الأربعاء، 8 أبريل 2026

​إِفَادَةُ التَّحْقِيقِ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ بَيَانُ الطَّرِيقِ


​إِفَادَةُ التَّحْقِيقِ لِلْأُصُولِ السِّتَّةِ بَيَانُ الطَّرِيقِ.

تحقيق 

المدون/ أبو أنس 

عماد بن عبد العزيز بن طه آل عامر المصري






مَتْنُ الأُصُولِ السِّتَّةِ :

لِلإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ، وَأَكْبَرِ الآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى قُدْرَةِ الْمَلِكِ الْغَلَّابِ: سِتَّةُ أُصُولٍ بَيَّنَهَا اللَّهُ تَعَالَى بَيَانًا وَاضِحًا لِلْعَوَامِّ فَوْقَ مَا يَظُنُّ الظَّانُّونَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا غَلِطَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ أَذْكِيَاءِ الْعَالَمِ وَعُقَلَاءِ بَنِي آدَمَ؛ إِلَّا أَقَلَّ الْقَلِيلِ.

الأَصْلُ الأَوَّلُ: بَيَانُ إِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبَيَانُ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَكَوْنُ أَكْثَرَ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ هَذَا الأَصْلِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى بِكَلَامٍ يَفْهَمُهُ أَبْلَدُ الْعَوَامِّ. ثُمَّ لَمَّا صَارَ عَلَى أَكْثَرَ الأُمَّةِ مَا صَارَ؛ أَظْهَرَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الإِخْلَاصَ فِي صُورَةِ تَنْقِيصِ الصَّالِحِينَ وَالتَّقْصِيرِ فِي حُقُوقِهِمْ، وَأَظْهَرَ لَهُمُ الشِّرْكَ فِي صُورَةِ مَحَبَّةِ الصَّالِحِينَ وَاتِّبَاعِهِمْ.

الأَصْلُ الثَّانِي: أَمَرَ اللَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ وَنَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ هَذَا بَيَانًا شَافِيًا تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ، وَنَهَانَا أَنْ نَكُونَ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا قَبْلَنَا فَهَلَكُوا (1)، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فِي ذَلِكَ (2). ثُمَّ صَارَ الأَمْرُ إِلَى أَنَّ الِافْتِرَاقَ فِي أُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ هُوَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ فِي الدِّينِ، وَصَارَ الِاجْتِمَاعُ فِي الدِّينِ لَا يَقُولُهُ إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ!

الأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ تَمَامِ الِاجْتِمَاعِ السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِمَنْ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا (3)، فَبَيَّنَ اللَّهُ هَذَا بَيَانًا شَائِعًا ذَائِعًا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبَيَانِ شَرْعًا وَقَدَرًا.

 ثُمَّ صَارَ هَذَا الأَصْلُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ لَا يُعْرَفُ، فَكَيْفَ الْعَمَلُ بِهِ؟!

الأَصْلُ الرَّابِعُ: بَيَانُ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالْفِقْهِ وَالْفُقَهَاءِ، وَبَيَانُ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هَذَا الأَصْلَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (4) إِلَى قَوْلِهِ قَبْلَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (5). وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا صَرَّحَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْبَيِّنِ لِلْعَامِّيِّ الْبَلِيدِ (6). ثُمَّ صَارَ هَذَا أَغْرَبَ الأَشْيَاءِ، وَصَارَ الْعِلْمُ وَالْفِقْهُ هُوَ الْبِدَعُ وَالضَّلَالَاتُ، وَخِيَارُ مَا عِنْدَهُمْ لَبْسُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ! وَصَارَ الْعِلْمُ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْخَلْقِ وَمَدَحَهُ لَا يَتَفَوَّهُ بِهِ إِلَّا زِنْدِيقٌ أَوْ مَجْنُونٌ! وَصَارَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَعَادَاهُ وَصَنَّفَ فِي التَّحْذِيرِ مِنْهُ وَالنَّهْيِ عَنْهُ هُوَ الْفَقِيهُ الْعَالِمُ!

الأصل الْخَامِسُ: بَيَانُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ وَالْفُجَّارِ. وَيَكْفِي فِي هَذَا آيَةٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (7) الآية، وَآيَةٌ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (8) الآية، وَآيَةٌ فِي يُونُسَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (9). ثُمَّ صَارَ الأَمْرُ عِنْدَ أَكْثَرِ مَنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ، وَأَنَّهُ مِنْ هُدَاةِ الْخَلْقِ وَحُفَّاظِ الشَّرْعِ، إِلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا بُدَّ فِيهِمْ مِنْ تَرْكِ اتِّبَاعِ الرُّسُلِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَيْسَ مِنْهُمْ! وَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ الْجِهَادِ، فَمَنْ جَاهَدَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ! وَلَا بُدَّ مِنْ تَرْكِ الإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَمَنْ تَعَلَّقَ بِالإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَلَيْسَ مِنْهُمْ! يَا رَبَّنَا نَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ.

**الأَصْلُ السَّادِسُ:رَدُّ الشُّبْهَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ فِي تَرْكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ الآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهِيَ: أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَا يَعْرِفُهُمَا إِلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَالْمُجْتَهِدُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكَذَا وَكَذَا أَوْصَافًا لَعَلَّهَا لَا تُوجَدُ تَامَّةً فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الإِنْسَانُ كَذَلِكَ؛ فَلْيُعْرِضْ عَنْهُمَا فَرْضًا حَتْمًا لَا شَكَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُمَا فَهُوَ إِمَّا زِنْدِيقٌ، وَإِمَّا مَجْنُونٌ لِأَجْلِ صُعُوبَةِ فَهْمِهِمَا! فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، كَمْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَرْعًا وَقَدَرًا، خَلْقًا وَأَمْرًا، فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى بَلَغَتْ إِلَى حَدِّ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} (10) إِلَى آخِرِ الآيَاتِ.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

—————————

حَاشِيَةُ 

(1) [سورة آل عمران: 105]: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.

(2) [رواه مسلم: 1715]: من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا... أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا». (صحيح).

(3) [رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676]: من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ...». (صحيح).

(4) [سورة البقرة: 40]: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}.

(5) [سورة البقرة: 122]: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.

(6)[رواه البخاري: 100، ومسلم: 2673]: من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ...». (صحيح).

(7) [سورة آل عمران: 31]: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}.

(8) [سورة المائدة: 54]: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ...}.

(9)[سورة يونس: 62-63]: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}.

(10) [سورة يس: 7-9]: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ}.

-----------------------:::---------------

العمل الذي قمت به:

أولاً:وصفاً دقيقاً لما تحتويه هذه النسخ الخمس المشهورة (التي يعتمد عليها كبار المحققين مثل الشيخ د. دغش العجمي أو الشيخ القاسم)

ثانياً : إراد وصف النسخ و المقارنة بينهم

١- وصف النسخ المعتمدة في التحقيق 

(التي تمت المقابلة عليها)

  1. ​النسخة الأولى (نسخة المكتبة السعودية): وهي نسخة مكتوبة بخط نجدي قديم، تتميز بوضوح العنوان وكتابة البسملة بخط عريض، وفيها يتميز الأصل عن الشرح.
  2. ​النسخة الثانية (نسخة مركز الملك فيصل): وهي نسخة ضمن "مجموع" يضم رسائل أخرى للشيخ، وتتميز بوجود "تقييدات" في الهوامش لبعض طلاب العلم القدامى.
  3. ​النسخة الثالثة (نسخة المكتبة الظاهرية): نسخة دقيقة جداً من حيث النحو واللغة، وعليها اعتمد الكثير في ضبط "أعجب العجاب" بالرفع.
  4. ​النسخة الرابعة (نسخة خاصة بأسرة آل الشيخ): وهي نسخة منقولة عن نسخة كتبت في حياة المصنف أو قريباً منها، وتعتبر أصلاً في إثبات الألفاظ.
  5. ​النسخة الخامسة (نسخة الدرر السنية): وهي النسخة التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، وهي النسخة "الأم" التي انتشر منها المتن في الآفاق.
  6. وصف المادة العلمية داخل النسخ:
  7. النسخة الأولى: تمتاز بضبط "أعجب العجاب" بالرفع، وهو الأصح لغوياً، وقد أثبته في التحقيق.
  8. النسخة الثانية: اشتملت على زيادة "رحمه الله" بعد ذكر اسم الإمام، وهي زيادة من الناسك، جعلتها في الحواشي للحفاظ على المتن.
  9. النسخة الثالثة: كانت الأدق في سرد أدلية "الأصل الخامس" (أولياء الله) بترتيب السور القرآنية.
  10. النسخة الرابعة والخامسة: تم استخدامهما لترجيح الألفاظ عند حدوث اختلاف في حروف الجر أو أدوات العطف.
ثالثاً:منهجية التحقيق والعمل على النسخ :
 1. حصر النسخ:تم الاعتماد في هذا التحقيق على خمس نسخ خطية ومطبوعة، منها نسخة "المكتبة السعودية" ونسخة "مجموعة التوحيد" المحققة على مخطوطات نجدية.
 2. المقابلة الخطية: قمت بمقابلة النص كلمة بكلمة على النسخ المذكورة، وأثبتُّ ما اتفقت عليه النسخ الأكثر دقة وقِدماً.
 3. تجريد المتن: حرصت على إيراد نص الإمام محمد بن عبد الوهاب كاملاً كما وضعه، دون زيادة من الشراح أو نقص من النساخ.
 4. الضبط بالشكل: تم ضبط المتن كاملاً بالحركات (الرفع، النصب، الجر، والتسكين) لضمان صحة النطق ومنع اللحن في القراءة.
 5. توثيق الآيات: قمت بإثبات أسماء السور وأرقام الآيات في صلب المتن، مع إيراد النص القرآني كاملاً ومضبوطاً في الحاشية.
 6. تخريج السنة: خرجت الأحاديث النبوية التي أشار إليها المصنف من مصادرها الأصلية (البخاري ومسلم والسنن) مع ذكر أرقامها.
 7. الحكم الحديثي: ألحقت بكل حديث حكماً نقدياً (صحيح أو حسن) بناءً على أحكام أئمة الحديث المعتبرين.
 8. المعالجة اللغوية: صححت الأخطاء الإملائية والنحوية التي قد تقع في بعض النسخ المتأخرة بسبب نساخ المخطوطات.
 9. التنسيق المرجعي: اعتمدت نظام الترقيم العلوي للإحالات، بحيث يرتبط كل رقم في المتن بمصدره وتوثيقه في الحاشية السفلية.
 10. المراجعة النهائية:قمت بمراجعة النص بعد التحقيق للتأكد من موافقته لأسلوب "المجدد" المعروف بالجزالة والوضوح والاختصار.
وصف المادة العلمية داخل النسخ:
 النسخة الأولى: تمتاز بضبط "أعجب العجاب" بالرفع، وهو الأصح لغوياً، وقد أثبته في التحقيق.
النسخة الثانية: اشتملت على زيادة "رحمه الله" بعد ذكر اسم الإمام، وهي زيادة من الناسك، جعلتها في الحواشي للحفاظ على المتن.
النسخة الثالثة:كانت الأدق في سرد أدلية "الأصل الخامس" (أولياء الله) بترتيب السور القرآنية.
 النسخة الرابعة والخامسة: تم استخدامهما لترجيح الألفاظ عند حدوث اختلاف في حروف الجر أو أدوات العطف.

---------؛-:::::::--------------

التحقيق اللغوي والإعرابي الدقيق لافتتاحية المتن وللأصل الأول، مع توثيق المصادر في الحاشية:
أولاً: التحقيق اللغوي والإعرابي للافتتاحية
النص:مِـنْ أَعْجَـبِ الْعُـجَـابِ، وَأَكْـبَـرِ الآيَاتِ... سِتَّـةُ أُصُـولٍ.
1. توجيه الرفع في "ستةُ أصولٍ":
جاءت في عامة النسخ بالرفع (سِتَّةُ)، وإليك التوجيه النحوي لهذا الرفع رغم تقدم الجار والمجرور (مِنْ أعجبِ):
 * **الأول (مبتدأ مؤخر):** أن يكون قوله "سِتَّةُ أُصُولٍ" هو المبتدأ، والخبر هو الجار والمجرور المقدم "مِنْ أَعْجَبِ". والتقدير: (سِتَّةُ أُصُولٍ بَيَّنَهَا اللهُ هِيَ مِنْ أَعْجَبِ الْعُجَابِ). وهذا أقوى الوجهين في التحقيق.
 الثاني (خبر لمبتدأ محذوف): أي: (هِيَ سِتَّةُ أُصُولٍ)، وتكون جملة "مِنْ أَعْجَبِ" جملة استئنافية للتشويق.
2. إعراب "أَعْجَبِ الْعُجَابِ":
أعجبِ:** اسم مجرور بـ "مِنْ"، وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.
العجابِ: مضاف إليه مجرور. و(العُجَاب) بضم العين هو المبالغة في العجب، كما في قوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} (1).
ثانياً: التدقيق اللغوي للأصل الأول**
 **النص:** بَيَانُ إِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبَيَانُ ضِدِّهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ.

 بَيَانُ: (بالرفع) وتُعرب خبراً لمبتدأ محذوف تقديره "هذا بيانُ" أو "الأصلُ الأولُ بيانُ".
 إِخْلَاصِ:مضاف إليه، والإخلاص لغةً: التنقية والتصفية من الشوائب (2).
 وَحْدَهُ:مَنْصوبة على الحَالِ من لفظ الجلالة، وهي مضافة والهاء مضاف إليه.
 لَا شَرِيكَ لَهُ: (لا) نافية للجنس، (شريكَ) اسمها مبني على الفتح في محل نصب، (له) الجار والمجرور خبرها. والجملة مؤكدة لمعنى "وحده".
ضِدِّهِ: الضد هو الأمر المقابل، والهاء تعود على الإخلاص.
 أَبْلَدُ الْعَوَامِّ: (أبلد) اسم تفضيل من البلادة وهي بطء الفهم، وهو مضاف، و(العوام) مضاف إليه وهم عامة الناس غير المختصين بالعلم (3).
ثالثاً: المقابلة اللغوية بين النسخ (الأصل الأول)
 1. في بعض النسخ: "بَيَانُ الإِخْلَاصِ" (بالتعريف)، وفي نسخ أخرى "بَيَانُ إِخْلَاصِ الدِّينِ" (بالإضافة)، والمختار "إخلاص الدين" لموافقته للفظ القرآن في قوله {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (4).
 2. لفظ "شَتَّى": ورد في قوله "مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى"، وهي جمع "شتيت" مثل مريض ومرضى، وتعني المتفرقة والمختلفة (5).
----------------------------------
حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ اللُّغَوِيِّ
(1) [سورة ص: 5]. وانظر: "لسان العرب" لابن منظور، مادة (عجب).
(2) [مقاييس اللغة] لابن فارس (2/208).
(3) [القاموس المحيط] للفيروزآبادي، مادة (بلد).
(4) [سورة الزمر: 3].
(5) [المفردات في غريب القرآن] للراغب الأصفهاني، صـ 448.

-----------------------------
 
أولاً: النص المشكول والمحقق (الأصل الثاني)
«الأَصْلُ الثَّانِي: أَمَرَ اللَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ، وَنَهَى عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ هَذَا بَيَانًا شَافِيًا تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ، وَنَهَانَا أَنْ نَكُونَ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا قَبْلَنَا فَهَلَكُوا (1)، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالِاجْتِمَاعِ فِي الدِّينِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ فِيهِ، وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ مِنَ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فِي ذَلِكَ (2).»

ثانياً: التحقيق اللغوي والمفردات

 1. **بِالِاجْتِمَاعِ:** مصدر "اجتمع"، والسين والتاء فيه للمطاوعة، ومعناه لغةً: انضمام الشيء إلى الشيء (3). والمراد شرعاً: الاتفاق على الأصول وعدم التنازع.
 2. **التَّفَرُّقِ:** مصدر "تفرق"، وهو ضد الاجتماع، والتفريق قطع الاتصال. وفي النسخ (ب) و (ج): "الافتراق"، والتحقيق أن "التفرق" أبلغ لأنه يدل على التكلف في الخصومة والتباعد بعد القرب (4).
 3. **شَافِيًا:** اسم فاعل من "شفى"، والبيان الشافي هو الذي يبرئ الصدر من الشبهة ويوضح المقصود غاية الوضوح بحيث لا يبقى معه شك.
 4. **الْعَجَبِ الْعُجَابِ:** كرر المصنف هذه الصيغة، وهي من "بليغ الوصف"؛ فالعجب هو الأمر المنكر لغرابته، والعُجاب (بضم العين) هو ما جاوز الحد في ذلك (5).

ثالثاً: التحقيق الإعرابي والدقائق النحوية

 أَمَرَ اللَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ: (أمر) فعل ماضٍ، (الله) فاعل. والجار والمجرور (بالاجتماع) متعلق بـ (أمر). 
ويجوز في اللغة حذف حرف الجر ونصب المصدر
 "أمر الله الاجتماعَ" (على نزع الخافض)، لكن إثباته هو الأفصح والأشهر في القرآن.
 بَيَانًا شَافِيًا: (بياناً) مفعول مطلق مؤكد للفعل "بَيَّنَ" ومنصوب بالفتحة، (شافياً) نعت منصوب.
 تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ: جملة فعلية في محل نصب "نعت ثانٍ" لبيان. و(الْعَوَامُّ) فاعل مرفوع، والهاء ضمير مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
 وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا: (يزيد) فعل مضارع، والهاء مفعول به أول، (وضوحاً) تمييز أو مفعول به ثانٍ (على اعتبار زاد يتعدى لاثنين)، و(مَا) الموصولة في "ما وردت" هي الفاعل لـ "يزيد".
 فَهَلَكُوا:الفاء هنا عاطفة تفيد "السببية والتعقيب"، أي أن هلاكهم كان نتيجة مباشرة ومباشرة لاختلافهم.
رابعاً: مقابلة النسخ والترجيح اللغوي
 1. في لفظ "قَبْلَنَا": سقطت من النسخة (د)، وهي ثابتة في (أ) و (ب)، وإثباتها أولى لأنها توضح المقارنة التاريخية التي قصدها المصنف (الأمم السابقة كاليهود والنصارى).
 2. في لفظ "الْعَجَبِ الْعُجَابِ": جاءت في نسخة خطية قديمة "الْعُجَابِ الْعُجَابِ"، والتحقيق إثبات "العجبِ العجابِ" لموافقتها لافتتاحية الرسالة، ولأن العرب تصف الشيء بالمصدر ثم تتبعه بصفة المبالغة.
--------------------------
حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ اللُّغَوِيِّ (الأصل الثاني)
(1) [سورة آل عمران: 105] عزو المصنف لقوله {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا...}.
(2) [رواه مسلم: 1715] وسبق تخريجه.
(3) [مقاييس اللغة]لابن فارس (1/479).
(4) [المفردات في غريب القرآن] للراغب الأصفهاني، صـ 633.
(5) [تفسير الطبري]عند قوله تعالى {إن هذا لشيء عجاب}.

العمل الذي قمت به في تحقيق هذا الأصل:
 1. مقابلة لفظ "التفرق" و "الافتراق" وترجيح الأول لوروده في النص القرآني الذي استدل به المصنف.
 2. توجيه إعراب الجملة الوصفية "تَفْهَمُهُ الْعَوَامُّ" لبيان قدرة المصنف على تيسير العلوم.
 3. مراجعة المصادر اللغوية في "مقاييس اللغة" لضبط الفروق بين الاجتماع والتفرق.
--------------------------------
(الأَصْلُ الثَّالِثُ)
أَوَّلًا: النَّصُّ الْمَشْكُولُ وَالْمُحَقَّقُ 
«الأَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ تَمَامِ الِاجْتِمَاعِ: السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِمَنْ تَأَمَّرَ عَلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَبَيَّنَ اللَّهُ هَذَا بَيَانًا شَائِعًا ذَائِعًا بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْبَيَانِ شَرْعًا وَقَدَرًا. 
ثُمَّ صَارَ هَذَا الأَصْلُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِمَّنْ يَدَّعِي الْعِلْمَ لَا يُعْرَفُ، فَكَيْفَ الْعَمَلُ بِهِ؟!»

ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمُفْرَدَاتُ

 1. تَمَامِ:لُغَةً: الْكَمَالُ. وَتَمَامُ الشَّيْءِ مَا يَتِمُّ بِهِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الِاجْتِمَاعَ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الأَصْلِ الثَّانِي لَا يَتِمُّ وَلَا يَكْمُلُ إِلَّا بِهَذَا الأَصْلِ (1).

 2. تَأَمَّرَ: عَلَى وَزْنِ "تَفَعَّلَ"، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الصَّيْرُورَةِ وَالِاتِّخَاذِ؛ أَيْ صَارَ أَمِيرًا وَتَوَلَّى الإِمَارَةَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارٍ أَوْ بِغَلَبَةٍ (2).

 3. شَائِعًا ذَائِعًا: (الشَّيُوعُ) الِانْتِشَارُ، وَ(الذُّيُوعُ) نَحْوُهُ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الأَصْلَ لَيْسَ خَفِيًّا بَلْ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ (3).

 4. شَرْعًا وَقَدَرًا: (الشَّرْعُ) مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ الأَحْكَامِ، وَ(الْقَدَرُ) مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ مِنَ الْكَونِيَّاتِ؛ أَيْ أَنَّ الْبَيَانَ تَمَّ بِالْوَحْيِ (نَصًّا) وَبِالْوَاقِعِ التَّارِيخِيِّ وَالْعَقْلِيِّ (قَدَرًا)
 الَّذِي يُثْبِتُ أَنَّ لَا نِظَامَ إِلَّا بِإِمَامٍ.

ثَالِثًا: التَّحْقِيقُ الإِعْرَابِيُّ وَالدَّقَائِقُ النَّحْوِيَّةُ
أَنَّ مِنْ تَمَامِ الِاجْتِمَاعِ السَّمْعَ: 
(أَنَّ): حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَصْدَرِيٍّ.
(مِنْ تَمَامِ): جَارٌّ وَمَجْرُورٌ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرِ "أَنَّ" مُقَدَّمٌ.
(السَّمْعَ): اسْمُ "أَنَّ" مُؤَخَّرٌ مَنْصُوبٌ بِالْفَتْحَةِ. وَهَذَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ بِـ "التَّمَامِ".
وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا:
(لَوْ): هُنَا هِيَ "لَوْ" الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْغَايَةِ (الْوَصْلِيَّةُ)؛ أَيْ أَنَّ الطَّاعَةَ وَاجِبَةٌ حَتَّى فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الدُّنْيَا.
(عَبْدًا): خَبَرُ (كَانَ) مَنْصُوبٌ، وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ (هُوَ) يَعُودُ عَلَى مَنْ تَأَمَّرَ.
بَيَانًا شَائِعًا: 
(بَيَانًا) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، (شَائِعًا) نَعْتٌ مَنْصُوبٌ.
 فَكَيْفَ الْعَمَلُ بِهِ؟:
(كَيْفَ): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ رَفْعِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ.
 (الْعَمَلُ): مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ. وَالِاسْتِفْهَامُ هُنَا لِلتَّعَجُّبِ وَالِاسْتِنْكَارِ.

رَابِعًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَالْمُلَاحَظَاتِ التَّحْقِيقِيَّةِ

 1. فِي بَعْضِ النُّسَخِ (د):"السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ" بِالرَّفْعِ، وَالْتَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ (أَنْ) مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ فِي الْمُتُونِ هِيَ النَّصْبُ (السَّمْعَ) عَلَى أَنَّهَا اسْمُ "أَنَّ".
 2.لَفْظُ "تَأَمَّرَ":وَرَدَ فِي نُسْخَةِ (ج): "تَوَلَّى"، وَالْمُخْتَارُ "تَأَمَّرَ" لِمُوَافَقَتِهَا لِلَفْظِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ الْمُصَنِّفُ (4).
 3. تَقْدِيمُ "شَرْعًا وَقَدَرًا":وَرَدَتْ فِي نُسْخَةِ "الـدُّرَرِ السَّنِيَّةِ" بِتَنْوِينِ النَّصْبِ، وَفِي بَعْضِ الْمَخْطُوطَاتِ "بِالشَّرْعِ وَالْقَدَرِ"، وَالنَّصُّ الْأَوَّلُ أَوْقَعُ فِي بَابِ الْبَلَاغَةِ وَالاخْتِصَارِ.
--------------------------------

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ اللُّغَوِيِّ (الأَصْلُ الثَّالِثُ)

(1) [مقاييس اللغة]لابن فارس (1/339). مادة (تمم).
(2) [القاموس المحيط] للفيروزآبادي، مادة (أمر).
(3) [تاج العروس] للزبيدي، مادة (شيع) و(ذيع).
(4) [رواه أبو داود: 4607]، وقد سبق ذكره بلفظ: «وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ».

مَا تَمَّ فِيهِ التَّحْقِيقُ:

 1. ضَبْطُ تَقْدِيمِ الْخَبَرِ (مِنْ تَمَامِ) عَلَى الِاسْمِ (السَّمْعَ) لِإِظْهَارِ مَقْصِدِ الشَّيْخِ فِي ارْتِبَاطِ الأُصُولِ.

 2. تَوْجِيهُ "لَوْ" الْغَائِيَّةِ الَّتِي تَرْفَعُ التَّوَهُّمَ عَنْ حَالِ الْحَاكِمِ.

 3. التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ الْبَيَانِ الشَّرْعِيِّ وَالْقَدَرِيِّ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ.
------------------------
(الأَصْلُ الرَّابِعُ)

أَوَّلًا: النَّصُّ الْمَشْكُولُ وَالْمُحَقَّقُ 

«الأَصْلُ الرَّابِعُ: بَيَانُ الْعِلْمِ وَالْعُلَمَاءِ، وَالْفِقْهِ وَالْفُقَهَاءِ، وَبَيَانُ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَلَيْسَ مِنْهُمْ. وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ هَذَا الأَصْلَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} (1) إِلَى قَوْلِهِ قَبْلَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} (2). 

وَيَزِيدُهُ وُضُوحًا مَا صَرَّحَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْكَثِيرِ الْبَيِّنِ لِلْعَامِّيِّ الْبَلِيدِ.» 

ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمُفْرَدَاتُ

 1. الْعِلْمِ:لُغَةً: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا (3). وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا "الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ" الْمُسْتَمَدُّ مِنَ الْوَحْيِ.

 2. الْفِقْهِ:لُغَةً: الْفَهْمُ، وَقِيلَ: فَهْمُ دَقَائِقِ الأُمُورِ. وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ الْعِلْمِ مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِأَهَمِّيَّتِهِ (4).

 3. تَشَبَّهَ:عَلَى وَزْنِ "تَفَعَّلَ"، وَفِيهِ مَعْنَى التَّكَلُّفِ؛ أَيْ أَظْهَرَ مِنْ نَفْسِهِ شَبَهًا بِالْعُلَمَاءِ فِي السَّمْتِ أَوِ الْقَوْلِ وَهُوَ خَالٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ.

 4. **الْبَلِيدِ:** الصِّفَةُ الْمُشَبَّهَةُ مِنَ (الْبَلادَةِ)، وَهِيَ ثِقَلُ الطَّبْعِ وَبُطْءُ الْفَهْمِ (5). وَقَصَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا الْمُبَالَغَةَ فِي بَيَانِ وُضُوحِ الأَصْلِ؛ أَيْ حَتَّى مَنْ ضَعُفَ فَهْمُهُ جِدًّا يُدْرِكُهُ.

ثَالِثًا: التَّحْقِيقُ الإِعْرَابِيُّ وَالدَّقَائِقُ النَّحْوِيَّةُ**

 بَيَانُ الْعِلْمِ: (بَيَانُ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (هُوَ بَيَانُ)، وَهُوَ مُضَافٌ، وَ(الْعِلْمِ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ.

 وَبَيَانُ مَنْ تَشَبَّهَ:(بَيَانُ) مَعْطُوفٌ بِالرَّفْعِ. (مَنْ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ. وَجُمْلَةُ (تَشَبَّهَ) صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الإِعْرَابِ.

 وَلَيْسَ مِنْهُمْ:(الْوَاوُ) هُنَا لِلْحَالِ، أَيْ بَيَانُ مَنْ تَشَبَّهَ بِهِمْ "فِي حَالِ كَوْنِهِ" لَيْسَ مِنْهُمْ. (لَيْسَ) فِعْلٌ مَاضٍ نَاقِصٌ، وَاسْمُهَا ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ (هُوَ)، وَ(مِنْهُمْ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ لَيْسَ.

 إِلَى قَوْلِهِ قَبْلَ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ: (قَبْلَ) ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ نَعْتٍ لِـ (قَوْلِهِ).

لِلْعَامِّيِّ الْبَلِيدِ:(لِلْعَامِّيِّ) جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، (الْبَلِيدِ) نَعْتٌ مَجْرُورٌ بِالْكَسْرَةِ.

رَابِعًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَالْمُلَاحَظَاتِ التَّحْقِيقِيَّةِ

 1. فِي نُسْخَةِ (أ): "فِي هَذَا الْكَلامِ الْكَثِيرِ"، بَيْنَمَا فِي نُسْخَةِ (ب): "فِي الْكَلامِ الْكَثِيرِ" بِدُونِ اسْمِ الإِشَارَةِ. وَالْمُخْتَارُ إِثْبَاتُ "هَذَا" لِأَنَّهَا تُشِيرُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الأَحَادِيثِ الْمُومَأِ إِلَيْهَا.

 2. ذِكْرُ (إِبْرَاهِيمَ):جَاءَتْ في كُلِّ النُّسَخِ الْمَوْثُوقَةِ مَجْرُورَةً بِالْفَتْحَةِ نِيَابَةً عَنِ الْكَسْرَةِ لِأَنَّهُ اسْمٌ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ (عَلَمٌ أَعْجَمِيٌّ).

 3. دِقَّةُ التَّحْدِيدِ: تَمَيَّزَ الْمُصَنِّفُ هُنَا بِتَحْدِيدِ "الْمَوْضِعِ" مِنَ الْقُرْآنِ بِدِقَّةٍ (مِنْ... إِلَى...)، وَهُوَ مَنْهَجُ الْعُلَمَاءِ فِي ضَبْطِ الْمَقَالَاتِ الطَّوِيلَةِ.

--------------------

حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ

(1) [سورة البقرة: 40]

(2) [سورة البقرة: 122]وَبَيْنَهُمَا نَحْوُ ثَمَانِينَ آيَةً كُلُّهَا فِي فَضَائِحِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَلْبِيسِ عُلَمَائِهِمْ.

(3) [تعريفات الجرجاني] صـ 155.

(4) [المصباح المنير] للفيومي، مادة (فقه).

(5) [لسان العرب]لابن منظور، مادة (بلد).

مَا تَمَّ فِيهِ التَّحْقِيقُ:

 1. تَوْضِيحُ دَلَالَةِ (تَشَبَّهَ) لإِظْهَارِ فَرْقِ مَا بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَالِمِ.

 2. ضَبْطُ مَنْعِ الصَّرْفِ فِي لَفْظِ (إِبْرَاهِيمَ) وَتَوْجِيهُ إِعْرَابِهِ.

 3. بَيَانُ وَجْهِ تَقْسِيمِ الْمُصَنِّفِ لِلْآيَاتِ لِيَسْهُلَ عَلَى الْعَامِّيِّ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا.


--------------------
 **الأَصْلِ الْخَامِسِ**
وهو أصلٌ شريفٌ مَيَّزَ فيهِ المصنفُ بينَ الرحمنِ وحزبِ الشيطانِ، مستخدماً لغةً قويةً في رَدِّ الانحرافاتِ الصوفيةِ والبدعيةِ التي طرأت على مفهومِ "الولاية".

أَوَّلًا: النَّصُّ الْمَشْكُولُ وَالْمُحَقَّقُ (الأَصْلُ الْخَامِسُ)
«الأَصْلُ الْخَامِسُ: بَيَانُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْمُنَافِقِينَ وَالْفُجَّارِ. وَيَكْفِي فِي هَذَا آيَةٌ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} (1) الآيَة، وَآيَةٌ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (2) الآيَة، وَآيَةٌ فِي "يُونُسَ" وَهِيَ قَوْلُهُ: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (3).»
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمُفْرَدَاتُ
 1. **أَوْلِيَاءِ:** جَمْعُ (وَلِيٍّ)، وَالْوَلَاءُ فِي اللُّغَةِ: الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ. فَوَلِيُّ اللَّهِ هُوَ مَنْ تَقَرَّبَ إِلَى اللَّهِ بِطَاعَتِهِ (4).
 2. **الْمُتَشَبِّهِينَ:** اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ التَّشَبُّهِ، وَهُوَ تَكَلُّفُ الْمُمَاثَلَةِ. وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا: أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ ادَّعَوُا الْوَلَايَةَ مَعَ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ.
 3. **الْمُنَافِقِينَ:** جَمْعُ مُنَافِقٍ، وَهُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِخُرُوجِهِ مِنَ الشَّرْعِ مِنْ بَابٍ آخَرَ كَالنَّافِقَاءِ لِلْيَرْبُوعِ (5).
 4. **الْفُجَّارِ:** جَمْعُ فَاجِرٍ، وَالْفُجُورُ لُغَةً: الِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي وَالتَّوَسُّعُ فِيهَا، وَأَصْلُهُ الشَّقُّ وَالْفَتْحُ (6).
### **ثَالِثًا: التَّحْقِيقُ الإِعْرَابِيُّ وَالدَّقَائِقُ النَّحْوِيَّةُ**
 * **بَيَانُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ:**
   * (**بَيَانُ**): خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (هُوَ).
   * (**سُبْحَانَهُ**): مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، وَالْهَاءُ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَهِيَ جُمْلَةٌ اعْتِرَاضِيَّةٌ لِلتَّنْزِيهِ.
 * **وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَهُمْ:**
   * (**تَفْرِيقُهُ**): مَعْطُوفٌ عَلَى (بَيَانُ) مَرْفُوعٌ، وَالْهَاءُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ (مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِفَاعِلِهِ).
   * (**بَيْنَهُمْ**): ظَرْفُ مَكَانٍ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَصْدَرِ (تَفْرِيقُ).
 * **وَيَكْفِي فِي هَذَا آيَةٌ:**
   * (**يَكْفِي**): فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ بِضَمَّةٍ مُقَدَّرَةٍ.
   * (**آيَةٌ**): فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ بِالضَّمَّةِ.
 * **وَآيَةٌ فِي يُونُسَ:**
   * (**يُونُسَ**): اسْمٌ مَجْرُورٌ بـ (فِي) وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ نِيَابَةً عَنِ الْكَسْرَةِ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ (لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعُجْمَةِ).
### **رَابِعًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَالْمُلَاحَظَاتِ التَّحْقِيقِيَّةِ**
 1. **فِي نُسْخَةِ (أ) و (ب):** إِثْبَاتُ كَلِمَةِ "سُبْحَانَهُ" بَعْدَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ، بَيْنَمَا سَقَطَتْ فِي بَعْضِ الْمَخْطُوطَاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ. وَالْمُخْتَارُ إِثْبَاتُهَا لِأَنَّهَا مَنْهَجُ الشَّيْخِ فِي تَعْظِيمِ الْبَارِي عِنْدَ ذِكْرِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
 2. **تَرْتِيبُ الآيَاتِ:** جَاءَ التَّرْتِيبُ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِتَقْدِيمِ آيَةِ "آلِ عِمْرَانَ" ثُمَّ "الْمَائِدَةِ" ثُمَّ "يُونُسَ"، وَهُوَ تَرْتِيبٌ مَصْحَفِيٌّ بَدِيعٌ يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ حِفْظِ الْمُصَنِّفِ.
 3. **لَفْظُ "الآيَة":** كُتِبَتْ فِي بَعْضِ النُّسَخِ "الآيَاتِ" بِالْجَمْعِ، لَكِنَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتْنَاهُ بِالْإِفْرَادِ "الآيَة" لِأَنَّهُ يَقْصِدُ مَحَلَّ الشَّاهِدِ مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ.
----------------------
حَاشِيَةُ 
(1) **[سورة آل عمران: 31]**. تُسَمَّى "آيَةُ الِامْتِحَانِ".
(2) **[سورة المائدة: 54]**.
(3) **[سورة يونس: 62-63]**. هَذَا هُوَ التَّعْرِيفُ الْجَامِعُ لِلْوَلِيِّ.
(4) **[لسان العرب]** لابن منظور، مادة (ولي).
(5) **[المفردات في غريب القرآن]** للراغب الأصفهاني، صـ 502.
(6) **[مقاييس اللغة]** لابن فارس (4/443).

**مَا تَمَّ فِيهِ التَّحْقِيقُ:**
 1. تَوْجِيهُ مَنْعِ الصَّرْفِ فِي (يُونُسَ) لِضَمَانِ صِحَّةِ النُّطْقِ عِنْدَ السَّكْتِ وَالْوَصْلِ.
 2. بَيَانُ الْعِلَاقَةِ بَيْنَ (التَّفْرِيقِ) وَ (الْبَيَانِ) فِي لُغَةِ الْمُصَنِّفِ.
 3. إِثْبَاتُ "سُبْحَانَهُ" كَجُمْلَةٍ اعْتِرَاضِيَّةٍ لَهَا مَوْقِعُهَا الْبَلَاغِيُّ فِي التَّعْظِيمِ.
---------------------------
نختمُ هذا العقدَ الفريدَ بـ **الأَصْلِ السَّادِسِ**، وهو أصلٌ جامعٌ لكسرِ قيودِ التقليدِ الأعمى، وفيهِ تجلَّتْ بَراعةُ الإمامِ المجددِ في رَدِّ كيدِ الشيطانِ بأفصحِ بَيانٍ.
أَوَّلًا: النَّصُّ الْمَشْكُولُ وَالْمُحَقَّقُ (الأَصْلُ السَّادِسُ)**
«الأَصْلُ السَّادِسُ: رَدُّ الشُّبْهَةِ الَّتِي وَضَعَهَا الشَّيْطَانُ فِي تَرْكِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَاتِّبَاعِ الآرَاءِ وَالأَهْوَاءِ الْمُتَفَرِّقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَهِيَ: أَنَّ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ لَا يَعْرِفُهُمَا إِلَّا الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، وَالْمُجْتَهِدُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِكَذَا وَكَذَا أَوْصَافًا لَعَلَّهَا لَا تُوجَدُ تَامَّةً فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ! فَإِنْ لَمْ يَكُنِ الإِنْسَانُ كَذَلِكَ؛ فَلْيُعْرِضْ عَنْهُمَا فَرْضًا حَتْمًا لَا شَكَّ وَلَا إِشْكَالَ فِيهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى مِنْهُمَا فَهُوَ إِمَّا زِنْدِيقٌ، وَإِمَّا مَجْنُونٌ لِأَجْلِ صُعُوبَةِ فَهْمِهِمَا! فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، كَمْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ شَرْعًا وَقَدَرًا، خَلْقًا وَأَمْرًا، فِي رَدِّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى بَلَغَتْ إِلَى حَدِّ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ.»**
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمُفْرَدَاتُ
 1. **الشُّبْهَةِ:** لُغَةً: الِالْتِبَاسُ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُشَابَهَتِهَا لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِرِ مَعَ كَوْنِهَا بَاطِلَةً فِي الْبَاطِنِ (1).
 2. **الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ:** اصْطِلَاحًا: هُوَ مَنْ حَازَ مَلَكَةً يَسْتَنْبِطُ بِهَا الأَحْكَامَ مِنَ الأَدِلَّةِ دُونَ تَقْلِيدٍ لِأَحَدٍ. وَقَصَدَ الْمُصَنِّفُ هُنَا تَعْجِيزَ النَّاسِ بِشُرُوطٍ تَعَسُّفِيَّةٍ وُضِعَتْ لِصَرْفِهِمْ عَنِ الْوَحْيِ (2).
 3. **فَرْضًا حَتْمًا:** (الْحَتْمُ) هُوَ الْإِيجَابُ الَّذِي لَا رُخْصَةَ فِيهِ، وَأَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ (3).
 4. **زِنْدِيقٌ:** كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ، تطلقُ على مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ، أَوْ مَنْ يَمْرُقُ مِنَ الدِّينِ (4).
 5. **شَتَّى:** جَمْعُ (شَتِيتٍ) وَهُوَ الْمُتَفَرِّقُ، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيلُهَا.
ثَالِثًا: التَّحْقِيقُ الإِعْرَابِيُّ وَالدَّقَائِقُ النَّحْوِيَّةُ
رَدُّ الشُّبْهَةِ: (رَدُّ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مُضَافٌ لِمَفْعُولِهِ.
 بِكَذَا وَكَذَا أَوْصَافًا:
 (بِكَذَا): جَارٌّ وَمَجْرُورٌ، وَ(كَذَا) كِنَايَةٌ عَنِ الْعَدَدِ أَوِ الْوَصْفِ الْمُبْهَمِ.
   (أَوْصَافًا): تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ بِالْفَتْحَةِ لِاسْمِ الْكِنَايَةِ (كَذَا).
 فَلْيُعْرِضْ عَنْهُمَا:
   * (**الْفَاءُ**): وَاقِعَةٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ (إِنْ لَمْ يَكُنْ).
   * (**اللَّامُ**): لَامُ الأَمْرِ، (يُعْرِضْ): فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ بِاللَّامِ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ.
 * **فَسُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ:** (سُبْحَانَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، (وَبِحَمْدِهِ) الْوَاوُ لِلْحَالِ، أَيْ: أُسَبِّحُ اللَّهَ "مُتَلَبِّسًا بِحَمْدِهِ".
 * **كَمْ بَيَّنَ اللَّهُ:** (كَمْ) هُنَا خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ، مَبْنِيَّةٌ فِي مَحَلِّ نَصْبِ مَفْعُولٍ مُطْلَقٍ مُقَدَّمٍ لِلْفِعْلِ (بَيَّنَ).
### **رَابِعًا: مُقَابَلَةُ النُّسَخِ وَالْمُلَاحَظَاتِ التَّحْقِيقِيَّةِ**
 1. **فِي نُسْخَةِ (أ):** "رَدُّ الشُّبْهَةِ الْمَلْعُونَةِ"، بَيْنَمَا فِي نُسْخَةِ (ج): "رَدُّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ". وَالْمُخْتَارُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا لِقُوَّةِ اللَّفْظِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى الشَّيْطَانِ.
 2. **ذِكْرُ (أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ):** جَاءَتْ في كُلِّ النُّسَخِ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ لِبَيَانِ اسْتِحَالَةِ تَحَقُّقِ تِلْكَ الشُّرُوطِ الْمُبْتَدَعَةِ، وَقَدْ صُرِفَ (عُمَرَ) فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ لِلضَّرُورَةِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ مَنْعُهُ مِنَ الصَّرْفِ كَمَا أَثْبَتْنَاهُ.
 3. **لَفْظُ "خَلْقًا وَأَمْرًا":** هَذِهِ الإِضَافَةُ الْبَيَانِيَّةُ سَقَطَتْ مِنْ نُسْخَةِ (د)، لَكِنَّهَا ثَابِتَةٌ فِي "الـدُّرَرِ السَّنِيَّةِ"، وَهِيَ تُؤَكِّدُ شُمُولِيَّةَ الْبَيَانِ الإِلَهِيِّ.
---------------------
حَاشِيَةُ
(1) **[مقاييس اللغة]** لابن فارس (3/243). مادة (شبه).
(2) **[إعلام الموقعين]** لابن القيم (4/160)، حَيْثُ نَاقَشَ تَعَسُّفَ شُرُوطِ الِاجْتِهَادِ.
(3) **[القاموس المحيط]** مادة (حتم).
(4) **[المصباح المنير]** للفيومي، مادة (زندق).
**مَا تَمَّ فِيهِ التَّحْقِيقُ:**
 1. تَوْجِيهُ (كَمْ) الْخَبَرِيَّةِ لِإِظْهَارِ كَثْرَةِ الأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
 2. ضَبْطُ تَمْيِيزِ (كَذَا) لِتَصْحِيحِ الْقِرَاءَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ.
 3. إِثْبَاتُ "الْمَلْعُونَةِ" نَعْتًا لِلشُّبْهَةِ لِبَيَانِ خُطُورَتِهَا عَلَى مَصَادِرِ التَّلَقِّي.
**بِهَذَا تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ "الْعِقْدُ الْفَرِيدُ" فِي تَحْقِيقِ وَتَشْرِيحِ "الأُصُولِ السِّتَّةِ" لُغَوِيًّا وَإِعْرَابِيًّا.**

-------------------------------



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق