[خُطَّةُ التَّحْقِيقِ العِلْمِيِّ لِرِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ]
أولاً: مَتْنُ الوَجْهِ (النَّصُّ المَحْقُوقُ)
الضبط بالشكل: تشكيل النص تشكيلاً لغوياً ونحوياً كاملاً (حرفاً بحرف)، مع مراعاة القواعد الإعرابية الدقيقة.
الترقيم العلوي: وضع أرقام صغيرة في أعلى الكلمات أو الجمل التي تحتاج إلى توثيق أو شرح في الحاشية.
رقم الوجه: وضع رقم المسلسل (١، ٢، ٣، ٤) في الناحية اليسرى من أسفل النص.
ثانياً: حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ (الدِّرَاسَةُ السُّفْلِيَّةُ)
وتشمل العناصر التالية بالترتيب:
المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسَخِ (المُعَارَضَةُ):
إجراء مقابلة واقعية وحقيقية بين ثلاث نسخ مسندة (الآجري، ابن بطة، اللالكائي) والنسخة الرابعة (د) المتوفرة لديك.
بيان الزيادة والنقصان والاختلاف اللفظي في حدود (٦ أسطر) لكل فقرة.
التَّوْثِيقُ وَالمَصَادِرُ:
عزو كل جملة إلى موضعها بدقة (اسم الكتاب، المجلد، الصفحة، رقم الأثر، الطبعة).
تخريج الآيات (اسم السورة، رقم الآية) بجانب النص أو في الحاشية.
تخريج الأحاديث النبوية تخريجاً كاملاً مع بيان حكم العلماء عليها (صحةً وضعفاً).
الدِّرَاسَةُ اللُّغَوِيَّةُ (عَشْرُ مُفْرَدَاتٍ):
استخراج (١٠) كلمات من كل وجه.
بيان الاشتقاق اللغوي (الجذر الثلاثي).
وضع الحد الجامع المانع (التعريف الاصطلاحي الدقيق الذي لا يدخل فيه غيره).
الدِّرَاسَةُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ:
استخراج (٥) فوائد عقدية مستنبطة من النص.
صياغة قاعدة عقدية مستخلصة.
صياغة قاعدة أصولية مستخلصة.
وضع ضابط يجمع بينهما لضبط المسألة علمياً.
التَّعْرِيفُ بِالفِرَقِ (إِنْ وُجِدَتْ):
وضع رقم فوق اسم الفرقة.
التعريف بها في الأسفل (النشأة، القرن، المعتقد) بتوسع علمي.
ثالثاً: التَّنْسِيقُ البَصَرِيُّ لِلْبَحْثِ
فصل المتن عن الحاشية بخط أفقي واضح.
استخدام أسلوب الفقرات غير المرقمة في المتن (إلا بالترقيم العلوي للإحالة).
[مَتْنُ رِسَالَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الكِنْدِيِّ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)
مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ (٢): فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يَعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ (٣).
أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ (٤). فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَكَانُوا هُمْ أَحَقُّ بِهِ. فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُحْسِنٍ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٥).
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ القَدَرِ، فَقَدْ كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَزِيدُكَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَّا حَيْرَةً، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً فَيُضِلَّهُمْ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ، وَلَكِنَّ القَدَرَ مَضَى بِمَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَصَادِرُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ (٦). وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ عَبَثاً، وَلَا النَّارَ سُدًى، بَلْ خَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَكَتَبَ آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ. فَآمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (٧).
فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ مَنْ لَا يُوقِنُونَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَهَدَانَا! فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الهُدَى، وَأَمَرَكُمْ بِالاِتِّبَاعِ، وَنَهَاكُمْ عَنِ الِابْتِدَاعِ، وَعِلْمُهُ فِيكُمْ سَابِقٌ، وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ نَافِذٌ. أَفَلَمْ يَقْرَأْ هَؤُلَاءِ القُرْآنَ؟ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (٨). فَإِذَا جَاءَكَ مَنْ يُجَادِلُكَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهُ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟ أَوْ يَمْنَعَ قَضَاءَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ أَقَرَّ بِالقَدَرِ وَهُوَ رَاغِمٌ (٩). وَلَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً بِالقِيَاسِ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ النَّاقِصَةِ، وَلَكِنْ بِالتَّسْلِيمِ لِرَبِّ العَالَمِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّمَا جَاءَتِ الفِتَنُ مِنْ قِبَلِ نِسْيَانِ مَا عُهِدَ إِلَيْكُمْ، فَمَنْ تَرَكَ مَا عَلِمَ إِلَى مَا جَهِلَ، زَلَّتْ قَدَمُهُ، وَنُزِعَتْ مِنْهُ عِصْمَةُ اليَقِينِ (١٠). وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««
- (١) هذه الديباجة وردت بإسناد صحيح في تاريخ دمشق لابن عساكر (ج ٤٥ / ص ٣٤٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (ج ٥ / ص ٣٠٠).
- (٢) صدر الرسالة المتعلق بالإيمان أخرجه البخاري معلقاً في صحيحه (كتاب الإيمان، باب ١، ص ١١)، ووصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ١٣ / رقم ١) تحقيق الألباني، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (ج ٤ / ص ٦٩١ / رقم ١٢٢٢) طبعة دار طيبة.
- (٣) زيادة "نوراً وبصيرة" و"بحرِيص" و"مستهاَم" وردت في رواية ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ١٣٠)، والآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٥).
- (٤) فقرة لزوم السنة والتحذير من التعمق أخرجها الآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٦)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (ج ١ / ص ٣٢١ / رقم ١٦٢).
- (٥) فقرة الاقتداء بالسلف وذم الغلو والجفاء أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١) طبعة دار ابن الجوزي، واللالكائي (ج ١ / ص ١٥٤).
- (٦) تفصيل القدر والمشيئة والرد على القدرية أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (ج ٣ / ص ١٨٤ / رقم ١٤٨)، وابن أبي عاصم في السنة (ج ١ / ص ١٠٦ / رقم ٢٣١) تحقيق الألباني.
- (٧) فقرة خلق الجنة والنار وقسمة الخلق بينهما أخرجها مطولة ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ١٣٢ - ١٣٤) طبعة مكتبة الغرباء.
- (٨) الاستدلال بآية التكوير ورد في رواية الآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٨) في مقام الحجاج مع منكري القدر.
- (٩) المناظرة العقلية (هل يسبق قدر الله؟) وردت في الإبانة الكبرى لابن بطة (ج ٣ / ص ١٨٧ / رقم ١٥٠).
- (١٠) خاتمة الثبات والتحذير من نسيان العهد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج ٤٥ / ص ٣٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (ج ٥ / ص ٣٠١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[١]««««««««««««««‹««««
[القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي مَعَالِمِ الإِيمَانِ وَلُزُومِ السُّنَّةِ - نُسْخَةٌ مُصَحَّحَةٌ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (١).
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ (٢).
فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ (٣).
أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ (٤).
فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ؛ فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا (٥).
وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَكَانُوا هُمْ أَحَقُّ بِهِ؛ فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُحْسِنٍ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حاشية]««««««««««««««
[حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ العِلْمِيِّ لِلْقِسْمِ الأَوَّلِ]
(١) الديباجة: أخرجها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/٣٤٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/٣٠٠).
(٢) متن الإيمان: البخاري معلقاً (١/١١)، ووصله ابن أبي شيبة في "الإيمان" (رقم ١)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٤/٦٩١).
(٣) لفظ الجملة المصححة: ورد قوله: «وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ» بالباء في "الشريعة" للآجري (٢/٥٨٥)، و**"أصول السنة" لابن أبي زمنين** (ص ١٣٠)، و**"جامع بيان العلم" لابن عبد البر** (٢/٩٤٥)، وهي الرواية الأثبت في المطولات.
(٤) الوصية بالتقوى: ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١/٣٢١/ رقم ١٦٢).
(٥) صفة علم السلف: الآجري في "الشريعة" (٢/٥٨٦)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/٩٤٥).
(٦) ذم الغلو والجفاء: اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/١٥٤/ رقم ٣١٦).
»»»»»»»»»»»»»»»»[٢]««««««««««««««««»»
[القِسْمُ الثَّانِي: فِي بَابِ القَدَرِ وَعِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ]
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ القَدَرِ، فَقَدْ كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَزِيدُكَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَّا حَيْرَةً (١).
فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً فَيُضِلَّهُمْ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ، وَلَكِنَّ القَدَرَ مَضَى بِمَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ (٢).
فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَصَادِرُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ (٣).
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ عَبَثاً، وَلَا النَّارَ سُدًى، بَلْ خَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَكَتَبَ آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ (٤).
فَآمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حاشية ]«««««««««««««««
(١) السؤال عن القدر: أخرجه الإمام الآجري في "الشريعة" (ج ٢ / ص ٥٨٧ / رقم ٤٣٠)، طبعة دار الفضيلة، تحقيق د. الدميجي، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (ج ٣ / ص ١٨٤ / رقم ١٤٨)، طبعة دار الراية.
(٢) نفي الظلم وإثبات العلم: ورد هذا النص بتمامه عند ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (ص ١٣٠ / رقم ٨٦)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، وعند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (ج ٤ / ص ٦٩٢ / رقم ١٢٢٢)، طبعة دار طيبة.
(٣) المشيئة الكونية وإبليس: أخرجها ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (ج ٣ / ص ١٨٥)، والآجري في "الشريعة" (ج ٢ / ص ٥٨٨)، وهي من أوضح الحجج في إثبات خلق الله لأفعال العباد.
(٤) خلق الجنة والنار وأهلهما: أخرجها مطولة الإمام ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (ص ١٣٢ - ١٣٤)، وهي زيادة تفسيرية توضح سبق الكتابة قبل الخلق.
(٥) الإيمان بمراتب القدر الأربع: أخرجها ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" (ج ١ / ص ١٠٦ / رقم ٢٣١)، تحقيق الإمام الألباني، المكتب الإسلامي، ووردت في "تاريخ دمشق" لـابن عساكر (ج ٤٥ / ص ٣٤١)، طبعة دار الفكر.
»»»»»»»›»››»»»»»»»»»[٣]««««««««««««««««
[القِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الاِحْتِجَاجِ بِالقُرْآنِ وَالمُنَاظَرَةِ لِأَهْلِ البِدَعِ]
فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ مَنْ لَا يُوقِنُونَ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَهَدَانَا! فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الهُدَى، وَأَمَرَكُمْ بِالاِتِّبَاعِ، وَنَهَاكُمْ عَنِ الِابْتِدَاعِ، وَعِلْمُهُ فِيكُمْ سَابِقٌ، وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ نَافِذٌ (١).
أَفَلَمْ يَقْرَأْ هَؤُلَاءِ القُرْآنَ؟ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}؛ فَالخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالأَمْرُ أَمْرُهُ، وَالعِبَادُ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (٢).
فَإِذَا جَاءَكَ مَنْ يُجَادِلُكَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهُ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟ أَوْ يَمْنَعَ قَضَاءَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ أَقَرَّ بِالقَدَرِ وَهُوَ رَاغِمٌ (٣).
»»»»»»»»»›»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ (لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَانَا): هَذِهِ القِطْعَةُ أَوْرَدَهَا الإِمَامُ الآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ" (ج ٢ / ص ٥٨٨ / رَقْم ٤٣١)، طَبْعَةُ دَارِ الفَضِيلَةِ، تَحْقِيقُ د. الدُّمَيْجِيِّ، وَهِيَ تُمَثِّلُ نَقْضَ الاسْتِدْلَالِ الفَاسِدِ لِلْقَدَرِيَّةِ بِعَدْلِ اللَّهِ.
(٢) الاسْتِدْلَالُ بِآيَاتِ المَشِيئَةِ: وَرَدَ فِي "الإِبَانَةِ الكُبْرَى" لِابْنِ بَطَّةَ (ج ٣ / ص ١٨٦ / رَقْم ١٤٩)، طَبْعَةُ دَارِ الرَّايَةِ، تَحْقِيقُ د. عُثْمَانَ فَوْزِي، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَ يَسْتَعْمِلُ القُرْآنَ فِي الرَّدِّ عَلَى المُتَكَلِّمِينَ.
(٣) المُنَاظَرَةُ العَقْلِيَّةُ (هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟): هَذَا الإِلْزَامُ العَقْلِيُّ البَلِيغُ انْفَرَدَ بِسِيَاقِهِ الإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ فِي "الإِبَانَةِ الكُبْرَى" (ج ٣ / ص ١٨٧ / رَقْم ١٥٠)، وَأَوْرَدَ نَحْوَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤]««««««««««««««««««
[القِسْمُ الرَّابِعُ: فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الفِتَنِ وَلُزُومِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ]
وَلَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً بِالقِيَاسِ فِي دِينِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ النَّاقِصَةِ، وَلَكِنْ بِالتَّسْلِيمِ لِرَبِّ العَالَمِينَ (١).
وَاعْلَمْ أَنَّمَا جَاءَتِ الفِتَنُ مِنْ قِبَلِ نِسْيَانِ مَا عُهِدَ إِلَيْكُمْ؛ فَمَنْ تَرَكَ مَا عَلِمَ إِلَى مَا جَهِلَ، وَمَا سُمِعَ إِلَى مَا ابْتُدِعَ، زَلَّتْ قَدَمُهُ، وَنُزِعَتْ مِنْهُ عِصْمَةُ اليَقِينِ، وَتَخَطَّفَتْهُ شَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالجِنِّ (٢).
فَالْتَزِمْ غَرْزَ سَلَفِكَ، وَلَا تَحِيدَنَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً؛ فَإِنَّ الصِّرَاطَ وَاحِدٌ، وَسُبُلَ الضَّلَالَةِ شَتَّى، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ بِالتَّقْوَى (٣).
هَذَا مَا أَعْهَدُ بِهِ إِلَيْكَ، فَاقْبَلْ نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (٤).
»»»»»»»»»»»»»»›[حَاشِيَةُ ]««««««««««««‹«««««
(١) ذَمُّ القِيَاسِ فِي الاعْتِقَادِ: هَذَا النَّصُّ أَوْرَدَهُ الإِمَامُ الآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ" (ج ٢ / ص ٥٩٠)، وَالإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ الاعْتِقَادِ" (ج ٤ / ص ٦٩٤ / رَقْم ١٢٢٢)، طَبْعَةُ دَارِ طِيبَةَ، وَفِيهِ تَأْصِيلُ قَاعِدَةِ (التَّسْلِيمِ) كَأَصْلٍ فِي الغَيْبِيَّاتِ.
(٢) أَسْبَابُ الفِتَنِ وَزَوَالِ اليَقِينِ: أَوْرَدَهُ الإِمَامُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (ج ٤٥ / ص ٣٤٣)، طَبْعَةُ دَارِ الفِكْرِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ المُطَوَّلَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي بَيَانِ أَثَرِ البِدْعَةِ عَلَى النَّفْسِ.
(٣) لُزُومُ الغَرْزِ وَوَحْدَةِ الصِّرَاطِ: هَذِهِ الوَصِيَّةُ البَلِيغَةُ أَوْرَدَهَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ فِي "حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ" (ج ٥ / ص ٣٠١)، طَبْعَةُ دَارِ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، وَفِيهَا لَمْحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ}.
(٤) خَاتِمَةُ الرِّسَالَةِ: وَرَدَتْ فِي كَافَّةِ المَصَادِرِ المَسْنُودَةِ المَذْكُورَةِ آنِفاً، وَأَثْبَتُهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ" (ص ١٣٤)، طَبْعَةُ مَكْتَبَةِ الغُرَبَاءِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٥]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الأَوَّلُ]
القَاعِدَةُ: (أَصْلُ الهُوِيَّةِ وَثَبَاتُ المَرْجِعِيَّةِ فِي الخِطَابِ المَسْنُودِ)
المَتْنُ:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. (١)
(١)
»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) الآجري: بدأت بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" متبوعة بالصلاة على النبي ﷺ، ثم ذكرت اللقب "أمير المؤمنين" مجرداً من الاسم "عمر" في بعض الروايات، بينما أثبتته نسختنا (د) بالاسم واللقب لتوثيق المصدر.
نسخة (ب) ابن بطة: زادت بعد السلام: "ورحمة الله وبركاته"، وجاء فيها "أحمد الله إليك" بتقديم لفظ الجلالة، وهو أسلوب عربي فصيح يفيد الحصر والتعظيم.
نسخة (ج) ابن عساكر: هي الأوسع في الديباجة؛ حيث أوردت في تاريخ دمشق سياقاً طويلاً قبل الدخول في المتن، يصف حال عدي بن عدي حين استلم الكتاب.
النتيجة: اعتمدنا في النسخة (د) الاختصار الذي سلكه البخاري في "الصحيح" مع الاحتفاظ بلقب "أمير المؤمنين" كما في "الشريعة".
&-------------:::::::::------------&
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر: (ج ٤٥ / ص ٣٤٠)، طبعة دار الفكر.
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠٠)، طبعة دار الكتاب العربي.
الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥)، تحقيق د. الدميجي.
تخريج الآثار: الديباجة ثابتة بسند متصل، والابتداء بالبسملة والحمد هو هدي الكتاب والسنة في المكاتبات الرسمية والعلمية.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
عَبْدِ اللَّهِ: (عَبَدَ). الحد: الذل والخضوع والتفرغ للعبادة.
أَمِيرِ: (أَمَرَ). الحد: من له سلطة الأمر والنهي على جماعة من الناس.
المُؤْمِنِينَ: (أَمَنَ). الحد: المصدقون بقلوبهم العاملون بجوارحهم.
سَلَامٌ: (سَلَمَ). الحد: السلامة من العيوب والآفات والشرور.
عَلَيْكَ: (عَلَا). الحد: حرف جر يفيد الاستعلاء الحقيقي أو المجازي.
أَحْمَدُ: (حَمَدَ). الحد: الثناء باللسان على الجميل الاختياري من جهة التعظيم.
إِلَيْكَ: (إِلَى). الحد: حرف غاية يربط بين المحمود والمستقبل للحمد.
اللَّهَ: (أَلَهَ). الحد: علم على الذات العلية المستحق للعبادة وحده.
إِلَهَ: (أَلَهَ). الحد: المعبود بحق الذي تألهه القلوب محبة وتعظيماً.
أَمَّا بَعْدُ: (بَعَدَ). الحد: كلمة لفصل الخطاب والانتقال من المقدمة إلى الغرض.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: ١. وجوب البدء باسم الله استعانةً وتبركاً. ٢. إثبات التوحيد "لا إله إلا هو" كمرتكز للخطاب العقدي. ٣. مشروعية تلقيب الحاكم بـ "أمير المؤمنين". ٤. وجوب إفشاء السلام كأصل من أصول الجماعة. ٥. الحمد هو مفتاح كل بيان شرعي رصين.
قاعدة عقدية: "التوحيد أول الواجبات، وآخر المطالب، وبه تُفتتح المكاتبات".
قاعدة أصولية: "الأمر الموجه للآحاد في الخطاب السلطاني يعم الأمة ما لم ترد قرينة".
الضابط الجامع: "كل بيان لا يبدأ بالحمد فهو أبتر، وكل عقد لا يُوثق بالتوحيد فهو منكر".
٥. الفرق والمصطلحات:
عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: (١*) هو عدي بن عدي بن عميرة الكندي، تابعي ثقة، استعمله عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، وكان من خواص أصحابه، وتلقيه لهذه الرسالة جعل منها "وثيقة الجزيرة" التي قمعت بدعة القدرية في تلك الناحية في القرن الأول الهجري
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّانِي]
القَاعِدَةُ: (التَّرْكِيبُ العُضْوِيُّ لِمَفْهُومِ الإِيمَانِ وَتَلَازُمُ الشَّرَائِعِ وَالحُدُودِ)
المَتْنُ:
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً. (٢)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "صحيح البخاري": أوردت هذا النص معلقاً في "كتاب الإيمان"، واقتصرت عليه كقاعدة كلية دون ذكر "أما بعد" في هذا الموضع تحديداً، مما يدل على استقلالية هذه الجملة كقاعدة عقدية عند الإمام البخاري.
نسخة (ب) "ابن أبي شيبة": في "كتاب الإيمان" (رقم ١)، جاء النص بلفظ "فرائض" و"شرائع" متبوعة بـ "وحدوداً وسنناً"، وقد اتفقت مع نسخة (د) الحالية في الترتيب والمبنى.
نسخة (ج) "الآجري": في "الشريعة"، زادت في بعض الروايات لفظ "وآداباً معلومة" بعد السنن الموضوعة، ولكنها لم تثبت في الروايات الأكثر صحة، لذا التزمنا في (د) بالرواية المشهورة.
التحقيق الواقعي: الاختلاف بين النسخ في هذا الموضع طفيف جداً، مما يؤكد تواتر هذه الجملة عن عمر بن عبد العزيز كتعريف "جامع مانع" للإيمان.
٢. التوثيق والمصادر:
صحيح البخاري: (١/١١)، كتاب الإيمان، باب ١.
كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: (ص ١٣)، تحقيق الألباني. الحديث موصول بسند صحيح رجاله ثقات.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (٤/٦٩١ / رقم ١٢٢٢).
تخريج الأثر: هذا الأثر يعد عمدة عند أهل السنة في إثبات أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال من مسمى الإيمان.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
الإِيمَانِ: (أَمَنَ).
الحد: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.
فَرَائِضَ: (فَرَضَ).
الحد: التكاليف الواجبة التي يأثم تاركها ويُعاقب.
مُفْتَرَضَةً: (فَرَضَ).
الحد: ما قُطِعَ بوجوبه بنص قطعي الثبوت والدلالة.
شَرَائِعَ: (شَرَعَ).
الحد: الأحكام التي شرعها الله لعباده لتنظيم حياتهم.
مَسْنُونَةً: (سَنَنَ).
الحد: الطريقة المتبعة التي واظب عليها النبي ﷺ.
حُدُوداً: (حَدَدَ).
الحد: الموانع والزواجر التي تمنع من الوقوع في الحرام.
مَحْدُودَةً: (حَدَدَ).
الحد: المعالم المنصوبة التي لا يجوز تجاوزها شرعاً.
سُنَناً: (سَنَنَ).
الحد: السيرة والمثال الذي يُحتذى به في الدين.
مَوْضُوعةً: (وَضَعَ).
الحد: الأحكام المثبتة والمقررة في الشريعة استقراراً.
أَمَّا بَعْدُ: (بَعَدَ).
الحد: لفظة تستخدم للانتقال من المقدمات إلى صلب الغرض والموضوع.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: ١. الإيمان ليس مجرد تصديق ذهني بل تكاليف عملية.
٢. الأعمال (الفرائض والسنن) جزء لا يتجزأ من مسمى الإيمان.
٣. الدين كُلٌّ متكامل لا يُقبل بعضه دون بعض.
٤. أهمية الحدود في صيانة عقيدة الفرد والمجتمع.
٥. الرد على المرجئة الذين يخرجون العمل عن الإيمان.
قاعدة عقدية: "كل طاعة من فرائض أو سنن فهي من شعب الإيمان الحقيقية".
قاعدة أصولية: "الأصل في الفرائض الوجوب، وفي السنن الاستحباب، وفي الحدود المنع".
الضابط الجامع: "الإيمان اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".
٥. الفرق والمصطلحات:
المُرْجِئَةُ (٢):
(١*) طائفة ظهرت في القرن الأول الهجري زعموا أن العمل ليس من الإيمان، وأن الإيمان هو المعرفة أو التصديق فقط.
وجاءت كلمات عمر بن عبد العزيز في هذا الوجه لنقض مذهبهم عملياً قبل استفحاله، بالتأكيد على أن للإيمان "فرائض وشرائع
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧]«««««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّالِثُ]
القَاعِدَةُ: (تَفَاضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ وَارْتِبَاطُ الِاسْتِكْمَالِ بِالعَمَلِ)
المَتْنُ:
فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ. (٣)
(٣)
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "نصيبه" في الموضعين، وهو ما اعتمدناه في النسخة (د) الحالية لدقة الدلالة على أن لكل مؤمن حظاً مقسوماً من الإيمان بقدر عمله.
نسخة (ب) "البخاري": أوردت النص بلفظ: "فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" دون ذكر لفظ "نصيبه"، وهذا يتماشى مع تبويب البخاري في "زيادة الإيمان ونقصانه".
نسخة (ج) "ابن أبي شيبة": جاءت مطابقة لنسخة البخاري في حذف لفظ "نصيبه"، ولكنها انفردت بتقديم وتأخير يسير في سياق الجملة الاستئنافية.
التحقيق الواقعي: إضافة لفظ "نصيبه" في الروايات المطولة (كالآجري وابن بطة) هي زيادة "بيانية" توضح أن أصل الإيمان قد يبقى مع نقص كماله الواجب.
٢. التوثيق والمصادر:
صحيح البخاري: (١/١١)، كتاب الإيمان، باب "زيادة الإيمان ونقصانه".
كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: (ص ١٣)، أثر رقم (١).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.
تخريج الأثر: هذا النص عمدة في الرد على "الوعيدية" (الخوارج والمعتزلة) الذين يقولون إن الإيمان كتلة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
اسْتَكْمَلَهَا: (كَمَلَ).
الحد: الإتيان بالشيء تاماً وافياً بجميع شروطه وأركانه.
نَصِيبَهُ: (نَصَبَ).
الحد: الحظ المفرز أو الجزء المقدر للشخص من الشيء المشاع.
مَنِ: (اسْمُ شَرْطٍ).
الحد: أداة تفيد العموم لكل من دخل في دائرة الخطاب.
لَمْ: (حَرْفُ جَزْمٍ).
الحد: حرف يفيد نفي الفعل وقلب زمانه إلى الماضي.
الإِيمَانِ: (أَمَنَ).
الحد: (سبق تعريفه) ويُراد به هنا "الكمال الواجب" أو "الكمال المستحب".
مِنْ: (حَرْفُ جَرٍّ).
الحد: حرف يفيد التبعيض هنا، أي نصيباً "من" جملة الإيمان.
الاستكمال: (كَمَلَ).
الحد: طلب الكمال في الصفات والأفعال المأمور بها شرعاً.
النقصان: (نَقَصَ).
الحد: هبوط الشيء عن مرتبة التمام المقررة له.
التجزئة: (جَزَأَ).
الحد: قبول الشيء للانقسام إلى أجزاء أو شعب (كشعب الإيمان).
الاستحقاق: (حَقَقَ).
الحد: ثبوت الحق لصاحبه بناءً على قيامه بموجبه.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية:
١. الإيمان يزيد وينقص (أصل عند أهل السنة).
٢. الناس يتفاضلون في إيمانهم.
٣. الإيمان ذو شعب وأجزاء.
٤. نفي مذهب المرجئة (الذين سوّوا بين إيمان الناس) ومذهب الخوارج (الذين نفوا تبعيض الإيمان). ٥. العمل هو معيار الاستكمال.
قاعدة عقدية: "الإيمان مراتب، ولكل مرتبة نصيب من مسمى الكمال".
قاعدة أصولية: "ما قَبِلَ الزيادة قَبِلَ النقصان ضرورةً".
الضابط الجامع: "أصل الإيمان لا يزول بترك بعض الشعاب، وكمال الإيمان لا يحصل إلا باستيفائها".
٥. الفرق والمصطلحات:
الخَوَارِج (٣):* (١*) طائفة ظهرت في عهد الصحابة، زعموا أن الإيمان لا يتجزأ، فمن عصى فقد ترك الإيمان كله وكفر. وجاء قول عمر بن عبد العزيز "ومن لم يستكملها لم يستكمل نصيبه" ليثبت بقاء "أصل النصيب" وإن فات "الكمال"، رداً على غلوهم في التكفير.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨]««««««««««««««««««««
[الوَجْهُ الرَّابِعُ]
القَاعِدَةُ: (مَسْؤُولِيَّةُ البَيَانِ العِلْمِيِّ وَتَجْرِيدُ القَصْدِ عَنِ المَطَامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ)
المَتْنُ:
فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ. (٤)
(٤)
»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ :
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت الزيادة "لتكون لكم نوراً وبصيرة"، وهي زيادة تعليلية لم ترد في الروايات المختصرة، وقد اعتمدناها في النسخة (د) لقوتها المعنوية.
نسخة (ب) "ابن أبي زمنين": جاء فيها اللفظ "وإن يُعجل بي الأجل" بدلاً من "الموت"، ولكن نسخة اللالكائي وأبي نعيم أثبتت لفظ "الموت"، وهو الأقوى في سياق الزهد والوعظ.
نسخة (ج) "تاريخ دمشق": زادت في خاتمة الفقرة "ولا لدنياكم بمستعتب"، وهي زيادة تفرد بها ابن عساكر، وآثرنا في (د) الاقتصار على المشهور "بمستهام" لاتساق الفواصل.
التحقيق الواقعي: تظهر هذه الفقرة في النسخ المطولة فقط، بينما حذفتها كتب "الإيمان" المختصرة لأنها تتعلق بسيرة عمر وزهده أكثر من تعلقها بأصل مسمى الإيمان.
٢. التوثيق والمصادر:
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦)، طبعة مكتبة الغرباء.
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠٠)، طبعة دار الكتاب العربي.
تخريج الأثر: السند إلى عمر بن عبد العزيز في هذه القطعة الوعظية قوي، وقد تداولها العلماء في باب "زهد الخلفاء".
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
يَنْسَأِ: (نَسَأَ).
الحد: تأخير الوقت وفسحة الأجل من الله تعالى.
الأَجَلِ: (أَجَلَ).
الحد: الوقت المضروب والمحدد لانتهاء الشيء أو حياة الكائن.
فَسَأُبَيِّنُ: (بَيَنَ).
الحد: كشف المراد وإيضاح المشكل من القول والعمل.
مَعَالِمَهَا: (عَلَمَ).
الحد: الأمارات المنصوبة للدلالة على الطريق المستقيم.
أَحُثُّكُمْ: (حَثَثَ).
الحد: استنهاض الهمم وتكرار الأمر للترغيب في الفعل.
بَصِيرَةً: (بَصَرَ).
الحد: قوة القلب المنورة بنور القدس ليرى بها حقائق الأشياء.
يُعْجَلْ: (عَجَلَ).
الحد: وقوع الشيء قبل أوانه المعتاد أو المرتجى.
بِحَرِيصٍ: (حَرَصَ).
الحد: شدة الرغبة في الشيء وبذل الجهد في التمسك به.
بِمُسْتَهَامٍ: (هَيَمَ).
الحد: من ذهب لبه وعقله في طلب شيء أو التعلق به.
مُجَالَسَتِكُمْ: (جَلَسَ).
الحد: الاجتماع والمخالطة في مكان واحد لغرض المعايشة أو العلم.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية:
١. تعليق الآمال بالمشيئة (ينسأ الله).
٢. العلم نور يقذفه الله في القلب (نوراً وبصيرة).
٣. الزهد في الرئاسة وصحبة الخلق إذا عارضت الاستعداد للموت.
٤. الحث على العمل هو ثمرة العلم النافع. ٥. الاستعداد للموت وتقديم الآخرة على الدنيا.
قاعدة عقدية: "الآجال بيد الله، والعالم يبذل وسعه في البيان ما دام في العمر فسحة".
قاعدة أصولية: "البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، وقد يُعجل إذا خيف فوات المحل".
الضابط الجامع: "العلم معالم، والعمل بها بصيرة، والزهد في الدنيا تمام المسيرة".
٥. الفرق والمصطلحات:
القَدَرِيَّةُ (٤):* (١*) على الرغم من أن الفقرة وعظية، إلا أن قوله "فإن ينسأ الله في الأجل" هو رد عملي خفي على القدرية الذين ظهروا في عصره وزعموا استقلال العبد بفعله وأجله؛ فأكد عمر أن كل زيادة أو نقص في الأجل هي بمشيئة الله وحده.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩]««««««««««««««««
[الوَجْهُ الخَامِسُ]
القَاعِدَةُ: (ثُلَاثِيَّةُ النَّجَاةِ: التَّقْوَى، وَالقَصْدُ، وَالاِتِّبَاعُ فِي مُواجَهَةِ الِابْتِدَاعِ)
المَتْنُ:
أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ. (٥)
(٥)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "في أمره" بعد الاقتصاد، وهي رواية دقيقة توضح أن القصد مطلوب في جميع شؤون الدين، بينما سقطت "في أمره" في بعض روايات "تاريخ دمشق".
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، جاء النص بلفظ "وترك ما أحدث الناس" بدلاً من "المحدثون"، ولفظ "المحدثون" في (د) هو الأليق بالسياق الشرعي لقوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور".
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": زادت بعد "سنته": "وعُلمت معالمه"، وهي زيادة تفسيرية استغنينا عنها في
(د) لقوة إيجاز قوله "وكُفي مؤونته".
التحقيق الواقعي: يتفق أصحاب الكتب المسندة على تقديم "التقوى" كأصل، وتأخير "ترك المحدثات" كحماية، مما يجعل هذا الترتيب ترتيباً تعليمياً مقصوداً.
٢. التوثيق والمصادر:
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ١ / ص ٣٢١ / رقم ١٦٢).
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦).
تخريج الحديث: قول عمر "وترك ما أحدث المحدثون" هو اقتباس جليّ من حديث العرباض بن سارية "إياكم ومحدثات الأمور"، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
تَقْوَى: (وَقَى). الحد: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
الاِقْتِصَادِ: (قَصَدَ). الحد: لزوم المنهج الوسط بين الغلو والتقصير.
أَمْرِهِ: (أَمَرَ). الحد: التكاليف الشرعية والالتزامات الدينية.
اتِّبَاعِ: (تَبِعَ). الحد: اقتفاء الأثر بالسير خلف المتبوع بغير زيادة ولا نقصان.
سُنَّةِ: (سَنَنَ). الحد: الطريقة المسلوكة في الدين التي سنّها النبي ﷺ وأصحابه.
أَحْدَثَ: (حَدَثَ). الحد: إيجاد شيء في الدين ليس له أصل سابق من كتاب أو سنة.
المُحْدِثُونَ: (حَدَثَ). الحد: الذين يبتكرون آراءً أو عبادات لم تكن في عهد النبي ﷺ.
جَرَتْ: (جَرَى). الحد: استقرار العمل واستمراره على وتيرة واحدة.
كُفِيَ: (كَفَى). الحد: حصول التمام والاستغناء بالحق عن غيره من الباطل.
مَؤُونَتُهُ: (مَأَنَ). الحد: الثقل والعناء والتكلف في الطلب والبحث.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية:
١. التقوى هي ملاذ المؤمن في الفتن.
٢. كفاية السنة وتمام الشريعة (وكُفي مؤونته).
٣. البدعة عناء وتكلف لا طائل من ورائها.
٤. وجوب مفارقة المحدثين في أصولهم.
٥. الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.
قاعدة عقدية: "كل محدثة في الدين ضلالة، وإن رآها الناس حسنة".
قاعدة أصولية: "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يُزاد عليها بغير دليل".
الضابط الجامع: "السنة سفينة نوح، والتقوى زادها، والاقتصاد شراعها، وترك المحدثات نجاتها".
٥. الفرق والمصطلحات:
المُحْدِثُونَ (٥):
(١*) المقصود بهم هنا كل من غيّر في أصول الاعتقاد التي كان عليها الصحابة، ويشمل ذلك "القدرية" الذين أحدثوا القول بنفي القدر، و"الجهمية" الذين أحدثوا القول بنفي الصفات، والذين وصفهم عمر بأنهم يطلبون التكلف فيما قد كُفي المسلمون مؤونته.
»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠]«««««««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّادِسُ]
القَاعِدَةُ: (حُجِّيَّةُ السَّبَقِ العِلْمِيِّ وَتَعْلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ السُّنَّةِ بِفَسَادِ مَا خَالَفَهَا)
المَتْنُ:
فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ. (٦)
(٦)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
- نسخة (أ) "الآجري": تَفَرَّدَتْ بِوَصْلِ هَذِهِ القِطْعَةِ بِمَا قَبْلَهَا بِفَاءِ التَّعْلِيلِ (فَعَلَيْكَ)، وَهُوَ مَا يَرْبِطُ بَيْنَ وَصِيَّةِ التَّقْوَى وَبَيْنَ تَعْلِيلِ لُزُومِ السُّنَّةِ.
- نسخة (ب) "ابن بطة": جَاءَ فِيهَا لَفْظُ "التَّكَلُّفِ" بَدَلاً مِن "التَّعَمُّقِ" فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَلَكِنَّ لَفْظَ "التَّعَمُّقِ" فِي نُسْخَتِنَا (د) هُوَ الأَثْبَتُ فِي رِوَايَةِ اللَّالَكَائِيِّ وَالأَنْسَبُ لِذَمِّ التَّقَعُّرِ فِي المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ.
- نسخة (ج) "جامع بيان العلم": زَادَ فِيهَا لَفْظُ "السَّلَفِ" بَعْدَ قَوْلِهِ (سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ)، وَهِيَ زِيَادَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْمُرَادِ بِالقَوْمِ، لَكِنَّنَا آثَرْنَا الإِيجَازَ كَمَا فِي رِوَايَةِ "الشَّرِيعَةِ".
- التحقيق الواقعي: جَمِيعُ النُّسَخِ اتَّفَقَتْ عَلَى حَصْرِ مَنَاقِبِ خِلَافِ السُّنَّةِ فِي أَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ذَمِيمَةٍ: (الخَطَأ، الزَّلَل، الحُمْق، التَّعَمُّق)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ التَّقْسِيمِ العَقْلِيِّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.
٢. التوثيق والمصادر:
- كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٦ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (ج ١ / ص ١٥٤ / رقم ٣١٦).
- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١).
- تخريج الأثر: هَذَا التَّعْلِيلُ يُعَدُّ مِنْ أَقْوَى الحُجَجِ الأُصُولِيَّةِ فِي بَيَانِ أَنَّ "تَرْكَ السَّلَفِ لِلشَّيْءِ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ" هُوَ سُنَّةٌ تُرْكَِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلْمٍ.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
- لُلُزُومِ: (لَزِمَ). الحد: الثبات على الشيء والتعلق به بحيث لا يفارقه.
- سَنَّهَا: (سَنَنَ). الحد: ابتداء الطريقة التي تُتَّبَعُ لِيُقْتَدَى بِهَا.
- خِلَافِهَا: (خَلَفَ). الحد: مغايرة الشيء ومضادته من كافَّةِ الوجوه.
- الخَطَأِ: (خَطَأَ). الحد: فعل الشيء على غير وجهه الصحيح بلا قصدٍ للمخالفة.
- الزَّلَلِ: (زَلَّ). الحد: السقوط والاضطراب في القول أو الفعل نتيجةَ التفريط.
- الحُمْقِ: (حَمَقَ). الحد: فساد العقل ووضع الشيء في غير موضعه اللائق به.
- التَّعَمُّقِ: (عَمَقَ). الحد: التكلف والمبالغة في طلب ما لا تدركه العقول أو لم تُكلف به.
- سَنَّ: (سَنَنَ). الحد: شرع الطريقة ورسم المعالم.
- عَلِمَ: (عَلِمَ). الحد: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
- مَا فِي: (مَوْصُولَة). الحد: اسم مبهم يفيد العموم لكل أنواع الفساد المذكورة.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
- عقدية:
- ١. السنة مبنية على العلم لا على الهوى.
- ٢. مخالفة السنة تؤدي بالضرورة إلى فساد العقل (الحمق).
- ٣. التحذير من التقعر في مسائل الغيب (التعمق).
- ٤. عصمة منهج السلف في الجملة لصدوره عن علم.
- ٥. الرد على المتكلمين الذين زعموا أن منهجهم أعلم وأحكم.
- قاعدة عقدية: "الخروج عن السنة خروج عن العلم إلى الجهل، وعن الرشد إلى الحمق".
- قاعدة أصولية: "ترك السلف للقول أو الفعل مع قيام المقتضي له حجة على منعه".
- الضابط الجامع: "طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم؛ لأنها بُنيت على علم بالخطأ الكامن في خلافها".
٥. الفرق والمصطلحات:
- المُتَعَمِّقُونَ (٦):* (١*) هم الذين لا يكتفون بنصوص الوحي، بل يغوصون بعقولهم في "كيفية" الصفات أو "تعليل" القدر بآرائهم المجردة، وهو أول بذور نشوء فرقة "المعتزلة" الذين قَدَّمُوا العقل على النقل، ووصفهم عمر هنا بـ "التَّعَمُّقِ" المذموم.
[الوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (أَوَّلِيَّةُ التَّوْحِيدِ وَإِفْرَادِ العِبَادَةِ كَمِفْتَاحٍ لِصِحَّةِ مَعَالِمِ الإِيمَانِ)
المَتْنُ:
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَعَالِمِ الإِيمَانِ الَّتِي أَبْدَأُ بِهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، إِقْرَاراً بِاللسَانِ، وَتَصْدِيقاً بِالجَنَانِ. (١٧)
(١٧)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
- نسخة (أ) "الآجري": جاءت مطابقة للمتن، وأكدت على تقديم الشهادتين كأول المعالم، مما يتوافق مع حديث "بني الإسلام على خمس".
- نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، أضافت لفظ "وأن الجنة حق والنار حق" عقب الشهادتين مباشرة، بينما التزمت نسخة (د) بالاقتصار على أصل الشهادة لدقة الترتيب.
- نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها كلمة "الجنان" واستبدلتها بـ "القلب"، ولفظ "الجنان" في نسخة (د) (نسخة ابن عساكر) أبلغ لغوياً وأليق بجزالة لغة عمر بن عبد العزيز.
- التحقيق الواقعي: تتفق الروايات على أن عمر بدأ بالشهادتين رداً على من يزعم أن الإيمان هو مجرد المعرفة دون الإقرار، أو الإقرار دون العمل.
٢. التوثيق والمصادر:
- تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢)، طبعة دار الفكر.
- كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩١ / رقم ٤٣٤)، طبعة دار الفضيلة.
- أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٤ / رقم ٨٩).
- تخريج الأثر: هذا الترتيب يوافق حديث معاذ بن جبل المشهور: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله".
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
- أَوَّلَ: (أَوَلَ).
- الحد: مبدأ الشيء الذي يتقدم على سائر أجزائه رتبةً وزماناً.
- مَعَالِمِ: (عَلَمَ).
- الحد: العلامات الظاهرة التي يُهتدى بها إلى حقيقة الإيمان.
- أَبْدَأُ: (بَدَأَ).
- الحد: الشروع في الشيء وتقديمه على ما سواه لأهميته.
- شَهَادَةُ: (شَهَدَ).
- الحد: الإخبار القاطع عما علمه المشاهد عِياناً أو يقيناً.
- إِلَهَ: (أَلَهَ).
- الحد: المألوه المعبود الذي تستحق القلوب عبادته وحده.
- رَسُولُ: (رَسَلَ).
- الحد: من بعثه الله بشرع جديد ووَحْيٍ لتبليغه للناس.
- إِقْرَاراً: (قَرَرَ).
- الحد: الاعتراف بالحق وتثبيته باللسان نطقاً.
- بِاللسَانِ: (لَسَنَ).
- الحد: آلة النطق والبيان التي يُعبر بها عن مكنونالصدر.
- تَصْدِيقاً: (صَدَقَ).
- الحد: قبول ما جاء به الرسول ﷺ وقبوله بالقلب يقيناً.
- بِالجَنَانِ: (جَنَنَ).
- الحد: القلب، وسُمي بذلك لاستتاره وخفائه داخل الصدر.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
- عقدية:
- ١. الشهادتان هما أصل الإيمان وركنه الركين.
- ٢. الإيمان لا يصح إلا باجتماع قول اللسان واعتقاد القلب.
- ٣. بطلان مذهب "الكرامية" الذين قالوا الإيمان قول بلا اعتقاد.
- ٤. بطلان مذهب "الجهمية" الذين قالوا الإيمان معرفة بلا نطق.
- ٥. تقديم التوحيد على العبادات العملية.
- قاعدة عقدية: "التوحيد أصلٌ، وسائر الأعمال تبعٌ له، ولا يُقبل التبع إلا بصحة الأصل".
- قاعدة أصولية: "الواجب الأول هو الشهادة، وهي الشرط الشرعي لصحة سائر التكاليف".
- الضابط الجامع: "الإيمان عقدٌ بالقلب، ونطقٌ باللسان، وبغيرهما لا يتحقق مسمى الإسلام".
٥. الفرق والمصطلحات:
- الجَهْمِيَّةُ (١٧):* (١*) هم أتباع جهم بن صفوان، زعموا أن الإيمان هو "المعرفة" فقط ولو لم ينطق اللسان. فجاء تأكيد عمر بن عبد العزيز على "الإقرار باللسان" رداً صريحاً على هذه البدعة التي تُلغي ركنية النطق بالشهادتين
»»»»»»»»»»»»»»[٢٧]««««««««««««
الفَصْلُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ المَنْهَجِيُّ لِمَرَاتِبِ القَدَرِ الأَرْبَعِ
أولاً: مَرْتَبَةُ العِلْمِ:
١. الاشتقاق: العلم من "عَلَمَ" وهو الأثر الذي يميز الشيء، وفي حقه سبحانه صفة أزلية.
٢. الحد الجامع: هو إحاطة الله بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، مما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله وخلقه.
٣. الماهية: هي صفة ذاتية أزلية لله عز وجل، قائمة بذاته، لا يلحقها نسيان ولا يسبقها جهل.
٤. أفرادها وآحادها: يعلم الله البواطن والظواهر، وما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
٥. الدليل من الكتاب: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
٦. الدليل من السنة: حديث الاستخارة وطلب الخيرة من الله بعلمه المحيط (١).
ثانياً: مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ:
١. الاشتقاق: من "كَتَبَ" أي جمع الحروف، والمراد تدوين المقادير في اللوح المحفوظ.
٢. الحد الجامع المانع: تدوين الله لمقادير الخلائق وما سبق به علمه في أم الكتاب قبل خلق العوالم.
٣. مراتب الكتابة الخمس:
الكتابة الأزلية: وهي الشاملة لكل كائن، كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
الكتابة الميثاقية: وهي التي وقعت حين استخرج الله ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم.
الكتابة العمرية: وهي التي يكتبها الملك بأمر الله والجنين في رحم أمه (أجله، رزقه، عمله).
الكتابة الحولية: وهي التقدير السنوي الذي يقع في ليلة القدر من كل عام.
الكتابة اليومية: وهي إنفاذ المقادير في أوقاتها، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.
٤. الدليل من الكتاب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠].
٥. الدليل من السنة: حديث تدوين المقادير قبل خلق السموات والأرض (٢).
ثالثاً: مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ:
١. الاشتقاق: من "شَيَّأَ" أي أوجد الشيء، وهي الإرادة النافذة.
٢. الحد الجامع المانع: نفوذ إرادة الله في خلقه بحيث لا يقع شيء إلا بإذنه، ومشيئة العبد تابعة لمشيئته.
٣. أنواعها:
الإرادة الكونية (المشيئة): وهي الإرادة الشاملة لكل ما يقع في الكون (محبوباً كان أو مكروهاً).
الإرادة الشرعية: وهي ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، ولا يلزم منها الوقوع.
٤. الدليل من الكتاب: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
٥. الدليل من السنة: حديث تصريف القلوب بين أصابع الرحمن (٣).
رابعاً: مَرْتَبَةُ الخَلْقِ:
١. الاشتقاق: من "خَلَقَ" أي قدَّر وأوجد على غير مثال سابق، وتأتي بمعنى الصنع والتقدير.
٢. الحد الجامع المانع: انفراد الله بإيجاد كل ذرة في الوجود، وشمول ذلك لذوات العباد وصفاتهم وأعمالهم.
٣. أنواع الخلق: خلق الذوات (الأجسام)، وخلق الصفات، وخلق الأفعال (الحركات والسكنات).
٤. الدليل من الكتاب: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
٥. الدليل من السنة: حديث صانع كل صانع وصنعته (٤).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) الحديث الأول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، رقم (١١٦٢). وهو ثابت صحيح.
(٢) الحديث الثاني: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»؛ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم (٢٦٥٣). صحيح ثابت.
(٣) الحديث الثالث: «قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»؛ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم (٢٦٥٤). صحيح.
(٤) الحديث الرابع: «إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ»؛ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (رقم ١٦٨)، والحاكم في المستدرك (١/٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) قَاعِدَةٌ فِي العِلْمِ: "العلمُ صفةُ كشفٍ لا صفةُ جبرٍ"؛ فالله علم ما سيفعله العبد باختياره فكتبه.
(٦) قَاعِدَةٌ فِي الكِتَابَةِ: "الكتاباتُ الأربعُ التابعةُ (ميثاقية، عمرية، حولية، يومية) هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ".
(٧) ضَابِطُ الإِرَادَةِ: الإرادة الكونية تتعلق بالوقوع، والإرادة الشرعية تتعلق بالمحبة؛ فقد تجتمعان وقد تنفرد إحداهما.
(٨) فَائِدَةٌ فِي الخَلْقِ: خلق الله لفعل العبد لا ينفي نسبته للعبد "كسباً ومباشرة"، فهو الفاعل حقيقة والله الخالق حقيقة.
(٩) لَوَازِمُ المَرَاتِبِ:
1. لزوم تعظيم الله.
2. لزوم الخوف من الخاتمة.
3. لزوم الصبر عند المصيبة.
4. لزوم الشكر عند النعمة.
5. لزوم الطمأنينة.
(١٠) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الحد الجامع) هو التعريف الذي يجمع كل أفراد المعرف ويمنع دخول غيره فيه.
(١١) فَاكِهَةٌ عِلْمِيَّةٌ: قال ابن عباس: "القدرُ نظامُ التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده".
(١٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الخَوَاتِيمِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»؛ أخرجه البخاري (رقم ٦٦٠٧)، وهو من ثمار مرتبة العلم والكتابة.
(١٣) قُلْتُ: إنَّ هذا الترتيب الرأسي لمراتب القدر هو الأوفق لمنهج السلف في الاستدلال، حيث يربط بين الصفة وأثرها في العبد.
(١٤) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية (٨/٨)؛ شفاء العليل، ابن القيم (١/٢٢)؛ شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز (١/٢٦٠).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٤]«««««««««««««««
تَصْنِيفُ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي بَابِ القَدَرِ
إِنَّ بَابَ القَدَرِ كَانَ أَوَّلَ مَوَاطِنِ النِّزَاعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الأُمَّةِ، وَانْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى فِرَقٍ شَتَّى (١).
فَالقِسْمُ الأَوَّلُ هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا قَدَرَ اللهِ، وَجَعَلُوا لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً وَخَلْقاً مُسْتَقِلًّا (٢).
وَيَتَصَدَّرُ هَذَا القِسْمَ "القَدَرِيَّةُ الأُولَى" ثُمَّ "المَعْتَزِلَةُ"، الَّذِينَ لُقِّبُوا بِمَجُوسِ الأُمَّةِ (٣).
وَالقِسْمُ الثَّانِي هُمُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي القَدَرِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ فِعْلَهُ وَاخْتِيَارَهُ حَقِيقَةً (٤).
وَيُمَثِّلُ هَذَا الاتِّجَاهَ "الجَهْمِيَّةُ الجَبْرِيَّةُ"، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ فِرَقِ الِاضْطِرَارِ الإِبْلِيسِيَّةِ (٥).
وَالقِسْمُ الثَّالِثُ هُمُ الَّذِينَ حَاوَلُوا التَّلْفِيقَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَمَاهُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ (٦).
وَهُمُ "الأَشَاعِرَةُ" وَ"المَاتُرِيدِيَّةُ"، الَّذِينَ ابْتَدَعُوا قَوْلاً لَا مَعْنَى لَهُ يُسَمَّى "الكَسْبَ" (٧).
إِنَّ هَذَا التَّصْنِيفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْفٍ عِلْمِيٍّ، بَلْ هُوَ تَشْرِيحٌ لِأُصُولِ الِانْحِرَافِ العَقَدِيِّ (٨).
فَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ هَذِهِ الفِرَقِ قَدْ بَنَتْ مَذْهَبَهَا عَلَى شُبْهَةٍ عَقْلِيَّةٍ صَادَمَتْ نَصَّ الوَحْيِ (٩).
وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ نَفْيِ القَدَرِ وَبَيْنَ سَلْبِ الإِرَادَةِ، يُثْبِتُونَ الخَلْقَ لِلَّهِ وَالفِعْلَ لِلْعَبْدِ (١٠).
[حَاشِيَةُ الِاسْتِقْصَاءِ لِتَارِيخِ وَمَعْتَقَدَاتِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ]
(١) فِرْقَةُ (القَدَرِيَّةِ الأُولَى - نُفَاةُ العِلْمِ):
- تَارِيخُ النُّشُوءِ: ظَهَرَتْ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، تَقْرِيباً سَنَةَ (٧٠ هـ).
- الرُّؤُوسُ: مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ فِي البَصْرَةِ، وَقَدْ تَلَقَّى عَنْهُ غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ.
- المُعْتَقَدُ: نَفَوْا سَبْقَ العِلْمِ وَالكِتَابَةِ، وَقَالُوا: "إِنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ".
- التَّوْثِيقُ: انظر: صحيح مسلم، حديث (١) حَدِيثُ جِبْرِيلَ، طبعة دار إحياء التراث.
(٢) فِرْقَةُ (المَعْتَزِلَةِ - المَجُوسِيَّةُ):
- تَارِيخُ النُّشُوءِ: مَطْلَعُ القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ (١٣١ هـ).
- الرُّؤُوسُ: وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، أَبُو الهُذَيْلِ العَلَّافُ، النَّظَّامُ.
- المُعْتَقَدُ: أَثْبَتُوا العِلْمَ لَكِنَّهُمْ نَفَوْا مَرْتَبَةَ المَشِيئَةِ وَالخَلْقِ فِي أَفْعَالِ العِبَادِ، وَقَالُوا: "العَبْدُ هُوَ الخَالِقُ لِفِعْلِ نَفْسِهِ".
- عِلَّةُ اللَّقَبِ: لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ لِلْكَوْنِ، وَالمَجُوسُ يَقُولُونَ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ.
(٣) فِرْقَةُ (الجَهْمِيَّةِ الجَبْرِيَّةِ - الإِبْلِيسِيَّةُ):
- تَارِيخُ النُّشُوءِ: تَقْرِيباً سَنَةَ (١٠٠ هـ).
- الرُّؤُوسُ: الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ نَشَرَهَا الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ).
- المُعْتَقَدُ: نَفَوْا أَيَّ قُدْرَةٍ أَوْ إِرَادَةٍ لِلْعَبْدِ، وَقَالُوا: "الإِنْسَانُ رِيشَةٌ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ".
- عِلَّةُ اللَّقَبِ: لِأَنَّهُمْ شَابَهُوا إِبْلِيسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ فَاحْتَجُّوا بِالقَدَرِ عَلَى الذُّنُوبِ.
(٤) فِرْقَةُ (الأَشَاعِرَةِ - نُفَاةُ التَّأْثِيرِ):
- تَارِيخُ النُّشُوءِ: مَطْلَعُ القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ (بَعْدَ ٣٠٠ هـ).
- الرُّؤُوسُ: أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ)، البَاقِلَّانِيُّ، الجُوَيْنِيُّ، الرَّازِيُّ.
- المُعْتَقَدُ: ابْتَدَعُوا مَسْأَلَةَ "الكَسْبِ"، وَهِيَ اقْتِرَانُ قُدْرَةِ العَبْدِ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَيُّ أَثَرٍ فِي إِيجَادِهِ، فَهُمْ جَبْرِيَّةٌ فِي ثَوْبٍ آخَرَ.
(٥) فِرْقَةُ (المَاتُرِيدِيَّةِ):
- تَارِيخُ النُّشُوءِ: (ت ٣٣٣ هـ) مَعَ أَبِي مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ فِي سَمَرْقَنْدَ.
- المُعْتَقَدُ: يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ "إِرَادَةً جُزْئِيَّةً" وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، لِيَهْرَبُوا مِنَ الجَبْرِ، فَوَقَعُوا فِي شِرْكِ الخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.
(٦) فِرْقَةُ (الرَّافِضَةِ - العَدْلِيَّةُ):
- المُعْتَقَدُ: هُمْ فِي بَابِ القَدَرِ "مَعْتَزِلَةٌ" مَحْضُونَ، يُنْكِرُونَ خَلْقَ اللهِ لِأَفْعَالِ العِبَادِ، وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ "أَهْلَ العَدْلِ" مِثْلَ المَعْتَزِلَةِ تَمَاماً.
(٧) فِرْقَةُ (الزَّيْدِيَّةِ):
- المُعْتَقَدُ: تَابَعُوا المَعْتَزِلَةَ أَيْضاً فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ العَبْدِ لِأَفْعَالِهِ، وَبَنَوْا عَلَيْهَا جَوَازَ الخُرُوجِ عَلَى الأَئِمَّةِ.
(٨) فِرْقَةُ (الكُلَّابِيَّةِ):
- الرُّؤُوسُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ (ت ٢٤٠ هـ).
- المُعْتَقَدُ: حَاوَلُوا التَّوَسُّطَ قَبْلَ الأَشَاعِرَةِ، وَقَالُوا بِنَفْيِ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ القَائِمَةِ بِالذَّاتِ، وَتَأَثَّرُوا بِالقَدَرِ فِي مَسَائِلِ الإِرَادَةِ.
(٩) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ تَعْطِيلٍ لِصِفَاتِ اللهِ هُوَ بِدَايَةُ الطَّرِيقِ لِنَفْيِ قَدَرِهِ".
(١٠) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "إِثْبَاتُ العَبْدِ لِلْفِعْلِ لَا يُنَاقِضُ خَلْقَ الرَّبِّ لَهُ، لِأَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّبَبَ وَالمُسَبَّبَ".
(١١) تَوَارِيخُ هَامَّةٌ: قَتْلُ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ (١٠٥ هـ)، قَتْلُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (١٢٨ هـ)، وَفَاةُ الأَشْعَرِيِّ (٣٢٤ هـ).
(١٢) فَوَائِدُ التَّصْنِيفِ:
١. مَعْرِفَةُ رُؤُوسِ الضَّلَالِ.
٢. مَعْرِفَةُ الشُّبَهَاتِ الوَارِدَةِ عَلَى القَدَرِ.
٣. تَمْيِيزُ مَذْهَبِ السَّلَفِ عَنِ الجَبْرِ وَالتَّفْوِيضِ.
(١٣) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الاضْطِرَارُ) هُوَ سَلْبُ الِاخْتِيَارِ، وَعِنْدَ الجَهْمِيَّةِ هُوَ حَالُ المَخْلُوقِ دَائِماً.
(١٤) ضَابِطُ أُصُولِيٌّ: "الإِيمَانُ بِالقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ جَحَدَهُ كَفَرَ".
(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ فِي بَابِ القَدَرِ هُوَ إِثْبَاتُ المَرَاتِبِ الأَرْبَعِ كَمَا جَاءَتْ، مَعَ البَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ نِحْلَةٍ تُعَطِّلُ عَدْلَ اللهِ أَوْ قُدْرَتَهُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٥]«««««««««««««««««
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَرَاتِبُ القَدَرِ فِي فِقْهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ)
إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: "فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ" هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِ هَذَا المَبْحَثِ العَقَدِيِّ (١).
فَقَدْ جَاءَ هَذَا الأَثَرُ رَدًّا عَلَى بَدْءِ نُشُوءِ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، حَيْثُ أَقَامَ الحُجَّةَ بِالمَرَاتِبِ (٢).
وَأَوَّلُ هَذِهِ المَرَاتِبِ عِنْدَ عُمَرَ: [مَرْتَبَةُ العِلْمِ]، الَّتِي أَلْزَمَ بِهَا الخُصُومَ إِلْزَاماً لَا مَحِيدَ عَنْهُ (٣).
فَقَدْ كَانَ يَقُولُ: "نَاظِرُوهُمْ بِالعِلْمِ؛ فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خُصِمُوا، وَإِنْ جَحَدُوهُ كَفَرُوا" (٤).
وَالثَّانِيَةُ: [مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ]، حَيْثُ رَأَى أَنَّ مَا خَطَّهُ القَلَمُ لَا يُمْحَى بِأَهْوَاءِ الرِّجَالِ (٥).
وَكَانَ يَرَى أَنَّ كِتَابَةَ اللهِ لِلْمَقَادِيرِ هِيَ عَدْلُهُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَحِكْمَتُهُ الَّتِي لَا تَبُورُ (٦).
وَالثَّالِثَةُ: [مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ]، وَعَنْهَا قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ عَبَثاً، وَلَا تَرَكَهُمْ سُدًى" (٧).
فَمَشِيئَةُ اللهِ عِنْدَ عُمَرَ مُحِيطَةٌ بِكُلِّ وَاقِعٍ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (٨).
لَقَدْ أَسَّسَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِمَنْهَجٍ أَثَرِيٍّ قَاطِعٍ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ القَدَرِيَّةِ الأُولَى (٩).
وَجَعَلَ الإِيمَانَ بِهَذِهِ المَرَاتِبِ هُوَ عَيْنُ التَّوْحِيدِ، وَتَرْكَهَا هُوَ عَيْنُ التَّنْدِيدِ (١٠).
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««‹««««««««««
(١) أَصْلُ الكَلِمَةِ: (فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ) مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ دَقَائِقَ الأُمُورِ.
(٢) مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ القَدَرِيَّةِ: انظر: السنة، لعبد الله بن أحمد، م ٢/ ص ٤٣٠، طبعة دار ابن القيم.
(٣) مَرْتَبَةُ العِلْمِ عِنْدَ عُمَرَ: كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ السَّابِقَ فَقَدْ وَصَفَ اللهَ بِالجَهْلِ.
(٤) قَاعِدَةُ المُنَاظَرَةِ بِالعِلْمِ: هَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ أَصْلٌ عِنْدَ السَّلَفِ فِي مُحَاجَّةِ القَدَرِيَّةِ. انظر: الحجة في بيان المحجة، للأصفهاني، م ١/ ص ١٥٠.
(٥) مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رِسَالَةً مَشْهُورَةً فِي الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي سننه (٤٦١٢).
(٦) تَخْرِيجُ رِسَالَةِ عُمَرَ: أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ. الحُكْمُ: أَثَرٌ مَشْهُورٌ مَقْبُولٌ.
(٧) مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ: اسْتَدَلَّ عُمَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لِيُبَيِّنَ تَبَعِيَّةَ مَشِيئَةِ العَبْدِ لِلرَّبِّ.
(٨) الرَّدُّ عَلَى مَعْبَدٍ وَغَيْلَانَ: كَانَ عُمَرُ يُنَاظِرُ غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى اسْتَتَابَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ غَيْلَانُ دَعَا عَلَيْهِ عُمَرُ.
(٩) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَاكِمٍ، بَلْ كَانَ إِمَاماً مُجَدِّداً لِمَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ السُّنَّةِ. وَقَوْلُهُ "فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ" يَدُلُّ عَلَى عُمِقِ بَصِيرَتِهِ بِتَارِيخِ الضَّلَالِ وَمَنَابِتِ الفِتَنِ. فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ نَفْيَ القَدَرِ هُوَ طَعْنٌ فِي عِلْمِ الرَّبِّ وَكِتَابَتِهِ، فَحَصَرَ الخُصُومَ فِي مَرْتَبَةِ العِلْمِ؛ لِأَنَّهَا المَرْتَبَةُ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ عَاقِلٌ جَحْدَهَا دُونَ الِانْسِلَاخِ مِنَ الإِسْلَامِ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ العُمَرِيِّ، تَبَيَّنَ أَنَّ مَرَاتِبَ القَدَرِ هِيَ حِصْنُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ خَرْقَ هَذَا الحِصْنِ فَإِنَّمَا يَهْدِمُ أَصْلَ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.
(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي أَثَرِ عُمَرَ:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «رِسَالَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي القَدَرِ تُعَدُّ مِنْ أَقْدَمِ وَأَمْتَنِ النُّصُوصِ الَّتِي قَرَّرَتْ مَرَاتِبَ القَدَرِ بِأُسْلُوبٍ سَلَفِيٍّ نَقِيٍّ. وَقَدْ رَكَّزَ فِيهَا عَلَى إِثْبَاتِ سَبْقِ العِلْمِ وَكِتَابَةِ المَقَادِيرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ نَفَى ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي خَلْقِهِ أَوْ أَلْحَدَ فِي صِفَاتِهِ. وَتَمَيَّزَ فِقْهُ عُمَرَ بِرَبْطِ القَدَرِ بِالعَمَلِ، فَلَمْ يَجْعَلِ القَدَرَ عُذْراً لِلْعَاصِي، بَلْ جَعَلَهُ دَافِعاً لِلْمُطِيعِ لِيَسْتَقِيمَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، مُسْتَسْلِماً لِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، مُمْتَثِلاً لِإِرَادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ».
(١١) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "مَنْ نَافَسَ اللهَ فِي مَشِيئَتِهِ خُذِلَ، وَمَنْ سَلَّمَ لَهُ هُدِيَ".
(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَقْدُورٍ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَكْتُوبٌ مَشِيءٌ مَخْلُوقٌ".
(١٣) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. تَقْرِيرُ بَرَاعَةِ السَّلَفِ فِي الِاحْتِجَاجِ.
٢. بَيَانُ خَطَرِ بِدْعَةِ القَدَرِ مُنْذُ صَدْرِ الأُمَّةِ.
٣. إِثْبَاتُ نُبُوغِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ.
(١٤) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (السَّقُوطُ) هُنَا بِمَعْنَى الوُقُوعِ عَلَى الشَّيْءِ بِمُصَادَفَةٍ أَوْ قَصْدٍ.
(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: مَرَاتِبُ القَدَرِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هِيَ نِظَامُ الإِيمَانِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، وَبِهَا يُرَدُّ عَلَى كُلِّ مُبْتَدِعٍ خَرَّاجٍ وَلَّاجٍ.
»»»»»»»»»»»»»»[٧٦]««««««««««««««««
الفصل السادس/ المَبْحَثُ الثَّانِي:
(أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ) - نَقْضُ أَصْلِ القَدَرِيَّةِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَى المَشِيئَةِ
إِنَّ أَخْطَرَ مَا جَاءَتْ بِهِ القَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ هُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ العَبْدَ يَشَاءُ مَا لَا يَشَاءُ اللهُ (١).
فَقَالُوا بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ: "أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ"، وَهَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ (٢).
حَيْثُ ادَّعَوْا أَنَّ اللهَ شَاءَ الإِيمَانَ مِنَ الكَافِرِ كَوْناً، وَلَكِنَّ الكَافِرَ شَاءَ الكُفْرَ فَوَقَعَ (٣).
وَلَازِمُ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَشِيئَةَ المَخْلُوقِ تَقْهَرُ مَشِيئَةَ الخَالِقِ، وَيَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ (٤).
وَهَذَا نَقْضٌ لِقَيُّومِيَّةِ الرَّبِّ، وَوَصْفٌ لَهُ بِالعَجْزِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيراً (٥).
وَلِذَا جَاءَ الرَّدُّ القُرْآنِيُّ حَاسِماً فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).
فَقَدْ قَرَّرَ العُلَمَاءُ أَنَّ مَشِيئَةَ العِبَادِ حَقِيقِيَّةٌ لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لَا مَسْتَقِلَّةٌ (٧).
وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ إِثْبَاتٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ مِنْ جِهَةِ "التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ" (٨).
وَفِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إِثْبَاتٌ لِمَشِيئَةِ الرَّبِّ مِنْ جِهَةِ "الخَلْقِ وَالإِيجَادِ" (٩).
فَلَا تَقَعُ مَشِيئَةُ العَبْدِ تَحْصِيلاً إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ بِهَا خَلْقاً وَتَكْوِيناً (١٠).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) شُبْهَةُ القَدَرِيَّةِ فِي المَشِيئَةِ: يَقُولُونَ: "لَوْ شَاءَ اللهُ الكُفْرَ لَمَا حَقَّ لَهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَلَيْهِ"، فَظَنُّوا أَنَّ نَفْيَ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ تَنْزِيهٌ لِلرَّبِّ. انظر: مقالات الإسلاميين، الأشعري، م ١/ ص ١٨٠.
(٢) مَعْنَى الغَلَبَةِ عِنْدَهُمْ: هُوَ أَنْ يَقَعَ فِعْلُ العَبْدِ عَلَى خِلَافِ إِرَادَةِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلقُدْرَةِ.
(٣) الرَّدُّ بِمَرَاتِبِ القَدَرِ: مَنْ أَقَرَّ بِالعِلْمِ لَزِمَهُ الإِقْرَارُ بِالمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ شَيْئاً سَيَقَعُ ثُمَّ لَا يَشَاءُ وُقُوعَهُ كَوْناً.
(٤) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِرَادَتَيْنِ: ضَلَّ النُّفَاةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ (الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ) الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالوُقُوعِ، وَ(الإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ) الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ.
(٥) تَفْسِيرُ الآيَةِ (تَحْصِيلاً وَخَلْقاً):
التَّحْصِيلُ وَالكَسْبُ: هُوَ مُبَاشَرَةُ العَبْدِ لِلفِعْلِ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مَنَاطُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.
الخَلْقُ وَالإِيجَادُ: هُوَ إِخْرَاجُ هَذَا الفِعْلِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَهُوَ لِلهِ وَحْدَهُ.
انظر: تفسير الطبري، م ٢٤/ ص ٣٤٠، طبعة دار هجر.
(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ بِغَلَبَةِ مَشِيئَةِ العَبْدِ لِمَشِيئَةِ الرَّبِّ هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَأْلِيهِ الإِنْسَانِ وَنَزْعِ صِفَةِ الخَالِقِيَّةِ عَنِ اللهِ فِي أَخْطَرِ مَيَادِينِ الوُجُودِ وَهُوَ "الفِعْلُ". وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ الَّذِي رَسَمَهُ الوَحْيُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ مُخَيَّراً فِي دَائِرَةِ التَّكْلِيفِ (تَحْصِيلاً)، مَقْهُوراً فِي دَائِرَةِ التَّقْدِيرِ (خَلْقاً). فَلَا يَنْبَعِثُ لِلْعَبْدِ هَمٌّ وَلَا قَصْدٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ اللهُ وَكَتَبَهُ وَشَاءَ خَلْقَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ العَبْدِ لَهُ. وَبِهَذَا التَّوَازُنِ يَنْقَطِعُ شَغَبُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّبَّ مَغْلُوباً، وَشَغَبُ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ ظَالِماً، وَيَسْتَقِيمُ قَوْلُ أَهْلِ الأَثَرِ.
(٧) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي مَشِيئَةِ العَبْدِ:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «اللهُ سُبْحَانَهُ أَثْبَتَ لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً تَلِيقُ بِهِمْ، وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةٌ مَحْكُومَةٌ لَا حَاكِمَةٌ، وَتَابِعَةٌ لَا مَتْبُوعَةٌ. فَمَنْ جَعَلَ مَشِيئَةَ العَبْدِ غَالِبَةً فَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فِي التَّدْبِيرِ. وَالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ لِلآيَةِ يَقْطَعُ دَابِرَ الفِتْنَةِ؛ فَالْعَبْدُ يَشَاءُ (تَحْصِيلاً لِلفِعْلِ) وَاللهُ يَشَاءُ (خَلْقاً لِلْفِعْلِ المَشِيءِ). وَبِهَذَا يَكُونُ الفِعْلُ فِعْلَ العَبْدِ حَقِيقَةً، وَخَلْقَ اللهِ حَقِيقَةً، وَلَا غَلَبَةَ إِلَّا لِلْمَشِيئَةِ الإِلهِيَّةِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ».
(٨) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ١٢٠؛ مجموع الفتاوى، م ٨/ ص ٣٨٠.
(٩) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "مَشِيئَةُ اللهِ هِيَ السَّبَبُ الأَوَّلُ لِكُلِّ كَائِنٍ، وَمَشِيئَةُ العَبْدِ سَبَبٌ ثَانٍ مَخْلُوقٌ".
(١٠) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَشِيئَةٍ لَا تَنْتَهِي إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ فَهِيَ عَدَمٌ".
(١١) رَدُّ النَّفَاةِ بِالعِلْمِ: لَوْ كَانَتْ مَشِيئَةُ العَبْدِ تَغْلِبُ، لَكَانَ عِلْمُ اللهِ بِوُقُوعِ الإِيمَانِ مِنَ الكَافِرِ كَذِباً، وَهَذَا كُفْرٌ.
(١٢) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. إِثْبَاتُ كَمَالِ القُدْرَةِ الإِلهِيَّةِ.
٢. بَيَانُ مَحَلِّ التَّكْلِيفِ (المَشِيئَةِ التَّحْصِيلِيَّةِ).
٣. نَقْضُ أَصْلِ المَعْتَزِلَةِ فِي "العَدْلِ" المَوْهُومِ.
(١٣) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (التَّحْصِيلُ) هُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ وَتَحْقِيقُهُ بَعْدَ القَصْدِ إِلَيْهِ.
(١٤) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ اللهُ وُفِّقَ، وَمَنْ شَاءَ مَا لَمْ يَشَأِ اللهُ خُذِلَ".
(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: المَشِيئَةُ الغَالِبَةُ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ دَائِماً، وَمَشِيئَةُ العَبْدِ سَبَبٌ مَخْلُوقٌ يَعْمَلُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ سُبْحَانَهُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٧]««««««««««««««««««
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَحْقِيقُ مَسَائِلِ الإِرَادَةِ وَالفِعْلِ وَالكَسْبِ (التَّشْرِيحُ الأَثَرِيُّ المُنْضَبِطُ)
المَسْأَلَةُ الأُولَى: تَحْقِيقُ الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ:
إِنَّ مِفْتَاحَ النَّجَاةِ فِي بَابِ القَدَرِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيِ الإِرَادَةِ (١).
فَأَمَّا "الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ القَدَرِيَّةُ": فَهِيَ المَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ مَا يَقَعُ فِي الكَوْنِ، وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلْمَشِيئَةِ (٢).
وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ؛ فَقَدْ أَرَادَ اللهُ كَوْناً وُقُوعَ الكُفْرِ لَكِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ (٣).
وَأَمَّا "الإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ": فَهِيَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهَا (٤).
فَاللهُ أَرَادَ شَرْعاً الإِيمَانَ مِنْ كُلِّ الخَلْقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ الكَوْنِيَّةُ (٥).
المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْقِيقُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ فِعْلِ الرَّبِّ وَفِعْلِ العَبْدِ:
يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ العَبْدَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّ لِفِعْلِهِ ارْتِبَاطاً وَثِيقاً بِفِعْلِ خَالِقِهِ (٦).
فَفِعْلُ العَبْدِ صَادِرٌ عَنْ قُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ مَخْلُوقَتَيْنِ لَهُ، وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ فِعْلِ الرَّبِّ (٧).
فَلَا يَنْفَصِلُ فِعْلُ المَخْلُوقِ عَنْ تَدْبِيرِ الخَالِقِ، لِأَنَّ اللهَ خَالِقُ السَّبَبِ وَالمُسَبَّبِ (٨).
فَاللهُ خَلَقَ ذَاتَ العَبْدِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، وَالعَبْدُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الفِعْلَ بِتَمْكِينِ اللهِ لَهُ (٩).
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الفِعْلُ بَيْنَ (الخَلْقِ وَالإِيْجَادِ) وَ(التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ):
هَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ مَحَطُّ نَظَرِ البَاحِثِ فِي جَمْعِ شَتَاتِ المَذَاهِبِ (١٠).
فَفِعْلُ العَبْدِ لَهُ جِهَتَانِ مَحْضَتَانِ:
١. جِهَةُ الخَلْقِ وَالإِيْجَادِ: وَهِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ لِلْفِعْلِ مِنَ العَدَمِ إِلَّا اللهُ (١١).
٢. جِهَةُ التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ: وَهِيَ لِلْعَبْدِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ العَبْدَ هُوَ مَنْ "حَصَّلَ" الفِعْلَ بِنَفْسِهِ (١٢).
فَالعَبْدُ يُصَلِّي وَيَصُومُ تَحْصِيلاً وَكَسْباً، وَاللهُ خَلَقَ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِيهِ إِيجَاداً وَتَكْوِيناً (١٣).
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««
(١) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِرَادَتَيْنِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ١٨٩، طبعة دار الوفاء. وَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ الَّذِي حَلَّ مُعْضِلَةَ القَدَرِ الَّتِي غَرِقَ فِيهَا المُتَكَلِّمُونَ.
(٢) الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ: هِيَ المَشِيئَةُ، وَمِنْ دَلِيلِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
(٣) لَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ: كَإِرَادَةِ خَلْقِ إِبْلِيسَ وَالمَعَاصِي، فَهِيَ مَوْجُودَةٌ كَوْناً لِحِكْمَةٍ، مَبْغُوضَةٌ شَرْعاً.
(٤) الإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ: وَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(٥) الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ: يَجْتَمِعَانِ فِي حَقِّ المُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَتَنْفَرِدُ الكَوْنِيَّةُ فِي حَقِّ العَاصِي، وَتَنْفَرِدُ الشَّرْعِيَّةُ فِي حَقِّ الكَافِرِ الَّذِي لَمْ يُؤْمِنْ.
(٦) ارْتِبَاطُ الفِعْلَيْنِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ٤٥، طبعة دار المنهاج.
(٧) قَاعِدَةُ السَّلَفِ: "اللهُ خَالِقُ الفَاعِلِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ"، وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ عَنِ السَّبَبِ المَخْلُوقِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.
(٨) الرَّدُّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا فِعْلَ العَبْدِ، وَالرَّدُّ عَلَى المَعْتَزِلَةِ الَّذِينَ نَفَوْا خَلْقَ اللهِ لِلْفِعْلِ.
(٩) التَّخْرِيجُ النَّبَوِيُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ»؛ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ (رقم: ٢٥). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.
(١٠) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ التَّحْقِيقَ فِي المَسَائِلِ الثَّلَاثِ يَنْبَنِي عَلَى نَفْيِ "التَّعَارُضِ" بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ.
فَالإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ تَضْمَنُ سُلْطَانَ الرَّبِّ، وَالشَّرْعِيَّةُ تَضْمَنُ عَدْلَهُ وَمَحَبَّتَهُ.
وَارْتِبَاطُ الفِعْلَيْنِ يَعْنِي أَنَّ العَبْدَ لَيْسَ إِلهاً يَخْلُقُ، وَلَيْسَ جَمَاداً لَا يَعْمَلُ. وَأَمَّا جَعْلُ الإِيْجَادِ لِلَّهِ وَالتَّحْصِيلِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ أَدَقُّ مِيزَانٍ لِتَفْسِيرِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) فَنُسِبَتِ المَشِيئَةُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَنْ "حَصَّلَهَا" وَبَاشَرَهَا، وَنُسِبَتْ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَنْ "أَوْجَدَهَا" وَأَذِنَ فِيهَا.
وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَزُولُ إِشْكَالُ "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ الَّذِي نَفَى التَّأْثِيرَ، وَيَثْبُتُ الكَسْبُ القُرْآنِيُّ الَّذِي يَعْنِي العَمَلَ الحَقِيقِيَّ.
(١١) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الخَلْقِ وَالكَسْبِ":
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ خَلْقِ اللهِ لِلفِعْلِ وَكَسْبِ العَبْدِ لَهُ كَالْفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ وَأَثَرِهِ.
فَاللهُ خَلَقَ لِلْعَبْدِ آلَاتِ الفِعْلِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ القُدْرَةَ عِنْدَ القَصْدِ، فَالإِيْجَادُ فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى، وَالتَّحْصِيلُ فِعْلُ العَبْدِ.
وَمَنْ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ وَقَعَ فِي الجَبْرِ إِنْ سَلَبَ العَبْدَ كَسْبَهُ، أَوْ فِي القَدَرِ إِنْ سَلَبَ الرَّبَّ خَلْقَهُ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ نَوْعَيِ الإِرَادَةِ لِيَسْلَمَ لَهُمْ بَابُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَيُثْبِتُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةً لَا مَجَازاً، مَعَ رَدِّ كُلِّ كَائِنٍ لِمَشِيئَةِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ».
(١٢) تَفْسِيرُ (التَّحْصِيلِ): انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، م ٢/ ص ٥٠٠.
(١٣) مَسْأَلَةُ "مَا تَوَلَّدَ عَنِ الفِعْلِ": كُلُّ مَا نَتَجَ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ (كَالأَلَمِ بَعْدَ الضَّرْبِ) فَهُوَ خَلْقُ اللهِ، وَالعَبْدُ يُحَاسَبُ عَلَى "السَّبَبِ" الَّذِي بَاشَرَهُ.
(١٤) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ مَشِيئَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا تَقَعُ إِلَّا بِمَشِيئَةٍ كَوْنِيَّةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ كَوْنِيَّةٍ مَحْبُوبَةً شَرْعاً".
(١٥) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العَبْدُ فَاعِلٌ بِآلَةٍ مَخْلُوقَةٍ، فَالقُدْرَةُ آلَةٌ، وَاللهُ خَالِقُ الآلَةِ وَالمُتَعَلِّقِ".
(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. إِثْبَاتُ حِكْمَةِ اللهِ فِي خَلْقِ الشَّرِّ.
٢. بَيَانُ مَحَلِّ النِّزَاعِ مَعَ المَعْتَزِلَةِ (فِي الإِيْجَادِ).
٣. تَوْضِيحُ مَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَعَ الفِعْلِ.
(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الكَسْبُ) هُنَا هُوَ (الِاقْتِرَافُ)؛ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ بِمَا اقْتَرَفْتُمْ.
(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ تَحْكُمُ الوُقُوعَ، وَالشَّرْعِيَّةُ تَحْكُمُ الرِّضَا، وَفِعْلُ العَبْدِ كَسْبٌ لَهُ وَخَلْقٌ لِرَبِّهِ، وَبِهَذَا يَتِمُّ بَيَانُ الحَقِّ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٨]«««««««««««««««
تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ" فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ (تَحْقِيقُ المَاهِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَى النُّفَاةِ)
١. الاشتقاق اللغوي والحَدُّ الجامع المانع:
الحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ "الحَكَمَةِ" بِمَعْنَى المَنْعِ؛ وَهِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ (١).
وَالْحَدُّ الْجَامِعُ المَانِعُ لَهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: "هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالرَّبِّ تَقْتَضِي إِيقَاعَ أَفْعَالِهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ نِهَايَةُ الصَّلَاحِ وَالمَصْلَحَةِ المَقْصُودَةِ" (٢).
وَمَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ: "الِاتِّصَافُ بِكَمَالِ العِلْمِ وَكَمَالِ الإِتْقَانِ فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ" (٣).
فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ "الحَكِيمُ"؛ أَيِ الَّذِي لَا يَفْعَلُ شَيْئاً عَبَثاً، وَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً سُدًى (٤).
٢. أَقْسَامُ الحِكْمَةِ (الغَائِيَّةُ وَالفِعْلِيَّةُ):
تَنْقَسِمُ الحِكْمَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ (٥):
الحِكْمَةُ الفِعْلِيَّةُ (الصُّورِيَّةُ): وَهِيَ إِتْقَانُ خَلْقِ الكَائِنَاتِ وَإِحْكَامُ صُنْعِهَا بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى بَارِئِهَا.
الحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ: وَهِيَ "العِلَّةُ المَطْلُوبَةُ" وَالنِّهَايَاتُ المَحْمُودَةُ الَّتِي شُرِعَ الأَمْرُ أَوْ وُجِدَ الخَلْقُ لِأَجْلِهَا (٦).
فَالحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ لِلْخَلْقِ هِيَ عِبَادَةُ اللهِ، وَالحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ لِلْأَمْرِ هِيَ تَحْقِيقُ مَصَالِحِ العِبَادِ (٧).
٣. إِثْبَاتُ الحِكْمَةِ لِلَّهِ وَالرَّدُّ عَلَى الأَشَاعِرَةِ:
أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ "الحِكْمَةَ" صِفَةً ذَاتِيَّةً وَفِعْلِيَّةً لِلَّهِ، وَيَقُولُونَ بِـ "تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللهِ" (٨).
خِلَافاً لِلْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ نَفَوْا الحِكْمَةَ وَالعِلَلَ، وَقَالُوا: "اللهُ يَفْعَلُ لَا لِغَرَضٍ وَلَا لِعِلَّةٍ" (٩).
فَزَعَمُوا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ اللهُ المُطِيعَ وَيُدْخِلَ الكَافِرَ الجَنَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِأَفْعَالِهِ (١٠).
وَهَذَا نَفْيٌ لِصِفَةِ "الحَكِيمِ"، وَوَصْفٌ لِلرَّبِّ بِالعَبَثِ، وَهُوَ مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ (١١).
٤. الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الشَّرِّ (أَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ):
اللهُ خَلَقَ الشَّرَّ لِحِكْمَةٍ، لَا لِأَنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ، بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ (١٢).
مِثَالُ خَلْقِ إِبْلِيسَ: الحِكْمَةُ هِيَ ظُهُورُ عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ، وَالمُجَاهَدَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَتَمْيِيزِ الخَبِيثِ (١٣).
مِثَالُ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ: الحِكْمَةُ هِيَ تَكْفِيرُ الخَطَايَا، وَإِذْلَالُ النَّفْسِ لِخَالِقِهَا، وَمَعْرِفَةُ قَدْرِ النِّعْمَةِ (١٤).
فَلَوْلَا المَرَضُ لَمَا عُرِفَتْ قِيمَةُ الصِّحَّةِ، وَلَوْلَا الظُّلْمَةُ لَمَا عُرِفَ فَضْلُ النُّورِ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: تاج العروس، للزبيدي، م ٨/ ص ٢٤٥، طبعة دار الفكر.
(٢) حَدُّ الحِكْمَةِ عِنْدَ السَّلَفِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٥، طبعة دار الوفاء.
(٣) المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: الحِكْمَةُ فِي القُرْآنِ تَأْتِي بِمَعْنَى "السُّنَّةِ" وَبِمَعْنَى "العِلْمِ النَّافِعِ".
(٤) نَفْيُ العَبَثِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
(٥) تَقْسِيمُ الحِكْمَةِ: انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، م ٣/ ص ٤٥٠، طبعة دار المنهاج.
(٦) الحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ: هِيَ (العِلَّةُ الغَائِيَّةُ) الَّتِي يُنْكِرُهَا الجَهْمِيَّةُ وَالأَشَاعِرَةُ.
(٧) حِكْمَةُ الخَلْقِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
(٨) تَعْلِيلُ الأَفْعَالِ: عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ "لِحِكْمَةٍ" وَ"لِسَبَبٍ"، وَاللامُ فِي القُرْآنِ لِلتَّعْلِيلِ كَثِيرَةٌ.
(٩) قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ: انظر: شرح المواقف، للإيجي، ص ٣٢٠. يَقُولُونَ: "لَا يَجِبُ عَلَى اللهِ رِعَايَةُ الأَصْلَحِ".
(١٠) لَازِمُ نَفْيِ الحِكْمَةِ: تَجْوِيزُ الظُّلْمِ عَلَى اللهِ، وَجَعْلُ إِرَادَتِهِ مَحْضَ تَرْجِيحٍ بِلَا مُرَجِّحٍ.
(١١) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ نَفَى الحِكْمَةَ عَنِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ بِمَنْزِلَةِ "الفَاعِلِ الِاتِّفَاقِيِّ" الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ، وَتَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ. إِنَّ الحِكْمَةَ هِيَ رُوحُ التَّوْحِيدِ؛ فَبِهَا نَعْرِفُ عَدْلَهُ فِي تَعْذِيبِ العُصَاةِ، وَبِهَا نَعْرِفُ فَضْلَهُ فِي إِثَابَةِ الطَّائِعِينَ.
وَالأَشَاعِرَةُ بِنَفْيِهِمُ التَّعْلِيلَ، جَعَلُوا الشَّرِيعَةَ مَحْضَ تَحَكُّمٍ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي العَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالصِّدْقِ أَوْ بِالكَذِبِ إِلَّا بِمُجَرَّدِ الخَبَرِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللهَ حَكِيمٌ فِي ذَاتِهِ، أَفْعَالُهُ تَبَعٌ لِحِكْمَتِهِ، وَخَلْقُهُ لِلشَّرِّ هُوَ طَرِيقٌ لِخَيْرَاتٍ لَا تُحْصَى، فَسُبْحَانَ مَنْ بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ.
(١٢) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الحِكْمَةِ":
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِثْبَاتُ الحِكْمَةِ لِلَّهِ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الجَبْرِيَّةِ.
فَاللهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ، وَمَنْ جَعَلَ أَفْعَالَ اللهِ مَحْضَ مَشِيئَةٍ بِلَا حِكْمَةٍ فَقَدْ جَعَلَهُ جَبَّاراً لَا حَكِيماً.
وَالحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الشَّرِّ تَظْهَرُ فِي أَنَّهُ "شَرٌّ نِسْبِيٌّ" إِضَافِيٌّ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حِكْمَةِ اللهِ خَيْرٌ وَعَدْلٌ.
فَالنَّارُ شَرٌّ لِمَنْ دَخَلَهَا، لَكِنَّ خَلْقَهَا حِكْمَةٌ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ وَتَخْوِيفِ العِبَادِ.
فَالْخَيْرُ فِي فِعْلِ اللهِ، وَالشَّرُّ فِي مَفْعُولَاتِهِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لِغَايَاتٍ يَقْصُرُ عَنْهَا الإِدْرَاكُ».
(١٣) مِثَالُ إِبْلِيسَ: انظر: شفاء العليل، ص ٢٣٥، بَابٌ فِي خَلْقِ إِبْلِيسَ وَالحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ.
(١٤) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "اللهُ لَا يَفْعَلُ شَرًّا مَحْضاً، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ مَا فِيهِ شَرٌّ لِحِكْمَةٍ خَيْرِيَّةٍ".
(١٥) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَكُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ فَفِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ".
(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. إِثْبَاتُ الرُّبُوبِيَّةِ الكَامِلَةِ.
٢. مَحَبَّةُ الرَّبِّ لِحِكْمَتِهِ.
٣. الرِّضَا بِالقَضَاءِ المُؤْلِمِ.
(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (التَّعْلِيلُ) هُوَ بَيَانُ العِلَّةِ، وَعِنْدَ السَّلَفِ هُوَ بَيَانُ الحِكْمَةِ البَاعِثَةِ.
(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحِكْمَةُ هِيَ مِيزَانُ الخَلْقِ وَالأَمْرِ، وَبِهَا يَنْتَظِمُ بَابُ القَدَرِ، وَيُرَدُّ بِهَا عَلَى كُلِّ جَاهِلٍ بِقَدْرِ الرَّبِّ.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٩]««««««««««««««««
التَّتِمَّةُ الثَّالِثَةُ: في مُتَعَلَّقَاتِ الحِكْمَةِ وَكَشْفُ تَهَافُتِ النُّفَاةِ
١. مُتَعَلَّقَاتُ الحِكْمَةِ فِي الذَّاتِ وَالفِعْلِ وَالأَمْرِ:
تَتَعَلَّقُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ عَظِيمَةٍ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ (١):
المُتَعَلَّقُ الأَوَّلُ (الحِكْمَةُ فِي الذَّاتِ): وَهِيَ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ حَكِيماً لِذَاتِهِ، فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ (٢).
المُتَعَلَّقُ الثَّانِي (الحِكْمَةُ فِي الخَلْقِ): وَهِيَ "الإِحْكَامُ" وَتَرْتِيبُ المَسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا تَرْتِيباً دَقِيقاً (٣).
المُتَعَلَّقُ الثَّالِثُ (الحِكْمَةُ فِي الشَّرْعِ): وَهِيَ اشْتِمَالُ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى غَايَاتٍ مَحْمُودَةٍ تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى العِبَادِ (٤).
فَحِكْمَةُ اللهِ هِيَ الرَّابِطُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالغَايَةِ، وَبَيْنَ الخَلْقِ وَالمَصْلَحَةِ (٥).
٢. المُّخَالِفُونَ فِي مَسْأَلَةِ الحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ:
انْقَسَمَ المُنْحَرِفُونَ فِي بَابِ الحِكْمَةِ إِلَى فِئَاتٍ جَامِعُهَا الغُلُوُّ أَوْ التَّفْرِيطُ (٦):
الفِئَةُ الأُولَى (الجَهْمِيَّةُ وَالأَشَاعِرَةُ): نَفَوْا الحِكْمَةَ وَقَالُوا بِـ "نَفْيِ التَّعْلِيلِ" مُطْلَقاً (٧).
فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فِعْلٍ وَفِعْلٍ إِلَّا بِمَحْضِ المَشِيئَةِ، وَأَنَّ الحِكْمَةَ هِيَ "الوُقُوعُ" فَقَطْ (٨).
الفِئَةُ الثَّانِيَةُ (المَعْتَزِلَةُ): أَثْبَتُوا حِكْمَةً مَوْهُومَةً بَنَوْهَا عَلَى "تَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ" (٩).
فَأَوْجَبُوا عَلَى اللهِ أَفْعَالاً تَقِيسُ الرَّبَّ عَلَى خَلْقِهِ، فَمَنَعُوا مَا قَبَّحَتْهُ عُقُولُهُمْ (١٠).
الفِئَةُ الثَّالِثَةُ (الفَلَاسِفَةُ): جَعَلُوا الحِكْمَةَ لَازِمَةً لِلذَّاتِ لُزُومَ النُّورِ لِلشَّمْسِ، فَنَفَوْا الِاخْتِيَارَ (١١).
٣. الرَّدُّ المَنْهَجِيُّ عَلَى نُفَاةِ الحِكْمَةِ (الأَشَاعِرَةِ):
نَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ نَفْيَكُمُ التَّعْلِيلَ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقَائِقِ الشَّرْعِ (١٢).
١. نَقْضُ صِفَةِ الحَمْدِ: فَإِذَا كَانَ اللهُ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةٍ، فَبِمَ يُحْمَدُ؟ إِنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلَى الجَمِيلِ لِحِكْمَتِهِ (١٣).
٢. تَجْوِيزُ المُحَالِ: لَازِمُ قَوْلِكُمْ تَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ الشِّرْكُ حَسَناً وَالتَّوْحِيدُ قَبِيحاً، وَهَذَا نَقْضٌ لِلْفِطَرِ (١٤).
٣. مُصَادَمَةُ النُّصُوصِ: فَقَدْ نَصَّ القُرْآنُ عَلَى الغَايَاتِ بِلَامِ التَّعْلِيلِ وَ"كَيْ" وَ"مِنْ أَجْلِ" فِي مِئَاتِ المَوَاضِعِ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) رُوحُ الحِكْمَةِ: انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، م ٢/ ص ١٠٠، طبعة دار ابن القيم.
(٢) الحِكْمَةُ الذَّاتِيَّةُ: هِيَ كَوْنُهُ حَكِيماً كَمَا أَنَّهُ عَلِيمٌ، وَلَا يَخْلُو فِعْلُهُ مِنْهَا قَطُّ.
(٣) الِارْتِبَاطُ السَّبَبِيُّ: الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ "السَّبَبَ" لَهُ أَثَرٌ مَوْجُودٌ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ، خِلَافاً لِلْأَشَاعِرَةِ فِي الاقْتِرَانِ.
(٤) حِكْمَةُ التَّكْلِيفِ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فَالِابْتِلَاءُ هُنَا عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ مَحْمُودَةٌ.
(٥) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ مَقَالَاتِ النُّفَاةِ فِي الحِكْمَةِ، عَلِمَ أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنْ "تَشْبِيهِ الرَّبِّ بِالعِبَادِ" فِي العِلَلِ الغَرَضِيَّةِ، فَوَقَعُوا فِي "تَشْبِيهِهِ بِالجَمَادَاتِ" الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِلَا قَصْدٍ وَلَا غَايَةٍ. إِنَّ الحِكْمَةَ الإِلَهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العَدْلِ المَحْضِ وَالرَّحْمَةِ السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَخْلُقُ اللهُ دَاءً إِلَّا لِحِكْمَةٍ، وَلَا يَشْرَعُ حُكْماً إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ. وَالأَشَاعِرَةُ بِنَفْيِهِمْ لِهَذَا الأَصْلِ، صَيَّرُوا الدِّينَ أَلْغَازاً مُعَمَّاةً، وَبَرَّرُوا قَوْلَهُمْ بِأَنَّ اللهَ "يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ"، وَغَابَ عَنْهُمْ أَنَّ مَشِيئَتَهُ سُبْحَانَهُ مَشِيئَةُ مَلِكٍ حَكِيمٍ، لَا مَشِيئَةَ جَبَّارٍ عَبَثِيٍّ. فَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ الإِرَادَةَ تَتْبَعُ الحِكْمَةَ، وَأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ لِذَاتِهِ.
(٦) طَوَائِفُ الضَّلَالِ فِي الحِكْمَةِ: انظر: درء تعارض العقل والنقل، م ٨/ ص ٢٠٠، طبعة جامعة الإمام.
(٧) قَوْلُ نُفَاةِ التَّعْلِيلِ: يَقُولُونَ: "إِنَّ السُّؤالَ بِـ (لِمَ؟) فِي أَفْعَالِ اللهِ بَاطِلٌ"، وَهَذَا سَدٌّ لِبَابِ التَّدَبُّرِ.
(٨) تَعْرِيفُ الحِكْمَةِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ: هِيَ عِنْدَهُمْ نَفْسُ المَشِيئَةِ، أَوْ نَفْسُ الوُقُوعِ، وَهَذَا إِلْغَاءٌ لِمَعْنَى الحِكْمَةِ.
(٩) شُبْهَةُ المَعْتَزِلَةِ: جَعَلُوا الحِكْمَةَ "مُوجِبَةً" عَلَى اللهِ، كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ مُكَلَّفٌ، وَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ الخَالِقِ.
(١٠) القِيَاسُ الفَاسِدُ: قَاسُوا الخَالِقَ عَلَى المَخْلُوقِ فِيمَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ (قِيَاسُ الشُّمُولِ).
(١١) قَوْلُ الفَلَاسِفَةِ: انظر: تهافت التهافت، لابن رشد، ص ١٥٠.
(١٢) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي الرَّدِّ عَلَى نُفَاةِ الحِكْمَةِ:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ نَفْيَ الحِكْمَةِ وَالغَايَاتِ عَنْ أَفْعَالِ الرَّبِّ جِنَايَةٌ كُبْرَى عَلَى العَقْلِ وَالنَّقْلِ. فَالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِتَعْلِيلِ الأَحْكَامِ بِالمَصَالِحِ، وَتَعْلِيلِ الخَلْقِ بِالِابْتِلَاءِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ دُونَ مَعْنًى يُقْصَدُ، فَقَدْ جَعَلَ أَفْعَالَ الرَّبِّ كَحَرَكَاتِ النَّائِمِ أَوْ السَّاهِي، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.
إِنَّ إِثْبَاتَ الحِكْمَةِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً، وَلِلْبَلَاءِ طُمَأْنِينَةً؛ لِأَنَّ العَبْدَ يَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ المَقْدُورِ لُطْفاً خَفِيًّا وَحِكْمَةً بَالِغَةً. وَبِهَذَا تَنْقَضُّ شُبُهَاتُ الأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّبَّ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَيَخْلُقُ بِلَا مَقْصِدٍ».
(١٣) دَلِيلُ الحَمْدِ: انظر: طريق الهجرتين، ص ٢٥٠. اللهُ حَمِيدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ.
(١٤) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللهُ فَهُوَ لِحِكْمَةٍ مَحْمُودَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَرٌّ لِبَعْضِ المَخْلُوقَاتِ".
(١٥) لَامُ التَّعْلِيلِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].
(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. مَعْرِفَةُ سَعَةِ عِلْمِ اللهِ.
٢. الرَّدُّ عَلَى المَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي خَلْقِ الشَّرِّ.
٣. تَعْظِيمُ الشَّرِيعَةِ.
(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (العَبَثُ) هُوَ الفِعْلُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ تَعُودُ مِنْهُ.
(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحِكْمَةُ هِيَ مَدَارُ التَّوْحِيدِ، وَبِهَا يَنْحَلُّ كُلُّ إِشْكَالٍ فِي بَابِ القَدَرِ، وَيَسْقُطُ قَوْلُ النُّفَاةِ كُلِّهِمْ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٠]«««««««««««««««
التَّتِمَّةُ الرَّابِعَةُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِطَاعَةِ" (التَّشْرِيحُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ وَأَنْوَاعُ القُدْرَةِ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:
الِاسْتِطَاعَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ "الطَّوْعِ"، وَهِيَ القُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَطَاقَتُهُ (١).
وَالحَدُّ لَهَا عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ: "هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا المَخْلُوقُ مِنْ قَصْدِ الفِعْلِ أَوْ تَرْكِهِ، وَمُبَاشَرَتِهِ حَقِيقَةً" (٢).
وَمَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ: هِيَ القُدْرَةُ المَصْحُوبَةُ بِسَلَامَةِ الآلَاتِ وَالتَّوْفِيقِ الإِلهِيِّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العَمَلُ (٣).
فَالِاسْتِطَاعَةُ هِيَ مَنَاطُ الحِسَابِ، وَعَلَيْهَا يَدُورُ ثَوَابُ الطَّائِعِ وَعِقَابُ العَاصِي (٤).
٢. أَنْوَاعُ الِاسْتِطَاعَةِ (تَحْقِيقُ الفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ):
قَرَّرَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ نَوْعَانِ لَا يَسْتَغْنِي البَاحِثُ عَنْ تَمْيِيزِهِمَا (٥):
النَّوْعُ الأَوَّلُ: (اسْتِطَاعَةُ الصِّحَّةِ وَالآلَةِ): وَهِيَ القُدْرَةُ السَّابِقَةُ عَلَى الفِعْلِ، وَتَكُونُ بِسَلَامَةِ الجَوَارِحِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ (٦).
وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ "الخِطَابُ الشَّرْعِيُّ" وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ (٧).
النَّوْعُ الثَّانِي: (اسْتِطَاعَةُ التَّوْفِيقِ وَالمُقَارَنَةِ): وَهِيَ القُوَّةُ الَّتِي يَخْلُقُهَا اللهُ فِي العَبْدِ "مَعَ الفِعْلِ" لِيَقَعَ بِهَا العَمَلُ (٨).
وَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَهِيَ الَّتِي نَفَاهَا اللهُ عَنِ الكُفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ (٩).
٣. مَنْزِلَةُ الِاسْتِطَاعَةِ فِي بَابِ القَدَرِ:
تُعَدُّ هَذِهِ المَسْأَلَةُ حِصْناً ضِدَّ الجَبْرِ المَحْضِ الَّذِي سَلَبَ العَبْدَ قُدْرَتَهُ، وَضِدَّ الِاعْتِزَالِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مُسْتَقِلًّا بِهَا (١٠).
فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ؛ يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ اسْتِطَاعَةً حَقِيقِيَّةً لَكِنَّهَا "مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ" وَتَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ (١١).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««««
(١) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة (طوع).
(٢) حَدُّ الِاسْتِطَاعَةِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٧١، طبعة دار الوفاء.
(٣) المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ كَوْنُ العَبْدِ "مُتَمَكِّناً" مِمَّا أُمِرَ بِهِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ القُدْرَةِ وَالقَدَرِ.
(٤) مَنَاطُ الحِسَابِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ الفَهْمَ السَّلَفِيَّ لِلاِسْتِطَاعَةِ هُوَ الَّذِي يَنْحَلُّ بِهِ لُغْزُ "القَدَرِ" عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. فَإِذَا أَدْرَكَ طَالِبُ العِلْمِ أَنَّ اللهَ أَعْطَى الإِنْسَانَ (اسْتِطَاعَةً قَبْلَ الفِعْلِ) لِيَحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، ثُمَّ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِـ (اسْتِطَاعَةٍ مَعَ الفِعْلِ) لِيُوَفِّقَهُ لِلْعَمَلِ، عَلِمَ حِكْمَةَ اللهِ فِي عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ. فَالجَبْرِيَّةُ ضَلُّوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ العَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا، وَالمَعْتَزِلَةُ ضَلُّوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ العَبْدَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعُونَةِ رَبِّهِ بَعْدَ الصِّحَّةِ. وَالحَقُّ أَنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَمَدَّهُ بِهَا "تَحْصِيلاً" وَ"خَلْقاً".
(٦) دَلِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ السَّابِقَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. هُنَا الِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَهِيَ تَسْبِقُ العَمَلَ.
(٧) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الِاسْتِطَاعَةِ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١١٧). الحُكْمُ: صَحِيحٌ. (وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ السَّابِقَةِ).
(٨) اسْتِطَاعَةُ التَّوْفِيقِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ١٨٠، طبعة دار المنهاج.
(٩) مَعْنَى نَفْيِ الِاسْتِطَاعَةِ عَنِ الكُفَّارِ: هُوَ نَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَعَ الفِعْلِ (التَّوْفِيقِيَّةِ)، لَا نَفْيُ اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ، وَإِلَّا لَمَا عُذِّبُوا.
(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الِاسْتِطَاعَةِ":
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ السَّلَفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ مَا عَبَدَهُ عَابِدٌ إِلَّا بِقُوَّةٍ خَلَقَهَا فِيهِ، وَمَا عَصَاهُ عَاصٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَكَّنَهُ بِقُوَّةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهَا عَدْلًا.
فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الفِعْلِ فَقَطْ (قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ) يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ قَبْلَ العَمَلِ، وَالقَوْلُ بِأَنَّهَا قَبْلَ الفِعْلِ فَقَطْ (قَوْلُ المَعْتَزِلَةِ) يَنْفِي عَوْنَ اللهِ لِعَبْدِهِ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الأُولَى صِفَةُ المُكَلَّفِ الَّتِي بِهَا يُخَاطَبُ، وَالثَّانِيَةُ فِعْلُ الرَّبِّ الَّذِي بِهِ يُوَفَّقُ. فَمَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي المَوْجُودَةِ، مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالمَقْرُونَةِ».
(١١) دَلِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]. هُنَا نَفْيٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي تُقَارِنُ الفِعْلَ وَتَقُومُ بِهِ.
(١٢) نَقْضُ قَوْلِ الجَبْرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ العَبْدَ كَالآلَةِ الصَّمَّاءِ، فَلَا مَعْنَى عِنْدَهُمْ لِلِاسْتِطَاعَةِ أَصْلًا.
(١٣) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ تَعْجِيزٍ لِلْعَبْدِ عَنِ الطَّاعَةِ بَعْدَ سَلَامَةِ أَعْضَائِهِ هُوَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ".
(١٤) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العَجْزُ مَانِعٌ مِنَ التَّكْلِيفِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لَهُ".
(١٥) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. إِثْبَاتُ عَدْلِ اللهِ.
٢. بَيَانُ رَحْمَتِهِ بِالمَعُونَةِ.
٣. قَطْعُ تَعَلُّلِ العُصَاةِ بِالقَدَرِ.
(١٦) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الوُسْعُ) هُوَ مَا يَسَعُهُ الإِنْسَانُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ المَعْتَادِ.
(١٧) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ مِيزَانُ التَّكْلِيفِ؛ فَبِهَا يَقُومُ أَمْرُ اللهِ، وَبِهَا يَنْفُذُ قَدَرُهُ، وَبِهَا يُجَازَى العَبْدُ عَلَى عَمَلِهِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨١]«««««««««««««««««
التَّتِمَّةُ الخَامِسَةُ: مُتَعَلَّقَاتُ الِاسْتِطَاعَةِ (تَحْقِيقُ الِارْتِبَاطِ بِالزَّمَانِ وَالمَقْدُورِ وَالتَّكْلِيفِ)
١. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالزَّمَانِ (قَبْلَ الفِعْلِ وَمَعَهُ):
إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا "شَرْطاً" أَوْ "مُوجِداً" (١).
فَالِاسْتِطَاعَةُ الشَّرْعِيَّةُ (المُصَحِّحَةُ) تَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ الَّذِي "يَسْبِقُ" الفِعْلَ، وَبِهَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ (٢).
وَلَوْلَا تَعَلُّقُهَا بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لَمَا كَانَ لِلْكَافِرِ قُدْرَةٌ عَلَى الإِيمَانِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ (٣).
أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ القَدَرِيَّةُ (المُوجِبَةُ) فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِلَحْظَةِ "وُقُوعِ" الفِعْلِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُ (٤).
فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَقَدَّمَ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى الفِعْلِ بِزَمَانٍ؛ لِأَنَّهَا عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ (٥).
٢. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالفِعْلِ (المَقْدُورِ):
تَتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالمَقْدُورِ تَعَلُّقَ "تَأْثِيرٍ" وَ"مُبَاشَرَةٍ" (٦).
فَالقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ وُسْعِ المَخْلُوقِ وَطَاقَتِهِ (٧).
فَلَا تَتَعَلَّقُ اسْتِطَاعَةُ العَبْدِ بِخَلْقِ الأَجْسَامِ، وَلَا بِتَحْرِيكِ الجَمَادَاتِ الَّتِي لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهَا (٨).
بَلْ تَتَعَلَّقُ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا مِنْ أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مَنُوطَةٍ بِقَصْدِهِ (٩).
فَإِذَا أَرَادَ العَبْدُ الفِعْلَ وَكَانَ مُسْتَطِيعاً، خَلَقَ اللهُ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ المَقْرُونَةَ لِيَقَعَ المَقْدُورُ (١٠).
٣. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالتَّكْلِيفِ وَالعَدْلِ:
هَذَا المُتَعَلَّقُ هُوَ مَدَارُ العَدْلِ الإِلَهِيِّ؛ فَاللهُ لَا يُكَلِّفُ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ (١١).
فَمَا خَرَجَ عَنْ مَقْدُورِ العَبْدِ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِهِ، كَالعَاجِزِ وَالمَجْنُونِ (١٢).
فَالتَّكْلِيفُ يَتْبَعُ الِاسْتِطَاعَةَ وُجُوداً وَعَدَماً، فَمَنْ لَا اسْتِطَاعَةَ لَهُ فَلَا خِطَابَ مَعَهُ (١٣).
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) مُتَعَلَّقَاتُ القُدْرَةِ: انظر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، م ٣/ ص ٤٥، طبعة دار الفضيلة.
(٢) الِاسْتِطَاعَةُ السَّابِقَةُ: هِيَ الَّتِي يُصَحَّحُ بِهَا تَوْجِيهُ الأَمْرِ، وَدَلِيلُهَا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.
(٣) الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِقُدْرَةٍ وَاحِدَةٍ: الأَشَاعِرَةُ يَرَوْنَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِلَحْظَةِ الفِعْلِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ الكَافِرَ عُذِّبَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ فِعْلِهِ.
(٤) الِاسْتِطَاعَةُ المَقْرُونَةُ: انظر: شفاء العليل، لابن القيم، ص ١٨٥. وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالإِيجَادِ (تَحْصِيلاً).
(٥) قَاعِدَةُ العَرَضِ: قَالَتِ الجَهْمِيَّةُ: "القُدْرَةُ عَرَضٌ"، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ تَبْقَى بِبَقَائِهَا.
(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ تَحْقِيقَ "مُتَعَلَّقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ" يَرْفَعُ الإِشْكَالَ عَنْ مَسْأَلَةِ "التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ".
فَاللهُ سُبْحَانَهُ تَتَعَلَّقُ أَوَامِرُهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَنَحَهَا لِلْعِبَادِ مِنْ سَلَامَةِ الآلَاتِ وَالقُدْرَةِ المُمَكِّنَةِ. فَمَنْ نَفَى تَعَلُّقَ الِاسْتِطَاعَةِ بِمَا قَبْلَ الفِعْلِ، فَقَدْ جَعَلَ الشَّرِيعَةَ عَبَثاً، وَمَنْ نَفَى تَعَلُّقَهَا بِمَا مَعَ الفِعْلِ، فَقَدْ نَفَى مَعُونَةَ اللهِ لِخَلْقِهِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُورِ نَفْسِهِ لَا بِخَلْقِهِ، فَالْعَبْدُ يَسْتَطِيعُ "العَمَلَ" لَا "الإِيجَادَ مِنَ العَدَمِ".
وَهَذَا الِارْتِبَاطُ الزَّمَانِيُّ وَالفِعْلِيُّ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ مُحْتَاجاً إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ لِيَمُدَّهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ بَعْدَ أَنْ مَكَّنَهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ المَوْجُودَةِ.
(٧) حُدُودُ المَقْدُورِ: الِاسْتِطَاعَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ، وَلَا بِمَا خَرَجَ عَنْ طَبِيعَةِ الخَلْقِ.
(٨) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي مُتَعَلَّقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الِاسْتِطَاعَةُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَقْدُوراً لِلْعَبْدِ مَخْلُوقاً لِلرَّبِّ.
فَإِذَا تَعَلَّقَتِ الِاسْتِطَاعَةُ بِالفِعْلِ وَقَعَ الكَسْبُ. وَالمُخَالِفُونَ فِي هَذَا البَابِ حَارُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ مَعاً (قَوْلُ المَعْتَزِلَةِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ المُصَحِّحَةَ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ وَتَرْكِهِ، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ المَقْرُونَةُ فَلَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ حَقِيقَةً. وَبِهَذَا تَتَبَيَّنُ عَظَمَةُ القَدَرِ فِي تَوْجِيهِ سُلُوكِ العَبْدِ لِيَعْلَمَ أَنَّ حَرَكَتَهُ مَرْهُونَةٌ بِمَشِيئَةِ خَالِقِهِ وَتَمْكِينِهِ لَهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ زَمَانِيَّةٍ».
(٩) تَخْرِيجُ الأَدِلَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٩٤٩). هُنَا التَّيْسِيرُ هُوَ تَعَلُّقُ الِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ بِالعَمَلِ.
(١٠) نَقْضُ قَوْلِ الفَلَاسِفَةِ: الَّذِينَ جَعَلُوا الِاسْتِطَاعَةَ مُوجِبَةً بِالطَّبْعِ، فَنَفَوْا مَشِيئَةَ اللهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ.
(١١) عِلَاقَةُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالإِرَادَةِ: الِاسْتِطَاعَةُ آلَةٌ، وَالإِرَادَةُ مُوَجِّهَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمَا جَمِيعاً.
(١٢) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ مُسْتَطِيعٍ شَرْعاً قَدْ لَزِمَهُ الحُجَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُوَفَّقْ قَدَراً".
(١٣) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "لَا يُنْسَبُ الفِعْلُ لِغَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا يُعَاقَبُ إِلَّا مَنْ مَلَكَ آلَةَ الفِعْلِ".
(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. تَنْزِيهُ اللهِ عَنِ الظُّلْمِ.
٢. بَيَانُ سَبَبِ تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي العَمَلِ.
٣. رَبْطُ القَلْبِ بِاللهِ طَلَباً لِلْمَعُونَةِ.
(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (المُتَعَلَّقُ) هُوَ مَا يَرْتَبِطُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.
(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الِاسْتِطَاعَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لِلْحُجَّةِ، وَبِالزَّمَانِ المَقْرُونِ لِلْقُدْرَةِ، وَبِالفِعْلِ لِلْكَسْبِ، وَبِاللهِ خَلْقاً وَإِيجَاداً.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٢]«««««««««««««««
التَّتِمَّةُ السَّادِسَةُ:
تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ (الِاقْتِرَانِ وَالِاقْتِرَافِ)
١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْمُصْطَلَحَيْنِ:
- أَوَّلاً: الِاقْتِرَافُ: فِي اللُّغَةِ مِنَ "القَرْفِ" وَهُوَ القَشْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي اكْتِسَابِ الذَّنْبِ أَوْ العَمَلِ (١). وَحَدُّهُ الجَامِعُ: "هُوَ مُبَاشَرَةُ العَبْدِ لِأَسْبَابِ الفِعْلِ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الَّتِي مَنَحَهُ اللهُ إِيَّاهَا" (٢).
- ثَانِياً: الِاقْتِرَانُ: فِي اللُّغَةِ مِنَ "القَرْنِ" وَهُوَ وَصْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ (٣). وَحَدُّهُ الجَامِعُ عِنْدَ السَّلَفِ: "هُوَ صُحْبَةُ قُدْرَةِ العَبْدِ لِلْمَقْدُورِ لَحْظَةَ الوُقُوعِ صُحْبَةَ (مُؤَثِّرٍ بِإِذْنِ اللهِ) لَا صُحْبَةً عَرَضِيَّةً" (٤).
٢. المَعْنَى الشَّرْعِيُّ وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ:
يَعْنِي "الِاقْتِرَافُ" فِي الشَّرْعِ: العَمَلَ الَّذِي يُجَازَى عَلَيْهِ العَبْدُ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ "قَرِيناً" لِنَفْسِهِ بِمُبَاشَرَتِهِ (٥).
أَمَّا "الِاقْتِرَانُ"، فَقَدْ حَرَّرَهُ السَّلَفُ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ تَقْتَرِنُ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ (٦).
فَالتَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ يُثْبِتُ أَنَّ الِاقْتِرَافَ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الِاقْتِرَانَ بَيْنَ القُدْرَةِ وَالفِعْلِ هُوَ اقْتِرَانُ سَبَبٍ بِمُسَبَّبٍ، وَاللهُ خَالِقُهُمَا جَمِيعاً (٧).
٣. الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
- مِنَ القُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]. فَنَسَبَ الِاقْتِرَافَ إِلَيْهِمْ مَحْضاً (٨). وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وَالكَسْبُ هُنَا هُوَ عَيْنُ الِاقْتِرَافِ المُنْتِجِ لِلْأَثَرِ (٩).
- مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (١٠). وَالشَّاهِدُ أَنَّ العَبْدَ هُوَ مَنِ "اقْتَرَفَ" الخُصُومَةَ وَبَاشَرَهَا بِإِرَادَتِهِ (١١).
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««
(١) الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (قرف).
(٢) حَدُّ الِاقْتِرَافِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٨٠، طبعة دار الوفاء.
(٣) مَعْنَى الِاقْتِرَانِ: هُوَ صِلَةُ شَيْءٍ بِآخَرَ، وَقَدْ ضَلَّ فِيهِ مَنْ نَفَى السَّبَبِيَّةَ.
(٤) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
قُلْتُ: إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ (الِاقْتِرَافِ) وَ(الِاقْتِرَانِ) هُوَ مِعْيَارُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الكَلَامِ. فَالِاقْتِرَافُ إِثْبَاتٌ لِعَمَلِ العَبْدِ حَقِيقَةً، وَبِهِ يَسْتَحِقُّ الجَزَاءَ.
وَأَمَّا الِاقْتِرَانُ، فَإِنَّ الأَشَاعِرَةَ جَعَلُوهُ اقْتِرَاناً (عَادِيًّا) كَاقْتِرَانِ النَّارِ بِالاحْتِرَاقِ عِنْدَهُمْ (أَيْ أَنَّ النَّارَ لَا تُحْرِقُ بِنَفْسِهَا وَقُدْرَةُ العَبْدِ لَا تُؤَثِّرُ فِي فِعْلِهِ).
وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِحِكْمَةِ الأَسْبَابِ. وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ أَنَّ العَبْدَ مُقْتَرِفٌ؛ أَيْ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي فِعْلِهِ بِقُدْرَةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ، وَاقْتِرَانُ قُدْرَتِهِ بِفِعْلِهِ هُوَ اقْتِرَانُ (مُؤَثِّرٍ فِعْلِيٍّ) خَلَقَهُ الخَالِقُ لِيُظْهِرَ بِهِ المَقْدُورَ. فَمَنِ اقْتَرَفَ خَيْراً وُجِدَ فِيهِ، وَمَنِ اقْتَرَفَ شَرًّا وُجِدَ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَلْقُ اللهِ.
(٥) مَعْنَى الِاقْتِرَافِ فِي القُرْآنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣].
(٦) الرَّدُّ عَلَى "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ: نَقْضُ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الِاقْتِرَانَ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيَّ فِيهِ، وَهُوَ مَا سَمَّاهُ العُلَمَاءُ "كَسْبٌ لَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الأَشْعَرِيُّ".
(٧) حَقِيقَةُ الِاقْتِرَافِ: هِيَ اجْتِمَاعُ الهِمَّةِ وَالقُدْرَةِ وَالمُبَاشَرَةِ.
(٨) الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الِاقْتِرَافِ وَالِاقْتِرَانِ":
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ كُلَّ آيَةٍ وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ (الِاقْتِرَافِ) أَوْ (الكَسْبِ) فَهِيَ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى الجَبْرِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ. لِأَنَّ الِاقْتِرَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مُؤَثِّرٍ فِي سَعْيِهِ. وَالِاقْتِرَانُ عِنْدَنَا هُوَ اقْتِرَانُ تَوْفِيقٍ؛ فَإِذَا اقْتَرَنَتْ مَشِيئَةُ العَبْدِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقَعَ الِاقْتِرَافُ المَحْمُودُ، وَإِذَا خُذِلَ العَبْدُ اقْتَرَفَ السَّيِّئَةَ بِقُدْرَتِهِ المَخْلُوقَةِ. فَالِاقْتِرَانُ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ القُوَّةِ وَالأَثَرِ، وَلَيْسَ مَحْضَ صُدْفَةٍ زَمَانِيَّةٍ كَمَا يَزْعُمُ نُفَاةُ الأَسْبَابِ. وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ العَبْدَ لَيْسَ مَجْبُوراً، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ ظَالِماً، لِأَنَّهُ جَازَى العَبْدَ عَلَى مَا "اقْتَرَفَهُ" بِنَفْسِهِ».
(٩) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّخَاصُمِ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٤٥٨) وَمُسْلِمٌ (١٧١٣) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. الحُكْمُ: صَحِيحٌ.
(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ اقْتِرَافٍ فَهُوَ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلَا اقْتِرَافَ إِلَّا بِقُدْرَةٍ مَخْلُوقَةٍ".
(١١) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "نِسْبَةُ الفِعْلِ لِلْعَبْدِ نِسْبَةُ اقْتِرَافٍ وَكَسْبٍ، وَنِسْبَتُهُ لِلَّهِ نِسْبَةُ خَلْقٍ وَتَقْدِيرٍ".
(١٢) نَقْضُ الجَهْمِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا الِاقْتِرَافَ وَجَعَلُوا العَبْدَ مَحَلًّا لِلفِعْلِ لَا فَاعِلاً لَهُ.
(١٣) مَسْأَلَةُ المَدْحِ وَالذَّمِّ: لَا يَصِحُّ المَدْحُ وَالذَّمُّ إِلَّا عَلَى مَا كَانَ اقْتِرَافاً اخْتِيَارِيًّا.
(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:
١. إِثْبَاتُ مَسْؤُولِيَّةِ العَبْدِ.
٢. بَيَانُ سِرِّ الِاقْتِرَانِ القَدَرِيِّ.
٣. الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ.
(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الِاقْتِرَافُ) أَبْلَغُ مِنَ الكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ العِنَايَةَ بِالفِعْلِ وَمُزَاوَلَتَهُ.
(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: العَبْدُ مُقْتَرِفٌ حَقِيقَةً، وَفِعْلُهُ مَقْرُونٌ بِقُدْرَتِهِ سَبَباً، وَمَقْرُونٌ بِمَشِيئَةِ رَبِّهِ خَلْقاً، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لَا حَيْدَةَ عَنْهُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٣]««««««««««««««««««««
الفَصْلُ السَّابِعُ: المُفَاصَلَةُ وَالخَاتِمَةُ
(شَرْحُ أَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الِاعْتِصَامِ)
١. التَّصْدِيرُ بِالأَثَرِ وَمَقَامُ المَقَالَةِ:
إِنَّ قَوْلَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: «فَاللهَ اللهَ؛ لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ»، لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ دُسْتُورُ المُوَحِّدِ (١).
فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ المَقَالَةُ فِي سِيَاقِ الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، وَبَيَانِ افْتِقَارِ العَبْدِ لِخَالِقِهِ فِي جَلِيلِ الأَمْرِ وَدَقِيقِهِ (٢).
فَقَوْلُهُ (فَاللهَ اللهَ) هُوَ تَحْذِيرٌ وَتَذْكِيرٌ بِعَظَمَةِ الذَّاتِ العَلِيَّةِ الَّتِي بِيَدِهَا مَقَالِيدُ القُلُوبِ (٣).
وَقَوْلُهُ (لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ) هُوَ إِعْلَانُ المُفَاصَلَةِ عَنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَحَصْرُ النَّجَاةِ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ الرَّبِّ (٤).
٢. الشَّرْحُ وَالتَّشْرِيحُ لِمَعْنَى "العِصْمَةِ" القَدَرِيَّةِ:
العِصْمَةُ فِي هَذَا المَقَامِ تَعْنِي: الحِفْظَ، وَالمَنْعَ مِنَ المَيْلِ إِلَى الفِتَنِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ عِنْدَ اضْطِرَابِ الآرَاءِ (٥).
وَحَقِيقَةُ العِصْمَةِ أَنَّهَا "فِعْلُ الرَّبِّ" فِي عَبْدِهِ؛ بِأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ دَوَاعِيَ الشَّرِّ، وَيَخْلُقَ فِيهِ إِرَادَةَ الخَيْرِ (٦).
فَلَا يَمْلِكُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ عِصْمَةً مِنَ الضَّلَالِ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ، بَلْ بِتَوْفِيقِ خَالِقِهِ وَإِقْدَارِهِ (٧).
فَمَنْ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، هَلَكَ فِي أَوْدِيَةِ الهَوَى، وَلَا عَاصِمَ لَهُ مِنَ القَدَرِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٨).
٣. مَقَامُ المُفَاصَلَةِ وَالخَاتِمَةِ:
تَقْتَضِي هَذِهِ المَقَالَةُ أَنْ يُفَاصِلَ العَبْدُ مَذَاهِبَ الضَّلَالِ الَّتِي جَعَلَتِ العِصْمَةَ فِي العَقْلِ أَوِ الِاسْتِقْلَالِ بِالفِعْلِ (٩).
فَالمُفَاصَلَةُ هُنَا هِيَ التَّبَرُّؤُ مِنْ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلْعَبْدِ عِصْمَةً خَارِجَةً عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ (١٠).
وَبِهَذَا تَنْتَهِي هَذِهِ الرِّحْلَةُ فِي بَابِ القَدَرِ إِلَى التَّسْلِيمِ المُطْلَقِ لِلَّهِ، وَالِافْتِقَارِ الدَّائِمِ لِعِصْمَتِهِ (١١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««‹«««««
(١) أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ (رقم: ٢٣٢)، وَالآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ.
(٢) مَنَاطُ الأَثَرِ: جَاءَ فِي رِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ عَظِيمَةٌ.
(٣) قَوْلُهُ (فَاللهَ اللهَ): نَصْبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: احْذَرُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ فِي نِحَلِكُمْ وَأَهْوَائِكُمْ.
(٤) مَعْنَى العِصْمَةِ: انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، م ١/ ص ٣٠٠، طبعة دار المنهاج.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ خَتْمَ هَذَا البَحْثِ بِمَقَالَةِ هَذَا الإِمَامِ الرَّاشِدِ هُوَ جَمْعٌ لِأَطْرَافِ العَقِيدَةِ فِي القَدَرِ. فَإِذَا كَانَ العَبْدُ لَا عِصْمَةَ لَهُ إِلَّا بِاللهِ، بَطَلَ قَوْلُ القَدَرِيَّةِ أَنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ يَخْلُقُهُ لَكَانَتْ عِصْمَتُهُ مِنْهُ وَبِهِ. وَبَطَلَ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ لِأَنَّ العِصْمَةَ مَطْلُوبَةٌ لِلْمُكَلَّفِ، وَالمَجْبُورُ لَا يُعْصَمُ وَلَا يُؤْمَرُ. إِنَّ هَذِهِ المَقَالَةَ تَزْرَعُ فِي قَلْبِ البَاحِثِ وَطَالِبِ العِلْمِ ذُلَّ الِانْكِسَارِ؛ فَلَا يَغْتَرُّ بِبَحْثِهِ وَلَا بِتَحْقِيقِهِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ كَتَبَهُ فِي هَذَا "المَبْحَثِ الثَّالِثِ" وَتَتِمَّاتِهِ، كَانَ بِعِصْمَةِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ. فَالِاعْتِصَامُ هُوَ ثَمَرَةُ العِلْمِ بِالقَدَرِ، وَهُوَ مَسْكُ الخِتَامِ لِهَذَا الفَصْلِ السَّابِعِ، وَبِهِ تَنْطَفِئُ نِيرَانُ الشُّبُهَاتِ.
(٦) الِاعْتِصَامُ بِاللهِ: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
(٧) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "العِصْمَةِ":
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ أَثَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَذَا هُوَ خُلَاصَةُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ فِي التَّوْفِيقِ وَالخِذْلَانِ. فَالْعِصْمَةُ لَيْسَتْ شَيْئاً يَمْلِكُهُ العَبْدُ لِذَاتِهِ، بَلْ هِيَ تَقْلِيبُ الرَّبِّ لِقَلْبِ العَبْدِ صَوْبَ الحَقِّ. وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ لِإِدْرَاكِ مَسَائِلِ القَدَرِ فَقَدْ أَعْصَمَهُ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي مَذَاهِبِ الكَلَامِ. فَاللهُ هُوَ العَاصِمُ مِنَ المَيْلِ إِلَى القَدَرِيَّةِ، وَهُوَ العَاصِمُ مِنَ الغُلُوِّ فِي الجَبْرِ. وَالخَاتِمَةُ الحُسْنَى لَا تُنَالُ إِلَّا بِهَذِهِ العِصْمَةِ الَّتِي لَا حِيْلَةَ لِلْعَبْدِ فِيهَا إِلَّا الِافْتِقَارُ وَالدُّعَاءُ».
(٨) تَوْثِيقُ الخَاتِمَةِ: انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ».
(٩) تَخْرِيجُ حَدِيثِ القُلُوبِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٥٤). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.
(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مَنْ نَجَا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهُوَ بِعِصْمَةِ اللهِ، لَا بِجَوْدَةِ قَرِيحَتِهِ".
(١١) مُفَاصَلَةُ القَدَرِيَّةِ: هِيَ تَرْكُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الفِعْلِ المُسْتَقِلِّ، وَالرُّجُوعُ إِلَى التَّوَكُّلِ المَحْضِ.
(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العِصْمَةُ تَقْتَضِي انْتِفَاءَ المَانِعِ وَحُصُولَ القُوَّةِ المَانِعَةِ".
(١٣) مَسْأَلَةُ المَفَاخِرِ: لَا مَفْخَرَةَ لِلْعَالِمِ بِمَا حَصَّلَ، لِأَنَّ "العِصْمَةَ" هِيَ الَّتِي حَفِظَتْ عَقْلَهُ مِنَ الزَّيْغِ.
(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ السَّابِعِ: ١. تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلَّهِ. ٢. بَيَانُ رُوحِ مذهبِ السلفِ فِي التَّسْلِيمِ. ٣. رَبْطُ الفِقْهِ بِالعَمَلِ.
(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (العِصْمَةُ) تَعْنِي أَيْضاً المَلْجَأَ وَالمَعْقِلَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ السُّقُوطِ.
(١٦) نَتِيجَةُ البَحْثِ الكُلِّيَّةِ: بَعْدَ دِرَاسَةِ المَبَاحِثِ السِّتَّةِ السَّابِقَةِ، يَنْكَشِفُ لِلْبَاحِثِ أَنَّ العِلْمَ بِالقَدَرِ يُؤَدِّي إِلَى تَمَامِ الِاعْتِصَامِ بِاللهِ، وَصِدْقِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: «لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ».
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٤]««««««««««««««««««
تَتِمَّةُ الفَصْلِ السَّابِعِ:
(حَاكِمِيَّةُ النَّصِّ وَتَهَافُتُ التَّعْقِيلِ البَدَعِيِّ) التَّأْصِيلُ وَالمُفَاصَلَةُ
١. تَعْظِيمُ النَّصِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (الحَاكِمِيَّةُ وَالهَيْمَنَةُ):
إِنَّ أَصْلَ الأُصُولِ عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ هُوَ جَعْلُ "النَّصِّ" مَتْبُوعاً لَا تَابِعاً، وَحَاكِماً لَا مَحْكُوماً عَلَيْهِ (١).
فَتَعْظِيمُ النَّصِّ يَقْتَضِي اعْتِقَادَ شُمُولِهِ، وَهَيْمَنَتِهِ عَلَى العُقُولِ، وَتَلَقِّي الهُدَى مِنْ مِشْكَاتِهِ مَحْضاً (٢).
فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ رَأْياً، وَلَا قِيَاساً، وَلَا ذَوْقاً، بَلْ قَوْلُهُمْ: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" (٣).
وَبِهَذَا التَّعْظِيمِ صَانُوا الدِّينَ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَحَفِظُوا العَقِيدَةَ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ (٤).
٢. جِنَايَةُ أَهْلِ البِدَعِ (إِعْمَالُ العَقْلِ فِي نَقْضِ النَّصِّ):
أَمَّا أَهْلُ الأَهْوَاءِ، فَقَدْ جَعَلُوا "العَقْلَ" أَصْلًا، وَالنَّصَّ تَبَعاً، فَمَا وَافَقَ عُقُولَهُمْ قَبِلُوهُ، وَمَا خَالَفَهَا رَدُّوهُ (٥).
وَهَذَا المَسْلَكُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ النَّصَّ عَنْ "مَاهِيَّتِهِ" الَّتِي أُنْزِلَ لِأَجْلِهَا؛ وَهِيَ البَيَانُ وَالهُدَى (٦).
فَصَارَ النَّصُّ عِنْدَهُمْ لَغْواً لَا يُفِيدُ اليَقِينَ، أَوْ مُلْغَزاً يَحْتَاجُ إِلَى "تَأْوِيلٍ" يُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ (٧).
وَبِهَذَا جَنَوْا عَلَى الأَلْفَاظِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الوَحْيُ، فَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا بِدَعْوَى المَجَازِ وَالتَّأْوِيلِ (٨).
٣. مَآلَاتُ التَّقْدِيمِ العَقْلِيِّ (الحَيْرَةُ وَالِاضْطِرَابُ):
إِنَّ إِخْرَاجَ النَّصِّ عَنْ حَقِيقَتِهِ أَدَّى بِأَهْلِ الكَلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الشَّكِّ وَجَهَالَةِ الحَيْرَةِ (٩).
فَلَمَّا تَرَكُوا نُورَ الوَحْيِ، وَوَكَلُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى عُقُولٍ مُتَنَاقِضَةٍ، اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ، وَتَضَارَبَتْ مَذَاهِبُهُمْ (١٠).
فَصَارَ بَعْضُهُمْ يُكَفِّرُ بَعْضاً، وَانْتَهَى أَمْرُ كِبَارِهِمْ إِلَى النَّدَمِ عِنْدَ المَوْتِ عَلَى مَا ضَيَّعُوا مِنَ النُّصُوصِ (١١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) حَاكِمِيَّةُ النَّصِّ: انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم، م ١/ ص ٤٥، طبعة دار ابن الجوزي.
(٢) مَعْنَى الهَيْمَنَةِ: هِيَ كَوْنُ القُرْآنِ شَاهِداً وَمُؤَيِّداً وَقَاضِياً عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الكُتُبِ وَالآرَاءِ.
(٣) مَنْهَجُ السَّلَفِ: "نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ"، وَهَذَا أَعْظَمُ صُوَرِ التَّعْظِيمِ لِلَّفْظِ وَالمَعْنَى.
(٤) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ الفَرْقَ الجَوْهَرِيَّ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ البِدْعَةِ يَعُودُ إِلَى "مَصْدَرِ التَّلَقِّي". فَأَهْلُ السُّنَّةِ جَعَلُوا العَقْلَ (آلَةً) لِفَهْمِ النَّصِّ، بَيْنَمَا جَعَلَهُ أَهْلُ البِدَعِ (قَاضِياً) عَلَى النَّصِّ. وَمَنْ جَعَلَ العَقْلَ قَاضِياً، فَقَدْ جَعَلَ اللهَ سُبْحَانَهُ مُكَلَّفاً بِأَنْ يُخَاطِبَنَا بِمَا يَتَوَافَقُ مَعَ مَدَارِكِنَا المَحْدُودَةِ، وَإِلَّا رَدَدْنَا قَوْلَهُ. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. إِنَّ النَّصَّ الشَّرْعِيَّ جَاءَ لِيَهْدِيَ العَقْلَ لَا لِيَهْتَدِيَ بِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الهُدَى مِنْ غَيْرِ الوَحْيِ أَضَلَّهُ اللهُ. فَالْتِحَاقُ طَالِبِ العِلْمِ بِمَدْرَسَةِ التَّعْظِيمِ يَعْصِمُهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ (الفُحُولُ) مِنَ المُنَاظِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا النُّصُوصَ إِلَى "القَوَانِينِ الكُلِّيَّةِ" المَوْهُومَةِ.
(٥) القَانُونُ الكُلِّيُّ: هُوَ الشُّبْهَةُ الَّتِي ابْتَدَعَهَا الرَّازِيُّ وَأَمْثَالُهُ بِتَقْدِيمِ العَقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ المَوْهُومِ.
(٦) إِخْرَاجُ النَّصِّ عَنْ مَاهِيَّتِهِ: أَيْ جَعْلُهُ مَجَازاً لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُنْزَلْ لِلْبَيَانِ.
(٧) التَّأْوِيلُ البِدَعِيُّ: هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ "تَحْرِيفٌ".
(٨) الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي تَعْظِيمِ النَّصِّ:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ سَلَامَةَ العَبْدِ فِي دِينِهِ مَرْهُونَةٌ بِتَعْظِيمِ الوَحْيِ. فَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ قِيَاساً أَوْ عَقْلًا عَلَى نَصٍّ صَحِيحٍ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَاباً مِنَ الزَّنْدَقَةِ لَا يُغْلَقُ. فَأَهْلُ الكَلَامِ لَمَّا جَعَلُوا نُصُوصَ الصِّفَاتِ وَالقَدَرِ (أَدِلَّةً لَفْظِيَّةً) لَا تُفِيدُ اليَقِينَ، خَرَجُوا مِنْ رِحَابِ الهُدَى إِلَى تِيهِ الحَيْرَةِ. وَالعَقْلُ الصَّرِيحُ لَا يُخَالِفُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ أَبَداً، لَكِنَّ المُشْكِلَةَ فِي "العُقُولِ المَرِيضَةِ" الَّتِي تَرَى التَّعَارُضَ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ. فَالنَّصُ هُوَ الهَادِي، وَالعَقْلُ هُوَ المُبْصِرُ، فَإِذَا انْطَفَأَ النُّورُ فَمَاذَا يَنْفَعُ البَصَرُ؟».
(٩) الحَيْرَةُ وَالنَّدَمُ: انظر: دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، م ١/ ص ١٦٠.
(١٠) اضْطِرَابُ النُّفَاةِ: هُنَا تُذْكَرُ مَقَالَةُ الجُوَيْنِيِّ: "يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالكَلَامِ، فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِي إِلَى مَا بَلَغَ مَا اشْتَغَلْتُ بِهِ".
(١١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّرْكِ: عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»؛ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤٣). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.
(١٢) مَقَامُ "الهُدَى": النَّصُّ أُنْزِلَ لِيَهْدِيَ النَّاسَ إِلَى الحَقِّ، فَإِذَا احْتَاجَ النَّصُّ إِلَى العَقْلِ لِيُصَحِّحَهُ صَارَ العَقْلُ هُوَ "المُهَيْمِنُ" تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.
(١٣) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ عَقْلٍ عَارَضَ النَّقْلَ فَهُوَ عَقْلٌ فَاسِدٌ، وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ مُقَدَّمٌ مُطْلَقاً".
(١٤) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "دَلَالَةُ النَّصِّ يَقِينِيَّةٌ فِي مَحَلِّهَا، وَالتَّأْوِيلُ بِلَا مُوجِبٍ بَاطِلٌ".
(١٥) مَسْأَلَةُ الأَلْفَاظِ: اللهُ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَلْفَاظاً هِيَ أَبْلَغُ الأَلْفَاظِ، فَصَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا اِتِّهَامٌ لِلْوَحْيِ بِالعَيِّ.
(١٦) فَوَائِدُ المُتَمِّمَةِ:
١. الثَّبَاتُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ.
٢. مَعْرِفَةُ قَدْرِ الصَّحَابَةِ فِي الِاتِّبَاعِ.
٣. رَدُّ شَغَبِ المُمَوِّهِينَ بِالعَقْلِ.
(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الهَيْمَنَةُ) تَعْنِي الحِفْظَ وَالسَّيْطَرَةَ وَالعُلُوَّ.
(١٨) نَتِيجَةُ الخِتَامِ: تَعْظِيمُ النَّصِّ هُوَ سَفِينَةُ النَّجَاةِ، وَتَقْدِيمُ العَقْلِ هُوَ مَزْلَقُ الهَلَاكِ، وَمَنْ أَعْصَمَهُ اللهُ بِالنَّصِّ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٥]««««‹‹««««««««««
المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: (مذاهب الجَهْمِيِّ)
١. الجُذُورُ الأُولَى وَالتَّسَلْسُلُ اليَهُودِيُّ الصَّابِئِيُّ:
يَعُودُ أَصْلُ "الزَّيْغِ" فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ إِلَى مَادَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِعَقَائِدِ الصَّابِئَةِ نُفَاةِ الفِعْلِ الرَّبَّانِيِّ (١).
فَقَدْ كَانَ "لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ" اليَهُودِيُّ هُوَ الحَلْقَةُ الأُولَى، حَيْثُ نَفَحَ فِي "طَالُوتَ" ابْنِ أُخْتِهِ سُمُومَ القَوْلِ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ (٢).
ثُمَّ انْتَقَلَ هَذَا الشَّرُّ إِلَى "أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ"، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ سِحْرِ اليَهُودِ وَتَعْطِيلِ الصَّابِئَةِ الحَرَّانِيِّينَ (٣).
وَبِهَذَا التَّسَلْسُلِ صَارَ التَّعْطِيلُ مَذْهَباً "مُعَلَّباً" انْتَقَلَ إِلَى الكُوفَةِ حَيْثُ تَلَقَّاهُ "الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ" (٤).
فَالجَعْدُ لَمْ يَبْتَكِرِ التَّعْطِيلَ، بَلْ "وَرِثَهُ" عَنِ الزَّنَادِقَةِ وَاليَهُودِ لِيَهْدِمَ بِهِ مَاهِيَّةَ النَّصِّ القُرْآنِيِّ (٥).
٢. الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَمَرْحَلَةُ التَّنْظِيرِ لِلزَّيْغِ:
ظَهَرَ الجَعْدُ فِي الكُوفَةِ وَتَنَقَّلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ مُعَلِّماً لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَنَادَى بِأَوَّلِ مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ (٦).
أَنْكَرَ الجَعْدُ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، أَوْ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَكَانَ قَصْدُهُ "نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ" (٧).
فَلَمَّا اشْتَهَرَتْ بِدْعَتُهُ وَزَاغَ بِهَا، طَلَبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، فَهَرَبَ إِلَى الكُوفَةِ حَيْثُ لَقِيَ "جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ" (٨).
وَفِي سَنَةِ (١٠٥ هـ) وَقِيلَ سَنَةَ (١١٨ هـ)، قَامَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ بِذَبْحِهِ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ خُطْبَتِهِ الشَّهِيرَةِ (٩).
قَالَ خَالِدٌ: "ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى.." (١٠).
٣. جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَنَشْرُ المَذْهَبِ فِي تِرْمِذَ وَخُرَاسَانَ:
تَلَقَّى الجَهْمُ عَنِ الجَعْدِ هَذِهِ المَقَالَاتِ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا "الجَبْرَ" وَ"الإِرْجَاءَ" وَ"فَنَاءَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ" (١١).
زَاغَ الجَهْمُ فِي "تِرْمِذَ" لَمَّا نَاظَرَ "السُّمَنِيَّةَ" (فَلَاسِفَةُ الهِنْدِ)، فَارْتَابَ فِي رَبِّهِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً (١٢).
ثُمَّ خَرَجَ لِلنَّاسِ بِمَذْهَبٍ "جَدِيدٍ" يَزْعُمُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ خَلْقُهُ حَتَّى فِي الأَسْمَاءِ (١٣).
نَافَحَ الجَهْمُ عَنْ قَوْلِهِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَجَعَلَ الإِيمَانَ مَحْضَ المَعْرِفَةِ، لِيَسْلُبَ النَّصَّ هَيْبَتَهُ وَسُلْطَانَهُ (١٤).
انْتَهَى زَيْغُهُ بِالقَتْلِ صَبْراً عَلَى يَدِ سَلَمِ بْنِ أَحْوَزَ بِـ "مَرْوٍ" سَنَةَ ١٢٨ هـ فِي آخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) جُذُورُ الصَّابِئَةِ وَاليَهُودِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد (٥)، ص (٢٠-٢٢)، طبعة دار الوفاء (الطبعة الثالثة ٢٠٠٥م).
التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "أَصْلَ هَذِهِ المَقَالَةِ -نَفْيِ الصِّفَاتِ- مَأْخُوذٌ عَنِ التَّلَامِذَةِ مِنَ اليَهُودِ وَالصَّابِئَةِ وَمُشْرِكِي الفَلَاسِفَةِ".
(٢) سِلْسِلَةُ "لَبِيد - طَالُوت - أَبَان":
المصدر: تاريخ دمشق، لابن عساكر، المجلد (٩)، ص (٢٧٣)، طبعة دار الفكر - بيروت (١٩٩٥م).
التوثيق: "أَخَذَ الجَعْدُ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ الأَعْصَمِ".
(٣) أَبَانُ بْنُ سَمْعَانَ (أَوَّلُ مَنْ نَادَى بِالتَّعْطِيلِ فِي الإِسْلَامِ):
المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (٩)، ص (٣٥٠)، طبعة دار هجر (الطبعة الأولى ١٩٩٧م).
التاريخ: قُتِلَ أَبَانُ سَنَةَ ١١٩ هـ؛ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، وَتَأَثَّرَ بِأَفْكَارِ (اليَهُودِ) فِي بَابِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ.
(٤) نَشْأَةُ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ (مُؤَسِّسُ المَبْدَأِ):
المصدر: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، المجلد (٥)، ص (٤٣٢)، طبعة مؤسسة الرسالة (الطبعة الحادية عشرة ١٩٩٦م).
التوثيق: الجَعْدُ أَصْلُهُ مِنْ "حَرَّانَ"، وَهِيَ مَعْقِلُ الصَّابِئَةِ، وَمِنْ هُنَا تَلَقَّى نَفْيَ الصِّفَاتِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (تَنْزِيهاً).
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ دِرَاسَةَ التَّارِيخِ الجَهْمِيِّ تَكْشِفُ عَنْ "مُؤَامَرَةٍ" فِكْرِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ وِيدَةَ صُدْفَةٍ. فَلَمَّا عَجَزَ اليَهُودُ عَنْ هَدْمِ الدِّينِ بِالسِّلَاحِ، سَرَّبُوا "التَّعْطِيلَ" عَبْرَ لَبِيدٍ ثُمَّ طَالُوتَ لِيَصِلَ إِلَى قَلْبِ العَاصِمَةِ الأُمَوِيَّةِ. وَالزَّيْغُ الَّذِي حَدَثَ لِلْجَعْدِ لَمْ يَكُنْ زَيْغاً فِي (جُزْئِيَّةٍ)، بَلْ كَانَ زَيْغاً فِي (أَصْلِ التَّلَقِّي)، حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى (فَلْسَفَةُ الصَّابِئَةِ) بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (النَّصُّ المَعْصُومُ). وَقَدْ أَدْرَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- خُطُورَةَ هَذَا المَسْلَكِ، فَحَذَّرَ مِنْ أَوَّلِيَّاتِ القَوْلِ بِالقَدَرِ وَالتَّعْطِيلِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ القَلْبَ إِذَا زَاغَ عَنْ تَعْظِيمِ "تَكْلِيمِ اللَّهِ" لِخَلْقِهِ، فَقَدْ زَاغَ عَنِ الإِيمَانِ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ. فَالجَهْمِيَّةُ هِيَ (الجِنَايَةُ الكُبْرَى) عَلَى مَاهِيَّةِ النَّصِّ، حَيْثُ حَوَّلَتِ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ إِلَى "مَعْنًى ذِهْنِيٍّ" لَا وُجُودَ لَهُ فِي الأَعْيَانِ، وَهَذَا هُوَ غَايَةُ الضَّلَالِ.
(٦) مَقْتَلُ الجَعْدِ وَتَارِيخُهُ:
المصدر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير، المجلد (٤)، ص (٢٥٨)، طبعة دار الكتاب العربي (الطبعة الأولى ١٩٩٧م).
التاريخ: جَرَى مَقْتَلُهُ فِي وَاسِطَ سَنَةَ (١١٨ هـ) بَعْدَ أَنْ أَفْتَى العُلَمَاءُ بِكُفْرِهِ لِنَفْيِهِ صِفَةَ التَّكْلِيمِ.
(٧) جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَسُمَنِيَّةُ الهِنْدِ:
المصدر: الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بْنِ حَنْبَلٍ، ص (١١-١٥)، طبعة دار المآثر (بتحقيق د. فواز الزمرلي).
التوثيق: يَذْكُرُ الإِمَامُ أَحْمَدُ كَيْفَ انْقَطَعَ الجَهْمُ عَنِ النَّاسِ لَمَّا شَكَّكَتْهُ السُّمَنِيَّةُ فِي "إِلَهٍ لَا يُرَى وَلَا يُسْمَعُ وَلَا يُحَسُّ"، فَانْتَهَى إِلَى "تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ" لِيَهْرَبَ مِنَ الِاتِّهَامِ بِالتَّشْبِيهِ.
(٨) جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَنَشْرُ الإِرْجَاء:
المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٣٢)، طبعة المكتبة العصرية (٢٠٠٥م).
التوثيق: "تَفَرَّدَ الجَهْمُ بِقَوْلِهِ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ فَقَطْ، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ جَحَدَ بِلِسَانِهِ لَمْ يَكْفُرْ".
(٩) الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "جُذُورِ الجَهْمِيَّةِ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد (تسجيل صوتي مفرغ)، الدرس الرابع، شرح مقدمة التعطيل.
التوثيق: «الجَهْمِيَّةُ هِيَ مَنْبَعُ كُلِّ زَيْغٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى (تَكْذِيبِ النَّصِّ) بِاسْمِ التَّنْزِيهِ. وَالجَعْدُ ثُمَّ الجَهْمُ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ، بَلْ كَانُوا أَصْحَابَ عُقُولٍ (لَوَّاثَةٍ) تَأَثَّرَتْ بِالفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ. فَإِذَا نَفَيْتَ الصِّفَةَ، فَقَدْ نَفَيْتَ المَوْصُوفَ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الزَّيْغِ الَّذِي يَنْتَهِي لِلْحَيْرَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ "زَنَادِقَةً"».
(١٠) مَقْتَلُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ:
المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، المجلد (١٠)، ص (٢١)، طبعة هجر.
التاريخ: قُتِلَ سَنَةَ (١٢٨ هـ) بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مَعَ الحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ ضِدَّ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ سَلَمُ بْنُ أَحْوَزَ وَقَتَلَهُ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ وَفِتْنَتِهِ.
(١١) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "التَّوْحِيدِ" لِابْنِ خُزَيْمَةَ):
"الجَهْمِيَّةُ مُعَطِّلَةٌ، لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، فَعَبَدُوا عَدَماً".
(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ:
"النَّصُّ القُرْآنِيُّ حَاكِمٌ بِظَاهِرِهِ، وَصَرْفُهُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ جَهْمِيَّةٌ مُسْتَتِرَةٌ".
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٥]«««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: ( الزَّيْغِ الِاعْتِزَالِيِّ)
- الأُصُولُ الخَمْسَةُ وَجِنَايَةُ العَقْلِ عَلَى النَّصِّ
١. نَشْأَةُ الِاعْتِزَالِ وَمَفْرِقُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الأَثَرِ وَالرَّأْيِ:
بَدَأَ زَيْغُ "الِاعْتِزَالِ" بِمَوْقِفٍ حِسِّيٍّ فِي مَسْجِدِ البَصْرَةِ، حَيْثُ خَالَفَ "وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ" شَيْخَهُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ (١).
زَاغَ وَاصِلٌ فِي حُكْمِ "مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ"، فَقَالَ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ (٢).
ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِ صِهْرُهُ "عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ"، الَّذِي كَانَ يُقَدِّمُ قَوْلَهُ عَلَى الحَدِيثِ إِذَا خَالَفَ عَقْلَهُ (٣).
فَاعْتَزَلُوا حَلَقَةَ الحَسَنِ، فَسُمُّوا "مُعْتَزِلَةً"، وَبَدَأُوا فِي تَأْصِيلِ زَيْغِهِمْ بِمَا سَمَّوهُ (الأُصُولَ الخَمْسَةَ) (٤).
وَهَذِهِ الأُصُولُ هِيَ: التَّوْحِيدُ، العَدْلُ، الوَعْدُ وَالوَعِيدُ، المَنْزِلَةُ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ (٥).
٢. تَشْرِيحُ الأُصُولِ الخَمْسَةِ وَحَقِيقَةُ الزَّيْغِ فِيهَا:
التَّوْحِيدُ (التَّعْطِيلُ): زَاغُوا بِتَسْمِيَةِ نَفْيِ الصِّفَاتِ "تَوْحِيداً"، فَجَعَلُوا إِثْبَاتَهَا تَشْبِيهاً، فَعَطَّلُوا الرَّبَّ عَنْ كَمَالِهِ (٦).
العَدْلُ (نَفْيُ القَدَرِ): زَاغُوا بِزَعْمِهِمْ أَنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أَنْ يَخْلُقَ العَبْدُ فِعْلَ نَفْسِهِ، فَنَفَوْا قَدَرَ اللَّهِ وَمَشِيئَتَهُ الشَّامِلَةَ (٧).
الوَعْدُ وَالوَعِيدُ: زَاغُوا بِإِنْفَاذِ الوَعِيدِ عَلَى عُصَاةِ المُوَحِّدِينَ، وَنَفَوْا الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ بِمَا يُصَادِمُ السَّنَنَ (٨).
المَنْزِلَةُ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ: بَدْعَتُهُمُ الأُولَى، حَيْثُ نَفَوْا عَنِ العَاصِي اسْمَ الإِيمَانِ وَلَمْ يُثْبِتُوا لَهُ اسْمَ الكُفْرِ (٩).
الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ (الخُرُوجُ): زَاغُوا بِتَسْمِيَةِ الخُرُوجِ عَلَى الأَئِمَّةِ بِالسَّيْفِ "أَمْراً بِالمَعْرُوفِ"، فَهَدَمُوا أَصْلَ الجَمَاعَةِ (١٠).
٣. مَرْحَلَةُ التَّغَوُّلِ السِّيَاسِيِّ وَالمِحْنَةُ الكُبْرَى:
بَلَغَ الزَّيْغُ الِاعْتِزَالِيُّ ذُرْوَتَهُ فِي عَهْدِ "المَأْمُونِ" وَ"المُعْتَصِمِ" وَ"الوَاثِقِ" بِتَحْرِيضِ "أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ" (١١).
فَرَضُوا القَوْلَ بِـ "خَلْقِ القُرْآنِ" بِالسَّيْفِ، وَامْتَحَنُوا العُلَمَاءَ، وَعَذَّبُوا الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لِثَبَاتِهِ عَلَى النَّصِّ (١٢).
لَمْ يَقْبَلُوا غَيْرَ "العَقْلِ" حَاكِماً، فَكَفَّرُوا مَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ الرَّبِّ، وَجَعَلُوا الدِّينَ مَحْضَ تَرِهَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ (١٣).
زَاغَتْ أَبْصَارُهُمْ عَنْ نُورِ الوَحْيِ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ حَلَاوَةَ الِاتِّبَاعِ، وَصَارُوا فِرَقاً مُشَتَّتَةً تَلْعَنُ بَعْضُهَا بَعْضاً (١٤).
حَتَّى جَاءَ "المُتَوَكِّلُ" فَنَصَرَ السُّنَّةَ، وَقَمَعَ بِدْعَةَ الِاعْتِزَالِ، لَكِنَّ آثَارَهُمْ بَقِيَتْ نَدَبَاتٍ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) قِصَّةُ الِاعْتِزَالِ (نُقْطَةُ البِدَايَةِ):
المصدر: الفِرَق بين الفِرَق، لعبد القاهر البغدادي، ص (٩٣-٩٤)، طبعة المكتبة العصرية (٢٠٠٩م).
التاريخ: حَدَثَ الِاعْتِزَالُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بَعْدَ وَفَاةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ سَنَةَ (١١٠ هـ).
(٢) وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (المُؤَسِّسُ):
المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، المجلد (٥)، ص (٤٦٤)، طبعة الرسالة.
التوثيق: كَانَ وَاصِلٌ تَمْتَاماً، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ الرَّاءَ فِي كَلَامِهِ لِفَصَاحَتِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الفَصَاحَةَ سَخَّرَهَا لِلْقَوْلِ بِـ "المَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ".
(٣) عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (رَأْسُ القَدَرِيَّةِ):
المصدر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير، المجلد (٥)، ص (١٧٨)، طبعة دار الكتاب العربي.
التوثيق: ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ كَذَا (حَدِيثَ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ فِي القَدَرِ) لَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا أَخَذْتَ مِيثَاقَنَا! وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الزَّيْغِ.
(٤) سَبَبُ التَّسْمِيَةِ:
المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٥٦)، طبعة المكتبة العصرية.
التوثيق: سُمُّوا "مُعْتَزِلَةً" لِاعْتِزَالِهِمْ مَجْلِسَ الحَسَنِ، وَقِيلَ لِقَوْلِهِمْ بِالمَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ خُطُورَةَ المَعْتَزِلَةِ تَنْبُعُ مِنْ كَوْنِهِمْ (فَلَاسِفَةً بِثِيَابِ دُعَاةٍ). فَهُمْ لَمْ يَنْفُوا النَّصَّ صَرَاحَةً كَمَا فَعَلَ المَلَاحِدَةُ، بَلْ سَلَكُوا مَسْلَكَ (التَّحْرِيفِ المَنْهَجِيِّ) الَّذِي سَمَّوهُ "تَأْوِيلاً". فَالزَّيْغُ الِاعْتِزَالِيُّ هُوَ زَيْغُ "تَقْدِيسِ العَقْلِ" وَجَعْلِهِ نِدًّا لِلْوَحْيِ، بَلْ حَاكِماً عَلَيْهِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَوْقِفِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنْ أَوَّلِهِمْ "غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ"، نَجِدُ أَنَّ الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ اسْتَتَابَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ غَيْلَانُ لِزَيْغِهِ عُوقِبَ. هَذَا الزَّيْغُ هُوَ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ لِتَكْفِيرِ السَّلَفِ وَاسْتِحْلَالِ دِمَائِهِمْ فِي المِحْنَةِ، لِأَنَّ العَقْلَ إِذَا تَأَلَّهَ طَغَى. وَالمُعْتَزِلَةُ هِيَ الأَصْلُ لِكُلِّ مَنْ يَقُولُ اليَوْمَ بـ "قِرَاءَةٍ عَصْرِيَّةٍ لِلنَّصِّ" أَوْ يَنْفِي بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ لِأَنَّهَا لَا تَتَّفِقُ مَعَ "العَقْلِ المُتَنَوِّرِ". إِنَّهُ زَيْغٌ يَبْدَأُ بِكَلِمَةٍ وَيَنْتَهِي بِمِحْنَةٍ تَطَالُ الأُمَّةَ بِأَسْرِهَا.
(٦) زَيْغُ التَّوْحِيدِ (التَّعْطِيلُ):
المصدر: المنية والأمل في شرح الملل والنحل، لابن المرتضى (مُعْتَزِلِيٌّ)، ص (٢٢)، طبعة دار الفكر.
التوثيق: يُقِرُّون أَنَّ تَوْحِيدَهُمْ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِ صِفَاتِ المَعَانِي (العِلْمُ، القُدْرَةُ، الحَيَاةُ) زَعْماً لِلتَّنْزِيهِ.
(٧) زَيْغُ العَدْلِ (نَفْيُ القَدَرِ):
المصدر: المحيط بالتكليف، للقاضي عبد الجبار (قَاضِي القُضَاةِ عِنْدَهُمْ)، ص (٧٧)، طبعة دار المشرق.
التوثيق: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ لَا خَلْقَ لَهُ فِي أَفْعَالِ العِبَادِ الصَّادِرَةِ عَنْ إِرَادَتِهِمْ، لِأَنَّ خَلْقَهَا يُنَافِي العَدْلَ فِي الجَزَاءِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ.
(٨) المِحْنَةُ وَدَوْرُ ابْنِ أَبِي دُؤَادَ:
المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (١٠)، ص (٣٣٠)، طبعة هجر.
التاريخ: بَدَأَتِ المِحْنَةُ سَنَةَ (٢١٨ هـ) فِي آخِرِ عَهْدِ المَأْمُونِ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ هُوَ المُّحَرِّكُ الرَّئِيسُ لِخُصُومَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.
(٩) ثَبَاتُ الإِمَامِ أَحْمَدَ:
المصدر: طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى، المجلد (١)، ص (١٤)، طبعة دار المعرفة.
التوثيق: حِينَ سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ مَقَالَتِهِمْ قَالَ: "هَذِهِ بَرَاذِينُ المَلَاحِدَةِ"، تَنْبِيهاً عَلَى أَنَّ الزَّيْغَ الِاعْتِزَالِيَّ يُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ الكُلِّيِّ.
(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الِاعْتِزَالِيِّ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الخامس، مَسْأَلَةُ القَدَرِ وَالعَقْلِ.
التوثيق: «المُعْتَزِلَةُ هُمْ (عُبَّادُ العَقْلِ)، وَزَيْغُهُمْ يَتَمَثَّلُ فِي حَجْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ. فَهُمْ يَجْعَلُونَ اللَّهَ "مَجْبُوراً" عَلَى فِعْلِ الأَصْلَحِ، وَيَنْفُونَ القَدَرَ لِيُحَقِّقُوا العَدْلَ بِمَفْهُومِهِمْ. فَلَمَّا قَدَّمُوا العَقْلَ، زَاغَتْ فِهَامُهُمْ عَنْ عُلُوِّ الرَّبِّ وَكَلَامِهِ، فَامْتَحَنُوا الأُمَّةَ بِبِدْعَةِ خَلْقِ القُرْآنِ. وَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ (عَقْلَانِيِّينَ) هُوَ تَقْلِيدٌ مَمْسُوخٌ لِهَذَا الزَّيْغِ القَدِيمِ».
(١١) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الشَّرِيعَةِ" لِلآجُرِّيِّ):
"كُلُّ مَنْ نَفَى القَدَرَ فَقَدْ زَاغَ عَنْ صِرَاطِ الإِيمَانِ، وَالمُعْتَزِلَةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ".
(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ:
"العَقْلُ مُدْرِكٌ لِلْوَحْيِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيمُ العَقْلِ صِفَةُ الزَّائِغِينَ".
»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٦]«««««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الكُلَّابِيِّ)
- التَّلْفِيقُ بَيْنَ الأَثَرِ وَالتَّعْطِيلِ
١. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَّابٍ وَظُهُورُ مَذْهَبِ "المُنْتَصَفِ":
ظَهَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ القَطَّانُ (ت: ٢٤٠ هـ) فِي زَمَنِ المِحْنَةِ، وَأَرَادَ الرَّدَّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ بِطَرِيقَتِهِمْ (١).
زَاغَ ابْنُ كُلَّابٍ حِينَ حَاوَلَ إِمْسَاكَ العَصَا مِنَ المُنْتَصَفِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنُّفاةِ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ قَدَمٌ فِي هَذَا وَلَا ذَاكَ (٢).
فَوَافَقَ السَّلَفَ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَلَكِنَّهُ نَفَى "الأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ" القَائِمَةَ بِالرَّبِّ كَالمَجِيءِ وَالاسْتِوَاءِ (٣).
زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهَرَبَ مِنْ "حُلُولِ الحَوَادِثِ" إِلَى تَعْطِيلِ فِعْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ (٤).
وَهَذَا هُوَ أَصْلُ القَاعِدَةِ الكَلَامِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: (اعْتَقِدْ ثُمَّ اسْتَدِلَّ)، حَيْثُ نَفَوْا أَوَّلاً بِمُقْتَضَى العَقْلِ ثُمَّ طَوَّعُوا النُّصُوصَ (٥).
٢. بِدْعَةُ "الكَلَامِ النَّفْسِيِّ" وَتَجْزِئَةِ الصِّفَاتِ:
أَثْبَتَتِ الكُلَّابِيَّةُ سَبْعَ صِفَاتٍ (الحَيَاةُ، العِلْمُ، القُدْرَةُ، الإِرَادَةُ، السَّمْعُ، البَصَرُ، الكَلَامُ) بِدَعْوَى أَنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلَيْهَا (٦).
لَكِنَّهُمْ زَاغُوا فِي حَقِيقَةِ "الكَلَامِ"، فَجَعَلُوهُ "مَعْنًى نَفْسِيًّا" قَائِمًا بِالذَّاتِ، لَا حَرْفٌ فِيهِ وَلَا صَوْتٌ يُسْمَعُ (٧).
فَكَانُوا بِذَلِكَ قَنْطَرَةً لِلْجَهْمِيَّةِ، إِذْ جَعَلُوا هَذَا القُرْآنَ المَقْرُوءَ "حِكَايَةً" أَوْ "عِبَارَةً" عَنْ كَلَامِ اللَّهِ المَخْلُوقِ (٨).
فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ فِعْلًا يَقُومُ بِهِ حَقِيقَةً، بَلْ جَعَلُوا صِفَاتِهِ كُلَّهَا أَزَلِيَّةً جَامِدَةً لَا تَتَجَدَّدُ بِآحَادِ المَشِيئَةِ (٩).
وَهَذَا الاضْطِرَابُ جَعَلَهُمْ يَقَعُونَ فِيمَا هَرَبُوا مِنْهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ، فَوَافَقُوهُمْ فِي جَوْهَرِ "التَّعْطِيلِ لِلْأَفْعَالِ" (١٠).
٣. شُيُوخُ وَأَتْبَاعُ ابْنِ كُلَّابٍ وَانْتِشَارُ الفِتْنَةِ:
تَلَقَّى ابْنُ كُلَّابٍ عَنِ المُنَاظِرِينَ فِي عَصْرِهِ، وَبَرَزَ مِنْ أَتْبَاعِهِ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ (ت: ٢٤٣ هـ) وَأَبُو العَبَّاسِ القَلَانِسِيُّ (١١).
خَلَطَ المُحَاسِبِيُّ بَيْنَ "الزُّهْدِ" وَبَيْنَ "قَوَاعِدِ ابْنِ كُلَّابٍ"، فَحَذَّرَ مِنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَمَرَ بِمُهَاجَرَتِهِ (١٢).
كَانَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ (بَعْدَ الِاعْتِزَالِ) تِلْمِيذًا لِمَدْرَسَةِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَبِهَا صَنَّفَ "المَقَالَاتِ" (١٣).
فَالْكُلَّابِيَّةُ هُمُ (الأَبُ الشَّرْعِيُّ) لِلْمَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ، حَيْثُ نَقَلُوا الفِكْرَ الكَلَامِيَّ مِنْ "غِلْظَةِ الجَهْمِيَّةِ" إِلَى "مُدَاهَنَةِ الأَثَرِ" (١٤).
وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ حَاوَلَ الجَمْعَ بَيْنَ العَقْلِ الكَلَامِيِّ وَالنَّصِّ السُّنِّيِّ، انْتَهَى بِهِ الأَمْرُ إِلَى التَّحْرِيفِ وَالزَّيْغِ (١٥).
»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««
(١) ظُهُورُ ابْنِ كُلَّابٍ وَسِيَاقُ المِحْنَةِ:
- المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، المجلد (١٢)، ص (٣٦٦-٣٦٨)، طبعة دار الوفاء (٢٠٠٥م).
- التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الفِعْلِ بَعْدَ فِتْنَةِ خَلْقِ القُرْآنِ لِيَرُدَّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ.
(٢) زَيْغُ "إِمْسَاكِ العَصَا مِنَ المُنْتَصَفِ":
- المصدر: الاستقامة، لابن تيمية، المجلد (١)، ص (١٠٢-١٠٤)، طبعة دار الفضيلة.
- التوثيق: "ابْنُ كُلَّابٍ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الصِّفَاتِ وَيَنْفِيَ التَّشْبِيهَ بِمَنْطِقِ النُّفَاةِ، فَوَقَعَ فِي نَفْيِ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الضَّلَالِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ".
(٣) مَسْأَلَةُ نَفْيِ الأَفْعَالِ (حُلُولِ الحَوَادِثِ):
- المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (٢)، ص (٦)، طبعة دار الكنوز الأدبية.
- التوثيق: جَعَلَ ابْنُ كُلَّابٍ "الاسْتِوَاءَ" وَ"الغَضَبَ" وَ"الرِّضَا" صِفَاتٍ أَزَلِيَّةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ لَا يَكُونُ فِيهَا حَادِثٌ.
(٤) قَاعِدَةُ "اعْتَقِدْ ثُمَّ اسْتَدِلَّ" عِنْدَ الكُلَّابِيَّةِ:
- المصدر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، المجلد (٢)، ص (٥١٢)، طبعة دار العاصمة.
- التوثيق: بَيَّنَ ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ المُتَكَلِّمِينَ -وَعَلَى رَأْسِهِمُ الكُلَّابِيَّةُ- يَبْنُونَ مَذْهَبَهُمْ عَلَى "قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةٍ" مَوْهُومَةٍ، ثُمَّ يَنْظُرُونَ فِي النَّصِّ، فَمَا وَافَقَهُمْ قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهُمْ حَرَّفُوهُ تَحْتَ مُسَمَّى "التَّأْوِيلِ".
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ حَالَ "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُلَّابٍ" يَرَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا ذَا دِيَانَةٍ فِي الظَّاهِرِ، أَرَادَ نُصْرَةَ السُّنَّةِ، لَكِنَّهُ (سَلَكَ سَبِيلَ أَهْلِ الكَلَامِ) فَعَطَّلَ بَعْضَ الدِّينِ بِنِيَّةِ نُصْرَتِهِ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ نَقْدِ السَّلَفِ لَهُ؛ فَإِنَّ "الزَّيْغَ" لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، بَلْ هُوَ (مُفَارَقَةُ المَنْهَجِ). فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ كُلَّابٍ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ المَعْتَزِلَةُ وَالسَّلَفُ مَعًا، ضَاعَ بَيْنَهُمَا. فَالسَّلَفُ لَمْ يَقْبَلُوا "كَلَامَهُ النَّفْسِيَّ" لِأَنَّهُ يَصْرِفُ القُرْآنَ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَالمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَقْبَلُوا إِثْبَاتَهُ لِلصِّفَاتِ السَّبْعِ. وَالقَاعِدَةُ الَّتِي تَبَنَّاهَا بِتَقْدِيمِ (مَا اعْتَقَدَهُ فِي الذِّهْنِ) عَلَى (صَرِيحِ النَّصِّ) هِيَ الَّتِي أَوْرَثَتِ الأُمَّةَ "الحَيْرَةَ الكَلَامِيَّةَ". فَالْكُلَّابِيُّ هُوَ (جَهْمِيٌّ مُخَفَّفٌ)، لَا يَجْرُؤُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ حِينَ يَجْعَلُ المَقْرُوءَ "حِكَايَةً". وَهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ (الوَسَطِيَّةَ) لَيْسَتْ جَمْعًا بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، بَلْ هِيَ لُزُومُ الحَقِّ المَحْضِ وَإِنْ خَالَفَ عُقُولَ المُتَكَلِّمِينَ.
(٦) إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ السَّبْعِ وَعِلَّتُهُ:
- المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٦٩)، طبعة المكتبة العصرية.
- التوثيق: "قَالَ ابْنُ كُلَّابٍ: لِلَّهِ صِفَاتٌ أَزَلِيَّةٌ هِيَ: العِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالحَيَاةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا لِأَنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلَيْهَا عَقْلًا".
(٧) بِدْعَةُ "الكَلَامِ النَّفْسِيِّ" وَفَسَادُهَا:
- المصدر: شرح الأصفهانية، لابن تيمية، ص (١٢٢-١٢٤)، طبعة دار المنهاج.
- التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ زَاغَ بِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ "الكَلَامِ" وَبَيْنَ "الخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ"، فَجَعَلَ الكَلَامَ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَتَبَعَّضُ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الأَشَاعِرَةِ فِي بَابِ القُرْآنِ.
(٨) تَحْذِيرُ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ الحَارِثِ المُحَاسِبِيِّ:
- المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، المجلد (١٢)، ص (٧٠-٧١)، طبعة الرسالة.
- التاريخ: سَنَةَ (٢٤٠ هـ) تَقْرِيبًا؛ حِينَ سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ كُتُبِ الحَارِثِ فَقَالَ: "إِيَّاكَ وَهَذِهِ الكُتُبَ، هَذِهِ كُتُبُ بِدَعٍ وَضَلَالَاتٍ، جَالِسْ أَهْلَ الأَثَرِ".
(٩) صِلَةُ ابْنِ كُلَّابٍ بِمَرْحَلَةِ الأَشْعَرِيِّ:
- المصدر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، المجلد (٤)، ص (٢١)، طبعة دار الجيل.
- التوثيق: بَيَّنَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ بَعْدَ تَرْكِهِ لِلِاعْتِزَالِ، سَلَكَ طَرِيقَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ (أَهْلِ الإِثْبَاتِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ) الَّذِينَ يُوَافِقُونَ الجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ الأُصُولِ.
(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الكُلَّابِيِّ":
- المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس السَّادِس، مَسْأَلَةُ (الكَلَامِ النَّفْسِيِّ).
- التوثيق: «ابْنُ كُلَّابٍ جَاءَ بِفِكْرَةٍ لَمْ تُعْرَفْ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَلَا فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَهِيَ (الكَلَامُ النَّفْسِيُّ). وَزَيْغُهُ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّهُ أَرَادَ التَّنْزِيهَ، فَوَقَعَ فِي أَنَّ اللَّهَ "لَا يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ". فَالْكُلَّابِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ هَيَّأُوا التُّرْبَةَ لِلْأَشَاعِرَةِ لِيَنْفُوا صِفَاتِ اللَّهِ الفِعْلِيَّةَ. فَمَنْ جَعَلَ اللَّهَ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِثْلَ (الجَمَادِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ».
(١١) الشُّيُوخُ وَالتَّلَامِيذُ (تَوْثِيقٌ تَارِيخِيٌّ):
- الشيوخ: تَلَقَّى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ طَابَعُ الجَدَلِ.
- التلاميذ: الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ، أَبُو العَبَّاسِ القَلَانِسِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ.
- المآل: انْدَمَجَتِ الكُلَّابِيَّةُ تَمَامًا فِي المَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ بَعْدَ القَرْنِ الرَّابِعِ.
(١٢) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الإِبَانَةِ" لِلأَشْعَرِيِّ):
- بَيَّنَ الأَشْعَرِيُّ فِي آخِرِهِ لُزُومَ مَنْهَجِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَا خَالَفَتْهُ الكُلَّابِيَّةُ فِي نَفْيِ "آحَادِ الصِّفَاتِ".
المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الأَشْعَرِيِّ) - اضْطِرَابُ التَّلَقِّي وَحَاكِمِيَّةُ العَقْلِ الكَلَامِيِّ
١. أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَتَحَوُّلَاتُ المَنْهَجِ:
وُلِدَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ (ت: ٣٢٤ هـ) فِي البَصْرَةِ، وَنَشَأَ مُعْتَزِلِيًّا فِي حِجْرِ أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ (١).
بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلسُّنَّةِ مُبَاشَرَةً، بَلْ مَرَّ بِمَرْحَلَةٍ "كُلَّابِيَّةٍ" مَحْضَةٍ (٢).
فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، أَرَادَ الدِّفَاعَ عَنِ العَقِيدَةِ بِأَدَوَاتِ المَعْتَزِلَةِ، فَوَقَعَ فِي فَخِّ "الِاعْتِقَادِ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ" (٣).
زَاغَ الأَشَاعِرَةُ (الأَتْبَاعُ) حِينَ جَمَدُوا عَلَى مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ، وَتَرَكُوا رُجُوعَهُ الأَخِيرَ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "الإِبَانَةِ" (٤).
فَصَارَ المَذْهَبُ الأَشْعَرِيُّ خَلِيطاً بَيْنَ الكَلَامِ الجَهْمِيِّ فِي النَّفْيِ، وَبَيْنَ الِانْتِسَابِ لِأَهْلِ الحَدِيثِ فِي الظَّاهِرِ (٥).
٢. قِيمَةُ النَّصِّ وَحَاكِمِيَّةُ "القَانُونِ الكُلِّيِّ":
زَاغَ الأَشَاعِرَةُ فِي تَقْعِيدِ بَابِ التَّلَقِّي، حَيْثُ جَعَلُوا النُّصُوصَ الوَحْيِيَّةَ (أَدِلَّةً لَفْظِيَّةً) لَا تُفِيدُ اليَقِينَ (٦).
ابْتَدَعُوا "القَانُونَ الكُلِّيَّ" الَّذِي يَقْضِي بِتَقْدِيمِ العَقْلِ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ المَوْهُومِ، وَهُوَ رَأْسُ الزَّيْغِ (٧).
فَقَالُوا: النَّصُّ إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ (تَحْرِيفاً) أَوْ يُفَوَّضَ (تَجْهِيلاً)، فَعَطَّلُوا دَلَالَةَ القُرْآنِ عَلَى صِفَاتِ الرَّبِّ (٨).
وَهَذَا نِتَاجُ قَاعِدَتِهِمْ: (نَعْتَقِدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، ثُمَّ نَبْحَثُ لَهُ عَنْ مَخْرَجٍ فِي النَّصِّ)، فَالنَّصُّ تَبَعٌ لَا مَتْبُوعٌ (٩).
نَفَوْا جَمِيعَ الصِّفَاتِ الخَبَرِيَّةِ (كَاليَدِ وَالوَجْهِ وَالعَيْنِ) وَأَوَّلُوهَا، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ (١٠).
٣. صِفَاتُ السَّبْعِ وَبِدْعَةُ الكَسْبِ وَالإِرْجَاءِ:
حَصَرَ الأَشَاعِرَةُ صِفَاتِ اللَّهِ فِي سَبْعٍ فَقَطْ، لِأَنَّ العَقْلَ -بِزَعْمِهِمْ- هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا (١١).
زَاغُوا فِي القَدَرِ بِقَوْلِهِمْ بِـ "الكَسْبِ"، وَهُوَ قَوْلٌ حَيَّرَ العُقُولَ، انْتَهَوْا فِيهِ إِلَى جَبْرٍ مُقَنَّعٍ (١٢).
وَفِي الإِيمَانِ، وَافَقُوا الجَهْمِيَّةَ فِي أَنَّهُ "التَّصْدِيقُ"، فَأَخْرَجُوا الأَعْمَالَ عَنْ مُسَمَّى الإِيمَانِ، فَزَاغُوا عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ (١٣).
أَصْبَحَ المَذْهَبُ مَعَ الجُوَيْنِيِّ وَالغَزَالِيِّ ثُمَّ الرَّازِيِّ أَغْرَقَ فِي الفَلْسَفَةِ، حَتَّى صَارَ النَّصُّ عِنْدَهُمْ لِلْبَرَكَةِ لَا لِلِاسْتِدْلَالِ (١٤).
وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الأَشْعَرِيَّةَ مَذْهَبٌ (قَامَ عَلَى أَنْقَاضِ النَّصِّ) لِيَبْنِيَ صَرْحاً مِنَ الأَقْيِسَةِ المَنْطِقِيَّةِ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) نَشْأَةُ الأَشْعَرِيِّ وَمَرْحَلَةُ الِاعْتِزَالِ:
المصدر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، المجلد (٣)، ص (٢٨٤-٢٨٦)، طبعة دار صادر - بيروت.
التاريخ: بَقِيَ الأَشْعَرِيُّ مُعْتَزِلِيًّا إِلَى سَنَةِ (٣٠٠ هـ)، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْ شَيْخِهِ الجُبَّائِيِّ فِي المُنَاظَرَاتِ، مِمَّا طَبَعَ عَقْلَهُ بِأَدَوَاتِ الجَدَلِ.
(٢) رُجُوعُ الأَشْعَرِيِّ وَتَحَوُّلُهُ لِلْكُلَّابِيَّةِ:
المصدر: تبيين كذب المفتري، لابن عساكر، ص (٣٥-٤٠)، طبعة دار الكتاب العربي.
التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ قِصَّةَ اعْتِلَائِهِ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَخَلْعِ ثَوْبِهِ قَائِلاً: "خَلَعْتُ اعْتِقَادِي كَمَا خَلَعْتُ ثَوْبِي"، لَكِنَّ الكُتُبَ الَّتِي أَلَّفَهَا بَعْدَهَا كَـ "اللُّمَعِ" كَانَتْ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ.
(٣) قَاعِدَةُ (الِاعْتِقَادُ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ):
المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (١)، ص (٨٦)، طبعة دار الكنوز.
التوثيق: بَيَّنَ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ الأَشَاعِرَةَ بَنَوْا عَقَائِدَهُمْ عَلَى "مُقَدِّمَاتٍ كَلَامِيَّةٍ" مِثْلَ (دَلِيلِ الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ)، ثُمَّ أَتَوْا لِلنُّصُوصِ لِيُحَمِّلُوهَا مَا اعْتَقَدُوهُ عَقْلاً، فَإِذَا نَفَى العَقْلُ "الاسْتِوَاءَ" أَوَّلُوهُ بِالاسْتِيلَاءِ.
(٤) قِيمَةُ النَّصِّ وَ"ظَوَاهِرُ الكِتَابِ" عِنْدَهُمْ:
المصدر: أساس التقديس، للفخر الرَّازِي، ص (١٥٦)، طبعة مطبعة السعادة (١٩١٠م).
التوثيق: صَرَّحَ الرَّازِيُّ -وَهُوَ رَأْسُهُمْ فِي التَّأْخِيرِ- بِأَنَّ "الأَدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ لَا تُفِيدُ اليَقِينَ لِاحْتِمَالِ المَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ وَالتَّخْصِيصِ"، وَهَذَا زَيْغٌ يُسْقِطُ الِاحْتِجَاجَ بِالقُرْآنِ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ يَنْظُرُ فِي (تَارِيخِ الأَشَاعِرَةِ) يَرَى عَجَباً؛ فَهُمْ أَرَادُوا قَمْعَ المُعْتَزِلَةِ بِسِلَاحِ المَعْتَزِلَةِ، فَمَا قَمَعُوهُمْ وَلَا نَصَرُوا السُّنَّةَ. الزَّيْغُ الأَشْعَرِيُّ يَبْدَأُ مِنْ "سُوءِ الظَّنِّ بِالنَّصِّ"، حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ظَاهِرَهُ (كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ)، فَهَرَبُوا إِلَى التَّأْوِيلِ. وَهَذِهِ هِيَ نَفْسُ المَدْرَسَةِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ قَالَ: "مَنْ جَعَلَ دِينَهُ عُرْضَةً لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ". فَالْأَشَاعِرَةُ تَنَقَّلُوا مِنْ "إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ" مَعَ الأَشْعَرِيِّ، إِلَى "التَّفْوِيضِ وَالتَّأْوِيلِ الكُلِّيِّ" مَعَ الرَّازِيِّ. وَالقَاعِدَةُ الَّتِي طَبَّقُوهَا بِتَقْدِيمِ (الخَيَالِ العَقْلِيِّ) عَلَى (النُّورِ الوَحْيِيِّ) هِيَ الَّتِي جَعَلَتِ القُرْآنَ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ "حِكَايَةٍ"، فَلَمْ يَعُدْ لِلنَّصِّ هَيْبَةٌ فِي تَقْرِيرِ العَقَائِدِ. فَالزَّيْغُ هُنَا زَيْغٌ "وُجُودِيٌّ" يَمَسُّ الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ، حَيْثُ وَصَفُوا الرَّبَّ بِصِفَاتٍ سَلْبِيَّةٍ جَعَلَتْهُ أَقْرَبَ لِلْمَعْدُومِ مِنْهُ لِلْمَوْجُودِ، كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ (اعْتَقَدُوا) قَوَاعِدَ اليُونَانِ قَبْلَ أَنْ (يَسْتَدِلُّوا) بِآيَاتِ الرَّحْمَنِ.
(٦) "القَانُونُ الكُلِّيُّ" (مِعْوَلُ الهَدْمِ):
المصدر: الإرشاد، لإمام الحرمين الجُوَيْنِي، ص (٣٥٨)، طبعة دار الكتب العلمية.
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ العَقْلَ هُوَ الأَصْلُ، وَالنَّقْلَ إِذَا عَارَضَهُ وَجَبَ تَأْوِيلُ النَّقْلِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فِي "المَحْصُولِ".
(٧) مَسْأَلَةُ "الصِّفَاتِ السَّبْعِ":
المصدر: شرح المواقف، للإيجِي، المجلد (٨)، ص (٤٥)، طبعة دار الكتب العلمية.
التوثيق: حَصَرُوا الصِّفَاتِ فِي (الحَيَاةِ، العِلْمِ، القُدْرَةِ، الإِرَادَةِ، السَّمْعِ، البَصَرِ، الكَلَامِ) وَزَعَمُوا أَنَّ العَقْلَ هُوَ الحَاكِمُ بِإِثْبَاتِهَا، أَمَّا مَا عَدَاهَا فَلَا يَثْبُتُ لِأَنَّ العَقْلَ لَا يُدْرِكُهُ!
(٨) خُرَافَةُ "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ:
المصدر: مقالات الإسلاميين، للأشْعَرِي، ص (٥٤٢)، طبعة المكتبة العصرية.
التوثيق: "الكَسْبُ عِنْدَنَا: أَنْ يَقَعَ الفِعْلُ بِقُدْرَةٍ مُحْدَثَةٍ، فَيَكُونَ خَلْقاً لِلَّهِ وَكَسْباً لِلْعَبْدِ"، وَقَدْ قَالَ العُلَمَاءُ: "ثَلَاثَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الأَشْعَرِيِّ".
(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الأَشْعَرِيِّ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس السَّابِع، مَسْأَلَةُ (تَقْدِيمِ العَقْلِ).
التوثيق: «الأَشَاعِرَةُ زَاغُوا حِينَ جَعَلُوا الوَحْيَ "تِلْمِيذاً" لِلْعَقْلِ. فَالرَّازِيُّ يَضَعُ قَانُونَهُ الكُلِّيَّ لِيَهْدِمَ كُلَّ نَصٍّ لَا يَرُوقُ لِمَنْطِقِهِ. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ، بَيْنَمَا هُمْ فِي الحَقِيقَةِ خَصَمُوا السُّنَّةَ بِأَدَوَاتِ أَعْدَائِهَا. فَمَنْ جَعَلَ اليَقِينَ فِي العَقْلِ وَالشَّكَّ فِي النَّقْلِ، فَقَدْ فَارَقَ مِلَّةَ السَّلَفِ فِي التَّلَقِّي. وَزَيْغُهُمْ فِي بَابِ الإِيمَانِ (الإِرْجَاءُ) هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِلتَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ لِيَنْتَشِرَ بَيْنَهُمْ».
(١٠) مَوْقِفُ الإِمَامِ الذَّهَبِيِّ مِنْ زَيْغِهِمْ:
المصدر: سير أعلام النبلاء، المجلد (١٥)، ص (٨٦).
التوثيق: "وَمَا كَانَ الأَشْعَرِيُّ إِلَّا كُلَّابِيًّا فِي مَرْحَلَتِهِ تِلْكَ، وَأَتْبَاعُهُ اليَوْمَ خَالَفُوا حَتَّى مَرْحَلَتَهُ الأَخِيرَةَ".
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٨]«««««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ السَّادِسَةُ: (التَّشْرِيحُ المَاتُرِيدِيُّ) - مِن سَمَرْقَنْد إِلَى دِيُوبَنْد وَطَالِبَان
١. أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ وَنَشْأَةُ المَدْرَسَةِ فِي بِلَادِ مَاوَرَاءَ النَّهْرِ:
ظَهَرَ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَاتُرِيدِيُّ (ت: ٣٣٣ هـ) فِي سَمَرْقَنْد، مُتَأَثِّراً بِمَنَاهِجِ المُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ (١).
زَاغَ المَاتُرِيدِيُّ حِينَ سَلَكَ سَبِيلَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ فِي جَعْلِ "العَقْلِ" أَصْلاً لِلتَّلَقِّي فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ (٢).
فَجَعَلَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَاجِبَةً بِالعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، مُوَافَقَةً لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمُخَالَفَةً لِنُصُوصِ الوَحْيِ (٣).
أَسَّسَ مَذْهَبَهُ عَلَى "الِاعْتِقَادِ المَنْطِقِيِّ" ثُمَّ لَيِّ أَعْنَاقِ النُّصُوصِ لِتُوَافِقَ مَا قَرَّرَهُ مِنَ القَوَاعِدِ العَقْلِيَّةِ (٤).
وَبِهَذَا صَارَتِ المَاتُرِيدِيَّةُ هِيَ المَذْهَبُ الرَّسْمِيُّ لِغَالِبِ أَتْبَاعِ المَدْرَسَةِ الحَنَفِيَّةِ فِي جَوَانِبِ الِاعْتِقَادِ (٥).
٢. أُصُولُ الزَّيْغِ فِي الصِّفَاتِ وَالقَدَرِ وَالإِيمَانِ:
زَاغُوا فِي بَابِ الصِّفَاتِ بِنَفْيِ "الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ"، وَأَثْبَتُوا ثَمَانِيَ صِفَاتٍ بِزِيَادَةِ صِفَةِ "التَّكْوِينِ" (٦).
جَعَلُوا التَّكْوِينِ صِفَةً أَزَلِيَّةً، فَوَقَعُوا فِي تَنَاقُضَاتٍ عَقْلِيَّةٍ هَرَبُوا فِيهَا مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ إِلَى التَّعْطِيلِ (٧).
فِي بَابِ الإِيمَانِ، زَاغُوا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ "التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ" فَقَطْ، وَأَخْرَجُوا الأَعْمَالَ تَمَاماً عَنْ حَقِيقَتِهِ (٨).
قَالُوا بِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الإِيمَانِ، فَزَعَمُوا أَنَّ العَبْدَ يَقُولُ: "أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا" لَا "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٩).
وَفِي القَدَرِ، قَالُوا بِمَشِيئَةٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ وَالرِّضَا، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ (١٠).
٣. المَاتُرِيدِيَّةُ المُعَاصِرَةُ (الدِّيُوبَنْدِيَّةُ، بَاكِسْتَانُ، وَطَالِبَانُ):
انْتَقَلَ الزَّيْغُ المَاتُرِيدِيُّ إِلَى القَارَّةِ الهِنْدِيَّةِ، وَتَمَثَّلَ حَدِيثاً فِي المَدْرَسَةِ "الدِّيُوبَنْدِيَّةِ" (تَأْسِيسُ ١٨٦٦م) (١١).
عُلَمَاءُ دِيُوبَنْد فِي بَاكِسْتَانَ وَالهِنْدِ هُمْ مَاتُرِيدِيَّةُ العَقِيدَةِ، حَنَفِيَّةُ الفُرُوعِ، صُوفِيَّةُ المَسْلَكِ (١٢).
حَرَكَةُ "طَالِبَانَ" فِي أَفْغَانِسْتَانَ هِيَ نِتَاجٌ خَالِصٌ لِهَذَا الفِكْرِ المَاتُرِيدِيِّ الدِّيُوبَنْدِيِّ الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ الكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ (١٣).
يَعْتَقِدُونَ بِـ "وِحْدَةِ الشُّهُودِ" الصُّوفِيَّةِ، وَيُعَظِّمُونَ القُبُورَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالْمَوْتَى، رَغْمَ ادِّعَائِهِمْ نُصْرَةَ التَّوْحِيدِ (١٤).
فَالزَّيْغُ المَاتُرِيدِيُّ اليَوْمَ يُشَكِّلُ الغِطَاءَ العَقَدِيَّ لِكَثِيرٍ مِنَ الجَمَاعَاتِ فِي آسِيَا الوُسْطَى، وَهُوَ زَيْغٌ يُقَدِّمُ "المَذْهَبَ" عَلَى "الحَدِيثِ" (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««««
(١) نَشْأَةُ المَاتُرِيدِيِّ وَبِيئَتُهُ:
المصدر: تاريخ المذاهب الإسلامية، لمحمد أبو زهرة، ص (١٧٢)، طبعة دار الفكر العربي.
التاريخ: تزامَنَ ظُهُورُ المَاتُرِيدِيِّ فِي المَشْرِقِ مَعَ ظُهُورِ الأَشْعَرِيِّ فِي العِرَاقِ، لَكِنَّ المَاتُرِيدِيَّ كَانَ أَكْثَرَ إِغْرَاقاً فِي "آرَاءِ الحَنَفِيَّةِ" الكَلَامِيَّةِ.
(٢) حَاكِمِيَّةُ العَقْلِ عِنْدَ المَاتُرِيدِيَّةِ:
المصدر: كتاب التوحيد، لأبي منصور الماتريدي، ص (٤-٧)، طبعة دار المشرق - بيروت.
التوثيق: صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ "العَقْلَ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ"، وَأَنَّ السَّمْعَ (الوَحْيَ) يَأْتِي لِتَأْكِيدِ مَا قَرَّرَهُ العَقْلُ، وَهَذَا تَقْدِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الخَالِقِ.
(٣) مَسْأَلَةُ "التَّكْوِينِ" وَالاضْطِرَابُ فِيهَا:
المصدر: إشارات المرام من إمامات الإسلام، للبياضي، ص (٤٣)، طبعة مصطفى الحلبي.
التوثيق: بَيَّنَ فِيهِ اخْتِلَافَهُمْ عَنِ الأَشَاعِرَةِ بِإِثْبَاتِ "التَّكْوِينِ" صِفَةً أَزَلِيَّةً، وَهُوَ مَا أَدَّى بِهِمْ لِلْقَوْلِ بِقِدَمِ العَالَمِ نَوْعاً مَا، فَزَاغُوا عَنْ مَحْضِ التَّوْحِيدِ.
(٤) زَيْغُ الإِيمَانِ (الإِرْجَاءُ المَاتُرِيدِيُّ):
المصدر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، ص (٣٣٢)، طبعة مؤسسة الرسالة.
التوثيق: رَدَّ فِيهِ عَلَى المَاتُرِيدِيَّةِ فِي إِخْرَاجِهِمُ العَمَلَ عَنِ الإِيمَانِ، مُبَيِّناً أَنَّ هَذَا الزَّيْغَ يُفْضِي إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (الزَّيْغَ المَاتُرِيدِيَّ) يَرَى أَنَّهُ زَيْغٌ "مُقَنَّعٌ" بِثَوْبِ الفِقْهِ الحَنَفِيِّ. فَلَمَّا كَانَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِمَّنْ يُقَدِّمُونَ النَّصَّ وَإِنْ تَوَسَّعَ فِي الرَّأْيِ فِقْهاً، جَاءَ المَاتُرِيدِيُّ فَحَمَلَ هَذَا "التَّوَسُّعَ" إِلَى بَابِ العَقَائِدِ، فَاسْتَبْدَلَ نُصُوصَ الصِّفَاتِ بِأَقْيِسَةِ المَنَاطِقَةِ. وَالزَّيْغُ هُنَا يَتَجَلَّى فِي (ثُنَائِيَّةِ التَّلَقِّي)، فَهُمْ يُعَظِّمُونَ "النَّصَّ" فِي الفُرُوعِ، وَيَعْصُونَهُ فِي "الأُصُولِ" بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ. وَهَذَا الضَّلَالُ انْتَقَلَ لِلدِّيُوبَنْدِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، حَيْثُ نَجِدُ مَزِيراً مِنَ "التَّقْلِيدِ الجَامِدِ" مَعَ "التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ". فَطَالِبَانُ مَثَلاً، رَغْمَ جِهَادِهِمْ لِلْمُحْتَلِّ، إِلَّا أَنَّهُمْ فِي بَابِ الاعْتِقَادِ مَاتُرِيدِيَّةٌ جَلْدَةٌ، يُعَادُونَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ وَيَصِفُونَهَا بِـ "التَّجْسِيمِ"، وَيَمْنَعُونَ كُتُبَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى (قَالَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُهُ). إِنَّهُ زَيْغٌ يَمْزِجُ بَيْنَ "جَفَاءِ المَنْطِقِ" وَ"خُرَافَةِ القُبُورِ"، مِمَّا يَجْعَلُ بِنَاءَهُمُ العَقَدِيَّ هَشّاً أَمَامَ بَرَاهِينِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
(٦) الدِّيُوبَنْدِيَّةُ وَصِلَتُهَا بِالْمَاتُرِيدِيَّةِ:
المصدر: المدرسة الديوبندية، للسيد محبوب الرضوي، ص (١١٥)، طبعة إدارة إسلاميات - لاهور.
التاريخ: تَأَسَّسَتْ مَدْرَسَةُ "دَارِ العُلُومِ" فِي دِيُوبَنْد سَنَةَ ١٢٨٣ هـ (١٨٦٦ م) عَلَى يَدِ مُحَمَّد قَاسِم النَّانُوتْوِي، وَهِيَ المَعْقِلُ الرَّئِيسُ لِلْمَاتُرِيدِيَّةِ فِي آسِيَا.
(٧) طَالِبَانُ وَالاعْتِقَادُ المَاتُرِيدِيُّ:
المصدر: حقيقة حركة طالبان، للدكتور أحمد موفق زيدان، ص (٤٥)، طبعة دار طيبة.
التوثيق: "طَالِبَانُ عَقِيدَتُهُمْ هِيَ المَاتُرِيدِيَّةُ المَمْزُوجَةُ بِالتَّصَوُّفِ النَّقْشَبَنْدِيِّ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ المُنْفَرِدِ".
(٨) بَاكِسْتَانُ وَفِرَقُ المَاتُرِيدِيَّةِ (البَرَيْلَوِيَّةُ وَالدِّيُوبَنْدِيَّةُ):
المصدر: البريلوية: عقائد وتاريخ، لإحسان إلهي ظهير، ص (٢٢)، طبعة دار الوفاء.
التوثيق: بَيَّنَ الشَّهِيدُ إِحْسَانُ إِلهِي كَيْفَ أَنَّ المَاتُرِيدِيَّةَ فِي بَاكِسْتَانَ انْقَسَمَتْ لِفِرَقٍ، بَعْضُهَا غَلَا فِي القُبُورِ (البَرَيْلَوِيَّةُ) وَبَعْضُهَا ادَّعَى الِاعْتِدَالَ (الدِّيُوبَنْدِيَّةُ)، وَكُلُّهُمْ عَنِ السَّلَفِ زَائِغُونَ.
(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ المَاتُرِيدِيِّ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الثَّامِن، مَسْأَلَةُ (التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ).
التوثيق: «المَاتُرِيدِيَّةُ زَاغُوا فِي أَخْطَرِ أَبْوَابِ التَّلَقِّي، وَهُوَ (العَقْلُ). فَهُمْ يَجْعَلُونَ العَقْلَ حَاكِماً فِي "الحُسْنِ وَالقُبْحِ"، وَمِنْ هُنَا جَاؤُوا بِبِدَعِ الصِّفَاتِ وَالإِرْجَاءِ. وَمَا نَرَاهُ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ المَشْرِقِيِّ مِنَ انْتِشَارِ الصُّوفِيَّةِ القُبُورِيَّةِ هُوَ نِتَاجُ ضَعْفِ العَقِيدَةِ المَاتُرِيدِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْنِ النَّاسَ عَلَى تَعْظِيمِ النَّصِّ، بَلْ عَلَى تَعْظِيمِ "الآرَاءِ"».
(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "السَّوَادِ الأَعْظَمِ" لِلْحَكِيمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ):يُعَدُّ هَذَا الكِتَابُ مَرْجِعاً مَاتُرِيدِيًّا قَدِيماً، يُؤَصِّلُ فِيهِ لِلْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الأَشَاعِرَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى "الِاضْطِرَابِ" لَا الِانْضِبَاطِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٩]««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ السَّابِعَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الفَلْسَفِيِّ) - مِنَ المَشَّائِينَ إِلَى أَهْلِ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ
١. الفَلْسَفَةُ المَحْضَةُ وَالمَشَّاؤُونَ (أَتْبَاعُ أَرِسْطُو):
بَدَأَ الزَّيْغُ الفَلْسَفِيُّ بِدُخُولِ كُتُبِ اليُونَانِ، وَأَخْطَرُهَا مَذْهَبُ "أَرِسْطُو طَالِيسَ" المُلَقَّبِ بِـ "المُعَلِّمِ الأَوَّلِ" (١).
يُسَمَّى أَتْبَاعُهُ بِـ "المَشَّائِينَ" لِأَنَّ أَرِسْطُو كَانَ يُلْقِي دُرُوسَهُ وَهُوَ يَمْشِي فِي رِوَاقِ مَدْرَسَتِهِ (٢).
زَاغَ "الكِنْدِيُّ" ثُمَّ "الفَارَابِيُّ" (المُعَلِّمُ الثَّانِي) وَ"ابْنُ سِينَا" بِتَبَنِّيهِمْ لِهَذَا الفِكْرِ الَّذِي يَقُولُ بِقِدَمِ العَالَمِ (٣).
نَفَوْا عِلْمَ اللَّهِ بِالجُزْئِيَّاتِ، وَأَنْكَرُوا حَشْرَ الأَجْسَادِ، وَجَعَلُوا النُّبُوَّةَ مَحْضَ "فَيْضٍ" أَوْ تَخَيُّلٍ عَقْلِيٍّ (٤).
فَالْمَشَّاؤُونَ هُمْ مَنْبَعُ كُلِّ تَعْطِيلٍ لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، حَيْثُ جَعَلُوهُ "عِلَّةً تَامَّةً" لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ (٥).
٢. الزَّيْغُ الحُلُولِيُّ وَالِاتِّحَادِيُّ (مِنَ الفَلْسَفَةِ إِلَى الزَّنْدَقَةِ):
تَطَوَّرَ الزَّيْغُ بِمَزْجِ الفَلْسَفَةِ بِالتَّصَوُّفِ، فَنَشَأَتْ مَقَالَةُ "الحُلُولِ" وَمَقَالَةُ "الِاتِّحَادِ" (٦).
الحُلُولُ: هُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي بَعْضِ خَلْقِهِ، كَمَا حَلَّ فِي عِيسَى -بِزَعْمِ النَّصَارَى- أَوْ فِي الحَلَّاجِ (٧).
الِاتِّحَادُ: هُوَ زَيْغٌ أَشَدُّ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الخَالِقَ وَالمَخْلُوقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا غَيْرِيَّةَ بَيْنَهُمَا (٨).
فَالْحُلُولُ يَقْتَضِي ذَاتَيْنِ (حَالٌّ وَمَحَلٌّ)، أَمَّا الِاتِّحَادُ فَيَنْفِي الِاثْنَيْنِيَّةَ تَمَاماً لِيَكُونَ الكُلُّ هُوَ اللَّهُ (٩).
هَذِهِ المَقَالَاتُ جِنَايَةٌ عَلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، وَهَدْمٌ لِفَارِقِ العُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ بِمَحْضِ الخَيَالِ المَنْطِقِيِّ (١٠).
٣. أَتْبَاعُ هَذِهِ الفِرَقِ وَمَصَائِرُهُمْ:
أَتْبَاعُ المَحْضَةِ (المَشَّاؤُونَ): رَأْسُهُمْ "ابْنُ سِينَا" وَ"الفَارَابِيُّ"، وَمِنْ بَعْدِهِمْ "ابْنُ رُشْدٍ" الحَفِيدُ (١١).
أَتْبَاعُ الحُلُولِ: أَشْهَرُهُمْ "المَنْصُورُ الحَلَّاجُ" (قُتِلَ ٣٠٩ هـ)، الَّذِي قَالَ: "أَنَا الحَقُّ" (١٢).
أَتْبَاعُ الِاتِّحَادِ (وِحْدَةِ الوُجُودِ): رَأْسُهُمْ "ابْنُ عَرَبِيٍّ" الصُّوفِيُّ، وَ"ابْنُ الفَارِضِ"، وَ"ابْنُ سَبْعِينَ" (١٣).
هَؤُلَاءِ زَاغُوا زَيْغاً مُرَكَّباً بَيْنَ فَلْسَفَةِ "أَفْلُوطِينَ" (الأَفْلَاطُونِيَّةِ الحَدِيثَةِ) وَبَيْنَ شَطَحَاتِ التَّصَوُّفِ (١٤).
انْتَهَى بِهِمُ الزَّيْغُ إِلَى القَوْلِ بِأَنَّ عُبَّادَ العِجْلِ مَا عَبَدُوا إِلَّا اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ عُلُوًّا كَبِيراً (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) مَذْهَبُ أَرِسْطُو وَالمَشَّاؤُونَ:
المصدر: تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، ص (١٣٤)، طبعة دار القلم.
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ "المَشَّائِينَ" هُمُ الفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ التَزَمُوا مَنْطِقَ أَرِسْطُو فِي (الطَّبِيعِيَّاتِ) وَ(الإِلَهِيَّاتِ).
(٢) زَيْغُ الفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا:
المصدر: تهافت الفلاسفة، للغزالي، ص (٧٨-٨٠)، طبعة دار المعارف.
التوثيق: كَفَّرَهُمُ الغَزَالِيُّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: (قِدَمُ العَالَمِ، عِلْمُ اللَّهِ بِالكُلِّيَّاتِ فَقَطْ، إِنْكَارُ بَعْثِ الأَجْسَادِ).
(٣) الفَرْقُ بَيْنَ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ (تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ وَعَقَدِيٌّ):
المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، المجلد (٢)، ص (١٧٢)، طبعة دار الوفاء.
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ "الحُلُولَ" كَمَا تَقُولُ الجَهْمِيَّةُ (اللَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ذَاتاً)، أَمَّا "الِاتِّحَادُ" فَهُوَ مَذْهَبُ (وِحْدَةِ الوُجُودِ) عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيٍّ.
(٤) زَيْغُ الحَلَّاجِ وَمَقْتَلُهُ:
المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (١١)، ص (١٤٥)، طبعة هجر.
التاريخ: قُتِلَ سَنَةَ (٣٠٩ هـ) بِفَتْوَى فُقَهَاءِ عَصْرِهِ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ مَقَالَةَ الحُلُولِ وَسُقُوطِ التَّكَالِيفِ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (الزَّيْغَ الفَلْسَفِيَّ) يَرَى أَنَّهُ أُمُّ الكَبَائِرِ العَقَدِيَّةِ. فَالْمَشَّاؤُونَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو حَوَّلُوا الإِلَهَ إِلَى "فِكْرَةٍ" بَارِدَةٍ لَا تَفْعَلُ، فَعَطَّلُوا الرُّبُوبِيَّةَ. ثُمَّ جَاءَ أَهْلُ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ، فَأَرَادُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ -بِزَعْمِهِمْ- فَجَعَلُوهُ هُوَ الخَلْقَ، أَوْ جَعَلُوهُ حَالًّا فِيهِ. وَهَذَا هُوَ (الزَّيْغُ المُطْلَقُ) الَّذِي يَهْدِمُ أَصْلَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ فَلَا مَعْبُودَ وَلَا عَابِدَ عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيٍّ، بَلِ المَوْجُودُ وَاحِدٌ. وَالمَشَّاؤُونَ لَمَّا قَدَّمُوا "العَقْلَ اليُونَانِيَّ" عَلَى "الوَحْيِ القُرْآنِيِّ"، تِهِمُوا فِي أَوْدِيَةِ الحَيْرَةِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا خَالِقاً مُخْتَاراً، بَلْ قَالُوا بِـ "الصُّدُورِ" عَنِ اللَّهِ اضْطِرَاراً كَنُورِ الشَّمْسِ عَنِ الشَّمْسِ. فَالْفَلْسَفَةُ المَحْضَةُ (تَعْطِيلٌ لِلْخَالِقِ)، وَالِاتِّحَادِيَّةُ (تَأْلِيهٌ لِلْمَخْلُوقِ)، وَكِلَاهُمَا زَيْغٌ بَعِيدٌ عَنِ النُّورِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ هَؤُلَاءِ "أَعْدَاءَ الرُّسُلِ" لِأَنَّهُمْ هَدَمُوا مَاهِيَّةَ الخَبَرِ الإِلَهِيِّ.
(٦) زَيْغُ ابْنِ عَرَبِيٍّ (وِحْدَةُ الوُجُودِ):
المصدر: الفصوص، لابن عربي، ص (١٢٠)، طبعة دار الوفاء.
التوثيق: قَوْلُهُ: "فَالحَقُّ خَلْقٌ بِهَذَا الوَجْهِ، فَاعْتَبِرُوا"، وَهَذَا صَرِيحُ الِاتِّحَادِ الَّذِي جَعَلَ الخَالِقَ هُوَ المَخْلُوقَ.
(٧) زَيْغُ ابْنِ سِينَا فِي النُّبُوَّاتِ:
المصدر: الإشارات والتنبيهات، لابن سينا، ص (٢٣٤)، طبعة دار المعارف.
التوثيق: جَعَلَ النُّبُوَّةَ مَلَكَةً نَفْسِيَّةً لِلتَّخَيُّلِ، وَلَيْسَتْ وَحْياً حَقِيقِيًّا مِنَ اللَّهِ بِمَلَكٍ، وَهَذَا هَدْمٌ لِأَصْلِ الرِّسَالَةِ.
(٨) صِلَةُ الصَّابِئَةِ بِالْمَشَّائِينَ:
المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (٩)، ص (١٣)، طبعة دار الكنوز،بَيَّنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "فَلْسَفَةَ المَشَّائِينَ" هِيَ امْتِدَادٌ لِزَيْغِ الصَّابِئَةِ الحَرَّانِيِّينَ نُفَاةِ الأَفْعَالِ.
(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الفَلْسَفِيِّ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس التَّاسِع، مَسْأَلَةُ
(الفَلَاسِفَةِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ).
التوثيق: «الفَلَاسِفَةُ زَاغُوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ بِعُقُولِهِمْ يَصِلُونَ لِحَقَائِقِ الغَيْبِ بَعِيداً عَنِ الأَنْبِيَاءِ.
وَأَخْطَرُهُمْ "المَشَّاؤُونَ" الَّذِينَ جَعَلُوا اللَّهَ "وُجُوداً مَحْضاً" لَا يَتَكَلَّمُ. أَمَّا أَهْلُ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَالحَلَّاجِ، فَهَؤُلَاءِ (مَلَاحِدَةُ الصُّوفِيَّةِ) الَّذِينَ نَفَوْا وُجُودَ الرَّبِّ بِإِدْخَالِهِ فِي وُجُودِ الخَلْقِ. فَالمَشَّاءُ يُعَطِّلُ الرَّبَّ، وَالِاتِّحَادِيُّ يَمْحُو الرَّبَّ، وَكِلَاهُمَا زَيْغٌ يَسْتَلْزِمُ الخُرُوجَ عَنِ الإِسْلَامِ».
(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الإِيمَانِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ)"مَنْ قَالَ بِقِدَمِ العَالَمِ (كَالْمَشَّائِينَ) أَوْ بِوِحْدَةِ الوُجُودِ (كَالِاتِّحَادِيَّةِ) فَقَدْ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ".
»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٠]«‹«««««««««««««««
المَبْحَثُ الثَّانِي: (الأُصُولُ الشَّرْعِيَّةُ فِي هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ)
١. النَّصُّ التَّأْسِيسِيُّ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ:
قَالَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (لَا تُجَالِسْهُمْ فِي مُحَادَثَاتِهِمْ) (١).
أَرَادَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجَامِعَةِ أَنَّ المُجَالَسَةَ هِيَ بَابُ المُمَاشَاةِ، وَالمُمَاشَاةُ بَابُ الِاقْتِدَاءِ (٢).
فَمَنْ هَانَ عَلَيْهِ جُلُوسُ المُبْتَدِعِ، سَهُلَ عَلَيْهِ قَبُولُ شُبْهَتِهِ، وَخَبَثُ المَقَالَةِ يَنْتَقِلُ كَالعَدْوَى (٣).
هَذَا الأَصْلُ العُمَرِيُّ هُوَ جِدَارُ الحِمَايَةِ الأَوَّلُ لِلْعَقِيدَةِ، وَبِهِ يَسْلَمُ المَرْءُ مِنْ زَيْغِ الأَهْوَاءِ (٤).
فَلَا مُحَادَثَةَ تُؤْنِسُهُمْ، وَلَا مُجَالَسَةَ تُكَثِّرُ سَوَادَهُمْ، بَلْ هِيَ العُزْلَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِصِيَانَةِ السُّنَّةِ (٥).
٢. تَحْرِيرُ مَفْهُومِ "البِدْعَةِ" وَ"المُحْدَثَةِ" (اللُّغَةُ وَالِاشْتِقَاقُ):
البِدْعَةُ لُغَةً: اِشْتِقَاقُهَا مِنَ (البَدْعِ)، وَهُوَ بَرْءُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ سَبَقَ، كَمَا فِي (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) (٦).
المُحْدَثَةُ لُغَةً: اِشْتِقَاقُهَا مِنَ (الحَدَثِ)، وَهُوَ جِدَّةُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيُقَابِلُهُ القَدِيمُ (٧).
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (لِلبِدْعَةِ): هِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ (٨).
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (لِلمُحْدَثَةِ): هِيَ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ (٩).
الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ: البِدْعَةُ دَائِماً تَكُونُ فِي "الدِّينِ"، أَمَّا المُحْدَثَةُ فَقَدْ تَقَعُ فِي الدِّينِ وَفِي غَيْرِهِ (١٠).
٣. تَقْسِيمُ البِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ الوَاقِعُ (دُنْيَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ):
أَوَّلاً: البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ (المُخْتَرَعَاتُ):
الأَصْلُ فِيهَا (الإِبَاحَةُ)، كَمَا فِي حَدِيثِ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" فِي تَأْبِيرِ النَّخْلِ (١١).
أَمْثِلَتُهَا: جَمِيعُ تَقْنِيَاتِ العَصْرِ، مِنَ الطَّائِرَاتِ وَالحَوَاسِيبِ، وَهَذِهِ لَا تُسَمَّى بِدْعَةً شَرْعِيَّةً بَلْ لُغَوِيَّةً (١٢).
ثَانِياً: البِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ (الضَّلَالَةُ):
الأَصْلُ فِيهَا (المَنْعُ)، لِقَوْلِهِ ﷺ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، وَهِيَ مَا تَعَبَّدَ بِهِ النَّاسُ بِلَا دَلِيلٍ (١٣).
أَمْثِلَتُهَا: بِدْعَةُ الخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ، وَبِدْعَةُ المَوْلِدِ، وَبِدْعَةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالرَّهْبَانِيَّةِ (١٤).
وَهَذَا القِسْمُ هُوَ المَحْذُورُ الَّذِي يَهْدِمُ كَمَالَ الشَّرِيعَةِ وَيُتَّهَمُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ بِالتَّقْصِيرِ (١٥).
٤. تَقْسِيمُ البِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ المَاهِيَّةُ (حَقِيقِيَّةٌ وَإِضَافِيَّةٌ):
أَوَّلاً: البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ:
هِيَ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَصْلًا، لَا كِتَاباً، وَلَا سُنَّةً، وَلَا إِجْمَاعاً (١٦).
فَهِيَ مُخْتَرَعَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَتَحْرِيمِ الحَلَالِ تَقَرُّباً لِلَّهِ، أَوْ سُجُودِ غَيْرِ المَشْرُوعِ (١٧).
ثَانِياً: البِدْعَةُ الإِضَافِيَّةُ:
هِيَ الَّتِي لَهَا جِهَتَانِ؛ فَمِنْ جِهَةِ "أَصْلِهَا" مَشْرُوعَةٌ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ "وَصْفِهَا" مُبْتَدَعَةٌ (١٨).
أَمْثِلَتُهَا: الذِّكْرُ الجَمَاعِيُّ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ؛ فَأَصْلُ الذِّكْرِ سُنَّةٌ، لَكِنَّ هَذِهِ "الهَيْئَةَ" بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ (١٩).
تَخْصِيصُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِقِيَامٍ؛ فَالقِيَامُ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ "التَّخْصِيصَ" بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ (٢٠).
وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَنْضَبِطُ الفَهْمُ لِأَصْلِ الهَجْرِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««
(١) نَصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الهَجْرِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٢)، طبعة دار ابن الجوزي.
التوثيق: هَذَا الأَثَرُ رُوِيَ أَيْضاً فِي تاريخ دمشق، وَيُؤَصِّلُ لِمَنْعِ "المُحَادَثَةِ" كَوَسِيلَةٍ لِانْتِقَالِ الشُّبْهَةِ.
(٢) اشْتِقَاقُ البِدْعَةِ وَالمُحْدَثَةِ لُغَةً:
المصدر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (بَدَعَ)، ج (١)، ص (٢٠٩).
التوثيق: "البَدْعُ لَهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَصُنْعُهُ لَا عَنْ مِثَالٍ".
(٣) الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْبِدْعَةِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (٥١).
التوثيق: هَذَا أَدَقُّ تَعْرِيفٍ عَرَّفَهُ العُلَمَاءُ لِلْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ العِبَادَةِ وَالعَادَةِ.
(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (البِدْعَةَ الإِضَافِيَّةَ) أَدْرَكَ لِمَاذَا كَانَ السَّلَفُ يَشْتَدُّونَ عَلَى أُمُورٍ قَدْ يَرَاهَا الجَاهِلُ هَيِّنَةً. فَالشَّيْطَانُ لَا يَأْتِي لِلْعَابِدِ فَيَقُولُ لَهُ: "اُعْبُدِ الصَّنَمَ"، بَلْ يَقُولُ لَهُ: "زِدْ فِي هَذِهِ السَّنَّةِ صِفَةً أَوْ عَدَداً أَوْ هَيْئَةً لِتَكُونَ أَكْثَرَ ثَوَاباً". وَهَذِهِ هِيَ مِصْيَدَةُ البِدْعَةِ الإِضَافِيَّةِ؛ فَهِيَ تَجْعَلُ المَرْءَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً بَيْنَمَا هُوَ يُغَيِّرُ مَعَالِمَ الدِّينِ. وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ (بِدْعَةِ الدُّنْيَا) وَ(بِدْعَةِ الدِّينِ)، فَهِيَ رَحْمَةُ الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا فَتَحَتْ بَابَ الإِبْدَاعِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَأَغْلَقَتْ بَابَ الِاخْتِرَاعِ فِي الدِّينِ صِيَانَةً لِلْوَحْيِ مِنْ أَهْوَاءِ الرِّجَالِ. فَمَنْ جَعَلَ جِهَادَهُ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ) عَنِ البِدَعِ الدِّينِيَّةِ، فَقَدْ جَاهَدَ لِيَبْقَى الدِّينُ نَقِيّاً كَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ.
(٥) دَلِيلُ بِدْعَةِ الدُّنْيَا (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ):
المصدر: صحيح مسلم، كِتَابُ الفَضَائِلِ، حَدِيثُ رَقْمِ (٢٣٦٣).
(٦) البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ وَالإِضَافِيَّةُ:
المصدر: الاعتصام، ج (١)، ص (٤٠٠).
التوثيق: أَبْدَعَ الشَّاطِبِيُّ فِي تَقْسِيمِ الصُّوَرِ لِأَنَّ الحَقِيقِيَّةَ قَلِيلَةٌ بَيْنَ المُتَمَسِّكِينَ بِالدِّينِ، أَمَّا الإِضَافِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا البَلْوَى.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩١]««««««««««««««««««
خُطَّةُ المَبْحَثِ الثَّانِي: (سِلْسِلَةُ المُتَمِّمَاتِ العَشْرِ فِي أَحْكَامِ الهَجْرِ)
١. تَوْطِئَةُ الخُطَّةِ وَمَعَالِمُ السَّيْرِ:
بَعْدَ تَأْصِيلِ مَعْنَى البِدْعَةِ، نَشْرَعُ فِي بَيَانِ "الخُطَّةِ العَشْرِيَّةِ" لِهَذَا المَبْحَثِ المَرْكَزِيِّ (١).
إِنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ المُنْطَلَقَاتِ يَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ تَصَوُّرٍ سَلَفِيٍّ مُتَكَامِلٍ لِقَضِيَّةِ الهَجْرِ (٢).
فَلَا هَجْرَ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا زَجْرَ بِلَا فَهْمٍ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ (٣).
وَهَذِهِ الخُطَّةُ هِيَ المِيزَانُ الَّذِي يَضْبِطُ تَعَامُلَ السُّنِّيِّ مَعَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ (٤).
سَنَسِيرُ فِيهَا وَجْهاً بِوَجْهٍ، حَتَّى نَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ مَسَائِلِ هَذَا البَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ (٥).
٢. تَعْدَادُ المُتَمِّمَاتِ العَشْرِ لِلمَبْحَثِ الثَّانِي:
المُتَمِّمَةُ الأُولَى: (النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ):
تَتَنَاوَلُ مَفَاسِدَ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ وَأَثَرَهَا عَلَى عَوَامِّ المُسْلِمِينَ وَحُكْمِ تَرْوِيجِهَا (٦).
المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: (مَقَاصِدُ الإِسْلَامِ فِي الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ):
بَيَانُ أَنَّ الهَجْرَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ؛ لِحِفْظِ المَهْجُورِ بِزَجْرِهِ، وَحِفْظِ الهَاجِرِ بِسَلَامَةِ عَقِيدَتِهِ (٧).
المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: (أَنْوَاعُ الهَجْرِ وَالفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ):
التَّفْرِيقُ بَيْنَ (هَجْرِ الكَافِرِ) وَ(هَجْرِ العَاصِي المُؤْمِنِ)، وَأَحْكَامُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا (٨).
المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (شُرُوطُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَضَوَابِطُهُ):
تَحْرِيرُ الشُّرُوطِ الزَّمَانِيَّةِ وَالمَكَانِيَّةِ، وَمُتَى يَكُونُ الهَجْرُ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً (٩).
المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (مَنْزِلَةُ الهَجْرِ مِنْ أَصْلِ الِاعْتِقَادِ):
رَبْطُ الهَجْرِ بِبَابِ "الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ" وَجَعْلُهُ مِنْ تَمَامِ مُقْتَضَيَاتِ التَّوْحِيدِ (١٠).
المُتَمِّمَةُ السَّادِسَةُ: (الأَدِلَّةُ مِنَ الوَحْيَيْنِ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعِ):
سَرْدُ خَمْسِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَخَمْسَةِ أَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" تُؤَصِّلُ لِلْمَسْأَلَةِ (١١).
المُتَمِّمَةُ السَّابِعَةُ: (تَوْظِيفُ الصَّحَابَةِ لِلْهَجْرِ وَدَلَالَةُ الإِجْمَاعِ):
ذِكْرُ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ عَنِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- تُبَيِّنُ هَدْيَهُمْ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المُحْدِثِينَ (١٢).
المُتَمِّمَةُ الثَّامِنَةُ: (أَقْوَالُ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الإِسْلَامِ فِي الهَجْرِ):
حَشْدُ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ لِلتَّابِعِينَ، وَعَشَرَةٍ لِأَئِمَّةِ الهُدَى (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ) (١٣).
المُتَمِّمَةُ التَّاسِعَةُ: (أَعْمَالُ الصَّحَابَةِ وَالضَّوَابِطُ المَيْدَانِيَّةُ):
نَمَاذِجُ تَطْبِيقِيَّةٌ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ (كَقِصَّةِ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ) وَكَيْفِيَّةِ إِنْزَالِ الحُكْمِ عَلَى الوَاقِعِ (١٤).
المُتَمِّمَةُ العَاشِرَةُ: (عُقُوبَةُ مَنْ وَالَى المُبْتَدِعَ وَلَمْ يَهْجُرْهُ):
بَيَانُ خُطُورَةِ "تَمْيِيعِ" هَذَا الأَصْلِ، وَعُقُوبَةِ مَنْ يَتَّخِذُ المُبْتَدِعَةَ بِطَانَةً أَوْ أَوْلِيَاءَ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) أَهَمِّيَّةُ الخُطَّةِ فِي المَبَاحِثِ العَقَدِيَّةِ:
المصدر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ج (١)، ص (١٨٨).
التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ "حُسْنَ التَّرْتِيبِ فِي العِلْمِ يُسَهِّلُ عَلَى الطَّالِبِ دَرْكَ المَقَاصِدِ"، وَهَذَا مَا سِرْنَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ المُتَمِّمَاتِ.
(٢) أَصْلُ الهَجْرِ لِحِفْظِ السُّنَّةِ:
المصدر: السنة، للاللكائي، ج (١)، ص (١٣٠)، طبعة دار طيبة.
التوثيق: أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ أَبْوَابِ الهَجْرِ يَبْدَأُ بِمَعْرِفَةِ الخَطَرِ ثُمَّ طُرُقِ الحِمَايَةِ.
(٣) التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَجْرِ الكَافِرِ وَالعَاصِي:
المصدر: زاد المعاد، لابن القيم، ج (٣)، ص (٥٠٥)، طبعة الرسالة.
التوثيق: فَقَّهَ ابْنُ القَيِّمِ المَسْأَلَةَ بِأَنَّ هَجْرَ الكَافِرِ (بَرَاءَةٌ دَائِمَةٌ)، أَمَّا العَاصِي فَـ (تَأْدِيبٌ مَصْلَحِيٌّ).
(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ (المُتَمِّمَاتِ العَشْرَ) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَنَاوِينَ، بَلْ هِيَ "تِرْسٌ" عَقَدِيٌّ يَحْمِي بَاحِثَ السُّنَّةِ مِنْ لُجَجِ التَّمْيِيعِ أَوْ نِيرَانِ الغُلُوِّ. فَالْبِدَايَةُ بـ (النَّهْيِ عَنْ الإِشَاعَةِ) هِيَ سَدٌّ لِلثَّغْرِ قَبْلَ الِانْفِجَارِ، وَالخَتْمُ بـ (عُقُوبَةِ مَنْ وَالَى) هِيَ زَجْرٌ لِمَنْ تَهَاوَنَ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ. وَأَعْظَمُ مَا فِي هَذِهِ الخُطَّةِ هُوَ الِارْتِبَاطُ بِـ (أَعْمَالِ الصَّحَابَةِ)؛ لِأَنَّ الفِقْهَ النَّظَرِيَّ قَدْ يَزِلُّ بِهِ الفَهْمُ، لَكِنَّ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي لَا يَخِيبُ. فَكُلُّ مُتَمِّمَةٍ مِنْ هَذِهِ العَشْرِ سَتَكُونُ بِمَثَابَةِ لَبِنَةٍ فِي صَرْحِ "المَبْحَثِ الثَّانِي" الَّذِي رَسَمَتهُ ، لِيَكُونَ مَرْجِعاً نَقِيّاً فِي بَابِ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ.
(٥) الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ صَبِيغٍ فِي الهَجْرِ:
المصدر: سنن الدارمي، حَدِيثُ رَقْمِ (١٤٦)، طبعة دار المغني.
التوثيق: هِيَ العُمْدَةُ فِي (المُتَمِّمَةِ التَّاسِعَةِ) لِتَوْضِيحِ الهَجْرِ التَّأْدِيبِيِّ بِأَمْرِ وَلِيِّ الأَمْرِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٢]«««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ الأُولَى:
(النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ وَخُطُورَةِ بَثِّ الضَّلَالَةِ)
١. حُرْمَةُ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ:
إِنَّ النَّهْيَ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ حِمَايَةِ المِلَّةِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى نَشْرِهَا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١).
البِدْعَةُ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، عَمَّ بَلَاؤُهَا، وَإِذَا أُشِيعَتْ صَارَتْ عِنْدَ الجُهَّالِ سُنَّةً مَتْبُوعَةً بِمُرُورِ الزَّمَانِ (٢).
فَالمُبْتَدِعُ الَّذِي يَنْشُرُ ضَلَالَتَهُ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَضَعُ السُّمَّ فِي مَنَابِعِ المِيَاهِ، فَيَقْتُلُ أَرْوَاحَ العِبَادِ بَدَلَ أَبْدَانِهِمْ (٣).
وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُطَبِّقُونَ "سَدَّ الذَّرَائِعِ" بِإِخْمَادِ كُلِّ صَوْتٍ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ (٤).
فَلَا يَجُوزُ نَشْرُ كُتُبِهِمْ، وَلَا التَّرْوِيجُ لِقَنَوَاتِهِمْ، وَلَا نَقْلُ شُبَهِهِمْ بِحُجَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ المُتَخَصِّصِ (٥).
٢. مَفَاسِدُ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:
أَوَّلُ المَفَاسِدِ هُوَ (تَلْبِيسُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ)، حَيْثُ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَى العَامَّةِ فَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الوَحْيِ وَالهَوَى (٦).
ثَانِيهَا: (تَمْزِيقُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ)؛ فَالبِدْعَةُ تُفَرِّقُ القُلُوبَ، وَتَجْعَلُ بَأْسَ الأُمَّةِ بَيْنَهَا فِي جَدَلٍ لَا يَنْتَهِي (٧).
ثَالِثُهَا: (مَحْوُ السُّنَنِ)؛ فَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا وَرُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ خُذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ (٨).
رَابِعُهَا: (جُرْأَةُ الرُّوَيْبِضَةِ)؛ فَتَصِيرُ مَنَابِرُ الإِعْلَامِ مَجَالاً لِكُلِّ نَاعِقٍ يَهْرِفُ بِمَا لَا يَعْرِفُ فِي دِينِ اللَّهِ (٩).
خَامِسُهَا: (تَعْرِيضُ القُلُوبِ لِلزَّيْغِ)؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَإِشَاعَتُهَا تُعَرِّضُ الضُّعَفَاءَ لِلْهُلَاكِ الأَبَدِيِّ (١٠).
٣. مَنْزِلَةُ "سَدِّ الذَّرَائِعِ" فِي هَذَا البَابِ:
إِنَّ مَنْعَ نَشْرِ البِدَعِ هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ) (١١).
فَحِمَايَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِغْلَاقِ مَنَافِذِ الضَّلَالِ وَمَنْعِ صُوَرِ الإِشَاعَةِ كَافَّةً (١٢).
لِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يُعَذِّرُ مَنْ يَكْتُمُ البِدْعَةَ أَقَلَّ مِمَّا يُعَذِّرُ مَنْ يُشِيعُهَا (١٣).
فَالإِشَاعَةُ مَعْنَاهَا الِاعْتِزَازُ بِالمُخَالَفَةِ، وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى مُفَارَقَةِ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ (١٤).
وَبِهَذَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الإِشَاعَةِ هُوَ التَّمْهِيدُ الضَّرُورِيُّ لِلْمَبَاحِثِ القَادِمَةِ فِي الهَجْرِ وَالتَّأْدِيبِ (١٥).
[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ الحَصِينِ (٥٠ سَطْراً)]
(١) حُرْمَةُ نَشْرِ الضَّلَالَةِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٥٨)، طبعة دار ابن الجوزي.
التوثيق: نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى إِظْهَارِ البِدْعَةِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا فِي الإِثْمِ وَالعِقَابِ.
(٢) أَثَرُ البِدْعَةِ فِي مَحْوِ السُّنَنِ:
المصدر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص (٢٣٤)، طبعة مؤسسة الرسالة.
التوثيق: ذَكَرَ حَدِيثَ (مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ) وَأَصَّلَ لِخُطُورَةِ الِاسْتِهَانَةِ بِهَا.
(٣) "سَدُّ الذَّرَائِعِ" عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ:
المصدر: المدونة، ج (١)، ص (٦٥)، طبعة دار الكتب العلمية.
التوثيق: كَانَ مَالِكٌ يَمْنَعُ تَدَاوُلَ كُتُبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَيُوجِبُ حَرْقَهَا سَدّاً لِذَرِيعَةِ الفِتْنَةِ بِهَا.
(٤) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "النَّهْيِ عَنِ الإِشَاعَةِ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الحَادِي عَشَرَ، مَسْأَلَةُ (هَجْرِ المُبْتَدِعِ).
التوثيق: «إِنَّ إِشَاعَةَ البِدْعَةِ هِيَ أَعْظَمُ جِنَايَةٍ عَلَى عَقُولِ العَامَّةِ. فَالَّذِي يَنْشُرُ مَقَالَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ أَوْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ خَائِنٌ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ. لِذَا أَوْجَبَ السَّلَفُ كَتْمَ مَقَالَاتِهِمْ وَإِخْمَادَ ذِكْرِهِمْ، فَالْبَاطِلُ يَمُوتُ بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَيَحْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِإِشَاعَتِهِ وَالجَدَلِ فِيهِ».
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ لِحِفْظِ الدِّينِ سِيَاجاً لَا يُقْتَحَمُ، وَإِنَّ "إِشَاعَةَ البِدْعَةِ" هِيَ الثُّغْرَةُ الَّتِي تَهْدِمُ ذَاكَ السِيَاجَ. فَالْمُبْتَدِعُ بِمُفْرَدِهِ ضَلَالُهُ قَاصِرٌ، لَكِنْ إِذَا أَشَاعَ ضَلَالَهُ صَارَ "إِمَاماً فِي النَّارِ". وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ شِدَّةَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَجْرِ مَنْ أَجَابَ فِي "الفِتْنَةِ" وَأَشَاعَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ. إِنَّ التَّرْوِيجَ لِلْبِدَعِ فِي أَزْمِنَةِ الانْفِتَاحِ الرَّقْمِيِّ صَارَ أَيْسَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَثْقَلَ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ).
فَلَا يُسْمَحُ لِلْمُبْتَدِعِ أَنْ يَتَصَدَّرَ، وَلَا يُنْقَلُ كَلَامُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ النَّادِرِ لِمَنْ يَعْقِلُ. وَإِنَّ مَقَاصِدَ الإِسْلَامِ فِي (الهَجْرِ) تَبْدَأُ مِنْ تَقْلِيصِ دَائِرَةِ الإِشَاعَةِ؛ فَالمَهْجُورُ لَا صَوْتَ لَهُ، وَإِذَا اِنْقَطَعَ صَوْتُهُ سَلِمَتْ عَقَائِدُ العَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ. فَالْإِشَاعَةُ هِيَ "رِيحُ البِدْعَةِ" الَّتِي تَنْقُلُ بِيُوضَهَا مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، فَإِذَا أَوْقَفْنَا الرِّيحَ بِالهَجْرِ وَالسَّدِّ، حَصَرْنَا الوبَاءَ فِي مَهْدِهِ.
(٦) مَوْقِفُ الخَلِيفَةِ المَهْدِيِّ مِنَ الزَّنَادِقَةِ:
المصدر: سير أعلام النبلاء، ج (٨)، ص (٢٨٦).
التاريخ: تَتَبَّعَ مَنْ يُشِيعُونَ الزَّنْدَقَةَ وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ لِأَنَّ إِشَاعَتَهَا هَدْمٌ لِلنِّظَامِ العَامِّ لِلإِسْلَامِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٣]««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ الأُولَى: (النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ وَخُطُورَةِ بَثِّ الضَّلَالَةِ)
١. حُرْمَةُ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ:
إِنَّ النَّهْيَ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ حِمَايَةِ المِلَّةِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى نَشْرِهَا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١).
البِدْعَةُ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، عَمَّ بَلَاؤُهَا، وَإِذَا أُشِيعَتْ صَارَتْ عِنْدَ الجُهَّالِ سُنَّةً مَتْبُوعَةً بِمُرُورِ الزَّمَانِ (٢).
فَالمُبْتَدِعُ الَّذِي يَنْشُرُ ضَلَالَتَهُ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَضَعُ السُّمَّ فِي مَنَابِعِ المِيَاهِ، فَيَقْتُلُ أَرْوَاحَ العِبَادِ بَدَلَ أَبْدَانِهِمْ (٣).
وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُطَبِّقُونَ "سَدَّ الذَّرَائِعِ" بِإِخْمَادِ كُلِّ صَوْتٍ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ (٤).
فَلَا يَجُوزُ نَشْرُ كُتُبِهِمْ، وَلَا التَّرْوِيجُ لِقَنَوَاتِهِمْ، وَلَا نَقْلُ شُبَهِهِمْ بِحُجَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ المُتَخَصِّصِ (٥).
٢. مَفَاسِدُ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:
أَوَّلُ المَفَاسِدِ هُوَ (تَلْبِيسُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ)، حَيْثُ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَى العَامَّةِ فَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الوَحْيِ وَالهَوَى (٦).
ثَانِيهَا: (تَمْزِيقُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ)؛ فَالبِدْعَةُ تُفَرِّقُ القُلُوبَ، وَتَجْعَلُ بَأْسَ الأُمَّةِ بَيْنَهَا فِي جَدَلٍ لَا يَنْتَهِي (٧).
ثَالِثُهَا: (مَحْوُ السُّنَنِ)؛ فَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا وَرُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ خُذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ (٨).
رَابِعُهَا: (جُرْأَةُ الرُّوَيْبِضَةِ)؛ فَتَصِيرُ مَنَابِرُ الإِعْلَامِ مَجَالاً لِكُلِّ نَاعِقٍ يَهْرِفُ بِمَا لَا يَعْرِفُ فِي دِينِ اللَّهِ (٩).
خَامِسُهَا: (تَعْرِيضُ القُلُوبِ لِلزَّيْغِ)؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَإِشَاعَتُهَا تُعَرِّضُ الضُّعَفَاءَ لِلْهُلَاكِ الأَبَدِيِّ (١٠).
٣. مَنْزِلَةُ "سَدِّ الذَّرَائِعِ" فِي هَذَا البَابِ:
إِنَّ مَنْعَ نَشْرِ البِدَعِ هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ) (١١).
فَحِمَايَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِغْلَاقِ مَنَافِذِ الضَّلَالِ وَمَنْعِ صُوَرِ الإِشَاعَةِ كَافَّةً (١٢).
لِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يُعَذِّرُ مَنْ يَكْتُمُ البِدْعَةَ أَقَلَّ مِمَّا يُعَذِّرُ مَنْ يُشِيعُهَا (١٣).
فَالإِشَاعَةُ مَعْنَاهَا الِاعْتِزَازُ بِالمُخَالَفَةِ، وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى مُفَارَقَةِ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ (١٤).
وَبِهَذَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الإِشَاعَةِ هُوَ التَّمْهِيدُ الضَّرُورِيُّ لِلْمَبَاحِثِ القَادِمَةِ فِي الهَجْرِ وَالتَّأْدِيبِ (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««««
(١) حُرْمَةُ نَشْرِ الضَّلَالَةِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٥٨)، طبعة دار ابن الجوزي.
التوثيق: نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى إِظْهَارِ البِدْعَةِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا فِي الإِثْمِ وَالعِقَابِ.
(٢) أَثَرُ البِدْعَةِ فِي مَحْوِ السُّنَنِ:
المصدر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص (٢٣٤)، طبعة مؤسسة الرسالة.
التوثيق: ذَكَرَ حَدِيثَ (مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ) وَأَصَّلَ لِخُطُورَةِ الِاسْتِهَانَةِ بِهَا.
(٣) "سَدُّ الذَّرَائِعِ" عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ:
المصدر: المدونة، ج (١)، ص (٦٥)، طبعة دار الكتب العلمية.
التوثيق: كَانَ مَالِكٌ يَمْنَعُ تَدَاوُلَ كُتُبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَيُوجِبُ حَرْقَهَا سَدّاً لِذَرِيعَةِ الفِتْنَةِ بِهَا.
(٤) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "النَّهْيِ عَنِ الإِشَاعَةِ":
المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الحَادِي عَشَرَ، مَسْأَلَةُ
(هَجْرِ المُبْتَدِعِ) ، «إِنَّ إِشَاعَةَ البِدْعَةِ هِيَ أَعْظَمُ جِنَايَةٍ عَلَى عَقُولِ العَامَّةِ. فَالَّذِي يَنْشُرُ مَقَالَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ أَوْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ خَائِنٌ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ ، لِذَا أَوْجَبَ السَّلَفُ كَتْمَ مَقَالَاتِهِمْ وَإِخْمَادَ ذِكْرِهِمْ، فَالْبَاطِلُ يَمُوتُ بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَيَحْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِإِشَاعَتِهِ وَالجَدَلِ فِيهِ».
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ لِحِفْظِ الدِّينِ سِيَاجاً لَا يُقْتَحَمُ، وَإِنَّ "إِشَاعَةَ البِدْعَةِ" هِيَ الثُّغْرَةُ الَّتِي تَهْدِمُ ذَاكَ السِيَاجَ. فَالْمُبْتَدِعُ بِمُفْرَدِهِ ضَلَالُهُ قَاصِرٌ، لَكِنْ إِذَا أَشَاعَ ضَلَالَهُ صَارَ "إِمَاماً فِي النَّارِ"، وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ شِدَّةَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَجْرِ مَنْ أَجَابَ فِي "الفِتْنَةِ" وَأَشَاعَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ ، إِنَّ التَّرْوِيجَ لِلْبِدَعِ فِي أَزْمِنَةِ الانْفِتَاحِ الرَّقْمِيِّ صَارَ أَيْسَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَثْقَلَ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ) ، فَلَا يُسْمَحُ لِلْمُبْتَدِعِ أَنْ يَتَصَدَّرَ، وَلَا يُنْقَلُ كَلَامُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ النَّادِرِ لِمَنْ يَعْقِلُ ، وَإِنَّ مَقَاصِدَ الإِسْلَامِ فِي (الهَجْرِ) تَبْدَأُ مِنْ تَقْلِيصِ دَائِرَةِ الإِشَاعَةِ؛ فَالمَهْجُورُ لَا صَوْتَ لَهُ، وَإِذَا اِنْقَطَعَ صَوْتُهُ سَلِمَتْ عَقَائِدُ العَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ، فَالْإِشَاعَةُ هِيَ "رِيحُ البِدْعَةِ" الَّتِي تَنْقُلُ بِيُوضَهَا مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، فَإِذَا أَوْقَفْنَا الرِّيحَ بِالهَجْرِ وَالسَّدِّ، حَصَرْنَا الوبَاءَ فِي مَهْدِهِ.
(٦) مَوْقِفُ أمير المؤمنين عمر مِنَ الزَّنَادقة سير أعلام النبلاء، ج (٨)، ص (٢٨٦) ،التاريخ: تَتَبَّعَ مَنْ يُشِيعُونَ الزَّنْدَقَةَ وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ لِأَنَّ إِشَاعَتَهَا هَدْمٌ لِلنِّظَامِ العَامِّ لِلإِسْلَامِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٤]««««««««««««««««««
المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: (أَنْوَاعُ الهَجْرِ وَالفَرْقُ بَيْنَ هَجْرِ الكَافِرِ وَالعَاصِي وَالمُبْتَدِعِ)
١. أَنْوَاعُ الهَجْرِ مِنْ حَيْثُ الحُكْمُ وَالغَايَةُ:
يَنْقَسِمُ الهَجْرُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ إِلَى أَنْوَاعٍ تَتَبَايَنُ بِتَبَايُنِ حَالِ المَهْجُورِ وَنَوْعِ جُرْمِهِ (١).
فَالْهَجْرُ لَيْسَ مَرْتَبَةً وَاحِدَةً، بَلْ هُوَ مَقَامَاتٌ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الوُجُوبِ العَيْنِيِّ وَالِاسْتِحْبَابِ المَصْلَحِيِّ (٢).
وَمَدَارُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ هُوَ تَحْقيقُ (البَرَاءَةِ) مِنَ البَاطِلِ مَعَ إِبْقَاءِ (الوَلَاءِ) لِأَهْلِ الإِيمَانِ (٣).
فَمِنْهُ مَا هُوَ قَطِيعَةٌ تَامَّةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا، وَمِنْهُ مَا هُوَ زَجْرٌ مُؤَقَّتٌ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ (٤).
وَيُعَدُّ تَمْيِيزُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنْ أَدَقِّ مَسَائِلِ (الفِقْهِ العَقَدِيِّ) الَّتِي زَلَّتْ فِيهَا أَقْدَامُ الغُلَاةِ وَالجُفَاةِ (٥).
٢. هَجْرُ الكَافِرِ (هَجْرُ البَرَاءَةِ وَالعَدَاوَةِ):
هَذَا النَّوْعُ هُوَ (الهَجْرُ الكُلِّيُّ) الَّذِي يَقُومُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي البَرَاءَةِ (٦).
فَالْكَافِرُ يُهْجَرُ دِيناً وَاعْتِقَاداً، وَتُقْطَعُ مَعَهُ أَوَاصِرُ المَوَدَّةِ القَلْبِيَّةِ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ (٧).
وَلَكِنَّ هَذَا الهَجْرَ لَا يَمْنَعُ مِنَ البِرِّ وَالقِسْطِ الدُّنْيَوِيِّ مَعَ غَيْرِ المُحَارِبِينَ، صِيَانَةً لِمَقْصِدِ الدَّعْوَةِ (٨).
فَالْأَصْلُ فِيهِ المُمَايَزَةُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ نُورُ الإِيمَانِ بِظُلْمَةِ الكُفْرِ فِي قَلْبِ المُسْلِمِ (٩).
وَهُوَ هَجْرٌ دَائِمٌ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِدُخُولِ المَهْجُورِ فِي حِمَى الإِسْلَامِ وَنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (١٠).
٣. هَجْرُ العَاصِي المُسْلِمِ (هَجْرُ التَّأْدِيبِ وَالزَّجْرِ):
هَذَا الهَجْرُ يَقَعُ عَلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِسْقٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ لَا تُخْرِجُهُ مِنَ المِلَّةِ (١١).
الغَرَضُ مِنْهُ (الزَّجْرُ)؛ فَإِذَا عَلِمَ الهَاجِرُ أَنَّ هَجْرَهُ لِلْعَاصِي يَرُدُّهُ عَنْ كَبِيرَتِهِ وَجَبَ (١٢).
أَمَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ يَزِيدُهُ عُتُوًّا وَفُجُوراً، فَإِنَّ تَرْكَ الهَجْرِ حِينَئِذٍ هُوَ المَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ (١٣).
فَالْعَاصِي لَهُ حَقُّ الوَلَاءِ الإِيمَانِيِّ العَامِّ، وَيُهْجَرُ هَجْراً جُزْئِيًّا فِي مَوَاطِنِ مَعْصِيَتِهِ (١٤).
وَمِثَالُهُ هَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فَقَدْ كَانَ هَجْراً لِمَصْلَحَةِ التَّطْهِيرِ (١٥).
٤. هَجْرُ المُبْتَدِعِ (هَجْرُ الصِّيَانَةِ وَالتَّحْذِيرِ):
هُوَ أَغْلَظُ مِنْ هَجْرِ العَاصِي؛ لِأَنَّ خَطَرَ البِدْعَةِ يَتَعَدَّى لِلدِّينِ بِخِلَافِ المَعْصِيَةِ (١٦).
يُهْجَرُ المُبْتَدِعُ صِيَانَةً لِعَقَائِدِ النَّاسِ مِنْ شُبُهَاتِهِ، وَإِذْلَالاً لَهُ حَتَّى تَخْمُدَ بِدْعَتُهُ (١٧).
وَلَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ إِلَّا فِي قَدْرِ الهَجْرِ وَتَغْلِيظِهِ حَسَبَ الأَثَرِ (١٨).
فَالْمُبْتَدِعُ الَّذِي يُشِيعُ ضَلَالَهُ يُهْجَرُ هَجْراً شَامِلاً، وَيُحَذَّرُ مِنْهُ فِي المَحَافِلِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ (١٩).
وَيَبْقَى هَذَا الهَجْرُ قَائِماً مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى بِدْعَتِهِ مُظْهِراً لَهَا بَيْنَ أَنَامِ الخَلْقِ (٢٠).
٥. المَوَازَنَةُ بَيْنَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ فِي الهَجْرِ:
إِنَّ تَنْفِيذَ الهَجْرِ مَنُوطٌ بِقَاعِدَةِ (تَحْصِيلِ المَصَالِحِ وَتَقْلِيلِ المَفَاسِدِ) بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ (٢١).
فَإِذَا كَانَ الهَاجِرُ قَوِيًّا وَالمَهْجُورُ سَيَنْزَجِرُ، فَالْهَجْرُ هُنَا سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَعِلَاجٌ نَاجِحٌ (٢٢).
أَمَّا إِذَا كَانَ الهَاجِرُ ضَعِيفاً، وَالهَجْرُ سَيُؤَدِّي لِتَسَلُّطِ المُبْتَدِعَةِ، فَالْمَدَارَاةُ أَوْلَى (٢٣).
فَالْهَجْرُ "دَوَاءٌ"، وَالدَّوَاءُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا بِقَدْرٍ، وَفِي مَوْضِعِهِ، وَبِمَا لَا يُفْسِدُ المِزَاجَ (٢٤).
وَبِهَذَا المِيزَانِ تَنْضَبِطُ سِيَاسَةُ هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ بِمَا يَحْفَظُ بَيْضَةَ السُّنَّةِ دُونَ ضَرَرٍ (٢٥).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَجْرِ البَرَاءَةِ وَهَجْرِ التَّأْدِيبِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٤)، طبعة دار الوفاء.
التوثيق: أَبْدَعَ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي تَقْسِيمِ الهَجْرِ إِلَى (هَجْرٍ لِحَقِّ اللَّهِ) وَهُوَ هَجْرُ الكُفْرِ، وَ(هَجْرٍ لِمَصْلَحَةِ العَبْدِ) وَهُوَ هَجْرُ العَاصِي.
(٢) هَجْرُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا:
المصدر: صحيح البخاري، كِتَابُ المَغَازِي، حَدِيثُ رَقْمِ (٤٤١٨).
التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي مَسْأَلَةِ (هَجْرِ المَصْلَحَةِ) لِلْعَاصِي المُسْلِمِ لِيَتُوبَ إِلَى اللَّهِ.
(٣) هَجْرُ المُبْتَدِعِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ:المصدر: طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى، ج (١)، ص (١٨٤)، طبعة دار المعرفة، ( كَانَ أَحْمَدُ يُشَدِّدُ فِي هَجْرِ المُبْتَدِعِ أَكْثَرَ مِنَ العَاصِي، لِأَنَّ المَعْصِيَةَ شَهْوَةٌ وَالبِدْعَةَ شُبْهَةٌ).
(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
يَقُولُ البَاحِثُ: إِنَّ الفَهْمَ العَمِيقَ لِأَنْوَاعِ الهَجْرِ يَحْمِي مِنَ التَّخَبُّطِ فِي بَابِ المُعَامَلَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْهَجْرُ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ (سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ) مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَصْلَحَةِ ، فَمَنْ هَجَرَ الكَافِرَ هَجَرَهُ بَرَاءَةً مِنْ دِينِهِ، وَمَنْ هَجَرَ العَاصِيَ هَجَرَهُ رَحْمَةً بِهِ لِيَزْدَجِرَ، وَمَنْ هَجَرَ المُبْتَدِعَ هَجَرَهُ صِيَانَةً لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ ، وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ (مِيزَانَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ) هُوَ الحَاكِمُ عَلَى فِعْلِ الهَجْرِ؛ فَإِذَا أَدَّى هَجْرُ المُبْتَدِعِ فِي زَمَنِ ضَعْفِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى تَقْوِيَةِ شَوْكَتِهِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ الحَكِيمَ يَأْمُرُ بِتَأْلِيفِهِ أَوْ مُدَارَاتِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ بَعْضِ المُنَافِقِينَ ، إِنَّ الخَلْطَ بَيْنَ هَذِهِ المَقَامَاتِ أَدَّى إِلَى ظُهُورِ (الفِكْرِ المُنْحَرِفِ) الَّذِي يَهْجُرُ بِالهَوَى، فَيُسْوِي بَيْنَ سِنِّيٍّ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادٍ وَبَيْنَ جَهْمِيٍّ مُعَطِّلٍ. فَالْبَاحِثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، وَأَنَّ الهَجْرَ مِشْرَطُ جَرَّاحٍ لَا يُوضَعُ إِلَّا فِي مَكَانِ العِلَّةِ بِقَدَرِ مَا تُسْتَأْصَلُ بِهِ دُونَ قَتْلِ المَرِيضِ.
(٥) الهَجْرُ فِي حَالِ الضَّعْفِ وَالقُوَّةِ: المصدر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، ج (٤)، ص (١٣٨٦)، طبعة دار العاصمة (قَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ المَصْلَحَةَ فِي تَرْكِ الهَجْرِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ زَجْرِ المُخَالِفِ).
(٦) ضَابِطُ الهَجْرِ بِالمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ:المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢١٠) ، ("فَإِذَا كَانَ الهَجْرُ لَا يَرُدُّ عَنِ المُنْكَرِ، بَلْ يَزِيدُهُ، كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى").
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٥]«««««««««««««««««««
[الجُزْءُ الثَّانِي مِنَ الوَجْهِ الخَامِسِ وَالتِّسْعُونَ]
تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّانِي: (تَحْرِيرُ مَقَامَاتِ الهَجْرِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْكَامِ الكَافِرِ وَالعَاصِي)
١. النَّوْعُ الأَوَّلُ: هَجْرُ الدِّيَانَةِ (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى):
وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ التَّقْوَى فِي هَجْرِ السَّيِّئَةِ وَفَاعِلِهَا، سَوَاءً كَانَ مُبْتَدِعاً أَوْ عَاصِياً (١).
وَيَنْقَسِمُ هَذَا النَّوْعُ إِلَى قِسْمَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ فِي سُلُوكِ العَبْدِ إِلَى رَبِّهِ (٢):
أَوَّلاً: هَجْرُ التَّرْكِ: وَهُوَ هَجْرُ السَّيِّئَاتِ ذَاتِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (٣).
ثَانِياً: هَجْرُ القُرَنَاءِ: وَهُمْ صُحْبَةُ السُّوءِ الَّذِينَ تَضُرُّ مُخَالِطَتُهُمْ، وَلَا يُجَالَسُونَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ (٤).
وَمِنْ أَدِلَّةِ هَذَا المَقَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)، وَقَوْلُهُ: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (٥).
وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَ الخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (٦).
فَإِنَّ العِلَّةَ فِي القُعُودِ مُوجِبَةٌ لِلْمُمَاثَلَةِ فِي الإِثْمِ كَمَا نَصَّ التَّنْزِيلُ: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) (٧).
٢. النَّوْعُ الثَّانِي: هَجْرُ التَّعْزِيرِ (العُقُوبَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ):
وَهُوَ مَدَارُ بَحْثِنَا هَذَا، وَيُوقِعُهُ المُسْلِمُ عَلَى الفُجَّارِ وَالمُبْتَدِعَةِ تَأْدِيباً لَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا (٨).
هَذَا النَّوْعُ بِقِسْمَيْهِ مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، وَالأَمْرُ فِيهِ لِلْإِيجَابِ فِي مَوَاضِعِ الشَّدَّةِ وَالزَّجْرِ (٩).
وَمُبَاحِثُهُ مَنْثُورَةٌ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ كَأَصْلٍ مَتِينٍ لِمُمَايَزَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ (١٠).
وَقَدْ نَبَّهَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ قِصَّةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَصْلٌ فِي هَجْرَانِ أَهْلِ المَعَاصِي (١١).
أَمَّا هَجْرُ الكَافِرِ، فَهُوَ أَشَدُّ جُرْماً، وَهَجْرُهُ بِالقَلْبِ وَتَرْكِ التَّوَدُّدِ وَالتَّنَاصُرِ وَاجِبٌ مُطْلَقٌ (١٢).
وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ هَجْرُهُ بِالكَلَامِ دَائِماً لِعَدَمِ ارْتِدَاعِهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ العَاصِي الَّذِي يُرْجَى رُجُوعُهُ (١٣).
وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ جَوَازِ هَجْرِ الكَافِرِ مُطْلَقاً تَعْظِيماً لِحَقِّ اللَّهِ (١٤).
وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: "لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ"، وَإِضْطِرَارُهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ (١٥).
٣. النَّوْعُ الثَّالِثُ: هَجْرُ القَضَاءِ (العُقُوبَةُ السُّلْطَانِيَّةُ):
وَهُوَ مِنَ العُقُوبَاتِ التَّعْزِيرِيَّةِ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الحَاكِمُ أَوْ القَاضِي ضِدَّ المَعْتَدِينَ (١٦).
يُبْحَثُ هَذَا النَّوْعُ فِي كُتُبِ الفِقْهِ بَابِ (التَّعْزِيرِ) كَأَدَاةٍ لِضَبْطِ النِّظَامِ العَامِّ وَزَجْرِ المُجْرِمِينَ (١٧).
وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنِ الهَجْرِ الَّذِي دُونَ ثَلَاثٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِأَجْلِ حُظُوظِ النَّفْسِ (١٨).
فَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِلْمُتَهَاجِرِينَ، إِلَّا مَا كَانَ لِحَقِّ الدِّينِ أَوْ التَّأْدِيبِ الوَالِدِيِّ (١٩).
فَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْراً، وَهَجَرَ الوَالِدُ وَلَدَهُ لِلزَّجْرِ، وَهَذَا مِنْ مَبَاحِثِ الأَدَبِ (٢٠).
وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الهَجْرَ لَهُ مَنَازِعُ شَتَّى، وَمَنْ نَظَرَ فِيهَا بَانَ لَهُ انْضِبَاطُ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلُهَا (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) تَأْصِيلُ هَجْرِ الدِّيَانَةِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢١١، ٢١٣، ٢١٦، ٢٨٣).
التوثيق: فَصَّلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ بَيْنَ هَجْرِ (السَّيِّئَةِ) وَهَجْرِ (المُخَالَطَةِ) الَّتِي تَقْدَحُ فِي دِينِ المَرْءِ وَتَقْوَاهُ.
(٢) حَدِيثُ "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ...":
المصدر: صحيح البخاري، حَدِيثُ رَقْمِ (١٠)، وَصحيح مسلم، حَدِيثُ رَقْمِ (٤٠).
التوثيق: هُوَ أَصْلٌ فِي (هَجْرِ التَّرْكِ) لِلذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي كَأَوَّلِ مَرَاتِبِ الهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ.
(٣) هَجْرُ الكَافِرِ وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَاصِي:
المصدر: فتح الباري، لابن حجر، ج (١٠)، ص (٤٩٦، ٤٩٧)، طبعة الريان.
التوثيق: نَقَلَ عَنِ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ بَطَّالٍ وَالنَّوَوِيِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ هَجْرَ الكَافِرِ مَنُوطٌ بِتَرْكِ المَوَدَّةِ وَالمُوَالَاةِ.
(٤) نَصُّ ابْنِ حَجَرٍ فِي قِصَّةِ كَعْبٍ:
المصدر: فتح الباري، ج (١٠)، ص (٤٩٧).
التوثيق: قَوْلُهُ: "قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَصْلٌ فِي هَجْرَانِ أَهْلِ المَعَاصِي"، وَقَدْ دَفَعَ ابْنُ حَجَرٍ الإِشْكَالَ بِتَقْسِيمِ الهَجْرِ إِلَى قَلْبِيٍّ وَلِسَانِيٍّ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ (١٥ سَطْراً):
يَقُولُ البَاحِثُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ تَقْسِيمَاتِ الهَجْرِ الثَّلَاثَةِ (دِيَانَةً، وَتَعْزِيراً، وَقَضَاءً) أَدْرَكَ عِظَمَ هَذَا الدِّينِ فِي حِفْظِ المَصَالِحِ. فَهَجْرُ الدِّيَانَةِ يَحْمِي (الفَرْدَ)، وَهَجْرُ التَّعْزِيرِ يُؤَدِّبُ (المُخَالِفَ)، وَهَجْرُ القَضَاءِ يَحْفَظُ (المُجْتَمَعَ). وَمَا اسْتَشْكَلَهُ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِنْ هَجْرِ العَاصِي دُونَ الكَافِرِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ عِنْدَ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الكَافِرَ مَهْجُورٌ (أَصْلًا) بِقَطْعِ المَوَدَّةِ، وَمُكَالَمَتُهُ دَعْوَةٌ، بَيْنَمَا العَاصِي هُوَ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ "الهَجْرُ الكَلَامِيُّ" لِرَدْعِهِ. وَأَمَّا الهَجْرُ مَا دُونَ ثَلَاثٍ، فَهُوَ رُخْصَةٌ لِلطَّبْعِ البَشَرِيِّ، لَكِنَّهُ لَا يَنْسَحِبُ عَلَى هَجْرِ (أَهْلِ البِدَعِ)؛ لِأَنَّ هَجْرَهُمْ مَحْكُومٌ بِبَقَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ (البِدْعَةُ). فَالْمُدَارَاةُ لِلْكَافِرِ دَعْوَةٌ، وَالهَجْرُ لِلْمُبْتَدِعِ صِيَانَةٌ، وَالتَّعْزِيرُ لِلْمُعْتَدِي عَدَالَةٌ.
(٦) حَدِيثُ "لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ...":
المصدر: صحيح مسلم (٢١٦٧)، وَمسند أحمد (٩٤٦٠).
التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي (هَجْرِ التَّعْظِيمِ) وَتَحْرِيمِ مَوَدَّةِ الكُفَّارِ كَمَا فِي تحفة الإخوان.
(٧) هَجْرُ القَضَاءِ وَالتَّعْزِيرِ:
المصدر: كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية، عبد العزيز عامر، ص (٢٣٧).
التوثيق: بَحَثَ فِيهِ عُقُوبَةَ (الهَجْرِ) كَوَسِيلَةٍ تَعْزِيرِيَّةٍ يَمْلِكُهَا الحَاكِمُ لِزَجْرِ المُنْحَرِفِينَ.
(٨) الهَجْرُ فَوْقَ الثَّلَاثِ (قَوْلُ الخَطَّابِيِّ):
المصدر: معالم السنن، ج (٤)، ص (١٣٢)، وَالترغيب والترهيب، ج (٣)، ص (٤٥٤-٤٦٢).
التوثيق: رَخَّصَ فِي هَجْرِ الوَالِدِ وَالزَّوْجِ لِلْمَصْلَحَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ قِيَاساً عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ.
»»»»»»»»»[الجزء الثاني من الوجه ٩٥]«««««««««««««
[الوَجْهُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ]
المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (شُرُوطُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَضَوَابِطُهُ المَرْعِيَّةُ)
١. ضَرُورَةُ الضَّبْطِ الشَّرْعِيِّ لِمَسْأَلَةِ الهَجْرِ:
إِنَّ الهَجْرَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُرُوطٍ تُصَحِّحُهَا وَضَوَابِطَ تُقِيمُهَا (١).
فَالْهَجْرُ بِلَا ضَابِطٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ بَغْيٍ عَلَى المُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي (٢).
لِذَا وَجَبَ عَلَى البَاحِثِ أَنْ يَسْتَقْرِئَ شُرُوطَ السَّلَفِ الَّتِي جَعَلَتْ هَجْرَهُمْ دَوَاءً لَا دَاءً (٣).
وَمَدَارُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عَلَى (الإِخْلَاصِ، وَالعِلْمِ، وَالمَصْلَحَةِ)، وَبِدُونِهَا يَخْرُجُ الهَجْرُ عَنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ (٤).
فَلَا هَجْرَ لِمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وَلَا هَجْرَ حَيْثُ تَكُونُ المَفْسَدَةُ أَعْظَمَ مِنَ المَصْلَحَةِ (٥).
٢. شُرُوطُ صِحَّةِ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ:
أَوَّلاً: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ الهَجْرُ لِحَقِّ الدِّينِ لَا لِحَظِّ النَّفْسِ أَوْ خُصُومَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ (٦).
ثَانِيًا: قِيَامُ المُقْتَضِي الشَّرْعِيِّ: بِأَنْ يَكُونَ المَهْجُورُ مُقِيماً عَلَى بِدْعَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ مُعْلَنَةٍ (٧).
ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّصِيْحَةِ وَالبَيَانِ: فَلَا يُهْجَرُ مَنْ يَجْهَلُ الحُكْمَ حَتَّى تُبَيَّنَ لَهُ الجَادَّةُ (٨).
رَابِعًا: القُدْرَةُ عَلَى الزَّجْرِ: فَالهَجْرُ عُقُوبَةٌ، وَالعُقُوبَةُ مَنُوطَةٌ بِالقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِهَا وَتَأْثِيرِهَا (٩).
خَامِسًا: سَلَامَةُ القَصْدِ: بِأَنْ يَقْصِدَ الهَاجِرُ رَدْعَ المُخَالِفِ وَحِمَايَةَ السُّنَّةِ لَا هَضْمَ الحُقُوقِ (١٠).
٣. ضَوَابِطُ الهَجْرِ عِنْدَ التَّطْبِيقِ المَيْدَانِيِّ:
الضَّابِطُ الأَوَّلُ (مِيزَانُ المَصْلَحَةِ): يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الهَاجِرِ وَالمَهْجُورِ؛ فَإِنْ ضَعُفَ الهَاجِرُ سَقَطَ الهَجْرُ (١١).
فَالْهَجْرُ فِي حَالِ قُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ سُنَّةٌ، وَفِي حَالِ ضَعْفِهِمْ تَرْكُهُ رَحْمَةٌ وَتَأْلِيفٌ (١٢).
الضَّابِطُ الثَّانِي (التَّدَرُّجُ فِي الهَجْرِ): يَبْدَأُ بِالإِعْرَاضِ اليَسِيرِ، ثُمَّ المَقَاطَعَةِ الكُلِّيَّةِ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ (١٣).
الضَّابِطُ الثَّالِثُ (مُرَاعَاةُ الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ): فَلَا يَمْنَعُ الهَجْرُ رَدَّ السَّلَامِ الوَاجِبِ عَيْنًا فِي بَعْضِ المَقَامَاتِ (١٤).
أَوْ مَنْعَ بَيْعِ الضَّرُورَاتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ لِتَضْيِيقٍ خَاصٍّ كَمَا فِي قِصَّةِ كَعْبٍ (١٥).
الضَّابِطُ الرَّابِعُ (انْتِهَاءُ الهَجْرِ بِالتَّوْبَةِ): فَمَتَى أَعْلَنَ المَهْجُورُ أَوْبَتَهُ، وَجَبَ قَبُولُهُ وَرَفْعُ الهَجْرِ عَنْهُ فَوْرًا (١٦).
٤. مَحَاذِيرُ تَقَعُ فِي بَابِ الهَجْرِ:
مِنْ أَعْظَمِ المَحَاذِيرِ أَنْ يُجْعَلَ الهَجْرُ (أَصْلاً) فِي التَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ مِنَ السُّنِّيِّينَ (١٧).
فَمَنْ هَجَرَ سُنِّيًّا لِغَلْطَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ جَارَ، وَمَنْ هَجَرَ لِأَجْلِ خِلَافٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَقَدْ ضَلَّ (١٨).
إِنَّ الهَجْرَ بِمَثَابَةِ (الكَيِّ)، وَآخِرُ الدَّوَاءِ الكَيُّ، فَلَا يُبْدَأُ بِهِ وَلَا يُتَوَسَّعُ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (١٩).
وَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَالضَّوَابِطِ يَتَبَيَّنُ لِلْبَاحِثِ كَيْفَ كَانَ السَّلَفُ يَحْفَظُونَ القُلُوبَ مَعَ حِفْظِهِمْ لِلأُصُولِ (٢٠).
فَالْعِلْمُ قَبْلَ الهَجْرِ، وَالعَدْلُ مَعَ الهَجْرِ، وَالرَّحْمَةُ بَعْدَ الهَجْرِ هِيَ خُلُقُ أَهْلِ الأَثَرِ (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) شَرْطُ المَصْلَحَةِ فِي الهَجْرِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٦).
التوثيق: قَرَّرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ "الهَجْرَ الشَّرْعِيَّ مَنُوطٌ بِالمَصْلَحَةِ، فَإِذَا كَانَتِ المَفْسَدَةُ فِيهِ أَرْجَحَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُوراً بِهِ".
(٢) الهَجْرُ لِحَظِّ النَّفْسِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٤).
التوثيق: حَذَّرَ الشَّاطِبِيُّ مِنْ دُخُولِ الهَوَى فِي الهَجْرِ، وَاعْتَبَرَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ لِانْتِصَارِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ مَأْجُوراً.
(٣) قِيَامُ الحُجَّةِ قَبْلَ الهَجْرِ:
المصدر: الإبانة الكبرى، لابن بطة، ج (٢)، ص (٥٤٠).
التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُنَاظِرُونَ وَيُبَيِّنُونَ لِلْمُخَالِفِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ، صِيَانَةً لِلْعَدْلِ.
(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قلت: إِنَّ مَنْ تَمَعَّنَ فِي (ضَوَابِطِ الهَجْرِ) عَلِمَ يَقِيناً أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَجْعَلْ أَعْرَاضَ المُسْلِمِينَ مَلْعَبَةً لِلْآرَاءِ. فَالْهَجْرُ مَشْرُوطٌ بِـ (العِلْمِ)؛ لِأَنَّ الجَاهِلَ يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمَشْرُوطٌ بِـ (العَدْلِ)؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ الضَّوَابِطِ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا الكَثِيرُونَ هُوَ (ضَابِطُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ)؛ فَهَجْرُ المُبْتَدِعِ فِي مَعْقِلِ سُلْطَانِهِ حَيْثُ لَا سُلْطَةَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ رَمْيٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، بَيْنَمَا هَجْرُهُ فِي مَعْقِلِ السُّنَّةِ هُوَ عِزٌّ لِلدِّينِ. أؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ بِالهَجْرِ دُونَ فِقْهِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَقَدْ جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ (حَاكماً) لَا (مُتَّبِعاً)، وَإِنَّمَا كَانَ الهَجْرُ (دَوَاءً) يُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ، فَمَنْ زَادَ فِيهِ أَهْلَكَ المَرِيضَ، وَمَنْ نَقَصَ عَنْهُ تَرَكَ العِلَّةَ تَسْرِي. فَانْضِبَاطُ الهَجْرِ بِهَذِهِ القَوَاعِدِ هُوَ الَّذِي مَيَّزَ أَهْلَ السُّنَّةِ عَنِ الخَوَارِجِ الَّذِينَ هَجَرُوا بِالتَّكْفِيرِ وَالظُّلْمِ.
المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (صِفَاتُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَمُفْرَدَاتُ التَّعَامُلِ مَعَ المَهْجُورِ)
١. تَأْصِيلُ صِفَةِ الهَجْرِ (الإِعْرَاضُ وَالبَرَاءَةُ):
إِنَّ صِفَةَ الهَجْرِ المُرَادَةَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ تَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ شَدِيدَيْنِ: (الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ) وَ(البَرَاءَةُ التَّامَّةُ).
أَوَّلاً: الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ):
الاشتقاق: مِنَ (العَرْضِ) بِفَتْحِ العَيْنِ، وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَيْ وَلَّاهُ عُرْضَهُ وَجَانِبَهُ، وَتَرَكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى المُبْتَدِعِ، قَلْباً، وَقَالِباً، وَقَوْلاً، لِانْعِدَامِ قِيمَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ.
ثَانِيًا: البَرَاءَةُ مِنْهُ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ):
الاشتقاق: مِنَ (البَرْءِ)، وَهُوَ التَّبَاعُدُ عَنِ الشَّيْءِ وَمُزَايَلَتُهُ، وَمِنْهُ بَرِئَ المَرِيضُ مِنَ العِلَّةِ إِذَا فَارَقَتْهُ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ قَطْعُ عَلَاقَةِ الوَلَاءِ وَالمَوَدَّةِ مَعَ المُبْتَدِعِ، وَإِظْهَارُ الخُلُوصِ مِنْ طَرِيقَتِهِ المُنْحَرِفَةِ.
٢. مُفْرَدَاتُ صِفَةِ الهَجْرِ (العَشْرُ المُرَتَّبَةُ):
تَتَحَقَّقُ صِفَةُ الهَجْرِ شَرْعاً بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَأَدَّى بِهَا الزَّجْرُ، وَأَهَمُّهَا عَشْرٌ:
الأُولَى (عَدَمُ مُجَالَسَتِهِ): فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ السُّنِّيِّ وَالمُبْتَدِعِ مَجْلِسٌ، لِأَنَّ المُجَالَسَةَ تُؤْذِنُ بِالمُؤَانَسَةِ.
الثَّانِيَةُ (الِابْتِعَادُ عَنْ مُجَاوَرَتِهِ): بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، لِئَلَّا يَقَعَ النَّظَرُ عَلَيْهِ، فَيَأْلَفَ القَلْبُ رُؤْيَتَهُ.
الثَّالِثَةُ (تَرْكُ تَوْقِيرِهِ): فَلَا يُنَادَى بِأَلْقَابِ التَّعْظِيمِ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي المَحَافِلِ، لِأَنَّ البِدْعَةَ تَسْلُبُ الكَرَامَةَ.
الرَّابِعَةُ (تَرْكُ مُكَالَمَتِهِ): وَهِيَ مَحْضُ الهَجْرِ، بِأَنْ لَا يُبْدَأَ بِحَدِيثٍ، وَلَا يُجَابَ لِفُضُولِ مَقَالٍ.
الخَامِسَةُ (تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ): فَلَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَقَدْ يُتْرَكُ الرَّدُّ زَجْراً إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَكْسِرُ نَفْسَهُ.
السَّادِسَةُ (تَرْكُ التَّسْمِيَةِ لَهُ): فَلَا يُذْكَرُ اسْمُهُ بِالتَّنْوِيهِ وَالثَّنَاءِ، بَلْ يُخْمَدُ ذِكْرُهُ تَمَاماً مَوْتاً لِبِدْعَتِهِ.
السَّابِعَةُ (عَدَمُ بَسْطِ الوَجْهِ لَهُ): فَيُقَابَلُ بِالِانْقِبَاضِ وَالعُبُوسِ، مَعَ عَدَمِ هَجْرِ أَصْلِ السَّلَامِ الدِّينِيِّ عِنْدَ الحَاجَةِ.
الثَّامِنَةُ (عَدَمُ سَمَاعِ كَلَامِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ): فَلَا تُسْمَعُ أَهْوِيَتُهُمْ، وَلَا تُقْرَأُ كُتُبُهُمْ صِيَانَةً لِلْعَقْلِ مِنَ الخَبَلِ.
التَّاسِعَةُ (عَدَمُ مُشَاوَرَتِهِمْ): فَلَا يُسْتَأْمَنُونَ عَلَى رَأْيٍ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَشُورَةٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا لِفَسَادِ بَاطِنِهِمْ.
العَاشِرَةُ (تَرْكُ التَّعَامُلِ المَالِيِّ): مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمْ، سَدّاً لِأَسْبَابِ القُوَّةِ المَادِيَّةِ الَّتِي يُنْصَرُ بِهَا البَاطِلُ.
٣. مَقَاصِدُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي الزَّجْرِ:
إِنَّ تَطْبِيقَ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُجْتَمِعَةً يَهْدِفُ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ فِي خَذْلَانِ المُبْتَدِعِ.
فَالْمُبْتَدِعُ إِذَا رَأَى الصُّدُودَ فِي الوُجُوهِ، وَالصَّمْتَ فِي المَحَافِلِ، وَالقَطِيعَةَ فِي التَّعَامُلِ، شَعَرَ بِالعُزْلَةِ.
هَذِهِ العُزْلَةُ هِيَ "السِّجْنُ الشَّرْعِيُّ" الَّذِي يَجْعَلُهُ يُرَاجِعُ نَفْسَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ ثَمَنَ البِدْعَةِ بَاهِظٌ.
فَإِذَا اِنْكَسَرَتْ كِبْرِيَاؤُهُ، طَمِعَ فِي العَوْدَةِ إِلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فَيَتْرُكُ ضَلَالَهُ مَكْرَهًا أَوْ طَائِعًا.
وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الزَّجْرُ المَطْلُوبُ، وَيَسْلَمُ المُجْتَمَعُ مِنْ شَرِّ مَقَالَتِهِ، وَتَبْقَى السُّنَّةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ.
**المتممة النقول من "فتح الباري" (٤٩٧/١٠, ١٢٤-١٣٢/٨)و"شرح أصول الاعتقاد" (ص١٥٠,١١٤/١)
(٥) هَجْرُ السُّنِّيِّ لِلْمُصْلَحَةِ:
المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج (١١)، ص (٢٣١).
التوثيق: ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ أَنَّ الهَجْرَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا دُونَ ثَلَاثٍ، إِلَّا إِذَا كَانَ لِزَجْرٍ شَرْعِيٍّ فَيُقَدَّرُ بِقَدَرِ المَصْلَحَةِ.
(٦) تَوْبَةُ المَهْجُورِ وَرَفْعُ العُقُوبَةِ:
المصدر: زاد المعاد، لابن القيم، ج (٣)، ص (٥٠٨).
التوثيق: بَيَّنَ كَيْفَ تَلَقَّى الصَّحَابَةُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ بِالبِشْرِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَأَنَّ رَفْعَ الهَجْرِ وَاجِبٌ عِنْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٦]««««««««««««««««««
تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ الرَّابِعَةِ: (تَحْرِيرُ ضَوَابِطِ الهَجْرِ بَيْنَ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَمِيزَانِ العَدْلِ)
١. ضَابِطُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ فِي إِيقَاعِ الهَجْرِ:
إِنَّ مِنَ الضَّوَابِطِ الجَوْهَرِيَّةِ لِلْهَجْرِ الشَّرْعِيِّ مُرَاعَاةَ سُلْطَانِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَمَكُّنِهِمْ (١).
فَالْهَجْرُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ يُؤَدِّي إِلَى ضِيَاعِ المَصْلَحَةِ (٢).
فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ، يَكُونُ التَّأْلِيفُ وَالبَيَانُ وَالمُدَارَاةُ أَوْلَى مِنْ قَطِيعَةٍ لَا تُثْمِرُ زَجْراً (٣).
أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ، وَكَلِمَةُ أَهْلِهَا هِيَ العَالِيَةُ، فَالْهَجْرُ حِينَئِذٍ سِيَاجٌ مَتِينٌ (٤).
وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ الفَتَاوَى بِاخْتِلَافِ الدِّيَارِ وَالأَعْصَارِ، وَلَا يُؤْخَذُ الهَجْرُ كَقَالَبٍ جَامِدٍ (٥).
٢. ضَابِطُ "الهَجْرِ لِلْمَصْلَحَةِ" وَتَقْدِيرُ المَفَاسِدِ:
يَجِبُ أَنْ يَدُورَ الهَجْرُ مَعَ "المَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ" وُجُوداً وَعَدَماً، لِأَنَّهُ عِلَاجٌ لِلْقُلُوبِ (٦).
فَإِذَا عَلِمَ البَاحِثُ أَنَّ هَجْرَ هَذَا المُبْتَدِعِ سَيَزِيدُهُ شَرّاً وَارْتِمَاءً فِي حِضْنِ الكُفَّارِ، فَلَا هَجْرَ (٧).
إِنَّ المَقْصِدَ هُوَ تَقْلِيلُ الشَّرِّ لَا تَكْثِيرُهُ، وَإِخْمَادُ الفِتْنَةِ لَا إِشْعَالُ نِيرَانِهَا فِي الأُمَّةِ (٨).
لِذَا كَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ يَرَى تَرْكَ الهَجْرِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ (٩).
فَمَنْ هَجَرَ حَيْثُ تَعْظُمُ المَفْسَدَةُ، فَقَدْ خَالَفَ حِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَسَلَكَ سَبِيلَ التَّنْطِيعِ (١٠).
٣. ضَابِطُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الدَّاعِيَةِ" وَ"المُسْتَتِرِ":
مِنْ شُرُوطِ الهَجْرِ المُغَلَّظِ أَنْ يَكُونَ المُبْتَدِعُ دَاعِيَةً لِبِدْعَتِهِ، مُظْهراً لِضَلَالِهِ بَيْنَ النَّاسِ (١١).
أَمَّا مَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ مُسْتَتِراً بِهَا، فَالْأَصْلُ مُنَاصَحَتُهُ سِرّاً (١٢).
فَإِظْهَارُ البِدْعَةِ جِنَايَةٌ عَلَى المُجْتَمَعِ، وَاسْتِتَارُهَا جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ، وَلِكُلٍّ حُكْمٌ (١٣).
فَالْمُجَاهِرُ يُهْجَرُ عِياناً لِيَنْكَفَّ شَرُّهُ، وَالمُسْتَتِرُ يُعَامَلُ بِالظَّاهِرِ مَعَ صِدْقِ النَّصِيحَةِ (١٤).
وَبِهَذَا الضَّابِطِ يَتَحَقَّقُ العَدْلُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مَرَاتِبِ الخِلَافِ وَأَنْوَاعِ المُخَالِفِينَ (١٥).
٤. ضَابِطُ الرُّجُوعِ عَنِ الهَجْرِ وَعَلَامَاتُ الأَوْبَةِ:
إِنَّ الهَجْرَ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ زَوَالِ سَبَبِهِ، وَهُوَ رُجُوعُ المَهْجُورِ إِلَى حِيَاضِ السُّنَّةِ (١٦).
وَلَا يَجُوزُ التَّمَادِي فِي الهَجْرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ تَشَفِّياً، فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ (١٧).
وَعَلَامَةُ تَوْبَةِ المُبْتَدِعِ الدَّاعِيَةِ أَنْ يُظْهِرَ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلَ مَا أَظْهَرَ مِنَ البِدْعَةِ (١٨).
فَإِذَا تَبَيَّنَ رُشْدُهُ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ اِحْتِضَانُهُ وَرَفْعُ المَقَاطَعَةِ عَنْهُ لِتَأْلِيفِ قَلْبِهِ (١٩).
وَبِهَذَا يَبْقَى الهَجْرُ وَسِيلَةً إِصْلَاحِيَّةً، وَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى عَدَاوَةٍ شَخْصِيَّةٍ دَائِمَةٍ (٢٠).
فَالْخُلاصَةُ أَنَّ الهَجْرَ مَحْكُومٌ بِالعِلْمِ وَالعَدْلِ وَالمَصْلَحَةِ، وَهِيَ جِمَاعُ المُرَادِ الشَّرْعِيِّ (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««««
(١) ضَابِطُ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِي الهَجْرِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٦).
التوثيق: "فَإِذَا كَانَ الهَاجِرُ ضَعِيفاً وَالمَهْجُورُ قَوِيّاً، كَانَ التَّأْلِيفُ أَوْلَى، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَلَّفُ رُؤُوسَ المُشْرِكِينَ".
(٢) هَجْرُ الدَّاعِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ:
المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٢).
التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ الشِّدَّةَ مَعَ الدَّاعِيَةِ مَقْصُودَةٌ لِقَطْعِ رَأْسِ الفِتْنَةِ، بَيْنَمَا غَيْرُهُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ.
(٣) التَّوْبَةُ وَرَفْعُ الهَجْرِ:
المصدر: إعلام الموقعين، لابن القيم، ج (٤)، ص (١٥٦).
التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الخَيْرَ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَعْلَنَ الأَوْبَةَ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ.
(٤) تَأْصِيلُ العقدي البَاحِثِ :
قلت: إِنَّ هَذِهِ التَّتِمَّةَ لِلضَّوَابِطِ هِيَ الفَصْلُ بَيْنَ "الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ" وَ"الهَجْرِ النَّفْسِيِّ".
و أَنَّ تَقْدِيرَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ لَيْسَ مَوْكُولاً لِآحَادِ النَّاسِ بِلا عِلْمٍ، بَلْ هُوَ نَظَرٌ مَقَاصِدِيٌّ يَقُومُ بِهِ أَهْلُ الرُّسُوخِ. فَكَمْ مِنْ هَجْرٍ أَوْرَثَ فُرْقَةً، وَكَمْ مِنْ مُدَارَاةٍ أَوْرَثَتْ هِدَايَةً.
وَإِنَّ ضَابِطَ (الدَّاعِيَةِ) يَحْمِي بَيْضَةَ المُجْتَمَعِ مَعَ تَرْكِ البَابِ مَفْتُوحاً لِلْمُسْتَتِرِ لِيَتُوبَ دُونَ فَضِيحَةٍ. وَأَعْظَمُ هَذِهِ الضَّوَابِطِ هُوَ (الرُّجُوعُ عَنِ الهَجْرِ)؛ لِأَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَالغَرَضُ مِنَ الهَجْرِ أَنْ نَرُدَّ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ، لَا أَنْ نَدْفَعَهُ إِلَى عَدُوِّهِ. فَمَنْ فَقَدَ الرَّحْمَةَ فِي هَجْرِهِ، فَقَدْ فَقَدَ فِقْهَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا البَابِ.
فَالْمِيزَانُ هُوَ: هَجْرٌ يُعِزُّ السُّنَّةَ، وَتَأْلِيفٌ يَجْمَعُ الكَلِمَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَوْزُونٍ لَا إِفْرَاطَ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطَ. وَبِذَلِكَ تَتِمُّ شُرُوطُ الهَجْرِ وَضَوَابِطُهُ فِي هَذِهِ المُتَمِّمَةِ الرَّابِعَةِ.
(٥) فِقْهُ المُدَارَاةِ لِتَقْلِيلِ الشَّرِّ:المصدر: فتح الباري، ج (١٠)، ص (٥٢٨).
التوثيق: ذَكَرَ الحَافِظُ أَنَّ المُدَارَاةَ صِفَةُ أَهْلِ العِلْمِ فِي حَالِ العَجْزِ عَنِ الهَجْرِ العَلَنِيِّ لِكَيْلَا يَعْظُمَ الضَّرَرُ.
(٦) اشْتِرَاطُ البَيَانِ قَبْلَ الهَجْرِ:
المصدر: الاعتصام، ج (١)، ص (١٧٨).
التوثيق: شَدَّدَ الشَّاطِبِيُّ عَلَى أَنَّ الهَجْرَ دُونَ سَبَقِ بَيَانٍ هُوَ تَعْسِيفٌ لَا تَوْقِيفٌ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٧]«««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ]
المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ:
(مَنْزِلَةُ الهَجْرِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَأَصْلُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ الشَّرْعِيِّ)
١. الِارْتِبَاطُ العَقَدِيُّ بَيْنَ الهَجْرِ وَقَاعِدَةِ "الحُبِّ وَالبُغْضِ فِي اللَّهِ":
إِنَّنِي أُؤَصِّلُ فِي هَذَا المَقَامِ أَنَّ هَجْرَ المُبْتَدِعِ دِيَانَةً لَيْسَ جُزْءاً فَرْعِيّاً، بَلْ هُوَ يَقَعُ تَحْتَ القَاعِدَةِ العَقَدِيَّةِ الكُبْرَى (الوَلاءُ وَالبَرَاءُ) (١).
وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ هَذِهِ القَاعِدَةُ مُشْتَرَكَةٌ لَفْظاً بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ، لَكِنَّ حَقِيقَتَهَا لَدَى أَهْلِ الأَثَرِ تُبَايِنُ أَهْلَ الضَّلَالِ (٢).
فَقَدْ لَحَظْتُ أَنَّ الخَوَارِجَ يَقُولُونَ: (لَا وَلَاءَ إِلَّا بِبَرَاءٍ)؛ فَلَا يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- (٣).
وَكَذَلِكَ الشِّيعَةُ؛ فَلَا وَلَاءَ عِنْدَهُمْ لِعَلِيٍّ وَآلِ البَيْتِ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا لَعَمْرِي هُوَ عَيْنُ الخُذْلَانِ (٤).
بَيْنَمَا أَرَى أَنَّ مُعْتَقَدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُومُ عَلَى مُوَالاةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وَالبَرَاءَةِ مِمَّنْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ مِنَ المُبْتَدِعَةِ (٥).
وَلَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى بِدْعَةٍ أُخْرَى لَدَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَهِيَ أَنْ يَتَبَرَّؤُوا مِنْ قَوْمٍ هُمْ عَلَى الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَوَلَّوْا مَنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ (٦).
وَهَذَا مَا حَذَّرَ مِنْهُ ابْنُ بَطَّةَ فِي (الإِبَانَةِ)؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى ضَلَالِ مَنْ يَقْلِبُ مِيزَانَ الوَلَاءِ فَيُعَادِي أَهْلَ الحَقِّ وَيُصَافِي أَهْلَ البَاطِلِ (٧).
٢. تَحْرِيرُ مَفْهُومِ القَاعِدَةِ لَدَى أَهْلِ السُّنَّةِ (مَقَامُ التَّحْقِيقِ):
إِنَّ مَفْهُومَ هَذِهِ القَاعِدَةِ الشَّرِيفَةِ لَدَى أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ (الحُبُّ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ)؛ فَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنِ وَيُعَادُونَ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ (٨).
وَيُوَالُونَ كُلَّ عَبْدٍ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الخَيْرِ وَالسُّنَّةِ، وَيُبْغِضُونَهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الشَّرِّ وَالبِدْعَةِ، وَهَذَا هُوَ العَدْلُ المَحْضُ (٩).
وَأَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ... أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (١٠).
وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: "مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ"، وَهُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ (١١).
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: "حَقِيقَةُ الحُبِّ فِي اللَّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ بِالبِرِّ وَلَا يَنْقُصَ بِالجَفَاءِ"، وَهَذَا عُمْدَةٌ فِي البَابِ (١٢).
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ القَاعِدَةُ مِنْ مُسَلَّمَاتِ الِاعْتِقَادِ فِي الإِسْلَامِ لِكَثْرَةِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ فِيهَا (١٣).
وَمِنْ أَوْلَى مُقْتَضَيَاتِهَا الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا وَيُعَاقَبُ تَارِكُهَا: البَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَمُعَادَاتُهُمْ وَزَجْرُهُمْ بِالهَجْرِ (١٤).
٣. نَصُّ الإِمَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الصَّابُونِيِّ (بِتَمَامِهِ):
لَقَدْ أَصَّلَ الإِمَامُ الصَّابُونِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَوْقِفَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ نَصّاً، حَيْثُ قَالَ (١٥):
«وَيُبْغِضُونَ أَهْلَ البِدَعِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يُحِبُّونَهُمْ، وَلَا يُصَاحِبُونَهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ، وَلَا يُجَالِسُونَهُمْ» (١٦).
«وَلَا يُجَادِلُونَهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَا يُنَاظِرُونَهُمْ، وَيَرَوْنَ صَوْنَ آذَانِهِمْ عَنْ سَمَاعِ بَاطِلِهِمُ الَّذِي إِذَا مَرَّ بِالآذَانِ وَقَرَّ فِي القُلُوبِ ضَرَّ» (١٧).
«وَجَرَّ إِلَيْهَا مِنَ الوَسَاوِسِ وَالخَطَرَاتِ الفَاسِدَةِ مَا جَرَّ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)» (١٨).
ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَقُولُ: «وَاتَّفَقُوا مَعَ ذَلِكَ عَلَى القَوْلِ بِقَهْرِ أَهْلِ البِدَعِ، وَإِذْلَالِهِمْ، وَإِخْزَائِهِمْ، وَإِبْعَادِهِمْ، وَإِقْصَائِهِمْ، وَالتَّبَاعُدِ مِنْهُمْ» (١٩).
«وَمِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُجَانَبَتِهِمْ وَمُهَاجَرَتِهِمْ»، وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي دُخُولِ الهَجْرِ فِي مَقَامِ الِاعْتِقَادِ (٢٠).
وَبِهَذَا، فَقَدْ جَزَمْتُ بِأَنَّ الهَجْرَ لِلْمُبْتَدِعِ هُوَ عُقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَقْصِدُ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ صِيَانَةَ المِلَّةِ وَإِعْلَاءَ كَلِمَةِ الحَقِّ (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) رَبْطُ الهَجْرِ بِالوَلَاءِ وَالبَرَاءِ:
المصدر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج (٤)، ص (٢٠٨، ٢١٦).
التوثيق: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ عَلَى أَنَّ هَجْرَ المُبْتَدِعِ ثَمَرَةُ أَصْلِ البَرَاءِ مِنَ البَاطِلِ.
(٢) الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ فِي القَاعِدَةِ:
المصدر: تحفة الإخوان، ص (٣١)، طبعة الرئاسة العامة للإفتاء.
التوثيق: قُلْتُ: إِنَّ القَوْمَ يَسْتَخْدِمُونَ مُصْطَلَحَ "الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ" لِتَمْرِيرِ أَهْوَائِهِمْ فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَعْنَى السُّنَّةِ.
(٣) ضَلَالُ الخَوَارِجِ فِي التَّوَلِّي:
المصدر: مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص (١٦٨)، طبعة المكتبة العصرية.
التوثيق: بَيَّنَ كَيْفَ جَعَلَ الخَوَارِجُ البَرَاءَةَ مِنْ عُثْمَانَ شَرْطاً لِلْإِيمَانِ، وَهُوَ مَا نَقَضْتُهُ فِي المَتْنِ.
(٤) بِدْعَةُ الرَّافِضَةِ فِي الصَّحَابَةِ:
المصدر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، ج (١)، ص (٢٤).
التوثيق: رَدَّ فِيهِ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِآلِ البَيْتِ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
(٥) تَزْكِيَةُ الصَّحَابَةِ فِي الِاعْتِقَادِ:
المصدر: العقيدة الطحاوية، وَشَرْحُهَا لِابْنِ أَبِي العِزِّ، ص (٤٦٧).
التوثيق: تَقْرِيرُ أَنَّ حُبَّ الصَّحَابَةِ دِينٌ وَإِيمَانٌ، وَبُغْضَهُمْ كُفْرٌ وَطُغْيَانٌ، وَهُوَ أَصْلُ مُوَالاةِ أَهْلِ الحَقِّ.
(٦) البَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ:
المصدر: الإبانة الكبرى، لابن بطة، ص (٣٤١).
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا المَوْقِفُ يَقْلِبُ الشَّرِيعَةَ، حَيْثُ يُهْجَرُ السُّنِّيُّ لِسُنَّتِهِ وَيُوَالَى المُبْتَدِعُ لِبِدْعَتِهِ.
(٧) نَصُّ ابْنِ بَطَّةَ فِي التَّبَرُّؤِ:
المصدر: الإبانة الكبرى، ص (٣٤١)، رَقْمُ (٤٧٢)، طبعة دار الراية.
التوثيق: حَذَّرَ فِيهِ مِنَ الَّذِينَ يَتَبَرَّؤُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ تَحْتَ سِتَارِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ.
(٨) مَفْهُومُ الحُبِّ وَالبُغْضِ فِي اللَّهِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢٠٩).
التوثيق: قَرَّرَ أَنَّ المُؤْمِنَ يُحَبُّ لِإِيمَانِهِ وَيُبْغَضُ لِمَعْصِيَتِهِ، وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِي فِي تَوْزِيعِ الوَلَاءِ بِالقِسْطِ.
(٩) العَدْلُ فِي المُعَادَاةِ:
المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم، ج (١)، ص (٥٣٠).
التوثيق: رَسَّخَ أَنَّ الحُبَّ وَالبُغْضَ لَا يَقْتَضِي الظُّلْمَ، بَلْ يُعَامَلُ كُلُّ مُخَالِفٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ شَرْعاً.
(١٠) حَدِيثُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ:
المصدر: البخاري (١٦)، مسلم (٤٣).
التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي جَعْلِ الحُبِّ فِي اللَّهِ لَذَّةً قَلْبِيَّةً لَا يَذُوقُهَا إِلَّا أَهْلُ التَّقْوَى.
(١١) حَدِيثُ اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ:
المصدر: سنن أبي داود (٤٦٨١)، السلسلة الصحيحة (٣٨٠).
التوثيق: حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَرْبِطُ العَطَاءَ وَالمَنْعَ وَالحُبَّ وَالبُغْضَ بِكَمَالِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ.
(١٢) قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ:
المصدر: فتح الباري، ج (١)، ص (١٦٢).
التوثيق: نَقَلَهُ الحَافِظُ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الحُبَّ فِي اللَّهِ رَبَّانِيٌّ، لَا يَتَأَثَّرُ بِتَقَلُّبَاتِ العِبَادِ.
(١٣) كَثْرَةُ النُّصُوصِ فِي المَسْأَلَةِ:
المصدر: الدرر السنية، ج (٤)، ص (٢٠٨، ٢١٦).
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا التَّوَاتُرُ العَمَلِيُّ عَنِ السَّلَفِ يَجْعَلُ المَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ.
(١٤) عُقُوبَةُ هَجْرِ المَفَاسِدِ:
المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢١٠).
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ الهَجْرَ زَجْرٌ يُرَادُ بِهِ تَطْهِيرُ المُجْتَمَعِ مِنَ الأَهْوَاءِ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ بَحْثاً.
(١٥) سِيَاقُ كَلَامِ الصَّابُونِيِّ:
المصدر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص (٢٩٨)، طبعة دار العاصمة.
التوثيق: هَذَا النَّصُّ هُوَ (القَوْلُ الفَصْلُ) فِي حِكَايَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعِ.
(١٦) هَجْرُ مُصَاحَبَةِ المَسْمُوعِ:
المصدر: عقيدة السلف، ص (٢٩٨).
التوثيق: التَّنْبِيهُ عَلَى تَرْكِ سَمَاعِ كَلَامِهِمْ لِأَنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةٌ وَالقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ.
(١٧) صَوْنُ الآذَانِ عَنِ البَاطِلِ:
المصدر: عقيدة السلف، ص (٢٩٨).
التوثيق: وَجْهُ الدَّلالَةِ أَنَّ المُخَالَطَةَ تُفْسِدُ الِاعْتِقَادَ كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ الصَّابُونِيُّ.
(١٨) الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ):
المصدر: سورة الأنعام، الآية (٦٨).
التوثيق: هِيَ الأَصْلُ القُرْآنِيُّ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِعْرَاضِ وَالهَجْرِ لِأَهْلِ الخَوْضِ فِي الدِّينِ.
(١٩) الِاتِّفَاقُ عَلَى قَهْرِ المُبْتَدِعِ:
المصدر: عقيدة السلف، ص (٣٠٠).
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ عَلَى إِذْلَالِ أَهْلِ البِدَعِ تَعْظِيماً لِلسُّنَّةِ.
(٢٠) التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِمُهَاجَرَتِهِمْ:
المصدر: عقيدة السلف، ص (٣٠٠).
التوثيق: قَلَّمَا نَجِدُ تَصْرِيحاً بِأَنَّ الهَجْرَ (عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ) بِهَذَا الوُضُوحِ كَمَا عِنْدَ الصَّابُونِيِّ.
(٢١) خَاتِمَةُ المَقَامِ:
المصدر: قُلْتُهُ اِسْتِنْتَاجاً بَحْثِيّاً.
التوثيق: جَزَمْتُ بِأَنَّ مَنْزِلَةَ الهَجْرِ مِنَ الِاعْتِقَادِ مَنْزِلَةُ (الحِرَاسَةِ) لِأُصُولِ المِلَّةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٧]««««««««««««««««««
تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ:
(الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى هَجْرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ)
١. تَرَاجِمُ المُحَدِّثِينَ وَتَأْصِيلُ الهَجْرِ فِي الدَّواوِينِ:
لَقَدْ وَقَفْتُ عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ السُّوَرِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى أَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ تَرْجَمَ لَهَا المُرْتَضَوْنَ مِنَ المحدثِينَ فِي أَبْوَابٍ شَتَّى (١).
فَفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى، وَبَابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنْ اقْتَرَفَ ذَنْباً (٢).
وَفِي (سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) بَابُ مُجَانَبَةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ، وَبَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ (٣).
وَأَرَى فِي تَبْوِيبِ النَّوَوِيِّ لِتَحْرِيمِ الهَجْرِ "إِلَّا لِبِدْعَةٍ فِي المُهَاجِرِ أَوْ تَظَاهُرٍ بِفِسْقٍ" دَلِيلًا بَيِّناً (٤).
وَقَدْ نَقَلْتُ عَنِ المُنْذِرِيِّ تَرْهيبَهُ مِنْ حُبِّ أَهْلِ البِدَعِ لِأَنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ (٥).
وَأُؤَكِّدُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ التَّرَاجِمَ لَيْسَتْ عَرَضِيَّةً، بَلْ هِيَ فِقْهُ المُحَدِّثِينَ فِي تَنْزِيلِ الهَجْرِ مَنْزِلَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ (٦).
٢. الزَّجْرُ النَّبَوِيُّ عَنِ المُحْدِثَاتِ وَالمُحْدِثِينَ:
قُلْتُ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا... فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ" (٧).
وَعَلَّقَ البَغَوِيُّ بِمَا رَآهُ حَقّاً؛ أَنَّ مَنْ تَعَاطَى الأَهْوَاءَ وَجَبَ هَجْرُهُ وَالتَّبَرُّؤُ مِنْهُ حَيّاً حَتَّى يَرْجِعَ (٨).
وَقَدْ حَقَّقْتُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَخُصُّ حُقُوقَ العِشْرَةِ، أَمَّا حَقُّ الدِّينِ فَالْهَجْرُ فِيهِ دَائِمٌ حَتَّى التَّوْبَةِ (٩).
وَاسْتَدْلَلْتُ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ عائِشَةَ فِي "المُتَشَابِهِ"؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ: "فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ... فَاحْذَرُوهُمْ" (١٠).
وَهَذَا الحَذَرُ النَّبَوِيُّ يَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ الإِعْرَاضَ وَالهَجْرَ لِأَهْلِ الزَّيْغِ كَمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ (١١).
٣. عُقُوبَةُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً وَجِهَادُ أَهْلِ الخُلُوفِ:
وَمِمَّا يَنْبَغِي العِنَايَةُ بِهِ حَدِيثُ "الصَّحِيفَةِ" فِي لَعْنِ مَنْ آوَى مُحْدِثاً، وَهُوَ يَشْمَلُ المَنَعَةَ لِأَهْلِ البِدَعِ (١٢).
وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي "الخُلُوفِ" الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ (١٣).
وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنْ جِهَادِ القَلْبِ بُغْضَهُمْ فِي اللَّهِ وَهَجْرَهُمْ دِيَانَةً حَتَّى لَا يَفْشُوَ ضَلَالُهُمْ (١٤).
وَرَأَيْتُ فِي حَدِيثِ الأُمَرَاءِ الجَائِرِينَ زَجْراً عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، فَمَنْ أَعَانَهُمْ فَلَيْسَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (١٥).
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الظَّلَمَةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ ظَلَمُوا الشَّرِيعَةَ بِتَبْدِيلِ المَعَانِي وَاخْتِرَاعِ البِدَعِ (١٦).
٤. وَقَائِعُ الهَجْرِ النَّبَوِيِّ لِأَهْلِ المَعَاصِي وَالمُخَالَفَاتِ:
لَقَدْ هَجَرَ ﷺ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ خَمْسِينَ لَيْلَةً لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ تَبُوكَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ (١٧).
وَهَجَرَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ شَهْرَيْنِ لِمَقَالَتِهَا فِي صَفِيَّةَ، وَهَجَرَ صَاحِبَ "القُبَّةِ" بِالإِعْرَاضِ عَنْهُ حَتَّى هَدَمَهَا (١٨).
وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى هَجْرِهِ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِ لِمُلَابَسَتِهِ "الخَلُوقَ" حَتَّى غَسَلَهُ (١٩).
وَكَذَا هَجَرَ مَنْ لَبِسَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ (٢٠).
قُلْتُ: إِذَا شُرِعَ الهَجْرُ لِلْمَعَاصِي، فَهَجْرُ المبتدعِ أَوْلَى بِالاعْتِبَارِ لِأَنَّ خَطَرَهُ يَمَسُّ أَصْلَ الدِّينِ (٢١).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) تَرَاجِمُ البُخَارِيِّ فِي الهَجْرِ:
المصدر: فتح الباري، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (١٠)، ص (٤٩١-٤٩٨).
التوثيق: بَيَّنَ فِيهَا مَشْرُوعِيَّةَ هَجْرِ العَاصِي حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ، وَاسْتَدْلَلْتُ بِذَلِكَ عَلَى المبتدعِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى.
(٢) هَجْرُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي السُّنَنِ:
المصدر: سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، ج (٤)، ص (١٩٧)، رَقْمُ (٤٦٠٥-٤٦٠٦).
التوثيق: صَرِيحٌ فِي جَعْلِ الهَجْرِ عُقُوبَةً لِأَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ فِي مَتْنِ الوَجْهِ.
(٣) رِيَاضُ الصَّالِحِينَ وَحُكْمُ الهَجْرِ:
المصدر: رياض الصالحين، لِلنَّوَوِيِّ، ص (٦٠٩-٦١١).
التوثيق: نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ المبتدعِ وَالمُتَظَاهِرِ بِالفِسْقِ مِنْ حُرْمَةِ الهَجْرِ فَوْقَ الثَّلَاثِ.
(٤) تَرْهِيبُ المُنْذِرِيِّ مِنَ البِدَعِ:
المصدر: الترغيب والترهيب، لِلْمُنْذِرِيِّ، ج (١)، ص (٥٦).
التوثيق: رَبَطَ بَيْنَ حُبِّ أَهْلِ البِدَعِ وَبَيْنَ سُوءِ المَصِيرِ، وَهُوَ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.
(٥) فِقْهُ البَغَوِيِّ فِي هَجْرِ المبتدعِ:
المصدر: شرح السنة، لِلْبَغَوِيِّ، ج (١)، ص (٢٢٣-٢٢٤).
التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ هَجْرَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ دَائِمٌ لَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ مَا حَقَّقْتُهُ بَحْثاً.
(٦) حَذَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَالمُتَشَابِهِ:
المصدر: صحيح البخاري (٤٥٤٧)، صحيح مسلم (٢٦٦٥).
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا الحَذَرُ النَّبَوِيُّ هُوَ المَنَاطُ الشَّرْعِيُّ لِهَجْرِ مَنْ خَالَفَ المُحْكَمَ.
(٧) لَعْنُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً:
المصدر: إرواء الغليل، لِلْأَلْبَانِيِّ، ج (٤)، ص (٢٥٠)، رَقْمُ (١٠٥٨).
التوثيق: المُحْدِثُ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَحْدَثَ فِتْنَةً أَوْ بِدْعَةً، وَإِيوَاؤُهُ يَقْتَضِي الرِّضَا بِفِعْلِهِ.
(٨) مَعْنَى "الخَلُوقِ" فِي الحَدِيثِ:
المصدر: النهاية في غريب الحديث، لِابْنِ الأَثِيرِ، ج (٢)، ص (٦٩).
التوثيق: قُلْتُ: (الخَلُوقُ) طِيبٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ، وَالغَالِبُ عَلَيْهِ الحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ، وَكَانَ يُنْهَى عَنْهُ لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُ مِنْ طِيبِ النِّسَاءِ.
(٩) هَجْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
المصدر: صحيح البخاري (٤٤١٨)، صحيح مسلم (٢٧٦٩).
التوثيق: هُوَ الأَصْلُ فِي هَجْرِ العَاصِي بِأَمْرِ الإِمَامِ حَتَّى التَّوْبَةِ، وَهُوَ مَا عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ.
(١٠) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَدْرَكَ أَنَّ الهَجْرَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مَاضِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ أَظْهَرَ المُنْكَرَ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَهْجُرُ تَشَفِّياً، بَلْ تَأْدِيباً وَصِيَانَةً.
فَإِذَا هَجَرَ مَنْ لَبِسَ ثَوْباً أَحْمَرَ أَوْ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ لِأَجْلِ مُخَالَفَةٍ فَرْعِيَّةٍ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ يُحَادُّ اللَّهَ فِي صِفَاتِهِ أَوْ يَطْعَنُ فِي صَحَابَةِ نَبِيِّهِ؟ إِنَّ الهَجْرَ لِلْمُبْتَدِعِ مِنْ بَابِ "فَحْوَى الخِطَابِ" وَالأَوْلَوِيَّةِ القَطْعِيَّةِ. وَأَرَى أَنَّ تَرْكَ السَّلَامِ عَلَى المبتدعِ هُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الإنكارِ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَى العَامَّةِ دِينَهُمْ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِهِ.
وَإِنَّنِي أُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ النَّبَوِيَّةَ هِيَ الَّتِي أَصَّلَتْ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُ فِي قَمْعِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ (المُطْلَقُ مِنَ الوَصْلِ) فَقَدْ جَهِلَ هَدْيَهُ ﷺ فِي مَقَامَاتِ الزَّجْرِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٨]«««««««««««««««
تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ:
(الأَدِلَّةُ مِنَ الإِجْمَاعِ وَالآثَارِ السَّلَفِيَّةِ عَلَى الهَجْرِ)
١. تَوْظِيفُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- لِلسُّنَّةِ فِي الهَجْرِ:
لَقَدْ تَتَبَّعْتُ آثارَ الصَّحَابَةِ فَوَجَدْتُ أَنَّهُمْ وَقَفُوا إِثْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَجْرِ المُتَلَبِّسِ بِالمَعْصِيَةِ المُجَاهِرِ بِهَا حَتَّى يَفِيءَ (١).
وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ غَفِيرٍ، كَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ المُغَفَّلِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- (٢).
فَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ عُمَرَ هَجَرَ زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ لَمَّا رَآهُ يَعْفُو شَارِبَهُ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ، فَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ حَتَّى غَيَّرَ ذَلِكَ (٣).
وَقُلْتُ مُتَعَجِّباً: كَيْفَ بِنَا اليَوْمَ وَنَحْنُ نَتَهَلْهَلُ بِالحَفَاوَةِ لِمَنْ يَحْلِقُ لِحْيَتَهُ وَيَعْفُو شَارِبَهُ وَيَتَشَبَّهُ بِلِبَاسِ القَوْمِ؟ (٤).
وَكَذَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَنْهَى عَنِ السَّلَامِ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدِ زَجْراً لَهُمْ (٥).
وَهَجَرَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً يَخْذِفُ بَعْدَمَا أَعْلَمَهُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَداً (٦).
وَمِثْلُهُ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُغَفَّلِ، وَشَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ فَتًى كَانَ يَخْذِفُ، فَهَجَرَهُ حَتَّى المَوْتِ (٧).
٢. مَوَاقِفُ الهَجْرِ فِي مَقَامِ الِاعْتِقَادِ وَالمُخَالَفَةِ:
لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ هَجَرَ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَمَّا خَالَفَهُ فِي مَسْأَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ وَقَدَّمَ الرَّأْيَ (٨).
وَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ! لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمَارَةٌ (٩).
وَأَقَرَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَوْقِفَ عُبَادَةَ، وَكَتَبَ لِمُعَاوِيَةَ: لَا إِمَارَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَنْزَعٌ عَقَدِيٌّ عَظِيمٌ (١٠).
وَنَحْوُ هَذَا وَقَعَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَهَجَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلاً رَآهُ يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ (١١).
فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَأَوْا أَنَّ تَرْكَ الهَجْرِ فِي مَقَامِ اسْتِهْجَانِ المُنْكَرِ ثَلْمَةٌ فِي الدِّينِ، فَمَا بَالُكَ بِالبِدْعَةِ؟ (١٢).
٣. نُصُوصُ الإِجْمَاعِ عَلَى هَجْرِ أَهْلِ البِدَعِ:
لَقَدْ حَكَى الإِجْمَاعَ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، كَأَبِي يَعْلَى وَالبَغَوِيِّ وَالغَزَالِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَرِّ (١٣).
قَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى: «أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى مُقَاطَعَةِ المُبْتَدِعَةِ» دِيَانَةً (١٤).
وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ بَعْدَ سِيَاقِ حَدِيثِ كَعْبٍ: «وَمَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ مَجْمَعِينَ عَلَى مُهَاجَرَتِهِمْ» (١٥).
وَأَكَّدَ أَنَّ هَجْرَ أَهْلِ البِدَعِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَهَذَا نَقْلٌ صَرِيحٌ لِلِاتِّفَاقِ العَمَلِيِّ (١٦).
أَمَّا الغَزَالِيُّ، فَقَدْ جَزَمَ أَنَّ طَرِيقَ السَّلَفِ اتَّفَقَتْ عَلَى إِظْهَارِ البُغْضِ لِلظَّلَمَةِ وَالمُبْتَدِعَةِ (١٧).
وَرَأَيْتُ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ يَحْكِي الإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الهَجْرِ لِمَنْ خِيفَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ مَفْسَدَةٌ فِي الدِّينِ (١٨).
٤. التَّحْقِيقُ فِي عِلَّةِ الهَجْرِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ:
أَرَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قَدْ جَعَلَ حَدِيثَ كَعْبٍ أَصْلاً فِي مُجَانَبَةِ مَنْ ابْتَدَعَ وَقَطْعِ كَلَامِهِ (١٩).
وَنَقَلَ فِي (فَتْحِ البَارِي) أَنَّ رُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ تُفْسِدُ الِاعْتِقَادَ (٢٠).
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَقَدْ قُلْتُ: إِنَّ الهَجْرَ إِجْمَاعٌ مَنْقُولٌ وَعَمَلٌ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ خِيَارِ الأُمَّةِ (٢١).
فَالْمُبْتَدِعُ بِمَا أَحْدَثَ فَقَدَ حَقَّ الوَصْلِ، وَصَارَ هَجْرُهُ قُرْبَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢٢).
»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) هَجْرُ عُمَرَ لِزِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ:
المصدر: حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيْمٍ، ج (٤)، ص (١٩٦).
التوثيق: قُلْتُ: زِيَادٌ هَذَا هُوَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ، وَهَجْرُ عُمَرَ لَهُ لِأَجْلِ الهَيْئَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى شِدَّةِ السَّلَفِ فِي رَعَايَةِ السُّنَّةِ.
(٢) نَهْيُ عَلِيٍّ عَنْ أَصْحَابِ النَّرْدِ:
المصدر: الأَدَبُ المُفْرَدُ، لِلْبُخَارِيِّ، بَابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدِ، ص (٤٤٤).
التوثيق: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعَاصِيَ المُتَعَدِّيَةَ وَالبِدَعَ تُسْقِطُ حَقَّ السَّلَامِ.
(٣) هَجْرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْخَاذِفِ:
المصدر: المُسْتَدْرَكُ، لِلْحَاكِمِ، ج (٤)، ص (٥٠٢).
التوثيق: نَصَّ عَلَى قَوْلِهِ: "وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً"، وَهُوَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِأَصْلِ الهَجْرِ الدَّائِمِ.
(٤) قِصَّةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَعَ مُعَاوِيَةَ:
المصدر: سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ (١٨)، وَالمُوَطَّأُ لِمَالِكٍ، ج (٢)، ص (٦٣٤).
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا المَوْقِفُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ النَّصِّ النَّبَوِيِّ عِنْدَ السَّلَفِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الرَّأْيِ وَالإِمَارَةِ.
(٥) إِجْمَاعُ أَبِي يَعْلَى فِي هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ:
المصدر: طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ، لِابْنِ أَبِي يَعْلَى، ج (٢)، ص (٢٧٤).
التوثيق: حَكَى اِتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى مُقَاطَعَةِ المُنْحَرِفِينَ عَقَدِيّاً.
(٦) نَقْلُ البَغَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ:
المصدر: شَرْحُ السُّنَّةِ، لِلْبَغَوِيِّ، ج (١)، ص (٢٢٦-٢٢٧).
التوثيق: وَصَفَ الهَجْرَ بِأَنَّهُ (عَلَى التَّأْبِيدِ) وَحَكَى اِتِّفَاقَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ.
(٧) اِتِّفَاقُ السَّلَفِ عِنْدَ الغَزَالِيِّ:
المصدر: إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، لِلْغَزَالِيِّ، ج (٢)، ص (١٧٤).
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ ظُهُورَ البُغْضِ لِلْمُبْتَدِعِ هُوَ مَسْلَكُ السَّلَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.
(٨) حِكَايَةُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ لِلْإِجْمَاعِ:
المصدر: فَتْحُ البَارِي، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (١٠)، ص (٤٩٦)، نَقلاً عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي (التَّمْهِيدِ).
التوثيق: اِسْتَثْنَى هَجْرَ مَنْ يُخَافُ عَلَى الدِّينِ مِنْهُ مِنْ تَحْرِيمِ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ.
(٩) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ طَالَعَ هَذِهِ الآثَارَ أَدْرَكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ الهَجْرَ قَسْوَةً، بَلْ حِمَايَةً.
وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ نَقْلَ الإِجْمَاعِ عَنْ مِثْلِ البَغَوِيِّ وَأَبِي يَعْلَى يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ تَمْيِيعَ هَذَا الأَصْلِ بِحُجَّةِ "المَصْلَحَةِ" المُتَوَهَّمَةِ. فَالْمَصْلَحَةُ العُظْمَى كَانَتْ فِي نَظَرِهِمْ هِيَ نَقَاءُ الدِّينِ.
وَإِنَّنِي جَزَمْتُ فِي هَذَا الوَجْهِ أَنَّ الهَجْرَ السَّلَفِيَّ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَجْرِ التَّشَاحُنِ وَهَجْرِ التَّدَيُّنِ. فَالْأَوَّلُ مَحْدُودٌ بِثَلَاثٍ، وَالثَّانِي مَمْدُودٌ إِلَى التَّوْبَةِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي (تُحْفَةِ الإِخْوَانِ) عَلِمَ أَنَّ هَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ فِي مُجَانَبَةِ كُلِّ مَنْ أَتَى بِحَدَثٍ فِي الدِّينِ.
فَالْإِجْمَاعُ العَمَلِيُّ لِلصَّحَابَةِ هُوَ أَقْوَى بَيَانٍ لِمُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ هَجَرُوا لِأَدْنَى مُخَالَفَةٍ لِلسُّنَّةِ، فَكَيْفَ بِالأَهْوَاءِ الَّتِي تَهْدِمُ القَوَاعِدَ؟ إِنَّ السَّكْتَ عَنْ هَذَا الإِجْمَاعِ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٩]«««««««««««««««««««
تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ: (أَدِلَّةُ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ عَلَى الزَّجْرِ بِالهَجْرِ)
١. مَنْهَجُ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي حِمَايَةِ السُّنَّةِ:
لَقَدْ تَبَيَّنَ لِي مِنْ خِلَالِ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فِرَاراً مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى زَجْرِهِمْ (١).
فَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَسُدُّ أُذُنَيْهِ إِذَا أَرَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَيَقُولُ: "لَا أَسْمَعُ مِنْهُ كَلِمَةً" (٢).
وَأَرَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَالحَسَنَ البَصْرِيَّ جَعَلَا هَجْرَ المبتدعِ نَوْعاً مِنَ القُرْبَةِ الَّتِي يُرْجَى ثَوَابُهَا (٣).
وَقَدْ نَقَلْتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كِتَابَهُ إِلَى أَمْصَارِهِ بِالهَجْرِ التَّامِّ لِلْقَدَرِيَّةِ وَزَجْرِهِمْ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ (٤).
قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَامِ الدَّعْوَةِ وَمَقَامِ الزَّجْرِ إِذَا ظَهَرَتِ المُرُوقُ عَنِ الدِّينِ (٥).
٢. مَوْقِفُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَجَمَاعَةِ الفُقَهَاءِ:
إِنَّ مَذَاهِبَ الأَئِمَّةِ المُتَّبَعِينَ قَدْ تَوَافَقَتْ نَصّاً وَفِعْلاً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَجْرِ المبتدعِ المُجَاهِرِ (٦).
فَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي صَاحِبِ البِدْعَةِ: "لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُجَالَسُ حَتَّى يَتُوبَ" (٧).
وَأَمَّا الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَقَدْ جَعَلَ هَجْرَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصْلاً مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ عِنْدَهُ، وَهَجَرَ الكَرَابِيسِيَّ وَغَيْرَهُ (٨).
وَقَدْ حَقَّقْتُ فِي (الشَّرْحِ الكَبِيرِ) لِابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ الهَجْرَ لِأَجْلِ الدِّينِ وَاجِبٌ حَتَّى تَتَبَيَّنَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ (٩).
وَرَأَيْتُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يُغَلِّظُ القَوْلَ فِي أَهْلِ الكَلَامِ وَيَرَى ضَرْبَهُمْ بِالجَرِيدِ وَالطَّوَافِ بِهِمْ (١٠).
٣. تَأْصِيلُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ (ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ القَيِّمِ):
لَقَدْ بَسَطَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ القَوْلَ فِي (الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ) وَاعْتَبَرَهُ مِنْ جِنْسِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١١).
قَالَ: "الهَجْرُ يَقْصِدُ بِهِ تَنْكِيلُ المَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ، وَرُجُوعُ العَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ" (١٢).
وَأَرَى أَنَّ ابْنَ القَيِّمِ فِي (زَادِ المَعَادِ) قَدْ جَعَلَ هَجْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ دَلِيلاً عَلَى هَجْرِ كُلِّ مَنْ يُخْشَى عَلَى الدِّينِ مِنْهُ (١٣).
وَقُلْتُ: هَذَا التَّأْصِيلُ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْأُمَّةِ هَيْبَةَ نُصُوصِهَا، وَيَمْنَعُ تَمْيِيعَ المَوَاقِفِ تِجَاهَ المُنْحَرِفِينَ (١٤).
فَالمبتدعُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ هُوَ جُرْثُومَةٌ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ حَصْرِهَا وَزَجْرِهَا حَتَّى لَا تَعْدِيَ غَيْرَهَا (١٥).
٤. خُلَاصَةُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَقْوَالِ العُلَمَاءِ:
إِنَّ مَجْمُوعَ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الهَجْرَ لَيْسَ اِخْتِيَاراً شَخْصِيّاً، بَلْ هُوَ (عُقُوبةٌ شَرْعيَّةٌ) (١٦).
فَقَدْ جَزَمْتُ بَعْدَ طُولِ تَأَمُّلٍ أَنَّ مَنْ تَرَكَ هَجْرَ المبتدعِ مَعَ القُدْرَةِ فَقَدْ غَشَّ المُسْلِمِينَ وَأَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١٧).
وَأَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ التَّمَاسَ الأَعْذَارِ لِأَهْلِ الضَّلَالِ بِدَعْوَى "الرَّحْمَةِ" قَدْ خَالَفَ رَحْمَةَ السَّلَفِ بِالأُمَّةِ (١٨).
فَرَحْمَةُ السَّلَفِ كَانَتْ فِي حِمَايَةِ القُلُوبِ مِنَ الشُّبَهِ، وَزَجْرِ مَنْ يُلْقِيهَا بِالهَجْرِ وَالإِعْرَاضِ وَالتَّحْذِيرِ (١٩).
وَبِهَذَا تَمَّ الدَّلِيلُ مِنْ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ كَمَا تَمَّ مِنَ الوَحْيَيْنِ وَالإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (٢٠).
[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ الحَصِينِ (٥٠ سَطْراً)]
(١) مَوْقِفُ ابْنِ سِيرِينَ مِنَ المبتدعِ:
المصدر: الإِبَانَةُ الكُبْرَى، لِابْنِ بَطَّةَ، ج (٢)، ص (٤٤٥).
التوثيق: نَقَلَ عَنْهُ قَوْلَهُ: "إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ"، وَسَدَّ أُذُنَيْهِ هُوَ حَقِيقَةُ الهَجْرِ.
(٢) هَجْرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْقَدَرِيَّةِ:
المصدر: تَارِيخُ المَدِينَةِ، لِابْنِ شَبَّةَ، ج (٢)، ص (٤٥٤).
التوثيق: كَتَبَ: "فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُ وَاهْجُرُوهُ"، وَهُوَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.
(٣) قَوْلُ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي هَجْرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ:
المصدر: المُدَوَّنَةُ الكُبْرَى، لِسَحْنُونٍ، ج (١)، ص (٨٤).
التوثيق: "لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ"، وَهَذَا نَصٌّ فِي سُقُوطِ حَقِّ السَّلَامِ عَنْهُمْ.
(٤) الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْلُ الهَجْرِ:
المصدر: أُصُولُ السُّنَّةِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ، رِوَايَةُ عَبْدُوس العَطَّار، ص (٢٣).
التوثيق: "وَتَرْكُ الجِدَالِ وَالخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ، وَمُجَانَبَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ"، وَهُوَ عُمْدَةُ مَا حَقَّقْتُهُ.
(٥) تَوْضِيحُ ابْنِ قُدَامَةَ لِوُجُوبِ الهَجْرِ:
المصدر: المُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (٩)، ص (٢١٥)، طبعة دار عالم الكتب.
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ الهَجْرَ لِأَجْلِ الدِّينِ مَحْمُودٌ وَمَطْلُوبٌ شَرْعاً بِلَا تَوْقِيتٍ بَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
(٦) تَقْرِيرُ ابْنِ تَيْمِيَةَ فِي الهَجْرِ الجِهَادِيِّ:
المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٢٨)، ص (٢٠٤-٢١٠).
التوثيق: فَصَّلَ فِيهِ بَيْنَ مَقَامَاتِ الهَجْرِ، وَأَصَّلَ لِهَجْرِ المبتدعِ كَعُقُوبَةٍ زَاجِرَةٍ.
(٧) اِبْنُ القَيِّمِ وَفِقْهُ هَجْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:
المصدر: زَادُ المَعَادِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٣)، ص (٥٠٨).
التوثيق: اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ خَمْسِينَ فَائِدَةً، مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ هَجْرِ كُلِّ مَنْ جَاهَرَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.
(٨) تَأْصِيلُ البَاحِثِ:
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ أَقْوَالَ الأَئِمَّةِ وَجَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الهَجْرَ "صِمَامَ أَمَانٍ" لِلْمُجْتَمَعِ المُسْلِمِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ تَرْكَ هَذَا الأَصْلِ فِي الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ أَدَّى إِلَى اِخْتِلَاطِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، حَتَّى صَارَ المبتدعُ يُصَدَّرُ فِي المَجَالِسِ.
وَإِنَّنِي أَرَى فِي كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِبْرَةً لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ؛ حَيْثُ حَذَّرَ مِنْ مَشْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ أَهْلِ البِدَعِ، وَاعْتَبَرَهُ ثَلْمَةً فِي صِدْقِ الِاعْتِقَادِ. فَالمُدَاهَنَةُ لَيْسَتْ مِنْ خُلُقِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ.
وَقَدْ جَزَمْتُ فِي هَذَا الوَجْهِ أَنَّ الهَجْرَ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامُ هُوَ رَحْمَةٌ بِالمبتدعِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ، وَرَحْمَةٌ بِالعَامِّيِّ لِئَلَّا يَقَعُ فِي الشَّرَكِ. فَالعُلَمَاءُ لَمْ يَضَعُوا هَذِهِ القَوَاعِدَ عَبَثاً، بَلْ بَعْدَ مُعَايَنَةٍ لِخَطَرِ الأَهْوَاءِ عَلَى دِينِ اللَّهِ.
وَمِنْ هُنَا أَقُولُ: إِنَّ الفِقْهَ الحَقَّ هُوَ مَا كَانَ مَبْنِيّاً عَلَى تَعْظِيمِ النُّصُوصِ وَتَقْدِيرِ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي مَقَامَاتِ الهَجْرِ وَالإِعْرَاضِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠٠]«««««««««««««««««
تَفْصِيلُ ضَابِطِ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ وَتَفَاوُتِ الأَعْيَانِ فِي الهَجْرِ
إِنَّ مَدَارَ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ مَنُوطٌ بِتَحْقِيقِ المَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ كَفُّ شَرِّ المبتدعِ وَتَقْليلُ فَسَادِهِ، فَإِذَا كَانَ الهَجْرُ سَبَباً فِي زِيَادَةِ الشَّرِّ وَتَمَكُّنِ البِدْعَةِ وَإِضْعَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ المَنْعَ مِنْهُ حِينَئِذٍ هُوَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ، لِأَنَّ الهَجْرَ وَسِيلَةٌ لَا مَقْصِدٌ لِذَاتِهِ، وَالوَسَائِلُ تُسْقَطُ إِذَا عَارَضَتِ المَقَاصِدَ الكُلِّيَّةَ (١).
وَمِنْ هُنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ حَالِ القُوَّةِ وَحَالِ الضَّعْفِ؛ فَفِي زَمَنِ ظُهُورِ السُّنَّةِ وَقُوَّةِ شَوْكَةِ أَهْلِهَا، يَكُونُ الهَجْرُ مَقْمَعَةً لِلْمُخَالِفِ وَتَنْكِيلاً بِهِ، أَمَّا فِي زَمَنِ الغُرْبَةِ وَكَثْرَةِ المبتدعةِ، فَإِنَّ الهَجْرَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى اِسْتِفْرَادِ أَهْلِ الضَّلَالِ بِالعَامَّةِ، فَيُصْبِحُ التَّأْلِيفُ وَالبَيَانُ أَوْلَى مِنَ القَطِيعَةِ وَالنُّكْرَانِ (٢).
وَلَا يَعْنِي هَذَا تَعْطِيلَ الوَاجِبِ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ"؛ فَمُدَارَاةُ المبتدعِ لِأَجْلِ دَفْعِ شَرِّهِ الأَكْبَرِ عَنِ الأُمَّةِ هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْماً وَتَأَلَّفَ آخَرِينَ بِحَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ العُلْيَا لِلْمِلَّةِ، وَهَذَا المِيزَانُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا العُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ (٣).
أَمَّا ضَابِطُ اِخْتِلَافِ الهَجْرِ بِاخْتِلَافِ الأَعْيَانِ، فَإِنَّنِي أَرَى أَنَّ العُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَتَنَاسَبَ مَعَ جُرْمِ المُخَالِفِ وَأَثَرِهِ؛ فَالْمُبْتَدِعُ الدَّاعِيَةُ لَيْسَ كَالْمُقَلِّدِ الجَاهِلِ، وَصَاحِبُ البِدْعَةِ الغَلِيظَةِ الكُفْرِيَّةِ لَيْسَ كَمَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ خَفِيَّةٍ أَوْ فَرْعِيَّةٍ، فَالْأَوَّلُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ وَالتَّحْذِيرِ، وَالثَّانِي يُرْفَقُ بِهِ وَيُعَلَّمُ (٤).
وَكَذَلِكَ يُنْظَرُ فِي حَالِ المَهْجُورِ نَفْسِهِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْجُرُهُ الهَجْرُ وَيَرُدُّهُ إِلَى الجَادَّةِ، فَهَذَا يُهْجَرُ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَزِيدُهُ الهَجْرُ إِلَّا عُتُوّاً وَنُفُوراً وَارْتِمَاءً فِي أَحْضَانِ الكَفَرَةِ أَوْ الفُجَّارِ، فَهَذَا يُسَاسُ بِبَقِيَّةِ الرِّبَاطِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى لَا يَضِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ فِقْهِ الصَّحَابَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَوَارِجِ وَأَمْثَالِهِمْ (٥).
كَمَا أَنَّ لِلْهَاجِرِ مَقَاماً يُعْتَبَرُ؛ فَهَجْرُ رَأْسِ العِلْمِ وَالقُدْوَةِ لَهُ دَوِيٌّ وَأَثَرٌ فِي الزَّجْرِ لَا يَكُونُ لِهَجْرِ الآحَادِ مِنَ العَوَامِّ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ هَجْرُ العَامِّيِّ لِلْمُبْتَدِعِ سَبَباً فِي تَسَلُّطِ المبتدعِ عَلَيْهِ بِالشُّبَهِ، فَالْوَاجِبُ فِي حَقِّ العَامِّيِّ الصِّيَانَةُ وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ، وَفِي حَقِّ العَالِمِ المَصْلَحَةُ وَالزَّجْرُ، وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ تَنْضَبِطُ الفَتَاوَى وَتَسْلَمُ المَنَاهِجُ (٦).
وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَيْضاً اِعْتِبَارُ "القَرَابَةِ وَالحُقُوقِ الوَاجِبَةِ"؛ فَهَجْرُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ المبتدعِ لَيْسَ كَهَجْرِ الأَجْنَبِيِّ، فَالأَبُ يَهْجُرُ تَأْدِيباً وَرَحْمَةً، وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ الوَصْلُ لِلنَّصِيحَةِ إِذَا رَأَى فِيهِ طَمَعاً، فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَأْتِ لِقَطْعِ الأَرْحَامِ جُزَافاً، بَلْ لِتَعْلِيقِ القُلُوبِ بِالخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ صِلَةٍ تُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ فَهِيَ المَطْلُوبَةُ، وَكُلُّ هَجْرٍ يُبَعِّدُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ المُرَادُ (٧).
إِنَّ الِاسْتِهْتَارَ بِهَذِهِ الضَّوَابِطِ يُحَوِّلُ الهَجْرَ إِلَى "سَيْفٍ بَتَّارٍ" فِي يَدِ مَنْ لَا يُحْسِنُ القِيَادَةَ، فَيَقْطَعُ بِهِ أَوْصَالَ الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ بِحُجَّةِ حِمَايَةِ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُؤَدِّي إِلَى هَدْمِ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، فَالْبَاحِثُ يَجْزِمُ أَنَّ الهَجْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ قِمَّةُ الحِكْمَةِ وَالعَدْلِ، لَا مَجَالَ فِيهِ لِلظُّلْمِ أَوْ اِتِّبَاعِ الهَوَى تَحْتَ سِتَارِ الغَيْرَةِ عَلَى المِلَّةِ (٨).
وَبِهَذَا نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ المبتدعَ يُعَامَلُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَصَلَاحُ المُسْلِمِينَ، فَتَارَةً بِالسَّيْفِ، وَتَارَةً بِالهَجْرِ، وَتَارَةً بِالتَّأْلِيفِ، وَتَارَةً بِالإِعْرَاضِ التَّامِّ، وَكُلُّ هَذِهِ المَقَامَاتِ دَارَتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَصَّلَهَا أَئِمَّةُ الهُدَى بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالاً لِلشَّكِّ لِمَنْ طَلَبَ الحَقَّ وَتَجَرَّدَ عَنِ التَّعَصُّبِ الذَّمِيمِ (٩).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) قَاعِدَةُ المَصَالِحِ فِي الوَسَائِلِ:
المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٢٨)، ص (٢١٠-٢١٣).
التوثيق: قَرَّرَ أَنَّ الهَجْرَ وَسِيلَةٌ لِلتَّأْدِيبِ، فَمَتَى كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَرْجَحَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعاً.
(٢) التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالِ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ:
المصدر: رِسَالَةُ ابْنِ تَيْمِيَةَ إِلَى أَهْلِ بَحْرَيْنَ، ص (٤٥).
التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ الهَجْرَ فِي بَلَدٍ قَلَّ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْهُ فِي بَلَدٍ كَثُرُوا فِيهِ.
(٣) فِقْهُ التَّأْلِيفِ وَالمُدَارَاةِ:
المصدر: زَادُ المَعَادِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٣)، ص (٥١٢).
التوثيق: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ هَجْرَ المُنَافِقِينَ لِمَصْلَحَةِ اِجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ.
(٤) مَرَاتِبُ البِدَعِ وَالمُبْتَدِعَةِ:
المصدر: مِعْيَارُ الِاعْتِدَالِ فِي مَرَاتِبِ الهَجْرِ، لِابْنِ بَدْرَانَ، ص (١٢).
التوثيق: فَصَّلَ فِيهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَالمُقَلِّدِ فِي وُجُوبِ الهَجْرِ.
(٥) الِاعْتِبَارُ بِحَالِ المَهْجُورِ:
المصدر: تَهْذِيبُ السُّنَنِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٧)، ص (٧٤).
التوثيق: جَعَلَ الهَجْرَ كَالمِكْوَاةِ لَا يُلْجَأُ إِلَيْهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ سَبِيلاً لِلشِّفَاءِ.
(٦) فَرْقُ الهَاجِرِ بَيْنَ العَالِمِ وَالعَامِّيِّ:
المصدر: الفَتَاوَى الكُبْرَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٣)، ص (٥٤٤).
التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ هَجْرَ الأَكْرَمِ وَالأَعْظَمِ قَدْ يَكُونُ أَوْجَبَ إِذَا كَانَ يُطَاعُ قَوْلُهُ.
(٧) هَجْرُ الأَقَارِبِ وَالأَرْحَامِ:
المصدر: الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ، لِابْنِ مُفْلِحٍ، ج (١)، ص (٢٣٥).
التوثيق: نَصَّ عَلَى تَقْدِيمِ صِلَةِ الرَّحِمِ لِلنَّصِيحَةِ مَا لَمْ يُخْشَ عَلَى الهَاجِرِ الفِتْنَةُ.
(٨) تَحْذِيرُ البَاحِثِ مِنْ تَحْوِيلِ الهَجْرِ لِشَهْوَةٍ:
المصدر: الِاعْتِصَامُ، لِلشَّاطِبِيِّ، ج (١)، ص (١٧٦).
التوثيق: حَذَّرَ مِنْ أَنَّ الغُلُوَّ فِي الهَجْرِ قَدْ يَكُونُ بِدْعَةً مَقَابِلَ بِدْعَةٍ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠١]«««««««««««««««««
المَبْحَثُ الأَخِيرُ:
(عُقُوبَةُ مَنْ وَالَى المبتدعَ وَمَيَّعَ القَضِيَّةَ)
١. السُّكُوتُ عَنِ البَاطِلِ وَأَصْلُ المَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ:
إِنَّنِي أَقُولُ مُسْتَمِدّاً مِنَ الأَثَرِ: إِذَا كَانَ المُتَكَلِّمُ بِالبَاطِلِ شَيْطَاناً نَاطِقاً، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنِ الحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ (١).
وَمِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ "المَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"، وَهُوَ حَدِيثٌ فَرِحَ بِهِ الصَّحَابَةُ فَرَحاً عَظِيماً (٢).
فَالْمُوالَاةُ لِأَهْلِ البِدَعِ بِالمَحَبَّةِ أَوِ الدِّفَاعِ عَنْهُمْ قَادِحَةٌ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ وَنَاقِضَةٌ لِعُرَى الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ (٣).
فَلَا يَجْتَمِعُ حُبُّ السُّنَّةِ مَعَ حُبِّ مَنْ حَادَّهَا، وَمَنْ أَقَرَّ المبتدعَ عَلَى ضَلَالِهِ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي الإِثْمِ وَالعُقُوبَةِ (٤).
وَهَذَا المِيزَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّادِقِ فِي اِتِّبَاعِهِ وَبَيْنَ مَنْ يَتَلَاعَبُ بِدِينِ اللَّهِ تَحْتَ دَعَاوَى التَّلَامُسِ (٥).
٢. التَّأْصِيلُ التَّيْمِيُّ فِي عُقُوبَةِ مَنْ ذَبَّ عَنِ المبتدعةِ:
لَقَدْ شَدَّدَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ النَّكِيرَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعَانَ أَهْلَ البِدَعِ أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ (٦).
قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "تَجِبُ عُقُوبَةُ كُلِّ مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهِمْ أَوْ ذَبَّ عَنْهُمْ أَوْ عَظَّمَ كُتُبَهُمْ أَوْ عَرَفَ بِمُسَاعَدَتِهِمْ" (٧).
وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَيْضاً مَنْ كَرِهَ الكَلَامَ فِيهِمْ، أَوْ أَخَذَ يَعْتَذِرُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: "هَذَا الكَلَامُ لَا نَدْرِي مَا هُوَ" (٨).
فَهَذِهِ المَعَاذِيرُ لَا يَقُولُهَا إِلَّا جَاهِلٌ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ أَوْ مُنَافِقٌ يُضْمِرُ غَيْرَ مَا يُظْهِرُ، بَلْ العُقُوبَةُ وَاجِبَةٌ (٩).
لِأَنَّ هَؤُلَاءِ المبتدعةَ وَمَنْ يُرَوِّجُ لَهُمْ قَدْ أَفْسَدُوا العُقُولَ وَالأَدْيَانَ وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَاداً لَا يَنْقَطِعُ (١٠).
٣. الرَّدُّ عَلَى المُمَيِّعَةِ وَرُؤُوسِ الضَّلَالِ المُعَاصِرِ:
إِنَّ مَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ تَمْيِيعٍ لِقَضِيَّةِ الهَجْرِ تِجَاهَ رُؤُوسِ الإِخْوَانِ كَحَسَنِ البَنَّا وَسَيِّدِ قُطْبٍ هُوَ عَيْنُ الضَّلَالِ (١١).
فَسَيِّدُ قُطْبٍ هَذَا الرَّجُلُ التَّكْفِيرِيُّ قَدْ دَمَّرَ عُقُولَ الشَّبَابِ بِمَقَالَاتِهِ الخَارِجِيَّةِ، وَمَنْ يَعْتَذِرُ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مُتَآمِرٌ (١٢).
الرجل "كَانَ جَاهِلاً، لَمْ يَعْرِفْ لَهُ شَيْخاً"، لَا تَعْتَذِرُوا، فَقَدْ كَانَ لِلْمَاسُونِيَّةِ مَدْخَلاً ثُمَّ صَارَ شَيْخاً بِلَا عِلْمٍ (١٣).
إِنَّ هَذِهِ المَدَارِسَ البِدْعِيَّةَ هِيَ الَّتِي فَرَّخَتْ "القَاعِدَةَ" وَ"الدَّوَاعِشَ" وَ"جَمَاعَةَ التَّكْفِيرِ وَالهِجْرَةِ" فِي كُلِّ مَكَانٍ (١٤).
وَمَنْ يُبَرِّرُ لَهُمْ أَوْ يَمْدَحُ كُتُبَهُمْ فَقَدْ ضَرَبَ الأُمَّةَ فِي عُمْقِهَا وَخَانَ أَمَانَةَ العِلْمِ وَالعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ (١٥).
٤. الدِّيَاثَةُ العِلْمِيَّةُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ المبتدعِ:
إِنَّنِي أَرَى فِي هَذَا الزَّمَانِ نَوْعاً مِنَ "الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ"؛ حَيْثُ يُنْتَهَكُ حِمَى العَقِيدَةِ وَهُمْ يَصْفِقُونَ (١٦).
إِذَا ذُكِرَ أَحَدٌ مِنْ رُؤُوسِ الجَمَاعَاتِ الفَاسِدَةِ بِالنَّقْدِ، خَرَجُوا كَالكِلَابِ يَعْوُونَ دِفَاعاً عَنْ أَهْلِ البِدَعِ (١٧).
أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ مَنْهَجِ ابْنِ المَدِينِيِّ الَّذِي ضَعَّفَ أَبَاهُ لِأَجْلِ الحَدِيثِ؟ هَذَا هُوَ الدِّينُ لَا الهَوَى (١٨).
فَاحْذَرُوا أَبَا جَهْلٍ المبتدعَ هَذَا الَّذِي يَلْبَسُ لِبَاسَ السُّنَّةِ وَيَبُثُّ سُمُومَ التَّمْيِيعِ بَيْنَ أَبْنَائِنَا (١٩).
رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ تَيْمِيَةَ، فَقَدْ كَانَ كَلَامُهُ مِشْرَاطاً يُقَطِّعُ عُرُوقَ هَؤُلَاءِ، وَنَحْنُ عَلَى أَثَرِهِ لَا نُحِيدُ، وَاللَّهُ نَصِيرُنَا (٢٠).
[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالمَصَادِرِ النَّفِيسَةِ]
(١) مَقُولَةُ الشَّيْطَانِ الأَخْرَسِ:
المصدر: شَذَرَاتُ الذَّهَبِ، لِابْنِ العِمَادِ الحَنْبَلِيِّ، ج (٣)، ص (٨٠).
التوثيق: ذَكَرَ فِيهَا وَفَاةَ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ سَنَةَ (٤٠٦هـ)، وَنَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَقَّةَ.
(٢) حَدِيثُ المَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ:
المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (١١)، ص (٥١٧-٥١٨).
التوثيق: سَاقَ فِيهِ فَرَحَ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَبَيَّنَ أَثَرَ المَحَبَّةِ فِي حَشْرِ المَرْءِ مَعَ مَنْ يُوَالِي.
(٣) وُجُوبُ عُقُوبَةِ مَنْ والَى الاتحاديةَ وَالمُبْتَدِعَةَ:
المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج (٢)، ص (١٣٢).
التوثيق: نَصَّ عَلَى عُقُوبَةِ المُذِبِّ عَنْ أَهْلِ البِدَعِ أَوْ المُعَظِّمِ لِكُتُبِهِمْ، وَاعْتَبَرَ المُعْتَذِرَ لَهُمْ جَاهِلاً أَوْ مُنَافِقاً.
(٤) ضَلَالُ التَّكْفِيرِ وَرُؤُوسِ الخَوَارِجِ العَصْرِيَّةِ:
المصدر: دِرَاسَاتٌ فِي الأَهْوَاءِ وَالفِرَقِ، لِعَدَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ المُعَاصِرِينَ.
التوثيق: قُلْتُ: هَذَا تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِقَاعِدَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ عَلَى فَسَادِ جَمَاعَةِ الإِخْوَانِ وَتَفْرِيخِهَا لِلدَّوَاعِشِ.
(٥) صِدْقُ ابْنِ المَدِينِيِّ فِي نَصِيحَةِ الدِّينِ:
المصدر: تَهْذِيبُ الكَمَالِ، لِلْمِزِّيِّ، ج (١٦)، ص (٤٤٤).
التوثيق: نَقَلَ قَوْلَهُ فِي أَبِيهِ: "أَبِي ضَعِيفٌ لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ الحَدِيثَ"، وَهُوَ بُرْهَانٌ عَلَى عَدَمِ الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ.
(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ : قُلْتُ: إِنَّ هَذَا المَبْحَثَ الأَخِيرَ هُوَ القَوْلُ الفَصْلُ فِي بَيَانِ مَنْزِلَةِ مَنْ يَلْعَبُ عَلَى الحَبْلَيْنِ.
فَقلت : يَجْزِمُ أَنَّ المُمَيِّعَةَ هُمْ أَخْطَرُ عَلَى الدِّينِ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ الصُّرَحَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ.
وَإِنَّنِي أَرَى فِي تَقْرِيرَاتِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ضَابِطاً لَا يَنْخَرِمُ؛ فَكُلُّ مَنْ كَتَمَ عَيْبَ المبتدعِ أَوْ عَظَّمَهُ فَقَدْ غَشَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَمَا بَلِيَتِ الأُمَّةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمِثْلِ سَيِّدِ قُطْبٍ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُ، الَّذِينَ هَدَمُوا مَعَالِمَ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَزَرَعُوا الفِتَنَ.
فَالْوَاجِبُ الهَجْرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَسَتَّرُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا كُنَّا شُرَكَاءَ فِي الفَسَادِ العَرِيضِ.
إِنَّ الهَجْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَطِيعَةٍ، بَلْ هُوَ جِهَادٌ لِصِيَانَةِ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ مِنْ دَنَسِ المُمَيِّعَةِ الَّذِينَ خَلَعُوا رِبْقَةَ العَهْدِ السَّلَفِيِّ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هَذَا الدِّينِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي المبتدعةِ وَأَوْلِيَائِهِمْ رَأْفَةٌ، فَهِيَ مَوْضِعُ الزَّجْرِ لَا مَوْضِعُ الرَّحْمَةِ.
»»»»»›»»»»»»»»»»»»»»[١٠٢]»»»»»»»»»»»»»»
الفَصْلُ السَّابِعُ:
(تَعَدُّدُ الطُّرُقِ وَتَبَايُنُ الأَسَانِيدِ فِي حِفْظِ الرِّسَالَةِ العُمَرِيَّةِ)
١. مَقَامُ الرِّسَالَةِ وَتَوْقِيعُ رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠:
تَقُومُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ عَلَى (رِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) الَّتِي كَتَبَهَا كَاتِبُهُ (بَيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيُّ) [بَيْنَ قَوْسَيْن: الكَاتِبُ] (١).
وَجَّهَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إِلَى (عَدِيِّ بْنِ أَدِيٍّ الكِنْدِيِّ) [بَيْنَ قَوْسَيْنِ: إِلَى مَنْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الرِّسَالَةُ] فِي رَمَضَانَ سَنَةَ مِائَةٍ (٢).
إِنَّ "التَّوْقِيعَ الزَّمَنِيَّ" لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ هُوَ الَّذِي أَعْطَاهَا صِفَةَ الِاسْتِقْرَارِ وَالنِّسْبَةِ القَطْعِيَّةِ، فَصَارَتْ عُمْدَةً فِي تَدْوِينِ العَقِيدَةِ (٣).
وَلِهَذِهِ الرِّسَالَةِ طُرُقٌ شَتَّى، نَفْصِلُهَا هُنَا لِيَتَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ كَيْفَ حَفِظَ اللَّهُ دِينَهُ بِرِجَالِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالحِجَازِ (٤).
فَالتَّدْوِينُ المَبْنِيُّ عَلَى "التَّثَبُّتِ" هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ دَابِرَ المُمَيِّعَةِ وَيُثْبِتُ نِسْبَةَ الأَقْوَالِ لِأَصْحَابِهَا بِيَقِينٍ .
٢. طَرِيقُ أَهْلِ المَدِينَةِ وَالحِجَازِ (طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ القَاسِمِ):
نَرْوِي هَذِهِ الرِّسَالَةَ مِنْ طَرِيقِ
(١) الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَاسِمِ (إِمَامِ الحَرَمِ المَدَنِيِّ) .
أَخْبَرَنَا عَنْ
(٢) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ
(٣) الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِرٍ أَبِي وَادِي، عَنْ
(٤) الشَّيْخِ فَالِحِ بْنِ ظَاهِرٍ الظَّاهِرِيِّ .
(٥)عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ القُرْطَبِيِّ، عَنْ
(٦) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ سُنَيْنٍ، عَنْ
(٧) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ التَّرِيمِيِّ
(٨)عَنْ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ،
(٩)عَنْ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ العَلَاءِ البَابِلِيِّ،
(١٠) عَنْ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الغُنَيْمِيِّ
(١١)عَنْ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ
(١٢) الشَّيْخِ حَيَاةَ السِّنْدِيِّ، عَنْ
(١٣) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ (١٠).
(١٤) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ العَلَاءِ البَابِلِيِّ، عَنْ
(١٥) الشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ، عَنْ
(١٦) الشَّيْخِ النَّجْمِ الغَيْطِيِّ (١١).
(١٧) الحَافِظِ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيِّ، عَنْ
(١٨) الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ،
(١٩) الشَّيْخِ التَّنُوخِيِّ، عَنْ
(٢٠) الحَجَّارِ، عَنْ
(٢١) ابْنِ اللَّتِّيِّ، عَنْ
(٢٢) ابْنِ عَسَاكِرَ (١٢).
٣. طَرِيقُ أَهْلِ مِصْرَ (طَرِيقُ الحَنْبَلِيِّ وَالتِّيدِيِّ وَالسُّوهَاجِيِّ):
نَرْوِي الرِّسَالَةَ أَيْضاً مِنْ طَرِيقِ
(١) الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ،
وَ(٢) الشَّيْخِ أُسَامَةَ التِّيدِيِّ،
وَ(٣) الشَّيْخِ نَاصِرٍ السُّوهَاجِيِّ (١٣).
أَخْبَرَنَا عَنْ مَشَايِخِهِمْ، عَنْ
(٤) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الكَتَّانِيِّ، عَنْ
(٥) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السِّنُوسِيِّ، عَنْ
(٦) الشَّيْخِ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيِّ (١٤).
(٧) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ، بِالسَّنَدِ المَذْكُورِ أَعْلَاهُ إِلَى (٨) الحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ صَاحِبِ "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (١٥).
قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَخْبَرَنَا (٩) أَبُو الحَسَنِ بْنُ قُبَيْسٍ، أَخْبَرَنَا (١٠) أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شُهْرَيَارَ، أَخْبَرَنَا (١١) سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ (١٦).
أَخْبَرَنَا (١٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، عَنْ (١٣) عَبْدِ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ (١٤) مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ (١٥) جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ (١٧).
عَنْ (١٦) بَيَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيِّ [بَيْنَ قَوْسَيْنِ: الكَاتِبُ]، عَنْ (١٧) أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) بِرِسَالَتِهِ إِلَى عَدِيٍّ (١٨).
وَبِهَذَا تَمَّتِ الطُّرُقُ وَانْفَصَلَتْ، وَظَهَرَ اِتِّصَالُ السَّلَفِ بِالخَلَفِ فِي تَدْوِينِ هَذِهِ المَقَالَةِ العَظِيمَةِ (١٩).
٤. أَهَمِّيَّةُ تَدْوِينِ وَرِوَايَةِ كُتُبِ العَقِيدَةِ بِالسَّنَدِ (١٠ مَهَامَّ):
أَوَّلاً: التَّثَبُّتُ مِنْ نِسْبَةِ "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ"؛ فَلَا يَصِحُّ اِحْتِجَاجٌ بِدُونِ اِسْتِقْرَارِ النِّسْبَةِ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ (٢٠).
ثَانِيًا: حِفْظُ العَقِيدَةِ مِنْ دَخَلِ "المُدَلِّسِينَ"؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ السَّنَدُ مَنْ سَمِعَ وَمَنْ كَتَبَ وَمَنْ أَرْسَلَ (٢١).
ثَالِثًا: الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ المُعَاصِرِينَ؛ فَالَّذِينَ يَهْذُونَ بِغَيْرِ سَنَدٍ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) لَا يَقُومُ لَهُمْ قَائِمٌ أَمَامَ هَذِهِ الرِّجَالِ (٢٢).
رَابِعًا: اِسْتِقْرَارُ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ عَبْرَ العُصُورِ؛ فَالسَّنَدُ هُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يَمْنَعُ تَمْيِيعَ القَضَايَا العَقَدِيَّةِ (٢٣).
خَامِسًا: صِيَانَةُ التَّدْوِينِ مِنْ "التَّحْرِيفِ"؛ فَالرِّوَايَةُ المُسْنَدَةُ تُقَابَلُ فِيهَا النُّسَخُ وَتُصَحَّحُ بِهَا المَتُونُ (٢٤).
سَادِسًا: بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ هُمْ حُرَّاسُ الدِّينِ؛ فَلَا تَدْوِينَ لِلْعَقِيدَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَدَارِسِ الرِّوَايَةِ الكُبْرَى (٢٥).
سَابِعًا: قَطْعُ دَابِرِ "الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ"؛ بِأَنْ يَكُونَ لِلْعَقِيدَةِ حِمًى مَسْنُونٌ بِالرِّجَالِ لَا يَدْخُلُهُ كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ (٢٦).
ثَامِنًا: الرَّبْطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ؛ فَالرِّجَالُ المَذْكُورُونَ سِيَرُهُمْ عِبْرَةٌ فِي الِاتِّبَاعِ وَتَعْظِيمِ الآثَارِ (٢٧).
تَاسِعًا: تَحْقِيقُ الوَلَاءِ لِلأَئِمَّةِ المُتَّبِعِينَ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ مَشَايِخَنَا وَطُرُقَهُمْ وَنُدْرِكُ قِيمَةَ مَا نَقَلُوا (٢٨).
عَاشِرًا: إِثْبَاتُ مَعْجِزَةِ الحِفْظِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَمَا مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَّا وَلَهَا حَمَلَةٌ صَادِقُونَ (٢٩).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) رِجَالُ طَرِيقِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ: التوثيق: يَمْتَازُ طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ القَاسِمِ بِالِاتِّصَالِ عَبْرَ عُلَمَاءِ نَجْدٍ إِلَى الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثُمَّ يَتَسَلْسَلُ عَبْرَ المَدْرَسَةِ الحِجَازِيَّةِ لِابْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ، وَهُوَ طَرِيقٌ عَالِي الإِسْنَادِ جِدّاً.
(٢) رِجَالُ طَرِيقِ أَهْلِ مِصْرَ: التوثيق: أَمَّا طَرِيقُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ وَأُسَامَةَ التِّيدِيِّ وَنَاصِرٍ السُّوهَاجِيِّ، فَهُوَ طَرِيقٌ مِصْرِيٌّ أَزْهَرِيٌّ سَلَفِيٌّ، يَمُرُّ عَبْرَ مَشَايِخِ المَغْرِبِ (كَالْكَتَّانِيِّ) وَيَلْتَقِي فِي "البَصْرِيِّ" بِالطَّرِيقِ الحِجَازِيِّ، مِمَّا يُؤَكِّدُ ضَبْطَ الرِّسَالَةِ.
(٣) الكَاتِبُ وَالمُرْسَلُ إِلَيْهِ فِي المَصَادِرِ:
المصدر: تَارِيخُ دِمَشْقَ، لِابْنِ عَسَاكِرَ، ج (٤٨)، ص (١٤٦).
التوثيق: صَرَّحَ فِيهِ أَنَّ بَيَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيَّ كَتَبَ لِعُمَرَ لِيُرْسِلَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَدِيٍّ، وَهِيَ دِقَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ تَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُشَكِّكٍ.
(٤) أَهَمِّيَّةُ الرَّدِّ عَلَى رُؤُوسِ المبتدعةِ بِالسَّنَدِ:
المصدر: السُّنة، لِلْخَلَّالِ، ص (٣٤٢).
قُلْتُ: إِنَّ مُوَاجَهَةَ المُمَيِّعَةِ الَّذِينَ يُدَافِعُونَ عَنْ سَيِّدِ قُطْبٍ تَكُونُ بِإِظْهَارِ هَذِهِ السَّلَاسِلِ؛ فَهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَمْ يَعْرِفُوا التَّمْيِيعَ، بَلْ نَقَلُوا العَقِيدَةَ مَحْفُوظَةً مِنَ الكَدَرِ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ:
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا الفَصْلَ هُوَ "بُرْهَانُ الصِّدْقِ" فِي هَذَا البحث يَجْزِمُ أَنَّ اِنْفِصَالَ طَرِيقِ الحِجَازِ (القَاسِمِ) عَنْ طَرِيقِ مِصْرَ (الحَنْبَلِيِّ وَأَصْحَابِهِ) ثُمَّ اِلْتِقَاءَهُمَا فِي "ابْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ" وَمِنْهُ إِلَى "ابْنِ عَسَاكِرَ" هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ مَقَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. فَالْتَّدْوِينُ الَّذِي وَقَعَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠ لَمْ يَكُنْ رَجْماً بِالغَيْبِ، بَلْ كَانَ "تَوْقِيعاً" شَهِدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَنَقَلُوهُ أَمَانَةً. وَإِنَّنِي أَرَى فِي هَذِهِ الأَسَانِيدِ مَقْمَعَةً لِكُلِّ مُبْتَدِعٍ دَعِيٍّ يَظُنُّ أَنَّ العَقِيدَةَ تُؤْخَذُ مِنْ "ظِلَالِ القُرْآنِ" أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الضَّلَالِ. فَالْعَقِيدَةُ تُؤْخَذُ مِنَ الكَاتِبِ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عُمَرَ بِالسَّنَدِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَهَا هُوَ عِصْمَةٌ لِلْخَلَفِ مِنْ أَنْ يَقَعُوا فِي شِبَاكِ المُمَيِّعَةِ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مَشَايِخَ مِثْلَ العُتَيْبِيِّ وَالقَاسِمِ وَأَهْلِ مِصْرَ لِيَحْفَظُوا لَنَا هَذَا المِيرَاثَ العَظِيمَ.
»»»»»»›»»»»»»»» ١٠٣««««««««««««««««
خَاتِمَةُ البَحْثِ:
(أَرْبَعُونَ نَتِيجَةً جَامِعَةً لِمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ)
١. خُلَاصَةُ النَّتَائِجِ العِلْمِيَّةِ :
(١) إِنَّ العَقِيدَةَ السَّلَفِيَّةَ هِيَ المِعْيارُ الوَحِيدُ لِنَجَاةِ العَبْدِ فِي الدَّارَيْنِ.
(٢) وُجُوبُ هَجْرِ المبتدعِ زَجْراً لَهُ وَصِيَانَةً لِلمُجْتَمَعِ.
(٣) الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ يكمُنُ فِي "المُمَيِّعَةِ" الَّذِينَ يُدَافِعُونَ عَنْ أَهْلِ الضَّلَالِ.
(٤) تَوْقِيعُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي رَمَضَانَ ١٠٠ أَصْلٌ فِي التَّدْوِينِ الرَّسْمِيِّ.
(٥) سَيِّدُ قُطْبٍ رَأْسٌ مِنَ رُؤُوسِ التَّكْفِيرِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ كُتُبِهِ.
(٦) حَسَنُ البَنَّا مَيَّعَ مَسَائِلَ التَّوْحِيدِ وَجَمَعَ الشَّتَاتَ عَلَى الضَّلالِ.
(٧) الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَاهُ لَتَمَكَّنَ المبتدعةُ مِنْ تَبْدِيلِ المَعَالِمِ.
(٨) جَمَاعَةُ الإِخْوَانِ هِيَ الرَّحِمُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ "القَاعِدَةُ" وَ"دَاعِشُ".
(٩) "الدِّيَاثَةُ العَقَدِيَّةُ" هِيَ السُّكُوتُ عَنْ نَقْضِ أُصُولِ السُّنَّةِ لِأَجْلِ التَّجَمُّعِ.
(١٠) كَشْفُ المبتدعِ وَعُقُوبَتُهُ مِنْ أَعْظَمِ الوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ.
(١١) اِتِّصَالُ السَّنَدِ بَيْنَ مَشَايِخِ مِصْرَ وَالحِجَازِ بُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ المَنْهَجِ.
(١٢) العَقِيدَةُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ العَقْلِ المُجَرَّدِ بَلْ مِنَ النَّقْلِ المُسْنَدِ.
(١٣) مَنْ ذَبَّ عَنِ المبتدعةِ فَهُوَ مِنْهُمْ وَيُلحَقُ بِهِمْ فِي العُقُوبَةِ.
(١٤) تَعَدُّدُ طُرُقِ الرِّسَالَةِ العُمَرِيَّةِ يُثْبِتُ اسْتِقْرَارَ النِّسْبَةِ وَالتَّدْوِينِ.
(١٥) التَّحْذِيرُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ المبتدعِ الَّذِي يَلْبَسُ ثَوْبَ العِلْمِ لِيُمَيِّعَ القَضَايَا.
(١٦) السَّاكِتُ عَنِ الحَقِّ فِي مَقَامِ البِدْعَةِ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ.
(١٧) الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ هُوَ أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ.
(١٨) العُلَمَاءُ هُمْ حُرَّاسُ ثُغُورِ العَقِيدَةِ وَأَيُّ طَعْنٍ فِيهِمْ هُوَ طَعْنٌ فِي السُّنَّةِ.
(١٩) تَدْوِينُ العَقِيدَةِ بِرِجَالٍ مَعْرُوفِينَ يَمْنَعُ دُخُولَ النَّبِيتَةِ.
(٢٠) النَّجَاةُ فِي لُزُومِ مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.
٢. تَتِمَّةُ النَّتَائِجِ العِلْمِيَّةِ (٢١-٤٠):
(٢١) الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ جِهَادٌ أَفْضَلُ مِنْ جِهَادِ العَدُوِّ الخَارِجِيِّ.
(٢٢) كُتُبُ سَيِّدِ قُطْبٍ (كالظِّلال والمَعالم) مَلِيئَةٌ بِنَفَسِ الخَوَارِجِ.
(٢٣) التَّفْرِيقُ بَيْنَ جَهْلِ العَامِّيِّ وَتَعَمُّدِ الرَّأْسِ المبتدعِ فِي العُقُوبَةِ.
(٢٤) الإِجَازَةُ العِلْمِيَّةُ المُتَّصِلَةُ أَمَانٌ مِنَ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ.
(٢٥) ضَرُورَةُ صِيَانَةِ عُقُولِ الشَّبَابِ مِنْ مَدارِسِ التَّكْفِيرِ الحَدِيثَةِ.
(٢٦) أَهَمِّيَّةُ رَبْطِ طَالِبِ العِلْمِ بِمَصَادِرِ السَّلَفِ الأَصِيلَةِ.
(٢٧) المُمَيِّعَةُ يَبْنُونَ جُسُوراً لِلمُبْتَدِعَةِ لِيَهْدِمُوا السُّنَّةَ مِنْ دَاخِلِهَا.
(٢٨) لَا يُقْبَلُ اِعْتِذَارٌ لِمَنْ طَعَنَ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
(٢٩) عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ لَا تَحْتَاجُ لِتَأْوِيلَاتِ الكَلَامِيِّينَ.
(٣٠) تَوْقِيعُ بَيَانِ الحَضْرَمِيِّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَثِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ خَالِدَةٌ.
(٣١) حِفْظُ الدِّينِ لَا يَكُونُ بِالتَّسَامُحِ مَعَ أَهْلِ الضَّلَالِ.
(٣٢) المبتدعُ مَحْرُومٌ مِنَ التَّوْبَةِ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ.
(٣٣) التَّدْوِينُ المُرَقَّمُ لِلرِّجَالِ يَحْفَظُ هَيْبَةَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ.
(٣٤) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ مَنَارَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى المبتدعةِ وَأَهْلِ الإِشْرَاكِ.
(٣٥) مَشَايِخُ مِصْرَ كَالحَنْبَلِيِّ وَالتِّيدِيِّ حُصُونٌ لِلسُّنَّةِ فِي بَلَدِهِمْ.
(٣٦) أَهَمِّيَّةُ الرِّحْلَةِ لِطَلَبِ الإِسْنَادِ العَالِي فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ.
(٣٧) التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ يَسْبِقُ العَمَلَ لِكَيْلَا يَضِلَّ العَبْدُ.
(٣٨) الحَذَرُ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ المَاسُونِيَّةِ الَّتِي تَلَبَّسَتْ بِبَعْضِ الجَمَاعَاتِ.
(٣٩) العَقِيدَةُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ العُلَمَاءِ يَجِبُ تَبْلِيغُهَا بِلَا مُدَاهَنَةٍ.
(٤٠) الخَاتِمَةُ فِي الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ حَتَّى المَمَاتِ.
[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالنَّتَائِجِ النَّفِيسَةِ (٥٠ سَطْراً)]
(١) جَامِعُ أُصُولِ النَّتَائِجِ:
المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَشَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، لِلَّالَكَائِيِّ.
التوثيق: هَذِهِ النَّتَائِجُ الأَرْبَعُونَ هِيَ عُصَارَةُ مَا دُوِّنَ فِي الوجوهِ المِائَةِ وَالثَّلَاثَةِ، وَتَمَّ اِسْتِخْلَاصُهَا بِدِقَّةٍ لِتَكُونَ مَرْجِعاً حُجَّةً.
(٢) الرَّدُّ عَلَى سَيِّدِ قُطْبٍ وَأَذْنَابِهِ:
المصدر: مَطَاعِنُ سَيِّدِ قُطْبٍ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ المَدْخَلِيِّ.
التوثيق: النَّتَائِجُ الَّتِي حَذَّرَتْ مِنْ سَيِّدِ قُطْبٍ تَعْتَمِدُ عَلَى نُقُولَاتِهِ الصَّرِيحَةِ فِي تَكْفِيرِ المُجْتَمَعَاتِ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ نَتِيجَةَ الحَذَرِ مِنْهُ قَطْعِيَّةً.
(٣) اِتِّصَالُ السَّنَدِ فِي النَّتَائِجِ:
المصدر: إِجَازَاتُ مَشَايِخِ العَصْرِ (القَاسِمُ، العُتَيْبِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، التِّيدِيُّ).
التوثيق: النَّتِيجَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ تَقُومُ عَلَى الِارْتِبَاطِ السَّنَدِيِّ المُنْفَصِلِ الَّذِي جَرَى تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ عِمَادُ التَّدْوِينِ العَقَدِيِّ المَحْفُوظِ.
(٤) عَقُوبَةُ المبتدعِ وَمَنْ وَالَاهُ:
المصدر: الصَّارِمُ المَسْلُولُ، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ص (٥٨٠).
التوثيق: جَاءَتِ النَّتَائِجُ مُتَّسِقَةً مَعَ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي عُقُوبَةِ مَنْ عَرَفَ حَالَ المبتدعةِ وَلَمْ يُعَاوِنْ عَلَى القِيَامِ عَلَيْهِمْ.
(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِلنَّتَائِجِ الأَرْبَعِينَ :
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ النَّتَائِجَ الأَرْبَعِينَ هِيَ خُلَاصَةُ الجُهْدِ فِي هَذَا البَحْثِ.
قُلْتُ: إِنَّ المبتدعَ اليَوْمَ لَا يُوَاجَهُ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ" الَّذِي حَسَمَ المَادَّةَ العَقَدِيَّةَ مُنْذُ رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠ لِلْهِجْرَةِ.
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ النَّتَائِجِ فَقَدْ حَازَ أُصُولَ السُّنَّةِ وَنَجَا مِنْ مَهَالِكِ البِدْعَةِ وَالتَّمْيِيعِ.
قُلْتُ: إِنَّ السَّنَدَ المُتَّصِلَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الحِجَازِ هُوَ الرَّدُّ القَاصِمُ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ.
قُلْتُ: إِنَّ التَّدْوِينُ لَيْسَ جَمْعاً لِلْأَوْرَاقِ، بَلْ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ النَّتَائِجِ أَدْرَكَ بَيَانَ الحَقِّ مِنْ زَيْفِ "سَيِّدِ قُطْبٍ" وَأَذْنَابِهِ.
قُلْتُ: إِنَّ الخَاتِمَةَ الحَقَّةَ هِيَ الاِسْتِقْرَارُ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ عَمَلاً وَاعْتِقَاداً حَتَّى المَمَاتِ.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، فَإِنَّهَا العِصْمَةُ مِنَ الفِتَنِ، وَبِهَا تَبْقَى الحُجَّةُ قَائِمَةً بِرِجَالِ اللَّهِ الصَّادِقِينَ.
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.
الوَصَايَا العِلْمِيَّةُ:
(عِشْرُونَ وَصِيَّةً فِي مَنْهَجِ التَّدْوِينِ وَصِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ)
١. مَتْنُ الوَصَايَا (مُرَتَّبَةً نُزُولاً):
(١) لُزُومُ الإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ التَّدْوِينِ وَالبَحْثِ.
(٢) تَعْظِيمُ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى أَقْوَالِ الرِّجَالِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
(٣) العَضُّ عَلَى السَّنَدِ المُتَّصِلِ بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ حَيَاةُ العِلْمِ وَمَوْتُ البِدْعَةِ.
(٤) الحَذَرُ الشَّدِيدُ مِنْ مَسَالِكِ "المُمَيِّعَةِ" الَّذِينَ يَهْدِمُونَ أُصُولَ السُّنَّةِ بِالتَّسَامُحِ البَارِدِ.
(٥) اِسْتِحْضَارُ "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ" لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كَمِعْيَارٍ لِلْحَسْمِ العَقَدِيِّ.
(٦) مُدَاوَمَةُ النَّظَرِ فِي سِيَرِ حَمَلَةِ السُّنَّةِ (كَالقَاسِمِ وَالعُتَيْبِيِّ وَالحَنْبَلِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ).
(٧) عَدَمُ الرَّكْنِ إِلَى كُتُبِ أَهْلِ الضَّلَالِ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) وَإِنْ زُخْرِفَتْ بِالْبَيَانِ.
(٨) الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ بِعِلْمٍ وَأَدَبٍ وَقُوَّةٍ فِي الحَقِّ لَا تَعْرِفُ المُدَاهَنَةَ.
(٩) الاِجْتِهَادُ فِي نَشْرِ هَذِهِ النَّتَائِجِ العَقَدِيَّةِ بَيْنَ الشَّبَابِ لِتَحْصِينِهِمْ مِنَ التَّكْفِيرِ.
(١٠) تَوْثِيقُ كُلِّ نَقْلٍ بِالرَّقَمِ وَالمَصْدَرِ وَالمُؤَلِّفِ صِيَانَةً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.
(١١) الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الخُصُومِ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيعِ وَالإِخْوَانِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
(١٢) التَّثَبُّتُ فِي نِسْبَةِ الأَقْوَالِ، وَعَدَمُ القَوْلِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ سَنَدٌ.
(١٣) التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ الحَقِّ وَبَيْنَ التَّطَرُّفِ الغَالِي أَوْ الجَفَاءِ الجَافِي.
(١٤) إِحْيَاءُ سُنَّةِ الإِجَازَةِ وَالرِّوَايَةِ فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ المُسْنَدَةِ.
(١٥) الحِرْصُ عَلَى جَمْعِ كَلِمَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الأُصُولِ الثَّابِتَةِ.
(١٦) اِسْتِخْدَامُ التَّقْنِيَةِ الحَدِيثَةِ فِي خِدْمَةِ المَخْطُوطَاتِ وَالنُّصُوصِ العَقَدِيَّةِ.
(١٧) البُعْدُ عَنْ "الدِّيَاثَةِ العَقَدِيَّةِ" وَالغَيْرَةُ عَلَى مَقَامِ الصَّحَابَةِ وَالأَئِمَّةِ.
(١٨) مُرَاجَعَةُ البَحْثِ وَتَدْقِيقِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِتَجَنُّبِ السَّقَطِ وَالخَلَلِ.
(١٩) رَبْطُ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ بِالوَاقِعِ لِكَشْفِ حِيَلِ المبتدعةِ الجُدُدِ.
(٢٠) الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَلْقَى العَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.
[حَاشِيَةُ التَّأْصِيلِ وَالخِتَامِ ]
(١) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِلْوَصَايَا :
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الوَصَايَا العِشْرِينَ هِيَ خِتَامُ المَسْكِ لِهَذَا المَجْلَدِ. قُلْتُ: إِنَّ تَرْتِيبَهَا عَمُودِيّاً يُسَهِّلُ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ مُرَاجَعَتَهَا بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى.
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الوَصَايَا فَقَدْ أَمَّنَ بَحْثَهُ مِنَ الزَّيْغِ وَالتَّحْرِيفِ.
قُلْتُ: إِنَّ الِارْتِبَاطَ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الوجوهِ السَّابِقَةِ هُوَ لُبُّ هَذِهِ الوَصَايَا.
قُلْتُ: إِنَّ التَّحْذِيرَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) وَأَهْلِ التَّمْيِيعِ هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.
قُلْتُ: إِنَّ تَوْقِيعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَا يَزَالُ نِبْرَاساً لَنَا فِي كُلِّ بَحْثٍ عَقَدِيٍّ مَحْفُوظٍ.
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الخَاتِمَةَ هِيَ حُجَّةٌ لَنَا وَعَهْدٌ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي مَا سُطِّرَ هُنَا، فَقَدْ جَمَعْنَا فِيهِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَبَيْنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ.
[خَاتِمَةُ البحث]
تَمَّ هَذَا البَحْثُ المُبَارَكُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي هَذَا اليَوْمِ:
الأَرْبِعَاءُ: ١٩ ذُو القَعْدَةِ ١٤٤٧ هِجْرِيَّةً.
المُوَافِقُ لَهُ: ٦ مَايُو (أَيَّار) ٢٠٢٦ مِيلَادِيَّةً.
تَمَّ بِمُوَافَقَةِ العَبْدِ الفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ أَبُو أَنَسٍ
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ابْنُ طَهَ آلُ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»١٠٤«««««««««««««««««
فهرس موضوعات البحث
مقاصد البحث وأهمية الذب عن السلف الصالح: (صفحة ١)
تعريف أهل السنة والجماعة ومعالم منهجهم: (صفحة ٢)
أهمية التدوين العقدي في العصور المبكرة: (صفحة ٣)
مصادر التلقي عند السلف وتقديم النقل على العقل: (صفحة ٤)
حفظ الدين بالرجال وأهمية الإسناد في الاعتقاد: (صفحة ٥)
مكانة الإجماع عند أهل السنة والجماعة: (صفحة ٦)
الرد على المفوضة في باب الصفات: (صفحة ٧)
منهج السلف في إثبات الأسماء والصفات: (صفحة ٨)
التحذير من التأويل الكلامي المنحرف: (صفحة ٩)
أصول الاستدلال بالقرآن والسنة: (صفحة ١٠)
ضوابط التكفير والرد على غلاة الخوارج المارقين: (صفحة ١١)
الفرق بين كفر النعمة وكفر الملة: (صفحة ١٣)
خطر الخروج على الأئمة وآثاره التدميرية: (صفحة ١٥)
الرد على شبهات المستحلين للدماء المعصومة: (صفحة ١٨)
منهج السلف في التعامل مع ولاة الأمر وبيان حقهم: (صفحة ٢١)
وجوب السمع والطاعة في غير معصية: (صفحة ٢٤)
فساد منهج سيد قطب في "الظلال" وتكفير المجتمعات: (صفحة ٢٦)
نقد فكرة الحاكمية المنحرفة وبيان ضلالها: (صفحة ٣٠)
بيان أخطاء سيد قطب في حق الأنبياء والصحابة: (صفحة ٣٣)
ضلالات حسن البنا وجماعة الإخوان في تمييع التوحيد: (صفحة ٣٦)
كشف حقيقة التنظيمات السرية وخطرها على الأمة: (صفحة ٤٠)
الرد على قاعدة المعذرة والتعاون الإخوانية: (صفحة ٤٣)
الرد على "المميعة" وأصحاب المناهج المنحرفة الحديثة: (صفحة ٤٦)
بيان معنى "الدياثة العقدية" في السكوت عن البدع: (صفحة ٤٩)
مسألة القدر وبيان مذهب أهل السنة فيها: (صفحة ٥١)
مراتب القدر الأربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق: (صفحة ٥٣)
الرد على القدرية والمجوسية الثانية في هذه الأمة: (صفحة ٥٥)
الرد على الجبرية وبيان وسطية أهل السنة: (صفحة ٥٨)
تقرير صفات الله تعالى والرد على الجهمية والمعطلة: (صفحة ١٦)
مسألة الاستواء والعلو وبيان أدلة الفطرة والنقل: (صفحة ٦٦)
إثبات صفة الكلام لله تعالى والرد على الأشاعرة: (صفحة ٦٩)
مسائل الإيمان ورد شبهات المرجئة والخوارج: (صفحة ٧١)
زيادة الإيمان ونقصانه وأثر العمل في التصديق: (صفحة ٧٤)
عقوبة المبتدع في الشريعة وضوابط هجره: (صفحة ٧٦)
حكم الصلاة خلف أهل البدع والأهواء: (صفحة ٧٩)
التحذير من مجالسة أهل الأهواء وسماع شبهاتهم: (صفحة ٨١)
موقف السلف من المبتدع الداعية وغير الداعية: (صفحة ٨٤)
نقض مزاعم المبتدعة في الترقيق وتسويغ الضلال: (صفحة ٨٦)
كشف حيل المميعة في الدفاع عن رؤوس الفتنة: (صفحة ٩١)
خطر الموازنات في نقد أهل البدع: (صفحة ٩٤)
ترجمة أعلام السنة ومواقفهم من الفتن العصرية: (صفحة ٩٦)
جهود علماء المملكة ومصر في نصرة التوحيد: (صفحة ٩٨)
الرسالة العمرية: نصها وأهميتها التاريخية: (صفحة ١٠١)
التوقيع الزمني (رمضان ١٠٠) وأثره في استقرار النسبة: (صفحة ١٠٢)
سلسلة الرجال: طريق الحجاز (القاسم) وطريق مصر (الحنبلي): (صفحة ١٠٣)
السند المتصل من الباحث إلى ابن عساكر إلى عمر بن عبد العزيز: (صفحة ١٠٤)
الأربعاء: ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الموافق: ٦ مايو ٢٠٢٦ م
تم بموافقة العبد الفقير إلى ربه أبو أنس
عماد بن عبد العزيز ابن طه آل عامر المصري
