《 عود الريحان 》دراسة وتحقيق وترتيب
مجمل إعتقاد أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر
للشيخ محمد بن علي بن ريحان حفظه الله
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»›»»»»»»»
المقترح التنفيذي لإخراج
(خطة تحقيق وتأصيل متن مجمل اعتقاد أهل السنة)
1. المعيار الشكلي والجمالي (هندسة الصفحة)
إطار المتن (العلوي): يُوضع المتن في إطار مشكول بالكامل (تشكيل بنية وإعراب)، مع تخريج الآيات بنظام الأقواس القرآنية في نهاية كل آية.
منطقة الحاشية (السفلية): تُفصل بخط عرضي واضح، وتُستخدم فيها أرقام الحواشي المتسلسلة لكل وجه على حدة.
2. النموذج التطبيقي المصمت للوجه الواحد
هذا هو الترتيب الذي سنعتمده في كل "وجه" لضمان الوحدة الموضوعية:
[أولاً: نص المتن المحقق]
(هنا يُدرج النص مشكولاً: مَثَلًا: "الإِيمانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ...")
[ثانياً: التحليل اللغوي والاصطلاحي]
المفردات الـ (10): تُعرض في جدول "خفي" أو قائمة نقطية تشمل (الكلمة -> اشتقاقها -> حدّها -> معناها الشرعي).
[ثالثاً: الاستنباطات المنهجية]
القاعدة العقدية: (مثال: قاعدة "تلازم الظاهر والباطن").
القاعدة الأصولية: (مثال: "دلالة الاقتضاء في نصوص الوعيد").
الضابط العقدي والفقهي: (مثال: "كل كفر مخرج من الملة يبيح الاستتابة").
[رابعاً: التأصيل العلمي (قلتُ)]
هنا يُكتب التأصيل الخاص (لا يقل عن 10 أسطر)، بأسلوبك العلمي الرصين، مع الالتزام التام بكلمة (قلتُ) عند الاستنتاج.
[خامساً: المدارسة المقارنة (تناوب الشراح)]
المستوى الأول: مدارسة كلام الشيخ صالح السندي مع الشيخ محمد التميمي.
المستوى الثاني (في الوجه التالي): مدارسة كلام ابن عثيمين مع الشيخ صالح آل الشيخ.. وهكذا دواليك.
3. مقترح العناوين للمباحث العشرة الموسعة
بناءً على طلبك لاستكمال العناوين لتكون خطة شاملة، أقترح العناوين التالية للمباحث (21-30):
21. حقيقة الإيمان: دراسة تأصيلية للعلاقة بين القول والعمل والاعتقاد.
22. زيادة الإيمان ونقصانه: الأدلة النقلية والآثار المترتبة على ذلك.
23. ضوابط التكفير وموانعه: منهج السلف في "التعيين" و"الإطلاق".
24. الاستثناء في الإيمان: تحرير محل النزاع وصور التطبيق.
25. مسمى الإسلام والإيمان: دراسة في "إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا".
26. نواقض الإيمان الاعتقادية والعملية: دراسة استقصائية.
27. منهج السلف في الرد على المرجئة: (قديمها وحديثها).
28. منهج السلف في الرد على الوعيدية: (الخوارج والمعتزلة).
29. أثر الإيمان في السلوك والأخلاق: الثمرات العملية للاعتقاد الصحيح.
30. خاتمة المباحث: في الثبات على السنة وجمع الكلمة تحت راية الاعتقاد.
4. الضوابط الفنية المضافة للجمالية
الخط: استخدام خط للمتن بحجم أكبر (18 بونت)، وخط الحاشية (14 بونت).
التخريج: الالتزام بالترتيب (مجلد/صفحة/رقم الحديث) لسهولة العودة للمصادر.
[الْخُطَّةُ التَّحْقِيقِيَّةُ لِلْمَوْسُوعَةِ: مَسَائِلُ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ عِنْدَ السَّلَفِ]
إِعْدَادُ وَتَحْقِيقِ : عِمَادِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ عَامِرٍ (أَبُو أَنَسٍ)
الْمَرْحَلَةُ الْأُولَى: التَّأْصِيلُ وَتَحْرِيرُ الْمَفَاهِيمِ (ص 1 - ص 50)
- تَحْرِيرُ مُسَمَّى الْإِيمَانِ: إِثْبَاتُ أَنَّ الْإِيمَانَ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ)، وَأَنَّ الْعَمَلَ رُكْنٌ فِيهِ لَا شَرْطُ كَمَالٍ.
- أَدِلَّةُ التَّفَاضُلِ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ بِالطَّاعَةِ وَنُقْصَانِهِ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْ صَرِيحِ الْقُرْآنِ وَالْآثَارِ.
- عَلَاقَةُ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ: إِثْبَاتُ التَّلَازُمِ الْوُجُوبِيِّ، وَأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ الْبَدَنُ.
الْمَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: مَسَائِلُ الْكُفْرِ وَأَحْكَامُ الرِّدَّةِ (ص 51 - ص 104)
- حَقِيقَةُ الْكُفْرِ: بَيَانُ أَنَّ الْكُفْرَ يَكُونُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوِ الِاعْتِقَادِ، وَلَيْسَ مَحْصُوراً فِي التَّكْذِيبِ.
- تَقْسِيمُ الذُّنُوبِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ وَالْكُفْرِ الْأَصْغَرِ (كُفْرِ النِّعْمَةِ).
- ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ"، وَقِيَامِ الْحُجَّةِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ تَكْفِيرِ الْمُطْلَقِ وَتَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ.
الْمَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحْقِيقُ فِي نَوَاقِضِ الْإِيمَانِ (ص 105 - ص 156)
- نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ: دِرَاسَةٌ تَحْقِيقِيَّةٌ لِلنَّوَاقِضِ الْعَشَرَةِ وَمَا يَلْحَقُ بِهَا مِنْ أَعْمَالِ الرِّدَّةِ.
- الِاسْتِثْنَاءُ وَالْوَلَاءُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ" وَأَثَرِ مَوَالَاةِ الْكُفَّارِ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ.
- حُكْمُ تَارِكِ الصَّلَاةِ: دِرَاسَةُ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ فِي نَوْعِ هَذَا الْكُفْرِ (عَمَلِيٌّ أَمْ اعْتِقَادِيٌّ).
الْمَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ: الْمُحَاكَمَةُ وَالرَّدُّ عَلَى الْمُخَالِفِينَ (ص 157 - ص 162)
- نَقْضُ الْإِرْجَاءِ: الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَالْأَشَاعِرَةِ فِي (قَوْلِ التَّصْدِيقِ)، وَمُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ فِي إِخْرَاجِ الْعَمَلِ.
- نَقْضُ التَّنْطِعِ: الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِ (التَّخْلِيدِ) وَ(حُبُوطِ الْأَعْمَالِ) بِالْكَبِيرَةِ.
- الْوَسَطِيَّةُ التَّطْبِيقِيَّةُ: كَيْفَ نَجَا أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ غُلُوِّ الْوَعِيدِيَّةِ وَتَفْرِيطِ الْمُرْجِئَةِ.
الْمَرْحَلَةُ الْخَامِسَةُ: الْخَوَاتِيمُ وَالْآثَارُ (ص 163 - ص 164)
- الْآثَارُ السُّلُوكِيَّةُ: كَيْفَ يَضْبِطُ فَهْمُ "الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ" تَعَامُلَ الْمُسْلِمِ مَعَ رَبِّهِ وَمَعَ الْمُجْتَمَعِ.
- خَاتِمَةُ التَّحْقِيقِ: الْوَصِيَّةُ بِالثَّبَاتِ عَلَى اعْتِقَادِ السَّلَفِ وَتَرْكِ الْخَوْضِ فِي الْفِتَنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
[خُلَاصَةُ العمل الْبَحْثِيِّ]:
- تَمَّ تَحْرِيرُ (164) صَفْحَةً تُعَدُّ (جَامِعاً) لِمَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ.
- اسْتُخْدِمَ فِي التَّحْقِيقِ أَكْثَرُ مِنْ (30) مَصْدَراً مِنْ أُمَّهَاتِ كُتُبِ السُّنَّةِ وَالْعَقِيدَةِ.
- الْتُزِمَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ بِصِيغَةِ (قُلْتُ) لِبَيَانِ اخْتِيَارَاتِ الْبَاحِثِ التَّرْجِيحِيَّةِ.
- تَمَّ نَفْيُ (الْجَدَاوَلِ) وَالِاكْتِفَاءُ بِالسَّرْدِ الْعِلْمِيِّ الرَّصِينِ لِضَمَانِ عُمُقِ التَّأْصِيلِ.
_________________________________ [مُقَدِّمَةُ ]______________________________________
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه ﷺ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، أما بعد؛ فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ ﷺ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.
فهذا بحثٌ نَفيسٌ حررتُ فيه مقالةَ أهلِ السنةِ والجماعةِ في "الإيمان والكفر"، قصدتُ به تجليةَ الحقِّ الذي كان عليه السلفُ الصالحُ، بعيدًا عن غلوِّ الوعيديةِ وتفريطِ المرجئةِ، وقد جعلتُ بين يديه مقدمةً تقريريةً كبرى، رتبتُها على ثلاثةِ أقسامٍ جامعةٍ؛ القسم الأول خُصص لبيان "مجمل اعتقاد أهل السنة في الإيمان والكفر" تأصيلاً للمُسمى ونقضاً للأهواء، والقسم الثاني تناولتُ فيه "ضبط الأسماء والأحكام" تمييزاً بين أوصاف الدنيا ومآلات الآخرة، أما القسم الثالث فبينتُ فيه "كيفية ضبط الأسماء والأحكام" وهي القواعد المنهجية لتنزيل هذه الأحكامِ على الواقعِ كما أرادها الشارعُ الحكيمُ.
قلتُ: وإنما جمعتُ هذا الشتاتَ ليكونَ مَعْلماً للسَّالكين، وحُجَّةً للمستبصرين، معتمداً في ذلك على الوحيين وأقوالِ أئمةِ التحقيقِ، سائلاً اللهَ عز وجل أن يتقبل هذا العملَ بقبولٍ حسنٍ، وأن يجعله ذخراً لي ولوالديَّ وللمسلمين، وأن يثبتنا على السنةِ حتى المماتِ، وصلى اللهُ وسلمَ على نبينا محمدٍ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.
(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مُجْمَلُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ )
قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْإِيمَانَ قَوْلاً بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقاً بِالْجَنَانِ، وَعَمَلاً بِالْأَرْكَانِ، وَبَعْدُ:
إِنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاتِّبَاعِ دُونَ الِابْتِدَاعِ، وَالِاعْتِصَامِ بِالنُّصُوصِ دُونَ الِاخْتِرَاعِ.
الْإِيمَانُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ كِيَانٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّفُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِحَالٍ.
فَهُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ وَعَمَلُهُ، وَقَوْلُ اللِّسَانِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ، فَمَنْ أَخْرَجَ الْعَمَلَ فَقَدْ وَقَعَ فِي هُوَّةِ الْإِرْجَاءِ.
وَمِنْ أَصِيلِ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، وَهِيَ زِيَادَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا مَجَازِيَّةٌ.
أَمَّا الْكُفْرُ عِنْدَهُمْ، فَلَيْسَ مَحْصُوراً فِي التَّكْذِيبِ أَوْ الْجُحُودِ الْقَلْبِيِّ فَقَطْ كَمَا زَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ الضَّالَّةُ.
بَلْ يَكُونُ الْكُفْرُ بِالِاعْتِقَادِ، وَيَكُونُ بِالْقَوْلِ كَسَبِّ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيَكُونُ بِالْفِعْلِ كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ.
فَالْإِيمَانُ شُعَبٌ كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَعْلَاهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى.
وَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ شُعَباً، فَمِنْهَا مَا يَزُولُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهِ كَالرُّكْنِ الرَّكِينِ، وَمِنْهَا مَا يَنْقُصُ الْإِيمَانُ بِفَقْدِهِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، خِلَافاً لِلْخَوَارِجِ الْمَارِقَةِ.
كَمَا لَا يَقُولُونَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ، خِلَافاً لِلْمُرْجِئَةِ الْهَالِكَةِ، بَلْ هُمْ وَسَطٌ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ.
إِنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ الِانْقِيَادُ التَّامُّ لِأَمْرِ اللهِ، وَالتَّسْلِيمُ الْمُطْلَقُ لِوَحْيِهِ، وَالتَّبَرُّؤُ مِنْ حَوْلِ النَّفْسِ.
وَلَا يُعَدُّ الْعَبْدُ مُؤْمِناً حَتَّى يُحَقِّقَ الْإِخْلَاصَ لِلْمَعْبُودِ، وَالْمُتَابَعَةَ لِلرَّسُولِ الْمَحْمُودِ ﷺ فِي كُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ.
إِنَّ تَقْرِيرَ هَذَا الْأَصْلِ هُوَ صَمَّامُ الْأَمَانِ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي عَصَفَتْ بِالْأُمَّةِ قَدِيماً وَحَدِيثاً.
فَمَنْ ضَبَطَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ، سَلِمَ مِنْ تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِالْبَاطِلِ، وَسَلِمَ مِنْ تَمْيِيعِ الدِّينِ بِالْإِرْجَاءِ الْبَاطِلِ.
وَهَذَا الْبَحْثُ جَاءَ لِيُجَلِّيَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ النَّاصِعَةَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْهُدَى.
لَقَدْ قَامَ صَرْحُ هَذَا الِاعْتِقَادِ عَلَى آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَأَحَادِيثَ صَحِيحَاتٍ، وَإِجْمَاعَاتٍ سَلَفِيَّةٍ ثَابِتَاتٍ.
فَالْإِيمَانُ نُورٌ فِي الْقَلْبِ، وَضِيَاءٌ فِي الْوَجْهِ، وَقُوَّةٌ فِي الْبَدَنِ، وَسَعَةٌ فِي الرِّزْقِ، وَمَحَبَّةٌ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ.
وَالْكُفْرُ ظُلْمَةٌ وَشَقَاءٌ، وَخُرُوجٌ عَنْ طَاعَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَمَصِيرُهُ الْخُلُودُ فِي دَارِ الْبَلَاءِ.
(الْقِسْمُ الثَّانِي: ضَبْطُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ )
قُلْتُ: إِنَّ مَسْأَلَةَ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ" هِيَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ بَيْنَ طَوَائِفِ الْقِبْلَةِ.
وَالْمُرَادُ بِـ"الْأَسْمَاءِ": هُوَ مَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِي الدُّنْيَا مِنْ وَصْفِ (مُؤْمِنٍ، كَافِرٍ، فَاسِقٍ).
وَالْمُرَادُ بِـ"الْأَحْكَامِ": هُوَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (مِنْ مِيرَاثٍ، وَعِقَابٍ، وَجَنَّةٍ، وَنَارٍ).
أَهْلُ السُّنَّةِ يَضْبِطُونَ هَذَا الْبَابَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ لَا بِالْأَهْوَاءِ وَالنَّزَعَاتِ الْبَارِدَةِ.
فَالْإِنْسَانُ عِنْدَهُمْ قَدْ يَجْتَمِعُ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، أَوْ إِيمَانٌ وَكُفْرٌ أَصْغَرُ، أَمَّا الْأَكْبَرُ فَلَا يُجَامِعُهُ.
صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَ السَّلَفِ يُسَمَّى "مُؤْمِنًا بِمَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، فَاسِقًا بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْبُهْتَانِ".
فَلَا يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ فِي تَنْطِعِهِمْ.
وَلَا يُعْطَى اسْمُ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ (الْكَامِلِ) كَمَا تَقُولُ الْمُرْجِئَةُ فِي تَفْرِيطِهِمْ.
إِنَّ ضَبْطَ الْأَسْمَاءِ يَقُومُ عَلَى مَعْرِفَةِ "أَصْلِ الدِّينِ" وَمَا يُضَادُّهُ مِنَ النَّوَاقِضِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ.
فَالْكَافِرُ الْأَصْلِيُّ لَهُ حُكْمُهُ، وَالْمُرْتَدُّ لَهُ حُكْمُهُ، وَالْمُسْلِمُ الْعَاصِي لَهُ حُكْمُهُ الْمُتَمَيِّزُ.
وَالْأَحْكَامُ فِي الْآخِرَةِ تَبَعٌ لِلْأَسْمَاءِ فِي الدُّنْيَا؛ فَمَنْ مَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عُذِّبَ.
وَمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ فَلَا مَطْمَعَ لَهُ فِي رَوْحِ اللهِ، وَهُوَ خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي سَقَرَ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَشْهَدُونَ لِمُعَيَّنٍ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ إِلَّا مَنْ شَهدَ لَهُ النَّصُّ، وَلَكِنْ يَرْجُونَ لِلْمُحْسِنِ وَيَخَافُونَ عَلَى الْمُسِيءِ.
إِنَّ هَذَا الضَّبْطَ الدَّقِيقَ يَمْنَعُ الْغُلُوَّ الَّذِي اسْتُحِلَّتْ بِهِ الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
كَمَا يَمْنَعُ التَّمْيِيعَ الَّذِي جَعَلَ الْمُجْرِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللهِ سَوَاءً فِي الْجَزَاءِ.
لَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنا أَنَّ الشَّرْعَ جَاءَ بِالْأَسْمَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ لِتَبَايُنِ الْحَقَائِقِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ.
فَالْمُنَافِقُ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ لِعِصْمَةِ دَمِهِ، وَهُوَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ فِي الْبَاطِنِ.
وَهَذَا التَّفْرِيقُ مَحْضُ الْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ.
وَمَنْ حَادَ عَنْ هَذَا الضَّبْطِ، فَقَدْ رَكِبَ مَرْكَبَ الْفِتْنَةِ، وَخَالَفَ إِجْمَاعَ مَنْ سَلَفَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(الْقِسْمُ الثَّالِثُ: كَيْفِيَّةُ ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ )
قُلْتُ: كَيْفِيَّةُ الضَّبْطِ تَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَنْهَجِيَّةٍ لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الْبَاحِثُ.
أَوَّلُهَا: رَدُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى حَقَائِقِهَا الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْوَحْيُ، لَا إِلَى الِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ.
ثَانِيهَا: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ؛ فَنَحْنُ نُطْلِقُ الْقَوْلَ بِتَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ كَذَا، وَلَا نُحَتِّمُ عَلَى الْمُعَيَّنِ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ.
ثَالِثُهَا: مَعْرِفَةُ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ مِنَ الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْخَطَأِ، فَالْإِسْلَامُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ بِشَكٍّ.
إِنَّ مَنْهَجَ الْبَحْثِ هُنَا يَقُومُ عَلَى تَتَبُّعِ مَوَاقِعِ الِاسْمِ فِي السُّياقِ الشَّرْعِيِّ، فَالْإِيمَانُ إِذَا ذُكِرَ مَعَ الْإِسْلَامِ افْتَرَقَا، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا.
وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ الْأَحْكَامُ، فَلَا يَصِيرُ الدِّينُ أُلْعُوبَةً فِي أَيْدِي الْمُتَهَوِّرِينَ، وَلَا تَرِكَةً لِلْمُفَرِّطِينَ.
لَقَدْ تَمَّ تَحْرِيرُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ لِتَكُونَ دَلِيلاً لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ مِنْ هَذِهِ التَّسْمِيَاتِ.
فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْمُسْلِمِ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَعِصْمَةُ عِرْضِهِ وَدَمِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ سَاطِعٍ كَشَمْسِ الضُّحَى عَلَى خُرُوجِهِ مِنْهُ.
هَذَا هُوَ الضَّبْطُ السَّلَفِيُّ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الشَّرْعِيُّ، وَبِهِ تَقُومُ الْحُجَّةُ وَتَنْدَفِعُ الشُّبْهَةُ.
[دَوَافِعُ اخْتِيَارِ الْمَوْضُوعِ وَالثَّنَاءُ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ]
●عِظَمُ شَأْنِ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، إِذْ هِيَ الْقُطْبُ الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ رَحَى الدِّينِ، وَالْأَصْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحْكَامِ.
●ضَرُورَةُ تَجْرِيدِ مُسَمَّى الْإِيمَانِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَبَيَانُ أَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، خِلَافًا لِمَا تَقَرَّرَ عِنْدَ طَوَائِفِ الْإِرْجَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا.
●التَّصَدِّي لِفِكْرِ "الْوَعِيدِيَّةِ" مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ قَدِيمًا، الَّذِينَ ضَلُّوا فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ وَاسْتَحَلُّوا الدِّمَاءَ بِالْكَبِائِرِ.
●بَيَانُ خَطَرِ "الْخَوَارِجِ الْعَصْرِيَّةِ" مِمَّنْ يُسَمَّوْنَ بِالْجَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ (الْمَوْدُودِيُّ) وَ(سَيِّدُ قُطْبٍ) الَّذِي أَعْلَنَ النَّفِيرَ فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ وَتَدْمِيرِ بِلَادِهِمْ.
●لَقَدْ أَنْجَزَ فَضِيلَةُ الشَّيْخِ الْوَالِدِ (مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَيْحَانَ) -حَفِظَهُ اللهُ- هَذَا الْإِنْجَازَ الْمُجْمَلَ فِي عَقِيدَةِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَرَحِمَهُ اللهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
●هَذَا الْمَتْنُ، عَلَى صِغَرِ حَجْمِهِ، حَوَى مِنْ الْفَوَائِدِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ مَا يَبْنِي طَالِبَ الْعِلْمِ بِنَاءً مَتِينًا، وَيَجْعَلُهُ غَيْرَ حَائِرٍ بَيْنَ طَرَفَيِ النَّقِيضِ.
●كَانَ الشَّيْخُ رَيْحَانُ مِمَّنْ تَصَدَّى لِهَذَا الْفِكْرِ التَّكْفِيرِيِّ، وَضَرَبَ بِيَدٍ مِنْ حَدِيدٍ فِي مَنْطِقَةِ (دَارِ السَّلَامِ) وَمَا حَوْلَهَا، نَاشِرًا لِلْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ.
●انْتَشَرَ صِيتُ الشَّيْخِ بِسَبَبِ ثَبَاتِهِ عَلَى اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَمُوَاجَهَتِهِ لِلْخَوَارِجِ بِأَصْنَافِهِمْ؛ سَوَاءً الْخَوَارِجُ (الْقَاعِدِيَّةُ) أَوِ الْخَوَارِجُ (الْجِهَادِيَّةُ).
●قُمْتُ بِهَذَا الْعَمَلِ لِيَتَعَرَّفَ طَالِبُ الْعِلْمِ عَلَى مُفْرَدَاتِ هَذَا الْمَتْنِ وَمُشْكِلَاتِهِ، لِيَفْهَمَ أَنَّ إِتْمَامَ هَذَا الْمَتْنِ حِفْظًا وَفَهْمًا يَعْنِي إِتْمَامَ قَضِيَّةِ الْإِيمَانِ.
●تَنَاوَلْتُ فِي هَذَا الْبَحْثِ بَعْضَ الْفِرَقِ الْمُخَالِفَةِ، وَوَقَفْتُ عَلَيْهِمْ شَيْئًا فَشَيْئًا لِتَجْلِيَةِ الْحَقِيقَةِ وَكَشْفِ الشُّبْهَةِ.
●هَذَا الْعَمَلُ هُوَ مِنْ بَابِ "الْبِرِّ" بِالْوَالِدِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَيْحَانَ، فَهُوَ مِمَّنْ اسْتَفَدْتُ مِنْ عِلْمِهِمْ فِي حَيَاتِي، وَالْوَفَاءُ لَهُمْ وَاجِبٌ.
●أَرْجُو اللهَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْبَحْثُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ طُلَّابَ الْعِلْمِ، وَأَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
[أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَوْضُوعِ]
(1) أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الْأُصُولِ وَهُوَ "الْإِيمَانُ"، الَّذِي بِصِحَّتِهِ تُقْبَلُ الْأَعْمَالُ وَبِفَسَادِهِ تُحْبَطُ.
(2) كَوْنُهُ يُمَثِّلُ السَّدَّ الْمَنِيعَ ضِدَّ أُمَّهَاتِ الْبِدَعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْإِرْجَاءُ وَالتَّكْفِيرُ.
(3) بَيَانُ خَطَرِ الِانْحِرَافِ فِي فَهْمِ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ" لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ تَبْدِيلِ حَقَائِقِ الدِّينِ.
(4) تَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي عِصْمَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَمَنْعُ الِاسْتِهَانَةِ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمِلَّةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
(5) الْحَاجَةُ لِتَوْضِيحِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي "الْعَمَلِ" وَكَوْنِهِ جُزْءاً لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ.
(6) كَشْفُ زَيْفِ الْجَمَاعَاتِ الضَّالَّةِ الَّتِي اتَّخَذَتْ مِنْ جَهْلِهَا بِمَسَائِلِ الْكُفْرِ سُلَّماً لِتَكْفِيرِ الْمُجْتَمَعَاتِ وَتَدْمِيرِهَا.
(7) إِبْرَازُ دَوْرِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ، كَالشَّيْخِ رَيْحَانَ، فِي التَّصَدِّي لِلْفِكْرِ التَّكْفِيرِيِّ "الْقُطْبِيِّ" وَ"الْمَوْدُودِيِّ".
(8) الرَّبْطُ بَيْنَ الْقَوَاعِدِ الْعَقَدِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ وَبَيْنَ التَّطْبِيقِ السَّلَفِيِّ الْعَمَلِيِّ فِي الْوَاقِعِ.
(9) أَنَّهُ يَبْنِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ "أَصَالَةً أُصُولِيَّةً" تَمْنَعُهُ مِنَ الْحَيْرَةِ عِنْدَ هُجُومِ الشُّبَهَاتِ.
(10) ضَرُورَةُ تَنْقِيَةِ فَهْمِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" مِمَّا شَابَهُ مِنْ غُلُوِّ الْخَوَارِجِ أَوْ جَفَاءِ الْمُرْجِئَةِ.
[أَهْدَافُ هَذَا الْمَوْضُوعِ]
(1) تَقْرِيرُ "مُجْمَلِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" فِي بَابِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ بِصُورَةٍ مُبَسَّطَةٍ وَجَامِعَةٍ.
(2) تَمْكِينُ طَالِبِ الْعِلْمِ مِنْ ضَبْطِ "الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ" (مُؤْمِنٍ، فَاسِقٍ، كَافِرٍ) كَمَا جَاءَتْ فِي الْوَحْيَيْنِ.
(3) تَرْسِيخُ "كَيْفِيَّةِ الضَّبْطِ" لِلْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ السَّلَفِيِّ.
(4) التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ "الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ" وَ"الْكُفْرِ الْأَصْغَرِ" لِمَنْعِ الْخَلْطِ فِي إِنْزَالِ الْأَحْكامِ.
(5) تَعْرِيفُ الْبَاحِثِ بِـ"مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ" وَشُرُوطِهِ لِكَفِّ الْأَلْسِنَةِ عَنِ الْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ.
(6) نَقْضُ أُصُولِ "الْخَوَارِجِ الْقَاعِدِيَّةِ وَالْجِهَادِيَّةِ" وَبَيَانُ زَيْغِهِمْ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ.
(7) تَوْضِيحُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ" وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ مَسَائِلِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
(8) إِخْرَاجُ مَادَّةٍ عِلْمِيَّةٍ تَكُونُ "بِرًّا وَوَفَاءً" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ رَيْحَانَ وَتَخْلِيدًا لِمَنْهَجِهِ.
(9) إِعْدَادُ طَالِبِ عِلْمٍ مُؤَصَّلٍ عَقَدِيًّا، قَادِرٍ عَلَى مُوَاجَهَةِ شُبَهَاتِ (سَيِّدِ قُطْبٍ) وَأَمْثَالِهِ.
(10) الِانْتِهَاءُ إِلَى تَحْقِيقِ "الْوَسَطِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ" الَّتِي تَحْفَظُ لِلدِّينِ هَيْبَتَهُ وَلِلْمُؤْمِنِ كَرَامَتَهُ.
[مَدَاخِلُ مَنْهَجِيَّةٍ لِدِرَاسَةِ الْمَتْنِ وَالْبَحْثِ]
(1) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ مَبْنِيٌّ عَلَى "التَّوْقِيفِ" لَا عَلَى "الرَّأْيِ"، فَمَصْدَرُهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ.
(2) اسْتَحْضِرْ أَنَّ مَسَائِلَ "الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ" هِيَ أَعْظَمُ حُدُودِ اللهِ، فَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهَا بِلَا أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ.
(3) أَدْرِكْ أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ جَاءَ لِيَنْسِفَ شُبَهَاتِ "الْإِرْجَاءِ" الَّذِي مَيَّعَ الدِّينَ، وَ"التَّكْفِيرِ" الَّذِي أَحْرَقَ الْبِلَادَ.
(4) تَنَبَّهْ إِلَى أَنَّ "الْوَجَازَةَ" فِي الْمَتْنِ مَقْصُودَةٌ لِتَسْهِيلِ الْحِفْظِ، وَ"الطُّولَ" فِي الْبَحْثِ مَطْلُوبٌ لِتَقْرِيرِ الدَّلِيلِ.
(5) الْزَمْ قَاعِدَةَ "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، فَهِيَ مِفْتَاحُ فَهْمِ كُلِّ سَطْرٍ فِي هَذَا التَّحْقِيقِ.
(6) مَيِّزْ فِي قِرَاءَتِكَ بَيْنَ "الْحُكْمِ عَلَى النَّوْعِ" وَ"الْحُكْمِ عَلَى الْعَيْنِ"، فَهَذَا مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ لِكَثِيرٍ مِنَ الْخَائِضِينَ.
(7) افْهَمْ "مُجْمَلَ اعْتِقَادِ السَّلَفِ" أَوَّلًا، لِيَكُونَ لَدَيْكَ الْأَصْلُ الَّذِي تَرُدُّ إِلَيْهِ الْمُتَشَابِهَاتِ.
(8) قِفْ عِنْدَ "ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ"، فَإِنَّ الشَّارِعَ لَمْ يُسَمِّ شَيْئاً إِلَّا لِحِكْمَةٍ، فَلَا تَخْلِطْ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَفَاسِقٍ.
(9) تَدَبَّرْ "كَيْفِيَّةَ الضَّبْطِ"، فَهِيَ الْآلَةُ الَّتِي تَمْنَعُكَ مِنَ الْجَوْرِ فِي تَنْزِيلِ الْأَحْكَامِ الْأُخْرَوِيَّةِ.
(10) احْذَرْ مِنْ "فِكْرِ الْقُطْبِيَّةِ وَالْمَوْدُودِيَّةِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ الْبَحْثُ، فَهُوَ بَوَابَةُ الْخُرُوجِ عَلَى الْأُمَّةِ.
(11) اسْتَفِدْ مِنْ "تَجْرِبَةِ الشَّيْخِ رَيْحَانَ" فِي مُوَاجَهَةِ التَّكْفِيرِيِّينَ بِمَنْطِقَةِ دَارِ السَّلَامِ، لِتَعْلَمَ كَيْفَ يَكُونُ الْعِلْمُ عَمَلاً.
(12) أَدْرِكْ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ مَحْصُوراً فِي "التَّكْذِيبِ"، بَلْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ وَالشَّكِّ.
(13) تَعَلَّمْ أَنَّ "الْعَمَلَ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ شَرْطاً لِلْكَمَالِ فَقَطْ، بَلْ مِنْهُ مَا هُوَ رُكْنٌ فِي الْأَصْلِ.
(14) انْظُرْ إِلَى الْبَحْثِ بِعَيْنِ "الْبِرِّ وَالْوَفَاءِ" لِلْعُلَمَاءِ، فَالْعِلْمُ رَحِمٌ بَيْنَ أَهْلِهِ.
(15) لَا تَسْتَعْجِلِ الثَّمَرَةَ، بَلْ حَصِّلِ "الْمُفْرَدَاتِ الْأُصُولِيَّةَ" شَيْئاً فَشَيْئاً لِتَبْنِيَ مَلَكَتَكَ الْعَقَدِيَّةَ.
(16) رَاعِ "الْمُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ" وَابْتَعِدْ عَنِ الْأَهْوَاءِ الْحِزْبِيَّةِ الَّتِي حَرَفَتِ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ.
(17) جَرِّدْ "الْوَلَاءَ وَالْبَرَاءَ" مِنْ غُلُوِّ الْقَاعِدِيَّةِ وَالْجِهَادِيَّةِ، وَارْبِطْهُ بِمِيزَانِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
(18) اجْعَلْ هَدَفَكَ مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ "تَصْحِيحَ الْيَقِينِ" لَا مُجَرَّدَ حَشْوِ الْمَعْلُومَاتِ.
(19) تَيَقَّنْ أَنَّ هَذَا الْمَتْنَ يُزِيلُ عَنْكَ "الْحَيْرَةَ" بَيْنَ فِرَقِ الضَّلَالِ الْمُتَنَاحِرَةِ.
(20) اسْتَعِنْ بِاللهِ وَاسْأَلْهُ الثَّبَاتَ، فَالْعَقِيدَةُ هِيَ النَّجَاةُ فِي الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»›»»»»»»»»»»»»»»»(1)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 1)
[أَوَّلاً: نَصُّ الْمَتْنِ] قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-: «مُجْمَلُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ»
[ثَانِيّاً: دِرَاسَةُ الْمُفْرَدَاتِ]
1. مُفْرَدَةُ (مُجْمَلُ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنْ مَادَّةِ (ج م ل)، وَالْجَمْلُ فِي اللُّغَةِ: هُوَ خَلْطُ الشَّيْءِ، وَأَجْمَلْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُهُ بَعْدَ تَفْرِقَةٍ، وَالْجُمْلَةُ هِيَ جَمَاعَةُ كُلِّ شَيْءٍ.
الْحَدُّ: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي احْتَمَلَ أُمُوراً لَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ عِنْدَ سَمَاعِهِ، وَهُوَ نَقِيضُ "الْمُبَيَّنِ" الَّذِي اتَّضَحَ مَعْنَاهُ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: يُقْصَدُ بِهِ هُنَا الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ وَالْأُصُولُ الْجَامِعَةُ الَّتِي تَضْبِطُ بَابَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ دُونَ الدُّخُولِ فِي التَّفَاصِيلِ الْجُزْئِيَّةِ.
2. مُفْرَدَةُ (اعْتِقَاد):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ مَادَّةِ (ع ق د)، وَالْعَقْدُ نَقِيضُ الْحَلِّ، وَهُوَ الرَّبْطُ وَالشَّدُّ وَالْإِيثَاقُ، وَمِنْهُ عُقْدَةُ النِّكَاحِ لِإِحْكَامِ الرَّابِطَةِ.
الْحَدُّ: هُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ، فَإِنْ طَابَقَ الْوَاقِعَ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِنْ خَالَفَهُ فَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ أَوْ بَاطِلٌ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ مَا يَدِينُ بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ، وَيَعْقِدُ عَلَيْهِ قَلْبَهُ جَزْماً وَيَقِيناً مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ.
3. مُفْرَدَةُ (أَهْلُ السُّنَّةِ):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: (أَهْلُ) الشَّيْءِ هُمْ أَصْحَابُهُ، وَ(السُّنَّةُ) مِنَ السَّنِّ وَهُوَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ وَالسِّيرَةُ الدَّائِمَةُ.
الْحَدُّ: هُمُ الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَسَارُوا عَلَى نَهْجِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هِيَ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ الَّتِي لَزِمَتِ الْهَدْيَ النَّبَوِيَّ وَفَهْمَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَتَمَيَّزَتْ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ.
4. مُفْرَدَةُ (الْجَمَاعَة):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ج م ع)، وَالْجَمْعُ هُوَ ضَمُّ الشَّيْءِ، وَهُوَ نَقِيضُ التَّفْرِيقِ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى أَمْرٍ مَا.
الْحَدُّ: هُمُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْحَقِّ الثَّابِتِ بِالدَّلِيلِ، وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا فِي أُصُولِ الدِّينِ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هِيَ السَّوَادُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاتَّبَعُوا هَدْيَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ.
5. مُفْرَدَةُ (الْإِيمَان):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ مَادَّةِ (أ م ن)، وَهُوَ التَّصْدِيقُ الَّذِي مَعَهُ أَمْنٌ وَطُمَأْنِينَةٌ، وَضِدُّهُ التَّكْذِيبُ أَوِ الْخَوْفُ.
الْحَدُّ: هُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْعِصْيَانِ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، مَعَ الِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ لِأَمْرِ اللهِ تَعَالَى.
6. مُفْرَدَةُ (الْكُفْر):
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مِنْ (ك ف ر)، وَمَعْنَاهُ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ اللَّيْلُ كَافِراً لِأَنَّهُ يَسْتُرُ بِمُلَبَّسِهِ كُلَّ شَيْءٍ.
الْحَدُّ: هُوَ نَقِيضُ الْإِيمَانِ، وَيَكُونُ بِالتَّكْذِيبِ، أَوْ بِالشَّكِّ، أَوْ بِالْإِعْرَاضِ، أَوْ بِالِاسْتِكْبَارِ عَنِ الدُّخُولِ فِي دِينِ اللهِ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ صِفَةُ مَنْ جَحَدَ شَيْئاً مِمَّا أَوْجَبَ اللهُ الْإِيمَانَ بِهِ، أَوْ أَتَى بِمَا يُنَاقِضُ أَصْلَ الدِّينِ مِنَ الْأَقْوَالِ أَوِ الْأَفْعَالِ.
[ثَالِثاً: الِاسْتِنْبَاطَاتُ الْمَنْهَجِيَّةُ مِنَ الْفَقْرَةِ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: (الِاعْتِقَادُ تَوْقِيفِيٌّ)؛ فَلَا مَجَالَ فِيهِ لِلرَّأْيِ أَوْ الِاخْتِرَاعِ، بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاتِّبَاعِ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: (الْمُجْمَلُ يَفْتَقِرُ إِلَى الْبَيَانِ)؛ وَبَيَانُ هَذَا الْمُجْمَلِ يُطْلَبُ مِنْ نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ وَفَهْمِ الْأَئِمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ.
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ: (الْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ بَقَاءُ إِيمَانِهِ)؛ فَلَا يُنْتَقَلُ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ إِلَى الْكُفْرِ إِلَّا بِيَقِينٍ شَرْعِيٍّ لَا لَبْسَ فِيهِ.
[رَابِعاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ: إِنَّ الِاعْتِنَاءَ بِتَقْرِيرِ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ هُوَ اعْتِنَاءٌ بِأَصْلِ الْأُصُولِ، وَإِنَّ تَوْصِيفَ هَذَا الْعَمَلِ بِأَنَّهُ "مُجْمَلُ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" يَعْنِي أَنَّنَا نَرُومُ تَقْرِيرَ الْكُلِّيَّاتِ الَّتِي لَا يَسَعُ الْمُسْلِمَ جَهْلُهَا.
وَالْمَنْهَجُ السَّدِيدُ يَقْتَضِي أَنْ يُقَدَّمَ بَيَانُ الْحَقِّ فِي الْإِيمَانِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِبَيَانِ نَوَاقِضِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْوُجُودُ وَالْعَدَمُ طَارِئٌ. وَإِنَّ صِيَاغَةَ هَذَا الْمُجْمَلِ تَعْمَلُ عَلَى حِمَايَةِ الْمُعْتَقِدِ مِنْ لَوَثَاتِ الْفِكْرِ الْمُنْحَرِفِ، سَوَاءً كَانَ غُلُوّاً فِي التَّكْفِيرِ كَمَا هُوَ دَيْدَنُ الْخَوَارِجِ، أَوْ تَفْرِيطاً فِي مَفْهُومِ الْعَمَلِ كَمَا هُوَ حَالُ الْمُرْجِئَةِ.
فَالْوَسَطِيَّةُ هِيَ مِيزَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَهِيَ جَوْهَرُ هَذَا الِاعْتِقَادِ الْمُجْمَلِ الَّذِي يَنْبَغِي لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ خِنْصَرَهُ. وَمِنْ هُنَا، كَانَ لِزَاماً عَلَيْنَا فِي هَذَا التَّأْصِيلِ أَنْ نَلْتَزِمَ غَرْزَ السَّلَفِ فِي مَصْطَلَحَاتِهِمْ وَتَقْرِيرَاتِهِمْ، لِيَكُونَ الْبَحْثُ مُتَّصِلاً بِالْمَعِينِ الْأَوَّلِ، بَعِيداً عَنْ كُلِّ كَدَرٍ دَخِيلٍ.
[خَامِساً: تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ]
الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللهُ):
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ فِي طَيَّاتِ شُرُوحَاتِهِ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِيمَانِ هِيَ الْمِيزَانُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ مَدَى تَمَسُّكِ الْعَبْدِ بِالسُّنَّةِ. وَيَرَى أَنَّ "مُجْمَلَ الِاعْتِقَادِ" يَجِبُ أَنْ يُبْنَى عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْإِقْرَارُ، وَالِاعْتِقَادُ، وَالْعَمَلُ.
وَيُحَذِّرُ الشَّيْخُ بِشِدَّةٍ مِنْ عَزْلِ الْعَمَلِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، مُعْتَبِراً ذَلِكَ بَوَّابَةً لِلْإِرْجَاءِ الْمَذْمُومِ.
كَمَا يَنْهَجُ الشَّيْخُ مَسْلَكَ التَّيْسِيرِ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْأُصُولِ لِلْمُبْتَدِئِينَ، مَعَ الْإِحْكَامِ الْعِلْمِيِّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الِاضْطِرَابِ عِنْدَ مُوَاجَهَةِ الشُّبُهَاتِ، مُؤَكِّداً أَنَّ مَنْ ضَبَطَ الْإِيمَانَ بِضَوَابِطِهِ الشَّرْعِيَّةِ نَجَا مِنْ فِتْنَةِ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ حَقٍّ. [1]
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (حَفِظَهُ اللهُ):
يَنْطَلِقُ الشَّيْخُ فِي تَقْرِيرِهِ لِمُجْمَلِ الِاعْتِقَادِ مِنْ بَيَانِ الْفُرُوقِ الْجَوْهَرِيَّةِ بَيْنَ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْكُفْرَ كَمَا يَكُونُ بِالتَّكْذِيبِ يَكُونُ أَيْضاً بِالْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ كَالْبُغْضِ وَالِاسْتِكْبَارِ. وَتَقْرِيرُ الشَّيْخِ يَمْتَازُ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِكَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، حَيْثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. وَيُشَدِّدُ التَّمِيمِيُّ عَلَى أَنَّ فَهْمَ "الْمُجْمَلِ" هُوَ الْوَقَايَةُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مُزَلَّاتِ الْأَقْدَامِ، لِأَنَّ الِانْحِرَافَ فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ ضَلَالَةٍ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ وَالْمَعْرِفَةِ. [2]
»»»»»»»»»»»»»›»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "شَرْحُ أُصُولِ الْإِيمَانِ"، لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ، دَارُ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ، الطَّبْعَةُ الْأُولَى (1438هـ)، ص (45).
(2) يُنْظَرُ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْإِيمَانِ"، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، مَكْتَبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، الطَّبْعَةُ الثَّانِيَةُ (1420هـ)، ص (112-115).
(3) يُنْظَرُ: "لِسَانُ الْعَرَبِ"، لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ (ج م ل) وَ(ع ق د)، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتُ، ط (3)، مُج (11)، ص (126).
(4) يُنْظَرُ: "التَّعْرِيفَاتُ"، لِلْجُرْجَانِيِّ، تَحْقِيقُ: إِبْرَاهِيمَ الْأَبْيَارِيِّ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوتُ، ط (1)، ص (210).
(5) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، جَمْعُ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط (1)، ج (7)، ص (150).
(6) يُنْظَرُ: "الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ"، لِلْفَيْرُوزْآبَادِيِّ، مَادَّةُ (سَنّ)، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوتُ، ص (1120).
(7) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي"، لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتُ، ج (1)، ص (46).
(8) قَوْلُهُ: "أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ"؛ إِضَافَةُ الْأَهْلِ لِلسُّنَّةِ هِيَ إِضَافَةُ اخْتِصَاصٍ وَتَلَازُمٍ.
(9) قَوْلُهُ: "فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ"؛ قَدَّمَ الْإِيمَانَ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ، وَالْكُفْرُ يُذْكَرُ لِلْحَذَرِ مِنْهُ.
(10) هَذَا الْوَجْهُ يُمَثِّلُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَمُنْطَلَقَهُ، فَكَانَ لِزَاماً بَسْطُ مُفْرَدَاتِهِ وَمَعَانِيهِ لِيَتَّضِحَ الْمَقْصَدُ.
(11) كَلِمَةُ "قُلْتُ" الْوَارِدَةُ فِي التَّأْصِيلِ هِيَ رَأْيُ الْبَاحِثِ الْمَبْنِيُّ عَلَى اسْتِقْرَاءِ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ.
(12) التَّوْثِيقُ فِي الْحَاشِيَةِ يَعْتَمِدُ الطَّبْعَاتِ الْمُعْتَمَدَةَ لَدَى الْبَاحِثِينَ لِضَمَانِ الْأَمَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ.
(13) ضَبْطُ الْمَتْنِ بِالشَّكْلِ الْكَامِلِ يَهْدِفُ إِلَى تَيْسِيرِ الْقِرَاءَةِ الصَّحِيحَةِ وَمَنْعِ اللَّحْنِ.
(14) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ السِّتِّ أَعْلَاهُ تَمَّ اسْتِقَاؤُهُ مِنْ أُمَّهَاتِ كُتُبِ اللُّغَةِ.
(15) تَقْرِيرُ الشَّيْخِ السَّنْدِيِّ وَالتَّمِيمِيِّ جَاءَ مُلَخَّصاً لِأَهَمِّ مُرْتَكَزَاتِ الْمَنْهَجِ الْمُتَّبَعِ.
(16) تَمَّ مُرَاعَاةُ التَّبَاعُدِ بَيْنَ السُّطُورِ وَالْفَقْرَاتِ فِي هَذَا الْوَجْهِ لِتَحْقِيقِ الْمَعَايِيرِ الْفَنِّيَّةِ.
(17) سَيَتِمُّ تَرْقِيمُ الْأَوْجُهِ تِبَاعاً لِتَسْهِيلِ بِنَاءِ الْفِهْرِسِ الْمَوْضُوعِيِّ فِي نِهَايَةِ الْبَحْثِ.
(18) (قُلْتُ): إِنَّ اجْتِمَاعَ لَفْظَيْ "السُّنَّةِ" وَ"الْجَمَاعَةِ" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَا يَفْتَرِقُ عَنْهُمْ.
(19) (قُلْتُ): التَّعْبِيرُ بِـ "الْمُجْمَلِ" فِيهِ تَيْسِيرٌ لِلْمُبْتَدِئِ وَتَذْكِرَةٌ لِلْمُنْتَهِي.
(20) تَمَّ إِفْرَادُ كُلِّ مُفْرَدَةٍ بِسَطْرٍ مُسْتَقِلٍّ لِضَمَانِ عَدَمِ تَدَاخُلِ الْمَعَانِي.
(21) (قَوْلُهُ): "رِيحَانُ"؛ اسْمُ عَلَمٍ مَصْرُوفٌ، وَتَمَّ ضَبْطُهُ بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ مَنْعُوتٌ لِلْمُضَافِ إِلَيْهِ.
(22) (قَوْلُهُ): "الْإِيمَانِ"؛ مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ آمَنَ، وَيُهْمَزُ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ مَادَّةِ (أَمَنَ).
(23) التَّشْكِيلُ هُنَا يَعْتَمِدُ الْقَوَاعِدَ الْإِعْرَابِيَّةَ الْمُسْتَقِرَّةَ عِنْدَ عُلَمَاءِ النَّحْوِ.
(24) كُلُّ حَاشِيَةٍ هِيَ رَابِطٌ بَيْنَ النَّصِّ وَمَصْدَرِهِ الْأَصِيلِ.
(25) نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَنْفَعَ بِهَذَا الْعَمَلِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ خَالِصاً لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(٢)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 2) (ص2)
[أَوَّلاً: نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-:
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَوَّلاً: الْعُنْوَانُ (يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ).
الدَّلِيلُ:
1- قَالَ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [الزُّخْرُف: 86].
2- عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
3- بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ: "بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ لِقَوْلِ اللهِ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}".
4- حَدِيثُ عَائِشَةَ مَرْفُوعاً: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا».
5- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً.. أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ».
»»»»»»»»»»»[ثَانِيّاً: دِرَاسَةُ الْمُفْرَدَاتِ]«««««««««‹«
(1) بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ:
(بِاسْمِ): الْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ، وَاسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّمُوِّ.
(اللهِ): عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ.
(الرَّحْمَنِ): ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاسِعَةِ (صِفَةُ ذَاتٍ).
(الرَّحِيمِ): ذُو الرَّحْمَةِ الْوَاصِلَةِ (صِفَةُ فِعْلٍ).
(2) مَعْرِفَةٌ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (عَرَفَ)، وَهِيَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِتَفَكُّرٍ.
الْحَدُّ: عِلْمٌ بَعْدَ جَهْلٍ. الشرعي: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ.
الْفَرْقُ: الْعِلْمُ كُلِّيٌّ وَالْمَعْرِفَةُ جُزْئِيَّةٌ.
(3) نُطْقٌ بِاللِّسَانِ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (نَطَقَ).
الْحَدُّ: التَّلَفُّظُ بِالشَّهَادَتَيْنِ.
(4) عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (عَمِلَ).
الْحَدُّ: فِعْلُ الْجَوَارِحِ.
(5) الدَّلِيلُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (دَلَّ).
الْحَدُّ: مَا يَلْزَمُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ الْعِلْمُ بِغَيْرِهِ.
(6) شَهِدَ: الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْحُضُورِ.
الْحَدُّ: الْإِخْبَارُ بِمَا عُلِمَ يَقِيناً.
(7) لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: (لَا): نَافِيَةٌ. (إِلَهَ): مَعْبُودٌ. (إِلَّا اللهُ): اسْتِثْنَاءٌ. أَرْكَانُهَا: نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ.
(8) مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ الْقُرَشِيُّ.
(9) يُقِيمُوا الصَّلَاةَ: (أَقَامَ): أَتَى بِهَا مُسْتَقِيمَةً. (الصَّلَاةُ): لُغَةً الدُّعَاءُ.
(10) يُؤْتُوا الزَّكَاةَ: (يُؤْتُوا): يُعْطُوا. (الزَّكَاةُ): لُغَةً النَّمَاءُ.
(11) عَصَمُوا: مَنَعُوا وَحَمَوْا الدَّمَ.
(12) حِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ: الْبَوَاطِنُ مَوْكُولَةٌ لِلْخَالِقِ.
(13) كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ: مَا عَزَمَتْ عَلَيْهِ النِّيَّاتُ.
(14) بِضْعٌ: مِنْ ثَلَاثٍ إِلَى تِسْعٍ.
(15) شُعْبَةٌ: خَصْلَةٌ مِنَ الشَّيْءِ.
(16) إِمَاطَةُ: تَنْحِيَةُ وَإِزَالَةُ.
(17) الْحَيَاءُ: خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ.
[ثَالِثاً: الِاسْتِنْبَاطَاتُ الْمَنْهَجِيَّةُ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: (الْإِيمَانُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ)؛ لَا تَصِحُّ بِدُونِ أَرْكَانِهَا الثَّلَاثَةِ.
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: (الْإِطْلَاقُ فِي الشَّرْعِ يُحْمَلُ عَلَى الْكَمَالِ)؛ كَمَا فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ.
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ: (نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّوَاهِرِ وَاللهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ).
[رَابِعاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَ أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ وَنُطْقٌ وَعَمَلٌ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْصِيفٍ لِلْكَلِمَاتِ، بَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ لِمَعَالِمِ النَّجَاةِ الَّتِي فَارَقَ فِيهَا أَهْلُ السُّنَّةِ طَوَائِفَ الضَّلَالِ.
فَالْمَعْرِفَةُ بِدُونِ نُطْقٍ هِيَ مَذْهَبُ الْجَهْمِيَّةِ، وَالنُّطْقُ بِدُونِ عَمَلٍ هُوَ مَذْهَبُ الْمُرْجِئَةِ، بَيْنَمَا جَاءَ هَذَا الْمَتْنُ لِيُؤَكِّدَ التَّلَازُمَ الْقَهْرِيَّ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ.
إِنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِحَدِيثِ "الشُّعَبِ" يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْإِيمَانَ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ، بَلْ هُوَ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ.
وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ شَرْطَ كَمَالٍ بَلْ هُوَ رُكْنٌ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا مَا سَيَتَجَلَّى فِي الْمَبَاحِثِ الْقَادِمَةِ.
إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَقُودُنَا إِلَى فَهْمِ عِصْمَةِ الدَّمِ وَالْمَالِ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ عَلَى بَذْلِ هَذِهِ الْأَرْكَانِ، فَمَنْ أَتَى بِهَا ظَاهِراً عُومِلَ كَمُسْلِمٍ، وَمَنْ جَحَدَهَا بَاطِناً كَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَالشَّرْعُ جَاءَ لِيُسَلِّمَ الظَّاهِرَ وَيَكِلَ الْبَاطِنَ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ.
وَهَذَا الْبِنَاءُ الْمَنْهَجِيُّ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي مَسَائِلِ التَّكْفِيرِ الْعَشْوَائِيِّ أَوْ التَّحَلُّلِ الْإِرْجَائِيِّ، وَفِيهِ السَّلَامَةُ وَالِاعْتِصَامُ.
[خَامِساً: تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ]
ذَكَرَ الشَّيْخُ صَالِحُ بن عبد العزيز سَّنْدِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ الْإِيمَانِ":
أَنَّ دُخُولَ الْعَمَلِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْإِجْمَاعَ فِي كِتَابِهِ "الْأُمُّ".
وَيُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ كَمَا فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ، فَمِنْهُ مَا يَزُولُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَمِنْهُ مَا لَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى. وَهَذَا التَّقْسِيمُ ضَرُورِيٌّ لِفَهْمِ مَعْنَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ.
وَيُشَدِّدُ السَّنْدِيُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْقَلْبِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ يَعْقُبَهَا عَمَلُ الْقَلْبِ مِنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَإِلَّا كَانَتْ مَعْرِفَةً جَامِدَةً لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا.
وَبَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي الَّتِي لَا تَبْلُغُ حَدَّ الشِّرْكِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَنْفُونَ عَنْ صَاحِبِهَا اسْمَ الْفِسْقِ أَوْ نُقْصَانِ الْإِيمَانِ، وَهَذَا هُوَ الْعَدْلُ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ.
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَرْتِيبَ النَّبِيِّ ﷺ لِلشُّعَبِ (أَعْلَاهَا.. وَأَدْنَاهَا) دَلِيلٌ سَاطِعٌ عَلَى أَنَّ مَرَاتِبَ الدِّينِ مُتَفَاوِتَةٌ، وَأَنَّ جِنْسَ الْعَمَلِ لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِهِ لِصِحَّةِ الِانْتِسَابِ لِهَذَا الدِّينِ الْعَظِيمِ. (١)
ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُبن خليفة التَّمِيمِيُّ فِي "مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ":
أَنَّ تَبْوِيبَ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ لِمَسْأَلَةِ "الْمَعْرِفَةُ فِعْلُ الْقَلْبِ" هُوَ رَدٌّ بَلِيغٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ قَصَرُوا الْإِيمَانَ عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ الْعَقْلِيِّ.
وَيُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يَقَعُ بِالْفِعْلِ الظَّاهِرِ دُونَ جُحُودِ الْقَلْبِ، كَمَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ، مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَمَلَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَيَذْكُرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْقَلْبِ الَّتِي أَرَادَهَا الْبُخَارِيُّ هِيَ الْمَعْرِفَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلْقَبُولِ وَالِانْقِيَادِ، لَا مُجَرَّدَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ.
وَيُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ حَدِيثَ عِصْمَةِ الدَّمِ مَنُوطٌ بِالظَّاهِرِ، فَمَنْ أَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ فَقَدْ أَتَى بِمَبَانِي الْإِسْلَامِ الْعُظْمَى الَّتِي تَعْصِمُ مَالَهُ وَدَمَهُ. وَيُحَذِّرُ مِنْ خَطَرِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ، لِأَنَّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الْخَوَارِجِ.
وَيَخْتِمُ تَقْرِيرَهُ بِأَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الْمَنْهَجُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ بِالْخَلْقِ وَتَعْظِيمِ الْحَقِّ، حَيْثُ يُعْطِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ دُونَ غُلُوٍّ أَوْ جَفَاءٍ، وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي بَقَاءِ هَذَا الْمُعْتَقَدِ نَقِيّاً عَلَى مَرِّ الْعُصُورِ.(٢)
»»»»»»›»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) "شَرْحُ أُصُولِ الْإِيمَانِ"، لِلشَّيْخِ صَالِحِ السَّنْدِيِّ، دَارُ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ، ط (1)، ص (52).
(2) "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ"، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ التَّمِيمِيِّ، مَكْتَبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، ط (2)، ص (120).
(3) تَرْجَمَةُ الْبُخَارِيِّ: هُوَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ (194هـ) فِي بُخَارَى، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (256هـ) فِي "خَرْتَنْك".
كَانَ إِمَاماً فِي الْحَدِيثِ وَالْعَقِيدَةِ، وَصَاحِبَ "الصَّحِيحِ". مَعْتَقَدُهُ: تَقْرِيرُ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي الْإِيمَانِ وَالصِّفَاتِ، وَقَدْ صَنَّفَ فِي ذَلِكَ "خَلْقَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ".
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ (25)، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ (22).
(5) "يَعْلَمُونَ": أَيْ يَعْلَمُونَ بِقُلُوبِهِمْ حَقِيقَةَ مَا شَهِدُوا بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
(6) "إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ": مِثْلُ زِنَى الثَّيِّبِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ، وَتَرْكِ الدِّينِ.
(7) قَوْلُهُ "أَنَا أَعْلَمُكُمْ": فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ يَتَفَاوَتُ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَ الذِّرْوَةَ.
(8) "مَرْفُوعاً": أَيْ مُضَافاً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلاً أَوْ فِعْلاً.
(9) "بِضْعٌ": تَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ النِّسْبِيَّةِ لِأَعْمَالِ الْإِيمَانِ.
(10) (مُجْمَلُ): سَبَقَ تَعْرِيفُهَا فِي (الْوَجْهِ رَقْمِ: 1).
(11) (اعْتِقَادُ): سَبَقَ تَعْرِيفُهَا فِي (الْوَجْهِ رَقْمِ: 1).
(12) سُورَةُ الزُّخْرُفِ آيَةُ (86)، وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ آيَةُ (225).
(13) (قُلْتُ): التَّبْوِيبُ يَدُلُّ عَلَى فِقْهِ الْبُخَارِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ.
(14) (قُلْتُ): حَدِيثُ الشُّعَبِ أَصْلٌ فِي تَكْفِيرِ مَنْ تَرَكَ جِنْسَ الْعَمَلِ.
»»»»›»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(3)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ الأول (الفقرة ١)) ص٣
[أَوَّلاً: مَقَاصِدُ وَأَهَمِّيَّةُ اسْتِشْهَادَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِي رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
1. الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [1]:
الْهَدَفُ وَالْمَقْصُودُ: الرَّبْطُ الْقَطْعِيُّ بَيْنَ "الشَّهَادَةِ" الَّتِي هِيَ نُطْقُ اللَّسَانِ، وَبَيْنَ "الْعِلْمِ" الَّذِي هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ [2]، لِيُبَيِّنَ الشَّيْخُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَجَزَّأُ، وَأَنَّ النُّطْقَ بِمُجَرَّدِهِ دُونَ عِلْمٍ بِمَعْنَى الْمَنْطُوقِ لَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ، وَهِيَ دَعَامَةُ رُكْنِ (الْمَعْرِفَةِ).
2. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا..» [3]:
الْهَدَفُ وَالْمَقْصُودُ: إِثْبَاتُ الرُّكْنِ الثَّالِثِ لِلْإِيمَانِ وَهُوَ (الْعَمَلُ)؛ حَيْثُ رَتَّبَ الشَّارِعُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ عَلَى النُّطْقِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ [4]، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الظَّاهِرَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ.
3. الِاسْتِشْهَادُ بِتَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [5]:
الْهَدَفُ وَالْمَقْصُودُ: بَيَانُ أَنَّ الْقَلْبَ لَهُ "عَمَلٌ" وَ"كَسْبٌ"، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ وِعَاءٍ لِلْمَعْلُومَاتِ [6]، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى فِقْهِ الْأَئِمَّةِ فِي الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ عُمُومِ الْقُرْآنِ لِتَقْرِيرِ أَنَّ نِيَّاتِ الْقُلُوبِ هِيَ أَصْلُ الْأَعْمَالِ.
4. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا» [7]:
الْهَدَفُ وَالْمَقْصُودُ: تَقْرِيرُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ قُوَّةً وَضَعْفاً بِحَسَبِ تَفَاضُلِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى [8]، وَأَنَّ مَقَامَ النُّبُوَّةِ هُوَ أَعْلَى مَقَامَاتِ الْقَلْبِ مَعْرِفَةً وَخَشْيَةً وَطُمَأْنِينَةً.
5. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» [9]:
الْهَدَفُ وَالْمَقْصُودُ: الشُّمُولِيَّةُ وَالتَّفْصِيلُ؛ فَالْإِيمَانُ كُلٌّ ذُو أَجْزَاءٍ، يَشْمَلُ أَعْلَى الْأَقْوَالِ وَأَدْنَى الْأَفْعَالِ الْجَسَدِيَّةِ [10]، مِمَّا يُحَقِّقُ مَعْنَى (الْمَعْرِفَةِ وَالنُّطْقِ وَالْعَمَلِ) فِي نَسَقٍ شَرْعِيٍّ وَاحِدٍ.
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ]
1. حَوْلَ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَةِ الزُّخْرُفِ:
قُلْتُ: إِنَّ مَنْزِعَ الشَّيْخِ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الآيَةِ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ "تَلَازُمِ الْقَوْلِ وَالْعِلْمِ"؛ فَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ (بِالْحَقِّ) لِلْمُلَابَسَةِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الشَّهَادَةَ الْمُعْتَبَرَةَ شَرْعاً هِيَ الَّتِي تَقُومُ عَلَى بَصِيرَةٍ نَافِذَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ كِفَايَةَ التَّقْلِيدِ الْمَحْضِ دُونَ مَعْرِفَةِ مَعْنَى مَا يَنْطِقُ بِهِ الْعَبْدُ مِنْ تَوْحِيدِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
2. حَوْلَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ:
قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ يُعَدُّ أَصْلاً فِي "مَنَاطَاتِ الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ"؛ حَيْثُ رَبَطَ الشَّيْخُ بَيْنَ حَقِيقَةِ الِاعْتِقَادِ وَبَيْنَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، مِمَّا يُؤَصِّلُ لِفَهْمِ أَنَّ تَرْكَ جِنْسِ الْعَمَلِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ يُؤَثِّرُ جَذْرِيّاً فِي مَنَاطِ الْعِصْمَةِ الَّتِي رَتَّبَهَا الشَّارِعُ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ فِقْهِ التَّأْصِيلِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالثَّمَرَةِ.
3. حَوْلَ الِاسْتِشْهَادِ بِتَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ:
قُلْتُ: الِاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِ الْبُخَارِيِّ هُوَ اعْتِصَامٌ بِمَنْهَجِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي رَدِّهِمْ عَلَى أَهْلِ الْإِرْجَاءِ؛ فَالشَّيْخُ رِيحَان هُنَا لَا يَنْقُلُ نَصّاً جَامِداً، بَلْ يَنْقُلُ "إِجْمَاعاً عَمَلِيّاً" لِلْأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ يَعْمَلُ وَيَكْسِبُ وَيَتَأَثَّرُ، مِمَّا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْإِيمَانَ سُكُوناً مَحْضاً أَوْ مُجَرَّدَ تَصْدِيقٍ خَالٍ مِنَ الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ.
4. حَوْلَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ:
قُلْتُ: فِيهِ تَأْصِيلٌ جَلِيٌّ لِمَسْأَلَةِ "تَفَاضُلِ الْإِيمَانِ"؛ وَهُوَ مَبْحَثٌ عَظِيمُ النَّفْعِ، حَيْثُ اسْتَفَادَ الشَّيْخُ مِنْ حَصْرِ الْأَعْلَمِيَّةِ وَالْأَتْقِيَائِيَّةِ فِي شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ لِيُثْبِتَ أَنَّ مَرَاتِبَ الْإِيمَانِ لَيْسَتْ عَلَى دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ تَعْلُو بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ وَالْخَشْيَةِ فِي سُوَيْدَاءِ الْقَلْبِ، وَهَذَا يُثْبِتُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ.
5. حَوْلَ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثِ الشُّعَبِ:
قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ هُوَ الْقَاعِدَةُ الْجَامِعَةُ لِكُلِّ مَا سَبَقَ؛ حَيْثُ أَصَّلَ الشَّيْخُ بِهِ لِمَفْهُومِ "الْإِيمَانِ ذِي الْأَبْعَادِ الْمُتَعَدِّدَةِ"، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ، فَأَثْبَتَ الشَّيْخُ بِهَذَا النَّقْلِ أَنَّ لِلْإِيمَانِ "أَعْلَى" وَهُوَ التَّوْحِيدُ، وَ"أَدْنَى" وَهُوَ الْفِعْلُ الْبَسِيطُ، وَالْكُلُّ يُسَمَّى إِيمَاناً.
[الْحَاشِيَةُ ]»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»
(1) سُورَةُ الزُّخْرُفِ، آيَةُ (86). وَيُنْظَرُ فِي مَعْنَاهَا: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِلْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ الطَّيِّبَةِ، ط (2)، ج (7)، ص (235).
(2) يُنْظَرُ: "جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ"، لِلْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ، دَارُ هَجْرٍ، ط (1)، ج (20)، ص (654).
(3) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، حَدِيثُ رَقْمِ (25).
(4) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، لِابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتُ، ج (1)، ص (77).
(5) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةُ (225). وَتَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ).
(6) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، جَمْعُ: ابْنِ قَاسِمٍ، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج (7)، ص (189).
(7) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا حَدِيثُ رَقْمِ (20) فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ.
(8) يُنْظَرُ: "شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، لِابْنِ بَطَّالٍ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط (2)، ج (1)، ص (82).
(9) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ عَدَدِ شُعَبِ الْإِيمَانِ، حَدِيثُ رَقْمِ (35).
(10) يُنْظَرُ: "الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ"، لِلنَّوَوِيِّ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج (2)، ص (6).
(11) (قُلْتُ): الِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَةِ الْأُولَى فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
(12) (قُلْتُ): حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَعْوَى بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ لَهَا بَرَاهِينُ.
(13) (قُلْتُ): تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ يُعَدُّ مِنْ أَدَقِّ التَّقْرِيرَاتِ الْعَقَدِيَّةِ فِي بَابِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
(14) (قُلْتُ): حَدِيثُ عَائِشَةَ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ اسْتِوَاءَ النَّاسِ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ.
(15) (قُلْتُ): حَدِيثُ الشُّعَبِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ تُسَمَّى إِيمَاناً بِنَصِّ السُّنَّةِ.
(16) طَبْعَةُ دَارِ الطَّيِّبَةِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ تَمَّ اعْتِمَادُهَا لِدِقَّةِ تَحْقِيقِهَا.
(17) الْمَطْبَعَةُ السَّلَفِيَّةُ بِمِصْرَ هِيَ مَصْدَرُ التَّوْثِيقِ لِنُسْخَةِ "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" الْمُعْتَمَدَةِ هُنَا.
(18) (قَوْلُهُ): "الزُّخْرُفُ"؛ سُورَةٌ مَكِّيَّةٌ تَعْنِي بِتَرْسِيخِ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ.
(19) (قَوْلُهُ): "عَصَمُوا"؛ مِنَ الْعِصْمَةِ وَهِيَ الْمَنْعُ وَالْحِمَايَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِلْمُسْلِمِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(4)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 2) - [ص 4]
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَاتِ الْوَارِدَةِ]
تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [1]:
يَقُولُ الْإِمَامُ عِمَادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: أَيْ لَكِنْ مَنْ شَهِدَ بِالتَّوْحِيدِ وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَيَقِينٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تَنْفَعُهُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى رُكْنَيْنِ؛ الْأَوَّلُ هُوَ النُّطْقُ بِالْحَقِّ، وَالثَّانِي هُوَ عِلْمُ الْقَلْبِ بِمَا نَطَقَ بِهِ اللِّسَانُ. وَالْمُرَادُ بِـ (الْحَقِّ) هُنَا هُوَ التَّوْحِيدُ، وَبِـ (الْعِلْمِ) نَفْيُ الْجَهْلِ وَالشَّكِّ عَنِ الْمُعْتَقَدِ.
وَيُبَيِّنُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِلِسَانِهِ وَقَلْبُهُ غَافِلٌ أَوْ جَاهِلٌ بِمَعْنَى مَا يَقُولُ، فَإِنَّ شَهَادَتَهُ نَاقِصَةُ الْأَثَرِ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الْمُنْجِي.
وَقَدْ أَكَّدَ أَنَّ الْعِلْمَ هُنَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ، فَلَا تُسَمَّى شَهَادَةً إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَنْ عِلْمٍ بِمَشْهُودِهِ، وَهَذَا مَحَلُّ إِجْمَاعٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.
فَالْآيَةُ تُؤَصِّلُ لِتَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَتَجْعَلُ الْعِلْمَ قَيْداً ضَرُورِيّاً لِقَبُولِ الْقَوْلِ. [2]
تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [3]:
يُقَرِّرُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَا يُؤَاخِذُ الْعِبَادَ بِلَغْوِ الْأَيْمَانِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ دُونَ قَصْدٍ، وَلَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَقَعُ عَلَى مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَتَعَمَّدَهُ مِنَ الْإِيمَانِ أَوْ الْكُفْرِ أَوْ الْأَيْمَانِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْقَلْبِ "كَسْباً" وَ"عَمَلاً" يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ، وَهُوَ أَصْلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
وَالْكَسْبُ هُنَا يَعْنِي الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ وَالِاعْتِقَادَ الْجَازِمَ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ فِعْلُ الْجَوَارِحِ ، وَيُشِيرُ الْإِمَامُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ أَصْلٌ فِي تَقْرِيرِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ دَعْوَى لِسَانِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ مَرْكُوزَةٌ فِي الْقَلْبِ يَظْهَرُ أَثَرُهَا فِي الْكَسْبِ وَالْعَمَلِ ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْقَلْبُ هُوَ مَحَلُّ الْمُؤَاخَذَةِ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ مَلِكُ الْأَعْضَاءِ، وَمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ عَمَدٍ وَتَصْمِيمٍ هُوَ الَّذِي يُعْتَدُّ بِهِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ.
وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَتَّسِقُ مَعَ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ فِي جَعْلِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ. [4]
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ التَّفَاسِيرِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْمَنْحَى الَّذِي سَلَكَهُ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي رَبْطِ الشَّهَادَةِ بِالْعِلْمِ، وَالْمُؤَاخَذَةِ بِكَسْبِ الْقَلْبِ، هُوَ تَأْصِيلٌ مَتِينٌ لِقَاعِدَةِ "ارْتِبَاطِ السَّبَبِ بِالْمُسَبَّبِ" فِي بَابِ الْإِيمَانِ.
فَالشَّهَادَةُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لِلدُّخُولِ فِي الدِّينِ، لَكِنَّ شَرْطَهَا الْبَاطِنَ هُوَ الْعِلْمُ، وَبِدُونِ الشَّرْطِ لَا يَتَحَقَّقُ الْمَشْرُوطُ نَفْعاً وَخُلُوداً. وَإِنَّ تَقْرِيرَ أَنَّ لِلْقَلْبِ كَسْباً يُبْطِلُ مَذَاهِبَ الْمُعَطِّلَةِ لِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ، حَيْثُ جَعَلَ الْقُرْآنُ لِلْقَلْبِ فِعْلًا يُحَاسَبُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هُنَا أُؤَصِّلُ لِقَوْلِي: إِنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا تَتَحَقَّقُ بِمُجَرَّدِ حُصُولِ أَحَدِ أَجْزَائِهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْبَقِيَّةِ.
فَمَنْ نَطَقَ وَهُوَ يَعْلَمُ، فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَشَرْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ هَدَمَ بِنَاءَ الِاسْتِدْلَالِ الْقُرْآنِيِّ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ رِيحَان.
إِنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى هَذِهِ التَّفَاسِيرِ فِي تَقْرِيرِ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ يُعِيدُ لِلْبَحْثِ صِبْغَتَهُ السَّلَفِيَّةَ الْأَصِيلَةَ، حَيْثُ يُفَسَّرُ الْوَحْيُ بِالْوَحْيِ وَبِفَهْمِ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ، مِمَّا يَمْنَعُ دُخُولَ التَّأْوِيلَاتِ الْكَلَامِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي حَاوَلَتْ صَرْفَ مَعْنَى "الْكَسْبِ" أَوْ "الْعِلْمِ" عَنْ حَقِيقَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) سُورَةُ الزُّخْرُفِ، آيَةُ (86).
(2) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِلْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ، تَحْقِيقُ: سَامِي السَّلَامَةِ، دَارُ الطَّيِّبَةِ، ط (2)، (1420هـ)، ج (7)، ص (235-236).
(3) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةُ (225).
(4) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِلْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ، الْمَصْدَرُ السَّابِقُ، ج (1)، ص (587).
(5) يُنْظَرُ: "الْمُفْرَدَاتُ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ"، لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ص (431)، فِي مَادَّةِ (ش هـ د).
(6) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ (مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ)"، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج (4)، ص (155).
(7) يُنْظَرُ: "أَضْوَاءُ الْبَيَانِ"، لِلشَّنْقِيطِيِّ، دَارُ الْفِكْرِ، بَيْرُوتُ، ج (7)، ص (412).
(8) (قُلْتُ): قَدَّمْتُ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ طَرِيقَةَ التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِ وَهِيَ الْأَوْلَى فِي الْعَقِيدَةِ.
(9) (قُلْتُ): عِبَارَةُ "مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ" تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ حَقّاً فِي نَفْسِهِ.
(10) (قُلْتُ): تَوْجِيهُ ابْنِ كَثِيرٍ لِكَسْبِ الْقُلُوبِ يُعَضِّدُ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِي أَنَّ النِّيَّةَ عَمَلٌ.
(11) طَبْعَةُ دَارِ الطَّيِّبَةِ هِيَ أَدَقُّ الطَّبَعَاتِ الْمُتَوَفِّرَةِ لِتَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ حَالِيّاً.
(12) تَمَّ اقْتِبَاسُ مَعَانِي "الْعِلْمِ" وَ"الشَّهَادَةِ" مِنْ سِيَاقِ كَلَامِ الْمُفَسِّرِ بِنَصِّهِ.
(13) (تَنْبِيهٌ): الِاسْتِثْنَاءُ فِي آيَةِ الزُّخْرُفِ "مُنْقَطِعٌ" عِنْدَ بَعْضِ النُّحَاةِ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْعَقَدِيَّ ثَابِتٌ.
(14) (فَائِدَةٌ): "الْكَسْبُ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْ "الْكَسْبِ" عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْعَمَلُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(5)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 2) - [ص 5]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ..» [1]]
- نَصُّ كَلَامِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيّ: يُقَرِّرُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي عِصْمَةِ الدِّمَاءِ، وَأَنَّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَدْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِراً، وَيُجْبَرُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى شَعَائِرِهِ الظَّاهِرَةِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ الْمُقَاتَلَةَ غَيْرُ الْقَتْلِ؛ فَالْمُقَاتَلَةُ تَكُونُ لِتَحْصِيلِ مَقْصُودِ الدِّينِ وَإِظْهَارِ شَعَائِرِهِ، وَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «حَتَّى يَشْهَدُوا» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ التَّوْحِيدُ. وَيَسْتَفِيضُ ابْنُ رَجَبٍ فِي بَيَانِ أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ هِيَ بَرَاهِينُ الِاعْتِقَادِ، فَلَا تُعْصَمُ الدِّمَاءُ عِصْمَةً كَامِلَةً إِلَّا بِالْقِيَامِ بِحَقِّ هَذِهِ الشَّهَادَةِ فِعْلاً وَتَرْكاً. وَأَكَّدَ أَنَّ رَبْطَ الْعِصْمَةِ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِيهِ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ جُزْءٌ مِنَ الْمُسَمَّى الَّذِي تُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ، وَمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مَثَلاً فَقَدْ أَبَاحَ دَمَهُ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ فَهْمُ الصَّحَابَةِ كَأَبِي بَكْرٍ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ. [2]
- نَصُّ كَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ : يُبَيِّنُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ- أَنَّ الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةٌ بِالظَّوَاهِرِ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نُنَقِّبَ عَمَّا فِي الْقُلُوبِ بَعْدَ النُّطْقِ وَالْعَمَلِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ «حَتَّى يَشْهَدُوا» لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الِانْقِيَادِ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّلَفُّظِ دُونَ فِعْلِ الْمَأْمُورِ. وَيَشْرَحُ الشَّيْخُ مَعْنَى «بِحَقِّ الْإِسْلَامِ» بِأَنَّهُ يَعُمُّ كُلَّ مَا أَوْجَبَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَيْدٌ ثَقِيلٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَسْتَوْجِبُ الِالْتِزَامَ بِالْأَرْكَانِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ الصَّلَاةِ ثُمَّ الزَّكَاةِ هُوَ تَرْتِيبٌ لِلْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ فِي دَعَائِمِ الْإِيمَانِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ قُوتِلَ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ الصَّدِيقُ، لِأَنَّهَا مِنْ تَمَامِ عِصْمَةِ الدَّمِ. وَخَلَصَ الشَّيْخُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَنْفُونَ تَأْثِيرَ الْعَمَلِ فِي مَنَاطَاتِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلِ الْعَمَلُ ظَاهِرٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَقِيقَةِ التَّدَيُّنِ. [3]
[ثَانِيّاً: شَرْحُ الْحَدِيثِ الثَّانِي: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً..» [4]]
- نَصُّ كَلَامِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ : يَذْكُرُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَشُعَبٌ، وَأَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَقَعُ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ. فَقَوْلُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُوَ أَصْلُ الشَّجَرَةِ الَّذِي لَا تَقُومُ إِلَّا بِهِ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى هُوَ مِنْ تَمَامِ الْفُرُوعِ الَّتِي يَقْوَى بِهَا الْإِيمَانُ وَيَكْمُلُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الْخِصَالِ شُعَباً فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ قَوْلٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ عَمَلٌ وَمِنْهُ مَا هُوَ خُلُقٌ كَالْحَيَاءِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ عِنْدَ تَرْكِ بَعْضِ الشُّعَبِ قَدْ يَكُونُ نَفْياً لِلْكَمَالِ الْوَاجِبِ، وَقَدْ يَكُونُ نَفْياً لِلْأَصْلِ بِحَسَبِ مَنْزِلَةِ الشُّعْبَةِ. وَيَسْتَنْبِطُ مِنْ ذِكْرِ "الْحَيَاءِ" أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ هِيَ الدَّافِعُ لِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فَمَنْ رَسَخَ الْحَيَاءُ فِي قَلْبِهِ انْبَعَثَتْ جَوَارِحُهُ فِي الشُّعَبِ الْأُخْرَى، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ بَيْنَ الْمُتَكَلِّمِينَ. [5]
- نَصُّ كَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: أَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، لِأَنَّ الشُّعَبَ إِذَا كَثُرَتْ زَادَ الْإِيمَانُ، وَإِذَا نَقَصَتْ نَقَصَ. وَيُقَسِّمُ الشُّعَبَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قَوْلِيَّةٌ كَالذِّكْرِ، وَفِعْلِيَّةٌ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى، وَقَلْبِيَّةٌ كَالْحَيَاءِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ حِكْمَةَ التَّفَاوُتِ بَيْنَ "أَعْلَاهَا" وَ"أَدْنَاهَا" لِتَنْبِيهِ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَنَّ الدِّينَ مَرَاتِبُ، فَلَا يَنْبَغِي الِانْشِغَالُ بِالْفَرْعِ عَنِ الْأَصْلِ، وَلَا إِهْمَالُ الْفَرْعِ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الْكَمَالِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْحَيَاءَ شُعْبَةٌ مُمَيَّزَةٌ لِأَنَّهَا تَكُفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاةِ الْقَلْبِ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا أُطْلِقَ دَخَلَتْ فِيهِ جَمِيعُ هَذِهِ الشُّعَبِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ هُوَ مَنْ سَعَى فِي اسْتِكْمَالِ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ. وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ (إِمَاطَةُ الْأَذَى) سَمَّاهُ الرَّسُولُ ﷺ إِيمَاناً، وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْحَقِّ. [6]
[ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ الْأُصُولِيُّ]
قُلْتُ: إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ تَقْرِيرَاتِ ابْنِ رَجَبٍ الْأَثَرِيَّةِ وَتَوْضِيحَاتِ ابْنِ عُثَيْمِينَ الْعَصْرِيَّةِ يَرْسُمُ لَنَا خَارِطَةً عَقَدِيَّةً لَا لَبْسَ فِيهَا؛ وَهِيَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا بِهَذَا الْمِعْمَارِ الثُّلَاثِيِّ (مَعْرِفَةٌ، نُطْقٌ، عَمَلٌ). فَقَدْ جَعَلْتُ فِي شَرْحِي هَذَا حَدِيثَ عِصْمَةِ الدَّمِ كَالْمِيزَانِ لِلْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، وَحَدِيثَ الشُّعَبِ كَالْمِيزَانِ لِلْحَقَائِقِ الْبَاطِنَةِ وَكَمَالِهَا. وَالتَّأْصِيلُ الَّذِي أَرَاهُ هُوَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ عَمَلَ الْجَوَارِحِ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ نَقَضَ حَدِيثَ "أُمِرْتُ" لِأَنَّهُ مَنَعَ حَقَّ الْإِسْلَامِ، وَنَقَضَ حَدِيثَ "الشُّعَبِ" لِأَنَّهُ عَطَّلَ فُرُوعَ الشَّجَرَةِ حَتَّى مَاتَ أَصْلُهَا. إِنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ الَّذِي أُؤَصِّلُ لَهُ هُنَا هُوَ مَنْهَجٌ وِقَائِيٌّ يَمْنَعُ مِنَ التَّحَلُّلِ الْأَخْلَاقِيِّ بِاسْمِ "الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ فَقَطْ"، وَيَمْنَعُ مِنَ التَّطَرُّفِ بِإِخْرَاجِ النَّاسِ مِنَ الْمِلَّةِ بِكُلِّ مَعْصِيَةٍ، بَلْ هُوَ دَرَجَاتٌ وَشُعَبٌ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الشَّرْحُ الْمُسْتَفِيضُ قَدْ حَقَّقَ مَقْصُودَ الشَّيْخِ رِيحَان فِي جَعْلِ الدَّلِيلِ خَادِماً لِلْعُنْوَانِ، وَالْعُنْوَانُ بَيَاناً لِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (25)، وَمُسْلِمٌ (22).
(2) يُنْظَرُ: "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ط (1)، ص (212-218).
(3) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ"، لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ الثُّرَيَّا، ط (2)، ص (125-130).
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (9)، وَمُسْلِمٌ (35).
(5) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْقَوِيِّ الْمَتِينِ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ"، لِابْنِ رَجَبٍ (ضِمْنَ مَجْمُوعِ رَسَائِلِهِ)، ج (3)، ص (45).
(6) يُنْظَرُ: "شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، الْمَكْتَبَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، ج (1)، ص (142).
(7) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْعَمَلُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ لَا مِنْ لَوَازِمِهِ الْخَارِجَةِ عَنْهُ".
(8) فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الْحَدُّ الظَّاهِرُ لِلْإِسْلَامِ هُوَ الشَّهَادَتَانِ، وَشَرْطُ بَقَائِهِ الصَّلَاةُ".
(9) (قُلْتُ): خَصَّ الْحَيَاءَ بِالذِّكْرِ فِي حَدِيثِ الشُّعَبِ لِأَنَّهُ "شُعْبَةُ الْقَلْبِ" الَّتِي تَقُودُ لِعَمَلِ الْجَوَارِحِ.
(10) (تَنْبِيهٌ): الْمُقَاتَلَةُ فِي الْحَدِيثِ مَنُوطَةٌ بِالْإِمَامِ وَلَيْسَتْ لِآحَادِ النَّاسِ، وَهَذَا ضَابِطٌ فِقهِيٌّ هَامٌّ.
(11) اسْتُفِيدَ مِنْ "شَرْحِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ فِي مَبَاحِثِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
(12) تَمَّ تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ رَجَبٍ مِنْ طَبْعَةِ الرِّسَالَةِ لِجَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ.
(13) (فَائِدَةٌ): الشُّعَبُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بَسِيطاً بَلْ مُرَكَّباً.
(14) (قُلْتُ): رَبْطُ عِصْمَةِ الدَّمِ بِالزَّكَاةِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ هَذَا الرُّكْنِ الْعَمَلِيِّ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(6)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 3) - [ص 6]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ] قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-:
ثَانِيّاً: (إِنَّ الْإِسْلَامَ غَيْرُ الْإِيمَانِ إِذَا اجْتَمَعَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي السِّيَاقِ دَخَلَ الْإِيمَانُ فِي الْإِسْلَامِ).
الدَّلِيلُ:
1- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا} [الْحُجُرَات: 14]. [1]
2- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [الذَّارِيَات: 35-36]. [2]
3- عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ قَالَ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ..»، وَقَالَ فِي الإِيمَانِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]. [3]
4- حَدِيثُ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ]. [4]
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»««««««««««««««««««
[ثَانِيّاً: دِرَاسَةُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
(1) الْإِسْلَامُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (سَلِمَ)، وَأَسْلَمَ أَيْ اسْتَسْلَمَ وَخَضَعَ. الْحَدُّ: الِانْقِيَادُ لِلْأَوَامِرِ الظَّاهِرَةِ. الشَّرْعِيُّ: الِاسْتِسْلَامُ لِلهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ.
(2) الْإِيمَانُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (أَمِنَ)، وَهُوَ ضِدُّ الْخَوْفِ، وَهَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ. الْحَدُّ: التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ. الشَّرْعِيُّ: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
(3) الْأَعْرَابُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (عَرَبَ)، وَهُمْ سُكَّانُ الْبَادِيَةِ. الْحَدُّ: مَنْ نَزَلَ الْبَادِيَةَ وَلَمْ يَسْتَوْطِنِ الْقُرَى. الشَّرْعِيُّ: طَائِفَةٌ مِنَ الْبَدْوِ دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرْتَقُوا لِكَمَالِ الْإِيمَانِ.
(4) السِّياقُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (سَاقَ) يَسُوقُ سِيَاقاً. الْحَدُّ: تَتَابُعُ الْكَلَامِ وَارْتِبَاطُهُ. الشَّرْعِيُّ: مَجْرَى النَّصِّ الَّذِي يُعَيِّنُ الْمُرَادَ مِنَ اللَّفْظِ.
(5) الْقَدَرُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (قَدَرَ) أَيْ أَحَاطَ بِمِقْدَارِ الشَّيْءِ. الْحَدُّ: التَّقْدِيرُ وَالْحُكْمُ. الشَّرْعِيُّ: عِلْمُ اللهِ بِالْأَشْيَاءِ وَكِتَابَتُهُ لَهَا قَبْلَ كَوْنِهَا.
(6) الْوَفْدُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (وَفَدَ) أَيْ قَدِمَ. الْحَدُّ: الْجَمَاعَةُ تَقْدَمُ لِرِسَالَةٍ أَوْ طَلَبٍ. الشَّرْعِيُّ: الْقَادِمُونَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِطَلَبِ الْعِلْمِ.
(7) الْمَغْنَمُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (غَنِمَ) أَيْ رَبِحَ وَظَفِرَ. الْحَدُّ: الْفَوْزُ بِالشَّيْءِ. الشَّرْعِيُّ: مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ.
(8) الْخُمُسُ: الِاشْتِقَاقُ: جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ. الْحَدُّ: الْمِقْدَارُ الْمَعْلُومُ. الشَّرْعِيُّ: جُزْءٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ يُصْرَفُ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
(9) الْمَلَائِكَةُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (الْأَلُوكَةِ) وَهِيَ الرِّسَالَةُ. الْحَدُّ: كَائِنَاتٌ غَيْبِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ. الشَّرْعِيُّ: عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ.
(10) الصِّيَامُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الصَّمْتِ) وَالْإِمْسَاكِ. الْحَدُّ: الْكَفُّ عَنِ الشَّيْءِ. الشَّرْعِيُّ: التَّعَبُّدُ لِلهِ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ.
[ثَالِثاً: الِاسْتِخْرَاجَاتُ الْمَنْهَجِيَّةُ]
- قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: (الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا)؛ وَهِيَ أَصْلٌ فِي بَيَانِ التَّلَازُمِ وَالتَّبَايُنِ.
- قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: (الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ تُحْمَلُ عَلَى مَعَانِيهَا حَسَبَ السِّياقِ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ).
- ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ: (كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِناً)؛ مِمَّا يُفِيدُ تَرَاتُبِيَّةَ الْمَقَامَاتِ الدِّينِيَّةِ.
[رَابِعاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الشَّيْخُ رِيحَان هُوَ مَحْضُ التَّحْقِيقِ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ. فَالْإِيمَانُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَشْمَلُ شَعَائِرَ الْإِسْلَامِ، وَالْإِسْلَامُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَتَضَمَّنُ أَصْلَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا صِحَّةَ لِعَمَلٍ ظَاهِرٍ بِدُونِ نِيَّةٍ بَاطِنَةٍ. أَمَّا فِي حَالِ الِاقْتِرَانِ كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ، فَيَكُونُ التَّمَايُزُ بَيْنَهُمَا لِأَغْرَاضِ التَّعْلِيمِ وَالتَّرَاتُبِ، فَيُصْرَفُ الْإِسْلَامُ لِلْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْإِيمَانُ لِلِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ. وَهَذَا يُلْجِمُ طَوَائِفَ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ، فَلَا يُنْفَى عَنِ الْعَبْدِ الِانْتِسَابُ لِلْمِلَّةِ لِمُجَرَّدِ نَقْصِ مَقَامِ الْإِحْسَانِ أَوْ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ مَا دَامَ مُقِيماً لِلْأَرْكَانِ. إِنَّ حَدِيثَ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ جَاءَ كَالْبُرْهَانِ الصَّرِيحِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ تُسَمَّى إِيمَاناً إِذَا ذُكِرَتْ مُفْرَدَةً، مِمَّا يَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُبْطِلٍ يَفْصِلُ الْعَمَلَ عَنْ مُسَمَّى الدِّينِ. فَالْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ بِنَاءٌ وَاحِدٌ يَقْوَى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»›»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، آيَةُ (14). يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، دَارُ هَجْرٍ، ج (22)، ص (302). [5]
(2) سُورَةُ الذَّارِيَاتِ، آيَةُ (35-36). يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ"، دَارُ الطَّيِّبَةِ، ج (7)، ص (415). [6]
(3) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (50)، وَمُسْلِمٌ (8). وَيُنْظَرُ: "شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ"، ج (1)، ص (150). [7]
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (53)، وَمُسْلِمٌ (17). وَيُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي"، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج (1)، ص (131). [8]
(5) "تَفْسِيرُ السَّمْعَانِيِّ"، دَارُ الْوَطَنِ، ط (1)، ج (5)، ص (217)، فِي مَعْنَى آيَةِ الْحُجُرَاتِ.
(6) "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ"، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، ج (17)، ص (49).
(7) "مَعَالِمُ السُّنَنِ"، لِلْخَطَّابِيِّ، الْمَطْبَعَةُ الْعِلْمِيَّةُ، ط (1)، ج (4)، ص (305).
(8) "عُمْدَةُ الْقَارِي"، لِلْعَيْنِيِّ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج (2)، ص (10).
(9) قَاعِدَةٌ: "كُلُّ عَمَلٍ صَالِحٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكُلُّ إِيمَانٍ فَهُوَ يَسْتَلْزِمُ الْإِسْلَامَ".
(10) (قُلْتُ): قَدَّمَ الشَّيْخُ آيَةَ الْحُجُرَاتِ لِأَنَّهَا أَصْلٌ فِي فُرُوقِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ.
(11) (فَائِدَةٌ): آيَةُ الذَّارِيَاتِ تَدُلُّ عَلَى اتِّحَادِ الْمُسَمَّى فِي حَقِّ قَوْمِ لُوطٍ لِارْتِبَاطِهِمَا.
(12) تَمَّ تَخْرِيجُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ مِنْ "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" بِرِوَايَةِ عُمَرَ لِأَنَّهَا الْأَكْمَلُ سِيَاقاً.
(13) (قُلْتُ): حَدِيثُ عَبْدِ قَيْسٍ يُبَيِّنُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَالْخُمُسَ دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
(14)ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج (1)، ص (85).
(15) الطَّبْعَةُ الْمُعْتَمَدَةُ لِلْبُخَارِيِّ هِيَ طَبْعَةُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ الْمُصَوَّرَةِ عَنِ السُّلْطَانِيَّةِ.
(16) (قُلْتُ): الِاسْتِشْهَادُ بِتَعْرِيفِ جِبْرِيلَ هُوَ حُجَّةُ الْفَصْلِ فِي مَرَاتِبِ الدِّينِ.
(17) (تَنْبِيهٌ): خَمْسُ الْمَغْنَمِ جُزْءٌ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمَالِيَّةِ الَّتِي حُمِلَتْ عَلَى الْإِيمَانِ.
(18) ص (6) تَمَّ فِيهَا اسْتِيعَابُ مَبَاحِثِ الِاقْتِرَانِ وَالِافْتِرَاقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ.
(19) (قُلْتُ): الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ يُسَاعِدُ فِي فَهْمِ مَرَامِي الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ بِدِقَّةٍ.
(20) "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص (142).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(7)
[أَوَّلاً: أَهَمِّيَّةُ وَحِكْمَةُ وَمَقْصُودُ الشَّيْخِ فِي إِيرَادِ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ]
1. الِاسْتِشْهَادُ بِآيَةِ الْحُجُرَاتِ:
- قُلْتُ: إِنَّ حِكْمَةَ الشَّيْخِ رِيحَان فِي اِبْتِدَاءِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الآيَةِ هِيَ وَضْعُ "الْفَارِقِ الشَّرْعِيِّ" بَيْنَ مَقَامِ الِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ (الْإِسْلَامِ) وَمَقَامِ التَّحْقِيقِ الْبَاطِنِ (الْإِيمَانِ). فَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ بَيَانُ أَنَّ الدِّينَ مَرَاتِبُ، وَأَنَّ نَفْيَ اسْمِ الْإِيمَانِ عَنِ الْأَعْرَابِ لَيْسَ تَكْفِيرًا، بَلْ هُوَ تَوْصِيفٌ لِحَالَةِ "بِدَايَةِ الدُّخُولِ" الَّتِي لَمْ تُخَالِطْ فِيهَا بَشَاشَةُ الْإِيمَانِ الْقُلُوبَ، وَهَذَا تَوْجِيهٌ نَفِيسٌ لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِيَفْهَمَ سَعَةَ هَذَا الدِّينِ وَتَدَرُّجَ أَهْلِهِ فِيهِ.
2. الِاسْتِشْهَادُ بِآيَةِ الذَّارِيَاتِ:
- قُلْتُ: أَهَمِّيَّةُ هَذَا الِاسْتِشْهَادِ تَكْمُنُ فِي إِثْبَاتِ "حَالَةِ الِاتِّحَادِ"؛ حَيْثُ أَرَادَ الشَّيْخُ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ قَدْ يَتَوَارَدَانِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ عِنْدَ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ الْكَامِلَةِ (آل لُوطٍ)، فَالْمَقْصُودُ هُوَ رَفْعُ التَّعَارُضِ الْمُتَوَهَّمِ، لِيُقَرِّرَ أَنَّ مَنِ اسْتَقَامَ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ صَحَّ إِطْلَاقُ الْوَصْفَيْنِ عَلَيْهِ، وَهَذَا مِنْ دَقِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي يَرْبِطُ بَيْنَ النُّصُوصِ الْمُتَشَابِهَةِ ظَاهِرًا.
3. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ جِبْرِيلَ (مَقَامُ التَّفْصِيلِ):
- قُلْتُ: الْحِكْمَةُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ تَقْدِيمُ "التَّعْرِيفِ الْجَامِعِ الْمَانِعِ" لِكُلِّ مَقَامٍ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ. فَالشَّيْخُ أَرَادَ أَنْ يَنْقُلَ الْبَاحِثَ مِنْ مَرْحَلَةِ التَّنْظِيرِ إِلَى مَرْحَلَةِ "التَّطْبِيقِ النَّبَوِيِّ"، حَيْثُ فُصِلَتِ الْأَعْمَالُ الْبَدَنِيَّةُ عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ لِغَرَضِ التَّعْلِيمِ وَتَبْيِينِ أَرْكَانِ كُلِّ دَائِرَةٍ، وَهَذَا هُوَ الْعُمْدَةُ فِي بَابِهِ.
4. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ:
- قُلْتُ: الْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ بَيَانُ "حَالَةِ الِافْتِرَاقِ"؛ حَيْثُ سُمِّيَتِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ (صَلَاة، زَكَاة، صَوْم، خُمُس) إِيمَانًا. وَحِكْمَةُ الشَّيْخِ فِي هَذَا الِاسْتِشْهَادِ هِيَ الرَّدُّ الدَّامِغُ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْعَمَلَ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، فَبَيَّنَ بِهَذَا النَّصِّ أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ ضِمْنًا وَأَصَالَةً.
[ثَانِيًا: خُلَاصَةُ التَّأْصِيلِ الْعَقَدِيِّ حَوْلَ اسْتِشْهَادَاتِ الشَّيْخِ ]
قُلْتُ: إِنَّ الْمَنْهَجِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِيَّةَ الَّتِي سَارَ عَلَيْهَا الشَّيْخُ مُحَمَّد بْن عَلِيّ رِيحَان فِي هَذِهِ الْفَقْرَةِ تُعَدُّ نَمُوذَجًا فَرِيدًا فِي تَقْرِيرِ "عَقِيدَةِ أَهْلِ الْأَثَرِ". فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِيُؤَصِّلَ لِقَاعِدَةِ (الِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ)، وَهِيَ قَاعِدَةٌ تَحْمِي الْبَاحِثَ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَتَاهَاتِ التَّكْفِيرِ أَوِ التَّمْيِيعِ. فَالْإِسْلَامُ عِنْدَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ، بَلْ هُوَ عَمَلٌ وَانْقِيَادٌ، وَالْإِيمَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ، بَلْ هُوَ يَقِينٌ وَتَصْدِيقٌ يَتْبَعُهُ فِعْلٌ. وَأُؤَصِّلُ هُنَا أَنَّ اِرْتِبَاطَ هَذِهِ النُّصُوصِ بِبَعْضِهَا يُفِيدُ أَنَّ "الْإِيمَانَ" هُوَ اللُّبُّ وَ"الْإِسْلَامَ" هُوَ الْقِشْرُ الْحَامِي، وَلَا قِيَامَ لِأَحَدِهِمَا بِمَعْزِلٍ عَنِ الْآخَرِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ.
إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَجْعَلُ نَظْرَةَ الْبَاحِثِ لِلنُّصُوصِ نَظْرَةً شُمُولِيَّةً، فَلَا يَضْرِبُ الْأَمْثَالَ لِلْقُرْآنِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، بَلْ يَحْمِلُ الْمُجْمَلَ عَلَى الْمُبَيَّنِ.
فَمَنْ نَظَرَ فِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ وَحْدَهَا قَدْ يَظُنُّ التَّبَايُنَ الدَّائِمَ، وَمَنْ نَظَرَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ قَيْسٍ وَحْدَهُ قَدْ يَظُنُّ التَّرَادُفَ التَّامَّ، لَكِنَّ بَرَاعَةَ الشَّيْخِ فِي حَشْدِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مُجْتَمِعَةً أَوْرَثَتْنَا فَهْمًا سَلِيمًا يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالسِّياقِ وَالْمَقَامِ.
وَبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ تَقْصِيرٍ فِي شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ هُوَ نَقْصٌ فِي وَاجِبَاتِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ كُلَّ فَسَادٍ فِي الِاعْتِقَادِ هُوَ هَدْمٌ لِأَصْلِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّوَازُنِ الَّذِي تَقُومُ عَلَيْهِ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ الْمُبَارَكَةُ، لِيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، قَوْلًا وَعَمَلًا.
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 3) - [ص 8]
[أَوَّلاً: تَفَاسِيرُ الْآيَاتِ (ابْنِ كَثِيرٍ، الْبَغَوِيُّ، السَّعْدِيُّ)]
1. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ :
يُقَرِّرُ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا} أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مِنَ الْبَادِيَةِ دَخَلُوا فِي الدِّينِ حَدِيثاً، فَادَّعَوْا لِأَنْفُسِهِمْ مَقَامَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، فَأَدَّبَهُمُ اللهُ بِأَنْ يَقُولُوا "أَسْلَمْنَا" لِأَنَّ الْإِيمَانَ لَمَّا يَرْسَخْ فِي قُلُوبِهِمْ بَعْدُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ أَخَصُّ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ. أَمَّا فِي آيَةِ الذَّارِيَاتِ، فَيَذْكُرُ أَنَّ اللهَ سَمَّى لُوطاً وَأَهْلَهُ مُؤْمِنِينَ وَمُسْلِمِينَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حَقّاً كَذَلِكَ ظَاهِراً وَبَاطِراً.
وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ نَفْيَ الْإِيمَانِ عَنِ الْأَعْرَابِ لَيْسَ نَفْياً لِأَصْلِهِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ نَفْيٌ لِلْكَمَالِ الْوَاجِبِ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهِ خُلَّصُ الْمُؤْمِنِينَ، فَالْإِسْلَامُ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ الظَّاهِرُ بِاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الْبَاطِنُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغُوا ذِرْوَتَهُ. [1]
2. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ :
يُوضِّحُ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي "مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ" أَنَّ الْإِسْلَامَ فِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ يُرَادُ بِهِ الدُّخُولُ فِي السِّلْمِ وَالْخُرُوجُ مِنْ عِدَادِ الْمُحَارِبِينَ بِإِظْهَارِ الشَّهَادَتَيْنِ، بَيْنَمَا الْإِيمَانُ هُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَعْرَابَ خَلَطُوا بَيْنَ الْمَفْهُومَيْنِ، فَجَاءَ التَّصْحِيحُ الرَّبَّانِيُّ لِيَضَعَ كُلَّ لَفْظٍ فِي مَوْضِعِهِ. وَفِي آيَةِ الذَّارِيَاتِ، يَرَى الْبَغَوِيُّ أَنَّ وَصْفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ جَمَعُوا بَيْنَ الِانْقِيَادِ الظَّاهِرِ وَالتَّصْدِيقِ الْخَالِصِ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُنَافِقٌ. وَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ ضَرُورَةً، لِأَنَّ مَنْ صَدَّقَ قَلْبُهُ فَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقَادَ جَوَارِحُهُ، وَلَكِنَّ الْعَكْسَ لَيْسَ لَازِماً، فَقَدْ يُسْلِمُ الْمَرْءُ خَوْفاً أَوِ اضْطِرَاراً دُونَ رُسُوخِ الْيَقِينِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُؤَصِّلُ لِفِكْرَةِ الِاعْتِبَارِ بِالظَّوَاهِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، مَعَ تَرْكِ السَّرَائِرِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ سُبْحَانَهُ. [2]
3. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيّ:
يَسْلُكُ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ مَنْهَجاً تَرْبَوِيّاً عَقَدِيّاً، فَيُقَرِّرُ أَنَّ قَوْلَ الْأَعْرَابِ "آمَنَّا" فِيهِ نَوْعٌ مِنَ التَّزْكِيَةِ لِلنَّفْسِ بِمَا لَيْسَ فِيهَا، فَأُمِرُوا بِقَوْلِ "أَسْلَمْنَا" لِيُقِرُّوا بِالْقَدْرِ الَّذِي وَصَلُوا إِلَيْهِ. وَيُبَيِّنُ السَّعْدِيُّ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا ذُكِرَ مَعَ الْإِسْلَامِ انْصَرَفَ إِلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ مِنْ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ، وَانْصَرَفَ الْإِسْلَامُ إِلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ. وَفِي سُورَةِ الذَّارِيَاتِ، يُلْمِحُ إِلَى لَطِيفَةٍ، وَهِيَ أَنَّ "الْبَيْتَ" وُصِفَ بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَنْ فِيهِ ظَاهِراً، وَ"الْمُؤْمِنِينَ" وُصِفُوا بِالْإِيمَانِ لِأَنَّ النَّجَاةَ مَنُوطَةٌ بِحَقِيقَةِ الْيَقِينِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا يَعْنِي انْفِكَاكَ الْعُرَى، بَلْ هُوَ تَوْضِيحٌ لِلْمَرَاتِبِ الدِّينِيَّةِ لِيَجْتَهِدَ الْعَبْدُ فِي الِارْتِقَاءِ مِنْ مَقَامِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ إِلَى ذُرْوَةِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنِ، حَتَّى يَتَطَابَقَ ظَاهِرُهُ مَعَ بَاطِنِهِ فَيَكُونَ مُؤْمِناً حَقّاً. [3]
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ التَّفَاسِيرِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْخُلَاصَةَ الْعَقَدِيَّةَ الَّتِي نَسْتَقِيهَا مِنْ جَمْعِ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الثَّلَاثَةِ هِيَ أَنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ اسْتَعْمَلَ لَفْظَيِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ لِتَرْسِيخِ مَفْهُومِ "التَّدَرُّجِ فِي الْقُرْبِ".
فَالِارْتِبَاطُ بَيْنَ الْآيَاتِ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يُنْفَى عَمَّنْ قَصَّرَ فِي وَاجِبَاتِهِ الْبَاطِنَةِ مَعَ بَقَائِهِ فِي دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ الَّتِي تَنْقُصُ الْإِيمَانَ وَلَا تَهْدِمُ الْإِسْلَامَ.
وَأُؤَصِّلُ هُنَا أَيْضاً لِفَائِدَةٍ جَلِيلَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ "السِّياقَ" هُوَ الْحَاكِمُ عَلَى الْمَعْنَى، فَفِي آيَةِ الْحُجُرَاتِ جَاءَ التَّبَايُنُ لِبَيَانِ حَقِيقَةِ مَنْ لَمْ يَرْسَخْ يَقِينُهُ، وَفِي آيَةِ الذَّارِيَاتِ جَاءَ الِاتِّحَادُ لِبَيَانِ كَمَالِ مَنْ نَجَاهُمُ اللهُ.
قلت :أَنَّ سَلَامَةَ الِاعْتِقَادِ تَقُومُ عَلَى فَهْمِ هَذَا التَّلَازُمِ؛ فَلَا إِسْلَامَ صَحِيحٌ بِلَا أَصْلِ إِيمَانٍ، وَلَا إِيمَانَ كَامِلٌ بِلَا شَعَائِرِ إِسْلَامٍ.
وَهَذَا مَا قَصَدَهُ الشَّيْخُ رِيحَان فِي تَقْعِيدِهِ، حَيْثُ حَمَى حِمَى الدِّينِ مِنْ تَمْيِيعِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ فصَلُوا الْعَمَلَ، وَمِنْ غُلُوِّ الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا النَّاسَ إِمَّا مُؤْمِناً كَامِلاً أَوْ كَافِراً.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ الطَّيِّبَةِ، ط (2)، ج (7)، ص (386).
(2) يُنْظَرُ: "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، لِلْبَغَوِيِّ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج (4)، ص (220).
(3) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، لِلسَّعْدِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص (801).
(4) (قُلْتُ): قَدَّمْتُ ابْنَ كَثِيرٍ لِأَنَّهُ عُمْدَةُ التَّفْسِيرِ بِالْمَأْثُورِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
(5) (قُلْتُ): الْبَغَوِيُّ يَمْتَازُ بِذِكْرِ مَذَاهِبِ السَّلَفِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ.
(6) (قُلْتُ): السَّعْدِيُّ يُقَرِّبُ الْمَعَانِي الْعَقَدِيَّةَ بِأُسْلُوبٍ عَصْرِيٍّ يَنَاسِبُ طَلَبَةَ الْعِلْمِ.
(7) فَائِدَةٌ: "إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا" تَعْنِي أَنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ مَعْنًى خَاصّاً عِنْدَ ذِكْرِهِمَا مَعاً.
(8) "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، دَارُ هَجْرٍ، ج (22)، ص (304)، فِي مَعْنَى قَوْلِهِ (أَسْلَمْنَا).
(9) (قُلْتُ): آيَةُ الذَّارِيَاتِ تُسَمَّى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ "آيَةُ التَّرَادُفِ فِي مَقَامِ الْمَدْحِ".
(10) (قُلْتُ): آيَةُ الْحُجُرَاتِ تُسَمَّى "آيَةُ التَّبَايُنِ فِي مَقَامِ التَّأْدِيبِ".
(11) اسْمُ الْكَاتِبِ: السَّمْعَانِيُّ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ"، دَارُ الْوَطَنِ، ج (5)، ص (218).
(12) (تَنْبِيهٌ): بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ جَعَلَ الْأَعْرَابَ مُنَافِقِينَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ جُهَّالٌ.
(13) طَبْعَةُ دَارِ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ لِلْبَغَوِيِّ تَمْتَازُ بِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهَا.
(14) (قُلْتُ): جَمَعَ الشَّيْخُ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ لِيُعْطِيَ صُورَةً شَامِلَةً عَنْ حَالَاتِ اللفظَيْنِ.
(15) "الْبَحْرُ الْمُحِيطُ"، لِأَبِي حَيَّانَ، دَارُ الْفِكْرِ، ج (9)، ص (520).
(16) (فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ): نَفْيُ الشَّيْءِ قَدْ يَتَوَجَّهُ إِلَى نَفْيِ كَمَالِهِ لَا نَفْيِ ذَاتِهِ.
(17) (قُلْتُ): نُقُولُ ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ تَدْعَمُ هَذَا التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ.
(18) ص (7) تَمَّ فِيهَا بَسْطُ الدَّقَائِقِ التَّفْسِيرِيَّةِ لِتَكُونَ مَرْجِعاً لِلْبَاحِثِ.
(19) (قُلْتُ): اسْتِخْدَامُ "قُلْتُ" فِي التَّأْصِيلِ لِتَمْيِيزِ جُهْدِ الْبَاحِثِ عَنْ نُصُوصِ الْأَئِمَّةِ.
(20) جَمِيعُ التَّفَاسِيرِ الْوَارِدَةِ تَتَّفِقُ عَلَى مَنْعِ غُلُوِّ الْخَوَارِجِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(8)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 3) - [ص 9]
[أَوَّلاً: شَرْحُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ]
نَصُّ الْحَدِيثِ: عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «..قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطعتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ.. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ..» [1].
شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ :
يُقَرِّرُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ أُمُّ السُّنَّةِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ مَرَاتِبِ الدِّينِ كُلِّهَا [2]. وَيُبَيِّنُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ، جَعَلَ الْإِسْلَامَ لِلْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْإِيمَانَ لِاعْتِقَادَاتِ الْقَلْبِ الْبَاطِنَةِ [3]. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا التَّفْرِيقَ لَا يَعْنِي انْفِكَاكَ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ فِي صِحَّةِ الدِّينِ، بَلْ هُوَ تَمْيِيزٌ لِمُسَمَّى كُلِّ لَفْظٍ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ لِغَرَضِ التَّعْلِيمِ. وَأَكَّدَ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الِانْقِيَادُ الَّذِي تُعْصَمُ بِهِ الدِّمَاءُ فِي الدُّنْيَا، بَيْنَمَا الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْوَعْدُ بِالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ [4]. وَاسْتَفَاضَ فِي بَيَانِ أَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ حَتْمًا، لِأَنَّ تَصْدِيقَ الْقَلْبِ يَلْزَمُ مِنْهُ طَاعَةُ الْجَوَارِحِ، لَكِنْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ يُوصَفُ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْلِمًا وَمَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ فَقَطْ [5].
شَرْحُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :يُوَضِّحُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الْحَدِيثَ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ "إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا"؛ فَالْإِسْلَامُ هُوَ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ، وَالْإِيمَانُ هُوَ أَعْمَالُ الْقُلُوبِ [6].
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَرْتِيبَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَرْكَانِ يَدُلُّ عَلَى تَرَاتُبِ أَهَمِّيَّتِهَا، فَبَدَأَ بِالشَّهَادَتَيْنِ كَأَصْلٍ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ كَعَمُودٍ لِلدِّينِ [7]. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى عِظَمِ هَذَا الرُّكْنِ الَّذِي ضَلَّتْ فِيهِ طَوَائِفُ كَثِيرَةٌ. وَيُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ أَصْلُ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُنَافِقٌ نِفَاقًا أَكْبَرَ [8].
وَمَنْ أَتَى بِالْإِيمَانِ دُونَ الْإِسْلَامِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا مُسْلِمٍ عِنْدَ اللهِ. وَبِهَذَا يَكُونُ الْحَدِيثُ جَامِعًا لِأُصُولِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَأُصُولِ الِاعْتِقَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ، وَهُوَ الْمِيزَانُ الدَّقِيقُ لِتَدَيُّنِ الْعَبْدِ [9].
[ثَانِيًا: شَرْحُ حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ]
نَصُّ الْحَدِيثِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ: «..آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ: الْإِيمَانِ بِاللهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُؤَدُّوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ..» [10].
شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (10 أَسْطُرٍ):
يَسْتَدِلُّ ابْنُ رَجَبٍ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ دَخَلَتْ فِيهِ الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ نَصًّا [11]. فَالْنَّبِيُّ ﷺ فَسَّرَ الْإِيمَانَ هُنَا بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ ذِكْرَ "أَدَاءِ الْخُمُسِ" مَعَ الْأَرْكَانِ لِحَاجَةِ الْوَفْدِ إِلَيْهِ فِي مَقَامِهِمْ [12]. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا النَّصَّ هُوَ الْبُرْهَانُ السَّاطِعُ عَلَى دُخُولِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ أَصْلُهَا فِي الْقَلْبِ وَفُرُوعُهَا هِيَ هَذِهِ الطَّاعَاتُ [13]. فَلَوْلَا هَذِهِ الْفُرُوعُ لَمَا وُجِدَ الْإِيمَانُ الْمُعْتَبَرُ نَفْعًا، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ قَاطِبَةً. وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ طَاعَاتِ الْجَوَارِحِ هِيَ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَتْ أُمُورًا خَارِجَةً عَنْهُ [14].
شَرْحُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (10 أَسْطُرٍ):
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ حَدِيثَ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ هُوَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ الِافْتِرَاقِ؛ فَالْإِيمَانُ هُنَا شَمَلَ الْإِسْلَامَ لِأَنَّهُ ذُكِرَ مُفْرَدًا [15]. وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَعْرِيفَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِيمَانِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ كَانَ لِحَاجَةِ الْوَفْدِ لِتَعَلُّمِ مَا يَعْتَصِمُونَ بِهِ، فَدَلَّهُمْ عَلَى شَعَائِرِهِ [16]. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ سُؤَالَهُ ﷺ «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ» هُوَ لِتَنْبِيهِ الْعُقُولِ لِعِظَمِ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ، لِيَعْلَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ تَقْتَضِي الْعَمَلَ [17]. وَأَكَّدَ الشَّيْخُ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ بِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ. وَيُفِيدُ الشَّرْحُ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا أُطْلِقَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيِ غَالِبًا مَا يُرَادُ بِهِ الدِّينُ كُلُّهُ بِمَا فِيهِ مِنِ انْقِيَادٍ وَتَصْدِيقٍ [18]. وَخَتَمَ الشَّيْخُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ دَامِغَةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ الطَّاعَاتِ تَزِيدُ فِي الْإِيمَانِ لِأَنَّهَا مِنْ مَاهِيَّتِهِ [19].
[ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]:إِنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَحَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ قَيْسٍ هُوَ الَّذِي يَرْسُمُ الرُّؤْيَةَ السَّلَفِيَّةَ الْكَامِلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ [20]؛ حَيْثُ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الدِّينَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ ذَاتُ اعْتِبَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسَبِ السِّياقِ. فَتَأْصِيلِي يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ هُوَ "فَصْلُ تَعْلِيمٍ" لِبَيَانِ أَرْكَانِ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، بَيْنَمَا الْوَصْلُ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ قَيْسٍ هُوَ "وَصْلُ تَعْرِيفٍ" لِبَيَانِ شُمُولِيَّةِ اسْمِ الْإِيمَانِ. فَالْإِيمَانُ إِذَا انْفَرَدَ شَمَلَ الدِّينَ كُلَّهُ، وَإِذَا اقْتَرَنَ بِالْإِسْلَامِ كَانَ اسماً لِلْبَاطِنِ. وَبِذَلِكَ أَجْزِمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مَثَلاً فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ بِمُوجِبِ حَدِيثِ عَبْدِ قَيْسٍ، وَنَقَضَ إِسْلَامَهُ بِمُوجِبِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ. هَذَا التَّأْصِيلُ يَمْنَعُ تَمْيِيعَ الْمُرْجِئَةِ لِلْعَمَلِ، وَيَمْنَعُ غُلُوَّ الْوَعِيدِيَّةِ فِي التَّكْفِيرِ، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْإِيمَانَ شُعَباً وَمَرَاتِبَ. إِنَّ مَا تَقَرَّرَ عِنْدِي هُوَ أَنَّ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بَرِيدُ الْقَلْبِ، وَأَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ هُوَ الْمُحَرِّكُ لِلْجَوَارِحِ، فَلَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا إِسْلَامَ لَهُ، وَلَا إِسْلَامَ صَحِيحٌ بِلَا أَصْلِ إِيمَانٍ رَاسِخٍ [21].
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
(1) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، حَدِيثُ رَقْمِ (8).
(2) يُنْظَرُ: "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ط (1)، ج (1)، ص (82).
(3) يُنْظَرُ: الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (1)، ص (85).
(4) يُنْظَرُ: الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (1)، ص (90)، حَيْثُ نَقَلَ عَنِ الزُّهْرِيِّ هَذَا الْمَعْنَى.
(5) الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (1)، ص (94).
(6) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ الثُّرَيَّا، ط (2)، ص (25).
(7) يُنْظَرُ: "فَتْحُ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ بِشَرْحِ بُلُوغِ الْمَرَامِ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (1)، ص (30).
(8) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص (142).
(9) (قُلْتُ): خَصَّ الْقَدَرَ بِإِعَادَةِ الْفِعْلِ "وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ" لِلتَّأْكِيدِ عَلَى أَهَمِّيَّتِهِ.
(10) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنَ الْإِيمَانِ، حَدِيثُ رَقْمِ (53).
(11) يُنْظَرُ: "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (86).
(12) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي بِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنَ الرَّسَائِلِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (125).
(13) الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (1)، ص (130)، فِي مَبْحَثِ تَبْعِيضِ الْإِيمَانِ.
(14) (قُلْتُ): الِاسْتِدْلَالُ بِأَدَاءِ الْخُمُسِ مَعَ الْأَرْكَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "جِنْسَ الْعَمَلِ" مَقْصُودٌ.
(15) يُنْظَرُ: "شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (1)، ص (145).
(16) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ"، ج (1)، ص (55).
(17) (قُلْتُ): سُؤَالُ التَّشْوِيقِ يُفِيدُ فِي رُسُوخِ الْمَعْلُومَةِ عِنْدَ الْمُتَعَلِّمِ.
(18) (تَنْبِيهٌ): حَدِيثُ عَبْدِ قَيْسٍ يُرَدُّ بِهِ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِقْرَارَ وِجْدَانٌ قَلْبِيٌّ فَقَطْ.
(19) (قُلْتُ): كُلُّ حَاشِيَةٍ هُنَا هِيَ رَابِطٌ أَمِينٌ بَيْنَ التَّأْصِيلِ وَمَصْدَرِهِ الْأَصِيلِ.
(20) "شَرْحُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ"، لِلسَّنْدِيِّ، دَارُ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ، ص (112).
(21) "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ"، لِلتَّمِيمِيِّ، مكتبَةُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، ص (130).
(22) (فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ): "الْعُمُومُ فِي مَقَامِ الْإِطْلَاقِ يُفِيدُ الشُّمُولَ".
(23) تَمَّ اعْتِمَادُ طَبْعَةِ الرِّسَالَةِ لِـ "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ" لِدِقَّةِ تَحْقِيقِهَا.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(9)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4) - [ص 10]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْمَتْنِ الْمُحَقَّقُ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-:
ثَالِثاً: (إِنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ).
الدَّلِيلُ:
1- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمَنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التَّوْبَة: 124]. [1]
2- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الْفَتْح: 4]. [2]
3- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ]. [3]
4- وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: «إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ..» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقاً]. [4]
»»»»»»»»»»»»»»»»»««««««««««««««««««««
[ثَانِيّاً: دِرَاسَةُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
(1) يَزِيدُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (زَيَدَ) أَيْ نَمَا وَكَثُرَ.
الْحَدُّ: مَاوَقَعَ فِيهِ النَّمَاءُ بَعْدَ الْأَصْلِ. الشَّرْعِيُّ: قُوَّةُ التَّصْدِيقِ وَكَثْرَةُ الطَّاعَةِ.
(2) يَنْقُصُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (نَقَصَ) ضِدُّ تَمَّ.
الْحَدُّ: انْخِفَاضُ الشَّيْءِ عَنْ مِقْدَارِهِ. الشَّرْعِيُّ: ضَعْفُ الْيَقِينِ وَفُتُورُ الْعَمَلِ.
(3) سُورَةٌ: الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (السُّورِ) لِارْتِفَاعِهَا.
الْحَدُّ: جُزْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ لَهُ مُبْتَدَأٌ وَمُنْتَهًى. الشَّرْعِيُّ: طَائِفَةٌ مِنْ آيَاتِ اللهِ أُنْزِلَتْ هِدَايَةً.
(4) يَسْتَبْشِرُونَ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (بَشَرَ) تَلَقَّى الْبُشْرَى.
الْحَدُّ: انْبِسَاطُ أَسَارِيرِ الْوَجْهِ. الشَّرْعِيُّ: الْفَرَحُ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْبَيِّنَاتِ.
(5) السَّكِينَةَ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (سَكَنَ) ضِدُّ اضْطَرَبَ.
الْحَدُّ: الطُّمَأْنِينَةُ وَالْوَقَارُ. الشَّرْعِيُّ: نُورٌ يَقْذِفُهُ اللهُ فِي الْقَلْبِ لِتَثْبِيتِهِ.
(6) أَكْمَلُ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (كَمَلَ) أَيْ تَمَّ بَعْدَ نَقْصٍ.
الْحَدُّ: بُلُوغُ الْغَايَةِ فِي الصِّفَةِ. الشَّرْعِيُّ: أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ تَمَاماً.
(7) خُلُقاً: الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْخَلْقِ) وَهِيَ السَّجِيَّةُ.
الْحَدُّ: هَيْئَةٌ فِي النَّفْسِ رَاسِخَةٌ. الشَّرْعِيُّ: الِالْتِزَامُ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ مَعَ الْخَلْقِ.
(8) فَرَائِضَ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (فَرَضَ) أَيْ قَطَعَ وَأَوْجَبَ.
الْحَدُّ: مَا قُدِّرَ مِقْدَارُهُ. الشَّرْعِيُّ: مَا أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ.
(9) شَرَائِعَ: الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (شَرَعَ) أَيْ نَهَجَ الطَّرِيقَ.
الْحَدُّ: مَوَارِدُ الطَّرِيقِ. الشَّرْعِيُّ: الْأَحْكَامُ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ لِعِبَادِهِ.
(10) اسْتَكْمَلَهَا: الِاشْتِقَاقُ: (اسْتَفْعَلَ) لِلطَّلَبِ وَالتَّحْقِيقِ. الْحَدُّ: إِتْمَامُ جَمِيعِ الْأَجْزَاءِ. الشَّرْعِيُّ: الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ.
[ثَالِثاً: الِاسْتِخْرَاجَاتُ وَالتَّأْصِيلُ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: (الْإِيمَانُ يَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا فِي قُلُوبِهِمْ وَمَا تَعْمَلُهُ جَوَارِحُهُمْ).
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: (الزِّيَادَةُ فِي الْإِيمَانِ تَقْتَضِي إِمْكَانَ النُّقْصَانِ؛ لِأَنَّ مَا قَبِلَ الزِّيَادَةَ قَبِلَ النَّقْصَ حُكْماً).
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ: (الْأَخْلَاقُ الْحَسَنَةُ جُزْءٌ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ).
(التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ) قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ كُتْلَةً وَاحِدَةً لَا تَتَجَزَّأُ. وَتَأْصِيلِي هُنَا أَنَّ الشَّيْخَ رِيحَان حَشَدَ أَدِلَّةً "شُمُولِيَّةً"؛ فَبَدَأَ بِالْقُرْآنِ الَّذِي نَصَّ عَلَى لَفْظِ "الزِّيَادَةِ" صَرَاحَةً عِنْدَ سَمَاعِ الْآيَاتِ (زِيَادَةٌ عِلْمِيَّةٌ حَالِيَّةٌ)، وَثَنَّى بِحَدِيثِ الْخُلُقِ لِيُبَيِّنَ (الزِّيَادَةَ الْعَمَلِيَّةَ)، ثُمَّ خَتَمَ بِأَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِيُوَضِّحَ (الزِّيَادَةَ التَّكْلِيفِيَّةَ) بِأَدَاءِ الْفَرَائِضِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جَامِداً، بَلْ هُوَ حَيٌّ يَنْمُو بِالطَّاعَةِ وَيَذْوِي بِالْمَعْصِيَةِ. فَاسْتِكْمَالُ الشَّرَائِعِ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ عَيْنُ التَّحْقِيقِ لِمُسَمَّى الْإِيمَانِ الْكَامِلِ، وَهَذَا يَبُثُّ فِي نَفْسِ الْبَاحِثِ رُوحَ الْمُجَاهَدَةِ لِيَبْلُغَ مَقَامَ "أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ".
[الْحَاشِيَةُ ]»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»
(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، آيَةُ (124). [5]
(2) سُورَةُ الْفَتْحِ، آيَةُ (4). [6]
(3) رَوَاهُ أَحْمَدُ (2/250)، وَأَبُو دَاوُدَ (4682)، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ. [7]
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُعَلَّقاً فِي "كِتَابِ الْإِيمَانِ"، بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ. [8]
(5) تَرْجَمَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وُلِدَ سَنَةَ 61هـ، تُوُفِّيَ 101هـ. لُقِّبَ بِالْخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ الْخَامِسِ. عَقِيدَتُهُ سَلَفِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، قَامِعٌ لِلْبِدَعِ.
(6) تَرْجَمَةُ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: هُوَ الْكِنْدِيُّ، تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَلِيَ إِمْرَةَ الْمَوْصِلِ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
(7) وَصَلَ أَثَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "الْإِيمَانِ" (ص 34)، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (11/14).
(8) (قُلْتُ): عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ جَعَلَ الْإِيمَانَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْأُمُورِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ عَظِيمَةٌ فِي الْقَدَرِ أَيْضاً.
(9) فَائِدَةٌ: السَّكِينَةُ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ كَانَتْ سَبَباً فِي الثَّبَاتِ وَزِيَادَةِ الْيَقِينِ لِلصَّحَابَةِ.
(10) حَدِيثُ «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ» دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ.
(11) (قُلْتُ): قَوْلُهُ "لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ" دَلِيلٌ عَلَى النُّقْصَانِ صَرَاحَةً.
(12) عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الزِّيَادَةِ نَقَلَهَا الْبُخَارِيُّ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ أَلْفِ شَيْخٍ.
(13) (قُلْتُ): الِاسْتِبْشَارُ ثَمَرَةٌ قَلْبِيَّةٌ لِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ.
(14) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّرْمِذِيِّ (1162) بِلَفْظٍ مُشَابِهٍ: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا".
(15) (قُلْتُ): دُخُولُ الْأَخْلَاقِ فِي الْإِيمَانِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَصَرَهُ فِي قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ.
(16) طَبْعَةُ دَارِ السَّلَامِ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِيهَا وَصْلٌ لِلْمُعَلَّقَاتِ فِي الْهَامِشِ.
(17) (قُلْتُ): عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ هُوَ رَاوِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ الَّتِي أَصْبَحَتْ عُمْدَةً فِي بَابِ الْإِيمَانِ.
(18) مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِـ "دَيْرِ سَمْعَانَ" مِنْ أَرْضِ الشَّامِ عَنْ عُمْرِ 40 سَنَةً.
(19) (قُلْتُ): الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِـ "يَزِيدُ" يُعَزِّزُ مَفْهُومَ التَّرَقِّي فِي الْمَقَامَاتِ.
(20) "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (958).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(١٠)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 4) - [ص 11] [أَوَّلاً: أَهَمِّيَّةُ وَحِكْمَةُ وَمَقْصُودُ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ]
1. الِاسْتِشْهَادُ بِآيَةِ التَّوْبَةِ (فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا):
قُلْتُ: إِنَّ حِكْمَةَ الشَّيْخِ رِيحَان فِي اِبْتِدَاءِ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الآيَةِ هِيَ بَيَانُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَمَا أَنَّهُ مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ، فَهُوَ أَيْضاً "مُحَرِّكُ الْإِيمَانِ". فَالْمَقْصُودُ هُنَا هُوَ إِثْبَاتُ الزِّيَادَةِ عَنْ طَرِيقِ "التَّلَقِّي"، فَالْمُؤْمِنُ حِينَ يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ يَتَجَدَّدُ فِي قَلْبِهِ يَقِينٌ لَمْ يَكُنْ مَوْجُوداً مِنْ قَبْلُ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ شَيْءٌ سَاكِنٌ لَا يَتَغَيَّرُ.
2. الِاسْتِشْهَادُ بِآيَةِ الْفَتْحِ (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ):
قُلْتُ: الْحِكْمَةُ هُنَا هِيَ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ "بَعْدَ أَصْلِ الِاسْتِقْرَارِ"؛ فَالصَّحَابَةُ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَمَعَ ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ السَّكِينَةَ لِيَزْدَادُوا. وَالْمَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِهَا هُوَ بَيَانُ فَضْلِ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ بِتَثْبِيتِهِمْ وَرَفْعِ دَرَجَاتِهِمْ، مِمَّا يُفِيدُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَقْبَلُ الْإِضَافَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ، وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَسْأَلَةِ "التَّفَاضُلِ".
3. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ (أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا):
قُلْتُ: أَرَادَ الشَّيْخُ بِهَذَا الِاسْتِشْهَادِ رَبْطَ الْعَقِيدَةِ بِالسُّلُوكِ. فَالْحِكْمَةُ هِيَ إِثْبَاتُ أَنَّ "الْأَخْلَاقَ" لَيْسَتْ أَمْراً تَرْبَوِيّاً هَامِشِيّاً، بَلْ هِيَ مِعْيَارٌ لِكَمَالِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ تَنْبِيهُ الْبَاحِثِ إِلَى أَنَّ نَقْصَ الْخُلُقِ هُوَ ثَلْمٌ فِي جِدَارِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الزِّيَادَةَ فِيهِ تَقْتَضِي تَهْذِيبَ النَّفْسِ.
4. الِاسْتِشْهَادُ بِأَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ:
قُلْتُ: هَذَا الِاسْتِشْهَادُ يُمَثِّلُ "الْفَهْمَ السَّلَفِيَّ الْعَمَلِيَّ". فَحِكْمَةُ الشَّيْخِ فِي إِيرَادِهِ هِيَ تَوْضِيحُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِنَاءٌ لَهُ "فَرَائِضُ وَشَرَائِعُ"؛ فَمَنْ أَتَى بِهَا اسْتَكْمَلَ، وَمَنْ تَرَكَهَا نَقَصَ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ بَيَانُ أَنَّ النُّقْصَانَ يَقَعُ بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ، كَمَا أَنَّ الزِّيَادَةَ تَقَعُ بِفِعْلِهَا، وَهَذَا يُحَقِّقُ التَّوَازُنَ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ.
[ثَانِيًا: خُلَاصَةُ التَّأْصِيلِ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْمَنْظُومَةَ الِاسْتِدْلَالِيَّةَ الَّتِي سَاقَهَا الشَّيْخُ رِيحَان فِي عُنْوَانِ "زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ" تَرْتَكِزُ عَلَى رُؤْيَةٍ عَقَدِيَّةٍ تَرْبِطُ بَيْنَ (الْمَصْدَرِ، وَالْأَثَرِ، وَالسُّلُوكِ، وَالتَّكْلِيفِ). فَتَأْصِيلِي لِهَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ لَمْ يَرِدْ مُجَرَّدَ سَرْدِ الْأَدِلَّةِ، بَلْ أَرَادَ أَنْ يَبْنِيَ "وَعْياً عَقَدِيّاً" لَدَى الْبَاحِثِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي حَالَةِ حَرَكَةٍ دَائِمَةٍ. فَآيَاتُ الْقُرْآنِ الَّتِي صَدَّرَ بِهَا الْفَقْرَةَ تُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ "الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ" يَقْبَلَانِ التَّفَاضُلَ، فَلَيْسَ يَقِينُ مَنْ سَمِعَ كَمَنْ لَمْ يَسْمَعْ. ثُمَّ انْتَقَلَ لِلْحَدِيثِ لِيُؤَصِّلَ لِقَاعِدَةِ أَنَّ "الْعَمَلَ وَالْخُلُقَ" مَرَاتِبُ، وَبِهِمَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ عِنْدَ اللهِ وَفِي مَنَازِلِ الْجَنَّةِ. ثُمَّ جَاءَ بِأَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ لِيَقْطَعَ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِيمَانَ بَسِيطٌ لَا يَتَجَزَّأُ، فَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ "أَجْزَاءً وَأَرْكَاناً" مَنْ حَصَّلَهَا حَصَّلَ الْكَمَالَ، وَمَنْ فَقَدَهَا فَقَدَ مِنَ الْإِيمَانِ بِقَدْرِهَا. هَذَا التَّأْصِيلُ يَدْفَعُ عَنَّا شُبْهَةَ "الْإِرْجَاءِ" الَّتِي تُسَوِّي بَيْنَ إِيمَانِ أَفْجَرِ النَّاسِ وَإِيمَانِ جِبْرِيلَ، وَيَدْفَعُ عَنَّا "غُلُوَّ الْخَوَارِجِ" الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْمَرْءَ مِنَ الدِّينِ بِأَدْنَى نَقْصٍ. إِنَّ حِكْمَةَ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ تُؤَسِّسُ لِمَبْدَأِ "الْمُسَارَعَةِ فِي الْخَيْرَاتِ"؛ لِأَنَّ الْبَاحِثَ إِذَا عَلِمَ أَنَّ إِيمَانَهُ يَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ خَافَ وَأَنَابَ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ اسْتَبْشَرَ وَزَادَ، وَهَذَا هُوَ جَوْهَرُ الِاعْتِقَادِ السَّلِيمِ الَّذِي يُثْمِرُ عَمَلاً صَالِحاً.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
(1) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج (7)، ص (232)، فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ بِالْمَعْرِفَةِ. [5]
(2) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ"، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص (792)، فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ وَأَثَرِهَا فِي الزِّيَادَةِ. [6]
(3) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (1162) وَقَالَ: "حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" (192). [7]
(4) "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، (1/11). [8]
(5) (قُلْتُ): اِبْتِدَاءُ الشَّيْخِ بِآيَةِ التَّوْبَةِ لِأَنَّهَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي زِيَادَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَضِدِّهَا لِلْمُنَافِقِينَ.
(6) (فَائِدَةٌ): "الزِّيَادَةُ مَعَ الْإِيمَانِ" فِي آيَةِ الْفَتْحِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْأَصْلِيَّ ثَابِتٌ وَالْفَضْلَ زَائِدٌ.
(7) (قُلْتُ): الرَّبْطُ بَيْنَ الْخُلُقِ وَالْإِيمَانِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدِّينَ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ فِي مَقَامِ الْكَمَالِ.
(8) "كِتَابُ الْإِيمَانِ"، لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، دَارُ الْفِكْرِ، ص (14)، حَيْثُ وَصَلَ أَثَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
(9) (قُلْتُ): قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ "وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا" يُؤَصِّلُ لِمَبْدَأِ "الْإِيمَانِ النَّاقِصِ".
(10) تَرْجَمَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (ت 101هـ) مَوْجُودَةٌ فِي "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، ج (5)، ص (114).
(11) (تَنْبِيهٌ): عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الْكِنْدِيُّ كَانَ عَامِلَ عُمَرَ عَلَى الْمَوْصِلِ وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ.
(12) (قُلْتُ): اِسْتِشْهَادُ الشَّيْخِ بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ يُعَزِّزُ مَشْرُوعِيَّةَ "الِاحْتِجَاجِ بِفَهْمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ".
(13) "الْإِيمَانُ"، لِأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، ص (18)، فِي تَقْرِيرِ مَذَاهِبِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(14) (فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ): قَوْلُ "الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ" هُوَ شِعَارُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
(15) (قُلْتُ): تَفَاضُلُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا هُوَ سَبَبُ تَفَاضُلِهِمْ فِي دَرَجَاتِ الْجِنَانِ.
(16) طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ كَثِيرٍ لِصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِيهَا شَرْحٌ مُوجَزٌ لِلمُعَلَّقَاتِ الْمَرْفُوعَةِ.
(17) (قُلْتُ): "الِاسْتِبْشَارُ" فِي آيَةِ التَّوْبَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلزِّيَادَةِ طَعْماً يُذَاقُ فِي الْقَلْبِ.
(18) عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ تُوُفِّيَ سَنَةَ (120 هـ) تَقْرِيباً، وَكَانَ رَأْساً فِي الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
(19) (قُلْتُ): إِيرَادُ الْأَحَادِيثِ مَعَ الْآيَاتِ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ نُورِ الْوَحْيِ وَبَيَانِ الرَّسُولِ ﷺ.
(20) "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ"، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، ص (330)، فِي مَسْأَلَةِ الزِّيَادَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(١١)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 4) - [ص 12]
[أَوَّلاً: تَفَاسِيرُ آيَاتِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ]
1. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِير: فِي تَفْسِيرِ آيَةِ التَّوْبَةِ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، خِلَافاً لِقَوْلِ جُمْهُورِ الْمُرْجِئَةِ [1]. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا سَمِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْبَيَانِ، أَحْدَثَ ذَلِكَ لَهُمْ تَصْدِيقاً جَدِيداً انْضَمَّ إِلَى تَصْدِيقِهِمُ الْقَدِيمِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الزِّيَادَةِ. أَمَّا فِي آيَةِ الْفَتْحِ، فَيَذْكُرُ أَنَّ "السَّكِينَةَ" هِيَ الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي سَكَنَتْ بِهَا قُلُوبُهُمْ عِنْدَ الِابْتِلَاءِ، فَمَنَحَهُمُ اللهُ إِيمَاناً "مَعَ إِيمَانِهِمْ"، أَيْ ضِعْفَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ [2]. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذَا الِارْتِقَاءَ فِي دَرَجَاتِ الْيَقِينِ مَنُوطٌ بِالِاسْتِجَابَةِ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ، فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزَالُ فِي تَرَقٍّ مَا دَامَ فِي طَاعَةٍ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَرْبِطُ بَيْنَ سَمَاعِ الْوَحْيِ وَثَمَرَتِهِ الْقَلْبِيَّةِ سُلُوكاً وَتَصْدِيقاً. [3]
2. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ :
يُوضِّحُ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} يَعْنِي تَصْدِيقاً بِالْآيَةِ الْمُنَزَّلَةِ بَعْدَ تَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَبْلَهَا [4]. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ "الِاسْتِبْشَارَ" هُوَ الْفَرَحُ الَّذِي يَظْهَرُ عَلَى الْبَشَرَةِ لِقُوَّةِ الْيَقِينِ. وَفِي آيَةِ الْفَتْحِ، يَرَى الْبَغَوِيُّ أَنَّ اللهَ زَادَهُمْ يَقِيناً وَبَصِيرَةً لِيَثْبُتُوا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ [5]. وَأَكَّدَ أَنَّ كُلَّ فَرِيضَةٍ تَنْزِلُ فَيُؤْمِنُونَ بِهَا ثُمَّ يَعْمَلُونَ بِهَا، فَهِيَ زِيَادَةٌ فِي إِيمَانِهِمْ قَوْلاً وَعَمَلاً. وَهَذَا التَّأْصِيلُ عِنْدَ الْبَغَوِيِّ يَقْطَعُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جُزْءاً صَمَّداً، بَلْ هُوَ أَجْزَاءٌ تَتَكَاثَرُ بِتَكَاثُرِ الطَّاعَاتِ. وَخَلَصَ إِلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ ثَمَرَةٌ لِلْإِخْلَاصِ فِي الِاتِّبَاعِ، وَأَنَّ نُقْصَانَهُ يَكُونُ بِتَرْكِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ أَوْ فُتُورِ الْقَلْبِ عَنْ عِلْمِهَا. [6]
3. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ:
يَسْلُكُ الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ مَنْهَجاً بَدِيعاً، فَيُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَاتِ إِذَا تُلِيَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِ، تَدَبَّرَهَا فَعَرَفَ مَعَانِيَهَا، فَيَزْدَادُ عِلْمُهُ وَيَقِينُهُ [7]. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "الزِّيَادَةَ" هُنَا تَشْمَلُ زِيَادَةَ عِلْمِ الْقَلْبِ وَزِيَادَةَ عَمَلِ الْجَوَارِحِ انْقِيَاداً.
وَفِي آيَةِ الْفَتْحِ، يَلْحَظُ السَّعْدِيُّ أَنَّ السَّكِينَةَ هِيَ "الثَّبَاتُ عِنْدَ الْمَقَالِقِ"، وَأَنَّ اللهَ جَعَلَهَا مِعْرَاجاً لِلِازْدِيَادِ مِنَ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ النَّجَاةِ [8].
وَيُقَرِّرُ أَنَّ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَابِلٌ لِلنُّمُوِّ حَتَّى يَكْمَلَ، وَقَابِلٌ لِلضَّعْفِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ، وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْفَرَحَ بِفَضْلِ اللهِ (الِاسْتِبْشَارُ) هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مُقَوِّيَاتِ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ مَنْ ذَاقَ طَعْمَ الْحَلَاوَةِ فِي الطَّاعَةِ، زَادَ حِرْصُهُ عَلَيْهَا، وَبِذَلِكَ يَتَمَحَّضُ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ عَنْ شَوَائِبِ الشَّكِّ. [9]
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ حَوْلَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْمُتَأَمِّلَ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يُدْرِكُ أَنَّ "زِيَادَةَ الْإِيمَانِ" لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَسْأَلَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ وُجُودِيَّةٌ يَشْعُرُ بِهَا الْمُؤْمِنُ فِي قَلْبِهِ [10].
فَتَأْصِيلِي لِهَذِهِ التَّفَاسِيرِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رِيحَان أَرَادَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْآيَاتِ بَيَانَ "مُوجِبَاتِ الزِّيَادَةِ"؛ وَهِيَ (تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ، وَتَدَبُّرُهُ، وَالثَّبَاتُ عِنْدَ الْمِحَنِ).
فَالزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ كَثِيرٍ هِيَ زِيَادَةُ "التَّصْدِيقِ"، وَالَّتِي ذَكَرَهَا الْبَغَوِيُّ هِيَ زِيَادَةُ "الْعَمَلِ"، وَالَّتِي ذَكَرَهَا السَّعْدِيُّ هِيَ زِيَادَةُ "الْمَعْرِفَةِ وَالْحَالِ" [11].
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِنَاءٌ تَرَاكُمِيٌّ؛ فَكُلُّ آيَةٍ هِيَ لَبِنَةٌ، وَكُلُّ سَكِينَةٍ هِيَ مِلَاطٌ يُقَوِّي الْبِنَاءَ.
قلت :أَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ "يَزِيدُ وَيَنْقُصُ" هُوَ مَحْضُ الْقُرْآنِ، فَالزِّيَادَةُ نَصٌّ، وَالنُّقْصَانُ لَازِمُهَا ضَرُورَةً؛ لِأَنَّ مَا قَبِلَ التَّفَاضُلَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ طَرَفَانِ.
وَبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَ الْبَاحِثِ أَنَّ طَرِيقَ الِارْتِقَاءِ الْعَقَدِيِّ مَفْتُوحٌ لَا يَنْقَطِعُ، وَأَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَفَقَّدَ إِيمَانَهُ عِنْدَ كُلِّ مَوْطِنٍ مِنْ مَوَاطِنِ الْوَحْيِ، لِيَعْلَمَ هَلْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً أَمْ كَانَ مِنَ الْغَافِلِينَ [12].
[الْحَاشِيَةُ ]»»»»»»»»»»»»»»««««««««««««««
(1) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِابْنِ كَثِيرٍ، ج (4)، ص (232).
(2) يُنْظَرُ: الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (7)، ص (328)، فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْفَتْحِ.
(3) (قُلْتُ): اسْتِدْلَالُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالزِّيَادَةِ يَعْضُدُهُ حَدِيثُ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً".
(4) يُنْظَرُ: "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، لِلْبَغَوِيِّ، ج (4)، ص (108).
(5) يُنْظَرُ: الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ج (7)، ص (294).
(6) (قُلْتُ): الْبَغَوِيُّ يَنْقُلُ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَهَذَا سِرُّ زِيَادَتِهِ.
(7) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، لِلسَّعْدِيِّ، ص (355).
(8) يُنْظَرُ: الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ص (792).
(9) (قُلْتُ): السَّعْدِيُّ يُرَكِّزُ عَلَى "أَعْمَالِ الْقُلُوبِ" كَمُحَرِّكٍ رَئِيسٍ لِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ.
(10) "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (120)، فِي مَبْحَثِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
(11) (فَائِدَةٌ): الزِّيَادَةُ فِي الْقُرْآنِ جَاءَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ مَوَاضِعَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَصَالَتَهَا.
(12) (قُلْتُ): قَوْلُهُ "مَعَ إِيمَانِهِمْ" يُفِيدُ أَنَّ الْأَصْلَ بَاقٍ وَالْمَزِيدَ فَضْلٌ مِنَ اللهِ.
(13) "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (950).
(14) (قُلْتُ): مَنْ أَنْكَرَ الزِّيَادَةَ فَقَدْ أَنْكَرَ صَرِيحَ الْقُرْآنِ، وَهَذَا مَوْطِنُ خَطَرٍ عَقَدِيٍّ.
(15) "الْإِيمَانُ"، لِابْنِ مَنْدَهْ، ج (1)، ص (210)، فِي ذِكْرِ مَنْ قَالَ بِالزِّيَادَةِ.
(16) (تَنْبِيهٌ): الِاسْتِبْشَارُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ يَدُلُّ عَلَى التَّصْدِيقِ الْجَازِمِ بِمَا أُنْزِلَ.
(17) طَبْعَةُ دَارِ السَّلَامِ لِلسَّعْدِيِّ تَمْتَازُ بِتَنْقِيحِ الْعِبَارَاتِ الْعَقَدِيَّةِ.
(18) (قُلْتُ): رَبْطُ السَّكِينَةِ بِالزِّيَادَةِ يُبَيِّنُ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَازِمُ الْإِيمَانِ الْحَقِّ.
(19) "الْإِيمَانُ"، لِأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ص (12)، بِتَحْقِيقِ الْأَلْبَانِيِّ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(١٢)
(مُتَمِّمُ الْوَجْهِ رَقْمِ: 4) - [ص 13]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ (ابْنُ رَجَبٍ وَابْنُ عُثَيْمِينَ)]
1. حَدِيثُ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» [1]:
شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: يُقَرِّرُ الْحَافِظُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ نَصٌّ فِي تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ -وَمِنْهَا حُسْنُ الْخُلُقِ- هِيَ مِنْ تَمَامِ الْإِيمَانِ وَكَمَالِهِ [2].
وَيُبَيِّنُ أَنَّ "الْأَكْمَلِيَّةَ" تَقْتَضِي وُجُودَ أَصْلِ الْإِيمَانِ عِنْدَ الْجَمِيعِ، لَكِنَّ التَّفَاوُتَ يَقَعُ فِي الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ الَّتِي يَرْتَقِي بِهَا الْمُؤْمِنُ فِي مَرَاتِبِ الْقُرْبِ.
شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، وَأَنَّ "حُسْنَ الْخُلُقِ" مَظْهَرٌ لِقُوَّةِ الْيَقِينِ فِي الْقَلْبِ [3].
وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ اِسْتِخْدَامَ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ (أَكْمَلُ) دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ زَادَ إِيمَانُهُ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ نَقَصَ إِيمَانُهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
2. أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ [4]:
شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: يَرَى ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ كَلَامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ خُلَاصَةُ مَذْهَبِ السَّلَفِ؛ حَيْثُ جَعَلَ الْإِيمَانَ مَجْمُوعَ (الْفَرَائِضِ، وَالشَّرَائِعِ، وَالْحُدُودِ، وَالسُّنَنِ) [5].
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ "فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ" يَعْنِي الْوُصُولَ إِلَى دَرَجَةِ الْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ، وَأَنَّ مَنْ قَصَّرَ فِيهَا فَقَدْ نَقَصَ إِيمَانُهُ الْوَاجِبُ أَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْكَمَالَ.
شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا الْأَثَرَ يَهْدِمُ أَصْلَ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَفْصِلُونَ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ [6].
فَجَعْلُ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ مِنَ الْإِيمَانِ يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ بِنَاءٌ يَقْوَى بِكُلِّ لَبِنَةٍ تُضَافُ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْحَثِّ عَلَى الِاسْتِكْمَالِ لِيَبْلُغَ الْعَبْدُ تَمَامَ الرِّضَا.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ]
الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ لِهَذِهِ النُّصُوصِ بِأَنَّهَا تَقُومُ عَلَى "بُرْهَانِ التَّفَاضُلِ" [7].
فَالشَّيْخُ السَّنْدِيُّ يُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِحَدِيثِ (الْخُلُقِ) وَأَثَرِ (عُمَرَ) يُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَالتَّبْعِيضَ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ قَوْلِ السَّلَفِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
فَالْإِيمَانُ عِنْدَهُ لَيْسَ جَوْهَراً بَسِيطاً مَتَى ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، بَلْ هُوَ شُعَبٌ، وَكُلَّمَا حَقَّقَ الْعَبْدُ شُعْبَةً زَادَ إِيمَانُهُ [8].
وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ السَّنْدِيُّ أَنَّ حِكْمَةَ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ هِيَ رَفْعُ هِمَّةِ الْمُكَلَّفِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ الزِّيَادَةَ اجْتَهَدَ، وَإِذَا خَافَ النُّقْصَانَ حَذَرَ، وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ التَّوَازُنُ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ.
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ:إِنَّ تَرْتِيبَ الشَّيْخِ رِيحَان لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ يَهْدِفُ إِلَى تَقْرِيرِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ "ظَاهِرٌ يَحْمِيهِ" وَ"بَاطِنٌ يُقَوِّيهِ". فَتَأْصِيلِي هُنَا يَقُومُ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ (الْخُلُقِ) هُوَ تَقْرِيرٌ لِلزِّيَادَةِ عَنْ طَرِيقِ "التَّحْلِيَةِ" بِالْمَحَاسِنِ، وَأَثَرَ (عُمَرَ) هُوَ تَقْرِيرٌ لِلزِّيَادَةِ عَنْ طَرِيقِ "التَّأْدِيَةِ" لِلْوَاجِبَاتِ [9].
وَبِذَلِكَ يَكُونُ الْإِيمَانُ فِي نَظَرِي مِثْلَ الْجَسَدِ؛ لَهُ أَعْضَاءٌ رَئِيسَةٌ لَا يَحْيَا بِدُونِهَا (أَصْلُ الْإِيمَانِ)، وَلَهُ كَمَالِيَّاتٌ يَجْمُلُ بِهَا (الْأَخْلَاقُ وَالسُّنَنُ). فَالزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ يَقَعَانِ فِي مَسَائِلِ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، وَهَذَا الَّذِي فَهِمَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ أَمَرَ بِالِاسْتِكْمَالِ.
إِنَّ هَذَا الْبَحْثَ يَسْعَى لِتَرْسِيخِ فِكْرَةِ أَنَّ كُلَّ طَاعَةٍ -مَهْمَا صَغُرَتْ- هِيَ مَدَدٌ لِلْإِيمَانِ، وَكُلَّ مَعْصِيَةٍ هِيَ ثَلْمٌ فِيهِ، لِيَبْقَى الْمُؤْمِنُ دَائِماً فِي مَقَامِ الْمُحَاسَبَةِ وَالتَّرَقِّي.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
(1) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (2/250)، وَأَبُو دَاوُدَ (4682)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1162). [10]
(2) يُنْظَرُ: "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (122).
(3) يُنْظَرُ: "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ الْوَطَنِ، ج (3)، ص (144).
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" مُعَلَّقاً (1/11)، وَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (11/14). [11]
(5) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (140)، فِي شَرْحِ كَلَامِ عُمَرَ.
(6) يُنْظَرُ: "تَعْلِيقَاتُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، ج (1)، ص (48).
(7) يُنْظَرُ: "شَرْحُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ لِلصَّابُونِيِّ"، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، ص (180). [12]
(8) الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ص (185)، فِي مَبْحَثِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
(9) (قُلْتُ): عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ هُوَ أَوَّلُ مَنْ دَوَّنَ السُّنَّةَ، وَرِسَالَتُهُ هَذِهِ عُمْدَةٌ فِي الْبَابِ.
(10) صَحَّحَ حَدِيثَ «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ» التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَغَوِيُّ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ".
(11) (فَائِدَةٌ): رِسَالَةُ عُمَرَ كَانَتْ رَدّاً عَلَى ظُهُورِ بَعْضِ بَوَادِرِ الْإِرْجَاءِ فِي زَمَانِهِ.
(12) يُنْظَرُ كِتَابُ "الْإِيمَانُ" لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَسِ مَا كُتِبَ مُؤَخَّراً.
(13) (قُلْتُ): حُسْنُ الْخُلُقِ هُنَا يَشْمَلُ تَرْكَ الْأَذَى وَبَذْلَ النَّدَى وَطَلَاقَةَ الْوَجْهِ.
(14) تَخْرِيجُ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ (1/2)، مَوْضِعُ رِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
(15) (قُلْتُ): اسْتِكْمَالُ الشَّرَائِعِ عِنْدَ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ عَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
(16) طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لِـ "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ" تَمْتَازُ بِتَخْرِيجٍ دَقِيقٍ لِلْآثَارِ.
(17) (قُلْتُ): قَوْلُهُ "وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا" صَرِيحٌ فِي وُجُودِ "إِيمَانٍ نَاقِصٍ".
(18) عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَاتَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعِينَ.
(19) (فَائِدَةٌ): عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ هُوَ ابْنُ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيُّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
(20) "شَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ"، لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (958).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»‹«««««««»»»(13)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4) - [ص 14]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْمَتْنِ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-:
أَرْبَعَة: (الْعُنْوَانُ: الْإِيمَانُ تَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَالُ).
الدَّلَائِلُ:
1- قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الْبَقَرَة: 143]. [1]
2- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ- شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». [2]
3- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [3]
4- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [4]
»»»»»»»»»»»»»««««««««««»»»»»»»»»««
[ثَانِيّاً: دِرَاسَةُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
(1) إِيمَانَكُمْ: أَيْ صَلَاتَكُمْ؛ فَسَمَّى الْعَمَلَ إِيمَانًا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الظَّاهِرَ جُزْءٌ مِنَ الْبَاطِنِ. [5]
(2) بِضْعٌ: الْقِطْعَةُ مِنَ الْعَدَدِ، وَتُطْلَقُ لِلتَّكْثِيرِ وَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ مَرَاتِبِ الطَّاعَاتِ. [6]
(3) شُعْبَةً: جُزْءٌ مُنْفَصِلٌ فِي الْأَدَاءِ مُتَّصِلٌ فِي الْأَصْلِ، كَأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ الْبَاسِقَةِ. [7]
(4) أَفْضَلُهَا: أَعْلَاهَا قَدْراً؛ وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا عِمَادُ الدِّينِ. [8]
(5) أَدْنَاهَا: أَقَلُّهَا مَرْتَبَةً؛ وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَخْلُو مِنْ عَمَلٍ مَهْمَا صَغُرَ. [9]
(6) إِمَاطَةُ: التَّنْحِيَةُ وَالْإِبْعَادُ؛ وَهِيَ عَمَلٌ ظَاهِرٌ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ إِيمَانًا. [10]
(7) الْأَذَى: كُلُّ مَا يُعِيقُ السَّالِكِينَ؛ وَدُخُولُهُ فِي الْإِيمَانِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَصَرَهُ فِي الْقَلْبِ. [11]
(8) الْحَيَاءُ: خُلُقٌ يَمْنَعُ مِنَ التَّقْصِيرِ؛ وَقَدْ خُصَّ لِأَنَّهُ الدَّاعِي لِكُلِّ فِعْلٍ جَمِيلٍ. [12]
(9) احْتِسَابًا: طَلَبُ الثَّوَابِ بِخُلُوصِ النِّيَّةِ؛ وَهِيَ رُوحُ الْأَعْمَالِ الَّتِي لَا تُقْبَلُ إِلَّا بِهَا. [13]
(10) غُفِرَ لَهُ: مَحْوُ الذَّنْبِ؛ وَهِيَ الْجَائِزَةُ الْعُظْمَى الْمُرَتَّبَةُ عَلَى الْعَمَلِ الْإِيمَانِيِّ. [14]
[ثَالِثاً: الِاسْتِخْرَاجَاتُ وَالتَّأْصِيلُ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ (رَقْمُ 1): (الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ شُعَبٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْإِيمَانُ يَزُولُ بِزَوَالِ أَصْلِهَا). [15]
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ (رَقْمُ 2): (تَسْمِيَةُ الْجُزْءِ بِاسْمِ الْكُلِّ؛ لِالتَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ مَكَانَةِ هَذَا الْجُزْءِ). [16]
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ فِقْهِيٌّ (رَقْمُ 3): (كُلُّ قُرْبَةٍ بَدَنِيَّةٍ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ قُرْبَةٌ إِيمَانِيَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا). [17]
تَأْصِيلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَة التَّمِيمِيِّ:
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ حَدِيثَ الشُّعَبِ يَهْدِمُ أَسَاسَ "الْإِرْجَاءِ" هَدْماً؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ "الْقَوْلَ" وَ"الْعَمَلَ" وَ"الْحَيَاءَ" كُلَّهَا فِي مِيزَانٍ وَاحِدٍ يُسَمَّى إِيمَانًا [18].
وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَرْتِيبَ الشُّعَبِ (أَعْلَى وَأَدْنَى) يُفِيدُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ شَيْئاً وَاحِداً لَا يَتَبَعَّضُ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ بِكَثْرَةِ هَذِهِ الشُّعَبِ وَالنُّقْصَانَ بِقِلَّتِهَا [19].
وَيُؤَصِّلُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَتَى بِشُعْبَةٍ فَقَدْ حَقَّقَ جُزْءاً مِنَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا يَبْعَثُ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ الْحِرْصَ عَلَى الِاسْتِكْمَالِ لِيَبْلُغَ رِضَا اللهِ. فَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُ هُوَ "بُرْهَانُ الصِّدْقِ" الَّذِي يُصَدِّقُهُ الْقَلْبُ أَوْ يُكَذِّبُهُ، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ نُصُوصُ الْوَحْيِ. [20]
تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ) :
قُلْتُ: إِنَّ حِكْمَةَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- فِي هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ هِيَ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ وَتَنْتَهِي بِأَبْسَطِ الْأَعْمَالِ [21].
فَتَأْصِيلِي هُنَا أَنَّ آيَةَ الْبَقَرَةِ هِيَ "الْأَصْلُ" فِي دُخُولِ الْعَمَلِ، وَأَحَادِيثَ رَمَضَانَ هِيَ "التَّطْبِيقُ" الْفِعْلِيُّ؛ فَالْمَغْفِرَةُ لَا تُنَالُ بِمُجَرَّدِ "الِاعْتِقَادِ" بِرَمَضَانَ، بَلْ بـ "صِيَامِهِ وَقِيَامِهِ" [22].
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ هُوَ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَا يُعْتَدُّ بِالشَّجَرَةِ دُونَهَا. فَإِذَا كَانَتْ إِمَاطَةُ الْأَذَى إِيمَانًا، فَكَيْفَ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ الَّذِي سَمَّاهُ اللهُ بِنَفْسِهِ إِيمَانًا؟ إِنَّ هَذَا التَّلَازُمَ بَيْنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ يَجْعَلُ الْبَاحِثَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فِي فَهْمِ مَعْنَى الدِّينِ. [23]
»»»»»»»»»««««««««»»»»»»»«««««[الْحَاشِيَةُ]
(1) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةُ (143). [24]
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (9)، وَمُسْلِمٌ (35).
(3) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (38)، وَمُسْلِمٌ (760).
(4) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (37)، وَمُسْلِمٌ (759).
(5) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ"، ج (1)، ص (450).
(6) يُنْظَرُ: "لِسَانُ الْعَرَبِ"، مَادَّةُ (بَضَعَ).
(7) يُنْظَرُ: "النِّهَايَةُ"، لِابْنِ الْأَثِيرِ، ج (2)، ص (478).
(8) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي"، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (53).
(9) يُنْظَرُ: "شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ"، ج (2)، ص (6).
(10) (نُكْتَةٌ): هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ نَفْعَ الْإِيمَانِ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى الْعَبْدِ.
(11) (فَائِدَةٌ): حُكْمُ إِمَاطَةِ الْأَذَى الِاسْتِحْبَابُ، وَقَدْ سُمِّيَتْ إِيمَانًا تَعْظِيمًا.
(12) يُنْظَرُ: "الْمُفْرَدَاتُ"، لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ، ص (252).
(13) (قُلْتُ): الِاحْتِسَابُ هُوَ رُوحُ الْقَبُولِ فِي جَمِيعِ الطَّاعَاتِ.
(14) (تَنْبِيهٌ): الْمَغْفِرَةُ ثَمَرَةٌ لِاجْتِمَاعِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ مَعاً.
(15) مَصْدَرُ الْقَاعِدَةِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (505).
(16) مَصْدَرُ الْقَاعِدَةِ: "التَّمْهِيدُ"، لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، ج (9)، ص (240).
(17) مَصْدَرُ الضَّابِطِ: "شَرْحُ كِتَابِ الْإِيمَانِ"، لِلسَّنْدِيِّ، ص (90).
(18) يُنْظَرُ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ"، لِلتَّمِيمِيِّ، ص (52).
(19) (نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ): حَدِيثُ الشُّعَبِ يَرُدُّ مَذْهَبَ تَمَارُكِ الْإِيمَانِ.
(20) الْمَصْدَرُ النَّفْسُهُ، ص (55)، فِي تَقْسِيمِ الشُّعَبِ.
(21) (قُلْتُ): قَدَّمَ الشَّيْخُ بْنُ رِيحَانِ الْآيَةَ لِأَنَّهَا أُمُّ الْأَدِلَّةِ فِي الْبَابِ.
(22) "شَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ"، لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (958).
(23) (قُلْتُ): التَّوْثِيقُ جَاءَ لِيَكُونَ مَرْجِعاً آمِناً لِلْبَاحِثِ.
(24) كَانُوا قَدْ حَزِنُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَأَمَّنَهُمُ اللهُ.
»»»»»»««««««««»»»»»»»««««««««»»»»»(١٤)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4) - [ص 15]
[أَوَّلاً: الْمَقَاصِدُ الِاسْتِشْهَادِيَّةُ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ عَلِي رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
1. مَقْصُودُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَةِ: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}:
أَتَى بِهَا الشَّيْخُ لِيُثْبِتَ أَنَّ "الْعَمَلَ" (وَهُوَ الصَّلَاةُ هُنَا) قَدْ سَمَّاهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ "إِيمَانًا"، وَهُوَ بِذَلِكَ يَرُدُّ رَدًّا صَرِيحًا عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، فَالنَّصُّ الْقُرْآنِيُّ قَطَعَ النِّزَاعَ بِتَسْمِيَةِ الْفِعْلِ إِيمَانًا. [1]
2. مَقْصُودُ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثِ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»:
مَقْصُودُهُ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ "مُتَعَدِّدُ الْأَجْزَاءِ" وَيَقْبَلُ التَّفَاضُلَ، وَيَرُدُّ بِهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ الْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ، فَبَيَّنَ الشَّيْخُ أَنَّ فِيهِ أَعْلَى (قَوْلٌ) وَأَدْنَى (عَمَلٌ) وَبَيْنَهُمَا (خُلُقٌ قَلْبِيٌّ كَالْحَيَاءِ). [2]
3. مَقْصُودُ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثَيْ: «مَنْ صَامَ.. وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ»:
أَتَى بِهِمَا لِرَبْطِ "الْمَغْفِرَةِ" بِالْعَمَلِ الْمَقْرُونِ بِالِاعْتِقَادِ (إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا)، وَيَرُدُّ بِهِمَا عَلَى كُلِّ مَنْ فَتَرَ عَنِ الْعَمَلِ اتِّكَالًا عَلَى مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ، لِيُوضِّحَ أَنَّ الثَّمَرَةَ الْأُخْرَوِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِالسَّعْيِ الْجَوَارِحِيِّ مَعَ الْيَقِينِ الْقَلْبِيِّ. [3]
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ حَوْلَ النُّصُوصِ ]
تَأْصِيلُ الْآيَةِ:
تُؤَصِّلُ هَذِهِ الْآيَةُ لِقَاعِدَةِ "الْمُتَلَازِمَاتِ الشَّرْعِيَّةِ"؛ فَإِنَّ الصَّلَاةَ لَمَّا كَانَتْ أَعْظَمَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الْعَمَلِيَّةِ، جَعَلَهَا اللهُ عَيْنَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْإِيمَانِ أَوْ فَضْلَةً، بَلْ هُوَ جَوْهَرُهُ الَّذِي يُحَافِظُ اللهُ عَلَيْهِ وَلَا يُضِيعُهُ، فَالْإِيمَانُ بِدُونِ عَمَلِ الْجَوَارِحِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ جَسَدٌ بِلَا رُوحٍ. [4]
تَأْصِيلُ حَدِيثِ الشُّعَبِ :
يُؤَصِّلُ هَذَا النَّصُّ لِمَسْأَلَةِ "تَبَعُّضِ الْإِيمَانِ وَزِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ"؛ فَجَعَلَ كُلَّ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْبِرِّ شُعْبَةً إِيمَانِيَّةً. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَقْوَى بِتَحْصِيلِ الشُّعَبِ وَيَضْعُفُ بِتَرْكِهَا، وَأَنَّ رُكْنَ "الْعَمَلِ" فِيهِ يَبْدَأُ مِنْ "إِمَاطَةِ الْأَذَى" لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ لِلْمُؤْمِنِ فِي مَرْضَاةِ اللهِ هِيَ جُزْءٌ مِنْ دِينِهِ وَإِيمَانِهِ. [5]
تَأْصِيلُ حَدِيثَيْ رَمَضَانَ :
التَّأْصِيلُ هُنَا يَقُومُ عَلَى "شَرْطِيَّةِ الِاحْتِسَابِ لِقَبُولِ الْعَمَلِ"؛ فَالصِّيَامُ وَالْقِيَامُ أَعْمَالٌ ظَاهِرَةٌ، لَكِنَّهَا لَمْ تُوصَفْ بِأَنَّهَا مُوجِبَةٌ لِلْمَغْفِرَةِ إِلَّا بَعْدَ وَصْفِهَا بِـ "الْإِيمَانِ" وَهُوَ التَّصْدِيقُ، مِمَّا يُؤَصِّلُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ) لَا يَنْفَكَّانِ، فَالْعَمَلُ بِلَا إِيمَانٍ نِفَاقٌ، وَالْإِيمَانُ بِلَا عَمَلٍ ادِّعَاءٌ. [6]
ثَالِثاً: الْخُلَاصَةُ الْبَحْثِيَّةُ (قُلْتُ)
إِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ هَذِهِ النُّصُوصِ الَّتِي سَاقَهَا الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان هُوَ تَقْرِيرُ "شُمُولِيَّةِ الْإِيمَانِ".
فَالْخُلَاصَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْهَا طَالِبُ الْعِلْمِ هِيَ أَنَّ مَعْرَكَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ الْمُرْجِئَةِ لَمْ تَكُنْ لَفْظِيَّةً، بَلْ كَانَتْ لِحِمَايَةِ "جَانِبِ الْعَمَلِ" فِي الدِّينِ.
فَالْآيَةُ رَفَعَتْ شَأْنَ الْعَمَلِ إِلَى رُتْبَةِ الِاسْمِ (الْإِيمَانُ)، وَحَدِيثُ الشُّعَبِ جَعَلَ الْعَمَلَ مُنْتَشِراً فِي كُلِّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ وَأَحَادِيثُ رَمَضَانَ رَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَسْمَى الْغَايَاتِ وَهِيَ (الْمَغْفِرَةُ).
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ أَيَّ مُحَاوَلَةٍ لِإِخْرَاجِ الْأَعْمَالِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ هِيَ هَدْمٌ لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ وَتَعْطِيلٌ لِدَوْرِ الْجَوَارِحِ فِي التَّعَبُّدِ.
إِنَّ الْبَاحِثَ بِهَذَا التَّقْسِيمِ يَرَى الْإِيمَانَ كَالشَّجَرَةِ؛ أَصْلُهَا ثَابِتٌ (الِاعْتِقَادُ)، وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (الْقَوْلُ)، وَثَمَرَتُهَا (الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ)، فَمَتَى سَقَطَتِ الثَّمَرَةُ بَطَلَتْ مَنْفَعَةُ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّحْقِيقِ الَّذِي يَرْمِي إِلَيْهِ الشَّيْخُ فِي دَرْسِهِ. [7]
»»»»»»»»»»»»»»»»»»«««««««««[الْحَاشِيَةُ ]
(1) "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج (3)، ص (152)، فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ سُمِّيَتْ إِيمَانًا تَعْظِيمًا لَهَا.
(2) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (35)، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ طُرُقِ الْخَيْرِ.
(3) "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (4)، ص (115)، فِي شَرْحِ حَدِيثِ الصِّيَامِ.
(4) "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (180)، فِي تَأْصِيلِ حَدِيثِ الشُّعَبِ.
(5) (فَائِدَةٌ): "احْتِسَابًا" تَعْنِي صِدْقَ التَّوَجُّهِ، وَهِيَ مَنَاطُ الْقَبُولِ مَعَ الْعَمَلِ.
(6) يُنْظَرُ: "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (3)، ص (155).
(7) تَمَّ تَخْرِيجُ حَدِيثِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ عَنِ الْبُخَارِيِّ (37، 38).
(8) (نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ): حَدِيثُ الشُّعَبِ يَرُدُّ أَيْضاً عَلَى الْخَوَارِجِ فِي تَكْفِيرِهِمْ بِكُلِّ ذَنْبٍ.
(9) "إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (122).
(10) (فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ): الْبِضْعُ بِالْكَسْرِ هِيَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْمَالِ أَوْ الْعَدَدِ.
(11) "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (950).
(12) (نُكْتَةٌ): سَمَّى اللهُ الصَّلَاةَ إِيمَانًا لِأَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ.
(13) "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلتَّمِيمِيِّ، ص (45).
(14) يُنْظَرُ: "الْمُفْهِمُ" لِلْقُرْطُبِيِّ، ج (1)، ص (212).
(15) (تَنْبِيهٌ): خَصَّ رَمَضَانَ بِالذِّكْرِ لِشَرَفِ الزَّمَانِ وَعِظَمِ الْأَجْرِ فِيهِ.
(16) (نُكْتَةٌ): الْإِيمَانُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْأَصْلُ، وَالصِّيَامُ هُوَ الْفَرْعُ.
(17) "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ" لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (130).
(18) (فَائِدَةٌ): حَدِيثُ الشُّعَبِ فِيهِ إِثْبَاتُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
(19) تَمَّ تَوْثِيقُ كُلِّ تَقْرِيرٍ عَقَدِيٍّ بِمَا يُنَاسِبُ مَنْهَجَ السَّلَفِ.
(20) (قُلْتُ): الِاحْتِسَابُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ أَدْرَجَهُ الشَّارِعُ ضِمْنَ الْعَمَلِ.
(21) "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ص (100).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»«««««««»»(15)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4) - [ص 16]
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}]
تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
يُقَرِّرُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَاباً لِتَسَاؤُلِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- عَمَّنْ مَاتَ مِنْ إِخْوَانِهِمْ وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، فَأَمَّنَهُمُ اللهُ أَنَّ صَلَاتَهُمْ تِلْكَ مَقْبُولَةٌ وَأَجْرَهُمْ ثَابِتٌ. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَمَّى الصَّلَاةَ هُنَا "إِيمَانًا"، وَهِيَ دَلَالَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ دَاخِلَةٌ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَمُسَمَّاهُ. فَالصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ رُكُوعٌ وَسُجُودٌ وَانْقِيَادٌ بَدَنِيٌّ جُعِلَتْ هِيَ الْإِيمَانَ بِعَيْنِهِ، وَهَذَا مِنْ أَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مُجَرَّدَ تَصْدِيقٍ لَمَا احْتَاجَ اللهُ لِنَفْيِ الضَّيَاعِ عَنِ "الصَّلَاةِ" الْمُؤَدَّاةِ فِعْلِيّاً، فَسُبْحَانَ مَنْ أَنْزَلَ بَيَانَهُ لِيَحْفَظَ أَعْمَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَيُعْلِيَ شَأْنَهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ. [1]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ:
يَرَى الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِشَارَةً عَظِيمَةً لِكُلِّ مُؤْمِنٍ؛ فِيهَا أَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ، وَخَصَّ الصَّلَاةَ بِاسْمِ الْإِيمَانِ لِتَضَمُّنِهَا إِيمَانَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ وَاللِّسَانِ. وَيُوضِّحُ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، وَأَنَّ اللهَ بِرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ يَقْبَلُ مِنَ الْعَبْدِ مَا قَامَ بِهِ مِنْ إِيمَانٍ فِي وَقْتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ ذَلِكَ بِتَبَدُّلِ الْأَحْكَامِ أَوْ نَسْخِهَا، مِمَّا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ لِعَدْلِ اللهِ وَفَضْلِهِ. [2]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
يَنْقُلُ الْبَغَوِيُّ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ قَوْلَهُمْ: "مَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ صَلَاتَكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ"، وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ سَبَبَ النُّزُولِ حَاكِمٌ فِي فَهْمِ مَعْنَى الْإِيمَانِ هُنَا. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الصَّلَاةِ إِيمَانًا هِيَ لُغَةُ الْقُرْآنِ الَّتِي تَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ مِمَّنْ يُخْرِجُونَ الْعَمَلَ، فَالدِّينُ عِنْدَهُ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْإِيمَانُ بِالْقِبْلَةِ السَّابِقَةِ وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا كَانَ هُوَ مَحَلَّ الِامْتِحَانِ، فَجَاءَ النَّصُّ لِيُثَبِّتَ هَذَا الْعَمَلَ وَيَرْفَعَ ذِكْرَهُ فِي سِيَاقِ الْإِيمَانِ. [3]
تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يَسْتَنْبِطُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَائِدَةً عَقَدِيَّةً جَلِيلَةً، وَهِيَ أَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَقُلْ "وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ تَصْدِيقَكُمْ"، بَلْ قَالَ "إِيمَانَكُمْ" وَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ، مِمَّا يَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ جَادِلٍ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الِاسْمَ يَتَنَاوَلُ الصَّلَاةَ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا وَخُشُوعِهَا، فَالْعَمَلُ الظَّاهِرُ تَرْجَمَةٌ لِلْيَقِينِ الْبَاطِنِ، وَاللهُ لَا يُضِيعُ هَذَا التَّرَابُطَ بَيْنَ الْجَارِحَةِ وَالْفُؤَادِ. [4]
ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ حَوْلَ التَّفَاسِيرِ السَّابِقَةِ (قُلْتُ)
قُلْتُ: بَعْدَ النَّظَرِ فِي مَسَارَاتِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْآيَةَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ فِي بَابِ الْعَمَلِ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا الْجَمْعِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَسْتَعْمِلْ لَفْظَ "الْإِيمَانِ" لِيَعْنِيَ بِهِ الِاعْتِقَادَ الْمُجَرَّدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ، بَلْ لِيُدْمِجَ فِيهِ "الْهَيْئَةَ الصَّلَاتِيَّةَ" بِرُمَّتِهَا. فَالِارْتِبَاطُ هُنَا ارْتِبَاطُ "مَاهِيَّةٍ" لَا ارْتِبَاطُ "مُجَاوَرَةٍ"؛ بِمَعْنَى أَنَّ الصَّلَاةَ هِيَ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَتْ لَازِماً خَارِجاً عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا نُؤَصِّلُ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ: أَنَّ كُلَّ نَفْيٍ لِدُخُولِ الْعَمَلِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ تَصَادُمٌ مَعَ قَوْلِ اللهِ {إِيمَانَكُمْ}، فَإِذَا سَمَّى الخَالِقُ الْعَمَلَ إِيمَانًا، فَلَيْسَ لِلْمَخْلُوقِ أَنْ يَنْزِعَ عَنْهُ هَذَا الِاسْمَ. إِنَّ تَأْصِيلَ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ يَبْنِي لَدَى الْبَاحِثِ مَلَكَةً فِي فَهْمِ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ"؛ فَالظَّاهِرُ يَقْوَى بِقُوَّةِ الْبَاطِنِ، وَالْبَاطِنُ يَصِحُّ بِصِحَّةِ الظَّاهِرِ، وَاللهُ بِرَأْفَتِهِ يُجَازِي عَنِ الْمَجْمُوعِ لَا عَنْ أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. [5]
»»»»»»»»»»»»»»«««««««««»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
(1) "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، لِابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج (1)، ص (450).
(2) "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، لِلسَّعْدِيِّ، ص (70).
(3) "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، لِلْبَغَوِيِّ، ج (1)، ص (150).
(4) "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، سُورَةُ الْبَقَرَةِ، ص (140).
(5) (نُكْتَةٌ): سَبَبُ النُّزُولِ أَقْوَى قَرِينَةٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِيمَانِ هُوَ الْعَمَلُ.
(6) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الْإِيمَانِ"، بَابُ "الصَّلَاةِ مِنَ الْإِيمَانِ" حَدِيثُ (40).
(7) (فَائِدَةٌ): حَكَى الْقُرْطُبِيُّ إِجْمَاعَ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ "إِيمَانَكُمْ" هِيَ الصَّلَاةُ.
(8) "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (155)، فِي تَقْرِيرِ دُخُولِ الْأَعْمَالِ.
(9) (قُلْتُ): هَذَا الِاخْتِيَارُ لِلْمُفَسِّرِينَ جَاءَ لِإِحْكَامِ الْجَانِبِ الْعَقَدِيِّ فِي الْبَحْثِ.
(10) (تَنْبِيهٌ): اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ.
(11) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي"، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (96).
(12) (نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ): إِضَافَةُ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ {إِيمَانَكُمْ} فِيهِ تَشْرِيفٌ لِعَمَلِهِمْ.
(13) "شَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ"، لِلَّالْكَائِيِّ، ج (5)، ص (950).
(14) (قَاعِدَةٌ): الْأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ تُؤْخَذُ مِنْ مَوَارِدِ اسْتِعْمَالِ الشَّارِعِ لَا مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ بِمُفْرَدِهِ.
(15) "التَّمْهِيدُ"، لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، ج (9)، ص (238).
(16) (قُلْتُ): قَوْلُ السَّعْدِيِّ فِيهِ مَلْمَحٌ تَرْبَوِيٌّ بِجَانِبِ التَّأْصِيلِ الْعَقَدِيِّ.
(17) (نُكْتَةٌ): سَمَّى اللهُ الصَّلَاةَ إِيمَانًا لِأَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى النِّيَّةِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ.
(18) "الْإِيمَانُ"، لِابْنِ مَنْدَهْ، ج (1)، ص (180).
(19) (فَائِدَةٌ): الْمُرْجِئَةُ تَأَوَّلُوا الْآيَةَ بِأَنَّهَا "تَصْدِيقُكُمْ بِالصَّلَاةِ" وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ.
(20) "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (120).
(21) (قُلْتُ): تَوْثِيقُ هَذِهِ النُّقُولِ يَحْمِي الْبَحْثَ مِنْ شُبُهَاتِ الْمُخَالِفِينَ.
(22) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ" حَيْثُ حَكَى اتِّفَاقَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.
(23) (نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ): حِفْظُ اللهِ لِلْعَمَلِ مِنَ الضَّيَاعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الدِّينِ.
(24) "شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، لِابْنِ بَطَّالٍ، ج (1)، ص (105).
»»»»»»»»««««««»»»»»»»»»««««««««««(16)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4) - [ص 17]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الْأَحَادِيثِ بِحَسَبِ الشُّرَّاحِ]
الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (حَدِيثُ الشُّعَبِ) - شَرْحُ الْإِمَامِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
يُقَرِّرُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَصْلٌ وَفُرُوعٌ وَشُعَبٌ، وَأَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الشُّعَبَ كُلَّهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الشُّعَبَ مِنْهَا مَا يَزُولُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهِ (كَأَصْلِ التَّوْحِيدِ)، وَمِنْهَا مَا لَا يَزُولُ بِزَوَالِهِ (كَإِمَاطَةِ الْأَذَى)، لَكِنَّ الدِّينَ يَكْمُلُ بِهَا. فَالْحِكْمَةُ عِنْدَهُ هِيَ إِثْبَاتُ أَنَّ الْأَعْمَالَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مَنْظُومَةِ الدِّينِ الَّتِي ارْتَضَاهَا اللهُ لِعِبَادِهِ. [1]
الْحَدِيثُ الثَّانِي (حَدِيثُ الصِّيَامِ) - شَرْحُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُفَصِّلُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ فِي مَعْنَى "إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا"، مُقَرِّراً أَنَّ الْإِيمَانَ هُنَا هُوَ التَّصْدِيقُ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ، وَالِاحْتِسَابُ هُوَ رَجَاءُ الثَّوَابِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ (الصَّوْمَ) هُوَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَمُوجِبُ الْمَغْفِرَةِ، وَأَنَّ مَنْ صَامَ بِجَارِحَتِهِ دُونَ يَقِينِ قَلْبِهِ لَمْ يَنَلْ هَذَا الْوَعْدَ، مِمَّا يُثْبِتُ التَّلَازُمَ الْقَطْعِيَّ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. [2]
الْحَدِيثُ الثَّالِثُ (حَدِيثُ الْقِيَامِ) - شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّندِيِّ:
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ السِّندِيُّ فِي شَرْحِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ تَرْتِيبَ الْمَغْفِرَةِ عَلَى "قِيَامِ رَمَضَانَ" يَقْطَعُ قَوْلَ مَنْ أَخْرَجَ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ رَبَطَ النَّتِيجَةَ بِالْفِعْلِ. وَيُوضِّحُ أَنَّ "الْإِيمَانَ" الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعَمَلِ، وَالْعَمَلَ هُوَ التَّحْقِيقُ لِهَذَا الْبَاعِثِ، وَبِهَذَا التَّكَامُلِ يَتَحَقَّقُ مُسَمَّى الدِّينِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَرْدُّ عَلَى أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَالتَّعْطِيلِ. [3]
[ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ حَوْلَ شُرَّاحِ الْأَحَادِيثِ (قُلْتُ)]
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا التَّنَوُّعَ فِي الشُّرُوحِ بَيْنَ ابْنِ رَجَبٍ وَابْنِ عُثَيْمِينَ وَالسِّندِيِّ يَبْنِي لَدَى الْبَاحِثِ رُؤْيَةً عَقَدِيَّةً شَامِلَةً. فَتَأْصِيلِي لِهَذَا الْمَقَامِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ شُرَّاحَ الْحَدِيثِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ لَمْ يَنْظُرُوا لِلْأَعْمَالِ كَـ "مُكَمِّلَاتٍ" خَارِجِيَّةٍ، بَلْ جَعَلُوهَا "شُعَباً" وَ"شُرُوطاً" لِتَحْصِيلِ الْمَغْفِرَةِ. فَالِارْتِبَاطُ بَيْنَ الِاحْتِسَابِ الْقَلْبِيِّ وَالْقِيَامِ الْبَدَنِيِّ هُوَ الَّذِي يُشَكِّلُ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ. وَمِنْ هُنَا نُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ بَدَنِيٍّ نَصَّتِ السُّنَّةُ عَلَى كَوْنِهِ سَبَباً لِلْمَغْفِرَةِ مَشْرُوطاً بِالْإِيمَانِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ تَبَعاً أَوْ أَصَالَةً. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَهْدِمُ أَسَاسَ الْفَصْلِ بَيْنَ الدِّينِ وَالْعَمَلِ، وَيُثْبِتُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَزْدَادُ قُرْباً إِلَّا بِمَا تُؤَدِّيهِ جَوَارِحُهُ طَاعَةً لِرَبِّهِ، وَهَذَا هُوَ مَقْصُودُ الشَّيْخِ بْنِ رِيحَان فِي رَبْطِ النُّصُوصِ بِفَهْمِ الْأَئِمَّةِ. [4]
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
(1) "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (125).
(2) "شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (1)، ص (48).
(3) يُنْظَرُ: "دُرُوسُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّندِيِّ فِي شَرْحِ كُتُبِ السُّنَّةِ".
(4) (ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ): الْعَمَلُ بِلَا إِيمَانٍ هَبَاءٌ، وَالْإِيمَانُ بِلَا عَمَلٍ نَقْصٌ وَخَلَلٌ.
(5) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الْإِيمَانِ" حَدِيثُ (9، 37، 38).
(6) (نُكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ): قَدَّمَ الشَّيْخُ حَدِيثَ الشُّعَبِ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَرَاتِبِ الدِّينِ.
(7) (فَائِدَةٌ): "إِيمَانًا" فِي أَحَادِيثِ رَمَضَانَ تَعْنِي التَّصْدِيقَ بِالْفَرْضِيَّةِ وَالْفَضْلِ.
(8) "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (53).
(9) (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان يَهْدِفُ لِتَحْقِيقِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ.
(10) (تَنْبِيهٌ): خَصَّ رَمَضَانَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مَوْسِمُ الطَّاعَاتِ الْإِيمَانِيَّةِ الْكُبْرَى.
(11) "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (150).
(12) (نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ): "الْبِضْعُ" مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ وَالتِّسْعِ.
(13) (فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ): حَدِيثُ الشُّعَبِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ قَالَ الْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
(14) "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، ج (3)، ص (145).
(15) (قُلْتُ): تَقْرِيرَاتُ السِّندِيِّ تُبَيِّنُ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى دُخُولِ الْعَمَلِ.
(16) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ الْعَمَلِيِّ.
(17) (نُكْتَةٌ): "احْتِسَابًا" تَنْفِي الرِّيَاءَ وَتُثْبِتُ الْإِخْلَاصَ لِوَجْهِ اللهِ.
(18) "الْإِيمَانُ" لِابْنِ مَنْدَهْ، ص (185).
(19) (قَاعِدَةٌ): الْإِيمَانُ يَتَفَاضَلُ بِتَفَاضُلِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ.
(20) (نُكْتَةٌ): سُمِّيَ الْحَيَاءُ شُعْبَةً لِأَنَّهُ يَقُودُ إِلَى بَقِيَّةِ الشُّعَبِ.
(21) "الْمُفْهِمُ" لِلْقُرْطُبِيِّ، ج (1)، ص (210).
(22) (فَائِدَةٌ): رَبْطُ الصَّلَاةِ بِالْإِيمَانِ فِي الْآيَةِ يُشْبِهُ رَبْطَ الصَّوْمِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ.
(23) (تَوْثِيقٌ): جَمِيعُ النُّقُولِ مُسْتَفَادَةٌ مِنْ مَظَانِّهَا فِي كُتُبِ الْعَقِيدَةِ وَالسُّنَّةِ.
(24) (نُكْتَةٌ): الْمَغْفِرَةُ فِي الْحَدِيثِ مُقَيَّدَةٌ بِالذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»«««««««««««««««««««(18)
(الْمُتَمِّمُ الْخَامِسُ لِلْوَجْهِ الرَّابِعِ) - [ص 18]
[تَمْهِيدٌ: فِي مَقْصِدِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان مِنْ تَقْرِيرِ دُخُولِ الْأَعْمَالِ]
قَرَّرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- أَنَّ الْأَعْمَالَ دَاخِلَةٌ فِي صَمِيمِ الْإِيمَانِ لِيُوصِدَ الْبَابَ أَمَامَ أَعْظَمِ فِتْنَةٍ عَقَدِيَّةٍ عَرَفَتْهَا الْأُمَّةُ، وَهِيَ فِتْنَةُ "الْإِرْجَاءِ الْغَالِي". فَهَذِهِ الْفِقْرَةُ لَمْ تَأْتِ لِمُجَرَّدِ التَّعْرِيفِ، بَلْ لِإِبْطَالِ مَذْهَبِ مَنْ جَعَلَ الدِّينَ مَعْرِفَةً جَافَّةً بِلَا رُوحٍ وَلَا عَمَلٍ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ هَدَمُوا مَفْهُومَ الِانْقِيَادِ الْبَدَنِيِّ وَالْقَلْبِيِّ. [1]
[أَوَّلاً: غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ - نِشْأَةُ الضَّلَالِ وَمَنْبَعُ الِانْحِرَافِ]
إِنَّ مَذْهَبَ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ يَقُومُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ: أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الْمَعْرِفَةُ بِاللهِ" فَقَطْ، وَالْكُفْرَ هُوَ "الْجَهْلُ بِهِ" فَقَطْ. [2]
فَمَنْ عَرَفَ اللهَ بِقَلْبِهِ عَرَفَ أَنَّهُ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ أَبَداً أَوْ يَسْجُدْ للهِ سَجْدَةً. [3]
بَدَأَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ عِنْدَ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ تَلَقَّفَهَا عَنْهُ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ الَّذِي نَشَرَهَا بَيْنَ النَّاسِ وَأَقَامَ عَلَيْهَا الدَّلَائِلَ الْعَقْلِيَّةَ الْفَاسِدَةَ. [4]
اسْتَقَى الْجَعْدُ أَصْلَ ضَلَالِهِ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، عَنْ طَالُوتَ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى جُذُورِهِ الْأَعْجَمِيَّةِ. [5]
جَعَلُوا الْإِيمَانَ شَيْئاً وَاحِداً بَسِيطاً لَا يَتَقَسَّمُ وَلَا يَتَفَاضَلُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَعْرِفَ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ أَوْ لَا يَعْرِفَهُ، وَبِذَلِكَ اسْتَوَى الْخَلْقُ عِنْدَهُمْ. [6]
زَعَمُوا أَنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ وَالْعَمَلَ بِالْجَوَارِحِ هِيَ أُمُورٌ خَارِجَةٌ عَنْ ذَاتِ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ "شَوَاهِدُ" أَوْ "ثَمَرَاتٌ" غَيْرُ رُكْنِيَّةٍ. [7]
مَذْهَبُهُمْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَقَعُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، بَلْ لَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ كَافِراً إِلَّا إِذَا "جَهِلَ" رَبَّهُ تَمَاماً. [8]
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ إِيمَانُ فِرْعَوْنَ، لِأَنَّهُ قَالَ: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ}، فَهُوَ "عَالِمٌ" وَ"عَارِفٌ" بِيَقِينٍ. [9]
كَمَا يَلْزَمُهُمْ إِيمَانُ إِبْلِيسَ، لِأَنَّهُ يَعْرِفُ اللهَ وَيَقُولُ: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}، فَمَعْرِفَتُهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ تَجْعَلُهُ عِنْدَهُمْ نَاجِياً. [10]
أَنْكَرُوا زِيَادَةَ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانَهُ، لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، فَإِمَّا "عِلْمٌ" أَوْ "عَدَمُ عِلْمٍ". [11]
هَذِهِ الْمَقَالَةُ كَانَتْ تَوْطِئَةً لِلْقَوْلِ بِـ "وَحْدَةِ الْوُجُودِ" عِنْدَ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ تَأَثَّرُوا بِمَعْرِفَةِ الْجَهْمِيَّةِ. [12]
رَدَّ السَّلَفُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ الْعَمَلَ وَسَمَّاهُ إِيمَانًا، وَلَا قِيمَةَ لِمَعْرِفَةٍ لَا تَقُودُ إِلَى انْقِيَادِ الْجَوَارِحِ وَطَاعَتِهَا. [13]
رَأَى الْجَهْمِيَّةُ أَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ سَبَّ اللهَ أَوْ كَسَرَ الصَّلِيبَ أَوْ تَرَكَ الصَّلَاةَ زَنْدَقَةً، أَنَّهُ يَبْقَى مُؤْمِناً كَامِلاً. [14]
اسْتَنَدُوا لِشُبَهٍ لُغَوِيَّةٍ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ بِأَنَّهُ "التَّصْدِيقُ"، وَالتَّصْدِيقُ عِنْدَهُمْ فِعْلُ الْقَلْبِ الْمَحْضُ، فَحَمَلُوا الْقُرْآنَ عَلَى قَوَاعِدِ الْبَشَرِ. [15]
إِنَّ مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّةِ هِيَ "أَخْبَثُ" مَقَالَاتِ الْإِرْجَاءِ، لِأَنَّهَا تُجَرِّدُ الدِّينَ مِنْ كُلِّ رِبَاطٍ بَيْنَ الْعَبْدِ وَخَالِقِهِ فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ. [16]
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[الْحَاشِيَةُ]
[1] الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ (رَأْسُ الْفِتْنَةِ):
مَوْلِدُهُ: لَمْ تُحَدِّدِ الْمَصَادِرُ سَنَةَ مَوْلِدِهِ بِدِقَّةٍ، لَكِنَّهُ ظَهَرَ فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ بِدِمَشْقَ.
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: قُتِلَ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى سَنَةَ (124 هـ).
كَيْفِيَّةُ مَوْتِهِ: ذَبَحَهُ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْقَسْرِيُّ تَحْتَ الْمِنْبَرِ بَعْدَ أَنْ خَطَبَ فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيماً".
مَصْدَرُ ضَلَالِهِ: أَخَذَ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَبَانُ عَنْ طَالُوتَ، وَطَالُوتُ عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ. [يُنْظَرُ: الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، ج 9، ص 350].
[2] جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (نَاشِرُ الْمَقَالَةِ):
مَوْلِدُهُ: وُلِدَ فِي الْكُوفَةِ نَحْوَ سَنَةِ (80 هـ) وَنَشَأَ بِتِرْمِذَ.
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: قُتِلَ سَنَةَ (128 هـ) فِي مَدِينَةِ مَرْوَ بِخُرَاسَانَ.
كَيْفِيَّةُ مَوْتِهِ: قَتَلَهُ سَلَمُ بْنُ أَحْوَزَ الْمَازِنِيُّ صَبْراً بَعْدَ أَنْ نَاظَرَهُ وَتَبَيَّنَتْ زَنْدَقَتُهُ فِي تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ وَالْإِيمَانِ.
لَوَازِمُ مَذْهَبِهِ: (1) تَعْطِيلُ صِفَاتِ اللهِ الْعُلْيَا. (2) الْقَوْلُ بِالْجَبْرِ (أَنَّ الْعَبْدَ لَا فِعْلَ لَهُ). (3) الْقَوْلُ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ. (4) الْإِرْجَاءُ الْغَالِي (الْمَعْرِفَةُ تَكْفِي). [يُنْظَرُ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 6، ص 26].
[3] الْجَمَاعَاتُ الَّتِي تَشَعَّبَتْ عَنْهُمْ:
الْمُعْتَزِلَةُ: وَافَقُوهُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ لَكِنْ خَالَفُوهُمْ فِي الْإِرْجَاءِ وَالْقَدَرِ.
الْأَشَاعِرَةُ (فِي مَسْأَلَةِ التَّصْدِيقِ): تَأَثَّرُوا بِقَوْلِهِمْ فِي الْإِيمَانِ مَعَ تَعْدِيلاتٍ طَفِيفَةٍ.
الْمُرْجِئَةُ الْخَالِصَةُ: الَّذِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ قَوْلاً بِلَا عَمَلٍ.
[4] ضَوَابِطُ عَقَدِيَّةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ:
(الضَّابِطُ الْأَوَّلُ): الْإِيمَانُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا لُغَوِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَالشَّارِعُ أَدْخَلَ فِيهِ الْأَعْمَالَ.
(الضَّابِطُ الثَّانِي): كُلُّ قَوْلٍ يَسْتَلْزِمُ إِيمَانَ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ فَهُوَ قَوْلٌ كُفْرِيٌّ بَاطِلٌ.
(الضَّابِطُ الثَّالِثُ): التَّلَازُمُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ يَمْنَعُ وُجُودَ مَعْرِفَةٍ صَادِقَةٍ بِلَا عَمَلٍ ظَاهِرٍ.
(الضَّابِطُ الرَّابِعُ): الْإِيمَانُ يَبْطُلُ بِمُقَارِفَةِ النَّوَاقِضِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ، وَلَا يَعْتَصِمُ بِالْمَعْرِفَةِ وَحْدَهَا.
[5] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان حَرِصَ عَلَى ذِكْرِ مَقَالَةِ الْجَهْمِيَّةِ لِيُحَذِّرَ الْبَاحِثَ مِنْ رُوحِ "الِاتِّكَالِ" الَّتِي قَدْ تَنْشَأُ مِنْ ضَعْفِ فَهْمِ مَنْزِلَةِ الْأَعْمَالِ.
[6] (نُكْتَةٌ تَارِيخِيَّةٌ): قَالُوا لِلْجَعْدِ قَبْلَ ذَبْحِهِ: "تُبْ إِلَى اللهِ"، فَقَالَ: "لَا أَتُوبُ عَنْ مَعْرِفَتِي"، فَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُ سَبَبَ هَلَاكِهِ.
[7] (تَوْثِيقُ الْبَحْثِ): جَمِيعُ التَّوَارِيخِ مُحَقَّقَةٌ مِنْ "شَذَرَاتِ الذَّهَبِ" وَ"تَارِيخِ الْإِسْلَامِ".
[8] (لَازِمٌ فَاسِدٌ): إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةً، فَلَا يَضُرُّ الزِّنْدِيقَ أَنْ يَمْكُرَ بِالدِّينِ مَا دَامَ "عَارِفاً" بِقَلْبِهِ.
[9] (نُكْتَةٌ): سُمِّيَتِ الْجَهْمِيَّةُ "نُفَاةَ الصِّفَاتِ" لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ تَنْزِيهَ اللهِ يَقْتَضِي سَلْبَ مَعَانِي الْكَمَالِ عَنْهُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»(١٩)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4 - مُتَمِّمٌ) - [ص 19]
[تَمْهِيدٌ: مَوْقِفُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان مِنَ الْإِرْجَاءِ الْمُتَكَلِّمِ]
جَاءَ تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- لِأَصْلِ دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ كَرَدٍّ مَتِينٍ عَلَى "مُرْجِئَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ" مِنَ الْأَشَاعِرَةِ. فَهَذِهِ الْفِرْقَةُ، وَإِنْ خَالَفَتِ الْجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ، إِلَّا أَنَّهَا الْتَقَتْ مَعَهُمْ فِي نُقْطَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ وَهِيَ "تَحْيِيدُ الْعَمَلِ" عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، مِمَّا جَعَلَ الشَّيْخَ يُؤَكِّدُ عَلَى النُّصُوصِ الْحَدِيثِيَّةِ الَّتِي تُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ لَا بَسِيطَةٌ. [1]
[أَوَّلاً: الْأَشَاعِرَةُ وَمَقَالَةُ "التَّصْدِيقِ" - الْجُذُورُ وَالتَّأْصِيلُ]
- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ إِلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ هِيَ "تَصْدِيقُ الْقَلْبِ" فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلٌ قَلْبِيٌّ مُجَرَّدٌ. [2]
- اسْتَقَى الْأَشَاعِرَةُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ "مُرْجِئَةِ الْجَهْمِيَّةِ" لَكِنَّهُمْ حَاوَلُوا تَهْذِيبَهُ بِمُصْطَلَحِ "التَّصْدِيقِ" بَدَلاً مِنَ "الْمَعْرِفَةِ". [3]
- يَرَوْنَ أَنَّ "الْمَعْرِفَةَ" هِيَ عِلْمٌ ضَرُورِيٌّ، بَيْنَمَا "التَّصْدِيقُ" هُوَ إِذْعَانُ الْقَلْبِ، وَمَعَ ذَلِكَ أَخْرَجُوا الْعَمَلَ عَنْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ. [4]
- مَصْدَرُ هَذَا الِانْحِرَافِ يَعُودُ إِلَى اعْتِمَادِهِمْ عَلَى "الْمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ" لِلْإِيمَانِ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّصْدِيقُ. [5]
- قَالُوا: بِمَا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يُغَيِّرِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ، فَالْإِيمَانُ يَبْقَى حَقِيقَةً لِسَانِيَّةً تَعْنِي "تَصْدِيقَ الْجَنَانِ" لَا غَيْرُ. [6]
- زَعَمُوا أَنَّ النُّطْقَ بِاللِّسَانِ لَيْسَ جُزْءاً مِنَ الْإِيمَانِ، بَلْ هُوَ "شَرْطٌ" لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللهِ. [7]
- أَمَّا الْأَعْمَالُ عِنْدَهُمْ (كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ)، فَهِيَ "شَرَائِعُ" وَلَوَازِمُ لِلْإِيمَانِ، وَلَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي مَاهِيَّتِهِ وَلَا حَقِيقَتِهِ. [8]
- تَبِعُوا فِي ذَلِكَ أَبَا مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيَّ فِي بَعْضِ جَوَانِبِ مَقَالَتِهِ، مِمَّا شَكَّلَ "الْإِرْجَاءَ الْكَلَامِيَّ" الْمُنْتَشِرَ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ. [9]
- يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، لِأَنَّ "التَّصْدِيقَ" حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ عِنْدَهُمْ لَا تَقْبَلُ التَّفَاضُلَ. [10]
- كَمَا يَلْزَمُهُمْ أَنَّ إِيمَانَ آحَادِ النَّاسِ كَإِيمَانِ الصِّدِّيقِ وَالْأَنْبِيَاءِ فِي مَحَلِّ "التَّصْدِيقِ" الْقَلْبِيِّ. [11]
- لَازِمُ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ مَنْ سَبَّ اللهَ أَوْ أَهَانَ الْمُصْحَفَ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ، بَلْ لِأَنَّ هَذَا الْفِعْلَ "دَلِيلٌ" عَلَى زَوَالِ التَّصْدِيقِ مِنْ قَلْبِهِ. [12]
- حَاوَلُوا الِالْتِفَافَ عَلَى نُصُوصِ "زِيَادَةِ الْإِيمَانِ" بِقَوْلِهِمْ إِنَّ الزِّيَادَةَ تَكُونُ فِي "تَوَاتُرِ الْأَعْمَالِ" لَا فِي جَوْهَرِ الْإِيمَانِ. [13]
- مَقَالَتُهُمْ هَذِهِ فَتَحَتِ الْبَابَ لِتَجْرِيءِ النَّاسِ عَلَى الْمَعَاصِي، مَا دَامَ "التَّصْدِيقُ" مَوْجُوداً وَالْمَغْفِرَةُ مَرْجُوَّةً بِغَيْرِ عَمَلٍ. [14]
- رَدَّ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ "حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ" أَعَمُّ مِنَ التَّصْدِيقِ، وَأَنَّ جِنْسَ الْعَمَلِ رُكْنٌ فِيهِ. [15]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ (رَأْسُ الْمَذْهَبِ):
- مَوْلِدُهُ: وُلِدَ فِي الْبَصْرَةِ سَنَةَ (260 هـ).
- تَارِيخُ وَفَاتِهِ: تُوُفِّيَ فِي بَغْدَادَ سَنَةَ (324 هـ).
- مَصِيرُهُ: مَاتَ بَعْدَ أَنْ مَرَّ بِثَلَاثِ مَرَاحِلَ: (الِاعْتِزَالُ، الْكُلَّابِيَّةُ، ثُمَّ قُرْبُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْإِبَانَةِ)، لَكِنَّ أَصْحَابَهُ اسْتَقَرُّوا عَلَى الْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ. [يُنْظَرُ: تَارِيخُ بَغْدَادَ، ج 4، ص 346].
[2] لَوَازِمُ قَوْلِ الْأَشَاعِرَةِ فِي التَّصْدِيقِ:
- (اللَّازِمُ الْأَوَّلُ): أَنَّ الْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَفَاضَلُ؛ فَتَصْدِيقُ الْعَاصِي كَتَصْدِيقِ النَّبِيِّ.
- (اللَّازِمُ الثَّانِي): عَدَمُ جَوَازِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ (أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ)، لِأَنَّ الشَّاكَّ فِي تَصْدِيقِهِ كَافِرٌ عِنْدَهُمْ.
- (اللَّازِمُ الثَّالِثُ): حَصْرُ الْكُفْرِ فِي "التَّكْذِيبِ" أَوْ "الْجَحْدِ"، مِمَّا يَعْنِي نَجَاةَ كَثِيرٍ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ لَمْ يُكَذِّبُوا بَلْ عَانَدُوا.
- (اللَّازِمُ الرَّابِعُ): إِخْرَاجُ جِنْسِ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ عَنْ كَوْنِهِ شَرْطَ صِحَّةٍ لِلْإِيمَانِ.
[3] أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ (مُقَعِّدُ الْمَذْهَبِ):
- مَوْلِدُهُ: وُلِدَ بِالْبَصْرَةِ (تَارِيخُ الْمَوْلِدِ غَيْرُ دَقِيقٍ).
- تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (403 هـ). مَاتَ بِبَغْدَادَ، وَهُوَ مَنْ رَسَّخَ قَوْلَ التَّصْدِيقِ فِي كُتُبِهِ كَـ "التَّمْهِيدِ".
[4] أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ (إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ):
- مَوْلِدُهُ: وُلِدَ سَنَةَ (419 هـ).
- تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (478 هـ). نَصَرَ قَوْلَ التَّصْدِيقِ ثُمَّ حَكَى فِي "الْإِرْشَادِ" خِلَافَ الْأَشَاعِرَةِ فِي كَوْنِ النُّطْقِ شَرْطاً أَوْ شَطْراً.
[5] ضَوَابِطُ عَقَدِيَّةٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْأَشَاعِرَةِ:
- (الضَّابِطُ الْأَوَّلُ): الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى "الْإِقْرَارِ" الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ، لَا مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ الْخَبَرِيِّ.
- (الضَّابِطُ الثَّانِي): نُصُوصُ الْقُرْآنِ صَرِيحَةٌ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}، وَالْأَعْمَالُ هِيَ مَادَّةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ.
- (الضَّابِطُ الثَّالثُ): التَّفْرِيقُ بَيْنَ "أَصْلِ الْإِيمَانِ" وَ"الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ" يَهْدِمُ قَوْلَهُمْ بِعَدَمِ التَّفَاضُلِ.
- (الضَّابِطُ الرَّابِعُ): إِجْمَاعُ السَّلَفِ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الْإِرْجَاءِ كُلِّهِ.
[6] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان نَبَّهَ إِلَى خَطَرِ "الْإِرْجَاءِ الْمُقَنَّعِ" عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ لِأَنَّهُ يُوهِمُ الطَّالِبَ بِالتَّنْزِيهِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يُعَطِّلُ الشَّرِيعَةَ.
[7] (نُكْتَةٌ): زَعَمَ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ الْعَمَلَ "كَمَالِيٌّ"، وَرَدَّ السَّلَفُ بِأَنَّ مَا كَانَ رُكْنًا لَا يُسَمَّى كَمَالًا زَائِدًا.
[8] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): تَمَّ ضَبْطُ الْوَفَيَاتِ مِنْ "الْمُنْتَظَمِ" لِابْنِ الْجَوْزِيِّ وَ"سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ".
[9] (لَازِمٌ فَاسِدٌ): إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ تَصْدِيقاً فَقَطْ، فَإِنَّ مَنْ عَرَفَ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَتَّبِعْهُ (كَأَبِي طَالِبٍ) يَكُونُ مُؤْمِناً، وَهَذَا بَاطِلٌ إِجْمَاعاً.
[10] (فَائِدَةٌ): مَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ رُكْنُ مَذْهَبِهِمْ فِي "الْجَبْرِ"، إِذْ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ يُؤَثِّرُ فِي مَقَامِهِ عِنْدَ اللهِ.
[11] (نُكْتَةٌ): سُمِّيَ ابْنُ كُلَّابٍ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ "يَجْتَرُّ" خُصُومَهُ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَظَّرَ لِقَوْلِ التَّصْدِيقِ قَبْلَ الْأَشْعَرِيِّ.
《《《《《《《《《《《《《《《《 》》》》》》》》》》》》》》《《《《《《《《《《《《《《《《《《《 》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》《《《20》》》》》》
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4 - مُتَمِّمٌ) - [ص 20]
[تَمْهِيدٌ: مَوْقِفُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان مِنْ إِرْجَاءِ "النُّطْقِ الْمُجَرَّدِ"]
جَاءَ تَأْصِيلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- لِوُجُوبِ دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لِيَنْقُضَ غَزْلَ "الْكَرَّامِيَّةِ" الَّذِينَ جَعَلُوا الدِّينَ مَحْضَ لَقْلَقَةٍ بِاللِّسَانِ. فَهَذِهِ الْفِرْقَةُ قَدْ شَذَّتْ عَنِ الْمَنْقُولِ وَالْمَعْقُولِ حِينَ حَصَرَتِ الْإِيمَانَ فِي "الظَّاهِرِ النُّطْقِيِّ" مَعَ تَحْيِيدِ الْقَلْبِ وَالْجَارِحَةِ، مِمَّا جَعَلَ الشَّيْخَ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ، وَأَنَّ النُّطْقَ بِلَا عَمَلٍ وَلَا اعْتِقَادٍ لَا قِيمَةَ لَهُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ. [1]
[أَوَّلاً: الْكَرَّامِيَّةُ وَمَقَالَةُ "الْقَوْلِ" - النِّشْأَةُ وَالِانْحِرَافُ]
ذَهَبَط مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ" وَالنُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَطْ. [2]
زَعَمُوا أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِاللِّسَانِ فَقَدْ صَارَ مُؤْمِناً حَقّاً، وَإِنْ كَانَ قَلْبُهُ مُبْطِناً لِلْكُفْرِ، أَوْ جَوَارِحُهُ مُعَطَّلَةً عَنِ الْعَمَلِ. [3]
لَمْ يَسْتَقُوا هَذَا الْقَوْلَ مِنْ سَلَفٍ، بَلْ هُوَ ابْتِدَاعٌ مَحْضٌ لِلتَّفْرِيقِ بَيْنَ "حَقِيقَةِ الِاسْمِ" وَ"حَقِيقَةِ الِاسْتِحْقَاقِ". [4]
قَالُوا: الْمُنَافِقُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ "مُؤْمِناً" لِأَنَّهُ نَطَقَ، وَإِنْ كَانَ "مُخَلَّداً فِي النَّارِ" لِفَسَادِ بَاطِنِهِ. [5]
مَصْدَرُ ضَلَالِهِمْ هُوَ الظَّنُّ بِأَنَّ "الْإِيمَانَ" اسْمٌ لِلْفِعْلِ الظَّاهِرِ لِتَمْيِيزِ الْمُسْلِمِ عَنِ الْكَافِرِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَقَطْ. [6]
أَخْرَجُوا "مَعْرِفَةَ الْقَلْبِ" وَ"تَصْدِيقَهُ" عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَجَعَلُوهُمَا مِنْ تَوَابِعِهِ الَّتِي يُثَابُ عَلَيْهَا لَا الَّتِي يَقُومُ بِهَا الِاسْمُ. [7]
مَذْهَبُهُمْ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ رُتْبَةَ الْإِيمَانِ رُتْبَةٌ "شَكْلِيَّةٌ" لَا تَتَطَلَّبُ صَلَاحاً فِي الْبَاطِنِ وَلَا انْقِيَاداً فِي الظَّاهِرِ. [8]
تَبِعُوا فِي ذَلِكَ أُصُولاً قَدَرِيَّةً وَتَجْسِيمِيَّةً خَلَطُوهَا بِمَسَائِلِ الْإِيمَانِ، مِمَّا أَنْتَجَ فِكْراً هَجِيناً خَالَفُوا بِهِ الْأُمَّةَ. [9]
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ؛ لِأَنَّ النُّطْقَ حَقِيقَةٌ صَوْتِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَقْبَلُ التَّفَاضُلَ فِي ذَاتِهَا. [10]
كَمَا يَلْزَمُهُمْ أَنَّ أَعْظَمَ الْمُنَافِقِينَ (كَابْنِ أُبَيٍّ) كَانَ مُؤْمِناً كَمِثْلِ إِيمَانِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ مِنْ حَيْثُ "الِاسْمُ". [11]
لَازِمُ مَذْهَبِهِمْ هَدْمُ مَفْهُومِ "الرِّدَّةِ" بِالْقَلْبِ، فَمَا دَامَ اللِّسَانُ نَاطِقاً فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ (فِي بَعْضِ تَفْرِيعَاتِهِمْ). [12]
حَاوَلُوا تَبْرِيرَ ضَلَالِهِمْ بِأَنَّ اللهَ أَمَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى "يَقُولُوا"، فَجَعَلُوا الْقَوْلَ هُوَ كُلَّ الْإِيمَانِ. [13]
مَقَالَتُهُمْ هَذِهِ فَتَحَتِ الْبَابَ لِتَجْرِيءِ الزَّنَادِقَةِ عَلَى دُخُولِ الْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ مَعَ مَأْمَنِهِمْ مِنِ اسْمِ الْكُفْرِ الدُّنْيَوِيِّ. [14]
رَدَّ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ (كَابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ) بِأَنَّ الْإِيمَانَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ الْمُوَاطَأَةِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ. [15]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الحاشية]
[1] مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيُّ (رَأْسُ الْفِرْقَةِ):
مَوْلِدُهُ: وُلِدَ فِي إِحْدَى قُرَى سِجِسْتَانَ سَنَةَ (200 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: تُوُفِّيَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَنَةَ (255 هـ) بَعْدَ أَنْ نُفِيَ إِلَيْهَا.
مَصِيرُهُ: قَضَى شَطْراً كَبِيراً مِنْ حَيَاتِهِ فِي السُّجُونِ (سُجِنَ بِنَيْسَابُورَ 8 سَنَوَاتٍ). طُرِدَ مِرَاراً لِشَنَاعَةِ مَقَالَتِهِ فِي التَّجْسِيمِ وَالْإِرْجَاءِ.
مَصْدَرُ ضَلَالِهِ: كَانَ يَضَعُ الْأَحَادِيثَ فِي الزُّهْدِ وَيَتَلَقَّى عَنْ كُلِّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ، فَاجْتَمَعَ فِيهِ الْجَهْلُ بِالْآثَارِ مَعَ الْجُرْأَةِ عَلَى الِابْتِدَاعِ. [يُنْظَرُ: لِسَانُ الْمِيزَانِ، ج 5، ص 347].
[2] لَوَازِمُ قَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ فِي النُّطْقِ:
(اللَّازِمُ الْأَوَّلُ): إِثْبَاتُ الْإِيمَانِ لِمَنْ يَعْلَمُ اللهُ أَنَّهُ كَافِرٌ بَاطِناً، وَهَذَا تَنَاقُضٌ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}.
(اللَّازِمُ الثَّانِي): جَعْلُ الْإِيمَانِ مَقْصُوراً عَلَى آلَةِ النُّطْقِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْأَخْرَسَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُؤْمِناً ابْتِدَاءً عِنْدَهُمْ (عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ).
(اللَّازِمُ الثَّالِثُ): إِخْرَاجُ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ (مِنْ حُبٍّ وَخَوْفٍ وَرَجَاءٍ) عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ.
(اللَّازِمُ الرَّابِعُ): تَسْوِيَةُ إِيمَانِ الْمُنَافِقِ الْخَالِصِ بِإِيمَانِ جِبْرِيلَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَهَذَا خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ.
[3] رُؤُوسُ الْكَرَّامِيَّةِ وَأَتْبَاعُهُمْ:
إِسْحَاقُ بْنُ مَحْمِدِ بْنِ يَمَامٍ: رَأْسُ الطَّائِفَةِ بَعْدَ ابْنِ كَرَّامٍ، وَهُوَ مَنْ قَعَّدَ لَهُمُ الْمَقَالَاتِ.
انْتَشَرَتْ نِحْلَتُهُمْ فِي خُرَاسَانَ وَغَوْرِ وَغَزْنَةَ، وَكَانَ لَهُمْ خَوَانِقُ وَدُورُ عِبَادَةٍ يَغُرُّونَ بِهَا الْعَوَامَّ بِالتَّقَشُّفِ.
[4] تَشَعُّبُهُمْ:
انْقَسَمُوا إِلَى حَوَالَيْ 12 فِرْقَةً، مِنْهَا: (الْحَقَائِقِيَّةُ) الَّذِينَ قَالُوا بِأَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ وَاحِدَةٌ، وَ**(الْمُهَاجِرِيَّةُ)**.
[5] ضَوَابِطُ عَقَدِيَّةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ:
(الضَّابِطُ الْأَوَّلُ): النُّطْقُ بِلَا اعْتِقَادٍ هُوَ "نِفَاقٌ" لَا "إِيمَانٌ"، وَاللهُ سَلَبَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ اسْمَ الْإِيمَانِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ.
(الضَّابِطُ الثَّانِي): الْإِيمَانُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا ثَابِتٌ (الْقَلْبُ) وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (الْعَمَلُ)، وَالنُّطْقُ بَرْزَخٌ بَيْنَهُمَا.
(الضَّابِطُ الثَّالِثُ): التَّفْرِيقُ بَيْنَ "أَحْكَامِ الدُّنْيَا" وَ"حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ"؛ فَنَحْنُ نُعَامِلُ النَّاطِقَ كَمُسْلِمٍ، لَكِنْ لَا نُسَمِّيهِ مُؤْمِناً عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِالْمُوَاطَأَةِ.
(الضَّابِطُ الرَّابِعُ): إِجْمَاعُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
[6] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان كَشَفَ سِتَارَ الْخَدِيعَةِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ الَّذِي يَكْتَفِي بِالْمَظَاهِرِ وَيُعَطِّلُ الْجَوَاهِرَ.
[7] (نُكْتَةٌ): قِيلَ لِابْنِ كَرَّامٍ: "أَلَيْسَ اللهُ يَقُولُ: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}؟" فَقَالَ: "أَيْ فِي الْبَاطِنِ، لَكِنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ!" وَهَذَا مِنَ التَّلَاعُبِ بِدِينِ اللهِ.
[8] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): ضَبْطُ وَفَاةِ ابْنِ كَرَّامٍ سَنَةَ (255 هـ) ثَابِتٌ فِي "الْعِبَرِ" لِلذَّهَبِيِّ.
[9] (لَازِمٌ فَاسِدٌ): يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ كَانَ يَسُبُّ النَّبِيَّ ﷺ سِرّاً وَيُظْهِرُ الشَّهَادَتَيْنِ جَهْراً أَنَّهُ مُؤْمِنٌ حَقّاً، وَهَذَا كُفْرٌ.
[10] (فَائِدَةٌ): الْكَرَّامِيَّةُ هُمْ مَنْ فَتَحُوا بَابَ "التَّجْسِيمِ" فِي الصِّفَاتِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ غُلُوِّ الظَّاهِرِ فِي الصِّفَاتِ وَتَمْيِيعِ الظَّاهِرِ فِي الْإِيمَانِ.
[11] (نُكْتَةٌ لُغَوِيَّةٌ): الْإِيمَانُ لَا يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ الصَّوْتِ، بَلْ عَلَى الْخَبَرِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ اعْتِقَاداً.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(21)
(الْمُتَمِّمُ الثَّامِنُ لِلْوَجْهِ الرَّابِعِ) - [ص 21]
[تَمْهِيدٌ: مَقْصِدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان فِي بَيَانِ "إِرْجَاءِ الْفُقَهَاءِ"]
جَاءَ تَقْرِيرُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- لِدُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ لِيُمَيِّزَ بَيْنَ مَنْهَجِ السَّلَفِ وَبَيْنَ مَا وقَعَ فِيهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ. فَالشَّيْخُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَمَلِ -وَلَوْ كَانَ صُورِيًّا- يَفْتَحُ ثُغْرَةً لِلْمُبْطِلِينَ، وَأَنَّ مَدْرَسَةَ الرَّأْيِ رَغْمَ جَلَالَتِهِمْ فِي الْفِقْهِ، قَدْ جَانَبُوا الصَّوَابَ فِي هَذَا التَّأْصِيلِ الْعَقَدِيِّ الَّذِي خَالَفُوا بِهِ نُصُوصَ الشُّعَبِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ. [1]
[أَوَّلًا: مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ - الْجُذُورُ وَالتَّأْصِيلُ وَمَدْرَسَةُ الرَّأْيِ]
ذَهَبَ مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ"، وَأَخْرَجُوا "الْعَمَلَ" عَنْ مُسَمَّاهُ. [2]
اسْتَقَوْا هَذَا الْقَوْلَ نَتِيجَةَ التَّدْقِيقِ اللُّغَوِيِّ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ، وَظَنُّوا أَنَّ دُخُولَ الْأَعْمَالِ يُوجِبُ تَكْفِيرَ مَنْ تَرَكَهَا كَقَوْلِ الْخَوَارِجِ. [3]
بَدَأَ هَذَا الْقَوْلَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فِي الْكُوفَةِ، وَتَلَقَّفَهُ عَنْهُ تِلْمِيذُهُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ وَنَصَرَهُ. [4]
مَدْرَسَةُ الرَّأْيِ لَمْ تَكُنْ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَجُمْهُورُهُمْ تَبِعُوا أَبَا حَنِيفَةَ، لَكِنَّ فِيهِمْ مَنْ رَجَعَ أَوْ قَرُبَ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [5]
يَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَنَّ الْعَمَلَ لَازِمٌ لِلْإِيمَانِ، لَكِنَّهُمْ فِي "الْمُسَمَّى" يَبْقَوْنَ عَلَى قَوْلِ شَيْخِهِمْ. [6]
لَمْ يَخْتَلِفْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي مُجَرَّدِ دُخُولِ الْعَمَلِ فَقَطْ، بَلْ خَالَفَ فِي "الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ" وَ"الِاسْتِثْنَاءِ". [7]
يَرَوْنَ أَنَّ إِيمَانَ أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الْأَرْضِ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ، وَهَذَا لَازِمٌ خَطِيرٌ جِدًّا. [8]
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْخِلَافَ مَعَهُمْ "لَفْظِيٌّ" هُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّهُ خِلَافٌ "حَقِيقِيٌّ" لَهُ آثَارٌ عَمَلِيَّةٌ. [9]
مِنْ لَوَازِمِ مَذْهَبِهِمْ إِسْقَاطُ رُكْنِيَّةِ "جِنْسِ الْعَمَلِ"، مِمَّا قَدْ يُؤَدِّي إِلَى تَمْيِيعِ مَفْهُومِ الطَّاعَةِ عِنْدَ الْعَامَّةِ. [10]
يُنْكِرُونَ قَوْلَ "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ" وَيَرَوْنَهُ شَكًّا فِي الْإِيمَانِ، بَيْنَمَا السَّلَفُ يَسْتَثْنُونَ خَوْفًا مِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ. [11]
جَعَلُوا الْإِيمَانَ حَقِيقَةً ذِهْنِيَّةً ثَابِتَةً لَا تَتَأَثَّرُ بِالْجَوَارِحِ نَمَاءً وَاضْمِحْلَالًا، وَهَذَا يُخَالِفُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ. [12]
أَبُو حَنِيفَةَ أَدْخَلَ مَسْأَلَةَ "التَّقِيَّةِ" فِي الْإِيمَانِ مِمَّا خَالَفَ فِيهِ بَعْضَ الْأُصُولِ الْأَثَرِيَّةِ أَيْضًا. [13]
خِلَافُهُمْ فِي "الْمُسَمَّى" أَدَّى إِلَى فَتْحِ الْبَابِ لِإِرْجَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ (الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ) لِيَتَوَسَّعُوا بَعْدَهُمْ. [14]
رَدَّ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ (كَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ) بِشِدَّةٍ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ. [15]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (رَأْسُ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ):
مَوْلِدُهُ: لَمْ يُضْبَطْ بِالدِّقَّةِ، لَكِنَّهُ أَدْرَكَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ.
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (120 هـ) بِالْكُوفَةِ.
تَوْثِيقُ قَوْلِهِ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالْإِرْجَاءِ فِي الْكُوفَةِ، وَعَنْهُ تَلَقَّى أَبُو حَنِيفَةَ. [يُنْظَرُ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج 5، ص 233].
[2] الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ (مُنَظِّرُ الْمَدْرَسَةِ):
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ (80 هـ) بِالْكُوفَةِ.
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (150 هـ) بِبَغْدَادَ.
مَوْقِفُهُ: خَالَفَ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ كُبْرَى فِي الْإِيمَانِ: (1) إِخْرَاجُ الْعَمَلِ. (2) مَنْعُ التَّفَاضُلِ. (3) مَنْعُ الِاسْتِثْنَاءِ.
[3] أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ (قَاضِي الْقُضَاةِ):
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ (113 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (182 هـ).
تَحْقِيقُ قَوْلِهِ: مَالَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ إِلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، وَحُكِيَ عَنْهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْإِرْجَاءِ، لَكِنَّ كُتُبَ الْمَذْهَبِ تَنْسِبُ إِلَيْهِ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ.
[4] مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ:
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ (132 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (189 هـ).
تَوْثِيقُهُ: كَانَ أَكْثَرَهُمْ تَدْوِينًا لِلْمَذْهَبِ، وَثَبَّتَ مَسْأَلَةَ "الْإِيمَانِ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ" فِي مَسَائِلِهِ.
[5] هَلِ الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ؟
(قُلْتُ): هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَيْهِ: (أ) صِحَّةُ إِيمَانِ مَنْ تَرَكَ كُلَّ الْأَعْمَالِ مَعَ الْقُدْرَةِ. (ب) حُكْمُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ بِالْقُرْآنِ. (ج) مَسْأَلَةُ التَّكْفِيرِ بِبَعْضِ الْأَفْعَالِ كَسَبِّ الدِّينِ. [يُنْظَرُ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج 7، ص 297].
[6] لَوَازِمُ الْمَذْهَبِ الْخَطِيرَةُ:
التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ، مِمَّا يُضْعِفُ الْوَازِعَ الدِّينِيَّ.
جَعْلُ الطَّاعَاتِ "فُضُولًا" فِي بَابِ تَحْقِيقِ الِاسْمِ، وَهُوَ خِلَافُ مَا رَبَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ.
[7] مَسَائِلُ خَالَفَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ غَيْرَ الْعَمَلِ:
(الْإِيمَانُ لَا يَتَبَعَّضُ): أَيْ إِمَّا أَنْ يُوجَدَ كُلُّهُ أَوْ يَزُولَ كُلُّهُ.
(عَدَمُ التَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ): حَيْثُ رَأَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ التَّصْدِيقَ، فَلَا مَعْنَى لِلْمَشِيئَةِ.
[8] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان يَنْظُرُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِعَيْنِ "الْبَصِيرِ" الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّ لُبَّ الدِّينِ فِي الِانْقِيَادِ، وَالِانْقِيَادُ عَمَلٌ.
[9] (نُكْتَةٌ): سُمُّوا "مُرْجِئَةَ الْفُقَهَاءِ" تَمْيِيزًا لَهُمْ عَنْ "مُرْجِئَةِ الْكَلَامِ" كَالْجَهْمِيَّةِ، فَهُمْ يُعَظِّمُونَ الْعَمَلَ فِقْهًا لَا عَقِيدَةً.
[10] (ضَابِطٌ): أَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ الْوَعِيدِيَّةِ (الْمُكَفِّرِينَ بِالْكَبِيرَةِ) وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ (الْمُخْرِجِينَ لِلْعَمَلِ).
[11] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): جَمِيعُ الْوَفَيَاتِ مُسْتَقَاةٌ مِنْ "تَارِيخِ بَغْدَادَ" لِلْخَطِيبِ وَ"سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ".
[12] (فَائِدَةٌ): حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ كَانَ يُرْجِئُ ثُمَّ يُقَالُ أَنَّهُ رَجَعَ، لَكِنَّ الرِّوَايَاتِ مُتَضَارِبَةٌ فِي ذَلِكَ.
[13] (قُلْتُ): مَدْرَسَةُ الرَّأْيِ اسْتَقَرَّتْ فِي النِّهَايَةِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْعَقَدِيِّ فِي "الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ".
[14] (تَنْبِيهٌ): خَطَرُ هَذَا الْقَوْلِ يَظْهَرُ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ حَيْثُ يُصْبِحُ الْعَمَلُ هُوَ الْمِعْيَارُ الْفَارِقُ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(22)
(الْمُتَمِّمُ التَّاسِعُ لِلْوَجْهِ الرَّابِعِ) - [ص 22]
[تَمْهِيدٌ: مَوْقِفُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان مِنْ بِدْعَةِ "الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ"]
أَرَادَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- بِتَقْرِيرِهِ لِدُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ أَنْ يَقْمَعَ بِدْعَةَ "الْمُعْتَزِلَةِ" الَّذِينَ وَإِنْ أَدْخَلُوا الْأَعْمَالَ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا رُكْنًا يُوجِبُ زَوَالَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ عِنْدَ ارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ. فَالشَّيْخُ يُقَرِّرُ الْمَنْهَجَ الْوَسَطَ؛ فَالْعَمَلُ عِنْدَهُ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ لَكِنَّ فَقْدَ بَعْضِهِ لَا يَعْنِي الْخُرُوجَ مِنَ الْمِلَّةِ أَوْ دُخُولَ حَيِّزِ "الْمَنْزِلَةِ الْمَبْتُورَةِ" الَّتِي اخْتَرَعَهَا أَهْلُ الِاعْتِزَالِ. [1]
[أَوَّلًا: الْمُعْتَزِلَةُ وَمَقَالَةُ الْإِيمَانِ - النِّشْأَةُ وَالْأُصُولُ الْخَمْسَةُ]
ذَهَبَتِ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ عِبَارَةٌ عَنِ "الطَّاعَاتِ" (الْقَلْبِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ)، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ كَبِيرَةٍ تُخْرِجُ مِنَ الِاسْمِ. [2]
اسْتَقَوْا هَذَا الْقَوْلَ مِنْ تَقْدِيمِ "الْعَقْلِ" عَلَى النَّقْلِ فِي مَسَائِلِ الْوَعِيدِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ هَذَا صِيَانَةٌ لِلْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ. [3]
بَدَأَتْ نِحْلَتُهُمْ حِينَ اعْتَزَلَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِسَبَبِ خِلَافٍ فِي حُكْمِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ. [4]
قَالُوا بِأَصْلِ "الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ"؛ فَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ مُؤْمِنًا وَلَا كَافِرًا، بَلْ هُوَ "فَاسِقٌ" فِي مَنْزِلَةٍ وَسَطٍ. [5]
مَصْدَرُ ضَلَالِهِمْ هُوَ جَعْلُ الْإِيمَانِ "كُلًّا لَا يَتَبَعَّضُ"، فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ (بِفِعْلِ كَبِيرَةٍ) ذَهَبَ كُلُّهُ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ إِيمَانٌ. [6]
وَافَقُوا الْخَوَارِجَ فِي "الْمَآلِ الْأُخْرَوِيِّ"؛ فَقَالُوا إِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ. [7]
مَقَالَتُهُمْ هَذِهِ تَقُومُ عَلَى أَصْلِ "إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ"، وَهُوَ أَنَّ اللهَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْذِيبُ الْعَاصِي وَلَا تَنَالُهُ الشَّفَاعَةُ. [8]
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ بِمَعْنَى "الْبَقَاءِ"، بَلْ هُوَ إِمَّا مَوْجُودٌ بِتَمَامِهِ أَوْ مَفْقُودٌ بِتَمَامِهِ. [9]
مَصْدَرُ تَأْصِيلِهِمْ كَانَ التَّأَثُّرَ بِالْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ وَالْمَنْطِقِ فِي تَعْرِيفِ "الْمَاهِيَّاتِ" الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ. [10]
لَازِمُ مَذْهَبِهِمْ نَفْيُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، وَهَذَا مُصَادَمَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ. [11]
جَعَلُوا الْعَمَلَ "شَطْرًا" فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ، لَكِنَّهُمْ غَلَوْا فِيهِ حَتَّى جَعَلُوا فَقْدَ آحَادِهِ هَدْمًا لِلْأَصْلِ. [12]
رَدَّ عَلَيْهِمْ أَهْلُ السُّنَّةِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ "مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ" أَوْ "مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ". [13]
مَقَالَتُهُمْ فَتَحَتِ الْبَابَ لِلْقَوْلِ بِـ "خَلْقِ الْقُرْآنِ" بِنَاءً عَلَى نَفْيِهِمْ لِلصِّفَاتِ بِمُقْتَضَى الْعَقْلِ الْمَحْضِ. [14]
إِنَّ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ "تَفْرِيطٌ" فِي الْأَسْمَاءِ وَ"إِفْرَاطٌ" فِي الْأَحْكَامِ، وَكِلَاهُمَا مَهْلَكَةٌ. [15]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《
[1] وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (أَبُو حُذَيْفَةَ - رَأْسُ الِاعْتِزَالِ):
مَوْلِدُهُ: وُلِدَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ (80 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (131 هـ).
مَصِيرُهُ: طُرِدَ مِنْ مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ الْحَسَنُ: "اعْتَزَلَنَا وَاصِلٌ"، فَسُمُّوا "مُعْتَزِلَةً". مَاتَ بَعْدَ أَنْ أَسَّسَ أَوَّلَ مَدْرَسَةٍ عَقْلِيَّةٍ تُقَدَّمُ عَلَى النُّصُوصِ. [يُنْظَرُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 98].
[2] عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (الرَّأْسُ الثَّانِي):
مَوْلِدُهُ: وُلِدَ سَنَةَ (80 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (144 هـ) فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.
تَوْثِيقُهُ: كَانَ زَاهِدًا فِي الظَّاهِرِ، لَكِنَّهُ كَانَ مِنَ الدُّعَاةِ لِلْقَدَرِ وَالِاعْتِزَالِ، وَحَذَّرَ مِنْهُ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ كَأَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ.
[3] أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ (مُتَكَلِّمُهُمْ):
مَوْلِدُهُ: سَنَةَ (135 هـ).
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (235 هـ).
تَحْقِيقُ مَقَالَتِهِ: هُوَ مَنْ نَظَّرَ لِلْأُصُولِ الْخَمْسَةِ وَرَسَّخَ مَسْأَلَةَ "خُلُودِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ" عَقْلِيًّا.
[4] لَوَازِمُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فِي الْإِيمَانِ:
(اللَّازِمُ الْأَوَّلُ): أَنَّ مَنْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ عُمُرَهُ ثُمَّ زَنَى مَرَّةً وَمَاتَ قَبْلَ التَّوْبَةِ، حَبِطَ كُلُّ عَمَلِهِ وَخَلَدَ فِي النَّارِ.
(اللَّازِمُ الثَّانِي): نَفْيُ وُجُودِ "عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ"، فَالنَّاسُ عِنْدَهُمْ إِمَّا مُؤْمِنٌ أَوْ فَاسِقٌ مُخَلَّدٌ أَوْ كَافِرٌ.
(اللَّازِمُ الثَّالِثُ): تَعْطِيلُ مَفْهُومِ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ لِمَنْ شَاءَ اللهُ، لِأَنَّ "الْوَعِيدَ" حَتْمِيٌّ عَقْلًا.
[5] تَشَعُّبُهُمْ:
انْقَسَمُوا إِلَى مَدْرَسَتَيْنِ: (الْبَصْرِيَّةُ) وَ**(الْبَغْدَادِيَّةُ)**، وَاخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلِ "الْعَدْلِ" وَ"الْقَدَرِ" لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ.
[6] ضَوَابِطُ عَقَدِيَّةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ:
(الضَّابِطُ الْأَوَّلُ): الْإِيمَانُ يَتَبَعَّضُ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، أَوْ إِيمَانٌ وَكُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.
(الضَّابِطُ الثَّانِي): الْكَبِيرَةُ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ إِلَّا الشِّرْكَ، وَاللهُ يَقُولُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.
(الضَّابِطُ الثَّالِثُ): إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنَصِّ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ.
[7] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان بِتَقْرِيرِهِ "دُخُولَ الْأَعْمَالِ" مَعَ بَقَاءِ "أَصْلِ الْإِيمَانِ" يُدَمِّرُ هَذَا الْغُلُوَّ الِاعْتِزَالِيَّ.
[8] (نُكْتَةٌ): سَمَّى الْمُعْتَزِلَةُ أَنْفُسَهُمْ "أَهْلَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ"، وَقَالَ السَّلَفُ: "بَلْ أَنْتُمْ أَهْلُ التَّعْطِيلِ وَالْوَعِيدِ".
[9] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): ضَبْطُ وَفَاةِ الْعَلَّافِ (235 هـ) ثَابِتٌ فِي "تَارِيخِ بَغْدَادَ".
[10] (لَازِمٌ فَاسِدٌ): يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ وَقَعُوا فِي بَعْضِ الذُّنُوبِ خَرَجُوا مِنَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا طَعْنٌ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ.
[11] (فَائِدَةٌ): الْمُعْتَزِلَةُ يُوَافِقُونَ الْخَوَارِجَ فِي الْحُكْمِ الْأُخْرَوِيِّ وَيُخَالِفُونَهُمْ فِي "الِاسْمِ" الدُّنْيَوِيِّ فَقَطْ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(23)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4 - مُتَمِّمٌ) - [ص 23]
[تَمْهِيدٌ: مَقْصِدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان فِي دَفْعِ غُلُوِّ "الْوَعِيدِيَّةِ"]
إِنَّ تَقْرِيرَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- لِدُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ لَا يَعْنِي بِحَالٍ الِاقْتِرَابَ مِنْ مَذْهَبِ "الْخَوَارِجِ"؛ بَلْ هُوَ ضَبْطٌ لِلْمَسْأَلَةِ عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ. فَالشَّيْخُ يُقَرِّرُ أَنَّ الْعَمَلَ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ "نَمَاءً وَصِحَّةً فِي الْجِنْسِ"، لَكِنَّهُ يُخَالِفُ الْخَوَارِجَ الَّذِينَ جَعَلُوا فَقْدَ آحَادِ الْأَعْمَالِ (بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ) هَدْماً لِلْأَصْلِ كُلِّهِ. فَالشَّيْخُ يُثْبِتُ "الْعَمَلَ" لِيَرُدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ، وَيَضْبِطُ "الْحُكْمَ" لِيَرُدَّ عَلَى الْخَوَارِجِ. [1]
[أَوَّلاً: الْخَوَارِجُ وَمَقَالَةُ الْإِيمَانِ - الْجُذُورُ وَالْغُلُوُّ]
ذَهَبَتِ الْخَوَارِجُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "أَدَاءُ الطَّاعَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمَعَاصِي"، وَأَنَّهُ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ. [2]
اسْتَقَوْا هَذَا الْقَوْلَ مِنْ فَهْمٍ سَقِيمٍ لِنُصُوصِ الْوَعِيدِ، حَيْثُ حَمَلُوا آيَاتِ التَّكْفِيرِ عَلَى عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ. [3]
بَدَأَتْ فِتْنَتُهُمْ حِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بَعْدَ مَسْأَلَةِ التَّحْكِيمِ، وَكَفَّرُوا الصَّحَابَةَ. [4]
قَالُوا: كُلُّ ذَنْبٍ هُوَ كُفْرٌ، وَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، حَلَالُ الدَّمِ وَالْمَالِ. [5]
مَصْدَرُ ضَلَالِهِمْ هُوَ جَعْلُ الْإِيمَانِ "حَقِيقَةً وَاحِدَةً" إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهَا ذَهَبَ كُلُّهَا، فَلَا إِيمَانَ مَعَ مَعْصِيَةٍ. [6]
زَعَمُوا أَنَّ الطَّاعَاتِ كُلَّهَا هِيَ الْإِيمَانُ، فَإِذَا تَرَكَ الْعَبْدُ طَاعَةً وَاجِبَةً فَقَدْ تَرَكَ الْإِيمَانَ. [7]
مَذْهَبُهُمْ يَقُومُ عَلَى "التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ"، وَهَذَا نَقْضٌ لِأُصُولِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَاعَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الشَّرْعُ. [8]
يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ عُصَاةَ الْمُؤْمِنِينَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ. [9]
مَصْدَرُ تَأْصِيلِهِمْ كَانَ الْجَهْلَ بِطُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ وَالْأَخْذَ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ دُونَ رَدِّهَا إِلَى الْمُحْكَمِ. [10]
لَازِمُ مَذْهَبِهِمْ إِبَاحَةُ السَّيْفِ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذَا هُوَ أَخْطَرُ مَا جَاءُوا بِهِ. [11]
جَعَلُوا "الْعَمَلَ" هُوَ الْإِيمَانَ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لِلْإِقْرَارِ وَالتَّصْدِيقِ قِيمَةٌ إِذَا وُجِدَتِ الْمَعْصِيَةُ. [12]
رَدَّ عَلَيْهِمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِأَنَّ الْإِيمَانَ "أَصْلٌ لَهُ شُعَبٌ"، وَأَنَّهُ يَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ مَادَّةُ إِيمَانٍ وَمَادَّةُ فُسُوقٍ. [13]
مَقَالَتُهُمْ فَتَحَتِ الْبَابَ لِكُلِّ حَرَكَاتِ التَّمَرُّدِ وَالْخُرُوجِ الَّتِي مَزَّقَتْ جَسَدَ الْأُمَّةِ عَبْرَ التَّارِيخِ. [14]
إِنَّ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ "تَنْطِيعٌ" فِي الْوَعِيدِ، قَابَلُوا بِهِ "تَمْيِيعَ" الْمُرْجِئَةِ. [15]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ (رَأْسُ الْأَزَارِقَةِ):
مَوْلِدُهُ: غَيْرُ مُحَدَّدٍ بِالدِّقَّةِ، لَكِنَّهُ قَادَ أَعْظَمَ فِرَقِ الْخَوَارِجِ.
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (65 هـ).
مَصِيرُهُ: قُتِلَ فِي مَعْرَكَةِ (دُولَابَ) بَعْدَ أَنْ كَفَّرَ حَتَّى مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ. [يُنْظَرُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ، ص 73].
[2] نَجْدَةُ بْنُ عَامِرٍ الْحَنَفِيُّ (رَأْسُ النَّجَدَاتِ):
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (72 هـ).
مَصِيرُهُ: قَتَلَهُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ بَعْدَ أَنْ خَالَفُوهُ فِي بَعْضِ التَّفْرِيعَاتِ، وَهَذِهِ عَادَتُهُمْ فِي التَّآكُلِ.
[3] عَبْدُ اللهِ بْنُ إِبَاضٍ (رَأْسُ الْإِبَاضِيَّةِ):
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: سَنَةَ (86 هـ) تَقْرِيبًا.
تَوْثِيقُهُ: هُوَ أَقَلُّهُمْ غُلُوًّا؛ حَيْثُ جَعَلَ كُفْرَ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ "كُفْرَ نِعْمَةٍ" لَا "كُفْرَ مِلَّةٍ" فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّهُ خَلَّدَهُ فِي النَّارِ.
[4] لَوَازِمُ قَوْلِ الْخَوَارِجِ فِي الْإِيمَانِ:
(اللَّازِمُ الْأَوَّلُ): إِبَاطُ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِفِعْلِ ذَنْبٍ وَاحِدٍ.
(اللَّازِمُ الثَّانِي): نَفْيُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ.
(اللَّازِمُ الثَّالثُ): اسْتِحْلَالُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ رَأْيَهُمْ.
(اللَّازِمُ الرَّابِعُ): نَفْيُ "الْإِيمَانِ النَّاقِصِ"؛ فَالنَّاسُ عِنْدَهُمْ إِمَّا مُؤْمِنٌ كَامِلٌ أَوْ كَافِرٌ خَالِدٌ.
[5] ضَوَابِطُ عَقَدِيَّةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ:
(الضَّابِطُ الْأَوَّلُ): الذُّنُوبُ دُونَ الشِّرْكِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.
(الضَّابِطُ الثَّانِي): الْإِيمَانُ لَهُ "أَصْلٌ" لَا يَزُولُ إِلَّا بِالنَّاقِضِ الْأَكْبَرِ، وَ"كَمَالٌ" يَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي.
(الضَّابِطُ الثَّالِثُ): "الْفَاسِقُ الْمِلِّيُّ" لَا يَخْرُجُ مِنَ الدِّينِ، وَقَدْ سَمَّى اللهُ الْقَاتِلَ "أَخاً" لِوَلِيِّ الدَّمِ.
[6] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان بِرَبْطِهِ الْعَمَلَ بِالْإِيمَانِ يُحَقِّقُ مَعْنَى "الِانْقِيَادِ" لَا مَعْنَى "التَّكْفِيرِ"، فَالْعَمَلُ عِنْدَهُ لِلْبِنَاءِ لَا لِلْهَدْمِ.
[7] (نُكْتَةٌ): سُئِلَ خَارِجِيٌّ: "أَتَكْفُرُ بِالذَّنْبِ؟" قَالَ: "نَعَمْ"، قِيلَ: "فَمَا تَقُولُ فِي ذَنْبِكَ هَذَا؟" فَبُهِتَ.
[8] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): ضَبْطُ وَفَاةِ ابْنِ الْأَزْرَقِ (65 هـ) ثَابِتٌ فِي "الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ".
[9] (لَازِمٌ فَاسِدٌ): يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللهَ فَقَدْ جَحَدَ رُبُوبِيَّتَهُ، وَهَذَا خَلْطٌ بَيْنَ "عَمَلِ الْجَوَارِحِ" وَ"يَقِينِ الْقَلْبِ".
[10] (فَائِدَةٌ): الْخَوَارِجُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ لِمَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ.
[11] (تَنْبِيهٌ): خَطَرُ الْخَوَارِجِ يَعُودُ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِلِبَاسٍ جَدِيدٍ، لَكِنَّ الْأَصْلَ وَاحِدٌ: "الْإِفْرَاطُ فِي الْوَعِيدِ".
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(24)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 4 - مُتَمِّمٌ) - [ص 24]
[تَمْهِيدٌ: تَعْضِيدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ رِيحَان بِمَقَالَاتِ أَئِمَّةِ الْأَثَرِ]
جَاءَ عُنْوَانُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- (دُخُولُ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ) لِيَكُونَ صَدًى لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ نَقْلاً وَتَحْقِيقاً. فَالشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ لَمْ يَبْتَدِعْ مَسْلَكاً، بَلْ أَرَادَ إِحْيَاءَ مَنْهَجِ "أَهْلِ الْحَدِيثِ" الَّذِينَ رَأَوْا أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ صَنَمًا جَامِدًا لَا يَتَحَرَّكُ، بَلْ هُو كِيَانٌ حَيٌّ يَعْلُو بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَيَتَجَزَّأُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ إِلَّا مِثْقَالُ ذَرَّةٍ. [1]
[أَوَّلاً: عَشَرَةُ أَقْوَالٍ مُحَقَّقَةٍ لِلسَّلَفِ فِي دُخُولِ الْعَمَلِ وَتَبَعُّضِ الْإِيمَانِ]
قَوْلُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: "وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِمَّنْ أَدْرَكْنَاهُمْ: أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ". [2]
قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ: "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَالْأَعْمَالُ مِنَ الْإِيمَانِ". [3]
قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ: "لَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ وَالْقَوْلُ إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ الْإِيمَانُ وَالْقَوْلُ وَالْعَمَلُ إِلَّا بِنِيَّةٍ مُوَافِقَةٍ لِلسُّنَّةِ". [4]
قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: "لَيْسَ الْإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِنْ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ". [5]
قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: "لَا يُقْبَلُ قَوْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، وَلَا عَمَلٌ إِلَّا بِقَوْلٍ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ إِلَّا بِنِيَّةٍ". [6]
قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: حِينَ سُئِلَ عَنِ الْإِيمَانِ أَيَنْقُصُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، يَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ"، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي التَّبَعُّضِ. [7]
قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، إِذَا عَمِلْتَ الْخَيْرَ زَادَ، وَإِذَا ضَيَّعْتَ نَقَصَ". [8]
قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ: "الْإِيمَانُ يَتَفَاضَلُ"، وَقَالَ: "الْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَنَحْنُ نَقُولُ: الْأَعْمَالُ مِنَ الْإِيمَانِ". [9]
قَوْلُ الْبُخَارِيِّ: "لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.. فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ". [10]
قَوْلُ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللهِ التُّسْتَرِيِّ: "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ قَوْلاً بِلَا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلاً وَعَمَلاً بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ". [11]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ):
مَوْلِدُهُ: (150 هـ) - وَفَاتُهُ: (204 هـ). صَاحِبُ "الْمَذْهَبِ" وَنَاصِرُ الْحَدِيثِ. حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي "الْأُمِّ" عَلَى دُخُولِ الْعَمَلِ.
[2] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ):
مَوْلِدُهُ: (97 هـ) - وَفَاتُهُ: (161 هـ). كَانَ شَدِيدًا عَلَى الْمُرْجِئَةِ، وَرُوِيَ عَنْهُ قَوْلُهُ: "خَالَفَتْنَا الْمُرْجِئَةُ فِي ثَلَاثٍ: نَحْنُ نَقُولُ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَهُمْ يَقُولُونَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ".
[3] الْأَوْزَاعِيُّ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو):
مَوْلِدُهُ: (88 هـ) - وَفَاتُهُ: (157 هـ). إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ. تَوْثِيقُ قَوْلِهِ فِي "شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالَكَائِيِّ.
[4] الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ (سَيِّدُ التَّابِعِينَ):
مَوْلِدُهُ: (21 هـ) - وَفَاتُهُ: (110 هـ). كَانَ يَرَى أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ قَلْبِيَّةٌ تُصَدِّقُهَا الْجَوَارِحُ، وَعَنْهُ رُوِيَ الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ مَعاً.
[5] مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ):
مَوْلِدُهُ: (93 هـ) - وَفَاتُهُ: (179 هـ). كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي النُّقْصَانِ أَوَّلاً ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ كَمَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي "الْمُدَوَّنَةِ".
[6] أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ):
مَوْلِدُهُ: (164 هـ) - وَفَاتُهُ: (241 هـ). نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ فِي مِحْنَةِ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَرَبَطَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ رَبْطاً جَوْهَرِيّاً.
[7] عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ:
مَوْلِدُهُ: (118 هـ) - وَفَاتُهُ: (181 هـ). جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالْجِهَادِ، وَكَانَ يَقُولُ: "الْإِيمَانُ يَتَفَاضَلُ".
[8] تَحْقِيقُ مَعْنَى (الْإِيمَانُ يَتَبَعَّضُ):
أَيْ أَنَّهُ أَبْعَاضٌ وَأَجْزَاءٌ (شُعَبٌ)، إِذَا زَالَ جُزْءٌ لَمْ يَلْزَمْ زَوَالُ الْبَاقِي (رَدًّا عَلَى الْخَوَارِجِ)، وَإِذَا وُجِدَ جُزْءٌ لَمْ يَلْزَمْ كَمَالُ الْكُلِّ (رَدًّا عَلَى الْمُرْجِئَةِ).
[9] الْبُخَارِيُّ (مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ):
مَوْلِدُهُ: (194 هـ) - وَفَاتُهُ: (256 هـ). بَوَّبَ فِي صَحِيحِهِ "كِتَابَ الْإِيمَانِ" وَسَاقَ الْأَدِلَّةَ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ.
[10] سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ (الْمُفَسِّرُ الْقُدْوَةُ):
تَارِيخُ وَفَاتِهِ: (95 هـ). قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ صَبْراً. رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "الْإِيمَانِ" قَوْلَهُ بِلُزُومِ الْعَمَلِ لِلْإِقْرَارِ.
[11] (قُلْتُ): الشَّيْخُ بْنُ رِيحَان بِهَذَا التَّأْصِيلِ يَسِيرُ عَلَى طَرِيقِ أَلْفِ إِمَامٍ لَقِيَهُمُ الْبُخَارِيُّ، فَالْعَمَلُ عِنْدَهُ لَيْسَ زِينَةً بَلْ هُوَ "شَطْرُ الْمَاهِيَّةِ".
[12] (فَائِدَةٌ): مَنْ قَالَ "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ" فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِرْجَاءِ كُلِّهِ، وَمَنْ قَالَ "يَزِيدُ وَيَنْقُصُ" فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْبِدْعَةِ تَمَاماً.
[13] (تَوْثِيقُ التَّارِيخِ): جَمِيعُ الْوَفَيَاتِ مُرَاجَعَةٌ مِنْ "سِيَرِ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ" وَ"تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ".
[14] (نُكْتَةٌ): سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنِ الْإِيمَانِ أَيَزِيدُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَيَنْقُصُ أَيْضاً"، وَهُوَ أَصْلُ هَذَا الْبَابِ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(25)
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 5) - [ص 25]
[نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
«خَمْسَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ سُنَّةٌ، وَتَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ مَدْخَلٌ مِنْ مَدَاخِلِ الْإِرْجَاءِ، وَلَيْسَ الِاسْتِثْنَاءُ لِلشَّكِّ وَإِنَّمَا عَلَى الِاحْتِيَاطِ.
الدَّلِيلُ:
1- قَالَ تَعَالَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ اتَّقَى} [النجم: 32].
2- وَقَالَ تَعَالَى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} [الفتح: 27].
3- رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي".
4- وَقَالَ رَجُلٌ لِعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: مُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قَالَ: أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللهُ. [أَخْرَجَهُ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ].
5- رَوَى أَبُو دَاوُدَ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: قِيلَ لِي أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ هَلِ النَّاسُ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ؟ فَغَضِبَ أَحْمَدُ وَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الْإِرْجَاءِ! قَالَ اللهُ: {وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} مَنْ هَؤُلَاءِ؟ ثُمَّ قَالَ أَحْمَدُ: أَلَيْسَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، قَالَ: جِئْنَا بِالْقَوْلِ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَجِئْنَا بِالْعَمَلِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: كَيْفَ تَعِيبُ أَنْ تَقُولَ إِنْ شَاءَ اللهُ؟!». [1]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ@
[عَشَرَةُ مُفْرَدَاتٍ تَحْلِيلِيَّةٍ لِلنَّصِّ]
الِاسْتِثْنَاءُ: قَوْلُ الْعَبْدِ "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ" تَعْلِيقاً لِلْأَمْرِ بِمَشِيئَةِ اللهِ.
سُنَّةٌ: طَرِيقَةُ السَّلَفِ الْمَتْبُوعَةُ بَرَاءَةً مِنَ التَّزْكِيَةِ وَإِثْبَاتاً لِنَقْصِ الْعَمَلِ.
مَدْخَلُ إِرْجَاءٍ: لِأَنَّ تَرْكَهُ يُوهِمُ أَنَّ الْإِيمَانَ كُتْلَةٌ وَاحِدَةٌ تَامَّةٌ لَا تَقْبَلُ النَّقْصَ.
لَيْسَ لِلشَّكِّ: الِاسْتِثْنَاءُ لَا يَعُودُ لِأَصْلِ التَّصْدِيقِ، بَلْ لِلْكَمَالِ وَالْخَوَاتِيمِ.
عَلَى الِاحْتِيَاطِ: أَيْ خَوْفاً مِنَ الدَّعْوَى بِتَحْقِيقِ كُلِّ شَرَائِطِ الْإِيمَانِ وَوَاجِبَاتِهِ.
فَلَا تُزَكُّوا: نَهْيٌ عَنْ مَدْحِ النَّفْسِ بِبُلُوغِ مَقَامِ التَّقْوَى الْكَامِلِ بِيَقِينٍ.
إِنْ شَاءَ اللهُ (فِي الْفَتْحِ): دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَقَعُ فِي الْأُمُورِ الْمُتَحَقِّقَةِ تَعْظِيماً لِلْمَشِيئَةِ.
أَرْجُو: صِيغَةٌ تَرْبِيطِيَّةٌ تَنْفِي الْقَطْعَ بِالْكَمَالِ وَتَفْتَحُ بَابَ الِافْتِقَارِ لِلَّهِ.
جِئْنَا بِالْعَمَلِ: إِشَارَةٌ مِنْ أَحْمَدَ أَنَّ مَنْ جَزَمَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ جَزَمَ بِإِتْيَانِ كُلِّ الْأَعْمَالِ.
مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ: اسْتِدْلَالٌ بَدِيعٌ عَلَى أَنَّ هُنَاكَ مَنْزِلَةً بَيْنَ الْقَطْعِ بِالْإِيمَانِ وَالْكَفْرِ.
[التَّقْعِيدُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "الْإِيمَانُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَقْبَلُ الِاسْتِثْنَاءَ بِاعْتِبَارِ الْمَآلِ وَالْكَمَالِ لَا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ التَّصْدِيقِ". [2]
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "كُلُّ مَقَامٍ أَوْجَبَ فِيهِ الشَّرْعُ نَفْيَ التَّزْكِيَةِ؛ فَالِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ لِصَرْفِ دَعْوَى الْكَمَالِ". [3]
الضَّابِطُ لَهُمَا: الِاسْتِثْنَاءُ سِيَاجٌ يَمْنَعُ دُخُولَ "الْعُجْبِ" فِي الْقَلْبِ وَيَحْفَظُ حَقِيقَةَ "التَّبَعُّضِ" فِي الْإِيمَانِ.
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
يُعَدُّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ مِعْيَاراً فَارِقاً بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ؛ فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ شَيْئاً وَاحِداً (تَصْدِيقاً)، فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ عِنْدَهُمْ شَكٌّ وَكُفْرٌ. أَمَّا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ، فَإِنَّ قَوْلَ "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ" يَعُودُ إِلَى عَدَمِ الْقَطْعِ بِتَحْقِيقِ "جِنْسِ الْعَمَلِ" الْوَاجِبِ، وَخَوْفاً مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ. فَالْبَاحِثُ هُنَا يُؤَصِّلُ لِمَعْنَى "الْخَوْفِ الْإِيمَانِيِّ" الَّذِي يَمْنَعُ الْعَبْدَ مِنْ أَنْ يُنَزِّلَ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الصِّدِّيقِينَ بِيَقِينٍ، وَهُوَ تَقْرِيرٌ يَهْدِمُ أَصْلَ الْمُرْجِئَةِ فِي تَسْوِيَةِ الْإِيمَانِ بَيْنَ النَّاسِ. [4]
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ]
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ السَّنْدِيُّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سُنَّةُ السَّلَفِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارَاتٍ صَحِيحَةٍ؛ مِنْهَا عَدَمُ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ فِعْلَ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكَ الْمَنْهِيَّاتِ، وَالْعَبْدُ لَا يَتَيَقَّنُ مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ شَكّاً فِي مَوْجُودِ الْإِيمَانِ الْآنَ، بَلْ هُوَ شَكٌّ فِي "تَكْمِيلِهِ" وَفِي "الْمَوَافَاةِ" عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ. وَبِذَلِكَ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ فَرْعاً عَنْ مَسْأَلَةِ "دُخُولِ الْأَعْمَالِ"، فَمَنْ أَخْرَجَ الْعَمَلَ مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ، وَمَنْ أَدْخَلَهُ أَوْجَبَهُ أَوْ اسْتَحَبَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ. [5]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] مَسَائِلُ أَبِي دَاوُدَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ (ص 274)، وَالْأَثَرُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَوْقِفِهِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ.
[2] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 7، ص 439) فِي تَفْصِيلِ مَقَامَاتِ الِاسْتِثْنَاءِ.
[3] انْظُرْ: شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلَّالَكَائِيِّ (ج 5، ص 1002).
[4] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ: تَوْضِيحُ الرَّبْطِ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَبَيْنَ سُلُوكِ الْعَبْدِ فِي التَّوَاضُعِ لِلَّهِ.
[5] تَأْصِيلُ السَّنْدِيِّ: يُرَاجَعُ فِي "شَرْحِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى" وَدُرُوسِهِ فِي "شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ" لِأَبِي عُبَيْدٍ.
عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ النَّخَعِيُّ: إِمَامٌ، فَقِيهٌ، ثِقَةٌ، ثَبْتٌ. وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (62 هـ) بِالْكُوفَةِ.
أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ: صَاحِبُ "السُّنَنِ". وُلِدَ سَنَةَ (202 هـ) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (275 هـ).
تَوْثِيقُ آيَةِ النَّجْمِ: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} جَاءَتْ فِي سِيَاقِ بَيَانِ سَعَةِ مَغْفِرَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ بِبَوَاطِنِ النَّفْسِ.
تَوْثِيقُ آيَةِ الْفَتْحِ: {إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ} اسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ اللهَ يَسْتَثْنِي فِيمَا يَعْلَمُ وُقُوعَهُ تَعْلِيماً لِلْعِبَادِ.
الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: وُلِدَ (164 هـ) وَتُوُفِّيَ (241 هـ). كَانَ يُسَمَّى "مُسْتَثْنِياً" وَيُبَدِّعُ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ جُحُوداً.
الْإِرْجَاءُ: فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ جَزْمُ الْإِنْسَانِ بِصِحَّةِ إِيمَانِهِ كَجَزْمِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ.
مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ: أَيْ مُؤَخَّرُونَ حَتَّى يَقْضِيَ اللهُ فِيهِمْ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ بِالْمَآلِ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(26)
(الْمُتَمِّمُ الْأَوَّلُ لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ) - [ص 26]
[تَحْلِيلُ مَقَاصِدِ الِاسْتِشْهَادِ عِنْدَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان]
1. الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ}
كَيْفِيَّةُ الِاسْتِشْهَادِ: أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ كَأَصْلٍ حَاكِمٍ لِمَنْعِ الْقَطْعِ بِالْتِزَامِ التَّقْوَى.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: قَمْعُ جَهَالَةِ مَنْ يَجْزِمُ بِكَمَالِ إِيمَانِهِ؛ فَإِذَا نَهَى اللهُ عَنِ التَّزْكِيَةِ -وَهِيَ هُنَا دَعْوَى بَرَاءَةِ النَّفْسِ مِنَ النَّقْصِ- كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ (إِنْ شَاءَ اللهُ) هُوَ الْبَوَّابَةَ الشَّرْعِيَّةَ لِتَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ، وَهُوَ رَدٌّ مَتِينٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِيمَانَ حَقِيقَةً مَقْدُوراً عَلَيْهَا بِيَقِينٍ لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِثْنَاءَ.
2. الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}
كَيْفِيَّةُ الِاسْتِشْهَادِ: اسْتِعْمَالُ "الْمَشِيئَةِ" فِي أَمْرٍ مَعْلُومِ الْوُقُوعِ عِنْدَ اللهِ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: دَفْعُ فِرْيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ "شَكٌّ"؛ فَاللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَوْرَدَ "إِنْ شَاءَ اللهُ" فِي وَعْدٍ صَادِقٍ لَا شَكَّ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ لَيْسَ تَرَدُّداً فِي "وُجُودِهِ" الْآنَ، بَلْ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلْمَشِيئَةِ وَإِقْرَارٌ بِأَنَّ بَقَاءَهُ وَكَمَالَهُ مَرْهُونٌ بِفَضْلِ اللهِ.
3. الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: "إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ"
كَيْفِيَّةُ الِاسْتِشْهَادِ: نَقْلُ لَفْظِ "الرَّجَاءِ" عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﷺ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: بَيَانُ أَنَّ مَقَامَ "الرَّجَاءِ" أَلْيَقُ بِالْمُؤْمِنِ مِنْ مَقَامِ "الْجَزْمِ"؛ فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ الْمَعْصُومُ يَسْتَعْمِلُ لَفْظَ الرَّجَاءِ فِي خَشْيَتِهِ وَتَقْوَاهُ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِمَّنْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً؟ هُنَا يَنْسِفُ الشَّيْخُ كِبْرَ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يُسَوُّونَ بَيْنَ إِيمَانِهِمْ وَإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ.
4. الِاسْتِشْهَادُ بِأَثَرِ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: "أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللهُ"
كَيْفِيَّةُ الِاسْتِشْهَادِ: تَوْثِيقُ فِعْلِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ هُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ لِهَدْيِ الصَّحَابَةِ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: الرَّبْطُ التَّارِيخِيُّ لِلْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بَلْ كَانَ "سَمْتًا" لِأَهْلِ الْوَرَعِ، فَمَقْصِدُ الشَّيْخِ هُوَ إِثْبَاتُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ "الْأَصْلُ" الْمَوْرُوثُ، وَتَرْكَهُ هُوَ "الْبِدْعَةُ" الْمُحْدَثَةُ.
5. الِاسْتِشْهَادُ بِمَوْقِفِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَعَ الرَّجُلِ (مِنْ مَسَائِلِ أَبِي دَاوُدَ)
كَيْفِيَّةُ الِاسْتِشْهَادِ: إِيرَادُ مُنَاظَرَةٍ حَيَّةٍ تُبَيِّنُ لَوَازِمَ الْقَوْلِ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: بَيَانُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّاسَ "مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ" فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ الْمُرَكَّبَةِ؛ فَأَحْمَدُ -وَمِنْ خَلْفِهِ الشَّيْخُ- يَرَى أَنَّ الْجَزْمَ بِالْقَوْلِ سَهْلٌ، لَكِنَّ الْجَزْمَ بِالْعَمَلِ (وَهُوَ شَطْرُ الْإِيمَانِ) هُوَ مَحَلُّ الْإِشْكَالِ، فَكَيْفَ تَجْزِمُ بِالْكُلِّ وَأَنْتَ نَاقِصُ الْجُزْءِ؟
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ حَوْلَ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ]
لَقَدْ قُلْتُ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ لَيْسَ عَمَلاً لِسَانِيًّا مَحْضاً، بَلْ هُوَ ثَمَرَةُ فَهْمِ "طَبِيعَةِ الْإِيمَانِ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَمَنْ نَظَرَ إِلَى الْإِيمَانِ كَكُتْلَةٍ صَمَّاءَ (تَصْدِيقٍ فَقَطْ) كَمَا تَفْعَلُ الْمُرْجِئَةُ، رَأَى الِاسْتِثْنَاءَ شَكًّا فِيمَا هُوَ مَوْجُودٌ. لَكِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِمَعْنًى أَدَقَّ: الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَشْمَلُ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ، وَمَنْ جَزَمَ بِأَنَّهُ "مُؤْمِنٌ" عِنْدَ اللهِ -أَيْ مُسْتَحِقٌّ لِلثَّوَابِ كَامِلاً- فَقَدْ جَزَمَ بِأَنَّهُ قَامَ بِكُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إِلَّا مَغْرُورٌ.
لِذَلِكَ، قُلْتُ إِنَّ الِاسْتِشْهَادَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الشَّيْخُ تَنْحُو نَحْوَ ثَلَاثَةِ مَقَاصِدَ كُبْرَى:
مَقْصِدُ التَّعَبُّدِ: بِتَعْلِيقِ الْأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللهِ (تَأَسِّياً بِالْقُرْآنِ).
مَقْصِدُ التَّوَاضُعِ: بِتَرْكِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ (تَأَسِّياً بِالسَّلَفِ).
مَقْصِدُ التَّحْقِيقِ: بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ "أَصْلِ الْإِيمَانِ" (الَّذِي نُوقِنُ بِهِ وَلَا نَشُكُّ فِيهِ) وَبَيْنَ "الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ" الشَّامِلِ لِلْكَمَالِ وَالْخَوَاتِيمِ (الَّذِي نَسْتَثْنِي فِيهِ).
إِنَّ قُوَّةَ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ تكمُنُ فِي كَوْنِهَا رَبَطَتِ الْعَقِيدَةَ بِالسُّلُوكِ؛ فَالْمُؤْمِنُ "يُحْسِنُ الْعَمَلَ وَيَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ"، وَالِاسْتِثْنَاءُ هُوَ التَّرْجَمَةُ الْعَقَدِيَّةُ لِهَذَا الْخَوْفِ الْمَحْمُودِ. [2]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ: (ص 274-275)، طَبْعَةُ الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ. وَهِيَ مِنْ أَوْثَقِ الْمَصَادِرِ فِي بَيَانِ مَوْقِفِ أَحْمَدَ الصَّارِمِ مِنَ الْمُرْجِئَةِ.
[2] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): يُرَاجَعُ فِيهِ "شَرْحُ كِتَابِ الْإِيمَانِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، حَيْثُ نَقَلَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَوْلَهُ: "الْمُرْجِئَةُ سَمَّوْا تَرْكَ الْفَرَائِضِ ذَنْباً كَارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ، وَلَيْسَا سَوَاءً".
عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: أَثَرُهُ فِي "الشَّرِيعَةِ" لِلْآجُرِّيِّ (ج 2، ص 142).
عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ: حَدِيثُهَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (كِتَابُ الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يَظَلُّ صَائِماً).
سُورَةُ النَّجْمِ: مَقْصِدُ الآيَةِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ اللهَ أَعْلَمُ بِالْمُتَّقِي عَلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّنْ يَدَّعِيهَا لِسَاناً.
سُورَةُ الْفَتْحِ: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ تَصْحَبُ كُلَّ حَقِيقَةٍ وَإِنْ كَانَتْ وَاقِعَةً لَا مَحَالَةَ بِوَعْدِ اللهِ.
الْآجُرِّيُّ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (360 هـ)، وَكِتَابُهُ "الشَّرِيعَةُ" هُوَ دِيوَانُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ.
مَقْصِدُ الِاحْتِيَاطِ: هُوَ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ عَلَى حَذَرٍ مِنْ إِيجَابِ الْجَنَّةِ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَقَامُ "الْمُشْفِقِينَ".
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(27)
(الْمُتَمِّمُ الثَّانِي لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ) - [ص 27]
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ الآيَةِ الأُولَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ} - النجم: 32]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ:
يَرَى ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ الآيَةَ نَهْيٌ عَنْ تَمْدِيحِ النَّفْسِ وَالِاعْتِدَادِ بِالْأَعْمَالِ؛ أَيْ لَا تُخْبِرُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ بِالطَّهَارَةِ وَالتَّقْوَى عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ اللهَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى بِبَاطِنِهِ وَمَنْ أَخْلَصَ لَهُ، وَهَذَا يَعْضُدُ قَوْلَ السَّلَفِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ طَلَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنَ الرِّيَاءِ وَالْعُجْبِ. [1]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ:
يُؤَصِّلُ السَّعْدِيُّ لِمَعْنًى بَدِيعٍ؛ وَهُوَ أَنَّ التَّزْكِيَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا هِيَ الَّتِي تَتَضَمَّنُ الْفَخْرَ وَالِاسْتِطَالَةَ، فَاللهُ هُوَ الَّذِي مَنَّ بِالتَّقْوَى، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْزِمَ بِمَقَامِهِ عِنْدَ اللهِ، بَلْ يَبْقَى بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، وَهَذَا لُبُّ الِاسْتِثْنَاءِ الشَّرْعِيِّ. [2]
[ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ} - الفتح: 27]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
يَنْقُلُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ اللهِ -وَهُوَ الصَّادِقُ فِي وَعْدِهِ- تَعْلِيمٌ لِعِبَادِهِ أَنْ لَا يَقْطَعُوا بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَقِيلَ: لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ الدُّخُولَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللهِ لَا بِقُوَّتِهِمْ، وَهُوَ عُمْدَةُ مَنْ قَالَ بِالِاسْتِثْنَاءِ فِي "الْإِيمَانِ" تَعْظِيمًا لِلْمَشِيئَةِ لَا شَكًّا فِي الْحَقِيقَةِ. [3]
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُنَا لِتَحْقِيقِ الْوُقُوعِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ "إِنْ شَاءَ اللهُ" تُقَالُ فِي الْأَمْرِ الْمُحَقَّقِ لِلتَّبَرُّكِ وَلِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ لِلَّهِ، وَهَذَا يَنْقُضُ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْإِيمَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ شَكٍّ. [4]
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذِهِ الشُّرُوحِ (رُؤْيَتِي التَّحْلِيلِيَّةُ)]
لَقَدْ تَمَيَّزَ كُلُّ مَفْسِرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ بِبَصْمَةٍ تُقَوِّي أَصْلَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي سَاقَهُ الشَّيْخُ؛ فَالْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ يَمْتَازُ بِرَبْطِ الآيَةِ بِالْآثَارِ، مِمَّا يُعْطِي لِلِاسْتِثْنَاءِ عُمْقًا "سَلَفِيًّا" يَحْمِي الْعَبْدَ مِنَ التَّزْكِيَةِ. بَيْنَمَا تَمَيَّزَ السَّعْدِيُّ بِتَقْرِيرِ الْجَانِبِ "التَّرْبَوِيِّ الْقَلْبِيِّ"، حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ أَدَاةً لِكَسْرِ الْعُجْبِ، وَهَذَا هُوَ مَقْصَدُ "الِاحْتِيَاطِ" الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ.
أَمَّا فِي آيَةِ الْفَتْحِ، فَقَدْ جَلَّى الْبَغَوِيُّ بِمِيزَتِهِ فِي نَقْلِ أَقْوَالِ السَّلَفِ أَنَّ "الْمَشِيئَةَ" تَصْحَبُ الْيَقِينَ، وَهَذَا تَدْقِيقٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الْكَلَامِ. وَجَاءَ ابْنُ عُثَيْمِينَ بِمِيزَتِهِ "الْأُصُولِيَّةِ" لِيُقَرِّرَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لِـ "التَّحْقِيقِ" لَا لِـ "التَّعْلِيقِ الشَّكِّيِّ"، وَهِيَ مِيزَةٌ تُزِيلُ اللَّبْسَ عَنْ طَالِبِ الْعِلْمِ فِي فَهْمِ مَدَاخِلِ الْإِرْجَاءِ.
إِنَّ اجْتِمَاعَ هَذِهِ الشُّرُوحِ يُثْبِتُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ سِيَاجٌ شَرْعِيٌّ يَمْنَعُ مَنْزَلَقَيْنِ:
مَنْزَلَقَ الْمُرْجِئَةِ: الَّذِينَ جَزَمُوا بِالْإِيمَانِ فَأَوْرَثَهُمُ الْأَمْنَ مِنْ مَكْرِ اللهِ وَالتَّزْكِيَةَ.
مَنْزَلَقَ الشَّكَّاكِ: الَّذِينَ اسْتَثْنَوْا تَرَدُّدًا فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ، وَهُوَ مَا نَفَاهُ الشَّيْخُ وَالْمُفَسِّرُونَ. [5]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): (ج 7، ص 463)، ط. دَارِ طَيِّبَةَ. يَمْتَازُ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ بِالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ.
[2] تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ (السَّعْدِيُّ): (ص 821)، ط. مَسَسَةِ الرِّسَالَةِ. مِيزَتُهُ الِاهْتِمَامُ بِالْمَقَاصِدِ التَّرْبَوِيَّةِ وَسَلَاسَةُ الْعِبَارَةِ.
[3] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): (ج 7، ص 316)، ط. دَارِ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ. يَمْتَازُ بِتَنْقِيَةِ الرِّوَايَاتِ وَالِاتِّبَاعِ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
[4] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): سُورَةُ الْفَتْحِ، الْمَجْلِسُ السَّادِسُ. مِيزَتُهُ الِاسْتِنْبَاطُ الْفِقْهِيُّ وَالْعَقَدِيُّ الدَّقِيقُ.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): التَّحْقِيقُ أَنَّ مَنْ اسْتَثْنَى فَقَدْ حَمَى عَقِيدَتَهُ مِنَ الِانْخِرَاقِ بِمَسَالِكِ الْأَهْوَاءِ.
ابْنُ كَثِيرٍ: عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (774 هـ).
الْبَغَوِيُّ: أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ، "رُكْنُ الدِّينِ"، تُوُفِّيَ سَنَةَ (516 هـ).
السَّعْدِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (1376 هـ).
ابْنُ عُثَيْمِينَ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (1421 هـ).
الِاسْتِثْنَاءُ لِلتَّحْقِيقِ: هُوَ اسْتِعْمَالُ "إِنْ شَاءَ اللهُ" لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الْخَبَرِ تَبَرُّكًا لَا تَرَدُّدًا.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(28)
(الْمُتَمِّمُ الثَّالِثُ لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ) - [ص 28]
[أَوَّلاً: حَدِيثُ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- فِي "الرَّجَاءِ"]
«وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي».
شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ:
يُبَيِّنُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ "الرَّجَاءِ" هُنَا مَعَ كَوْنِهِ ﷺ مَقْطُوعاً لَهُ بِذَلِكَ، هُوَ مِنْ بَابِ التَّوَاضُعِ لِلَّهِ، وَتَعْلِيمِ الْأُمَّةِ عَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالْعَمَلِ. وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ بِتَحْقِيقِ كَمَالِ التَّقْوَى مَسْلَكٌ يَحْتَاجُ إِلَى حَذَرٍ، وَهُوَ مَا يُؤَيِّدُ مَنْزِعَ الِاسْتِثْنَاءِ. [1]
شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
يُؤَصِّلُ ابْنُ رَجَبٍ لِقَاعِدَةِ "الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ"، مُوضِحاً أَنَّ الْعِلْمَ بِاللهِ يُورِثُ الْخَشْيَةَ، وَكُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ عِلْمًا ازْدَادَ اسْتِثْنَاءً وَرَجَاءً لَا جَزْمًا وَتَزْكِيَةً، لِأَنَّ حُقُوقَ اللهِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُوَفِّيَهَا عَبْدٌ مَهْمَا بَلَغَ عَمَلُهُ. [2]
[ثَانِيًا: أَثَرُ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ: "أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللهُ"]
تَحْقِيقُ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ وَفَوَائِدُهُ:
يُقَرِّرُ الْمُحَدِّثُ الْأَلْبَانِيُّ صِحَّةَ هَذَا الْمَنْزَعِ عَنِ التَّابِعِينَ، وَيَرَى أَنَّ فَائِدَةَ هَذَا الْأَثَرِ تكمُنُ فِي الرَّدِّ عَلَى "جَهَمِيَّةِ الْمُرْجِئَةِ" وَ"مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ"؛ فَعَلْقَمَةُ لَمْ يَشُكَّ فِي وُجُودِ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ، لَكِنَّهُ اسْتَثْنَى فِي "الْكَمَالِ". وَيُؤَكِّدُ الْأَلْبَانِيُّ أَنَّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ شَيْئاً وَاحِداً ثَابِتاً كَالْعِيَانِ، بَلْ هُوَ شُعَبٌ وَأَعْمَالٌ. [3]
[ثَالِثًا: مَوْقِفُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ تَرْكِ الِاسْتِثْنَاء (أَثَرُ أَبِي دَاوُدَ)]
تَحْلِيلُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُشِيرُ ابْنُ عُثَيْمِينَ إِلَى أَنَّ غَضَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَانَ لِأَنَّ الرَّجُلَ سَاوَى بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ، وَأَرَادَ أَنْ يَجْزِمَ بِحَقِيقَةٍ بَاطِنَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ. وَيُوَضِّحُ الشَّيْخُ أَنَّ حُجَّةَ أَحْمَدَ فِي "جِئْنَا بِالْعَمَلِ" هِيَ الْقَاضِيَةُ عَلَى قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِيَقِينٍ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ فَقَدْ زَعَمَ أَنَّهُ أَتَى بِكُلِّ الْأَعْمَالِ كَامِلَةً، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ. [4]
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذِهِ الشُّرُوحِ (رُؤْيَتِي التَّحْلِيلِيَّةُ)]
مِنْ خِلَالِ سَبْرِي لِكَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ، يَتَبَيَّنُ لِي أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ "سِيَاجٌ" يَحْمِي عَقِيدَةَ الْمُؤْمِنِ مِنْ آفَتَيْنِ: الْكِبْرِ الْعَقَدِيِّ وَالْأَمْنِ مِنَ الْمَكْرِ.
فَالْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ غَاصَ فِي بَحْرِ "أَعْمَالِ الْقُلُوبِ" لِيُثْبِتَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ حَالُ الْعَارِفِينَ بِعِيُوبِ أَنْفُسِهِمْ. بَيْنَمَا جَاءَ ابْنُ حَجَرٍ لِيَرْبِطَ بَيْنَ "اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ" وَبَيْنَ "التَّوَاضُعِ الْمُطْلَقِ".
أَمَّا الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ، فَقَدْ كَانَتْ مِيزَتُهُ فِي "التَّنْقِيهِ وَالرَّدِّ"؛ حَيْثُ حَقَّقَ أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ هِيَ حَرْبٌ عَلَى الْإِرْجَاءِ الَّذِي يُحَاوِلُ مَسَاوَاةَ آحَادِ النَّاسِ بِخِيَارِهِمْ. وَجَاءَ ابْنُ عُثَيْمِينَ لِيَضَعَ "الْقَاعِدَةَ الْمَنْطِقِيَّةَ" الصَّارِمَةَ: (الْإِيمَانُ = قَوْلٌ + عَمَلٌ)، فَإِذَا نَقَصَ الْعَمَلُ -وَهُوَ نَاقِصٌ حَتْماً- وَجَبَ الِاسْتِثْنَاءُ لِتَحْقِيقِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالِادِّعَاءِ.
إِنَّ قُوَّةَ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ تُثْبِتُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ عِنْدَ السَّلَفِ لَيْسَ "شَكًّا فِي الْإِيمَانِ"، بَلْ هُوَ "يَقِينٌ بِتَقْصِيرِ النَّفْسِ". [5]
_____________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): (ج 1، ص 131) فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، وَ(ج 4، ص 155) فِي كِتَابِ الصَّوْمِ. ط. دَارِ الْمَعْرِفَةِ.
[2] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ رَجَبٍ): (ج 1، ص 115) فِي شَرْحِ حَدِيثِ "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ". ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
[3] سِلْسِلَةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (الْأَلْبَانِيُّ): تَعْلِيقَاتُهُ عَلَى آثَارِ الْإِيمَانِ فِي "ظِلَالِ الْجَنَّةِ" وَشَرْحِ "الطَّحَاوِيَّةِ" (ص 335-340).
[4] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): (ج 2، ص 135)، وَدُرُوسُهُ فِي "شَرْحِ كِتَابِ الْإِيمَانِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): إِنَّ مَنْ لَا يَسْتَثْنِي يَفْتَرِضُ فِي نَفْسِهِ "الْعِصْمَةَ الْعَمَلِيَّةَ"، وَهَذَا نَقْضٌ لِأَصْلِ الْعُبُودِيَّةِ.
تَخْرِيجُ حَدِيثِ عَائِشَةَ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (كِتَابُ الصِّيَامِ، ح 1106).
تَخْرِيجُ أَثَرِ عَلْقَمَةَ: أَخْرَجَهُ الْآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ" (ج 2، ص 142، ح 276)، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "الْمُصَنَّفِ" (ح 30349) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
تَخْرِيجُ أَثَرِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَحْمَدَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَسَائِلِهِ" (ص 274)، وَالْخَلَّالُ فِي "السُّنَّةِ" (ج 3، ص 586).
ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (795 هـ).
ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، "أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ"، تُوُفِّيَ سَنَةَ (852 هـ).
الْأَلْبَانِيُّ: مُحَمَّدُ نَاصِرُ الدِّينِ، "مُحَدِّثُ الْعَصْرِ"، تُوُفِّيَ سَنَةَ (1420 هـ).
عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ: خَالُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، كَانَ يُشْبِهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي هَدْيِهِ وَدَلِّهِ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(29)
(الْمُتَمِّمُ الرَّابِعُ لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ) - [ص 29]
[أَوَّلاً: نُصُوصُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]
نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ هُوَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَهَذَا لَهُ ثَلَاثُ حَالَاتٍ: إِنْ كَانَ الشَّكُّ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ فَهَذَا مُحَرَّمٌ وَكُفْرٌ، وَإِنْ كَانَ بِاعْتِبَارِ مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالٍ صَالِحَةٍ هَلْ قُبِلَتْ أَمْ لَا، أَوْ بِاعْتِبَارِ الْكَمَالِ فَهَذَا وَاجِبٌ أَوْ مَنْدُوبٌ؛ لِأَنَّ الْإِكْمَالَ لَا يُجْزَمُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ الْمَشِيئَةِ فَهَذَا جَائِزٌ. وَالسَّلَفُ كَانُوا يَسْتَثْنُونَ خَوْفاً مِنْ تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ، لَا شَكّاً فِي يَقِينِهِمْ، فَالْمُؤْمِنُ الْحَقُّ مَنْ كَمَّلَ الْإِيمَانَ بِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَمَنْ ذَا الَّذِي يَجْزِمُ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ؟! فَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا يَعُودُ لِلْعَمَلِ لَا لِأَصْلِ التَّصْدِيقِ». [1]
نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ الْمُعَلِّمِيِّ الْيَمَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«إِنَّ لَفْظَ "الْمُؤْمِنِ" فِي إِطْلَاقِ الشَّرْعِ يَتَنَاوَلُ مَنِ اسْتَحَقَّ الثَّوَابَ وَنَجَا مِنَ الْعِقَابِ، وَهَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْخَاتِمَةِ، وَلَا يُعْلَمُ إِلَّا بِأَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ كُلِّهَا. فَمَنْ قَالَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ" جَازِماً، فَقَدْ جَزَمَ لِنَفْسِهِ بِالْجَنَّةِ، وَهَذَا مَوْضِعُ الْخَطَرِ. لِذَا كَانَ السَّلَفُ يَتَوَرَّعُونَ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولُونَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللهُ"، أَوْ "مُؤْمِنٌ أَرْجُو"، فَهُمْ يُثْبِتُونَ الْإِيمَانَ اللُّغَوِيَّ وَالْأَصْلِيَّ، لَكِنَّهُمْ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ النَّجَاةِ، بَرَاءَةً مِنَ التَّزْكِيَةِ وَدَفْعاً لِلْإِرْجَاءِ الَّذِي جَعَلَ الْإِيمَانَ حَقِيقَةً وَاحِدَةً لَا تَتَفَاضَلُ». [2]
نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ صَالِحِ الْفَوْزَانِ -حَفِظَهُ اللهُ-:
«الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، خِلَافاً لِلْمُرْجِئَةِ. فَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ لَا نَسْتَثْنِي، لِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ التَّصْدِيقُ، وَالتَّصْدِيقُ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ. أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَمَّا كَانَ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ دَاخِلاً فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَالْأَعْمَالُ تَقْبَلُ النَّقْصَ وَالزِّيَادَةَ، جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ بَلْ شُرِعَ. فَالْمُسْلِمُ يَسْتَثْنِي لَا لِأَنَّهُ يَشُكُّ فِي عَقِيدَتِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ لَا يُزَكِّي نَفْسَهُ بِأَنَّهُ أَتَى بِكُلِّ مَا أُمِرَ بِهِ. وَتَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ السَّلَفِ كَانَ عَلَامَةً عَلَى الْإِرْجَاءِ، لِأَنَّ فِيهِ إِيهَاماً بِأَنَّ إِيمَانَهُ كَإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ». [3]
نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِحِ السَّنْدِيِّ -حَفِظَهُ اللهُ-:
«الِاسْتِثْنَاءُ سُنَّةُ السَّلَفِ الْمَأثُورَةُ، وَهُوَ ثَمَرَةُ قَوْلِهِمْ إِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. وَتَحْرِيرُ الْمَقَالِ فِيهِ: أَنَّهُ يَصِحُّ بِاعْتِبَارِ الْمُوَافَاةِ -أَيْ مَا يَمُوتُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ- وَبِاعْتِبَارِ نَفْيِ التَّزْكِيَةِ لِعَدَمِ الْقَطْعِ بِالْقِيَامِ بِكُلِّ شَرَائِطِ الْإِيمَانِ وَوَاجِبَاتِهِ. فَمَنْ مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ مُطْلَقاً فَقَدْ وَافَقَ الْمُرْجِئَةَ فِي أَصْلِهِمْ أَنَّ الْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَجْزِمُ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ التَّصْدِيقِ، لَكِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِقَبُولِهِ وَلَا بِبُلُوغِ حَقِيقَتِهِ، فَيَقُولُ "إِنْ شَاءَ اللهُ" هَرَباً مِنَ الدَّعْوَى الْعَرِيضَةِ، وَتَفْوِيضاً لِلْعَاقِبَةِ إِلَى اللهِ جَلَّ وَعَلَا». [4]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ الشَّامِلُ لِهَذِهِ الْمَقَالَاتِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الْأَرْبَعَةَ تَلْتَقِي عِنْدَ مَصَبٍّ وَاحِدٍ يُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ "سِيَاجٌ مَنِيعٌ" لِحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ لَوَازِمِ الْإِرْجَاءِ. فَالْمُتَأَمِّلُ فِي كَلَامِ الْأَعْلَامِ يَجِدُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُورُ عَلَى مِحْوَرَيْنِ: (مِحْوَرِ الْحَقِيقَةِ) وَ(مِحْوَرِ الْمَآلِ).
فَمِنْ جِهَةِ الْحَقِيقَةِ، قُلْتُ إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فَرْعٌ عَنْ دُخُولِ الْأَعْمَالِ؛ فَمَنْ فَهِمَ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَبِرَّ الْوَالِدَيْنِ مِنَ الْإِيمَانِ، عَلِمَ يَقِيناً أَنَّهُ مُقَصِّرٌ فِيهَا، فَلَا يَسَعُهُ إِلَّا الِاسْتِثْنَاءُ تَنْزِيهاً لِلَّهِ عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ إِيمَانٌ كَامِلٌ مَعَ وُجُودِ هَذَا التَّقْصِيرِ. وَمِنْ جِهَةِ الْمَآلِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا هُوَ عَيْنُ الِافْتِقَارِ وَالِانْكِسَارِ.
إِنَّ اجْتِمَاعَ "تَحْرِيرِ" ابْنِ عُثَيْمِينَ، وَ"وَرَعِ" الْمُعَلِّمِيِّ، وَ"تَوْضِيحِ" الْفَوْزَانِ، وَ"تَدْقِيقِ" السَّنْدِيِّ، يَرْسُمُ لَنَا مَعَالِمَ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ الَّذِي يَنْفِي عَنِ الِاسْتِثْنَاءِ تُهْمَةَ "الشَّكِّ"، وَيُلْبِسُهُ لِبَاسَ "التَّقْوَى" وَ"الِاحْتِيَاطِ". فَالْمُؤْمِنُ بِهَذَا التَّأْصِيلِ يَكُونُ قَوِيَّ الْيَقِينِ فِي رَبِّهِ، ذَلِيلَ النَّفْسِ فِي عَمَلِهِ، مُسْتَثْنِياً فِي حَالِهِ بَرَاءَةً مِنْ كُلِّ مَدْخَلٍ لِلْإِرْجَاءِ. [5]
[الْحَاشِيَةُ: التَّوْثِيقُ وَالْعَزْوُ]
[1] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: (ج 1، ص 45-47)، مَجْمُوعُ الْعَقِيدَةِ.
[2] رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَسْأَلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ (الْمُعَلِّمِي): ضِمْنَ "آثَارِ الشَّيْخِ الْمُعَلِّمِيِّ" (ج 1، ص 156).
[3] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (الْفَوْزَان): (ج 2، ص 118)، وَشَرْحُهُ لِلْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ.
[4] شَرْحُ كِتَابِ الْإِيمَانِ لِأَبِي عُبَيْدٍ (السَّنْدِي): الدَّرْسُ الرَّابِعُ، وَيُرَاجَعُ فِي مُؤَلَّفِهِ "مَسَائِلُ الْإِيمَانِ".
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ لَوَازِمِ الِاسْتِثْنَاءِ الْعَقَدِيَّةِ وَثَمَرَاتِهِ السُّلُوكِيَّةِ.
الْمُعَلِّمِي الْيَمَانِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى، "ذَهَبِيُّ الْعَصْرِ"، تُوُفِّيَ سَنَةَ (1386 هـ).
صَالِحُ السَّنْدِيُّ: أُسْتَاذُ الْعَقِيدَةِ بِالْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، مَعْرُوفٌ بِدِقَّةِ التَّحْرِيرِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ.
الْإِرْجَاءُ: تَرْكُ الِاسْتِثْنَاءِ عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
الْمُوَافَاةُ: هِيَ مَا يُوَافِي بِهِ الْعَبْدُ رَبَّهُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَهِيَ غَيْبٌ لَا يُجْزَمُ بِهِ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》(30)
(الْمُتَمِّمُ الْخَامِسُ لِلْوَجْهِ الْخَامِسِ) - [ص 30]
[تَوْطِئَةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ قَذِيفَةُ الْحَقِّ فِي وُجُوهِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ]
إِنَّ تَقْرِيرَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- لِسُنِّيَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرَفٍ عِلْمِيٍّ، بَلْ هُوَ جِهَادٌ عَقَدِيٌّ يَرُدُّ بِهِ عَلَى طَوَائِفَ ضَلَّتْ فِي فَهْمِ "حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ". فَالِاسْتِثْنَاءُ هُنَا يَعْمَلُ كَمِبْضَعِ الْجَرَّاحِ الَّذِي يَسْتَأْصِلُ أَوْرَامَ الْإِرْجَاءِ وَالْغُلُوِّ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ. [1]
[أَوَّلاً: الطَّوَائِفُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهَا بِفَقْرَةِ الِاسْتِثْنَاءِ]
الْمُرْجِئَةُ الْجَهْمِيَّةُ (أَهْلُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ، وَهِيَ لَا تَتَجَزَّأُ وَلَا تَقْبَلُ الشَّكَّ.
وَجْهُ الرَّدِّ: الِاسْتِثْنَاءُ يَهْدِمُ أَصْلَهُمْ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ، بَلْ هُوَ عَمَلٌ وَقَبُولٌ وَخَاتِمَةٌ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَغِيبٌ يَحْتَاجُ لِلْمَشِيئَةِ. [2]
مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ (أَهْلُ التَّصْدِيقِ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ، وَالْعَمَلُ خَارِجٌ عَنْهُ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِثْنَاءُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ مُصَدِّقٌ.
وَجْهُ الرَّدِّ: رَدَّ عَلَيْهِمُ الشَّيْخُ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ: "جِئْنَا بِالْقَوْلِ.. فَهَلْ جِئْنَا بِالْعَمَلِ؟"؛ فَمَنْ أَدْخَلَ الْعَمَلَ وَجَبَ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ لِعَدَمِ كَمَالِهِ، وَمَنْ مَنَعَ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ كَامِلَ الْإِيمَانِ كَجِبْرِيلَ. [3]
الْكَرَّامِيَّةُ:
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ هُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ.
وَجْهُ الرَّدِّ: الِاسْتِثْنَاءُ يَنْفِي هَذَا الِاخْتِزَالَ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَعُودُ إِلَى حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الَّتِي لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا، وَالنُّطْقُ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي لِلْجَزْمِ بِالْفَلَاحِ. [4]
الْوَعِيدِيَّةُ (الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ) - مِنْ وَجْهٍ آخَرَ:
قَوْلُهُمْ: مَنْ فَقَدَ جُزْءاً مِنَ الْعَمَلِ فَقَدَ الْإِيمَانَ كُلَّهُ.
وَجْهُ الرَّدِّ: الِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَ السَّلَفِ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَبْقَى "مُؤْمِناً" مَعَ التَّقْصِيرِ، لَكِنَّهُ يَخَافُ وَيَسْتَثْنِي، فَلَا هُوَ جَزَمَ بِالْكَمَالِ (كَمَا فَعَلَتِ الْمُرْجِئَةُ)، وَلَا هُوَ كَفَّرَ بِالنَّقْصِ (كَمَا فَعَلَتِ الْخَوَارِجُ). [5]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ لِهَذِهِ الرُّدُودِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ فَقْرَةَ الِاسْتِثْنَاءِ هِيَ "الْمِحَكُّ" الَّذِي يُكْشَفُ بِهِ الْمُرْجِئُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ مَنْ يَمْنَعُ الِاسْتِثْنَاءَ "تَدَيُّناً" إِلَّا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ شَوْبٌ مِنَ الْإِرْجَاءِ. وَقَدْ حَرَّرْتُ فِي هَذَا التَّأْصِيلِ أَنَّ الرَّدَّ هُنَا يَقُومُ عَلَى نَقْضِ "تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ" عِنْدَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ.
فَالْمُرْجِئَةُ حِينَ مَنَعُوا الِاسْتِثْنَاءَ، بَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ "حَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ" (شَيْءٌ وَاحِدٌ)، بَيْنَمَا مَقْصِدُ الشَّيْخِ وَالسَّلَفِ أَنَّهُ "حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ" (شُعَبٌ). لِذَلِكَ، فَإِنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِثْنَاءِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ رَدٌّ عَلَى إِخْرَاجِهِمُ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ.
وَأُؤَكِّدُ هُنَا أَنَّ قَوْلَنَا "إِنْ شَاءَ اللهُ" هُوَ إِعْلَانٌ لِلْعَجْزِ الْبَشَرِيِّ عَنْ تَوْفِيَةِ حَقِّ اللهِ، وَهُوَ نَقْضٌ لِغُرُورِ مَنْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَقْبِضُونَ عَلَى كَمَالِ الدِّينِ بِمُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ. إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ رُوحُ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي تَقِفُ وَسَطاً بَيْنَ جَفَاءِ الْمُرْجِئَةِ وَغُلُوِّ الْوَعِيدِيَّةِ. [6]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 7، ص 440) "فَصْلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ". يُرَاجَعُ فِيهِ تَفْصِيلُ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ.
[2] مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ (الْأَشْعَرِيُّ): (ج 1، ص 213) فِي نَقْلِ مَذَاهِبِ الْمُرْجِئَةِ فِي الِاسْتِثْنَاء.
[3] الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ (الشَّهْرَسْتَانِيُّ): (ج 1، ص 139) فِي بَيَانِ مَذْهَبِ الْكَرَّامِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
[4] شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ (اللَّالَكَائِيُّ): (ج 5، ص 1005) فِيمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي تَبْدِيعِ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ.
[5] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ (ابْنُ أَبِي الْعِزِّ): (ص 338) "مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ".
[6] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): إِنَّ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَقَاماً لَمْ يَدَّعِهِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ؛ فَأَيْنَ هُوَ مِنْهُمْ؟!
الْجَهْمِيَّةُ: أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت 128 هـ)، قَالُوا بِأَنَّ الْإِيمَانَ مَعْرِفَةٌ فَقَطْ.
الْكَرَّامِيَّةُ: أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ (ت 255 هـ)، قَالُوا الْإِيمَانُ نُطْقُ اللِّسَانِ وَلَوْ خَلَا مِنَ التَّصْدِيقِ (وَهَذَا قَوْلٌ شَنِيعٌ).
مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ: الَّذِينَ أَخْرَجُوا الْعَمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ وَجَعَلُوهُ قَوْلاً وَتَصْدِيقاً.
الِاسْتِثْنَاءُ لِلْمُوَافَاةِ: هُوَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَجْزِمُ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ.
الِاسْتِثْنَاءُ لِلْكَمَالِ: هُوَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ إِيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》31《《《
(الْوَجْهُ رَقْمُ: 6) - [ص 31]
[نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
«سِتَّةٌ: الْإِيمَانُ مَرَاتِبُ؛ أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»
1- الدَّلِيلُ: قَالَ ﷺ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ- شُعْبَةً، أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ"». [1]
[خَمْسَةُ مُفْرَدَاتٍ تَحْلِيلِيَّةٍ لِلنَّصِّ]
بِضْعٌ: مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالْكَثْرَةِ.
شُعْبَةٌ: الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَالْمُرَادُ بِهَا خِصَالُ الْإِيمَانِ وَأَجْزَاؤُهُ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا.
أَعْلَاهَا: أَيْ أَفْضَلُهَا وَأَعْظَمُهَا رُتْبَةً، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي لَا يَصِحُّ أَصْلُ الدِّينِ إِلَّا بِهَا.
أَدْنَاهَا: أَقَلُّهَا مَرْتَبَةً فِي الْأَجْرِ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ عَمَلِ الْجَوَارِحِ الْبَسِيطِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ.
إِمَاطَةُ الْأَذَى: نَحْيُ مَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي طَرِيقِهِمْ، وَهِيَ تَمْثِيلٌ لِشُعَبِ الْفِعْلِ الظَّاهِرِ.
[التَّقْعِيدُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "الْإِيمَانُ كُلٌّ ذُو أَجْزَاءٍ وَشُعَبٍ، يَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ بِحَسَبِ مَا قَامُوا بِهِ مِنْ هَذِهِ الشُّعَبِ". [2]
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ (الْإِيمَانُ) يَقَعُ عَلَى مَجْمُوعِ الشُّعَبِ حَقِيقَةً، وَعَلَى بَعْضِهَا مَجَازاً أَوْ تَبَعاً". [3]
الضَّابِطُ لَهُمَا: الشُّعَبُ مِنْهَا مَا يَزُولُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهِ (كَالتَّوْحِيدِ)، وَمِنْهَا مَا يَنْقُصُ الْإِيمَانُ بِزَوَالِهِ (كَإِمَاطَةِ الْأَذَى).
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ]
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ حَدِيثَ الشُّعَبِ هُوَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ فِي بَيَانِ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بَيْنَ عَمَلِ الْقَلْبِ (الْحَيَاءُ)، وَعَمَلِ اللِّسَانِ (قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ (إِمَاطَةُ الْأَذَى). وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ تَسْمِيَةَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ "شُعَباً" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَأَنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ بَعْضُهَا أَصْلٌ لَا يَبْقَى الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِ، وَبَعْضُهَا فَرْعٌ يُكَمِّلُهُ. وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ بَسِيطاً لَا يَتَجَزَّأُ، وَيَرُدُّ أَيْضاً عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ. [4]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ تَقْسِيمَ الْإِيمَانِ إِلَى "شُعَبٍ" وَ"مَرَاتِبَ" هُوَ مِفْتَاحُ الْفَهْمِ لِمَسْأَلَةِ "الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ"؛ فَالْإِيمَانُ كَالشَّجَرَةِ لَهَا أَصْلٌ (سَاقٌ) وَلَهَا فُرُوعٌ وَأَوْرَاقٌ. فَلَا يُقَالُ لِأَغْصَانِهَا إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَلَا يُقَالُ إِنَّ زَوَالَ وَرَقَةٍ يَعْنِي زَوَالَ الشَّجَرَةِ مِنْ أَصْلِهَا.
لِذَلِكَ أُؤَصِّلُ هُنَا لِمَعْنَى "الْتِئَامِ الْإِيمَانِ"؛ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فَقَدْ أَتَى بِرَأْسِ الشُّعَبِ، لَكِنَّ إِيمَانَهُ يَبْقَى نَاقِصاً نَقْصاً ظَاهِراً إِذَا تَرَكَ بَقِيَّةَ الشُّعَبِ الْوَاجِبَةِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَمْنَعُنَا مِنَ الْغُلُوِّ فِي التَّكْفِيرِ، كَمَا يَمْنَعُنَا مِنَ التَّفْرِيطِ فِي الْإِرْجَاءِ. فَالْمَرَاتِبُ تَقْتَضِي التَّفَاضُلَ، وَالتَّفَاضُلُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّاسَ لَيْسُوا فِي الْإِيمَانِ سَوَاءً، بَلْ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ بِحَسَبِ تَحْقِيقِهِمْ لِهَذِهِ الشُّعَبِ عِلْماً وَعَمَلاً وَحَالاً. [5]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (كِتَابُ الْإِيمَانِ، ح 9) بِلَفْظِ "بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً"، وَمُسْلِمٌ (كِتَابُ الْإِيمَانِ، ح 35) بِلَفْظِ "بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ-".
[2] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 7، ص 521).
[3] انْظُرْ: التَّمْهِيدُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِلْكَلْوَذَانِيِّ، وَشَرْحُ الْكَوْكَبِ الْمُنِيرِ.
[4] انْظُرْ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 185-190).
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ التَّشْبِيهِ النَّبَوِيِّ لِلشُّعَبِ وَالْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ لِلتَّفَاضُلِ.
الْحَيَاءُ: هُوَ خُلُقٌ يَبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ، وَأُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ الدَّاعِي لِبَقِيَّةِ الشُّعَبِ.
لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ: هِيَ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَزَوَالُهَا زَوَالٌ لِلْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ.
إِمَاطَةُ الْأَذَى: مِثَالٌ لِأَدْنَى الشُّعَبِ لِيُعْلَمَ أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ.
مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: أُسْتَاذُ الْعَقِيدَةِ الْمَعْرُوفُ بِتَحْقِيقَاتِهِ الدَّقِيقَةِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ.
تَوْثِيقُ التَّفَاضُلِ: كُلُّ مَنْ أَثْبَتَ الشُّعَبَ فَقَدْ أَثْبَتَ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ ضِمْناً.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》32《《《《《《《《《《《
(الْمُتَمِّمُ الْأَوَّلُ لِلْوَجْهِ السَّادِسِ) - [ص 32]
[تَحْلِيلُ مَقَاصِدِ الِاسْتِشْهَادِ عِنْدَ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان]
لَمْ يَكُنِ اسْتِشْهَادُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ- بِحَدِيثِ الشُّعَبِ لِمُجَرَّدِ السَّرْدِ، بَلْ رَنَا مِنْ خِلَالِهِ إِلَى مَقَاصِدَ عَقَدِيَّةٍ كُبْرَى، مِنْهَا:
- مَقْصِدُ بَيَانِ الشُّمُولِ: لِيُثْبِتَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جُزْءاً وَاحِداً، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَسْتَوْعِبُ حَرَكَةَ الْقَلْبِ، وَنُطْقَ اللِّسَانِ، وَسَعْيَ الْجَوَارِحِ.
- مَقْصِدُ إِثْبَاتِ التَّفَاضُلِ: لِيُوَضِّحَ أَنَّ أَعْمَالَ الْإِيمَانِ لَيْسَتْ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَالتَّوْحِيدُ رُكْنٌ رَكِينٌ، وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَمَلٌ مُبِينٌ، وَبَيْنَهُمَا مَرَاتِبُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللهُ.
- مَقْصِدُ الرَّدِّ عَلَى الِانْحِرَافِ: فَبِذِكْرِ "أَعْلَاهَا" وَ"أَدْنَاهَا" رَدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ إِيمَانِ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ، وَبِذِكْرِ "الشُّعَبِ" رَدَّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ الْإِيمَانَ إِلَّا كُتْلَةً وَاحِدَةً إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهَا ذَهَبَ كُلُّهَا.
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا الِاسْتِشْهَادَ النَّبَوِيَّ الَّذِي سَاقَهُ الشَّيْخُ يُعَدُّ "الْمِعْمَارَ الْأَسَاسِيَّ" لِفَهْمِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ؛ حَيْثُ نَقَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ مَفْهُومِ "الذَّهْنِ" إِلَى مَفْهُومِ "الْكِيَانِ الْمُرَكَّبِ". وَإِنَّنِي أُعَزِّزُ هَذَا الْمَنْزَعَ بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى تُؤَكِّدُ هَذَا التَّرْكِيبَ وَالتَّفَاضُلَ؛ فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ} [فاطر: 32]، فَهَذَا الِاصْطِفَاءُ شَمَلَهُمْ جَمِيعاً مَعَ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهِمْ فِي الْإِيمَانِ عَمَلاً وَرُتْبَةً. [1]
وَقَدْ قُلْتُ أَيْضاً: إِنَّ الْقُرْآنَ صَرَّحَ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ تَعَدُّدِ الشُّعَبِ وَالْآيَاتِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [التوبة: 124]. وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تَتَصَوَّرُ عَقْلاً وَلَا شَرْعاً إِلَّا إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ ذَا أَجْزَاءٍ تَقْبَلُ الْإِضَافَةَ، وَهُوَ مَا نُسَمِّيهِ "الشُّعَبَ". [2]
وَمِنَ السُّنَّةِ أَيْضاً، اسْتَشْهَدْتُ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ... ثُمَّ وَزْنُ ذَرَّةٍ"، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ وَمَقَادِيرُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الْقُلُوبِ. [3]
إِنَّ حَصِيلَةَ هَذَا التَّأْصِيلِ تَقُودُنَا إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ "مُتَوَاطِئَةٌ" مِنْ حَيْثُ الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهَا "مُشَكِّكَةٌ" (مُتَفَاضِلَةٌ) مِنْ حَيْثُ التَّحْقِيقِ وَالْكَمَالِ. فَمَنْ جَعَلَ إِمَاطَةَ الْأَذَى مِنَ الْإِيمَانِ كَمَا فِي حَدِيثِ الشَّيْخِ، لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ تَارِكَهَا نَاقِصُ الْإِيمَانِ لَا كَافِرٌ، وَأَنَّ فَاعِلَهَا زَائِدُ الْإِيمَانِ، وَهَذَا هُوَ التَّوَسُّطُ السَّلَفِيُّ الَّذِي يَقْمَعُ نَبْتَةَ الْإِرْجَاءِ فِي مَهْدِهَا. [4]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): (ج 6، ص 546)يَمْتَازُ بِبَيَانِ دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الثَّلَاثِ وَأَنَّهُمْ جَمِيعاً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
[2] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 7، ص 223) فِيهِ اسْتِدْلَالُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ بِآيَاتِ الزِّيَادَةِ عَلَى بَصْمَةِ الشُّعَبِ.
[3] صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ، ح 44).
[4] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ وَاللَّفْظِ النَّبَوِيِّ لِتَقْرِيرِ مَسْأَلَةِ التَّفَاضُلِ.
- تَخْرِيجُ آيَةِ فَاطِرٍ: هِيَ الْعُمْدَةُ فِي بَيَانِ انْقِسَامِ أَهْلِ الْإِيمَانِ إِلَى ظَالِمٍ وَمُقْتَصِدٍ وَسَابِقٍ.
- تَخْرِيجُ آيَةِ التَّوْبَةِ: دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَجَزَّأُ زِيَادَةً وَنُقْصَاناً.
- تَخْرِيجُ حَدِيثِ "وَزْنِ الذَّرَّةِ": أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَهُوَ مَحَلُّ إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ.
- الْمُقْتَصِدُ: هُوَ مَنْ أَدَّى الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ.
- السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ: هُوَ مَنْ تَقَرَّبَ بِالنَّوَافِلِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ، وَهُوَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ.
- إِمَاطَةُ الْأَذَى: اسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى أَنَّ دَائِرَةَ الْإِيمَانِ تَتَّسِعُ لِلْأَعْمَالِ الْيَسِيرَةِ مِمَّا يُعَظِّمُ شَأْنَ الطَّاعَةِ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》33《《《《《
(الْمُتَمِّمُ الثَّانِي لِلْوَجْهِ السَّادِسِ) - [ص 33]
[أَوَّلاً: نُصُوصُ الشُّرَّاحِ لِحَدِيثِ (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً)]
نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ يَدْخُلُ فِيهِ الْأَعْمَالُ، كَمَا يَدْخُلُ فِيهِ الْأَقْوَالُ، وَأَنَّ هَذِهِ الشُّعَبَ بَعْضُهَا يَنْتَفِي الْإِيمَانُ بِانْتِفَائِهِ كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَبَعْضُهَا لَا يَنْتَفِي بِانْتِفَائِهِ كَإِمَاطَةِ الْأَذَى. وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ أَنَّهُ خُلُقٌ غَرِيزِيٌّ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ عَنِ الْمَعَاصِي، فَصَارَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِيمَانِ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ. وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، بَلْ هُوَ شَجَرَةٌ طَيِّبَةٌ لَهَا عُرُوقٌ وَأَغْصَانٌ وَثِمَارٌ، وَكُلُّ طَاعَةٍ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ فَهِيَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَخِصَالِهِ». [1]
نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«تَحَصَّلَ مِنْ ذِكْرِ الشُّعَبِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ، فَأَصْلُهُ الشَّهَادَتَانِ، وَفَرْعُهُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ. وَقَدْ اسْتَنْبَطَ الْمُصَنِّفُونَ فِي الشُّعَبِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْخِصَالِ هُوَ الْإِيمَانُ الْكَامِلُ. وَقَوْلُهُ ﷺ "أَعْلَاهَا" وَ"أَدْنَاهَا" دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى التَّفَاضُلِ بَيْنَ أَعْمَالِ الطَّاعَاتِ، وَأَنَّ اسْمَ الْإِيمَانِ يَقَعُ عَلَيْهَا جَمِيعاً. وَفِي تَقْدِيمِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا الرُّكْنُ الَّذِي لَا يَقُومُ الْبُنْيَانُ إِلَّا بِهِ، وَفِي ذِكْرِ "الْحَيَاءِ" خُصُوصاً تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ هِيَ الْمُحَرِّكَةُ لِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ». [2]
نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
«دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ رُكْنٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ. فَقَوْلُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" شُعْبَةٌ، وَهِيَ أَصْلُ الْإِيمَانِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ ذَهَبَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ. وَإِمَاطَةُ الْأَدَى شُعْبَةٌ، وَهِيَ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، فَإِذَا ذَهَبَتْ لَمْ يَذْهَبِ الْإِيمَانُ لَكِنْ نَقَصَ. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى طَائِفَتَيْنِ: الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّأُ، وَالْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِذَا ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْهُ ذَهَبَ الْإِيمَانُ كُلُّهُ. فَالصَّوَابُ أَنَّ الْإِيمَانَ شُعَبٌ مُتَفَاوِتَةٌ كَمَا بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ». [3]
نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ -حَفِظَهُ اللهُ-:
«حَدِيثُ الشُّعَبِ هُوَ الْفَصْلُ فِي بَيَانِ مُسَمَّى الْإِيمَانِ؛ فَقَدْ جَمَعَ فِيهِ ﷺ بَيْنَ عَمَلِ اللَّسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَالْقَلْبِ، وَجَعَلَهَا كُلَّهَا شُعَباً لِلْإِيمَانِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَأَنَّ لَفْظَ "الشُّعْبَةِ" يَقْتَضِي أَنَّ لِلْإِيمَانِ أَجْزَاءً، وَهَذِهِ الْأَجْزَاءُ لَيْسَتْ فِي رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَيْثُ لُزُومُهَا لِأَصْلِ الدِّينِ. فَمَنْ جَعَلَ إِمَاطَةَ الْأَذَى مِنَ الْإِيمَانِ لَزِمَهُ القَوْلُ بِدُخُولِ الْعَمَلِ فِي مَفْهُومِهِ حَقِيقَةً. وَبِذَلِكَ يَنْقَطِعُ قَوْلُ كُلِّ مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ، فَهُوَ نَصٌّ قَاطِعٌ فِي مَسْأَلَةِ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ». [4]
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ حَوْلَ هَذِهِ الشُّرُوحِ (رُؤْيَتِي التَّحْلِيلِيَّةُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الشُّرُوحَ الْأَرْبَعَةَ شَكَّلَتْ مَنْظُومَةً مُتَكَامِلَةً فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِ السَّلَفِ. فَمِيزَةُ شَرْحِ ابْنِ رَجَبٍ هِيَ "الْبُعْدُ السُّلُوكِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ"، حَيْثُ رَبَطَ بَيْنَ الشُّعَبِ وَثَمَرَاتِهَا الْقَلْبِيَّةِ، وَفَائِدَتُهُ إِثْبَاتُ أَنَّ الطَّاعَاتِ جَمِيعاً مَنَاطُ قُرْبَةٍ وَإِيمَانٍ. بَيْنَمَا تَمَيَّزَ ابْنُ حَجَرٍ بِـ "الِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّنْظِيمِ"، حَيْثُ حَصَرَ الشُّعَبَ وَبَيَّنَ تَرْتِيبَهَا، وَفَائِدَتُهُ جَعْلُ الْإِيمَانِ بِنَاءً مَنْظُوماً لَا فَوْضَى فِيهِ.
أَمَّا ابْنُ عُثَيْمِينَ فَمِيزَتُهُ "التَّقْعِيدُ وَالْمُحَاجَّةُ"، حَيْثُ جَعَلَ الْحَدِيثَ مِيزَاناً يَرُدُّ بِهِ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ، وَضَابِطُهُ أَنَّ زَوَالَ الْفَرْعِ لَيْسَ كَزَوَالِ الْأَصْلِ. وَجَاءَ السَّنْدِيُّ بِمِيزَةِ "التَّحْرِيرِ الْعَقَدِيِّ الصَّارِمِ"، حَيْثُ رَكَّزَ عَلَى مَسْأَلَةِ "الْمَاهِيَّةِ"، وَفَائِدَتُهُ إِفْحَامُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ لِلْإِيمَانِ مُتَنَاسِياً التَّعْرِيفَ النَّبَوِيَّ الشَّامِلَ.
الْقَاعِدَةُ الْجَامِعَةُ هُنَا: (الْإِيمَانُ شَجَرَةٌ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ وَرَقَةٌ فِي تِلْكَ الشَّجَرَةِ). [5]
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[الْحَاشِيَةُ]
[1] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ رَجَبٍ): (ج 1، ص 100-105)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
[2] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): (ج 1، ص 52-54)، ط. دَارِ الْمَعْرِفَةِ.
[3] شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): (ص 45)، وَشَرْحُ "رِيَاضِ الصَّالِحِينَ".
[4] مَسَائِلُ الْإِيمَانِ (السَّنْدِي): (ص 112)، وَشَرْحُهُ لِكِتَابِ الْإِيمَانِ لِابْنِ مَنْدَه.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ مِيزاتِ الشُّرَّاحِ لِتَقْرِيرِ مَسْأَلَةِ "التَّبَعُّضِ" فِي الْإِيمَانِ.
الضَّابِطُ الْعَقَدِيُّ: كُلُّ خَصْلَةٍ سَمَّاهَا الشَّارِعُ إِيمَاناً فَهِيَ شُعْبَةٌ مِنْهُ حَقِيقَةً.
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: ذِكْرُ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى يَقْتَضِي دُخُولَ مَا بَيْنَهُمَا فِيمَا شَمَلَهُ الِاسْمُ.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》34《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《
الْمُتَمِّمُ الثَّالِثُ لِلْوَجْهِ السَّادِسِ) - [ص 34]
[تَوْطِئَةٌ: حَدِيثُ الشُّعَبِ فَيْصَلٌ بَيْنَ الْإِتْبَاعِ وَالِابْتِدَاعِ]
إِنَّ تَقْرِيرَ أَنَّ "الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ وَشُعَبٌ" لَيْسَ مُجَرَّدَ وَصْفٍ، بَلْ هُوَ "حُجَّةٌ دَامِغَةٌ" نَصَبَهَا الشَّارِعُ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ حَرَّفُوا مَفْهُومَ الدِّينِ. فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى أُصُولِ فِرَقٍ كُبْرَى جَعَلَتِ الْإِيمَانَ حَقِيقَةً ذِهْنِيَّةً بَارِدَةً لَا صِلَةَ لَهَا بِالْعَمَلِ، أَوْ جَعَلَتْهُ كُتْلَةً وَاحِدَةً لَا تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ. [1]
[الْفِرَقُ الضَّالَّةُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهَا بِهَذِهِ الْفَقْرَةِ]
الْمُرْجِئَةُ (بِجَمِيعِ طَوَائِفِهِمْ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (تَصْدِيقٌ أَوْ مَعْرِفَةٌ)، وَالنَّاسُ فِيهِ سَوَاءٌ؛ فَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَالْأَعْمَالُ لَيْسَتْ مِنْهُ.
وَجْهُ الرَّدِّ: حَدِيثُ الشُّعَبِ نَصٌّ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ "أَجْزَاءٌ" وَ"مَرَاتِبُ"، وَأَنَّ "إِمَاطَةَ الْأَذَى" -وَهِيَ عَمَلٌ مَحْضٌ- مِنْ صُلْبِ الْإِيمَانِ. فَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِإِخْرَاجِ الْعَمَلِ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِتَسَاوِي أَهْلِ الْإِيمَانِ؛ فَمَنْ أَتَى بِأَعْلَى الشُّعَبِ لَيْسَ كَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ أَدْنَاهَا. [2]
الْوَعِيدِيَّةُ (الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ؛ إِذَا ذَهَبَ جُزْءٌ مِنْهُ (بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ) ذَهَبَ كُلُّهُ، وَخَلَدَ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ.
وَجْهُ الرَّدِّ: تَسْمِيَةُ هَذِهِ الْخِصَالِ "شُعَباً" يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ أَصْلاً وَفُرُوعاً؛ فَالشَّجَرَةُ لَا تَزُولُ بِسُقُوطِ غُصْنٍ مِنْ فُرُوعِهَا، وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ لَا يَزُولُ بِتَرْكِ شُعْبَةٍ "أَدْنَى" كَإِمَاطَةِ الْأَذَى. فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ مَعَ ذَهَابِ بَعْضِ شُعَبِهِ الْوَاجِبَةِ أَوْ الْمُسْتَحَبَّةِ. [3]
الْفَلَاسِفَةُ وَالْمَنَاطِقَةُ (مَنْ نَهَجَ نَهْجَهُمْ):
قَوْلُهُمْ: الْحَقَائِقُ لَا تَتَفَاضَلُ؛ فَالْإِيمَانُ حَقِيقَةٌ ذِهْنِيَّةٌ إِمَّا أَنْ تُوجَدَ أَوْ تُعْدَمَ.
وَجْهُ الرَّدِّ: الشَّرْعُ جَاءَ بِإِثْبَاتِ "الْمَرَاتِبِ" (أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا)، وَهَذَا يُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ "حَقِيقَةٌ مُشَكِّكَةٌ" (تَقْبَلُ التَّفَاضُلَ وَالْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ)، مِمَّا يَنْقُضُ قَوَاعِدَهُمْ الْعَقْلِيَّةَ الْمُصَادِمَةَ لِلنَّصِّ. [4]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ الرَّدَّ بِهَذِهِ الْفَقْرَةِ يَعُودُ إِلَى مَسْأَلَةِ "الْمَاهِيَّةِ وَالْتِئَامِ الْأَجْزَاءِ"؛ فَمَنْ فَهِمَ حَدِيثَ الشُّعَبِ فَهْماً سَلَفِيًّا، أَدْرَكَ أَنَّ الْإِيمَانَ "بِنَاءٌ" يَزِيدُ بِمَا يُضَافُ إِلَيْهِ، وَيَنْقُصُ بِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ.
لِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ الِارْتِبَاطَ بَيْنَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" وَبَيْنَ "إِمَاطَةِ الْأَذَى" هُوَ ارْتِبَاطُ (الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ)؛ فَالْمُرْجِئَةُ قَطَعُوا الْفَرْعَ عَنِ الشَّجَرَةِ، وَالْوَعِيدِيَّةُ جَعَلُوا الشَّجَرَةَ كُلَّهَا تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْوَرَقَةِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ -وَنَحْنُ مِنْهُمْ- نَقُولُ: الشَّجَرَةُ وَاحِدَةٌ، لَكِنَّهَا تَقْوَى بِفُرُوعِهَا وَتَضْعُفُ بِذَبُولِهَا، وَلَا تَزُولُ إِلَّا بِاجْتِثَاثِ أَصْلِهَا (كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ).
إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَرُدُّ عَلَى كُلِّ مَنْ حَاوَلَ "تَعْطِيلَ" دَوْرِ الْجَوَارِحِ فِي الْإِيمَانِ، أَوْ "تَجْمِيدَ" مَرَاتِبِ الطَّاعَةِ عِنْدَ مُسْتَوًى وَاحِدٍ. فَالشُّعَبُ هِيَ مَيَادِينُ السَّبْقِ، وَبِهَا يَتَفَاضَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي الدَّرَجَاتِ. [5]
___________________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] كِتَابُ الْإِيمَانِ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ص 160-165). فِيهِ بَسْطٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْفِرَقِ بِحَدِيثِ الشُّعَبِ.
[2] التَّمْهِيدُ (ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ): (ج 9، ص 240). نَقَلَ إِجْمَاعَ أَهْلِ الْأَثَرِ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الْإِيمَانِ رَدًّا عَلَى الْمُرْجِئَةِ.
[3] شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ (اللَّالَكَائِيُّ): (ج 4، ص 830). فِيهِ رَدُّ السَّلَفِ عَلَى الْخَوَارِجِ فِي مَسْأَلَةِ التَّبَعُّضِ.
[4] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 1، ص 150) فِي بَيَانِ فَسَادِ قَوْلِ الْفَلَاسِفَةِ بِعَدَمِ تَفَاضُلِ الْحَقَائِقِ.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ الرَّدِّ الْعَقْلِيِّ وَالنَّقْلِيِّ لِبَيَانِ وَسَطِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
الْخَوَارِجُ: قَالُوا مَنْ تَرَكَ شُعْبَةً وَاجِبَةً كَفَرَ، وَحَدِيثُ الشُّعَبِ جَعَلَ إِمَاطَةَ الْأَذَى (وَهِيَ دُونَ الْوَاجِبِ عِنْدَ كَثِيرِينَ) مِنَ الْإِيمَانِ، فَلَا يَكْفُرُ تَارِكُهَا إِجْمَاعاً.
الْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَالْحَدِيثُ جَعَلَ كُلَّ الشُّعَبِ تَحْتَ اسْمِ "الْإِيمَانِ".
مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ: سَمَّوْا الْأَعْمَالَ شَرَائِعَ وَلَمْ يُسَمُّوهَا إِيمَاناً، وَالْحَدِيثُ سَمَّاهَا "شُعَبَ الْإِيمَانِ".
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》35《《《《《《《《《
(الْوَجْه رَقْمُ: 7) - [ص 35]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْفَقْرَةِ السَّابِعَةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
«سَبْعَةٌ: لَيْسَ الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةَ فَقَطْ كَمَا قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ. الدَّلِيلُ تَحْتَهُ:
1- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: "مَنْ قَالَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ دُونَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ فَقَدْ أَتَى بِأَعْظَمَ مِنْ مَقَالَةِ مَنْ قَالَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ إِبْلِيسُ عَلَى قَوْلِهِ مُؤْمِناً؛ لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ رَبَّهُ
2-قَالَ: {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} [الحجر: 36]
3-وَقَالَ: {رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي} [الحجر: 39]. وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ بِمَعْرِفَتِهِمْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ ﷺ مُؤْمِنِينَ؛
4-قَالَ تَعَالَى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: 146]
فَقَدْ أَخْبَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ. وَيُقَالُ لَهُمْ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ؟! وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ قَدْ عَرَفُوا بِعُقُولِهِمْ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ لَا يُنْجِيهِمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إِلَّا اللهُ، وَإِذَا أَصَابَتْهُمُ الشَّدَائِدُ لَا يَدْعُونَ إِلَّا اللهَ تَعَالَى.
وَالْحَمْدُ للهِ قَوْلُنَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، وَلَا يُوجَدُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى ذَلِكَ"». [1].
___________________________________________________________(الفقرة السابعة7)
[مُفْرَدَاتٌ تَحْلِيلِيَّةٌ لِلنَّقْلِ]
الْمَعْرِفَةُ: هِيَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، وَهِيَ عِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ أَصْلُ الْإِيمَانِ وَكَمَالُهُ.
لَزِمَهُ: أَيِ اسْتَوْجَبَ قَوْلُهُ نَتَائِجَ بَاطِلَةً تُبْطِلُ أَصْلَ الْمَذْهَبِ (اللَّازِمُ الْفَاسِدُ).
أَعْظَمُ مَقَالَةً: أَيْ أَشَدُّ جُرْماً وَضَلَالاً مِنْ مُرْجِئة [الكرامية قالوا يكفي القول فقط ]لِأَنَّهَا جَعَلَتِ الْكُفَّارَ مُؤْمِنِينَ.
أَغْوَيْتَنِي: أَيْ حَكَمْتَ عَلَيَّ بِالْغَيِّ، وَفِيهِ إِقْرَارُ إِبْلِيسَ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ وَقَدَرِهِ.
مَا يَنْجِيهِمْ: أَيْ لَا يَكْشِفُ ضُرَّهُمْ، وَفِيهِ إِقْرَارُ الْمُشْرِكِينَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ حَالَ الِاضْطِرَارِ.
[التَّقْعِيدُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ وَالضَّابِطُ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "الْمَعْرِفَةُ الْمُجَرَّدَةُ عَنْ عَمَلِ الْقَلْبِ (الِانْقِيَادِ) وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ لَا تُسَمَّى إِيمَاناً شَرْعِيًّا". [2]
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "لَازِمُ الْمَذْهَبِ إِذَا كَانَ كُفْراً أَوْ ضَلَالاً صَرِيحاً، دَلَّ عَلَى بُطْلَانِ الْمَذْهَبِ مِنْ أَصْلِهِ". [3]
الضَّابِطُ: "كُلُّ مُؤْمِنٍ عَارِفٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عَارِفٍ مُؤْمِناً؛ فَالْعِلْمُ شَرْطٌ لِلْإِيمَانِ وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَتَهُ الْكَامِلَةَ".
[نَصُّ تِأْصِيلِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ]
«قَوْلُ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ فَقَطْ، هُوَ أَفْسَدُ قَوْلٍ قِيلَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ لَازِمَهُ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَوَارِحِهِ بَلْ وَسَبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ أَنَّهُ يَكُونُ مُؤْمِناً كَامِلَ الْإِيمَانِ! وَهَذَا مُصَادِمٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، فَلَوْ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ وَحْدَهَا كَافِيَةً لَكَانَ إِبْلِيسُ وَفِرْعَوْنُ وَأَبُو جَهْلٍ وَالْيَهُودُ جَمِيعاً مُؤْمِنِينَ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا الْحَقَّ بِيَقِينٍ لَكِنَّهُمْ جَحَدُوا وَاسْتَكْبَرُوا. فَالْإِيمَانُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ "عَمَلِ الْقَلْبِ" وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْخُضُوعُ، وَهَذَا مَا فَقَدَتْهُ الْجَهْمِيَّةُ فِي تَعْرِيفِهَا، فَجَعَلُوا الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ مَعْلُومَةٍ جَافَةٍ فِي الذِّهْنِ». [4]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ حَصْرَ الْإِيمَانِ فِي الْمَعْرِفَةِ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِلْغَاءٌ لِمَنَاطِ التَّكْلِيفِ؛ فَإِذَا اسْتَوَى الْعَارِفُ الْمُنْتَقِدُ لِلْأَمْرِ مَعَ الْعَارِفِ الْمُتَّبِعِ لَهُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ، بَطَلَتْ فَائِدَةُ بَعْثَةِ الرُّسُلِ. فَالْكُفَّارُ لَمْ يُكَذِّبُوا الرُّسُلَ بِقُلُوبِهِمْ فِي الْغَالِبِ، بَلْ {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ}.
لِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ الْمَعْرِفَةَ بِدُونِ "انْقِيَادٍ" هِيَ عِلْمٌ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ لَا لَهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِيمَانِ الصِّدِّيقِ وَكُفْرِ أَبِي جَهْلٍ لَيْسَ فِي مِقْدَارِ "الْمَعْلُومَةِ" عَنْ صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ فِي "خُضُوعِ الْقَلْبِ" لِهَذِهِ الْمَعْلُومَةِ. فَالْجَهْمِيَّةُ بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ عَلَى وَهْمٍ لُغَوِيٍّ مُنْكَسِرٍ، وَنَسُوا أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّى "الْيَقِينَ" مَعَ "الْعُلُوِّ" كُفْراً، كَمَا فِي قَوْلِهِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}. فَالِاسْتِيقَانُ مَعْرِفَةٌ، لَكِنَّ الظُّلْمَ وَالْعُلُوَّ نَفَيَا عَنْهَا اسْمَ الْإِيمَانِ. [5]
_______________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] الشَّرِيعَةُ (الْآجُرِّيُّ): (ج 1، ص 311)، ط. دَارِ الْوَطَنِ.
[2] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 7، ص 190) فِي نَقْضِ مَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ.
[3] انْظُرْ: شَرْحُ الْكَوْكَبِ الْمُنِيرِ (ج 4، ص 560) فِي مَسْأَلَةِ اللَّوَازِمِ الْفَاسِدَةِ.
[4] شَرْحُ رِسَالَةِ الْإِيمَانِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (صَالِحُ السَّنْدِي): الدَّرْسُ الثَّالِثُ، وَيُرَاجَعُ فِي مُؤَلَّفِهِ "مَسَائِلُ الْإِيمَانِ" (ص 95).
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ الدَّلِيلِ الْقُرْآنِيِّ لِلْجَحْدِ وَبَيْنَ بُطْلَانِ الِاكْتِفَاءِ بِالْمَعْلُومَةِ الذِّهْنِيَّةِ.
الْجَهْمِيَّةُ: هُمُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي الْإِرْجَاءِ حَتَّى قَالُوا: "الْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ، وَأَهْلُ الْأَرْضِ فِيهِ سَوَاءٌ".
إِبْلِيسُ: اسْتُشْهِدَ بِهِ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِالْخَالِقِ وَالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ كَافِرٌ بِالِاسْتِكْبَارِ.
الْيَهُودُ: شَاهِدٌ عَلَى "مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ" الَّتِي لَا تَنْفَعُ لِأَنَّهَا خَالِيَةٌ مِنَ الِانْقِيَادِ.
الْحُجُرَاتُ 36 وَ39: فِيهَا نَصُّ قَوْلِ إِبْلِيسَ "رَبِّ" مِمَّا يُثْبِتُ مَعْرِفَتَهُ.
______________________________________________________________________(36)
(الْمُتَمِّمُ الْأَوَّلُ لِلْوَجْهِ السَّابِعِ) - [ص 36]
[أَوَّلاً: مَقْصِدُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان مِنْ هَذَا الِاسْتِشْهَادِ]
إِنَّ إِيرَادَ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ- لِكَلَامِ الْإِمَامِ الْآجُرِّيِّ لَمْ يَكُنْ عَفْوِيًّا، بَلْ رَمَى مِنْ خِلَالِهِ إِلَى تَحْقِيقِ مَقَاصِدَ عَقَدِيَّةٍ جَوْهَرِيَّةٍ تُشَكِّلُ حَائِطَ صَدٍّ ضِدَّ الْغُلُوِّ فِي الْإِرْجَاءِ:
مَقْصِدُ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ": أَرَادَ الشَّيْخُ بَيَانَ أَنَّ الدِّينَ لَيْسَ "نَظَرِيَّةً" ذِهْنِيَّةً، بَلْ هُوَ "حَقِيقَةٌ عَمَلِيَّةٌ"، فَمَنْ فَقَدَ الِانْقِيَادَ الظَّاهِرَ بَطَلَتْ دَعْوَى مَعْرِفَتِهِ الْبَاطِنَةِ.
مَقْصِدُ "تَفْنِيدِ مَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ بِاللَّازِمِ": اسْتَعْمَلَ الشَّيْخُ حُجَّةَ (اللَّازِمِ الْفَاسِدِ) لِيُبَيِّنَ أَنَّ حَصْرَ الْإِيمَانِ فِي الْمَعْرِفَةِ يَنْزِعُ الْفَرْقَ بَيْنَ "أَوْلِيَاءِ اللهِ" وَ"أَعْدَاءِ اللهِ"؛ فَإِذَا كَانَ إِبْلِيسُ عَارِفاً فَمُؤْمِناً، فَمَا قِيمَةُ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْكُفْرِ؟!
مَقْصِ37دُ "التَّحْذِيرِ مِنْ عِلْمِ الْيَهُودِ": لِيُؤَكِّدَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ بِلَا عَمَلٍ هِيَ سَبِيلُ "الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ"، وَأَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُورٌ بِطَلَبِ الْعِلْمِ الَّذِي يُورِثُ الْخَشْيَةَ وَالِانْصِيَاعَ.
[ثَانِيًا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِ إِبْلِيسَ وَالْيَهُودِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ وَجْهَ الدَّلَالَةِ فِي قَوْلِ إِبْلِيسَ {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي} وَ{بِمَا أَغْوَيْتَنِي} هِيَ إِقْرَارُهُ الصَّرِيحُ بِمَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَقُدْرَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّاهُ اللهُ "أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ". فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْكُفْرَ قَدْ يَجْتَمِعُ مَعَ الْمَعْرِفَةِ التَّامَّةِ إِذَا فُقِدَ الْقَبُولُ. [1]
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِآيَةِ الْبَقَرَةِ {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}، فَوَجْهُهُ أَنَّ اللهَ شَبَّهَ مَعْرِفَتَهُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَعْرِفَةِ الْوَلَدِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا شَكٌّ، وَمَعَ ذَلِكَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ لِعَدَمِ اتِّبَاعِهِمْ.
[ثَالِثًا: تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ الشَّامِلُ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ الَّذِي سَاقَهُ الشَّيْخُ يُبَيِّنُ خَطَرَ تَقْسِيمِ الْإِيمَانِ إِلَى "مَعْرِفَةٍ" مَعْزُولَةٍ عَنِ "الْإِرَادَةِ"؛ فَإِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ وَالْمَعْرِفَةِ اللُّغَوِيَّةِ هُوَ (عَمَلُ الْقَلْبِ). فَالْمَعْرِفَةُ "تَصَوُّرٌ"، وَالْإِيمَانُ "تَصْدِيقٌ وَانْقِيَادٌ".
إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (كُلُّ إِيمَانٍ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةً، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْرِفَةٍ تُوجِبُ إِيمَاناً). فَالْجَهْمِيَّةُ حِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةُ، جَعَلُوا مِنْ أَعْتَى الْكُفَّارِ مُؤْمِنِينَ "بِالنَّظَرِ الْبَاطِنِ"، وَهَذَا هَدْمٌ لِلشَّرَائِعِ بِرُمَّتِهَا.
وَلِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ الِاسْتِشْهَادَ بِآيَاتِ إِبْلِيسَ وَالْيَهُودِ هُوَ اسْتِشْهَادٌ بِمَنْزِلَةِ "الْحُجَّةِ الْمُلْزِمَةِ" الَّتِي لَا مَفَرَّ لِلْخَصْمِ مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ مَذْهَبِهِ؛ فَمَنْ صَحَّحَ إِيمَانَ مَنْ أَقَرَّ بِاللهِ مَعَ جَحْدِ أَمْرِهِ، فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الْبَعْثَةِ. فَالْإِيمَانُ لَا يَكُونُ إِيمَاناً حَتَّى يَتَحَرَّكَ الْقَلْبُ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخُضُوعِ، وَاللِّسَانُ بِالنُّطْقِ، وَالْجَوَارِحُ بِالِاتِّبَاعِ. وَهَذَا هُوَ "الْإِيمَانُ الْوَاقِعِيُّ" الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَعَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ. [2]
____________________[الْحَاشِيَةُ: تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ الْآجُرِّيِّ وَتَعْرِيفُ "الشَّرِيعَةِ"]_____________________
تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ الْآجُرِّيُّ (ت 360 هـ):
(1) الِاسْمُ وَالْمَوْلِدُ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْآجُرِّيُّ، أَبُو بَكْرٍ. وُلِدَ سَنَةَ (264 هـ) فِي بَغْدَادَ بِمَحَلَّةِ "آجُرَّ".
(2) النَّشْأَةُ وَالرِّحْلَةُ: نَشَأَ فِي بِيئَةٍ عِلْمِيَّةٍ عَرِيقَةٍ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى مَكَّةَ سَنَةَ (330 هـ) وَجَاوَرَ بِهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَكَانَ إِمَامَ الْحَرَمِ فِي عَصْرِهِ.
(3) عَقِيدَتُهُ: سَلَفِيٌّ أَثَرِيٌّ، نَاصِرٌ لِلسُّنَّةِ، شَدِيدٌ عَلَى الْمُبْتَدِعَةِ. حَذَّرَ فِي كُتُبِهِ مِنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
(4) مُؤَلَّفَاتُهُ: لَهُ تَصَانِيفُ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا "الشَّرِيعَةُ"، وَ"الْأَرْبَعُونَ حَدِيثاً"، وَ"آدَابُ الْعُلَمَاءِ"، وَ"أَخْلَاقُ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ".
كِتَابُ "الشَّرِيعَةِ" لِلْآجُرِّيِّ:
(1) سَبَبُ التَّسْمِيَةِ: سَمَّاهُ الشَّرِيعَةَ لِأَنَّ الْعَقِيدَةَ هِيَ "شَرْعُ اللهِ" الَّذِي لَا يُقْبَلُ سِوَاهُ.
(2) مَوْضُوعُهُ: جَمَعَ فِيهِ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَالصَّحَابَةِ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، مَعَ الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ.
(3) الْمَنْهَجُ: يَعْتَمِدُ عَلَى سَوْقِ الْأَحَادِيثِ بِالْأَسَانِيدِ، ثُمَّ يَعْقُبُهَا بِتَعْلِيقَاتِهِ الَّتِي تُبَيِّنُ فِقْهَ الْحَدِيثِ عِنْدَ السَّلَفِ.
التَّوْثِيقُ: نُقِلَ النَّصُّ مِنْ (كِتَابِ الشَّرِيعَةِ، المجلد الأول، ص 311، طبعة دار الوطن).
لِمَاذَا جَمَعَهُ؟: صَنَّفَهُ لِيَكُونَ مَنْهَجاً لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الِاعْتِقَادِ، وَلِيَرُدَّ بِهِ عَلَى الْفِرَقِ الضَّالَّةِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي عَصْرِهِ، وَخَصَّصَ فِيهِ أَبْوَاباً لِإِثْبَاتِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لَا يَجْزِي بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.
الْمَصَادِرُ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ (ج 16، ص 133)، طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ (ج 2، ص 127).
[1] تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ: (ج 14، ص 41) فِي بَيَانِ قَوْلِ إِبْلِيسَ وَكُفْرِهِ مَعَ عِلْمِهِ.
[2] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 7، ص 204) فِي بَيَانِ تَهَافُتِ مَذْهَبِ الْمَعْرِفَةِ.
______________________________________________________________________(37)
(الْمُتَمِّمُ الثَّانِي لِلْوَجْهِ السَّابِعِ) - [ص 37]
[أَوَّلاً: تَفَاسِيرُ الْأَعْلَامِ وَوُجُوهُ اسْتِشْهَادِهِمْ]
- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ-: «يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ عِنَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} أَنَّهُمْ يَتَحَقَّقُونَ صِدْقَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهُ، وَلَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ. وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ لَمْ تَنْفَعْهُمْ حِينَ جَاءَهُمُ الْحَقُّ بَلْ كَفَرُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ عَرَفُوهُ، حَسَداً وَظُلْماً. وَفِي قِصَّةِ إِبْلِيسَ {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي}، أَقَرَّ إِبْلِيسُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَسَأَلَهُ النَّظِرَةَ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَارِفُ حَقَّةٌ، لَكِنَّ كُفْرَهُ جَاءَ مِنَ الِاسْتِكْبَارِ عَنِ الِامْتِثَالِ.
- وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ كَثِيرٍ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْعِلْمِ بِصِدْقِ الْمُخْبِرِ لَا يُوجِبُ حُصُولَ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الِانْقِيَادُ، وَأَنَّ ذَمَّ أَهْلِ الْكِتَابِ جَاءَ لِتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِمَا عَلِمُوا». [1]
- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «قَوْلُهُ تَعَالَى {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}؛ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ: أَتَعْرِفُ مُحَمَّداً كَمَا تَعْرِفُ ابْنَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَكْثَرَ، نَزَلَ الْأَمِينُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَمِينِ فِي الْأَرْضِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ. فَهَؤُلَاءِ عَرَفُوا صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، لَكِنَّهُمْ كَتَمُوا الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ. وَفِي قَوْلِ إِبْلِيسَ {رَبِّ فَأَنْظِرْنِي}، فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَارِفٌ بِخَالِقِهِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، لَكِنَّهُ أُبْلِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِعِنَادِهِ.
- وَاسْتَشْهَدَ الْبَغَوِيُّ بِهَذِهِ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْجَحْدَ قَدْ يَقَعُ مَعَ كَمَالِ الْمَعْرِفَةِ، وَأَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ "الْمَعْرِفَةَ" الْمُجَرَّدَةَ كَمَا يَقُولُ مَنْ لَا خَبْرَةَ لَهُ بِأُصُولِ السُّنَّةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِقْرَارِ وَالْخُضُوعِ». [2]
- تَفْسِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-: «يُبَيِّنُ اللهُ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَيْسَ عِنْدَهُمْ شَكٌّ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَعْرِفَتُهُمْ بِهِ بَلَغَتْ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ الْآبَاءِ لِلْأَبْنَاءِ، وَلَكِنَّهُمْ آثَرُوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالرِّيَاسَةَ. وَفِي مَقَالَةِ إِبْلِيسَ، نَجِدُهُ يَعْتَرِفُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ وَيَحْلِفُ بِعِزَّتِهِ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الْمَعْرِفَةِ لَا يُنْكَرُ.
- وَاسْتَشْهَدَ السَّعْدِيُّ بِذَلِكَ عَلَى خُطُورَةِ (الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ)، وَأَنَّ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ ثُمَّ رَدَّهُ فَهُوَ أَشَدُّ جُرْماً مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَالْمَعْرِفَةُ حُجَّةٌ تَقُومُ عَلَى الْعَبْدِ، وَالْإِيمَانُ النَّافِعُ هُوَ مَا ثَبَتَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ، وَلَا يُعَدُّ الشَّخْصُ مُؤْمِناً بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ "يَعْلَمُ" صِحَّةَ الدِّينِ». [3]
- تَفْسِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فِي هَذِهِ الْآيَاتِ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْإِيمَانَ هُوَ الْمَعْرِفَةَ فَقَطْ؛ فَالْيَهُودُ عَرَفُوا {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} وَمَعَ ذَلِكَ هُمْ كُفَّارٌ، وَإِبْلِيسُ عَرَفَ رَبَّهُ وَنَادَاهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ رَأْسُ الْكُفْرِ. إِذَنْ، لَا بُدَّ مَعَ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ وَهُوَ "الِانْقِيَادُ".
- وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ عُثَيْمِينَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ عَلَى أَنَّ كُفْرَ هَؤُلَاءِ كَانَ كُفْرَ "إِعْرَاضٍ وَاسْتِكْبَارٍ" لَا كُفْرَ "تَكْذِيبٍ"؛ فَهُمْ يُصَدِّقُونَ فِي الْبَاطِنِ، لَكِنَّهُمْ لَا يَنْقَادُونَ فِي الظَّاهِرِ. وَهَذَا يَنْقُضُ مَذْهَبَ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ أَصْلِهِ، فَالْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، وَمُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ الذِّهْنِيِّ لَا يُدْخِلُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ». [4]
[التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الْأَرْبَعَةِ هُوَ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ الدَّقِيقِ بَيْنَ (الْعِلْمِ النَّظَرِيِّ) وَ(الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ). فَالْبَحْثُ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ يَقُودُنَا إِلَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ "الْمَعْرِفَةَ" ضِدَّ "الْجَهْلِ"، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا مُرَادِفَةً لِلْإِيمَانِ؛ فَقَدْ يَعْرِفُ الْإِنْسَانُ الْحَقَّ وَيَجْحَدُهُ، وَهَذَا هُوَ (الْكُفْرُ الْعِنَادِيُّ).
إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِمَسْأَلَةِ "إِسْقَاطِ دَعْوَى الْمَعْرِفَةِ"؛ فَالْجَهْمِيَّةُ حِينَ قَالُوا الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ، أَلْغَوْا سِيَاقَ الذَّمِّ الْقُرْآنِيِّ لِلْيَهُودِ وَإِبْلِيسَ. فَلَوْ كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ إِيمَاناً، لَكَانَ ذِكْرُ مَعْرِفَتِهِمْ فِي الْقُرْآنِ مَدْحاً لَا ذَمًّا. لَكِنَّ اللهَ سَاقَهَا فِي سِيَاقِ تَقْرِيرِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ كُفْرَهُمْ لَمْ يَكُنْ عَنْ جَهْلٍ فَيُعْذَرُوا، بَلْ عَنْ عِلْمٍ فَيُعَاقَبُوا.
لِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ التَّفْسِيرَ الْعَقَدِيَّ الصَّحِيحَ لِهَذِهِ الْآيَاتِ يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ أَنَّ "الْعِلْمَ" شَرْطٌ لِلْإِيمَانِ لَا حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ؛ فَلَا إِيمَانَ بِلَا عِلْمٍ، وَلَكِنْ قَدْ يُوجَدُ عِلْمٌ بِلَا إِيمَانٍ. وَهَذَا هُوَ التَّأْصِيلُ الَّذِي يَحْمِي الْأُمَّةَ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَهَاوِي الْإِرْجَاءِ، وَيُعِيدُ لِلْعَمَلِ وَالِانْقِيَادِ مَكَانَتَهُمَا الرَّكِينَةَ فِي مَاهِيَّةِ الدِّينِ. [5]
______________________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): (ج 1، ص 464) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
[2] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): (ج 1، ص 164) عِنْدَ ذِكْرِ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ.
[3] تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ (السَّعْدِي): (ص 72) فِي تَفْسِيرِ آيَةِ {يَعْرِفُونَهُ}.
[4] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): سُورَةُ الْبَقَرَةِ (ج 2، ص 128)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ سِيَاقِ الذَّمِّ الْقُرْآنِيِّ وَبُطْلَانِ حَصْرِ الْإِيمَانِ فِي الْمَعْرِفَةِ.
- الْحُجُرَاتُ 36 وَ39: فِيهَا نَصُّ قَوْلِ إِبْلِيسَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ بِالرَّبِّ.
- الْبَقَرَةُ 146: هِيَ الْفَيْصَلُ فِي إِثْبَاتِ مَعْرِفَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَعَ بَقَاءِ كُفْرِهِمْ.
- كُفْرُ الْجُحُودِ: هُوَ أَنْ يَعْرِفَ الْقَلْبُ وَيَنْطِقَ اللِّسَانُ بِخِلَافِهِ أَوْ يَمْتَنِعَ عَنِ الِانْقِيَادِ.
(الْمُتَمِّمُ الثَّالِثُ لِلْوَجْهِ السَّابِعِ) - [ص 38]
[تَقْرِيرُ الرَّدِّ عَلَى الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي بَابِ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ]
إِنَّ هَذَا النَّقْلَ الَّذِي سَاقَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- عَنِ الْإِمَامِ الْآجُرِّيِّ، هُوَ بِمَنْزِلَةِ "الْقَامِعِ" لِأُصُولِ الضَّلَالِ الَّتِي حَاوَلَتْ بَتْرَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ. وَتَتَحَصَّلُ الرُّدُودُ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ عَلَى طَائِفَتَيْنِ انْحَرَفَتَا عَنْ صِرَاطِ الِاتِّبَاعِ:
أَوَّلاً: الرَّدُّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ (الْجَهْمِيَّةِ):
زَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الْمَعْرِفَةُ" بِالْقَلْبِ فَقَطْ، فَإِذَا عَرَفَ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ أَوْ يَعْمَلْ بِجَوَارِحِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ يَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْكُفْرَ مَحْصُوراً فِي "الْجَهْلِ" فَقَطْ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ الَّذِي أَثْبَتَ الْكُفْرَ لِمَنْ عَرَفَ وَاسْتَكْبَرَ. وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مِنْ نَصِّ الْآجُرِّيِّ هُوَ "لَازِمُ الْمَذْهَبِ"؛ فَإِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ الْإِيمَانَ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِبْلِيسَ مُؤْمِنٌ لِإِقْرَارِهِ بِالْخَالِقِ، وَأَنَّ الْيَهُودَ مُؤْمِنُونَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَعْرِفَتِهِمْ لِأَبْنَائِهِمْ. فَلَمَّا حَكَمَ اللهُ بِكُفْرِهِمْ مَعَ وُجُودِ الْمَعْرِفَةِ، بَطَلَ أَصْلُ مَذْهَبِهِمْ [1].
ثَانِيًا: الرَّدُّ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ (أَتْبَاعِ ابْنِ كَرَّامٍ):
وَهَؤُلَاءِ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "النُّطْقُ" بِاللِّسَانِ فَقَطْ، فَمَنْ قَالَ الشَّهَادَتَيْنِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ حَقِيقَةً عِنْدَ اللهِ، وَلَوْ كَانَ مُبْطِناً لِلْكُفْرِ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَلْزَمُ مِنْهُ تَصْحِيحُ إِيمَانِ الْمُنَافِقِينَ؛ فَهُمْ قَالُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ "آَمَنَّا"، لَكِنَّ اللهَ نَفَى عَنْهُمُ الْإِيمَانَ وَجَعَلَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. فَالْكَرَّامِيَّةُ أَلْغَوْا بَاطِنَ الدِّينِ كَمَا أَلْغَتِ الْجَهْمِيَّةُ ظَاهِرَهُ، وَكِلَاهُمَا ضَلَالٌ عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ [2].
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
إِنَّ الْخَطَرَ فِي مَقَالَةِ الْجَهْمِيَّةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ يَنْبُعُ مِنْ "تَفْكِيكِ" مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ؛ فَالْإِيمَانُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ كَالْجَسَدِ لَا يَحْيَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ أَعْضَائِهِ. فَالْجَهْمِيَّةُ حِينَ حَصَرُوا الْإِيمَانَ فِي "الْمَعْرِفَةِ"، أَلْغَوْا سُلْطَانَ الشَّرِيعَةِ عَلَى الْجَوَارِحِ، وَجَعَلُوا الدِّينَ مُجَرَّدَ "خَاطِرٍ ذِهْنِيٍّ" لَا يُكَلِّفُ صَاحِبَهُ طَاعَةً وَلَا انْقِيَاداً. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الضَّلَالِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْعُبُودِيَّةِ هِيَ "الذُّلُّ وَالْخُضُوعُ"، وَالْمَعْرِفَةُ بِلَا خُضُوعٍ هِيَ كِبْرٌ، وَالْكِبْرُ هُوَ أَصْلُ كُفْرِ إِبْلِيسَ.
أَمَّا الْكَرَّامِيَّةُ، فَقَدْ جَعَلُوا الْإِيمَانَ "دَعْوَى" بِلَا رُوحٍ، حِينَ اكْتَفَوْا بِالنُّطْقِ الظَّاهِرِ مَعَ خَرَابِ الْبَاطِنِ. وَبِهَذَا تَلْتَقِي الطَّائِفَتَانِ فِي مَفَازَةِ الْهَلَاكِ؛ فَإِحْدَاهُمَا أَلْغَتِ الظَّاهِرَ، وَالْأُخْرَى أَلْغَتِ الْبَاطِنَ. وَالْحَقُّ الَّذِي نَسِيرُ عَلَيْهِ هُوَ مَا قَرَّرَهُ أَبُو بَكْرٍ الْآجُرِّيُّ فِي سِيَاقِ رَدِّهِ الْمَفْحَمِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَنْفَكُّ فِيهِ "الْعِلْمُ" عَنِ "الْقَوْلِ" وَ"الْعَمَلِ". إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (كُلُّ مُؤْمِنٍ عَارِفٌ، وَلَيْسَ كُلُّ عَارِفٍ مُؤْمِناً)؛ فَالْمَعْرِفَةُ شَرْطٌ لِلْإِيمَانِ لَا حَقِيقَتُهُ الْكَامِلَةُ. وَبِهَذَا يَنْقَطِعُ كُلُّ طَمَعٍ لِمُرْجِئٍ يُرِيدُ تَمْيِيعَ حُدُودِ الدِّينِ أَوْ مَنْحَ صَكِّ الْإِيمَانِ لِمَنْ كَفَرَ بِاللهِ جِحَاداً وَعُلُوًّا [3].
____________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
تصنيف "الشَّرِيعَةِ" لِلْآجُرِّيِّ:
جَمَعَ فِيهِ الْإِمَامُ مَا تَقَرَّرَ عِنْدَ السَّلَفِ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ. وَسَبَبُ جَمْعِهِ لِهَذَا الْكِتَابِ هُوَ مَا رَآهُ مِنْ فَشُوِّ الضَّلَالَاتِ وَمَقَالَاتِ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يَحْفَظَ لِلْأُمَّةِ نَقَاوَةَ إِيمَانِهَا بِسَوْقِ الْأَحَادِيثِ الْمُسْنَدَةِ وَآثَارِ الصَّحَابَةِ، مُؤَكِّداً أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ.
الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ:
[1] مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ (الْأَشْعَرِيُّ): (ج 1، ص 210) فِي نَقْلِ ضَلَالِ جَهْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ.
[2] الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ (الشَّهْرَسْتَانِيُّ): (ج 1، ص 142) فِي بَيَانِ حَصْرِ الْكَرَّامِيَّةِ لِلْإِيمَانِ فِي الْقَوْلِ.
[3] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ نَقْضِ اللَّازِمِ لِلْمَذْهَبَيْنِ وَتَقْرِيرِ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَنْفَعُ بِلَا انْقِيَادٍ.
التَّوْثِيقُ: تَمَّ نَقْلُ الْكَلَامِ مِنْ "الشَّرِيعَةِ" لِلْآجُرِّيِّ (المجلد الأول، ص 311، ط. دار الوطن).
تَخْرِيجُ الْآيَاتِ: آيَةُ الْحِجْرِ (36) {قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي}، وَآيَةُ الْبَقَرَةِ (146) {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ}.
الطَّوَائِفُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهَا وَتَفْصِيلُ مَقَالَاتِهِمْ
غُلَاةُ الْمُرْجِئَةِ (الْجَهْمِيَّةُ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ هُوَ "الْمَعْرِفَةُ" بِالْقَلْبِ فَقَطْ. فَإِذَا عَرَفَ الْإِنْسَانُ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِجَوَارِحِهِ.
وَجْهُ الرَّدِّ: مَا ذَكَرَهُ الْآجُرِّيُّ أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِيمَانُ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ؛ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوا اللهَ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ خَلَّدَهُمُ اللهُ فِي النَّارِ.
الْكَرَّامِيَّةُ (أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ):
قَوْلُهُمْ: الْإِيمَانُ هُوَ "النُّطْقُ" بِاللِّسَانِ فَقَطْ (الشَّهَادَتَانِ)، وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ بِقَلْبِهِ.
وَجْهُ الرَّدِّ: أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ إِيمَانُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقَدْ كَانُوا يَنْطِقُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَنْفَعُ قَوْلٌ بِلَا اعْتِقَادٍ.
أَوَّلاً: الرَّدُّ عَلَى غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ (الْجَهْمِيَّةُ):
هَؤُلَاءِ هُمْ أَتْبَاعُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الْمَعْرِفَةُ" بِالْقَلْبِ فَقَطْ. وَمُقْتَضَى قَوْلِهِمْ أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللهَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَلَوْ سَبَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، أَوْ عَبَدَ الصَّلِيبَ، أَوْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ عِنْدَهُمْ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْجَهْلِ بِاللهِ! وَهَذَا مِنْ أَفْسَدِ قَوْلٍ قِيلَ فِي الْإِسْلَامِ. وَوَجْهُ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ مِنْ نَصِّ الْآجُرِّيِّ هُوَ "لَازِمُ الْمَذْهَبِ"؛ فَإِذَا كَانَتِ الْمَعْرِفَةُ هِيَ الْإِيمَانَ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَصْحِيحِ إِيمَانِ إِبْلِيسَ لِأَنَّهُ عَرَفَ رَبَّهُ نَصًّا بِيَقِينِهِ بِالْخَلْقِ وَالْبَعْثِ، وَتَصْحِيحِ إِيمَانِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَيْقَنَتْ نَفْسُهُ صِدْقَ مُوسَى، وَتَصْحِيحِ إِيمَانِ الْيَهُودِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الرَّسُولَ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ. فَلَمَّا حَكَمَ اللهُ بِكُفْرِ هَؤُلَاءِ مَعَ وُجُودِ الْمَعْرِفَةِ، بَطَلَ أَصْلُ مَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ وَانْهَدَمَ.
ثَانِيًا: الرَّدُّ عَلَى الْكَرَّامِيَّةِ (أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ):
وَهَؤُلَاءِ انْحَرَفُوا إِلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ "الْقَوْلُ" بِاللِّسَانِ فَقَطْ (الشَّهَادَتَانِ)، وَإِنْ خَلَا الْقَلْبُ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ هُمْ مُؤْمِنُونَ حَقِيقَةً، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ الَّذِي جَعَلَهُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ. فَالْكَرَّامِيَّةُ أَلْغَوْا بَاطِنَ الدِّينِ، وَالْجَهْمِيَّةُ أَلْغَوْا ظَاهِرَهُ وَجَعَلُوا الْمَعْرِفَةَ الْجَافَّةَ كَافِيَةً، وَكِلَاهُمَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ يُخَالِفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ.
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ الْخِلَافَ مَعَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ لَيْسَ خِلَافاً لَفْظِيًّا، بَلْ هُوَ خِلَافٌ فِي مَاهِيَّةِ الدِّينِ وَحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ (التَّلَازُمِ وَالِاجْتِمَاعِ)؛ فَالْإِيمَانُ لَا يَكُونُ نَافِعاً عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: عَمَلِ الْقَلْبِ (وَمِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالِانْقِيَادُ)، وَقَوْلِ اللِّسَانِ، وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ. فَالْجَهْمِيَّةُ حِينَ اجْتَزَؤُوا "الْمَعْرِفَةَ" وَحْدَهَا، حَوَّلُوا الدِّينَ إِلَى "فَلْسَفَةٍ ذِهْنِيَّةٍ" لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْوَاقِعِ، مِمَّا فَتَحَ الْبَابَ لِكُلِّ زِنْدِيقٍ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِيمَانَ مَا دَامَ يَعْرِفُ وُجُودَ الْخَالِقِ.
وَلِذَلِكَ قُلْتُ: إِنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الضُّلَّالِ، هُوَ أَنَّنَا نَرَى الْإِيمَانَ "حَرَكَةً وَانْقِيَاداً"، وَهُمْ يَرَوْنَهُ "سُكُوناً وَإِدْرَاكاً". فَالْجَهْمِيَّةُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ (الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ) وَبَيْنَ (الْإِيمَانِ بِهِ)؛ فَالطَّبِيبُ قَدْ يَعْلَمُ مَضَارَّ التَّدْخِينِ وَلَكِنَّهُ يُدَخِّنُ، فَهَلْ عِلْمُهُ مَنَعَهُ؟ كَلَّا. وَكَذَلِكَ إِبْلِيسُ عَلِمَ أَنَّ اللهَ رَبُّهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ إِيمَانَ طَاعَةٍ وَخُضُوعٍ. وَالْكَرَّامِيَّةُ بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ عَلَى "الرَّسْمِ الظَّاهِرِ" مَعَ خَرَابِ الْبَاطِنِ، وَهَذَا هَدْمٌ لِلْإِخْلَاصِ الَّذِي هُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ.
إِنَّ حَصِيلَةَ هَذَا التَّأْصِيلِ تَقُودُنَا إِلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ أَخْرَجَ عَمَلَ الْقَلْبِ (الِانْقِيَادِ وَالْمَحَبَّةِ) وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَدْ وَافَقَ الْجَهْمِيَّةَ فِي أَصْلِ ضَلَالِهِمْ. وَكُلُّ مَنْ كَفَى بِاللِّسَانِ دُونَ تَصْدِيقِ الْجَنَانِ فَقَدْ وَافَقَ الْكَرَّامِيَّةَ. وَالْحَقُّ الَّذِي نَدِينُ اللهَ بِهِ هُوَ مَا جَمَعَهُ الْآجُرِّيُّ فِي "شَرِيعَتِهِ"؛ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَجْزِي فِيهِ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، وَلَا عَمَلٌ بِلَا قَوْلٍ، وَلَا قَوْلٌ وَعَمَلٌ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَا نِيَّةٌ بِلَا مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ. وَبِذَلِكَ يَسْتَقِيمُ فَهْمُ الدِّينِ وَتَنْدَحِرُ شُبُهَاتُ الْمُبْطِلِينَ.
___________________________________________________________________________(٣٩)
(الْوَجْهِ الثَّامِنِ) - [ص 39]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْفَقْرَةِ الثَّامِنَةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
«ثَمَانِيَةٌ: الْمَعْرِفَةُ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ. الدَّلِيلُ:
1- قَالَ تَعَالَى: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260].
2- وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ»، وَأَنَّ الْمَعْرِفَةَ فِعْلُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة: 225].
3- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِهِ "التَّوْحِيدِ": بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ»، دُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ فِي الدُّنْيَا إِيمَانٌ مِمَّنْ كَانَ يُقِرُّ بِلِسَانِهِ بِالتَّوْحِيدِ خَالِيًا قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ، مَعَ الْبَيَانِ الْوَاضِحِ أَنَّ النَّاسَ يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ، ضِدَّ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَالِيَةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ فِي الْقَلْبِ، وَخِلَافاً لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ غَيْرِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَتَفَاضَلُونَ فِي إِيمَانِ الْجَوَارِحِ الَّتِي هِيَ كَسْبُ الْأَبْدَانِ، فَإِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُمْ مُتَسَاوُونَ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ التَّصْدِيقُ، وَإِيمَانِ اللِّسَانِ الَّذِي هُوَ الْإِقْرَارُ». [1]
___________________________________________________&
[ثَانِيًا: مُفْرَدَاتُ النَّصِّ (عَشْرُ مُفْرَدَاتٍ)]
الْمَعْرِفَةُ: هِيَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ بِحَقِيقَتِهِ، وَفِي بَابِ الْإِيمَانِ هِيَ الْعِلْمُ بِاللهِ الَّذِي يُورِثُ الْخَشْيَةَ.
لِيَطْمَئِنَّ: الطُّمَأْنِينَةُ سُكُونُ الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ، وَهِيَ دَرَجَةٌ فَوْقَ أَصْلِ التَّصْدِيقِ.
أَعْلَمُكُمْ: صِيغَةُ مُفَاضَلَةٍ بَيْنَ ذَوَاتِ الْعِلْمِ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ مَرَاتِبُ وَيَقْبَلُ الزِّيَادَةَ.
فِعْلُ الْقَلْبِ: كُلُّ مَا يَنْعَقِدُ عَلَيْهِ الْفُؤَادُ مِنْ تَصْدِيقٍ وَخَوْفٍ وَرَجَاءٍ وَمَحَبَّةٍ.
كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ: الْكَسْبُ هُوَ الْعَمَلُ الَّذِي يُجَازَى عَلَيْهِ الْعَبْدُ، سَوَاءٌ كَانَ ظَاهِراً أَوْ بَاطِناً.
الْمُصَرِّحَةِ: الْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الَّتِي جَاءَتْ بِلَفْظٍ قَاطِعٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ الْبَعِيدَ.
خَالِيًا قَلْبُهُ: أَيْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ أَصْلِ التَّصْدِيقِ وَلَا عَمَلِ الْقَلْبِ شَيْءٌ، وَهَذَا حَالُ الْمُنَافِقِ.
يَتَفَاضَلُونَ: التَّفَاضُلُ هُوَ التَّفَاوُتُ فِي الرُّتَبِ وَالْمَنَازِلِ عِنْدَ اللهِ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِيمَانِ.
الْغَالِيَةِ: هُمُ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي نَفْيِ صِفَاتِ الْإِيمَانِ وَجَعَلُوهُ مُجَرَّدَ خَاطِرٍ ذِهْنِيٍّ.
الْإِقْرَارُ: هُوَ النُّطْقُ بِالظَّاهِرِ، وَلَا يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ إِلَّا إِذَا طَابَقَ مَا فِي الْبَاطِنِ.
[ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيِّ]
«يُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ أَنَّ نَقْلَ ابْنِ خُزَيْمَةَ عَنِ التَّفَاضُلِ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ هُوَ رَدٌّ عَلَى "شُبْهَةِ التَّمَاثُلِ" عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ. فَالْمُرْجِئَةُ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسَ فِي التَّصْدِيقِ سَوَاءٌ، فَتَصْدِيقُ آحَادِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَهُمْ كَتَصْدِيقِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ! وَهَذَا ضَلَالٌ مَبِينٌ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ وَالْمَعْرِفَةَ لَهُمَا قُوَّةٌ وَضَعْفٌ، وَزِيَادَةٌ وَنَقْصٌ. فَالْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ يَتَفَاضَلُ بِحَسَبِ كَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَقُوَّةِ الِاسْتِحْضَارِ، وَطُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ لَيْسَتْ رُتْبَةً وَاحِدَةً. وَإِنَّمَا أَرَادَ السَّلَفُ بِإِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ فِي فِعْلِ الْقَلْبِ أَنْ يُبَيِّنُوا أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ حَيَّةٌ تَنْمُو بِالطَّاعَةِ وَتَذْبُلُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَأَنَّ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ تَبَعٌ لِمَا يَقَرُّ فِي الْقَلْبِ، فَمَنْ زَادَ عَمَلُهُ الظَّاهِرُ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى زِيَادَةِ يَقِينِهِ الْبَاطِنِ ضَرُورَةً». [2]
[رَابِعًا: تَأْصِيلُ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-]
«يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ أَنَّ الْقُرْآنَ صَرِيحٌ فِي زِيَادَةِ الْإِيمَانِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ}، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَشْمَلُ اعْتِقَادَ الْقَلْبِ وَقَوْلَ اللِّسَانِ وَعَمَلَ الْجَوَارِحِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ مَنْ قَالَ (أَنَا أُصَدِّقُ أَنَّ اللهَ وَاحِدٌ) قَدْ يَكُونُ تَصْدِيقُهُ فِي حَالٍ أَقْوَى مِنْهُ فِي حَالٍ أُخْرَى بِحَسَبِ مَا يَقُومُ فِي قَلْبِهِ مِنْ تَعْظِيمِ اللهِ وَإِجْلَالِهِ. وَيَرُدُّ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ إِنَّ التَّصْدِيقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، فَيَقُولُ: هَذَا مُخَالِفٌ لِلْوَاقِعِ؛ فَإِنَّ رَجُلَيْنِ يَنْظُرَانِ إِلَى الْقَمَرِ، أَحَدُهُمَا حَادُّ الْبَصَرِ وَالْآخَرُ ضَعِيفُهُ، كِلَاهُمَا يُبْصِرُهُ، لَكِنَّ رُؤْيَةَ هَذَا لَيْسَتْ كَرُؤْيَةِ ذَاكَ، وَهَكَذَا الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ نُورٌ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْعِبَادِ تَفَاوُتاً عَظِيماً». [3]
[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ مِحْوَرَ هَذَا الْوَجْهِ يَدُورُ حَوْلَ (مَرْكَزِيَّةِ الْقَلْبِ) فِي مَنْظُومَةِ الْإِيمَانِ. فَالْمُرْجِئَةُ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ "مَعْلُومَةٍ" خَالِيَةٍ مِنَ الْفِعْلِ، سَوَّوْا بَيْنَ النَّاسِ فِيهِ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي سَاقَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ يُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ "عَمَلٌ قَلْبِيٌّ" أَيْضاً. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (تَفَاضُلُ الْمَقَامَاتِ يَتْبَعُ تَفَاضُلَ الْمُحَرِّكَاتِ)؛ فَالْقَلْبُ هُوَ الْمُحَرِّكُ، وَكُلَّمَا زَادَتْ مَعْرِفَتُهُ بِاللهِ وَطُمَأْنِينَتُهُ بِذِكْرِهِ، كَانَ أَقْدَرَ عَلَى قِيَادَةِ الْجَوَارِحِ نَحْوَ الطَّاعَةِ. وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ "الْمَعْرِفَةَ" الَّتِي تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ هِيَ "الْمَعْرِفَةُ الِاسْتِدْلَالِيَّةُ وَالذَّوْقِيَّةُ" الَّتِي تُورِثُ الْيَقِينَ. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ فِي الْجَوَارِحِ فَقَطْ، بَلِ الْأَصْلُ أَنَّ التَّفَاضُلَ يَبْدَأُ مِنَ "النُّقْطَةِ الْبَيْضَاءَ" فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ يَنْعَكِسُ عَلَى جَمِيعِ الْأَرْكَانِ. [4]
_______________________________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] نَصُّ الْفَقْرَةِ: عَنْ شَيْخِنَا مُحَمَّد بْنِ عَلِيٍّ الرِّيحَان، نَقْلاً عَنْ كِتَابِ "التَّوْحِيدِ" لِابْنِ خُزَيْمَةَ.
[2] شَرْحُ رِسَالَةِ الْإِيمَانِ (السَّنْدِيُّ): الدَّرْسُ الثَّامِنُ، ص 102، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): (ج 2، ص 156-158)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
[4] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ كَسْبِ الْقَلْبِ وَنَظَرِيَّةِ التَّفَاضُلِ الشَّرْعِيِّ.
تَخْرِيجُ حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: (أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ)، حَدِيثُ رَقْمِ (20)، (المجلد الأول، ص 11، ط. السلطانية).
تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، بَابُ ذِكْرِ الْأَخْبَارِ الْمُصَرِّحَةِ، حَدِيثُ رَقْمِ (445)، (ج 2، ص 711، ط. الرُّشْدِ)، وَبِتَعْلِيقِ د. عَبْدِ الْعَزِيزِ الشَّهْوَانِ.
الْبَقَرَةُ 260: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}؛ دَلِيلُ زِيَادَةِ سُكُونِ الْقَلْبِ بَعْدَ حُصُولِ أَصْلِ التَّصْدِيقِ.
الْبَقَرَةُ 225: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}؛ فِيهِ إِثْبَاتُ "الْعَمَلِ" وَ"الْكَسْبِ" لِلْقَلْبِ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ جَعَلَهُ مَحَلَّ مَعْلُومَةٍ فَقَطْ.
تَعْرِيفُ ابْنِ خُزَيْمَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ (ت 311 هـ)، لَهُ كِتَابُ "التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ"، وَهُوَ مَرْجِعٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ.
الْقَوْلُ بِتَسَاوِي الْإِيمَانِ: هُوَ قَوْلُ جَهْمٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٍ مِنَ الْمُرْجِئَةِ، وَالْحَقُّ خِلَافُهُ كَمَا سَبَقَ.
تَفَاضُلُ الْجَوَارِحِ: مَنْ حَصَرَ التَّفَاضُلَ فِيهَا فَقَدْ جَهِلَ أَنَّ أَصْلَ التَّفَاضُلِ يَنْبُعُ مِنَ الْيَقِينِ الْقَلْبِيِّ.
________________________________________________________________________________(40)
التتمة الأولى :[تَحْلِيلُ مَقَاصِدِ الِاسْتِشْهَادِ فِي الْفَقْرَةِ الثَّامِنَةِ]
أَوَّلاً: مَقْصِدُ الِاسْتِشْهَادِ بِقِصَّةِ الْخَلِيلِ إِبْرَاهِيمَ ﷺ:
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: فِي قَوْلِهِ {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}؛ حَيْثُ أَرَادَ الشَّيْخُ بَيَانَ أَنَّ "أَصْلَ التَّصْدِيقِ" كَانَ مَوْجُوداً عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {بَلَى}، لَكِنَّهُ طَلَبَ "زِيَادَةً" فِي هَذَا التَّصْدِيقِ لِيَصِلَ إِلَى رُتْبَةِ "الطُّمَأْنِينَةِ".
الْمَقْصِدُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ التَّصْدِيقَ رُتْبَةٌ وَاحِدَةٌ صَمَّاءُ لَا تَتَفَاوَتُ. فَالشَّيْخُ يَقْصِدُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ "مَعْرِفَةٍ" جَافَّةٍ، بَلْ هُوَ "يَقِينٌ" يَتَرَقَّى بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ حَتَّى يَصِيرَ عِلْمُ الْخَبَرِ كَعَيْنِ الْمُشَاهَدَةِ. [1]
ثَانِيًا: مَقْصِدُ الِاسْتِشْهَادِ بِتَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ وَحَدِيثِ "أَعْلَمُكُمْ":
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: رَبْطُ الْعِلْمِ (الْمَعْرِفَةِ) بِكَوْنِهِ "فِعْلاً لِلْقَلْبِ" وَ"كَسْباً"، مَعَ إِثْبَاتِ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ "أَعْلَمُكُمْ".
الْمَقْصِدُ: نَسْفُ مَقَالَةِ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْمَعْرِفَةَ أَمْراً خَارِجاً عَنْ مَفْهُومِ "الْعَمَلِ". فَالشَّيْخُ يَقْصِدُ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ إِذَا كَانَتْ "كَسْباً لِلْقَلْبِ" فَهِيَ تَدْخُلُ فِي جِنْسِ الْأَعْمَالِ، وَمَا دَامَتْ أَعْمَالاً فَهِيَ تَقْبَلُ التَّفَاضُلَ وَالزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَبْدُ فِيهَا رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ فِي الْعِلْمِ بِاللهِ. [2]
ثَالِثًا: مَقْصِدُ الِاسْتِشْهَادِ بِكَلَامِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي "التَّوْحِيدِ":
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (إِقْرَارِ اللِّسَانِ الْخَالِي عَنِ الْقَلْبِ) وَبَيْنَ (إِيمَانِ الْقَلْبِ الَّذِي يَتَفَاضَلُ فِيهِ النَّاسُ).
الْمَقْصِدُ: إِثْبَاتُ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ مُعَلَّقَةٌ بِـ"قَدْرٍ" مِنَ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَتَفَاوَتُ تَفَاوُتاً عَظِيماً. فَالشَّيْخُ يَقْصِدُ بَيَانَ "بُطْلَانِ التَّسْوِيَةِ"؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ إِيمَانٌ يَكُونُ إِيمَانُهُ مُمَاثِلاً لِغَيْرِهِ، بَلْ هُنَاكَ (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) وَهُنَاكَ (مِثْقَالُ جَبَلٍ)، وَهَذَا هُوَ التَّفَاضُلُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْمُرْجِئَةِ. [3]
[تَأْصِيلِي الْعَقَدِيُّ (بَصْمَةُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ مَقْصِدَ الشَّيْخِ مِنْ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ هُوَ (إِحْيَاءُ مَفْهُومِ الْعَمَلِ الْبَاطِنِ)؛ فَإِذَا أَقْرَرْنَا أَنَّ الْمَعْرِفَةَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ، فَقَدْ هَدَمْنَا قَاعِدَةَ الْمُرْجِئَةِ الَّتِي تَقُولُ: "الْإِيمَانُ كُتْلَةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ". وَبِذَلِكَ يَكُونُ الِاسْتِشْهَادُ بِيَقِينِ إِبْرَاهِيمَ، وَعِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَفَاوُتِ أَهْلِ النَّارِ، مَنْظُومَةً وَاحِدَةً تُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ حَرَكِيَّةٌ تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ فِي الْبَاطِنِ كَمَا تَقْبَلُهُ فِي الظَّاهِرِ. [4]
_______________________________________________________________[الْحَاشِيَةُ]
[1] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): (ج 1، ص 105) فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْإِيمَانِ وَتَفَاضُلِ أَهْلِهِ.
[2] الْإِيمَانُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ: (ص 220) فِي بَيَانِ كَوْنِ الْمَعْرِفَةِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
[3] كِتَابُ التَّوْحِيدِ (ابْنُ خُزَيْمَةَ): (ج 2، ص 715) فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَ إِيمَانِ الْخَلْقِ.
[4] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبْطُ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ بِبُطْلَانِ أُصُولِ الْإِرْجَاءِ.
___________________________________________________________________(41)
التتمة الثانية(الْوَجْهُ التَّامن: التَّفْسِيرُ وَالتَّأْصِيلُ) - [ص 41]
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} - (الْبَقَرَةُ: 260)]
تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: ذَكَرَ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﷺ لَمْ يَكُنْ شَاكًّا فِي قُدْرَةِ اللهِ، وَإِنَّمَا طَلَبَ "عِيَانَ" مَا كَانَ يَعْلَمُهُ "خَبَراً" لِيَزْدَادَ يَقِيناً. فَالطُّمَأْنِينَةُ هِيَ سُكُونُ الْقَلْبِ بِالرُّؤْيَةِ بَعْدَ تَصْدِيقِ الْغَيْبِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ. [1]
تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: نَقَلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَوْلَهُ: "لِيَزْدَادَ يَقِينِي"، وَأَكَّدَ أَنَّ مَقَامَ "الْمُشَاهَدَةِ" أَعْلَى مِنْ مَقَامِ "الْخَبَرِ"، وَفِي هَذَا إِثْبَاتٌ لِتَفَاضُلِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَرَدٌّ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَهَا. [2]
تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: بَيَّنَ أَنَّ الْخَلِيلَ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ عِلْمِ الْيَقِينِ إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ، لِيَصِلَ الْقَلْبُ إِلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الثَّبَاتِ لَا تَعْرِضُ لَهَا الْخَوَاطِرُ، مِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ الْإِيمَانَ شَجَرَةٌ تَنْمُو وَتَقْوَى. [3]
تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: رَكَّزَ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَابِلٌ لِلزِّيَادَةِ فِي الْكَيْفِ وَالْقُوَّةِ، وَأَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ {بَلَى} إِقْرَارٌ بِأَصْلِ الْإِيمَانِ، وَمَا بَعْدَهُ طَلَبٌ لِكَمَالِهِ وَطُمَأْنِينَتِهِ. [4]
[ثَانِيًا: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} - (الْبَقَرَةُ: 225)]
تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: نَقَلَ أَنَّ كَسْبَ الْقَلْبِ هُوَ مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَزْمِ وَالْقَصْدِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَلْبَ لَهُ "عَمَلٌ" يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ خِلَافاً لِلْمُرْجِئَةِ. [5]
تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: أَوْضَحَ أَنَّ اللهَ يُؤَاخِذُ عَلَى مَا تَعَمَّدَتْهُ الْقُلُوبُ، وَهَذَا يَرُدُّ الْإِيمَانَ إِلَى أَصْلِهِ الْبَاطِنِ الَّذِي يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ بِحَسَبِ صِدْقِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ. [6]
تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ أَصْلٌ فِي أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ هِيَ عِمَادُ التَّكْلِيفِ، وَأَنَّ الْمُؤَاخَذَةَ تَقَعُ عَلَى مَقَاصِدِ الْقُلُوبِ وَاعْتِقَادَاتِهَا. [7]
تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: شَدَّدَ عَلَى إِثْبَاتِ "الْعَمَلِ" لِلْقَلْبِ (الْكَسْبِ)، وَأَنَّ هَذَا الْكَسْبَ هُوَ مَحَلُّ التَّفَاضُلِ، فَمُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَتْ كَسْباً إِذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عَمَلٌ قَلْبِيٌّ كَالِانْقِيَادِ. [8]
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ حَصِيلَةَ مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ التَّفْسِيرِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ تَرْسُمُ مَنْهَجاً سَلَفِيّاً نَقِيّاً فِي الرَّدِّ عَلَى شُبْهَةِ (تَمَاثُلِ الْإِيمَانِ). إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (الْمَعْرِفَةُ بَذْرَةٌ، وَالطُّمَأْنِينَةُ ثَمَرَةٌ)؛ فَإِذَا كَانَ الْخَلِيلُ ﷺ قَدْ سَأَلَ الطُّمَأْنِينَةَ وَهُوَ إِمَامُ الْمُوَحِّدِينَ، فَمَا ظَنُّكَ بِمَنْ دُونَهُ؟ إِنَّ اخْتِيَارَاتِ الْمُفَسِّرِينَ لِمُصْطَلَحَاتِ "عَيْنِ الْيَقِينِ" وَ"كَسْبِ الْقَلْبِ" تَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُرْجِئٍ يَرَى الْإِيمَانَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ ذِهْنِيَّةٍ سَاكِنَةٍ.
إِنَّ الرَّبْطَ بَيْنَ "الْكَسْبِ الْقَلْبِيِّ" وَ"الطُّمَأْنِينَةِ" يُنْتِجُ لَنَا فَهْماً عَمِيقاً لِحَقِيقَةِ التَّفَاضُلِ؛ فَالنَّاسُ لَا يَتَسَاوَوْنَ فِي طُمَأْنِينَةِ قُلُوبِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَسَاوَوْنَ فِي مِقْدَارِ "كَسْبِهِمْ" وَمُجَاهَدَتِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ. وَهَكَذَا يَتَّسِقُ التَّفْسِيرُ مَعَ النَّقْلِ الْعَقَدِيِّ لِابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْبُخَارِيِّ؛ لِيَكُونَ الْقُرْآنُ هُوَ الْمَنْبَعُ الْأَوَّلُ فِي إِثْبَاتِ أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا يَزِيدُ وَيَنْقُصُ فِي الظَّاهِرِ، وَبِذَلِكَ تَبْطُلُ دَعْوَى مَنْ جَعَلَ الْإِيمَانَ رُتْبَةً وَاحِدَةً لَا تَقْبَلُ التَّفَاوُتَ. [9]
[الْحَاشِيَةُ]____________________________________________&
[1] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): (ج 1، ص 309)، ط. دَارِ طَيِّبَةَ.
[2] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): (ج 1، ص 690)، ط. دَارِ طَيِّبَةَ.
[3] تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ (السَّعْدِيُّ): (ص 112)، ط. مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ.
[4] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): سُورَةُ الْبَقَرَةِ، (ج 3، ص 291).
[5] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): (ج 1، ص 257).
[6] تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: (ج 1، ص 588).
[7] تَفْسِيرُ السَّعْدِيُّ: (ص 101).
[8] تَفْسِيرُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، (ج 3، ص 89).
[9] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ دَلَالَةِ "الْكَسْبِ" وَمَقَامِ "الطُّمَأْنِينَةِ".
تَوْثِيقُ طَبَعَاتٍ: جَمِيعُ النُّقُولِ عُزِيَتْ لِطَبَعَاتٍ مُحَقَّقَةٍ لِضَمَانِ دِقَّةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى.
نَتِيجَةُ التَّأْصِيلِ: إِثْبَاتُ التَّفَاضُلِ الْقَلْبِيِّ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ صَرِيحاً.
__________________________________________________________(42)
(التتمة الثالثة:الْوَجْهُ الثامن: أَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ وَأَصْلُ الْإِيمَانِ) - [ص 43]
[أَوَّلاً: تَمْهِيدٌ وَتَوْطِئَةٌ (بَيْنَ يَدَيِ الْقَارِئِ)]
إِنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ الَّتِي نَصَّتْ عَلَى إِخْرَاجِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ (مِثْقَالُ حَبَّةٍ أَوْ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ) هِيَ مِنْ أَحْكَمِ النُّصُوصِ فِي بَيَانِ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ وَرَدِّ مَقَالَاتِ الطَّوَائِفِ. وَالْمَقْصُودُ بِالْإِيمَانِ هُنَا هُوَ "أَصْلُهُ" الَّذِي بِهِ يَنْجُو الْعَبْدُ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِنْ قَصَّرَ فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَكْمَلُ. فَالْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا "الْقَدْرَ الْأَدْنَى" مِنَ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيِّ يَعْصِمُ الدَّمَ فِي الدُّنْيَا وَيَمْنَعُ الْخُلُودَ فِي الْآخِرَةِ، مَعَ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ أَهْلَ الطَّاعَاتِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ هُمْ أَهْلُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَا، لَكِنَّ رَحْمَةَ اللهِ اقْتَضَتْ نَجَاةَ كُلِّ مَنْ حَقَّقَ التَّوْحِيدَ وَلَوْ فِي أَدْنَى مَرَاتِبِهِ الْبَاطِنَةِ.
[ثَانِيًا: نَصُّ الرِّوَايَاتِ (جَمْعاً وَتَوْثِيقاً)]
1- عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا». [1]
2- وَفِي رِوَايَةِ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ: «فَيَقُولُ اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ... ثُمَّ مِثْقَالُ نِصْفِ دِينَارٍ... ثُمَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ». [2]
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْعُلَمَاءِ]
تَأْصِيلُ الْإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، وَأَنَّ مَنْ فَقَدَ أَعْمَالَ الْجَوَارِحِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ التَّصْدِيقِ وَالْإِقْرَارِ وَعَمَلِ الْقَلْبِ (الَّذِي هُوَ هَذِهِ الذَّرَّةُ) فَإِنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "الذَّرَّةَ" هِيَ أَقَلُّ قَدْرٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ مِنَ التَّصْدِيقِ النَّافِعِ. [3]
تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ هَذِهِ "الذَّرَّةَ" الَّتِي فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَثَرٌ مَا، وَإِنْ ضَعُفَ، وَأَنَّ الْحَدِيثَ رَدٌّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْكَبَائِرِ أَوْ يُخَلِّدُونَ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ، فَالنَّجَاةُ مُرْتَبِطَةٌ بِبَقَاءِ هَذَا الْقَدْرِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ. [4]
تَأْصِيلُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُوَضِّحُ أَنَّ أَحَادِيثَ الشَّفَاعَةِ هِيَ الْفَصْلُ فِي مَسْأَلَةِ "الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ "أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ ذَرَّةٍ" يُثْبِتُ أَنَّ التَّفَاضُلَ يَقَعُ فِي الْبَاطِنِ كَمَا يَقَعُ فِي الظَّاهِرِ، وَهَذَا يَنْسِفُ أَصْلَ الْمُرْجِئَةِ فِي تَسَاوِي إِيمَانِ الْخَلْقِ. [5]
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ هِيَ "مِيزَانُ الشَّرِيعَةِ" فِي بَيَانِ رَحْمَةِ اللهِ بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (أَصْلُ الْإِيمَانِ عِصْمَةٌ، وَكَمَالُهُ رِفْعَةٌ)؛ فَالذَّرَّةُ وَالْخَرْدَلَةُ هِيَ مَنَاطُ الْعِصْمَةِ مِنَ الْخُلُودِ، وَأَعْمَالُ الْجَوَارِحِ هِيَ مَنَاطُ الرِّفْعَةِ فِي الدَّرَجَاتِ. وَمَقْصِدُ الشَّارِعِ مِنْ ذِكْرِ هَذِهِ الْمَقَادِيرِ الضَّئِيلَةِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ "مُشَكِّكَةٌ" تَزِيدُ حَتَّى تَمْلَأَ الْأُفُقَ، وَتَنْقُصُ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهَا إِلَّا مَا لَا يُرَى بِالْعَيْنِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ اللهِ بِمِيزَانِ الْعَدْلِ مَوْجُودٌ. وَهَذَا لَا يَعْنِي التَّهَاوُنَ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ رَابِطَةَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تَنْقَطِعَ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ، مَا دَامَ فِي الْقَلْبِ حَيَاةٌ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْإِيمَانِ. [6]
[الْحَاشِيَةُ]____________________________________________&
[1] صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ "تَفَاضُلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ فِي الْأَعْمَالِ"، حَدِيثُ رَقْمِ (22)، (ج 1، ص 12).
[2] صَحِيحُ مُسْلِمٍ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ "مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ"، حَدِيثُ رَقْمِ (183). وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي "التَّوْحِيدِ" (ج 2، ص 650) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ.
[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَّارِينِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): (ص 412).
[4] شَرْحُ الْإِيمَانِ (صَالِحٌ السَّنْدِيُّ): الدَّرْسُ التَّاسِعُ، "مَسَائِلُ الشَّفَاعَةِ".
[5] مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ (الْتَّمِيمِيُّ): (ص 188)، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
[6] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ "الذَّرَّةِ الْقَلْبِيَّةِ" وَحَقِيقَةِ عَدَمِ الْخُلُودِ.
تَخْرِيجُ رِوَايَةِ الْخَرْدَلَةِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا، وَهِيَ فِي "أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ".
تَخْرِيجُ رِوَايَةِ الذَّرَّةِ: صَحِيحَةٌ، وَوَرَدَتْ عِنْدَ أَحْمَدَ فِي "الْمُسْنَدِ" (11074) بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
الْحُكْمُ عَلَى الْأَحَادِيثِ: الْأَحَادِيثُ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" وَغَيْرِهِمَا بَلَغَتْ مَبْلَغَ (التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ).
مَلْحُوظَةٌ: قَوْلُهُ "خَالِياً قَلْبُهُ مِنَ الْإِيمَانِ" فِي حَدِيثِ ابْنِ خُزَيْمَةَ السَّابِقِ يُقْصَدُ بِهِ إِيمَانُ الطَّاعَةِ أَوْ كَمَالُهُ، وَإِلَّا فَأَصْلُ الذَّرَّةِ بَاقٍ لِمَنْ دَخَلَ الشَّفَاعَةَ
_______________________________________________________________(43)
التتمة الرابعة(الْوَجْهُ الثامن: الْفَوَائِدُ وَالْقَوَاعِدُ الِاسْتِنْبَاطِيَّةُ) - [ص 44]
[أَوَّلاً: الْفَوَائِدُ الْعَشْرُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ الْحَدِيثِ]
إِثْبَاتُ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ: أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَهَذَا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِأُمَّةِ التَّوْحِيدِ.
تَفَاضُلُ الْإِيمَانِ فِي الْقَلْبِ: دَلَالَةُ ذِكْرِ (الدِّينَارِ، وَالذَّرَّةِ، وَالْخَرْدَلَةِ) عَلَى أَنَّ الْبَاطِنَ يَتَفَاوَتُ كَمَا يَتَفَاوَتُ الظَّاهِرُ.
مَرْكَزِيَّةُ الْقَلْبِ: أَنَّ النَّجَاةَ مَنُوطَةٌ بِمَا اسْتَقَرَّ فِي الْفُؤَادِ مِنْ أَصْلِ التَّصْدِيقِ وَالِانْقِيَادِ.
رَدُّ مَقَالَةِ الْخَوَارِجِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْكَبِيرَةَ تُحْبِطُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ وَتُوجِبُ الْخُلُودَ.
رَدُّ مَقَالَةِ الْمُرْجِئَةِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسَ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ سَوَاءٌ، بَيْنَمَا الْحَدِيثُ جَعَلَهُمْ مَرَاتِبَ.
سَعَةُ رَحْمَةِ اللهِ: حَيْثُ يُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مَنْ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ (أَيْ زِيَادَةً عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادِ الْقَلْبِيِّ).
إِثْبَاتُ صِفَةِ الْكَلَامِ لِلَّهِ: فِي قَوْلِهِ: «ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا...».
الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ: حَيْثُ يُعَاقَبُ الْعَبْدُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ، لَكِنَّ أَصْلَ إِيمَانِهِ يَمْنَعُهُ مِنَ الْأَبَدِيَّةِ فِي النَّارِ.
حَقِيقَةُ التَّجَزُّؤِ: أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، فَيَذْهَبُ بَعْضُهُ (الْكَمَالُ) وَيَبْقَى بَعْضُهُ (الْأَصْلُ).
خُطُورَةُ النَّارِ: فِيهِ تَخْوِيفٌ لِلْمُؤْمِنِ؛ فَالنَّجَاةُ بَعْدَ دُخُولِ النَّارِ "تَحْمِيمٌ" وَسَوَادٌ، وَالْعَاقِلُ مَنْ طَمِعَ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً. [1]
[ثَانِيًا: اسْتِنْتَاجَاتُ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ مَفْهُومِ (الذَّرَّةِ)]
الِاسْتِنْتَاجُ الْأَوَّلُ: أَنَّ هَذِهِ الذَّرَّةَ هِيَ "أَصْلُ الْإِيمَانِ" الَّذِي لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْقَلْبِ إِلَّا بِالرِّدَّةِ، وَهِيَ التَّصْدِيقُ الْمُقْتَرِنُ بِأَدْنَى عَمَلِ قَلْبٍ.
الِاسْتِنْتَاجُ الثَّانِي: أَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ مَفْهُومِ الْإِيمَانِ، إِلَّا أَنَّ غِيَابَ "آحَادِهَا" لَا يَعْنِي زَوَالَ "أَصْلِ" النَّجَاةِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي "جِنْسِ الْعَمَلِ".
الِاسْتِنْتَاجُ الثَّالِثُ: أَنَّ تَفَاوُتَ النَّاسِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ النَّارِ (أَوَّلُهُمْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ دِينَارٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قُوَّةَ الْإِيمَانِ تُعَجِّلُ بِالنَّجَاةِ مِنَ الْعَذَابِ. [2]
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الْعَقَدِيَّةُ]
قَاعِدَةٌ: "كُلُّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِيمَانِ بِيَقِينٍ، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَأَحَادِيثُ الشَّفَاعَةِ شَاهِدَةٌ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِهِ مَعَ الْمَعَاصِي".
ضَابِطٌ: "الذَّرَّةُ وَالْخَرْدَلَةُ مِعْيَارٌ لِلنَّجَاةِ مِنَ الْخُلُودِ، لَا لِلنَّجَاةِ مِنَ الدُّخُولِ؛ فَالْمُقَصِّرُ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ وَإِنْ مَلَكَ هَذَا الْقَدْرَ".
قَاعِدَةٌ: "الْإِيمَانُ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ تَقْبَلُ الِانْقِسَامَ؛ فَيَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، أَوْ إِيمَانٌ وَكُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ". [3]
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ أَحَادِيثَ (الذَّرَّةِ وَالْخَرْدَلَةِ) تُمَثِّلُ "خَطَّ الدِّفَاعِ الْأَخِيرَ" لِلْمُؤْمِنِ. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ لِفَهْمٍ دَقِيقٍ: أَنَّ هَذِهِ الْمَقَادِيرَ لَيْسَتْ لِلتَّهْوِينِ مِنَ الطَّاعَاتِ، بَلْ لِإِثْبَاتِ (قُوَّةِ مَادَّةِ التَّوْحِيدِ)؛ فَهِيَ مَادَّةٌ نُورَانِيَّةٌ إِذَا دَخَلَتِ الْقَلْبَ بَصَدْقٍ، أَحْرَقَتْ تَبِعَاتِ الْخُلُودِ وَإِنْ غَلَبَتِ الظُّلْمَةُ حِيناً. وَالِاسْتِنْتَاجُ الْأَهَمُّ هُنَا هُوَ أَنَّ مَنْ حُرِمَ هَذِهِ "الذَّرَّةَ" فَقَدْ حُرِمَ كُلَّ شَيْءٍ. وَمِنْ هُنَا نَرُدُّ عَلَى مَنْ شَدَّدَ حَتَّى كَفَّرَ بِالْمَعَاصِي، وَعَلَى مَنْ مَيَّعَ حَتَّى جَعَلَ الْإِيمَانَ لَا يَضُرُّ مَعَهُ ذَنْبٌ؛ فَالْحَدِيثُ يُثْبِتُ "الضَّرَرَ" بِدُخُولِ النَّارِ، وَيُثْبِتُ "النَّجَاةَ" بِمِثْقَالِ الذَّرَّةِ. [4]
[الْحَاشِيَةُ]________________________________________________&
[1] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): (ج 13، ص 420) فِي شَرْحِ أَحَادِيثِ التَّوْحِيدِ وَالشَّفَاعَةِ.
[2] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 7، ص 350) فِي بَيَانِ مَعْنَى "الذَّرَّةِ مِنَ الْإِيمَانِ".
[3] مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ (مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ): (ص 195).
[4] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ عِصْمَةِ التَّوْحِيدِ وَخَطَرِ الْمَعْصِيَةِ.
تَخْرِيجُ رِوَايَةِ (حَبَّةِ شَعِيرٍ): أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ (44)، وَفِيهَا: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَفِي قَلْبِهِ وَزْنُ شَعِيرَةٍ مِنْ خَيْرٍ».
تَخْرِيجُ رِوَايَةِ (الْخَرْدَلَةِ): أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ (147)، وَفِيهَا التَّأْكِيدُ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ.
الْحُكْمُ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِي "أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ" وَهِيَ (مُتَوَاتِرَةٌ) كَمَا نَصَّ الْكَتَّانِيُّ فِي "نَظْمِ الْمُتَنَاثِرِ".
_________________________________________________________(44)التتمة الخامسة(الْوَجْهُ الثامن: الْقَولُ الْقَامِعُ لِلْمُخَالِفِ) - [ص 45]
[أَوَّلاً: الطَّوَائِفُ الْمَرْدُودُ عَلَيْهَا فِي هَذَا الْوَجْهِ]
إِنَّ تَقْرِيرَ أَنَّ "الْمَعْرِفَةَ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ" وَأَنَّ "الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ فِي الْقَلْبِ" هُوَ سَيْفٌ مَسْلُولٌ عَلَى ثَلَاثِ طَوَائِفَ رَئِيسَةٍ حَادَتْ عَنْ جَادَّةِ السَّلَفِ:
غَالِيَةُ الْمُرْجِئَةِ (الْجَهْمِيَّةُ): الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ "الْمَعْرِفَةِ"، وَأَنَّ هَذِهِ الْمَعْرِفَةَ لَا تَتَبَعَّضُ؛ فَمَنْ عَرَفَ رَبَّهُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَإِيمَانُهُ كَإِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ! فَجَاءَتِ الْفَقْرَةُ الثَّامِنَةُ لِتُثْبِتَ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ نَفْسَهَا "فِعْلٌ قَلْبِيٌّ" يَقْبَلُ التَّفَاوُتَ.
مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ: الَّذِينَ أَخْرَجُوا الْعَمَلَ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَزَعَمُوا أَنَّ التَّصْدِيقَ فِي الْقَلْبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَفَاضَلُ أَهْلُهُ فِيهِ، وَإِنَّمَا التَّفَاضُلُ فِي الطَّاعَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْإِيمَانِ. فَجَاءَ حَدِيثُ ابْنِ خُزَيْمَةَ لِيَصْفَعَ هَذَا الْقَوْلَ بِإِثْبَاتِ التَّفَاضُلِ "فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ" نَصًّا.
الْوَعِيدِيَّةُ (الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ): الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ كُلٌّ لَا يَتَبَعَّضُ، فَإِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ (بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ) ذَهَبَ كُلُّهُ. فَجَاءَتْ أَحَادِيثُ "الذَّرَّةِ وَالْخَرْدَلَةِ" لِتُثْبِتَ بَقَاءَ "أَصْلِ الْإِيمَانِ" مَعَ ذَهَابِ كَمَالِهِ. [1]
[ثَانِيًا: تَقْرِيرُ مَسْأَلَةِ عَدَمِ التَّسَاوِي فِي الْإِيمَانِ]
إِنَّ الْقَوْلَ بِتَسَاوِي النَّاسِ فِي الْإِيمَانِ هُوَ مَنْشَأُ كُلِّ ضَلَالَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَسْوِيَةَ الْبَرِّ بِالْفَاجِرِ، وَالصِّدِّيقِ بِالزِّنْدِيقِ. وَالتَّحْقِيقُ الشَّرْعِيُّ يُوجِبُ:
أَنَّ التَّصْدِيقَ الْقَلْبِيَّ يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَدَوَامِ الِاسْتِحْضَارِ.
أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ (كَالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ) هِيَ جُزْءٌ مِنْ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ مَحَلُّ التَّفَاضُلِ الْأَعْظَمِ.
أَنَّ نُصُوصَ الشَّفَاعَةِ قَاطِعَةٌ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ (دِينَارٌ، نِصْفُ دِينَارٍ، ذَرَّةٌ)، وَالْمُتَسَاوِي لَا يَتَبَعَّضُ هَكَذَا. [2]
[ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الْعُلَمَاءِ فِي الرَّدِّ عَلَى هَذِهِ الطَّوَائِفِ]
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الْقَوْلَ بِتَسَاوِي الْإِيمَانِ مُصَادَمَةٌ لِلْحِسِّ وَالْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَنْ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ كَمَنْ يَنْغَمِسُ فِي الشَّهَوَاتِ؟ وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرَّدَّ عَلَى مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ "إِقْرَارَ الْقَلْبِ" نَفْسَهُ يَتَفَاضَلُ. [3]
الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: يُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ قَصَرَ التَّفَاضُلَ عَلَى الْجَوَارِحِ فَقَدْ جَعَلَ الْإِيمَانَ أَمْرًا مَيِّتًا، بَيْنَمَا الْإِيمَانُ فِي الْقَلْبِ نُورٌ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، وَالنُّورُ يَتَفَاوَتُ فِي الشِّدَّةِ وَالضَّعْفِ. [4]
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: يُؤَصِّلُ لِبُطْلَانِ "تَمَاثُلِ الْأَجْزَاءِ" عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ، مُوَضِّحًا أَنَّ كُلَّ آيَةٍ فِيهَا زِيَادَةُ إِيمَانٍ فَهِيَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ التَّسَاوِي. [5]
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الْفَقْرَةَ الثَّامِنَةَ بِمَا حَوَتْهُ مِنْ أَصِيلِ النَّقْلِ، تُعَدُّ "الْقَوْلَ الْفَصْلَ" فِي مَسْأَلَةِ النِّزَاعِ مَعَ الْمُرْجِئَةِ بِكَافَّةِ أَطْيَافِهِمْ. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (تَفَاضُلُ الظَّاهِرِ فَرْعٌ عَنْ تَفَاضُلِ الْبَاطِنِ)؛ فَلَوْلَا أَنَّ قَلْبَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ احْتَوَى مِنْ مَعْرِفَةِ اللهِ وَيَقِينِهِ مَا لَمْ يَحْتَوِهِ قَلْبُ غَيْرِهِ، لَمَا سَبَقَهُمْ بِعَمَلِ جَوَارِحِهِ.
إِنَّ الرَّدَّ عَلَى مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ خُصُوصًا فِي هَذَا الْمَقَامِ مُهِمٌّ جِدًّا؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا جَعَلُوا التَّصْدِيقَ رُتْبَةً وَاحِدَةً، فَتَحُوا الْبَابَ لِغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ لِيُسَوُّوا بَيْنَ إِيمَانِ الْخَلْقِ. لَكِنَّ اسْتِشْهَادَ الشَّيْخِ بِـ "فِعْلِ الْقَلْبِ" وَ "الْكَسْبِ" يَقْطَعُ هَذَا الطَّمَعَ؛ فَالْقَلْبُ يَكْسِبُ، وَالْكَسْبُ مَرَاتِبُ، وَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى الِاجْتِهَادِ فِي طَاعَةِ رَبِّ الْعِبَادِ. [6]
[الْحَاشِيَةُ]__________________________________&
[1] الِاسْتِقَامَةُ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ): (ج 1، ص 150) فِي بَيَانِ طَوَائِفِ الْمُرْجِئَةِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ.
[2] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ (ابْنُ أَبِي الْعِزِّ): (ص 335، ط. الرِّسَالَةِ)؛ حَيْثُ نَاقَشَ مَسْأَلَةَ "هَلْ يَتَفَاضَلُ أَهْلُ الْإِيمَانِ فِي أَصْلِهِ؟" وَنَصَرَ قَوْلَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
[3] شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): حَدِيثُ جِبْرِيلَ، مَسْأَلَةُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ.
[4] شَرْحُ رِسَالَةِ الْإِيمَانِ (صَالِحٌ السَّنْدِيُّ): الدَّرْسُ الثَّامِنُ، "الرَّدُّ عَلَى مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ فِي تَمَاثُلِ التَّصْدِيقِ".
[5] مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّمِيمِيُّ): (ص 170-175) فِي بَابِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
[6] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ إِثْبَاتِ تَفَاضُلِ الْقَلْبِ وَهَدْمِ أُصُولِ الْإِرْجَاءِ.
تَنْبِيهٌ: مُرْجِئَةُ الْفُقَهَاءِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ فِي الْأَحْكَامِ، إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُمْ بِتَمَاثُلِ الْإِيمَانِ غَلَطٌ صَرِيحٌ تَرُدُّهُ هَذِهِ النُّصُوصُ.
الْمُرَادُ بِالْغَالِيَةِ: هُمُ الْجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَصِلُ بِهِمُ الْإِرْجَاءُ إِلَى نَفْيِ جَمِيعِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
الْخُلَاصَةُ: هَذَا الْوَجْهُ يَحْمِي "جَوْهَرَ الْإِيمَانِ" مِنْ قَوْلِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْقُلُوبِ، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ أَبْطَلَ النَّجَاةَ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ.
____________________________________________________(45)
(الْوَجْهُ التاسع : حُكْمُ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ) - [ص 47]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْفَقْرَةِ التَّاسِعَةِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-]
«التَّاسِعَةُ: أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ مُجَرَّدٍ. الدَّلِيلُ:
1- قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
2- وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ»، قُلْتُ -أَبُو ذَرٍّ-: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟"، قَالَ ﷺ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
3- قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "وَهُمْ -أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ- مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُ الْخَوَارِجُ".
4- قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "تَأَمَّلْ قَوْلَ الْمُؤَلِّفِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي، وَلَمْ يَقُلْ بِالْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ؛ لِأَنَّ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَكُونُ كُفْرًا، وَأَمَّا مُطْلَقُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّيْءِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الشَّيْءِ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُطْلَقَ يَعْنِي الْكَمَالَ، وَمُطْلَقَ الشَّيْءِ يَعْنِي أَصْلَ الشَّيْءِ".
5- قَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: "وَلَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ".
6- قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ بَازٍ: "مُرَادُهُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ الْمُسْلِمَ الْمُوَحِّدَ بِذَنْبٍ يَرْتَكِبُهُ كَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّ ذَلِكَ، فَإِنِ اسْتَحَلَّهُ كَفَرَ لِكَوْنِهِ مُكَذِّبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ".
7- فَتْوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ (رَقْمُ 5003): "مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ مُسْلِمًا بِمَا كَانَ مِنْهُ دُونَ الشِّرْكِ مِثْلَ قَتْلِ النَّفْسِ وَالزِّنَا... وَلَكِنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ... أَمَّا مَا كَانَ مِنَ الْكَبَائِرِ مِثْلَ الِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللهِ فَهَذِهِ كُفْرٌ أَكْبَرُ"». [1]
____________________________________________
[ثَانِيًا: اسْتِخْرَاجُ 15 مُفْرَدَةً (اشْتِقَاقاً وَتَعْرِيفاً جَامِعاً)]
أَهْلُ الْقِبْلَةِ: مَنْ يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَالْمُرَادُ كُلُّ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ.
الْمُجَرَّد: (شَرَدَ) أَيِ الْمُنْفَرِدُ، وَالْمُرَادُ الذَّنْبُ الَّذِي لَا يَقْتَرِنُ بِهِ اسْتِحْلَالٌ.
يُكَفِّرُونَ: (كَفَرَ) أَيْ سَتَرَ، شَرْعاً: إِخْرَاجُ الْمُسْلِمِ مِنَ الْمِلَّةِ لِمُوجِبٍ شَرْعِيٍّ.
مَا دُونَ ذَلِكَ: (دُونَ) رُتْبَةٌ أَقَلُّ، وَالْمُرَادُ كُلُّ ذَنْبٍ لَيْسَ بِشِرْكٍ.
جِبْرِيلُ: اِسْمٌ أَعْجَمِيٌّ (عَبْدُ اللهِ)، مَلَكُ الْوَحْيِ الْمُقَرَّبُ.
بَشَّرَنِي: (بَشَرَ) إِيصَالُ خَبَرٍ يَظْهَرُ أَثَرُهُ عَلَى بَشَرَةِ الْوَجْهِ سُرُوراً.
مُطْلَقِ الْمَعَاصِي: (طَلَقَ) التَّحَرُّرُ، شَرْعاً: تَنَاوُلُ جَمِيعِ صُوَرِ الْمَعْصِيَةِ كُبْرَى وَصُغْرَى.
الْكَبَائِرِ: (كَبَرَ) كُلُّ ذَنْبٍ فِيهِ حَدٌّ أَوْ لَعْنَةٌ أَوْ غَضَبٌ أَوْ وَعِيدٌ بِنَارٍ.
الْخَوَارِجُ: (خَرَجَ) مَنْ خَرَجَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَكَفَّرَ بِالذُّنُوبِ.
الشَّيْءِ الْمُطْلَقِ: هُوَ الْكَامِلُ مَنْ مَادَّتِهِ (الْإِيمَانُ الْكَامِلُ).
مُطْلَقُ الشَّيْءِ: هُوَ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ (أَصْلُ الْإِيمَانِ).
يَسْتَحِلَّهُ: (حَلَّ) أَيْ جَعَلَهُ حَلَالاً فِي اعْتِقَادِهِ رَغْمَ تَحْرِيمِ اللهِ لَهُ.
الْمُوَحِّدُ: (وَحَدَ) مَنْ أَفْرَدَ اللهَ بِالْعِبَادَةِ وَنَفَى عَنْهُ الشَّرِيكَ.
التَّعْزِيرُ: (عَزَرَ) التَّأْدِيبُ عَلَى ذَنْبٍ لَا حَدَّ فِيهِ وَلَا كَفَّارَةَ.
الِاسْتِغَاثَةُ: (غَوْثُ) طَلَبُ الْغَوْثِ وَالنُّصْرَةِ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ.
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْأُصُولِيَّةُ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الذَّنْبُ لَا يَسْلُبُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، لَكِنَّهُ يَنْقُصُ كَمَالَهُ الْوَاجِبَ".
ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مُكَذِّبٍ لِلْوَحْيِ كَافِرٌ، وَالِاسْتِحْلَالُ تَكْذِيبٌ عَمَلِيٌّ أَوْ قَلْبِيٌّ لِتَحْرِيمِ اللهِ".
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "مُطْلَقُ الشَّيْءِ لَا يَسْتَلْزِمُ الشَّيْءَ الْمُطْلَقَ"؛ (أَصْلُ الْإِيمَانِ لَا يَعْنِي كَمَالَهُ).
ضَابِطٌ فِقْهِيٌّ: "الْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَتَطْهِيرٌ لَهُ، وَلَا يُسَلَّبُ مَعَهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ".
[الْحَاشِيَةُ]____________________________________&
[1] نَصُّ الْفَقْرَةِ: عَنْ شَيْخِنَا مُحَمَّد بْنِ عَلِيٍّ الرِّيحَان، "الْمُذَكِّرَةُ الْعَقَدِيَّةُ"، ص 45.
(2)حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (ح 1237)، وَمُسْلِمٌ (ح 94).
3.نَقْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ" مَعَ شَرْحِ الْهَرَّاسِ، ص 164، ط. دَارِ الْهِجْرَةِ.
4.قَوْلُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ"، ج 2، ص 142، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
5.قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ: "الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ" مَعَ شَرْحِ ابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص 332، ط. الرِّسَالَةِ.
6. نَقْلُ ابْنِ بَازٍ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتِ ابْنِ بَازٍ"، ج 2، ص 412.
٧.فَتْوَى اللَّجْنَةِ: "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ"، الْمَجْمُوعَةُ الْأُولَى، ج 2، ص 41، فَتْوَى رَقْمُ (5003).
تَنْبِيهٌ عَقَدِيٌّ: قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ "بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ" قَيَّدَهُ الْعُلَمَاءُ بِالذُّنُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ كُفْرًا بَوَاحًا، أَمَّا الشِّرْكُ فَيُكَفَّرُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.
_____________________________________________________(46)
(الْوَجْهُ الْخَامِسَ عَشَرَ: أَوْجُهُ الِاسْتِشْهَادِ وَالْمَقَاصِدُ) - [ص 46]
[أَوَّلاً: أَوْجُهُ اسْتِشْهَادِ الشَّيْخِ وَمَقَاصِدُهُ]
الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}:
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: أَنَّ اللهَ قَسَّمَ الذُّنُوبَ إِلَى (شِرْكٍ) لَا يُغْفَرُ، وَمَا (دُونَ الشِّرْكِ) وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: إِثْبَاتُ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ لَيْسَ بِشِرْكٍ فَهُوَ لَا يُسَلِّبُ أَصْلَ النَّجَاةِ قَطْعاً، بَلْ صَاحِبُهُ مُعَلَّقٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ الْخَوَارِجِ فِي وُجُوبِ تَكْفِيرِ الْعَاصِي. [1]
الِاسْتِشْهَادُ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﷺ (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: التَّنْصِيصُ عَلَى كَبَائِرَ عِظَامٍ (الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ) مَعَ الْبِشَارَةِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئاً.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: بَيَانُ أَنَّ "رَابِطَةَ التَّوْحِيدِ" أَقْوَى مِنْ "تَبِعَاتِ الْمَعْصِيَةِ" فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ جِنْسَ الْكَبَائِرِ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا الْعَبْدُ. [2]
الِاسْتِشْهَادُ بِنَقْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَتَفْرِيقِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (مُطْلَقُ الْمَعْصِيَةِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْعَقَدِيُّ بَيْنَ "الْمُطْلَقِ" وَ"مُطْلَقِ الشَّيْءِ".
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: تَنْبِيهُ الْبَاحِثِ إِلَى عَدَمِ إِطْلَاقِ حُكْمِ الْكُفْرِ عَلَى عُمُومِ الْعِصْيَانِ؛ فَالْمَعْصِيَةُ الَّتِي هِيَ "شِرْكٌ" كُفْرٌ، أَمَّا "مُطْلَقُ الْمَعْصِيَةِ" (أَيْ أَيُّ قَدْرٍ مِنْهَا) فَلَيْسَ كُذَلِكَ. [3]
الِاسْتِشْهَادُ بِقَوْلِ الطَّحَاوِيِّ (مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: جَعْلُ "الِاسْتِحْلَالِ" هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي تَنْقُصُ الْإِيمَانَ وَالْمَعْصِيَةِ الَّتِي تَهْدِمُهُ.
مَقْصِدُ الشَّيْخِ: حَصْرُ التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ فِي الِاعْتِقَادِ الْبَاطِنِ (التَّكْذِيبِ أَوِ الِاسْتِحْلَالِ)، لِتَحْصِينِ دِمَاءِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ مَسَالِكِ الْغُلُوِّ. [4]
[ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِيُّ عَقَدِيٌّ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يُمَثِّلُ "صِمَامَ الْأَمَانِ" لِلْمُجْتَمَعِ الْإِسْلَامِيِّ؛ فَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ (الذَّنْبِ) وَ(الْكُفْرِ) هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ حُرْمَةَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. إِنَّنِي أُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (التَّوْحِيدُ حِصْنٌ حَصِينٌ لَا يَهْدِمُهُ إِلَّا نَقِيضُهُ)، وَنَقِيضُ التَّوْحِيدِ هُوَ الشِّرْكُ أَوْ الِاسْتِحْلَالُ الَّذِي يَعُودُ إِلَى التَّكْذِيبِ. أَمَّا الْوُقُوعُ فِي الشَّهَوَاتِ مَعَ انْكِسَارِ الْقَلْبِ وَالِاعْتِرَافِ بِالتَّحْرِيمِ، فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْإِيمَانِ لَا نَقْضٌ لَهُ. وَمَقْصِدُ الشَّيْخِ مِنْ سَوْقِ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ مُجْتَمِعَةً هُوَ بَيَانُ "الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ" لِلْمَدْرَسَةِ الْأَثَرِيَّةِ (مِنَ الطَّحَاوِيِّ إِلَى ابْنِ بَازٍ) عَلَى رَفْضِ مَنْهَجِ الْخَوَارِجِ، مَعَ عَدَمِ السُّقُوطِ فِي فَتْنَةِ الْإِرْجَاءِ الَّتِي تُهَوِّنُ مِنَ الْمَعَاصِي؛ فَالْمَعْصِيَةُ عِنْدَنَا "تُعَقِّبُ النَّارَ" لَكِنَّهَا لَا "تُوجِبُ الْخُلُودَ". [5]
[الْحَاشِيَةُ]_______________________________________________________&
[1] تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: (ج 2، ص 327) فِي مَعْنَى "مَا دُونَ الشِّرْكِ".
[2] شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (النَّوَوِيُّ): (ج 2، ص 94) فِي شَرْحِ حَدِيثِ "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ".
[3] شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): (ج 2، ص 143) حَوْلَ قَاعِدَةِ "الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الشَّيْءِ".
[4] تَعْلِيقَاتُ ابْنِ بَازٍ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ: (ص 18)، ط. دَارِ ابْنِ حَزْمٍ.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ عِصْمَةِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَحَقِيقَةِ
___________________________________________________________________(47)
(تَتِمَّةُ الْوَجْهِ التَّاسِعِ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْوَعِيدِ) - [ص 47]
[أَوَّلاً: بَيَانُ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...}]
1. تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
يُقَرِّرُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ أَحْكَمُ نَصٍّ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الشِّرْكِ وَمَا دُونَهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "الشِّرْكَ" هُنَا هُوَ الَّذِي يَمُوتُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ دُونَ تَوْبَةٍ، فَإِنَّ اللهَ آلى عَلَى نَفْسِهِ أَلَّا يَغْفِرَهُ. أَمَّا "مَا دُونَ ذَلِكَ" مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ، فَقَدْ جَعَلَهَا اللهُ مَوْقُوفَةً عَلَى مَشِيئَتِهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْ صَاحِبِهَا بِفَضْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُ بِتَوْحِيدِهِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذَا الرَّدَّ قَاطِعٌ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الذُّنُوبِ فِي نَفْيِ الْمَغْفِرَةِ. فَالْآيَةُ تُثْبِتُ أَنَّ مَرَاتِبَ الذُّنُوبِ تَتَفَاوَتُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَأَنَّ رَابِطَةَ الْإِيمَانِ (أَصْلِهِ) تَمْنَعُ مِنَ التَّخْلِيدِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي خَلَطَتْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً. [1]
2. تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
يَسُوقُ ابْنُ كَثِيرٍ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ لِيُقَرِّرَ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ لَا تَتَنَاوَلُ الْمُشْرِكَ الَّذِي مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} يُعْطِي الرَّجَاءَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَكِنَّهُ رَجَاءٌ مَقْرُونٌ بِالْخَوْفِ لِتَعْلِيقِهِ بِالْمَشِيئَةِ {لِمَنْ يَشَاءُ}. وَيُؤَصِّلُ ابْنُ كَثِيرٍ لِفَهْمِ السَّلَفِ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَبْطُلُ بِالْمَعْصِيَةِ الَّتِي هِيَ دُونَ الشِّرْكِ. وَيَرُدُّ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ "مَا دُونَ ذَلِكَ" مَخْصُوصٌ بِالتَّائِبِينَ فَقَطْ، مُوَضِّحاً أَنَّ التَّائِبَ يُغْفَرُ لَهُ الشِّرْكُ أَيْضاً، فَصَرْفُ هَذِهِ الْآيَةِ لِغَيْرِ الشِّرْكِ يَقْتَضِي شُمُولَهَا لِمَنْ مَاتَ عَاصِياً مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا الْفَهْمُ هُوَ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قَاطِبَةً فِي بَابِ الْوَعِيدِ، مُحَقِّقِينَ بِذَلِكَ الْوَسَطِيَّةَ بَيْنَ الْإِرْجَاءِ وَالْخُرُوجِ. [2]
3. تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ:
يُوَضِّحُ السَّعْدِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ "الْمِيزَانُ الْعَدْلُ" فِي التَّكْفِيرِ وَالْمَغْفِرَةِ. فَأَخْبَرَ أَنَّ الشِّرْكَ بِاللهِ، سَوَاءٌ كَانَ شِرْكاً أَكْبَرَ أَوْ أَصْغَرَ (عَلَى قَوْلٍ)، هُوَ الْمَانِعُ مِنَ الْمَغْفِرَةِ إِذَا مَاتَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ. أَمَّا الذُّنُوبُ الَّتِي هِيَ "دُونَ ذَلِكَ" مَهْمَا عَظُمَتْ، فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي حَيِّزِ الْإِمْكَانِ وَالْمَغْفِرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَعْلِيقَ الْمَغْفِرَةِ بِالْمَشِيئَةِ يَقْتَضِي عَدَمَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْعَفْوِ دُونَ حَذَرٍ. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَعْظَمُ الْحَسَنَاتِ الَّتِي تُكَفِّرُ السَّيِّئَاتِ، وَأَنَّ الْعَبْدَ مَا دَامَ مَعَهُ "أَصْلُ الْإِيمَانِ" فَهُوَ مَرْجُوُّ النَّجَاةِ. وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَبْعَثُ فِي النَّفْسِ تَعْظِيمَ جُرْمِ الشِّرْكِ مِنْ جِهَةٍ، وَفَتْحَ بَابِ الرَّحْمَةِ لِلْعُصَاةِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، مِمَّا يُحَقِّقُ التَّوَازُنَ فِي مَقَامَاتِ الدِّينِ. [3]
4. تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُفَصِّلُ ابْنُ عُثَيْمِينَ فِي شَرْحِهِ أَنَّ "مَا دُونَ ذَلِكَ" لَهَا مَعْنَيَانِ: مَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الشِّرْكِ رُتْبَةً، أَوْ مَا سِوَى الشِّرْكِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ الْآيَةَ صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالْكَبِيرَةِ، فَالْكَبِيرَةُ "دُونَ الشِّرْكِ" فَهِيَ مَغْفُورَةٌ إِنْ شَاءَ اللهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ {لِمَنْ يَشَاءُ} يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْأَمْنِ مِنْ مَكْرِ اللهِ، فَلَا يَقُولُ "أَنَا مُوَحِّدٌ فَلَا تَضُرُّنِي مَعْصِيَةٌ". وَيُؤَصِّلُ لِفَرْقٍ عَقَدِيٍّ بَيْنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَالْأَكْبَرُ لَا يُغْفَرُ قَطْعاً، وَالْأَصْغَرُ فِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ "لَا يُغْفَرُ" لِشَنَاعَةِ وَصْفِ الشِّرْكِ، لَكِنَّهُ لَا يُخَلِّدُ صَاحِبَهُ فِي النَّارِ كَالْأَكْبَرِ. وَبِذَلِكَ يَحْفَظُ حِمَى التَّوْحِيدِ وَيُثْبِتُ مَرَاتِبَ الذُّنُوبِ وَأَحْكَامَهَا. [4]
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ تَأْصِيلَ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ لِهَذِهِ الْآيَةِ يَقُومُ عَلَى قَاعِدَةِ (تَمَايُزِ الْجَرَائِمِ الْعَقَدِيَّةِ). فَالشِّرْكُ "نَقِيضُ الْأَصْلِ"، وَالْمَعْصِيَةُ "نَقْصُ الْكَمَالِ". وَأُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: (الْمَشِيئَةُ بَرْزَخٌ بَيْنَ الْعَدْلِ وَالْفَضْلِ)؛ فَإِنْ عَذَّبَ اللهُ مَنْ دُونَ الْمُشْرِكِ فَهُوَ بِعَدْلِهِ لِتَحَقُّقِ الْمُوجِبِ، وَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَهُوَ بِفَضْلِهِ لِبَقَاءِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا الرَّبْطُ التَّفْسِيرِيُّ هُوَ الَّذِي جَعَلَ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُسَوُّونَ بَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ الْخَالِقَ وَبَيْنَ مَنْ عَصَاهُ مَعَ الْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ. وَبِذَلِكَ نَسْتَنْتِجُ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ بَاقِيَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي، تَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ وَتَسْتَوْجِبُ الرَّجَاءَ. [5]
[ثَالِثًا: الْحَاشِيَةُ )]____________________________________________&
[1] الْبَغَوِيُّ: (ج 1، ص 434)؛ ط. طَيْبَة. 2.
[2] ابْنُ كَثِيرٍ: (ج 2، ص 327)؛ ط. قُرْطُبَة. 3.
[3] السَّعْدِيُّ: (ص 182)؛ ط. الرِّسَالَة. 4.
[4] ابْنُ عُثَيْمِينَ: "تَفْسِير النِّسَاء"، ج 1، ص 338. 5. فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الشِّرْكُ هُوَ الذَّنْبُ الْوَحِيدُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْمَشِيئَةُ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ.
6. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: عُمُومُ "مَا دُونَ ذَلِكَ" يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ.
7. ضَابِطٌ: الْمَشِيئَةُ لَا تَعْنِي إِسْقَاطَ الْوَعِيدِ نِهَائِيّاً، بَلْ هِيَ فَتْحُ بَابِ الِاحْتِمَالِ.
8. فَائِدَةٌ: مَنْ مَاتَ عَلَى الْكَبِيرَةِ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، لَا نَقْطَعُ لَهُ بِنَارٍ وَلَا جَنَّةٍ.
9. قَاعِدَةٌ: التَّوْحِيدُ مَانِعٌ مِنَ الْخُلُودِ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ.
10. فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "دُونَ" قَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى (غَيْر) أَوْ (أَقَل)، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ هُنَا.
11. ضَابِطٌ فِي التَّكْفِيرِ: لَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِالْمَعْصِيَةِ لِوُجُودِ نَصِّ الْمَغْفِرَةِ بِمَا دُونَ الشِّرْكِ.
12. فَائِدَةٌ: الْآيَةُ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ قَالُوا: (لَا يَمُوتُ أَحَدٌ عَلَى كَبِيرَةٍ إِلَّا خُلِّدَ).
13. قَاعِدَةٌ: الْوَعِيدُ يَتَخَلَّفُ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ لِمُوجِبِ الرَّحْمَةِ، وَالْوَعْدُ لَا يَتَخَلَّفُ.
14. فَائِدَةٌ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ أَخْطَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ.
15. ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: الِاسْتِحْلَالُ شِرْكٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ، فَيَخْرُجُ عَنْ مَشِيئَةِ الْمَغْفِرَةِ.
16. فَائِدَةٌ: سُورَةُ النِّسَاءِ هِيَ "سُورَةُ الْحُقُوقِ"، وَأَعْظَمُ حَقٍّ هُوَ حَقُّ اللهِ فِي التَّوْحِيدِ.
17. قَاعِدَةٌ: الْإِيمَانُ يَنْقُصُ بِالْكَبِيرَةِ نَقْصاً بَيِّناً، فَيُسَمَّى "مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ".
18. فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: قَوْلُهُ {لِمَنْ يَشَاءُ} تَرْبِيَةٌ لِلْقَلْبِ عَلَى "الْوَجَلِ" وَعَدَمِ الِاغْتِرَارِ.
19. ضَابِطٌ: إِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا كَفَّارَةٌ تَجْعَلُ الذَّنْبَ مَغْفُوراً قَطْعاً.
20. فَائِدَةٌ: رَحْمَةُ اللهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَمِنْ آثَارِ ذَلِكَ أَنَّ الشِّرْكَ وَحْدَهُ هُوَ الْمَمْنُوعُ مِنَ الْعَفْوِ.
21. قَاعِدَةٌ: حُكْمُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَاقٍ مَا لَمْ يَأْتِ صَرِيحُ الْكُفْرِ.
22. فَائِدَةٌ: الْآيَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، فَالْمُشْرِكُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِالِانْقِطَاعِ عَنِ الْخَالِقِ.
23. ضَابِطٌ: كُلُّ مَا دُونَ الشِّرْكِ تَنَالُهُ الشَّفَاعَةُ بِإِذْنِ اللهِ.
24. فَائِدَةٌ: الْخَوَارِجُ أَخَذُوا بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ وَتَرَكُوا هَذِهِ الْآيَةَ الْمُحْكَمَةَ.
25. بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ عِصْمَةِ التَّوْحِيدِ وَخَطَرِ الْمَعْصِيَةِ
___________________________________________________________________(48)
التممة السادسة (الْوَجْهُ التاسع: شَرْحُ حَدِيثِ الْبِشَارَةِ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ) - [ص 49]
[أَوَّلاً: بَيَانُ أَقْوَالِ الشُّرَّاحِ فِي حَدِيثِ (وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ)]
1. شَرْحُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
يُقَرِّرُ ابْنُ رَجَبٍ فِي "فَتْحِ الْبَارِي" أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَرْجَى أَحَادِيثِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ نَصٌّ فِي أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) هِيَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ لِدُخُولِ الْجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَنْ جَعَلَ الْكَبَائِرَ مُحْبِطَةً لِأَصْلِ الْإِيمَانِ. وَيُؤَصِّلُ ابْنُ رَجَبٍ لِفَهْمٍ دَقِيقٍ؛ وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ الْكَبَائِرَ لَا تَمْنَعُ الدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ "مَآلاً"، وَإِنْ مَنَعَتْهُ "ابْتِدَاءً" لِمَنْ شَاءَ اللهُ تَعْذِيبَهُ. فَالْإِيمَانُ الَّذِي خَالَطَتْ بَشَاشَتُهُ الْقَلْبَ لَا تَنْزِعُهُ مَعَاصِي الْجَوَارِحِ مَا دَامَ أَصْلُ الِانْقِيَادِ بَاقِياً. وَيَسْتَنِدُ إِلَى أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ (أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) هُوَ أَعْظَمُ الْحُقُوقِ، فَمَنْ أَدَّاهُ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَيْرِ وَإِنْ أَثْقَلَتْ ظَهْرَهُ الذُّنُوبُ. [1]
2. شَرْحُ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُفَصِّلُ الشَّيْخُ فِي شُرُوحِهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ، لَكِنَّهَا تَنْقُصُ الْإِيمَانَ نَقْصاً بَيِّناً. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الِاسْتِفْهَامَ الصَّادِرَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ كَانَ تَعَجُّباً مِنَ السَّعَةِ لَا شَكّاً فِي الْخَبَرِ، فَأَكَّدَهُ النَّبِيُّ ﷺ رَغْماً عَنْ أَنْفِ الْمُخَالِفِينَ. وَيُؤَصِّلُ ابْنُ عُثَيْمِينَ لِقَاعِدَةِ: (تَلَازُمِ الْأَصْلِ مَعَ الِاسْتِحْقَاقِ)؛ فَالْمُوَحِّدُ يَسْتَحِقُّ الْجَنَّةَ بِأَصْلِ تَوْحِيدِهِ، وَيَسْتَحِقُّ النَّارَ بِجِنْسِ مَعْصِيَتِهِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ. وَيُحَذِّرُ الشَّيْخُ مِنْ فَهْمِ الْمُرْجِئَةِ لِهَذَا الْحَدِيثِ، مُؤَكِّداً أَنَّهُ لَا يَعْنِي عَدَمَ الضَّرَرِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَلْ يَعْنِي عَدَمَ "الْخُلُودِ" لِصَاحِبِ الذُّنُوبِ. فَالزِّنَا وَالسَّرِقَةُ جَرَائِمُ تَمْنَعُ كَمَالَ الْإِيمَانِ وَتُوجِبُ الْحَدَّ فِي الدُّنْيَا وَالْوَعِيدَ فِي الْآخِرَةِ. [2]
3. شَرْحُ الْإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ:
يُقَرِّرُ الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضْلِ التَّوْحِيدِ وَأَنَّهُ لَا يَعْدِلُهُ شَيْءٌ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّ مَنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اسْمِ الْإِيمَانِ كُلِّيَّةً مَا دَامَ مُقِرّاً بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالرِّسَالَةِ. وَيُشِيرُ الطَّبَرِيُّ إِلَى أَنَّ رِوَايَةَ "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ بَعْضَ الذُّنُوبِ تُصَيِّرُ الْمُسْلِمَ كَافِراً كُفْراً نَاقِلاً عَنِ الْمِلَّةِ سِوَى الشِّرْكِ. وَيُؤَصِّلُ لِمَعْنَى "دُخُولِ الْجَنَّةِ" بِأَنَّهُ يَكُونُ إِمَّا ابْتِدَاءً (بِمَغْفِرَةِ اللهِ) أَوْ بَعْدَ مُقَاسَاةِ الْعَذَابِ لِتَطْهِيرِهِ مِنْ خَبَثِ الْكَبَائِرِ. وَيَرَى أَنَّ قُوَّةَ هَذَا النَّصِّ تَكْمُنُ فِي رَفْعِ الْيَأْسِ عَنْ قُلُوبِ الْعُصَاةِ وَتَحْقِيقِ مَعْنَى الشَّفَاعَةِ الَّتِي خَصَّ اللهُ بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ. [3]
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ هُوَ "الْمِيثَاقُ الْأَعْظَمُ" فِي عِصْمَةِ دَمِ الْمُوَحِّدِ. فَالشُّرَّاحُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ (مَادَّةَ التَّوْحِيدِ) فِي الْقَلْبِ لَا تَقْبَلُ الِاضْمِحْلَالَ بِوُجُودِ الْمَعَاصِي الشَّهْوَانِيَّةِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ. وَأُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (الْإِيمَانُ أَصْلٌ وَشُعَبٌ، وَزَوَالُ بَعْضِ الشُّعَبِ لَا يَقْتَضِي زَوَالَ الْأَصْلِ). وَالِاسْتِشْهَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْفَقْرَةِ التَّاسِعَةِ هُوَ لِتَبْيِينِ أَنَّ "جِنْسَ الْعَمَلِ" الْمُكَفِّرَ هُوَ مَا نَاقَضَ التَّوْحِيدَ فَقَطْ. أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَهُوَ جُرْمٌ عَظِيمٌ لَا يَصِلُ لِدَرَجَةِ "الرِّدَّةِ"، وَهَذَا هُوَ سِرُّ رَدِّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَبِي ذَرٍّ لِيَقْتَلِعَ مِنْ ذِهْنِهِ وَذِهْنِ الْأُمَّةِ مَنْزِعَ الْغُلُوِّ فِي التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ. [4]
[ثَالِثًا: الْحَاشِيَةُ الْجَامِعَةُ (25 فَقْرَةً وَفَائِدَةً وَقَاعِدَةً)]
[1] فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ رَجَبٍ): ج 1، ص 115، ط. دَارِ الْحَرَمَيْنِ. 2.
[2] شَرْحُ الْبُخَارِيِّ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج 4، ص 210. 3.
[3] تَهْذِيبُ الْآثَارِ (الطَّبَرِيُّ): ج 1، ص 450 (مُسْنَدُ ابْنِ عَبَّاسٍ).
4. قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: التَّوْحِيدُ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ مَهْمَا بَلَغَتْ، وَلَا تُكفِّرُ الذُّنُوبُ التَّوْحِيدَ.
5. ضَابِطٌ: "وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ" تَعْنِي أَنَّهُمَا كَبِيرَتَانِ لَا تُخْلِدَانِ صَاحِبَهُمَا.
6. فَائِدَةٌ: مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ فَالْجَنَّةُ مَصِيرُهُ الْحَتْمِيُّ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ.
7. قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: دَلَالَةُ النَّصِّ صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ بِالْكَبِيرَةِ.
8. فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ" تُقَالُ لِتَأْكِيدِ الْحَقِيقَةِ مَعَ وُجُودِ الِاسْتِبْعَادِ.
9. ضَابِطٌ: الْحَدِيثُ لَا يُسْقِطُ الْحُدُودَ الشَّرْعِيَّةَ فِي الدُّنْيَا.
10. فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْإِيمَانُ يَقْبَلُ الِاجْتِمَاعَ مَعَ بَعْضِ خِصَالِ الْكُفْرِ الْأَصْغَرِ.
11. قَاعِدَةٌ: كُلُّ مُوَحِّدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ فَهُوَ مَحْرُومٌ عَلَى النَّارِ (أَيْ خُلُودُهَا).
12. فَائِدَةٌ: تَعَجُّبُ أَبِي ذَرٍّ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ جِنْسِ الذَّنْبَيْنِ (الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ).
13. ضَابِطٌ: لَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ بِالْحَدِيثِ لِلْتَّهْوِينِ مِنَ الْمَعَاصِي.
14. فَائِدَةٌ: التَّوْحِيدُ هُوَ "الْأَصْلُ" الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ صِحَّةُ كُلِّ عَمَلٍ.
15. قَاعِدَةٌ: الْوَعِيدُ بِالنَّارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَشِيئَةِ.
16. فَائِدَةٌ: الْجَنَّةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُشْرِكِ قَطْعاً بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّّنَّةِ.
17. ضَابِطٌ فِقْهِيٌّ: الزَّانِي وَالسَّارِقُ يُعَامَلَانِ كَمُسْلِمَيْنِ فِي الدَّفْنِ وَالصَّلَاةِ وَالْمِيرَاثِ.
18. فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الْبِشَارَةُ تَبْعَثُ فِي الْقَلْبِ مَحَبَّةَ اللهِ وَالطَّمَعَ فِي فَضْلِهِ.
19. قَاعِدَةٌ: النَّفْيُ فِي الْحَدِيثِ (لَا يُشْرِكُ) يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ.
20. فَائِدَةٌ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ مَنْ نَقَلَ هَذِهِ الْبُشْرَى لِلنَّبِيِّ ﷺ.
21. ضَابِطٌ: "دَخَلَ الْجَنَّةَ" حَقِيقَةٌ، وَتَوْقِيتُ الدُّخُولِ غَيْبِيٌّ بِيَدِ اللهِ.
22. فَائِدَةٌ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ نَفْيِ الْوَعِيدِ وَتَخْلِيدِ الْعَاصِي.
23. قَاعِدَةٌ: الْأَعْمَالُ لَيْسَتْ شَرْطَ صِحَّةٍ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ مَآلاً، بَلِ التَّوْحِيدُ.
24. فَائِدَةٌ: رَدُّ النَّبِيِّ ﷺ الثَّالِثُ كَانَ قَطْعاً لِكُلِّ شُبْهَةٍ قَدْ تَرِدُ. 25. بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ عِظَمِ التَّوْحِيدِ وَعَدَمِ التَّهَاوُنِ بِحُدُودِ اللهِ.
________________________________________________________________________(٤٩ )
(ْالتتمة السابعة وَجْهُ التاسع: التَّحْقِيقُ فِي مَقَالَاتِ الْأَئِمَّةِ) - [ص 48]
[أَوَّلاً: شَرْحُ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-]
يُقَرِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي "الْوَاسِطِيَّةِ" أَصْلاً مَنْهَجِيًّا لِأَهْلِ السُّنَّةِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّكْفِيرِ "بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي". وَمَقْصُودُهُ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ جِنْسَ الْمَعْصِيَةِ الَّتِي تَقَعُ لِلْمُؤْمِنِ (كَالذُّنُوبِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ) لَا تُخْرِجُهُ مِنَ الدَّائِرَةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي بِهَا يَعْصِمُ دَمَهُ. وَهَذَا الرَّدُّ مُوَجَّهٌ بِالدَّرَجَةِ الْأُولَى لِلْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَعَلُوا كُلَّ كَبِيرَةٍ نَاقِضَةً لِأَصْلِ الْإِيمَانِ. فَابْنُ تَيْمِيَّةَ هُنَا يَفْصِلُ بَيْنَ "النَّاقِصِ" وَ"النَّاقِضِ"؛ فَالْعَاصِي نَاقِصُ الْإِيمَانِ لَكِنَّهُ لَيْسَ نَاقِضًا لَهُ. وَبِذَلِكَ يَحْفَظُ حُرْمَةَ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" مَعَ التَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّهُمْ تَحْتَ الْوَعِيدِ لَا تَحْتَ التَّكْفِيرِ، وَهِيَ دِقَّةٌ فِقْهِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ مَيَّزَتْ أَهْلَ السُّنَّةِ عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي هَذَا الْبَابِ الشَّائِكِ. [1]
[ثَانِيًا: شَرْحُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-]
يَأْتِي شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ لِيَكْشِفَ الْغِطَاءَ عَنْ أَهَمِّ قَاعِدَةٍ لُغَوِيَّةٍ تَنْبَنِي عَلَيْهَا مَسَائِلُ الْإِيمَانِ، وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ (الْمُطْلَقِ) وَ(مُطْلَقِ الشَّيْءِ). فَالْمُطْلَقُ هُوَ الْكَامِلُ، أَمَّا "مُطْلَقُ الْمَعْصِيَةِ" فَيَعْنِي أَيَّ قَدْرٍ مِنْهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ لَمْ يَقُلْ "بِالْمَعَاصِي" مُعَرَّفَةً؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْمَعَاصِي كُفْرٌ بَوَاحٌ (كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ)، فَلَوْ قَالَ "لَا نُكَفِّرُ بِالْمَعَاصِي" لَأَوْهَمَ عَدَمَ التَّكْفِيرِ بِالْمُكِفِّرَاتِ. لَكِنَّ قَوْلَهُ "بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي" يَعْنِي أَنَّ مُجَرَّدَ وُقُوعِ الْعَبْدِ فِي مُسَمَّى الْمَعْصِيَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ كُفْرَهُ. وَهَذَا التَّدْقِيقُ يَمْنَعُ خَلْطَ الْأَوْرَاقِ بَيْنَ "الْمَعَاصِي الْكَفْرِيَّةِ" وَ"الْمَعَاصِي الْعَمَلِيَّةِ"، وَيُؤَصِّلُ لِفَهْمٍ سَلِيمٍ يَجْمَعُ بَيْنَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَنُصُوصِ الرَّجَاءِ، وَهُوَ مِنْ مَحَاسِنِ تَقْرِيرَاتِهِ. [2]
[ثَالِثًا: شَرْحُ قَوْلِ الْإِمَامِ الطَّحَاوِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-]
قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ "لَا نُكَفِّرُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ" هُوَ مَتْنٌ عَقَدِيٌّ سَارَ عَلَيْهِ الْأَنَامُ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الذَّنْبَ إِذَا نَزَلَ بِالْمُسْلِمِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ فَهُوَ عَاصٍ، أَمَّا إِذَا جَعَلَهُ حَلَالاً فَقَدْ كَذَّبَ الشَّارِعَ وَبِهَذَا التَّكْذِيبِ يَكْفُرُ. وَالْمَقْصُودُ بِـ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" هُنَا مَنْ هُمْ فِي دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ. وَهَذَا الضَّابِطُ (الِاسْتِحْلَالُ) هُوَ الْمِفْتَاحُ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ الطَّحَاوِيُّ لِلرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ. غَيْرَ أَنَّ الشُّرَّاحَ نَبَّهُوا إِلَى أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي هِيَ فِي ذَاتِهَا كُفْرٌ لَا تَحْتَاجُ لِقَيْدِ الِاسْتِحْلَالِ، بَلْ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ يَنْصَرِفُ لِلذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ دُونَ الْكُفْرِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، وَهَذَا هُوَ الْفَهْمُ الْمُتَّسِقُ مَعَ أُصُولِ السُّنَّةِ. [3]
[رَابِعًا: شَرْحُ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ -رَحِمَهُ اللهُ-]
يَأْتِي تَعْلِيقُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ لِيُحَقِّقَ نَصَّ الطَّحَاوِيِّ وَيُزِيلَ عَنْهُ الْإِيهَامَ. فَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ يَرْتَكِبُ الْكَبَائِرَ (كَالزِّنَا وَعُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ) وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِتَحْرِيمِهَا فَهُوَ مُسْلِمٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، وَلَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِذَلِكَ. أَمَّا "الِاسْتِحْلَالُ" فَهُوَ مَنَاطُ الْكُفْرِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيبَ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي التَّحْرِيمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ. وَيُبَيِّنُ ابْنُ بَازٍ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَاطِبَةً. وَقَدْ ضَرَبَ أَمْثِلَةً لِلذُّنُوبِ الْعَمَلِيَّةِ لِيُوَضِّحَ أَنَّ مَهْمَا عَظُمَتِ الْمَعْصِيَةُ فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْإِيمَانِ مَا لَمْ يُهْدَمْ بِاعْتِقَادِ حِلِّهَا. وَبِهَذَا التَّفْصِيلِ أَبْطَلَ الشَّيْخُ شُبْهَةَ الْخَوَارِجِ فِي زَمَانِنَا، مُعِيدًا الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَحْقِنُ الدِّمَاءَ وَيَحْفَظُ لِلتَّوْحِيدِ مَكَانَتَهُ. [4]
[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ التَّحْقِيقَ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامِ يُفْضِي إِلَى أَنَّ (الِانْفِكَاكَ بَيْنَ الذَّنْبِ وَالْمِلَّةِ) هُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ النَّجَاةِ. فَابْنُ تَيْمِيَّةَ أَصَّلَ "لِلْمُطْلَقِ"، وَابْنُ عُثَيْمِينَ حَقَّقَ "اللَّفْظَ"، وَالطَّحَاوِيُّ قَعَّدَ "الِاسْتِحْلَالَ"، وَابْنُ بَازٍ فَصَّلَ "الْأَمْثِلَةَ". وَأُؤَصِّلُ هُنَا لِقَاعِدَةِ: (كُلُّ عَمَلٍ نَصَّ الشَّارِعُ عَلَى كُفْرِهِ كَفَّرْنَا بِهِ، وَمَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ فَالْأَصْلُ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لَا تَنْقُضُ). وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَمْنَعُ مِنَ التَّسَرُّعِ فِي إِسْقَاطِ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ، وَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَتَعَامَلُ مَعَ الْعَاصِي بِقَلْبِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَبْغِي إِصْلَاحَهُ لَا بِسَيْفِ النِّقْمَةِ الَّتِي تَبْغِي إِخْرَاجَهُ. [5]
[الْحَاشِيَةُ]_______________________________________________&
[1] الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ: ص 164، ت: د. نَاصِر الْعَقْل.
[2] شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج 2، ص 142.
[3] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ (ابْنُ أَبِي الْعِزِّ): ص 332.
[4] مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ: ج 2، ص 412.
[5] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): رَبَطْتُ فِيهِ بَيْنَ أُصُولِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَتَحْقِيقَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
[6] قَاعِدَةٌ: الْإِيمَانُ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ إِجْمَاعاً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
[7] ضَابِطٌ: الِاسْتِحْلَالُ الَّذِي يُكَفَّرُ بِهِ هُوَ اعْتِقَادُ حِلِّ مَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ بِالضَّرُورَةِ.
[8] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "مُطْلَقُ الشَّيْءِ" يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ جُزْءٍ مِنْ مَادَّتِهِ.
[9] الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ السُّنَّةِ: الْخَوَارِجُ يُكَفِّرُونَ بِالْعَمَلِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ بِجُحُودِ الْأَصْلِ.
[10] تَنْبِيهٌ: قَوْلُ ابْنِ عُثَيْمِينَ "مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَكُونُ كُفْرًا" كَسَبِّ اللهِ وَالرَّسُولِ.
[11] تَوْثِيقُ لَفْظِ "أَهْلُ الْقِبْلَةِ": هُمُ الْمُتَّبِعُونَ لِمِلَّةِ الْإِسْلَامِ دُونَ الْغُلَاةِ.
[12] الْمُرَادُ بِالْمُكَذِّبِ: مَنْ رَدَّ نَصًّا قَطْعِيًّا مِنْ كِتَابِ اللهِ.
[13] قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الشَّيْءُ الْمُطْلَقُ لَا يَنْطَبِقُ إِلَّا عَلَى الْكَامِلِ مِنْ صِنْفِهِ.
[14] فَائِدَةٌ: الْكَبَائِرُ دُونَ الشِّرْكِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ بِنَصِّ سُورَةِ النِّسَاءِ.
[15] ضَابِطٌ: لَا يُشْتَرَطُ الِاسْتِحْلَالُ فِي الْمُكِفِّرَاتِ الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ الصَّرِيحَةِ.
[16] تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ بَازٍ: انْظُرْ "تَعْلِيقَاتُ الشَّيْخِ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ"، ص 18.
[17] مَعْنَى الْعُقُوقِ: هُوَ كُلُّ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدَانِ مِمَّا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ لِلَّهِ.
[18] قَاعِدَةٌ: التَّكْفِيرُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ.
[19] فَائِدَةٌ: أَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ "الْوَسَطُ" بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ.
[20] الْمَقْصُودُ بِالْإِخْرَاجِ عَنِ الدِّينِ: هُوَ انْتِفَاءُ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ لِوُجُودِ النَّاقِضِ.
[21] تَعْرِيفُ الْمَعْصِيَةِ: هِيَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ فِعْلاً أَوْ تَرْكاً.
[22] ضَابِطٌ: لَا تَلَازُمَ بَيْنَ عِظَمِ الذَّنْبِ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمِلَّةِ.
[23] فَائِدَةٌ: الطَّحَاوِيُّ يُعَبِّرُ عَنْ عَقِيدَةِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَأَتْبَاعِهِمْ.
[24] تَوْثِيقُ لَفْظِ "الْمُسْلِمِ الْمُوَحِّدِ": هُوَ مَنْ حَقَّقَ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ.
[25] خَاتِمَةُ الْحَاشِيَةِ: جَمِيعُ هَذِهِ النُّقُولِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ الْمُقِرِّ بِالتَّحْرِيمِ.
________________________________________________________(50)
(الْمُتَمِّمَةُ الثَّامِنَةُ: مَبْحَثُ الِاسْتِحْلَالِ وَفُرُوقِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ) - [ص (51)]
[أَوَّلاً: تَعْرِيفُ الِاسْتِحْلَالِ وَأَقْسَامُهُ]
الِاسْتِحْلَالُ فِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ هُوَ: "رَفْعُ الْحُرْمَةِ عَمَّا حَرَّمَهُ اللهُ وَصَيْرُورَتُهُ حَلَالاً فِي مُعْتَقَدِ الْعَبْدِ". وَيَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى قِسْمَيْنِ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ كَبِيرٌ:
(1) الِاسْتِحْلَالُ الِاعْتِقَادِيُّ (الْقَلْبِيُّ): وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ بِجَنَانِهِ أَنَّ مَا حَرَّمَهُ اللهُ حَلَالٌ، وَهَذَا النَّوْعُ كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ عَنِ الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ تَكْذِيباً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، سَوَاءٌ وَقَعَ الْعَبْدُ فِي الْفِعْلِ أَوْ لَمْ يَقَعْ، لِأَنَّ الْمَنَاطَ هُنَا هُوَ "الِاعْتِقَادُ". (انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (522)) (1).
(2) الِاسْتِحْلَالُ الْعَمَلِيُّ (الْإِصْرَارُ): وَهُوَ مُدَاوَمَةُ الْعَبْدِ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ إِقْرَارِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَهَذَا لَا يُسَمَّى اسْتِحْلَالاً مُكَفِّراً، بَلْ هُوَ "فِسْقٌ" وَ"نَقْصٌ" فِي الْإِيمَانِ، لِأَنَّ أَصْلَ الِانْقِيَادِ الْقَلْبِيِّ لِلتَّحْرِيمِ لَا يَزَالُ بَاقِياً. (انْظُرْ: شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (334)) (2).
[ثَانِيًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِحْلَالِ وَتَكْرَارِ الذَّنْبِ (الْإِصْرَارِ)]
إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا جَوْهَرِيٌّ؛ فَالْمُسْتَحِلُّ نَازَعَ اللهَ فِي حَقِّ "التَّشْرِيعِ"، فَهَدَمَ بِيَقِينِهِ أَصْلَ الشَّهَادَةِ، بَيْنَمَا الْمُكَرِّرُ لِلذَّنْبِ هُوَ عَبْدٌ غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ مَعَ انْكِسَارِ قَلْبِهِ لِلَّهِ بِأَنَّهُ عَاصٍ. فَالِاسْتِحْلَالُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ مَحْضٌ، أَمَّا التَّكْرَارُ فَهُوَ عَمَلُ جَوَارِحٍ نَاتِجٌ عَنْ ضَعْفٍ بَشَرِيٍّ. وَلِذَلِكَ لَا يُكَفَّرُ مَنْ زَنَى مِائَةَ مَرَّةٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ، بَيْنَمَا يَكْفُرُ مَنْ لَمْ يَزْنِ قَطُّ لَكِنَّهُ قَالَ: "الزِّنَا حَلَالٌ". (انْظُرْ: تَعْلِيقَاتُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ، ص (18)) (3).
[ثَالِثًا: الْفَرْقُ بَيْنَ النَّاقِضِ وَالنَّاقِصِ]
(1) النَّاقِضُ: هُوَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ يَهْدِمُ "أَصْلَ الْإِيمَانِ" مِنْ جُذُورِهِ، كَالشِّرْكِ وَالِاسْتِحْلَالِ، وَحُكْمُهُ الْخُرُوجُ مِنَ الدِّينِ. (انْظُرْ: نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ص (5)) (4).
(2) النَّاقِصُ: هُوَ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي تَهْدِمُ "كَمَالَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ" لَكِنَّهَا تَتْرُكُ "أَصْلَهُ" ثَابِتاً، كَالْكَبَائِرِ الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ وَالِاسْتِحْلَالِ، وَحُكْمُ صَاحِبِهَا أَنَّهُ مُسْلِمٌ عَاصٍ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ. (انْظُرْ: شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (2)، ص (142)) (5).
[رَابِعًا: تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ الْعَقَدِيُّ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ مَنَاطَ التَّفْرِيقِ هُنَا يَعُودُ إِلَى "أَعْمَالِ الْقُلُوبِ"؛ فَإِنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْعَمَلُ الَّذِي هُوَ "شَرْطُ صِحَّةٍ" لَا يَزُولُ إِلَّا بِمَا يُنَاقِضُهُ يَقِيناً. فَالِاسْتِحْلَالُ يُنَاقِضُ "الِانْقِيَادَ" وَ"التَّصْدِيقَ"، بَيْنَمَا التَّكْرَارُ لَا يُنَاقِضُ إِلَّا "الْكَمَالَ". وَبِهَذَا نَرُدُّ عَلَى الْغُلَاةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ دَلِيلاً قَطْعِيّاً عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، وَهَذَا خَطَأٌ مَحْضٌ، فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ بَقَاءُ إِيمَانِهِ حَتَّى يَنْطِقَ بِمَا يُوجِبُ كُفْرَهُ أَوْ يَعْتَقِدَهُ. (انْظُرْ: الشَّفَاعَةُ لِمُقْبِلِ بْنِ هَادِي الْوَادِعِيِّ، ص (112)) (6).
[الْحَاشِيَةُ ]_________________________________________&
(1) مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى: ج (7)، ص (522)، ط. مَطَابِعِ الرِّيَاضِ.
(2) شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ: ص (334)، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ.
(3) تَعْلِيقَاتُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ: ص (18)، ط. دَارِ ابْنِ حَزْمٍ.
(4) نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ: ص (5)، ضِمْنَ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ، ط. جَامِعَةِ الْإِمَامِ.
(5) شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج (2)، ص (142)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(6) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الِاسْتِحْلَالُ هُوَ رُكْنُ الْكُفْرِ فِي الذُّنُوبِ الَّتِي لَيْسَتْ كُفْراً فِي ذَاتِهَا.
(7) ضَابِطٌ: "الِاسْتِمْرَارُ" عَلَى الذَّنْبِ لَيْسَ دَلِيلاً عَلَى "الِاسْتِحْلَالِ" الِاعْتِقَادِيِّ.
(8) [8] فَائِدَةٌ: مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جُحُوداً كَفَرَ، وَمَنْ تَرَكَهَا كَسَلاً فَفِيهِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ.
(9) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الْأَصْلُ فِي الْمُحَرَّمَاتِ التَّحْرِيمُ، وَالِاسْتِحْلَالُ قَدْ يَكُونُ لُغَوِيّاً لَا عَقَدِيّاً.
(10) تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (115) فِي فَضْلِ التَّوْحِيدِ.
(11) ضَابِطٌ: الِاسْتِحْلَالُ الَّذِي يُكَفَّرُ بِهِ هُوَ مَا كَانَ فِي مُحَرَّمٍ مَجْمَعٍ عَلَيْهِ.
(12) فَائِدَةٌ: الْخَوَارِجُ يُسَمُّونَ "الْمُصِرَّ" عَلَى الْكَبِيرَةِ مُسْتَحِلاً لِيُبِيحُوا دَمَهُ.
(13) قَاعِدَةٌ: نُصُوصُ الْوَعِيدِ تُفْهَمُ فِي ضَوْءِ نُصُوصِ الْمَغْفِرَةِ وَالْمَشِيئَةِ.
(14) تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (334) فِي مَرَاتِبِ الذُّنُوبِ.
(15) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "مُطْلَقُ الْمَعْصِيَةِ" لَا يَسْلِبُ اسْمَ الْإِيمَانِ، بَلْ يَسْلِبُ كَمَالَهُ.
(16)فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الْفَرْقُ بَيْنَ (الْحَلَالِ) وَ(الِاسْتِحْلَالِ) أَنَّ الثَّانِيَ فِعْلُ الْمُكَلَّفِ.
(17) قَاعِدَةٌ: الِاعْتِقَادُ الْبَاطِنُ هُوَ مَنَاطُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي الْآخِرَةِ.
(18) تَوْثِيقٌ: "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ"، ج (2)، ص (412) فِي شُرُوطِ التَّكْفِيرِ.
(19) ضَابِطٌ: كُلُّ مُكَفِّرٍ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ بُلُوغِ الْحُجَّةِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ.
(20) فَائِدَةٌ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ رَحْمَةٌ بِالْعُصَاةِ وَشِدَّةٌ عَلَى أَهْلِ الِاسْتِحْلَالِ.
(21) قَاعِدَةٌ: الذُّنُوبُ كُلُّهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ إِلَّا الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ.
(22) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (12)، ص (276) فِي الرِّدَّةِ بِالِاسْتِحْلَالِ.
(23) ضَابِطٌ: لَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ الْعَمَلِيِّ وُجُودُ الِاسْتِحْلَالِ الْقَلْبِيِّ.
(24) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: خَوْفُ السَّلَفِ مِنَ النِّفَاقِ الْعَمَلِيِّ كَانَ يُثَبِّتُ إِيمَانَهُمْ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ أُصُولِ النَّقْلِ وَقَوَاعِدِ الْعَقْلِ الصَّرِيحِ.
_________________________________________________________(51 )
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ وَرَائِهَا التَّوْبَةُ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ الْغَرْغَرَةَ) - [ص (52)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْفَقْرَةِ الْعَاشِرَةِ وَأَدِلَّتُهَا]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ رِيحَان: «الْعَاشِرَةُ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ وَرَائِهَا التَّوْبَةُ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ الْغَرْغَرَةَ». (1).
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]. (2).
الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 17-18]. (3).
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ: 1899). (4).
[ثَانِيًا: بَيَانُ الْمُفْرَدَاتِ وَاللَّطَائِفِ التَّفْسِيرِيَّةِ]
(1) {أَسْرَفُوا}: الْإِسْرَافُ هُوَ التَّجَاوُزُ لِلْحَدِّ بِالْمَعَاصِي وَالْخُرُوجُ عَنِ الِاعْتِدَالِ. (انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ، ج (7)، ص (123)) (5).
(2) {بِجَهَالَةٍ}: أَيْ بِسَفَهٍ وَتَقْدِيمٍ لِلْهَوَى، فَكُلُّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِحَقِّهِ سُبْحَانَهُ. (انْظُرْ: جَامِعُ الْبَيَانِ لِلطَّبَرِيِّ، ج (8)، ص (89)) (6).
(3) {يُغَرْغِرُ}: وُصُولُ الرُّوحِ إِلَى الْحَنْجَرَةِ، وَهِيَ اللَّحْظَةُ الَّتِي تَنْقَطِعُ فِيهَا التَّوْبَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ. (انْظُرْ: فَتْحُ الْبَارِي لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (154)) (7).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الْفَقْرَةَ تُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ (سَعَةِ الرَّحْمَةِ بَيْنَ الرَّجَاءِ وَالتَّوْقِيتِ). فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَحْجُرُونَ وَاسِعاً، بَلْ يَفْتَحُونَ بَابَ التَّوْبَةِ لِأَعْظَمِ الْمُسْرِفِينَ، شَرِيطَةَ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ "الْمُعَايَنَةِ". وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ قَنَّطُوا الْعُصَاةَ، وَعَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ أَمَّنُوهُمْ دُونَ شَرْطِ التَّوْبَةِ الزَّمَانِيِّ. فَالْمُؤْمِنُ يُبَادِرُ بِالْإِنَابَةِ قَبْلَ نَزْعِ الرُّوحِ، لِيَحُوزَ مَغْفِرَةَ "الذُّنُوبِ جَمِيعاً". (انْظُرْ: شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (2)، ص (190)) (8).
[الْحَاشِيَةُ ]_____________________________________&
(1) الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ (رِيحَان): ص (52).
(2) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ج (7)، ص (106)، ط. طَيْبَةَ.
(3) تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: ج (2)، ص (192)، ط. طَيْبَةَ.
(4) سُنَنُ التِّرْمِذِيُّ: رَقْمُ (3537)، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
(5) جَامِعُ الْبَيَانِ (الطَّبَرِيُّ): ج (8)، ص (89)، ط. هَجْرٍ.
(6) صَحِيحُ الْجَامِعِ (الْأَلْبَانِيُّ): رَقْمُ (1899).
(7) قَاعِدَةٌ: التَّوْبَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَلَوْ كَانَتْ كُفْراً أَكْبَرَ.
(8) ضَابِطٌ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يُسَوِّفُ التَّوْبَةَ لَقِيَ اللهَ بِمَعَاصِيهِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
(9) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: آيَةُ الزُّمَرِ نَزَلَتْ فِي التَّائِبِينَ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
(10) تَوْثِيقٌ: "مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ"، ج (2)، ص (132).
(11) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الْعِبْرَةُ فِي التَّوْبَةِ بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالِاضْطِرَارِ عِنْدَ النَّزْعِ.
(12) فَائِدَةٌ: الْقُنُوطُ كَبِيرَةٌ لِأَنَّهُ سُوءُ ظَنٍّ بِسَعَةِ رَحْمَةِ اللهِ.
(13) ضَابِطٌ: شُرُوطُ التَّوْبَةِ: النَّدَمُ، الْإِقْلَاعُ، وَالْعَزْمُ عَلَى عَدَمِ الْعَوْدَةِ.
(14) تَوْثِيقٌ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِأَبْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (198).
(15) قَاعِدَةٌ: كُلُّ ذَنْبٍ يُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ، حَتَّى الشِّرْكِ.
(16) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "مِنْ قَرِيبٍ" أَيْ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ وَإِنْ طَالَ الْعُمُرُ.
(17) ضَابِطٌ: تَوْبَةُ "الْيَأْسِ" كَتَوْبَةِ فِرْعَوْنَ، لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا.
(18) قَاعِدَةٌ: اللهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ تَفَضُّلاً وَكَرَماً مِنْهُ.
(19) فَائِدَةٌ: الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ حُضُورِ الْمَوْتِ يَقْطَعُ رَجَاءَ التَّوْبَةِ.
(20) تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ"، ص (726).
(21) ضَابِطٌ: إِذَا كَانَ الذَّنْبُ فِيهِ مَظْلَمَةٌ لِلْخَلْقِ، فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا.
(22) قَاعِدَةٌ: مَنْ تَرَكَ التَّوْبَةَ حَتَّى غَرْغَرَ، فَتَوْبَتُهُ تَوْبَةُ اضْطِرَارٍ لَا تُقْبَلُ.
(23) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الْمُسَارَعَةُ لِالتَّوْبَةِ مِنْ أَكْمَلِ أَخْلَاقِ الْمُتَّقِينَ.
(24) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (334).
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ عِظَمِ الرَّحْمَةِ وَخَطَرِ التَّسْوِيفِ
_______________________________________________________ ( 52 )
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّ الْمَعَاصِيَ مِنْ وَرَائِهَا التَّوْبَةُ مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ الْغَرْغَرَةَ) - [ص (52)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْآيَةِ الْأُولَى وَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِهَا]
النَّصُّ: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: اسْتَشْهَدَ الشَّيْخُ بِهَا لِإِثْبَاتِ أَنَّ "الْإِسْرَافَ" فِي الْمَعَاصِي (وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ) لَيْسَ مَانِعاً مِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ، وَأَنَّ لَفْظَ {جَمِيعًا} نَصٌّ قَاطِعٌ فِي أَنَّ كُلَّ مَعْصِيَةٍ دُونَ الشِّرْكِ -بَلْ وَالشِّرْكُ نَفْسُهُ إِذَا تَعَقَّبَتْهُ التَّوْبَةُ- دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمَغْفِرَةِ.
التَّأْصِيلُ التَّفْسِيرِيُّ لِلِاسْتِشْهَادِ: يُؤَصِّلُ الْمُفَسِّرُونَ هُنَا أَنَّ نِدَاءَ اللهِ لِلْمُسْرِفِينَ بِـ {يَا عِبَادِيَ} هُوَ تَأْلِيفٌ لِلْقُلُوبِ لِئَلَّا تَنْقَطِعَ عَنِ الرَّجَاءِ. فَالِاسْتِشْهَادُ يَقُومُ عَلَى "عُمُومِ الْمَغْفِرَةِ لِلتَّائِبِينَ"، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ لَا تَوْبَةَ لَهُ أَوْ أَنَّ مَعْصِيَتَهُ أَخْرَجَتْهُ مِنَ الدَّائِرَةِ. (انْظُرْ: تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ، ج (7)، ص (106)، ط. طَيْبَةَ) (1).
[ثَانِيًا: نَصُّ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ وَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِهَا]
النَّصُّ: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ... وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ} [النساء: 17-18].
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: اسْتَشْهَدَ الشَّيْخُ بِهَا لِتَحْدِيدِ "الْمِيقَاتِ الزَّمَانِيِّ" لِلرَّحْمَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي آيَةِ الزُّمَرِ؛ فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ هُنَا أَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ (مِنْ قَرِيبٍ)، لَكِنَّهَا تَرْتَفِعُ وَتَبْطُلُ إِذَا "حَضَرَ الْمَوْتُ" وَوَقَعَتِ الْمُعَايَنَةُ.
التَّأْصِيلُ التَّفْسِيرِيُّ لِلِاسْتِشْهَادِ: يَقُومُ التَّأْصِيلُ هُنَا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ "تَوْبَةِ الِاخْتِيَارِ" وَ"تَوْبَةِ الِاضْطِرَارِ"؛ فَقَوْلُهُ {بِجَهَالَةٍ} يُفَسَّرُ عَقَدِيّاً بِأَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى فَهُوَ جَاهِلٌ، وَ{مِنْ قَرِيبٍ} تَعْنِي قَبْلَ مَوْتِهِ. فَالِاسْتِشْهَادُ حَصَرَ قَبُولَ الْمَعَاصِي بِقَيْدِ الْأَجَلِ، وَهُوَ مَا يُوَافِقُ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَنَّ بَابَ الْعَمَلِ يَنْغَلِقُ بِرُؤْيَةِ الْمَلَكِ. (انْظُرْ: جَامِعُ الْبَيَانِ لِلطَّبَرِيِّ، ج (8)، ص (89)، ط. هَجْرٍ) (2).
[ثَالِثًا: نَصُّ الْحَدِيثِ وَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ]
النَّصُّ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ».
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ: جَاءَ الْحَدِيثُ كَمُفَسِّرٍ نَبَوِيٍّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ}؛ فَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ هُنَا هُوَ "التَّحْدِيدُ الدَّقِيقُ" لِلَحْظَةِ انْقِطَاعِ التَّوْبَةِ، وَهِيَ (الْغَرْغَرَةُ)، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ مَا قَبْلَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ مَهْمَا ثَقُلَتِ الْمَعَاصِي فَهُوَ قَابِلٌ لِلْمَحْوِ.
التَّأْصِيلُ التَّفْسِيرِيُّ لِلِاسْتِشْهَادِ: يُؤَصَّلُ لِهَذَا الِاسْتِشْهَادِ بِأَنَّ بَقَاءَ الرُّوحِ فِي الْجَسَدِ دُونَ بُلُوغِهَا الْحُلْقُومَ يَعْنِي بَقَاءَ "التَّكْلِيفِ"، فَإِذَا بَلَغَتْهَا انْتَقَلَ الْعَبْدُ مِنْ عَالَمِ الْغَيْبِ إِلَى عَالَمِ الشَّهَادَةِ، فَلَا يَنْفَعُهُ قَوْلُهُ {تُبْتُ الْآنَ}. (انْظُرْ: شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ لِلْوَاسِطِيَّةِ، ج (2)، ص (190)) (3).
[ الْحَاشِيَةُ]__________________________________________&
(1) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ج (7)، ص (106)، ط. دَارِ طَيْبَةَ (الثَّانِيَةُ).
(2) جَامِعُ الْبَيَانِ (الطَّبَرِيُّ): ج (8)، ص (89)، ط. دَارِ هَجْرٍ (الْأُولَى).
(3) شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ): ج (2)، ص (190)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(4) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ): رَقْمُ (3537)، ط. دَارِ التَّأْصِيلِ.
(5) مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: ج (2)، ص (132)، ط. مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ.
(6) صَحِيحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (الْأَلْبَانِيُّ): رَقْمُ (1899)، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ.
(7) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: آيَةُ الزُّمَرِ تُبْطِلُ مَذْهَبَ الْقَانِطِينَ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ.
(8) ضَابِطٌ: "مِنْ قَرِيبٍ" تَعْنِي مَا كَانَ قَبْلَ السَّكَرَاتِ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ الزَّمَنِيَّةُ.
(9) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: {جَمِيعًا} تَوْكِيدٌ يَنْفِي خُرُوجَ أَيِّ ذَنْبٍ مِنَ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ.
(10) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: بَيَانُ السُّّنَّةِ لِلْقُرْآنِ قَدْ يَكُونُ بِتَحْدِيدِ الْمِقْدَارِ أَوْ بَيَانِ الْوَقْتِ.
(11) تَوْثِيقٌ: "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ" لِلْبَغَوِيِّ، ج (7)، ص (123)، ط. طَيْبَةَ.
(12) ضَابِطٌ: التَّوْبَةُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ لَا تَصِحُّ لِفَوَاتِ مَقْصُودِ الِابْتِلَاءِ.
(13) فَائِدَةٌ: السَّلَفُ أَجْمَعُوا أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ لَهُ تَوْبَةٌ حَتَّى الشِّرْكَ وَالْقَتْلَ.
(14) قَاعِدَةٌ: مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا قَبِلَ اللهُ تَوْبَتَهُ.
(15) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ عُمُومِ الرَّجَاءِ فِي الزُّمَرِ وَضَبْطِ الْآجَالِ فِي النِّسَاءِ وَالسُّّنَّةِ.
__________________________________________________________( 53 )
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: تَفْسِيرُ أَدِلَّةِ بَابِ التَّوْبَةِ وَسَعَةِ الرَّحْمَةِ) - [ص (52)]
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا...}]
(1) تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
يُبَيِّنُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَقْوَامٍ أَصَابُوا الذُّنُوبَ الْعِظَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا أَرَادُوا الْإِسْلَامَ خَافُوا أَنْ لَا يُغْفَرَ لَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْبُشْرَى. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَهُ {أَسْرَفُوا} يَعْنِي جَاوَزُوا الْحَدَّ، وَأَنَّ قَوْلَهُ {جَمِيعًا} هُوَ نَصٌّ فِي مَحْوِ الشِّرْكِ وَمَا دُونَهُ بِالتَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ، فَلَا يَجُوزُ لِعَبْدٍ أَنْ يَيْأَسَ مَهْمَا كَبُرَ ذَنْبُهُ. [انْظُرْ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ، ج (7)، ص (123)] (1).
(2) تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ فِي "تَفْسِيرِهِ" لِقَاعِدَةٍ عَقَدِيَّةٍ مُهِمَّةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ فِي "التَّائِبِينَ" حَصْراً، لِأَنَّ اللهَ قَالَ فِيهَا {جَمِيعًا} دُونَ قَيْدِ الْمَشِيئَةِ، بِخِلَافِ آيَةِ النِّسَاءِ {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}. وَيُبَيِّنُ أَنَّ نِدَاءَ اللهِ لَهُمْ بِـ {يَا عِبَادِيَ} هُوَ أَعْظَمُ لَطَفٍ بِالْعُصَاةِ، وَأَنَّ مَنْ قَنَّطَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ فَقَدْ نَاقَضَ هَذَا النَّصَّ الْقَطْعِيَّ. [انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ - سُورَةُ الزُّمَرِ، ص (235)] (2).
[ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الدَّلِيلِ الثَّانِي {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ...}]
(3) تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
يُوَضِّحُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ {بِجَهَالَةٍ} تَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَنْ عَصَى اللهَ فَهُوَ جَاهِلٌ بِعِظَمِ مَنْ يَعْصِيهِ، وَإِنْ كَانَ عَالِماً بِالتَّحْرِيمِ. وَيُفَسِّرُ {مِنْ قَرِيبٍ} بِأَنَّهُ مَا كَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ، فَمَا دَامَ الْإِنْسَانُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ قَبْلَ غَرْغَرَتِهِ فَهِيَ تَوْبَةٌ "مِنْ قَرِيبٍ". [انْظُرْ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ، ج (2)، ص (192)] (3).
(4) تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُفَصِّلُ الشَّيْخُ فِي مَعْنَى {عَلَى اللَّهِ} بِأَنَّهُ إِيجَابُ فَضْلٍ وَكَرَمٍ أَوْجَبَهُ اللهُ عَلَى نَفْسِهِ، لَا أَنَّ الْعَبْدَ يُوجِبُ عَلَيْهِ شَيْئاً. وَيَسْتَخْرِجُ مِنْ آيَةِ {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ...} أَنَّ تَوْبَةَ "الْإِلْجَاءِ" (عِنْدَ حُضُورِ الْمَوْتِ) لَا تَنْفَعُ، لِأَنَّ الِاخْتِبَارَ يَقَعُ عَلَى الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ، فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ شَهَادَةً بَطَلَ الِاضْطِرَارُ. [انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، ج (2)، ص (190)] (4).
[ الْحَاشِيَةُ]____________________________________&
(1) [1] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): ج (7)، ص (123)، ط. دَارِ طَيْبَةَ (الثَّانِيَةُ).
(2) [2] تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ): سُورَةُ الزُّمَرِ، ص (235)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(3) [3] مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): ج (2)، ص (192)، ط. دَارِ طَيْبَةَ (الثَّانِيَةُ).
(4) [4] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ (ابْنِ عُثَيْمِينَ): ج (2)، ص (190)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(5) [5] فَائِدَةٌ: التَّوْبَةُ لَا تَتَقَيَّدُ بِذَنْبٍ دُونَ ذَنْبٍ بَلْ تَعُمُّ الْجَمِيعَ.
(6) [6] قَاعِدَةٌ: كُلُّ عَاصٍ جَاهِلٌ، لِأَنَّهُ آثَرَ اللَّذَّةَ الْفَانِيَةَ عَلَى النَّعِيمِ الْبَاقِي.
(7) [7] ضَابِطٌ: "الْإِسْرَافُ" لَا يَقْطَعُ حَبْلَ الرَّجَاءِ مَعَ اللهِ تَعَالَى.
(8) [8] فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْبَةِ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ قَطْعاً بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
(9) [9] تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "جَامِعُ الْبَيَانِ" لِلطَّبَرِيِّ فِي رَدِّهِ عَلَى مَنْ ضَيَّقَ الرَّحْمَةَ.
(10) [10] قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: {جَمِيعًا} تَوْكِيدٌ يُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ لِكُلِّ أَنْوَاعِ الذُّنُوبِ.
(11) [11] فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "مِنْ قَرِيبٍ" تَعْنِي قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَإِنْ طَالَتِ الْأَعْمَارُ.
(12) [12] ضَابِطٌ: الْقُنُوطُ مِنَ الرَّحْمَةِ أَعْظَمُ جُرْماً مِنْ جِنْسِ الْمَعْصِيَةِ.
(13) [13] تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ"، ج (7)، ص (106) فِي شَرْحِ آيَةِ الزُّمَرِ.
(14) [14] قَاعِدَةٌ: التَّوْبَةُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ لَا تَنْفَعُ (تَوْبَةُ فِرْعَوْنَ).
(15) [15] فَائِدَةٌ: اللهُ نَادَى الْعُصَاةَ بِـ {عِبَادِيَ} لِيُشْعِرَهُمْ بِبَقَاءِ حَقِّ الِانْتِمَاءِ.
(16) [16] ضَابِطٌ: تَوْبَةُ مَنْ يَتُوبُ وَهُوَ كَافِرٌ لَا قِيمَةَ لَهَا بَعْدَ مُعَايَنَةِ الْبَأْسِ.
(17) [17] تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ"، ص (726) فِي بَيَانِ سَعَةِ الْمَغْفِرَةِ.
(18) [18] قَاعِدَةٌ: إِذَا كَانَ الذَّنْبُ لِلْخَلْقِ فَالتَّوْبَةُ مَعْلُوقَةٌ بِرَدِّ الْمَظَالِمِ.
(19) [19] فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الْمُسَارَعَةُ فِي التَّوْبَةِ مَنْجَاةٌ مِنْ مَبَاغَتَةِ الْأَجَلِ.
(20) [20] ضَابِطٌ: التَّسْوِيفُ فِي التَّوْبَةِ يُورِثُ قَسْوَةَ الْقَلْبِ وَطُولَ الْأَمَلِ.
(21) [21] قَاعِدَةٌ: اللهُ يَغْفِرُ الشِّرْكَ لِمَنْ تَابَ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِ.
(22) [22] تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (334).
(23) [23] فَائِدَةٌ: شَرْطُ الصِّدْقِ فِي التَّوْبَةِ هُوَ النَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى.
(24) [24] ضَابِطٌ: التَّوْبَةُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لَا تُقْبَلُ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ الْبَغَوِيِّ وَتَقْعِيدِ ابْنِ عُثَيْمِينَ.
___________________________________________________( 54)
(الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: التَّتِمَّةُ الثَّالِثَةُ - حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي أَجَلِ التَّوْبَةِ) - [ص (54)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ الثَّالِثِ]
عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ». [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (3537)، وَأَحْمَدُ (6160)]. (1).
[ثَانِيًا: نُصُوصُ الشُّرَّاحِ حَوْلَ الْحَدِيثِ]
(1) قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
قَالَ فِي "جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ": «وَمَعْنَى (مَا لَمْ يُغَرْغِرْ): مَا لَمْ تَبْلُغْ رُوحُهُ حُلْقُومَهُ، وَيُشْرِفْ عَلَى الْمَوْتِ، وَيُعَايِنْ مَلَكَ الْمَوْتِ وَمَا بَعْدَهُ؛ فَإِذَا عَايَنَ ذَلِكَ فَاتَ وَقْتُ التَّوْبَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ}». [انْظُرْ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ج (2)، ص (412)]. (2).
(2) قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
قَالَ فِي "شَرْحِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ": «يَعْنِي مَا لَمْ تَبْلُغِ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ؛ فَإِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ فَلَا تَوْبَةَ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ حِينَئِذٍ تَكُونُ عَنْ اضْطِرَارٍ لَا عَنْ اخْتِيَارٍ، فَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ مُرْتَحِلاً عَنْ الدُّنْيَا، فَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ: تُبْتُ، لِأَنَّهُ صَارَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً أَمَامَ عَيْنِهِ». [انْظُرْ: شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، ج (1)، ص (88)]. (3).
(3) قَوْلُ الْمُحَدِّثِ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ:
قَالَ فِي "سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ": «وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِلْعَبْدِ مَا دَامَ فِي قَيْدِ الْحَيَاةِ قَبْلَ وُصُولِ الرُّوحِ إِلَى الْحُلْقُومِ، فَمَنِ اسْتَغْفَرَ وَأَنَابَ قَبْلَ ذَلِكَ قَبِلَ اللهُ مِنْهُ، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَرَحْمَتِهَا بِالْعُصَاةِ». [انْظُرْ: صَحِيحُ الْجَامِعِ، رَقْمُ (1899)]. (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَدُّ "الْمِيزَانَ الزَّمَانِيَّ" لِقَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ حَيْثُ يُفَرِّقُ بَيْنَ حَالِ "الْغَيْبِ" الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ الْإِيمَانُ، وَحَالِ "الشَّهَادَةِ" (عِنْدَ الْغَرْغَرَةِ) الَّتِي يَبْطُلُ فِيهَا الِاخْتِيَارُ. فَمَنْ نَدِمَ وَأَنَابَ وَرُوحُهُ بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَبِلَ اللهُ مِنْهُ، أَمَّا مَنْ سَوَّفَ حَتَّى بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ فَقَدْ فَاتَهُ الرَّكْبُ لِانْقِطَاعِ زَمَنِ الِابْتِلَاءِ، وَهَذَا يَحْمِلُ الْمُؤْمِنَ عَلَى دَوَامِ الِاسْتِغْفَارِ حَذَراً مِنْ مَبَاغَتَةِ الْأَجَلِ.
[الْحَاشِيَةُ]----------------------------------&
(1) سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ): رَقْمُ (3537)، ط. دَارِ التَّأْصِيلِ.
(2) جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ (ابْنُ رَجَبٍ): ج (2)، ص (412)، ط. مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ.
(3) شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج (1)، ص (88)، ط. دَارِ الْوَطَنِ.
(4) صَحِيحُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (الْأَلْبَانِيُّ): رَقْمُ (1899)، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ.
(5) فَائِدَةٌ: "الْغَرْغَرَةُ" هِيَ تَرَدُّدُ الرُّوحِ فِي الْحَلْقِ عِنْدَ خُرُوجِهَا.
(6) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: التَّوْبَةُ صَحِيحَةٌ مَا دَامَ الْمُكَلَّفُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ.
(7) ضَابِطٌ: إِذَا عَايَنَ الْعَبْدُ مَلَكَ الْمَوْتِ انْسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ لِفَوَاتِ "الْغَيْبِ".
(8) تَوْثِيقٌ: "مُسْنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ"، ج (10)، ص (332)، ط. الرِّسَالَةِ.
(9) فَائِدَةٌ: تَوْبَةُ فِرْعَوْنَ كَانَتْ بَعْدَ فِوَاتِ الْأَوَانِ فَلَمْ تَنْفَعْهُ.
(10) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ الْغَايَةَ الزَّمَانِيَّةَ لِقَبُولِ الْعَمَلِ.
(11) ضَابِطٌ: مَنْ تَابَ قَبْلَ الْغَرْغَرَةِ بِقَلِيلٍ فَتَوْبَتُهُ مَقْبُولَةٌ يَقِيناً.
(12) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي {مَا لَمْ يُغَرْغِرْ} يُفِيدُ الِانْتِهَاءَ.
(13) تَوْثِيقٌ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (11)، ص (103)، ط. دَارِ السَّلَامِ.
(14) قَاعِدَةٌ: لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ فِي حُكْمِ الْغَرْغَرَةِ.
(15) ضَابِطٌ: مَنْ تَرَكَ التَّوْبَةَ تَسْوِيفاً فَهُوَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ.
(16) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ هِيَ الَّتِي تَمْحُو أَثَرَ الذَّنْبِ كُلِّيَّةً.
(17) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (334).
(18) قَاعِدَةٌ: بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ لِلْكَافِرِ أَيْضاً مَا لَمْ يُغَرْغِرْ.
(19) ضَابِطٌ: الرُّوحُ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ انْكَشَفَ الْغِطَاءُ عَنِ الْبَصَرِ.
(20) فَائِدَةٌ: التَّوْبَةُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لَا تُقْبَلُ عَنْ عُمُومِ الْخَلْقِ.
(21) تَوْثِيقٌ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (198).
(22) قَاعِدَةٌ: إِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ الْحُلْقُومَ فَالْإِيمَانُ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ.
(23) فَائِدَةٌ: مَنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى آخَرَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ.
(24) ضَابِطٌ: إِذَا كَانَتِ الْمَظْلَمَةُ لِلْعِبَادِ فَلَا بُدَّ مِنْ رَدِّهَا مَعَ التَّوْبَةِ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ رَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَدِقَّةِ التَّقْوِيتِ الزَّمَانِيِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(55)
(الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: حُكْمُ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ وَكُفَّارَةُ الْحُدُودِ) - [ص (55)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْفَقْرَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ وَأَدِلَّتُهَا]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ-: «الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى ذَنْبٍ -خَلَا الشِّرْكَ- وَلَوْ مُصِرًّا عَلَيْهِ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ». (1).
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ: قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]. (2).
الدَّلِيلُ الثَّانِي: عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ؛ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ». فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ. (3).
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ: قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ": «وَمَنْ لَقِيَهُ وَقَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَتُهُ؛ كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَنْ لَقِيَهُ مُصِرًّا غَيْرَ تَائِبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي قَدِ اسْتَوْجَبَ بِهَا الْعُقُوبَةَ؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ». (4).
[ثَانِيًا: مُفْرَدَاتُ الْكَلِمَاتِ وَاللَّطَائِفُ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
(1) {أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ}: الْحَدُّ لُغَةً الْمَنْعُ، وَشَرْعاً: عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِتَمْنَعَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ الذَّنْبِ.
(2) {خَلَا الشِّرْكَ}: أَيْ سِوَى الشِّرْكِ، وَالْمُرَادُ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ.
(3) {مُصِرًّا}: الْإِصْرَارُ هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ.
(4) {بُهْتَانٍ}: الْكَذِبُ الَّذِي يُبْهَتُ سَامِعُهُ، وَهُوَ رَمْيُ الْبَرِيءِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ.
(5) {تَفْتَرُونَهُ}: الِافْتِرَاءُ هُوَ اخْتِلَاقُ الْكَذِبِ وَتَزْوِيرُ الْقَوْلِ.
(6) {فَمَنْ وَفَى}: أَيْ قَامَ بِمُقْتَضَى الْبَيْعَةِ وَثَبَتَ عَلَى تَرْكِ الْمَعَاصِي.
(7) {فَعُوقِبَ}: أَيْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ الشَّرْعِيَّةُ الْمُقَدَّرَةُ مِنْ قِبَلِ الْحَاكِمِ.
(8) {كَفَّارَةٌ لَهُ}: أَيْ تَمْحُو عَنْهُ إِثْمَ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَلَا يُعَاقَبُ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ.
(9) {سَتَرَهُ اللَّهُ}: أَيْ لَمْ يُفْضَحْ فِي الدُّنْيَا وَلَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(10) {اسْتَوْجَبَ}: أَيْ صَارَ مُسْتَحِقًّا لِلْعِقَابِ بِفِعْلِ مَا يُوجِبُهُ شَرْعاً.
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ (الْعَقَدِيَّةُ وَالْأُصُولِيَّةُ)]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ"؛ فَلَا يُكَفَّرُ بِذَنْبِهِ، وَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِالنَّارِ، بَلْ هُوَ فِي قَبْضَةِ مَشِيئَةِ اللهِ.
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "الْحُدُودُ زَوَاجِرُ وَجَوَابِرُ"؛ زَوَاجِرُ تَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الْفِعْلِ، وَجَوَابِرُ تَجْبُرُ نَقْصَ الْعَبْدِ وَتَمْحُو إِثْمَهُ.
الضَّابِطُ الْجَامِعُ: كُلُّ ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ مَحَلٌّ لِلْعَفْوِ، وَكُلُّ حَدٍّ أُقِيمَ فِي الدُّنْيَا أَسْقَطَ عُقُوبَةَ الْآخِرَةِ.
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْقَوَاعِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ مُعْتَقَدِ السَّلَفِ:
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ (كُفَّارَةُ الْحُدُودِ): وَفِيهِ إِبْطَالٌ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ يُعَاقَبُ مَرَّتَيْنِ؛ بَلْ رَحْمَةُ اللهِ تَقْتَضِي أَنَّ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا طُهْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَبِهَذَا تَنْشَرِحُ صُدُورُ التَّائِبِينَ لِإِقَامَةِ شَرْعِ اللهِ.
الرُّكْنُ الثَّانِي (مَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ): حَيْثُ أَثْبَتَتِ النُّصُوصُ أَنَّ الْعَاصِيَ (الْمُصِرَّ) لَا يَخْرُجُ مِنْ دَائِرَةِ "الْمَشِيئَةِ"، وَهَذَا هُوَ "الْعَدْلُ الْإِلَهِيُّ"؛ فَاللهُ لَا يُسَوِّي بَيْنَ الْمُشْرِكِ وَالْمُوَحِّدِ الْعَاصِي فِي حِرْمَانِ الْمَغْفِرَةِ.
الْقَاعِدَةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ: "الْوَعِيدُ بِمَا دُونَ الشِّرْكِ مُعَلَّقٌ بِالْمَشِيئَةِ، وَالْوَعِيدُ بِالشِّرْكِ قَطْعِيٌّ".
[خَامِسًا: الْحَاشِيَةُ الْجَامِعَةُ (25 فَقْرَةً وَقَاعِدَةً وَتَوْثِيقاً)]
(1) الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ (رِيحَان): ص (55).
(2) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ج (2)، ص (327)، ط. طَيْبَةَ.
(3) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: رَقْمُ (18)، وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ: رَقْمُ (1709).
(4) أُصُولُ السُّنَّةِ (الْإِمَامُ أَحْمَدُ): رَقْمُ (34)، ط. دَارِ الْمَنَارِ.
(5) فَائِدَةٌ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ تُكَفِّرُ الذُّنُوبَ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ.
(6) قَاعِدَةٌ: مَنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا فَهِيَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(7) ضَابِطٌ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ هَلْ يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؟ قَوْلَانِ، وَالرَّاجِحُ دُخُولُهُ.
(8) فَائِدَةٌ: "السَّتْرُ" فِي الدُّنْيَا مَطْلُوبٌ، وَلَا يُشْرَعُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَفْضَحَ نَفْسَهُ.
(9) تَوْثِيقٌ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (64) فِي شَرْحِ حَدِيثِ الْبَيْعَةِ.
(10) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ {بَايِعُونِي} لِلْوُجُوبِ وَاللُّزُومِ.
(11) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الْوَفَاءُ" بِالْبَيْعَةِ هُوَ التَّمَامُ وَعَدَمُ النَّقْصِ.
(12) ضَابِطٌ: الْمُصِرُّ عَلَى الْكَبِيرَةِ يُسَمَّى "مُؤْمِناً بِيَمِينِهِ فَاسِقاً بِكَبِيرَتِهِ".
(13) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (312).
(14) قَاعِدَةٌ: اللهُ حَكِيمٌ؛ لَا يُعَاقِبُ مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ عَدْلاً مِنْهُ وَفَضْلاً.
(15) فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ {لِمَنْ يَشَاءُ} قَيْدٌ لِلْمَغْفِرَةِ دُونَ التَّوْبَةِ.
(16) ضَابِطٌ: بَيْعَةُ الصَّحَابَةِ شَمَلَتْ أُصُولَ الدِّينِ وَأُمَّهَاتِ الْأَخْلَاقِ.
(17) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ فِي كُفَّارَةِ الْحُدُودِ، ج (9)، ص (54).
(18) قَاعِدَةٌ: الذُّنُوبُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ تُكَفِّرُهَا الصَّلَوَاتُ وَالْمَصَائِبُ.
(19) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: إِقَامَةُ حُدُودِ اللهِ فِيهَا حَيَاةٌ لِلْمُجْتَمَعِ وَطُهْرَةٌ لِلْجَانِي.
(20) ضَابِطٌ: "الْبُهْتَانُ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ" كِنَايَةٌ عَنِ الِافْتِرَاءِ الْعَظِيمِ.
(21) تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ"، ص (182) فِي بَيَانِ مَشِيئَةِ اللهِ.
(22) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْخَوَارِجُ نَفَوْا الْمَشِيئَةَ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ.
(23) فَائِدَةٌ: الْعُقُوبَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ أَخَفُّ بِكَثِيرٍ مِنْ عُقُوبَةِ الْآخِرَةِ.
(24) ضَابِطٌ: إِذَا تَابَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ قَبْلَ مَوْتِهِ غُفِرَ لَهُ يَقِيناً.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ رَحْمَةِ الْمَشِيئَةِ وَعَدَالَةِ التَّكْفِيرِ بِالْحُدُودِ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ(56)
(الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى - أَوْجُهُ الِاسْتِدْلَالِ وَالتَّأْصِيلُ) - [ص (56)]
[أَوَّلاً: وَجْهُ اخْتِيَارِ الْعُنْوَانِ وَمَقْصِدِ الشَّيْخِ مِنْهُ]
اخْتَارَ الشَّيْخُ رِيحَان -حَفِظَهُ اللهُ- هَذَا الْعُنْوَانَ لِيَكُونَ جَامِعاً لِفَصْلِ الْخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ "الْوَعِيدِ"، حَيْثُ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ مَنْ نَالَ جَزَاءَهُ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ رَحَلَ بِذَنْبِهِ إِلَى الْآخِرَةِ. وَمَقْصِدُهُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ تَقْرِيرُ أَنَّ "الْحَدَّ" لَيْسَ نَكَالاً مَحْضاً بَلْ هُوَ "تَطْهِيرٌ" لِلْمُؤْمِنِ، وَأَنَّ "الْمَعْصِيَةَ" مَهْمَا عَظُمَتْ لَا تَنْزِعُ عَنِ الْعَبْدِ أَصْلَ الْإِيمَانِ مَا دَامَ مُوَحِّداً. فَالْعُنْوَانُ يُؤَسِّسُ لِمَبْدَأِ "الْمَشِيئَةِ" الَّذِي هُوَ وَسَطٌ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَلَا يُؤْمِنُ الْعَاصِي الْعِقَابَ مُطْلَقاً كَالْمُرْجِئَةِ، وَلَا يَيْأَسُ مِنَ الرَّحْمَةِ كَالْخَوَارِجِ، بَلْ يَبْقَى بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، مَعَ رَدِّ الْأَمْرِ كُلِّهِ لِلْمَشِيئَةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي لَا يُعْجِزُهَا ذَنْبٌ دُونَ الشِّرْكِ.
[ثَانِيًا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِآيَةِ النِّسَاءِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ...}]
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَقُومُ عَلَى "الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ"؛ فَمَنْطُوقُهَا أَنَّ الشِّرْكَ مَحْرُومٌ مِنَ الْمَغْفِرَةِ إِذَا مَاتَ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ، وَمَفْهُومُهَا أَنَّ "مَا دُونَ ذَلِكَ" (وَهُوَ كُلُّ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ) دَاخِلٌ فِي حَيِّزِ الْمَغْفِرَةِ الْمُعَلَّقَةِ بِالْمَشِيئَةِ. وَمَقْصُودُ الشَّيْخِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ اللهَ فَصَلَ بَيْنَ "جِنْسِ الشِّرْكِ" وَ"جِنْسِ الْمَعَاصِي"، فَجَعَلَ الْأَوَّلَ مَانِعاً لِلْعَفْوِ، وَالثَّانِيَ مَحَلّاً لَهُ. وَهَذَا يَنْفِي قَوْلَ الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَالشِّرْكِ فِي الْخُلُودِ، فَالْآيَةُ نَصٌّ فِي أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ نَافِذَةٌ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ فِي حَقِّ الْمُوَحِّدِينَ، وَهَذَا هُوَ الرَّدُّ الْقَاطِعُ عَلَى مَنْ ضَيَّقَ وَاسِعاً أَوْ كَفَّرَ بِالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ دُونَ الشِّرْكِ.
[ثَالِثًا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ]
يَسْتَدِلُّ الشَّيْخُ بِحَدِيثِ "الْبَيْعَةِ" لِيُؤَكِّدَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ جَعَلَ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ (الْحُدُودَ) "كَفَّارَةً" تَمْحُو الْإِثْمَ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ عُقُوبَتَيْنِ لِذَنْبٍ وَاحِدٍ. وَمَقْصُودُهُ هُنَا إِثْبَاتُ "عَدْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ" بِالتَّائِبِينَ وَالْمُقَامِ عَلَيْهِمُ الْحُدُودُ. كَمَا يَبْرُزُ الِاسْتِدْلَالُ فِي قَوْلِهِ ﷺ {وَمَنْ أَصَابَ... ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ}؛ فَهَذَا النَّصُّ يُقَرِّرُ بِشَكْلٍ صَرِيحٍ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ الْمَسْتُورِ لَيْسَ كَافِراً، بَلْ هُوَ "تَحْتَ الْمَشِيئَةِ"، فَإِنْ شَاءَ اللهُ عَاقَبَهُ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِتَوْحِيدِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ابْتِدَاءً. فَالْحَدِيثُ يُبْطِلُ مَذَاهِبَ الْغُلَاةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، وَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ بِيَدِ خَالِقِهِ الْكَرِيمِ.
[رَابِعًا: وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي أُصُولِ السُّنَّةِ]
الِاسْتِشْهَادُ بِكَلَامِ إِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ يَأْتِي لِتَوْثِيقِ "الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ" وَالتَّتَابُعِ الْمَنْهَجِيِّ لِلسَّلَفِ الصَّالِحِ. فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ هُنَا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ نَقَلَ مَا جَاءَ فِي "الْخَبَرِ" وَجَعَلَهُ "أَصْلاً" مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الَّتِي لَا يَسُوغُ الْخِلَافُ فِيهَا، وَهُوَ أَنَّ الْمُصِرَّ عَلَى الْكَبِيرَةِ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ. وَمَقْصُودُ الشَّيْخِ مِنْ ذَلِكَ هُوَ رَبْطُ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْمَصَادِرِ الْأَصِيلَةِ لِلْعَقِيدَةِ، وَبَيَانُ أَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ فِي "الْمَشِيئَةِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ رَأْيٍ، بَلْ هُوَ تَلَقٍّ مُبَاشِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْإِمَامُ أَحْمَدُ يُؤَكِّدُ أَنَّ الْحُدُودَ جَوَابِرُ، وَأَنَّ مَنْ رَحَلَ بِذَنْبِهِ غَيْرَ تائِبٍ فَهُوَ مَحَلُّ الِارْتِجَاءِ لِعَفْوِ اللهِ، وَهَذَا قِمَّةُ التَّأْصِيلِ فِي حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ مَعَ تَعْظِيمِ جُرْمِ الْمَعْصِيَةِ.
[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الِاسْتِشْهَادَاتِ تُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ (الْإِيمَانِ الْوَاسِطِ) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالَّتِي تُقَرِّرُ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَهْدِمُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، لَكِنَّهَا تَنْقُصُ كَمَالَهُ الْوَاجِبَ. فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ "الْمَشِيئَةَ" هِيَ حِصْنُ التَّوْحِيدِ، فَمَا دَامَ الْعَبْدُ لَمْ يَخْرِقْ هَذَا الْحِصْنَ بِالشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، فَهُوَ دَاخِلٌ فِي دَائِرَةِ الطَّمَعِ فِي مَغْفِرَةِ اللهِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: أَوَّلُهَا: أَنَّ الْحُدُودَ لَيْسَتْ لِلِانْتِقَامِ بَلْ لِلتَّطْهِيرِ. ثَانِيهَا: أَنَّ سَتْرَ اللهِ لِلْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا آيَةٌ عَلَى قُرْبِ الْعَفْوِ فِي الْآخِرَةِ. ثَالِثُهَا: أَنَّ الْإِصْرَارَ عَلَى الْكَبِيرَةِ مُخَاطَرَةٌ عَظِيمَةٌ لَكِنَّهَا لَا تُوجِبُ الْكُفْرَ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَنْحَلُّ كُلُّ إِشْكَالٍ أَوْرَدَتْهُ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ، وَيَسْتَقِيمُ فَهْمُ الْمُسْلِمِ لِعَظَمَةِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ الْمِفْتَاحُ الْأَعْظَمُ لِلنَّجَاةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
--------------------------------------------------------------------------《 الْحَاشِيَةُ 》
(1) الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ (رِيحَان): ص (56).
(2) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: ج (2)، ص (327)، ط. طَيْبَةَ (الثَّانِيَةُ).
(3) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ (18).
(4) أُصُولُ السُّنَّةِ (الْإِمَامُ أَحْمَدُ): رَقْمُ (34)، ط. دَارِ الْمَنَارِ.
(5) فَائِدَةٌ: السَّلَفُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ "مَا دُونَ الشِّرْكِ" يَشْمَلُ جَمِيعَ الْكَبَائِرِ.
(6) قَاعِدَةٌ: التَّوْحِيدُ يَمْنَعُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ دُخُولَهَا.
(7) ضَابِطٌ: الْحُدُودُ لَا تُكَفِّرُ الذَّنْبَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ.
(8) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْخَوَارِجُ يُوجِبُونَ الْعِقَابَ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُعَلِّقُونَهُ بِالْمَشِيئَةِ.
(9) تَوْثِيقٌ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (66) فِي بَيَانِ سَعَةِ الْعَفْوِ.
(10) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "إِنَّ" فِي {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ} لِتَأْكِيدِ الْحُكْمِ وَقَطْعِيَّتِهِ.
(11) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الْمَشِيئَةُ" هِيَ الْإِرَادَةُ الْكَانِيَةُ الَّتِي لَا رَادَّ لَهَا.
(12) ضَابِطٌ: "الْإِصْرَارُ" بِلَا تَوْبَةٍ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ الْعَبْدَ عُرْضَةً لِلْوَعِيدِ.
(13) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (315).
(14) قَاعِدَةٌ: مَنْ غَفَرَ اللهُ لَهُ ابْتِدَاءً فَهَذَا مَحْضُ فَضْلٍ، وَمَنْ عَذَّبَهُ فَهَذَا مَحْضُ عَدْلٍ.
(15) فَائِدَةٌ: الْبَيْعَةُ فِي الْحَدِيثِ شَمَلَتِ النِّسَاءَ وَالرِّجَالَ فَهِيَ عَامَّةٌ.
(16) ضَابِطٌ: لَا يُقَالُ لِلْعَاصِي "مُؤْمِنٌ مُطْلَقٌ" بَلْ "مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ".
(17) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (9)، ص (54) فِي فِقْهِ الْحُدُودِ.
(18) قَاعِدَةٌ: سَتْرُ اللهِ عَلَى الْعَبْدِ فِي الدُّنْيَا مُبَشِّرٌ بِالْعَفْوِ فِي الْآخِرَةِ.
(19) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الْخَوْفُ مِنَ الْمَشِيئَةِ يَقْطَعُ دَابِرَ التَّجَرُّؤِ عَلَى الْمَعَاصِي.
(20) ضَابِطٌ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ هَلْ يُغْفَرُ بِلَا تَوْبَةٍ؟ فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
(21) تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ"، ج (5)، ص (122) فِي بَيَانِ مَفْهُومِ الْمَشِيئَةِ.
(22) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: أَهْلُ الْكَبَائِرِ لَا يُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
(23) [23] فَائِدَةٌ: سَمَّى اللهُ الْعُصَاةَ "إِخْوَةً" فِي آيَةِ الْقِصَاصِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ إِيمَانِهِمْ.
(24) [24] ضَابِطٌ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ مِنْ ذَنْبٍ سَقَطَ عَنْهُ الْوَعِيدُ وَالْمَشِيئَةُ وَصَارَتْ مَغْفِرَةً يَقِينِيَّةً.
(25) [25] بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ وَتَوْثِيقِ السُّّنَّةِ وَأَقْوَالِ الأئمة
_______________________________________________________________《 57 》
(الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: تَقْسِيمُ الْخَلْقِ وَتَأْصِيلُ الْمَشِيئَةِ) - [ص (57)]
[أَوَّلاً: دِيبَاجَةُ عُنْوَانِ الشَّيْخِ مُحَمَّد رِيحَان وَتَأْصِيلُهُ]
نَصُّ الْعُنْوَانِ: «مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ عَلَى ذَنْبٍ -خَلَا الشِّرْكَ- وَلَوْ مُصِرًّا؛ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ».
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (10 أَسْطُرٍ):
يُؤَصِّلُ هَذَا الْعُنْوَانُ لِقَاعِدَةِ "ارْتِبَاطِ الْجَزَاءِ بِالتَّوْحِيدِ"، حَيْثُ جَعَلَ الشَّيْخُ مَنَاطَ النَّجَاةِ هُوَ السَّلَامَةُ مِنَ الشِّرْكِ، مَعَ إِثْبَاتِ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ (الْحُدُودَ) رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِالْعِبَادِ لِتَكُونَ طُهْرَةً لَهُمْ قَبْلَ الْقُدُومِ عَلَيْهِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَنْسِفُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ لِلْعَاصِي كَفَّارَةً إِلَّا التَّوْبَةَ قَبْلَ الْحَدِّ، كَمَا يَرُدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَهْوِنُونَ مِنْ شَأْنِ الْكَبَائِرِ. فَالْمَقْصُودُ هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْعَاصِيَ الْمُوَحِّدَ مَهْمَا بَلَغَ جُرْمُهُ فَإِنَّهُ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهُ طَمَعُ الْمَغْفِرَةِ، سَوَاءً نَالَ حَدَّهُ فِي الدُّنْيَا فَكَانَ كَفَّارَةً لَهُ، أَوْ رَحَلَ بِمَعْصِيَتِهِ فَكَانَ مَرْجِعُهُ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ النَّافِذَةِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّوَسُّطِ السَّلَفِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ الْوَعِيدِ وَالرَّجَاءِ، وَيُعَلِّقُ الْقُلُوبَ بِعَدْلِ اللهِ وَفَضْلِهِ.
[ثَانِيًا: تَقْسِيمُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَحْكَامِهِمْ (فِي نِقَاطٍ)]
أَوَّلاً: السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ: وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا، الْمُسَارِعُ لِلطَّاعَاتِ، وَحُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ جَزَاءً عَلَى إِحْسَانِهِ.
ثَانِيًا: الْمُقْتَصِدُ: وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي أَدَّى الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَحُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ دُخُولُ الْجَنَّةِ بِمَحْضِ فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ دُونَ سَبْقِ عِقَابٍ.
ثَالِثًا: الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ (بِتَرْكِ بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ): وَهُوَ نَاقِصُ الْإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا بِسَبَبِ تَقْصِيرِهِ، وَحُكْمُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهُ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إِنْ شَاءَ اللهُ عَذَّبَهُ بِتَقْصِيرِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ.
رَابِعًا: الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ (بِفِعْلِ الْكَبَائِرِ): وَهُوَ الْمُؤْمِنُ بِيَمِينِهِ الْفَاسِقُ بِكَبِيرَتِهِ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْوَعِيدِ وَتَحْتَ الْمَشِيئَةِ، لَكِنَّ مَآلَهُ الْيَقِينِيَّ إِلَى الْجَنَّةِ بِتَوْحِيدِهِ وَإِنْ عُذِّبَ.
[ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ حَوْلَ الْمَشِيئَةِ (20 سَطْراً)]
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ السِّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللهُ- فِي شَرْحِهِ لِمَسَائِلِ الْوَعِيدِ: «إِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ "الْوُجُوبِ" عَلَى اللهِ تَعَالَى؛ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْذِيبُ الْعَاصِي كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ غُفْرَانُهُ دُونَ مَشِيئَةٍ. بَلِ الْأَمْرُ مَوْكُولٌ إِلَى حِكْمَتِهِ، فَإِذَا وَقَفَ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ بِذُنُوبٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، فَإِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا تَنْزِعُ وَصْفَ الْإِيمَانِ، بَلْ صَاحِبُهَا مُسْلِمٌ حَرَامُ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَفِي الْآخِرَةِ هُوَ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَبَداً. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ "الْمَشِيئَةَ" لَيْسَتْ دَعْوَةً لِلتَّهَاوُنِ، بَلْ هِيَ مَحَلُّ خَوْفٍ عَظِيمٍ، فَقَدْ يَشَاءُ اللهُ تَعْذِيبَهُ فَيَكُونُ هَلَاكُهُ، لَكِنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخَوَارِجِ أَنَّنَا نَجْعَلُ بَابَ الرَّجَاءِ مَفْتُوحاً بِـ (عَسَى) وَ(لَعَلَّ)، بَيْنَمَا هُمْ يُغْلِقُونَهُ بِالْقَطْعِ وَالْجَزْمِ. وَالْحُدُودُ الَّتِي تُقَامُ فِي الدُّنْيَا هِيَ مِنَ الْجَوَابِرِ الَّتِي نَصَّتْ عَلَيْهَا السُّنَّةُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ تَطْهِيرٍ، وَأَنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُعِيدَ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَنْ جُوزِيَ بِهَا عَدْلاً، وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ الَّذِي جَعَلَ لِكُلِّ ذَنْبٍ مَخْرَجاً، إِمَّا بِتَوْبَةٍ أَوْ بِحَدٍّ أَوْ بِمَشِيئَةٍ رَحِيمَةٍ، فَسُبْحَانَ مَنْ وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ».
__________________________________________________________[الْحَاشِيَةُ ]
(1) قَاعِدَةٌ: الْحُدُودُ زَوَاجِرُ لِلْغَيْرِ وَجَوَابِرُ لِلْجَانِي.
(2) فَائِدَةٌ: مَنْ سُتِرَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى عَفْوِ اللهِ فِي الْآخِرَةِ.
(3) ضَابِطٌ: "مَا دُونَ الشِّرْكِ" يَدْخُلُ فِيهِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ.
(4) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْإِيمَانُ يَتَبَعَّضُ؛ فَيَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ طَاعَةٌ وَمَعْصِيَةٌ.
(5) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الْمَشِيئَةُ" أَعَمُّ مِنَ الرِّضَا؛ فَقَدْ يَشَاءُ اللهُ مَا لَا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ قَدَراً.
(6) تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "تَطْهِيرُ الِاعْتِقَادِ" لِصَّنْعَانِيِّ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الشِّرْكِ.
(7) ضَابِطٌ: مَنِ اسْتَحَلَّ الْكَبِيرَةَ كَفَرَ، وَمَنْ فَعَلَهَا مَعَ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهَا فَهِيَ مَعْصِيَةٌ.
(8) فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ {فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} فِيهِ تَفْوِيضٌ لِعَدْلِ اللهِ وَحِكْمَتِهِ.
(9) قَاعِدَةٌ: لَا يُقْطَعُ لِمُعَيَّنٍ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ بِالنَّارِ، بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ.
(10) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ السُّنَّةِ" لِلْبَرْبَهَارِيِّ، رَقْمُ (45) فِي مَسْأَلَةِ الْحُدُودِ.
(11) ضَابِطٌ: الْإِصْرَارُ لَا يَنْقُلُ الذَّنْبَ مِنْ مَرْتَبَةِ الْمَعْصِيَةِ إِلَى مَرْتَبَةِ الْكُفْرِ.
(12) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: إِقَامَةُ الْحَدِّ طُهْرَةٌ لِلْمُجْتَمَعِ مِنَ الرَّذِيلَةِ.
(13) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الْوَعِيدُ الْمُطْلَقُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ دُخُولُ الْمُعَيَّنِ لِوُجُودِ الْمَوَانِعِ.
(14) تَوْثِيقٌ: "الْمُفْهِمُ" لِلْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُبَادَةَ.
(15) فَائِدَةٌ: تَقْسِيمُ النَّاسِ فِي سُورَةِ (فَاطِرٍ) أَصْلٌ فِي بَابِ الْوَعِيدِ.
(16) ضَابِطٌ: الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ لَا يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ "الْإِيمَانِ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(17) قَاعِدَةٌ: نُصُوصُ الرَّجَاءِ لَا تُلْغِي نُصُوصَ الْخَوْفِ، بَلْ تُكَمِّلُهَا.
(18) تَوْثِيقٌ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (482).
(19) فَائِدَةٌ: الْبُهْتَانُ بَيْنَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ هُوَ الْكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ جِهَاراً.
(20) ضَابِطٌ: الْكَفَّارَةُ بِالْحَدِّ تَكُونُ فِي الْآخِرَةِ، أَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الرَّدِّ.
(21) قَاعِدَةٌ: أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.
(22) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ فِي بَابِ الشِّرْكِ.
(23) فَائِدَةٌ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْمَعْصِيَةُ تَنْقُصُ الْعَمَلَ لَا الْأَصْلَ.
(24) ضَابِطٌ: مَنْ مَاتَ مُوَحِّداً فَمَصِيرُهُ الْجَنَّةُ وَلَوْ عُذِّبَ مَا عُذِّبَ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ دِقَّةِ التَّقْسِيمِ وَجَوْدَةِ التَّأْصِيلِ عِنْدَ السِّنْدِيِّ.
________________________________________________________《 58 》
(الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: تَفْسِيرُ آيَةِ الْمَشِيئَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ) - [ص (58)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ...}]
(1) تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ :
يُقَرِّرُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ، وَهِيَ مِمَّا يُوجِبُ الرَّجَاءَ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ مَغْفِرَةَ الشِّرْكِ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ بِلَا تَوْبَةٍ، سَوَاءً كَانَ جَلِيًّا أَوْ خَفِيًّا، بَيْنَمَا جَعَلَ مَا سِوَى الشِّرْكِ مِنَ الْكَبَائِرِ مُعَلَّقاً بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَ الْعَاصِيَ بِقَدْرِ ذَنْبِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ابْتِدَاءً بِرَحْمَتِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَاسِخَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ الْمُطْلَقِ الَّتِي كَانَتْ تَخْشَى مِنْهَا الصَّحَابَةُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ اسْتَبْشَرُوا بِهَا خَيْراً لِأَنَّهَا فَتَحَتْ بَابَ الْعَفْوِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ وَبَقُوا عَلَى جَادَّةِ التَّوْحِيدِ. [انْظُرْ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ، ج (2)، ص (228)] (1).
(2) تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ :
يُؤَكِّدُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ "أَرْجَى آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ" لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّهَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ دُونَ الشِّرْكِ فَهُوَ مَرْجُوُّ الْمَغْفِرَةِ. وَيَنْقُلُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُمْسِكُونَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَعَلِمُوا أَنَّ الرَّحْمَةَ لَا تَنْقَطِعُ عَنْهُمْ. وَيُوَضِّحُ الْحَافِظُ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُغْفَرُ أَبَداً بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا التَّوْبَةُ فَتَجُبُّ مَا قَبْلَهَا حَتَّى الشِّرْكِ. كَمَا يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْمَغْفِرَةِ بِالْمَشِيئَةِ {لِمَنْ يَشَاءُ} يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْأَمَانِيِّ الْكَاذِبَةِ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ وَيَنْسَى الْخَوْفَ مِنْ عَدْلِ اللهِ الَّذِي قَدْ يَقْتَضِي تَعْذِيبَهُ قَبْلَ الْعَفْوِ عَنْهُ. [انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج (2)، ص (327)] (2).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحث ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُمَثِّلُ "الْمِيقَاتَ الْفَاصِلَ" بَيْنَ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَبَيْنَ مَذَاهِبِ الْوَعِيدِيَّةِ؛ فَفِيهَا دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تَنْقُلُ الْعَبْدَ مِنَ الْمِلَّةِ إِلَى الْكُفْرِ، بَلْ تَبْقَى فِيهِ "بَقِيَّةُ إِيمَانٍ" تُدْخِلُهُ فِي زُمْرَةِ مَنْ تَشْمَلُهُمُ الْمَشِيئَةُ. وَالتَّأْصِيلُ هُنَا يَقُومُ عَلَى أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ التَّوْحِيدَ حِصْناً مَانِعاً مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَانِعاً مِنْ دُخُولِهَا ابْتِدَاءً. فَالْآيَةُ تُثْبِتُ "عَدْلَ اللهِ" فِي الْوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَ"فَضْلَهُ" فِي الْوَعْدِ لِلْمُوَحِّدِينَ، وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ يَعِيشُ بَيْنَ (جَنَاحَيِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ)؛ يَخَافُ مِنَ الْمَشِيئَةِ أَنْ تُعَذِّبَهُ، وَيَرْجُو مِنَ الْمَشِيئَةِ أَنْ تَرْحَمَهُ، مَعَ الْيَقِينِ التَّامِّ أَنَّ مَآلَ الْمُوَحِّدِ إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ مَهْمَا كَانَ حَالُهُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ.
_______________________________________________[الْحَاشِيَةُ ]
(1) مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): ج (2)، ص (228)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(2) تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): ج (2)، ص (327)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(3) فَائِدَةٌ: الْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ أَظْلَمُ الظُّلْمِ لِأَنَّهُ لَا مَطْمَعَ فِي مَغْفِرَتِهِ.
(4) قَاعِدَةٌ: كُلُّ ذَنْبٍ لَمْ يَنْصُصِ الشَّرْعُ عَلَى كُفْرِ صَاحِبِهِ فَهُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ.
(5) ضَابِطٌ: الْمَغْفِرَةُ الْمُعَلَّقَةُ بِالْمَشِيئَةِ هِيَ لِمَنْ مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ.
(6) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: التَّوْحِيدُ شَرْطٌ لِدُخُولِ الْعَبْدِ فِي دَائِرَةِ الْمَشِيئَةِ.
(7) تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ" فِي بَابِ مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً.
(8) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الْعُمُومُ فِي {مَا دُونَ ذَلِكَ} يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَعَاصِي.
(9) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "مَا" هُنَا مَوْصُولَةٌ تُفِيدُ الْعُمُومَ الشَّامِلَ لِلصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ.
(10) ضَابِطٌ: "لِمَنْ يَشَاءُ" رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ يَجْزِمُونَ بِتَعْذِيبِ الْعُصَاةِ.
(11) تَوْثِيقٌ: "جَامِعُ الْبَيَانِ" لِلطَّبَرِيِّ فِي رَدِّهِ عَلَى الْخَوَارِجِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
(12) قَاعِدَةٌ: لَا يُكَفَّرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.
(13) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الْآيَةُ تُرَبِّي فِي النَّفْسِ تَعْظِيمَ جُرْمِ الشِّرْكِ وَخُطُورَتِهِ.
(14) ضَابِطٌ: الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ هَلْ يُغْفَرُ؟ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَخْضَعُ لِلْمَشِيئَةِ كَالْكَبَائِرِ.
(15) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (312).
(16) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الرَّجَاءُ الْمَحْمُودُ هُوَ مَا كَانَ مَعَهُ عَمَلٌ وَخَوْفٌ.
(17) فَائِدَةٌ: رَحْمَةُ اللهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ مَظَاهِرِ سَبْقِهَا.
(18) ضَابِطٌ: مَنْ مَاتَ عَلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ الْجَنَّةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ.
(19) تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ"، ص (182) فِي مَنْزِلَةِ الْمُوَحِّدِ الْعَاصِي.
(20) قَاعِدَةٌ: الذَّنْبُ إِذَا عُذِّبَ بِهِ الْعَبْدُ فِي النَّارِ فَلَا يَخْلُدُ فِيهَا إِذَا كَانَ مُوَحِّداً.
(21) فَائِدَةٌ: كَلَامُ السَّلَفِ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ هُوَ تَوْجِيهٌ لِقُلُوبِ الْخَائِفِينَ.
(22) ضَابِطٌ: الْمَشِيئَةُ لَا تَعْنِي إِسْقَاطَ الْخَوْفِ مِنَ الْعِقَابِ الشَّدِيدِ.
(23) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ فِي بَيَانِ حُكْمِ مَنْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
(24) قَاعِدَةٌ: الْإِيمَانُ يَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ لَكِنَّهُ لَا يَنْعَدِمُ بِالْكُلِّيَّةِ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ لَطَائِفِ الْبَغَوِيِّ وَتَحْقِيقَاتِ ابْنِ كَثِيرٍ الْعَقَدِيَّةِ.
______________________________________________________《 59 》
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: شَرْحُ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) - [ص (59)]
[أَوَّلاً: نَصُّ شُرُوحِ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ الْحَدِيثِ]
- (1) قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: قَالَ فِي "جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ": «هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي أَنَّ الْحُدُودَ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، وَأَنَّ مَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُعَاقَبْ فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ الْعُقُوبَةَ عَلَى عَبْدِهِ.
- وَفِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَ ذَنْباً ثُمَّ سَتَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ فَهِيَ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ، وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ خُلُودَ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، فَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَنْ سَتَرَهُ اللهُ مَطْمَعاً فِي الْعَفْوِ، وَلَوْ كَانَ كَافِراً بِمَعْصِيَتِهِ لَمَا كَانَ لِلْمَشِيئَةِ فِيهِ مَدْخَلٌ، فَالتَّوْحِيدُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْمَغْفِرَةُ». [انْظُرْ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ج (2)، ص (415)]. (1).
- (2) قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَالَ فِي "شَرْحِ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ": «بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْعُقُوبَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ طُهْرَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَقَدْ نَجَا مِنْ تَبِعَةِ الذَّنْبِ فِي الْآخِرَةِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُعَاقَبْ فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ؛ وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْوَعِيدَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ لَيْسَ حَتْماً، بَلْ هُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ الرَّبِّ الْكَرِيمِ، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِعَدْلِهِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِفَضْلِهِ، وَفِي كِلَا الْحَالَيْنِ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ مَا دَامَ مَعَهُ أَصْلُ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ أَنْ جَعَلَ لَهَا مَخَارِجَ مِنَ الْآثَامِ». [انْظُرْ: شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، ج (1)، ص (92)]. (2).
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ : «حَدِيثُ عُبَادَةَ هُوَ الْبُرْهَانُ الصَّادِعُ فِي مَسْأَلَةِ "الْوَعِيدِ الْمُعَلَّقِ"، فَالنَّبِيُّ ﷺ فَتَحَ فِيهِ بَابَ الرَّجَاءِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ بِمُجَرَّدِ قَوْلِهِ: {فَهُوَ إِلَى اللهِ}. وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ النَّبَوِيَّةُ تَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ خَطِيبٍ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا كُفَّاراً أَوْ مَخَلَّدِينَ لَمَا صَحَّ تَعْلِيقُ أَمْرِهِمْ بِالْمَشِيئَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، إِذْ الشِّرْكُ مَقْطُوعٌ فِيهِ بِالْعَذَابِ. وَالْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ هُنَا أَنَّ "الْعُقُوبَةَ لَا تَتَكَرَّرُ"، فَمَنْ عُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَقَدْ جُبِرَ نَقْصُهُ، وَمَنْ لَمْ يُعَاقَبْ فَالرَّحْمَةُ تُرْجَى لَهُ. وَيَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ هَذَا التَّأْصِيلُ فِي إِطَارِ "تَعْظِيمِ التَّوْحِيدِ"؛ فَالْبَيْعَةُ بُدِئَتْ بِقَوْلِهِ: {أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا}، فَمَا دَامَ هَذَا الرُّكْنُ قَائِماً فَالْعَبْدُ فِي دَائِرَةِ الطَّمَعِ. أَمَّا إِذَا خَرَقَ حِصْنَ التَّوْحِيدِ فَلَا حَدَّ يُكَفِّرُ عَنْهُ وَلَا مَشِيئَةَ تَرْحَمُهُ إِذَا مَاتَ عَلَى ذَلِكَ. فَالْحَدِيثُ يَجْمَعُ بَيْنَ خَوْفِ الْمُصَابِ بِالذَّنْبِ مِنْ عُقُوبَةِ اللهِ، وَبَيْنَ رَجَاءِ الْمُوَحِّدِ فِي عَفْوِ مَوْلَاهُ الَّذِي سَتَرَهُ فِي الدُّنْيَا. وَهَذَا السَّتْرُ عِنْدَ السَّلَفِ أَمَارَةٌ عَلَى إِرَادَةِ الْعَفْوِ فِي الْآخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ النَّجْوَى. فَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ مَصَادَمَةٌ صَرِيحَةٌ لِقَوْلِهِ ﷺ {فَهُوَ إِلَى اللهِ}، فَمَنْ جَعَلَهُ إِلَى النَّارِ قَطْعاً فَقَدْ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً وَخَالَفَ مُقْتَضَى الرَّحْمَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ». (3).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَرْتَكِزُ عَلَى إِثْبَاتِ "مَنْزِلَةِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِمَا مَعَهُ مِنْ أَصْلِ التَّصْدِيقِ، فَاسِقٌ بِمَا ارْتَكَبَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
قلت : أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ حَسَمَ مَادَّةَ النِّزَاعِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ، فَمَهْمَا وَرَدَ مِنَ التَّغْلِيظِ فِي عُقُوبَةِ الزِّنَا أَوْ الْقَتْلِ أَوْ السَّرِقَةِ، فَإِنَّهَا مَحْكُومَةٌ بِهَذَا "الْأَصْلِ الْجَامِعِ" وَهُوَ الْمَشِيئَةُ. فَالْعَبْدُ يَبْقَى دَاخِلَ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ مَا دَامَ مُقِرّاً بِتَوْحِيدِ رَبِّهِ، وَالْحُدُودُ لَيْسَتْ لِإِخْرَاجِهِ مِنَ الدِّينِ بَلْ لِتَطْهِيرِهِ مِنَ الدَّنَسِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يُورِثُ الْعَبْدَ تَعْظِيماً لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ أَعْظَمُ حَسَنَةٍ لَا يَضُرُّ مَعَهَا عِصْيَانٌ يُوجِبُ الْخُلُودَ، كَمَا أَنَّ الشِّرْكَ هُوَ الذَّنْبُ الَّذِي لَا تَنْفَعُ مَعَهُ أَيُّ طَاعَةٍ.
[رَابِعًا: الشَّوَاهِدُ وَالضَّوَابِطُ مِنَ الْحَدِيثِ]
- الشَّاهِدُ: قَوْلُهُ ﷺ {وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ}؛ هَذَا نَصُّ الشَّاهِدِ فِي إِثْبَاتِ الْمَشِيئَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ.
- الضَّابِطُ: "كُلُّ مَعْصِيَةٍ لَهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ فِي الدُّنْيَا، فَالْقِيَامُ بِهِ كَفَّارَةٌ لَهَا فِي الْآخِرَةِ".
- الضَّابِطُ: "الْمَشِيئَةُ الرَّحِيمَةُ خَاصَّةٌ بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى الذُّنُوبِ دُونَ الشِّرْكِ".
[ الْحَاشِية]_______________________________________________&
(1) جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ (ابْنُ رَجَبٍ): ج (2)، ص (415)، ط. الرِّسَالَةِ.
(2) شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج (1)، ص (92)، ط. دَارِ الْوَطَنِ.
(3) شَرْحُ الْمُعْتَقَدِ (صَالِحٌ السِّنْدِيُّ): مَجْلِسُ بَيَانِ الْوَعِيدِ، تَسْجِيلَاتُ طَالِبِ الْعِلْمِ.
(4) صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ (18).
(5) صَحِيحُ مُسْلِمٍ: كِتَابُ الْحُدُودِ، رَقْمُ (1709).
(6) قَاعِدَةٌ: الْحُدُودُ زَوَاجِرُ لِلْعُصَاةِ وَجَوَابِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ.
(7) ضَابِطٌ: الْبَيْعَةُ فِي الْإِسْلَامِ تَقُومُ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ.
(8) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْمَشِيئَةُ" صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى يَقْتَضِيهَا عَدْلُهُ وَرَحْمَتُهُ.
(9) تَوْثِيقٌ: انْظُرْ "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (1)، ص (64) فِي تَقْرِيرِ كُفَّارَةِ الْحُدُودِ.
(10) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ {أَنْ لَا تُشْرِكُوا} يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ أَصْلُ الْبَيْعَةِ.
(11) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الْبُهْتَانُ" هُوَ الْكَذِبُ الَّذِي لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَيُفْرَى فَرْياً.
(12) ضَابِطٌ: إِذَا سَتَرَ اللهُ الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا حَرُمَ عَلَى الْخَلْقِ فُضُولُ الْبَحْثِ عَنْ ذَنْبِهِ.
(13) تَوْثِيقٌ: "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ"، ج (5)، ص (122) فِي حُكْمِ الْمُصِرِّ.
(14) قَاعِدَةٌ: "أَمْرُهُ إِلَى اللهِ" تُوجِبُ الْخَوْفَ مِنَ الْمَنْعِ وَالرَّجَاءَ فِي الْعَطَاءِ.
(15) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: مَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لَمْ يَبْقَ لَهُ عُقُوبَةٌ فِي الْآخِرَةِ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ.
(16) ضَابِطٌ: الذُّنُوبُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ تُكَفِّرُهَا الصَّدَقَاتُ وَالصَّلَوَاتُ.
(17) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ السُّنَّةِ" لِلْبَغَوِيِّ، ج (10)، ص (161).
(18) قَاعِدَةٌ: اللهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، فَعُقُوبَةُ الدُّنْيَا قِسْطٌ مِنْ جَزَاءٍ.
(19) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: السَّتْرُ هُوَ رَحْمَةُ اللهِ بِالْعَبْدِ لِيُعْطِيَهُ فُرْصَةَ الْإِنَابَةِ.
(20) ضَابِطٌ: مَنْ مَاتَ مُشْرِكاً لَا يُقَالُ فِيهِ "أَمْرُهُ إِلَى اللهِ" بَلْ "مَأْوَاهُ النَّارُ".
(21) تَوْثِيقٌ: "عُمْدَةُ الْقَارِي" لِلْعَيْنِيِّ، ج (1)، ص (212).
(22) قَاعِدَةٌ: لَا تَعَارُضَ بَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَبَيْنَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ؛ فَالْأَوَّلُ يُبَيِّنُ الْمَآلَ.
(23) فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ {فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ} فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سُرْعَةِ اسْتِجَابَةِ الصَّحَابَةِ.
(24) ضَابِطٌ: الْعُقُوبَةُ فِي الدُّنْيَا مُسْقِطَةٌ لِإِثْمِ الذَّنْبِ إِذَا كَانَتْ حَدّاً شَرْعِيًّا.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ دِقَّةِ ابْنِ رَجَبٍ وَتَأْصِيلِ السِّنْدِيِّ الْعَقَدِيِّ.
___________________________________________________________________________ 《 60 》
(الْمُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: تَقْرِيرُ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَرَدُّ الشُّبُهَاتِ) - [ص (60)]
[أَوَّلاً: سَبَبُ مَجِيءِ هَذَا الدَّلِيلِ وَمَقْصُودُهُ]
جَاءَ الِاسْتِدْلَالُ بِأَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِتَرْسِيخِ "الْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ" عَلَى قَاعِدَةِ الْمَشِيئَةِ، وَبَيَانِ أَنَّ هَذَا الْمُعْتَقَدَ لَيْسَ مُجَرَّدَ فَهْمٍ نَظَرِيٍّ، بَلْ هُوَ أَصْلٌ مَنْقُولٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَلَقَّاهُ الْأَئِمَّةُ بِالْقَبُولِ. وَمَقْصُودُهُ إِثْبَاتُ أَنَّ "الْإِصْرَارَ" عَلَى الْكَبِيرَةِ مَعَ بَقَاءِ التَّوْحِيدِ لَا يُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، وَأَنَّ حِكْمَةَ اللهِ فِي شَرْعِ الْحُدُودِ جَعَلَتْهَا طُهْرَةً لِلْعَبْدِ لِيَلْقَى رَبَّهُ نَقِيًّا، مِمَّا يَبُثُّ الطُّمَأْنِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُوَحِّدِينَ مَعَ الْحَذَرِ مِنَ الْوُعِيدِ.
[ثَانِيًا: الْفِرَقُ الضَّالَّةُ الَّتِي يَرُدُّ عَلَيْهَا هَذَا الْوَجْهُ]
يَرُدُّ هَذَا الْوَجْهُ بِدَلَائِلِهِ الثَّلَاثَةِ (الْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْأَثَرِ) عَلَى "الْوَعِيدِيَّةِ" مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ فَالْخَوَارِجُ كَفَّرُوا بِالْكَبِيرَةِ وَأَوْجَبُوا الْخُلُودَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ أَنْفَذُوا الْوَعِيدَ وَسَلَبُوا اسْمَ الْإِيمَانِ. كَمَا يَرُدُّ عَلَى "الْمُرْجِئَةِ" الَّذِينَ غَلَوْا فِي الرَّجَاءِ فَهَوَّنُوا مِنَ الْمَعَاصِي وَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ؛ فَهَذَا الْوَجْهُ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً بَيْنَ نَصِّ الْآيَةِ الَّتِي عَلَّقَتِ الْمَغْفِرَةَ بِالْمَشِيئَةِ (رَدًّا عَلَى الْخَوَارِجِ)، وَبَيْنَ إِثْبَاتِ الْعُقُوبَةِ وَالْعَذَابِ (رَدًّا عَلَى الْمُرْجِئَةِ)، لِيَسْتَقِيمَ مَنْهَجُ السَّلَفِ وَسَطاً بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ.
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ تَقْرِيرَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لِهَذَا الْأَصْلِ هُوَ عَيْنُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ دَعَائِمُ السُّنَّةِ، فَالْمُصِرُّ عَلَى الذَّنْبِ لَا يُسْلَبُ عَنْهُ مُطْلَقُ الْإِيمَانِ، وَلَا يُجْزَمُ لَهُ بِالْعَذَابِ الْمُؤَبَّدِ. وَإِنَّنِي أَرَى أَنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ رَبْطِ الْكَفَّارَةِ بِالْحَدِّ هِيَ إِظْهَارُ كَمَالِ عَدْلِ اللهِ، حَيْثُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَاراً لِلتَّمْحِيصِ، فَمَنْ فَاتَهُ التَّمْحِيصُ فِيهَا بَقِيَ مَرْهُوناً بِمَشِيئَةِ خَالِقِهِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقْطَعُ دَابِرَ الْقَوْلِ بِتَخْلِيدِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، وَيَجْعَلُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ رَجَاءً لَا يَنْقَطِعُ وَخَوْفاً لَا يَنْقَلِبُ يَأْساً. إِنَّ هَذِهِ النُّصُوصَ الْمُجْتَمِعَةَ تَصْنَعُ حِصْناً عَقَدِيًّا يَمْنَعُ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَهَاوِي التَّكْفِيرِ أَوْ التَّحَلُّلِ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ.
[رَابِعًا: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ ]
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللهُ-: «إِنَّ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "الْمَشِيئَةِ" هُوَ تَرْجَمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ "الْوَعِيدَ" حَقٌّ لِلَّهِ، وَالْكَرِيمُ إِذَا تَوَعَّدَ جَازَ لَهُ الْعَفْوُ تَمَجُّداً وَتَكَرُّماً. وَتَقْيِيدُهُ لِلذُّنُوبِ بِأَنَّهَا "الَّتِي قَدِ اسْتَوْجَبَ بِهَا الْعُقُوبَةَ" يُفِيدُ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ نَفَاذُ الْوَعِيدِ، لَكِنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتْ، فَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْعَاصِي بِالْهَلَاكِ الْمَحْضِ. فَالْمُصِرُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَيْنَ خَوْفِ الْعَدْلِ وَرَجَاءِ الْفَضْلِ، وَهَذَا التَّوَازُنُ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْمُكَلَّفِ عُبُودِيَّتَهُ، فَلَا يَتَّكِلُ فَيَهْلَكَ، وَلَا يَقْنَطُ فَيَكْفُرَ، بَلْ يَبْقَى فَقِيراً إِلَى مَشِيئَةِ مَوْلَاهُ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ». (1).
[خَامِسًا: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ -حَفِظَهُ اللهُ-: «تَقْرِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي حُكْمِ الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ يَنْطَلِقُ مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ الَّتِي سَطَّرَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ؛ حَيْثُ أَثْبَتُوا لَهُ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فِي الدُّنْيَا، وَعَلَّقُوا مَصِيرَهُ فِي الْآخِرَةِ بِالْمَشِيئَةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِشْهَادِ بِالْحُدُودِ كَكَفَّارَاتٍ هُوَ بَيَانُ أَنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، فَمَنْ طُهِّرَ هُنَا فَقَدْ نَجَا، وَمَنْ لَمْ يُطَهَّرْ فَالرَّجَاءُ فِيهِ بَاقٍ بِمَا مَعَهُ مِنْ أَصْلِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا يَرُدُّ تَنَاقُضَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْكَبِيرَةَ تُبْطِلُ التَّوْحِيدَ، فَلَوْ كَانَتْ تُبْطِلُهُ لَمَا صَحَّ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ أَمْرٌ يُرَدُّ إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ، إِذْ الشِّرْكُ لَا مَشِيئَةَ فِيهِ، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ إِيمَانِهِ وَإِنْ أَصَرَّ». (2).
[ الْحَاشِيَةُ]_______________________________________________&
(1) أُصُولُ السُّنَّةِ (لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ): رَقْمُ (34)، ص (42-43)، رِوَايَةُ عَبْدُوس بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ، ط. دَارِ الْمَنَارِ (الْقَاهِرَةُ)، الطَّبْعَةُ الْأُولَى 1411هـ.
(2) مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَسْمَاءِ الدِّينِ (مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ): ص (215)، ط. دَارِ إِيلَافِ الدَّوْلِيَّةِ.
(3) فَائِدَةٌ: كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ نَصٌّ فِي مَسْأَلَةِ "عَدَمِ الْقَطْعِ بِالنَّارِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ".
(4) قَاعِدَةٌ: الذَّنْبُ إِمَّا أَنْ يُمْحَى بِتَوْبَةٍ، أَوْ بِحَدٍّ، أَوْ بِمَصَائِبَ، أَوْ بِمَشِيئَةٍ.
(5) ضَابِطٌ: الْإِصْرَارُ هُوَ الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ مَعَ ذِكْرِهِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَرْكِهِ.
(6) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: مَنْ لَمْ يَتُبْ مِنَ الذَّنْبِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِإِيمَانِهِ لَكِنَّهُ لَيْسَ نَاقِضاً لَهُ.
(7) تَوْثِيقٌ: "السُّنَّةُ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (1)، ص (160) فِي رِوَايَةِ أُصُولِ السُّنَّةِ.
(8) قَاعِدَةٌ: نُصُوصُ "الْمَشِيئَةِ" حَاكِمَةٌ عَلَى نُصُوصِ "الْوَعِيدِ الْمُطْلَقِ".
(9) فَائِدَةٌ: سَمَّى السَّلَفُ هَذَا الصِّنْفَ "فَاسِقاً مِلِّيًّا" تَمْيِيزاً لَهُ عَنِ الْكَافِرِ.
(10) ضَابِطٌ: اسْتِيجَابُ الْعُقُوبَةِ لَا يَعْنِي حَتْمِيَّةَ وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ لِلْمُوَحِّدِ.
(11) تَوْثِيقٌ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (485) فِي نَقْلِ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
(12) قَاعِدَةٌ: الْوَعِيدُ بِمَا دُونَ الشِّرْكِ يَقْبَلُ التَّخَلُّفَ لِمَشِيئَةِ اللهِ أَوْ شَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ.
(13) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِالْمَشِيئَةِ يَمْنَعُ مِنَ الْعُجْبِ بِالْعَمَلِ وَالْغُرُورِ.
(14) ضَابِطٌ: "الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ" الَّذِي ذَكَرَهُ أَحْمَدُ هُوَ حَدِيثُ عُبَادَةَ الْمُتَقَدِّمُ.
(15) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ج (1)، ص (175).
(16) قَاعِدَةٌ: مَنْ لَقِيَ اللهَ مُصِرًّا فَقَدْ جَازَفَ بِنَفْسِهِ، وَفَضْلُ اللهِ أَوْسَعُ.
(17) فَائِدَةٌ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ كَانَ يَرَى أَنَّ تَرْكَ الْكَبَائِرِ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً.
(18) ضَابِطٌ: لَا فَرْقَ فِي الْمَشِيئَةِ بَيْنَ صَاحِبِ كَبِيرَةٍ وَصَاحِبِ صَغِيرَةٍ مُصِرٍّ عَلَيْهَا.
(19) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ فِي بَابِ الْحُدُودِ وَأَثَرِهَا.
(20) قَاعِدَةٌ: "إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ لَيْسَ وَاجِباً عَقْلِيًّا.
(21) فَائِدَةٌ: الِاسْتِدْلَالُ بِمَذْهَبِ الصَّحَابَةِ هُوَ طَرِيقُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "الْأُصُولِ".
(22) ضَابِطٌ: مَنْ عُذِّبَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَإِنَّهُ لَا يُخَلَّدُ مَعَ الْكُفَّارِ أَبَداً.
(23) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ السُّنَّةِ" لِلْبَرْبَهَارِيِّ، ص (38).
(24) قَاعِدَةٌ: الذُّنُوبُ لَا تُسَمَّى كُفْراً إِلَّا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِوَصْفِ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ.
(25) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ ثَبَاتِ النَّقْلِ عَنْ أَحْمَدَ وَدِقَّةِ التَّأْصِيلِ عَنِ التَّمِيمِيِّ وَالسِّنْدِيِّ.
___________________________________________________________________《 61 》
(الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: الصَّلَاةُ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ بَرِّهِمْ وَفَاجِرِهِمْ) - [ص (61)]
[أَوَّلاً: دِيبَاجَةُ الْعُنْوَانِ]
«يَرَى أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ؛ بَرًّا كَانَ أَمْ فَاجِرًا، وَلَا يَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ وَلَا الِاسْتِغْفَارَ لَهُ».
[ثَانِيًا: نَصُّ الْأَدِلَّةِ]
- مِنَ الْقُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19].
- مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ»، قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ». [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
- مِنَ الْآثَارِ: أَخْرَجَ اللَّالَكَائِيُّ عَنْ مُحَمَّد بْنِ سِيرِينَ قَالَ: «لَا نَعْلَمُ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ تَأَثُّمًا مِنْ ذَلِكَ».
- مِنَ الْآثَارِ: أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ قَالَ: «كُلُّ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْمَشَايِخِ يَرَوْنَ أَنْ لَا نَتْرُكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ».
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ]
- قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْإِسْلَامُ الظَّاهِرُ يَعْصِمُ الدَّمَ وَيُوجِبُ حُقُوقَ الْأُخُوَّةِ الْمِلِّيَّةِ حَيًّا وَمَيْتًا، وَالْفُسُوقُ لَا يَنْقُضُ أَصْلَ الْوَلَاءِ".
- قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الْعُمُومُ فِي نُصُوصِ الِاسْتِغْفَارِ وَحُقُوقِ الْجَنَائِزِ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَلَا يُخَصَّصُ بِلَا دَلِيلٍ قَطْعِيٍّ".
- ضَابِطٌ لَهُمَا: "كُلُّ مَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لِنَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ، صَحَّتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَإِنْ غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ".
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ هَذَا الْأَصْلَ الَّذِي قَرَّرَهُ الشَّيْخُ رِيحَان يُمَثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ "عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ"؛ حَيْثُ يُفَرِّقُ أَهْلُ السُّنَّةِ بَيْنَ "الْمَعْصِيَةِ" وَبَيْنَ "الْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ". فَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ هِيَ فِي حَقِيقَتِهَا شَفَاعَةٌ مِنَ الْأَحْيَاءِ لِلْأَمْوَاتِ، وَالْعَاصِي بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ أَحْوَجُ مَا يَكُونُ لِدُعَاءِ إِخْوَانِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ السُّؤَالِ. إِنَّ حِرْصَ السَّلَفِ -كَمَا نَقَلَ ابْنُ سِيرِينَ- عَلَى عَدَمِ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ "تَأَثُّمًا" هُوَ سَدٌّ لِذَرِيعَةِ التَّكْفِيرِ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ يَعْنِي اعْتِقَادَ كُفْرِ الْمَيِّتِ، وَهَذَا مَسْلَكُ الْخَوَارِجِ. أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ، فَيَرَوْنَ أَنَّ "الْإِصْرَارَ" عَلَى الْكَبَائِرِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِغْفَارَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ لِعُمُومِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالْفَاجِرُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الِاسْمِ مَا دَامَ مُوَحِّداً. وَمِنْ لَطَائِفِ التَّأْصِيلِ أَنَّ حُقُوقَ الْمُسْلِمِ السِّتَّةَ، وَمِنْهَا اتِّبَاعُ الْجَنَازَةِ، هِيَ حُقُوقٌ لِلْمَاهِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَا لِلْمَرْتَبَةِ الْإِحْسَانِيَّةِ؛ فَيَسْتَوِي فِيهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ. وَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى بَعْضِ الْعُصَاةِ (كَقَاتِلِ نَفْسِهِ أَوْ صَاحِبِ الدَّيْنِ) فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ، فَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ التَّعْزِيرِ وَالزَّجْرِ، وَلَمْ يَمْنَعِ الصَّحَابَةَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، بَلْ قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ»، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ حَقِّ الصَّلَاةِ لَهُ. وَهَذَا التَّوَازُنُ الدَّقِيقُ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَاجِرِ إِقْرَاراً بِإِيمَانِهِ، وَبَيْنَ تَرْكِ الْوُجَهَاءِ لَهَا زَجْراً لِغَيْرِهِ، هُوَ مَحْضُ الْحِكْمَةِ الشَّرْعِيَّةِ. إِنَّ بَقَاءَ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ بِعِبَادِهِ، وَبُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ يَعْصِمُ صَاحِبَهُ فَوْقَ الْأَرْضِ وَتَحْتَ الثَّرَى. فَلَا نَحْكُمُ لِفَاجِرٍ بِالنَّارِ، وَلَا نَمْنَعُ عَنْهُ طَلَبَ الْجَنَّةِ، بَلْ نَفِي لَهُ بِحَقِّهِ الَّذِي أَوْجَبَهُ اللهُ، نَاقِلِينَ أَمْرَهُ إِلَى مَشِيئَةِ رَبِّهِ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً.
&______________________[ الْحَاشِيَةُ ]________________________&
-
تَخْرِيجُ الْأَدِلَّةِ:
- الْآيَةُ: سُورَةُ مُحَمَّدٍ، رَقْمُ (19).
- الْحَدِيثُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ السَّلَامِ، بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ، رَقْمُ (2162).
- أَثَرُ ابْنِ سِيرِينَ: أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ج (1)، ص (157)، رَقْمُ (311).
- أَثَرُ زُهَيْرٍ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ"، ص (220)، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
-
تَرَاجِمُ الْأَعْلَامِ (مُوَسَّعَةٌ):
- الإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ: هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مَنْصُورٍ الطَّبَرِيُّ الرَّازِيُّ (ت: 418هـ). إِمَامٌ، حَافِظٌ، فَقِيهٌ شَافِعِيُّ الْمَذْهَبِ، سَلَفِيُّ الِاعْتِقَادِ. لُقِّبَ بِاللَّالَكَائِيِّ نِسْبَةً إِلَى بَيْعِ "اللَّالِ" وَهِيَ الْأَحْذِيَةُ. كَانَ مِنْ أَئِمَّةِ بَغْدَادَ، وَاشْتُهِرَ بِكِتَابِهِ الْعَظِيمِ "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ"، وَهُوَ أَهَمُّ مَرْجِعٍ فِي نَقْلِ آثَارِ السَّلَفِ الْمُسْنَدَةِ فِي الْعَقِيدَةِ.
- الإِمَامُ مُحَمَّد بْنُ سِيرِينَ: أَبُو بَكْرٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ (وُلِدَ: 33هـ - ت: 110هـ). مِن كِبَارِ التَّابِعِينَ وَفُقَهَائِهِمْ، كَانَ إِمَاماً فِي التَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤَى. عُرِفَ بِالْوَرَعِ الشَّدِيدِ وَالْتِزَامِ السُّنَّةِ، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ". كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ فِي نُفُوسِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ.
- الإِمَامُ ابْنُ أَبِي زَمَنِينَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عِيسَى الْمُرِّيُّ الْإِلْبِيرِيُّ الْقُرْطُبِيُّ (وُلِدَ: 324هـ - ت: 399هـ). مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَدِّثِيهِمْ بِالْأَنْدَلُسِ. كَانَ عَالِماً زَاهِداً رَأْساً فِي السُّنَّةِ، مُتَقَلِّلًا مِنَ الدُّنْيَا. لَهُ كِتَابُ "أُصُولِ السُّنَّةِ" الَّذِي اخْتَصَرَ فِيهِ كِتَابَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَزَادَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ أَعَمِّ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْعَقِيدَةِ الْأَثَرِيَّةِ.
- زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ: هُوَ زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ بْنِ مِلْحٍ الرُّؤَاسِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ (ت: 238هـ). نَزَلَ بَغْدَادَ وَكَانَ ثِقَةً، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. كَانَ مَوْصُوفاً بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَالْحِرْصِ عَلَى آثَارِ الْمَشَايِخِ، وَهُوَ مِمَّنْ نَقَلَ إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
-
فَوَائِدُ وَقَوَاعِدُ إِضَافِيَّةٌ:
- (9) فَائِدَةٌ: السَّلَفُ كَانُوا لَا يَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ لِئَلَّا يَنْفَتِحَ بَابُ التَّكْفِيرِ.
- (10) ضَابِطٌ: "أَهْلُ الْقِبْلَةِ" هُمُ الْمُوَحِّدُونَ الَّذِينَ لَمْ يَرْتَكِبُوا نَاقِضاً صَرِيحاً مِنَ النَّوَاقِضِ.
- (11) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (2)، ص (405).
- (12) قَاعِدَةٌ: الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعْصِيَةِ بِنَصِّ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ.
- (13) فَائِدَةٌ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَعْظَمِ سُبُلِ الشَّفَاعَةِ.
- ____________________________________________________ 《62 》.
(الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى لِلْوَجْهِ الثَّانِي عَشَرَ: مَقَاصِدُ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ) - [ص (62)]
[أَوَّلاً: مَقْصَدُ الشَّيْخِ رِيحَان مِنْ هَذَا الْعُنْوَانِ]
يَسْتَهْدِفُ الشَّيْخُ مُحَمَّد رِيحَان مِنْ تَقْرِيرِ أَنَّ (الصَّلَاةَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَمْ فَاجِرًا) إِثْبَاتَ صِحَّةِ عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي "بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ" مَعَ الْمَعْصِيَةِ. فَوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِهَذَا الْعُنْوَانِ هُوَ جَعْلُ "الصَّلَاةِ وَالِاسْتِغْفَارِ" مِعْيَاراً ظَاهِراً لِتَحْقِيقِ الْوَلَاءِ الْإِيمَانِيِّ؛ فَلَوْ كَانَ الْفَاجِرُ خَارِجاً مِنَ الْمِلَّةِ لَمَا جَازَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ، فَمَقْصِدُ الشَّيْخِ هُوَ نَسْفُ مَذْهَبِ الْوَعِيدِيَّةِ تَطْبِيقاً لَا تَنْظِيراً فَقَطْ.
[ثَانِيًا: وُجُوهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْأَدِلَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ]
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَةِ (مُحَمَّد: 19): الِاسْتِدْلَالُ هُنَا بِالْعُمُومِ فِي قَوْلِهِ {وَلِلْمُؤْمِنِينَ}؛ حَيْثُ لَمْ يُفَرِّقِ اللهُ بَيْنَ طَائِعٍ وَعَاصٍ فِي مَقَامِ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ "مُطْلَقَ الْإِيمَانِ" كَافٍ لِاسْتِحْقَاقِ دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَهَذَا يَقْطَعُ قَوْلَ مَنْ مَنَعَ الِاسْتِغْفَارَ لِلْعُصَاةِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ (حَقُّ الْمُسْلِمِ): وَجْهُهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ "اتِّبَاعَ الْجَنَازَةِ" حَقًّا ثَابِتاً بِمُجَرَّدِ وَصْفِ "الْإِسْلَامِ"، وَالْفَاجِرُ مُسْلِمٌ، فَلَهُ حَقُّ الِاتِّبَاعِ وَالصَّلَاةِ، وَلَا يَسْقُطُ هَذَا الْحَقُّ بِالْفُجُورِ، لِأَنَّ الْحُقُوقَ الشَّرْعِيَّةَ مُرْتَبِطَةٌ بِالْعِصْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِأَثَرِ ابْنِ سِيرِينَ: يَسْتَشْهِدُ بِهِ لِنَقْلِ "الْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ" لِلصَّحَابَةِ، حَيْثُ نَفَى ابْنُ سِيرِينَ عِلْمَهُ بِأَحَدٍ تَرَكَ الصَّلَاةَ "تَأَثُّمًا" (أَيْ اعْتِقَاداً لِلْإِثْمِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ)، وَفِي هَذَا رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَنْ يَتَدَيَّنُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ.
- وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِأَثَرِ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ: وَجْهُهُ تَقْرِيرُ "اسْتِمْرَارِ الْعَمَلِ" عِنْدَ طَبَقَاتِ الْمَشَايِخِ وَالْعُلَمَاءِ عَلَى مَدَارِ الْأَعْصَارِ، وَأَنَّ "الْعَمَلَ" مَهْمَا عَظُمَ (مَا دُونَ الْكُفْرِ) لَا يَمْنَعُ هَذَا الْأَصْلَ، مِمَّا يُؤَكِّدُ ثَبَاتَ قَوَاعِدِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
[ثَالِثًا: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ (10 أَسْطُرٍ)]
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللهُ-: «إِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ هِيَ أَعْظَمُ مَظَاهِرِ "الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ"، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَاجِرِ تَأَثُّماً هُوَ مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْعَاصِيَ مِنَ الْوَلَاءِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُقَرِّرُونَ أَنَّ حَقَّ الْمُسْلِمِ لَا يَزُولُ بِالْفِسْقِ، بَلْ يَبْقَى لَهُ مِنَ الْوَلَاءِ بِقَدْرِ مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَهَذِهِ الصَّلَاةُ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ تَفْعِيلٌ لِعَقِيدَةِ "الْمَشِيئَةِ"؛ فَنَحْنُ نُصَلِّي عَلَيْهِ نَرْجُو لَهُ الْمَغْفِرَةَ الَّتِي وَعَدَ اللهُ بِهَا مَنْ لَقِيَهُ غَيْرَ مُشْرِكٍ. وَإِنَّمَا كَانَ تَرْكُ النَّبِيِّ ﷺ الصَّلَاةَ عَلَى بَعْضِ الْعُصَاةِ زَجْراً لَا تَحْرِيماً، لِيَعْلَمَ النَّاسُ خُطُورَةَ تِلْكَ الْآثَامِ، مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الصَّلَاةِ مَشْرُوعاً لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَالصَّلَاةُ عَلَى أَهْلِ الْقِبْلَةِ شِعَارٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ يَمْتَازُونَ بِهِ عَنِ الْخَوَارِجِ».
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ مَقْصَدَ الشَّرِيعَةِ مِنْ إِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْفَاجِرِ هُوَ صِيَانَةُ "عِصْمَةِ التَّوْحِيدِ" مِنْ أَنْ تُنْتَهَكَ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ. فَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْعَاصِي بَعْدَ مَوْتِهِ هُوَ اعْتِرَافٌ ضِمْنِيٌّ بِأَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ ذُنُوبَهُ لَمْ تَبْلُغْ بِهِ مَبْلَغَ الرِّدَّةِ. وَإِنَّنِي أَرَى فِي آثَارِ السَّلَفِ -كَابْنِ سِيرِينَ وَزُهَيْرٍ- حِرْصاً بَالِغاً عَلَى عَدَمِ فَتْحِ بَابِ الْهَجْرِ التَّامِّ لِلْمَيِّتِ الْعَاصِي، لِأَنَّ الْمَوْتَ مَقَامُ انْقِطَاعِ الْعَمَلِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى رَحْمَةِ اللهِ. فَالصَّلَاةُ هُنَا لَيْسَتْ تَزْكِيَةً لِفِعْلِهِ، بَلْ هِيَ قِيَامٌ بِـ "حَقِّ الْمِلَّةِ" وَإِظْهَارٌ لِقُوَّةِ رَابِطَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَا تَنْفَصِمُ بِالْكَبَائِرِ. وَبِهَذَا نُحَقِّقُ الْوَسَطِيَّةَ؛ فَلَا نُكَفِّرُ بِالذَّنْبِ فَنَمْنَعُ الصَّلَاةَ، وَلَا نُهَوِّنُ مِنَ الذَّنْبِ فَنَتْرُكُ الزَّجْرَ، بَلْ نُصَلِّي وَنَسْتَغْفِرُ وَنَكِلُ السَّرَائِرَ إِلَى مَنْ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.
&_____________________________[ الْحَاشِيَةُ ]_______________________&
(1) تَوْثِيقُ الِاسْتِشْهَادِ: انْظُرْ "أُصُولُ السُّنَّةِ" لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ، ص (220)، وَفِيهِ تَقْرِيرُ مَذَاهِبِ مَشَايِخِ الْأَنْدَلُسِ فِي ذَلِكَ.
(2) قَاعِدَةٌ: الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، تَقُومُ بِهَا طَائِفَةٌ لِإِسْقَاطِ الْإِثْمِ عَنِ الْبَاقِينَ.
(3) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "أَهْلُ الْقِبْلَةِ" هُوَ الْمُصْطَلَحُ السَّلَفِيُّ لِمَنْ تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ.
(4) ضَابِطٌ: تَرْكُ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ لِلصَّلَاةِ عَلَى صَاحِبِ كَبِيرَةٍ هُوَ مِنَ "السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ" لَا مِنَ "الْأَحْكَامِ الِاعْتِقَادِيَّةِ".
(5) تَوْثِيقُ الْأَثَرِ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (1)، ص (157).
(6) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "تَأَثُّمًا" أَيْ تَنَزُّهاً عَنِ الْفِعْلِ بِظَنِّ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ.
(7) تَرْجَمَةٌ مُوجَزَةٌ لِزُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ: ثِقَةٌ سُنِّيٌّ (ت: 238هـ)، كَانَ يَنْقُلُ عَقَائِدَ السَّلَفِ بِدِقَّةٍ.
(8) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الدَّلِيلُ إِذَا طَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ (فِي تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّلَاةِ) سَقَطَ بِهِ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ.
(9) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْمُعْتَقَدِ" لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ).
(10) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ مَقَاصِدِ الِاسْتِشْهَادِ وَتَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي حُقُوقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.
__________________________________________________________《 63 》
التتمة2(الْوَجْهُ َالثاني عشَرَ: تَفْسِيرُ آيَةِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ) - [ص (63)]
[أَوَّلاً: نُصُوصُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ...}]
- (1) تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ: يُقَرِّرُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ لِذَنْبِهِ تَعَبُّداً وَتَشْرِيعاً، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ لِيَكُونَ شَفِيعاً لَهُمْ. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عِنْدَهُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ عَامٌّ لَا يَخْتَصُّ بِالصَّالِحِينَ دُونَ الْعُصَاةِ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ فِي عَقْدِ الْإِيمَانِ شَمَلَتْهُ بَرَكَةُ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ. وَيَرَى أَنَّ فِي هَذَا تَعْلِيماً لِلْأُمَّةِ أَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْغَيْرِ مَظِنَّةُ الْإِجَابَةِ. كَمَا يَنْقُلُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ جَاءَتْ بَعْدَ ذِكْرِ حَالِ الْكُفَّارِ، لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ مَنْ حُرِمَ الْمَغْفِرَةَ بِكُفْرِهِ، وَبَيْنَ مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابُ الرَّحْمَةِ بِإِيمَانِهِ وَإِنْ قَصَّرَ فِي الْعَمَلِ، فَالْإِيمَانُ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِهَذَا الدُّعَاءِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ بَقَاءً وَدَوَاماً. [انْظُرْ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ، ج (7)، ص (284)].
- (2) تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ: يُؤَكِّدُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِيهِ رَفْعٌ لِدَرَجَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَطْهِيرٌ لِأُمَّتِهِ. وَيَسْتَدِلُّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّ حَقَّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ بَلَغَ مَقَامَ النُّبُوَّةِ؟ وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا هُوَ مَوْضِعُ الشَّاهِدِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْخَوَارِجِ؛ فَلَوْ كَانَ الْفَاجِرُ خَارِجاً مِنَ الْإِيمَانِ لَمَا دَخَلَ فِي عُمُومِ الْأَمْرِ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَيُورِدُ ابْنُ كَثِيرٍ أَحَادِيثَ فِي فَضْلِ الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُؤْمِنِينَ، مُعْتَبِراً ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْإِحْسَانِ بَيْنَ أَهْلِ الْمِلَّةِ. فَالْآيَةُ عِنْدَهُ تَقْتَضِي عَدَمَ الْيَأْسِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ خَيْرَ خَلْقِهِ أَنْ يَطْلُبَ لَهُمُ الْعَفْوَ، وَاللهُ لَا يَأْمُرُ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَغْفِرَةَ ذُنُوبِهِمْ مَرْجُوَّةٌ وَمُمْكِنَةٌ. [انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج (7)، ص (320)].
- (3) تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ: يُبَيِّنُ السَّعْدِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: عِلْمُ الْقَلْبِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالْعَمَلُ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَشْمَلُ الِاسْتِغْفَارَ لِذُنُوبِهِمْ، وَالدُّعَاءَ لَهُمْ بِصَلَاحِ الْأَحْوَالِ. وَيُؤَصِّلُ السَّعْدِيُّ لِقَاعِدَةِ "الْوَلَاءِ الْإِيمَانِيِّ" مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ فَالْمُؤْمِنُ بِسَبَبِ إِيمَانِهِ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ذُنُوبٌ تَقْتَضِي الْعُقُوبَةَ. فَالِاسْتِغْفَارُ يَمْحُو الْآثَارَ السَّيِّئَةَ لِلْمَعَاصِي، وَهَذَا مِنْ ثَمَرَاتِ الْأُخُوَّةِ فِي الدِّينِ. وَيَرَى السَّعْدِيُّ أَنَّ تَقْدِيمَ الِاسْتِغْفَارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ الْقُدْوَةُ، وَأَنَّ طَلَبَ الْمَغْفِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ هُوَ مِنْ تَمَامِ النُّصْحِ لِلرَّعِيَّةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ هُمْ أَرْحَمُ الْخَلْقِ بِالْخَلْقِ، حَيْثُ لَمْ يَمْنَعُوا الِاسْتِغْفَارَ عَنْ عُصَاتِهِمْ. [انْظُرْ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص (785)].
- (4) تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يَشْرَحُ ابْنُ عُثَيْمِينَ الْآيَةَ بِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ لَا يُنَافِي أَصْلَ الْإِيمَانِ، لِأَنَّ اللهَ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ مَعَ أَمْرِهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ هُوَ "طَلَبُ السَّتْرِ وَالتَّجَاوُزِ"، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ كَانَ عُرْضَةً لِلْخَطَأِ. وَيُوَجِّهُ الِاسْتِدْلَالَ بِأَنَّ مَنْ مَنَعَ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُصِرِّ عَلَى الْكَبِيرَةِ فَقَدْ خَالَفَ ظَاهِرَ الْآيَةِ، إِذْ لَمْ يُقَيِّدِ اللهُ الِاسْتِغْفَارَ بِالتَّائِبِينَ فَقَطْ فِي هَذَا الْمَقَامِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ تُرَبِّي فِي الْمُؤْمِنِ سَلَامَةَ الصَّدْرِ تِجَاهَ إِخْوَانِهِ، فَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ بِمَنْظَارِ الِاحْتِقَارِ لِمَعَاصِيهِمْ، بَلْ بِمَنْظَارِ الرَّحْمَةِ الَّتِي تَدْفَعُهُ لِلدُّعَاءِ لَهُمْ. وَيَخْلُصُ إِلَى أَنَّ اسْتِمْرَارَ هَذَا التَّشْرِيعِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بُرْهَانٌ عَلَى أَنَّ عُصَاةَ الْمُوَحِّدِينَ بَاقُونَ فِي رِبْقَةِ الدِّينِ، وَلَهُمْ حَقُّ الشَّفَاعَةِ وَالدُّعَاءِ. [انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ (سُورَةُ مُحَمَّد)، ص (245)].
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ يَرْتَكِزُ عَلَى إِثْبَاتِ "الْإِيمَانِ الْوَاصِفِ" لِلْعُصَاةِ؛ حَيْثُ نَادَاهُمُ اللهُ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ {وَالْمُؤْمِنِينَ} فِي مَعْرِضِ طَلَبِ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ. وَهَذَا يَقْطَعُ قَوْلَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَسْلُبُونَ عَنْهُمُ الِاسْمَ بِالْكُلِّيَّةِ، وَقَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي مَنْزِلَتِهِمْ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ. وَالْبَاحِثُ يُقَرِّرُ أَنَّ الِاسْتِغْفَارَ لِلْفَاجِرِ هُوَ عَمَلٌ بِمُقْتَضَى "الْوَلَاءِ الْإِيمَانِيِّ" الَّذِي لَا يَنْفَصِمُ بِالْمَعْصِيَةِ مَا دَامَ أَصْلُ التَّوْحِيدِ ثَابِتاً. وَالتَّعْلِيقُ عَلَى هَذِهِ التَّفَاسِيرِ يُثْبِتُ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَابَ الرَّحْمَةِ لَا يُغْلَقُ فِي وَجْهِ مُوَحِّدٍ، وَأَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ ﷺ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ هُوَ أَعْظَمُ حُجَّةٍ فِي بَقَائِهِمْ ضِمْنَ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ. إِنَّ كُلَّ مُفَسِّرٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ سَلَكَ طَرِيقاً فِي إِثْبَاتِ هَذَا الْأَصْلِ؛ فَالْبَغَوِيُّ رَبَطَهُ بِالْعُمُومِ، وَابْنُ كَثِيرٍ بِحَقِّ الشَّفَاعَةِ، وَالسَّعْدِيُّ بِمُوجِبَاتِ الْأُخُوَّةِ، وَابْنُ عُثَيْمِينَ بِالرَّدِّ عَلَى الِانْحِرَافَاتِ الْعَقَدِيَّةِ. وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ "مِيثَاقُ الرَّحْمَةِ" لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ، تُبَيِّنُ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ مَهْمَا بَلَغَتْ فَإِنَّهَا لَا تَمْنَعُ شُمُولَهُمْ بِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْنَا الْتِزَامَ هَذَا الْمَنْهَجِ فِي عَدَمِ تَكْفِيرِ أَحَدٍ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ بِذَنْبٍ لَمْ يَسْتَحِلَّهُ، وَبَقَاءِ حَقِّ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً.
&___________________________[ الْحَاشِيَةُ ]________________________________&
(1) مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ (الْبَغَوِيُّ): ج (7)، ص (284)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(2) تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (ابْنُ كَثِيرٍ): ج (7)، ص (320)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(3) تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ (السَّعْدِيُّ): ص (785)، ط. مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ.
(4) تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: (سُورَةُ مُحَمَّدٍ)، ص (245)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(5) فَائِدَةٌ: تَقْدِيمُ {لِذَنْبِكَ} عَلَى {لِلْمُؤْمِنِينَ} لِبَيَانِ أَهَمِّيَّةِ بَدَاءَةِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
(6) قَاعِدَةٌ: كُلُّ مُؤْمِنٍ فَهُوَ وَلِيُّ اللهِ بِحَسَبِ مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَهُ حَقُّ الدُّعَاءِ.
(7) ضَابِطٌ: الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُشْرِكِينَ مَمْنُوعٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، لِانْقِطَاعِ سَبَبِ الْمَغْفِرَةِ وَهُوَ التَّوْحِيدُ.
(8) تَوْثِيقٌ: "جَامِعُ الْبَيَانِ" لِلطَّبَرِيِّ فِي رَدِّهِ عَلَى مَنْ جَعَلَ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمَعْصُومِينَ فَقَقْط.
(9) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: هَذِهِ الْآيَةُ تُرَسِّخُ مَفْهُومَ "تَبْعِيضِ الْإِيمَانِ" وَثُبُوتِ الْوَلَايَةِ النَّاقِصَةِ لِلْعَاصِي.
(10) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ التَّفْسِيرِ فِي تَقْرِيرِ أَعْظَمِ نُصُوصِ الرَّحْمَةِ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ.
____________________________________________________《64》_________________________
المتتمة 3(الْوَجْهُ الْثاني عَشَرَ: شَرْحُ حَدِيثِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ السِّتِّ) - [ص (64)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ». قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللهَ فَسَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ».
[ثَانِيًا: شُرُوحُ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ الْحَدِيثِ]
(1) قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
يُقَرِّرُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ الَّتِي عَقَدَهَا اللهُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «حَقُّ الْمُسْلِمِ» يَشْمَلُ بَرَكَةَ هَذَا الِاسْمِ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ فِيهِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ تُورِثُ الْمَحَبَّةَ وَتَنْفِي الضَّغِينَةَ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُسْلِمِ بِمُجَرَّدِ إِسْلَامِهِ، فَلَا يَسْتَهِينُ الْمُؤْمِنُ بِحَقِّ أَخِيهِ وَإِنْ رَأَى مِنْهُ تَقْصِيراً. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "اتِّبَاعَ الْجَنَازَةِ" خَاتِمَةُ هَذِهِ الْحُقُوقِ فِي الدُّنْيَا، وَفِيهِ إِعْلَانٌ لِلْمُوَالاةِ حَتَّى بَعْدَ الْمَوْتِ. وَيَرَى أَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ هَذِهِ الْأُمُورَ لِتَكُونَ حِصْناً لِلْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ مِنْ تَفَرُّقِ الْأَهْوِاءِ، فَإِذَا قَامَ الْمُسْلِمُ بِحَقِّ أَخِيهِ الْفَاجِرِ فَقَدْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ وَأَبْقَى لَهُ خَيْطَ الرَّجَاءِ فِي الْعَوْدَةِ وَالْإِنَابَةِ، فَالْإِسْلَامُ عِصْمَةٌ لِلْحُقُوقِ كَمَا هُوَ عِصْمَةٌ لِلدِّمَاءِ. (1)
(2) قَوْلُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ:
يَشْرَحُ ابْنُ حَجَرٍ فِي "الْفَتْحِ" أَنَّ إِضَافَةَ الْحَقِّ إِلَى الْمُسْلِمِ تَقْتَضِي الِاسْتِحْقَاقَ، وَأَنَّ هَذِهِ السِّتَّ مَذْكُورَةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ لِأُمَّهَاتِ الْحُقُوقِ لَا الْحَصْرِ. وَيَسْتَنْبِطُ مِنْ قَوْلِهِ «فَاتَّبِعْهُ» أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَازَةِ وَتَشْيِيعَهَا هِيَ مِنْ تَمَامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الدِّينُ، وَهِيَ لَا تُحْجَبُ عَنِ الْمُسْلِمِ بِسَبِبِ مَعَاصِيهِ مَا لَمْ يَمْرُقْ مِنَ الدِّينِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ تَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْوُجُوبِ الْكِفَائِيِّ وَالْعَيْنِيِّ وَالنَّدْبِ الْمُؤَكَّدِ، لَكِنَّ أَصْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فِيهَا وَاحِدٌ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ جَعْلَ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَازَةِ مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ يُعَزِّزُ مَفْهُومَ "الْجَسَدِ الْوَاحِدِ"، حَيْثُ لَا يَنْظُرُ الْمُؤْمِنُ إِلَى خَطَأِ أَخِيهِ بِقَدْرِ مَا يَنْظُرُ إِلَى حَقِّ عَقِيدَتِهِ الَّتِي تَجْمَعُهُمَا. (2)
(3) قَوْلُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُؤَصِّلُ ابْنُ عُثَيْمِينَ لِلْقَاعِدَةِ الْجَامِعَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ أَنَّ "الْإِيمَانَ لَا يَزُولُ بِالْمَعْصِيَةِ"، وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ لَهُ حُقُوقُ الْإِسْلَامِ كَامِلَةً. فَيُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وَيُشَمَّتُ إِذَا عَطَسَ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ، لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ هَذِهِ الْأَحْكَامَ بِوَصْفِ "الْمُسْلِمِ" وَلَمْ يُعَلِّقْهَا بِوَصْفِ "الْمُتَّقِي". وَيُحَذِّرُ مِنْ مَسْلَكِ الْجَفَاءِ الَّذِي يَتَّبِعُهُ بَعْضُ النَّاسِ بِتَرْكِ السَّلَامِ عَلَى الْعُصَاةِ أَوْ تَرْكِ جَنَائِزِهِمْ بِمُجَرَّدِ أَهْوَائِهِمْ، مُبَيِّناً أَنَّ الْهَجْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِذَا تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَقِّ. وَيَرَى أَنَّ تَنْفِيذَ هَذِهِ الْحُقُوقِ مَعَ الْعُصَاةِ هُوَ مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الدَّعْوَةِ وَالتَّأْلِيفِ، لِأَنَّ الْعَاصِيَ إِذَا رَأَى تَمَسُّكَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِحُقُوقِهِ رَغِمَ تَقْصِيرِهِ، انْقَادَ لِلْحَقِّ وَعَلِمَ سَمَاحَةَ هَذَا الدِّينِ. (3)
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِشُرَّاحِ الْأَصْلِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ الَّذِي اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الشُّرَّاحِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ إِثْبَاتُ "الْوَلَاءِ لِلْعَاصِي بِقَدْرِ مَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ". فَالْحَدِيثُ يُبْطِلُ مَذْهَبَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَسْلُبُونَ عَنِ الْعَاصِي اسْمَ الْإِسْلَامِ وَحُقُوقَهُ، وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ الذَّنْبَ نَاقِضاً لِلْعِصْمَةِ الْمِلِّيَّةِ. وَأَصْلُ كَلَامِهِمْ يَدُورُ حَوْلَ أَنَّ هَذِهِ السِّتَّ هِيَ "حُقُوقٌ عَقَدِيَّةٌ" قَبْلَ أَنْ تَكُونَ آدَاباً اجْتِمَاعِيَّةً؛ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِإِسْلَامِ الطَّرَفِ الْآخَرِ. فَالصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَازَةِ (وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ) هِيَ شَهَادَةٌ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ هُوَ إِقْرَارٌ بِأَنَّهُ مِمَّنْ تُرْجَى لَهُمُ الرَّحْمَةُ وَلَا يُقْطَعُ لَهُمْ بِالْخُلُودِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يُرَسِّخُ مَفْهُومَ "تَبْعِيضِ الْإِيمَانِ"؛ فَهُوَ مُسْلِمٌ حَرَامُ الدَّمِ مَوْرُوثٌ مَدْفُونٌ فِي مَقَابِرِنَا، مَهْمَا كَانَ فَاجِراً، مَا لَمْ يَأْتِ بِمُكَفِّرٍ بَوَاحٍ. وَبِهَذَا تَتَّصِلُ رَوَابِطُ الْمِلَّةِ وَتُحْمَى جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّفَكُّكِ الِاعْتِقَادِيِّ.
&__________________________[ الْحَاشِيَةُ ]______________________________&
تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ السَّلَامِ، بَابُ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ رَدُّ السَّلَامِ، رَقْمُ (2162). وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ "خَمْسٌ" رَقْمُ (1240). وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مَحَلُّ إِجْمَاعٍ.
جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ (ابْنُ رَجَبٍ): انْظُرْ شَرْحَ الْحَدِيثِ الْخَامِسِ وَالثَّلَاثِينَ "لَا تَحَاسَدُوا.."، حَيْثُ أَصَّلَ لِحُقُوقِ الْإِسْلَامِ، ج (2)، ص (270)، ط. الرِّسَالَةِ.
فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): ج (3)، ص (113)، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، ط. دَارِ الْمَعْرِفَةِ.
شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ (ابْنُ عُثَيْمِينَ): ج (1)، ص (566)، بَابُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَتَشْيِيعِ الْمَيِّتِ، ط. دَارِ الْوَطَنِ.
فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: قَوْلُهُ ﷺ «حَقُّ الْمُسْلِمِ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا تَسْقُطُ بِالْفِسْقِ.
قَاعِدَةٌ: كُلُّ ذَنْبٍ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ حُقُوقِ الْمِلَّةِ.
ضَابِطٌ: اتِّبَاعُ الْجَنَازَةِ يَشْمَلُ الصَّلَاةَ وَالدَّفْنَ وَالدُّعَاءَ، وَكُلُّهَا شَفَاعَةٌ لِلْمُوَحِّدِ.
تَوْثِيقٌ: "الْمُفْهِمُ" لِلْقُرْطُبِيِّ، ج (5)، ص (495) فِي شَرْحِ حَدِيثِ السِّتِّ.
فَائِدَةٌ: النَّصِيحَةُ (فَانْصَحْ لَهُ) شَامِلَةٌ لِلْمُسْلِمِ فِي حَالِ غَيْرَتِهِ وَفِسْقِهِ لِيَرْتَدِعَ.
تَنْبِيهٌ: الْفِرَقُ الضَّالَّةُ (الْخَوَارِجُ) تَمْنَعُ اتِّبَاعَ جَنَازَةِ الْفَاجِرِ بِنَاءً عَلَى تَكْفِيرِهِ.
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمُشْتَقِّ (الْمُسْلِمِ) يُؤْذِنُ بِعِلِّيَّةِ مَا مِنْهُ الِاشْتِقَاقُ (الْإِسْلَامِ).
تَوْثِيقٌ: "تَوْضِيحُ الْأَحْكَامِ" لِلْبَسَّامِ، ج (3)، ص (15).
فَائِدَةٌ: التَّشْمِيتُ دُعَاءٌ بِالرَّحْمَةِ، وَالْفَاجِرُ مِمَّنْ يُدْعَى لَهُ بِالرَّحْمَةِ.
بَصْمَةُ الْبَاحِثِ: هَذَا الْحَدِيثُ يُعَدُّ مِنْ أَقْوَى الرُّدُودِ الْعَمَلِيَّةِ عَلَى الْفِكْرِ التَّكْفِيرِيِّ.
خَاتِمَةُ الْحَاشِيَةِ: تَمَّ تَوْثِيقُ النُّقُولِ مِنْ أُمَّهَاتِ كُتُبِ الشَّرْحِ لِتَحْقِيقِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَقَدِيِّ.
________________________________________________《 65 》___________
(الْوَجْهُ السَّادِسُ عَشَرَ: شَرْحُ آثَارِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْفَاجِرِ) - [ص (65)]
[أَوَّلاً: شُرُوحُ الْعُلَمَاءِ لِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ]
- (1) قَوْلُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ سِيرِينَ "لَا نَعْلَمُ" هُوَ حِكَايَةٌ لِلْإِجْمَاعِ الْعَمَلِيِّ لِلصَّحَابَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ بِنِيَّةِ التَّدَيُّنِ أَوِ الِاعْتِقَادِ (تَأَثُّمًا) هُوَ خِلَافُ هَدْيِ السَّلَفِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ السُّنِّيِّ وَالْبِدَعِيِّ؛ فَالسُّنِّيُّ يَرَى أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ تَعْصِمُ صَاحِبَهَا وَتُوجِبُ لَهُ الصَّلَاةَ حَتَّى يَرْتَدَّ يَقِيناً. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ "وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ" يُقْصَدُ بِهِ مَا دُونَ الشِّرْكِ، لِأَنَّ "أَهْلَ الْقِبْلَةِ" مَنُوطٌ بِهِمْ هَذَا الْحُكْمُ. فَالْمَشَايِخُ الَّذِينَ أَدْرَكَهُمْ زُهَيْرٌ كَانُوا يَرَوْنَ الِاسْتِغْفَارَ لِلْمُسْلِمِ مَهْمَا عَظُمَتْ جَرِيرَتُهُ، تَحْقِيقاً لِرَابِطَةِ الْإِيمَانِ الْكُبْرَى، وَرَدًّا عَلَى نَزَعَاتِ الْغُلُوِّ الَّتِي حَاوَلَتْ هَدْمَ هَذَا السِّيَاجِ الشَّرْعِيِّ الْمَتِينِ.
- (2) قَوْلُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِّنْدِيِّ: يَشْرَحُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ هَذِهِ الْآثَارَ بِأَنَّهَا تُرَسِّخُ مَفْهُومَ "عَدَمِ الْقَطْعِ بِالْخُلُودِ لِلْعَاصِي"؛ إِذْ لَوْ كَانَ مَقْطُوعاً لَهُ بِالنَّارِ لَمَا جَازَتِ الشَّفَاعَةُ لَهُ بِالصَّلَاةِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ "التَّأَثُّمَ" الَّذِي نَفَاهُ ابْنُ سِيرِينَ يَعْنِي أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمُذْنِبِ مَنْقَصَةً لِلدِّينِ أَوْ إِثْماً، بَلْ يَرَوْنَهَا حَقًّا مَحْضاً. وَيَسْتَنْبِطُ مِنْ كَلَامِ زُهَيْرٍ أَنَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَقِيدَةٌ "عَمَلِيَّةٌ" تَتَجَلَّى عِنْدَ الْمَحَانِكِ، فَالْمُصِرُّ عَلَى الْكَبِيرَةِ لَا يُهْجَرُ فِي جَنَازَتِهِ هَجْرَ تَرْكٍ لِلْإِسْلَامِ، بَلْ يُعَامَلُ بِرَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ. فَهَذِهِ الْآثَارُ عِنْدَهُ هِيَ الرَّدُّ الْقَاطِعُ عَلَى شُبْهَةِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي، بَلْ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ حِرْصاً عَلَى صِيَانَةِ دِمَاءِ وَأَعْرَاضِ وَجَنَائِزِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
- (3) قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يُبَيِّنُ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ هَذِهِ النُّقُولَ تُمَثِّلُ "الْإِجْمَاعَ الْمَحْكِيَّ" فِي كُتُبِ الْمُسْنَدَاتِ الْعَقَدِيَّةِ، وَأَنَّ رَبْطَ الصَّلَاةِ بِـ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ هُوَ الْحَاكِمُ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ قَوْلَ زُهَيْرٍ "وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ" هُوَ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مَعاً؛ فَالْمُرْجِئَةُ لَا يَضُرُّ عِنْدَهُمْ ذَنْبٌ، وَالْوَعِيدِيَّةُ يَجْعَلُونَ الذَّنْبَ كُفْراً، أَمَّا السَّلَفُ فَأَثْبَتُوا الذَّنْبَ (وَإِنْ عَمِلَ) وَأَثْبَتُوا الْحَقَّ (لَا نَتْرُكَ الصَّلَاةَ).
- وَيَرَى التَّمِيمِيُّ : أَنَّ هَذِهِ الْآثَارَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ "الزَّجْرِ عَنِ الْمَعْصِيَةِ" وَبَيْنَ "إِخْرَاجِ الْعَاصِي مِنَ الْمِلَّةِ"؛ فَالزَّجْرُ يَكُونُ لِلْأَحْيَاءِ، وَأَمَّا الْمَيِّتُ فَقَدْ أَفْضَى إِلَى مَا قَدَّمَ، وَلَهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَقُّ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ، وَهَذَا مِنْ أُصُولِ "الِائْتِلَافِ" الَّتِي قَامَتْ عَلَيْهَا السُّنَّةُ.
ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
قُلْتُ : إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ لِهَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ يَنْطَلِقُ مِنْ قَاعِدَةِ "بَقَاءِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ بِالْيَقِينِ"؛ فَالَّذِي دَخَلَ الدِّينَ بِشَهَادَةٍ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا بِمَا يُنَاقِضُهَا.
قلت : أَنَّ نَقْلَ ابْنِ سِيرِينَ لِعَمَلِ الصَّحَابَةِ يُثْبِتُ أَنَّ "الْفِسْقَ" مَهْمَا عَظُمَ لَا يَقْطَعُ حُقُوقَ الْأُخُوَّةِ، لِأَنَّ الصَّلَاةَ شَفَاعَةٌ، وَالشَّفَاعَةُ لِلْمُذْنِبِينَ مَشْرُوعَةٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
قلت : أَرَى أَنَّ قَوْلَ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ يَحْسِمُ مَادَّةَ الْغُلُوِّ فِي التَّهَاجُرِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَالْمَوْتُ مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ، وَتَرْكُ الصَّلَاةِ "تَأَثُّماً" هُوَ افْتِئَاتٌ عَلَى مَشِيئَةِ اللهِ.
نؤَصِّلُ هُنَا لِعَقِيدَةِ السَّلَفِ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْقِبْلَةِ فَهُوَ مُسْلِمٌ، نُوَالِيهِ عَلَى إِيمَانِهِ وَإِنْ أَبْغَضْنَا فِسْقَهُ، وَنَقُومُ بِحَقِّ جَنَازَتِهِ تَصْدِيقاً لِعَقْدِ الْإِسْلَامِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ.
وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ الْمَسَائِلُ، وَيَنْكَشِفُ زَيْفُ مَنْ يَتَّخِذُ الذُّنُوبَ مَطِيَّةً لِتَكْفِيرِ الْعُمُومِ أَوْ مَنْعِ الرَّحْمَةِ عَنِ الْمُوَحِّدِينَ.
&____________________________[الْحَاشِيَةُ ]_______________________________&
(1) تَوْثِيقُ أَثَرِ ابْنِ سِيرِينَ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (1)، ص (157)، رَقْمُ (311).
(2) تَوْثِيقُ أَثَرِ زُهَيْرِ بْنِ عَبَّادٍ: "أُصُولُ السُّنَّةِ" لِابْنِ أَبِي زَمَنِينَ، ص (220).
(3) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ: انْظُرْ "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ" (تَسْجِيلَاتُ الْإِسْلَامِ)، مَادَّةُ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ".
(4) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ: "شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ" (الدَّرْسُ التَّاسِعُ).
(5) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ الدِّينِ"، ص (218).
(6) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الِامْتِنَاعُ عَنِ الصَّلَاةِ زَجْراً لَا يُسَمَّى "تَأَثُّماً"، بَلْ يُسَمَّى "سِيَاسَةً شَرْعِيَّةً".
(7) ضَابِطٌ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ لَا يُصَلِّي الْبَتَّةَ فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" عِنْدَ جَمْعٍ مِنَ السَّلَفِ.
(8) تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (2)، ص (405) فِي نَقْلِ إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ.
(9) قَاعِدَةٌ: لَا يَخْرُجُ الْعَبْدُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا بِجُحُودِ مَا أَدْخَلَهُ فِيهِ.
(10) فَائِدَةٌ: زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ نَقَلَ هَذَا الْأَصْلَ عَنْ مَشَايِخِ الْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ وَبَغْدَادَ.
(11) تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ "وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ" مَشْرُوطٌ بِبَقَاءِ التَّوْحِيدِ.
(12) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "أَهْلُ الْقِبْلَةِ" لَفْظٌ عَامٌّ تَنَاولُهُ الْأَدِلَّةُ بِالِاسْتِغْرَاقِ.
(13) فَائِدَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ: الصَّلَاةُ عَلَى الْفَاجِرِ فِيهَا تَثْبِيتٌ لِأَهْلِهِ وَتَأْلِيفٌ لِقُلُوبِهِمْ.
(14) تَوْثِيقٌ: "التَّمْهِيدُ" لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، ج (١٨)، ص (١٧٢).
(15) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ رِوَايَاتِ السَّلَفِ وَتَقْرِيرَاتِ الْمُعَاصِرِينَ لِحِمَايَةِ أَصْلِ الْمَشِيئَةِ.
________________________________________《 65 》_______________________________
(الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: عَدَمُ الشَّهَادَةِ لِمُعَيَّنٍ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ) - [ص (66)]
[أَوَّلاً: دِيبَاجَةُ عُنْوَانِ الشَّيْخِ مُحَمَّد رِيحَان]
«أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَشْهَدُونَ لِأَحَدٍ مَاتَ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ؛ إِلَّا مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ، وَيَرْجُونَ لِلْمُحْسِنِ وَيَخَافُونَ عَلَى الْمُسِيءِ».
[ثَانِيًا: نَصُّ الْأَدِلَّةِ الْمُحَقَّقَةِ]
- حَدِيثُ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ: لَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللهِ- مَا يُفْعَلُ بِي»، قَالَتْ: «فَوَاللهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا».
- أَثَرُ الْإِمَامِ أَحْمَد (أُصُولُ السُّنَّةِ): قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: «وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، نَرْجُو لِلصَّالِحِ وَنَخَافُ عَلَيْهِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ الْمُذْنِبِ وَنَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللهِ».
[ثَالِثًا: الْمُفْرَدَاتُ الْعَشْرُ (بِالِاشْتِقَاقِ وَالْحَدِّ الْجَامِعِ)]
- الشَّهَادَةُ: (شَهَدَ)؛ وَهِيَ الْإِخْبَارُ الْقَاطِعُ عَنْ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ أَوْ مُشَاهَدٍ.
- الْيَقِينُ: (يَقَنَ)؛ وَيُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَوْتُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ يَنْكَشِفُ بِهِ الْغِطَاءُ.
- التَّزْكِيَةُ: (زَكَوَ)؛ وَهِيَ مَدْحُ النَّفْسِ أَوْ الْغَيْرِ وَإِثْبَاتُ الطَّهَارَةِ وَالْفَضْلِ لَهَا عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ.
- الرَّجَاءُ: (رَجَوَ)؛ هُوَ تَعَلُّقُ الْقَلْبِ بِمَحْبُوبٍ حَصَلَ سَبَبُهُ، مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللهِ.
- الْخَوْفُ: (خَوَفَ)؛ هُوَ فَرَقُ الْقَلْبِ وَاضْطِرَابُهُ مِنْ وُقُوعِ مَكْرُوهٍ أَوْ فَوْتِ مَحْبُوبٍ.
- الْمُحْسِنُ: (حَسَنَ)؛ هُوَ مَنْ أَتَى بِالْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ التَّمَامِ كَأَنَّهُ يَرَى اللهَ.
- الْمُسِيءُ: (سَوَأَ)؛ هُوَ مَنْ فَرَّطَ فِي الْوَاجِبَاتِ أَوْ ارْتَكَبَ الْمَنْهِيَّاتِ.
- أَهْلُ الْقِبْلَةِ: (قَبَلَ)؛ لَقَبٌ شَرْعِيٌّ لِكُلِّ مَنْ دَخَلَ الدِّينَ وَاسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ فِي صَلَاتِهِ.
- الْإِكْرَامُ: (كَرَمَ)؛ هُوَ إِيصَالُ النَّفْعِ وَالرَّفْعَةِ لِلْمُكَرَّمِ تَقْدِيراً لَهُ.
- أُصُولُ السُّنَّةِ: (أَصَلَ/سَنَنَ)؛ هِيَ الْقَوَاعِدُ الْكُلِّيَّةُ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ.
[رَابِعًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ]
- قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: «الْغَيْبُ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ، فَلَا قَطْعَ لِمُعَيَّنٍ بِثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنَ الْمَعْصُومِ».
- قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: «الْعُمُومُ فِي نُصُوصِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ يُسَلَّطُ عَلَى الْأَوْصَافِ لَا عَلَى الْأَعْيَانِ».
- ضَابِطٌ: «كُلُّ مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ فَمَصِيرُهُ إِلَى الْجَنَّةِ يَقِيناً جِنْساً، وَتَحْتَ الْمَشِيئَةِ عَيْناً».
&________________________________ 《الْحَاشِيَةُ 》_____________________________&
- تَخْرِيجُ حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، رَقْمُ (1243)، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ"، رَقْمُ (27313).
- تَوْثِيقُ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد: "أُصُولُ السُّنَّةِ" رِوَايَةُ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ، ص (38).
- فَائِدَةٌ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَكَانَ عَابِداً زَاهِداً.
- قَاعِدَةٌ: التَّزْكِيَةُ مَقْبُولَةٌ عَلَى سَبِيلِ "أَحْسِبُهُ كَذَلِكَ"، مَمْنُوعَةٌ عَلَى سَبِيلِ الْقَطْعِ بِالْغَيْبِ.
- تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (378) فِي مَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ لِلْمُعَيَّنِ.
- ضَابِطٌ: مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ (كَالْعَشَرَةِ وَثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ) نَشْهَدُ لَهُ بِالْجَنَّةِ يَقِيناً تَبَعاً لِلْوَحْيِ.
- فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: قَوْلُهُ ﷺ «مَا يُفْعَلُ بِي» قِيلَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللهُ بِأَنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ.
- قَاعِدَةٌ: الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ هُمَا جَنَاحَا الطَّائِرِ لِلْمُؤْمِنِ فِي سَيْرِهِ إِلَى اللهِ.
- تَنْبِيهٌ: الشَّهَادَةُ بِالنَّارِ لِلْمُعَيَّنِ مِنَ الْكُفَّارِ مَحَلُّ خِلَافٍ، وَالْأَحْوَطُ عَدَمُ الشَّهَادَةِ إِلَّا لِمَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ بِيَقِينٍ كَأَبِي لَهَبٍ.
- بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): جَمَعْتُ فِيهِ بَيْنَ أَدَبِ النُّبُوَّةِ فِي التَّزْكِيَةِ وَبَيْنَ حَزْمِ الْإِمَامِ أَحْمَد فِي التَّأْصِيلِ.
______________________________________ 《 66 》__________________________________________
(الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى لِلْوَجْهِ الثَّالِثَ عَشَرَ: مَقَاصِدُ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ) - [ص (67)]
[أَوَّلاً: مَقْصَدُ الشَّيْخِ رِيحَان وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ]
يَسْتَهْدِفُ الشَّيْخُ مُحَمَّد رِيحَان مِنْ سَوْقِ حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ وَأَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد تَقْرِيرَ أَصْلِ "التَّفْوِيضِ فِي مَصَائِرِ الْأَعْيَانِ"؛ فَمَقْصِدُهُ هُوَ كَفُّ الْأَلْسِنَةِ عَنِ الْقَطْعِ بِمَا لَمْ يَقْطَعْ بِهِ الشَّارِعُ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ عَلَى الصَّحَابِيَّةِ قَوْلَهَا «لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ» مَعَ مَا عُرِفَ عَنْ عُثْمَان بْنِ مَظْعُون مِنَ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ "الْكَرَامَةَ" غَيْبٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ، وَأَنَّ حُسْنَ الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ بِالْبَاطِنِ، بَلْ يُوجِبُ "الرَّجَاءَ" فَقَطْ.
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد: هُوَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ النَّبَوِيَّ صَارَ شِعَاراً لِأَهْلِ السُّنَّةِ (أُصُولُ السُّنَّةِ)؛ حَيْثُ نَفَى الشَّهَادَةَ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَجَعَلَ مَقَامَ الْعَبْدِ بَيْنَ "الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ"، وَهُوَ مَقْصِدٌ تَرْبَوِيٌّ عَقَدِيٌّ يَمْنَعُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِالْعَمَلِ لِلْمُحْسِنِ، وَيَمْنَعُ مِنَ الْقُنُوطِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُسِيءِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ)] إِنَّ عَدَمَ الشَّهَادَةِ لِلْمُعَيَّنِ بِجَنَّةٍ أَوْ نَارٍ هُوَ مِنَ الْأُصُولِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي مَيَّزَتْ أَهْلَ السُّنَّةِ عَنِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَنْظُرُونَ إِلَى "الْخَوَاتِيمِ" بِعَيْنِ الْوَجَلِ، لِأَنَّ الْأَعْمَالَ بِخَوَاتِيمِهَا، وَالْخَوَاتِيمُ غَيْبٌ مَسْتُورٌ عَنِ الْبَشَرِ ؛ يُؤَصِّلُ هُنَا عدم الْقَطْعَ لِمُعَيَّنٍ بِالْجَنَّةِ هُوَ تَقَوُّلٌ عَلَى اللهِ بِمَا لَمْ يُنْزِلْ بِهِ سُلْطَاناً، إِذْ قَدْ يَبْدُو لِلنَّاسِ صَلَاحُ عَبْدٍ وَبَاطِنُهُ خِلَافُ ذَلِكَ، أَوْ تَعْرِضُ لَهُ فِتْنَةٌ عِنْدَ الْمَوْتِ.
وَمَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ مِنْ هَذَا الْحَجْرِ هُوَ إِبْقَاءُ الْقَلْبِ فِي حَالَةِ "الِافْتِقَارِ" الدَّائِمِ، فَلَا يَسْكُنُ الطَّائِعُ إِلَى طَاعَتِهِ فَيَعْجَبُ بِهَا، وَلَا يَيْأَسُ الْعَاصِي مِنْ عَفْوِ رَبِّهِ فَيَسْتَمِرُّ فِي غَيِّهِ. إِنَّ نُصُوصَ الْوَعْدِ (لِلْمُحْسِنِينَ) وَالْوَعِيدِ (لِلْمُجْرِمِينَ) نُصُوصٌ عَامَّةٌ لِلْأَوْصَافِ، أَمَّا تَنْزِيلُهَا عَلَى "زَيْدٍ" أَوْ "عَمْرٍو" فَيَحْتَاجُ إِلَى نَصٍّ خَاصٍّ مِنَ الْوَحْيِ، وَبِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ انْقَطَعَتِ الشَّهَادَةُ لِلْأَعْيَانِ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَمْنَعُ مِنَ "التَّزْكِيَةِ الْمُطْلَقَةِ" الَّتِي قَدْ تُفْضِي إِلَى الْغُلُوِّ فِي الْبَشَرِ، كَمَا يَمْنَعُ مِنَ "التَّأَلِّي عَلَى اللهِ" بِأَنْ لَا يَغْفِرَ لِفُلَان
قلت : أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «مَا يُفْعَلُ بِي» هُوَ ذِرْوَةُ التَّأْصِيلِ لِعَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَفَرُّدِهَا بِالْحُكْمِ، فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ، فَمَنْ دُونَهُ أَوْلَى بِذَلِكَ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَرْجُوَ لِلْمُحْسِنِ الثَّوَابَ تَفَاؤُلًا، وَيَخَافَ عَلَى الْمُسِيءِ الْعِقَابَ إِشْفَاقاً، دُونَ أَنْ يَنْصِبَ نَفْسَهُ قَاضِياً عَلَى مَصَائِرِ الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ.
قلت :إِنَّ بَقَاءَ "بَابِ الْمَشِيئَةِ" مَفْتُوحاً فِي حَقِّ أَهْلِ الْقِبْلَةِ هُوَ عَيْنُ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْعَقِيدَةِ هَيْبَتَهَا وَلِلْعِبَادِ تَوَاضُعَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ. وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ مَسَائِلُ الْإِيمَانِ، وَيَسْلَمُ الْمُعْتَقَدُ مِنْ شَوَائِبِ التَّأَلِّي وَادِّعَاءِ عِلْمِ الْغَيْبِ، نَاقِلِينَ أَمْرَ الْعِبَادِ إِلَى رَبِّ الْعِبَادِ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ.
&_________________________[الْحَاشِيَةُ ]__________________________&
(1) تَوْثِيقُ الِاسْتِشْهَادِ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (3)، ص (115) فِي شَرْحِ حَدِيثِ أُمِّ الْعَلَاءِ.
(2) قَاعِدَةٌ: التَّزْكِيَةُ عَلَى الْإِبْهَامِ (فُلَانٌ صَالِحٌ فِيمَا نَحْسِبُ) جَائِزَةٌ، وَعَلَى الْقَطْعِ (فُلَانٌ فِي الْجَنَّةِ) مَمْنُوعَةٌ.
(3) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الشَّهَادَةُ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالْجَنَّةِ وَاجِبَةٌ، لِأَنَّ عِصْمَتَهُمْ مَعْلُومَةٌ بِالضَّرُورَةِ.
(4) ضَابِطٌ: مَنِ اسْتَفَاضَ ثَنَاءُ النَّاسِ عَلَيْهِ بِالْخَيْرِ (كَأَئِمَّةِ الْهُدَى) يُرْجَى لَهُمُ الْفَضْلُ رَجَاءً قَوِيًّا.
(5) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (1)، ص (159).
(6) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الْمُعَيَّنُ" لَا تَتَنَاوَلُهُ نُصُوصُ الْوَعِيدِ بِالْقَطْعِ لِجَوَازِ وُجُودِ مَانِعٍ أَوْ زَوَالِ شَرْطٍ.
(7) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "الْيَقِينُ" فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْمَوْتُ، لِأَنَّهُ يَكْشِفُ عَنِ الْحَقِيقَةِ الْيَقِينِيَّةِ.
(8) تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الصَّحَابَةِ عَنِ الْقَتِيلِ "شَهِيدٌ" يُحْمَلُ عَلَى حُكْمِ الدُّنْيَا لَا عَلَى الْقَطْعِ بِالْمَنْزِلَةِ عِنْدَ اللهِ.
(9) تَوْثِيقٌ: "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ" لِابْنِ رَجَبٍ، ج (1)، ص (125) فِي مَسْأَلَةِ الْخَوَاتِيمِ.
(10) قَاعِدَةٌ: السَّلَفُ كَانُوا يَكْرَهُونَ التَّزْكِيَةَ الْمُفْرِطَةَ خَوْفاً مِنَ الْفِتْنَةِ عَلَى الْحَيِّ وَالتَّقَوُّلِ عَلَى الْمَيِّتِ.
(11) فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ ﷺ «وَمَا يُدْرِيكِ» فِيهِ إِرْشَادٌ إِلَى قَصْرِ الْعِلْمِ عَلَى مَصَادِرِهِ الشَّرْعِيَّةِ.
(12) ضَابِطٌ: أَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ مَنْ يَجْزِمُ لِلْعَاصِي بِالنَّارِ (الْخَوَارِجُ) وَمَنْ يَجْزِمُ لَهُ بِالْجَنَّةِ (الْمُرْجِئَةُ).
(13) تَوْثِيقٌ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (7)، ص (498).
(14) فَائِدَةٌ: عَدَمُ الشَّهَادَةِ لَا يُنَافِي حُسْنَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْأَدَبِ مَعَ اللهِ.
(15) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): حَرَّرْتُ هُنَا الْفَرْقَ بَيْنَ حُكْمِ الظَّاهِرِ الَّذِي نَتَعَامَلُ بِهِ وَحُكْمِ الْبَاطِنِ الَّذِي نَرُدُّهُ إِلَى اللهِ.
____________________________________________《 67 》_____________________________________
(الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِلْوَجْهِ الثَّالِثَ عَشَرَ: بَيَانُ الشُّرُوحِ النَّقْلِيَّةِ وَالْأَثَرِيَّةِ) - [ص (68)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ (مُحَقَّقاً وَمُشَكَّلاً)]
عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: لَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قُلْتُ: «رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْكَ يَا أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ»، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ أَكْرَمَهُ؟»، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ مِنْ رَبِّهِ، وَإِنِّي لَأرجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي -وَأَنَا رَسُولُ اللهِ- مَا يُفْعَلُ بِي».
(1) شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:
يُقَرِّرُ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْإِنْكَارَ النَّبَوِيَّ يَهْدِمُ أَصْلَ "التَّزْكِيَةِ بِالْقَطْعِ"، فَالصَّلَاحُ الظَّاهِرُ مَهْمَا بَلَغَ لَا يُبِيحُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْزِمَ بِكَرَامَةِ اللهِ لِمُعَيَّنٍ مَوْتاً عَلَى الْحُسْنَى، لِأَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَقَامَ "الرَّجَاءِ" هُوَ الْمَقَامُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ، حَيْثُ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ لَكِنْ لَا نَشْهَدُ لَهُ، خَوْفاً مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ أَوْ خَفَاءِ السَّرَائِرِ. وَيَرَى أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «مَا يُفْعَلُ بِي» هُوَ غَايَةُ التَّوَاضُعِ وَالتَّعْلِيمِ لِلْأُمَّةِ بِأَلَّا يَأْمَنُوا مَكْرَ اللهِ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ مَحْضُ فِضْلٍ لَا عَمَلٍ. (1)
(2) شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ:
يُوَضِّحُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ أَصْلَ الدُّعَاءِ لَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ "صِيغَةَ الْقَطْعِ" فِي قَوْلِهَا (لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ). وَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ جَوَازَ قَوْلِ "نَرْجُو لَهُ الْكَرَامَةَ" أَوْ "أَحْسِبُهُ مُكْرَماً". وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْيَقِينَ هُوَ الْمَوْتُ، وَبِمَوْتِهِ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ عِنْدَ خَالِقِهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ لَهُ النَّاسُ بِالْخَيْرِ فَهُوَ مِمَّنْ تُرْجَى لَهُ الْجَنَّةُ، لَكِنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تَبْقَى فِي حَيِّزِ "الظَّنِّ الْغَالِبِ" لَا "الْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ" الَّذِي لَا يَكُونُ إِلَّا بِنَصٍّ. (2)
[ثَانِيًا: نَصُّ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد (مُحَقَّقاً وَمُشَكَّلاً)]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ": «وَلَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِعَمَلٍ يَعْمَلُهُ بِجَنَّةٍ وَلَا نَارٍ، نَرْجُو لِلصَّالِحِ وَنَخَافُ عَلَيْهِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ الْمُذْنِبِ وَنَرْجُو لَهُ رَحْمَةَ اللهِ».
(3) شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِندِي:
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ سِندِي مِنْ خِلَالِ هَذَا الْأَثَرِ لِوَسَطِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ؛ فَهُمْ لَا يَجْزِمُونَ لِلْمُطِيعِ بِالْجَنَّةِ فَيَقَعُونَ فِي الْإِعْجَابِ، وَلَا لِلْعَاصِي بِالنَّارِ فَيَقَعُونَ فِي الْيَأْسِ أَوْ التَّكْفِيرِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "عَدَمَ الشَّهَادَةِ" مَبْنِيٌّ عَلَى جَهْلِنَا بِالْخَوَاتِيمِ، فَالْعِبْرَةُ بِمَا خُتِمَ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ لَا بِمَا عَمِلَ فِي حَيَاتِهِ فَقَطْ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ يَحْمِي "جَنَابَ التَّوْحِيدِ" مِنْ أَنْ يَتَدَخَّلَ الْخَلْقُ فِيمَا هُوَ مِنْ مَحْضِ حَقِّ اللهِ وَمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ. (3)
(4) شَرْحُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَة التَّمِيمِيِّ:
يُقَرِّرُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ هَذَا الْأَصْلَ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَد هُوَ رَدٌّ عَلَى طَوَائِفِ "الْوَعِيدِيَّةِ" الَّذِينَ شَهِدُوا لِلْعَاصِي بِالنَّارِ، وَعَلَى "الْمُرْجِئَةِ" الَّذِينَ قَطَعُوا لِكُلِّ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ بِالْجَنَّةِ دُونَ خَوْفٍ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَفْصِلُونَ بَيْنَ "الْعُمُومِ" (أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ) وَبَيْنَ "التَّعْيِينِ" (أَنَّ فُلَاناً فِي الْجَنَّةِ). فَالشَّهَادَةُ لِلْوَصْفِ لَا لِلْعَيْنِ هِيَ جَادَّةُ السَّلَفِ الَّتِي تَنْضَبِطُ بِهَا مَسَائِلُ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ وَتُصَانُ بِهَا حُرْمَةُ الْمُسْلِمِ مَيْتاً. (4)
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّنِي أَنْظُرُ إِلَى هَذَا الْأَصْلِ بِأَنَّهُ سِيَاجٌ مَتِينٌ يَحْمِي الْعَبْدَ مِنْ "التَّأَلِّي عَلَى اللهِ"، فَإِنَّ الْحُكْمَ بِالْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ لِمُعَيَّنٍ هُوَ تَقَوُّلٌ عَلَى عِلْمِ اللهِ بِالْعَوَاقِبِ. وَأَرَى أَنَّ مَقَامَ "الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ" هُوَ عَيْنُ الْعُبُودِيَّةِ؛ فَنَحْنُ نَرْجُو لِلْمُحْسِنِ الثَّوَابَ بِمُقْتَضَى وَعْدِ اللهِ، لَكِنَّنَا نَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ حُبُوطِ الْعَمَلِ أَوْ نَقْصِ الْإِخْلَاصِ. وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ الْمُذْنِبِ مِنَ الْوَعِيدِ، لَكِنَّنَا لَا نَقْطَعُ لَهُ بِالْهَلَاكِ رَجَاءً لِعَفْوِ اللهِ الَّذِي وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ. وَبِقَلْبِي يَقِينٌ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِتَصْحِيحِ أَعْمَالِنَا أَوْلَى مِنْ تَوْزِيعِ صُكُوكِ الْغُفْرَانِ أَوْ الْحِرْمَانِ عَلَى الْآخَرِينَ، فَمَنْ وَقَفَ عِنْدَ مَا عَلِمَ، وَكَلَ مَا جَهِلَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَقَدْ سَلِمَ دِينُهُ وَاسْتَقَامَ مُعْتَقَدُهُ عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
&__________________________[ الْحَاشِيَةُ ]________________________&
جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ (ابْنُ رَجَبٍ): شَرْحُ حَدِيثِ "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ"، ج (1)، ص (125).
فَتْحُ الْبَارِي (ابْنُ حَجَرٍ): كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ الدُّخُولِ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ الْمَوْتِ، ج (3)، ص (115).
شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ (صَالِح سِندِي): مَادَّةٌ صَوْتِيَّةٌ مُفَرَّغَةٌ، الدَّرْسُ السَّابِعُ.
شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ (مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَة التَّمِيمِيِّ): ص (182-184)، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: الْبُخَارِيُّ رَقْمُ (1243)، وَأَحْمَدُ رَقْمُ (27313).
فَائِدَةٌ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ هُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالْبَقِيعِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ.
قَاعِدَةٌ: لَا شَهَادَةَ لِمُعَيَّنٍ إِلَّا لِمَنْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ (كَالْعَشَرَةِ).
ضَابِطٌ: "الرَّجَاءُ" عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَطْعَ بِالْمَطْلُوبِ.
تَوْثِيقٌ: "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ" لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي مَسَائِلِ الْبَرْزَخِ.
فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: هَذَا الْأَصْلُ يُحَارِبُ الْغُلُوَّ وَالتَّطَرُّفَ فِي تَقْيِيمِ الْأَشْخَاصِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُ الصَّحَابِيَّةِ «لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ» فِيهِ افْتِئَاتٌ عَلَى الْغَيْبِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ بِمَا لَا تَعْلَمُ.
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: مَنْ تَرَكَ الشَّهَادَةَ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ نَفْيُ الْكَرَامَةِ، بَلْ التَّوَقُّفُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ.
فَائِدَةٌ: كَانَ السَّلَفُ يُفَضِّلُونَ قَوْلَ "نَرْجُو لَهُ" أَدَباً مَعَ اللهِ.
تَوْثِيقٌ: "السُّنَّةُ" لِلْمَرْوَزِيِّ، ص (144) فِي بَيَانِ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
خَاتِمَةُ الْحَاشِيَةِ: تَمَّ جَمْعُ هَذِهِ التَّعْلِيقَاتِ لِإِحْكَامِ بَابِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي حَقِّ الْأَعْيَانِ.
_______________________________《 68 》___________________________
(الْوَجْهُ الرَّابِعُ عَشَرَ: حُكْمُ الْكَلَامِ فِي خَلْقِ الْإِيمَانِ) - [ص (69)]
[أَوَّلاً: دِيبَاجَةُ عُنْوَانِ الشَّيْخِ مُحَمَّد رِيحَان]
«أَهْلُ السُّنَّةِ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ تَكَلَّمَ فِي خَلْقِ الْإِيمَانِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ؛ فَلَا يَخُوضُونَ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ: "الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ" فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ: "الْإِيمَانُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" فَهُوَ مُبْتَدِعٌ».
[ثَانِيًا: نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ الْمُحَقَّقَةِ]
(1) أَثَرُ الْإِمَامِ أَحْمَد (الْأَوَّلُ):
سُئِلَ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ الْإِيمَانِ؛ مَخْلُوقٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ: «أَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَسْمُوعٍ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْجَوَارِحِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ».
(2) أَثَرُ الْإِمَامِ أَحْمَد (الثَّانِي):
عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ قَالَ: «إِنَّ مَنْ قَالَ "مَخْلُوقٌ" -أَيِ الْإِيمَانُ- فَهُوَ جَهْمِيٌّ، وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ" فَقَدِ ابْتَدَعَ، وَأَنَّهُ يُهْجَرُ حَتَّى يَرْجِعَ».
(3) قَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
«وَإِذَا قَالَ: الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ أَوْ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؟ قِيلَ لَهُ: مَا تُرِيدُ بِالْإِيمَانِ؟ أَتُرِيدُ بِهِ شَيْئًا مِنْ صِفَاتِ اللهِ وَكَلَامِهِ، كَقَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ"، وَإِيمَانِهِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ "الْمُؤْمِنُ"؛ فَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ. أَمْ تُرِيدُ بِهِ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَصِفَاتِهِمْ؛ فَالْعِبَادُ كُلُّهُمْ مَخْلُوقُونَ، وَجَمِيعُ أَفْعَالِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ مَخْلُوقَةٌ، وَلَا يَكُونُ الْعَبْدُ الْمُحْدَثُ الْمَخْلُوقُ صِفَةً قَدِيمَةً غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ، وَلَا يَقُولُ هَذَا مَنْ يَتَصَوَّرُ مَا يَقُولُ؛ فَإِذَا حَصَلَ الِاسْتِفْسَارُ وَالتَّفْصِيلُ ظَهَرَ الْهُدَى وَبَانَ السَّبِيلُ».
(4) قَوْلُ الْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ:
«وَالَّذِي صَحَّ عَنِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ الْأَثَرِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَبِلَا رَيْبَ أَنَّ أَعْمَالَنَا مَخْلُوقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}، فَصَحَّ أَنَّ بَعْضَ الْإِيمَانِ مَخْلُوقٌ، وَقَوْلُنَا "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" فَمِنْ إِيمَانِنَا، فَتَلَفُّظُنَا بِهَا أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِنَا، وَأَمَّا مَاهِيَّةُ الْكَلِمَةِ الْمَلْفُوظَةِ فَهِيَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ لِأَنَّهَا مِنَ الْقُرْآنِ».
[ثَالِثًا: الْمُفْرَدَاتُ الْعَشْرُ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ وَالتَّعْرِيفُ)]
الْإِيمَانُ: (أَمَنَ)؛ لُغَةً: التَّصْدِيقُ وَالْأَمَانُ. شَرْعاً: قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ.
الْمَخْلُوقُ: (خَلَقَ)؛ لُغَةً: التَّقْدِيرُ وَالْإِيجَادُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ. شَرْعاً: كُلُّ مَا سِوَى اللهِ وَصِفَاتِهِ.
الْجَهْمِيُّ: نِسْبَةً إِلَى "جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ"؛ وَهُوَ كُلُّ مَنْ نَفَى صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ قَالَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
الْمُبْتَدِعُ: (بَدَعَ)؛ لُغَةً: مَنْ أَنْشَأَ شَيْئًا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ. شَرْعاً: مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ.
الْجَوَارِحُ: (جَرَحَ)؛ لُغَةً: الْكَاسِبَةُ. شَرْعاً: أَعْضَاءُ الْإِنْسَانِ الَّتِي تَقَعُ بِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي كَالْيَدِ وَالرِّجْلِ.
الْمَسْمُوعُ: (سَمِعَ)؛ لُغَةً: مَا أَدْرَكَتْهُ حَاسَّةُ السَّمْعِ. شَرْعاً هُنَا: كَلَامُ اللهِ تَعَالَى الْمَلْفُوظُ بِهِ.
الْمُحْدَثُ: (حَدَثَ)؛ لُغَةً: الْجَدِيدُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. شَرْعاً: الْمَخْلُوقُ الَّذِي وُجِدَ بَعْدَ عَدَمٍ.
الِاسْتِفْسَارُ: (فَسَرَ)؛ لُغَةً: طَلَبُ الْبَيَانِ. شَرْعاً: طَلَبُ تَجْلِيَةِ الْمَعْنَى فِي الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ لِإِصَابَةِ الْحَقِّ.
التَّفْصِيلُ: (فَصَلَ)؛ لُغَةً: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. شَرْعاً: تَبْيِينُ جِهَاتِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ.
الْهَجْرُ: (هَجَرَ)؛ لُغَةً: التَّرْكُ. شَرْعاً: تَرْكُ مُخَالَطَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ زَجْراً لَهُمْ وَصِيَانَةً لِلدِّينِ.
[رَابِعًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ]
قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: «الْإِيمَانُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ الْخَالِقِ (كَكَلَامِهِ) وَفِعْلَ الْمَخْلُوقِ، فَلَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَصْفُ الْخَلْقِ أَوْ نَفْيُهُ إِطْلَاقاً كُلِّيًّا».
قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: «الْأَلْفَاظُ الْمُجْمَلَةُ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ يُسْتَفْصَلُ عَنْ مَعْنَاهَا؛ فَيُقْبَلُ الْحَقُّ وَيُرَدُّ الْبَاطِلُ».
ضَابِطٌ: «كُلُّ قَوْلٍ يُفْضِي إِلَى تَشْبِيهِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ، أَوْ جَعْلِ صِفَةِ اللهِ مَخْلُوقَةً؛ فَهُوَ ضَلَال
&______________________________《الْحَاشِيَةُ》____________________________&
(1) دَلِيلُ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]؛ وَجْهُهُ: أَنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ (وَمِنْهَا الْإِيمَانُ الْعَمَلِيُّ) مَخْلُوقَةٌ لِلهِ خَلْقاً وَلِلْعَبْدِ كَسْباً.
(2) دَلِيلُ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً.. فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]؛ وَجْهُهُ: أَنَّ شُعَبَ الْإِيمَانِ مِنْهَا "الْقَوْلُ" وَهُوَ كَلَامُ اللهِ (غَيْرُ مَخْلُوقٍ)، وَمِنْهَا "الْأَعْمَالُ" وَهِيَ أَفْعَالُ عِبَادٍ (مَخْلُوقَةٌ).
(3) تَوْثِيقُ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد (1): "طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ" لِابْنِ أَبِي يَعْلَى، ج (1)، ص (93-94).
(4) تَوْثِيقُ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد (2): "طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ"، ج (2)، ص (176).
(5) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (2)، ص (664).
(6) تَوْثِيقُ كَلَامِ الذَّهَبِيِّ: "سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبُلَاءِ"، ج (12)، ص (330).
(7) فَائِدَةٌ: السَّلَفُ أَنْكَرُوا الْإِطْلَاقَ لِأَنَّ "الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ" تُؤَدِّي لِقَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.
(8) تَنْبِيهٌ: "الْإِيمَانُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" بِإِطْلَاقٍ بِدْعَةٌ لِأَنَّهَا قَدْ تَعْنِي أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ قَدِيمَةٌ.
(9) ضَابِطٌ: الْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ حَيْثُمَا تُصُرِّفَ؛ فَالْمَلْفُوظُ بِهِ هُوَ كَلَامُ اللهِ لَا كَلَامُ الْعَبْدِ.
(10) قَاعِدَةٌ: "التَّأَثُّمُ" فِي الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ مَسْلَكُ الْوَرَعِ الْأَثَرِيِّ.
(11) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ دَقَائِقِ مَسَائِلِ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ" وَصِفَاتِ الْأَفْعَالِ.
(12) تَوْثِيقٌ: "الْمَسَائِلُ وَالرَّسَائِلُ الْمَرْوِيَّةُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَد فِي الْعَقِيدَةِ"، ص (145).
(13) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الْكَلَامُ فِي الصِّفَةِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الْمَوْصُوفِ".
(14) فَائِدَةٌ: لَفْظُ "الْمُؤْمِنِ" مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى، وَإِيمَانُهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
(15) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَأْصِيلِي): قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ السَّلَفَ لَمْ يَبْتَدِعُوا هَذِهِ التَّقْسِيمَاتِ إِلَّا رَدًّا عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْكَفُّ عَنِ الِامْتِحَانِ بِمَا لَمْ يَمْتَحِنْ بِهِ اللهُ عِبَادَهُ، مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ كُلَّ مَا اتَّصَلَ بِذَاتِ اللهِ قَدِيمٌ، وَكُلَّ مَا اتَّصَلَ بِالْعَبْدِ حَادِثٌ.
______________________________________《 69》_________________________________________
(الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى لِلْوَجْهِ الرَّابِعَ عَشَرَ: مَقَاصِدُ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ) - [ص (70)]
[أَوَّلاً: مَقْصَدُ الشَّيْخِ رِيحَان وَوَجْهُ اسْتِدْلَالِهِ بِالنُّصُوصِ]
(1) مَقْصَدُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد (الْأَوَّلُ):
يَسْتَهْدِفُ الشَّيْخُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا التَّقْسِيمِ الدَّقِيقِ لِلْإِمَامِ أَحْمَد بَيْنَ (الْمَسْمُوعِ) وَ(عَمَلِ الْجَوَارِحِ) إِثْبَاتَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُطْلِقُونَ الْأَحْكَامَ جُزَافاً فِي الْمَسَائِلِ الْمُجْمَلَةِ. فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ هُنَا هُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ؛ فَإِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ مَصْدَرِهِ وَهُوَ كَلَامُ اللهِ (كَقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ تَبَعاً لِأَصْلِ الْقُرْآنِ، وَإِذَا نُظِرَ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةِ فِعْلِ الْعَبْدِ وَنُطْقِهِ وَحَرَكَتِهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ ضَرُورَةً. وَهَذَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا "خَلْقَ الْإِيمَانِ" ذَرِيعَةً لِلْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، كَمَا يَصُونُ جَنَابَ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهَا فِعْلُ الْعَبْدِ الْحَادِثِ.
(2) مَقْصَدُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد (الثَّانِي):
يَرْمِي الشَّيْخُ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ إِلَى تَقْرِيرِ "الْمَوْقِفِ الْحَزْمِ" تِجَاهَ مَنْ أَحْدَثَ هَذِهِ الْفِتْنَةَ؛ فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَد جَعَلَ الْقَوْلَ بِالْخَلْقِ (جَهْمِيَّةً) لِأَنَّهُ يَمَسُّ صِفَةَ الْكَلَامِ، وَجَعَلَ نَفْيَ الْخَلْقِ بِإِطْلَاقٍ (بِدْعَةً) لِأَنَّهُ يُوهِمُ قِدَمَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَالْمَقْصِدُ هُنَا هُوَ إِيجَابُ "الْهَجْرِ" لِمَنْ خَاضَ فِي هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ لِيَبْقَى دِينُ الْعَامَّةِ سَلِيماً مِنَ التَّشْقِيقِ الَّذِي لَا طَائِلَ تَحْتَهُ، وَالتَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الِاتِّبَاعَ فِي تَرْكِ الْخَوْضِ مَنْقَبَةٌ، وَأَنَّ الِابْتِدَاعَ فِي تَوَلُّدِ الْكَلَامِ مَذَمَّةٌ وَمَهْلَكَةٌ.
(3) مَقْصَدُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
يَسْتَعِينُ الشَّيْخُ بِتَحْقِيقِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِيَكُونَ "الْمِيزَانَ الْفَصْلَ" فِي فَهْمِ مَقَالَاتِ السَّلَفِ؛ فَمَقْصِدُهُ هُوَ "التَّفْصِيلُ عِنْدَ الْإِجْمَالِ". وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يَقْبَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ الْمَخْلُوقُ مَوْصُوفاً بِصِفَةٍ قَدِيمَةٍ، فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ هُوَ "إِيمَانُ الْعَبْدِ" فَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَإِذَا كَانَ "إِيمَانُ اللهِ لِنَفْسِهِ" أَوْ صِفَةَ كَلَامِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ. وَبِهَذَا الِاسْتِفْسَارِ يَنْكَشِفُ الْغُمُوضُ وَيَزُولُ التَّنَاقُضُ الظَّاهِرُ بَيْنَ النُّقُولِ، وَيَتَحَقَّقُ الْمَقْصِدُ الْأَسْمَى وَهُوَ "ظُهُورُ الْهُدَى وَبَيَانُ السَّبِيلِ" لِطَالِبِ الْحَقِّ بِعِيداً عَنِ التَّعَصُّبِ لِلَفْظٍ مُجْمَلٍ.
(4) مَقْصَدُ الِاسْتِدْلَالِ بِقَوْلِ الْإِمَامِ الذَّهَبِيِّ:
يَسُوقُ الشَّيْخُ قَوْلَ الذَّهَبِيِّ لِيُؤَكِّدَ أَنَّ هَذَا الْفَهْمَ لَيْسَ نَظَرِيّاً مَحْضاً، بَلْ هُوَ "مُقْتَضَى النَّصِّ الْقُرْآَنِيِّ" {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}. وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ هُنَا هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ (الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ)، وَبِمَا أَنَّ الْعَمَلَ مَخْلُوقٌ فَقَدْ وَقَعَ الْخَلْقُ عَلَى جُزْءٍ مِنْ مَفْهُومِ الْإِيمَانِ بِاعْتِبَارِ الْإِضَافَةِ لِلْعَبْدِ. وَالْمَقْصِدُ هُوَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ تَنْزِيهَ الْإِيمَانِ عَنِ الْخَلْقِ يَسْتَلْزِمُ إِخْرَاجَ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ خَلْقِ اللهِ، وَهُوَ مَزْلَقٌ خَطِيرٌ يُفْضِي إِلَى مَذْهَبِ الْقَدَرِيَّةِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ النَّظَرَ فِي مَسْأَلَةِ "خَلْقِ الْإِيمَانِ" يُوجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَفْهَمَ مَسْلَكَ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأَلْفَاظِ الْمُبْتَدَعَةِ، فَالْإِيمَانُ لَفْظٌ شَرْعِيٌّ جَامِعٌ، وَإِدْخَالُ صِفَةِ "الْخَلْقِ" عَلَيْهِ نَفْياً أَوْ إِثْبَاتاً لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ "الْكَفُّ". وَقَدْ نَظَرْتُ فِي نُقُولِ الْأَئِمَّةِ فَوَجَدْتُ أَنَّهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بِالتَّفْصِيلِ إِلَّا لَمَّا انْتَشَرَتْ شُبْهَةُ الْجَهْمِيَّةِ، فَالْإِيمَانُ بِاعْتِبَارِ "الْمُؤْمِنِ" (الَّذِي هُوَ اللهُ) وَبِاعْتِبَارِ "الْكَلَامِ" (الَّذِي هُوَ الْقُرْآنُ) غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَبِاعْتِبَارِ "تَلَفُّظِ الْعَبْدِ وَكَسْبِهِ" مَخْلُوقٌ. وَأَرَى أَنَّ مَنْ قَالَ "الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ" وَسَكَتَ، فَقَدْ جَعَلَ كَلَامَ اللهِ مَخْلُوقاً، وَمَنْ قَالَ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ" وَسَكَتَ، فَقَدْ جَعَلَ الْإِنْسَانَ وَعَمَلَهُ أَزَلِيَّيْنِ. وَقُلْتُ جَازِماً: إِنَّ السَّلَامَةَ فِي هَذِهِ الْمَضَايِقِ هِيَ الْوُقُوفُ عِنْدَ قَوْلِ السَّلَفِ "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، وَتَفْوِيضُ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْخَوْضِ فِيمَا لَا يَنْفَعُ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لِلْعَبْدِ هُوَ مَخْلُوقٌ لِلهِ تَعَالَى كَمَا نَطَقَ بِهِ التَّنْزِيلُ.
__________________________________________《 70》____________________________
(الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ لِلْوَجْهِ الرَّابِعَ عَشَرَ: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ وَالتَّأْصِيلُ الْجَامِعُ) - [ص (71)]
[أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ حَوْلَ الْمَسْأَلَةِ]
- (1) قَوْلُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ مَسْأَلَةَ "خَلْقِ الْإِيمَانِ" هِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَسَائِلِ الَّتِي أُحْدِثَتْ لِإِيرَادِ الشُّبْهَةِ عَلَى قَوْلِ السَّلَفِ فِي كَلَامِ اللهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ قَالَ "الْإِيمَانُ مَخْلُوقٌ" أَرَادَ بِذَلِكَ جَعْلَ قَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) مَخْلُوقَةً، وَهِيَ رَأْسُ الْإِيمَانِ وَهِيَ مِنْ كَلَامِ اللهِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ" بِإِطْلَاقٍ، فَقَدْ يَقَعُ فِي مَحْذُورِ جَعْلِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ (مِنَ السُّجُودِ وَالرُّكُوعِ) قَدِيمَةً مَعَ اللهِ، وَهَذَا ضَلَالٌ. لِذَا كَانَ مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْكَفُّ عَنِ الْإِطْلَاقِ وَالرُّجُوعُ إِلَى التَّفْصِيلِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْخَالِقِ صِفَاتِهِ وَلِلْعَبْدِ حَدَثَهُ.
- (2) قَوْلُ الشَّيْخِ صَالِح سِندِي: يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ سِندِي أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ تَعُودُ إِلَى "الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ" الَّتِي تَمْتَحِنُ بِهَا أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ السُّنَّةِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ جِهَتَانِ: جِهَةُ "الْمُتَعَلِّقِ" وَهُوَ كَلَامُ اللهِ وَشَرْعُهُ وَهَذَا غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَجِهَةُ "الْقِيَامِ بِهِ" وَهُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَنُطْقُهُ وَهَذَا مَخْلُوقٌ. وَيَرَى أَنَّ تَبْدِيعَ الْإِمَامِ أَحْمَد لِمَنْ قَالَ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ" كَانَ سَدّاً لِذَرِيعَةِ الْغُلُوِّ الَّذِي يُضَاهِي قَوْلَ النَّصَارَى فِي حُلُولِ الْقَدِيمِ فِي الْمَحْدُوثِ. فَالسَّلَامَةُ عِنْدَهُ هِيَ التَّمَسُّكُ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْأَوَّلُونَ دُونَ زِيَادَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ.
- (3) قَوْلُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَة التَّمِيمِيِّ: يَشْرَحُ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْخَوْضَ فِي "خَلْقِ الْإِيمَانِ" هُوَ نَتِيجَةٌ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الصِّفَةِ" وَ"أَثَرِ الصِّفَةِ". فَالْإِيمَانُ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللهِ (الْمُؤْمِنِ) غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَأَمَّا إِيمَانُ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ طَاعَتُهُ وَتَصْدِيقُهُ فَمَخْلُوقٌ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْعَبْدَ وَصِفَاتِهِ مَخْلُوقَةٌ. وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ اسْتُخْدِمَتْ لِتَمْيِيعِ أَصْلِ (الْقُرْآنِ كَلَامُ اللهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ)، لِذَا كَانَ التَّأْصِيلُ الْأَثَرِيُّ يَقْضِي بِهَجْرِ مَنْ يُلْقِي هَذِهِ التَّشْقِيقَاتِ بَيْنَ طُلَّابِ الْعِلْمِ لِمَا فِيهَا مِنْ فِتْنَةٍ وَتَلْبِيسٍ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْعَقَدِيَّةِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (بِقَلَمِ الْبَاحِثِ)]
بِاللهِ التَّوْفِيقِ؛ قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ مَضَايِقَ الْكَلَامِ فِي "خَلْقِ الْإِيمَانِ" عَلِمَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ نَظَراً وَأَشَدَّهُمْ وَرَعاً؛ فَقَدْ نَظَرْتُ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فَوَجَدْتُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ جَوْهَراً بَسِيطاً يُقَالُ فِيهِ (مَخْلُوقٌ) أَوْ (غَيْرُ مَخْلُوقٍ) بِنَفَسٍ وَاحِدٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ مِنْ حَيْثُ الْإِضَافَةِ. وَقُلْتُ جَازِماً: إِنَّ فِتْنَةَ الْجَهْمِيَّةِ لَمَّا رَامَتْ جَعْلَ كَلَامِ اللهِ مَخْلُوقاً، دَخَلَتْ مِنْ بَابِ "تَلَفُّظِ الْعَبْدِ بِالْإِيمَانِ"، فَكَانَ رَدُّ الْأَئِمَّةِ كَالْإِمَامِ أَحْمَد كَالصَّخْرَةِ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا سِهَامُ الْمُبْطِلِينَ. لَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ التَّفْصِيلَ هُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ؛ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ "الْإِيمَانَ مَخْلُوقٌ" هُوَ قَوْلٌ بِخَلْقِ أَصْلِ الدِّينِ وَكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَهَذَا كُفْرٌ صَرَاحٌ. وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ "الْإِيمَانَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ" عَلَى الْإِطْلَاقِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ حَرَكَاتُ الْجَوَارِحِ وَأَعْمَالُ الْقُلُوبِ الْحَادِثَةُ صِفَاتٍ أَدِيمَةً، وَهَذَا نَوْعٌ مِنْ سَفَهِ الْقَوْلِ. قُلْتُ: وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ هُوَ مَا صَحَّ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ صِفَةِ الرَّبِّ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْعَبْدِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ. وَإِنَّنِي أَرَى أَنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ يُرَسِّخُ عَقِيدَةَ (أَهْلِ السُّنَّةِ) فِي "الْقَدَرِ" وَ"الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ" مَعاً؛ فَنُثْبِتُ خَلْقَ اللهِ لِأَفْعَالِ عِبَادِهِ، وَنُثْبِتُ قِدَمَ صِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ. وَأَخْتِمُ قَوْلِي بِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْبَاحِثِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَ الْقَوْمُ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ كَفُّوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ أَمْسَكُوا، فَالْكَفُّ عَنِ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ هُوَ عَيْنُ الِاتِّبَاعِ، وَالتَّفْصِيلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ هُوَ عَيْنُ الْبَيَانِ.
&______________________________《 الْحَاشِيَةُ 》_____________________________&
- شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ (صَالِح آلِ الشَّيْخِ): مَادَّةٌ صَوْتِيَّةٌ، شَرْحُ قَوْلِهِ: "وَالْقُرْآنُ كَلَامُ اللهِ".
- شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَد (صَالِح سِندِي): الدَّرْسُ الثَّامِنُ، مَوْقِعُ الشَّيْخِ الرَّسْمِيُّ.
- مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ الدِّينِ (مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَة التَّمِيمِيِّ): ص (245-250)، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
- تَوْثِيقُ أَثَرِ الْإِمَامِ أَحْمَد: "السُّنَّةُ" لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَد، ج (1)، ص (307)؛ "مَسَائِلُ الْإِمَامِ أَحْمَد" رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ، ص (263).
- مَصْدَرُ التَّأْصِيلِ: "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج (1)، ص (255) فِي بَحْثِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ.
- قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: كُلُّ مَا أُضِيفَ إِلَى اللهِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَعْيَانٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا فَهِيَ مَخْلُوقَةٌ (نَاقَةُ اللهِ)، وَصِفَاتٌ لَا تَقُومُ بِنَفْسِهَا فَهِيَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ (كَلَامُ اللهِ).
- ضَابِطٌ: الْإِيمَانُ فِيهِ كَلَامُ اللهِ (الصِّفَةُ) وَتَصْدِيقُ الْعَبْدِ (الْأَثَرُ)، فَالْأَوَّلُ قَدِيمٌ وَالثَّانِي حَادِثٌ.
- تَوْثِيقٌ: "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (١٢)، ص (٣٤٨) فِي حِكَايَةِ مَذْهَبِ أَحْمَد فِي الْإِيمَانِ.
- فَائِدَةٌ: لَفْظُ (الْمُبْتَدِعُ) فِي حَقِّ مَنْ قَالَ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ" لِأَنَّهُ اسْتَعْمَلَ لَفْظاً مُجْمَلًا يُوهِمُ الْبَاطِلَ.
- بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (تَوْثِيقِي): جَمَعْتُ فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ بَيْنَ حَزْمِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَتَحْرِيرِ الْمُتَأَخِّرِينَ لِصِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ.
_____________________________ 《 82 》_________________________________
(الْمُتَمِّمَةُ الْخَامِسَةُ لِلْوَجْهِ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ) - [ص (87)]
[أَوَّلاً: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ (بِالِاسْتِيفَاءِ)]
- 1. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: يُقَرِّرُ الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ تَبْوِيبَ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ يَهْدِفُ إِلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْكُفْرَ مَرَاتِبُ كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ مَرَاتِبُ، وَأَنَّ كُفْرَانَ الْعَشِيرِ هُوَ كُفْرٌ عَمَلِيٌّ لَا يَخْرُجُ بِهِ الْعَبْدُ مِنَ الْمِلَّةِ، لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْوَعِيدَ بِالنَّارِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْمَعَاصِي كُفْراً هِيَ طَرِيقَةُ الشَّرْعِ لِتَعْظِيمِ جُرْمِهَا وَلِتَنْبِيهِ الْمُؤْمِنِ أَنَّ بَعْضَ خِصَالِ الْإِيمَانِ قَدْ تُفْقَدُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْعَمَلَ الصَّالِحَ جُزْءٌ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ الْإِسَاءَةُ تُنْقِصُ هَذَا الْإِيمَانَ، فَالْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الذُّنُوبَ لَا تَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَحْجُوجُونَ بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ الَّذِي جَعَلَ تَرْكَ شُكْرِ الزَّوْجِ سَبَباً فِي دُخُولِ النَّارِ. وَيَرَى ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الْكُفْرَ يُسَمَّى كُفْراً لِمُشَابَهَتِهِ لِفِعْلِ الْكُفَّارِ فِي جُحُودِ النِّعَمِ، فَكُلُّ مَنْ جَحَدَ نِعْمَةً فَقَدْ كَفَرَهَا، وَلَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ كُفْرِ النِّعْمَةِ وَكُفْرِ الشَّرْعِ بَيِّنٌ فِي الْآثَارِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِمَا. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الَّذِي يَحْمِي الْمُؤْمِنَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ جَعَلُوا كُلَّ كُفْرٍ نَاقِلاً عَنِ الدِّينِ، فَالْبُخَارِيُّ بِذِكْرِهِ "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ" وَضَعَ الْفَيْصَلَ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ كُفْرَانَ الْعَشِيرِ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُبْطِلُ التَّوْحِيدَ لَكِنَّهَا تَمْحَقُ بَرَكَتَهُ وَتُعَرِّضُ صَاحِبَهَا لِلْعُقُوبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ إِذَا لَمْ يَعْفُ اللهُ عَنْهُ. (1)
- 2. شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ: يُفَصِّلُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي كَيْفَ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ، مُؤَكِّداً أَنَّ مَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ بِاللهِ قَدْ يَقَعُ فِي خِصَالِ الْكُفْرِ الْعَمَلِيِّ دُونَ أَنْ يَكْفُرَ بِاللهِ. وَيَشْرَحُ قَوْلَهُ "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ" بِأَنَّهُ جُحُودُ الْحَقِّ الصَّادِرِ مِنَ الزَّوْجِ، وَأَنَّ هَذَا الْجُحُودَ سُمِّيَ كُفْراً لِعِظَمِ حَقِّ الزَّوْجِ الَّذِي قَرَنَهُ الشَّرْعُ بِأَعْظَمِ الْحُقُوقِ بَعْدَ حَقِّ اللهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْإِشْكَالَ الَّذِي طَرَحَهُ الصَّحَابَةُ "أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟" يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَقِرَّ فِي أَذْهَانِهِمْ أَنَّ مُطْلَقَ الْكُفْرِ لَا يَنْصَرِفُ إِلَّا لِلْمُخْرِجِ، فَجَاءَ الْجَوَابُ النَّبَوِيُّ لِيُبَيِّنَ نَوْعاً آخَرَ مِنَ الْكُفْرِ. وَيُؤَصِّلُ ابْنُ حَجَرٍ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الطَّاعَاتِ تُسَمَّى إِيمَاناً وَالْمَعَاصِي تُسَمَّى كُفْراً بِمَعْنًى مَجَازِيٍّ أَوْ عَمَلِيٍّ لَا يَمَسُّ أَصْلَ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ الثَّابِتِ بِالْيَقِينِ. وَيُحَذِّرُ مِنَ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ مَنْ فَهِمَ مِنَ الْحَدِيثِ خُلُودَ الْعُصَاةِ، مُوضِحاً أَنَّ النَّارَ قَدْ يُدْخَلُهَا الْمُؤْمِنُ بِتَبِعَاتِ الذُّنُوبِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْهَا بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ أَوْ بِرَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ "مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ" هُوَ مِثَالٌ لِلْجُحُودِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلزَّمَانِ، وَهُوَ خُلُقٌ يُنَافِي الشُّكْرَ الْوَاجِبَ الَّذِي هُوَ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ الْقَلْبِيَّةِ وَاللِّسَانِيَّةِ. وَيَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ فِي شُكْرِ الْخَلْقِ يُفْضِي إِلَى التَّقْصِيرِ فِي شُكْرِ الْخَالِقِ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ مَسَائِلِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الْأَعْمَالِ. (2)
- 3. شَرْحُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: يُؤَصِّلُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ لِقَاعِدَةِ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ" مِنْ خِلَالِ هَذَا الْحَدِيثِ، مُبَيِّناً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَفَى عَنْهُنَّ مَحْضَ الْكُفْرِ بِاللهِ وَأَثْبَتَ لَهُنَّ كُفْرَ الْعَشِيرِ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا تَقْسِيمٌ صَرِيحٌ لِلْكُفْرِ إِلَى نَوْعَيْنِ: كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَكُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنْهَا، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَذْهَبِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَكُونُ تَامّاً إِلَّا بِالْعَمَلِ، فَإِذَا زَالَ الْعَمَلُ الْوَاجِبُ كَالشُّكْرِ، زَالَ كَمَالُ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ، وَسُمِّيَ هَذَا النَّقْصُ كُفْراً بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مِنَ الدِّينِ. وَيُوضِحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ، فَيَكُونُ فِي الشَّخْصِ الْوَاحِدِ إِيمَانٌ وَكُفْرٌ (أَصْغَرُ)، وَتَوْحِيدٌ وَشِرْكٌ (أَصْغَرُ)، وَهَذَا مَا لَا تَفْهَمُهُ الْفِرَقُ الضَّالَّةُ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ دُخُولَ النِّسَاءِ النَّارَ بِسَبَبِ كُفْرِ الْعَشِيرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ لَهُ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي مَصِيرِ الْعَبْدِ، وَأَنَّ الْقَلْبَ إِذَا خَلَا مِنَ الشُّكْرِ فَقَدْ خَلَا مِنْ شُعْبَةٍ إِيمَانِيَّةٍ عَظِيمَةٍ. وَيَرَى أَنَّ لَفْظَ "قَطُّ" فِي جُحُودِهِنَّ يَدُلُّ عَلَى انْطِمَاسِ رُؤْيَةِ الْفَضْلِ، وَهَذَا مِنْ أَخْطَرِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي صِدْقِ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِ اللهِ وَرَسُولِهِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ جَوْهَراً بَسِيطاً لَا يَقْبَلُ الْقِسْمَةَ، بَلْ هُوَ ذُو أَجْزَاءٍ، يَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَقْوَى أَدِلَّةِ هَذَا الْأَصْلِ الْعَظِيمِ. (3)
- 4. شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ: يَنْطَلِقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِهِ مِنْ مَنْظُورِ التَّزْكِيَةِ وَالْعَقِيدَةِ مَعاً، مُبَيِّناً أَنَّ جُحُودَ الْإِحْسَانِ بَرِيدٌ إِلَى جُحُودِ الْخَالِقِ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللهَ. وَيَرَى أَنَّ تَسْمِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِفِعْلِهِنَّ كُفْراً فِيهِ زَجْرٌ عَنِ التَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ أَهْلِ الْجُحُودِ، وَأَنَّ الدِّينَ قِيَامٌ بِالْحُقُوقِ، فَمَنْ ضَيَّعَ حَقَّ الْمَخْلُوقِ الْمُؤَكَّدَ فَقَدْ ضَيَّعَ جُزْئاً مِنْ دِينِهِ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ الْكُفْرَ الْأَصْغَرَ يَجْتَمِعُ مَعَ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ هَذَا الِاجْتِمَاعَ هُوَ السِّرُّ فِي بَقَاءِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، فَهُمْ لَمْ يَكْفُرُوا كُفْراً يَنْقُلُهُمْ إِلَى الْخُلُودِ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ الْمَرْأَةَ حِينَ تَقُولُ "مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْراً قَطُّ" فَقَدْ كَفَرَتْ نِعْمَةَ الزَّوْجِ كُفْراً مُؤَقَّتاً أَوْ مُتَعَلِّقاً بِالْعَمَلِ، وَهَذَا لَا يَرْفَعُ عَنْهَا اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَيُبَيِّنُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الشَّرْعَ حَكِيمٌ فِي وَضْعِ الْأَسْمَاءِ، فَلَمَّا كَانَ الْفِعْلُ قَبِيحاً سَمَّاهُ بِأَقْبَحِ الْأَسْمَاءِ (الْكُفْرِ) لِيَحْذَرَهُ الْمُؤْمِنُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الرِّدَّةِ. وَيَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ يُعَلِّمُ الْمُسْلِمَ أَنَّ كَلِمَةً وَاحِدَةً قَدْ تُوبِقُ دُنْيَاهُ وَآخِرَتَهُ إِذَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الْجُحُودِ وَالِانْكِارِ لِلْجَمِيلِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَعْرِفَةٍ، بَلْ هُوَ حَالٌ وَخُلُقٌ وَعَمَلٌ، وَمَنْ سَاءَ خُلُقُهُ بِالْجُحُودِ فَقَدْ سَاءَ حَظُّهُ مِنَ الْإِيمَانِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ كُفْرَانَ الْعَشِيرِ صُورَةٌ مُصَغَّرَةٌ لِكُفْرَانِ نِعَمِ اللهِ، وَالْعَاقِلُ مَنْ تَدَبَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ لِيُصْلِحَ بَاطِنَهُ وَظَاهِرَهُ مَعاً. (4)
[ثَانِيًا: تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ الْعَقَدِيِّ (قُلْتُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ حَدِيثَ "كُفْرَانِ الْعَشِيرِ" [1] هُوَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ فِي فَهْمِ مَسْأَلَةِ "الْكُفْرِ الْأَصْغَرِ" وَعَلَاقَتِهِ بِتَرْكِ الْأَعْمَالِ؛ فَقَدْ نَظَرْتُ فِي تَقْرِيرَاتِ الْأَعْلَامِ [1-4] فَوَجَدْتُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ قَدْ يُسَمَّى كُفْراً لِمُشَابَهَةِ الْكَافِرِينَ فِي الصِّفَةِ لَا فِي الْأَصْلِ. وَقُلْتُ تَأْصِيلاً عَقَدِيّاً: إِنَّ جَعْلَ نُقْصَانِ الْعَمَلِ (الشُّكْرِ) سَبَباً لِدُخُولِ النَّارِ مَعَ سَلْبِ اسْمِ "الْكُفْرِ بِاللهِ" عَنْهُنَّ، هُوَ أَبْلَغُ رَدٍّ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ، وَعَلَى مَنْ كَفَّرَ بِمُطْلَقِ الذَّنْبِ. وَإِنَّنِي أَجْزِمُ أَنَّ التَّفْرِيقَ النَّبَوِيَّ بَيْنَ الْكَفْرَيْنِ هُوَ الَّذِي ضَبَطَ مَسَائِلَ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، فَلَا يَزُولُ أَصْلُ الْإِيمَانِ بِالْمَعْصِيَةِ، لَكِنَّ اسْمَ "الْكُفْرِ" قَدْ يَلْحَقُ بِالْمُعَاصِي زَجْراً وَتَحْذِيراً. فَالْبَاحِثُ الْجَادُّ يَرَى فِي قَوْلِهِ ﷺ "يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ" إِثْبَاتاً لِلْكُفْرِ الْعَمَلِيِّ الَّذِي لَا يُنَاقِضُ أَصْلَ الْيَقِينِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ النَّجَاةِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ دِينَهُ بَيْنَ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ. (5)
&__________________________[ الْحَاشِيَةُ ]__________________________&
(1) تَوْثِيقُ ابْنِ رَجَبٍ: "فَتْحُ الْبَارِي"، ج (1)، ص (120)، ط. (1)، دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمَمْلَكَةِ الْعَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، 1417هـ.
(2) تَوْثِيقُ ابْنِ حَجَرٍ: "فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، ج (1)، ص (83)، ط. دَارِ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، لُبْنَانَ.
(3) تَوْثِيقُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ"، ج (7)، ص (312-315)، ط. مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ.
(4) تَوْثِيقُ ابْنِ الْقَيِّمِ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ"، ج (1)، ص (335-337)، ط. دَارِ الصَّمِيعِيِّ.
(5) تَخْرِيجُ الْأَصْلِ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ، حَدِيثُ رَقْمُ (29).
(6) ضَابِطٌ لُغَوِيٌّ: الْكَفْرُ فِي اللُّغَةِ السَّتْرُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ "الْكَافِرُ" لِسَتْرِهِ الْحَقَّ، وَ"الْكَافِرُ" (الزَّارِعُ) لِسَتْرِهِ الْبَذْرَ فِي الْأَرْضِ.
(7) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْكُفْرُ الْمُنَكَّرُ فِي النُّصُوصِ يُحْمَلُ عَلَى الْأَصْغَرِ، وَالْمُعَرَّفُ بِـ (الْـ) يُحْمَلُ عَلَى الْأَكْبَرِ غَالِباً".
(8) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، ص (320)، ط. الْمَكْتَبِ الْإِسْلَامِيِّ.
(9) فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ "قَطُّ" تَنْفِي الْمَاضِيَ تَمَاماً، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَضَبَ قَدْ يَحْمِلُ عَلَى جُحُودِ كُلِّ السَّوَابِقِ.
(10) تَوْثِيقٌ: "لِسَانُ الْعَرَبِ" لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ (ق ط ط)، ج (7)، ص (370).
(11) ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ: نَقْصُ الْإِيمَانِ بِالْمَعَاصِي لَا يَعْنِي زَوَالَ اسْمِ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ، بَلْ زَوَالَ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ.
(12) تَوْثِيقٌ: "كِتَابُ الْإِيمَانِ" لِابْنِ مَنْدَهْ، ج (1)، ص (305)، ط. مَكْتَبَةِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ.
(13) قَاعِدَةٌ: "لَا يَكْفُرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ"، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
(14) تَوْثِيقٌ: "التَّمْهِيدُ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَسَانِيدِ" لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، ج (9)، ص (235).
(15) بَصْمَةُ الْبَاحِثِ: حَرَّرْتُ هَذِهِ الْمُتَمِّمَةَ فِي ص (87) لِتَكُونَ فَصْلاً فِي مَسْأَلَةِ مَرَاتِبِ الْكُفْرِ وَالْأَعْمَالِ.
(16) فَائِدَةٌ: صَلَاةُ الْكُسُوفِ كَانَتْ مَوْطِنَ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ لِلنَّارِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ الْمَقَامِ.
(17) تَوْثِيقٌ: "عُمْدَةُ الْقَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" لِلْعَيْنِيِّ، ج (1)، ص (202).
(18) ضَابِطٌ: الْعَشِيرُ هُنَا هُوَ الزَّوْجُ، وَالْعِشْرَةُ هِيَ الْمُصَاحَبَةُ بِالْمَعْرُوفِ.
(19) قَاعِدَةٌ: "شُكْرُ الْمُنْعِمِ مِنَ الْخَلْقِ مَأْمُورٌ بِهِ شَرْعاً، وَتَرْكُهُ مُحَرَّمٌ كُفْرٌ لِلنِّعْمَةِ".
_________________________________《 88 》______________________________
(الْمُتَمِّمَةُ السَّادِسَةُ لِلْوَجْهِ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ) - [ص (88)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ وَتَحْقِيقُهُ]
عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ». (1)
تَوْضِيحُ الشَّكِّ: قَوْلُهُ (أَوْ أَشْرَكَ) هُوَ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ) فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
سَبَبُ الشَّكِّ: أَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَجْزِمْ هَلْ نَطَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَفْظِ "كَفَرَ" أَمْ بِلَفْظِ "أَشْرَكَ"، وَكِلَاهُمَا يُؤَدِّيَانِ نَفْسَ الْمَعْنَى فِي بَابِ التَّغْلِيظِ وَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ.
عِلَّةُ الْحَدِيثِ: الْحَدِيثُ لَيْسَ فِيهِ ضَعْفٌ يُسْقِطُهُ، بَلْ هُوَ صَحِيحٌ لِتَعَدُّدِ طُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ، وَالشَّكُّ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ لَا يَضُرُّ لِأَنَّ "أَوْ" هُنَا لِلتَّنْوِيعِ أَوْ الشَّكِّ الَّذِي لَا يُغَيِّرُ الْحُكْمَ الْعَقَدِيَّ.
[ثَانِيًا: مُفْرَدَاتُ الدَّلِيلِ (تَحْلِيلٌ رُبَاعِيٌّ)]
الْحَلِفُ:
اشْتِقَاقُهُ: مِنَ "الْحَلْفِ" وَهُوَ لُغَةً الْقَسَمُ وَالْمُعَاهَدَةُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: تَوْكِيدُ صِدْقِ الْخَبَرِ أَوْ حَقِيقَتِهِ بِذِكْرِ اسْمِ مُعَظَّمٍ بِصِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ.
التَّأْصِيلُ: هُوَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلهِ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَهْرِ وَالْعَظَمَةِ، وَلَا عَظَمَةَ تُسَاوِي عَظَمَةَ الْخَالِقِ.
كَفَرَ:
اشْتِقَاقُهُ: مِنَ "الْكَفْرِ" وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: جُحُودُ مَا وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ، أَوْ ارْتِكَابُ فِعْلٍ سَمَّاهُ الشَّارِعُ كُفْراً.
التَّأْصِيلُ: سُمِّيَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ كُفْراً لِأَنَّهُ سَتَرَ مَعْنَى التَّفَرُّدِ بِالْعَظَمَةِ لِلهِ (كُفْرٌ نِعْمَةٍ أَوْ أَصْغَرُ).
أَشْرَكَ:
اشْتِقَاقُهُ: مِنَ "الشَّرِكَةِ" وَهِيَ مَسَاوَاةُ الشَّيْئَيْنِ فِي أَمْرٍ مَا.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللهِ بِاللهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ.
التَّأْصِيلُ: هُوَ شِرْكٌ فِي "التَّعْظِيمِ"، فَإِذَا نَطَقَ بِالْمَحْلُوفِ بِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدّاً لِلهِ فِي لِسَانِهِ.
[ثَالِثًا: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ
شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ: يُقَرِّرُ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ نَوْعٌ مِنَ التَّعْظِيمِ الَّذِي لَا يَنْبَغِي إِلَّا لِلَّهِ، فَالْمُقْسِمُ لَا يُقْسِمُ إِلَّا بِمَا يَعْتَقِدُ عَظَمَتَهُ. وَيَرَى أَنَّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ يَشْمَلُ الْأَقْوَالَ الَّتِي فِيهَا تَسْوِيَةٌ لَفْظِيَّةٌ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الشَّكَّ (كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ) لَا يُضْعِفُ النَّصَّ، بَلْ يُؤَكِّدُ دِقَّةَ الرُّوَاةِ فِي نَقْلِ اللَّفْظِ النَّبَوِيِّ كَمَا هُوَ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ سَبَبَ النَّهْيِ هُوَ حِمَايَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ أَنْ يَتَسَرَّبَ إِلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ رَوَاسِبِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تُعَظِّمُ الْآبَاءَ وَالْكَوَاكِبَ. وَيُؤَكِّدُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ هَذَا الشِّرْكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي لَمْ تُسَمَّ شِرْكاً، لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى حَقِّ اللهِ الْخَاصِّ. وَيَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ صَادِقاً بِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ أَعْظَمُ إِثْماً مِمَّنْ حَلَفَ بِاللهِ كَاذِباً عِنْدَ بَعْضِ السَّلَفِ، لِأَنَّ قُبْحَ الشِّرْكِ لَا يُوَازِيهِ قُبْحٌ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ تَعْوِيدُ اللِّسَانِ عَلَى قَوْلِ "وَاللهِ" فَقَطْ، وَإِذَا زَلَّ اللِّسَانُ فَلْيُبَادِرْ بِالتَّوْحِيدِ كَفَّارَةً لِمَا جَرَى. (2)
2. شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ: يَشْرَحُ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَنِ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ وَالطَّوَاغِيتِ، وَجَعَلَ الْبَدِيلَ هُوَ الصَّمْتَ أَوِ الْحَلِفَ بِاللهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ لَفْظَ "كَفَرَ" هُنَا لَا يَعْنِي الرِّدَّةَ الَّتِي تُبِيحُ الدَّمَ، بَلْ هُوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَكَذَلِكَ الشِّرْكُ. وَيُوضِحُ أَنَّ مَنْشَأَ الشَّكِّ فِي الرِّوَايَةِ غَالِباً مَا يَكُونُ تَثَبُّتاً مِنَ الرَّاوِي عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ، وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى مَنْعِ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْأَيْمَانِ. وَيَرَى أَنَّ الْحَلِفَ بِمَا يُعَظَّمُ شَرْعاً كَالنَّبِيِّ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ الْأَمَانَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ أَيْضاً سَدّاً لِذَرِيعَةِ الشِّرْكِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي التَّسْمِيَةِ بِـ "الشِّرْكِ" هِيَ مُضَاهَاةُ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ فِي تَعْظِيمِ أَوْثَانِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ عَظَّمَ مَخْلُوقاً بِمَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِاللهِ فَقَدْ شَرِكَ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَدِلَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي حَتَّى يُطْلَقَ عَلَى بَعْضِهَا كُفْرٌ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ جَاهِلاً فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ التَّوْحِيدِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. (3)
3. شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ: يَنْظُرُ ابْنُ الْقَيِّمِ إِلَى سِرِّ الْمَسْأَلَةِ بِأَنَّ الْيَمِينَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ أَعْظَمُ عِنْدَ الْحَالِفِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ سَوَّى غَيْرَ اللهِ بِاللهِ فِي هَذَا التَّعْظِيمِ فَقَدْ نَقَضَ كَمَالَ التَّوْحِيدِ الْوَاجِبِ، وَلِذَا كَانَ "كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ". وَيُوَضِّحُ أَنَّ الشَّكَّ فِي اللَّفْظِ لَا يُؤَثِّرُ فِي قُوَّةِ الزَّجْرِ، لِأَنَّ كِلَا اللَّفْظَيْنِ يُوجِبَانِ الْحَذَرَ الشَّدِيدَ. وَيَرَى أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ هُوَ مِنْ شِرْكِ الْأَلْفَاظِ الَّذِي قَدْ يَجُرُّ صَاحِبَهُ إِلَى شِرْكِ الْقُلُوبِ إِذَا اعْتَقَدَ نَفْعاً أَوْ ضَرّاً فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ. وَيُؤَصِّلُ لِكَوْنِ هَذَا الْفِعْلِ لَا كَفَّارَةَ لَهُ مِنَ الطَّعَامِ أَوِ الْعِتْقِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَكُونُ لِلْيَمِينِ الْمَشْرُوعَةِ، أَمَّا هَذَا فَهُوَ ذَنْبٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَوْبَةٍ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ قَوْلَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُوَ الدَّوَاءُ لِهَذَا الدَّاءِ، لِأَنَّ الْحَسَنَةَ تَمْحُو السَّيِّئَةَ، وَالتَّوْحِيدَ يَهْدِمُ الشِّرْكَ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ تَعْظِيمَ اللهِ فِي الْقَلْبِ يَمْنَعُ اللِّسَانَ مِنْ الِانْزِلَاقِ نَحْوَ تَعْظِيمِ الْأَنْدَادِ، وَهَذَا مَحْضُ الْعُبُودِيَّةِ. (4)
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
إِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ [1] يُعَدُّ فَيْصَلاً فِي بَابِ شِرْكِ الْأَلْفَاظِ؛ فَقَدْ نَظَرْتُ فِي تَقْرِيرَاتِ الْأَعْلَامِ [1-4] فَوَجَدْتُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ يَقُومُ عَلَى سَدِّ كُلِّ ذَرِيعَةٍ تَمَسُّ حِمَى التَّوْحِيدِ.
تَأْصِيلاً عَقَدِيّاً: إِنَّ الشَّكَّ فِي قَوْلِهِ "كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ" هُوَ شَكٌّ فِي "الْوَصْفِ" مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى "الْحُكْمِ"، وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ مُحَرَّمٌ شِرْكِيٌّ. وَإِنَّنِي أَجْزِمُ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ (كَالْأَمَانَةِ أَوِ الْكَعْبَةِ) يُنَاقِضُ كَمَالَ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ رَبْطَ الْكَفَّارَةِ بِقَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى يُثْبِتُ أَنَّ الذَّنْبَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِأَصْلِ الدِّينِ.
قلت :هَذَا النَّصِّ تَرْبِيَةً نَبَوِيَّةً عَلَى تَوْحِيدِ الْقَصْدِ وَاللَّفْظِ، وَسُبْحَانَ مَنْ أَعَزَّ مَنْ عَظَّمَهُ وَخَذَلَ مَنْ سَوَّى بِهِ خَلْقَهُ.
&___________________________[ الْحَاشِيَةُ ]________________________&
(1) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (6072)، وَأَبُو دَاوُدَ (3251)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1535).
(2) حُكْمُ أَحْمَد شَاكِر: "إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ"، (مُسْنَدُ أَحْمَد، ج 8، ص 225).
(3) حُكْمُ الْأَلْبَانِيِّ: "صَحِيحٌ"، (إِرْوَاءُ الْغَلِيلِ، رَقْمُ 2561).
(4) حُكْمُ الشَّيْخِ مُقْبِل بْنِ هَادِي: "صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ"، (الْجَامِعُ الصَّحِيحُ مِمَّا لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، ج 4، ص 205).
(5) أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ: الشَّكُّ جَاءَ مِنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ، وَشَكُّهُ دَلِيلٌ عَلَى وَرَعِهِ وَتَحَرِّيهِ لِلَّفْظِ.
(6) فَائِدَةٌ: لَا فَرْقَ عَقَدِيّاً هُنَا بَيْنَ "كَفَرَ" وَ"أَشْرَكَ"، فَكِلَاهُمَا يَنْصَرِفُ لِلْأَصْغَرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
(7) ضَابِطٌ: "أَوْ" فِي الْحَدِيثِ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي، وَلَيْسَتْ لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ.
(8) قَاعِدَةٌ: "كُلُّ تَعْظِيمٍ لِلْمَخْلُوقِ يُضَاهِي تَعْظِيمَ اللهِ فِي اللَّفْظِ فَهُوَ شِرْكٌ أَصْغَرُ".
(9) تَوْثِيقٌ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، ص (528).
(10) خَاتِمَةٌ: تَمَّ الْوَجْهُ (16) ص (88) بِتَمَامِهِ بَعْدَ تَحْرِيرِ الشَّكِّ وَالْحُكْم
____________________________________《 89 》_________________________________
(الْمُتَمِّمَةُ السَّابِعَةُ لِلْوَجْهِ السَّادِسَ عَشَرَ: حَدِيثُ الْحَلِفِ بِاللَّاتِ) - [ص (89)]
[أَوَّلاً: مُفْرَدَاتُ الدَّلِيلِ (تَشْرِيحٌ لُغَوِيٌّ وَمَكَانِيٌّ)]
اللَّاتُ:
تَشْرِيحُ اللَّفْظِ: بِالتَّخْفِيفِ هِيَ اسْمُ صَنَمٍ، وَبِالتَّشْدِيدِ (اللَّاتُّ) هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَلُتُّ (يَعْجِنُ) السَّوِيقَ بِالسَّمْنِ لِلْحُجَّاجِ.
الْمَوْقِعُ: كَانَتْ فِي الطَّائِفِ، وَهِيَ صَخْرَةٌ بَيْضَاءُ مَنْقُوشَةٌ عَلَيْهَا بَيْتٌ، تَعْبُدُهَا ثَقِيفٌ.
التَّأْصِيلُ: الشِّرْكُ بَدَأَ فِيهَا بِتَعْظِيمِ رَجُلٍ صَالِحٍ (اللَّاتِّ) بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْعُزَّى:
تَشْرِيحُ اللَّفْظِ: مُؤَنَّثُ (الْأَعَزِّ)، اشْتَقَّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنِ اسْمِ اللهِ "الْعَزِيزِ".
الْمَوْقِعُ: كَانَتْ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ نَخْلَةُ، وَهِيَ ثَلَاثُ سَمُرَاتٍ (أَشْجَارٍ).
الْإِلَهُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "أَلَهَ، يَأْلَهُ" بِمَعْنَى عَبَدَ، وَقِيلَ مِنَ "وَلَهَ" أَيِ الَّذِي تَوْلَهُ إِلَيْهِ الْقُلُوبُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي تَتَأَلَّهُهُ الْقُلُوبُ حُبّاً، وَتَعْظِيماً، وَخَوْفاً، وَرَجَاءً.
التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ: لَفْظُ الْإِلَهِ يَقْتَضِي الْعُبُودِيَّةَ الْمَحْضَةَ، فَلَا يَكُونُ إِلَهاً حَقّاً إِلَّا مَنْ كَانَ مُسْتَحِقّاً لِصَرْفِ جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ لَهُ.
[ثَانِيًا: تَقْرِيرُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (إِعْرَاباً وَمَعْنًى)]
الْإِعْرَابُ: "لَا" نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، "إِلَهَ" اسْمُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَخَبَرُهَا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "بِحَقٍّ".
الْمَعْنَى: "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ". وَلَا يَصِحُّ تَقْدِيرُهُ بِـ "مَوْجُودٍ" لِأَنَّ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةَ مَوْجُودَةٌ.
اخْتِلَافُ النَّاسِ:
أَهْلُ السُّنَّةِ: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ، فَمَعْنَى الْكَلِمَةِ إِفْرَادُ اللهِ بِالْعِبَادَةِ (تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ).
الْأَشَاعِرَةُ: الْإِلَهُ هُوَ "الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ"، فَمَعْنَى الْكَلِمَةِ عِنْدَهُمْ: "لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللهُ"، وَهَذَا حَصْرٌ لِلْمَعْنَى فِي (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ) فَقَطْ، وَهُوَ تَقْصِيرٌ فِي فَهْمِ حَقِيقَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
[ثَالِثًا: شُرُوحُ الْأَئِمَّةِ (كُلُّ شَرْحٍ 10 أَسْطُرٍ)]
1. شَرْحُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
يُقَرِّرُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى رِدَّةٌ عَنْ كَمَالِ التَّوْحِيدِ الْوَاجِبِ، وَلِذَلِكَ أُمِرَ الْحَالِفُ بِأَنْ يَقُولَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لِيُجَدِّدَ إِيمَانَهُ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَاتِ الْعِظَامَ تَمْحُو السَّيِّئَاتِ الْعِظَامَ، فَلَمَّا كَانَ الْحَلِفُ بِالْأَنْدَادِ شِرْكاً، كَانَتْ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ كَفَّارَةً لَهُ. وَيَرُدُّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ فَسَّرُوا الْإِلَهَ بِالْقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، مُبَيِّناً أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لَا يُطَابِقُ لُغَةَ الْعَرَبِ وَلَا مَقْصِدَ الْقُرْآنِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْخَالِقُ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الَّذِي يُؤْلَهُ، أَيْ يُعْبَدُ، فَالْكَلِمَةُ تَنْفِي اسْتِحْقَاقَ الْعِبَادَةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ. وَيَرَى أَنَّ الْحَالِفَ بِغَيْرِ اللهِ قَدْ عَظَّمَ الْمَحْلُوفَ بِهِ تَعْظِيماً يَخُصُّ الْأُلُوهِيَّةَ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْقُضَ ذَلِكَ التَّعْظِيمَ بِنَفْيِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْ غَيْرِ اللهِ وَإِثْبَاتِهَا لَهُ وَحْدَهُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ مَنْ قَالَهَا صَادِقاً مُسْتَيْقِناً بِهَا بَطَلَ عَنْهُ إِثْمُ مَا جَرَى بِهِ لِسَانُهُ مِنَ الشِّرْكِ اللَّفْظِيِّ. (1)
2. شَرْحُ ابْنِ الْقَيِّمِ:
يُبَيِّنُ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الشَّرْعَ حَكِيمٌ فِي جَعْلِ كَفَّارَةِ ذَنْبِ الشِّرْكِ مِنْ جِنْسِهِ، فَلَمَّا شَرَكَ بِاللَّفْظِ كَفَّرَ بِالتَّوْحِيدِ. وَيَرَى أَنَّ تَسْمِيَةَ الْأَصْنَامِ (اللَّاتِ وَالْعُزَّى) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِ الْجُرْمِ، لِأَنَّ هَذِهِ أَسْمَاءٌ لِمَعْبُودَاتٍ بَاطِلَةٍ. وَيُفَصِّلُ فِي مَعْنَى الْإِلَهِ بِأَنَّهُ الَّذِي تَهْرَعُ إِلَيْهِ الْخَلَائِقُ فِي حَاجَاتِهَا، فَمَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَ ذَلِكَ الْمَحْلُوفَ بِهِ مَفْزَعاً وَمُعَظَّماً، وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْإِلَهِ. وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ هُوَ غَايَةَ الْأَمْرِ، مُوضِحاً أَنَّ حَقِيقَةَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هِيَ إِفْرَادُ اللهِ بِالْحُبِّ وَالْخَوْفِ وَالتَّأَلُّهِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَعْظِيمَ السَّلَفِ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ جَعَلَهُمْ يَرَوْنَ فِيهَا حِصْناً مِنَ الشِّرْكِ، فَمَنْ وَقَعَ فِي وَسِيلَةٍ شِرْكِيَّةٍ لَمْ يُنْجِهِ إِلَّا إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الشَّكَّ فِي لَفْظِ "الْعُزَّى" أَوْ غَيْرِهِ لَا يُغَيِّرُ حُكْمَ الِانْتِقَالِ لِلشِّرْكِ، فَالْمَدَارُ عَلَى صَرْفِ التَّعْظِيمِ لِغَيْرِ اللهِ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَسْتَقِيمُ إِلَّا بِهَذَا التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تُخَالِفُهُ هِيَ لَغْوٌ وَجَهَالَةٌ تَسْتَوْجِبُ الِاسْتِغْفَارَ وَالنُّطْقَ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ. (2)
3. شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ (السِّنْدِيِّ):
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ فِي شَرْحِهِ عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَأَنَّ صَرْفَ مَعْنَى الْإِلَهِ إِلَى "الْقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ" هُوَ مَذْهَبٌ حَادَ عَنْ جَادَّةِ السَّلَفِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَصٌّ فِي كَيْفِيَّةِ عِلَاجِ مَا يَقَعُ عَلَى اللِّسَانِ مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ الَّذِي هُوَ وَسِيلَةٌ لِلْأَكْبَرِ. وَيُوضِحُ أَنَّ الْحَلِفَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى كَانَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ ﷺ قَطْعَ دَابِرِ هَذِهِ الْعَادَةِ بِإِيجَابِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الزَّلَلِ. وَيَرَى أَنَّ الِارْتِبَاطَ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالْأُلُوهِيَّةِ هُوَ ارْتِبَاطُ تَعْظِيمٍ، فَلَا يُحْلَفُ إِلَّا بِمَنْ لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ الْحَقَّةُ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ قَوْلَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرٍ، بَلْ هُوَ تَجْدِيدٌ لِعَقْدِ الْإِيمَانِ الَّذِي انْفَرَطَ جُزْءٌ مِنْهُ بِهَذَا الْحَلِفِ الْبَاطِلِ. وَيَرُدُّ الشَّيْخُ عَلَى الْمُنْحَرِفِينَ فِي بَابِ الْأُلُوهِيَّةِ بِأَنَّ تَفْسِيرَهُمْ يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مُوَحِّدِينَ، وَهَذَا بَاطِلٌ يَرُدُّهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ. وَيَخْتِمُ بِأَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ حَرِيصاً عَلَى صَفَاءِ لَفْظِهِ، فَإِنَّ الْأَلْفَاظَ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي، وَمَنْ أَرَادَ كَمَالَ التَّوْحِيدِ فَلْيُوَحِّدْ كَلَامَهُ وَقَلْبَهُ. (3)
[رَابِعًا: تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ الْعَقَدِيِّ (قُلْتُ)]
قُلْتُ وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ: إِنَّ حَدِيثَ "الْحَلِفِ بِاللَّاتِ" [2] هُوَ مِعْيَارُ صِدْقِ التَّأَلُّهِ فِي الْأَقْوَالِ. وَقُلْتُ تَأْصِيلاً عَقَدِيّاً: إِنَّ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ "الْعِبَادَةُ"، فَمَنْ فَهِمَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ. وَإِنَّنِي أَجْزِمُ أَنَّ اخْتِلَافَ النَّاسِ فِي مَعْنَى "الْإِلَهِ" بَيْنَ مَنْ جَعَلَهُ (الْمَعْبُودَ) وَمَنْ جَعَلَهُ (الْخَالِقَ) هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ عَقِيدَةِ النَّجَاةِ وَعَقِيدَةِ الْمُرْجِئَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ؛ فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْقَادِرُ لَا يَمْنَعُ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لِلْقُبُورِ، أَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ الْمَعْبُودُ فَهُوَ الَّذِي يَهْدِمُ الشِّرْكَ مِنْ أَصْلِهِ. وَقُلْتُ: إِنَّ إِيجَابَ التَّوْحِيدِ لِمَنْ حَلَفَ بِمَعْبُودٍ بَاطِلٍ هُوَ تَنْبِيهٌ إِلَى أَنَّ الشِّرْكَ اللَّفْظِيَّ "نَاقِصٌ" لِلْإِيمَانِ، لَا يُجْبَرُ إِلَّا بِأَعْظَمِ أَرْكَانِهِ. (4)
&__________________________________[ الْحَاشِيَةُ ]__________________________________&
(1) تَوْثِيقُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (485)، ط. مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ.
(2) تَوْثِيقُ ابْنِ الْقَيِّمِ: "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ"، ج (1)، ص (210)، ط. دَارِ عَالَمِ الْفَوَائِدِ.
(3) تَوْثِيقُ الشَّيْخِ صَالِحِ السِّنْدِيِّ: "شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ وَمُفَرَّغَةٌ)، وَكَذَا فِي "تَقْرِيرَاتِهِ عَلَى الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ".
(4) تَخْرِيجٌ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ" (4860)، وَ"مُسْلِمٌ" (1647).
(5) فَائِدَةٌ: اللَّاتُ بِالتَّشْدِيدِ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ لِلْآيَةِ: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى}.
(6) ضَابِطٌ: الْحَلِفُ بِالصَّلِيبِ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ النَّبِيِّ يَأْخُذُ حُكْمَ الْحَلِفِ بِاللَّاتِ فِي كَوْنِهِ شِرْكاً لَفْظِيّاً.
(7) قَاعِدَةٌ: "شُرُوطُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) سَبْعَةٌ: الْعِلْمُ، الْيَقِينُ، الْإِخْلَاصُ، الصِّدْقُ، الْمَحَبَّةُ، الِانْقِيَادُ، الْقَبُولُ".
(8) تَوْثِيقٌ: "فَتْحُ الْمَجِيدِ" لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ص (140)، ط. دَارِ السَّلَامِ.
(9) فَائِدَةٌ مَكَانِيَّةٌ: هَدَمَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (اللَّاتَ) بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
(10) تَوْثِيقٌ: "مُعْجَمُ الْبُلْدَانِ" لِيَاقُوتَ الْحَمَوِيِّ، مَادَّةُ (اللَّاتُ).
(11) إِعْرَابٌ: الْخَبَرُ الْمَحْذُوفُ فِي كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيرُهُ بِـ "حَقٍّ" بَلْ "بِحَقٍّ" لِيَسْتَقِيمَ النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ.
(12) ضَابِطٌ: مَنْ قَالَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" بَعْدَ الْحَلِفِ الشِّرْكِيِّ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ "يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثاً" كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ.
(13) تَوْثِيقٌ: "السُّنَنُ الْكُبْرَى" لِلنَّسَائِيِّ (10696).
(14) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْعَكْسُ لَيْسَ صَحِيحاً عِنْدَ الِانْتِفَاءِ".
(15) تَوْثِيقٌ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"، ص (52).
(16) فَائِدَةٌ: الْعُزَّى كَانَتْ أَعْظَمَ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ، وَهَدَمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ.
(17) تَوْثِيقٌ: "زَادُ الْمَعَادِ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (3)، ص (395).
(18) ضَابِطٌ: النَّهْيُ عَنِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ عَامٌّ لِلْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ، لَكِنَّ الْكَافِرَ إِذَا قَالَهَا دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ.
(19) قَاعِدَةٌ: "التَّعْظِيمُ لِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُجُوداً".
(20) خَاتِمَةُ الصَّفْحَةِ: تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ تَحْرِيرُ الْوَجْهِ (16) ص (89) مُسْتَوْفِياً لِلْمَقَاصِدِ.
_______________________________ 《 90》______________________________________
(تَقْرِيرَاتُ الْأَعْلَامِ فِي الْكُفْرِ دُونَ الْكُفْرِ وَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ) - [ص (91)]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ الْعُثَيْمِينُ: «الْكُفْرُ كُفْرَانِ: كُفْرٌ يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَهُوَ الْكُفْرُ الْأكْبَرُ، وَكُفْرٌ لَا يَنْقُلُ عَنِ الْمِلَّةِ، وَهُوَ الْكُفْرُ الْأَصْغَرُ، وَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ الْمُرَادُ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ: (سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ)، وَقَوْلِهِ: (اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ). وَآيَةُ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) فِيهَا تَفْصِيلٌ؛ فَإِنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ اسْتِهَانَةً أَوْ اسْتِحْلَالاً أَوْ اعْتِقَاداً أَنَّهُ أَفْضَلُ فَهَوُ كُفْرٌ أَكْبَرُ، وَإِنْ حَكَمَ لِهَوًى مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الْحَقُّ فَهَذَا كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ. وَأَمَّا الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ، فَقَدْ وَصَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِأَنَّهُ كُفْرٌ أَوْ شِرْكٌ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ الَّذِي لَا يُخْرِجُ مِنَ الدِّينِ، إِلَّا إِذَا عَظَّمَ الْمَحْلُوفَ بِهِ كَعَظَمَةِ اللهِ، فَهُنَا يَنْتَقِلُ إِلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ». [1]
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ: «أَهْلُ السُّنَّةِ قَاطِبَةً يَقُولُونَ: الْكُفْرُ الْمَذْكُورُ فِي النُّصُوصِ يَنْقَسِمُ إِلَى أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ، وَهَذَا الْفَهْمُ هُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، وَلِذَلِكَ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي آيَةِ الْحُكْمِ قَوْلُهُ: (إِنَّهُ لَيْسَ بِالْكُفْرِ الَّذِي يَذْهَبُونَ إِلَيْهِ)، وَإِنَّمَا هُوَ (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ). وَالْبُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- بَوَّبَ فِي صَحِيحِهِ (بَابُ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ) لِيُرَدَّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ كُلَّ كُفْرٍ نَاقِلاً، فَالْمَعَاصِي الَّتِي سُمِّيَتْ كُفْرًا لَا تُزِيلُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، وَإِنَّمَا تُزِيلُ كَمَالَهُ الْوَاجِبَ. وَالْحَلِفُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى كَانَ يَقَعُ مِنَ الصَّحَابَةِ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأُمِرُوا بِقَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" لِيَمْحُوَ هَذَا الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ الْأَصْغَرَ لَا يُبْطِلُ مَجْمُوعَ عَمَلِ الْمُسْلِمِ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنَ الدَّائِرَةِ». [2]
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السِّنْدِيُّ: «مَعْنَى الْإِلَهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَمَنْ فَسَّرَهُ بِالْقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ فَقَدْ ضَيَّقَ مَعْنَاهُ وَحَصَرَهُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَهَذَا غَلَطٌ عَقَدِيٌّ كَبِيرٌ. وَمَسْأَلَةُ الْكُفْرِ دُونَ الْكُفْرِ هِيَ حِصْنُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ مَذَاهِبِ الْغُلُوِّ؛ فَالذُّنُوبُ الَّتِي سَمَّاهَا الشَّارِعُ كُفْرًا، كَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ، مَحْمُولَةٌ عَلَى الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ بِيَقِينِ الْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى الَّتِي لَمْ تُكَفِّرْ فِيهَا الشَّرِيعَةُ فِعْلَ مَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ إِلَّا بِالِاسْتِحْلَالِ. وَقَوْلُهُ ﷺ لِمَنْ حَلَفَ بِاللَّاتِ: (فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ صِدْقَ التَّوْحِيدِ وَالْتِجَاءَ الْقَلْبِ لِلهِ يَمْحُو مَا جَرَى بِهِ اللِّسَانُ مِنَ التَّعْظِيمِ الشِّرْكِيِّ، وَهُوَ تَوْجِيهٌ لِتَصْحِيحِ الْمَسَارِ الْعَقَدِيِّ فَوْراً عِنْدَ الزَّلَلِ اللَّفْظِيِّ». [3]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: «تَقْسِيمُ الذُّنُوبِ إِلَى مَا هُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ وَمَا هُوَ كُفْرٌ أَصْغَرُ هُوَ الضَّابِطُ فِي بَابِ الْوَعِيدِ، وَبِهِ يُعْرَفُ مَعْنَى "نَقْصِ الْإِيمَانِ" وَ"زَوَالِ الْإِيمَانِ". فَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ بِالنَّصِّ، لَكِنَّهُ لَيْسَ الشِّرْكَ الَّذِي يَخْلُدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ، بَلْ هُوَ شِرْكٌ فِي اللَّفْظِ وَالتَّعْظِيمِ الْقَلْبِيِّ النَّاقِصِ. وَتَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ لِكُفْرَانِ الْعَشِيرِ قَصَدَ بِهِ بَيَانَ أَنَّ لَفْظَ (الْكُفْرِ) قَدْ يُطْلَقُ عَلَى جُحُودِ النِّعْمَةِ، فَلَا يَكُونُ كُلُّ مَنْ وُصِفَ بِالْكُفْرِ كَافِراً خَارِجاً مِنَ الْمِلَّةِ. وَالْأَدِلَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ فِي تَفْسِيرِ (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ) هِيَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا بَابُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، فَمَنْ نَفَى التَّقْسِيمَ بَيْنَ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ فَقَدْ خَالَفَ نُصُوصَ الْوَحْيِ وَفَهْمَ السَّلَفِ الصَّالِحِ». [4]
&___________________________[حَاشِيَةُ ]____________________________&
(1) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُرَاجَعُ فِي "الْقَوْلِ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (ج 2، ص 215)، وَ"شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ" (ص 280).
(2) تَوْثِيقُ كَلَامِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ: يُرَاجَعُ فِي "تَمْهِيدِ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (ص 320)، وَ"شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" (ج 2، ص 440).
(3) تَوْثِيقُ كَلَامِ السِّنْدِيِّ: يُرَاجَعُ فِي "دُرُوسِ شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (الْمُقَدِّمَةِ الْعَقَدِيَّةِ)، وَتَقْرِيرَاتِهِ فِي "الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ".
(4) تَوْثِيقُ كَلَامِ التَّمِيمِيِّ: يُرَاجَعُ فِي "حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ" (ص 288-295)، ط. مَكْتَبَةِ الرُّشْدِ.
(5) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الْحَلِفِ بِاللَّاتِ: الْبُخَارِيُّ (6650)، وَمُسْلِمٌ (1647) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(6) تَخْرِيجُ حَدِيثِ "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ": أَبُو دَاوُدَ (3251)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1535) عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
(7) تَخْرِيجُ أَثَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" (12025)، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (2/313).
(8) تَخْرِيجُ أَثَرِ عَطَاءٍ: الطَّبَرِيُّ فِي "جَامِعِ الْبَيَانِ" (12053) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
(9) تَوْثِيقُ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ" (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ).
(10) تَخْرِيجُ حَدِيثِ كُفْرَانِ الْعَشِيرِ: الْبُخَارِيُّ (29)، وَمُسْلِمٌ (907).
(11) تَخْرِيجُ حَدِيثِ سِبَابُ الْمُسْلِمِ: الْبُخَارِيُّ (48)، وَمُسْلِمٌ (64).
(12) تَخْرِيجُ حَدِيثِ اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ: مُسْلِمٌ (67).
(13) تَوْثِيقُ إِجْمَاعِ السَّلَفِ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالْكَائِيِّ (4/830).
(14) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْبَابِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (7/312).
(15) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي مَرَاتِبِ الشِّرْكِ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" (1/335).
(16) تَوْثِيقُ مَعْنَى الْإِلَهِ لُغَةً: "لِسَانُ الْعَرَبِ" (1/139).
(17) تَوْثِيقُ حُكْمِ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ: أَبُو دَاوُدَ (3253).
(18) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ رَيْحَانَ: "الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ" (ص 90).
(19) تَوْثِيقُ الِاسْتِحْلَالِ الْقَلْبِيِّ: "الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ" (ص 520).
(20) تَوْثِيقُ كَفَّارَةِ الشِّرْكِ اللَّفْظِيِّ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ (11/535).
_____________________________________《 91 》_______________________________
(الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ: ثُبُوتُ الْأُخُوَّةِ مَعَ الْمَعَاصِي) - [ص (92)]
[أَوَّلاً: الدِّيبَاجَةُ وَالنَّصُّ]
17- أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ الْأُخُوَّةَ الْإِيمَانِيَّةَ مَعَ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ دُونَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ثَابِتَةً.
[الدَّلِيلُ]
1. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ": «وَهُمْ -أَيْ أَهْلُ السُّنَّةِ- مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ؛ بَلِ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ الْقِصَاصِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾».
2. مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 9-10].
3. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ إِخْوَةً، وَسَمَّى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مُؤْمِنِينَ مَعَ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ».
[ثَانِيًا: تَشْرِيحُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
الْأُخُوَّةُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْأَخِ"، وَأَصْلُهُ مِنَ التَّوَخِّي أَيِ الْقَصْدِ لِلشَّيْءِ وَالِاتِّبَاعِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: رَابِطَةٌ تَقُومُ عَلَى الِاشْتِرَاكِ فِي أَصْلٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ كَانَ نَسَباً أَوْ دِيناً.
أَهْلُ الْقِبْلَةِ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْقَبْلِ" وَهِيَ جِهَةُ التَّوَجُّهِ فِي الصَّلَاةِ (الْكَعْبَةِ).
الْحَدُّ الْجَامِعُ: كُلُّ مَنْ آمَنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَةَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَأْتِ بِنَاقِضٍ.
مُطْلَقُ الْمَعَاصِي:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْإِطْلَاقِ" أَيْ دُونَ قَيْدٍ، وَالْمَعَاصِي جَمْعُ مَعْصِيَةٍ مِنَ "الْعِصْيَانِ".
الْحَدُّ الْجَامِعُ: كُلُّ مُخَالَفَةٍ لِأَمْرِ الشَّارِعِ، سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً.
الْكَبَائِرُ:
الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ كَبِيرَةٍ، مِنَ "الْكِبَرِ" وَهُوَ ضِدُّ الصِّغَرِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: كُلُّ ذَنْبٍ فِيهِ حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ أَوْ لَعْنَةٌ أَوْ غَضَبٌ.
الْقِصَاصُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "قَصَّ الْأَثَرَ" أَيِ اتَّبَعَهُ، فَكَأَنَّ الْوَلِيَّ يَقْتَصُّ أَثَرَ الْجَانِي.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: أَنْ يُفْعَلَ بِالْجَانِي مِثْلُ مَا فَعَلَ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ.
بَغَتْ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْبَغْيِ" وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْقَدْرِ أَوْ الظُّلْمُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: خُرُوجُ طَائِفَةٍ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ أَوْ الِاعْتِدَاءُ عَلَى طَائِفَةٍ أُخْرَى بِغَيْرِ حَقٍّ.
تَفِيءَ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْفَيْءِ" وَهُوَ الرُّجُوعُ (كَالظِّلِّ بَعْدَ الزَّوَالِ).
الْحَدُّ الْجَامِعُ: عَوْدَةُ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ إِلَى الْحَقِّ وَالِانْقِيَادِ لِحُكْمِ اللهِ.
الْقِسْطُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "قَسَطَ" بِمَعْنَى عَدَلَ (أَمَّا أَقْسَطَ فَهُوَ الْمُقْسِطُ).
الْحَدُّ الْجَامِعُ: إِعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ دُونَ زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.
التَّأْصِيلُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْأَصْلِ" وَهُوَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: رَدُّ الْفُرُوعِ إِلَى قَوَاعِدِهَا الْكُلِّيَّةِ وَأَدِلَّتِهَا الْيَقِينِيَّةِ.
الْإِخْوَةُ:
الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ أَخٍ، وَتُجْمَعُ فِي الدِّينِ عَلَى "إِخْوَةٍ" وَفِي النَّسَبِ عَلَى "إِخْوَانٍ" غَالِباً.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: الْمُشَارَكَةُ فِي الرَّحِمِ الدِّينِيِّ الَّذِي مَنْبَعُهُ شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ.
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "الْإِيمَانُ يَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ؛ فَيَجْتَمِعُ فِي الْعَبْدِ إِيمَانٌ وَفِسْقٌ، أَوْ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ أَصْغَرُ".
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ؛ فَمَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَاقِضٍ يَقِينِيٍّ".
الضَّابِطُ الْأَوَّلُ: "الْكَبِيرَةُ تَنْفِي كَمَالَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ وَلَا تَنْفِي أَصْلَ الْوُجُودِ".
الضَّابِطُ الثَّانِي: "مُسَمَّى الْإِخْوَةِ الدِّينِيَّةِ يَنْتَفِي بِالرِّدَّةِ، وَيَبْقَى بِالْمَعْصِيَةِ وَإِنْ عَظُمَتْ".
&________________________________[ حَاشِيَةُ ]_______________________________&
(1) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ" ضِمْنَ "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" (3/151).
(2) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ" (ج 2، ص 245)، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.
(3) تَخْرِيجُ آيَةِ الْقِصَاصِ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، الْآيَةُ (178).
(4) تَخْرِيجُ آيَاتِ الْحُجُرَاتِ: سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، الْآيَاتُ (9-10).
(5) فَائِدَةٌ: وَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي آيَةِ الْقِصَاصِ هُوَ قَوْلُهُ (مِنْ أَخِيهِ) حَيْثُ أَمَرَ بِالْقِصَاصِ لِلْقَتِيلِ وَسَمَّى الْقَاتِلَ أَخاً.
(6) قَاعِدَةٌ: "أَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُكَفِّرُونَ بِالذَّنْبِ مَا لَمْ يُسْتَحَلَّ".
(7) تَوْثِيقٌ: "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ (ص 316).
(8) ضَابِطٌ: "الْخَوَارِجُ يُكَفِّرُونَ بِالْكَبِيرَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ يَجْعَلُونَهُ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ".
(9) تَوْثِيقٌ: "الْمَقَالَاتُ وَالْفِرَقُ" لِلْأَشْعَرِيِّ (1/167).
(10) خَاتِمَةٌ: تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ تَحْرِيرُ الْوَجْهِ (17) ص (92) وَفْقَ الضَّوَابِطِ الْمَطْلُوبَةِ.
__________________________________《 92 》_____________________________
[أَوَّلاً: وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْأَدِلَّةِ (دَلِيلٌ دَلِيلٌ)]
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (آيَةُ الْقِصَاصِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾؛ حَيْثُ أَثْبَتَ اللهُ تَعَالَى "الْأُخُوَّةَ" بَيْنَ الْقَاتِلِ وَوَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَعْدَ وُقُوعِ جَرِيمَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ، وَالْقَتْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ، فَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُ يَكْفُرُ بِالْكَبِيرَةِ لَانْقَطَعَتْ عُلْقَةُ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ فَوْراً، فَبَقَاؤُهَا دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي (آيَةُ الْحُجُرَاتِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾، ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾؛ فَقَدْ سَمَّاهُمُ اللهُ "مُؤْمِنِينَ" وَوَصَفَهُمْ بِـ"الْإِخْوَةِ" مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِالْقِتَالِ وَالْبَغْيِ، وَهُمَا مِنَ الْمُوبِقَاتِ، فَاسْتَمَرَّ اسْمُ الْإِيمَانِ عَلَيْهِمْ رَغْمَ ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (قَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ عُثَيْمِينَ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ هُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ "النَّفْيِ" وَ"الْإِثْبَاتِ"؛ نَفْيُ الْكُفْرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ عَنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ (خِلَافاً لِلْخَوَارِجِ)، وَإِثْبَاتُ بَقَاءِ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" تَحْتَ دائِرَةِ الْإِسْلَامِ، لِتَقْرِيرِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَزُولُ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَّا بِالنَّوَاقِضِ الْإِجْمَاعِيَّةِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ ]
يَرُومُ الشَّيْخُ مُحَمَّد بْن عَلِي رَيْحَان مِنْ خِلَالِ هَذِهِ السِّياقَاتِ تَقْرِيرَ قَاعِدَةِ (الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ) الْمُبْنِيَّةِ عَلَى "تَبَعُّضِ الْإِيمَانِ"؛ فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِأَنَّ الْأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ عَقْدٌ رَبَّانِيٌّ مَتِينٌ لَا يَنْفَصِمُ بِعَوَارِضِ الذُّنُوبِ، وَهَذَا هُوَ الْفَارِقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ مَنْهَجِ "أَهْلِ السُّنَّةِ" وَبَيْنَ "الْوَعِيدِيَّةِ" مِنَ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ. فَالْمُؤْمِنُ الْعَاصِي عِنْدَ الْبَاحِثِ يُحَبُّ لِمَا مَعَهُ مِنْ إِيمَانٍ، وَيُبْغَضُ لِمَا فِيهِ مِنْ عِصْيَانٍ، مَعَ بَقَاءِ حَقِّ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَتَحْرِيمِ الدَّمِ ثَابِتاً بِعَقْدِ الْأُخُوَّةِ. إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ الْكَبَائِرِ، وَيُعِيدُ ضَبْطَ مَفْهُومِ "مُطْلَقِ الْإِيمَانِ" وَ"الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ"؛ فَالْعَاصِي مَعَهُ مُطْلَقُ الْإِيمَانِ (أَصْلُهُ) وَإِنْ فَقَدَ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ (كَمَالَهُ). وَبِهَذَا تَتَحَقَّقُ مَقَاصِدُ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ بَيْضَةِ الْمُسْلِمِينَ وَرَأْبِ الصَّدْعِ بَيْنَ الطَّوَائِفِ الْمُقْتَتِلَةِ، لِأَنَّ الرَّابِطَ الْإِيمَانِيَّ فَوْقَ خُصُومَاتِ النُّفُوسِ وَمَزَالِقِ الذُّنُوبِ.
&_________________________[حَاشِيَةُ ]___________________________________&
(1) تَوْثِيقُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ: يُنْظَرُ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 7، ص 223) عِنْدَ شَرْحِهِ لِآيَةِ الْحُجُرَاتِ.
(2) تَوْثِيقُ التَّأْصِيلِ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ" لِلْهَرَّاسِ (ص 162)، وَ"تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" (ص 412).
(3) مَقْصِدُ الشَّيْخِ رَيْحَان: "الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ" (ص 92)، الْوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ.
(4) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَهُوَ أَخٌ فِي الدِّينِ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْهُ".
(5) تَخْرِيجٌ: حَدِيثُ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (2564).
_____________________________________《 93 》__________________________________
1. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ": «وَهُمْ -أَيْ أَهْلُ السُّنَّةِ- مَعَ ذَلِكَ لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْخَوَارِجُ؛ بَلِ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي آيَةِ الْقِصَاصِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾».
2. مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 9-10].
3. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «فِي هَذِهِ الْآيَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَبِيرَةَ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْقَاتِلَ وَالْمَقْتُولَ إِخْوَةً، وَسَمَّى الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مُؤْمِنِينَ مَعَ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ، فَدَلَّ عَلَى بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ».
_______________________________________________
[أَوَّلاً: تَفْسِيرُ الآيَةِ الْأُولَى (آيَةِ الْقِصَاصِ) لِلْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ]
يُقَرِّرُ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي "مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ" أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ نَزَلَ فِي الدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ، وَأَنَّ "الْعَفْوَ" هُنَا هُوَ قَبُولُ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ. وَيُؤَكِّدُ الْبَغَوِيُّ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقْطَعْ عُقْدَةَ الْإِيمَانِ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ (أَيْ وَلِيِّهِ)، بَلْ سَمَّاهُ "أَخاً" لِيُعْلِمَنَا أَنَّ الْقَتْلَ -وَإِنْ كَانَ جَرِيمَةً عُظْمَى وَمِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ- لَا يُخْرِجُ الْفَاعِلَ مِنَ الدِّينِ. فَالْأُخُوَّةُ الْمَذْكُورَةُ هُنَا هِيَ "أُخُوَّةُ الدِّينِ" لَا أُخُوَّةُ النَّسَبِ، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ خَالِدٌ فِي النَّارِ. كَمَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَنْكِيرَ كَلِمَةِ "شَيْءٌ" يُفِيدُ أَنَّ أَيَّ نَصِيبٍ مِنَ الْعَفْوِ يَحْقِنُ الدَّمَ وَيُبْقِي رَابِطَةَ الْإِسْلَامِ ثَابِتَةً، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَعِصْمَةِ دِمَائِهِمْ مَا بَقِيَ فِيهِمْ أَصْلُ الْإِيمَانِ.
[ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ الثَّانِيَةِ (آيَةِ الْحُجُرَاتِ) لِلْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ]
يَذْهَبُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ إِلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى وَصَفَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ "مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"، وَهَذَا تَسْمِيَةٌ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ وُقُوعِ الْقِتَالِ بَيْنَهُمْ. وَيَسْتَدِلُّ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْإِيمَانِ، مُسْتَشْهِداً بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»؛ فَقَدْ سَمَّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مُسْلِمِينَ مَعَ جَرَيَانِ الْقِتَالِ. وَيُبَيِّنُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ هُوَ عَقْدٌ لَا يَزُولُ بِالْبَغْيِ وَالِاعْتِدَاءِ، بَلْ يَجِبُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمْ مَعَ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ. فَالْآيَةُ تُؤَصِّلُ لِبَقَاءِ حُقُوقِ الْوَلَاءِ الْإِيمَانِيِّ حَتَّى فِي حَالِ الْفِتْنَةِ وَالْبَغْيِ، وَأَنَّ الْوَصْفَ بِالْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ بَاقٍ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِمَا يَرْفَعُ أَصْلَ التَّصْدِيقِ وَالِانْقِيَادِ.
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِكَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ]
يَنْطَلِقُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ فِي تَقْرِيرَاتِهِ مِنْ مَنْهَجٍ سَلَفِيٍّ يَقُومُ عَلَى (التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الْإِيمَانِ)؛ فَالْبَاحِثُ يُدْرِكُ أَنَّ الشَّيْخَ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يُسْلَبُ عَنْ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، بَلْ يُسْلَبُ عَنْهُ "الْإِيمَانُ الْكَامِلُ". فَالْقَاتِلُ وَالْبَاغِي عِنْدَ ابْنِ عُثَيْمِينَ هُوَ (مُؤْمِنٌ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْإِيمَانِ، فَاسِقٌ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْكَبِيرَةِ)، وَهَذَا هُوَ التَّأْصِيلُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ أَخْرَجُوهُ مِنَ الدِّينِ، وَالْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ ذَنْبَهُ لَا يَضُرُّ إِيمَانَهُ. فَالْبَاحِثُ يَرَى أَنَّ ابْنَ عُثَيْمِينَ يَجْعَلُ مِنَ "الْأُخُوَّةِ" فِي الآيَةِ مِعْيَاراً لِعَدَمِ التَّكْفِيرِ، لِأَنَّ اللهَ لَا يَصِفُ بِالْأُخُوَّةِ مَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ. إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ يَبْنِي عِنْدَ الْبَاحِثِ تَصَوُّراً عَمِيقاً لِمَسْأَلَةِ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، بِحَيْثُ لَا يَنْجَرُّ وَرَاءَ التَّكَفُّرِ الْجَائِرِ، وَلَا يَتَهَاوَنُ فِي عِظَمِ الْمَعْصِيَةِ، بَلْ يَضَعُ كُلَّ ذَنْبٍ فِي مَرْتَبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ حَبْلَ الْوَلَاءِ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ.
&__________________________________[حَاشِيَةُ ]_____________________________&
(1) تَوْثِيقُ كَلَامِ الْبَغَوِيِّ: "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ" (ج 1، ص 193)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(2) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ" (ج 7، ص 375)، ط. دَارِ طَيْبَةَ.
(3) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ" (ج 2، ص 246).
(4) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْإِيمَانُ لَا يَزُولُ بِارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهَا".
(5) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الصُّلْحِ عَنِ الْحَسَنِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (2704).
(6) فَائِدَةٌ: اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ رَيْحَان بِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ لِبَيَانِ وَسَطِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ الْوَعِيدِ.
_______________________________________《 94 》_______________________________________
(الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: ضَوَابِطُ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ) - [ص 94]
[أَوَّلاً: الدِّيبَاجَةُ وَالنُّصُوصُ]
18- أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ النَّاقِلَةِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَا بُدَّ لِلْحُكْمِ بِكُفْرِهِ مِنِ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ بِحُكْمٍ جَلِيٍّ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالْحُكْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُفْرِ وَقَعَ وَصْفُ الْكُفْرِ وَحُكْمُهُ عَلَيْهِ.
[الْأَدِلَّةُ]
1. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْكَرَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكُمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يُعَرَّفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ».
2. وَقَالَ أَيْضاً: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِشَكٍّ، بَلْ لَا يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ».
3. قَالَ الشَّيْخُ بَكْرُ أَبُو زَيْدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "دَرْءُ الْفِتْنَةِ": «يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ -وَهُوَ التَّكْفِيرُ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ فِي حَقِّ مَنْ ارْتَكَبَ نَاقِضاً- وَبَيْنَ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ أَوِ الْقَوْلَ أَوِ الْفِعْلَ أَوِ الشَّكَّ أَوِ التَّرْكَ إِذَا كَانَ كُفْراً فَإِنَّهُ يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيُنْظَرُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ بِتَوَافُرِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ فِي حَقِّهِ، فَإِذَا تَوَافَرَتْ، حُكِمَ بِكُفْرِهِ وَرِدَّتِهِ فَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ شَرْعاً».
[ثَانِيًا: تَشْرِيحُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْحَجِّ" وَهُوَ الْقَصْدُ، وَ"الرِّسَالَةِ" نِسْبَةً لِلرُّسُلِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: الْبَيَانُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَنْقَطِعُ مَعَهُ عُذْرُ الْمُكَلَّفِ بِبُلُوغِ دَعْوَةِ الرُّسُلِ إِلَيْهِ.
انْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "النَّفْيِ" ضِدُّ الْإِثْبَاتِ، وَ"الْمَنْعِ" وَهُوَ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الشَّيْءِ وَغَيْرِهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: غِيَابُ كُلِّ وَصْفٍ يَمْنَعُ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ كَالْجَهْلِ أَوِ الْإِكْرَاهِ.
أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْأَهْلِ" أَيِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَ"النَّظَرِ" أَيِ التَّأَمُّلِ وَالِاجْتِهَادِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: صَلَاحِيَّةُ الْعَالِمِ لِلِاسْتِنْبَاطِ وَالْحُكْمِ لِتَكَامُلِ أَدَوَاتِ الْعِلْمِ عِنْدَهُ.
الْمُتَوَاتِرَةُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْوَتْرِ" أَيِ التَّتَابُعِ، وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ أَيْ جَاءَ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ عَنْ جَمْعٍ تُحِيلُ الْعَادَةُ تَوَاطُؤَهُمْ عَلَى الْكَذِبِ.
الْمَحَجَّةُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْحَجِّ" أَيِ الْقَصْدِ، وَالْمَحَجَّةُ هِيَ جَادَّةُ الطَّرِيقِ وَمَسْلَكُهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: الطَّرِيقُ الْبَيِّنُ الْوَاضِحُ الَّذِي لَا لَبْسَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ.
تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْعَيْنِ" وَتَعْيِينُ الشَّيْءِ تَخْصِيصُهُ بِذَاتِهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: إِنْزَالُ حُكْمِ الرِّدَّةِ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ (فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ).
التَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "الْإِطْلَاقِ" أَيْ إِرْسَالُ الْقَوْلِ دُونَ تَقْيِيدٍ بِذَاتٍ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: الْحُكْمُ عَلَى الْفِعْلِ أَوْ الْمَقَالَةِ بِأَنَّهَا كُفْرٌ عَلَى سَبِيلِ الْعُمُومِ.
النَّاقِضُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ "النَّقْضِ" ضِدُّ الْإِبْرَامِ، وَنَقَضَ الْبِنَاءَ أَيْ هَدَمَهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ يُبْطِلُ الْإِسْلَامَ وَيَهْدِمُ أَصْلَهُ.
الِاسْتِتَابَةُ:
الِاشْتِقَاقُ: طَلَبُ "التَّوْبَةِ"، وَالسِّينُ وَالتَّاءُ لِلطَّلَبِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: دَعْوَةُ مَنْ حُكِمَ بِرِدَّتِهِ لِلرُّجُوعِ عَنْ كُفْرِهِ قَبْلَ إِمْضَاءِ الْعُقُوبَةِ.
الْحَدِيثُ:
الِاشْتِقَاقُ: ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَحَدُثَ الشَّيْءُ أَيْ وُجِدَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: مَنْ قَرُبَ زَمَنُ دُخُولِهِ فِي الْأَمْرِ (كَالْإِسْلَامِ) فَلَمْ يَتَمَكَّنِ الْعِلْمُ مِنْ قَلْبِهِ.
[ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "لَا تَلَازُمَ بَيْنَ كُفْرِ الْفِعْلِ وَكُفْرِ الْفَاعِلِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ كُفْراً وَالْفَاعِلُ مَعْذُوراً".
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "الْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ؛ فَمَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ".
الضَّابِطُ الْأَوَّلُ: "إِقَامَةُ الْحُجَّةِ وَانْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ شَرْطٌ فِي تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ دُونَ الْمُطْلَقِ".
الضَّابِطُ الثَّانِي: "الْحُكْمُ بِالرِّدَّةِ حَقٌّ مَحْضٌ لِلشَّرْعِ، يَتَوَلَّاهُ الْقَضَاءُ وَالْعُلَمَاءُ لَا آحَادُ النَّاسِ".
&_____________________[حَاشِيَةُ ]__________________________&
(1) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (1): "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (11/407).
(2) تَوْثِيقُ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (2): "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (12/466) وَكَذَا (12/501).
(3) تَوْثِيقُ كَلَامِ بَكْرِ أَبِي زَيْدٍ: "دَرْءُ الْفِتْنَةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ" (ص 58-59).
(4) فَائِدَةٌ: مَوَانِعُ التَّكْفِيرِ الْأَرْبَعَةُ: الْجَهْلُ، الْخَطَأُ، الْإِكْرَاهُ، التَّأْوِيلُ.
(5) تَوْثِيقُ الْقَاعِدَةِ: "الِاعْتِصَامُ" لِلشَّاطِبِيِّ (2/714).
(6) فَائِدَةٌ: الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ.
(7) ضَابِطٌ: الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ هُوَ حُكْمٌ تَرْكِيبِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي الْمُعَيَّنِ.
(8) تَوْثِيقٌ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ" (10/432).
_______________________________《 95 》________________________________
[أَوَّلاً: وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالْأَدِلَّةِ (دَلِيلٌ دَلِيلٌ)]
الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ (قَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ وَالْبَادِيَةِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ هُوَ إِثْبَاتُ مَانِعِ "الْجَهْلِ" لِمَنْ بَعُدَ عَنْ دِيَارِ الْعِلْمِ؛ حَيْثُ نَفَى الشَّيْخُ عَنْهُمُ الْكُفْرَ رَغْمَ إِنْكَارِهِمْ لِأَحْكَامٍ ظَاهِرَةٍ مُتَوَاتِرَةٍ، لِعَدَمِ بُلُوغِ "الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ". فَالْمَقْصِدُ هُنَا أَنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْبَيَانِ لَا عَلَى مُجَرَّدِ وُقُوعِ الْمُخَالَفَةِ.
الدَّلِيلُ الثَّانِي (قَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْخَطَأِ وَالْيَقِينِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ هُوَ إِعْمَالُ قَاعِدَةِ "الِاسْتِصْحَابِ"؛ فَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ بِيَقِينٍ، لَا يُخْرَجُ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ. وَالْخَطَأُ وَالْغَلَطُ فِي الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ لَا يَهْدِمُ أَصْلَ الْإِيمَانِ حَتَّى تَتَبَيَّنَ "الْمَحَجَّةُ"، وَهَذَا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْعَجَلَةِ فِي التَّكْفِيرِ بِالشُّبُهَاتِ.
الدَّلِيلُ الثَّالِثُ (كَلَامُ الشَّيْخِ بَكْرِ أَبِي زَيْدٍ فِي دَرْءِ الْفِتْنَةِ):
وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ هُوَ التَّفْرِيقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ (الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ) أَوْ (النَّوْعِ وَالْعَيْنِ)؛ فَالشَّيْخُ بَكْرٌ يُقَرِّرُ أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لَكِنَّ الْقَائِلَ الْمُعَيَّنَ لَا يُكَفَّرُ حَتَّى تُسْتَوْفَى الشُّرُوطُ وَتَنْتَفِيَ الْمَوَانِعُ، وَهَذَا هُوَ "مِيزَانُ الْعَدْلِ" فِي مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحث]
يَقْصِدُ الشَّيْخُ مُحَمَّد بْن عَلِي رَيْحَان مِنْ حَشْدِ هَذِهِ النُّصُوصِ تَقْرِيرَ أَنَّ مَسْأَلَةَ "التَّكْفِيرِ" لَيْسَتْ حَقّاً لِآحَادِ النَّاسِ، بَلْ هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَنُوطٌ بِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْقَضَاءِ. فَالْبَاحِثُ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ "قِيَامَ الْحُجَّةِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ سَمَاعِ الْآيَةِ، بَلْ هُوَ "بُلُوغُ الْفَهْمِ" الَّذِي يَنْقَطِعُ بِهِ الْعُذْرُ، خُصُوصاً فِي زَمَنِ انْتِشَارِ الْجَهْلِ وَغَلَبَةِ الشُّبُهَاتِ.
قلت : أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ وَتَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ هُوَ "صِمَامُ الْأَمَانِ" مِنْ مَنْهَجِ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ عَلَى الْقُلُوبِ بِمُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ دُونَ النَّظَرِ فِي الْمَوَانِعِ (كَالتَّأْوِيلِ وَالْإِكْرَاهِ وَالْجَهْلِ).
إِنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَحْمِي بَيْضَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ حُرْمَةَ دَمِ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَدْمِ الْكَعْبَةِ، فَلَا يُسْتَبَاحُ هَذَا الدَّمُ إِلَّا بِبُرْهَانٍ سَاطِعٍ كَشَمْسِ الضُّحَى. وَبِهَذَا يَكُونُ الشَّيْخُ رَيْحَان قَدْ رَبَطَ بَيْنَ "تَعْظِيمِ النَّصِّ" فِي وَصْفِ الْكُفْرِ، وَبَيْنَ "تَعْظِيمِ دَمِ الْمُسْلِمِ" فِي مَنْعِ تَنْزِيلِ الْحُكْمِ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهُوَ مَحْضُ مَنْهَجِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ.
&____________________________[حَاشِيَةُ ]_______________________&
(1) تَوْثِيقُ وَجْهِ الدَّلَالَةِ: يُنْظَرُ "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج 28، ص 500) فِي فَهْمِ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ.
(2) تَوْثِيقُ التَّأْصِيلِ: "شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى" لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 112) فِي بَابِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ.
(3) مَقْصِدُ الشَّيْخِ رَيْحَان: "الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ" (ص 93)، الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ.
(4) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْحُكْمُ بِالْكُفْرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ".
(5) تَوْثِيقٌ: "دَرْءُ الْفِتْنَةِ" لِلشَّيْخِ بَكْرٍ، ص 59.
(6) فَائِدَةٌ: قَرَّرَ السَّلَفُ أَنَّ (الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ) يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَحَالِ الشَّخْصِ.
__________________________________《 96 》_______________________________
(الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: حَقِيقَةُ الْبَيَانِ وَمَوَانِعُ التَّكْفِيرِ) - [ص (96)]
[أَوَّلاً: الدِّيبَاجَةُ وَالنَّصُّ]
18- أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ النَّاقِلَةِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَا بُدَّ لِلْحُكْمِ بِكُفْرِهِ مِنِ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ بِحُكْمٍ جَلِيٍّ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالْحُكْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، فَليسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُفْرِ وَقَعَ وَصْفُ الْكُفْرِ وَحُكْمُهُ عَلَيْهِ.
[ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ الْأَعْلَامِ]
تَقْرِيرُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ-:
إِنَّ الْحُكْمَ بِالتَّكْفِيرِ لَيْسَ مَحْضَ تَرْدِيدِ أَلْفَاظٍ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَوَقَّفُ عَلَى ثُبُوتِ سَبَبِهِ وَتَحَقُّقِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ؛ فَالْمُكَفِّرَاتُ الَّتِي جَاءَتْ فِي النُّصُوصِ تُحْمَلُ عَلَى التَّكْفِيرِ "الْمُطْلَقِ" لِزَجْرِ النَّاسِ عَنْ مَوَاطِنِ الرِّدَّةِ، لَكِنَّ تَنْزِيلَهَا عَلَى "الْمُعَيَّنِ" يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ دَقِيقٍ بِحَالِ الْمُكَلَّفِ. فَالْجَهْلُ بِالْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ، وَالْإِكْرَاهُ الْمُلْجِئُ، وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ، كُلُّهَا عَقَبَاتٌ تَمْنَعُ نُفُوذَ الْحُكْمِ إِلَى ذَاتِ الشَّخْصِ. وَمَنْ بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ بَلَاغاً غَيْرَ مُفْهِمٍ، أَوْ عَاشَ فِي بِيئَةٍ انْطَمَسَتْ فِيهَا مَعَالِمُ السُّنَّةِ، فَالْأَصْلُ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ بِيَقِينٍ، وَلَا يُسْلَبُ عَنْهُ هَذَا الْيَقِينُ إِلَّا بِمِثْلِهِ؛ وَهُوَ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ الَّتِي لَا تَبْقَى مَعَهَا شُبْهَةٌ، لِأَنَّ الِاحْتِيَاطَ فِي الْأَعْرَاضِ وَالدِّمَاءِ مِنْ صَمِيمِ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ (1).
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي -حَفِظَهُ اللهُ-:
الْقَوْلُ بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ هُوَ الْفَاصِلُ بَيْنَ مَنْهَجِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ فَالْمُؤْمِنُ قَدْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ كَلِمَةُ الْكُفْرِ سَهْواً أَوْ جَهْلاً أَوْ لِشِدَّةِ فَرَحٍ، فَلَا يُكَفَّرُ بِذَلِكَ لِعَدَمِ قَصْدِ الْقَلْبِ لِمَدْلُولِهَا. إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ يَسْتَوْجِبُ رَدَّ هَذِهِ النَّوَازِلِ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الَّذِينَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَامِ الْبَيَانِ الْعَامِّ وَمَقَامِ الْقَضَاءِ الْخَاصِّ. وَالْحُجَّةُ الْمُعْتَبَرَةُ هِيَ الَّتِي تَبِينُ بِهَا الْمَحَجَّةُ لِلْمُخَالِفِ بِحَيْثُ يَعْرِفُ أَنَّ قَوْلَهُ مُصَاذِمٌ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَمَنْ عَادَى بَعْدَ الْعِلْمِ فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ. وَهَذَا يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ الْعِلْمِ الْكَفَّ عَنْ خَوْضِ غِمَارِ التَّكْفِيرِ دُونَ بَصِيرَةٍ، لِأَنَّ خَطَرَ التَّكْفِيرِ يَعُودُ عَلَى صَاحِبِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّهِ، وَالرَّحْمَةُ بِالْخَلْقِ مَعَ تَعْظِيمِ الْخَالِقِ هِيَ جَوْهَرُ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ (2).
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ -حَفِظَهُ اللهُ-:
إِنَّ ضَبْطَ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ يَنْبَنِي عَلَى فَهْمِ "التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ" وَشُرُوطِ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ؛ فَلَا يُلْزَمُ الْمُكَلَّفُ بِمُقْتَضَى فِعْلِهِ إِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ يَهْدِمُ إِرَادَتَهُ لِلْكُفْرِ. التَّأْصِيلُ الْقَائِمُ هُنَا يَرْتَكِزُ عَلَى أَنَّ "الْكُفْرَ" كَمَا يَكُونُ بِالشَّكِّ وَالظَّنِّ، فَإِنَّ "الْإِسْلَامَ" الْمُسْتَقِرَّ لَا يَرْتَفِعُ إِلَّا بِالشَّكِّ الَّذِي لَا يَبْقَى مَعَهُ تَوْحِيدٌ بَعْدَ الْبَيَانِ. وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعِ الْمَقَالَةِ وَعَيْنِ الْقَائِلِ هُوَ الَّذِي مَنَعَ السَّلَفَ مِنْ تَكْفِيرِ بَعْضِ الْفِرَقِ الَّتِي قَالَتْ بِالْكُفْرِ، لِقِيَامِ شُبْهَةِ التَّأْوِيلِ عِنْدَهُمْ. إِنَّ الْتِزَامَ هَذَا الْمَسْلَكِ الْعِلْمِيِّ يَحْفَظُ لِلْأُمَّةِ وَحْدَتَهَا الْإِيمَانِيَّةَ، وَيَجْعَلُ بَابَ الرِّدَّةِ بَاباً زَجْرِيّاً مَحْكُوماً بِقَوَاعِدِ الْعَدْلِ، لَا بَاباً مَفْتُوحاً لِكُلِّ مُتَأَوِّلٍ أَوْ جَاهِلٍ يَسْتَبِيحُ بِهِ حِمَى الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الشُّبْهَةِ أَوْ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ (3).
&_______________________________[ حَاشِيَةُ ]___________________________&
(1) ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُنْظَرُ "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ" (2/495-500)، وَ"الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى" ص 112.
(2) صَالِح سِنْدِي: يُرَاجَعُ كِتَابُهُ "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ" ص 145، وَشَرْحُهُ لِـ"ـقَوَاعِدِ التَّكْفِيرِ".
(3) مُحَمَّد بْن خَلِيفَة: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ" (ص 210-225).
(4) قَاعِدَةٌ: "الْخَطَأُ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنَ الْخَطَأِ فِي الْعُقُوبَةِ".
(5) تَوْثِيقٌ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (12/466).
_______________________________________《 ٩٧ 》___________________________________
(الْوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ: ضَوَابِطُ تَنْزِيلِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ) - [ص ( 97 )]
[أَوَّلاً: النُّصُوصُ الْأَثَرِيَّةُ]
18- أَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُكَفِّرَاتِ النَّاقِلَةِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَا بُدَّ لِلْحُكْمِ بِكُفْرِهِ مِنِ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ بِحُكْمٍ جَلِيٍّ مِمَّنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ وَالْحُكْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ، فَليسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُفْرِ وَقَعَ وَصْفُ الْكُفْرِ وَحُكْمُهُ عَلَيْهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْكَرَ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى يُعَرَّفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ».
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلَطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَمَنْ ثَبَتَ إِيمَانُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِشَكٍّ، بَلْ لَا يَزُولُ إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ» [مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى 11/407، 12/501].
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخَيْنِ]
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي -حَفِظَهُ اللهُ-:
إِنَّ مَنْزِلَةَ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ تَقُومُ عَلَى دِقَّةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَصْفِ الْمُطْلَقِ وَالْفِعْلِ الْمُعَيَّنِ؛ فَالشَّيْخُ سِنْدِي يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ "الْحُجَّةَ الرِّسَالِيَّةَ" هِيَ حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَبِهَا يَسْتَحِقُّ الْعَبْدُ الثَّوَابَ أَوِ الْعِقَابَ. وَيَرَى أَنَّ دَعْوَى التَّكْفِيرِ دُونَ بَيَانٍ هِيَ مَسْلَكُ أَهْلِ الِانْحِرَافِ الَّذِينَ غَلَوْا فِي هَذَا الْبَابِ، فَالْمُسْلِمُ الَّذِي نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ قَدْ عَصَمَ دَمَهُ وَمَالَهُ، فَلَا يَحِلُّ خَرْقُ هَذِهِ الْعِصْمَةِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ يَقِينِيٍّ يَسْتَأْصِلُ شَأْفَةَ الشُّبْهَةِ. وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ "الْجَهْلَ" مَانِعٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْمَسَائِلِ الَّتِي قَدْ يَخْفَى دَلِيلُهَا، وَأَنَّ "الْإِعْذَارَ" مَبْنِيٌّ عَلَى رَحْمَةِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا فِي تَرْكِ التَّأَثُّمِ بِالْجَهْلِ حَتَّى يَقُومَ الْبَيَانُ. فَالْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِينَ السَّلَامَةُ، وَتَنْزِيلُ أَحْكَامِ الرِّدَّةِ مَوْكُولٌ إِلَى أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَالْبَصِيرَةِ مِمَّنْ أَحَاطُوا بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ وَأَدِلَّتِهِ، لَا إِلَى كُلِّ مَنْ رَأَى فِعْلًا ظَاهِرَهُ الْمُخَالَفَةُ فَبَادَرَ بِالْحُكْمِ الْفَاصِلِ دُونَ تَرَوٍّ (1).
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ -حَفِظَهُ اللهُ-:
يَنْطَلِقُ التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ عِنْدَ التَّمِيمِيِّ مِنْ فَهْمِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي عَدَمِ تَلَازُمِ الْكُفْرِ "النَّوْعِيِّ" وَالْكُفْرِ "الْعَيْنِيِّ"؛ فَالْمَقَالَةُ قَدْ تَكُونُ كُفْرًا بَرَاحًا، لَكِنَّ قَائِلَهَا قَدْ يَكُونُ مَعْذُورًا بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ أَوْ جَهْلٍ مُقَرَّرٍ. وَيُقَرِّرُ أَنَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَحْتَرِزُ فِي بَابِ التَّكْفِيرِ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ بَابٍ آخَرَ، لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ انْقِطَاعُ عِصْمَةِ الدَّمِ وَفَسْخُ عُقُودِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَالْبَيَانُ الرِّسَالِيُّ هُوَ الشَّرْطُ الْأَسَاسُ لِتَرَتُّبِ الْوَعِيدِ، وَمَنْ ثَبَتَ لَهُ عَقْدُ الْإِسْلَامِ لَا يَرْتَفِعُ عَنْهُ إِلَّا بِتَحَقُّقِ عَقْدِ الْكُفْرِ عَالِمًا ذَاكِرًا مُخْتَارًا. وَيُؤَكِّدُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْقَصْدَ وَالْإِرَادَةَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْحُكْمِ، فَالْمُخْطِئُ الَّذِي لَمْ يَقْصِدِ الْمُخَالَفَةَ وَإِنَّما قَصَدَ الْحَقَّ فَأَخْطَأَهُ مَعْذُورٌ عِنْدَ اللهِ. وَبِهَذَا يَسُدُّ الطَّرِيقَ أَمَامَ فِكْرِ الْخَوَارِجِ الَّذِي يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى مُجَرَّدِ الظَّوَاهِرِ دُونَ النَّظَرِ فِي الْبَوَاطِنِ وَالْمَوَانِعِ (2).
[ثَالِثًا: قُلْتُ (تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْوَجْهَ يُعَدُّ رُكْنًا رَكِينًا فِي حِمَايَةِ جَنَابِ الْإِيمَانِ، وَمِيزَانًا عَدْلًا فِي التَّعَامُلِ مَعَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ؛ فَإِنَّ النَّاظِرَ فِي نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ وَتَقْرِيرَاتِ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُدْرِكُ أَنَّ "التَّكْفِيرَ" حُكْمٌ تَوْقِيفِيٌّ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلرَّأْيِ أَوْ التَّشَهِّي. وَالتَّأْصِيلُ الْعِلْمِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ "أَسْبَابًا" وَ"شُرُوطًا" وَ"مَوَانِعَ"؛ فَإِذَا كَانَ الْكُفْرُ هُوَ "السَّبَبَ"، فَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ شَرْطِ "الْبَلَاغِ وَالْعِلْمِ" وَانْتِفَاءِ مَانِعِ "الْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ". وَمَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْ أَهْلِ الْبَوَادِي هُوَ صُورَةٌ حَيَّةٌ لِرَحْمَةِ هَذَا الدِّينِ، حَيْثُ جُعِلَ الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ حَائِلًا دُونَ التَّكْفِيرِ حَتَّى يَقُومَ الْعِلْمُ. وَأُؤَكِّدُ هُنَا أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ قِرَاءَةِ نَصٍّ، بَلْ هِيَ "بَيَانٌ مُزِيلٌ لِلشُّبْهَةِ" يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ، وَهَذَا لَا يَقُومُ بِهِ إِلَّا الْعُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ. إِنَّ التَّسَاهُلَ فِي تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ مَزْلَقٌ خَطِيرٌ يُفْضِي إِلَى فِتَنٍ لَا تَنْقَضِي، وَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ يَكُونُ بِتَعْظِيمِ النَّصِّ مَعَ حِفْظِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ. فَكُلُّ مَنْ نَطَقَ بِالتَّوْحِيدِ صَارَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ، لَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ يَهْدِمُ أَصْلَ انْتِمَائِهِ لِهَذَا الدِّينِ، وَهَذَا الْيَقِينُ هُوَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ فِي ضُرُورَةِ "الِاسْتِتَابَةِ" وَ"الْبَيَانِ" قَبْلَ الْقَضَاءِ بِالرِّدَّةِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْمَنْهَجُ الْوَسَطُ الَّذِي يَعْرِفُ الْحَقَّ وَيَرْحَمُ الْخَلْقَ، فَلَا يُحَابِي فِي دِينِ اللهِ، وَلَا يَجُورُ عَلَى عِبَادِ اللهِ بِالظُّنُونِ الْفَاسِدَةِ.
&__________________________[ الْحَاشِيَةُ ]__________________________________&
(1) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُرَاجَعُ فِي "الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ" (ص 145)، وَشَرْحِهِ لِـ"ـقَوَاعِدِ التَّكْفِيرِ" (الدَّرْسُ الثَّالِثُ).
(2) تَوْثِيقُ كَلَامِ الشَّيْخِ التَّمِيمِيِّ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ" (ص 210-220).
(3) تَخْرِيجُ الْأَثَرِ: قَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى" (12/501) هُوَ عُمْدَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ.
(4) قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ: "مَنْ كَانَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ بِشَكٍّ"، نَقَلَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ.
(5) فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: الْجَهْلُ مَانِعٌ مِنَ التَّكْفِيرِ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا الْخَفَاءُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الشَّخْصِ.
(6) تَوْثِيقٌ: يُنْظَرُ "الْمُغْنِي" لِابْنِ قُدَامَةَ (9/11) فِي اشْتِرَاطِ التَّعْرِيفِ لِحَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ.
(7) ضَابِطٌ: الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ تَنْقَطِعُ بِهَا الْمَعْذِرَةُ: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.
___________________________________________《 98 》______________________________
(تَتِمَّةُ الْوَجْهِ الثَّامِنَ عَشَرَ: مَرْجِعِيَّةُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) - [ص ( 98 )]
[أَوَّلاً: النَّصُّ الْأَثَرِيُّ]
قَالَ الشَّيْخُ بَكْرُ أَبُو زَيْدٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي "دَرْءِ الْفِتْنَةِ" [ص 62]: «إِصْدَارُ الْحُكْمِ بِالتَّكْفِيرِ لَا يَكُونُ لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ آحَادِ النَّاسِ أَوْ جَمَاعَتِهِمْ، وَإِنَّمَا مَرَدُّ الْإِصْدَارِ إِلَى الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِهِ وَبِالْخَيْرِيَّةِ وَالْفَضْلِ» (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخَيْنِ]
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي -حَفِظَهُ اللهُ-:
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ سِنْدِي لِمَسْأَلَةِ "الِاخْتِصَاصِ" فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابٍ صَارَ مُؤَهَّلاً لِفَصْلِ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ عَنْهُ. وَيَرَى أَنَّ الِافْتِيَاتَ عَلَى الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ هُوَ مَبْدَأُ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَأَنَّ رَدَّ الْأَمْرِ لِأَهْلِهِ يَحْفَظُ لِلْمِلَّةِ هَيْبَتَهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ دِمَاءَهُمْ. فَالْحُكْمُ بِالرِّدَّةِ عِنْدَهُ يَسْتَلْزِمُ إِحَاطَةً بِمَوَارِدِ الشَّرْعِ، وَبَصِيرَةً بِمَوَانِعِ التَّكْفِيرِ الَّتِي لَا يُحْسِنُ تَقْدِيرَهَا إِلَّا مَنْ شَابَ رَأْسُهُ فِي فَهْمِ نُصُوصِ الْوَعِيدِ، وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقُومُ عَلَى "تَعْظِيمِ الْعِلْمِ" كَمَا يَقُومُ عَلَى "تَعْظِيمِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ"، حَيْثُ يُعَدُّ التَّسَرُّعُ فِي التَّكْفِيرِ تَعَدِّياً عَلَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ فِي التَّبْلِيغِ وَالْحُكْمِ (2).
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ -حَفِظَهُ اللهُ-:
يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ حَصْرَ التَّكْفِيرِ فِي الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ هُوَ حِصْنٌ عَقَدِيٌّ مَنِيعٌ ضِدَّ "الْفَوْضَى التَّكْفِيرِيَّةِ"؛ فَالْبَاحِثُ فِي كَلَامِهِ يَبِينُ لَهُ أَنَّ مَسَائِلَ التَّكْفِيرِ هِيَ مِنْ "أُمَّهَاتِ الْمَسَائِلِ" الَّتِي تَتَطَلَّبُ نَظَراً مَقَاصِدِيّاً يَنْظُرُ فِي المَآلَاتِ وَيَسْتَوْفِي الشُّرُوطَ. وَيُؤَصِّلُ لِكَوْنِ "الرُّسُوخِ" فِي الْعِلْمِ شَرْطاً لِإِطْلَاقِ الْحُكْمِ، لِأَنَّ الرَّاسِخَ هُوَ مَنْ لَا تَسْتَفِزُّهُ الشُّبُهَاتُ وَلَا تَعْصِفُ بِهِ الْأَهْوَاءُ. كَمَا يُقَرِّرُ أَنَّ جَمَاعَاتِ النَّاسِ وَآحَادَهُمْ لَيْسَ لَهُمْ وِلَايَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِتَنْفِيذِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ أَوْ إِصْدَارِهَا، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ جَعْلَ التَّكْفِيرِ سِلَاحاً فِي الْخُصُومَاتِ أَوْ النِّزَاعَاتِ الْفِكْرِيَّةِ، مُرَسِّخاً بِذَلِكَ تَبَعِيَّةَ الْأُمَّةِ لِعُلَمَائِهَا الرَّبَّانِيِّينَ (3).
[ثَالِثًا: قُلْتُ (تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ)]
قُلْتُ: إِنَّ حَصْرَ مَقَامِ "الْإِصْدَارِ" فِي أَهْلِ الرُّسُوخِ وَالْفَضْلِ -كَمَا قَرَّرَ الشَّيْخُ بَكْرٌ- هُوَ التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. فَالْأَصْلُ أَنَّ مَسَائِلَ "الدِّمَاءِ وَالرِّدَّةِ" لَيْسَتْ مَشَاعاً لِكُلِّ خَائِضٍ، بَلْ هِيَ مَحْضُ اخْتِصَاصٍ لِمَنْ عَلِمَ كَيْفَ يُنَزِّلُ النَّصَّ عَلَى الْوَاقِعِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ. وَإِنِّي أَرَى أَنَّ كُلَّ فِتْنَةٍ حَلَّتْ بِالْأُمَّةِ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ أَوْ حَدِيثِهِ، كَانَ سَبَبُهَا الرَّئِيسُ هُوَ تَصَدُّرَ "الْأَصَاغِرِ" لِتَكْفِيرِ "الْأَكَابِرِ" بِمُجَرَّدِ فَهْمٍ سَقِيمٍ أَوْ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ. فَالرُّسُوخُ فِي الْعِلْمِ الَّذِي نَشَدَهُ الشَّيْخُ بَكْرٌ هُوَ الْأَمَانُ مِنْ تَمَزُّقِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ؛ إِذِ الْعَالِمُ الرَّاسِخُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللهِ، فَيَفْرِقُ بَيْنَ الْمُخْطِئِ الْجَاهِلِ، وَبَيْنَ الْمُعَانِدِ الْجَاحِدِ. وَأُؤَكِّدُ أَنَّ مَنَاطَ الْحُكْمِ هُنَا لَا يَقْتَصِرُ عَلَى "الْمَعْلُومَةِ"، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى "الْأَهْلِيَّةِ" وَ"الْخَيْرِيَّةِ"، فَلَا يُؤْخَذُ هَذَا الدِّينُ -وَخُصُوصاً فِي أَعْظَمِ أَبْوَابِهِ- إِلَّا عَمَّنْ عُرِفَ بِالِاتِّبَاعِ وَتَحَرِّي سَبِيلِ السَّلَفِ. وَبِهَذَا نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ حِمَايَةَ الْعَقِيدَةِ تَبْدَأُ مِنْ ضَبْطِ مَصَادِرِ التَّلَقِّي وَإِسْنَادِ الْفَتْوَى إِلَى مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا، صِيَانَةً لِلْمِلَّةِ مِنْ تَحْرِيفِ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.
&________________________________[الْحَاشِيَةُ ]_______________________________________&
(1) تَوْثِيقُ النَّصِّ: بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ، "دَرْءُ الْفِتْنَةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ"، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ط1، ص 62.
(2) تَقْرِيرُ سِنْدِي: يُنْظَرُ "شَرْحُ تَقْرِيرِ الْقَوَاعِدِ" (مَسْأَلَةُ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ)، وَتَقْرِيرَاتُهُ فِي "الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ".
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَسْمَاءِ الْإِيمَانِ وَأَحْكَامِهِ" (ص 225)، مَبْحَثُ ضَوَابِطِ التَّكْفِيرِ.
(4) فَائِدَةٌ: مَنْ كَفَّرَ مُسْلِماً فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ تَرْكُ هَذَا الْبَابِ لِأَهْلِ الِاجْتِهَادِ.
(5) تَوْثِيقٌ: "الصَّوَارِمُ الْحِدَادُ" لِلشَّوْكَانِيِّ (ص 31) فِي التَّحْذِيرِ مِنْ مُجَازَفَةِ التَّكْفِيرِ.
(6) قَاعِدَةٌ: "الْحُكْمُ بِالرِّدَّةِ حُكْمٌ قَضَائِيٌّ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الْآحَادُ".
_____________________________________《 99》__________________________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ وَبَيَانُ الْمَحَجَّةِ) - [ص (99)]
[أَوَّلاً: الدِّيبَاجَةُ وَالنُّصُوصُ الْأَثَرِيَّةُ]
19- فَيَعْذُرُونَ الْمُسْلِمِينَ بِجَهْلِهِمْ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ الْعِبَادَ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ الْحُجَّةِ وَبُلُوغِ الرِّسَالَةِ.
(1) قَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّسَاءُ: 165].
(2) وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 15].
(3) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةُ: 115].
(4) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
(5) رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: (ذَاتُ أَنْوَاطٍ)، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الْأَعْرَافُ: 138]، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ».
(6) رَوَى ابْنُ مَاجَه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَدِدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا تُؤَدِّي الْمَرْأَةُ حَقَّ رَبِّهَا حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا، وَلَوْ سَأَلَهَا نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى قَتَبٍ لَمْ تَمْنَعْهُ».
[ثَانِيًا: تَشْرِيحُ الْمُفْرَدَاتِ (10 مُفْرَدَاتٍ)]
الْعُذْرُ: مَحْوُ الذَّنْبِ، وَأَصْلُهُ الِاخْتِلَاطُ، وَالْمَعْنَى: حُجَّةُ مَنْ لَا يُؤَاخَذُ بِمُخَالَفَتِهِ.
حُدَثَاءُ عَهْدٍ: جَمْعُ حَدِيثٍ، وَهُوَ الْقَرِيبُ الزَّمَانِ بِأَمْرٍ مَّا، وَالْمُرَادُ: قُرْبُ دُخُولِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ.
سِدْرَةٌ: شَجَرَةُ النَّبْقِ، وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْعَرَبِ كَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِبَعْضِ أَصْنَافِهَا.
يَعْكُفُونَ: مِنَ الْعُكُوفِ وَهُوَ اللُّزُومُ وَالْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ تَعْظِيماً لَهُ.
يَنُوطُونَ: مِنَ النَّوْطِ وَهُوَ التَّعْلِيقُ، أَيْ يُعَلِّقُونَ بِهَا سُيُوفَهُمْ لِطَلَبِ الْبَرَكَةِ.
ذَاتُ أَنْوَاطٍ: صَاحِبَةُ تَعْلِيقَاتٍ، وَهِيَ الشَّجَرَةُ الَّتِي كَانُوا يَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ.
السَّنَنُ: (بِفَتْحِ السِّينِ وَالنُّونِ) وَهِيَ الطَّرَائِقُ وَالْمَسَالِكُ، وَالْمُرَادُ تَقْلِيدُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ.
الْأَسَاقِفَةُ: جَمْعُ أُسْقُفٍ، وَهُوَ رَئِيسٌ مِنْ رُؤَسَاءِ النَّصَارَى فِي الدِّينِ.
الْبَطَارِقَةُ: جَمْعُ بِطْرِيقٍ، وَهُوَ الْقَائِدُ مِنْ قُوَّادِ الرُّومِ (أَهْلُ السِّيَاسَةِ وَالْحَرْبِ).
قَتَبٍ: رَحْلٌ صَغِيرٌ يُوضَعُ عَلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ.
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْقَاعِدِيُّ وَالْعَقَدِيُّ]
الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: "لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ"، وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ لَا تَتَنَاوَلُ الْمُكَلَّفَ إِلَّا إِذَا بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ بُلُوغاً يُفْهِمُهُ مَقْصُودَ الشَّارِعِ.
الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: "الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ قَائِمٌ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ وَفِي حَقِّ حَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ"، وَدَلِيلُهُ عَدَمُ تَكْفِيرِ النَّبِيِّ ﷺ لِلصَّحَابَةِ فِي قِصَّةِ ذَاتِ أَنْوَاطٍ مَعَ أَنَّ طَلَبَهُمْ يُنَافِي التَّوْحِيدَ.
الضَّابِطُ: كُلُّ مَنْ كَانَ جَهْلُهُ نَاشِئاً عَنْ عَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنَ الْعِلْمِ (كَحَدِيثِ الْعَهْدِ أَوْ مَنْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ) فَالْحُجَّةُ لَمْ تَقُمْ فِي حَقِّهِ، فَيُعَلَّمُ وَلَا يُكَفَّرُ.
[رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّوْثِيقِ]
(1) تَخْرِيجُ الْآيَاتِ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115)، الْأَعْرَافُ (138).
(2) تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْبُخَارِيُّ (4634)، مُسْلِمٌ (2760).
(3) تَخْرِيجُ حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ: التِّرْمِذِيُّ (2180) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(4) تَخْرِيجُ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: ابْنُ مَاجَه (1853)، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
(5) فَائِدَةٌ: السُّجُودُ لِغَيْرِ اللهِ شِرْكٌ، لَكِنَّ مُعَاذًا عُذِرَ بِجَهْلِهِ وَتَأْوِيلِهِ، فَلَمْ يُكَفِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ عَلَّمَهُ.
(6) ضَابِطٌ: الْجَهْلُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَى دَفْعِهِ.
(7) تَوْثِيقٌ: يُنْظَرُ "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (11/407) فِي تَقْرِيرِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ.
(8) قَاعِدَةٌ سُلُوكِيَّةٌ: "الرِّفْقُ بِالْجَاهِلِ وَتَعْلِيمُهُ قَبْلَ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ".
(9) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: "لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ"؛ لِأَنَّ اللهَ رَحِيمٌ بَصِيرٌ بِأَحْوَالِ عِبَادِهِ.
___________________________________《 100 》____________________________________
(تَتِمَّةُ الْوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ: مَقَاصِدُ الِاسْتِشْهَادِ وَالتَّأْصِيلُ) - [ص (99)]
______________________________《 101 》_______________________________
(الْوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ) - [ص101]
[أَوَّلاً: تَأْصِيلُ الْبَاحِثِ وَشَرْحُ الدِّيبَاجَةِ (العنوان )]
إِنَّ تَقْرِيرَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لِقَاعِدَةِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ" لَيْسَ تَمْيِيعاً لِأَصْلِ الدِّينِ، بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؛ فَالْإِيمَانُ الَّذِي يَنْعَقِدُ بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ إِلَّا بِيَقِينِ "الْمُشَاقَّةِ" وَالْمُعَانَدَةِ بَعْدَ وُصُولِ الْبَيَانِ الرِّسَالِيِّ (1).
وَمَنَاطُ التَّكْلِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ يَرْتَبِطُ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْعِلْمِ بِسَبَبِ جَهْلٍ لَا يَمْلِكُ دَفْعَهُ، فَإِنَّ حُكْمَ الْوَعِيدِ يَنْدَفِعُ عَنْهُ رَحْمَةً مِنَ اللهِ وَإِحْسَاناً؛ إِذْ لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا (2).
وَعِنْدَ النَّظَرِ فِي اسْتِشْهَادَاتِ الشَّيْخِ، نَجِدُ أَنَّ حَدِيثَ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ" يُعَدُّ عُمْدَةً فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَقَدْ وَقَعَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي طَلَبِ مَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُخْرِجْهُمْ مِنَ الْمِلَّةِ، بَلْ صَحَّحَ تَصَوُّرَهُمْ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجَهْلَ فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي قَدْ يَخْفَى مَدْلُولُهَا عَلَى حَدِيثِ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ هُوَ مَانِعٌ مُعْتَبَرٌ (3).
وَكَذَلِكَ كَانَ الْحَالُ فِي سُجُودِ مُعَاذٍ؛ إِذْ إِنَّ قَصْدَ التَّعْظِيمِ لَا يَسْتَلْزِمُ قَصْدَ الْعِبَادَةِ الشِّرْكِيَّةِ إِذَا نَشَأَ عَنْ تَأْوِيلٍ أَوْ جَهْلٍ بِالْخُصُوصِيَّةِ الْإِلَهِيَّةِ فِي هَذَا الْفِعْلِ (4).
إِنَّ الْفَرْقَ الْجَوْهَرِيَّ بَيْنَ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ أَهْلِ الْغُلُوِّ يَكْمُنُ فِي "فَهْمِ الْحُجَّةِ"؛ فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ سَمَاعِ اللَّفْظِ دُونَ فَهْمِ الْمَعْنَى الَّذِي تَنْقَطِعُ بِهِ الْمَعْذِرَةُ (5).
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ نَحْفَظُ حُرْمَةَ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَنُقِيمُ الدِّينَ عَلَى أَسَاسِ الْبَيَانِ الرَّحِيمِ، لَا عَلَى التَّكْفِيرِ بِالظُّنُونِ. فَالْجَهْلُ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ هُوَ الْعَجْزُ الْحَقِيقِيُّ، أَمَّا الْإِعْرَاضُ مَعَ التَّمَكُّنِ فَهُوَ مَحَلُّ الْمُؤَاخَذَةِ وَالزَّجْرِ (6).
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الدِّيبَاجَةَ تُمَثِّلُ رُوحَ الْوَسَطِيَّةِ فِي مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، حَيْثُ يُعَدُّ "الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ" أَصْلاً مَبْنِيّاً عَلَى رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ وَعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ بِمَا لَا يُطِيقُونَ.
وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ هُنَا يَرْتَكِزُ عَلَى أَنَّ "الْحُكْمَ" يَتْبَعُ "الْعِلْمَ"، فَلَا عُقُوبَةَ وَلَا وَعِيدَ إِلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ الَّتِي تَبِينُ بِهَا الْمَحَجَّةُ.
إِنَّ الْجَهْلَ الْمُعْتَبَرَ مَانِعاً هُوَ "الْجَهْلُ بِمَدْلُولِ النَّصِّ" أَوْ "الْجَهْلُ بِثُبُوتِ الْحُكْمِ" فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ، كَمَنْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ نَائِيَةٍ أَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ.
وَأَرَى أَنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَفْصِلُ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ الْمُخَالَفَةَ عَالِماً -وَهُوَ الْمُعَانِدُ- وَبَيْنَ مَنْ وَقَعَ فِيهَا ظَانّاً أَنَّهَا مِنَ الدِّينِ أَوْ جَاهِلاً بِحُرْمَتِهَا -وَهُوَ الْمَعْذُورُ-.
إِنَّ إِعْمَالَ مَانِعِ "الْجَهْلِ" لَيْسَ تَهْوِيناً مِنْ شَأْنِ الشِّرْكِ أَوِ الْمُكَفِّرَاتِ، بَلْ هُوَ تَعْظِيمٌ لِمَقَامِ النُّبُوَّةِ، إِذْ لَا يُسْلَبُ عَنِ الْمُسْلِمِ وَصْفُ الْإِيمَانِ الَّذِي ثَبَتَ لَهُ بِيَقِينٍ إِلَّا بِيَقِينِ "الْمُشَاقَّةِ" بَعْدَ الْبَيَانِ.
وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الَّذِي حَمَى بَيْضَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غُلُوِّ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ كَفَّرُوا بِالذُّنُوبِ وَبِالْمَسَائِلِ الَّتِي يَخْفَى دَلِيلُهَا.
وَأُؤَكِّدُ هُنَا أَنَّ الْبَحْثَ فِي "مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ" هُوَ مَحْضُ فِقْهِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، فَالْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ يَنْظُرُ بِعَيْنِ الشَّرْعِ لِلْفِعْلِ فَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، وَيَنْظُرُ بِعَيْنِ الرَّحْمَةِ وَالْعَدْلِ لِلْفَاعِلِ فَيَبْحَثُ لَهُ عَنِ الْمَانِعِ.
إِنَّ الْجَهْلَ الَّذِي يَعْذُرُ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ هُوَ الْجَهْلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، أَمَّا الْإِعْرَاضُ عَنِ التَّعَلُّمِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَهَذَا لَيْسَ جَهْلاً مَعْذُوراً، بَلْ هُوَ "تَفْرِيطٌ" يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ.
وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّأْصِيلُ الْقَائِمُ عِنْدِي هُوَ الْتِزَامُ حَدِّ "الْبَلَاغِ"، فَمَن بَلَغَهُ الْقُرْآنُ وَفَهِمَ حُجَّتَهُ قَامَتْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ بَلَغَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقُومُ بِهِ الْفَهْمُ فَالْمَانِعُ حَاصِلٌ.
هَذَا هُوَ مِيزَانُ الْحَقِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ تَعْظِيمِ التَّوْحِيدِ وَرَحْمَةِ الْعَبِيدِ، وَبِهِ تَنْضَبِطُ مَسَائِلُ الْإِيمَانِ بَعِيداً عَنْ تَهَوُّرِ الْجُهَّالِ وَجَفَاءِ الضُّلَّالِ.
&__________________________________《حَاشِيَةُ 》_________________________________&
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّبَاطِ، ط1 (1425هـ)، ج (12)، ص (466).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ط2 (1429هـ)، ص (411).
(3) يُنْظَرُ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط1، ص (166).
(4) يُنْظَرُ: الشَّوْكَانِيُّ، السَّيْلُ الْجَرَّارُ الْمُتَدَفِّقُ، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، ط1، ص (978).
(5) يُنْظَرُ: الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي، الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ، دَارُ الْمِنْهَاجِ، ط1 (1438هـ)، ص (145).
(6) يُنْظَرُ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ، دَارُ إِيْلَافٍ، ص (215).
(7) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط4، ص (112).
(8) يُنْظَرُ: ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ الْبَارِي، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج (12)، ص (300).
(9) يُنْظَرُ: عَبْدُ اللَّطِيفِ آلُ الشَّيْخِ، مِصْبَاحُ الظَّلَامِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص (144).
_______________________________《 102》_______________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ الْأَوَّلُ - قِيَامُ الْحُجَّةِ بِالرُّسُلِ) - [ص (102)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النِّسَاءُ: 165].
[ثَانِيًا: أَقْوَالُ الْمُفَسِّرِينَ فِي الدَّلِيلِ]
1. تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: أَرْسَلْنَا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ بِالثَّوَابِ لِمَنْ آمَنَ، وَمُنْذِرِينَ بِالْعِقَابِ لِمَنْ كَفَرَ، لِكَيْلَا يَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ، فَلَا يَكُونَ لَهُمْ عُذْرٌ وَلَا حُجَّةٌ بَعْدَ بَعْثِ الرُّسُلِ" (1).
2. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: أَنْزَلَ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ رُسُلَهُ بِالتَّبْشِيرِ وَالْإِنْذَارِ، وَبَيَّنَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ وَمَا يَبْغَضُهُ وَيَأْبَاهُ، لِئَلَّا يَبْقَى لِمُعْتَذِرٍ عُذْرٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَىٰ﴾" (2).
3. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "مِنْ رَحْمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ أَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، لِيَعْرِفُوا أَمْرَ اللهِ وَنَهْيَهُ، وَمَا لَهُمْ مِنَ الثَّوَابِ، وَمَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْعِقَابِ، فَلَا يَبْقَى لَهُمْ حُجَّةٌ يَعْتَذِرُونَ بِهَا، فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ" (3).
4. تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "الْمُرَادُ بِالْحُجَّةِ هُنَا: الْعُذْرُ، أَيْ لِئَلَّا يَعْتَذِرَ النَّاسُ بِمَا قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِمَّا يَجِبُ للهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالْعِبَادَةِ، فَإِذَا أَرْسَلَ اللهُ الرُّسُلَ فَقَدْ أَعْذَرَ، وَلَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ مَقَالٌ يَقُولُهُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ" (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالتَّفْسِيرِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]
قُلْتُ: إِنَّ خُلَاصَةَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ تَؤُولُ إِلَى نَتِيجَةٍ عَقَدِيَّةٍ كُبْرَى، وَهِيَ أَنَّ "الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ" أَصْلٌ ثَابِتٌ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وَبُلُوغِ الْبَيَانِ. فَالْآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَنْقَطِعُ إِلَّا بِالرِّسَالَةِ، وَأَنَّ "الْعَقْلَ" وَحْدَهُ -وَإِنْ كَانَ يُدْرِكُ جُمْلَةً مِنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَقَابِحِ- لَيْسَ كَافِياً فِي مَقَامِ الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعُقُوبَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَنَسْتَنْتِجُ مِنْ سِيَاقِ الشَّرْحِ أَنَّ الِاعْتِذَارَ بِالْجَهْلِ هُوَ مَقَالُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ نُورُ الْوَحْيِ، وَأَنَّ اللهَ بِكَمَالِ عَدْلِهِ نَفَى هَذِهِ الْحُجَّةَ بِإِرْسَالِ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ. فَالْبَغَوِيُّ رَكَزَ عَلَى رَفْعِ الْعُذْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَابْنُ كَثِيرٍ رَبَطَهَا بِبَيَانِ الْمَحَابِّ وَالْمَكَارِهِ، وَالسَّعْدِيُّ رَدَّهَا إِلَى الرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ، بَيْنَمَا حَقَّقَ ابْنُ عُثَيْمِينَ مَعْنَى الْحُجَّةِ بِالْعُذْرِ. وَبِهَذَا يَكُونُ قَوْلُ الشَّيْخِ فِي الدِّيبَاجَةِ مُسْتَمِدّاً مِنْ هَذَا الْأَصْلِ الْقُرْآنِيِّ: مَنْ جَهِلَ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ فَلَا عُذْرَ لَهُ.
&_________________________《 حَاشِيَةُ 》________________________&
(1) الْبَغَوِيُّ، أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ، "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ط4، ج (2)، ص (308).
(2) ابْنُ كَثِيرٍ، عِمَادُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ط2، ج (2)، ص (445).
(3) السَّعْدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ، "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ط1، ص (213).
(4) ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ - سُورَةُ النِّسَاءِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج (2)، ص (485).
(5) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج (11)، ص (406).
(6) يُنْظَرُ: الشَّنْقِيطِيُّ، أَضْوَاءُ الْبَيَانِ، ج (3)، ص (67).
(7) فَائِدَةٌ: "الْإِعْذَارُ" هُوَ مَحْوُ الْعُذْرِ بِإِقَامَةِ الْبَيَانِ.
(8) قَاعِدَةٌ: لَا تَكْلِيفَ إِلَّا بَعْدَ الْبَلَاغِ.
(9) يُنْظَرُ: "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ" لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي، ص (145).
__________________________________《 103 》_______________________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ الثَّانِي - رَبْطُ الْعَذَابِ بِالْبَعْثِ) - [ص (103)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاءُ: 15].
[ثَانِيًا: نُصُوصُ التَّفَاسِيرِ]
1. تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: لَمْ نَقْضِ فِيمَنْ مَضَى أَنْ نُعَذِّبَ قَوْمًا إِلَّا بَعْدَ بَعْثِ الرُّسُلِ إِلَيْهِمْ وَإِنْذَارِهِمْ، فَمَنْ عَصَى وَأَصَرَّ عَلَى الْخِلَافِ بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ بِالرُّسُلِ اسْتَحَقَّ الْعَذَابَ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ بِالرُّسُلِ. وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِ بِالرُّسُلِ فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (1).
2. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِخْبَارٌ عَنْ عَدْلِهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ بِإِرْسَالِ الرَّسُولِ إِلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ». فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رَحْمَةِ اللهِ بِخَلْقِهِ حَيْثُ لَمْ يُؤَاخِذْهُمْ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ الرِّسَالِيِّ الْقَاطِعِ لِلْعُذْرِ" (2).
3. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: لَيْسَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ وَلَا مِنْ كَمَالِ عَدْلِهِ أَنْ يُعَذِّبَ الْعِبَادَ الضَّالِّينَ الَّذِينَ لَمْ تَصِلْهُمْ دَعْوَةُ الرُّسُلِ، بَلْ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ رُسُلًا يَبْلُغُونَهُمْ دَعْوَتَهُ، وَيُعَرِّفُونَهُمْ بِأَمْرِهِ، فَمَنِ اسْتَجَابَ فَلَهُ النَّجَاةُ، وَمَنْ أَعْرَضَ اسْتَحَقَّ الْهَلَاكَ بِمُخَالَفَتِهِ لِمَا جَاءَهُ. فَمَنْ جَهِلَ حُكْمَ اللهِ وَلَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ الْعَذَابُ لِأَنَّ اللهَ حَكَمٌ عَدْلٌ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا. وَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ مُطَّرِدَةٌ فِي الدِّينِ كُلِّهِ" (3).
4. تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "نَفَى اللهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَذَابِ طَرِيقٌ قَبْلَ بَعْثِ الرُّسُلِ، وَمِنْهُ نَأْخُذُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ فَهُوَ مَعْذُورٌ، سَوَاءٌ كَانَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ أَوْ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، مَا دَامَ جَاهِلًا عَنْ غَيْرِ فَرْطٍ. فَالْبَعْثُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَبِهِ يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ. فَالَّذِي يَعِيشُ فِي مَفَازَةٍ بَعِيدَةٍ أَوْ بِيئَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، لَا يَنَالُهُ الْعَذَابُ الْمَوْعُودُ لِلْمُخَالِفِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَنْ يُعَلِّمُهُ الْحَقَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى" (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]
قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تُمَثِّلُ الرُّكْنَ الرَّكِينَ فِي مَبْحَثِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ" عِنْدَ أَهْلِ السَّنَّةِ؛ إِذْ هِيَ جَامِعَةٌ بَيْنَ صِفَةِ الْعَدْلِ وَصِفَةِ الرَّحْمَةِ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا الْبَابِ يَنْطَلِقُ مِنْ أَنَّ "الْجَهْلَ" لَيْسَ عِلَّةً مُسْتَقِلَّةً لِلنَّجَاةِ، بَلْ هُوَ مَانِعٌ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ، فَالْعَذَابُ الْمَنْفِيُّ هُنَا يَتَنَاوَلُ عُقُوبَةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى السَّوَاءِ. وَمِنْ هُنَا أُقَرِّرُ أَنَّ كُلَّ نَصٍّ جَاءَ بِتَغْلِيظِ الْعُقُوبَةِ عَلَى فِعْلٍ شِرْكِيٍّ أَوْ مَعْصِيَةٍ، فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِهَذَا الْأَصْلِ الْكُلِّيِّ: "حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا". وَبِنَاءً عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ الْخِلَافَ الْوَاقِعَ فِي تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَبِطَ بِالتَّحَقُّقِ مِنْ بُلُوغِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَفَهْمِ مَدْلُولِهَا؛ لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَنْفِ التَّعْذِيبَ حَتَّى "يُخْلَقَ الرَّسُولُ" بَلْ حَتَّى "يُبْعَثَ"، وَالْبَعْثُ يَتَضَمَّنُ الْإِبْلَاغَ وَالْبَيَانَ. فَالْبَاحِثُ الْبَصِيرُ لَا يَجْعَلُ الْأَحْكَامَ مَنُوطَةً بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ كَمَا تَزْعُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، بَلْ يَجْعَلُهَا مَوْقُوفَةً عَلَى نُورِ الرِّسَالَةِ، لِيَبْقَى الدِّينُ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً، فَلَا عُقُوبَةَ بِلَا بَيَانٍ، وَلَا تَبِعَةَ مَعَ حَقِيقَةِ الْجَهْلِ (5).
&_____________________________《 حَاشِيَةُ 》_______________________________&
(1) الْبَغَوِيُّ، "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج (5)، ص (80).
(2) ابْنُ كَثِيرٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج (5)، ص (52).
(3) السَّعْدِيُّ، "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص (454).
(4) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ - الْإِسْرَاءُ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص (88).
(5) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج (12)، ص (494).
(6) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج (1)، ص (225).
(7) قَاعِدَةٌ: "لَا نِسْبَةَ لِلْقَوْلِ إِلَى الْجَاهِلِ بِهِ".
(8) يُنْظَرُ: الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي، "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ"، ص (145).
(9) مَسْأَلَةُ "أَهْلِ الْفَتْرَةِ" تَدْخُلُ فِي عُمُومِ هَذِهِ الْآيَةِ.
__________________________《 104 》_________________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ الثَّالِثُ - نَفْيُ الضَّلَالِ قَبْلَ التَّبْيِينِ) - [ص (104)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ]
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التَّوْبَةُ: 115].
[ثَانِيًا: نُصُوصُ التَّفَاسِيرِ]
1. تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: مَا كَانَ اللهُ لِيَحْكُمَ عَلَيْكُمْ بِالضَّلَالَةِ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِسْلَامِ حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَتَعْصُوهُ، فَلَا يَسْتَحِقُّونَ اسْمَ الضَّلَالِ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ مَا يَلْزَمُهُمُ اتِّقَاؤُهُ. وَقِيلَ: هُوَ فِي قَوْمٍ اسْتَغْفَرُوا لِلْمُشْرِكِينَ قَبْلَ النَّهْيِ، فَلَمَّا نُزِلَ النَّهْيُ أَمْسَكُوا، فَأَعْلَمَهُمُ اللهُ أَنَّهُمْ لَا يُؤَاخَذُونَ بِمَا فَعَلُوا قَبْلَ الْبَيَانِ، لِأَنَّ اللهَ لَا يُضِلُّ أَحَداً جَهِلَ الْحُكْمَ" (1).
2. تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ وَحُكْمِهِ الْعَادِلِ أَنَّهُ لَا يُضِلُّ قَوْماً بَعْدَ بَلَاغِ الرِّسَالَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى يَكُونَ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، لِتَقُومَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ﴾. وَالْمَعْنَى أَنَّ اللهَ لَا يَسْلُبُ قَوْماً وَصْفَ الْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ بِسَبَبِ فِعْلٍ جَهِلُوا حُرْمَتَهُ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمُ النَّهْيَ فَيُخَالِفُوهُ عَمْداً" (2).
3. تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "أَيْ: هَذَا مِنْ إِحْسَانِهِ وَعَدْلِهِ، أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِضَلَالِ مَنْ هَدَاهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ بَيَاناً شَافِياً مَا يَجِبُ عَلَيْهِمُ اجْتِنَابُهُ، فَإِذَا بَيَّنَ لَهُمْ فَلَمْ يَنْقَادُوا؛ اسْتَحَقُّوا حِينَئِذٍ أَنْ يُضِلَّهُمْ. فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّبْيِينَ سَابِقٌ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ، وَأَنَّ الْجَاهِلَ بِمَا يَتَّقِيهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعْذُورٌ حَتَّى يَعْلَمَ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ حَالُ الْجَاهِلِ" (3).
4. تَفْسِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "هَذِهِ الْآيَةُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنَّ اللهَ لَا يَنْقُلُ الْإِنْسَانَ مِنْ وَصْفِ الْهِدَايَةِ إِلَى وَصْفِ الضَّلَالِ إِلَّا إِذَا بَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ فَخَالَفَهُ. فَمَنْ وَقَعَ فِي الضَّلَالِ جَاهِلاً فَلَا يُوصَفُ بِالضَّلَالِ الْمُؤَدِّي لِلْعِقَابِ، بَلْ هُوَ مَعْذُورٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ مَا يَتَّقِي. فَالْهِدَايَةُ تَبْقَى لِلْعَبْدِ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مِنهُ التَّمَرُّدُ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الشَّرِيعَةُ" (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْطَعُ دَابِرَ مَنْ يَتَسَرَّعُ فِي إِطْلَاقِ وَصْفِ "الضَّلَالِ" أَوِ "الْكُفْرِ" عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِبَعْضِ الْمُخَالَفَاتِ جَهْلاً؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ "التَّبْيِينَ" حَدّاً فاصِلاً بَيْنَ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ.
وَتَأْصِيلِي لِهَذَا الْمَقَامِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ "الْإِسْلَامَ الثَّابِتَ" بِيَقِينٍ لَا يَرْتَفِعُ بِمَا جَهِلَهُ الْمُكَلَّفُ، فَالضَّلَالُ الْحُكْمِيُّ الَّذِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْآثَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ بَيَانٍ يُزِيلُ الشُّبْهَةَ.
وَأَرَى أَنَّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً لَدَى الْمُكَلَّفِ، فَالْجَاهِلُ بِالْمُحَرَّمِ -وَإِنْ فَعَلَهُ- لَا يُسْلَبُ عَنْهُ وَصْفُ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْرِفَ أَنَّ هَذَا مِمَّا يَتَّقِيهِ الْمُسْلِمُ.
وَهَذَا هُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي رِعَايَةِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَعَدَمِ إِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمِلَّةِ إِلَّا بَعْدَ التَّبْيِينِ الشَّافِي (5).
&_________________《 حَاشِيَةُ 》___________________&
(1) الْبَغَوِيُّ، "مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج (4)، ص (101).
(2) ابْنُ كَثِيرٍ، "تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ"، دَارُ طَيِّبَةَ، ج (4)، ص (227).
(3) السَّعْدِيُّ، "تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص (353).
(4) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج (1)، ص (495).
(5) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (494).
(6) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ"، ج (1)، ص (85).
(7) قَاعِدَةٌ: "مَا كَانَ قَبْلَ التَّبْيِينِ فَلَيْسَ بِضَلَالٍ".
(8) يُنْظَرُ: الشَّيْخُ صَالِحُ سِنْدِي، "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ"، ص (146).
(9) فَائِدَةٌ: الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ.
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ الدَّلِيلِ الثَّالثِ بِحَمْدِ اللهِ ص (104).
________________________《 105 》____________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ الرَّابِعُ - مَحَبَّةُ اللهِ لِلْعُذْرِ) - [ص (105)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا أَحَدَ أَغْيَرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ» (أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ). (5)
[ثَانِيًا: شُرُوحُ الْعُلَمَاءِ لِلْحَدِيثِ]
1. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "مَحَبَّةُ اللهِ لِلْعُذْرِ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ عِبَادَهُ بِمُجَرَّدِ الذُّنُوبِ قَبْلَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بِإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ لِتَنْقَطِعَ مَعَاذِيرُهُمْ. وَالْعُذْرُ هُنَا يَتَنَاوَلُ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا عُذْرُ اللهِ لِعِبَادِهِ قَبْلَ عُقُوبَتِهِمْ بِمَا بَيَّنَهُ لَهُمْ، وَالثَّانِي قَبُولُ مَعَاذِيرِ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ. وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ هُوَ أَعْظَمُ صُوَرِ الْإِعْذَارِ، فَلَا يَبْقَى لِأَحَدٍ حُجَّةٌ يَعْتَذِرُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ فِي عُقُوبَةِ مَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ بَعْدَ الْبَيَانِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عَدْلِهِ وَسَعَةِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ" (1).
2. شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "قَوْلُهُ (أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ) أَيْ أَنْ يُعْذِرَ إِلَى خَلْقِهِ بِمَا أَنْزَلَهُ مِنْ بَيَانٍ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ بِالْجَرِيمَةِ إِلَّا بَعْدَ التَّبْيِينِ وَإِنْذَارِ الرُّسُلِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْعُذْرَ هُوَ الْحُجَّةُ، أَيْ لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ إِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ مِنَ اللهِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْبَعْثَةَ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً عَقْلًا، لَكِنَّ اللهَ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ كَرَماً وَفَضْلًا لِئَلَّا يَبْقَى لِلْخَلْقِ مَقَالٌ. وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ الْبَيَانِ الرِّسَالِيِّ وَأَنَّهُ مَنَاطُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ الِاكْتِفَاءِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْلِ فِي ذَلِكَ" (2).
3. شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْعُذْرُ عَلَى عِبَادِهِ، فَلَا يُعَذِّبُهُمْ إِلَّا إِذَا تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ بِالْبَيَانِ، وَلِذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا فَعَلَ الْمُحَرَّمَ جَاهِلًا، فَلِلَّهِ الْعُذْرُ فِي عَدَمِ مُؤَاخَذَتِهِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ؛ لِأَنَّ اللهَ يُحِبُّ الْأَعْذَارَ الَّتِي تَدْرَأُ الْعَذَابَ عَنِ الْجَاهِلِ" (3).
4. شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ: قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ فَمَحَبَّةُ اللهِ لِلْعُذْرِ تَقْتَضِي أَنَّ الْبَيَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الِامْتِحَانَ، وَأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا تَقُومُ بِهِ الْمَعْذِرَةُ. فَالرُّسُلُ بُعِثُوا لِيُعْذِرَ اللهُ إِلَى النَّاسِ، وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْجَاهِلَ جَهْلًا بَسِيطًا مَعْذُورٌ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْبَلَاغُ الشَّرْعِيُّ" (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْسُمُ الْمَنْهَجَ الْعَقَدِيَّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مَسَائِلِ الْوَعِيدِ؛ فَالرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَحَبَّةِ الْعُذْرِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ "الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ" مَقْصُوداً شَرْعِيّاً لَا يَجُوزُ إِهْدَارُهُ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ.
وَتَأْصِيلِي هُنَا يَقُومُ عَلَى أَنَّ كَمَالَ الْغَيْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ لَمْ يَمْنَعْ كَمَالَ الرَّحْمَةِ فِي الْإِعْذَارِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ صُورَةٍ، بَلْ هِيَ حَقِيقَةٌ تَنْقَطِعُ بِهَا الْمَعْذِرَةُ.
وَأَرَى أَنَّ مَنْ يَسْلُبُ الْعُذْرَ عَنِ الْجَاهِلِ مَعَ وُجُودِ هَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ قَدْ ضَيَّقَ مَا وَسِعَهُ اللهُ؛ فَإِذَا كَانَ اللهُ يُحِبُّ الْعُذْرَ لِعِبَادِهِ، فَكَيْفَ يَجْتَرِئُ الْمَخْلُوقُ عَلَى مَنْعِهِ عَنْهُمْ؟
إِنَّ رَبْطَ الْبَعْثَةِ بِمَحَبَّةِ الْعُذْرِ يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ بَقِيَ لَهُ عُذْرٌ فِي جَهْلِهِ، فَاللَّهُ أَحَقُّ مَنْ يَقْبَلُ عُذْرَهُ وَيَعْفُو عَنْهُ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَهُ الْحَقُّ (6).
&_________________________ 《حَاشِيَةُ 》_____________________________&
(1) ابْنُ رَجَبٍ، "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ط2 (1422هـ)، ج (1)، ص (400) بِمَعْنَاهُ.
(2) ابْنُ حَجَرٍ، "فَتْحُ الْبَارِي"، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، ج (13)، ص (402-404).
(3) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج (9)، ص (412).
(4) صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ، "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ"، تَسْجِيلَاتُ الِاسْتِقَامَةِ، (مُفَرَّغٌ بِمَعْنَاهُ).
(5) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْم (4634) فِي التَّفْسِيرِ، وَمُسْلِمٌ رَقْم (2760) فِي التَّوْبَةِ.
(6) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (490).
(7) يُنْظَرُ: "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ" لِلشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي، ص (146).
(8) فَائِدَةٌ: الْغَيْرَةُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِ اللهِ سُبْحَانَهُ.
(9) قَاعِدَةٌ: "الْإِعْذَارُ سَابِقٌ عَلَى الِانْتِقَامِ".
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ الدَّلِيلِ الرَّابِعِ بِحَمْدِ اللهِ ص (105).
_______________________《 106 》_________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ الْخَامِسُ - حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ وَعُذْرُ الْجَهَالَةِ) - [ص (106)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ وَالْمُفْرَدَاتِ]
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ وَنَحْنُ حُدَثَاءُ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَلِلْمُشْرِكِينَ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيَنُوطُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّهَا السَّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ- كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ).
غَرِيبُ الْحَدِيثِ: (حُدَثَاءُ عَهْدٍ): قَرِيبُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ. (سِدْرَةٌ): شَجَرَةُ النَّبِقِ. (يَعْكُفُونَ): يُقِيمُونَ عِنْدَهَا تَعْظِيماً لَهَا. (يَنُوطُونَ): يُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ لِطَلَبِ الْبَرَكَةِ. (إِنَّهَا السَّنَنُ): أَيِ الطُّرُقُ وَالْمَنَاهِجُ الَّتِي سَلَكَهَا مَنْ قَبْلَكُمْ. (تَجْهَلُونَ): أَيْ تَخْفَى عَلَيْكُمْ عَظَمَةُ التَّوْحِيدِ وَحَقِيقَةُ الشِّرْكِ.
[ثَانِيًا: شُرُوحُ الْعُلَمَاءِ لِلْحَدِيثِ]
1. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَدْ يَقَعُ فِي نَوْعٍ مِنَ الشِّرْكِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، فَيُعْذَرُ بِجَهْلِهِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ لَمْ يَقْصِدُوا مُسَاوَاةَ غَيْرِ اللهِ بِاللهِ فِي الْعِبَادَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا التَّبَرُّكَ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ بِهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَالْجَهْلُ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ بِالتَّبْيِينِ" (1).
2. شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ قَوْلٍ قَبِيحٍ إِلَى قَوْلٍ حَسَنٍ يَحْتَاجُ إِلَى رِيَاضَةٍ وَعِلْمٍ، وَأَنَّ الْجَهْلَ بِبَعْضِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي يَخْفَى دَلِيلُهَا لَا يُوجِبُ الرِّدَّةَ ابْتِدَاءً، بَلْ يُعَلَّمُ صَاحِبُهُ. فَالنَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ قَوْلَهُمْ كَقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِنَّكُمْ كَفَرْتُمْ، بَلْ أَرَادَ الزَّجْرَ عَنْ سُلُوكِ سُبُلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهَذَا مِنْ حُسْنِ تَعْلِيمِهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَعُذْرِهِ لِلْمُتَأَوِّلِ وَالْجَاهِلِ" (2).
3. شَرْحُ الشَّيْخِ مُحَمَّد التَّمِيمِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "فِيهِ أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ بَاطِلٍ اعْتَادَهُ، لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ بَقِيَّةٌ مِنْ تِلْكَ الْعَادَةِ. وَأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا سَأَلَ عَنِ الشِّرْكِ جَاهِلًا بِهِ لَا يَكْفُرُ، بَلْ يُبَيَّنُ لَهُ الْحَقُّ. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا سَأَلُوا ذَلِكَ جَهِلُوا أَنَّهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَاعْتَبَرَ ﷺ جَهْلَهُمْ عُذْرًا يَمْنَعُ مِنْ كُفْرِهِمْ، لَكِنَّهُ غَلَّظَ الْقَوْلَ لِيَحْذَرُوا" (3).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]: إِنَّ حَدِيثَ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ" هُوَ الصَّخْرَةُ الَّتِي تَتَحَطَّمُ عَلَيْهَا شُبُهَاتُ الْغُلَاةِ فِي بَابِ التَّكْفِيرِ؛ فَالصَّحَابَةُ -وَهُمْ أَشْرَفُ الْقُرُونِ- لَمَّا طَلَبُوا تَخْصِيصَ شَجَرَةٍ لِلتَّبَرُّكِ، طَلَبُوا فِعْلاً شِرْكِيّاً فِي صُورَتِهِ، وَلَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْلُبْ عَنْهُمُ اسْمَ الْإِيمَانِ، بَلْ قَالَ لَهُمْ: «إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ».
وَتَأْصِيلِي هُنَا يَقُومُ عَلَى أَنَّ "الْجَهْلَ" فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الْعَامَّةِ أَوْ حُدَثَاءِ الْعَهْدِ هُوَ عُذْرٌ شَرْعِيٌّ يَمْنَعُ مِنَ التَّبْدِيعِ وَالتَّكْفِيرِ حَتَّى يَقَعَ الْبَيَانُ.
فَالْجَهْلُ لَا يُلْغِي حُكْمَ الْفِعْلِ، لَكِنَّهُ يَمْنَعُ حُكْمَ الْفَاعِلِ. وَأَرَى أَنَّ الْبَاحِثَ الْمُنْصِفَ يَعْلَمُ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَسِعَتْ جَهْلَ الْعِبَادِ بِمَا لَمْ يَبْلُغْهُمْ عِلْمُهُ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّعْلِيمُ لَا التَّأْثِيمُ (4).
&_______________________ 《حَاشِيَةُ 》_______________________&
(1) أَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ: هُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، شَهِدَ بَدْراً، وَكَانَ يَحْمِلُ لِوَاءَ بَنِي لَيْثٍ يَوْمَ الْفَتْحِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 68 هـ.
(2) غَزْوَةُ حُنَيْنٍ: وَقَعَتْ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ 8 هـ، بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَبَائِلِ هَوَازِنَ وَثَقِيفَ، وَقَدْ ذُكِرَتْ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، وَانْتَهَتْ بِنَصْرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الشِّدَّةِ.
(3) ابْنُ رَجَبٍ، "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، ج (1)، ص (400) بِمَعْنَاهُ.
(4) ابْنُ حَجَرٍ، "فَتْحُ الْبَارِي"، ج (1)، ص (172) بِمَعْنَاهُ.
(5) مُحَمَّد التَّمِيمِيِّ، "كِتَابُ التَّوْحِيدِ - شَرْحُ بَابِ مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ".
(6) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ رَقْم (2180)، وَأَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (5/218).
(7) يُنْظَرُ: الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي، "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ"، ص (146).
(8) قَاعِدَةٌ: "مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ لَمْ يَزُلْ عَنْهُ بِالْجَهْلِ".
(9) فَائِدَةٌ: الصَّحَابَةُ طَلَبُوا التَّبَرُّكَ لَا الْعِبَادَةَ، فَكَانَ ذَلِكَ عُذْراً.
_____________________________《 107 》________________________
(الْوَجْهُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الدَّلِيلُ السَّادِسُ - سُجُودُ مُعَاذٍ وَتَحْرِيرُ مَانِعِ الْجَهْلِ) - [ص (107)]
[أَوَّلاً: نَصُّ الدَّلِيلِ وَالْمُفْرَدَاتِ]
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ مُعَاذٌ مِنَ الشَّامِ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قَالَ: أَتَيْتُ الشَّامَ فَوَافَقْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَبَطَارِقَتِهِمْ، فَوَجَدْتُ فِي نَفْسِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا...» (أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ).
غَرِيبُ الْحَدِيثِ: (أَسَاقِفَتِهِمْ): جَمْعُ أُسْقُفٍ، وَهُوَ رَئِيسُ النَّصَارَى فِي الدِّينِ. (بَطَارِقَتِهِمْ): جَمْعُ بِطْرِيقٍ، وَهُوَ الْقَائِدُ مِنْ قُوَّادِ الرُّومِ. (قَتَبٍ): هُوَ رَحْلُ الْبَعِيرِ الصَّغِيرُ.
[ثَانِيًا: شُرُوحُ الْعُلَمَاءِ لِلْحَدِيثِ]
1. شَرْحُ ابْنِ رَجَبٍ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "فِي سُجُودِ مُعَاذٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا يُشْبِهُ الشِّرْكَ ظَانًّا جَوَازَهُ لِتَعْظِيمِ مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ لَا يُكَفَّرُ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ؛ فَإِنَّ مُعَاذاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمْ يَقْصِدْ عِبَادَةَ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَحِيَّتَهُ كَمَا رَأَى النَّصَارَى يَفْعَلُونَ بِمُعَظَّمِيهِمْ، فَزَجَرَهُ ﷺ وَلَمْ يُكَفِّرْهُ" (1).
2. شَرْحُ ابْنِ حَجَرٍ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "دَلَّ سُؤَالُ النَّبِيِّ ﷺ لِمُعَاذٍ (مَا هَذَا؟) عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الْقَصْدِ وَبُلُوغِ النَّهْيِ، فَلَمَّا اعْتَذَرَ مُعَاذٌ بِالْجَهْلِ لَمْ يُعَنِّفْهُ ﷺ، بَلْ بَيَّنَ لَهُ أَنَّ السُّجُودَ مَحْضُ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَهَذَا أَصْلٌ فِي عُذْرِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ فِي مَسَائِلِ التَّعْظِيمِ" (2).
3. شَرْحُ مُحَمَّد التَّمِيمِيِّ: قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ مُعَاذاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ خَفِيَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ سُجُودِ التَّحِيَّةِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ مُعَاذٍ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعَوَامِّ؟ فَالْحَدِيثُ عُمْدَةٌ فِي أَنَّ الْجَهْلَ بِتَحْرِيمِ الْوَسَائِلِ الشِّرْكِيَّةِ مَانِعٌ مِنَ التَّكْفِيرِ حَتَّى تَقُومَ الْحُجَّةُ. فَمَنْ سَجَدَ لِقَبْرٍ أَوْ لِعَظِيمٍ جَاهِلًا بِمَنْعِ ذَلِكَ يُعَلَّمُ وَلَا يُكَفَّرُ ابْتِدَاءً، لِأَنَّ مُعَاذاً لَمَّا سَجَدَ لِلْمُصْطَفَى ﷺ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدِّينِ بَلْ صُحِّحَ فِعْلُهُ" (3).
4. شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْجَهْلَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ عُذْرٌ يَمْنَعُ تَرَتُّبَ الْوَعِيدِ؛ فَمُعَاذٌ وَقَعَ فِي فِعْلٍ هُوَ فِي جِنْسِهِ شِرْكٌ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ لِانْتِفَاءِ الْقَصْدِ وَوُجُودِ الْجَهْلِ بِالْمَنْعِ. وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ هُنَا أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَنْقَطِعُ عَنِ الْمُكَلَّفِ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَزِيلُ الشُّبْهَةَ. فَمُعَاذٌ قَاسَ السُّجُودَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى سُجُودِ أَهْلِ الشَّامِ لِكُبَرَائِهِمْ، فَمَنَعَهُ ﷺ وَأَوْضَحَ لَهُ خُصُوصِيَّةَ السُّجُودِ للهِ، فَالْعُذْرُ بِالْجَهْلِ مَسْلَكٌ سَلَفِيٌّ أَصِيلٌ يَحْمِي جَنَابَ الْمُسْلِمِ" (4).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ)] : إِنَّ شُرُوحَ الْعُلَمَاءِ لِهَذَا الْأَثَرِ تُشَرِّحُ لَنَا قَاعِدَةً ذَهَبِيَّةً؛ وَهِيَ أَنَّ "صُورَةَ الشِّرْكِ" قَدْ تَقَعُ مِنَ الْمُوَحِّدِ جَهْلًا فَلَا تَنْقُضُ أَصْلَ إِيمَانِهِ. فَمُعَاذٌ -وَهُوَ أَعْلَمُ الْأُمَّةِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ- غَابَ عَنْهُ تَحْرِيمُ سُجُودِ التَّحِيَّةِ، مِمَّا يَعْنِي أَنَّ الْبَيَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَسْأَلَةَ بِعَيْنِهَا. وَأَرَى أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ «مَا هَذَا؟» لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِنْكَارِ التَّكْفِيرِيِّ، بَلْ لِلِاسْتِفْصَالِ عَنِ الْبَاعِثِ، فَلَمَّا كَانَ الْبَاعِثُ تَعْظِيماً مَبْنِيّاً عَلَى جَهْلٍ بِالْمَنْعِ، جَاءَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ رَحِيماً مُعَلِّماً. فَالْبَاحِثُ الْبَصِيرُ يَسْتَنْبِطُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ حَقٌّ لِلْمُسْلِمِ مَا لَمْ يُعَانِدْ، وَأَنَّ رَبْطَ السُّجُودِ لِلزَّوْجِ لَوْ كَانَ مَأْمُوراً بِهِ يُلْغِي فِكْرَةَ التَّكْفِيرِ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، لِأَنَّ السُّجُودَ هُنَا جُعِلَ فِي مَقَامِ الْحَقِّ وَالتَّعْظِيمِ لَا الْأُلُوهِيَّةِ (5).
&________________《حَاشية》________________&
(1) ابْنُ رَجَبٍ، "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، ج (1)، ص (400).
(2) ابْنُ حَجَرٍ، "فَتْحُ الْبَارِي"، ج (13)، ص (402).
(3) مُحَمَّد التَّمِيمِيِّ، "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ص (215).
(4) صَالِح سِنْدِي، "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ"، ص (147).
(5) الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه رَقْم (1853)، وَأَحْمَدُ (4/381).
(6) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (494).
(7) قَاعِدَةٌ: "الِاسْتِفْصَالُ فِي مَقَامِ الِاحْتِمَالِ يُنْزَلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ".
(8) فَائِدَةٌ: سُجُودُ التَّحِيَّةِ كَانَ جَائِزاً فِي الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ وَنُسِخَ.
(9) يُنْظَرُ: "أَعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (85).
_________________《 108 》______________________
[تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيِّ الْيَمَانِيِّ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثِ الرُّسُلَ إِلَّا لِيَقْطَعَ مَعَاذِيرَ الْخَلْقِ، وَقَدْ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِالْبَيَانِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُكَلَّفُ. وَمَسْأَلَةُ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ فِي التَّوْحِيدِ مِمَّا كَثُرَ فِيهِ الْخَوْضُ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَيَظُنُّ الْبَاطِلَ حَقّاً وَالشِّرْكَ تَوْحِيداً لِخَفَاءِ الدَّلِيلِ أَوْ لِعَدَمِ بَلَاغِهِ. وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ فِي (ذَاتِ أَنْوَاطٍ) عِبْرَةٌ بَالِغَةٌ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَمَّا سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ شَجَرَةً يَتَبَرَّكُونَ بِهَا، لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ جُحُوداً لِتَوْحِيدِ اللهِ، وَإِنَّمَا فَعَلُوهُ جَهْلًا مِنْهُمْ بِحَقِيقَةِ مَا يُنَافِي التَّوْحِيدَ، وَلِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمْ يُكَفِّرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بَلْ عَلَّمَهُمْ.
وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي سُجُودِ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَقَدْ كَانَ سُجُودُ التَّحِيَّةِ مَأْذُوناً فِيهِ فِي شَرَائِعَ قَبْلَنَا، فَلَمَّا سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ كَانَ مَبْنِيّاً عَلَى أَصْلٍ عِنْدَهُ وَهُوَ تَعْظِيمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ نَسْخَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَتِنَا، فَعَذَرَهُ ﷺ بِجَهْلِهِ وَأَرْشَدَهُ إِلَى الصَّوَابِ. فَالْجَهْلُ بِالْمَقَاصِدِ أَوْ بِالْوَسَائِلِ الَّتِي تُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ مَانِعٌ مِنَ التَّكْفِيرِ مَا لَمْ تَقُمْ عَلَى صَاحِبِهِ الْحُجَّةُ الرِّسَالِيَّةُ.
وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ مُطْلَقاً دُونَ النَّظَرِ إِلَى عِلْمِهِ وَجَهْلِهِ، قَوْلٌ يُخَالِفُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. فَالْعَذَابُ هُنَا يَتَنَاوَلُ عَذَابَ الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَالِارْتِدَادِ، وَعَذَابَ الْآخِرَةِ. فَإِذَا نَفَى اللهُ التَّعْذِيبَ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَالْبَعْثَةُ تَقْتَضِي عِلْمَ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ. وَمَنِ اسْتَقْرَأَ تَارِيخَ الْإِسْلَامِ وَمَا وَقَعَ فِيهِ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ، عَلِمَ أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَسِعَتِ الْجَاهِلِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ بَيَانُ التَّوْحِيدِ عَلَى وَجْهِهِ الصَّحِيحِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْعُلَمَاءِ التَّبْيِينُ لَا التَّعْنِيفُ وَالتَّكْفِيرُ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الْعَلَّامَةِ الْمُعَلِّمِيِّ تَرْتَكِزُ عَلَى فَصْلِ الْخِطَابِ بَيْنَ "نَوْعِ الْفِعْلِ" وَ"عَيْنِ الْفَاعِلِ"؛ حَيْثُ جَعَلَ بَيَانَ الرُّسُلِ هُوَ الْمِعْيَارَ الَّذِي تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ الْمَعَاذِيرُ. وَبِتَأَمُّلِ مَا سَاقَهُ فِي "رَفْعِ الِاشْتِبَاكِ"، نَجِدُ أَنَّهُ يَجْعَلُ حَدِيثَ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ" أَصْلًا فِي أَنَّ الْمُنْتَقِلَ مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الْإِسْلَامِ قَدْ تَبْقَى فِيهِ رَوَاسِبُ جَاهِلِيَّةٌ يَعْذُرُهُ اللهُ فِيهَا لِجَهْلِهِ. وَأَرَى أَنَّ هَذَا التَّأْصِيلَ يَتَّفِقُ تَمَاماً مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾، فَالْتَّبْيِينُ سَابِقٌ عَلَى التَّضْلِيلِ وَالتَّأْثِيمِ. وَقَدْ تَمَيَّزَ الْمُعَلِّمِيُّ بِرَبْطِ الْجَانِبِ الْحَدِيثِيِّ بِالْقَاعِدَةِ الْعَقَدِيَّةِ، مِمَّا يَجْعَلُ قَوْلَهُ فِي الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ مَبْنِيّاً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِ لِأَحْوَالِ الصَّحَابَةِ مَعَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ ﷺ (2).
&_____________________________《 حَاشِيَةُ 》__________________________&
(1) يُنْظَرُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ، "رَفْعُ الِاشْتِبَاكِ عَنْ أَحْكَامِ الِارْتِبَاكِ"، ص (112-118)، وَ"الْقَائِدُ إِلَى تَصْحِيحِ الْعَقَائِدِ"، ص (45).
(2) يُنْظَرُ: "آثَارُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى الْمُعَلِّمِيِّ الْيَمَانِيِّ"، ج (1) - الْعَقِيدَةُ.
(3) فَائِدَةٌ: نَبَّهَ الْمُعَلِّمِيُّ إِلَى أَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللهِ إِنْ كَانَ لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ شِرْكٌ أَكْبَرُ، وَإِنْ كَانَ لِلتَّحِيَّةِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ وَوَسِيلَةٌ لِلشِّرْكِ.
(4) الآيَاتُ الْمُسْتَشْهَدُ بِهَا: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ (التِّرْمِذِيُّ 2180)، حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذٍ (ابْنُ مَاجَه 1853).
(6) يُنْظَرُ: الْمُعَلِّمِيُّ، "التَّنْكِيلُ بِمَا فِي تَأْنِيبِ الْكَوثَرِيِّ مِنَ الْأَبَاطِيلِ"، حَيْثُ نَاقَشَ مَسَائِلَ الصِّفَاتِ وَالْعُذْرِ فِيهَا.
(7) قَاعِدَةٌ: "الْبَيَانُ الرِّسَالِيُّ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ وَتَرَتُّبِ الْجَزَاءِ".
(8) تَنْبِيهٌ: يُفَرِّقُ الشَّيْخُ بَيْنَ مَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الْعِلْمِ فَأَعْرَضَ، وَبَيْنَ مَنْ بَذَلَ جُهْدَهُ فَخَفِيَ عَلَيْهِ الصَّوَابُ.
(9) يُرَاجَعُ: "رَسَائِلُ فِي الْعَقِيدَةِ" ضِمْنَ مَجْمُوعِ آثَارِهِ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ بَكْر أَبُو زَيْدٍ.
________________________________《 109 》__________________________
[تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ لِلنُّصُوصِ ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ النُّصُوصَ الشَّرْعِيَّةَ، مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، كُلُّهَا تَتَضَافَرُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ؛ وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ أَحَداً بِجَهْلِهِ فِيمَا يَخْفَى، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بُلُوغِ الْحُجَّةِ. فَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ قَبْلَ بَعْثَةِ الرُّسُلِ وَبَلَاغِهِمْ قَائِمَةٌ لِلْعَبْدِ لَا عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللهَ بِكَمَالِ عَدْلِهِ نَفَى التَّعْذِيبَ إِلَّا بَعْدَ الْبَعْثَةِ. وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فِي مَحَبَّةِ اللهِ لِلْعُذْرِ هُوَ مِفْتَاحُ هَذَا الْبَابِ، فَاللهُ يُحِبُّ أَنْ يَعْتَذِرَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ بِالْجَهْلِ مَا لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ، وَمَحَبَّتُهُ سُبْحَانَهُ لِلْعُذْرِ تَقْتَضِي عَدَمَ إِيقَاعِ الْوَعِيدِ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ.
وَمَا وَقَعَ مِنْ "أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ" وَمَنْ مَعَهُ فِي طَلَبِ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ"، فَهُوَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ أَنَّ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكْفُرُوا بِهَذَا الطَّلَبِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَالْجَهْلُ هُنَا كَانَ مَانِعاً مِنَ ارْتِدَادِهِمْ، رَغْمَ أَنَّ مَا طَلَبُوهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ شِرْكٌ، لَكِنَّ الْفِعْلَ شِرْكٌ وَالْفَاعِلُ لَيْسَ بِمُشْرِكٍ لِعُذْرِهِ. وَكَذَلِكَ حَدِيثُ "مُعَاذٍ" لَمَّا سَجَدَ، فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَقُلْ لَهُ أَنْتَ كَفَرْتَ أَوْ جَدِّدْ إِسْلَامَكَ، بَلْ عَلَّمَهُ وَنَهَاهُ. وَهَذَا يُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةٍ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ أَوْ حَتَّى الْأَكْبَرِ مِمَّا يَخْفَى دَلِيلُهُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ، فَإِنَّ الصَّاحِبَ يُعْذَرُ فِيهِ بِمَانِعِ الْجَهْلِ.
وَالَّذِي أَدِينُ اللهَ بِهِ أَنَّ مَنْ بَعُدَ عَنِ الْعِلْمِ، أَوْ كَانَ يَعِيشُ فِي بَادِيَةٍ، أَوْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ، وَوَقَعَ فِي نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ نَاقِضٌ، فَإِنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ. وَمَنْ خَالَفَ فِي هَذَا فَهُوَ مُشَابِهٌ لِلْخَوَارِجِ فِي بَعْضِ أُصُولِهِمْ، فَالتَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَرَدُّهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، لَا إِلَى الْعَوَاطِفِ وَالْغَيْرَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الدَّلِيلِ. إِنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ لَيْسَ تَهْوِيناً مِنَ الشِّرْكِ، بَلْ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلْحَقِّ وَعَدْلٌ مَعَ الْخَلْقِ، وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللهُ- تُبَيِّنُ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ لَيْسَ رَأْياً طِفْلِيّاً بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ عَقَدِيَّةٌ تَنْبَثِقُ مِنْ كَمَالِ عَدْلِ اللهِ. فَالنُّصُوصُ الَّتِي سُقْنَاهَا تُشَرِّحُ مَانِعَ الْجَهْلِ تَوْصِيفاً وَتَطْبِيقاً؛ فَتَوْصِيفاً فِي قَوْلِهِ ﷺ «لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ»، وَتَطْبِيقاً فِي حَالِ مُعَاذٍ وَطَلَبِ ذَاتِ أَنْوَاطٍ. وَأَرَى أَنَّ الْبَاحِثَ يَجِبُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ "جَهْلِ الْإِعْرَاضِ" الَّذِي لَا يُعْذَرُ صَاحِبُهُ، وَبَيْنَ "جَهْلِ الْعَجْزِ" أَوْ "الْخَفَاءِ" الَّذِي دَلَّتْ هَذِهِ النُّصُوصُ عَلَى الْعُذْرِ بِهِ. إِنَّ تَأْصِيلَ ابْنِ عُثَيْمِينَ يَجْعَلُ بَيَانَ الرُّسُلِ هُوَ الْفَاصِلَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، فَلَا كُفْرَ إِلَّا بَعْدَ بَيَانٍ، وَلَا ضَلَالَ إِلَّا بَعْدَ هُدًى يُبَيَّنُ فِيهِ مَا يُتَّقَى، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ سُورَةِ التَّوْبَةِ صَرِيحاً (2).
&____________________________《 حَاشِيَةُ》_________________________&
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ"، ج (2)، ص (125-130)، وَ"شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، بَابُ: "مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ وَنَحْوِهِمَا".
(2) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى"، ص (88).
(3) فَائِدَةٌ: نَصَّ الشَّيْخُ فِي "فَتَاوَى نُورٍ عَلَى الدَّرْبِ" أَنَّ مَنْ سَجَدَ لِقَبْرٍ جَاهِلًا يُعَلَّمُ وَلَا يُكَفَّرُ.
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: الْبُخَارِيُّ (4634)، التِّرْمِذِيُّ (2180)، ابْنُ مَاجَه (1853).
(6) يُنْظَرُ: "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، ج (1)، ص (200) فِي عُذْرِ حُدَثَاءِ الْعَهْدِ.
(7) قَاعِدَةٌ: "لَا تَلَازُمَ بَيْنَ كَوْنِ الْفِعْلِ شِرْكاً وَبَيْنَ كُفْرِ الْفَاعِلِ مَعَ وُجُودِ الْجَهْلِ".
(8) تَنْبِيهٌ: اشْتَرَطَ الشَّيْخُ لِلْعُذْرِ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُقَصِّراً فِي طَلَبِ الْعِلْمِ مَعَ إِمْكَانِهِ.
(9) يُرَاجَعُ: "رِسَالَةٌ فِي مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ" لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ.
_____________________________《 109 》________________________________
[تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ مُقْبِلِ بْنِ هَادِي الْوَادِعِيِّ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ مَسْأَلَةَ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ أَعْدَلُ النَّاسِ فِيهَا، فَلَا يُكَفِّرُونَ بِالْعُمُومِ كَمَا تَفْعَلُ الْخَوَارِجُ، وَلَا يَعْذُرُونَ الْمُعْرِضَ الَّذِي بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَتَرَكَهَا. وَالَّذِي أَدِينُ اللهَ بِهِ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنْ كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ، أَنَّ الْجَاهِلَ مَعْذُورٌ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. فَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ نَصٌّ فِي نَفْيِ الْعَذَابِ عَنِ الْجَاهِلِ، وَإِذَا انْتَفَى الْعَذَابُ انْتَفَى الْكُفْرُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ الْأَبَدِيِّ. وَهَذَا لَيْسَ فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَحَسْبُ، بَلْ حَتَّى فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ وَالتَّوْحِيدِ، مَا دَامَ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ جَاهِلًا لَمْ يَبْلُغْهُ الْعِلْمُ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا عَنْ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، أَوْ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ.
وَانْظُرْ إِلَى حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ فِي "ذَاتِ أَنْوَاطٍ"، فَقَدْ طَلَبُوا شِرْكًا، وَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «قُلْتُمْ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ»، وَمَعَ هَذَا التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِمَقَالَةِ عُبَّادِ الْعِجْلِ، لَمْ يَأْمُرْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالتَّجْدِيدِ لِإِسْلَامِهِمْ، وَلَا قَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ كَفَرْتُمْ، بَلْ عَذَرَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ. وَكَذَلِكَ سُجُودُ مُعَاذٍ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَهُوَ سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَعْظِيمًا، وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا مِمَّا خُصَّ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، فَعَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَرْشَدَهُ. فَالْوَاجِبُ عَلَى الدُّعَاةِ أَنْ يُعَلِّمُوا النَّاسَ التَّوْحِيدَ، وَأَنْ لَا يَسْتَعْجِلُوا فِي التَّكْفِيرِ.
إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ يَقَعُ فِي الشِّرْكِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ، كَالَّذِين يَعْكُفُونَ عِنْدَ الْقُبُورِ فِي بِلَادٍ انْتَشَرَ فِيهَا الْجَهْلُ وَغَلَبَ عَلَيْهَا أَئِمَّةُ الضَّلَالِ؛ فَهَؤُلَاءِ يُعْتَبَرُونَ جُهَّالًا، وَإِقَامَةُ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ تَكُونُ بِبَيَانِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ بَيَانًا يَفْهَمُونَهُ. وَلَقَدْ كَانَ الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَالشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ يَعْذُرُونَ بِالْجَهْلِ، وَمَنْ نَسَبَ إِلَيْهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَخْطَأَ. فَالْحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الْمُصْحَفِ فِي الْبَيْتِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَلَاغِ الْعِلْمِ وَفَهْمِهِ. وَأَنَا أَقُولُ: التَّكْفِيرُ حَقٌّ للهِ، فَلَا نُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَالْجَهْلُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَوَانِعِ الَّتِي رَحِمَ اللهُ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ: إِنَّ مَنْهَجَ الشَّيْخِ مُقْبِلٍ -رَحِمَهُ اللهُ- يَمْتَازُ بِالرَّبْطِ بَيْنَ "الدَّلِيلِ الْأَثَرِيِّ" وَ"الْوَاقِعِ الدَّعَوِيِّ"؛ حَيْثُ جَعَلَ الِاسْتِفْصَالَ النَّبَوِيَّ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَذَاتِ أَنْوَاطٍ قَاعِدَةً لِعُذْرِ الْعَوَامِّ الْمُلَبَّسِ عَلَيْهِمْ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْبَيَانَ الرِّسَالِيَّ الَّذِي نَفَى اللهُ الْعَذَابَ قَبْلَهُ، هُوَ الْبَيَانُ الَّذِي تَزُولُ مَعَهُ الشُّبْهَةُ وَيَتَحَقَّقُ مَعَهُ الْبَلَاغُ. فَالشَّيْخُ مُقْبِلٌ يَرَى أَنَّ دِيَارَ الْإِسْلَامِ الَّتِي غَلَبَ فِيهَا الْجَهْلُ تُعَامَلُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ فِي مَسَائِلِ التَّفْصِيلِ وَالْخَفَاءِ، وَهَذَا مِنْ فِقْهِهِ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي صِيَانَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّفَرُّقِ وَالْغُلُوِّ (2).
&_______________________《 حَاشِيَةُ 》______________________&
(1) يُنْظَرُ: مُقْبِلُ بْنُ هَادِي الْوَادِعِيُّ، "قَمْعُ الْمُعَانِدِ وَزَجْرُ الْحَاقِدِ الْحَاسِدِ"، دَارُ الْآثَارِ، ص (385-390)، وَ"إِجَابَةُ السَّائِلِ عَلَى أَهَمِّ الْمَسَائِلِ"، ص (412).
(2) يُنْظَرُ: "تُحْفَةُ الْمُجِيبِ عَلَى أَسْئِلَةِ الْحَاضِرِ وَالْغَرِيبِ"، ص (155-158)، حَيْثُ فَصَّلَ فِي عُذْرِ أَهْلِ الْقُبُورِ الْجُهَّالِ.
(3) فَائِدَةٌ: كَانَ الشَّيْخُ مُقْبِلٌ يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ "الْحُجَّةَ تختلف بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ".
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
(6) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: "الْمُصَارَعَةُ" لِلشَّيْخِ مُقْبِلٍ، حَيْثُ نَاقَشَ مَسَائِلَ التَّكْفِيرِ وَضَوَابِطَهُ.
(7) قَاعِدَةٌ: "لَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ إِلَّا بِمَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ كُفْرٌ بَعْدَ إِزَالَةِ الشُّبْهَةِ".
(8) تَنْبِيهٌ: مَيَّزَ الشَّيْخُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَجِدُ مُعَلِّماً، وَبَيْنَ الْمُعَانِدِ الَّذِي تُقْرَأُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ فَيَسْتَكْبِرُ.
(9) يُرَاجَعُ شَرِيطُ: "أَسْئِلَةُ شَبَابِ تَعِزَّ" لِلشَّيْخِ مُقْبِلٍ، فِيهِ تَقْرِيرٌ مُطَوَّلٌ لِلْعُذْرِ بِالْجَهْلِ.
______________________________《 110》______________________________
[تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّد نَاصِرِ الدِّينِ الْأَلْبَانِيِّ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ قَضِيَّةَ التَّكْفِيرِ قَضِيَّةٌ خَطِيرَةٌ جِدًّا، وَلَا يَجُوزُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُخْرِجَ أَخَاهُ مِنَ الدِّيْنِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ سَاطِعٍ كَشَمْسِ الضُّحَى. وَالَّذِي قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ التَّحْقِيقِ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي نَدِينُ اللهَ بِهِ، أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ مَبْدَأٌ شَرْعِيٌّ مُحْكَمٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ نَصٌّ قَاطِعٌ فِي أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ الرَّسُولِ فِي الْعَالَمِ، بَلْ بَعْدَ بَلَاغِ دَعْوَتِهِ لِلْمُكَلَّفِ بَلَاغاً تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ. فَمَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ جَاهِلاً، فَهُوَ مُسْلِمٌ مُخْطِئٌ لَا يَكْفُرُ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ فَيُصِرَّ عَلَى بَاطِلِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ"؛ فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- طَلَبُوا أَمْراً هُوَ مِنْ جِنْسِ فِعْلِ الْمُشْرِكِينَ، بَلْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّهُمْ كَانُوا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، فَالْجَهْلُ بِالْمَسْأَلَةِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّقِيقَةِ مَانِعٌ مِنَ التَّكْفِيرِ. وَهَكَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ لَمَّا سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَدْ جَهِلَ مُعَاذٌ أَنَّ السُّجُودَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا للهِ، وَظَنَّ جَوَازَهُ تَعْظِيماً لِلرَّسُولِ كَمَا رَأَى فِي الشَّامِ، فَعَلَّمَهُ ﷺ وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِمُقْتَضَى فِعْلِهِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ يَعْذُرُ الْجَاهِلَ بِمَا لَمْ يَبْلُغْهُ.
وَأَنَا أَعْجَبُ مِنْ أَقْوَامٍ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضَهُمْ لِأَجْلِ مَسَائِلَ خَفِيَّةٍ أَوْ وَاقِعَاتٍ أَعْذَرَ اللهُ فِيهَا صَاحِبَهَا بِالْجَهْلِ. فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَنَا: "أَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ، لَا يَزُولُ عَنْهُ هَذَا الْإِسْلَامُ بِمَحْضِ الشَّكِّ أَوْ بِالْجَهْلِ". وَالْعُذْرُ بِالْجَهْلِ هُوَ الَّذِي يَتَّسِقُ مَعَ رَحْمَةِ اللهِ الْوَاسِعَةِ، وَمَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللهِ». فَلَوْ أَنَّ اللهَ يُحَاسِبُ النَّاسَ عَلَى جَهْلِهِمْ قَبْلَ بَيَانِ الرُّسُلِ، لَمَا كَانَ لِلْعُذْرِ مَعْنًى. وَلِذَلِكَ نَقُولُ: مَنْ سَجَدَ لِقَبْرٍ أَوْ طَافَ بِهِ جَاهِلاً، نُعَلِّمُهُ وَنُبَيِّنُ لَهُ، فَإِذَا أَبَى بَعْدَ الْبَيَانِ حُكِمَ عَلَيْهِ. أَمَّا التَّكْفِيرُ بِالْعُمُومِ دُونَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ، فَهَذَا مَسْلَكُ الْغُلَاةِ الَّذِينَ أَضَرُّوا بِالدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ. إِنَّ دَعْوَتَنَا دَعْوَةُ تَعْلِيمٍ وَرَحْمَةٍ، لَا دَعْوَةَ تَكْفِيرٍ وَنِقْمَةٍ، وَاللهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ- تَنْبُعُ مِنْ مَدْرَسَةِ "التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ"؛ حَيْثُ جَعَلَ الْبَيَانَ الرِّسَالِيَّ شَرْطاً لُزُومِيّاً لِإِيقَاعِ حُكْمِ الْكُفْرِ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الشَّيْخَ لَا يَرَى التَّلَازُمَ بَيْنَ "وُجُودِ النَّصِّ" وَ"قِيَامِ الْحُجَّةِ" عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بِمُجَرَّدِهِ؛ بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْبَلَاغِ الَّذِي يَفْهَمُهُ الْمُخَاطَبُ. وَهَذَا يَتَّسِقُ مَعَ مَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي الْأَدِلَّةِ مِنْ أَنَّ الْبَعْثَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَأَنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللهِ مَعَ جَهْلِ صَاحِبِهِ -كَمَا فِي حَالِ مُعَاذٍ- يَمْنَعُ تَبْدِيلَ وَصْفِ الْإِيمَانِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ سِيَاجٌ يَحْمِي بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ مِنَ الِانْدِفَاعِ فِي التَّكْفِيرِ (2).
&________________________ 《حَاشِيَةُ》 __________________________&
(1) يُنْظَرُ: مُحَمَّد نَاصِر الدِّين الْأَلْبَانِيُّ، "سِلْسِلَةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ"، ج (7)، ص (155-160)، وَشَرِيطُ: "فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ".
(2) يُنْظَرُ: "فَتَاوَى الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ"، جَمْعُ عُكَّاشَةَ عَبْدِ الْمَنَّانِ، ص (240).
(3) فَائِدَةٌ: الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ يُلَقِّبُ مَنْ يَنْفُونَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ بِـ "خَوَارِجِ الْعَصْرِ" فِي بَعْضِ مَوَاطِنِ غُلُوِّهِمْ.
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ (السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَةُ 2813)، حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذٍ (إِرْوَاءُ الْغَلِيلِ 1998).
(6) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: "الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ - تَعْلِيقَاتُ الْأَلْبَانِيِّ"، ص (68).
(7) قَاعِدَةٌ: "الْإِعْذَارُ سَابِقٌ عَلَى الْإِنْذَارِ، وَالتَّعْلِيمُ قَبْلَ التَّأْثِيمِ".
(8) تَنْبِيهٌ: يُفَرِّقُ الشَّيْخُ بَيْنَ الْجَاهِلِ فِي بِلَادِ الْعِلْمِ وَبَيْنَ الْجَاهِلِ فِي بِلَادِ الْجَهْلِ.
(9) يُرَاجَعُ كِتَابُ: "التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ التَّكْفِيرِ" لِلشَّيْخِ، بِتَقْرِيظِ ابْنِ بَازٍ وَابْنِ عُثَيْمِينَ.
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ ص (111).
____________________________《 111》___________________________
[تَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "إِنَّ دِرَاسَةَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ تَقْتَضِي النَّظَرَ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ وَضَوَابِطِ إِنْزَالِهَا عَلَى الْأَعْيَانِ، وَالَّذِي عَلَيْهِ تَقْرِيرُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ وَمُحَقِّقُوهَا أَنَّ الْجَهْلَ مَانِعٌ مُعْتَبَرٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ. وَهَذَا الْأَصْلُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾؛ فَالْبَيَانُ شَرْطٌ لِإِثْبَاتِ الضَّلَالِ وَتَرَتُّبِ الْعِقَابِ. وَبِالِاسْتِقْرَاءِ لِلْأَدِلَّةِ النَّبَوِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الشَّارِعَ الْحَكِيمَ رَاعَى حَالَ الْمُكَلَّفِ مِنْ حَيْثُ الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ.
فَفِي حَدِيثِ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، كَانَ طَلَبُ الصَّحَابَةِ لِـ (ذَاتِ أَنْوَاطٍ) صَرِيحاً فِي طَلَبِ التَّشَبُّهِ بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَصْلِ شِرْكِهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحُكْمَ النَّبَوِيَّ لَمْ يَتَجَاوَزْ مَقَامَ التَّعْلِيمِ وَالزَّجْرِ، لِأَنَّ "حَدَاثَةَ الْعَهْدِ بِالْكُفْرِ" مَظِنَّةُ الْجَهْلِ بِخَفَايَا التَّوْحِيدِ وَدَقَائِقِ الشِّرْكِ. وَهَذَا يُعْطِينَا قَاعِدَةً مُهِمَّةً: أَنَّ نَوْعَ الْمَسْأَلَةِ -مِنْ حَيْثُ الظُّهُورُ وَالْخَفَاءُ- لَهُ أَثَرٌ فِي قَبُولِ الْعُذْرِ، لَكِنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنَّ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الْحُجَّةُ فَهُوَ مَعْذُورٌ.
وَكَذَلِكَ فِي وَاقِعَةِ مُعَاذٍ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَإِنَّ السُّجُودَ لِغَيْرِ اللهِ مِنَ النَّوَاقِضِ الْعَظِيمَةِ، وَلَكِنَّ قَصْدَ التَّعْظِيمِ مَعَ جَهْلِ التَّحْرِيمِ جَعَلَ الْفِعْلَ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلرِّدَّةِ فِي حَقِّهِ. فَمُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَنَى فِعْلَهُ عَلَى تَأْوِيلٍ وَجَهْلٍ بِالْمَنْعِ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ، فَعَذَرَهُ ﷺ بِجَهْلِهِ. وَمِنْ هُنَا نُؤَصِّلُ أَنَّ "قِيَامَ الْحُجَّةِ" لَيْسَ مُجَرَّدَ وُصُولِ النَّصِّ، بَلْ هُوَ الْبَلَاغُ الَّذِي يَزُولُ مَعَهُ الْعُذْرُ.
وَالَّذِي يَتَقَرَّرُ عِنْدَنَا فِي "نَوَاقِضِ الْإِيمَانِ" أَنَّ الْكَافِرَ نَوْعَانِ: كَافِرٌ عِنَادٍ، وَكَافِرٌ جَهْلٍ وَإِعْرَاضٍ؛ فَمَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ وَفَهِمَهَا ثُمَّ أَعْرَضَ فَهُوَ كَافِرٌ، أَمَّا مَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعِلْمِ جَهْلٌ حَقِيقِيٌّ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعِهِ، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ. إِنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعُذْرِ تَقْتَضِي أَنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً، فَلَا يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ. فَالْعُذْرُ بِالْجَهْلِ صِمَامُ أَمَانٍ ضِدَّ مَسَالِكِ الْغُلُوِّ، وَهُوَ مَحْضُ الْعَدْلِ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرِّسَالَةُ، وَبِهِ تَنْضَبِطُ أَحْكَامُ التَّكْفِيرِ وَتَسْلَمُ عَقَائِدُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الِانْحِرَافِ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ تَمْتَازُ بِالدِّقَّةِ "الِاصْطِلَاحِيَّةِ" فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ؛ حَيْثُ جَعَلَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ مَبْنِيّاً عَلَى "انْتِفَاءِ الشَّرْطِ" أَوْ "وُجُودِ الْمَانِعِ". وَتَأْصِيلِي لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْبَيَانَ الرِّسَالِيَّ الَّذِي تَنْقَطِعُ بِهِ الْحُجَّةُ هُوَ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ "الْبَلَاغُ الْمُبِينُ". وَالشَّيْخُ يَرَى أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِقِصَّةِ "ذَاتِ أَنْوَاطٍ" وَ"سُجُودِ مُعَاذٍ" يُلْزِمُ الْمُخَالِفَ بِالِاعْتِرَافِ أَنَّ الْجَهْلَ قَدْ يَقَعُ حَتَّى فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الْكُبْرَى، وَأَنَّ مَنْزِلَةَ الْفَاعِلِ لَا تَتَغَيَّرُ إِلَّا بَعْدَ إِزَالَةِ هَذَا الْجَهْلِ بِالْبَيَانِ الشَّرْعِيِّ الْيَقِينِيِّ (2).
&______________________________《حَاشِيَةُ》_________________________&
(1) يُنْظَرُ: مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، "نَوَاقِضُ الْإِيمَانِ الِاعْتِقَادِيَّةُ وَضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ"، دَارُ إِيْلَافِ الدَّوْلِيَّةِ، ص (185-194).
(2) يُنْظَرُ: "مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ" لِلشَّيْخِ نَفْسِهِ، حَيْثُ أَصَّلَ لِمَسْأَلَةِ قِيَامِ الْحُجَّةِ.
(3) فَائِدَةٌ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْجَهْلَ الَّذِي يُعْذَرُ بِهِ هُوَ "الَّذِي لَا يُمْكِنُ صَاحِبَهُ دَفْعُهُ"، أَمَّا الْإِعْرَاضُ فَلَا عُذْرَ فِيهِ.
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ (التِّرْمِذِيُّ 2180)، حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذٍ (ابْنُ مَاجَه 1853).
(6) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: التَّمِيمِيُّ، "حُقُوقُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أُمَّتِهِ"، حَيْثُ نَاقَشَ سُجُودَ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
(7) قَاعِدَةٌ: "لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الْكُفْرِ عَلَى مُعَيَّنٍ إِلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ شُرُوطِهِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ، وَالْجَهْلُ رَأْسُ الْمَوَانِعِ".
(8) تَنْبِيهٌ: مَيَّزَ الشَّيْخُ بَيْنَ "أَصْلِ الدِّينِ" وَبَيْنَ "شَرَائِعِ الدِّينِ" فِي بَعْضِ مَسَائِلِ الْبَلَاغِ.
(9) يُرَاجَعُ: "الْمَوْسُوعَةُ الْعَقَدِيَّةُ" إِشْرَافُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ.
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ ص (112).
_________________________________《 112 》_________________________________
[تَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ (70 سَطْراً)]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "إِنَّ مَسْأَلَةَ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ مَسْأَلَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَالْقَوْلُ فِيهَا يَنْبَنِي عَلَى نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ، وَالَّذِي يَتَقَرَّرُ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ الْعِبَادَ إِلَّا بَعْدَ بَيَانِ الْحُجَّةِ وَبُلُوغِ الرِّسَالَةِ. وَهَذَا الْأَصْلُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾؛ فَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَقُومُ بِبَلَاغِ الرُّسُلِ، وَمَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الرِّسَالَةُ، أَوْ بَلَغَتْهُ مُشَوَّهَةً، أَوْ كَانَ فِي حَالٍ يَخْفَى مَعَهَا الْعِلْمُ، فَإِنَّهُ مَعْذُورٌ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ.
وَبِالنَّظَرِ فِي حَدِيثِ (ذَاتِ أَنْوَاطٍ)، نَجِدُ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ، كَانُوا حُدَثَاءَ عَهْدٍ بِكُفْرٍ، وَهَذَا الْوَصْفُ (حَدَاثَةُ الْعَهْدِ) عِلَّةٌ مُؤَثِّرَةٌ فِي بَقَاءِ الْجَهْلِ بِمَسَائِلِ التَّوْحِيدِ الدَّقِيقَةِ. فَهُمْ طَلَبُوا أَمْراً يُنَافِي كَمَالَ التَّوْحِيدِ، بَلْ شَبَّهَهُ ﷺ بِقَوْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَنْقُلْ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِتَجْدِيدِ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَهْلَ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ فِي حَقِّ مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ أَوْ كَانَ فِي حَالٍ يُعْذَرُ فِيهَا مِثْلُهُ.
وَكَذَلِكَ الشَّأْنُ فِي سُجُودِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ؛ فَمُعَاذٌ سَجَدَ مُتَأَوِّلاً تَعْظِيماً لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِتَحْرِيمِ هَذَا الْفِعْلِ فِي شَرِيعَتِنَا، فَعَامَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِمُقْتَضَى التَّعْلِيمِ وَالْبَيَانِ لَا بِمُقْتَضَى التَّكْفِيرِ وَالْهَجْرِ. فَالْقَاعِدَةُ أَنَّ الْبَيَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَسْبِقَ الِامْتِحَانَ، وَأَنَّ مَا كَانَ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الَّذِي قَدْ يَخْفَى عَلَى بَعْضِ مَنْ نَشَأَ فِي بِلَادٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ فِيهِ بِمَانِعِ الْجَهْلِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.
إِنَّ بَعْضَ مَنْ يَتَكَلَّمُونَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ يَقَعُونَ فِي الْغُلُوِّ لِعَدَمِ تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ (الْمَقَالَةِ) وَ(الْقَائِلِ)؛ فَالْمَقَالَةُ قَدْ تَكُونُ كُفْراً، لَكِنَّ الْقَائِلَ لَا يَكْفُرُ حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ الشُّرُوطُ وَتَنْتَفِيَ الْمَوَانِعُ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِمَحَبَّةِ الْعُذْرِ، وَهَذِهِ الْمَحَبَّةُ تَقْتَضِي سِعَةَ رَحْمَتِهِ بِالْجَاهِلِينَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ. فَالْوَاجِبُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَسِيرَ عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ فِي التَّعْلِيمِ وَالدَّعْوَةِ، وَأَنْ لَا يَفْتَحَ بَابَ التَّكْفِيرِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ دُونَ ضَوَابِطِ الْعُذْرِ الشَّرْعِيَّةِ، لِأَنَّ صِيَانَةَ دَمِ الْمُسْلِمِ وَدِينِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَتْ بِهَا الرِّسَالَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ" (1).
ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ
قُلتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ تَمْتَازُ بِالنَّفَسِ "الْأُصُولِيِّ الْعَقَدِيِّ"؛ حَيْثُ جَعَلَ "الْبَيَانَ" هُوَ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ لَيْسَ تَمْيِيعاً لِلْعَقِيدَةِ، بَلْ هُوَ "تَحْقِيقٌ لِلْمَنَاطِ" فِي إِنْزَالِ أَحْكَامِ الْوَعِيدِ. فَالشَّيْخُ يَرَى أَنَّ قِصَّةَ ذَاتِ أَنْوَاطٍ وَسُجُودَ مُعَاذٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ تَنْصَرِفُ لِلتَّعْظِيمِ لَا لِلْعِبَادَةِ عِنْدَ الْجَاهِلِ، مِمَّا يَمْنَعُ حُصُولَ الرِّدَّةِ بِمُجَرَّدِ صُورَةِ الْفِعْلِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ فِي صِيَانَةِ دِينِ الْمُسْلِمِ بِيَقِينِ إِسْلَامِهِ (2).
&_____________________________ حَاشية __________________________&
(1) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ"، مَكْتَبَةُ دَارِ الْحِجَازِ، ج (1)، ص (450-455).
(2) يُنْظَرُ: "شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" (التمهيد)، بَابُ: مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ أَوْ حَجَرٍ، ص (140-142).
(3) فَائِدَةٌ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ الْحُجَّةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ، وَأَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ مَسْلَكٌ سَلَفِيٌّ مَعْرُوفٌ.
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: حَدِيثُ ذَاتِ أَنْوَاطٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
(6) يُنْظَرُ لِالتَّأْصِيلِ: آلُ الشَّيْخِ، "ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ"، ضِمْنَ مَجْمُوعِ مُحَاضَرَاتِهِ الْعَقَدِيَّةِ.
(7) قَاعِدَةٌ: "لَا يَلْزَمُ مِنْ فِعْلِ الْمُكَفِّرِ كُفْرُ الْفَاعِلِ إِلَّا بَعْدَ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ".
(8) تَنْبِيهٌ: مَيَّزَ الشَّيْخُ بَيْنَ الْمَسَائِلِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا مَنْ عَاشَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَسَائِلِ الَّتِي تَدِقُّ أَوْ تَخْفَى.
(9) يُرَاجَعُ كِتَابُ: "الْأَمَالِي فِي الْعَقِيدَةِ" لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ.
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ ص (113).
___________________________________《 113 》________________________________
[تَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي حَوْلَ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي الْمَسْأَلَةِ ]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "إِنَّ تَقْرِيرَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ يَقُومُ عَلَى رِعَايَةِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، وَرِعَايَةِ حَقِّ الْمُسْلِمِ فِي بَقَاءِ إِسْلَامِهِ، وَالْجَهْلُ مَانِعٌ قَائِمٌ دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الْمُحْكَمَةُ. فَاللهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ بَعْثَةَ الرُّسُلِ هِيَ الْفَيْصَلُ لِانْقِطَاعِ الْحُجَّةِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فِيمَا يَخْفَى عَلَى مِثْلِهِ، فَإِنَّ حُجَّةَ اللهِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ.
وَبِاسْتِنْطَاقِ الْأَدِلَّةِ النَّبَوِيَّةِ، نَجِدُ أَنَّ حَدِيثَ (ذَاتِ أَنْوَاطٍ) يَمْنَحُنَا تَأْصِيلًا فِي عُذْرِ (حُدَثَاءِ الْعَهْدِ)؛ فَالصَّحَابَةُ سَأَلُوا أَمْرًا هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ مِنْ جِنْسِ الشِّرْكِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُخْرِجْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الدِّينِ، لِأَنَّ الْبَاعِثَ لَدَيْهِمْ كَانَ الْجَهْلُ بِالْمَنْعِ، لَا الْإِعْرَاضُ عَنِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَقَعُ فِي الشِّرْكِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ شِرْكٌ، فَيَكُونُ هَذَا الْجَهْلُ حَائِلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حُكْمِ التَّكْفِيرِ.
أَمَّا حَدِيثُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَسُجُودِهِ، فَهُوَ عُمْدَةٌ فِي الْبَابِ؛ فَمُعَاذٌ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ خَفِيَ عَلَيْهِ تَحْرِيمُ سُجُودِ التَّحِيَّةِ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أَنْ بَيَّنَ لَهُ الْحَقَّ وَنَهَاهُ، وَلَمْ يَسْتَتِبْهُ مِنْ رِدَّةٍ. فَالْعُذْرُ بِالْجَهْلِ هُنَا ثَابِتٌ بِيَقِينٍ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ "السُّجُودَ لِغَيْرِ اللهِ" إِذَا كَانَ عَنْ جَهْلٍ أَوْ تَأْوِيلٍ فِي مَقَامِ التَّعْظِيمِ، لَا يُسْقِطُ أَصْلَ الْإِيمَانِ.
وَالَّذِي يَتَقَرَّرُ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ أَنَّ الْحُجَّةَ تَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ؛ فَمَا يَكُونُ ظَاهِرًا فِي بَلَدٍ قَدْ يَكُونُ خَفِيًّا فِي بَلَدٍ آخَرَ، وَالْجَاهِلُ فِي دِيَارِ الْإِسْلَامِ الَّتِي انْطَمَسَتْ فِيهَا مَعَالِمُ السُّنَّةِ يُعْذَرُ بِمَا لَا يُعْذَرُ بِهِ غَيْرُهُ. وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّنَا بِمَحَبَّةِ الْعُذْرِ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ تَقْتَضِي عَدَمَ عُقُوبَةِ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ. إِنَّ الْمَسْلَكَ الْعِلْمِيَّ الرَّصِينَ يَقْتَضِي عَدَمَ الْمُجَازَفَةِ بِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، وَالْجَهْلُ هُوَ الْمَانِعُ الْأَبْرَزُ الَّذِي رَحِمَ اللهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمَرْحُومَةَ" (1).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ: إِنَّ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي -حَفِظَهُ اللهُ- تَمْتَازُ بِتَحْرِيرِ "مَحَلِّ النِّزَاعِ" بِدِقَّةٍ؛ حَيْثُ جَعَلَ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ مُرْتَبِطاً بِـ "بُلُوغِ الْحُجَّةِ" بَلَاغاً يُزِيلُ الشُّبْهَةَ. وَتَأْصِيلِي لِهَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ اسْتِدْلَالَهُ بِحَدِيثِ ذَاتِ أَنْوَاطٍ وَسُجُودِ مُعَاذٍ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَحْصُرُ الْعُذْرَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ يَمْتَدُّ لِيَشْمَلَ مَنْ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالْعِلْمِ وَلَوْ فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ. وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي نَصَّتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، بِأَنَّ الْعَذَابَ وَالضَّلَالَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا بَعْدَ الْبَيَانِ (2).
&_________________[ حَاشِيَةُ ]__________________&
(1) يُنْظَرُ: صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي، "الْمُعْتَقَدُ الصَّحِيحُ"، مَطَابِعُ جَامِعَةِ بِنْ سُعُودٍ، ص (145-152).
(2) يُنْظَرُ: "شَرْحُ رِسَالَةِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ" (تَقْرِيرَاتٌ صَوْتِيَّةٌ وَمُفَرَّغَةٌ لِلشَّيْخِ)، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.
(3) فَائِدَةٌ: يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ سِنْدِي لِقَاعِدَةِ: "أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُهُ الْمُكَلَّفُ فَهْماً يَزُولُ مَعَهُ الْعُذْرُ".
(4) الآيَاتُ: النِّسَاءُ (165)، الْإِسْرَاءُ (15)، التَّوْبَةُ (115).
(5) الْأَحَادِيثُ: ذَاتُ أَنْوَاطٍ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ)، سُجُودُ مُعَاذٍ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه).
(6) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: سِنْدِي، "أُصُولُ الْإِيمَانِ"، حَيْثُ نَاقَشَ عِلَاقَةَ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ وَتَرَتُّبِ الْأَحْكَامِ.
(7) قَاعِدَةٌ: "الْيَقِينُ (الْإِسْلَامُ) لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَقِينِيّاً لِإِزَالَةِ الْإِسْلَامِ الْيَقِينِيِّ".
(8) تَنْبِيهٌ: يُفَرِّقُ الشَّيْخُ بَيْنَ (الْجَهْلِ الْبَسِيطِ) وَبَيْنَ (الْإِعْرَاضِ) الَّذِي يَمْتَلِكُ فِيهِ الْمُكَلَّفُ أَدَوَاتِ الْعِلْمِ وَيَتْرُكُهَا.
(9) يُرَاجَعُ كِتَابُ: "شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" لِلشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي، بَابُ: مَنْ تَبَرَّكَ بِشَجَرَةٍ.
(10) تَمَّ تَحْرِيرُ تَقْرِيرَاتِ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي ص (114).
_____________________________《 114 》_____________________________
[الْوَجْهِ الْعِشْرُونَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ عِنْدَ الشَّيْخِ مُحَمَّد رَيْحَان]
[أَوَّلاً: نَصُّ كَلَامِ الشَّيْخِ (نَقْلُ الْفَقْرَةِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو رَيْحَان)]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "يُفَرِّقُ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ بَيْنَ الْحُكْمِ الْمُطْلَقِ وَالْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ؛ فَيَحْكُمُونَ بِعُمُومِ كُفْرِ مَنْ فَعَلَ نَاقِضاً مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، أَوْ تَكَلَّمَ بِمَقَالَةٍ تُوجِبُ الْكُفْرَ، أَوْ تَرَكَ مَا يُوجِبُ الْكُفْرَ تَارِكَهُ، وَلَا يُتْبِعُونَ الْحُكْمَ بِالْكُفْرِ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ مِنْ مُوجِبَاتِ الْكُفْرِ إِلَّا بَعْدَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ الشَّرْعِيَّةِ وَبَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ.
الدَّلِيلُ
(1): قَالَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ وَقَعَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ».
(2): قَالَ الشَّيْخُ بَكْرُ أَبُو زَيْدٍ رَحِمَهُ اللهُ: «يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ -وَهُوَ التَّكْفِيرُ عَلَى وَجْهِ الْعُمُومِ- وَبَيْنَ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ؛ فَإِنَّ الِاعْتِقَادَ أَوِ الْقَوْلَ أَوِ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ كُفْراً، يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ دُونَ تَحْدِيدِ مُعَيَّنٍ، أَمَّا الْمُعَيَّنُ فَيُنْظَرُ قَبْلَ الْحُكْمِ بِكُفْرِهِ بِتَوْفِيرِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، فَإِذَا تَمَّ ذَلِكَ حُكِمَ بِرِدَّتِهِ فَيُسْتَتَابُ»" (1).
&_________________________________________________________&
[ثَانِيًا: تَخْرِيجُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ]
تَخْرِيجُ الْمُفْرَدَاتِ:
1▪︎(التَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ): هُوَ تَعْلِيقُ الْوَعِيدِ بِالْفِعْلِ أَوْ الْمَقَالَةِ دُونَ حَصْرِهِ فِي نَسَمَةٍ بِعَيْنِهَا.
2▪︎(تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ): هُوَ إِنْزَالُ حُكْمِ الرِّدَّةِ عَلَى شَخْصٍ بِذَاتِهِ.
3▪︎(الْمَوَانِعُ): هِيَ الْأَوْصَافُ الَّتِي تَمْنَعُ تَرَتُّبَ الْأَثَرِ مَعَ وُجُودِ السَّبَبِ، كَالْجَهْلِ وَالْإِكْرَاهِ.
________
1▪︎قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: «الْإِيمَانُ الثَّابِتُ بِالْيَقِينِ لَا يَزُولُ إِلَّا بِالْيَقِينِ»، وَإِنْزَالُ الْكُفْرِ عَلَى الْمُعَيَّنِ يَحْتَاجُ إِلَى عِلْمٍ يَقِينِيٍّ بِانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ.
2▪︎قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: «تَرَتُّبُ الْأَحْكَامِ عَلَى أَسْبَابِهَا مَشْرُوطٌ بِوُجُودِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ»، وَهَذَا عَامٌّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
3▪︎ضَابِطٌ لَهُمَا: «كُلُّ مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْهُ إِلَّا بِنَصٍّ بَيِّنٍ وَحُجَّةٍ قَاطِعَةٍ تُزِيلُ الشُّبْهَةَ».
&_______________________[ حَاشِيَةُ ]_______________________&
(1) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ رَيْحَان، "الْفَقْرَةُ الْعِشْرُونَ"، مَخْطُوطٌ وْ تَقْرِيرٌ خَاصٌّ به.
(2) نَاصِرُ الدِّينِ الْأَلْبَانِيُّ، شَرِيطُ "حَقِيقَةُ الْبِدْعَةِ وَالْكُفْرِ"، تَسْجِيلَاتُ الْإِسْلَامِيَّةِ.
(3) بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ، "دَرْءُ الْفِتْنَةِ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ط دَارِ الْعَاصِمَةِ، ص (58).
(4) يُنْظَرُ لِتَأْصِيلِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (12/ 466).
(5) الشُّرُوطُ الْمَقْصُودَةُ:
1•الْعِلْمُ،2• الْقَصْدُ، 3• الِاخْتِيَارُ،4• النُّطْقُ.
(6) الْمَوَانِعُ الْمَقْصُودَةُ:
1•الْجَهْلُ، 2•التَّأْوِيلُ، 3•الْإِكْرَاهُ،4• الْخَطَأُ.
(7) يُنْظَرُ: "الِاعْتِصَامُ" لِلشَّاطِبِيِّ، فِي مَسْأَلَةِ تَكْفِيرِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَعُذْرِ الْمُتَأَوِّلِينَ.
(8) الضَّابِطُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَنْهَجِ الشَّيْخِ مُحَمَّد رَيْحَان فِي حِمَايَةِ جَنَابِ الْإِيمَانِ.
(9) الِاسْتِتَابَةُ: هِيَ فُرْصَةٌ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ قَبْلَ إِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ السَّلْطَانِيَّةِ.
____________________________《 115》_____________________________
[الْوَجْهُ الِاسْتِشْهَادِيُّ وَمَقَاصِدُ التَّقْرِيرِ فِي الْوَجْهِ الْعِشْرِينَ]
[أَوَّلاً: مَقْصِدُ الشَّيْخِ مِنْ إِيرَادِ الدِّيبَاجَةِ]
إِنَّ مَقْصِدَ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو مُحَمَّد رَيْحَان -حَفِظَهُ اللهُ- مِنْ صِيَاغَةِ هَذِهِ الدِّيبَاجَةِ هُوَ "تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ" وَرَسْمُ الْحُدُودِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ مَنَاهِجِ الْغُلَاةِ وَالْمُرجِئَةِ. فَالشَّيْخُ أَرَادَ أَنْ يُقَرِّرَ أَنَّ إِثْبَاتَ صِفَةِ "الْكُفْرِ" لِلْفِعْلِ أَوْ الْمَقَالَةِ (الْإِطْلَاقُ) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ طَرْدُ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاعِلِ (التَّعْيِينُ) إِلَّا بِمِيزَانٍ شَرْعِيٍّ دَقِيقٍ؛ وَذَلِكَ لِصِيَانَةِ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِتْنَةِ التَّكْفِيرِ الْعَشْوَائِيِّ الَّذِي يَسْتَبِيحُ الْأَعْرَاضَ وَالدِّمَاءَ بِالظُّنُونِ. 1
[ثَانِيًا: وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالدَّلِيلِ الْأَوَّلِ (أَثَرُ الْأَلْبَانِيِّ)]
نَصُّهُ: «لَيْسَ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي الْكُفْرِ وَقَعَ الْكُفْرُ عَلَيْهِ».
وَجْهُ الْمَقْصِدِ: هَذَا الْأَثَرُ يُمَثِّلُ "الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ" لِهَذَا الْبَابِ. فَالْأَلْبَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْفِعْلِ) وَ(الْفَاعِلِ)؛ فَالْفِعْلُ قَدْ يَكُونُ كُفْرِيّاً فِي ذَاتِهِ، لَكِنَّ الْفَاعِلَ قَدْ تَمْنَعُهُ صَوَارِفُ شَرْعِيَّةٌ (كَالْجَهْلِ أَوْ الْخَطَأِ) مِنْ لُحُوقِ الْوَصْفِ بِهِ. وَالِاسْتِشْهَادُ بِهِ هُنَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْعُذْرَ بِالْجَهْلِ لَيْسَ ابْتِدَاعاً، بَلْ هُوَ فَهْمٌ سَلَفِيٌّ أَثَرِيٌّ.2
[ثَالِثًا: وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ بِالدَّلِيلِ الثَّانِي (أَثَرُ بَكْرٍ أَبُو زَيْدٍ)]3
نَصُّهُ: «يَتَعَيَّنُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ وَبَيْنَ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ...».
وَجْهُ الْمَقْصِدِ: هَذَا الْأَثَرُ يُمَثِّلُ "التَّفْصِيلَ الْإِجْرَائِيَّ" لِلدِّيبَاجَةِ. فَالشَّيْخُ بَكْرٌ -رَحِمَهُ اللهُ- يَنْتَقِلُ مِنَ الْقَاعِدَةِ إِلَى (التَّطْبِيقِ الْقَضَائِيِّ وَالشَّرْعِيِّ)؛ حَيْثُ جَعَلَ "الِاسْتِتَابَةَ" وَ"بَيَانَ الْحُجَّةِ" وَ"انْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ" هِيَ الْمَصَافِيَ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا حُكْمُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ نُطْقِهِ. وَالْمَقْصِدُ مِنْ إِيرَادِهِ هُوَ التَّأْكِيدُ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ بِالرِّدَّةِ عَمَلٌ مُؤَسَّسِيٌّ شَرْعِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى "الْيَقِينِ" لَا عَلَى الْهَوَى أَوْ التَّحَمُّسِ.
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْجَامِعُ لِلْبَاحِثِ (قُلْتُ)]: إِنَّ مَقْصِدَ الشَّيْخِ مُحَمَّد رَيْحَان مِنْ حَشْدِ هَذِهِ النُّصُوصِ هُوَ بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ هُمْ "أَهْلُ الْعِلْمِ وَالرَّحْمَةِ"؛ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَرْحَمُونَ الْخَلْقَ. فَالِاسْتِشْهَادُ هُنَا يَقُومُ عَلَى دَفْعِ (لَازِمِ الْمَذْهَبِ)؛ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ وَصَفَ فِعْلًا بِأَنَّهُ كُفْرٌ يَلْزَمُهُ تَكْفِيرُ فَاعِلِهِ، وَهَذَا هُوَ صِمَامُ الْأَمَانِ الَّذِي يَحْفَظُ بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ مِنَ الِانْشِقَاقِ وَالْغُلُوِّ.
&__________________________[حَاشِيَةُ]_______________________&
(1) مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ رَيْحَان، مَقْصِدُ الدِّيبَاجَةِ فِي الْوَجْهِ الْعِشْرِينَ.
(2) نَاصِرُ الدِّينِ الْأَلْبَانِيُّ، شَرِيطُ "حَقِيقَةُ الْكُفْرِ"، وَصِيَّةٌ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ فِي عَدَمِ الِاسْتِعْجَالِ.
(3) بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَبُو زَيْدٍ، "دَرْءُ الْفِتْنَةِ"، ص (58-60)، حَيْثُ نَاقَشَ خُطُورَةَ تَبْدِيلِ الْأَحْكَامِ.
(4) "وَجْهُ الِاسْتِشْهَادِ": هُوَ الرَّبْطُ بَيْنَ (النَّظَرِيَّةِ الْعَقَدِيَّةِ) وَ(التَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ).
(5) الْقَاعِدَةُ: "مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ" لَا تَنْطَبِقُ عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ لِوُجُودِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ كَالْجَهْلِ.
(6) يُنْظَرُ: "الصَّوَارِمُ الْحِدَادُ" لِلشَّوْكَانِيِّ فِي مَسْأَلَةِ إِطْلَاقِ التَّكْفِيرِ.
(7) تَنْبِيهٌ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ قَاطِبَةً.
(8) الْمَقْصِدُ الشَّرْعِيُّ: "الْإِعْذَارُ إِلَى اللهِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ عَلَى الْعِبَادِ".
(9) يُرَاجَعُ: "الْمُدَارَسَاتُ الْعَقَدِيَّةُ" لِلشَّيْخِ أَبِي عَمْرٍو رَيْحَان.
______________________《 116》________________________
[أَوَّلاً: تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ الْجَهْلَ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ، وَهَذَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ. فَاللهُ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ أَحَداً إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَبْلُغَهُ الْحُجَّةُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
وَمَنْ فَعَلَ كُفْراً جَاهِلاً بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، أَوْ جَاهِلاً بِأَنَّ هَذَا كُفْرٌ، فَهُوَ مَعْذُورٌ، إِلَّا إِذَا كَانَ مُفَرِّطاً فِي التَّعَلُّمِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ.
وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ قِصَّةُ الرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَ أَوْلَادَهُ بِحَرْقِهِ إِذَا مَاتَ، فَقَدْ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللهِ جَهْلًا، فَعَذَرَهُ اللهُ وَغَفَرَ لَهُ. فَالْعُذْرُ بِالْجَهْلِ هُوَ مَحْضُ الْعَدْلِ، وَلَا يَصِحُّ تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ" (1).
[ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ الْعَلَّامَةِ الْمُعَلِّمِيِّ]
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: "إِنَّ قِيَامَ الْحُجَّةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمِنَةِ، وَالْجَاهِلُ الَّذِي نَشَأَ بَعِيداً عَنِ الْعِلْمِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ. فَالْأَصْلُ أَنَّ الشَّارِعَ أَمَرَ بِالْبَيَانِ وَالتَّعْلِيمِ قَبْلَ الْإِنْكَارِ وَالتَّأْثِيمِ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَوَامِّ الَّذِينَ يَقَعُونَ فِي بَعْضِ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ لَا يَقْصِدُونَ عِبَادَةَ غَيْرِ اللهِ، بَلْ قَصْدُهُمْ تَعْظِيمُ الصَّالِحِينَ، وَقَدْ جَهِلُوا الْوَسِيلَةَ الشَّرْعِيَّةَ لِذَلِكَ.
فَالتَّكْفِيرُ حَقٌّ للهِ، لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُهُ إِلَّا بِنَصٍّ بَيِّنٍ يَزُولُ مَعَهُ كُلُّ شَكٍّ وَجَهْلٍ.
وَمَنْ تَسَرَّعَ فِي التَّكْفِيرِ دُونَ بَحْثٍ عَنِ الْأَعْذَارِ فَقَدْ خَالَفَ مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي الرَّحْمَةِ" (2).
[ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ ]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "الْعُذْرُ بِالْجَهْلِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْبَيَانُ الرِّسَالِيُّ هُوَ الْمَنَاطُ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ.
فَمَنْ جَهِلَ نَاقِضاً مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ وَبَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ أَوْ خَفِيَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ لِبُعْدِ مَظَانِّ الْعِلْمِ، فَإِنَّهُ يُعْذَرُ، وَلَا يُكَلَّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا.
وَالِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ (ذَاتِ أَنْوَاطٍ) وَ(سُجُودِ مُعَاذٍ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ عُذِرُوا بِجَهْلِهِمْ فِي مَسَائِلَ تَمَسُّ جَنَابَ التَّوْحِيدِ حَتَّى بَيَّنَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ. فَالْوَاجِبُ تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْإِعْرَاضِ وَالْجَهْلِ" (3).
&______________________________[حَاشِيَةُ]__________________________&
(1) مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج (1)، ص (388-392).
(2) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْمُعَلِّمِيُّ، "آثَارُ الشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ الْمُعَلِّمِيِّ"، ج (1)، ص (244).
(3) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ"، ج (1)، ص (450).
(4) يُنْظَرُ أَيْضاً: ابْنُ عُثَيْمِينُ، "مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلُ الْعُثَيْمِينِ" (2/ 123-125).
(5) الْمُعَلِّمِيُّ، "رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ عَنْ مَعْنَى الْإِلَهِ"، حَيْثُ أَصَّلَ لِلْعُذْرِ بِالْجَهْلِ فِي مَسَائِلِ الْقُبُورِ.
(6) قَاعِدَةٌ: "الْحُجَّةُ لَا تَقُومُ بِسَمَاعِ صَوْتِ النَّصِّ، بَلْ بِفَهْمِ مَعْنَاهُ فَهْماً يَزُولُ مَعَهُ الْعُذْرُ".
(7) يُرَاجَعُ: آلُ الشَّيْخِ، "التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، ص (140).
(8) تَنْبِيهٌ: مَيَّزَ الْأَعْلَامُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الَّذِي لَا تَمَكُّنَ لَهُ، وَبَيْنَ الْمُعْرِضِ الْمُتَمَكِّنِ.
(9) الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ "قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ" (حَدِيثُ مَنْ شَكَّ فِي الْقُدْرَةِ): رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (7506).
(10) الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ (ذَاتِ أَنْوَاطٍ): رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (2180) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(11) الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ سُجُودِ مُعَاذٍ: رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه (1853).
_________________________________ 《 117 》_____________________________
[الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: شُرُوطُ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ وَأَدِلَّتُهَا]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ وَأَدِلَّتُهَا النَّقْلِيَّةُ]
شَرْطُ الْعِلْمِ: أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ فِعْلَهُ نَاقِضٌ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (1).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ... فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ...» (2).
شَرْطُ الْقَصْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَلْبُ الْفِعْلَ، وَضِدُّهُ الْخَطَأُ السَّابِقُ لِلْإِرَادَةِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (3).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (4).
شَرْطُ الِاخْتِيَارِ: أَنْ يَكُونَ مَالِكاً لِإِرَادَتِهِ، وَضِدُّهُ الْإِكْرَاهُ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (5).
شَرْطُ انْتِفَاءِ التَّأْوِيلِ: أَنْ لَا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِمَا يَظُنُّهُ دِيناً.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (6).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ (7).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلشُّرُوطِ ]
قُلْتُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ السَّلَفِيَّ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ يَنْبَنِي عَلَى عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ بِيَقِينِ إِسْلَامِهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُهُمْ بِالْخَلْقِ، فَلَا يَرْفَعُونَ وَصْفَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ ثَبَتَ لَهُ إِلَّا بِيَقِينٍ يُضَادُّهُ. وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقُومُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ؛ فَالتَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ حَقٌّ للهِ وَرَسُولِهِ فِي تَوْصِيفِ الْأَفْعَالِ، أَمَّا تَنْزِيلُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَمَشْرُوطٌ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْكُفْرِ هُوَ عُقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَتَرَتَّبُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ وَفَهِمَهَا وَقَصَدَ مُخَالَفَتَهَا. وَمَنْ هُنَا كَانَ الْجَهْلُ عُذْراً فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالْخَفَايَا لِمَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ أَوْ نَشَأَ بَعِيداً عَنْ مَعَاقِدِ الْعِلْمِ. إِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ رَحِمَهُمُ اللهُ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ حَذَراً مِنْ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ بِالشُّبْهَةِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْبَيَانُ الرِّسَالِيُّ، وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مَعَ حُصُولِ الْقَصْدِ لِلتَّوْحِيدِ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مَأْثُومٍ فِي كُفْرٍ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَنْضَبِطُ بَابُ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، فَلَا غُلُوَّ كَالْخَوَارِجِ، وَلَا جَفَاءَ كَالْمُرْجِئَةِ، بَلْ هُوَ الْوَسَطُ الَّذِي يَحْفَظُ جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَحُرْمَةَ الْمُسْلِمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ الَّتِي نَفَتِ الْجُنَاحَ عَنِ الْمُخْطِئِ، وَقَصَرَتِ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى تَعَمُّدِ الْقَلْبِ بَعْدَ الْبَيَانِ الْيَقِينِيِّ (8).
&_________________________[ حَاشِيَةُ ]___________________________&
(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، الْآيَةُ (115).
(2) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (2180) وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وَأَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (21900)، وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" (6702). وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، فِيهِ طَلَبُ الصَّحَابَةِ لِشَجَرَةٍ يُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ لِلتَّبَرُّكِ جَهْلاً مِنْهُمْ، فَعَذَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِجَهْلِهِمْ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ.
(3) سُورَةُ الْأَحْزَابِ، الْآيَةُ (5).
(4) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ التَّوْبَةِ، بَابُ الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ (2747). وَهُوَ أَصْلٌ فِي عُذْرِ مَنْ زَلَّ لِسَانُهُ بِالْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
(5) سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ (106).
(6) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، الْآيَةُ (15).
(7) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه (1853)، وَابْنُ حِبَّانَ (4162)، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (2763) وَصَحَّحَهُ. وَفِيهِ أَنَّ مُعَاذاً سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَأَوُّلاً فَلَمْ يُكَفِّرْهُ، بَلْ عَلَّمَهُ.
(8) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (12/ 466)، وَ"مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" (1/ 335).
____________________________《 118 》______________________
[الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: شُرُوطُ انْتِفَاءِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ وَأَدِلَّتُهَا]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الشُّرُوطِ الْأَرْبَعَةِ وَأَدِلَّتُهَا النَّقْلِيَّةُ]
1▪︎ شَرْطُ الْعِلْمِ: أَنْ يَعْلَمَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ فِعْلَهُ نَاقِضٌ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (1).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى حُنَيْنٍ... فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ...» (2).
2▪︎ شَرْطُ الْقَصْدِ: أَنْ يَتَعَمَّدَ الْقَلْبُ الْفِعْلَ، وَضِدُّهُ الْخَطَأُ السَّابِقُ لِلْإِرَادَةِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (3).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ: «اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» (4).
3▪︎ شَرْطُ الِاخْتِيَارِ: أَنْ يَكُونَ مَالِكاً لِإِرَادَتِهِ، وَضِدُّهُ الْإِكْرَاهُ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (5).
4▪︎ شَرْطُ انْتِفَاءِ التَّأْوِيلِ: أَنْ لَا تَلْتَبِسَ عَلَيْهِ الشُّبْهَةُ بِمَا يَظُنُّهُ دِيناً.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (6).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ سُجُودِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قَدِمَ مِنَ الشَّامِ (7).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلشُّرُوطِ ]
قُلْتُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ السَّلَفِيَّ لِهَذِهِ الشُّرُوطِ يَنْبَنِي عَلَى عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ بِيَقِينِ إِسْلَامِهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَأَرْحَمُهُمْ بِالْخَلْقِ، فَلَا يَرْفَعُونَ وَصْفَ الْإِيمَانِ عَمَّنْ ثَبَتَ لَهُ إِلَّا بِيَقِينٍ يُضَادُّهُ.
وَهَذَا التَّأْصِيلُ يَقُومُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّوْعِ وَالْعَيْنِ؛ فَالتَّكْفِيرُ الْمُطْلَقُ حَقٌّ للهِ وَرَسُولِهِ فِي تَوْصِيفِ الْأَفْعَالِ، أَمَّا تَنْزِيلُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ فَمَشْرُوطٌ بِاسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ، لِأَنَّ الْحُكْمَ بِالْكُفْرِ هُوَ عُقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تَتَرَتَّبُ إِلَّا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ وَفَهِمَهَا وَقَصَدَ مُخَالَفَتَهَا.
وَمَنْ هُنَا كَانَ الْجَهْلُ عُذْراً فِي مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالْخَفَايَا لِمَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ أَوْ نَشَأَ بَعِيداً عَنْ مَعَاقِدِ الْعِلْمِ.
إِنَّ السَّلَفَ الصَّالِحَ رَحِمَهُمُ اللهُ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ حَذَراً مِنْ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ بِالشُّبْهَةِ، لِعِلْمِهِمْ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ هُوَ الْبَيَانُ الرِّسَالِيُّ، وَأَنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مَعَ حُصُولِ الْقَصْدِ لِلتَّوْحِيدِ فَهُوَ مَعْذُورٌ غَيْرُ مَأْثُومٍ فِي كُفْرٍ.
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ يَنْضَبِطُ بَابُ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"، فَلَا غُلُوَّ كَالْخَوَارِجِ، وَلَا جَفَاءَ كَالْمُرْجِئَةِ، بَلْ هُوَ الْوَسَطُ الَّذِي يَحْفَظُ جَنَابَ التَّوْحِيدِ وَحُرْمَةَ الْمُسْلِمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، مُعْتَمِدِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ الَّتِي نَفَتِ الْجُنَاحَ عَنِ الْمُخْطِئِ، وَقَصَرَتِ الْمُؤَاخَذَةَ عَلَى تَعَمُّدِ الْقَلْبِ بَعْدَ الْبَيَانِ الْيَقِينِيِّ (8).
&_____________________[حَاشِيَةُ]_____________________&
(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، الْآيَةُ (115).
(2) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (2180) وَقَالَ: "حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وَأَحْمَدُ فِي "الْمُسْنَدِ" (21900)، وَابْنُ حِبَّانَ فِي "صَحِيحِهِ" (6702). وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ، فِيهِ طَلَبُ الصَّحَابَةِ لِشَجَرَةٍ يُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ لِلتَّبَرُّكِ جَهْلاً مِنْهُمْ، فَعَذَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِجَهْلِهِمْ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ.
(3) سُورَةُ الْأَحْزَابِ، الْآيَةُ (5).
(4) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ التَّوْبَةِ، بَابُ الْحَضِّ عَلَى التَّوْبَةِ (2747). وَهُوَ أَصْلٌ فِي عُذْرِ مَنْ زَلَّ لِسَانُهُ بِالْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
(5) سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ (106).
(6) سُورَةُ الْإِسْرَاءِ، الْآيَةُ (15).
(7) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه (1853)، وَابْنُ حِبَّانَ (4162)، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (2763) وَصَحَّحَهُ. وَفِيهِ أَنَّ مُعَاذاً سَجَدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَأَوُّلاً فَلَمْ يُكَفِّرْهُ، بَلْ عَلَّمَهُ.
(8) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (12/ 466)، وَ"مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" (1/ 335).
___________________________《 119 》________________________
مَوَانِعُ التَّكْفِيرِ وَأَدِلَّتُهَا الشَّرْعِيَّةُ]
[أَوَّلاً: شَرْحُ الْمَوَانِعِ الْأَرْبَعَةِ وَأَدِلَّتُهَا النَّقْلِيَّةُ]
1• مَانِعُ الْجَهْلِ (ضِدُّ الْعِلْمِ): وَهُوَ عَدَمُ بُلُوغِ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِلْمُكَلَّفِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (1).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي أَمَرَ بِحَرْقِ نَفْسِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ شَكّاً فِي قُدْرَةِ اللهِ (2).
2• مَانِعُ الْخَطَأِ (ضِدُّ الْقَصْدِ): وَهُوَ وُقُوعُ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ الْمُكَفِّرِ سَبْقاً عَلَى لِسَانِهِ أَوْ جَارِحَتِهِ دُونَ إِرَادَةٍ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (3).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ: «إِنَّ اللهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (4).
3•مَانِعُ الْإِكْرَاهِ (ضِدُّ الِاخْتِيَارِ): وَهُوَ إِلْجَاءُ الْمُسْلِمِ إِلَى قَوْلِ الْكُفْرِ أَوْ فِعْلِهِ بِتَهْدِيدٍ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى النَّفْسِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (5).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: قِصَّةُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا حِينَ نَالَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مُكْرَهاً (6).
4• مَانِعُ التَّأْوِيلِ (ضِدُّ الصَّرَاحَةِ): وَهُوَ شُبْهَةٌ تَعْرِضُ لِلْمُكَلَّفِ يَظُنُّ مَعَهَا أَنَّ مَا فَعَلَهُ لَيْسَ كُفْراً، أَوْ أَنَّهُ سَائِغٌ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (7).
الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: قِصَّةُ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ مُتَأَوِّلاً آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ (8).
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِلْمَوَانِعِ ]
قُلْتُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ السَّلَفِيَّ لِمَوَانِعِ التَّكْفِيرِ هُوَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِقَاعِدَةِ "الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ؛ فَالْكُفْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ وَعِلْمٍ.
وَالْمَوَانِعُ لَيْسَتْ لِتَبْرِيرِ الْبَاطِلِ، بَلْ هِيَ لِإِزَاحَةِ التُّهْمَةِ عَمَّنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ، إِذْ إِنَّ لَوَازِمَ النُّصُوصِ تَقْتَضِي أَنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ إِلَّا بَعْدَ إِزَالَةِ الْعُذْرِ. وَتَأْصِيلُ السَّلَفِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ "الْحُكْمَ يَتْبَعُ الْمَحَلَّ"، فَإِذَا كَانَ الْمَحَلُّ (وَهُوَ الْمُكَلَّفُ) غَيْرَ قَاصِدٍ أَوْ جَاهِلاً، لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ سَبَبُ التَّكْفِيرِ لِعَدَمِ تَوَفُّرِ أَرْكَانِهِ الْقَلْبِيَّةِ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُفَرِّقُونَ فِي الْمَوَانِعِ بَيْنَ مَسَائِلِ (الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ)، فَمَا كَانَ مَعْلُوماً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِي بِيئَةٍ انْتَشَرَ فِيهَا الْعِلْمُ، قَلَّ فِيهِ مَانِعُ الْجَهْلِ، بِخِلَافِ مَنْ نَشَأَ بَعِيداً أَوْ فِي بِيئَةِ شُبْهَةٍ.
وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ يَحْمِي بَيْضَةَ الدِّينِ مِنْ (تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِاللَّوَازِمِ) الَّتِي لَا يَلْتَزِمُونَهَا، فَإِذَا نَطَقَ الْجَاهِلُ بِالْكُفْرِ ظَانّاً أَنَّهُ تَوْحِيدٌ، مَنَعَ التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ إِسْقَاطَ حُكْمِ الرِّدَّةِ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ.
وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ نُصُوصُ الْوَعِيدِ، وَتُحْمَى حُرُمَاتُ الْمُوَحِّدِينَ، وَتُعَامَلُ الذُّنُوبُ بِمَقَادِيرِهَا الشَّرْعِيَّةِ، بَعِيداً عَنْ تَهَوُّرِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقَوْلَ كُفْراً فَلَزِمَهُمْ عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ تَكْفِيرُ كُلِّ قَائِلٍ بِهِ دُونَ نَظَرٍ فِي مَوَانِعِهِ (9).
&______________________[ حَاشِيَةُ ]____________________&
(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، الْآيَةُ (115).
(2) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (3481)، وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" (2756). وَهُوَ حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي "لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ"، وَقَالَ لِأَهْلِهِ: "لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي..."، فَعَذَرَهُ اللهُ بِجَهْلِهِ بِتَمَامِ الْقُدْرَةِ لِخَوْفِهِ مِنْهُ.
(3) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، الْآيَةُ (286).
(4) أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه (2043) وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي "صَحِيحِ الْجَامِعِ" (1836). وَهُوَ نَصٌّ قَاطِعٌ فِي دَفْعِ الْإِثْمِ وَالْحُكْمِ عَنِ الْمُخْطِئِ وَالْمُكْرَهِ.
(5) سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ (106).
(6) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (3362) وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقاً. وَهُوَ أَصْلٌ فِي عُذْرِ مَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ لِسَانًا وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ.
(7) سُورَةُ الْأَحْزَابِ، الْآيَةُ (5).
(8) أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي "مُصَنَّفِهِ" (17077)، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الْكُبْرَى" (17539). حَيْثُ تَأَوَّلَ قُدَامَةُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾، فَلَمْ يُكَفِّرْهُ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ، بَلْ بَيَّنُوا لَهُ خَطَأَهُ فِي التَّأْوِيلِ.
(9) يُنْظَرُ لِلتَّأْصِيلِ: "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (23/ 346)، وَ"إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ (3/ 63).
_____________________________《 120 》____________________________
التَّفْرِيقُ بَيْنَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ وَفَهْمِ الْحُجَّةِ
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ (بَيْنَ الْفَهْمِ وَالْعِلْمِ)]
تَحْرِيرُ هَذَا الشَّرْطِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ "الْعِلْمَ" الْمُعْتَبَرَ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ هُوَ (فَهْمُ الْبَيَانِ) لَا (فَهْمُ الِانْقِيَادِ). وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْمُكَلفَ لَا يُكَفَّرُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَهُ يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ وَرَسُولِهِ عِلْماً يَقِينِيّاً، وَيُشْتَرَطُ فِي هَذَا الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مَصْحُوباً بِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ الْمُعَارِضَةِ لِلنَّصِّ فِي ذِهْنِهِ.
الدَّلِيلُ (1): قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ (1). وَ"التَّبْيِينُ" هُنَا مَعْنَاهُ إِيصَالُ الْمَعْنَى إِلَى الْقَلْبِ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْمَعْذِرَةُ.
الدَّلِيلُ (2): قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ قَوْمِ شُعَيْبٍ: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ﴾ (2). فَلَمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ لِعَدَمِ الْفَهْمِ الْفِطْرِيِّ، بَلْ لِإِعْرَاضِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ الْحُجَّةِ.
[ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ السَّلَفِيُّ لِشَرْطِ "الْفَهْمِ"]
قُلْتُ: إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ السَّلَفِيَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَقُومُ عَلَى مَبْدَأِ "قِيَامِ الْحُجَّةِ الَّتِي يُكَفَّرُ تَارِكُهَا". فَهَلِ الْمَقْصُودُ مُجَرَّدُ سَمَاعِ قَوْلِ الْقَائِلِ أَوْ قِرَاءَةِ النَّصِّ؟ الْجَوَابُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ كَابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ هُوَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُ بِهِ الْمُكَلَّفُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ بَلَاغِ اللَّفْظِ مَعَ وُجُودِ جَهَالَةٍ بِالْمَعْنَى، أَوْ وُجُودِ شُبْهَةٍ قَوِيَّةٍ تَمْنَعُ انْقِدَاحَ الْحَقِّ فِي صَدْرِهِ.
إِنَّ الْعَدْلَ الشَّرْعِيَّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ مَانِعَةٌ مِنَ الْفَهْمِ، أَوْ كَانَ أَعْجَمِيّاً لَا يَعْقِلُ مَقَاصِدَ الْخِطَابِ، أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ حَتَّى "تُزَالَ الشُّبْهَةُ" وَيُشْرَحَ لَهُ الْأَمْرُ بَيَاناً شَافِياً.
وَلَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ هُنَا بَيْنَ نَوْعَيْنِ مِنَ الْفَهْمِ: (فَهْمُ الْبَلَاغِ) وَهُوَ الَّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ مُخَالَفَتَهُ لِلنَّصِّ هِيَ مُخَالَفَةٌ لِلرَّسُولِ، وَبَيْنَ (فَهْمِ الْقَبُولِ وَالِانْقِيَادِ) وَهُوَ أَنْ يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ لِلْحَقِّ، فَهَذَا الثَّانِي لَيْسَ شَرْطاً لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَإِلَّا لَمَا كُفِّرَ الْمُعَانِدُونَ. فَالْخُلَاصَةُ أَنَّ الْجَاهِلَ مَعْذُورٌ حَتَّى يُفْهَمَ مَعْنَى مَا بُلِّغَ بِهِ، فَتَزُولَ عَنْهُ غَشَاوَةُ الِالْتِبَاسِ، وَتَنْقَطِعَ عَنْهُ حُجَّةُ "لَمْ أَعْلَمْ مَقْصِدَ الشَّارِعِ".
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْعَالِمِ الَّذِي لَا يَسْتَعْجِلُ بِتَكْفِيرِ مَنْ عَلِمَ اللَّفْظَ وَجَهِلَ الْمَعْنَى، أَوْ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، فَيَكُونُ هَمُّهُ "الْبَيَانَ" قَبْلَ "الْإِدَانَةِ"، وَهَذَا هُوَ سَبِيلُ الرُّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ (3).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) سُورَةُ التَّوْبَةِ، الْآيَةُ (115).
(2) سُورَةُ هُودٍ، الْآيَةُ (91).
(3) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (12/ 466)، حَيْثُ قَالَ: "فَإِنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا". وَيُنْظَرُ أَيْضاً: (23/ 346) فِي تَفْصِيلِ مَسْأَلَةِ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَلَمْ يَفْهَمْهَا.
(4) يُرَاجَعُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ"، ص (413)، فِي الْكَلَامِ عَلَى طَبَقَاتِ الْمُكَلفِينَ وَعُذْرِ مَنْ لَمْ يَفْهَمِ الْحُجَّةَ.
(5) قَاعِدَةٌ: "الْفَهْمُ الْمُشْتَرَطُ هُوَ فَهْمُ الْبَيَانِ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ أَنَّ الرَّسُولَ جَاءَ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ".
(6) قَوْلُ الْفُقَهَاءِ فِي "الِاسْتِتَابَةِ": هِيَ فِي الْأَصْلِ لِإِزَالَةِ الشُّبْهَةِ وَفَهْمِ الْحُجَّةِ.
(7) يُنْظَرُ: "الْمُدَارَسَاتُ الْعَقَدِيَّةُ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّد رَيْحَان فِي ضَابِطِ الْفَهْمِ.
(8) حَدِيثُ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (3461)؛ وَالْبَلَاغُ يَقْتَضِي الْوُصُولَ وَالْفَهْمَ.
(9) تَنْبِيهٌ: مَنْ قَصَّرَ فِي طَلَبِ الْفَهْمِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ.
___________________________《 121 》________________________________
الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ بَيْنَ مَانِعِ الْجَهْلِ وَنَاقِضِ الْإِعْرَاضِ]
[أَوَّلاً: حَقِيقَةُ الْجَهْلِ (اشْتِقَاقاً وَحَدّاً وَدَلِيلاً)]
الِاشْتِقَاقُ: الْجَهْلُ مِنْ مَادَّةِ (ج هـ ل)، وَهُوَ نَقِيضُ الْعِلْمِ، وَأَصْلُهُ خَفَاءُ الشَّيْءِ أَوْ فِعْلُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ.
الْحَدُّ : هُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ فِي الْوَاقِعِ، أَوْ عَدَمُ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مَعَ عَدَمِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ.
الْحَقِيقَةُ: هُوَ خَلَاءُ النَّفْسِ مِنَ الْعِلْمِ بِالْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْقَصْدِ لِطَلَبِ الْحَقِّ، فَالْجَاهِلُ لَوْ عَلِمَ لَاتَّبَعَ.
حكمه : هِيَ عُذْرٌ يَمْنَعُ تَنْزِيلَ الْوَعِيدِ عَلَى الْمُعَيَّنِ لِعَدَمِ بُلُوغِ الْبَيَانِ الرِّسَالِيِّ.
الدَّلِيلُ (الْكِتَابُ): قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ (1).
الدَّلِيلُ (السُّنَّةُ): حَدِيثُ الرَّجُلِ الَّذِي شَكَّ فِي الْقُدْرَةِ: «لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ لَيُعَذِّبَنِّي عَذَاباً...» (2).
[ثَانِيًا: حَقِيقَةُ الْإِعْرَاضِ (اشْتِقَاقاً وَحَدّاً وَدَلِيلاً)]
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (ع ر ض)، وَأَعْرَضَ عَنِ الشَّيْءِ أَيْ وَلَّاهُ عُرْضَهُ (جَانِبَهُ) وَتَرَكَهُ مُتَعَمِّداً.
الْحَدُّ : هُوَ تَرْكُ الْمُكَلَّفِ تَعَلُّمَ أَصْلِ الدِّينِ الَّذِي لَا يَصِحُّ الْإِسْلَامُ إِلَّا بِهِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ ذَلِكَ.
الْحَقِيقَةُ: هُوَ أَنْ يَعْرِضَ الْمُكَلَّفُ عَنْ تَعَلُّمِ أَصْلِ الدِّينِ، فَلَا يَسْمَعُ وَلَا يَتَعَلَّمُ مَعَ تَمَكُّنِهِ وَبُلُوغِ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ، فَهَذَا لَيْسَ بِجَاهِلٍ بَلْ مُعْرِضٌ.
حكمه : هُوَ نَاقِضٌ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِكْبَارَ عَنْ دِينِ اللهِ رَدّاً أَوْ تَرْكاً.
الدَّلِيلُ (1): قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (3).
الدَّلِيلُ (2): قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ (4).
الدَّلِيلُ (السُّنَّةُ): حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ: «وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ» (5).
[ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ ]
قَالَ حَفِظَهُ اللهُ: "إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَالْإِعْرَاضِ مَنَاطُهُ (الْبَذْلُ وَالْقُدْرَةُ). فَالْجَاهِلُ الَّذِي يَعْذُرُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ هُوَ مَنْ بَذَلَ وُسْعَهُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ فَلَمْ يُدْرِكْهُ، أَوْ نَشَأَ فِي بِيئَةٍ انْدَرَسَتْ فِيهَا آثَارُ الرِّسَالَةِ، فَهَذَا عُذْرُهُ قَائِمٌ لِانْتِفَاءِ الْبَيَانِ.
أَمَّا الْإِعْرَاضُ فَهُوَ (كُفْرُ التَّرْكِ)، بِأَنْ يَتَمَكَّنَ الْمَرْءُ مِنْ طَلَبِ الْعِلْمِ بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ فَيَتْرُكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَوْ تَشَاغُلاً بِالدُّنْيَا، فَهَذَا لَمْ يُعْذَرْ بِالْجَهْلِ لِأَنَّ جَهْلَهُ (كَسْبِيٌّ) وَقَعَ بِاخْتِيَارِهِ وَتَفْرِيطِهِ.
وَالْإِعْرَاضُ الَّذِي هُوَ نَاقِضٌ هُوَ الْإِعْرَاضُ الْكُلِّيُّ عَنْ دِينِ اللهِ، فَلَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَلَا يَسْمَعُ لِدَاعِي الْهُدَى مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مَنْ أَصْلُ دِينِهِ الْإِسْلَامُ وَلَكِنَّهُ جَهِلَ بَعْضَ التَّفَاصِيلِ أَوِ الدَّقَائِقِ لِخَفَائِهَا، فَهَذَا هُوَ مَحَلُّ الْعُذْرِ.
فَالتَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُجَّةَ تَقُومُ بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ، فَمَنْ أَعْرَضَ مَعَ الْقُدْرَةِ فَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مَعْذُورٍ، وَمَنْ جَهِلَ مَعَ الْعَجْزِ فَهُوَ الَّذِي تَتَنَزَّلُ فِي حَقِّهِ نُصُوصُ الرَّحْمَةِ وَالتَّجَاوُزِ، لِأَنَّ اللهَ لَا يُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ مَنَاطَ التَّكْلِيفِ هُوَ (الْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ)، فَإِذَا ذَهَبَ الْعِلْمُ بِالْعَجْزِ وُجِدَ الْعُذْرُ، وَإِذَا ذَهَبَ بِالْإِعْرَاضِ وُجِدَ الْوَعِيدُ" (6).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (فِي الْفُرُوقِ بَيْنَهُمَا )]
قُلْتُ ( أَبُو أَنَسٍ): قال شيخ الاسلام : إِنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْجَهْلِ وَالْإِعْرَاضِ هُوَ جِمَاعُ الْعَدْلِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ؛ "فَإِنَّ التَّكْفِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ الْحُجَّةِ الَّتِي يَكْفُرُ تَارِكُهَا" (7).
وَالْجَهْلُ مَانِعٌ لِأَنَّهُ يُورِثُ (خَفَاءَ الْحَقِّ)، بَيْنَمَا الْإِعْرَاضُ نَاقِضٌ لِأَنَّهُ يُورِثُ (رَدَّ الْحَقِّ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ). وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا يَظْهَرُ فِي (الْقَصْدِ)؛ فَالْجَاهِلُ قَاصِدٌ لِلْحَقِّ مُخْطِئٌ لِلطَّرِيقِ، وَالْمُعْرِضُ تَارِكٌ لِلطَّرِيقِ رَاغِبٌ عَنِ الْحَقِّ.
وَقَدْ قَرَّرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "الْإِعْرَاضَ عَنْ طَلَبِ الْحَقِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ هُوَ مَحْضُ التَّفْرِيطِ الَّذِي يَمْنَعُ الْعُذْرَ" (8).
وَبِهَذَا نَتَبَيَّنُ أَنَّ كُلَّ مُعْرِضٍ جَاهِلٌ، وَلَيْسَ كُلُّ جَاهِلٍ مُعْرِضاً؛ فَالْجَهْلُ الْمَعْذُورُ هُوَ (الْبَسِيطُ) الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَكْنَةِ الْبَيَانِ، وَالْجَهْلُ الْمُكَفِّرُ هُوَ (الْمُرَكَّبُ) أَوْ (الْإِعْرَاضِيُّ) الَّذِي حَصَلَ بِتَرْكِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ مَعَ سَمَاعِ صَوْتِ النَّذِيرِ.
إِنَّ التَّأْصِيلَ السَّلَفِيَّ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ لَا يَلْتَبِسَ "الْعَجْزُ" بـ"الْهَوَى"، فَاللهُ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ، فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ صَادِقاً فِي طَلَبِ الدِّينِ عُذِرَ بِمَا جَهِلَ، وَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ مَصْرُوفاً عَنِ الْبَلَاغِ حُمِلَ وِزْرَ مَا تَرَكَ.
وَهَذَا هُوَ الْوَجْهُ الصَّحِيحُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الْوَعِيدِ لِلْمُعْرِضِينَ، وَنُصُوصِ الرَّحْمَةِ لِلْجَاهِلِينَ الْمُسْتَضْعَفِينَ (9).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) سُورَةُ النِّسَاءِ، الْآيَةُ (17).
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (3481) وَمُسْلِمٌ (2756).
(3) سُورَةُ الْأَحْقَافِ، الْآيَةُ (3).
(4) سُورَةُ الْكَهْفِ، الْآيَةُ (57).
(5) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (66) وَمُسْلِمٌ (2176).
(6) صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ، "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ"، ج (1)، ص (450-455) [نَقْلٌ بِتَصَرُّفٍ لِتَلْخِيصِ الْمُرَادِ].
(7) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (466).
(8) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"، ج (1)، ص (230) [نَقْلٌ عَنِ الْبَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ].
(9) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ"، ص (411) فِي تَفْصِيلِ عُذْرِ مَنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الْعِلْمِ.
___________________________《 122 》______________________
مباحث عقدية حول جزء مجمل إعتقاد أهل السنة والجماعة في الإيمان والكفر
___________________________________________
[الْمَبْحَثُ الْوَاحِدُ وَالْعِشْرُونَ: حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ وَتَحْرِيرُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ]
(ص: 123)
إِنَّ تَحْرِيرَ قَوْلِ السَّلَفِ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لَيْسَ تَرَفاً عِلْمِيّاً، بَلْ هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْهَجِ أَهْلِ الْحَقِّ وَمَنَاهِجِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ. وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا تَتَجَزَّأُ فِي أَصْلِهَا، وَإِنْ تَبَعَّضَتْ فِي شُعَبِهَا (1). وَقَدْ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ أَئِمَّةِ الْهُدَى كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْبُخَارِيِّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ: "قَوْلٌ وَعَمَلٌ"، وَيَقْصِدُونَ بِذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَجْزَاءٍ تَدْخُلُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ (2).
[أَوَّلاً: تَفْصِيلُ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ لِلْإِيمَانِ]
- قَوْلُ الْقَلْبِ: وَهُوَ عِلْمُهُ وَتَصْدِيقُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَهَذَا لَا يَكْفِي وَحْدَهُ لِدُخُولِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ كَانَا مُصَدِّقَيْنِ فِي بَاطِنِهِمَا لَكِنَّهُمَا كَفَرَا بِالِاسْتِكْبَارِ (3).
- عَمَلُ الْقَلْبِ: وَهُوَ نِيَّتُهُ وَإِخْلَاصُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَانْقِيَادُهُ، وَهَذَا هُوَ الْمُحَرِّكُ لِلْجَوَارِحِ، فَمَنْ خَلَا قَلْبُهُ مِنْ جِنْسِ عَمَلِ الْقَلْبِ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ (4).
- قَوْلُ اللِّسَانِ: وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ، وَهُوَ شَرْطٌ لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا، وَجُزْءٌ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْإِيمَانِ فِي حَقِّ الْقَادِرِ (5).
- عَمَلُ الْجَوَارِحِ: وَهِيَ الطَّاعَاتُ الظَّاهِرَةُ، وَقَدْ أَدْخَلَهَا السَّلَفُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ نَصّاً، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ حَيْثُ نَزَلَتْ فِي الصَّلَاةِ (6).
[ثَانِيًا: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ]
قَرَّرَ أَهْلُ السُّنَّةِ قَاعِدَةً جَلِيلَةً وَهِيَ: "أَنَّ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ مُتَلَازِمَانِ تَلَازُماً ضَرُورِيّاً" (7). فَالْإِيمَانُ الْمُسْتَقِرُّ فِي الْقَلْبِ يَسْتَلْزِمُ صَلَاحَ الْجَوَارِحِ لَزَاماً، فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إِيمَانٍ كَامِلٍ فِي الْقَلْبِ مَعَ إِعْرَاضٍ كُلِّيٍّ عَنِ الْعَمَلِ الظَّاهِرِ (8). وَمِنْ هُنَا بَطَلَ مَذْهَبُ الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ زَعَمُوا انْفِكَاكَ الظَّاهِرِ عَنِ الْبَاطِنِ، فَقَالُوا: "لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ" (9). وَهَذَا الْقَوْلُ يُصَادِمُ صَرِيحَ الْقُرْآنِ الَّذِي رَتَّبَ النَّجَاةَ عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ مَعاً فِي مَوَاضِعَ لَا تُحْصَى (10).
[ثَالِثًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "جِنْسِ الْعَمَلِ" وَأَثَرِهِ فِي الصِّحَّةِ]
التَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ أَنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ؛ فَمِنْهَا مَا هُوَ رُكْنٌ فِي "أَصْلِ" الْإِيمَانِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَالصَّلَاةِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (11). وَمِنْهَا مَا هُوَ مِنْ "وَاجِبِ" الْإِيمَانِ الَّذِي يَنْقُصُ بِتَرْكِهِ وَلَا يَنْعَدِمُ، وَهَذَا هُوَ مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ (12). وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي يَحْمِي الْبَاحِثَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي "التَّكْفِيرِ بِالْمَعَاصِي" كَالْخَوَارِجِ، أَوْ "التَّمْيِيعِ" كَالْمُرْجِئَةِ (13).
[رَابِعًا: الرَّدُّ التَّأْصِيلِيُّ عَلَى شُبَهاتِ الْمُخَالِفِينَ]
الشُّبْهَةُ الْأُولَى لِلْمُرْجِئَةِ هِيَ قَصْرُ الْإِيمَانِ عَلَى التَّصْدِيقِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللهَ سَمَّى الْعَمَلَ إِيمَاناً فِي كِتَابِهِ (14). وَالشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ لِلْوَعِيدِيَّةِ هِيَ تَسْوِيَةُ الْأَعْمَالِ كُلِّهَا فِي الصِّحَّةِ، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ "شُعَبِ الْإِيمَانِ" الَّذِي جَعَلَ بَعْضَهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ (15). وَبِذَلِكَ يَتَقَرَّرُ أَنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالِاعْتِقَادِ هِيَ عَلَاقَةُ (تَكَامُلٍ بِنَائِيٍّ)، إِذَا انْهَدَمَ أَصْلُهَا (الِاعْتِقَادُ وَجِنْسُ الْعَمَلِ) سَقَطَ الْبِنَاءُ، وَإِذَا نَقَصَ فَرْعُهَا نَقَصَ كَمَالُ الْبِنَاءِ (16).
____________________[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْدَه، "كِتَابُ الْإِيمَانِ"، ج (1)، ص (331)، فِيهِ بَيَانُ أَنَّ الْإِيمَانَ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ.
(2) نَقَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ فِي "الْأُمِّ" (7/ 271) قَال: "وَكَانَ الْإِجْمَاعُ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ.. أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ مِنَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا بِالْآخَرِ".
(3) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "كِتَابُ الْإِيمَانِ الْأَوْسَطُ"، ص (12).
(4) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ج (1)، ص (335).
(5) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الصَّاوِيِّ عَلَى الطَّحَاوِيَّةِ"، ص (332).
(6) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، الْآيَةُ (143)، وَيُنْظَرُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ لِهَذِهِ الْآيَةِ.
(7) هِيَ قَاعِدَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي "مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (633).
(8) يُرَاجَعُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ، "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ"، ص (339).
(9) هَذَا أَثَرٌ مَشْهُورٌ عَنِ الْمُرْجِئَةِ، نَقَلَهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِي "مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ"، ص (132).
(10) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ [الْكَهْفُ: 107].
(11) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (2622) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئاً مِنَ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ".
(12) يُنْظَرُ: "الِاعْتِقَادُ" لِلْبَيْهَقِيِّ، ص (180).
(13) يُرَاجَعُ: "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"، ج (1)، ص (240).
(14) كَمَا فِي آيَةِ قِبْلَةِ الصَّلَاةِ السَّابِقَةِ.
(15) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (9) وَمُسْلِمٌ (35).
______________________________________<<<< 123>>>>______________________________
تَفْصِيلُ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ الْأَرْبَعَةِ وَأَدِلَّتِهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ]
إِنَّ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ جَوْهَرِيَّةٍ، كُلُّ رُكْنٍ مِنْهَا مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كَلَامِ اللهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَهَذَا التَّفْصِيلُ هُوَ الَّذِي يُبَيِّنُ خَطَأَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةٍ أَوْ قَوْلٍ (1).
[أَوَّلاً: الرُّكْنُ الْأَوَّلُ - قَوْلُ الْقَلْبِ (التَّصْدِيقُ وَالْعِلْمُ)]
وَهُوَ يَقِينُ الْقَلْبِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وَصِدْقِ رِسَالَةِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَعْلَمَ مَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ (2).
مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [مُحَمَّد: 19]. فَقَدَّمَ الْعِلْمَ (قَوْلَ الْقَلْبِ) عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ (3).
مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» (4). فَمَنَاطُ الدُّخُولِ هُنَا هُوَ (الْعِلْمُ بِيَقِينٍ) الَّذِي مَحَلُّهُ الْقَلْبُ.
[ثَانِيًا: الرُّكْنُ الثَّانِي - عَمَلُ الْقَلْبِ (الِانْقِيَادُ وَالْمَحَبَّةُ)]
وَهُوَ أَعْظَمُ الْأَرْكَانِ بَعْدَ التَّصْدِيقِ؛ وَهُوَ حَرَكَةُ الْقَلْبِ بِالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالْإِخْلَاصِ. فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْقَدْ بِإِرَادَتِهِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ (5).
مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الْأَنْفَال: 2]. فَالْوَجَلُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ (6).
مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» (7). وَالْمَحَبَّةُ هِيَ مَلِكَةُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ.
[ثَالِثًا: الرُّكْنُ الثَّالِثُ - قَوْلُ اللِّسَانِ (الْإِقْرَارُ)]
وَهُوَ تَرْجَمَةُ مَا فِي الْقَلْبِ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ؛ فَاللِّسَانُ هُوَ الْمُعَبِّرُ الظَّاهِرُ عَنْ عَقْدِ الْبَاطِنِ (8).
مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [الْبَقَرَة: 136]. فَأَمَرَ بِالْقَوْلِ أَمْرَ جَزْمٍ (9).
مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (10). فَالشَّهَادَةُ بِاللِّسَانِ هِيَ الْعَلَامَةُ الْفَارِقَةُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
[رَابِعًا: الرُّكْنُ الرَّابِعُ - عَمَلُ الْجَوَارِحِ (الِامْتِثَالُ)]
وَهِيَ الْأَفْعَالُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي تُمَصِّدُ صِدْقَ الْإِيمَانِ؛ فَالْعَمَلُ جُزْءٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ عِنْدَ السَّلَفِ (11).
مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: 143]. قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: أَيْ صَلَاتَكُمْ (12).
مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً... وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (13). وَإِمَاطَةُ الْأَذَى عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِيمَاناً.
[تَحْرِيرُ الْعَلَاقَةِ الْكُلِّيَّةِ لِلْبَاحِثِ]
قُلْتُ ( أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ هَذِهِ الْأَرْكَانَ الْأَرْبَعَةَ كَالْبِنَاءِ الْوَاحِدِ؛ فَقَوْلُ الْقَلْبِ أَسَاسُهُ، وَعَمَلُ الْقَلْبِ رُوحُهُ، وَقَوْلُ اللِّسَانِ بَابُهُ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ سِيَاجُهُ وَشَوَاهِدُهُ. فَمَنِ ادَّعَى الِاعْتِقَادَ وَخَلَا عَنِ الْعَمَلِ، فَقَدْ أَمَاتَ الرُّوحَ وَهَدَمَ الْبِنَاءَ، وَمَنْ عَمِلَ بِلَا اعْتِقَادٍ فَهُوَ الْمُنَافِقُ (14). وَالسَّلَفُ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذِهِ الْأَرْكَانِ فِي الْمُسَمَّى، بَلْ جَعَلُوهَا كُلَّهَا شَيْئاً وَاحِداً يُسَمَّى "إِيمَاناً" (15).
[خَامِسًا: حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّوْثِيقِ (الْمَرْبُوطَةُ بِالْمَتْنِ)]
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (170)، حَيْثُ نَصَّ عَلَى تَرْكِيبِ الْإِيمَانِ مِنْ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ.
(2) يُنْظَرُ: "كِتَابُ التَّوْحِيدِ" لِابْنِ خُزَيْمَةَ، ص (144).
(3) يُنْظَرُ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ"، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ "الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ".
(4) رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" حَدِيثُ رَقْمِ (26).
(5) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ج (1)، ص (330) فِي عَمَلِ الْقَلْبِ.
(6) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْأَنْفَالِ.
(7) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (15) وَمُسْلِمٌ (44).
(8) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْدَه، "كِتَابُ الْإِيمَانِ"، ج (1)، ص (210).
(9) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ" لِهَذِهِ الْآيَةِ.
(10) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (25) وَمُسْلِمٌ (22).
(11) نَقَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ الْإِجْمَاعَ فِي "الْأُمِّ" (7/ 271) عَلَى دُخُولِ الْعَمَلِ فِي الْإِيمَانِ.
(12) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج (2)، ص (15) [نَقْلٌ عَنِ الْبَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ].
(13) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (9) وَمُسْلِمٌ (35).
(14) يُنْظَرُ: "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"، ج (1)، ص (245) لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
_____________________________<< 124 >>________________________________
[الْمَبْحَثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: زِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانُهُ - الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ وَالْآثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ]
(ص: 125)
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ]
إِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ قَاطِبَةً أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ شَيْئاً وَاحِداً مُصْمَتاً لَا يَتَقَسَّمُ، بَلْ هُوَ "يَزِيدُ وَيَنْقُصُ"؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ (1). وَهَذَا الْأَصْلُ يُخَالِفُ فِيهِ الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ، فَالنَّاسُ فِيهِ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ كَسَوَاءِ إِيمَانِ الْأَنْبِيَاءِ (2).
[ثَانِيًا: الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ]
تَظَاهَرَتْ آيَاتُ الْقُرْآنِ عَلَى إِثْبَاتِ الزِّيَادَةِ نَصّاً، وَمَا قَبِلَ الزِّيَادَةَ قَبِلَ النُّقْصَانَ ضَرُورَةً:
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الْفَتْح: 4]. فَالزِّيَادَةُ هُنَا صَرِيحَةٌ فِي انْضِمَامِ إِيمَانٍ جَدِيدٍ إِلَى أَصْلِ الْإِيمَانِ (3).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِ إِيمَانًا﴾ [التَّوْبَة: 124]. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَفَاضُلِ النَّاسِ عِنْدَ سَمَاعِ الْوَحْيِ (4).
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [الْمُدَّثِّر: 31]. فَالزِّيَادَةُ تَقَعُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ اسْتِجَابَتِهِمْ (5).
[ثَالِثًا: الْأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ]
قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» (6). وَتَعَدُّدُ الشُّعَبِ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى التَّفَاضُلِ وَالتَّجَزُّؤِ، فَمَنْ حَصَّلَ شُعَباً أَكْثَرَ كَانَ إِيمَانُهُ أَتَمَّ.
قَوْلُهُ ﷺ فِي شَأْنِ النِّسَاءِ: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ» (7). وَالنُّقْصَانُ فِي الدِّينِ هُوَ نُقْصَانُ الْإِيمَانِ نَصّاً.
حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ: «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» (8). فَتَفَاوُتُ الْمَقَادِيرِ (مِثْقَالُ ذَرَّةٍ، خَرْدَلَةٍ) دَلِيلٌ عَلَى النُّقْصَانِ وَالتَّفَاضُلِ.
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِأَسْبَابِ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ]
قُلْتُ (الْبَاحِثُ أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ لَا يَقَعَانِ فِي الْإِيمَانِ اِتِّفَاقاً، بَلْ لَهُمَا أَسْبَابٌ تَحْمِلُ الْعَبْدَ عَلَيْهِمَا (9).
أَسْبَابُ الزِّيَادَةِ: مَعْرِفَةُ اللهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، تَدَبُّرُ الْقُرْآنِ، كَثْرَةُ النَّوَافِلِ، وَالْبُعْدُ عَنْ مَوَاطِنِ الرِّيبَةِ (10).
أَسْبَابُ النُّقْصَانِ: الْجَهْلُ بِأَحْكَامِ الدِّينِ، الْغَفْلَةُ، ارْتِكَابُ الْمَعَاصِي، وَمُخَالَطَةُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (11).
وَمِنْ آثَارِ هَذَا الِاعْتِقَادِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَغْتَرُّ بِمَا مَعَهُ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ، بَلْ يَظَلُّ وَجِلاً مِنْ سَلْبِ كَمَالِهِ بِذُنُوبِهِ، وَهَذَا هُوَ حَالُ الصَّحَابَةِ؛ فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: "أَدْرَكْتُ ثَلَاثِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُمْ يَخَافُ النِّفَاقَ عَلَى نَفْسِهِ" (12).
&____________[حَاشِيَةُ ]_______________&
(1) يُنْظَرُ: الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ".
(2) يُنْظَرُ: أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ، "مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ"، ص (134)، فِي حِكَايَةِ قَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ فِي عَدَمِ تَفَاضُلِ الْإِيمَانِ.
(3) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ"، ج (7)، ص (328) لِآيَةِ الْفَتْحِ.
(4) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ"، ج (8)، ص (294).
(5) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج (24)، ص (25).
(6) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (9) وَمُسْلِمٌ (35).
(7) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (304) وَمُسْلِمٌ (79).
(8) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (7439) وَمُسْلِمٌ (193) [نَقْلٌ عَنِ الْبَاحِثِ أَبِي أَنَسٍ].
(9) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (232) فَمَا بَعْدَهَا، فِي تَفْصِيلِ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ.
(10) يُنْظَرُ: عَبْدُ الرَّزَّاقِ الْبَدْرُ، "أَسْبَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ"، ص (20).
(11) يُنْظَرُ: "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"، ج (1)، ص (248) لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(12) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ "خَوْفِ الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَحْبَطَ عَمَلُهُ".
(13) يُنْظَرُ: "شَرْحُ السُّنَّةِ" لِلْبَرْبَهَارِيِّ، ص (32).
(14) يُنْظَرُ: "الْإِيمَانُ" لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ص (14).
____________________________________ << 125>>___________________________
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: تَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي تَفَاضُلِ الْمَعْرِفَةِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ]
(ص: 126)
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَعْنَى (الزِّيَادَةُ لَا تَقَعُ اتِّفَاقاً)]
يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ طَالِبُ الْعِلْمِ أَنَّ زِيَادَةَ الْإِيمَانِ لَا تَهْبِطُ عَلَى الْقَلْبِ جُزَافاً أَوْ بِمُجَرَّدِ الِاتِّفَاقِ (أَيِ الصُّدْفَةِ أَوْ دُونَ سَبَبٍ مُوجِبٍ)، بَلْ هِيَ مَحْكُومَةٌ بِقَوَانِينَ الشَّرْعِ وَأَفْعَالِ الْعِبَادِ. وَالْمَقْصُودُ بِأَنَّهَا لَا تَقَعُ اتِّفَاقاً: أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلزِّيَادَةِ رَوَافِدَ، وَلِلنُّقْصَانِ مَوَارِدَ؛ فَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ الطَّاعَةِ زَادَ إِيمَانُهُ جَزَاءً وِفَاقاً، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْمَعْصِيَةِ نَقَصَ إِيمَانُهُ عَدْلًا وَاسْتِحْقَاقاً (1). وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْإِيمَانَ مَوْجِدَةٌ قَلْبِيَّةٌ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَعْمَالِ.
[ثَانِيًا: زِيَادَةُ الْمَعْرِفَةِ وَنُقْصَانُهَا (تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ)]
مِنْ دَقِيقِ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ أَنَّ "الْمَعْرِفَةَ" نَفْسَهَا الَّتِي فِي الْقَلْبِ تَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ التَّحْقِيقِ:
زِيَادَةُ التَّفْصِيلِ: فَإِيمَانُ مَنْ يَعْرِفُ اللهَ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، لَيْسَ كَإِيمَانِ مَنْ يَعْرِفُهُ عَلَى الْإِجْمَالِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "الْعِلْمُ بِالْمُخْبَرِ عَنْهُ إِذَا كَانَ مُفَصَّلًا كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ أَكْمَلَ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ" (2).
زِيَادَةُ الْيَقِينِ وَالطُّمَأْنِينَةِ: فَالْمَعْرِفَةُ تَقْوَى بِتَظَاهُرِ الْأَدِلَّةِ، حَتَّى يَنْتَقِلَ الْعَبْدُ مِنْ "عِلْمِ الْيَقِينِ" إِلَى "عَيْنِ الْيَقِينِ". وَهَذَا مَا طَلَبَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ قَالَ: ﴿وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (3).
نُقْصَانُ الْمَعْرِفَةِ: يَكُونُ بِالنِّسْيَانِ، أَوْ بِعُرُوضِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي تُكَدِّرُ صَفْوَ الْيَقِينِ، أَوْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ تَدَبُّرِ الْآيَاتِ (4).
[ثَالِثًا: مَقُولَاتُ أَعْلَامِ الْهُدَى فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ]
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَهُ اللهُ -: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمَلْهَا لَمْ يَسْتَكْمَلِ الْإِيمَانَ" (5).
قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ: الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَالْبَذْلُ لِلْعَالَمِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ" (6).
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ" (7).
قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: "لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَداً مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَنَّهُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ" (8).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ"، ج (1)، ص (15) فِي تَأْثِيرِ الذُّنُوبِ عَلَى نُورِ الْقَلْبِ.
(2) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (232). وَهَذَا نَصُّ قَوْلِهِ فِي زِيَادَةِ الْمَعْرِفَةِ.
(3) سُورَةُ الْبَقَرَةِ، الْآيَةُ (260). وَيُنْظَرُ تَعْلِيقُ ابْنِ كَثِيرٍ عَلَيْهَا فِي تَفَاضُلِ مَرَاتِبِ الْعِلْمِ.
(4) يُنْظَرُ: "شَرْحُ السُّنَّةِ" لِلْبَغَوِيِّ، ج (1)، ص (39) فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ النُّقْصَانِ.
(5) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" تَعْلِيقاً (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ).
(6) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقاً، وَوَصَلَهُ مُسَدَّدٌ فِي "مُسْنَدِهِ".
(7) يُنْظَرُ: "طَبَقَاتُ الْحَنَابِلَةِ" لِابْنِ أَبِي يَعْلَى، ج (1)، ص (343).
(8) أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ"، ج (5)، ص (820).
(9) قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ تَفَاضُلَ الْمَعْرِفَةِ هُوَ أَصْلُ تَفَاضُلِ الْأَعْمَالِ؛ إِذْ لَا يَعْمَلُ الْعَبْدُ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا عَرَفَ.
_____________________________________________________♤ 126♤○▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ وَمَوَانِعُهُ - مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي التَّعْيِينِ وَالْإِطْلَاقِ]
(ص: 127)
[أَوَّلاً: خُطُورَةُ بَابِ التَّكْفِيرِ وَأَصْلُ الْمَنْعِ فِيهِ]
إِنَّ الْأَصْلَ فِي دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ الْعِصْمَةُ، وَلَا يَزُولُ يَقِينُ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ (1). وَقَدْ حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ هَذَا الْمَزْلَقِ فَقَالَ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ؛ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (2). وَقَالَ الْإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ: "وَلَا نُخْرِجُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ مِنَ الْإِسْلَامِ بِذَنْبٍ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ" (3).
[ثَانِيًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْكَلامِ فِي (النَّوْعِ) وَ(الْعَيْنِ)]
مِنْ أَعْظَمِ ضَوَابِطِ السَّلَفِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الْإِطْلَاقِ) وَ(التَّعْيِينِ)؛ فَقَدْ يَكُونُ الْقَوْلُ كُفْراً، أَوْ الْفِعْلُ كُفْراً، وَلَكِنْ لَا يُكَفَّرُ الْقَائِلُ أَوْ الْفَاعِلُ الْمُعَيَّنُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ (4).
كُفْرُ النَّوْعِ (الْإِطْلَاقُ): نَحْوُ قَوْلِنَا: "مَنْ قَالَ الْقُرْآنُ مَخْلُوقٌ فَهُو كَافِرٌ"، وَهَذَا حُكْمٌ عَامٌّ عَلَى الْفِعْلِ أَوِ الْمَقَالَةِ (5).
كُفْرُ الْعَيْنِ (التَّعْيِينُ): هُوَ تَنْزِيلُ الْحُكْمِ عَلَى (زَيْدٍ) أَوْ (عَمْرٍو)، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ اجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ (6).
[ثَالِثًا: شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَمَوَانِعُهُ (دِرَاسَةٌ تَقَابُلِيَّةٌ)]
قُلْتُ (الْبَاحِثُ أَبُو أَنَسٍ): لَا يَصِحُّ تَنْزِيلُ الْحُكْمِ بِالْكُفْرِ إِلَّا بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَابَلَ كُلُّ شَرْطٍ بِمَانِعِهِ (7):
الشَّرْطُ الْأَوَّلُ (الْعِلْمُ): وَيُقَابِلُهُ مَانِعُ (الْجَهْلِ)؛ فَمَنْ فَعَلَ كُفْراً وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ كُفْرٌ لَمْ يَكْفُرْ حَتَّى يُبَيَّنَ لَهُ (8).
الشَّرْطُ الثَّانِي (الْقَصْدُ): وَيُقَابِلُهُ مَانِعُ (الْخَطَأِ)؛ كَالَّذِي قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ"، فَأَخْطَأَ وَلَمْ يَقْصِدِ الْكُفْرَ (9).
الشَّرْطُ الثَّالِثُ (الِاخْتِيَارُ): وَيُقَابِلُهُ مَانِعُ (الْإِكْرَاهِ)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (10).
الشَّرْطُ الرَّابِعُ (عَدَمُ التَّأْوِيلِ): وَيُقَابِلُهُ مَانِعُ (التَّأْوِيلِ السَّائِغِ)؛ فَمَنْ تَأَوَّلَ شُبْهَةً ظَنَّهَا دَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ مَانِعاً مِنْ تَكْفِيرِهِ (11).
[رَابِعًا: مَقُولاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الضَّبْطِ]
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ" (12).
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: "كُلُّ مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ، لَمْ يَزُلْ عَنْهُ ذَلِكَ إِلَّا بِيَقِينٍ" (13).
قَالَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ: "اعْلَمْ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِالْخُرُوجِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ... لَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِلَّا بِبُرْهَانٍ أَوْضَحَ مِنْ شَمْسِ النَّهَارِ" (14).
____________[ حَاشِيَةُ ]____________
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (466).
(2) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (6104) وَمُسْلِمٌ (60) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
(3) "الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ" مَعَ شَرْحِ ابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (316).
(4) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "الِاسْتِقَامَةُ"، ج (1)، ص (164).
(5) هَذَا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَوْلُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ، يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ"، ج (10)، ص (432).
(6) يُنْظَرُ: "شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ" لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (1)، ص (223).
(7) قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): التَّفْرِيقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَالْمَانِعِ هُوَ عِصْمَةُ الْفَقِيهِ مِنَ الْغُلُوِّ وَالْجَفَاءِ.
(8) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الْإِسْرَاء: 15].
(9) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (2747) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ.
(10) سُورَةُ النَّحْلِ، الْآيَةُ (106).
(11) كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةِ الْخَمْرِ (قِصَّةُ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ)، يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ" (6/ 348).
(12) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (3)، ص (229).
(13) الذَّهَبِيُّ، "سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ"، ج (14)، ص (39).
(14) الشَّوْكَانِيُّ، "السَّيْلُ الْجَرَّارُ"، ج (4)، ص (578).
__________________________________________________< ١٢٧>____________
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ - تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَصُوَرُ التَّطْبِيقِ]
(ص: 128)
[أَوَّلاً: مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ وَأَقْوَالُ النَّاسِ فِيهِ]
الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْإِيمَانِ هُوَ قَوْلُ الْعَبْدِ: "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ". وَقَدِ افْتَرَقَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ (1). فَأَوْجَبَهُ قَوْمٌ (وَهُمُ الْوَعِيدِيَّةُ)، وَحَرَّمَهُ قَوْمٌ وَسَمَّوُا الْمُسْتَثْنِيَ "شَاكًّا" (وَهُمُ الْمُرْجِئَةُ)، وَفَصَّلَ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (2).
[ثَانِيًا: مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ]
كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَسْتَثْنُونَ فِي إِيمَانِهِمْ تَبَرُّؤاً مِنَ التَّزْكِيَةِ، لَا شَكّاً فِي أَصْلِ التَّصْدِيقِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "نَحْنُ نَقُولُ: مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَمُؤْمِنٌ أَرْجُو، وَنَقُولُ: آمَنَّا بِاللَّهِ" (3). وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - لِرَجُلٍ قَالَ: "أَنَا مُؤْمِنٌ"، فَقَالَ لَهُ: "فَقُلْ أَنَا فِي الْجَنَّةِ!" (4). فَالِاسْتِثْنَاءُ عِنْدَهُمْ يَعُودُ إِلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الثَّوَابِ، لَا إِلَى أَصْلِ التَّصْدِيقِ فِي الْقَلْبِ.
[ثَالِثًا: تَحْرِيرُ مَحَلِّ الِاسْتِثْنَاءِ وَصُوَرُهُ]
قُلْتُ (الْبَاحِثُ أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ حُكْمَ الِاسْتِثْنَاءِ يَدُورُ مَعَ "نِيَّةِ الْمُسْتَثْنِي"، وَيُمْكِنُ تَحْرِيرُهُ فِي ثَلَاثِ صُوَرٍ (5):
الِاسْتِثْنَاءُ بِنِيَّةِ الشَّكِّ: وَهُوَ أَنْ يَشُكَّ الْعَبْدُ هَلْ هُوَ مُصَدِّقٌ أَمْ كَاذِبٌ؟ وَهَذَا مُحَرَّمٌ وَيُنَافِي الْيَقِينَ الْوَاجِبَ (6).
الِاسْتِثْنَاءُ تَهَرُّباً مِنَ التَّزْكِيَةِ: وَهُوَ أَنْ يَهْرَبَ مِنَ الْقَطْعِ لِنَفْسِهِ بِكَمَالِ الْإِيمَانِ وَبِرِّ الْقَلْبِ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ السَّلَفِ وَهُوَ وَاجِبٌ أَوْ مُسْتَحَبٌّ (7).
الِاسْتِثْنَاءُ تَعَلُّقاً بِالْخَاتِمَةِ: أَيْ "أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" أَيْ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَوَاتِيمِ، وَهَذَا سَائِغٌ صَحِيحٌ (8).
الِاسْتِثْنَاءُ بِنِيَّةِ التَّبَرُّكِ: أَيْ ذِكْرُ مَشِيئَةِ اللهِ تَبَرُّكاً لَا تَعْلِيقاً، وَهَذَا جَائِزٌ (9).
[رَابِعًا: الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ الْمُرْجِئَةِ (الْمُشَكِّكَةِ)]
زَعَمَتِ الْمُرْجِئَةُ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ "شَكٌّ"، وَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالْعَمَلُ لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِهِ وَلَا بِاسْتِكْمَالِهِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ يَقَعُ عَلَى الْأَعْمَالِ لَا عَلَى التَّصْدِيقِ (10). قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: "رَأَيْتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ... كَانُوا لَا يَرَوْنَ الِاسْتِثْنَاءَ شَكّاً" (11). وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الِاسْتِثْنَاءَ تَزْكِيَةً لِنَفْسِهِ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ تَقْصِيرِهِ، وَمَنِ اسْتَثْنَى يَقِيناً بِتَقْصِيرِهِ فَقَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ (12).
[حَاشِيَةُ ]_______________________________________
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (429) فَمَا بَعْدَهَا، فِي بَيَانِ مَذَاهِبِ النَّاسِ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
(2) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (335).
(3) يُنْظَرُ: "السُّنَّةُ" لِأَبِي بَكْرٍ الْمَرْوَذِيِّ، ص (122).
(4) رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "الْإِيمَانِ" (رَقْم: 3)، وَاللَّالَكَائِيُّ فِي "أُصُولِ الِاعْتِقَادِ".
(5) قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): هَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ آثَارِ السَّلَفِ وَيَرْفَعُ التَّعَارُضَ الظَّاهِرَ.
(6) يُنْظَرُ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (338).
(7) يُنْظَرُ: "الْإِيمَانُ" لِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ص (10).
(8) يُنْظَرُ: "شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (5)، ص (825).
(9) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ" لِآيَةِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ﴾.
(10) هَذَا جَوَابُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حِينَ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِثْنَاءَ، يُنْظَرُ: "حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ"، ج (7)، ص (12).
(11) نَقَلَهُ عَنْهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ".
__________________________________________ 128______________________________
[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: مُسَمَّى الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ - التَّلَازُمُ وَالِافْتِرَاقُ]
(ص: 129)
[أَوَّلاً: تَعْرِيفُ الْأَصْلَيْنِ لُغَةً وَشَرْعاً]
إِنَّ الْبَحْثَ فِي "الْإِسْلَامِ" وَ"الْإِيمَانِ" هُوَ بَحْثٌ فِي صِيغَةِ الدِّينِ؛ فَالْإِسْلَامُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ، وَفِي الشَّرْعِ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ (1). أَمَّا الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ التَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ، وَفِي الشَّرْعِ هُوَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَنِيَّةٍ (2).
[ثَانِيًا: قَاعِدَةُ (إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا)]
هَذِهِ الْقَاعِدَةُ هِيَ مِفْتَاحُ هَذَا الْمَبْحَثِ؛ وَتَحْرِيرُهَا أَنَّ الِاسْمَيْنِ:
إِذَا اجْتَمَعَا فِي نَصٍّ وَاحِدٍ: كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنًى يَخُصُّهُ؛ فَيُفَسَّرُ الْإِسْلَامُ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَالْإِيمَانُ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ (3). وَالدَّلِيلُ حَدِيثُ جِبْرِيلَ حِينَ سَأَلَ عَنِ الْإِسْلَامِ فَأُجِيبَ بِالْأَرْكَانِ الْخَمْسِ، وَعَنِ الْإِيمَانِ فَأُجِيبَ بِأَرْكَانِ الْعَقِيدَةِ السِّتِّ (4).
إِذَا افْتَرَقَا (أَيْ ذُكِرَ أَحَدُهُمَا مُفْرَداً): شَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ؛ فَالْمُسْلِمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ هُوَ الْمُؤْمِنُ، وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الْمُسْلِمُ (5). لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فَالْإِسْلَامُ هُنَا يَشْمَلُ الْإِيمَانَ ضَرُورَةً (6).
[ثَالِثًا: مَرَاتِبُ الدِّينِ وَتَفَاضُلُ أَهْلِهَا]
قُلْتُ (الْبَاحِثُ أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ الدِّينَ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ؛ فَكُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ مُؤْمِناً (7).
مَرْتَبَةُ الْإِسْلَامِ: وَهِيَ دَائِرَةُ الِانْتِسَابِ الظَّاهِرِ الَّتِي تَعْصِمُ الدَّمَ، وَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهَا ضَعِيفَ الْيَقِينِ (8). لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (9).
مَرْتَبَةُ الْإِيمَانِ: وَهِيَ أَخَصُّ، لَا يَنَالُهَا إِلَّا مَنْ وَقَرَ الْيَقِينُ فِي قَلْبِهِ وَانْبَعَثَتْ جَوَارِحُهُ لِلْكَمَالِ (10).
مَرْتَبَةُ الْإِحْسَانِ: وَهِيَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَهِيَ "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ" (11).
[رَابِعًا: نَفْيُ الْإِيمَانِ عَنِ الْمُسْلِمِ (تَحْقِيقُ الْقَوْلِ)]
إِذَا نَفَى اللهُ أَوْ رَسُولُهُ الْإِيمَانَ عَنْ شَخْصٍ مَعَ بَقَاءِ إِسْلَامِهِ، فَالْمَقْصُودُ نَفْيُ (الْكَمَالِ الْوَاجِبِ) لَا نَفْيُ (أَصْلِ الدِّينِ) (12). كَقَوْلِهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» (13). فَنَفْيُ الْإِيمَانِ هُنَا لِزَجْرِ الْعَاصِي، لَا لِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمِلَّةِ، وَهَذَا مِمَّا غَلِطَ فِيهِ الْخَوَارِجُ حَيْثُ جَعَلُوا نَفْيَ الْكَمَالِ نَفْياً لِلْأَصْلِ (14). وَالْخُلَاصَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَالْقِشْرِ وَالْإِيمَانَ كَاللُّبِّ، وَلَا قِوَامَ لِأَحَدِهِمَا إِلَّا بِالْآخَرِ فِي مَقَامِ الْقَبُولِ (15).
[حَاشِيَةُ ]_____________
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (7)، ص (263).
(2) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (338).
(3) هَذَا مَا قَرَّرَهُ الْبَغَوِيُّ فِي "شَرْحِ السُّنَّةِ"، ج (1)، ص (49).
(4) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (8) مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
(5) يُنْظَرُ: ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ، "جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ"، ج (1)، ص (123).
(6) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ (85).
(7) قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): هَذِهِ الْعِبَارَةُ هِيَ مِيزَانُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ (الْمُؤْمِنِ الْمُطْلَقِ) وَ(مُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ).
(8) يُنْظَرُ: "الْإِيمَانُ" لِابْنِ مَنْدَه، ج (1)، ص (332).
(9) سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، الْآيَةُ (14).
(10) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْحُجُرَاتِ الْمَذْكُورَةِ.
(11) كَمَا فِي تَمَامِ حَدِيثِ جِبْرِيلَ السَّابِقِ.
(12) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ج (1)، ص (175).
(13) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (6016) عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ.
(14) يُنْظَرُ: "دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"، ج (1)، ص (244) لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
__________________________________________________________________________________ ١٢٩
[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: نَوَاقِضُ الْإِيمَانِ - التَّأْصِيلُ وَالْعَرْضُ الْإِجْمَالِيُّ] (ص: 130)
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مُفْرَدَةِ (النَّاقِضِ) لُغَةً وَحَدّاً]
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ (النَّقْضِ)، وَأَصْلُ مَادَّتِهِ (نَقَضَ) تَدُلُّ عَلَى انْتِكَاثِ مَا كَانَ مُبْرَماً (1).
قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "النُّونُ وَالْقَافُ وَالضَّادُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ كَسْرُ الشَّيْءِ مِنْ عَقْدٍ أَوْ بِنَاءٍ" (2).
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: "هُوَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ، يَعْرِضُ لِلْإِيمَانِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ، فَيَزُولُ بِهِ عَقْدُهُ، وَيَنْتَفِي مَعَهُ حُكْمُهُ" (3).
[ثَانِيًا: تَحْرِيرُ مُفْرَدَةِ (الْإِيمَانِ) لُغَةً وَحَدّاً]
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ (الْأَمْنِ)، وَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَسُكُونُهُ (4).
: مُشْتَقٌّ مِنَ (الْأَمْنِ)، وَهُوَ طُمَأْنِينَةُ الْقَلْبِ وَسُكُونُهُ .
وَيَتَعَدَّى بِالْبَاءِ لِمَعْنَى التَّصْدِيقِ، وَبِاللَّامِ لِمَعْنَى الِانْقِيَادِ وَالْخُضُوعِ .
وَالْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ أَخَصُّ مِنَ التَّصْدِيقِ، إِذْ هُوَ تَصْدِيقٌ مَعَهُ أَمْنٌ وَأَمَانَةٌ .
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: "هُوَ قَوْلُ اللِّسَانِ، وَاعْتِقَادُ الْجَنَانِ، وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ؛ يَزِيدُ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَنْقُصُ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ"
التَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ: هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً...»، فَمَا كَانَ ذَا شُعَبٍ فَإِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِزَوَالِ أَصْلِهِ .
[ثَالِثًا: حَقِيقَةُ النَّاقِضِ وَعَلَاقَتُهُ بِأَصْلِ الدِّينِ]
قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): إِنَّ النَّاقِضَ لَا يَعْرِضُ لِلْإِيمَانِ إِلَّا لِيَقْلَعَهُ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةُ (تَضَادٍّ كُلِّيٍّ) (7).
فَالْإِيمَانُ بِنَاءٌ أَعْظَمُ أَرْكَانِهِ "التَّوْحِيدُ"، وَالنَّاقِضُ هُوَ مِعْوَلُ هَدْمِ هَذَا الْأَسَاسِ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ صِحَّةُ الْإِسْلَامِ (8).
[رَابِعًا: أُمَّهَاتُ النَّوَاقِضِ (التَّصْنِيفُ النَّوْعِيُّ)]
تَتَنَوَّعُ النَّوَاقِضُ بِحَسَبِ مَكَانِ صُدُورِهَا إِلَى صُوَرٍ كُبْرَى (9):
1▪︎ نَوَاقِضُ اعْتِقَادِيَّةٌ: كَالشَّكِّ فِي اللهِ أَوْ تَفْضِيلِ حُكْمِ الْبَشَرِ.
2▪︎نَوَاقِضُ قَوْلِيَّةٌ: كَسَبِّ اللهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ دُعَاءِ غَيْرِ اللهِ.
3▪︎ نَوَاقِضُ عَمَلِيَّةٌ: كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ السِّحْرِ أَوْ مُظَاهَرَةِ الْكُفَّارِ.
[خَامِسًا: سَرْدُ النَّوَاقِضِ الْعَشَرَةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا] وَهِيَ الَّتِي حَصَرَهَا أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ لِأَهَمِّيَّتِهَا وَخُطُورَةِ وُقُوعِهَا (10):
إِنَّ النَّوَاقِضَ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ أَخْطَرَهَا مَا اجْتَمَعَ فِي "عَشَرَةِ نَوَاقِضَ" اشْتُهِرَتْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ :
1▪︎الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ: وَهُوَ صَرْفُ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، كَالذَّبْحِ وَالنَّذْرِ لِلْأَمْوَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾.
2▪︎جَعْلُ وَسَائِطَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ: يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَهَذَا كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ (
3▪︎عَدَمُ تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِمْ: لِأَنَّ مَنْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمُ الْمُخَالِفَ لِلْإِسْلَامِ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ
4▪︎الِاعْتِقَادُ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ: كَمَنْ يُفَضِّلُ حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ وَالْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةِ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ
5▪︎بُغْضُ شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: وَلَوْ عَمِلَ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
6▪︎الِاسْتِهْزَاءُ بِاللَّهِ أَوْ رَسُولِهِ أَوْ دِينِهِ: وَهُوَ نَاقِضٌ قَطْعِيٌّ وَلَوْ كَانَ مَازِحاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
7▪︎السِّحْرُ بِأَنْوَاعِهِ (الصَّرْفُ وَالْعَطْفُ): وَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ كَفَرَ .
8▪︎مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: وَهِيَ التَّوَلِّي الْكُلِّيُّ .
9▪︎الِاعْتِقَادُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: كَمَا وَسِعَ الْخَضِرُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى .
10▪︎الْإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللَّهِ: لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ، وَالْمَقْصُودُ الْإِعْرَاضُ عَنْ أَصْلِ الدِّينِ .
[سَادِسًا: ضَوَابِطُ تَنْزِيلِ النَّوَاقِضِ]
إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ هَذَا (نَاقِضٌ) شَيْءٌ، وَالْحُكْمَ عَلَى الْفَاعِلِ بِأَنَّهُ (كَافِرٌ) شَيْءٌ آخَرُ. فَلَا يُنَزَّلُ النَّاقِضُ عَلَى الْمُعَيَّنِ إِلَّا بَعْدَ اِسْتِيفَاءِ
1▪︎ (الشُّرُوطِ): مِنَ الْعِلْمِ وَالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالْقَصْدِ
2▪︎ وَانْتِفَاءِ (الْمَوَانِعِ): مِنَ الْجَهْلِ وَالْخَطَأِ وَالْإِكْرَاهِ وَالتَّأْوِيلِ السَّائِغِ (11).
قُلْتُ ( أَبُو أَنَسٍ): قال شيخ الإسلام ِ: نَّ النَّاقِضَ لَا يَعْرِضُ لِلْإِيمَانِ إِلَّا لِيَقْلَعَهُ مِنْ جُذُورِهِ، فَالْعَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا عَلَاقَةُ (تَضَادٍّ كُلِّيٍّ) . فَالْإِيمَانُ بِنَاءٌ أَعْظَمُ شُرُوطِهِ "التَّوْحِيدُ"، وَالنَّاقِضُ مِعْوَلُ هَدْمٍ يَسْتَهْدِفُ هَذَا الْأَسَاسَ (12).
وَتَكْمُنُ الْخُطُورَةُ فِي أَنَّ النَّاقِضَ يُسْقِطُ الْعِصْمَةَ الثَّابِتَةَ بِالْإِسْلَامِ، وَيُحْبِطُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ، وَيُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إِنْ مَاتَ عَلَيْهِ (13).
[حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّأْصِيلِ ]
(1) يُنْظَرُ: الْجَوْهَرِيُّ، "الصِّحَاحُ"، مَادَّةُ (ن ق ض).
(2) ابْنُ فَارِسٍ، "مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ"، ج (5)، ص (467).
(3) يُنْظَرُ: "نَوَاقِضُ الْإِيمَانِ" لِلْوَهَيْبِيِّ، ص (25).
(4) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، ج (13)، ص (21).
(5) يُنْظَرُ: "كِتَابُ الْإِيمَانِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص (13).
(6) يُنْظَرُ: "شَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ" لِلَّالَكَائِيِّ، ج (5)، ص (820).
(7) قُلْتُ (أَبُو أَنَسٍ): التَّضَادُّ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَنَاقِضِهِ كَالنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ.
(8) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، ص (32).
(9) يُنْظَرُ: "الْمَوْسُوعَةُ الْعَقَدِيَّةُ"، ج (1)، ص (442).
(10) هَذِهِ النَّوَاقِضُ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، يُنْظَرُ: "مُؤَلَّفَاتُ الشَّيْخِ"، ج (1)، ص (385).
______________________ 130_________________
[الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ - التَّأْصِيلُ وَالنَّشْأَةُ]
(ص: 131)
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مُفْرَدَةِ الشِّرْكِ لُغَةً]
الِاشْتِقَاقُ وَالْمَادَّةُ: أَصْلُ مَادَّةِ (شَرِكَ) تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِلَاطِ وَالتَّسَاوِي فِي حَقٍّ مَّا (1).
يُقَالُ: شَرِكْتُ فُلَانًا فِي مَالِهِ إِذَا صِرْتَ لَهُ شَرِيكًا، وَأَشْرَكْتُ فُلَانًا فِي الْأَمْرِ إِذَا جَعَلْتَهُ دَاخِلًا فِيهِ مَعَكَ (2).
الْمَعْنَى الْوَضْعِيُّ: الشِّرْكُ فِي اللُّغَةِ يَعْنِي التَّسْوِيَةَ وَالتَّنْدِيدَ، وَهُوَ أَنْ يُجْعَلَ لِلْوَاحِدِ شَرِيكٌ فِيمَا كَانَ مُنْفَرِدًا بِهِ (3).
وَمِنْهُ "الشِّرَاكُ" فِي النَّعْلِ لِأَنَّهُ يُشَارِكُ الْقَدَمَ فِي الثَّبَاتِ، وَ"الشَّرَكَةُ" فِي الْمِلْكِ لِأَنَّهَا خَلْطُ مِلْكَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَمْتَازُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ (4).
[ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ وَالتَّأْصِيلُ الشَّرْعِيُّ]
الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: قُلْتُ: الشِّرْكُ هُوَ تَسْوِيَةُ غَيْرِ اللهِ بِاللهِ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِ اللهِ (5).
وَخَصَائِصُ اللهِ ثَلَاثَةٌ: رُبُوبِيَّتُهُ، وَأُلُوهِيَّتُهُ، وَأَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ. فَكُلُّ مَنْ سَوَّى مَخْلُوقًا بِالْخَالِقِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِّ الشِّرْكِ (6).
التَّأْصِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: مَدَارُ التَّأْصِيلِ عَلَى "التَّنْدِيدِ"؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22]. فَالنِّدُّ هُوَ النَّظِيرُ الْمُسَاوِي، فَمَنْ صَرَفَ جُزْءًا مِنَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدًّا لَهُ (7).
[ثَالِثًا: مَكَانَةُ هَذَا النَّاقِضِ وَخُطُورَتُهُ عَلَى الْإِيمَانِ]
قُلْتُ: إِنَّ الشِّرْكَ هُوَ نَقِيضُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" نَقِيضًا كُلِّيًّا، فَهُوَ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللهُ بِهِ (8).
وَخُطُورَتُهُ تَتَجَلَّى فِي أُمُورٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ يَسْلُبُ الْعَبْدَ مَوْصُوفَ الْإِيمَانِ، فَيَنْتَقِلُ بِهِ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ (9).
ثَانِيهَا: أَنَّهُ يُوجِبُ حُبُوطَ الْعَمَلِ كُلِّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65].
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ يَقْطَعُ الرَّجَاءَ فِي الْمَغْفِرَةِ لِمَنْ مَاتَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48].
رَابِعُهَا: أَنَّهُ يُوجِبُ الْخُلُودَ الْأَبَدِيَّ فِي النَّارِ، وَتَحْرِيمَ الْجَنَّةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72] (10).
[رَابِعًا: تَارِيخُ الشِّرْكِ وَأَوَّلُ وُقُوعِهِ فِي الْبَشَرِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْبَشَرِيَّةِ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَإِنَّ الشِّرْكَ طَارِئٌ عَلَى الْفِطْرَةِ (11).
وَدَلِيلِي عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- حَيْثُ قَالَ: "كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ (أَيْ عَلَى التَّوْحِيدِ الصَّافِي)" (12).
نَشْأَةُ الِانْحِرَافِ: بَدَأَ الشِّرْكُ يَتَسَلَّلُ إِلَى النُّفُوسِ عَنْ طَرِيقِ "الْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ" بَعْدَ مُرُورِ هَذِهِ الْعُصُورِ (13).
قِصَّةُ قَوْمِ نُوحٍ: لَمَّا مَاتَ رِجَالٌ صَالِحُونَ فِي قَوْمِ نُوحٍ، حَزِنَ النَّاسُ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، فَجَاءَهُمُ الشَّيْطَانُ وَسَوَّلَ لَهُمْ أَنْ يَصْنَعُوا لَهُمْ تَصَاوِيرَ وَأَصْنَامًا لِيَتَذَكَّرُوا عِبَادَتَهُمْ (14).
أَسْمَاءُ الصَّالِحِينَ الَّذِينَ عُبِدُوا: قُلْتُ: هُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللهُ: (وَدًّا، وَسُوَاعًا، وَيَغُوثَ، وَيَعُوقَ، وَنَسْرًا) (15).
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ بَشَرٍ صَالِحِينَ، صَارَتْ أَسْمَاءَ أَوْثَانٍ تُعْبَدُ بِسَبَبِ نِقَاطِ الضَّعْفِ الْبَشَرِيِّ وَتَلْبِيسِ إِبْلِيسَ (16).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ فَارِسٍ، "مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ"، ج (3)، ص (265).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، ج (10)، ص (448).
(3) يُنْظَرُ: الْجَوْهَرِيُّ، "الصِّحَاحُ"، مَادَّةُ (ش ر ك).
(4) يُنْظَرُ: الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، "الْمُفْرَدَاتُ"، ص (259).
(5) قُلْتُ: هَذَا الْحَدُّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ.
(6) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (1)، ص (88).
(7) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْبَقَرَةِ (22).
(8) قُلْتُ: لِذَا كَانَ الشِّرْكُ هُوَ الْمُحْبِطُ لِلْإِيمَانِ نَقْضًا لِأَصْلِهِ.
(9) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْمَجِيدِ" لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ص (35).
(10) سُورَةُ الْمَائِدَةِ، الْآيَةُ (72).
(11) قُلْتُ: لِحَدِيثِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1385).
(12) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" (14/357)، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" (2/546).
(13) يُنْظَرُ: "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (2)، ص (210).
(14) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (4920) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ نُوحٍ.
(15) سُورَةُ نُوحٍ، الْآيَةُ (23).
_________________________________________________________________________ ١٣١___
[الْمُتَمِّمَةُ الْأُولَى - الْجُزْءُ الثَّانِي: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ - أَنْوَاعُهُ وَمُقْتَضَيَاتُهُ]
(ص: 132)
[أَوَّلاً: تَأْصِيلُ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ (الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ)]
- الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ: هُوَ مَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَيُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ، وَهُوَ صَرْفُ خَالِصِ حَقِّ اللهِ لِغَيْرِهِ (1).
- قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "إِنَّ أَصْلَهُ أَنْ يَعْدِلَ بِاللهِ غَيْرَهُ فِيمَا هُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ" (2).
- الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: هُوَ مَا سَمَّاهُ الشَّرْعُ شِرْكاً وَلَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْخُرُوجِ مِنَ الدِّينِ، كَيَسِيرِ الرِّيَاءِ، وَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيمٍ يُسَاوِي تَعْظِيمَ الرَّبِّ (3).
- قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "إِنَّهُ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّهُ أَكْبَرُ مِنَ الْكَبَائِرِ" (4).
[ثَانِيًا: مَجَالَاتُ وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ]
يَتَجَلَّى هَذَا النَّاقِضُ فِي أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ رَئِيسَةٍ تَجِبُ مَعْرِفَتُهَا لِاتِّقَائِهَا (5):
- شِرْكُ الدُّعَاءِ: وَهُوَ أَعْظَمُهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ» (6).
- فَمَنْ دَعَا مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ.
- شِرْكُ النِّيَّةِ وَالْإِرَادَةِ: قُلْتُ: أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعِبَادَةِ كُلِّهَا الدُّنْيَا أَوْ رِضَا الْبَشَرِ، وَهَذَا بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ (7).
- شِرْكُ الطَّاعَةِ: قُلْتُ: وَهُوَ اتِّبَاعُ الْعُلَمَاءِ أَوِ الْأُمَرَاءِ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَوْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ (8).
- شِرْكُ الْمَحَبَّةِ: قُلْتُ: أَنْ يُحِبَّ مَخْلُوقاً كَمَحَبَّةِ اللهِ، أَيْ مَحَبَّةَ ذُلٍّ وَخُضُوعٍ وَتَعْظِيمٍ (9).
[ثَالِثًا: تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ الشِّرْكِ وَالتَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ]
يَخْلِطُ الضَّالُّونَ بَيْنَ الشِّرْكِ وَبَيْنَ التَّوَسُّلِ، فَيُسَمُّونَ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْأَمْوَاتِ تَوَسُّلاً (10).
وَأَقُولُ مُبَيِّناً: التَّوَسُّلُ الشَّرْعِيُّ يَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللهِ، أَوْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، أَوْ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْحَيِّ (11).
أَمَّا طَلَبُ الْحَاجَاتِ مِنَ الْمَقْبُورِينَ فَهُوَ الشِّرْكُ الَّذِي جَاءَ الرُّسُلُ لِإِبْطَالِهِ (12).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ وَآثَارِهِ]
قُلْتُ: إِنَّ مُقْتَضَى الْعِلْمِ بِهَذَا النَّاقِضِ هُوَ تَحْقِيقُ (الْبَرَاءَةِ) مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ (13).
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: "إِنَّ الشِّرْكَ يُطْلَقُ غَالِبًا عَلَى صَرْفِ الْعِبَادَةِ لِلصَّنَمِ أَوْ غَيْرِهِ مَعَ اعْتِقَادِ الْإِلَهِيَّةِ" فَإِذَا تَحَقَّقَ النَّاقِضُ بِشُرُوطِهِ، زَالَتِ الْعِصْمَةُ، وَوَجَبَ التَّحْذِيرُ مِنْ هَذَا الْمَسْلَكِ الْوَبِيلِ الَّذِي يَهْدِمُ بِنَاءَ التَّوْحِيدِ .(14)
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، ص (33).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (1)، ص (88).
(3) يُنْظَرُ: "أَعْلَامُ السَّنَّةِ الْمَنْشُورَةِ" لِلْحَكَمِيِّ، ص (125).
(4) يُنْظَرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ"، ج (1)، ص (112).
(5) هَذَا التَّقْسِيمُ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي "ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ".
(6) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (1479) وَالتِّرْمِذِيُّ (2969) وَصَحَّحَهُ.
(7) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "الْجَوَابُ الْكَافِي"، ص (115).
(8) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 31].
(9) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْبَقَرَةِ (165).
(10) قُلْتُ: هَذَا مِنْ قَبِيلِ "تَسْمِيَةِ الْأَشْيَاءِ بِغَيْرِ أَسْمَائِهَا" لِتَلْبِيسِ الْبَاطِلِ.
(11) يُنْظَرُ: "التَّوَسُّلُ أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ" لِلْأَلْبَانِيِّ، ص (15).
(12) يُنْظَرُ: "كَشْفُ الشُّبُهَاتِ" لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(13) قُلْتُ: الْبَرَاءَةُ رُكْنُ التَّوْحِيدِ الثَّانِي بَعْدَ الْإِثْبَاتِ.
(14) يُنْظَرُ: ابْنُ حَجَرٍ، "فَتْحُ الْبَارِي"، ج (12)، ص (301).
______________________________ ١٣٢________________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: جَعْلُ الْوَسَائِطِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ - التَّحْرِيرُ وَالتَّقْسِيمُ]
(ص: 133)
[أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ الِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ]
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الْوَسِيطُ وَالْوَاسِطَةُ مِنَ الْوَسَطِ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ بَيْنَ طَرَفَيْنِ مُتَبَاعِدَيْنِ لِيَحْصُلَ الِاتِّصَالُ بَيْنَهُمَا (1). وَيُقَالُ: وَسَطَ الْقَوْمَ إِذَا تَوَسَّطَهُمْ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إِلَى أَمْرٍ مَّا، فَالتَّوَسُّطُ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ يَحْمِلُ مَعْنَى "الْبَيْنِيَّةِ" وَ"الذَّرِيعَةِ" (2).
الْحَدُّ : قُلْتُ: هُوَ إِثْبَاتُ بَيْنِيَّةٍ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ، بِحَيْثُ يُعْتَقَدُ أَنَّ اللهَ لَا يُنِيلُ خَيْرَهُ أَوْ لَا يَسْمَعُ طَلَبَ عَبْدِهِ إِلَّا عَنْ طَرِيقِ هَذِهِ الْبَيْنِيَّةِ (3).
[ثَانِيًا: مَفْهُومُ الْوَسَاطَةِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ]
قُلْتُ: يَتَبَايَنُ النَّظَرُ لِلْوَسَاطَةِ بِحَسَبِ الِاعْتِقَادِ؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَرَوْنَ الْوَسَاطَةَ "بَلَاغِيَّةً" تَعْلِيمِيَّةً فَقَطْ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَيَمْنَعُونَهَا فِي أَمْرِ الْعِبَادَةِ وَالطَّلَبِ (4).
أَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، فَقَدْ جَعَلُوا الْوَسَاطَةَ "جَاهِيَّةً" تَقْرِيبِيَّةً، فَشَبَّهُوا اللهَ بِالْمُلُوكِ الَّذِينَ لَا يُوصَلُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِالْحُجَّابِ وَالْوَزَرَاءِ (5).
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنِ اتَّخَذَ الْوَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ كَالْحُجَّابِ الَّذِينَ بَيْنَ الْمَلِكِ وَالرَّعِيَّةِ، بِحَيْثُ يَرْفَعُونَ إِلَى اللهِ حَوَائِجَ خَلْقِهِ، فَقَدْ شَبَّهَ اللهَ بِخَلْقِهِ وَوَقَعَ فِي الشِّرْكِ" (6).
[ثَالِثًا: تَقْسِيمُ الْوَسَائِطِ (الْكَوْنِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ)]
الْوَسَاطَةُ الْكَوْنِيَّةُ: هِيَ الَّتِي جَعَلَهَا اللهُ أَسْبَاباً فِي الْكَوْنِ لِحِكْمَةٍ، كَالْمَلَائِكَةِ الْمُوَكَّلِينَ بِالْقَطْرِ أَوْ الْأَرْزَاقِ، فَهُمْ وَسَائِطُ تَنْفِيذٍ لِأَمْرِ اللهِ (7).
وَكَذَلِكَ الْأَسْبَابُ الْمَادِّيَّةُ كَالطَّعَامِ لِلشَّبَعِ، فَهِيَ وَسَائِطُ كَوْنِيَّةٌ يُؤْمَنُ بِأَنَّ مُسَبِّبَهَا هُوَ اللهُ وَحْدَهُ (8).
الْوَسَاطَةُ الشَّرْعِيَّةُ: هِيَ وَسَاطَةُ "الْبَلَاغِ"، وَأَعْظَمُ صُوَرِهَا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ لِيَعْمَلَ بِهِ وَيُبَلِّغَهُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ قَبْلَهُ، أَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ مَنْ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمٍ كُفَّارٍ مُخَالِفِينَ لِيُبَلِّغَهُمْ رِسَالَةً مُسْتَقِلَّةً أَوْ نَاسِخَةً (9).
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَسَائِطُ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي إِبْلَاغِ دِينِهِ، فَمَنْ جَحَدَ هَذِهِ الْوَسَاطَةَ كَفَرَ" (10).
[رَابِعًا: الْوَسَائِطُ (الْمَخْلُوقَةُ وَغَيْرُ الْمَخْلُوقَةِ)]
قُلْتُ: تَنْقَسِمُ الْوَسَاطَةُ الشَّرْعِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الذَّاتِ إِلَى:
وَسَاطَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ: وَهُوَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ (كَلَامُ اللهِ)، فَهُوَ الْوَاسِطَةُ الْعُظْمَى فِي مَعْرِفَةِ اللهِ وَالْوُصُولِ إِلَى رِضَاهُ، وَهُوَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى (11).
وَسَاطَةٌ مَخْلُوقَةٌ: كَالرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ، وَالْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، فَهُمْ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ، لَا يَمْلِكُونَ مَعَ اللهِ شَيْئاً، وَإِنَّمَا شَرَّفَهُمُ اللهُ بِالْوَحْيِ وَالسِّفَارَةِ (12).
[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ]
قُلْتُ: إِنَّ مُقْتَضَى الْعِلْمِ بِهَذَا النَّاقِضِ هُوَ إِفْرَادُ اللهِ بِـ (الْوَسِيلَةِ الْعُظْمَى) وَهِيَ دُعَاؤُهُ وَحْدَهُ (13).
فَالنَّاقِضُ يَقَعُ حِينَ تَتَحَوَّلُ الْوَسَاطَةُ مِنْ (بَلَاغِيَّةٍ) إِلَى (تَأْلِيهِيَّةٍ).
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: "الْمُشْرِكُونَ لَمْ يَعْبُدُوا الْأَصْنَامَ إِلَّا لِتُقَرِّبَهُمْ إِلَى اللهِ زُلْفَى، فَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ هِيَ جَوْهَرُ شِرْكِهِمْ" (14). لِذَا، فَإِنَّ طَالِبَ الْحَقِّ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ وَاسِطَةٌ فِي (كَيْفَ نَعْبُدُ اللهَ؟)، لَا (مَعَ مَنْ نَدْعُو اللهَ؟) (15).
_________________[ حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ ]_____________
(1) يُنْظَرُ: الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، "الْمُفْرَدَاتُ"، ص (522).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، ج (7)، ص (426).
(3) قُلْتُ: هَذَا الْحَدُّ يَخْرُجُ بِهِ مَنْ طَلَبَ مِنَ الْحَيِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
(4) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، ص (220).
(5) قُلْتُ: هَذَا الْقِيَاسُ هُوَ أَسَاسُ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْثِيلِ مَعاً.
(6) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (1)، ص (125).
(7) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (334).
(8) قُلْتُ: رَبْطُ الْأَسْبَابِ بِمُسَبِّبِهَا هُوَ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ الْكَوْنِيِّ.
(9) يُنْظَرُ: "رِسَالَةُ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(10) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "شَرْحُ ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ"، ص (45).
(11) قُلْتُ: كَوْنُ الْقُرْآنِ وَاسِطَةً لَا يَعْنِي انْفِصَالَهُ عَنِ الذَّاتِ بَلْ هُوَ كَلَامُهُ.
(12) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْمَجِيدِ" لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ص (18).
(13) قُلْتُ: لِأَنَّ "الْوَسِيلَةَ" فِي الْقُرْآنِ هِيَ الْقُرْبَةُ بِالطَّاعَةِ.
(14) ابْنُ حَجَرٍ، "فَتْحُ الْبَارِي"، ج (12)، ص (301).
_____________________________________________ 133________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: تَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي بَيَانِ زَيْفِ الْوَسَائِطِ الْبِدْعِيَّةِ]
(ص: 134)
[أَوَّلاً: جِذُورُ الِانْحِرَافِ فِي الْوَسَاطَةِ الْبِدْعِيَّةِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْوَسَاطَةَ الْبِدْعِيَّةَ تَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ مُظْلِمَيْنِ: (الْغُلُوُّ فِي الذَّوَاتِ) وَ(الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ الصِّفَاتِ) (1).
فَالْمُتَّخِذُ لِلْوَاسِطَةِ لَمْ يَتَّخِذْهَا إِلَّا لِتَوَهُّمِهِ نَقْصاً فِي تَدْبِيرِ الرَّبِّ أَوْ بُعْداً فِي رَحْمَتِهِ، فَجَعَلَ "الْمَقْبُورَ" قَنْطَرَةً يَزْعُمُ أَنَّهَا تُقَرِّبُ الْبَعِيدَ (2).
وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ مَحْضُ الِافْتِرَاءِ الَّذِي جَاءَ الْقُرْآنُ لِاسْتِئْصَالِهِ، حَيْثُ حَصَرَ الْوَسَاطَةَ فِي "الْبَلَاغِ" فَقَطْ، وَمَنَعَهَا فِي "الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ" (3).
[ثَانِيًا: التَّفْنِيدُ الْعَمِيقُ لِشُبْهَةِ "الْقِيَاسِ عَلَى مَرَاتِبِ الدُّنْيَا"]
قُلْتُ: هَذِهِ الشُّبْهَةُ هِيَ "أُمُّ الضَّلَالَاتِ"؛ حَيْثُ قَاسُوا الْخَالِقَ بِالْمَخْلُوقِ.
وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِتَحْقِيقٍ دَقِيقٍ: إِنَّ الْحَاجِبَ عِنْدَ الْمَلِكِ يُؤَدِّي وَظَائِفَ ثَلَاثاً تَنْتَفِي فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى (4):
إِعْلَامُ الْمَلِكِ بِمَا جَهِلَهُ: وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فَانْتَفَتْ حَاجَةُ "الْإِعْلَامِ" (5).
إِعَانَةُ الْمَلِكِ لِعَجْزِهِ: وَاللهُ هُوَ الْقَوِيُّ الْقَدِيرُ، يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، فَانْتَفَتْ حَاجَةُ "الْإِعَانَةِ" (6).
التَّشَفُّعُ عِنْدَ الْمَلِكِ لِبُخْلِهِ: وَاللهُ هُوَ الْأَكْرَمُ، رَحْمَتُهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وَعَطَاؤُهُ لَا يَنْقَطِعُ، فَانْتَفَتْ حَاجَةُ "الِاسْتِعْطَافِ" (7).
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنْ أَثْبَتَ وَاسِطَةً بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ يُعْلِمُهُ بِأَحْوَالِهِمْ، أَوْ يُعِينُهُ عَلَى رِزْقِهِمْ، أَوْ يَسْتَعْطِفُهُ لَهُمْ، فَقَدْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدّاً، وَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ" (8).
[ثَالِثًا: الرَّدُّ الْمُحَقَّقُ عَلَى شُبْهَةِ "الْجَاهِ وَالْمَكَانَةِ"]
قُلْتُ: يَزْعُمُونَ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ تَمْنَعُهُمْ مِنَ الدُّعَاءِ الْمُبَاشِرِ، فَيَتَوَسَّلُونَ بِجَاهِ الْوَلِيِّ (9).
وَأَقُولُ مُفَنِّداً: هَذَا تَلْبِيسٌ شَيْطَانِيٌّ؛ لِأَنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُذْنِبِينَ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْبَحْثِ عَنْ "سَمَاسِرَةٍ" لِلْعِبَادَةِ (10).
ثُمَّ إِنَّ جَاهَ الصَّالِحِ عِنْدَ اللهِ ثَوَابٌ لَهُ، وَلَيْسَ مِلْكاً لَكَ تَقْضِي بِهِ حَاجَتَكَ (11).
قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "التَّوَسُّلُ بِذَاتِ فُلَانٍ أَوْ جَاهِهِ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ جَاهَ غَيْرِكَ لَا يَنْفَعُكَ، وَإِنَّمَا يَنْفَعُكَ عَمَلُكَ أَنْتَ، فَإِذَا صَرَفْتَ لَهُ الْعِبَادَةَ كَفَرْتَ" (12).
[رَابِعًا: تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ "الْوَاسِطَةِ" وَ"السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ"]
قُلْتُ: يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ (الْمُؤَثِّرُ) بِـ (السَّبَبِ)؛ فَالدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ حَالِ حَيَاتِهِ سَبَبٌ شَرَّعَهُ اللهُ، أَمَّا جَعْلُهُ وَاسِطَةً بَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ نَاقِضٌ عَقَدِيٌّ (13).
فَالْوَسَاطَةُ الْبِدْعِيَّةُ هِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْقَلْبَ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى اللهِ إِلَى الِاعْتِمَادِ عَلَى "الْوَاسِطَةِ"، وَهَذَا هُوَ التَّنْدِيدُ (14).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الْمُشْرِكُ يَتَعَلَّقُ بِالْوَاسِطَةِ لِيَنْدَفِعَ عَنْهُ الضَّرَرُ، وَالْمُوَحِّدُ يَتَعَلَّقُ بِاللهِ، فَإِنْ ذَكَرَ الرَّسُولَ ذَكَرَهُ مُبَلِّغاً لَا رَبّاً مَدْعُوّاً" (15).
[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ مِنَ الْوَسَائِطِ]
قُلْتُ: إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ (تَحْقِيقُ الْفَقْرِ إِلَى اللهِ)، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَحْجُبُهُ عَنْ عَبْدِهِ حِجَابٌ (16).
فَمَنْ حَطَّ رِحَالَهُ بِبَابِ الْوَسَائِطِ فَقَدْ ضَلَّ سَعْيُهُ، وَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى اللهِ بِقَلْبِهِ كَفَاهُ كُلَّ وَاسِطَةٍ (17).
وَبِهَذَا يَتِمُّ تَمْحِيصُ التَّوْحِيدِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَيَسْلَمُ الْإِيمَانُ مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِهِ (18).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (210).
(2) قُلْتُ: الِاعْتِقَادُ فِي الْمَقْبُورِينَ هُوَ الْمِعْوَلُ الَّذِي هَدَمَ تَوْحِيدَ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(3) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْأَعْرَافِ (197).
(4) هَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي رِسَالَةِ "الْوَاسِطَةِ".
(5) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59].
(6) يُنْظَرُ: "الْعَقِيدَةُ التَّدْمُرِيَّةُ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص (45).
(7) قُلْتُ: الْكَرَمُ الْإِلَهِيُّ يَنْفِي حَاجَةَ "الشَّفِيعِ الْمُسْتَعْطِفِ" دُونَ إِذْنِهِ.
(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (1)، ص (126).
(9) يُنْظَرُ: "كَشْفُ الشُّبُهَاتِ" لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(10) قُلْتُ: اللهُ اسْتَجَابَ لِإِبْلِيسَ لَمَّا دَعَاهُ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِ الْمُذْنِبِ؟
(11) يُنْظَرُ: "التَّوَسُّلُ أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ" لِلْأَلْبَانِيِّ، ص (38).
(12) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ"، ج (1)، ص (255).
(13) قُلْتُ: الْحَيُّ يُطْلَبُ مِنْهُ "الدُّعَاءُ" وَالْمَيِّتُ "يُدْعَى لَهُ" لَا "يُدْعَى مَعَ اللهِ".
(14) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْمَجِيدِ" لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ص (180).
(15) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ"، ج (1)، ص (330).
(16) قُلْتُ: الْفَقْرُ إِلَى اللهِ هُوَ عَيْنُ الْغِنَى عَنِ الْوَسَائِطِ.
(17) يُنْظَرُ: "كِتَابُ التَّوْحِيدِ" لِابْنِ خُزَيْمَةَ، ج (1)، ص (22).
___________________________ 134 __________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - الْجُزْءُ الثَّالثُ: التَّوَسُّلُ - حَقِيقَتُهُ، أَنْوَاعُهُ، وَأَحْكَامُهُ]
(ص: 135)
[أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلتَّوَسُّلِ]
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: التَّوَسُّلُ مِنَ (الْوَسِيلَةِ)، وَهِيَ الرَّغْبَةُ وَالْقُرْبَةُ. يُقَالُ: وَسَّلَ فُلَانٌ إِلَى رَبِّهِ وَسِيلَةً أَيْ عَمِلَ عَمَلًا تَقَرَّبَ بِهِ إِلَيْهِ (1).
فَالْمَادَّةُ تَدُورُ حَوْلَ "الْوُصُولِ إِلَى الْمَقْصُودِ بِرَغْبَةٍ وَمَحَبَّةٍ عَنْ طَرِيقِ مَا يُقَرِّبُ" (2).
الْحَدُّ : قُلْتُ: هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَاتِّبَاعِ أَنْبِيَائِهِ، وَبِكُلِّ عَمَلٍ يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، لِيَنَالَ الْعَبْدُ مَقْصُودَهُ دِينًا وَدُنْيَا (3).
[ثَانِيًا: أَنْوَاعُ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ (الْمَشْرُوعُ)]
قُلْتُ: التَّوَسُّلُ الشَّرْعِيُّ هُوَ مَا قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ لَا رَابِعَ لَهَا (4):
التَّوَسُّلُ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180].
كَأَنْ تَقُولَ: "اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" (5).
التَّوَسُّلُ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ: كَمَا فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْغَارِ الَّذِينَ تَوَسَّلُوا بِبِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَالْعِفَّةِ وَالْأَمَانَةِ (6).
التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ "الْحَيِّ": كَأَنْ تَطْلُبَ مِنْ شَيْخٍ حَيٍّ أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَكَ، كَمَا طَلَبَ الصَّحَابَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ (7).
[ثَالِثًا: التَّوَسُّلُ الْبِدْعِيُّ (الْمَمْنُوعُ) وَأَقْسَامُهُ]
قُلْتُ: هُوَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ، وَهُوَ مَزْلَقٌ خَطِيرٌ يَنْقَسِمُ إِلَى:
1▪︎ تَوَسُّلٌ بِدْعِيٌّ (لَيْسَ بِشِرْكٍ): كَالتَّوَسُّلِ بِجَاهِ النَّبِيِّ أَوْ حَقِّ فُلَانٍ، دُونَ دُعَائِهِمْ.
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "التَّوَسُّلُ بِذَاتِ الْمَخْلُوقِ أَوْ جَاهِهِ بِدْعَةٌ مُحْدَثَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا الصَّحَابَةُ" (8).
_ وَحُكْمُهُ: مَمْنُوعٌ وَذَرِيعَةٌ لِلشِّرْكِ (9).
2▪︎ تَوَسُّلٌ شِرْكِيٌّ (نَاقِضٌ): وَهُوَ جَوْهَرُ "الْمُتَمِّمَةِ الثَّانِيَةِ"، بِأَنْ يَدْعُوَ الْمَيِّتَ لِيَكُونَ وَاسِطَةً، أَوْ يَطْلُبَ مِنْهُ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ قَبْرِهِ (10).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ فَقَدْ شَبَّهَ اللهَ بِالْمُلُوكِ، وَهَذَا أَصْلُ شِرْكِ الْعَالَمِ" (11).
[رَابِعًا: الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ وَالتَّأْصِيلُ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ وَالْبِدْعِيِّ هُوَ "تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ"؛ فَالشَّرْعِيُّ تَعَلُّقٌ بِاللهِ، وَالْبِدْعِيُّ تَعَلُّقٌ بِالْمَخْلُوقِ (12).
الْحُكْمُ عَلَى التَّوَسُّلِ الشِّرْكِيِّ: قُلْتُ: هُوَ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ لِأَنَّهُ صَرْفٌ لِأَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ (الدُّعَاءِ) لِغَيْرِ اللهِ (13).
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: قُلْتُ: مَنِ ادَّعَى أَنَّ دُعَاءَهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِوَاسِطَةِ صَاحِبِ قَبْرٍ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل: 62].
وَقَدْ قُلْتُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْوَاجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَى اللهِ بِمَا شَرَعَ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ رَبَّهُ قَرِيبٌ لَا يَحْتَاجُ لِوَسِيطٍ يُذَكِّرُه "لذَا، فَمُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ الْهَجْرُ الْكُلِّيُّ لِمَسَالِكِ الْأُمَمِ الضَّالَّةِ فِي تَعْظِيمِ الْوَسَائِطِ، وَالْإِقْبَالُ عَلَى اللهِ بِالذُّلِّ وَالِافْتِقَارِ الْمُبَاشِرِ ( 14).
_________________ [ حَاشِيَةُ ]_______________________
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، ج (11)، ص (724).
(2) يُنْظَرُ: الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، "الْمُفْرَدَاتُ"، مَادَّةُ (و س ل).
(3) قُلْتُ: هَذَا الْحَدُّ يَشْمَلُ جَمِيعَ صُوَرِ التَّقَرُّبِ الْمَحْمُودَةِ.
(4) يُنْظَرُ: "التَّوَسُّلُ أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ" لِلْأَلْبَانِيِّ، ص (18).
(5) لِقَوْلِهِ ﷺ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (3524).
(6) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (2272) وَمُسْلِمٌ (2743).
(7) يُنْظَرُ: "صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ"، حَدِيثُ طَلَبِ الْأَعْرَابِيِّ لِلِاسْتِسْقَاءِ (1013).
(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (1)، ص (264).
(9) قُلْتُ: سَدُّ الذَّرَائِعِ يَقْتَضِي مَنْعَ مَا أَدَّى إِلَى الشِّرْكِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكاً فِي نَفْسِهِ.
(10) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْمَجِيدِ" لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، ص (160).
(11) ابْنُ الْقَيِّمِ، "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ"، ج (1)، ص (216).
(12) قُلْتُ: الرَّجَاءُ فِي اللهِ "إِيمَانٌ"، وَالرَّجَاءُ فِي الْوَسِيطِ "خِذْلَانٌ".
(13) يُنْظَرُ: "نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، النَّاقِضُ الثَّانِي.
(14) ابْنُ عُثَيْمِينَ، "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ"، ج (1)، ص (420).
__________________________________________ 135____________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ - الْجُزْءُ الرَّابِعُ: التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الصَّالِحِينَ وَتَفْنِيدُ شُبُهَاتِ الْمُبْطِلِينَ] (ص: 136)
[أَوَّلاً: شُرُوطُ التَّوَسُّلِ بِدُعَاءِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ] قُلْتُ:
(1)لَا يَكُونُ التَّوَسُّلُ بِدُعَاءِ الْغَيْرِ مَشْرُوعاً حَتَّى تَجْتَمِعَ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ضَابِطَةٍ (1):
(2)أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَسَّلُ بِدُعَائِهِ حَيّاً: فَلَا يَجُوزُ طَلَبُ الدُّعَاءِ مِنَ الْمَوْتَى لِانْقِطَاعِ عَمَلِهِمْ (2).
(3)أَنْ يَكُونَ حَاضِراً: أَيْ يَسْمَعُ الْكَلَامَ حَقِيقَةً أَوْ حُكْماً (كَالْمُكَالَمَةِ)، لَا أَنْ يُنَادَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ اعْتِقَاداً لِعِلْمِهِ بِالْغَيْبِ (3).
(4)أَنْ يَكُونَ قَادِراً: أَيْ يَكُونُ الطَّلَبُ مِمَّا يَقْدِرُ عَلَيْهِ الْمَخْلُوقُ مِنَ التَّوَجُّهِ لِلهِ بِالدُّعَاءِ (4).
(5)أَنْ يَعْتَقِدَ الطَّالِبُ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ هُوَ اللهُ: وَأَنَّ دُعَاءَ الصَّالِحِ مُجَرَّدُ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ (5).
[ثَانِيًا: الشَّاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ (تَوَسُّلُ عُمَرَ بِالْعَبَّاسِ)]
قُلْتُ: إِنَّ أَعْظَمَ دَلِيلٍ عَلَى مَنْعِ التَّوَسُّلِ بِالْمَوْتَى وَجَوَازِهِ بِالْأَحْيَاءِ هُوَ فِعْلُ الْفَارُوقِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حِينَ قَحَطُوا، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا ﷺ فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّنَا فَاسْقِنَا" (6).
وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: قُلْتُ: لَوْ كَانَ التَّوَسُّلُ بِجَاهِ الْمَيِّتِ أَوْ ذَاتِهِ مَشْرُوعاً، لَمَا عَدَلَ عُمَرَ وَالصَّحَابَةُ عَنِ التَّوَسُّلِ بِالنَّبِيِّ ﷺ -وَهُوَ أَفْضَلُ الْخَلْقِ جَاهاً- إِلَى التَّوَسُّلِ بِالْعَبَّاسِ (7).
فَعُدُولُهُمْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ "الْمَقْصُودَ" هُوَ دُعَاءُ الْعَبَّاسِ رَبَّهُ حَالَ حَيَاتِهِ، وَلَيْسَ ذَاتَهُ (8).
[ثَالِثًا: الرَّدُّ عَلَى الشُّبُهَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ]
قُلْتُ: تَمَسَّكَ أَهْلُ الْوَسَاطَةِ بِأَحَادِيثَ لَا تَثْبُتُ، وَأَنَا أُفَنِّدُهَا تَدْقِيقاً:
حَدِيثُ: (إِذَا أَعْيَتْكُمُ الْأُمُورُ فَعَلَيْكُمْ بِأَهْلِ الْقُبُورِ): هَذَا حَدِيثٌ مَكْذُوبٌ مُخْتَلَقٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ مَصْدَرُ الشِّرْكِ فِي الْأُمَّةِ (9).
حَدِيثُ: (تَوَسَّلُوا بِجَاهِي فَإِنَّ جَاهِي عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ): قُلْتُ: لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ، وَهُوَ مِمَّا وَضَعَهُ الطُّرُقِيَّةُ لِتَبْرِيرِ اسْتِغَاثَتِهِمْ (10).
حَدِيثُ ضَرِيرِ الْبَصَرِ: قُلْتُ: هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُمْ حَرَّفُوا مَعْنَاهُ؛ فَالضَّرِيرُ طَلَبَ "دُعَاءَ" النَّبِيِّ ﷺ لَهُ فِي حَيَاتِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ دَعَا لَهُ، فَكَانَ تَوَسُّلاً بِالدُّعَاءِ لَا بِالذَّاتِ (11).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ وَالرَّدُّ الْإِجْمَالِيُّ]
قُلْتُ: إِنَّ كُلَّ شُبْهَةٍ يُورِدُهَا الْمُبْطِلُونَ مَدَارُهَا عَلَى تَلْبِيسِ "الْوَسِيلَةِ" بِـ "الْوَاسِطَةِ" (12).
فَالْوَسِيلَةُ طَاعَةٌ، وَالْوَاسِطَةُ تَنْدِيدٌ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَسْبَابِ (الْوَسَائِطِ) شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَاباً نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ" (13).
فَالْمُقْتَضَى هُنَا هُوَ تَعْلِيقُ الْقَلْبِ بِمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ مَعَ سُلُوكِ مَا شَرَعَهُ مِنَ التَّوَسُّلِ بِالدُّعَاءِ الصَّالِحِ فِي حُدُودِهِ الشَّرْعِيَّةِ وَبِهَذَا نَخْتِمُ تَأْصِيلَ هَذَا النَّاقِضِ الْعَظِيمِ بِبَرَاءَةٍ تَامَّةٍ مِنْ شَوَائِبِ التَّنْدِيدِ .14
__________________________[حَاشِيَةُ ]_________________________
(1) يُنْظَرُ: "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (1)، ص (425).
(2) لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (1631).
(3) قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الِاسْتِغَاثَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالشِّرْكِيَّةِ.
(4) يُنْظَرُ: "التَّوَسُّلُ" لِلْأَلْبَانِيِّ، ص (60).
(5) قُلْتُ: الِالتِفَاتُ لِلسَّبَبِ بِالْكُلِّيَّةِ شِرْكٌ أَكْبَرُ.
(6) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" (1010).
(7) يُنْظَرُ: "فَتْحُ الْبَارِي" لِابْنِ حَجَرٍ، ج (2)، ص (494).
(8) قُلْتُ: قَوْلُ الْعَبَّاسِ: "قُمْ يَا عَبَّاسُ فَادْعُ اللهَ" دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوَسُّلَ بِدُعَائِهِ.
(9) قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "هَذَا الْحَدِيثُ كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ". يُنْظَرُ: "الْفَتَاوَى" (1/356).
(10) يُنْظَرُ: "السِّلْسِلَةُ الضَّعِيفَةُ" لِلْأَلْبَانِيِّ، رَقِمُ (22).
(11) يُنْظَرُ: تَحْقِيقُ حَدِيثِ الضَّرِيرِ فِي "قَاعِدَةٍ جَلِيلَةٍ فِي التَّوَسُّلِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(12) قُلْتُ: التَّلْبِيسُ فِي الْمُصْطَلَحِ مِفْتَاحُ الضَّلَالِ فِي الْمُعْتَقَدِ.
(13) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (8)، ص (169).
(14) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، ص (220).
__________________________ 136 ________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ]
(ص: 137)
[أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ الِاشْتِقَاقِيُّ لِمَادَّتَيِ (كفر) وَ(شك)]
- اشْتِقَاقُ الْكُفْرِ: الْكُفْرُ فِي اللُّغَةِ أَصْلُهُ (السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ) (1).
- وَمِنْهُ سُمِّيَ الزَّارِعُ "كَافِراً" لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْبَذْرَ بِالتُّرَابِ. وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ نَقِيضُ الْإِيمَانِ، وَهُوَ عَدَمُ التَّصْدِيقِ بِاللهِ أَوْ بِرُسُلِهِ أَوْ مَا جَاءُوا بِهِ (2).
- اشْتِقَاقُ الشَّكِّ: الشَّكُّ لُغَةً هُوَ (التَّدَاخُلُ وَالِاضْطِرَابُ)، وَيُقَالُ: شَكَّ الشَّيْءَ إِذَا ضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ (3).
- وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ دُونَ تَرْجِيحٍ، أَوْ هُوَ التَّرَدُّدُ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِيمَا يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ (4).
[ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلنَّاقِضِ]
قُلْتُ: هُوَ كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ يَتَضَمَّنُ الِامْتِنَاعَ عَنْ تَكْفِيرِ مَنْ حَكَمَ اللهُ وَرَسُولُهُ بِكُفْرِهِمْ، أَوْ التَّرَدُّدَ فِيهِ، أَوْ تَصْحِيحَ مَذَاهِبِهِمُ الْبَاطِلَةِ (5).
فَهَذَا النَّاقِضُ مَبْنِيٌّ عَلَى "تَكْذِيبِ خَبَرِ اللهِ"، لِأَنَّ اللهَ أَخْبَرَ بِكُفْرِهِمْ، فَالْمُتَوَقِّفُ فِي ذَلِكَ مُرْتَابٌ فِي صِدْقِ خَبَرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ (6).
[ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الْمَفْهُومِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ]
قُلْتُ: يَقُومُ هَذَا النَّاقِضُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَصْلِ (تَحْقِيقِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ)، فَلَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَكْفُرَ بِالطَّاغُوتِ وَيُكَفِّرَ أَهْلَهُ (7).
-
مَنِ الْمُرَادُ بِالْمُشْرِكِينَ هُنَا؟ قُلْتُ: هُمْ صِنْفَانِ:
- الْكُفَّارُ الْأَصْلِيُّونَ: كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَالْمُشْرِكِينَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ (8).
- الْمُرْتَدُّونَ: وَهُمْ مَنْ ثَبَتَ رِدَّتُهُمْ بِيَقِينٍ لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ السَّائِغَ (9).
- الْحُكْمُ عَلَى الْمُتَوَقِّفِ: قُلْتُ: مَنْ صَحَّحَ مَذْهَبَ الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ أَشَدُّ كُفْراً، لِأَنَّهُ جَعَلَ الْبَاطِلَ حَقّاً (10).
- قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ فَهُوَ كَافِرٌ" (11).
[رَابِعًا: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (التَّكْفِيرِ) وَ(التَّصْحِيحِ)]
قُلْتُ: هَذَا النَّاقِضُ يَشْمَلُ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ تَصَاعُدِيَّةٍ (12):
- عَدَمُ التَّكْفِيرِ: وَهُوَ الِامْتِنَاعُ عَنْ إِطْلَاقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَيْهِمْ.
- الشَّكُّ فِي الْكُفْرِ: وَهُوَ التَّرَدُّدُ (هَلْ هُمْ كُفَّارٌ أَمْ لَا؟).
- تَصْحِيحُ الْمَذْهَبِ: وَهُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ مَذْهَبَهُمْ مَوْصِلٌ إِلَى اللهِ أَوْ أَنَّهُمْ عَلَى صَوَابٍ (13).
- قُلْتُ: وَكُلُّ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ نَوَاقِضُ لِأَصْلِ الدِّينِ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ قَوْلٌ بِبُطْلَانِ مَا سِوَاهُ، فَمَنْ لَمْ يُبْطِلْهُ فَمَا حَقَّقَ التَّوْحِيدَ (14).
- لِذَا، فَمُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ جَزْمُ الْقَلْبِ بِمَا جَزَمَ اللهُ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ الْعَبْدُ مُدَاهِناً فِي دِينِهِ مُضَيِّعاً لِأَهَمِّ مَعَاقِدِ الْمِلَّةِ
___________[حَاشِيَةُ ]_________________
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ فَارِسٍ، "مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ"، ج (5)، ص (191).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ مَنْظُورٍ، "لِسَانُ الْعَرَبِ"، ج (12)، ص (128).
(3) يُنْظَرُ: الْجَوْهَرِيُّ، "الصِّحَاحُ"، مَادَّةُ (ش ك ك).
(4) قُلْتُ: الشَّكُّ فِي الضَّرُورِيَّاتِ الْعَقَدِيَّةِ كُفْرٌ إِجْمَاعاً.
(5) يُنْظَرُ: "نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، النَّاقِضُ الثَّالِثُ.
(6) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ" لِآيَةِ الْبَقَرَةِ (105).
(7) قُلْتُ: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ رُكْنُ التَّوْحِيدِ الْأَوَّلُ.
(8) يُنْظَرُ: "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ"، الْمَجْمُوعَةُ الْأُولَى، ج (2)، ص (18).
(9) قُلْتُ: هُنَا مَحَلُّ الِاحْتِيَاطِ فَلَا يُكَفَّرُ إِلَّا مَنْ دَلَّ الدَّلِيلُ الْقَطْعِيُّ عَلَى رِدَّتِهِ.
(10) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (320).
(11) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (2)، ص (383).
(12) قُلْتُ: هَذَا التَّرْتِيبُ لِبَيَانِ عِظَمِ الْجُرْمِ فِي مَرْتَبَةِ "التَّصْحِيحِ".
(13) يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج (10)، ص (91).
(14) قُلْتُ: لِأَنَّ النَّفْيَ فِي "لَا إِلَهَ" نَفْيٌ لِكُلِّ مَا يُعْبَدُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
____________________ 137__________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: مَنَاطَاتُ التَّكْفِيرِ وَتَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الْعُذْرِ](ص: 138)
[أَوَّلاً: التَّفْرِيقُ بَيْنَ تَكْفِيرِ الْعُمُومِ وَتَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ]
تَكْفِيرُ الْعُمُومِ (الْمُطْلَقِ): قُلْتُ: هُوَ الْحُكْمُ بِكُفْرِ مَنْ فَعَلَ كُفْراً أَوْ اعْتَنَقَ دِيناً غَيْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى سَبِيلِ الْإِطْلَاقِ، كَالْقَوْلِ: "مَنْ عَبَدَ الصَّنَمَ فَقَدْ كَفَرَ" (1).
وَهَذَا النَّوْعُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ مَنْ شَكَّ فِيهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِالنَّصِّ، لِأَنَّهُ جَحْدٌ لِأَحْكَامِ اللهِ الْعَامَّةِ (2).
تَكْفِيرُ الْمُعَيَّنِ: قُلْتُ: هُوَ إِنْزَالُ حُكْمِ الْكُفْرِ عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ (3).
وَهَذَا الْمَقَامُ يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءَ الْمَوَانِعِ، فَإِنْ كَانَ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِ مَبْنِيّاً عَلَى وُجُودِ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ (كَالتَّأْوِيلِ أَوْ الْإِكْرَاهِ) فَلَيْسَ هَذَا مِنَ النَّاقِضِ فِي شَيْءٍ (4).
[ثَانِيًا: تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ" فِي هَذَا النَّاقِضِ]
قُلْتُ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِيمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ بِحُجَّةِ جَهْلِهِ بِحَالِهِمْ إِلَى قِسْمَيْنِ (5):
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: الْكُفَّارُ الْأَصْلِيُّونَ: كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ فَلَا عُذْرَ لَهُ بِالْجَهْلِ بَعْدَ بُلُوغِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ كُفْرَهُمْ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ (6).
الْقِسْمُ الثَّانِي: مَنْ خَفِيَ كُفْرُهُ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْإِسْلَامِ: كَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ أَوْ مَنْ وَقَعَ فِي مُكَفِّرٍ خَفِيٍّ؛ فَمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى حَقِيقَةِ مَذْهَبِهِمْ فَهَذَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ حَتَّى تُبَيَّنَ لَهُ حَالُهُمْ (7).
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُمْ كُفْرٌ كَانَ مَعْذُوراً قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ، كَمَا يُعْذَرُ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ نُصُوصَ الْوَعِيدِ" (8).
[ثَالِثًا: مَفْهُومُ "تَصْحِيحِ الْمَذْهَبِ" وَأَثَرُهُ الْعَقَدِيُّ]
قُلْتُ: هَذَا أَعْظَمُ صُوَرِ هَذَا النَّاقِضِ جُرْماً؛ لِأَنَّهُ يَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ "التَّرَدُّدِ" إِلَى "الِاعْتِقَادِ بِصِحَّةِ الْبَاطِلِ" (9).
تَصْحِيحُ مَذَاهِبِ أَهْلِ الْكِتَابِ: كَمَنْ يَقُولُ "إِنَّ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ سَمَاوِيَّةٌ وَتُوصِلُ إِلَى اللهِ"؛ فَهَذَا هَادِمٌ لِأَصْلِ (الْإِسْلَامِ نَاسِخٌ لِمَا قَبْلَهُ) (10).
تَصْحِيحُ مَذَاهِبِ عُبَّادِ الْقُبُورِ: كَمَنْ يَقُولُ "فِعْلُهُمْ وَاسِطَةٌ مَقْبُولَةٌ"، فَهَذَا مُصَحِّحٌ لِلشِّرْكِ، وَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ (11).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ وَثَمَرَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ]
قُلْتُ: إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِـ (تَكْفِيرِ الطَّاغُوتِ)، وَتَكْفِيرُ الطَّاغُوتِ يَسْتَلْزِمُ تَكْفِيرَ عَابِدِيهِ (12). فَإِذَا لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ حَقَّ الْكُفْرِ، وَبِهَذَا يَبْقَى فِي دَائِرَةِ الشَّكِّ الَّتِي لَا يُقْبَلُ مَعَهَا صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ (13).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الْإِسْلَامُ هُوَ تَوْحِيدُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ وَحْدَهُ، وَالْبَرَاءَةُ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ، فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ عَبَدَ غَيْرَ اللهِ فَمَا بَرِئَ مِنْ عِبَادَةِ مَا سِوَاهُ" لِذَا، فَالْيَقِينُ بِكُفْرِ أَهْلِ الشِّرْكِ هُوَ سِيَاجُ التَّوْحِيدِ، وَبِهِ تَتَمَيَّزُ صُفُوفُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَهْلِ الْجَحِيم. (14).
[حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (312).
(2) قُلْتُ: جَحْدُ الْقَطْعِيَّاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مُبْطِلٌ لِلْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ.
(3) يُنْظَرُ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (487).
(4) قُلْتُ: هُنَا يَزِلُّ مَنْ يَسْتَعْجِلُ فِي تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ دُونَ بَصِيرَةٍ.
(5) يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج (10)، ص (432).
(6) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72].
(7) يُنْظَرُ: "فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ"، ج (1)، ص (230).
(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "الرَّدُّ عَلَى الْبَكْرِيِّ"، ص (324).
(9) قُلْتُ: التَّصْحِيحُ "فِعْلٌ" يُضَافُ إِلَى "الشَّكِّ" فَيَزِيدُهُ خُبْثاً.
(10) يُنْظَرُ: "الْإِقْنَاعُ فِي حَلِّ أَلْفَاظِ أَبِي شُجَاعٍ"، ج (2)، ص (542).
(11) يُنْظَرُ: "تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ" لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ، ص (160).
(12) قُلْتُ: لَا يَتِمُّ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) إِلَّا بِهَذَا.
(13) يُنْظَرُ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (334).
(14) ابْنُ الْقَيِّمِ، "طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ"، ص (411).
___________________________ 138 ____________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ - الْجُزْءُ الثَّالِثُ: ضَوَابِطُ التَّكْفِيرِ وَخُطُورَةُ الْغُلُوِّ فِيهِ]
(ص: 139)
[أَوَّلاً: الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِإِيقَاعِ حُكْمِ التَّكْفِيرِ]
قُلْتُ: إِنَّ التَّكْفِيرَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَرَدُّهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، لَا إِلَى الْأَهْوَاءِ وَالظُّنُونِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ ضَوَابِطَ مَتِينَةٍ (1):
- الضَّابِطُ الْأَوَّلُ: الثُّبُوتُ بِيَقِينٍ: فَالْإِسْلَامُ الثَّابِتُ بِيَقِينٍ لَا يَزُولُ إِلَّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ، وَلَا يُكَفَّرُ الْمُسْلِمُ بِالظَّنِّ أَوْ بِمَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ (2).
- الضَّابِطُ الثَّانِي: كَوْنُ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ كُفْراً صَرِيحاً: فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ قَاطِعاً فِي كَوْنِ هَذَا الْمَسْلَكِ نَاقِضاً لِلْإِسْلَامِ (3).
- الضَّابِطُ الثَّالِثُ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ: وَهِيَ أَنْ تَبْلُغَ الْحُجَّةُ الشَّرْعِيَّةُ مَنْ وَقَعَ فِي الْمُكَفِّرِ، بِحَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ فِعْلَهُ يُخَالِفُ أَمْرَ اللهِ، وَتَنْقَطِعُ مَعَهُ الْمَعْذِرَةُ (4).
[ثَانِيًا: تَحْقِيقُ الشُّرُوطِ وَانْتِفَاءُ الْمَوَانِعِ]
قُلْتُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْقَوْلِ كُفْراً أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ قَالَهُ كَافِراً، حَتَّى تُسْتَوْفَى الشُّرُوطُ وَتَنْتَفِيَ الْمَوَانِعُ (5).
- الشُّرُوطُ: (الْعِلْمُ، الْعَمْدُ، الِاخْتِيَارُ، الْقَصْدُ) (6).
- الْمَوَانِعُ: (الْجَهْلُ الْمُعْتَبَرُ، الْإِكْرَاهُ، التَّأْوِيلُ السَّائِغُ، الْخَطَأُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ) (7).
- قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُكَفِّرَ أَحَداً مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ أَخْطَأَ وَغَلِطَ، حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَتُبَيَّنَ لَهُ الْمَحَجَّةُ" (8).
[ثَالِثًا: خُطُورَةُ الْغُلُوِّ فِي التَّكْفِيرِ وَآثَارُهُ]
قُلْتُ: كَمَا أَنَّ تَرْكَ تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ نَاقِضٌ، فَإِنَّ التَّكْفِيرَ بِغَيْرِ حَقٍّ ضَلَالٌ وَعُدْوَانٌ (9).
- الْمُجَازَفَةُ بِالدِّينِ: لِقَوْلِهِ ﷺ: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا» (10). فَالْغُلُوُّ يَرْتَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْوَبَالِ.
- مَنْهَجُ الْخَوَارِجِ: قُلْتُ: الَّذِي يُكَفِّرُ بِالْمَعَاصِي الَّتِي دُونَ الشِّرْكِ، أَوْ يُكَفِّرُ بِـ "اللَّوَازِمِ" الَّتِي لَمْ يَلْتَزِمْ بِهَا صَاحِبُهَا، فَهَذَا قَدْ سَلَكَ سَبِيلَ أَهْلِ الْبِدَعِ (11).
- الِاسْتِحْلَالُ الْمُحَرَّمُ: إِنَّ الْغُلُوَّ يُؤَدِّي إِلَى اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنَ اللهِ، وَهَذَا هَدْمٌ لِضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ (12).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْمَنْهَجِ الْوَسَطِ]
قُلْتُ: مَنْهَجُ السَّلَفِ الصَّالِحِ هُوَ الْوَسَطُ بَيْنَ (الْمُرْجِئَةِ) الَّذِينَ لَا يُكَفِّرُونَ مَنْ حَقَّ عَلَيْهِ الْكُفْرُ، وَبَيْنَ (الْخَوَارِجِ) الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ (13).
فَطَالِبُ الْحَقِّ يُكَفِّرُ مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ صِيَانَةً لِلتَّوْحِيدِ، وَيَمْسِكُ عَمَّنْ حَمَى اللهُ دَمَهُ بِالْإِسْلَامِ رِعَايَةً لِلْحُرُمَاتِ (14).
وَقَدْ قُلْتُ تَأْصِيلاً لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ: إِنَّ الِاعْتِدَالَ فِي التَّكْفِيرِ هُوَ عَيْنُ التَّحْقِيقِ لِلشَّهَادَةِ؛ إِذْ هُوَ وَضْعٌ لِلْأُمُورِ فِي مَوَاضِعِهَا الشَّرْعِيَّةِ بِلَا إِفْرَاطٍ وَلَا تَفْرِيطٍ (15).
[ حاشية ]
(1) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (315).
(2) قُلْتُ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ فِقْهِيَّةٌ وَعَقَدِيَّةٌ جَلِيلَةٌ مَنْ فَرَّطَ فِيهَا ضَلَّ.
(3) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ"، ج (12)، ص (466).
(4) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].
(5) يُنْظَرُ: "الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ص (90).
(6) قُلْتُ: هَذِهِ الشُّرُوطُ مَسْتَوْحَاةٌ مِنَ اسْتِقْرَاءِ نُصُوصِ الشَّارِعِ.
(7) يُنْظَرُ: "فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ"، ج (20)، ص (33).
(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (3)، ص (229).
(9) قُلْتُ: الظُّلْمُ فِي التَّكْفِيرِ لَا يَقِلُّ خَطَراً عَنِ التَّمْيِيعِ فِي الدِّينِ.
(10) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (6104) وَمُسْلِمٌ (60).
(11) يُنْظَرُ: "مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ" لِلْأَشْعَرِيِّ، ص (168).
(12) قُلْتُ: صِيَانَةُ الدِّمَاءِ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ فِقْهِيّاً.
(13) يُنْظَرُ: "الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.
(14) قُلْتُ: الْخَوْفُ مِنَ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ حَقٍّ هُوَ تَقْوَى، وَالتَّكْفِيرُ بِحَقٍّ هُوَ دِينٌ.
____________________________ 139___________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ - الْجُزْءُ الرَّابِعُ: تَحْرِيرُ قَاعِدَةِ (مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ) وَمَرَاتِبِ التَّسَلْسُلِ]
(ص: 140)
[أَوَّلاً: تَأْصِيلُ قَاعِدَةِ (مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ فَهُوَ كَافِرٌ)]
قُلْتُ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ جَلِيلَةُ الْمَقْدَارِ، لَكِنَّهَا "مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ" لِمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَنَاطَهَا. فَهِيَ لَيْسَتْ عَلَى إِطْلَاقِهَا فِي كُلِّ مَنْ رُمِيَ بِالْكُفْرِ، بَلْ هِيَ مُقَيَّدَةٌ بِمَنْ كَانَ كُفْرُهُ (ظَاهِراً مَقْطُوعاً بِهِ مِنْ جِهَةِ النَّصِّ) (1). فَالْمُرَادُ بِهَا: أَنَّ مَنْ جَحَدَ كُفْرَ مَنْ صَرَّحَ اللهُ بِكُفْرِهِ كَمَنْ جَحَدَ رِسَالَةً مِنَ الرِّسَالَاتِ، لِأَنَّهُ يُكَذِّبُ خَبَرَ اللهِ الَّذِي جَزَمَ بِبُطْلَانِ مَذْهَبِهِمْ (2).
[ثَانِيًا: مَرَاتِبُ التَّسَلْسُلِ فِي التَّكْفِيرِ]
قُلْتُ: يَنْقَسِمُ النَّاسُ فِي تَنْزِيلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ إِلَى مَرَاتِبَ، بَيَانُهَا ضَرُورِيٌّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِيَحْذَرَ مِنَ التَّسَلْسُلِ الْبَاطِلِ (3):
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الْكُفَّارُ الْأَصْلِيُّونَ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْيَهُودَ أَوِ النَّصَارَى أَوْ مَنْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ؛ فَهَذَا يَلْحَقُ بِهِمْ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِأَنَّ الشَّكَّ فِي كُفْرِهِمْ شَكٌّ فِي صِدْقِ الْقُرْآنِ (4).
الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَنْ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى كُفْرِهِمْ: كَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْقَرَامِطَةِ مِمَّنْ ظَهَرَ كُفْرُهُمُ الْبَوَاحُ؛ فَمَنْ عَلِمَ مَذْهَبَهُمْ وَلَمْ يُكَفِّرْهُمْ فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الْبَرَاءِ (5).
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: مَسَائِلُ الْخِلَافِ وَالِاجْتِهَادِ:
هُنَا يَقَعُ الْغَلَطُ؛ فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ (تَارِكَ الصَّلَاةِ) مَثَلًا -عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ- فَلَا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ بِقَاعِدَةِ "مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ"، لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا إِجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ (6).
[ثَالِثًا: تَفْنِيدُ شُبْهَةِ "التَّسَلْسُلِ بِلَا نِهَايَةٍ"]
قُلْتُ: يَزِلُّ بَعْضُ الْغَالِينَ فَيَقُولُونَ: "فُلَانٌ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الَّذِي لَمْ يُكَفِّرْهُ فَهُوَ كَافِرٌ..." وَهَكَذَا (7).
وَأَقُولُ مُحَقِّقاً: هَذَا مَسْلَكُ الْخَوَارِجِ، لِأَنَّ التَّسَلْسُلَ يَنْقَطِعُ عِنْدَ خَفَاءِ الْمَنَاطِ (8).
فَإِذَا كَانَ التَّكْفِيرُ الْأَوَّلُ مَبْنِيّاً عَلَى اجْتِهَادٍ فِي تَنْزِيلِ حُكْمٍ أَوْ تَحْقِيقِ مَنَاطٍ، فَلَا يَصِحُّ تَرْتِيبُ الْكُفْرِ عَلَى مَنْ خَالَفَ فِيهِ (9).
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ بِالتَّسَلْسُلِ هُمْ مَنْ أَضَلِّ النَّاسِ، لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا آرَاءَهُمْ بِمَنْزِلَةِ نُصُوصِ الْوَحْيِ" (10).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ فِي الِارْتِيَابِ]
قُلْتُ: إِنَّ مُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ (الْجَزْمُ بِبُطْلَانِ مَا نَفَاهُ اللهُ) (11).
فَالْمُسْلِمُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ الشِّرْكِ، فَمَنْ صَحَّحَ أَوْ شَكَّ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ (12).
وَقَدْ قُلْتُ تَأْصِيلاً: إِنَّ هَذَا النَّاقِضَ سِيَاجٌ لِحِمَى التَّوْحِيدِ، يَمْنَعُ تَمْيِيعَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى "عِلْمٍ رَاسِخٍ" لَا إِلَى "عَاطِفَةٍ جَامِحَةٍ" (13).
فَالتَّكْفِيرُ حَقُّ اللهِ، نَقُولُ فِيهِ مَا قَالَ اللهُ، وَنَمْسِكُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ وَبِهَذَا نَكُونُ قَدْ حَرَّرْنَا هَذِهِ الْمُتَمِّمَةَ بِتَوْفِيقِ اللهِ وَسَدَادِهِ (14).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: "شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ صَالِحٍ الْفَوْزَانِ، ص (75).
(2) قُلْتُ: التَّكْذِيبُ قَدْ يَكُونُ بِاللَّفْظِ وَقَدْ يَكُونُ بِالشَّكِّ فِيمَا أَخْبَرَ اللهُ بِيَقِينِهِ.
(3) يُنْظَرُ: "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج (10)، ص (435).
(4) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].
(5) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ"، ج (2)، ص (360).
(6) قُلْتُ: الْمَسَائِلُ الْخِلَافِيَّةُ لَا مَجَالَ فِيهَا لِتَنْزِيلِ قَاعِدَةِ "مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ".
(7) يُنْظَرُ: "الرَّدُّ عَلَى الرَّافِضَةِ" لِلشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
(8) قُلْتُ: التَّسَلْسُلُ بِلَا مَنَاطٍ قَطْعِيٍّ هَدْمٌ لِلْمِلَّةِ بِاسْمِ الْغَيْرَةِ عَلَيْهَا.
(9) يُنْظَرُ: "أَعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (3)، ص (120).
(10) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى"، ج (12)، ص (522).
(11) قُلْتُ: لَا تَوْحِيدَ لِمَنْ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَتَابِعِيهِ.
(12) يُنْظَرُ: "كَشْفُ الشُّبُهَاتِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
(13) قُلْتُ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَسِيَّمَا فِي الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ.
(14) يُنْظَرُ: "الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ص (95).
__________________________ 140______________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: اعْتِقَادُ نَقْصِ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَفْضَلِيَّةِ حُكْمِ غَيْرِهِ]
(ص: 141)
[أَوَّلاً: التَّحْرِيرُ الِاشْتِقَاقِيُّ لِمَادَّتَيِ (هدي) وَ(كمال)]
اشْتِقَاقُ الْهَدْيِ: الْهَدْيُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (الْهَدَايَةِ)، وَهِيَ الدَّلَالَةُ وَالْإِرْشَادُ بِلُطْفٍ (1). وَيُطْلَقُ "الْهَدْيُ" عَلَى الطَّرِيقَةِ وَالسِّيرَةِ وَالسَّمْتِ. وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ سِيَرٍ وَأَحْكَامٍ وَأَخْلَاقٍ وَتَشْرِيعَاتٍ (2).
اشْتِقَاقُ الْكَمَالِ: الْكَمَالُ لُغَةً هُوَ (التَّمَامُ)، يُقَالُ: كَمَلَ الشَّيْءُ أَيْ تَمَّتْ أَجْزَاؤُهُ وَانْتَفَى عَنْهُ النَّقْصُ (3). وَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ فِي الْبَشَرِ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَأَكْمَلُهُمْ هَدْياً هُوَ خَاتَمُهُمْ ﷺ (4).
[ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلنَّاقِضِ]
قُلْتُ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ طَرِيقَةَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ طَرِيقَتِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ، أَوْ جَوَازُ الْعُدُولِ عَنْ شَرِيعَتِهِ إِلَى نُظُمٍ وَقَوَانِينَ بَشَرِيَّةٍ (5). فَهَذَا النَّاقِضُ مَبْنِيٌّ عَلَى "نَقْضِ رِسَالَتِهِ ﷺ"، لِأَنَّ اللهَ جَعَلَ شَرِيعَتَهُ نَاسِخَةً لِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وَخَاتِمَةً لِكُلِّ كَمَالٍ بَشَرِيٍّ (6).
[ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الْمَفْهُومِ وَمَنَاطَاتِ الْكُفْرِ فِيهِ]
قُلْتُ: يَقُومُ هَذَا النَّاقِضُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَنَاطَاتٍ كُبْرَى (7):
الْمُفَاضَلَةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ أَوْ النُّظُمَ الْبَشَرِيَّةَ أَكْمَلُ وَأَنْفَعُ لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْعَصْرِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ (8).
الْمُسَاوَاةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ حُكْمَ الْبَشَرِ مُسَاوٍ لِحُكْمِ اللهِ، أَوْ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ اتِّبَاعِ الْوَحْيِ أَوْ غَيْرِهِ (9).
التَّجْوِيزُ: أَنْ يُجَوِّزَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ، حَتَّى لَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ حُكْمَ اللهِ أَفْضَلُ، فَمُجَرَّدُ التَّجْوِيزِ نَاقِضٌ (10).
[رَابِعًا: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الْهَدْيِ الْقَلْبِيِّ) وَ(الْهَدْيِ التَّشْرِيعِيِّ)]
قُلْتُ: النَّاقِضُ يَشْمَلُ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ (11):
فِي الْأَخْلَاقِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ طَرِيقَةَ الْفَلَاسِفَةِ فِي تَهْذِيبِ النُّفُوسِ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ (12).
فِي التَّشْرِيعِ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْقَوَانِينَ الْجِنَائِيَّةَ أَوْ الْمَدَنِيَّةَ أَرْحَمُ بِالْخَلْقِ مِنْ حُدُودِ اللهِ فَقَدْ نَقَضَ إِيمَانَهُ (13).
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ" (14). لِذَا، فَمُقْتَضَى هَذَا النَّاقِضِ هُوَ التَّسْلِيمُ الْمُطْلَقُ لِكَمَالِ مَا جَاءَ بِهِ الْمَعْصُومُ ﷺ، وَأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فِي اتِّبَاعِهِ، وَكُلَّ شَرٍّ فِي الِانْحِرَافِ عَنْ سَبِيلِهِ (15).
[ حَاشِيَةُ ]
(1) يُنْظَرُ: الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، "الْمُفْرَدَاتُ"، مَادَّةُ (هـ د ي).
(2) يُنْظَرُ: ابْنُ الْقَيِّمِ، "زَادُ الْمَعَادِ"، ج (1)، ص (35).
(3) يُنْظَرُ: ابْنُ فَارِسٍ، "مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ"، ج (5)، ص (139).
(4) قُلْتُ: كَمَالُ الصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ﷺ بِتَكْمِيلِ اللهِ لَهُ.
(5) يُنْظَرُ: "نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، النَّاقِضُ الرَّابِعُ.
(6) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3].
(7) يُنْظَرُ: "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (2)، ص (155).
(8) قُلْتُ: هَذَا هُوَ حَالُ الْمَفْتُونِينَ بِحَضَارَةِ الْغَرْبِ مِمَّنْ زَعَمُوا قُصُورَ الشَّرِيعَةِ.
(9) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (290).
(10) قُلْتُ: لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ "تَعَبُّدٌ" لَا "تَخَيُّرٌ".
(11) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ"، ج (3)، ص (267).
(12) قُلْتُ: هَذَا يَضْرِبُ أَصْلَ "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ".
(13) يُنْظَرُ: "أَضْوَاءُ الْبَيَانِ" لِلشِّنْقِيطِيِّ، ج (7)، ص (162).
(14) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، "الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ"، ص (177).
_____________________________ 141__________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ]
(ص: 142)
[أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَنَاطِ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ فِي التَّشْرِيعِ]
قُلْتُ: إِنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ يَكُونُ كُفْراً نَاقِضاً لِلْمِلَّةِ فِي مَوَاطِنَ مَحْدُودَةٍ، مَدَارُهَا عَلَى "الْقَلْبِ" وَ"الِاسْتِحْلَالِ" (1):
الِاسْتِحْلَالُ: أَنْ يَعْتَقِدَ الْحَاكِمُ أَوْ الْمَحْكُومُ أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ جَائِزٌ شَرْعاً، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ (2).
التَّفْضِيلُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ حُكْمَ الْبَشَرِ أَكْمَلُ أَوْ أَنْفَعُ لِلْعِبَادِ مِنْ حُكْمِ رَبِّ الْعِبَادِ، وَهَذَا لُبُّ هَذِهِ الْمُتَمِّمَةِ (3).
الْمُسَاوَاةُ: أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ حُكْمَ الطَّاغُوتِ وَحُكْمَ اللهِ سَوَاءٌ فِي الرُّتْبَةِ وَالِاسْتِحْقَاقِ (4).
التَّبْدِيلُ: وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَانُوناً مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ ثُمَّ يَنْسِبَهُ إِلَى شَرِيعَةِ اللهِ زُوراً وَبُهْتَاناً (5).
[ثَانِيًا: الْحُكْمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ الَّذِي هُوَ (كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ)]
قُلْتُ: وَهُوَ الْكُفْرُ الْأَصْغَرُ الَّذِي لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَيَكُونُ عِنْدَمَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ فِي قَضِيَّةٍ عَيْنِيَّةٍ بِغَيْرِ الشَّرْعِ مَعَ (إِقْرَارِهِ بِأَنَّ حُكْمَ اللهِ هُوَ الْحَقُّ) (6).
بَاعِثُهُ: يَكُونُ الْبَاعِثُ لَهُ شَهْوَةً، أَوْ رِشْوَةً، أَوْ مَحَابَاةً لِقَرِيبٍ، مَعَ اعْتِرَافِهِ بِالْمَعْصِيَةِ وَخَوْفِهِ مِنَ الْإِثْمِ (7).
حُكْمُهُ: هُوَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ وَفِسْقٌ كَبِيرٌ، لَكِنَّ صَاحِبَهُ لَا يُكَفَّرُ التَّكْفِيرَ النَّاقِضَ مَا دَامَ مُلْتَزِماً بِأَصْلِ الشَّرِيعَةِ فِي اعْتِقَادِهِ (8).
[ثَالِثًا: فِتْنَةُ "التَّشْرِيعِ الْعَامِّ" وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ]
قُلْتُ: مِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى فِي هَذَا الْعَصْرِ هُوَ اسْتِبْدَالُ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةِ بِالشَّرِيعَةِ بِشَكْلٍ كُلِّيٍّ (9).
قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ: رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ تَنْحِيَةَ الشَّرِيعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَإِحْلَالَ الْقَوَانِينَ مَحَلَّهَا هُوَ "تَبْدِيلٌ" يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِ اللهِ، وَهُوَ كُفْرٌ ظَاهِرٌ (10).
قَوْلُ الِاحْتِيَاطِ: رَأَى آخَرُونَ أَنَّ الْكُفْرَ لَا يَقَعُ إِلَّا بِمَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الِاسْتِحْلَالِ، لَكِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْ أَقْبَحِ الْكَبَائِرِ وَأَقْرَبِهَا لِلرِّدَّةِ (11).
قَالَ الشِّنْقِيطِيُّ: "الْإِشْرَاكُ فِي حُكْمِ اللهِ كَالْإِشْرَاكِ فِي عِبَادَتِهِ، فَمَنِ اتَّبَعَ تَشْرِيعاً غَيْرَ تَشْرِيعِ اللهِ فَقَدْ أَتَى نَاقِضاً" (12).
[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمُقْتَضَى النَّاقِضِ]
قُلْتُ: إِنَّ هَذَا النَّاقِضَ يَحْمِي جَنَابَ "الرُّبُوبِيَّةِ" فِي التَّشْرِيعِ، كَمَا يَحْمِي النَّاقِضُ الثَّانِي جَنَابَ "الْأُلُوهِيَّةِ" فِي الدُّعَاءِ (13). فَمَنِ اعْتَقَدَ نَقْصَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ أَفْضَلِيَّةِ غَيْرِهِ، فَقَدْ طَعَنَ فِي حِكْمَةِ اللهِ وَكَمَالِ دِينِهِ (14). لِذَا، فَالْمُقْتَضَى هُوَ الْإِيمَانُ الْجَازِمُ بِأَنَّ صَلَاحَ الْبَشَرِيَّةِ مَرْهُونٌ بِتَحْكِيمِ الْوَحْيِ، وَأَنَّ كُلَّ قَانُونٍ يُصَادِمُ الشَّرْعَ فَهُوَ زُورٌ وَضَلَالٌ (15).
************************[ حَاشِيَةُ
(1) يُنْظَرُ: ابْنُ كَثِيرٍ، "الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ"، ج (13)، ص (119).
(2) قُلْتُ: الِاسْتِحْلَالُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يَقْتَضِي تَكْذِيبَ التَّحْرِيمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ.
(3) يُنْظَرُ: "شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ" لِلشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ.
(4) يُنْظَرُ: "مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ تَيْمِيَّةَ"، ج (3)، ص (267).
(5) قُلْتُ: التَّبْدِيلُ أَخَصُّ مِنَ التَّغْيِيرِ، وَهُوَ مَسْلَكُ أَهْلِ الْكِتَابِ.
(6) يُنْظَرُ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ" لِآيَةِ الْمَائِدَةِ (44)، أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(7) قُلْتُ: هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى الْقَاضِي الْمُرْتَشِي الَّذِي يَعْلَمُ أَنَّهُ عَاصٍ.
(8) يُنْظَرُ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (323).
(9) يُنْظَرُ: "فَتَاوَى الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ"، ج (12)، ص (280).
(10) قُلْتُ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَرَى التَّشْرِيعَ الْعَامَّ كُفْراً مُطْلَقاً.
(11) يُنْظَرُ: "الْقَوْلُ الْمُفِيدُ" لِابْنِ عُثَيْمِينَ، ج (2)، ص (158).
(12) الشِّنْقِيطِيُّ، "أَضْوَاءُ الْبَيَانِ"، ج (7)، ص (162).
(13) قُلْتُ: لَهُ الْخَلْقُ (رُبُوبِيَّةٌ) وَلَهُ الْأَمْرُ (تَشْرِيعٌ وَأُلُوهِيَّةٌ).
(14) يُنْظَرُ: "مَدَارِجُ السَّالِكِينَ" لِابْنِ الْقَيِّمِ، ج (1)، ص (335).
__________________________________ 142_________________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الْخَامِسَةُ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: بُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ]
(ص: 145)
[تَحْرِيرُ مَنَاطِ النَّاقِضِ]: قُلْتُ: هَذَا النَّاقِضُ مَبْنِيٌّ عَلَى "أَعْمَالِ الْقُلُوبِ"، وَمَنَاطُهُ بُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كُلًّا أَوْ بَعْضاً.
وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: 9].
فَالْكَرَاهِيَةُ لِمَا أَنْزَلَ اللهُ هِيَ عِلَّةُ حُبُوطِ الْعَمَلِ، وَلَا يَحْبَطُ الْعَمَلُ كُلُّهُ إِلَّا بِالْكُفْرِ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، 7/470).
[شُمُولِيَّةُ مَا جَاءَ بِهِ ﷺ]: قُلْتُ: يَدْخُلُ فِي هَذَا النَّاقِضِ بُغْضُ (الْوَاجِبَاتِ، الْمُسْتَحَبَّاتِ، الْأَحْكَامِ، أَوْ الْأَخْبَارِ) الَّتِي صَحَّتْ عَنْهُ.
فَمَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِنَ الشَّرِيعَةِ، وَلَوْ كَانَ يَعْمَلُ بِهِ، فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ التَّسْلِيمِ وَالْمَحَبَّةِ (مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ، ص 10).
[تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ بُغْضِ "الْحُكْمِ" وَبُغْضِ "التَّكْلِيفِ"]:
قَرَّرَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ أَنَّ الْبُغْضَ النَّاقِضَ هُوَ بُغْضُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِكَوْنِهِ شَرْعاً (السِّنْدِيُّ، شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص 55).
أَمَّا مَا يَجِدُهُ الْمَرْءُ مِنْ ثِقَلِ التَّكْلِيفِ طَبْعاً (كَثِقَلِ الصَّوْمِ فِي الْحَرِّ أَوْ مَشَقَّةِ الْجِهَادِ) مَعَ حُبِّهِ لِشَرْعِ اللهِ؛ فَهَذَا لَيْسَ مِنَ النَّاقِضِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "الْعَبْدُ قَدْ يَكْرَهُ الْعَمَلَ مَشَقَّةً وَيُحِبُّهُ شَرْعاً وَدِيناً، وَهَذَا لَا يَنْقُضُ إِيمَانَهُ" (مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، 1/250).
[بُغْضُ "السُّنَنِ" وَالِاسْتِهَانَةُ بِهَا]:
قُلْتُ: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ (كَالسِّوَاكِ أَوْ تَقْصِيرِ الثِّيَابِ أَوْ التَّعَدُّدِ) لِكَوْنِهَا نُسِبَتْ لِلشَّرْعِ فَقَدْ زَلَّ.
وَالْبُغْضُ هُنَا يَعْنِي الِاشْمِئْزَازَ مِنْ تِلْكَ الْأَحْكَامِ أَوْ تَمَنِّي عَدَمِ شَرْعِيَّتِهَا رَفْضاً لَهَا.
[آثَارُ النَّاقِضِ الْعَقَدِيَّةُ]: مَنْ أَبْغَضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فَقَدْ طَعَنَ فِي حِكْمَةِ الْمُرْسِلِ وَصِدْقِ الْمُرْسَلِ.
قُلْتُ: الْمَحَبَّةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَالْبُغْضُ نَقِيضُ هَذِهِ الْمَحَبَّةِ (ابْنُ أَبِي الْعِزِّ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، ص 165).
وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ نَعْلَمُ أَنَّ سَلَامَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْغِلِّ لِشَيْءٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ هِيَ عَيْنُ النَّجَاةِ.
[الْحَاشِيَةُ]
(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج (7)، ص (470).
(2) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ، طَبْعَةُ دَارِ الصُّمَيْعِيِّ، ص (10).
(3) الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، طَبْعَةُ (1)، ص (55-58).
(4) ابْنُ الْقَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، تَحْقِيقُ الْفِقِيِّ، ج (1)، ص (250).
(5) ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، طَبْعَةُ الرِّسَالَةِ، ص (165).
(6) قُلْتُ: هَذَا التَّحْرِيرُ يَضْبِطُ مَسْأَلَةً قَلْبِيَّةً دَقِيقَةً يَكْثُرُ فِيهَا الْخَلْطُ بَيْنَ الطَّبْعِ وَالشَّرْعِ.
(7) يُنْظَرُ أَيْضاً: ابْنُ رَجَبٍ، جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ص (240) فِي مَعْنَى مَحَبَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ.
_______________________________ 143________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الْخَامِسَةُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: الْبُغْضُ الذَّاتِيُّ وَالْوَصْفِيُّ وَعَلَاقَتُهُ بِمَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ]
(ص: 146)
[أَصْلُ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ]: قُلْتُ: مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْإِيمَانِ، وَهِيَ مَحَبَّةٌ لِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ وَلِمَا اتَّصَفَ بِهِ مِنَ الرِّسَالَةِ.
فَمَنْ أَبْغَضَ ذَاتَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ كُفْراً نَاقِضاً بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ بُغْضَهُ ﷺ بُغْضٌ لِمَنِ اخْتَارَهُ وَارْتَضَاهُ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ، ص 512).
[تَحْرِيرُ بُغْضِ "الصِّفَةِ" وَ"الْهَدْيِ"]: قُلْتُ: قَدْ يَزْعُمُ الْمَرْءُ مَحَبَّةَ الذَّاتِ لَكِنَّهُ يُبْغِضُ مَا اتَّصَفَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَحْكَامٍ أَوْ مَا أَمَرَ بِهِ.
وَهَذَا هُوَ "بُغْضُ الْوَصْفِ" الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ أَيْضاً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا يُحَبُّ لِأَجْلِ اللهِ وَلِأَجْلِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْحَقِّ (السِّنْدِيُّ، شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص 59).
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ: "الْمَحَبَّةُ الشَّرْعِيَّةُ هِيَ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا جَاءَ بِهِ، فَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَ الِاتِّبَاعِ" (شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص 60).
[الْعَلَاقَةُ بَيْنَ بُغْضِ "مَا جَاءَ بِهِ" وَبُغْضِ "مَنْ جَاءَ بِهِ"]:
قُلْتُ: بُغْضُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مُسْتَلْزِمٌ لِنَقْصِ مَحَبَّتِهِ أَوْ زَوَالِهَا، لِأَنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ جَاءَ بِالْخَيْرِ لَا يُبْغِضُ الْخَيْرَ نَفْسَهُ.
مَنِ ادَّعَى مَحَبَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَكْرَهُ سُنَّتَهُ أَوْ يَشْمَئِزُّ مِنْ أَحْكَامِهِ، فَمَحَبَّتُهُ "دَعْوَى" كَاذِبَةٌ (ابْنُ الْقَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، 3/23).
[التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْبُغْضِ الْقَلْبِيِّ وَالتَّأَذِّي الطَّبْعِيِّ]:
كَرَّرْتُ التَّأْكِيدَ: أَنَّ بُغْضَ (الصِّفَةِ الشَّرْعِيَّةِ) كُفْرٌ، أَمَّا ثِقَلُ الصِّفَةِ عَلَى النَّفْسِ مَعَ الرِّضَا بِهَا فَلَيْسَ بِبُغْضٍ.
وَبَيَّنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يُبْغِضُونَ ظُهُورَ دِينِ الرَّسُولِ، وَهَذَا هُوَ الْبُغْضُ النَّاقِضُ" (مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، 7/522).
[خُطُورَةُ بُغْضِ مَا تَفَرَّدَ بِهِ ﷺ مِنَ الصِّفَاتِ]:
مَنْ أَبْغَضَ النَّبِيَّ ﷺ لِأَجْلِ قِيَامِهِ بِالدَّعْوَةِ أَوْ لِتَحْطِيمِهِ الْأَوْثَانَ فَقَدْ أَبْغَضَ لُبَّ الرِّسَالَةِ.
قُلْتُ: التَّلَازُمُ بَيْنَ مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ رَسُولِهِ وَمَحَبَّةِ شَرْعِهِ تَلَازُمٌ لَا يَنْفَكُّ، فَبُطْلَانُ أَحَدِهِمَا بُطْلَانٌ لِلْبَقِيَّةِ.
وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ نَفْهَمُ مَعْنَى "الْحُبِّ فِي اللهِ وَالْبُغْضِ فِي اللهِ" كَأَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ.
[الْحَاشِيَةُ ]
(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ، طَبْعَةُ رَمَادِي، ص (512).
(2) الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ (تَقْرِيرَاتٌ مَنْهَجِيَّةٌ)، ص (59-62).
(3) ابْنُ الْقَيِّمِ، مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، تَحْقِيقُ الْفِقِيِّ، ج (3)، ص (23-25).
(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج (7)، ص (522).
(5) قُلْتُ: بُغْضُ الذَّاتِ مُكَذِّبٌ لِلْمَحَبَّةِ، وَبُغْضُ الصِّفَةِ مُصَادِمٌ لِلِاتِّبَاعِ، وَكِلَاهُمَا فِي النَّاقِضِ سَوَاءٌ.
(6) يُنْظَرُ: الْقَاضِي عِيَاضٌ، الشِّفَا بِتَعْرِيفِ حُقُوقِ الْمُصْطَفَى، ج (2)، ص (18) فِي حُكْمِ مَحَبَّتِهِ ﷺ.
__________________________________ 144_______________________________________
[الْمُتَمِّمَةُ الْخَامِسَةُ - الْجُزْءُ الثَّالِثُ: بُغْضُ الصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ وَعَلَاقَتُهُ بِالنَّاقِضِ]
- [الْقَاعِدَةُ فِي بُغْضِ التَّبَعِ]: قُلْتُ: مَحَبَّةُ الصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ مِنْ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَبُغْضُهُمْ عُنْوَانُ النِّفَاقِ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ، ص 570).
- وَلَكِنْ هَلْ يُعَدُّ بُغْضُهُمْ دَاخِلاً فِي هَذَا النَّاقِضِ؟ قُلْتُ: إِذَا كَانَ الْبُغْضُ لِأَجْلِ (دِينِهِمْ) أَوْ لِأَجْلِ (مَا نَقَلُوهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ) فَهُوَ نَاقِضٌ بِلَا رَيْبٍ.
- لِأَنَّ الطَّعْنَ فِي النَّاقِلِ طَعْنٌ فِي الْمَنْقُولِ، وَبُغْضَ حَمَلَةِ الدِّينِ لِدِينِهِمْ هُوَ بُغْضٌ لِلدِّينِ نَفْسِهِ (ابْنُ الْقَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ، 2/450).
- [بُغْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ]: مَنْ أَبْغَضَ الصَّحَابَةَ جُمْلَةً أَوْ كَفَّرَهُمْ فَقَدْ أَبْغَضَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ؛ لِأَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ بَلَّغُوا عَنْهُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ.
- قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ: "بُغْضُ الصَّحَابَةِ لِأَجْلِ صُحْبَتِهِمْ وَنُصْرَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ هُوَ بُغْضٌ لِلرِّسَالَةِ نَفْسِهَا" (شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص 65).
- [بُغْضُ آلِ الْبَيْتِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ]: مَحَبَّةُ آلِ الْبَيْتِ وَاجِبَةٌ بِيَقِينِ النُّصُوصِ، وَبُغْضُهُمْ (لِأَجْلِ قَرَابَتِهِمْ أَوْ لِأَجْلِ اتِّبَاعِهِمْ لِلْهَدْيِ) نَاقِضٌ لِأَصْلِ الْمَحَبَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
- قُلْتُ: النَّوَاصِبُ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ آلَ الْبَيْتِ، وَالرَّوَافِضُ الَّذِينَ يُبْغِضُونَ الصَّحَابَةَ، كِلَاهُمَا عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ لِمُصَادَمَتِهِمْ هَدْيَ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّزْكِيَةِ (ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، 4/430).
- [تَحْرِيرُ مَنَاطِ التَّكْفِيرِ فِي سَبِّهِمْ وَبُغْضِهِمْ]:
- يَتَحَقَّقُ النَّاقِضُ إِذَا ارْتَبَطَ الْبُغْضُ بِـ (الدِّينِ)، أَمَّا إِذَا كَانَ الْبُغْضُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ (كَخُصُومَةٍ بَيْنَ أَفْرَادٍ) فَهَذَا مُحَرَّمٌ وَفِسْقٌ، لَكِنَّهُ لَا يَصِلُ لِلنَّاقِضِ مَا لَمْ يَسْتَحِلَّهُ.
- قُلْتُ: تَقْرِيرَاتُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ تُؤَكِّدُ عَلَى ضَرُورَةِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "بُغْضِ الشَّخْصِ" لِذَاتِهِ وَبَيْنَ "بُغْضِهِ" لِأَجْلِ مَا يُمَثِّلُهُ مِنَ الدِّينِ (شَرْحُ النَّوَاقِضِ، ص 67).
- [التَّلَازُمُ الْعَقَدِيُّ]: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، أَبْغَضَ بِالتَّبَعِ مَنْ عَمِلَ بِهِ وَدَعَا إِلَيْهِ حَقّاً وَصِدْقاً.
- فَالْكَارِهُ لِلسُّنَّةِ يَبْغَضُ أَهْلَ السُّنَّةِ لِأَجْلِ سُنَّتِهِمْ، وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَظَاهِرِ هَذَا النَّاقِضِ فِي الْعُصُورِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
- قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، فَالْقِتَالُ وَالْبُغْضُ مَحَلُّهُ (الدِّينُ).
- قُلْتُ: وَلِذَلِكَ كَانَ الِانْتِصَارُ لِلصَّحَابَةِ وَآلِ الْبَيْتِ ذَوْداً عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَصِيَانَةً لِمَا جَاءَ بِهِ سَيِّدُ الْأَنَامِ ﷺ.
- وَبِهَذَا تَنْبَطِقُ مَعَالِمُ الْمُتَمِّمَةِ الْخَامِسَةِ فِي حِمَايَةِ جَنَابِ الْوَحْيِ وَحَمَلَتِهِ مِنْ كَيْدِ الشَّانِئِينَ.
[الْحَاشِيَةُ ]
- (1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ، طَبْعَةُ رَمَادِي، ص (570-575).
- (2) ابْنُ الْقَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، ج (2)، ص (450).
- (3) الشَّيْخُ صَالِحٌ السِّنْدِيُّ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ (مَادَّةٌ صَوْتِيَّةٌ وَمُذَكِّرَةٌ)، ص (65-68).
- (4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج (4)، ص (430).
- (5) قُلْتُ: مَحَبَّةُ الصَّحَابَةِ جُزْءٌ مِنْ مَحَبَّةِ الدِّينِ، فَبُغْضُهُمْ طَعْنٌ فِي الدِّينِ نَفْسِهِ.
- (6) يُنْظَرُ: الطَّحَاوِيُّ، الْعَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ مَعَ شَرْحِ ابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص (467) فِي بَابِ الصَّحَابَةِ.
[الْمَبْحَثُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ]
(ص: 156)
أَوَّلًا: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِلْإِرْجَاءِ
- الْإِرْجَاءُ لُغَةً: يَدُورُ حَوْلَ مَعْنَيَيْنِ؛ الْأَوَّلُ: التَّأْخِيرُ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ أَيْ أَخِّرْهُمَا، وَالثَّانِي: إِعْطَاءُ الرَّجَاءِ.
- الْإِرْجَاءُ اصْطِلَاحًا: هُوَ إِخْرَاجُ الْعَمَلِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَبِعِبَارَةٍ أَدَقَّ: هُوَ أَنْ لَا يَدْخُلَ الْعَمَلُ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّتُهُ.
ثَانِيًا: انْقِسَامُ النَّاسِ فِي الْإِرْجَاءِ قَدِيمًا
انْقَسَمَ الْمُنْتَسِبُونَ لِلْإِرْجَاءِ إِلَى نَوْعَيْنِ رَئِيسَيْنِ بِحَسَبِ سِيَاقِ الظُّهُورِ:
- إِرْجَاءُ الْحُكْمِ عَلَى الصَّحَابَةِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ، وَيُرَادُ بِهِ التَّوَقُّفُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُتَقَاتِلِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ وَأَصْحَابِ الْجَمَلِ وَصِفِّينَ) وَتَرْكُ أَمْرِهِمْ إِلَى اللهِ دُونَ تَكْفِيرٍ أَوْ تَفْسِيقٍ، وَهَذَا النَّوْعُ انْقَرَضَ.
- إِرْجَاءُ الْعَمَلِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ: وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الِاصْطِلَاحُ، وَيَقُومُ عَلَى دَعْوَى أَنَّ الْإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْقَلْبِ (أَوْ مَعَ اللِّسَانِ) وَأَنَّ الطَّاعَاتِ ثَمَرَاتٌ خَارِجَةٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ.
ثَالِثًا: فِرَقُ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ وَمَقَالَاتُهُمْ (الْجَهْمِيَّةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ)
- غُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ: قَالُوا إِنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مَحْضُ "الْمَعْرِفَةِ" بِالْقَلْبِ فَقَطْ، فَإِذَا عَرَفَ الْعَبْدُ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، وَإِنْ سَبَّ اللهَ أَوْ سَجَدَ لِصَنَمٍ.
- الْكَرَّامِيَّةُ: خَالَفُوا الْجَمِيعَ فَقَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ "النُّطْقُ بِاللِّسَانِ" فَقَطْ، فَذَهَبُوا إِلَى إِثْبَاتِ الْإِيمَانِ لِلْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَإِنْ كَانُوا فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
رَابِعًا: لَوَازِمُ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ فِي "الْمَعْرِفَةِ"
قُلْتُ: يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ تَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ، مِنْهَا:
- إِيمَانُ إِبْلِيسَ: لِأَنَّهُ عَارِفٌ بِرَبِّهِ حَيْثُ قَالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ﴾.
- إِيمَانُ فِرْعَوْنَ: لِأَنَّهُ اسْتَيْقَنَ بِصِدْقِ مُوسَى كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.
- إِيمَانُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى: الَّذِينَ عَرَفُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾.
- إِسْقَاطُ التَّكْلِيفِ: لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ لَا تَقْبَلُ التَّجَزُّؤَ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ إِيمَانِ الصِّدِّيقِ وَإِيمَانِ أَفْجَرِ الْبَشَرِ.
- تَعْطِيلُ النُّصُوصِ: الَّتِي جَعَلَتِ الْكُفْرَ يَكُونُ بِالْفِعْلِ أَوِ الْقَوْلِ (كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ)، فَالْجَهْمِيَّةُ لَا يُكَفِّرُونَ إِلَّا بِـ "الْجَهْلِ".
[الْحَاشِيَةُ ]
- الْجَهْمِيَّةُ: نِسْبَةً إِلَى الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: 128 هـ)، أَخَذَ عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ، وَقُتِلَ بِخُرَاسَانَ. مَذْهَبُهُمْ فِي الْإِيمَانِ هُوَ الْأَغْلَظُ (الْمَعْرِفَةُ)، وَفِي الصِّفَاتِ التَّعْطِيلُ.
- الْكَرَّامِيَّةُ: أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيِّ (ت: 255 هـ)، كَانَ زَاهِدًا لَكِنَّهُ ابْتَدَعَ فِي الْعَقِيدَةِ قَوْلًا شَاذًّا بِحَصْرِ الْإِيمَانِ فِي الْإِقْرَارِ الظَّاهِرِ.
- الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ: (ت: 124 هـ)، هُوَ أَوَّلُ مَنْ أظهر قَوْلَ خَلْقِ الْقُرْآنِ وَالتَّعْطِيلِ وَالْإِرْجَاءَ، اسْتَقَى فِكْرَهُ مِنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ طَالُوتَ الْيَهُودِيِّ.
- ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج (7)، ص (188) فِي بَيَانِ لَوَازِمِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ.
- الشَّهْرَسْتَانِيُّ، الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، ج (1)، ص (145) فِي تَرْجَمَةِ الْكَرَّامِيَّةِ.
[فِهْرِسُ مَوْضُوعَاتِ الْبَحْثِ]
1- مُقَدِّمَةُ الْبَحْثِ وَخُطْبَةُ الْحَاجَةِ ص 1
2- أَهَمِّيَّةُ الْبَحْثِ فِي بَابِ الْإِيمَانِ ص 3
3- أَهْدَافُ الدِّرَاسَةِ وَمَنْهَجُهَا ص 5
4- تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ مُحَمَّد بْنِ عَلِي رَيْحَان ص 7
5- تَعْرِيفٌ بِمَتْنِ الشَّيْخِ رَيْحَان "الْوَجِيز" ص 10
6- الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ ص 12
7- الْوَجْهُ الْأَوَّلُ: الْإِيمَانُ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ ص 14
8- الْوَجْهُ الثَّانِي: الْإِيمَانُ نُطْقُ اللِّسَانِ ص 16
9- الْوَجْهُ الثَّالِثُ: الْإِيمَانُ عَمَلُ الْجَوَارِحِ ص 18
10- الْوَجْهُ الرَّابِعُ: دَلِيلُ دُخُولِ الْعَمَلِ فِي الْمُسَمَّى ص 20
11- الْوَجْهُ الْخَامِسُ: زِيَادَةُ الْإِيمَانِ بِالطَّاعَةِ ص 22
12- الْوَجْهُ السَّادِسُ: نُقْصَانُ الْإِيمَانِ بِالْمَعْصِيَةِ ص 24
13- الْوَجْهُ السَّابِعُ: أَصْلُ الْإِيمَانِ وَكَمَالُهُ ص 26
14- الْوَجْهُ الثَّامِنُ: حُكْمُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْإِيمَانِ ص 28
15- الْوَجْهُ التَّاسِعُ: التَّلَازُمُ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ ص 30
16- الْوَجْهُ الْعَاشِرُ: نَقْضُ مَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ ص 32
17- الْمَبْحَثُ الثَّانِي: مَسَائِلُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ ص 34
18- الْوَجْهُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَابِطُ اسْمِ الْإِسْلَامِ ص 36
19- الْوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ: ضَابِطُ اسْمِ الْإِيمَانِ ص 38
20- الْوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ ص 40
21- الْوَجْهُ الرَّابِعُ عَشَرَ: تَعْرِيفُ الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ ص 42
22- الْوَجْهُ الْخَامِسُ عَشَرَ: مَنْزِلَةُ الْعَاصِي عِنْدَ السَّلَفِ ص 44
23- الْوَجْهُ السَّادِسُ عَشَرَ: تَعْرِيفُ الْكُفْرِ لُغَةً وَشَرْعاً ص 46
24- الْوَجْهُ السَّابِعُ عَشَرَ: أَنْوَاعُ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ ص 48
25- الْوَجْهُ الثَّامِنُ عَشَرَ: كُفْرُ التَّكْذِيبِ ص 50
26- الْوَجْهُ التَّاسِعُ عَشَرَ: كُفْرُ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ ص 52
27- الْوَجْهُ الْعِشْرُونَ: كُفْرُ الشَّكِّ وَالظَّنِّ ص 54
28- الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: كُفْرُ الْإِعْرَاضِ ص 56
29- الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: كُفْرُ النِّفَاقِ الِاعْتِقَادِيِّ ص 58
30- الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ: الْكُفْرُ الْأَصْغَرُ وَأَمْثِلَتُهُ ص 60
31- الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: كُفْرُ النِّعْمَةِ ص 62
32- الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: قِتَالُ الْمُسْلِمِ كُفْرٌ ص 64
33- الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي التَّكْفِيرِ ص 66
34- الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ: خُطُورَةُ التَّكْفِيرِ بِغَيْرِ حَقٍّ ص 68
35- الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: التَّكْفِيرُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ص 70
36- الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ التَّكْفِيرِ بِالْمُطْلَقِ ص 72
37- الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ تَكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ ص 74
38- الْوَجْهُ الثَّلَاثُونَ: شُرُوطُ التَّكْفِيرِ الْعِلْمِيَّةِ ص 76
39- الْوَجْهُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: بَيَانُ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ ص 78
40- الْوَجْهُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: مَانِعُ الْجَهْلِ ص 80
41- الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: مَانِعُ التَّأْوِيلِ ص 82
42- الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَانِعُ الْإِكْرَاهِ ص 84
43- الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: مَانِعُ الْخَطَأِ ص 86
44- الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ وَبَيَانُهَا ص 88
45- الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: مَنْ هُوَ الْمُؤَهَّلُ لِلتَّكْفِيرِ؟ ص 90
46- الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: رَدُّ التَّكْفِيرِ لِلْقَضَاءِ ص 92
47- الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: نَقْدُ شُبْهَةِ "التَّكْفِيرِ بِاللَّازِمِ" ص 94
48- الْوَجْهُ الْأَرْبَعُونَ: نَقْدُ شُبْهَةِ "التَّسَلْسُلِ فِي التَّكْفِيرِ" ص 96
49- الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الرَّدُّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْقُطْبِيَّةِ ص 98
50- الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ: جُذُورُ فِكْرِ الْخَوَارِجِ ص 100
51- الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ: صِفَاتُ الْخَوَارِجِ فِي النُّصُوصِ ص 102
52- الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ: شُبْهَةُ "الْحَاكِمِيَّةِ" عِنْدَ الْمَوْدُودِيِّ ص 104
53- الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: فِكْرُ سَيِّدِ قُطْبٍ فِي التَّكْفِيرِ ص 106
54- الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: نَقْدُ كِتَابِ "مَعَالِم فِي الطَّرِيق" ص 108
55- الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ: بَيَانُ جَاهِلِيَّةِ الْمُجْتَمَعَاتِ الموهومة ص 110
56- الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: ضَلَالُ التَّكْفِيرِ بِالْمَعْصِيَةِ ص 112
57- الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ: التَّكْفِيرُ بِالْكَبِيرَةِ وَرَدُّهُ ص 114
58- الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ: خُطُورَةُ الْخَوَارِجِ الْقَاعِدِيَّةِ ص 116
59- الْوَجْهُ الْخَمْسُونَ: التَّهْيِيجُ وَأَثَرُهُ فِي الْفِتَنِ ص 118
60- الْوَجْهُ الْحَادِي وَالْخَمْسُونَ: الْخَوَارِجُ الْجِهَادِيَّةُ وَاسْتِبَاحَةُ الدَّمِ ص 120
61- الْوَجْهُ الثَّانِي وَالْخَمْسُونَ: رَدُّ شُبْهَةِ "الْعُذْرِ بِالْجَهْلِ" ص 122
62- الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالْخَمْسُونَ: مَوْقِفُ الشَّيْخِ رَيْحَان مِنَ الْقُطْبِيَّةِ ص 124
63- الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: نَصِيحَةُ الشَّيْخِ رَيْحَان لِلشَّبَابِ ص 126
64- الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: مَنْهَجُ التَّعَامُلِ مَعَ الْوُلَاةِ ص 128
65- الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ: وُجُوبُ الطَّاعَةِ فِي الْمَعْرُوفِ ص 130
66- الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ: الصَّبْرُ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ ص 132
67- الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ: مَفْسَدَةُ الْخُرُوجِ عَلَى الْحُكَّامِ ص 134
68- الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ: عِصْمَةُ دِمَاءِ الْمُعَاهَدِينَ وَالْمُسْتَأْمِنِينَ ص 136
69- الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ: مَنْهَجُ النَّصِيحَةِ السِّرِّيَّةِ ص 138
70- الْوَجْهُ السِّتُّونَ: الْحَذَرُ مِنْ دُعَاةِ الثَّوْرَاتِ ص 140
71- الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الصِّفَاتُ الْمُشْكِلَةُ ص 142
72- الْوَجْهُ الْحَادِي وَالسِّتُّونَ: قَاعِدَةُ "الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ" ص 144
73- الْوَجْهُ الثَّانِي وَالسِّتُّونَ: إِمْرَارُ النُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ ص 146
74- الْوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ: بَيَانُ لَفْظِ "الْمُشْكِل" عِنْدَ السَّلَفِ ص 148
75- الْوَجْهُ الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: إِثْبَاتُ الْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ ص 150
76- الْوَجْهُ الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ: إِثْبَاتُ الِاسْتِوَاءِ وَالْعُلُوِّ ص 152
77- الْوَجْهُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ: الرَّدُّ عَلَى الْمُؤَوِّلَةِ ص 154
78- الْوَجْهُ السَّابِعُ وَالسِّتُّونَ: الرَّدُّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ ص 156
79- الْوَجْهُ الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ: مَنْهَجُ الْإِثْبَاتِ بِلَا تَمْثِيلٍ ص 158
80- الْوَجْهُ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ: مَنْهَجُ التَّنْزِيهِ بِلَا تَعْطِيلٍ ص 160
81- الْوَجْهُ السَّبْعُونَ: كَلَامُ اللهِ وَالرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ص 162
82- نَتَائِجُ الْبَحْثِ (20 نَتِيجَةً جَامِعَةً) ص 164
83- النَّتِيجَةُ (1) إِلَى (5) ص 164
84- النَّتِيجَةُ (6) إِلَى (10) ص 164
85- النَّتِيجَةُ (11) إِلَى (15) ص 164
86- النَّتِيجَةُ (16) إِلَى (20) ص 164
87- وَصَايَا سَلَفِيَّةٌ فِي الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ ص 165
88- الْوَصِيَّةُ (1) إِلَى (5) ص 165
89- الْوَصِيَّةُ (6) إِلَى (10) ص 165
90- الْوَصِيَّةُ (11) إِلَى (15) ص 165
91- الْوَصِيَّةُ (16) إِلَى (20) ص 165
92- خَاتِمَةُ الْبَحْثِ ص 166
93- التَّوْصِيَاتُ الْعِلْمِيَّةُ ص 167
94- التَّوْصِيَاتُ الدَّعَوِيَّةُ ص 168
95- ثَبَتُ الْمَصَادِرِ وَالْمَرَاجِعِ ص 169
96- فِهْرِسُ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ ص 171
97- فِهْرِسُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ ص 172
98- فِهْرِسُ الْأَعْلَامِ ص 173
99- فِهْرِسُ الْمَوْضُوعَاتِ ص 174
100- دُعَاءُ الْخِتَامِ ص 175

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق