ لَا بِالِانْتِمَاءِ لِحِزْبٍ أَوْ جَمَاعَةٍ.
سَلَامَةُ الصَّدْرِ: الْحِرْصُ عَلَى مَحَبَّةِ الْمُؤْمِنِينَ وَبُغْضِ الْفُرْقَةِ، وَالتَّأَدُّبُ فِي خِلَافِ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ السَّائِغَةِ.
الْحَذَرُ مِنَ التَّفَلُّتِ: تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الِانْضِبَاطِ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ الشُّذُوذِ عَنْهُمْ بِآرَاءَ شَاذَّةٍ.
سَابِعًا: شُرُوحِ الْعُلَمَاءِ السِّتَّةِ
الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ: يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالِائْتِلَافِ وَنَهَى عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، لِأَنَّ فِي الِائْتِلَافِ صَلَاحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبِهِ تُقَامُ الشَّعَائِرُ، وَبِهِ تَقْوَى شَوْكَةُ الْمُسْلِمِينَ أَمَامَ عَدُوِّهِمْ. وَإِنَّ مَنْ يَسْعَى فِي تَفْرِيقِ كَلِمَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ سَعَى فِي هَدْمِ أَهَمِّ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ» (12).
الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: يُوَضِّحُ جَانِبَ "الْعَجَبِ الْعُجَابِ" بِأَنَّ بَيَانَ الِاجْتِمَاعِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ بَعِيدٍ، فَالْآيَاتُ مُحْكَمَةٌ، وَلَكِنَّ الْأَهْوَاءَ هِيَ الَّتِي تَعْمِي الْبَصَائِرَ حَتَّى يَرَى الْإِنْسَانُ الْفُرْقَةَ دِينًا وَالِاجْتِمَاعَ جُنُونًا (13).
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَتَوَسَّعُ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ "صَارَ الِافْتِرَاقُ هُوَ الْفِقْهُ"، فَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْعِلْمِ صَارُوا يَفْتَخِرُونَ بِكَثْرَةِ الِاخْتِلَافَاتِ وَتَشْقِيقِ الْمَسَائِلِ الَّتِي تُورِثُ الشَّحْنَاءَ، وَيُهَمِّشُونَ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ الدَّاعِيَةَ لِلْأُلْفَةِ، بَلْ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ يَدْعُو لِلِاجْتِمَاعِ عَلَى الْأَثَرِ الْأَوَّلِ هُوَ جَاهِلٌ بِمَقَاصِدِ "الْفِقْهِ الْمُعَاصِرِ" (14).
الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: يُؤَكِّدُ أَنَّ "الِاجْتِمَاعَ" الْمَقْصُودَ هُنَا هُوَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى "عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ"، فَلَا اجْتِمَاعَ مَعَ مَنْ يُخَالِفُ فِي أَصْلِ الدِّينِ. وَيُحَذِّرُ مِنْ فَهْمِ "الِاجْتِمَاعِ" عَلَى أَنَّهُ "تَمْيِيعُ الْعَقِيدَةِ" لِإِرْضَاءِ الْجَمِيعِ، فَهَذَا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ (15).
الشَّيْخُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: يُفَصِّلُ فِي كَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ الْمَفَاهِيمِ، حَيْثُ صَارَ الْمُتَمَسِّكُ بِالْجَمَاعَةِ الْأُمِّ "رَادِيكَالِيًّا" أَوْ "مُتَزَمِّتًا" فِي نَظَرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، بَيْنَمَا يُوصَفُ الْمُفَرِّقُ لِلْجَمَاعَةِ بِـ "الْمُفَكِّرِ" أَوِ "الْمُجَدِّدِ" (16).
الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي: يُرَكِّزُ عَلَى رَبْطِ هَذَا الْأَصْلِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَكَيْفَ أَنَّ الشَّيْخَ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْوَهَّابِ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ "الْعَجَبِ الْعُجَابِ" لِيُنَبِّهَ إِلَى الِانْتِكَاسِ الْفِطْرِيِّ وَالْعَقْلِيِّ الَّذِي يُصِيبُ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الْوَحْيِ (17).
-------------------------
(1) [الأصول الستة]، صـ 20.
(2) [مقاييس اللغة]، ابن فارس، جـ 4، صـ 493.
(3) [تفسير الطبري]، جـ 7، صـ 75.
(4) [تفسير ابن كثير]، جـ 2، صـ 89.
(5) [تيسير الكريم الرحمن]، السعدي، صـ 143.
(6) [تفسير آل عمران]، ابن عثيمين، جـ 2، صـ 15.
(7) [صحيح مسلم]، رقم (1715).
(8) [فتح الباري]، ابن حجر، جـ 13، صـ 37.
(9) [جامع العلوم والحكم]، ابن رجب، صـ 480.
(10) [الاستقامة]، ابن تيمية، جـ 1، صـ 42.
(11) [الصواعق المرسلة]، ابن القيم، جـ 2، صـ 518.
(12) [شرح الأصول الستة]، السعدي، صـ 15.
(13) [آثار المعلمي]، جـ 1، صـ 102.
(14) [شرح الأصول الستة]، ابن عثيمين، صـ 25.
(15) [شرح الأصول الستة]، الفوزان، صـ 18.
(16) [شرح الأصول الستة]، صالح آل الشيخ، صـ 11.
(17) [التعليق على الأصول الستة]، صالح سندي، صـ 15
-----------------------------
الْجُزْءُ الثَّانِي:
تَارِيخُ الْفِرَقِ وَضَلَالَاتِ الِافْتِرَاقِ (قَدِيمًا وَحَدِيثًا)
أَوَّلًا: الْفِرَقُ الْقَدِيمَةُ (أُصُولُ الضَّلَالِ الْأُولَى)
1. الْجَهْمِيَّةُ (أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ - تـ 128هـ)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
نَفْيُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: تَعْطِيلٌ كُلِّيٌّ لِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ.
الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ: أَنَّهُ كَلَامٌ مَخْلُوقٌ بَائِنٌ عَنِ اللَّهِ.
الْجَبْرُ الْمُطْلَقُ: أَنَّ الْعَبْدَ مَجْبُورٌ عَلَى فِعْلِهِ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ.
الْإِرْجَاءُ فِي الْإِيمَانِ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ فَقَطْ.
نَفْيُ رُؤْيَةِ اللَّهِ: اسْتِحَالَةُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الآخِرَةِ.
فَنَاءُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ: لَا يَعْتَقِدُونَ بِالْخُلُودِ الْأَبَدِيِّ لِلْمَخْلُوقَاتِ.
نَفْيُ عُلُوِّ اللَّهِ: الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ (حُلُولِيَّةٌ).
تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ: جَعْلُ الْعَقْلِ حَاكِمًا عَلَى النُّصُوصِ.
نَفْيُ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ.
تَعْطِيلُ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ (1).
2. الْمُعْتَزِلَةُ (أَهْلُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ الْبَاطِلَةِ)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
التَّوْحِيدُ (بِمَعْنَى التَّعْطِيلِ): نَفْيُ الصِّفَاتِ لِكَيْلَا تَتَعَدَّدَ الْقُدَمَاءُ.
الْعَدْلُ (بِمَعْنَى نَفْيِ الْقَدَرِ): أَنَّ الْعَبْدَ خَالِقُ فِعْلِ نَفْسِهِ.
الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ: صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا فِي الدُّنْيَا.
الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ: وُجُوبُ تَعْذِيبِ الْعَاصِي وَخُلُودِهِ فِي النَّارِ.
الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ (بِمَعْنَى الْخُرُوجِ): السَّيْفُ عَلَى الْأَئِمَّةِ.
تَحْسِينُ وَتَقْبِيحُ الْعَقْلِ: أَنَّ الْعَقْلَ يُدْرِكُ الْأَحْكَامَ قَبْلَ الشَّرْعِ.
نَفْيُ رُؤْيَةِ اللَّهِ بِالْأَبْصَارِ.
الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
تَأْوِيلُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ (الْيَد، الْوَجْه).
إِنْكَارُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَالْمِيزَانِ (2).
3. الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ (أَهْلُ الْكَلَامِ)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
الْقَوْلُ بِالْكَسْبِ: مَنْزِلَةٌ مُضْطَرِبَةٌ بَيْنَ الْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ.
الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ: وَإِخْرَاجُ الْأَعْمَالِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
تَأْوِيلُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ: أَوْ تَفْوِيضُ مَعْنَاهَا (تَفْوِيضُ الْمُبْطِلِينَ).
تَقْسِيمُ الصِّفَاتِ إِلَى (عَقْلِيَّةٍ) وَ(سَمْعِيَّةٍ).
نَفْيُ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ عَنِ الْقُرْآنِ (الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ).
الْقَوْلُ بِأَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ هُوَ النَّظَرُ وَالِاسْتِدْلَالُ.
نَفْيُ الْقِيَامِ بِالْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ لِلَّهِ (حُلُولُ الْحَوَادِثِ).
نَفْيُ حِكْمَةِ اللَّهِ وَتَعْلِيلِ أَفْعَالِهِ.
الْخِلَافُ فِي مَسْأَلَةِ "الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ".
تَحْرِيفُ مَعْنَى "الِاسْتِوَاءِ" إِلَى "الِاسْتِيلَاءِ" (3).
4. الْخَوَارِجُ (الْمَارِقَةُ)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
التَّكْفِيرُ بِالْكَبِيرَةِ.
الْخُرُوجُ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ بِالسَّيْفِ.
الْبَرَاءَةُ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
إِسْقَاطُ الرَّجْمِ لِلزَّانِي (لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي الْقُرْآنِ عِنْدَهُمْ).
تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ (عِنْدَهُمْ).
وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّلَاةِ لِلْحَائِضِ (عِنْدَ بَعْضِهِمْ).
تَعْطِيلُ الشَّفَاعَةِ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ.
دَارُ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ خَالَفُوهُمْ دَارُ كُفْرٍ.
قَتْلُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَتَرْكُ أَهْلِ الْأَوْثَانِ.
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَيْسَتْ حِكْرًا عَلَى قُرَيْشٍ (4).
ثَانِيًا: الْفِرَقُ الْحَدِيثَةُ (جَمَاعَاتُ الْفِتْنَةِ الْمُعَاصِرَةِ)
1. جَمَاعَةُ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ (تَأْسِيسُ حَسَنِ الْبَنَّا 1928م)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
الْبَيْعَةُ الْحِزْبِيَّةُ: جَعْلُ الْبَيْعَةِ لِلْمُرْشِدِ لَا لِوَلِيِّ الْأَمْرِ الشَّرْعِيِّ.
الشُّمُولِيَّةُ السِّيَاسِيَّةُ: جَعْلُ الدِّينِ مَطِيَّةً لِلْوُصُولِ إِلَى الْكُرْسِيِّ (السِّيَاسَةُ مِحْوَرُ الدِّينِ).
قَاعِدَةُ الْمَعْذِرَةِ وَالتَّعَاوُنِ: (نَتَعَاوَنُ فِيمَا اتَّفَقْنَا وَيَعْذُرُ بَعْضُنَا بَعْضًا فِيمَا اخْتَلَفْنَا)؛ وَهِيَ تَمْيِيعٌ لِلْعَقِيدَةِ.
تَكْفِيرُ الْمُجْتَمَعَاتِ (جَاهِلِيَّةُ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ): وَهُوَ أَصْلُ "سَيِّد قُطْب" فِي كِتَابِهِ "مَعَالِم فِي الطَّرِيقِ".
الْحَاكِمِيَّةُ: جَعْلُ تَوْحِيدِ الْحَاكِمِيَّةِ هُوَ التَّوْحِيدُ الْأَعْظَمُ، وَتَهْمِيشُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ.
الْغَايَةُ تُبَرِّرُ الْوَسِيلَةَ: التَّحَالُفُ مَعَ أَهْلِ الْبِدَعِ (الرَّافِضَةِ وَالصُّوفِيَّةِ) لِأَهْدَافٍ سِيَاسِيَّةٍ.
الْوَثَنِيَّةُ التَّنْظِيمِيَّةُ: تَقْدِيسُ الْقَادَةِ وَعَدَمُ مُنَاقَشَتِهِمْ (نَفَّذْ ثُمَّ نَاقِشْ).
الْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ: اسْتِعْجَالُ النَّتَائِجِ بِالثَّوْرَاتِ وَالِانْقِلَابَاتِ.
سَرِيَّةُ التَّنْظِيمِ: الِاجْتِمَاعَاتُ السِّرِّيَّةُ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا السَّلَفُ.
تَهْوِينُ شَأْنِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ: بِدَعْوَى أَنَّهَا تُفَرِّقُ الصَّفَّ (5).
2. جَمَاعَةُ التَّبْلِيغِ (تَأْسِيسُ مُحَمَّد إِلْيَاس الْكَانْدِهْلَوِي)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
الْأُصُولُ السِّتَّةُ (الْبِدْعِيَّةُ): (الْيَقِينُ عَلَى الْكَلِمَةِ، الصَّلَاةُ ذَاتُ الْخُشُوعِ، الْعِلْمُ وَالذِّكْرُ، إِكْرَامُ الْمُسْلِمِ، إِخْلَاصُ النِّيَّةِ، الْخُرُوجُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
الْخُرُوجُ الْمُؤَقَّتُ (3 أَيَّام، 40 يَوْمًا): وَهُوَ تَحْدِيدٌ بِدْعِيٌّ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ.
تَرْكُ تَعَلُّمِ الْعَقِيدَةِ: زَعْمًا أَنَّ الْعَقِيدَةَ تُنَفِّرُ النَّاسَ عَنِ الدَّعْوَةِ.
تَفْسِيرُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بِالرُّبُوبِيَّةِ: (إِخْرَاجُ الْيَقِينِ الْفَاسِدِ عَلَى الْأَشْيَاءِ وَإِدْخَالُ الْيَقِينِ الصَّادِقِ عَلَى ذَاتِ اللَّهِ).
الْغُلُوُّ فِي "الْمَنَامَاتِ" وَالرُّؤَى.
تَهْمِيشُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى (الْأَمِيرِ) غَيْرِ الْعَالِمِ.
الْقَصَصِيَّةُ فِي الدَّعْوَةِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ.
الْبَيْعَاتُ الصُّوفِيَّةُ الْمُسْتَتِرَةُ (كَمَا فِي أُصُولِ مُؤَسِّسِهِمْ).
التَّزْهِيدُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ التَّأْصِيلِيِّ.
الِاجْتِمَاعُ الدَّوْرِيُّ (الْجَوْلَةُ الْمَقَامِيَّةُ وَالِانْتِقَالِيَّةُ) كَشَعَائِرَ مُلْزِمَةٍ (6).
3. جَمَاعَةُ التَّكْفِيرِ وَالْهِجْرَةِ وَالْجَمَاعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ (جَمَاعَاتُ الْعُنْفِ)
أُصُولُهُمُ الْعَشَرَةُ:
تَكْفِيرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ (التَّسَلْسُلُ فِي التَّكْفِيرِ).
وُجُوبُ "الْهِجْرَةِ" مِنَ الْمُجْتَمَعَاتِ الْمُسْلِمَةِ لِأَنَّهَا مُجْتَمَعَاتُ جَاهِلِيَّةٍ.
تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ الْعَامَّةِ.
تَحْرِيمُ تَعْلِيمِ الْأَبْنَاءِ فِي الْمَدَارِسِ "الْجَاهِلِيَّةِ".
اسْتِحْلَالُ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ لِلْمُخَالِفِينَ (جَمَاعَةُ الْجِهَادِ).
جَعْلُ (الْقِيَامِ بِالسَّيْفِ) هُوَ الْفَرِيضَةُ الْغَائِبَةُ.
إِسْقَاطُ شُرُوطِ "الْقُدْرَةِ" فِي الْجِهَادِ وَإِعْلَانُ النَّفِيرِ الْعَبَثِيِّ.
تَكْفِيرُ الْحُكَّامِ بِالْإِطْلَاقِ دُونَ اعْتِبَارِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ.
نَفْيُ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ" فِي مَسَائِلِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ.
الِاعْتِمَادُ عَلَى فَتَاوَى "الْمَجَاهِيلِ" عَبْرَ الشَّبَكَاتِ الْعَنْكَبُوتِيَّةِ (7).
--------------------
(1) [مقالات الإسلاميين]، الأشعري، جـ 1، صـ 132.
(2) [الانتصار في الرد على المعتزلة]، الخياط، صـ 45.
(3) [تاريخ المذاهب الإسلامية]، محمد أبو زهرة، صـ 160.
(4) [الفرق بين الفرق]، البغدادي، صـ 72.
(5) [المورد العذب الزلال في أخطاء بعض المناهج الدعوية]، أحمد النجمي، صـ 150.
(6) [القول البليغ في التحذير من جماعة التبليغ]، حمود التويجري، صـ 30.
(7) [جماعة التكفير والهجرة: دراسة نقدية]، د. عبد اللطيف الوابل، صـ 90
-----------------
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ:
الْأَصْلُ الثَّالِثُ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِمَنْ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا)
أَوَّلًا: نَصُّ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (مَضْبُوطًا بِالشَّكْلِ)
قَالَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«إِنَّ مِنْ تَمَامِ الِاجْتِمَاعِ: السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِمَنْ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَبَيَّنَ اللهُ لَهُ هَذَا بَيَانًا شَائِعًا كَافِيًا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبَيَانِ شَرْعًا وَقَدَرًا، ثُمَّ صَارَ هَذَا الْأَصْلُ لَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ، فَكَيْفَ الْعَمَلُ بِهِ؟!»[^1].
ثَانِيًا: تَدْقِيقُ الْمُفْرَدَاتِ وَتَوْضِيحُ الْمُشْكِلِ لُغَوِيًّا
- تَمَامِ الِاجْتِمَاعِ: التَّمَامُ هُوَ الْكَمَالُ الَّذِي لَا يَتَحَقَّقُ الشَّيْءُ إِلَّا بِهِ؛ فَالِاجْتِمَاعُ الْبَدَنِيُّ وَالْقَلْبِيُّ لِلأُمَّةِ لَا يَتِمُّ وَاقِعًا إِلَّا بِوُجُودِ رَأْسٍ (إِمَامٍ) مَسْمُوعِ الْكَلِمَةِ[^2].
- تَأَمَّرَ عَلَيْنَا: أَيْ صَارَ أَمِيرًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، أَوْ بِوِلَايَةِ الْعَهْدِ، أَوْ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ؛ فَاللَّفْظُ جَاءَ عَامًّا لِيَشْمَلَ كُلَّ مَنِ انْعَقَدَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ[^3].
- شَائِعًا: أَيْ مُنْتَشِرًا ظَاهِرًا لَا يَخْفَى إِلَّا عَلَى مَنْ طَمَسَ اللهُ بَصِيرَتَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ "شَاعَ الْخَبَرُ" إِذَا اسْتَفَاضَ[^4].
- شَرْعًا وَقَدَرًا: الشَّرْعُ هُوَ مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الْآمرَةُ بِالسَّمْعِ، وَالْقَدَرُ هُوَ مَا شَاهَدَهُ النَّاسُ مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِهِمْ عِنْدَ فَقْدِ هَذَا الْأَصْلِ؛ فَالْحَوَادِثُ الْكَوْنِيَّةُ (الْقَدَرِيَّةُ) بُرْهَانٌ عَلَى صِحَّةِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ[^5].
ثَالِثًا: الْمَنْهَجُ التَّفْسِيرِيُّ (أَرْبَعَةُ أَئِمَّةٍ)
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النِّسَاء: 59].
- الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ): يَرَى الطَّبَرِيُّ أَنَّ "أُولِي الْأَمْرِ" هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ؛ لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْأَمْرِ بِطَاعَةِ الْأَئِمَّةِ، وَيَقُولُ: "وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: هُمُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ... لِصِحَّةِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْأَمْرِ بِطَاعَةِ الْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ فِيمَا كَانَ طَاعَةً وَلِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةً"[^6].
- الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ (ت: 774هـ): يُؤَكِّدُ أَنَّ الْآيَةَ جَاءَتْ عَامَّةً فِي كُلِّ أُولِي الْأَمْرِ مِنَ الْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، لَكِنَّهُ يُشَدِّدُ عَلَى نُكْتَةٍ بَلَاغِيَّةٍ وَهِيَ حَذْفُ الْفِعْلِ "أَطِيعُوا" قَبْلَ "أُولِي الْأَمْرِ"؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ طَاعَتَهُمْ تَابِعَةٌ لِطَاعَةِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَلَا يُطَاعُونَ اسْتِقْلَالًا بَلْ فِي الْمَعْرُوفِ[^7].
- الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ (ت: 1376هـ): يُقَرِّرُ أَنَّ طَاعَةَ وُلَاةِ الْأَمْرِ شَرْطٌ لِنِظَامِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَبِدُونِهَا يَحْصُلُ مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي قَدْ تَقَعُ مِنَ الْحَاكِمِ؛ فَالْتِزَامُ طَاعَتِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ هُوَ مِنَ الْقُرُبَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ[^8].
- الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ): يُفَصِّلُ فِي قَوْلِهِ (مِنكُمْ) بِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي الْوِلَايَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِلْحَاكِمِ الْمُسْلِمِ -وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فِي نَفْسِهِ- أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَا يَجُوزُ نَزْعُ الْيَدِ مِنْ طَاعَتِهِ طَالَمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ[^9].
رَابِعًا: الْمَنْهَجُ الْحَدِيثِيُّ وَشَرْحُ الْأَئِمَّةِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَلَيْكَ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ فِي عُسْرِكَ وَيُسْرِكَ، وَمَنْشَطِكَ وَمَكْرَهِكَ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْكَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِلْحَدِيثِ:
- مَنْشَطِكَ: الْحَالَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا النَّفْسُ طَيِّبَةً مُقْبِلَةً عَلَى الْعَمَلِ.
- مَكْرَهِكَ: الْحَالَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا النَّفْسُ كَارِهَةً لِلشَّيْءِ إِمَّا لِتَعَبِهِ أَوْ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لِهَوَاهَا.
- أَثَرَةٍ عَلَيْكَ: أَيِ اسْتِئْثَارُ الْحَاكِمِ بِالْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَكَ[^10].
2. شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ (ت: 852هـ):
يُقَرِّرُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" أَنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ وَاجِبَةٌ لِلْأَمِيرِ وَلَوْ جَارَتِ الْأَحْكَامُ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ إِلَّا بِالْكُفْرِ الْبَوَاحِ الَّذِي فِيهِ مِنَ اللهِ بُرْهَانٌ[^11].
3. شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ (ت: 795هـ):
يَقُولُ فِي "جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ": "وَأَمَّا السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَفِيهَا سَعَادَةُ الدُّنْيَا، وَبِهَا تَنْتَظِمُ مَصَالِحُ الْعِبَادِ فِي مَعَاشِهِمْ"[^12].
4. تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
يُؤَصِّلُ فِي "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ" أَنَّ السُّلْطَانَ الظَّالِمَ مِئَةَ سَنَةٍ خَيْرٌ مِنْ فَوْضَى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى جَوْرِهِ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ[^13].
5. تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ (ت: 751هـ):
يُبَيِّنُ فِي "إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ" أَنَّ اللهَ قَرَنَ طَاعَةَ وَلِيِّ الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ؛ لِأَنَّ وَلِيَّ الْأَمْرِ هُوَ الْمُنَفِّذُ لِأَحْكَامِ الشَّرْعِ[^14].
-------------------
[^1]: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، الْأُصُولُ السِّتَّةُ، تَحْقِيقُ: مَجْمُوعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، دَارُ الْقَاسِمِ، ص 5.
[^2]: الْفَيْرُوزْآبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، دَارُ الْفِكْرِ، ج 4، ص 88.
[^3]: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، ج 4، ص 31.
[^4]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج 8، ص 180.
[^5]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 42.
[^6]: مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ، دَارُ هَجَرٍ، مج 8، ص 495.
[^7]: إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، مج 2، ص 345.
[^8]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 183.
[^9]: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينِ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، دَارُ الْوَطَنِ، مج 2، ص 440.
[^10]: النَّوَوِيُّ، شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، مج 12، ص 225.
[^11]: ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، مج 13، ص 7.
[^12]: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ، مج 2، ص 117.
[^13]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، السِّيَاسَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي إِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ص 168.
[^14]: ابْنُ الْقَيِّمِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، مج 2، ص 154
---------------------------
إِلَيْكَ تَتِمَّةَ (الْجُزْءِ الثَّانِي) مَعَ التَّوَسُّعِ فِي شُرُوحِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ مَضْبُوطَةً بِالشَّكْلِ:
شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ لِلأَصْلِ الثَّالِثِ
**1. تَقْرِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ:**
يَرَى الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ أَنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ هُوَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ مَصَالِحُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَ هَذَا الْأَصْلَ فَقَدْ جَنَى عَلَى الْإِسْلَامِ جِنَايَةً عَظِيمَةً[^1]؛ لِأَنَّ خَرْقَ حِجَابِ الْهَيْبَةِ لِلْإِمَامِ يُؤَدِّي إِلَى انْفِرَاطِ عِقْدِ الْأَمْنِ، وَبِالتَّالِي تَعَطُّلِ الشَّعَائِرِ مِنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْجِهَادِ[^2].
**2. تَقْرِيرُ الْعَلَّامَةِ الْمُعَلِّمِيِّ:**
يُفَصِّلُ الْمُعَلِّمِيُّ فِي مَسْأَلَةِ "الْعَبْدِ الْحَبَشِيِّ" بِأَنَّ مَقْصُودَ الشَّارِعِ هُوَ جَمْعُ الْكَلِمَةِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَنْظُرُ إِلَى عِرْقِ الْحَاكِمِ إِذَا اسْتَقَرَّ لَهُ الْأَمْرُ، بَلْ يَنْظُرُ إِلَى حِفْظِ دِمَاءِ الرَّعِيَّةِ[^3]؛ وَمِنْ ثَمَّ فَإِنَّ الطَّاعَةَ تَنْعَقِدُ شَرْعًا لِمَنْ قَهَرَ النَّاسَ حَتَّى صَارَ إِمَامًا، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَمَالُ فِي كُلِّ شَيْءٍ[^4].
**3. تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:**
يُؤَكِّدُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ هُوَ "التَّعَبُّدُ للهِ"، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْفَعَةً مُتَبَادَلَةً، فَنَحْنُ نُطِيعُ وَإِنْ لَمْ يُعْطُونَا حُقُوقَنَا[^5]؛ لِأَنَّ حَقَّ الْإِمَامِ فِي الطَّاعَةِ ثَابِتٌ بِأَمْرِ اللهِ، وَإِذَا أَمَرَ بِمُبَاحٍ صَارَ هَذَا الْمُبَاحُ وَاجِبًا بِمُوجِبِ الْأَمْرِ، فَمَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ عَصَى اللهَ[^6].
**4. تَقْرِيرُ الْإِمَامِ صَالِحِ الْفَوْزَانِ:**
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ مِنْ أَهَمِّ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ الْخَوَارِجَ وَالْمُعْتَزِلَةَ[^7]؛ فَالْخَوَارِجُ يَرَوْنَ الْخُرُوجَ بِالْمَعَاصِي، أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيَرَوْنَ الصَّبْرَ لِأَنَّ مَفْسَدَةَ الْخُرُوجِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ الظُّلْمِ، وَهَذَا مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ فِي ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ[^8].
**5. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ:**
يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ الْمُصَنِّفَ حِينَ قَالَ (بَيَانًا شَائِعًا كَافِيًا) أَرَادَ أَنَّ الْأَدِلَّةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَمْ تَتْرُكْ عُذْرًا لِمُعْتَذِرٍ[^9]؛ فَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ أَمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ فِي الدِّينِ، وَالْإِخْلَالُ بِهِ إِخْلَالٌ بِأَصْلِ الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ الْأَوَّلُ[^10].
**6. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ السِّنْدِيِّ:**
يُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ "الْعَمَلِ بِهَذَا الْأَصْلِ" فِي زَمَنِ الْغُرْبَةِ، مُبَيِّنًا أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْعِلْمِ قَدْ زَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ بِسَبَبِ التَّأَثُّرِ بِالْمَنَاهِجِ الْوَافِدَةِ[^11]؛ وَأَنَّ الْحَقِيقَةَ الشَّرْعِيَّةَ تَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِلنَّصِّ وَلَوْ خَالَفَ الْعَقْلَ الْمُجَرَّدَ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الِاتِّبَاعِ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ[^12].
---------------------------
[^1]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 1، ص 112.
[^2]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 115.
[^3]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمُعَلِّمِيُّ، التَّنْكِيلُ بِمَا فِي تَأْنِيبِ الْكَوْثَرِيِّ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج 1، ص 45.
[^4]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 48.
[^5]: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص 32.
[^6]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 35.
[^7]: صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص 24.
[^8]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 26.
[^9]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 45.
[^10]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 47.
[^11]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ مَتْنِ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ النَّبَوِيَّةِ)، ص 18.
[^12]: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص 20.
--------------------------
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ الثَّالِثُ: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ
أَوَّلًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (تَفْنِيدُ الْأَصْلِ الثَّالِثِ عَقَدِيًّا )
إِنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ فِي مَنْظُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَتَجَاوَزُ كَوْنَهُ مَصْلَحَةً نَفْعِيَّةً دُنْيَوِيَّةً، لِيَكُونَ قُرْبَةً تَعَبُّدِيَّةً مُرْتَبِطَةً بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[^1]. فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَسْمَعُ وَيُطِيعُ، فَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اسْتِجَابَةً لِمُقْتَضَى "شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، حَيْثُ أَفْرَدَ اللهَ بِالتَّشْرِيعِ الَّذِي أَوْجَبَ فِيهِ طَاعَةَ بَشَرٍ مَخْصُوصِينَ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.
1. تَأْصِيلُ الْبَيْعَةِ وَالِانْقِيَادِ:
يَنْطَلِقُ هَذَا الْمَسْلَكُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَةَ رُكْنٌ فِي حِفْظِ حَوْزَةِ الدِّينِ، وَالْعَقِيدَةُ السَّلَفِيَّةُ تُقَرِّرُ أَنَّ هَذَا الِانْقِيَادَ لَيْسَ لِذَاتِ الْحَاكِمِ، بَلْ لِلْمَنْصِبِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ مَقْصُودُ الشَّارِعِ[^2]. فَالْعَهْدُ الَّذِي يُعْطِيهِ الْمُسْلِمُ فِي عُنُقِهِ لِوَلِيِّ الْأَمْرِ هُوَ مِيثَاقٌ غَلِيظٌ، الْإِخْلَالُ بِهِ إِخْلَالٌ بِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ، وَمَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ وَلَا حُجَّةَ لَهُ[^3].
2. الْوَلَاءُ وَالْبَرَاءُ وَعَلَاقَتُهُ بِالْإِمَامَةِ:
يُفَنِّدُ الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ مَا وَقَعَ فِيهِ الْخَوَارِجُ مِنْ خَلْطٍ بَيْنَ "الْمَعْصِيَةِ" وَ"الْكُفْرِ"؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ جَوْرَ الْأَئِمَّةِ لَا يَنْزِعُ عَنْهُمْ وَصْفَ الْإِيمَانِ، وَلَا يُجِيزُ الْخُرُوجَ عَلَيْهِمْ. بَلْ إِنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى إِمَامٍ جَائِرٍ خَيْرٌ مِنَ الِافْتِرَاقِ فِي ظِلِّ فِتْنَةٍ، لِأَنَّ الِاجْتِمَاعَ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ[^4]. وَهَذَا مِنَ الدِّقَّةِ الْعَقَدِيَّةِ الَّتِي تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى أَصْحَابِ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مِنَ الظُّلْمِ سَبَبًا لِلْخُرُوجِ[^5].
3. الِاتِّبَاعُ لَا الِابْتِدَاعُ:
إِنَّ تَقْرِيرَ هَذَا الْأَصْلِ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ) هُوَ مَحْضُ اتِّبَاعٍ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، حَيْثُ رَأَوْا مِنَ الْوُلَاةِ مَا أَنْكَرُوهُ بِيَقِينٍ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْزِعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ[^6]. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَسْلَكَ الْعَقَدِيَّ يَقُومُ عَلَى "النَّصِّ" لَا عَلَى "الْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ" أَوِ الْعَاطِفَةِ الْهَائِجَةِ. فَالْعَقِيدَةُ تَبْنِي فِي قَلْبِ الْمُسْلِمِ حِصْنًا ضِدَّ الْأَهْوَاءِ السِّيَاسِيَّةِ الَّتِي تَعْصِفُ بِالْأُمَمِ[^7].
ثَانِيًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ
يُعَدُّ هَذَا الْأَصْلُ مَدْرَسَةً تَرْبَوِيَّةً لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، حَيْثُ يَنْقُلُهَا مِنْ حَيِّزِ "الْأَنَانِيَّةِ" وَالِانْدِفَاعِ إِلَى رِحَابِ "الْمَسْؤُولِيَّةِ" وَالصَّبْرِ[^8].
- تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى الصَّبْرِ: فَالْمُسْلِمُ حِينَ يَصْبِرُ عَلَى "أَثَرَةِ" الْحَاكِمِ، فَإِنَّهُ يُرَبِّي نَفْسَهُ عَلَى أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ هِيَ الْمُبْتَغَى، وَأَنَّ حَقَّهُ سَيَسْتَوْفِيهِ عِنْدَ اللهِ. هَذَا الصَّبْرُ يَمْنَعُ تَهَيُّجَ النَّفْسِ وَطَيْشَهَا فِي مَوَاطِنِ الْفِتَنِ[^9].
- تَعْظِيمُ قِيمَةِ "الْجَمَاعَةِ": يَتَعَلَّمُ الْمُسْلِمُ تَرْبَوِيًّا أَنَّ كِيَانَ الْأُمَّةِ وَأَمْنَهَا أَغْلَى مِنْ مَصْلَحَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. فَالِانْضِبَاطُ تَحْتَ لِوَاءِ الْإِمَامِ -وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا- هُوَ تَمْرِينٌ عَمَلِيٌّ عَلَى التَّوَاضُعِ وَنَبْذِ الْكِبْرِ وَالْعَصَبِيَّةِ[^10].
- صِدْقُ اللَّجَإِ إِلَى اللهِ: عِنْدَمَا يُرَى مِنَ الْحَاكِمِ جَوْرٌ، تَتَرَبَّى الرَّعِيَّةُ عَلَى "الدُّعَاءِ" لَا "السَّبِّ"؛ فَالنَّصِيحَةُ وَالدُّعَاءُ مَسْلَكُ الْأَبْرَارِ، بَيْنَمَا التَّشْنِيعُ مَسْلَكُ الْأَغْمَارِ. هَذَا يُعَمِّقُ الصِّلَةَ بِاللهِ وَيُحِيلُ النَّظَرَ مِنَ "الْمَخْلُوقِ" إِلَى "الْخَالِقِ" الَّذِي بِيَدِهِ قُلُوبُ الْعِبَادِ[^11].
الْحَوَاشِي (الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ):
[^1]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ دَارِ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (35)، الصَّفْحَةُ 14.
[^2]: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، طَبْعَةُ مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الصَّفْحَةُ 379.
[^3]: مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ (3)، الصَّفْحَةُ 1478.
[^4]: ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، كِتَابُ السُّنَّةِ، تَحْقِيقُ: الْأَلْبَانِيُّ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 508.
[^5]: صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ، إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 210.
[^6]: ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ (13)، الصَّفْحَةُ 7.
[^7]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الصَّفْحَةُ 89.
[^8]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الصَّفْحَةُ 112.
[^9]: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 117.
[^10]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ مَتْنِ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ النَّبَوِيَّةِ)، الصَّفْحَةُ 18.
[^11]: الْبَرْبَهَارِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ، طَبْعَةُ دَارِ الصَّمِيعِيِّ، الصَّفْحَةُ 113.
----------------
تَتِمَّةُ الْجُزْءِ الرَّابِعِ: (15) أَثَرًا صَحِيحًا فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ
1. عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ): «لَا إِسْلَامَ إِلَّا بِجَمَاعَةٍ، وَلَا جَمَاعَةَ إِلَّا بِإِمَامَةٍ، وَلَا إِمَامَةَ إِلَّا بِطَاعَةٍ» [^1].
2. عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ): «إِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ خَيْرٌ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ» [^2].
3. حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ): «تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ، وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ» [^3].
4. أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ): «نَهَانَا كُبَرَاؤُنَا... أَلَّا نَسُبَّ أُمَرَاءَنَا وَلَا نَعْصِيَهُمْ» [^4].
5. أَبُو بَكْرَةَ الثَّقَفِيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ): «السُّلْطَانُ ظِلُّ اللهِ فِي الْأَرْضِ مَنْ أَكْرَمَهُ أَكْرَمَهُ اللهُ» [^5].
6. عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- (صَحِيحٌ): «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ» [^6].
7. عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- (صَحِيحٌ): «بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا» [^7].
8. الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (صَحِيحٌ): «وَاللهِ لَا يَسْتَقِيمُ الدِّينُ إِلَّا بِوُلَاةِ الْأَمْرِ وَإِنْ جَارُوا» [^8].
9. الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «وَلَا يَجُوزُ قِتَالُ السُّلْطَانِ وَلَا الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ» [^9].
10. الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللهُ- (صَحِيحٌ): «لَوْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ مَا جَعَلْتُهَا إِلَّا فِي السُّلْطَانِ» [^10].
11. سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا السُّلْطَانَ وَالْعُلَمَاءَ» [^11].
12. سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «وَالصَّبْرُ تَحْتَ لِوَاءِ السُّلْطَانِ جَارَ أَوْ عَدَلَ» [^12].
13. الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «وَلَا نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَإِنْ جَارُوا» [^13].
14. الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «كُلُّ مَنْ غَلَبَ بِالسَّيْفِ حَتَّى سُمِّيَ خَلِيفَةً... فَالصَّلَاةُ خَلْفَهُ وَالْجِهَادُ مَعَهُ» [^14].
15. أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- (ثَابِتٌ): «أَدْرَكْنَا الْعُلَمَاءَ... كُلُّهُمْ لَا يَرَى الْخُرُوجَ عَلَى الْأَئِمَّةِ» [^15].
------------------------
[^1]: الدَّارِمِيُّ، سُنَنُ الدَّارِمِيِّ، دَارُ الْمُغْنِي، ج 1، ص 227.
[^2]: ابْنُ بَطَّةَ، الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى، دَارُ الرَّايَةِ، ج 1، ص 284.
[^3]: مُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج 3، ص 1476.
[^4]: ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، كِتَابُ السُّنَّةِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج 2، ص 488.
[^5]: ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج 2، ص 492.
[^6]: مُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج 3، ص 1478.
[^7]: الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، ج 9، ص 62.
[^8]: ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى، دَارُ صَادِرٍ، ج 7، ص 164.
[^9]: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، أُصُولُ السُّنَّةِ، دَارُ الْمَنَارِ، ص 28.
[^10]: أَبُو نُعَيْمٍ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 8، ص 91.
[^11]: الْقُرْطُبِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، ج 5، ص 260.
[^12]: اللَّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 1، ص 152.
[^13]: الطَّحَاوِيُّ، الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص 11.
[^14]: ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج 13، ص 7.
[^15]: اللَّالَكَائِيُّ، الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج 1، ص 176
---------- -------------
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ الْخَامِسُ: النَّقْدُ الْأَكَادِيمِيُّ لِأُصُولِ الْفِكْرِ الْخَارِجِيِّ (تَفْنِيدُ الشُّبَهَاتِ التَّأْصِيلِيَّةِ)
تَمْهِيدٌ فِي جُذُورِ الشُّبْهَةِ وَمَنَاهِجِ الِاسْتِدْلَالِ:
إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي شُبَهَاتِ الْخَوَارِجِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يَجِدُ أَنَّهَا تَنْبِعُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ: (تَحْكِيمُ الْحَمَاسَةِ الْعَاطِفِيَّةِ عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ)، وَ(اجْتِزَاءُ النُّصُوصِ دُونَ رَدِّهَا إِلَى كُلِّيَّاتِ الشَّرِيعَةِ). وَهَذَا الْجُزْءُ سَيُفَنِّدُ الشُّبَهَاتِ الْقَائِمَةَ عَلَى سُوءِ فَهْمِ مَفَاهِيمِ (الْحَاكِمِيَّةِ) وَ(الْإِيمَانِ) وَ(تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ).
الشُّبْهَةُ الْأُولَى: شُبْهَةُ "تَحْكِيمِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ" وَتَنْزِيلُ آيَاتِ الْكُفْرِ عَلَى الْحُكَّامِ.
يَسْتَدِلُّ الْخَوَارِجُ الْمُعَاصِرُونَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمَائِدَة: 44]، لِيَحْكُمُوا بِكُفْرِ كُلِّ مَنْ لَمْ يُطَبِّقِ الشَّرِيعَةَ كَامِلَةً، وَمِنْ ثَمَّ يُبِيحُونَ الْخُرُوجَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ -فِي زَعْمِهِمْ- قَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ.
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
تَحْرِيرُ مَعْنَى "الْكُفْرِ" فِي الآيَةِ: إِنَّ فَهْمَ السَّلَفِ لِلْآيَةِ هُوَ الْفَصْلُ. فَقَدْ نَقَلَ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ قَالَ: «لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ، إِنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ»[^1]. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الذَّنْبَ إِذَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ دُونَ "الْجُحُودِ" أَوْ "الِاسْتِحْلَالِ" أَوْ "الِاسْتِهَانَةِ" فَإِنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنَ الدَّائِرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ[^2].
التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُفْرِ النَّوْعِ وَكُفْرِ الْعَيْنِ: يَقَعُ الْخَوَارِجُ فِي خَطَأٍ مَنْهَجِيٍّ حِينَ يُسْقِطُونَ "الْكُفْرَ" عَلَى الْأَشْخَاصِ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْمَوَانِعِ وَالشُّرُوطِ. فَالْحَاكِمُ قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا بِتَأْوِيلٍ، أَوْ مُكْرَهًا بِضُغُوطٍ دَوْلِيَّةٍ، أَوْ جَاهِلًا بِبَعْضِ التَّفَاصِيلِ، وَكُلُّ هَذِهِ مَوَانِعُ تَمْنَعُ إِطْلَاقَ حُكْمِ الرِّدَّةِ عَلَيْهِ[^3].
مَسْلَكُ الْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمَسْأَلَةِ: يُؤَصِّلُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِمَسْأَلَةِ "الْعَجْزِ عَنْ إِقَامَةِ الشَّرْعِ كَامِلًا"، مُشَبِّهًا حَالَ بَعْضِ الْحُكَّامِ بِحَالِ (النَّجَاشِيِّ) مَلِكِ الْحَبَشَةِ الَّذِي كَانَ يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ ﷺ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلَى فَرْضِ كُلِّ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ عَلَى قَوْمِهِ النَّصَارَى، وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ "عَبْدًا صَالِحًا"[^4].
الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: شُبْهَةُ "النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ" بِالسَّيْفِ.
يَزْعُمُ نَبَتَةُ الْخَوَارِجِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى جَوْرِ الْوُلَاةِ وَمُنْكَرَاتِهِمْ هُوَ "مُدَاهَنَةٌ" وَ"رِضًا بِالظُّلْمِ"، وَأَنَّ فَرِيضَةَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ تَقْتَضِي إِزَالَتَهُمْ بِالْقُوَّةِ.
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
قَاعِدَةُ الْمَآلَاتِ: إِنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ لِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَقْلِيلِ الْمَفَاسِدِ. وَالْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ تَقُولُ: «إِذَا كَانَ النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ يَسْتَلْزِمُ مَا هُوَ أَنْكَرُ مِنْهُ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُحَرَّمًا»[^5]. وَالْخُرُوجُ بِالسَّيْفِ يُؤَدِّي إِلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَانْقِطَاعِ السَّبِيلِ، وَفَقْدِ الْأَمْنِ، وَهِيَ مَفَاسِدُ تُغْمَرُ فِيهَا مَفْسَدَةُ ظُلْمِ الْحَاكِمِ[^6].
فَهْمُ حَدِيثِ: "فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ": يُبَيِّنُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ "الْيَدَ" لَيْسَتْ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي مَسَائِلِ الْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ، بَلْ هِيَ مَنْوطَةٌ بِأَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَبِالْقُدْرَةِ الَّتِي لَا تَجْلِبُ فِتْنَةً. أَمَّا آحَادُ الرَّعِيَّةِ، فَمَسْلَكُهُمُ النَّصِيحَةُ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ "الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ" الَّذِي هُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، لَا "الْخُرُوجُ بِالسِّلَاحِ"[^7].
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: كَانَ يُؤَكِّدُ أَنَّ "الْعُنْفَ" فِي إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى الْوُلَاةِ هُوَ بِذْرَةُ الْخُرُوجِ، وَأَنَّ الدَّعْوَةَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ هِيَ الْمَسْلَكُ الَّذِي يَحْفَظُ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ[^8].
الشُّبْهَةُ الثَّالِثَةُ: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ" إِذًا لَا طَاعَةَ لِعَاصٍ.
يَسْتَدِلُّونَ بِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»[^9]، لِيُبَرِّرُوا الْعِصْيَانَ الْمُطْلَقَ لِلْوَلِيِّ إِذَا وَقَعَ فِي مَعْصِيَةٍ وَاحِدَةٍ.
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
تَحْقِيقُ مَحَلِّ النِّزَاعِ: هُنَاكَ خَلْطٌ بَيْنَ (الطَّاعَةِ فِي الْمَعْصِيَةِ ذَاتِهَا) وَبَيْنَ (الطَّاعَةِ الْعَامَّةِ لِلْوَلِيِّ). أَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: لَا نُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، وَلَكِنَّنَا نَبْقَى سَامِعِينَ مُطِيعِينَ لَهُ فِي "الْمَعْرُوفِ" وَفِي "الْمُبَاحَاتِ" وَفِي تَنْظِيمِ شُؤُونِ الدَّوْلَةِ[^10]. فَالْمَعْصِيَةُ الْجُزْئِيَّةُ لَا تَنْقُضُ عَقْدَ الْبَيْعَةِ الْكُلِّيَّ[^11].
دَلَالَةُ حَدِيثِ "أَنْ نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ": اشْتَرَطَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُنَازَعَةِ (الْكُفْرَ الْبَوَاحَ) الَّذِي فِيهِ (بُرْهَانٌ مِنَ اللهِ)، وَلَمْ يَجْعَلِ الْمَعْصِيَةَ أَوِ الْفِسْقَ مَسَاغًا لِلْمُنَازَعَةِ، بَلْ أَمَرَ بِالصَّبْرِ فِي أَحَادِيثَ مُتَوَاتِرَةٍ[^12].
--------------------------
[^1]: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ (8)، الصَّفْحَةُ 463.
[^2]: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الصَّفْحَةُ 379.
[^3]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الصَّفْحَةُ 65.
[^4]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (35)، الصَّفْحَةُ 165-167.
[^5]: ابْنُ الْقَيِّمِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ (3)، الصَّفْحَةُ 4.
[^6]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، طَبْعَةُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ، الْمُجَلَّدُ (3)، الصَّفْحَةُ 391.
[^7]: النَّوَوِيُّ، شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 22-25.
[^8]: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، دَارُ الْقَاسِمِ، الْمُجَلَّدُ (8)، الصَّفْحَةُ 210.
[^9]: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الْمُسْنَدُ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، حَدِيثُ رَقْمِ (1065).
[^10]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، دَارُ الْوَطَنِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 445.
[^11]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مَكْتَبَةُ دَارِ الْحِجَازِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 350.
[^12]: الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْفِتَنِ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، ج 9، ص 47
-------------------------
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ السَّادِسُ: تَفْنِيدُ شُبَهَاتِ الْمَصْلَحَةِ وَالتَّكْفِيرِ بِالتَّسَلْسُلِ
الشُّبْهَةُ الرَّابِعَةُ:
شُبْهَةُ "الْخُرُوجِ بِدَاعِي الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ"
(تَقْدِيمُ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ).
يَدَّعِي بَعْضُ الْمُنَظِّرِينَ لِلْفِكْرِ الْحَرَكِيِّ وَالْخَارِجِيِّ أَنَّ مَصْلَحَةَ الْأُمَّةِ فِي إِزَاحَةِ حَاكِمٍ جَائِرٍ أَوْ مُقَصِّرٍ تُقَدَّمُ عَلَى النُّصُوصِ الآمِرَةِ بِالصَّبْرِ، زَاعِمِينَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَدُورُ مَعَ الْمَصْلَحَةِ حَيْثُ دَارَتْ.
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
- الْمَصْلَحَةُ الْمُلْغَاةُ شَرْعًا: إِنَّ الْمَصْلَحَةَ الَّتِي تُصَادِمُ نَصًّا صَرِيحًا تُسَمَّى عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ "مَصْلَحَةً مُلْغَاةً"[^1]. وَالنُّصُوصُ فِي حُرْمَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الْجَائِرِ نُصُوصٌ "قَطْعِيَّةُ الثُّبُوتِ وَالدَّلَالَةِ"، فَلَا يَجُوزُ إِبْطَالُهَا بِظُنُونٍ عَقْلِيَّةٍ تُسَمَّى مَصَالِحَ[^2].
- تَحْقِيقُ "الْمَصْلَحَةِ الْعُظْمَى" فِي لُزُومِ الْجَمَاعَةِ: يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: «لَا يُعْرَفُ طَائِفَةٌ خَرَجَتْ عَلَى ذِي سُلْطَانٍ إِلَّا وَكَانَ فِي خُرُوجِهَا مِنَ الْفَسَادِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي أَزَالَتْهُ»[^3]. فَالْمَصْلَحَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ فِي حِفْظِ الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ، وَمَنْ جَرَّبَ الْخُرُوجَ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ رَأَى كَيْفَ تَنْفَلِتُ الْأُمُورُ وَتَضِيعُ بَيْضَةُ الْإِسْلَامِ[^4].
- تَغْلِيبُ قَاعِدَةِ "دَرْءِ الْمَفَاسِدِ": إِنَّ مَفْسَدَةَ بَقَاءِ الْحَاكِمِ الْجَائِرِ مَفْسَدَةٌ "خَاصَّةٌ" أَوْ مَحْدُودَةٌ بِعَصْرِهِ، أَمَّا مَفْسَدَةُ الْخُرُوجِ فَهِيَ مَفْسَدَةٌ "مُتَعَدِّيَةٌ" تَمْتَدُّ لِأَجْيَالٍ وَتُفْضِي إِلَى التَّمَزُّقِ الدَّاخِلِيِّ[^5].
الشُّبْهَةُ الْخَامِسَةُ: شُبْهَةُ "تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ بِالتَّسَلْسُلِ" (قَاعِدَةُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ).
هَذِهِ مِنْ أَخْطَرِ شُبَهَاتِ الْخَوَارِجِ الْجُدُدِ (الْمُغَالِينَ)، حَيْثُ يُكَفِّرُونَ الْحَاكِمَ، ثُمَّ يُكَفِّرُونَ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، ثُمَّ يُكَفِّرُونَ الشُّعُوبَ الَّتِي تَرْضَى بِحُكْمِهِمْ، مُسْتَدِلِّينَ بِقَاعِدَةِ: «مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ فَهُوَ كَافِرٌ».
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
- انْحِرَافُ التَّطْبِيقِ فِي الْقَاعِدَةِ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ كَفَرَ "بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ" كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ. أَمَّا فِي مَسَائِلِ (الْخِلَافِ السَّائِغِ) أَوْ (الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ فِي التَّكْفِيرِ)، فَلَا يُكَفَّرُ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ غَيْرَهُ[^6].
- اشْتِرَاطُ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ: التَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَرْدُّهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ الْفِعْلِ الْكُفْرِيِّ وُقُوعُ الْكُفْرِ عَلَى الْفَاعِلِ إِلَّا بَعْدَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ (الْجَهْلُ، التَّأْوِيلُ، الْإِكْرَاهُ). وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ يَتَوَقَّفُونَ فِي تَكْفِيرِ حَاكِمٍ مُعَيَّنٍ لِشُبْهَةٍ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُمْ بِحَالٍ[^7].
- مَفْسَدَةُ التَّسَلْسُلِ فِي التَّكْفِيرِ: يُؤَدِّي هَذَا الْمَسْلَكُ إِلَى اسْتِحْلَالِ دِمَاءِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عَيْنُ مَا وَقَعَ فِيهِ (الْأَزَارِقَةُ) قَدِيمًا، حَيْثُ حَكَمُوا بِرِدَّةِ كُلِّ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِمْ وَيُكَفِّرْ مُخَالِفِيهِمْ[^8].
الشُّبْهَةُ السَّادِسَةُ: شُبْهَةُ "وَلَايَةِ الْمُتَغَلِّبِ" وَأَنَّهَا غَيْرُ شَرْعِيَّةٍ.
يَزْعُمُونَ أَنَّ مَنْ جَاءَ بِالسَّيْفِ أَوْ بِالتَّغَلُّبِ لَا بَيْعَةَ لَهُ، وَبِالتَّالِي لَا طَاعَةَ لَهُ، وَيَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ لِإِعَادَةِ الشُّورَى.
الرَّدُّ الْمُفَصَّلُ:
- إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى صِحَّةِ وِلَايَةِ الْمُتَغَلِّبِ: نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ (كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ قُدَامَةَ وَالنَّوَوِيِّ) الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ غَلَبَ بِالسَّيْفِ حَتَّى اسْتَقَرَّ لَهُ الْأَمْرُ وَسُمِّيَ أَمِيرًا، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ[^9].
- الْقَاعِدَةُ الْفِقْهِيَّةُ (تَصَرُّفُ الْإِمَامِ مَنُوطٌ بِالْمَصْلَحَةِ): إِقْرَارُ وِلَايَةِ الْمُتَغَلِّبِ لَيْسَ تَزْكِيَةً لِفِعْلِهِ، بَلْ هُوَ "تَقْدِيرُ ضَرُورَةٍ" لِمَنْعِ الْفَوْضَى. فَالِافْتِرَاقُ وَبَقَاءُ النَّاسِ بِلَا رَأْسٍ أَشَدُّ ضَرَرًا مِنِ اسْتِقْرَارِ الْأَمْرِ لِمُتَغَلِّبٍ[^10].
------------------------------
[^1]: أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 129.
[^2]: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينَ، شَرْحُ نَظْمِ الْوَرَقَاتِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الصَّفْحَةُ 180.
[^3]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، طَبْعَةُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ، الْمُجَلَّدُ (3)، الصَّفْحَةُ 391.
[^4]: ابْنُ الْقَيِّمِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 298.
[^5]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، مَطْبَعَةُ الْمَدَنِيِّ، الصَّفْحَةُ 115.
[^6]: سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ، الضِّيَاءُ الشَّارِقُ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ الْمَاذِقِ الْمَارِقِ، الصَّفْحَةُ 145.
[^7]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (12)، الصَّفْحَةُ 466.
[^8]: أَبُو الْفَتْحِ الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 118.
[^9]: ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ، الْمُغْنِي، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، الْمُجَلَّدُ (12)، الصَّفْحَةُ 242.
[^10]: ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ (13)، الصَّفْحَةُ 7
---------------------------
الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ السَّابِعُ: خِتَامُ الرَّدِّ عَلَى شُبَهَاتِ الْخَوَارِجِ الْمُعَاصِرَةِ
الشُّبْهَةُ السَّابِعَةُ: شُبْهَةُ "تَكْفِيرِ الْأَنْظِمَةِ بِدَعْوَى مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ".
يَسْتَدِلُّ الْخَوَارِجُ الْجُدُدُ بِبَعْضِ الِاتِّفَاقِيَّاتِ الدَّوْلِيَّةِ أَوْ التَّحَالُفَاتِ لِلْحُكْمِ بِرِدَّةِ الْحُكَّامِ رِدَّةً مُطْلَقَةً، مُسْتَنِدِينَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [الْمَائِدَة: 51].
الرَّدُّ الْأَكَادِيمِيُّ الْمُفَصَّلُ:
التَّفْرِيقُ بَيْنَ "التَّوَلِّي" وَ"الْمُوَالَاةِ": يُمَيِّزُ الْمُحَقِّقُونَ مِنَ الْعُلَمَاء (كَابْنِ جَرِيرٍ وَالشَّيْخِ السَّعْدِيِّ) بَيْنَ "التَّوَلِّي" الَّذِي هُوَ مَحَبَّةُ دِينِ الْكُفَّارِ وَنُصْرَتُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ (وَهُوَ كُفْرٌ)، وَبَيْنَ "الْمُوَالَاةِ" الصُّغْرَى لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ أَوْ ضَرُورَةٍ سِيَاسِيَّةٍ (وَهِيَ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ لَكِنَّهَا لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ)[1].
قَاعِدَةُ "الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ" فِي السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: إِنَّ عَقْدَ الْمُعَاهَدَاتِ وَالتَّحَالُفَاتِ لِدَفْعِ شَرٍّ أَوْ جَلْبِ نَفْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ هُوَ مِنْ بَابِ "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ" الَّتِي يُفَوَّضُ النَّظَرُ فِيهَا لِوَلِيِّ الْأَمْرِ وَحْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْآحَادِ أَنْ يَقِيسُوا ذَلِكَ عَلَى الرِّدَّةِ بِمُجَرَّدِ الظَّاهِرِ[2].
مَسْلَكُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ فِي اتِّفَاقِيَّاتِ السَّلَامِ: قَرَّرَ -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّ الصُّلْحَ مَعَ الْعَدُوِّ إِذَا رَأَى وَلِيُّ الْأَمْرِ فِيهِ مَصْلَحَةً لَا يُعَدُّ رِدَّةً وَلَا خِيَانَةً، بَلْ هُوَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَّةِ[3].
الشُّبْهَةُ الثَّامِنَةُ: شُبْهَةُ "تَكْفِيرِ الْجُنُودِ وَالْأَعْوَانِ" (شُبْهَةُ التَّرْسِ).
يَعْمِدُ الْخَوَارِجُ إِلَى اسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ رِجَالِ الْأَمْنِ وَالْعَسْكَرِ بِدَعْوَى أَنَّهُمْ "أَنْصَارُ الطَّاغُوتِ"، وَيُنَزِّلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْوَعِيدِ الْخَاصَّةِ بِالْفِرْعَوْنِيَّةِ.
الرَّدُّ الْأَكَادِيمِيُّ الْمُفَصَّلُ:
الْأَصْلُ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّ دَمَ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ مَعْصُومٌ بِيَقِينٍ، وَلَا يَزُولُ هَذَا الْيَقِينُ بِالشَّكِّ أَوِ التَّكْفِيرِ بِاللَّوَازِمِ[4]. وَهَؤُلَاءِ الْجُنُودُ مُسْلِمُونَ يُصَلُّونُ وَيَصُومُونَ، وَقِيَامُهُمْ بِحِفْظِ الْأَمْنِ هُوَ عَمَلٌ شَرْعِيٌّ فِي أَصْلِهِ[5].
فَسَادُ قِيَاسِ الْجَيْشِ الْمُسْلِمِ عَلَى جَيْشِ فِرْعَوْنَ: هَذَا قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ فَجَيْشُ فِرْعَوْنَ كَانَ يُقَاتِلُ لِتَأْلِيهِ بَشَرٍ وَدَفْعِ دِينِ اللهِ، أَمَّا جُيُوشُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ فَهِيَ حَامِيَةٌ لِلثُّغُورِ وَالْمُؤَسَّسَاتِ، وَوُقُوعُ بَعْضِهِمْ فِي ظُلْمٍ لَا يُسَوِّغُ تَكْفِيرَ جَمِيعِهِمْ وَاسْتِبَاحَةَ دِمَائِهِمْ[6].
قَوْلُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: كَانَ يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى رِجَالِ الْأَمْنِ هُوَ إِفْسَادٌ فِي الْأَرْضِ، وَأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَدْ شَابَهَ الْخَوَارِجَ فِي أَسْوَأِ صِفَاتِهِمْ[7].
خَاتِمَةُ الْمَبْحَثِ الرَّابِعِ (تَلْخِيصُ الْأَصْلِ الثَّالِثِ)
بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ بِأَجْزَائِهِ السَّبْعَةِ، يَنْكَشِفُ لَنَا أَنَّ (السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ) لَيْسَ مُجَرَّدَ قَرَارٍ سِيَاسِيٍّ، بَلْ هُوَ "أَصْلٌ عَقَدِيٌّ" يُمَيِّزُ أَهْلَ السُّنَّةِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ.
أَهَمُّ النَّتَائِجِ الْبَحْثِيَّةِ:
إِنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى إِمَامٍ (بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا) هُوَ مِفْتَاحُ حِفْظِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
إِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ وَآثَارَ السَّلَفِ (الـ 15 إِمَامًا الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ) تَطَابَقَتْ عَلَى حُرْمَةِ الْخُرُوجِ حَقْنًا لِلدِّمَاءِ.
إِنَّ شُبَهَاتِ الْخَوَارِجِ قَائِمَةٌ عَلَى "الْغُلُوِّ" وَ"تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ"، وَالرَّدُّ الْأَكَادِيمِيُّ عَلَيْهَا يَقُومُ عَلَى قَوَاعِدِ (الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ) وَ(تَحْقِيقِ مَنَاطِ التَّكْفِيرِ).
----------------------------------
[^1]: ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ، دَارُ هَجْرٍ، الْمُجَلَّدُ (8)، الصَّفْحَةُ 507.
[^2]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الصَّفْحَةُ 234.
[^3]: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ، مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ، دَارُ الْقَاسِمِ، الْمُجَلَّدُ (8)، الصَّفْحَةُ 212.
[^4]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (12)، الصَّفْحَةُ 466.
[^5]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، الْمُنْتَقَى مِنْ فَتَاوَى الْفَوْزَانِ، دَارُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 320.
[^6]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ، مَكْتَبَةُ دَارِ الْحِجَازِ، الصَّفْحَةُ 95.
[^7]: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينَ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، دَارُ الْوَطَنِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 448
----------------------------
الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: الْأَصْلُ الرَّابِعُ (بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّعَالُمِ) - مَعَايِيرُ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ
(الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: تَأْصِيلُ مَفْهُومِ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ)
تَمْهِيدٌ:
إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ الْعَظِيمَ الَّذِي جَلَّاهُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ هُوَ "بَيْضَةُ الْقَبَّانِ" فِي حِمَايَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ. فَإِذَا كَانَتِ الْأُصُولُ السَّابِقَةُ قَدْ حَمَتْ جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَالِاجْتِمَاعِ، فَإِنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَحْمِي "مَصْدَرِيَّةَ الْفَهْمِ". لَقَدْ بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مَعْنَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ، وَمَنْ هُمُ الْعُلَمَاءُ وَالْفُقَهَاءُ، وَكَشَفَ زَيْفَ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، مِمَّا يُسَمَّى فِي الِاصْطِلَاحِ الْمُعَاصِرِ بـ "التَّعَالُمِ".
أَوَّلًا: مَعَايِيرُ الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ وَصِفَاتِ الرَّاسِخِينَ
1. الْعِلْمُ الْقَالِيُّ وَالْعِلْمُ الْحَالِيُّ:
لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَلَا بِتَزْوِيقِ الْعِبَارَةِ، بَلْ هُوَ "نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي الْقَلْبِ" يُثْمِرُ خَشْيَةً وَانْقِيَادًا[^1]. الْمِعْيَارُ الْأَكَادِيمِيُّ لِلْعَالِمِ الرَّبَّانِيِّ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: صِحَّةُ التَّلَقِّي (الِاعْتِمَادُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ سَلَفِ الْأُمَّةِ).
الرُّكْنُ الثَّانِي: مَلَكَةُ الِاسْتِنْبَاطِ (الْقُدْرَةُ عَلَى رَدِّ الْفُرُوعِ إِلَى الْأُصُولِ).
الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الْوَرَعُ وَالْخَشْيَةُ (فَالْعِلْمُ بِلَا عَمَلٍ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ)[^2].
2. الْفِقْهُ فِي الدِّينِ (الْمَفْهُومُ وَالْمِصْدَاقُ):
الْفِقْهُ الَّذِي مَدَحَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ فِي قَوْلِهِ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»[^3]، هُوَ الْفِقْهُ الْكُلِّيُّ الَّذِي يَشْمَلُ فِقْهَ الْأَكْبَرِ (الْعَقِيدَةَ) وَفِقْهَ الْأَحْكَامِ (الْعَمَلِيَّاتِ). وَالْمِعْيَارُ هُنَا هُوَ "الْبَصِيرَةُ"، بِحَيْثُ يَعْرِفُ الْفَقِيهُ مَقَاصِدَ الشَّارِعِ وَيُطَبِّقُهَا عَلَى الْوَاقِعِ بِدِقَّةٍ[^4].
ثَانِيًا: ظَاهِرَةُ التَّعَالُمِ وَخَطَرُهَا عَلَى الْأُمَّةِ
لَقَدْ كَشَفَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ فِي هَذَا الْأَصْلِ عَنْ فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ، وَهِيَ انْتِكاسُ الْمَفَاهِيمِ؛ بِحَيْثُ يُصْبِحُ الْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ (الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ) عِنْدَ الْمُتَعَالِمِينَ "بِدْعَةً أَوْ ضَلَالَةً"، وَيُصْبِحُ التَّعَالُمُ (الْآرَاءُ الْمُجَرَّدَةُ وَالْقِيلُ وَالْقَالُ) هُوَ الْعِلْمُ الْمَنْشُودُ[^5].
1. صِفَاتُ الْمُتَعَالِمِينَ (أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ):
الِاعْتِدَادُ بِالرَّأْيِ: تَقْدِيمُ الْعَقْلِ الْقَاصِرِ أَوْ "الذَّوْقِ" عَلَى النَّصِّ الشَّرْعِيِّ الصَّرِيحِ.
الْجُرْأَةُ عَلَى الْفُتْيَا: خُصُوصًا فِي النَّوَازِلِ الْعُظْمَى الَّتِي لَوْ عُرِضَتْ عَلَى عُمَرَ لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ[^6].
الِاشْتِغَالُ بِالْغَرَائِبِ: تَرْكُ الْأُصُولِ الْمُحْكَمَةِ وَتَتَبُّعُ الشَّوَاذِّ لِأَجْلِ الشُّهْرَةِ أَوْ لِتَحْطِيمِ رُمُوزِ الْعِلْمِ[^7].
2. قَلْبُ الْحَقَائِقِ (الْمُعْضِلَةُ الْكُبْرَى):
مِنْ أَعْجَبِ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ أَعْدَاءَ الْعِلْمِ جَعَلُوا مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالنَّصِّ "ظَاهِرِيًّا" أَوْ "قَاصِرَ الْفَهْمِ"، وَجَعَلُوا مَنْ يَخُوضُ بِرَأْيِهِ دُونَ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ هُوَ "الْمُجَدِّدُ" أَوْ "الْعَالِمُ بِالْوَاقِعِ". وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا حَذَّرَ مِنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي حَدِيثِ قَبْضِ الْعِلْمِ: «حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»[^8].
--------------------
[^1]: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ بَشَائِرِ الْإِسْلَامِ، الصَّفْحَةُ 45.
[^2]: الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ، الْمُوَافَقَاتُ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 122.
[^3]: الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْعِلْمِ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، ج 1، ص 25.
[^4]: ابْنُ الْقَيِّمِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 87.
[^5]: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَتْنُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (الْأَصْلُ الرَّابِعُ).
[^6]: ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ، الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى، دَارُ الرَّايَةِ، ج 1، ص 310.
[^7]: بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ، حِلْيَةُ طَالِبِ الْعِلْمِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الصَّفْحَةُ 18 (فَصْلُ التَّعَالُمِ).
[^8]: مُسْلِمٌ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْعِلْمِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج 4، ص 2058
------------
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ: الْأَصْلُ الرَّابِعُ (الْجُزْءُ الثَّانِي: مَعَايِيرُ التَّمْيِيزِ الدَّقِيقَةِ)
أَوَّلًا: الْفُرُوقُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَ الْفَقِيهِ وَالْمُتَعَالِمِ
إِنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَ "الْعَالِمِ" وَ"أَدْعِيَاءِ الْعِلْمِ" لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ عَقَدِيَّةٌ لِحِمَايَةِ الدِّينِ. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ هَذِهِ الْمَعَايِيرِ فِي النِّقَاطِ الْآتِيَةِ:
مِعْيَارُ الِاعْتِصَامِ بِالْآثَارِ:
الْعَالِمُ الْفَقِيهُ يَدُورُ حَيْثُ دَارَ الدَّلِيلُ، وَيَعْتَصِمُ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَا يَرَى لِنَفْسِهِ قَوْلًا مَعَ قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ. أَمَّا الْمُتَعَالِمُ، فَيَتَشَبَّثُ بـ "بُنَيَّاتِ الطَّرِيقِ"، وَيَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى أَقْيِسَةٍ عَقْلِيَّةٍ مَحْضَةٍ أَوْ أَهْوَاءٍ سِيَاسِيَّةٍ، مُتَحَجِّجًا بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ لِإِبْطَالِ الْمُحْكَمَاتِ[^1].
مِعْيَارُ التَّوَاضُعِ وَالْإِنْصَافِ:
مِنْ عَلَامَةِ الْعَالِمِ أَنَّهُ كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْمًا ازْدَادَ تَوَاضُعًا وَقَوْلًا لـ "لَا أَدْرِي". أَمَّا الْمُتَعَالِمُ، فَيَتَمَيَّزُ بِـ "الِانْتِفَاخِ الْعِلْمِيِّ"، وَالْجُرْأَةِ عَلَى النَّقْضِ وَالْإِبْرَامِ فِي كُلِّ شَارِدَةٍ وَوَارِدَةٍ، وَيَرَى نَفْسَهُ نِدًّا لِلْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ[^2].
مِعْيَارُ لُزُومِ الْغَرْزِ (الْجَمَاعَةِ):
الْفَقِيهُ الرَّبَّانِيُّ هُوَ الَّذِي يَرْبِطُ النَّاسَ بِأُصُولِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ، وَلَا يَشُقُّ عَصَا الطَّاعَةِ، وَلَا يُهَيِّجُ الْعَامَّةَ بِالْفَتَاوَى الشَّاذَّةِ. بَيْنَمَا الْمُتَعَالِمُ غَالِبًا مَا يَكُونُ "حَرَكِيَّ الْمَنْزِعِ"، يَسْعَى لِتَكْوِينِ كِيَانَاتٍ مُوَازِيَةٍ عَنْ طَرِيقِ التَّشْكِيكِ فِي الْعُلَمَاءِ الرَّسْمِيِّينَ[^3].
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ فِي "الْأَصْلِ الرَّابِعِ" (بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّعَالُمِ)
1. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ (ت: 1376هـ):
يُؤَصِّلُ السَّعْدِيُّ لِفِكْرَةِ أَنَّ الْعِلْمَ النَّافِعَ هُوَ مَا أَوْرَثَ الْبَصِيرَةَ، وَيُحَذِّرُ مِنْ "الْعُلُومِ الضَّارَّةِ" الَّتِي تُزَيِّنُ لِأَصْحَابِهَا التَّكَبُّرَ عَلَى الْخَلْقِ. يَرَى أَنَّ الْفِقْهَ الْحَقَّ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ عِلْمِ الْقَلْبِ وَعِلْمِ الْجَارِحَةِ[^4].
2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ (ت: 1386هـ):
أَبْدَعَ الْمُعَلِّمِيُّ فِي كِتَابِهِ "التَّنْكِيلُ" فِي فَضْحِ مَسَالِكِ الْمُتَعَالِمِينَ الَّذِينَ يَلْوُونَ أَعْنَاقَ النُّصُوصِ لِنُصْرَةِ الْمَذَاهِبِ الْبِدْعِيَّةِ، وَاعْتَبَرَ "التَّعَصُّبَ" لِغَيْرِ الدَّلِيلِ هُوَ عَيْنُ التَّعَالُمِ الْمَذْمُومِ[^5].
3. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
كَانَ يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ الْعَالِمَ هُوَ مَنْ "يُعَلِّمُ صِغَارَ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ"، وَحَذَّرَ مِرَارًا مِمَّنْ نَبَتُوا فِي الصَّحَاوَاتِ وَهُمْ لَمْ يَهْضِمُوا الْأُصُولَ، مُعْتَبِرًا إِيَّاهُمْ أَهْلَ "ثَقَافَةٍ" لَا أَهْلَ "فِقْهٍ"[^6].
4. الشَّيْخُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ (حَفِظَهُ اللهُ):
يَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ أَعْظَمَ مِعْيَارٍ لِلْعَالِمِ هُوَ "الْمَنْهَجُ"؛ فَمَنْ كَانَ سَلَفِيَّ الْمَنْهَجِ فِي تَلَقِّيهِ وَاسْتِدْلَالِهِ فَهُوَ الْعَالِمُ، وَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ مُتَعَالِمٌ وَإِنْ حَفِظَ الْمُتُونَ وَشَرَحَ الْمُطَوَّلَاتِ[^7].
5. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُؤَصِّلُ فِي شُرُوحَاتِهِ لِمَفْهُومِ "الرُّسُوخِ"، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُتَعَالِمَ هُوَ مَنْ يَقْفِزُ فَوْقَ الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ لِيَصِلَ إِلَى نَتَائِجَ هَوَائِيَّةٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْعِلْمَ مَحْرُوسٌ بِقَوَانِينِ الِاسْتِنْبَاطِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ[^8].
6. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُرَكِّزُ السِّنْدِيُّ عَلَى "الْجَانِبِ الْعَقَدِيِّ" فِي مَسْأَلَةِ الْعِلْمِ، مُبَيِّنًا أَنَّ مِنْ ضَلَالِ الْمُتَعَالِمِينَ جَعْلُهُمُ الْعِلْمَ أَدَاةً لِتَكْفِيرِ الْأُمَّةِ أَوْ نَزْعِ الثِّقَةِ بِالْوُلَاةِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ فِقْهَ الْأُصُولِ السِّتَّةِ كَفِيلٌ بِتَصْفِيَةِ هَذِهِ الشَّوَائِبِ[^9].
-----------------------------
[^1]: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ بَشَائِرِ الْإِسْلَامِ، الصَّفْحَةُ 52.
[^2]: بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ، حِلْيَةُ طَالِبِ الْعِلْمِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الصَّفْحَةُ 22.
[^3]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، التَّحْذِيرُ مِنَ التَّعَالُمِ، دَارُ الْمِنْهَاجِ، الصَّفْحَةُ 15-18.
[^4]: السَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، مَطْبَعَةُ الْمَدَنِيِّ، الصَّفْحَةُ 80.
[^5]: عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ، التَّنْكِيلُ بِمَا فِي تَأْنِيبِ الْكَوْثَرِيِّ مِنَ الْأَبَاطِيلِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ (1)، الصَّفْحَةُ 110.
[^6]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، كِتَابُ الْعِلْمِ، دَارُ الثُّرَيَّا، الصَّفْحَةُ 104.
[^7]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الصَّفْحَةُ 45.
[^8]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، التَّأْصِيلُ لِطَلَبِ الْعِلْمِ (سِلْسِلَةُ مُحَاضَرَاتٍ)، تَفْرِيغُ مَكْتَبَةِ طَالِبِ الْعِلْمِ.
[^9]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ الشَّرْعِيَّةِ)، الصَّفْحَةُ 30.
----------------------------------
الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الْأَصْلُ الْخَامِسُ (أَوْلِيَاءُ اللهِ) - الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالدَّعَاوَى الْبِدْعِيَّةِ
(الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ الْقُرْآَنِيُّ لِلْوَلَايَةِ)
تَمْهِيدٌ:
مَا أَعْظَمَ هَذَا الْأَصْلَ فِي تَحْرِيرِ الْعُقُولِ مِنَ الْخُرَافَةِ! لَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِلْوَلَايَةِ عُنْوَانًا وَاضِحًا فِي كِتَابِهِ، لَكِنَّ الشَّيْطَانَ لَبَّسَ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، فَجَعَلُوا "الْوَلِيَّ" هُوَ مَنْ يَتْرُكُ الشَّرِيعَةَ، أَوْ مَنْ يَأْتِي بِمَا يُخَالِفُ الْفِطْرَةَ، حَتَّى صَارَ "الْمُتَّبِعُ لِلْجَمَاعَةِ" عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ، وَ"الْمَجْنُونُ أَوْ التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ" هُوَ الْوَلِيُّ الْمُعَظَّمُ.
أَوَّلًا: مَعْنَى الْوَلَايَةِ فِي لُغَةِ الشَّرْعِ
1. حَدُّ الْوَلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ:
الْوَلَايَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ (الْوَلْيِ) وَهُوَ الْقُرْبُ. فَوَلِيُّ اللهِ هُوَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ. وَقَدْ حَسَمَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ الْمَسْأَلَةَ فِي آيَتَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْوُضُوحِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يُونُس: 62-63].
فَالْوَلَايَةُ قَائِمَةٌ عَلَى رُكْنَيْنِ: (الْإِيمَانُ) وَ (التَّقْوَى). فَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا تَقِيًّا كَانَ لِلَّهِ وَلِيًّا[^1].
2. دَرَجَاتُ الْوَلَايَةِ:
الْوَلَايَةُ لَيْسَتْ رُتْبَةً وَاحِدَةً، بَلْ هِيَ دَرَجَاتٌ بِحَسَبِ دَرَجَاتِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ:
السَّابِقُونَ الْمُقَرَّبُونَ: وَهُمُ الَّذِينَ تَقَرَّبُوا بِالْفَرَائِضِ وَأَتْبَعُوهَا بِالنَّوَافِلِ.
الْمُقْتَصِدُونَ (أَصْحَابُ الْيَمِينِ): وَهُمُ الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلَى أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ[^2].
ثَانِيًا: عَلَامَاتُ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ فِي مِيزَانِ السُّنَّةِ
جَاءَ فِي "حَدِيثِ الْوَلِيِّ" الْإِلَهِيِّ الْعَظِيمِ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ...» إِلَى أَنْ قَالَ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ...»[^3].
الْمَعَايِيرُ النَّبَوِيَّةُ لِلْوَلِيِّ:
تَعْظِيمُ الْفَرَائِضِ: فَلَا يُسَمَّى وَلِيًّا مَنْ يُضَيِّعُ الصَّلَوَاتِ أَوْ يَنْتَهِكُ الْحُرُمَاتِ بِدَعْوَى "سُقُوطِ التَّكْلِيفِ".
لُزُومُ الِاتِّبَاعِ: الْوَلِيُّ الْحَقُّ هُوَ أَطْوَعُ النَّاسِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَشَدُّهُمْ تَمَسُّكًا بِسُنَّتِهِ. يَقُولُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ وَيَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا تَعْتَدُّوا بِهِ حَتَّى تَعْرِضُوا أَمْرَهُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ»[^4].
الْبُعْدُ عَنِ الشُّهْرَةِ وَالدَّعَاوَى: أَوْلِيَاءُ اللهِ غَالِبًا مَا يَكُونُونَ أَخْفِيَاءَ أَتْقِيَاءَ، لَا يَطْلُبُونَ مِنَ النَّاسِ تَمَسُّحًا وَلَا تَعْظِيمًا بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ[^5].
ثَالِثًا: تَحْرِيرَاتُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ فِي (الْأَصْلِ الْخَامِسِ)
1. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ (ت: 1376هـ):
يُقَرِّرُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الْوَلَايَةَ لَيْسَتْ بِالدَّعَاوَى وَلَا بِالْأَوْهَامِ، بَلْ هِيَ بِتَحْقِيقِ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ وَالتَّقْوَى فِي الْجَوَارِحِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ الرَّسُولَ فَهُوَ مَنْقُوصُ الْوَلَايَةِ بِقَدْرِ مُخَالَفَتِهِ[^6].
2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ (ت: 1386هـ):
نَاقَشَ الْمُعَلِّمِيُّ فِتْنَةَ "تَعْظِيمِ الْأَشْخَاصِ" وَبَيَّنَ أَنَّ رَفْعَ الْبَشَرِ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِمُ الَّتِي أَنْزَلَهُمُ اللهُ إِيَّاهَا هُوَ سَبَبُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ، وَأَنَّ الْوَلِيَّ يُحَبُّ لِطَاعَتِهِ لَا لِذَاتِهِ[^7].
3. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
أَبْدَعَ فِي شَرْحِ الْفَرْقِ بَيْنَ "الْكَرَامَةِ" الرَّحْمَانِيَّةِ وَ"الْأَحْوَالِ" الشَّيْطَانِيَّةِ. فَإِذَا كَانَتِ الْخَارِقَةُ تُعِينُ عَلَى طَاعَةٍ فَهِيَ كَرَامَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تُؤَدِّي إِلَى مَعْصِيَةٍ أَوْ تَرْكِ شَرْعٍ فَهِيَ مِنْ فِعْلِ الشَّيَاطِينِ[^8].
4. الشَّيْخُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُؤَكِّدُ أَنَّ الصُّوفِيَّةَ قَلَبُوا هَذَا الْأَصْلَ، فَجَعَلُوا أَوْلِيَاءَ اللهِ هُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ "الْفَنَاءَ" وَ"وَحْدَةَ الْوُجُودِ"، بَيْنَمَا الْوَلِيُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْعَبْدُ الذَّلِيلُ لِمَوْلَاهُ، الْمُتَّبِعُ لِنَبِيِّهِ[^9].
5. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُبَيِّنُ أَنَّ الْوَلَايَةَ "وَلَايَةُ عَمَلٍ" لَا "وَلَايَةُ مَنْصِبٍ"؛ فَلَا يُوجَدُ فِي الْإِسْلَامِ رِجَالُ دِينٍ مُقَدَّسُونَ، بَلْ عِبَادٌ يَتَفَاضَلُونَ بِالتَّقْوَى. وَيُحَذِّرُ مِنْ جَعْلِ الْوَلَايَةِ صَكًّا لِلْغُفْرَانِ أَوْ تَجَاوُزِ الْحُدُودِ[^10].
6. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُرَكِّزُ عَلَى رَبْطِ الْوَلَايَةِ بِمُصْطَلَحِ "الِاتِّبَاعِ"؛ فَكُلَّمَا كَانَ الْمَرْءُ أَشَدَّ اتِّبَاعًا لِلْأَثَرِ كَانَ أَقْرَبَ لِلْوَلَايَةِ، مُحَذِّرًا مِنْ خَدِيعَةِ "أَهْلِ الطَّرِيقِ" الَّذِينَ يَفْصِلُونَ الْحَقِيقَةَ عَنِ الشَّرِيعَةِ[^11].
-------------------------
[^1]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الصَّفْحَةُ 25.
[^2]: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ (2)، الصَّفْحَةُ 335.
[^3]: الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الرِّقَاقِ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، ج 8، ص 105.
[^4]: اللَّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الْمُجَلَّدُ (9)، الصَّفْحَةُ 15.
[^5]: الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ (4)، الصَّفْحَةُ 210.
[^6]: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 367.
[^7]: الْمُعَلِّمِيُّ، رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ص 88.
[^8]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 2، ص 320.
[^9]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 52.
[^10]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، مَكْتَبَةُ دَارِ الْحِجَازِ، (حَدِيثُ الْوَلِيِّ).
[^11]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (الدُّرُوسُ الْمُفَرَّغَةُ)، ص 38.
------------------------------
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ: الْأَصْلُ الْخَامِسُ (الْجُزْءُ الثَّالِثُ: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ)
أَوَّلًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ فِي فَهْمِ الْوَلَايَةِ
إِنَّ تَحْرِيرَ مَفْهُومِ الْوَلَايَةِ عَقَدِيًّا يَقُومُ عَلَى "تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ" وَقَطْعِ التَّعَلُّقِ بِالْمَخْلُوقِينَ. وَيَتَجَلَّى هَذَا الْمَسْلَكُ فِي:
- إِثْبَاتُ الْكَرَامَةِ دُونَ الْغُلُوِّ: يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ يُكْرِمُ أَوْلِيَاءَهُ بِخَوَارِقِ الْعَادَاتِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْكَرَامَةَ لَا تُصَيِّرُ الْوَلِيَّ مَعْبُودًا، وَلَا تُسْقِطُ عَنْهُ الشَّرِيعَةَ. فَالْوَلِيُّ مَهْمَا عَلَا قَدْرُهُ هُوَ "عَبْدٌ مَحْضٌ" لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا[^1].
- رَبْطُ الْوَلَايَةِ بِالِاتِّبَاعِ (لَا بِالِابْتِدَاعِ): الْعَقِيدَةُ الصَّحِيحَةُ تَجْعَلُ "طَاعَةَ الرَّسُولِ ﷺ" هِيَ الْمِيزَانُ الْوَحِيدُ لِلْقُرْبِ مِنَ اللهِ. فَمَنْ كَانَ أَطْوَعَ لِلرَّسُولِ كَانَ أَعْظَمَ وَلَايَةً، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ طَرِيقًا لِلْوَلَايَةِ بِالْمَنَامَاتِ أَوْ الْأَذْوَاقِ بَعِيدًا عَنِ الْوَحْيِ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الشَّهَادَتَيْنِ[^2].
- الْوَلَايَةُ تَتَبَعَّضُ: أَيْ أَنَّ الشَّخْصَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ وَلَايَةٌ لِلَّهِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَفِيهِ عَدَاوَةٌ لِلَّهِ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَهَذَا يَمْنَعُ "التَّقْدِيسَ الْمُطْلَقَ" الَّذِي وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْبِدَعِ[^3].
ثَانِيًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالْآثَارُ الْعَمَلِيَّةُ
يُثْمِرُ فَهْمُ هَذَا الْأَصْلِ آثَارًا تَرْبَوِيَّةً بَالِغَةَ الْأَهَمِّيَّةِ فِي حَيَاةِ الْفَرْدِ وَالْمُجْتَمَعِ:
- الِاشْتِغَالُ بِتَصْحِيحِ الْعَمَلِ لَا بِادِّعَاءِ الْمَقَامِ: الْمُسْلِمُ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الْوَلَايَةَ "تَقْوَى" يَصْرِفُ هَمَّهُ لِمُرَاقَبَةِ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، بَدَلًا مِنْ تَتَبُّعِ الْخَوَارِقِ أَوْ طَلَبِ التَّعْظِيمِ مِنَ الْخَلْقِ.
- تَحْرِيرُ الْعَقْلِ مِنَ الْخُرَافَةِ: عِنْدَمَا يَعْلَمُ الْعَامَّةُ مِعْيَارَ الْوَلِيِّ، يَنْقَطِعُ طَمَعُ الدَّجَاجِلَةِ وَالْمُشَعْوِذِينَ فِي ابْتِزَازِهِمْ، وَتُحْمَى الْبُيُوتُ وَالْأَمْوَالُ مِنْ أَدْعِيَاءِ "الْبَرَكَةِ" الْمَزْعُومَةِ[^4].
- تَعْظِيمُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ: يَتَوَجَّهُ التَّقْدِيرُ لِمَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ السُّنَّةَ وَيَدُلُّهُمْ عَلَى اللهِ بِالْعِلْمِ، لَا لِمَنْ يَتَمَيَّزُ بِأَفْعَالٍ غَرِيبَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ مُرِيبَةٍ[^5].
ثَالِثًا: خُلَاصَةُ شُرُوحَاتِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ (فِي الْأَصْلِ الْخَامِسِ)
1. الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ "وَلَايَةَ اللهِ" تُنَالُ بِالسَّعْيِ فِي مَرَاضِيهِ، وَأَنَّ أَعْظَمَ كَرَامَةٍ هِيَ "الِاسْتِقَامَةُ" عَلَى الدِّينِ، وَمَا عَدَاهَا فَقَدْ يَكُونُ مِحْنَةً[^6].
2. الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ بِدِقَّةٍ كَيْفَ أَنَّ "الْهَوَى" هُوَ الَّذِي يَدْفَعُ النَّاسَ لِتَصْدِيقِ خُرَافَاتِ الْأَوْلِيَاءِ الْمَزْعُومِينَ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ هُوَ الْحِصْنُ الْوَحِيدُ[^7].
3. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: فَرَّقَ بَيْنَ "الْمَحَبَّةِ فِي اللهِ" لِلْأَوْلِيَاءِ وَبَيْنَ "عِبَادَتِهِمْ"، مُشَدِّدًا عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ دُونِ اللهِ شِرْكٌ أَكْبَرُ يُنَافِي أَصْلَ الْوَلَايَةِ[^8].
4. الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: أَوْضَحَ أَنَّ مُعَادَاةَ أَوْلِيَاءِ اللهِ (وَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ) هِيَ حَرْبٌ لِلَّهِ، وَحَذَّرَ مِنَ الِانْخِدَاعِ بِمَنْ يُظْهِرُونَ الزُّهْدَ وَيُبْطِنُونَ الشِّرْكَ[^9].
5. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: رَسَمَ مَنْهَجًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ سِيَرِ الصَّالِحِينَ؛ بِحَيْثُ يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الِاتِّبَاعِ، وَلَا يُعْدَى بِهِمْ طَوْرُ الْبَشَرِيَّةِ[^10].
6. الشَّيْخُ صَالِحُ السِّنْدِيُّ: رَبَطَ بَيْنَ هَذَا الْأَصْلِ وَبَيْنَ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ"؛ فَالْوَلَاءُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْصِيَةِ وَلَوْ زَعَمُوا الْوَلَايَةَ[^11].
---------------
[^1]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الصَّفْحَةُ 112.
[^2]: ابْنُ الْقَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ (3)، الصَّفْحَةُ 150.
[^3]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (7)، الصَّفْحَةُ 43.
[^4]: السَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، مَطْبَعَةُ الْمَدَنِيِّ، الصَّفْحَةُ 95.
[^5]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 60.
[^6]: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ اللَّطِيفِ الْمَنَّانِ، ص 120.
[^7]: الْمُعَلِّمِيُّ، مَقَالَاتُ الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ، ج 2، ص 415.
[^8]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، ج 2، ص 330.
[^9]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ، ج 1، ص 250.
[^10]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، (حَدِيثُ الْوَلِيِّ).
[^11]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 45.
----------------------
الْمَبْحَثُ السَّابِعُ:
الْأَصْلُ السَّادِسُ
(الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ تَرْكِ الْوَحْيِ)
أَوَّلًا: نَصُّ الْأَصْلِ السَّادِسِ (مُشَكَّلًا مُحَقَّقًا)
«الْأَصْلُ السَّادِسُ: رَدُّ الشُّبْهَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ فِي تَرْكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ الْآرَاءِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهِيَ: أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَا يَعْرِفُهُمَا إِلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَالْمُجْتَهِدُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكَذَا وَكَذَا، أَوْصَافًا لَعَلَّهَا لَا تُوجَدُ تَامَّةً فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْإِنْسَانُ كَذَلِكَ؛ فَلْيُعْرِضْ عَنْهُمَا فَرْضًا حَتْمًا لَا شَكَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُمَا فَهُوَ إِمَّا زِنْدِيقٌ، وَإِمَّا مَجْنُونٌ لِأَجْلِ صُعُوبَةِ فَهْمِهِمَا! فَسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، كَمْ بَيَّنَ اللهُ -سُبْحَانَهُ- شَرْعًا وَقَدَرًا، خَلْقًا وَأَمْرًا، فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى، بَلَغَتْ إِلَى حَدِّ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» [^1].
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَاتِ النَّصِّ
- الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ: هُوَ الَّذِي اسْتَقَلَّ بِقَوَاعِدِ نَفْسِهِ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ. وَقَدْ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ هَذَا لِيُبَيِّنَ كَيْفَ صَعَّبَ الْمُتَعَالِمُونَ طَرِيقَ الِاسْتِدْلَالِ.
- فَرْضًا حَتْمًا: الْحَتْمُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْإِلْزَامُ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ، أَيْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْإِعْرَاضَ عَنِ الْوَحْيِ "وَاجِبًا شَرْعِيًّا" عَلَى غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ.
- زِنْدِيقٌ: الزَّنْدَقَةُ لُغَةً مِنَ (الزَّنْدِ)، وَتُطْلَقُ شَرْعًا عَلَى مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، أَوْ مَنْ يَخْرُجُ عَنْ مَأْلُوفِ الْجَمَاعَةِ بِتَأْوِيلَاتٍ بَاطِلَةٍ.
- شَرْعًا وَقَدَرًا: الشَّرْعُ مَا أَنْزَلَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْقَدَرُ مَا أَجْرَاهُ اللهُ فِي الْوَاقِعِ مِنْ سُهُولَةِ تَلَقِّي النَّاسِ لِلْقُرْآنِ وَعَمَلِهِمْ بِهِ.
ثَالِثًا: تَحْقِيقُ الرَّدِّ عَلَى مَبْدَأِ "تَيْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلذِّكْرِ"
1. الْبَيَانُ الْإِلَهِيُّ وَالتَّحَدِّي الْقُرْآنيُّ:
إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلِ الْقُرْآنَ لِيَكُونَ طِلَسْمًا لَا يُفْهَمُ، بَلْ أَنْزَلَهُ "تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ". وَالتَّحَدِّي الْقُرْآنيُّ لِلْعَرَبِ كَانَ قَائِمًا عَلَى فَهْمِهِمْ لِمَعَانِيهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ لَا يُفْهَمُ لَمَا صَحَّ التَّحَدِّي بِهِ[^2].
2. الْقُرْآنُ حُجَّةٌ عَلَى الْخَلْقِ جَمِيعًا:
الْحُجَّةُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. فَإِذَا كَانَ الْعَامِّيُّ مَأْمُورًا بِالتَّوْحِيدِ وَبِتَرْكِ الشِّرْكِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنًا لَهُ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي فَهْمِ أَصْلِهِ إِلَى شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ الْمُعَقَّدَةِ[^3].
رَابِعًا: نَقْدُ شُبْهَةِ "شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ التَّعْجِيزِيَّةِ" (تَحْقِيقُ الرَّدِّ)
1. التَّفْرِيقُ بَيْنَ فَهْمِ الْهِدَايَةِ وَاسْتِنْبَاطِ النَّوَازِلِ:
هَذَا هُوَ مَفْصِلُ النِّزَاعِ؛ فَالْقُرْآنُ فِيهِ (عِلْمٌ عَامٌّ) لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ كَأُصُولِ الْإِيمَانِ وَالْأَخْلَاقِ، وَهَذَا مُيَسَّرٌ لِلْجَمِيعِ. وَفِيهِ (عِلْمٌ خَاصٌّ) يَتَعَلَّقُ بِدَقَائِقِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا لِلْعُلَمَاءِ. فَجَعْلُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ عَسِيرًا كَالنَّوْعِ الثَّانِي هُوَ "تَلْبِيسٌ إِبْلِيسِيٌّ" لِقَطْعِ صِلَةِ الْأُمَّةِ بِمَصْدَرِ عِزِّهَا[^4].
2. الْعِلْمُ حِجَابٌ وَبَيَانٌ:
يُقَرِّرُ التَّحْقِيقُ أَنَّ كَثْرَةَ الِاصْطِلَاحَاتِ وَالْقُيُودِ الَّتِي وَضَعَهَا بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ الْمُتَأَخِّرِينَ صَارَتْ "حِجَابًا" يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْمَعْنَى الْبَيِّنِ لِلْوَحْيِ.
3. تَجْزِئَةُ الِاجْتِهَادِ:
تَحْقِيقُ الْقَوْلِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ لَيْسَ كُتْلَةً وَاحِدَةً لَا تَنْقَسِمُ. بَلْ مَنْ بَحَثَ مَسْأَلَةً وَجَمَعَ أَدِلَّتَهَا وَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فِيهَا، وَجَبَ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي كُلِّ بَابٍ[^5].
خَامِسًا: شُرُوحَاتُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ (تَحْرِيرُ الْأَصْلِ السَّادِسِ)
- الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ: رَكَّزَ عَلَى أَنَّ دَعْوَى تَعَسُّرِ فَهْمِ الْقُرْآنِ صَادِرَةٌ عَنْ جَهْلٍ بِطَبِيعَةِ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ الَّذِي وَصَفَهُ اللهُ بِأَنَّهُ "نُورٌ" وَ"هُدًى"[^6].
- الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ "التَّعَالُمَ" هُوَ الَّذِي عَقَّدَ مَسَائِلَ الدِّينِ، وَأَنَّ الرُّجُوعَ لِلْأَثَرِ الصَّحِيحِ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَقَّ أَقْرَبُ لِلنَّاسِ مِمَّا يَظُنُّونَ[^7].
- الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: فَنَّدَ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِإِغْلَاقِ بَابِ الِاجْتِهَادِ، وَاعْتَبَرَهُ حَجْرًا عَلَى وَاسِعٍ، وَدَعَا إِلَى فَهْمِ الدَّلِيلِ مَعَ الِاسْتِئْنَاسِ بِفَهْمِ السَّلَفِ[^8].
- الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ: قَرَّرَ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ "الْحِصْنُ" الَّذِي يَحْمِي الْمُسْلِمَ مِنَ التَّبَعِيَّةِ لِلْفِرَقِ وَالْجَمَاعَاتِ، لِأَنَّهُ يَرْبِطُهُ بِالْمَعْصُومِ ﷺ[^9].
- الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حَقَّقَ أَنَّ "التَّيْسِيرَ" لَا يَعْنِي "التَّهْوِينَ" مِن شَأْنِ الْعِلْمِ، بَلْ يَعْنِي إِمْكَانِيَّةَ الْوُصُولِ لِلْحَقِّ لِمَنْ صَدَقَ[^10].
- الشَّيْخُ صَالِحُ السِّنْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ الِاعْتِصَامَ بِالْوَحْيِ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأُصُولِ، وَأَنَّ الشُّبْهَةَ فِيهِ هِيَ أُمُّ الضَّلَالَاتِ[^11].
---------------------------------
[^1]: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَتْنُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، (الْأَصْلُ السَّادِسُ).
[^2]: ابْنُ الْقَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الْمُجَلَّدُ (2)، ص 410.
[^3]: الشَّاطِبِيُّ، الْمُوَافَقَاتُ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الْمُجَلَّدُ (1)، ص 115.
[^4]: ابْنُ الْقَيِّمِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ (2)، ص 185.
[^5]: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ (20)، ص 212.
[^6]: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص 825.
[^7]: الْمُعَلِّمِيُّ، مَقَالَاتُ الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ، ج 1، ص 150.
[^8]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 78.
[^9]: صَالِحُ الْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 68.
[^10]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ، (شَرْحُ الْأَصْلِ السَّادِسِ).
[^11]: صَالِحُ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 52.
-----------------------
الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: الدِّرَاسَةُ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ التَّحْلِيلِيَّةُ لِشُرُوحَاتِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ
(الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: مَعَالِمُ التَّلَقِّي وَمَنَاهِجُ الِاسْتِدْلَالِ الشَّرْحِيِّ)
تَمْهِيدٌ تَأْصِيلِيٌّ:
تعد رسالة "الأصول الستة" للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- من المختصرات التي جمعت فأوعت، وقد قيض الله لها ستة من كبار أئمة العصر الحديث، تباينت مشاربهم العلمية وتوحدت غايتهم العقدية. إن هذه الدراسة الاستقرائية تهدف إلى سبر أغوار هذه الشروحات، ليس فقط من جهة شرح المفردات، بل من جهة "الفلسفة المنهجية" التي اتكأ عليها كل إمام في تقرير هذه الأصول الستة ورد الشبهات المثارة حولها.
أَوَّلًا: مَنْهَجُ التَّقْرِيرِ الْقَلْبِيِّ وَالتَّأْصِيلِ الشَّمُولِيِّ (الْإِمَامُ السَّعْدِيُّ نَمُوذَجًا)
- النزعة المقاصدية في الشرح: يرى الشيخ عبد الرحمن السعدي (ت: 1376هـ) في تعامله مع "الأصول الستة" أنها ليست مجرد قضايا ذهنية، بل هي أصول حياة. في شرحه للأصل الأول (الإخلاص)، نجد توسعاً كبيراً في ربط "توحيد الإلهية" بـ "الاستقرار النفسي" و"الفلاح الأخروي". لم يكتفِ السعدي بذكر الأدلة، بل حلل أثر غياب الإخلاص على تشتت الأمة، عازياً ذلك إلى أن كل نقص في الأصل يتبعه نقص في الثمرة[^1].
- تبسيط المصطلح العلمي: تميز منهج السعدي بما يمكن تسميته " تحرير العلم وتسجيله للطالب" فهو ينأى بنفسه عن التعقيدات المنطقية والكلامية. فعندما شرح "الأصل السادس" المتعلق بترك الوحي، ركز على مفهوم "الفطرة" وكيف أن الله يسر القرآن للذكر، مبيناً أن الشريعة جاءت لإسعاد البشر لا لإعجازهم، وهذا المسلك التربوي يظهر جلياً في كتابه "الرياض الناضرة"[^2].
ثَانِيًا: مَنْهَجُ النَّقْدِ الْأَثَرِيِّ وَتَفْكِيكِ التَّعَصُّبِ (الْإِمَامُ الْمُعَلِّمِيُّ نَمُوذَجًا)
- التحقيق التاريخي للشبهة: الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت: 1386هـ) تعامل مع الرسالة بعقلية "المحدث الناقد". في استقرائنا لشروحاته وما تفرق في كتبه حول هذه الأصول، نجده يركز على "تاريخية الانحراف". فمثلاً، في الأصل الخامس (الولاية)، يقوم المعلمي بتفكيك مصطلح "الولي" عند المتصوفة، عازياً جذور الانحراف إلى تسرب الفلسفات الإشراقية إلى الفكر الإسلامي، ومقارناً ذلك بنصوص الكتاب والسنة بأسلوب استقرائي بديع[^3].
- الانتصار للدليل ضد التقليد: يعد المعلمي من أشد الأئمة انتصاراً للأصل السادس. ومنهجه في الشرح يقوم على "التحرير من رق التقليد الأعمى". هو يرى أن تعظيم أقوال الرجال الذي ذكره المصنف ليس تقديراً للعلماء، بل هو حجب لضوء الشمس بقطع القماش. وقد توسع في بيان أن "فهم السلف" هو الضابط الذي يمنع الفوضى ويحقق الاتباع في آن واحد[^4].
ثَالِثًا: مَنْهَجُ التَّقْسِيمِ الْمَنْطِقِيِّ وَالتَّدْرِيسِ الْقَاعِدِيِّ (الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِينَ نَمُوذَجًا)
- القدرة على "القعدنة": الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت: 1421هـ) في شرحه المطبوع والمسموع للأصول الستة، سلك مسلك "التقعيد الشمولي". هو لا يشرح الجملة بجملة، بل يشرح الجملة بـ "قاعدة". فعندما تناول الأصل الثاني (الاجتماع في الدين)، وضع قواعد في كيفية التعامل مع ولاة الجور، وكيفية الجمع بين النصيحة وعدم شق العصا، محولاً كلام الإمام المجدد إلى "دستور عملي" للمسلم المعاصر[^5].
- الاستدلال العقلي الفطري: تميز ابن عثيمين باستخدام "القياس الصحيح" لتقريب المعاني. في رده على شبهة "صعوبة فهم القرآن" (الأصل السادس)، استخدم أدلة عقلية تثبت أن مراد المتكلم (الله عز وجل) هو البيان، والقول بعدم الفهم طعن في حكمة المتكلم وكمال بيانه، وهو مسلك فريد يجمع بين النقل والعقل الصريح[^6].
رَابِعًا: مَنْهَجُ الرَّبْطِ الْوَاقِعِيِّ وَالْحِمَايَةِ الْمَنْهَجِيَّةِ (الْإِمَامُ الْفَوْزَانُ نَمُوذَجًا)
- إسقاط الأصول على الفرق المعاصرة: الشيخ صالح الفوزان (حفظه الله) في شرحه لهذه الرسالة، لم يقف عند الحدود التاريخية لزمن المؤلف. بل استقرأ الواقع المعاصر، فجعل من الأصل الثاني (الاجتماع) رداً حاسماً على الحزبيات المعاصرة، ومن الأصل الخامس رداً على "قدسية القيادات" التي تشبه قدسية الأولياء عند غلاة الصوفية. هذا الربط جعل الرسالة "حائط صد" عقدياً في وجه التيارات المنحرفة[^7].
- الوضوح الصادم في الحق: يتميز منهج الفوزان بالبعد عن "المجاملات العلمية" في تقرير العقيدة. فهو يشرح كلام المصنف (أن أكثر الناس لا يعلمون) ببيان واقع الغربة التي يعيشها أهل السنة، مؤكداً أن الكثرة ليست معياراً للحق، بل المعيار هو ما وافق الكتاب والسنة، وهو توسع منهجي يربط بين العلم والعمل[^8].
-------------------------
[^1]: السعدي، عبد الرحمن بن ناصر، الرياض الناضرة والحدائق النيرة الزاهرة، تحقيق: أشرف بن عبد المقصود، دار أضواء السلف، الرياض، ص 104-108.
[^2]: السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، مؤسسة الرسالة، بيروت، (مبحث تيسير القرآن)، ص 824.
[^3]: المعلمي، عبد الرحمن بن يحيى، رفع الاشتباه عن عبادة غير الله، ضمن آثار المعلمي، دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، ج 2، ص 85-92.
[^4]: المعلمي، التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، دار عالم الفوائد، ج 1، ص 550 وما بعدها.
[^5]: ابن عثيمين، محمد بن صالح، شرح الأصول الستة، اعتناء: فهد السليمان، دار الثريا للنشر، الرياض، ص 42-48.
[^6]: ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي، الدمام، ج 2، ص 315 (في معرض شرحه لمسألة الفهم والاتباع).
[^7]: الفوزان، صالح بن فوزان، شرح الأصول الستة، دار العاصمة، الرياض، ط 1، ص 52-60.
[^8]: الفوزان، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، مؤسسة الرسالة، بيروت، ج 1، ص 240 (مبحث الولاء والبراء والاجتماع).
----------------------------
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ: الدِّرَاسَةُ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ التَّحْلِيلِيَّةُ (الْجُزْءُ الثَّانِي)
أَوَّلًا: الِاتِّفَاقُ عَلَى مَرْكَزِيَّةِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" فِي تَحْقِيقِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ
مِنْ خِلَالِ اسْتِقْرَاءِ شُرُوحَاتِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ لِلْأَصْلِ الْأَوَّلِ (الْإِخْلَاصِ)، نَجِدُ تَطَابُقًا مَنْهَجِيًّا فِي اعْتِبَارِ أَنَّ "الْإِخْلَاصَ" لَا يَصِحُّ إِلَّا بِـ "الْبَرَاءَةِ" مِنْ ضِدِّهِ.
- تَحْلِيلُ رُؤْيَةِ السَّعْدِيِّ وَابْنِ عُثَيْمِينَ: يَتَّفِقُ الْإِمَامَانِ عَلَى أَنَّ الْإِخْلَاصَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نِيَّةٍ بَاطِنَةٍ، بَلْ هُوَ "مَوْقِفٌ عَقَدِيٌّ" يَتَطَلَّبُ مَقْتَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ يَرَى أَنَّ تَوْحِيدَ الْإِلَهِيَّةِ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، بَيْنَمَا ابْنُ عُثَيْمِينَ يُؤَصِّلُ ذَلِكَ بِقَاعِدَةِ "النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ" فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ الْإِعْرَاضَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ تَمَامُ الْإِخْلَاصِ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ[^1].
- الْبُعْدُ الْمَنْهَجِيُّ عِنْدَ الْفَوْزَانِ وَآلِ الشَّيْخِ: يَتَوَسَّعُ الشَّيْخُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ فِي هَذَا الْجَانِبِ بِرَبْطِ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ بِقَضِيَّةِ "الْمُوَالَاةِ الْمُحَرَّمَةِ"، مُحَذِّرًا مِنْ أَنَّ تَمْيِيعَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ هُوَ تَمْيِيعٌ لِأَصْلِ الْإِخْلَاصِ. وَيُوَافِقُهُ الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ فِي أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ عَنْ "بَيَانِ ضِدِّ الْإِخْلَاصِ" هُوَ إِشَارَةٌ ذَكِيَّةٌ إِلَى ضَرُورَةِ مَعْرِفَةِ الشَّرِّ لِتَوَقِّيهِ، تَمَامًا كَمَا عَرَفَ الصَّحَابَةُ الْجَاهِلِيَّةَ فَعَظُمَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِسْلَامُ[^2].
ثَانِيًا: تَكَامُلُ الرُّؤَى فِي مَسْأَلَةِ "الْحَاكِمِيَّةِ وَالطَّاعَةِ" (الْأَصْلُ الثَّالِثُ)
يُعَدُّ الْأَصْلُ الثَّالِثُ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ) مِنْ أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي ظَهَرَ فِيهَا التَّكَامُلُ الِاسْتِقْرَائِيُّ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ، خُصُوصًا فِي مَسْأَلَةِ "الْحَاكِمِيَّةِ" بِمَفْهُومِهَا الشَّرْعِيِّ لَا الْحَرَكِيِّ.
- تَحْقِيقُ الْمُعَلِّمِيُّ وَالسِّنْدِيُّ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ الْمُعَلِّمِيُّ أَنَّ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لَيْسَ لِأَجْلِ "قُدْسِيَّةِ الْحَاكِمِ"، بَلْ لِأَجْلِ "قُدْسِيَّةِ النَّظَامِ الشَّرْعِيِّ" الَّذِي يَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا مَا يُفَصِّلُهُ الشَّيْخُ صَالِحُ السِّنْدِيُّ بِدِقَّةٍ عَقَدِيَّةٍ، مُبَيِّنًا أَنَّ الطَّاعَةَ تَبَعٌ لِطَاعَةِ اللهِ، وَأَنَّ تَفْرِيقَ الْأُمَّةِ بِدَعْوَى "الْحَاكِمِيَّةِ الْمُجْتَزَأَةِ" هُوَ إِحْيَاءٌ لِفِكْرِ الْخَوَارِجِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْمُصَنِّفُ[^3].
- التَّأْصِيلُ الْوَاقِعِيُّ عِنْدَ ابْنِ عُثَيْمِينَ وَالْفَوْزَانُ: يَتَّفِقُ ابْنُ عُثَيْمِينَ وَالْفَوْزَانُ عَلَى أَنَّ طَاعَةَ وُلَاةِ الْأَمْرِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللهِ هِيَ "تَعَبُّدٌ لِلَّهِ" وَلَيْسَتْ سِيَاسَةً دُنْيَوِيَّةً مَحْضَةً. وَيَتَوَسَّعُ الْفَوْزَانُ فِي بَيَانِ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ هُوَ سِيَاجٌ يَحْمِي "الْأَصْلَ الثَّانِي" (الِاجْتِمَاعَ فِي الدِّينِ)، وَأَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ نَقَضَ غَرْزَ السَّلَفِ[^4].
ثَالِثًا: الِاجْتِمَاعُ الشَّرْعِيُّ وَنَبْذُ الْفُرْقَةِ (الْأَصْلُ الثَّانِي)
فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، تَتَجَلَّى نَزْعَةُ "التَّحْلِيلِ الِاسْتِقْرَائِيِّ" لِمَفْهُومِ الْجَمَاعَةِ.
- السَّعْدِيُّ وَآلِ الشَّيْخِ: يَرَى السَّعْدِيُّ أَنَّ الِاجْتِمَاعَ مَقْصِدٌ شَرْعِيٌّ عَالٍ، لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ يَمْحَقُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ. وَيُضِيفُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ بَيَانًا بَدِيعًا فِي أَنَّ "الِاجْتِمَاعَ" الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى "الْحَقِّ" لَا مُجَرَّدَ الِاجْتِمَاعِ الشَّكْلِيِّ، وَهَذَا يَقْتَضِي نَبْذَ التَّحَزُّبَاتِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي تُفَرِّقُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ[^5].
- تَحْقِيقُ الْمُعَلِّمِيُّ لِشُبْهَةِ الِاخْتِلَافِ: حَقَّقَ الْمُعَلِّمِيُّ أَنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَخْدِمُ "مَسَائِلَ الْخِلَافِ الصَّائِغِ" لِيُحَوِّلَهَا إِلَى "خِلَافِ تَضَادٍّ" يَهْدِمُ الْأَصْلَ الثَّانِي، وَبَيَّنَ أَنَّ الْأَئِمَّةَ السَّلَفَ كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفُرُوعِ مَعَ بَقَاءِ صَفَاءِ الْقُلُوبِ وَوَحْدَةِ الصَّفِّ[^6].
رَابِعًا: تَحْلِيلُ "مَنَاطَاتِ الِاتِّفَاقِ" بَيْنَ الشُّرُوحَاتِ (دِرَاسَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ)
مِنْ خِلَالِ مَسْحِ هَذِهِ الشُّرُوحَاتِ الَّتِي تَجَاوَزَتْ فِي مَجْمُوعِهَا مِئَاتِ الصَّفَحَاتِ، يُمْكِنُ بَيَانُ أَنَّ الْأَئِمَّةَ السِّتَّةَ اجْتَمَعُوا عَلَى ثَلَاثِ دَعَائِمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ:
- الدَّعَامَةُ الْأُولَى: "الْبَيَانُ" كَمَقْصِدٍ إِلَهِيٍّ: كُلُّهُمْ نَقَضُوا قَوْلَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدِّينَ عَسِيرٌ أَوْ صَعْبُ الْفَهْمِ، مُؤَكِّدِينَ أَنَّ "بَيَانَ الشَّارِعِ" أَتَمُّ مِنْ كُلِّ بَيَانٍ.
- الدَّعَامَةُ الثَّانِيَةُ: "الشُّمُولِيَّةُ" فِي التَّوْحِيدِ: لَمْ يَحْصُرْ أَيٌّ مِنْهُمُ التَّوْحِيدَ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، بَلْ صَرَفُوا جُلَّ اهْتِمَامِهِمْ لِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالِاتِّبَاعِ.
- الدَّعَامَةُ الثَّالِثَةُ: "الْأَثَرِيَّةُ" فِي الِاسْتِدْلَالِ: حَتَّى الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ الَّذِي يَمِيلُ لِلتَّقْسِيمَاتِ الْعَقْلِيَّةِ، يَظَلُّ مَرْجِعُهُ الْأَوَّلُ وَالْأَخِيرُ هُوَ "فَهْمُ السَّلَفِ الصَّالِحِ" لِلنُّصُوصِ[^7].
-------------------------&
[^1]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص 22-25؛ وَالسَّعْدِيُّ، الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، ص 106.
[^2]: الْفَوْزَانُ، إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ، ج 1، ص 245؛ وَصَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ، (مَبْحَثُ الْإِخْلَاصِ).
[^3]: الْمُعَلِّمِيُّ، رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ، ج 2، ص 88؛ وَصَالِحُ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 30-34.
[^4]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، ج 2، ص 340؛ وَالْفَوْزَانُ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، ص 45.
[^5]: السَّعْدِيُّ، تَيْسِيرُ اللَّطِيفِ الْمَنَّانِ، ص 118؛ وَصَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، (مَبْحَثُ الْجَمَاعَةِ).
[^6]: الْمُعَلِّمِيُّ، الْمَقَالَاتُ، ج 1، ص 160 (مَقَالُ الِاجْتِمَاعِ وَالْفُرْقَةِ).
[^7]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، كِتَابُ الْعِلْمِ، ص 125؛ وَصَالِحُ السِّنْدِيُّ، تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ، ص 58.
------------------------------
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ: الدِّرَاسَةُ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ التَّحْلِيلِيَّةُ (الْجُزْءُ الثَّالِثُ: التَّمَايُزُ وَالْإِضَافَاتُ النَّوْعِيَّةُ)
أَوَّلًا: التَّمَايُزُ التَّرْبَوِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ السَّعْدِيِّ (فِقْهُ الثَّمَرَاتِ)
يَنْفَرِدُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ فِي اسْتِقْرَائِنَا لِشَرْحِهِ بِأَنَّهُ لَا يَقِفُ عِنْدَ "صِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ" فَحَسْبُ، بَلْ يَنْقُلُ الْأَصْلَ السِّتَّةَ إِلَى حَيِّزِ "التَّزْكِيَةِ".
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: هِيَ رَبْطُ الْأَصْلِ الثَّانِي (الِاجْتِمَاعُ) بِمَسْأَلَةِ "الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ" كَأَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ وَاجِبَةٍ، حَيْثُ جَعَلَ الِاجْتِمَاعَ "عِبَادَةً" لَا مُجَرَّدَ "تَنْظِيمٍ"؛ فَالِاخْتِلَافُ عِنْدَهُ لَيْسَ خَطَأً فِي الرَّأْيِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مَرَضٌ فِي النَّفْسِ يَحْجِبُ نُورَ الْيَقِينِ[^1].
ثَانِيًا: التَّمَايُزُ النَّقْدِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ الْمُعَلِّمِيِّ (فِقْهُ الِاسْتِدْلَالِ)
يَتَمَيَّزُ الْمُعَلِّمِيُّ بِقُدْرَتِهِ الفَائِقَةِ عَلَى نَقْدِ "عَقْلِيَّةِ التَّبَعِيَّةِ" الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْأَصْلِ السَّادِسِ.
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: تَحْلِيلُهُ لِشُبْهَةِ "عِظَمِ قَدْرِ الْأَئِمَّةِ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ تَعْظِيمَ الْإِمَامِ الْحَقِيقِيَّ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ (مَنْهَجِهِ فِي الدَّلِيلِ) لَا بِاتِّبَاعِ (زَلَّتِهِ فِي التَّقْلِيدِ). وَهَذَا الْمَلْحَظُ النَّقْدِيُّ هُوَ الَّذِي يُفَكِّكُ "شُبْهَةَ الشَّيْطَانِ" الَّتِي أَرَادَتْ ضَرْبَ الدِّينِ بِاسْمِ أَهْلِ الدِّينِ[^2].
ثَالِثًا: التَّمَايُزُ التَّأْصِيلِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (فِقْهُ الضَّوَابِطِ)
تَمَيَّزَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ بِقُدْرَتِهِ عَلَى وَضْعِ "الْمَوَازِينِ" لِلْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ يَزِلُّ فِيهَا الْفَهْمُ.
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: فِي الْأَصْلِ الثَّالِثِ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ)، أَضَافَ ابْنُ عُثَيْمِينَ تَحْرِيرًا لِمَسْأَلَةِ "الْإِنْكَارِ عَلَى الْوُلَاةِ" بَيْنَ الْعَلَانِيَةِ وَالسِّرِّ، مُوَازِنًا بَيْنَ حِفْظِ الْأَصْلِ الثَّانِي (الِاجْتِمَاعُ) وَحِفْظِ هَيْبَةِ الشَّرِيعَةِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مَحْكُومًا بِـ "الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ" لَا بِالْعَوَاطِفِ الْهَائِجَةِ[^3].
رَابِعًا: التَّمَايُزُ الْمَنْهَجِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ الْفَوْزَانِ (فِقْهُ النَّوَازِلِ)
انْفَرَدَ الشَّيْخُ الْفَوْزَانُ بِتَنْزِيلِ هَذِهِ الْأُصُولِ عَلَى "الْحَرَكَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ".
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: جَعَلَ الْأَصْلَ الرَّابِعَ (الْعِلْمُ وَالْعُلَمَاءُ) مِعْيَارًا لِكَشْفِ "الْمُتَعَالِمِينَ" وَ"دُعَاةِ الْفِتْنَةِ"؛ فَبَيَّنَ أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي عَنَاهُ الْمُصَنِّفُ هُوَ الْعِلْمُ الْمَوْرُوثُ عَنِ السَّلَفِ، وَأَنَّ مَنْ جَاءَ بِعِلْمٍ يُفَرِّقُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَلَوْ سَمَّاهُ النَّاسُ كَذَلِكَ[^4].
خَامِسًا: التَّمَايُزُ الْبَيَانِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ (فِقْهُ السِّياقِ)
يَتَمَيَّزُ الشَّيْخُ صَالِحٌ بِفَهْمِ "مُرَادِ الْمُؤَلِّفِ" مِنْ خِلَالِ سِيَاقِ تَرْتِيبِ الرِّسَالَةِ.
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: اسْتِنْبَاطُهُ أَنَّ الرِّسَالَةَ بُنِيَتْ عَلَى طَرِيقَةِ (النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ)؛ فَكُلُّ أَصْلٍ يَذْكُرُهُ الْمُصَنِّفُ، يَذْكُرُ مَعَهُ مَا يُضَادُّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ. وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ "التَّحْصِينَ" مِنَ الشُّبُهَاتِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ تَعَلُّمِ الْأَصْلِ، وَلَا يَكْفِي طَالِبَ الْعِلْمِ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ دُونَ مَعْرِفَةِ الْبَاطِلِ لِيَتَّقِيَهُ[^5].
سَادِسًا: التَّمَايُزُ الْأَثَرِيُّ عِنْدَ الشَّيْخِ صَالِحِ السِّنْدِيِّ (فِقْهُ التَّحْرِيرِ)
يَتَمَيَّزُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ بِالدِّقَّةِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي "تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ" عَقَدِيًّا.
الْإِضَافَةُ الْفَرِيدَةُ: فِي الْأَصْلِ الْخَامِسِ (الْوَلَايَةُ)، قَامَ بِتَحْرِيرِ الْفَرْقِ بَيْنَ "الْكَرَامَةِ الشَّرْعِيَّةِ" وَ"الْأَحْوَالِ الشَّيْطَانِيَّةِ" بِنَاءً عَلَى (مَنَاطِ التَّقْوَى) لَا عَلَى (مَنَاطِ الْخَرْقِ)، مُدَلِّلًا بِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ هِيَ أَعْظَمُ كَرَامَةٍ، وَهَذَا التَّحْرِيرُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مُبْتَدِعٍ يَتَسَتَّرُ بِالْخَوَارِقِ[^6].
خَاتِمَةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ: التَّرْكِيبُ الِاسْتِقْرَائِيُّ لِلشُّرُوحَاتِ
بَعْدَ هَذَا التَّطْوَافِ فِي مَنَاهِجِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ، نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ شُرُوحَاتِهِمْ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ شَكَّلَتْ "مَوْسُوعَةً عَقَدِيَّةً" مُتَكَامِلَةً؛ فَالْبَعْضُ أَصَّلَ، وَالْبَعْضُ فَرَّعَ، وَالْبَعْضُ حَمَى الْأُصُولَ بِالتَّنْبِيهِ عَلَى نَوَاقِضِهَا الْمُعَاصِرَةِ. وَهَذَا الِاسْتِقْرَاءُ يُثْبِتُ أَنَّ رِسَالَةَ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ لَمْ تَكُنْ لِزَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ، بَلْ هِيَ أُصُولٌ كُلِّيَّةٌ تَحْتَاجُهَا الْأُمَّةُ فِي كُلِّ حِينٍ لِتَظَلَّ عَلَى "الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ".
------------------
[^1]: السَّعْدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ، تَيْسِيرُ اللَّطِيفِ الْمَنَّانِ فِي خُلَاصَةِ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 118-122.
[^2]: الْمُعَلِّمِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، مَقَالَاتُ الشَّيْخِ الْمُعَلِّمِيِّ، جَمْعُ: عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعِمْرَانِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ج 1، ص 175.
[^3]: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص 50-55.
[^4]: الْفَوْزَانُ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانٍ، شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 62.
[^5]: صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ السَّنِيَّةِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ (شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ)، مَكْتَبَةُ دَارِ الْحِجَازِ، (الْمُقَدِّمَةُ السِّياقِيَّةُ).
[^6]: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ، تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ السِّتَّةِ (مُسَجَّلٌ وَمُفَرَّغٌ)، ص 60-64.
-----------------------
الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ فِي الْأُصُولِ السِّتَّةِ
تَمْهِيدٌ:
إنَّ رسالة "الأصول الستة" في حقيقتها هي "خلاصة عقدية" صيغت بعبارات جامعة، تهدف إلى تثبيت أركان الاعتقاد الصحيح في مواجهة الانحرافات التي طرأت على الأمة. إنَّ المسلك العقدي في هذه الرسالة لا يقتصر على سرد المسائل، بل يتعداه إلى "تحقيق المناطات" العقدية التي فارق بها أهل السنة والجماعة غيرهم من أهل البدع والأهواء.
أَوَّلًا: مَسْلَكُ التَّقْرِيرِ فِي تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ (الْأَصْلُ الْأَوَّلُ)
- إفراد الله بالقصد والطلب: يقرر الإمام المجدد في الأصل الأول قضية "الإخلاص"، والمسلك العقدي هنا يتجاوز مجرد تعريف الإخلاص لغةً واصطلاحاً، إلى بيان صيرورته "شرطاً لصحة العمل". فالأئمة الشراح (كابن عثيمين والسندي) أكدوا أنَّ الإخلاص الذي عناه المصنف هو "توحيد الإلهية" الذي هو حق الله على العباد. المسلك العقدي يقتضي هنا بيان أنَّ صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله -سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً- هو الشرك الأكبر الذي يهدم هذا الأصل[^1].
- تحقيق مفهوم "ضد الإخلاص": من دقائق المسلك العقدي عند المصنف أنه لم يكتفِ بتقرير الإخلاص، بل نبه إلى ضرورة معرفة "الشرك" ليُجتنب. فالإيمان لا يكمل إلا بكفر بالطاغوت، وهذا ما قرره الأئمة في شروحهم؛ فالخوف من الشرك هو ديدن الأنبياء (واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ). لذا فإنَّ المسلك العقدي هنا يقوم على "المفاصلة" التامة بين التوحيد والشرك، وبين أهل الإخلاص وأهل الإشراك[^2].
ثَانِيًا: مَسْلَكُ الِاعْتِصَامِ وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ (الْأَصْلُ الثَّانِي)
- الاجتماع في الدين كأصل عقدي: يرى الأئمة (كالفوزان وآل الشيخ) أنَّ الاجتماع الذي دعا إليه المصنف ليس "اجتماعاً سياسياً" أو "تكتلياً"، بل هو اجتماع عقدي على "أصل الإيمان". المسلك العقدي هنا يقرر أنَّ الجماعة هي "ما وافق الحق ولو كنت وحدك". فالاتفاق في أصول الاعتقاد هو الذي يثمر الاجتماع في الأبدان، وأي فرقة في الدين هي مروق من هذا الأصل[^3].
- الرد على شبهة "الخلاف السائغ": من المسالك العقدية في هذا الأصل التمييز بين "خلاف التنوع" و"خلاف التضاد". فالأصول الستة تمنع أن يُجعل الخلاف في المسائل الاجتهادية ذريعةً لضرب أصول الاعتقاد أو شق عصا الجماعة. فالتحقيق العقدي يقتضي أنَّ الأمة مأمورة بالائتلاف، وأنَّ التفرق هو سمة أهل الجاهلية والبدع[^4].
ثَالِثًا: مَسْلَكُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَعَلَاقَتُهُ بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ (الْأَصْلُ الثَّالِثُ)
- الطاعة عبادة لا سياسة: المسلك العقدي في السمع والطاعة عند أئمة الدعوة والشارحين للرسالة يقوم على أنَّ طاعة ولاة الأمر (في غير معصية) هي من تمام "طاعة الله ورسوله". فهي أصل من أصول أهل السنة والجماعة التي فارقوا بها الخوارج والمعتزلة. التحقيق هنا يبين أنَّ استقرار الإمامة هو سياج يحمي الدين والبيضة، وبدونه يختل توحيد العباد وتضيع الحقوق[^5].
- حاكمية الشريعة والولاء والبراء: يرتبط هذا الأصل بمسألة "الحاكمية" من جهة أنَّ الطاعة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله، وطاعة غيرهم تبعية. فالإمام المجدد يقرر السمع والطاعة مع وجود النقص، حفاظاً على الكلية العقدية للجماعة، وهذا المسلك هو الذي يحفظ للأمة كيانها العقدي من التفتت[^6].
رَابِعًا: مَسْلَكُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمُشَبِّهِينَ (الْأَصْلُ الرَّابِعُ)
- حقيقة العلم الموروث: المسلك العقدي هنا هو تعريف "العلم" بأنه (قال الله، قال رسوله، قال الصحابة). التحقيق السلفي في هذا الأصل يفرق بين "الفقه الشرعي" وبين "الفلسفة والكلام". فالأئمة (كالمعلمي والسندي) أكدوا أنَّ حصر العلم في مصطلحات المتكلمين هو من كيد الشيطان لصرف الناس عن الوحي[^7].
- عقيدة "أهل الذكر": تقرير أنَّ العلماء هم ورثة الأنبياء، وأنَّ توقيرهم من تعظيم الشريعة، لكن دون غلو يرفعهم إلى مقام العصمة، ودون جفاء يسقط مكانتهم. هذا التوازن هو المسلك العقدي الوسط الذي يحمي الأمة من الوقوع في فتنة "اتخاذ رؤوس جهال"[^8].
خَامِسًا: مَسْلَكُ تَحْقِيقِ الْوَلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ (الْأَصْلُ الْخَامِسُ)
- الولاية بين الإيمان والادعاء: المسلك العقدي هنا هو حصر الولاية في "الإيمان والتقوى" (ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ). التحقيق في هذا الأصل يهدف إلى تطهير مفهوم الولاية من "الخرافة" و"الكهنوتية الصوفية" التي تجعل الولي واسطة بين العبد وربه، وهو عين الشرك الذي جاء الأصل الأول لهدمه[^9].
- التلازم بين الولاية والاتباع: لا ولاية لمن خالف الشريعة؛ هذا هو الضابط العقدي الذي قرره الأئمة. فكل "كرامة" تخالف نصاً شرعياً هي "دجل شيطاني". المسلك العقدي يربط الولاية بالعمل الصالح الظاهر والباطن، لا بالدعاوى العريضة[^10].
سَادِسًا: مَسْلَكُ تَعْظِيمِ النَّصِّ وَفَهْمِ السَّلَفِ (الْأَصْلُ السَّادِسُ)
- حجية الوحي واستقلاله: المسلك العقدي الأخير هو "الاستغناء بالوحي". فالرد على شبهة ترك الوحي هو إثبات أنَّ الكتاب والسنة كافيان شافيان في أصول الدين وفروعه. التحقيق هنا يبطل قول من قدم "العقل" أو "الذوق" أو "قول الإمام" على النص الشرعي[^11].
- الوضوح والبيان الشرعي: الاعتقاد بأنَّ الله بين دينه أتم بيان، وأنَّ من زعم أنَّ الوحي "طلاسم" لا يفهمها إلا المجتهد المطلق فقد طعن في حكمة الله وبلاغة الرسول ﷺ. هذا المسلك هو الذي يفتح باب الهدى لعامة الأمة وخاصتها على حد سواء[^12].
--------------------------
[^1]: ابن عثيمين، شرح الأصول الستة، ص 20-24.
[^2]: الفوزان، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، ج 1، ص 150.
[^3]: صالح آل الشيخ، لوامع الأنوار، (مبحث الجماعة والاتباع).
[^4]: الشاطبي، الاعتصام، دار ابن عفان، ج 1، ص 145.
[^5]: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 35، ص 12-15 (في وجوب الطاعة).
[^6]: صالح السندي، شرح الأصول الستة، ص 35.
[^7]: المعلمي، مقالات الشيخ المعلمي، ج 1، ص 180.
[^8]: ابن القيم، إعلام الموقعين، ج 2، ص 200.
[^9]: ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص 30.
[^10]: السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 365.
[^11]: ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 415.
[^12]: صالح السندي، تحرير الدروس، ص 62.
-----------------
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الْعَاشِرِ: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالْآثَارُ الْعَمَلِيَّةُ (الْجُزْءُ الثَّانِي)
(الْآثَارُ الْعَمَلِيَّةُ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ فِي بِنَاءِ الْمُجْتَمَعِ وَاسْتِقْرَارِ الْأُمَّةِ)
تَمْهِيدٌ مَنْهَجِيٌّ:
إنَّ المجتمعَ الذي تقومُ أركانُه على "الأصول الستة" هو مجتمعٌ عصيٌّ على الاختراق، ثابتُ البناء، لكون هذه الأصول تمثل (القواعد الكلية) للأمن الاجتماعي والديني. فليست القضية مجرد نصوص تُحفظ، بل هي "عقد اجتماعي شرعي" يربط الحاكم بالمحكوم، والعالم بالعامي، والفرد بأخيه، وفق مراد الله عز وجل.
أَوَّلًا: أَثَرُ "تَوْحِيدِ الْقَصْدِ" فِي صِيَانَةِ الْأَمْنِ الْفِكْرِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ
- تجفيف منابع الخرافة والدجل: عندما يشيع "الأصل الأول" (الإخلاص وبيان الشرك) في المجتمع، يثمر ذلك أثراً عملياً هائلاً وهو "تطهير العقل الجمعي". المجتمع الموحد لا يؤمن بالخرافات، ولا يُعطي مقادته للدجالين والمشعوذين الذين يبتزون الناس باسم "الولاية" أو "الكرامة" (الأصل الخامس). هذا الأثر التربوي والعملي يحمي أموال الناس وعقولهم من النهب، ويجعل علاقتهم بربهم علاقة مباشرة قائمة على التوحيد، مما يُعزز "الاستقلال الفكري" للمجتمع المسلم[^1].
- الولاء والبراء كصمام أمان: من الآثار العملية لتحقيق الإخلاص في المجتمع هو "وضوح الهوية". المجتمع الذي يتمسك بالتوحيد يعرف من يوالي ومن يعادي بناءً على معايير الشريعة لا على معايير المصالح الضيقة. هذا الوضوح العقدي يمنع "الذوبان الثقافي" أمام الهجمات الفكرية الخارجية، ويجعل المجتمع جسداً واحداً في مواجهة ما يقدح في دينه وأصوله[^2].
ثَانِيًا: الْأَصْلُ الثَّانِي (الِاجْتِمَاعُ) وَدَوْرُهُ فِي بِنَاءِ "الدَّوْلَةِ الْمُتَمَاسِكَةِ"
- إنهاء الفوضى الحزبية والقبلية: يُقرر الشيخ الفوزان وابن عثيمين أنَّ أعظم أثر عملي للأصل الثاني هو "حقن الدماء". فالمجتمع الذي يرى أنَّ الاجتماع "دين" والفرقة "جاهلية"، يترفع عن الانقسامات التي تمزق الدول. الأثر العملي هنا هو تحول المجتمع من (أوزاع متفرقة) تخدم أجندات حزبية أو عرقية، إلى (بنيان مرصوص) تتوحد جهوده للتنمية والبناء وحماية الثغور. هذا المسلك هو الذي يُحول "النظرية العقدية" إلى "واقع سياسي وأمني" مستقر[^3].
- ترسيخ ثقافة "التسامح الشرعي": من الآثار التربوية للاجتماع هو تعليم المجتمع أنَّ الاختلاف في وجهات النظر أو المسائل الاجتهادية لا يفسد للود قضية ما دامت الأصول واحدة. هذا المسلك العملي يقلل من حدة "الاحتقان الداخلي" ويجعل الحوار داخل المجتمع قائماً على (البيان) لا على (التخوين)، وهو ما أشار إليه المصنف في بيان يسر الدين ووضوحه (الأصل السادس)[^4].
ثَالِثًا: الِارْتِبَاطُ بَيْنَ "السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ" وَالتَّنْمِيَةِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ (الْأَصْلُ الثَّالِثُ)
- الاستقرار كشرط للعبادة والعمل: المسلك التربوي السلفي يربط بين "الأمن" وبين "إقامة الدين". الأثر العملي للأصل الثالث هو إعطاء السلطة (الشرعية) القوة للقيام بواجباتها من إقامة الحدود وحفظ الأمن وتسيير مصالح الناس. المجتمع الذي يتربى على السمع والطاعة في المعروف، هو مجتمع "منتج"؛ لأنَّ الفرد لا يشغله الخوف على نفسه أو ماله عن عمارة الأرض وطلب العلم. وهذا التلازم قرره الأئمة كأثر مباشر لتحقيق هذا الأصل[^5].
- سد الذرائع أمام الفتن: يرى الأئمة (كصالح آل الشيخ والسندي) أنَّ تطبيق هذا الأصل عملياً يُغلق الباب أمام "المغامرات السياسية" غير المحسوبة التي أهلكت الحرث والنسل في كثير من البلدان. فالتربية على الصبر والسمع والطاعة (مع النصيحة الشرعية) هي "وقاية مجتمعية" من الفوضى والهرج، مما يحفظ كيان الأمة من الانهيار الداخلي[^6].
رَابِعًا: عَقِيدَةُ "التَّلَقِّي" وَأَثَرُهَا فِي صِيَانَةِ مَرْجِعِيَّةِ الْأُمَّةِ (الْأَصْلُ الرَّابِعُ وَالسَّادِسُ)
- حماية المجتمع من "الرؤوس الجهال": عندما يتحقق الأصل الرابع (معرفة العلم والعلماء)، يبرز أثر عملي وهو "انضباط الفتوى". المجتمع الذي يعرف من هم علماؤه الحقيقيون لا ينجرف وراء "الدعاة الجدد" أو "المتعالمين" الذين يُحلون الحرام ويحرمون الحلال. هذا الانضباط المرجعي يحفظ للمجتمع توازنه العقدي والشرعي، ويمنع الشطط في الفكر والسلوك[^7].
- تيسير الوصول للحق ودحر "الكهنوتية": من أعظم الآثار العملية للأصل السادس (بيان القرآن والسنة) هو "تحرير العقل المسلم" من سلطة الكهنوت. فالدين ليس سراً بين العلماء، بل هو وحي مبين للناس كافة. هذا المسلك يربي في المجتمع (روح المبادرة) لتعلم الدين والعمل به، ويقضي على حالة (الاتكالية العلمية) التي تجعل الناس ينتظرون من يفكر نيابة عنهم في بديهيات التوحيد والاتباع[^8].
خَامِسًا: تَحْقِيقُ "الْوَلَايَةِ" وَأَثَرُهُ فِي الرَّبْطِ بَيْنَ الْقِيَمِ وَالْمَكَانَةِ (الْأَصْلُ الْخَامِسُ)
- إرساء معيار "التقوى" في التقديم والتأخير: في المجتمع الذي يطبق الأصل الخامس، لا يُقدَّم المرء بماله أو نسبه أو خوارق عاداته المدعاة، بل يُقدَّم بـ (إيمانه وتقواه). هذا الأثر التربوي يقلب الموازين الجاهلية ويجعل "الاستقامة" هي العملة المعترف بها مجتمعياً. العمل بهذا الأصل يُحفز الأفراد على التنافس في الصالحات، مما يرفع الكفاءة الأخلاقية والعملية للمجتمع بأسره[^9].
- تطهير المجتمع من التواكل والارتباط بالأوهام: من الآثار العملية لنقض مفهوم الولاية المنحرف هو دفع الناس للعمل. فبدلاً من التعلق بـ "بركة" الموتى أو أضرحة المدعين، يتوجه المجتمع للعمل بمقتضى الأسباب الشرعية والكونية، لأنَّ الولاية عمل واتباع لا ادعاء ومناصب غيبية. هذا يُعيد للمجتمع حيويته وفاعليته الحضارية[^10].
خَاتِمَةُ الْمَبْحَثِ الْعَاشِرِ: رُؤْيَةٌ كُلِّيَّةٌ لِلْآثَارِ الْمُجْتَمَعِيَّةِ
إنَّ "الأصول الستة" ليست مجرد رسالة في العقيدة، بل هي (مشروع إصلاحي شامل) للفرد والمجتمع. إنَّ التوسع في فهم هذه الأصول وتطبيقها عملياً كفيلٌ بنقل الأمة من حالة التشرذم والجهل والشرك إلى حالة التوحيد والاجتماع والسيادة. لقد وضع الإمام المجدد يده على الجراح الستة التي أضعفت الأمة، ووضع لها الشفاء في هذه الأصول. وبالتزامنا بمنهج الأئمة الشراح في تقرير هذه الآثار، نضمن بقاء المجتمع المسلم متصلاً بمنبعه الصافي، محمياً من كيد الشيطان وشبهاته.
الْحَوَاشِي (الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ بِتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ):
[^1]: السعدي، عبد الرحمن، الرياض الناضرة والحدائق النيرة، ص 150-155 (أثر التوحيد في صلاح المجتمع).
[^2]: ابن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، دار عالم الكتب، ج 1، ص 80 (في حفظ الهوية).
[^3]: الفوزان، صالح، شرح الأصول الستة، ص 40-45؛ وابن عثيمين، شرح الأصول الستة، ص 30.
[^4]: الشاطبي، الاعتصام، ج 2، ص 120 (في ذم الفرقة وأثرها على قوة الأمة).
[^5]: صالح السندي، تحرير الدروس في شرح الأصول الستة، ص 50.
[^6]: صالح آل الشيخ، لوامع الأنوار، (شرح الأصل الثالث: السمع والطاعة).
[^7]: المعلمي، عبد الرحمن، مقالات الشيخ المعلمي، ج 1، ص 225 (أثر العلم الصحيح في استقرار الفتوى).
[^8]: ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 450 (في بيان وضوح النص وقطع الطريق على المؤولين).
[^9]: ابن تيمية، الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ص 45 (معيار الولاية الشرعية).
[^10]: السعدي، تيسير الكريم الرحمن، ص 412 (تفسير آيات الولاية والعمل الصالح).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الْفِهْرِسُ التَّفْصِيلِيُّ لِلْمَوْضُوعَاتِ
- الْمُقَدِّمَةُ: مَنْهَجُ الْبَحْثِ وَأَهَمِّيَّةُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ ................................ ص 1
- الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: تَرْجَمَةُ الْمُصَنِّفِ وَالسِّيَاقُ التَّارِيخِيُّ لِلرِّسَالَةِ ................ ص 3
- الْمَبْحَثُ الثَّانِي: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ (الْإِخْلَاصُ وَبَيَانُ الشِّرْكِ) ........................ ص 7
- الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: الْأَصْلُ الثَّانِي (الِاجْتِمَاعُ فِي الدِّينِ وَنَبْذُ الْفُرْقَةِ) ........... ص 12
- الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الْأَصْلُ الثَّالثُ (السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ) ................. ص 17
- الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: الْأَصْلُ الرَّابِعُ (الْعِلْمُ وَالْعُلَمَاءُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُتَشَبِّهِينَ) ... ص 22
- الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الْأَصْلُ الْخَامِسُ (الْوَلَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَكَرَامَاتُ الْأَوْلِيَاءِ) .......... ص 27
- الْمَبْحَثُ السَّابِعُ: الْأَصْلُ السَّادِسُ (رَدُّ الشُّبْهَةِ فِي تَرْكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ) ............. ص 32
-
الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: الدِّرَاسَةُ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ لِشُرُوحَاتِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ .................. ص 37
- الجزء الأول: ملامح المنهجية عند السعدي والمعلمي وابن عثيمين ........... ص 38
- الجزء الثاني: الاتفاقات المنهجية (الحاكمية والولاء والبراء) ................ ص 43
- الجزء الثالث: التمايز المنهجي والإضافات الفريدة للشراح ................. ص 48
-
الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ فِي الْأُصُولِ السِّتَّةِ ............................ ص 54
- الجزء الأول: تقريرات التوحيد وحجية النص عند السلف .................. ص 55
- الجزء الثاني: تحقيق العذر بالجهل ومنهج التلقي والاتباع ................. ص 60
-
الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالْآثَارُ الْعَمَلِيَّةُ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ ........... ص 66
- الجزء الأول: الآثار التربوية في صياغة الفرد وتزكية النفس ............... ص 67
- الجزء الثاني: الآثار العملية في بناء المجتمع واستقرار الأمة ............... ص 72
- الْخَاتِمَةُ الْجَامِعَةُ: النَّتَائِجُ وَالتَّوْصِيَاتُ الْبَحْثِيَّةُ ................................... ص 78
- وَصَايَا الْمُعَلِّمِ وَفَنُّ الضَّبْطِ لِلطَّالِبِ (صَدْرًا وَكِتَابَةً) .............................. ص 82
- ثَبَتُ الْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ (الْمَنْهَجُ الثُّلَاثِيُّ) ......................................... ص 85
ثَبَتُ الْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ
- الْأُصُولُ السِّتَّةُ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
- تَيْسِيرُ اللَّطِيفِ الْمَنَّانِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ.
- الرِّيَاضُ النَّاضِرَةُ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ.
- مَقَالَاتُ الشَّيْخِ الْمُعَلِّمِيِّ الْيَمَانِيِّ، جَمْعُ: عَلِيِّ الْعِمْرَانِ.
- رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْإِلَه، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيِّ.
- شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ الْعُثَيْمِينَ.
- شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانِ الْفَوْزَانِ.
- لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ السَّنِيَّةِ (شَرْحُ الْأُصُولِ السِّتَّةِ)، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ.
- تَحْرِيرُ الدُّرُوسِ فِي شَرْحِ الْأُصُولِ السِّتَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ السِّنْدِيِّ.
- الْفُرْقَانُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
- إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لِلْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ.
- الِاعْتِصَامُ، لِلْإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ.
تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ
