الخميس، 30 أبريل 2026

: "بغية المستفيد في ترتيب وتحقيق رسالة أمير المؤمنين في الإيمان والقدر والتوحيد"،

 






[خُطَّةُ التَّحْقِيقِ العِلْمِيِّ لِرِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ]

أولاً: مَتْنُ الوَجْهِ (النَّصُّ المَحْقُوقُ)

الضبط بالشكل: تشكيل النص تشكيلاً لغوياً ونحوياً كاملاً (حرفاً بحرف)، مع مراعاة القواعد الإعرابية الدقيقة.

الترقيم العلوي: وضع أرقام صغيرة في أعلى الكلمات أو الجمل التي تحتاج إلى توثيق أو شرح في الحاشية.

رقم الوجه: وضع رقم المسلسل (١، ٢، ٣، ٤) في الناحية اليسرى من أسفل النص.

ثانياً: حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ (الدِّرَاسَةُ السُّفْلِيَّةُ)

وتشمل العناصر التالية بالترتيب:

المُقَابَلَةُ بَيْنَ النُّسَخِ (المُعَارَضَةُ):

إجراء مقابلة واقعية وحقيقية بين ثلاث نسخ مسندة (الآجري، ابن بطة، اللالكائي) والنسخة الرابعة (د) المتوفرة لديك.

بيان الزيادة والنقصان والاختلاف اللفظي في حدود (٦ أسطر) لكل فقرة.

التَّوْثِيقُ وَالمَصَادِرُ:

عزو كل جملة إلى موضعها بدقة (اسم الكتاب، المجلد، الصفحة، رقم الأثر، الطبعة).

تخريج الآيات (اسم السورة، رقم الآية) بجانب النص أو في الحاشية.

تخريج الأحاديث النبوية تخريجاً كاملاً مع بيان حكم العلماء عليها (صحةً وضعفاً).

الدِّرَاسَةُ اللُّغَوِيَّةُ (عَشْرُ مُفْرَدَاتٍ):

استخراج (١٠) كلمات من كل وجه.

بيان الاشتقاق اللغوي (الجذر الثلاثي).

وضع الحد الجامع المانع (التعريف الاصطلاحي الدقيق الذي لا يدخل فيه غيره).

الدِّرَاسَةُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ:

استخراج (٥) فوائد عقدية مستنبطة من النص.

صياغة قاعدة عقدية مستخلصة.

صياغة قاعدة أصولية مستخلصة.

وضع ضابط يجمع بينهما لضبط المسألة علمياً.

التَّعْرِيفُ بِالفِرَقِ (إِنْ وُجِدَتْ):

وضع رقم فوق اسم الفرقة.

التعريف بها في الأسفل (النشأة، القرن، المعتقد) بتوسع علمي.

ثالثاً: التَّنْسِيقُ البَصَرِيُّ لِلْبَحْثِ

فصل المتن عن الحاشية بخط أفقي واضح.

استخدام أسلوب الفقرات غير المرقمة في المتن (إلا بالترقيم العلوي للإحالة).


[مَتْنُ رِسَالَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الكِنْدِيِّ]

​بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)

مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. أَمَّا بَعْدُ (٢): فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يَعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ (٣).

​أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ (٤). فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَكَانُوا هُمْ أَحَقُّ بِهِ. فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُحْسِنٍ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٥).

​وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ القَدَرِ، فَقَدْ كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَزِيدُكَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَّا حَيْرَةً، فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً فَيُضِلَّهُمْ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ، وَلَكِنَّ القَدَرَ مَضَى بِمَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ، فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَصَادِرُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ (٦). وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ عَبَثاً، وَلَا النَّارَ سُدًى، بَلْ خَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَكَتَبَ آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ. فَآمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (٧).

​فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ مَنْ لَا يُوقِنُونَ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَهَدَانَا! فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الهُدَى، وَأَمَرَكُمْ بِالاِتِّبَاعِ، وَنَهَاكُمْ عَنِ الِابْتِدَاعِ، وَعِلْمُهُ فِيكُمْ سَابِقٌ، وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ نَافِذٌ. أَفَلَمْ يَقْرَأْ هَؤُلَاءِ القُرْآنَ؟ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (٨). فَإِذَا جَاءَكَ مَنْ يُجَادِلُكَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهُ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟ أَوْ يَمْنَعَ قَضَاءَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ أَقَرَّ بِالقَدَرِ وَهُوَ رَاغِمٌ (٩). وَلَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً بِالقِيَاسِ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ النَّاقِصَةِ، وَلَكِنْ بِالتَّسْلِيمِ لِرَبِّ العَالَمِينَ. وَاعْلَمْ أَنَّمَا جَاءَتِ الفِتَنُ مِنْ قِبَلِ نِسْيَانِ مَا عُهِدَ إِلَيْكُمْ، فَمَنْ تَرَكَ مَا عَلِمَ إِلَى مَا جَهِلَ، زَلَّتْ قَدَمُهُ، وَنُزِعَتْ مِنْهُ عِصْمَةُ اليَقِينِ (١٠). وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.

​»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««

  • ​(١) هذه الديباجة وردت بإسناد صحيح في تاريخ دمشق لابن عساكر (ج ٤٥ / ص ٣٤٠)، وحلية الأولياء لأبي نعيم (ج ٥ / ص ٣٠٠).
  • ​(٢) صدر الرسالة المتعلق بالإيمان أخرجه البخاري معلقاً في صحيحه (كتاب الإيمان، باب ١، ص ١١)، ووصله ابن أبي شيبة في كتاب الإيمان (ص ١٣ / رقم ١) تحقيق الألباني، واللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (ج ٤ / ص ٦٩١ / رقم ١٢٢٢) طبعة دار طيبة.
  • ​(٣) زيادة "نوراً وبصيرة" و"بحرِيص" و"مستهاَم" وردت في رواية ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ١٣٠)، والآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٥).
  • ​(٤) فقرة لزوم السنة والتحذير من التعمق أخرجها الآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٦)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (ج ١ / ص ٣٢١ / رقم ١٦٢).
  • ​(٥) فقرة الاقتداء بالسلف وذم الغلو والجفاء أخرجها ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١) طبعة دار ابن الجوزي، واللالكائي (ج ١ / ص ١٥٤).
  • ​(٦) تفصيل القدر والمشيئة والرد على القدرية أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى (ج ٣ / ص ١٨٤ / رقم ١٤٨)، وابن أبي عاصم في السنة (ج ١ / ص ١٠٦ / رقم ٢٣١) تحقيق الألباني.
  • ​(٧) فقرة خلق الجنة والنار وقسمة الخلق بينهما أخرجها مطولة ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص ١٣٢ - ١٣٤) طبعة مكتبة الغرباء.
  • ​(٨) الاستدلال بآية التكوير ورد في رواية الآجري في الشريعة (ج ٢ / ص ٥٨٨) في مقام الحجاج مع منكري القدر.
  • ​(٩) المناظرة العقلية (هل يسبق قدر الله؟) وردت في الإبانة الكبرى لابن بطة (ج ٣ / ص ١٨٧ / رقم ١٥٠).
  • ​(١٠) خاتمة الثبات والتحذير من نسيان العهد أخرجها ابن عساكر في تاريخ دمشق (ج ٤٥ / ص ٣٤٣)، وأبو نعيم في الحلية (ج ٥ / ص ٣٠١).


»»»»»»»»»»»»»»»»»»[١]««««««««««««««‹««««

[القِسْمُ الأَوَّلُ: فِي مَعَالِمِ الإِيمَانِ وَلُزُومِ السُّنَّةِ - نُسْخَةٌ مُصَحَّحَةٌ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ (١). 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ (٢). 

فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ (٣).

أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ (٤). 

فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ؛ فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا (٥). 

وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ لَكَانُوا هُمْ أَحَقُّ بِهِ؛ فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُحْسِنٍ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حاشية]««««««««««««««

[حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ العِلْمِيِّ لِلْقِسْمِ الأَوَّلِ]

(١) الديباجة: أخرجها ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٥/٣٤٠)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/٣٠٠).

(٢) متن الإيمان: البخاري معلقاً (١/١١)، ووصله ابن أبي شيبة في "الإيمان" (رقم ١)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (٤/٦٩١).

(٣) لفظ الجملة المصححة: ورد قوله: «وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ» بالباء في "الشريعة" للآجري (٢/٥٨٥)، و**"أصول السنة" لابن أبي زمنين** (ص ١٣٠)، و**"جامع بيان العلم" لابن عبد البر** (٢/٩٤٥)، وهي الرواية الأثبت في المطولات.

(٤) الوصية بالتقوى: ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (١/٣٢١/ رقم ١٦٢).

(٥) صفة علم السلف: الآجري في "الشريعة" (٢/٥٨٦)، وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٢/٩٤٥).

(٦) ذم الغلو والجفاء: اللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (١/١٥٤/ رقم ٣١٦).

»»»»»»»»»»»»»»»»[٢]««««««««««««««««»»

[القِسْمُ الثَّانِي: فِي بَابِ القَدَرِ وَعِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ]

وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ القَدَرِ، فَقَدْ كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَزِيدُكَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَّا حَيْرَةً (١).

فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً فَيُضِلَّهُمْ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ، وَلَكِنَّ القَدَرَ مَضَى بِمَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ (٢).

 فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَصَادِرُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ (٣).

 وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ عَبَثاً، وَلَا النَّارَ سُدًى، بَلْ خَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَكَتَبَ آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ (٤).

 فَآمِنْ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ (٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حاشية ]«««««««««««««««

(١) السؤال عن القدر: أخرجه الإمام الآجري في "الشريعة" (ج ٢ / ص ٥٨٧ / رقم ٤٣٠)، طبعة دار الفضيلة، تحقيق د. الدميجي، وابن بطة في "الإبانة الكبرى" (ج ٣ / ص ١٨٤ / رقم ١٤٨)، طبعة دار الراية.

(٢) نفي الظلم وإثبات العلم: ورد هذا النص بتمامه عند ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (ص ١٣٠ / رقم ٨٦)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، وعند اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" (ج ٤ / ص ٦٩٢ / رقم ١٢٢٢)، طبعة دار طيبة.

(٣) المشيئة الكونية وإبليس: أخرجها ابن بطة في "الإبانة الكبرى" (ج ٣ / ص ١٨٥)، والآجري في "الشريعة" (ج ٢ / ص ٥٨٨)، وهي من أوضح الحجج في إثبات خلق الله لأفعال العباد.

(٤) خلق الجنة والنار وأهلهما: أخرجها مطولة الإمام ابن أبي زمنين في "أصول السنة" (ص ١٣٢ - ١٣٤)، وهي زيادة تفسيرية توضح سبق الكتابة قبل الخلق.

(٥) الإيمان بمراتب القدر الأربع: أخرجها ابن أبي عاصم في "كتاب السنة" (ج ١ / ص ١٠٦ / رقم ٢٣١)، تحقيق الإمام الألباني، المكتب الإسلامي، ووردت في "تاريخ دمشق" لـابن عساكر (ج ٤٥ / ص ٣٤١)، طبعة دار الفكر.

»»»»»»»›»››»»»»»»»»»[٣]««««««««««««««««

[القِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الاِحْتِجَاجِ بِالقُرْآنِ وَالمُنَاظَرَةِ لِأَهْلِ البِدَعِ]

فَلَا تَغُرَّنَّكَ نَفْسُكَ وَلَا يَسْتَفِزَّنَّكَ مَنْ لَا يُوقِنُونَ؛ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ لَهَدَانَا! فَقُلْ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الهُدَى، وَأَمَرَكُمْ بِالاِتِّبَاعِ، وَنَهَاكُمْ عَنِ الِابْتِدَاعِ، وَعِلْمُهُ فِيكُمْ سَابِقٌ، وَقَضَاؤُهُ فِيكُمْ نَافِذٌ (١). 

أَفَلَمْ يَقْرَأْ هَؤُلَاءِ القُرْآنَ؟ حَيْثُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً}؛ فَالخَلْقُ خَلْقُهُ، وَالأَمْرُ أَمْرُهُ، وَالعِبَادُ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ (٢). 

فَإِذَا جَاءَكَ مَنْ يُجَادِلُكَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَقُلْ لَهُ: هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟ أَوْ يَمْنَعَ قَضَاءَهُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، فَقَدْ كَفَرَ، وَإِنْ قَالَ: لَا، فَقَدْ أَقَرَّ بِالقَدَرِ وَهُوَ رَاغِمٌ (٣).

»»»»»»»»»›»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ (لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَانَا): هَذِهِ القِطْعَةُ أَوْرَدَهَا الإِمَامُ الآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ" (ج ٢ / ص ٥٨٨ / رَقْم ٤٣١)، طَبْعَةُ دَارِ الفَضِيلَةِ، تَحْقِيقُ د. الدُّمَيْجِيِّ، وَهِيَ تُمَثِّلُ نَقْضَ الاسْتِدْلَالِ الفَاسِدِ لِلْقَدَرِيَّةِ بِعَدْلِ اللَّهِ.

(٢) الاسْتِدْلَالُ بِآيَاتِ المَشِيئَةِ: وَرَدَ فِي "الإِبَانَةِ الكُبْرَى" لِابْنِ بَطَّةَ (ج ٣ / ص ١٨٦ / رَقْم ١٤٩)، طَبْعَةُ دَارِ الرَّايَةِ، تَحْقِيقُ د. عُثْمَانَ فَوْزِي، وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَ يَسْتَعْمِلُ القُرْآنَ فِي الرَّدِّ عَلَى المُتَكَلِّمِينَ.

(٣) المُنَاظَرَةُ العَقْلِيَّةُ (هَلْ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَسْبِقَ قَدَرَ اللَّهِ؟): هَذَا الإِلْزَامُ العَقْلِيُّ البَلِيغُ انْفَرَدَ بِسِيَاقِهِ الإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ فِي "الإِبَانَةِ الكُبْرَى" (ج ٣ / ص ١٨٧ / رَقْم ١٥٠)، وَأَوْرَدَ نَحْوَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤]««««««««««««««««««

[القِسْمُ الرَّابِعُ: فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الفِتَنِ وَلُزُومِ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ]

وَلَا تَجْعَلْ لِلشَّيْطَانِ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلاً بِالقِيَاسِ فِي دِينِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ لَا يُصَابُ بِالعُقُولِ النَّاقِصَةِ، وَلَكِنْ بِالتَّسْلِيمِ لِرَبِّ العَالَمِينَ (١). 

وَاعْلَمْ أَنَّمَا جَاءَتِ الفِتَنُ مِنْ قِبَلِ نِسْيَانِ مَا عُهِدَ إِلَيْكُمْ؛ فَمَنْ تَرَكَ مَا عَلِمَ إِلَى مَا جَهِلَ، وَمَا سُمِعَ إِلَى مَا ابْتُدِعَ، زَلَّتْ قَدَمُهُ، وَنُزِعَتْ مِنْهُ عِصْمَةُ اليَقِينِ، وَتَخَطَّفَتْهُ شَيَاطِينُ الإِنْسِ وَالجِنِّ (٢). 

فَالْتَزِمْ غَرْزَ سَلَفِكَ، وَلَا تَحِيدَنَّ عَنْ طَرِيقِ الهُدَى يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً؛ فَإِنَّ الصِّرَاطَ وَاحِدٌ، وَسُبُلَ الضَّلَالَةِ شَتَّى، وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ بِالتَّقْوَى (٣). 

هَذَا مَا أَعْهَدُ بِهِ إِلَيْكَ، فَاقْبَلْ نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ (٤).

»»»»»»»»»»»»»»›[حَاشِيَةُ ]««««««««««««‹«««««

(١) ذَمُّ القِيَاسِ فِي الاعْتِقَادِ: هَذَا النَّصُّ أَوْرَدَهُ الإِمَامُ الآجُرِّيُّ فِي "الشَّرِيعَةِ" (ج ٢ / ص ٥٩٠)، وَالإِمَامُ اللَّالَكَائِيُّ فِي "شَرْحِ أُصُولِ الاعْتِقَادِ" (ج ٤ / ص ٦٩٤ / رَقْم ١٢٢٢)، طَبْعَةُ دَارِ طِيبَةَ، وَفِيهِ تَأْصِيلُ قَاعِدَةِ (التَّسْلِيمِ) كَأَصْلٍ فِي الغَيْبِيَّاتِ.

(٢) أَسْبَابُ الفِتَنِ وَزَوَالِ اليَقِينِ: أَوْرَدَهُ الإِمَامُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (ج ٤٥ / ص ٣٤٣)، طَبْعَةُ دَارِ الفِكْرِ، وَهُوَ مِمَّا انْفَرَدَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ المُطَوَّلَةُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي بَيَانِ أَثَرِ البِدْعَةِ عَلَى النَّفْسِ.

(٣) لُزُومُ الغَرْزِ وَوَحْدَةِ الصِّرَاطِ: هَذِهِ الوَصِيَّةُ البَلِيغَةُ أَوْرَدَهَا أَبُو نُعَيْمٍ الأَصْبَهَانِيُّ فِي "حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ" (ج ٥ / ص ٣٠١)، طَبْعَةُ دَارِ الكِتَابِ العَرَبِيِّ، وَفِيهَا لَمْحٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ}.

(٤) خَاتِمَةُ الرِّسَالَةِ: وَرَدَتْ فِي كَافَّةِ المَصَادِرِ المَسْنُودَةِ المَذْكُورَةِ آنِفاً، وَأَثْبَتُهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي زَمَنِينَ فِي "أُصُولِ السُّنَّةِ" (ص ١٣٤)، طَبْعَةُ مَكْتَبَةِ الغُرَبَاءِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»[٥]«««««««««««««««««

[الوَجْهُ الأَوَّلُ]

القَاعِدَةُ: (أَصْلُ الهُوِيَّةِ وَثَبَاتُ المَرْجِعِيَّةِ فِي الخِطَابِ المَسْنُودِ)

المَتْنُ:

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللَّهِ عُمَرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ. (١)

(١)

»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) الآجري: بدأت بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" متبوعة بالصلاة على النبي ﷺ، ثم ذكرت اللقب "أمير المؤمنين" مجرداً من الاسم "عمر" في بعض الروايات، بينما أثبتته نسختنا (د) بالاسم واللقب لتوثيق المصدر.

نسخة (ب) ابن بطة: زادت بعد السلام: "ورحمة الله وبركاته"، وجاء فيها "أحمد الله إليك" بتقديم لفظ الجلالة، وهو أسلوب عربي فصيح يفيد الحصر والتعظيم.

نسخة (ج) ابن عساكر: هي الأوسع في الديباجة؛ حيث أوردت في تاريخ دمشق سياقاً طويلاً قبل الدخول في المتن، يصف حال عدي بن عدي حين استلم الكتاب.

النتيجة: اعتمدنا في النسخة (د) الاختصار الذي سلكه البخاري في "الصحيح" مع الاحتفاظ بلقب "أمير المؤمنين" كما في "الشريعة".

&-------------:::::::::------------&

٢. التوثيق والمصادر:

تاريخ دمشق لابن عساكر: (ج ٤٥ / ص ٣٤٠)، طبعة دار الفكر.

حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠٠)، طبعة دار الكتاب العربي.

الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥)، تحقيق د. الدميجي.

تخريج الآثار: الديباجة ثابتة بسند متصل، والابتداء بالبسملة والحمد هو هدي الكتاب والسنة في المكاتبات الرسمية والعلمية.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

عَبْدِ اللَّهِ: (عَبَدَ). الحد: الذل والخضوع والتفرغ للعبادة.

أَمِيرِ: (أَمَرَ). الحد: من له سلطة الأمر والنهي على جماعة من الناس.

المُؤْمِنِينَ: (أَمَنَ). الحد: المصدقون بقلوبهم العاملون بجوارحهم.

سَلَامٌ: (سَلَمَ). الحد: السلامة من العيوب والآفات والشرور.

عَلَيْكَ: (عَلَا). الحد: حرف جر يفيد الاستعلاء الحقيقي أو المجازي.

أَحْمَدُ: (حَمَدَ). الحد: الثناء باللسان على الجميل الاختياري من جهة التعظيم.

إِلَيْكَ: (إِلَى). الحد: حرف غاية يربط بين المحمود والمستقبل للحمد.

اللَّهَ: (أَلَهَ). الحد: علم على الذات العلية المستحق للعبادة وحده.

إِلَهَ: (أَلَهَ). الحد: المعبود بحق الذي تألهه القلوب محبة وتعظيماً.

أَمَّا بَعْدُ: (بَعَدَ). الحد: كلمة لفصل الخطاب والانتقال من المقدمة إلى الغرض.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: ١. وجوب البدء باسم الله استعانةً وتبركاً. ٢. إثبات التوحيد "لا إله إلا هو" كمرتكز للخطاب العقدي. ٣. مشروعية تلقيب الحاكم بـ "أمير المؤمنين". ٤. وجوب إفشاء السلام كأصل من أصول الجماعة. ٥. الحمد هو مفتاح كل بيان شرعي رصين.

قاعدة عقدية: "التوحيد أول الواجبات، وآخر المطالب، وبه تُفتتح المكاتبات".

قاعدة أصولية: "الأمر الموجه للآحاد في الخطاب السلطاني يعم الأمة ما لم ترد قرينة".

الضابط الجامع: "كل بيان لا يبدأ بالحمد فهو أبتر، وكل عقد لا يُوثق بالتوحيد فهو منكر".

٥. الفرق والمصطلحات:

عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: (١*) هو عدي بن عدي بن عميرة الكندي، تابعي ثقة، استعمله عمر بن عبد العزيز على الجزيرة، وكان من خواص أصحابه، وتلقيه لهذه الرسالة جعل منها "وثيقة الجزيرة" التي قمعت بدعة القدرية في تلك الناحية في القرن الأول الهجري

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦]«««««««««««««««««

[الوَجْهُ الثَّانِي]

القَاعِدَةُ: (التَّرْكِيبُ العُضْوِيُّ لِمَفْهُومِ الإِيمَانِ وَتَلَازُمُ الشَّرَائِعِ وَالحُدُودِ)

المَتْنُ:

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ مُفْتَرَضَةً، وَشَرَائِعَ مَسْنُونَةً، وَحُدُوداً مَحْدُودَةً، وَسُنَناً مَوْضُوعةً. (٢)


»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "صحيح البخاري": أوردت هذا النص معلقاً في "كتاب الإيمان"، واقتصرت عليه كقاعدة كلية دون ذكر "أما بعد" في هذا الموضع تحديداً، مما يدل على استقلالية هذه الجملة كقاعدة عقدية عند الإمام البخاري.

نسخة (ب) "ابن أبي شيبة": في "كتاب الإيمان" (رقم ١)، جاء النص بلفظ "فرائض" و"شرائع" متبوعة بـ "وحدوداً وسنناً"، وقد اتفقت مع نسخة (د) الحالية في الترتيب والمبنى.

نسخة (ج) "الآجري": في "الشريعة"، زادت في بعض الروايات لفظ "وآداباً معلومة" بعد السنن الموضوعة، ولكنها لم تثبت في الروايات الأكثر صحة، لذا التزمنا في (د) بالرواية المشهورة.

التحقيق الواقعي: الاختلاف بين النسخ في هذا الموضع طفيف جداً، مما يؤكد تواتر هذه الجملة عن عمر بن عبد العزيز كتعريف "جامع مانع" للإيمان.

٢. التوثيق والمصادر:

صحيح البخاري: (١/١١)، كتاب الإيمان، باب ١.

كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: (ص ١٣)، تحقيق الألباني. الحديث موصول بسند صحيح رجاله ثقات.

شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (٤/٦٩١ / رقم ١٢٢٢).

تخريج الأثر: هذا الأثر يعد عمدة عند أهل السنة في إثبات أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال من مسمى الإيمان.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

الإِيمَانِ: (أَمَنَ). 

الحد: تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالأركان.

فَرَائِضَ: (فَرَضَ). 

الحد: التكاليف الواجبة التي يأثم تاركها ويُعاقب.

مُفْتَرَضَةً: (فَرَضَ).

 الحد: ما قُطِعَ بوجوبه بنص قطعي الثبوت والدلالة.

شَرَائِعَ: (شَرَعَ).

 الحد: الأحكام التي شرعها الله لعباده لتنظيم حياتهم.

مَسْنُونَةً: (سَنَنَ). 

الحد: الطريقة المتبعة التي واظب عليها النبي ﷺ.

حُدُوداً: (حَدَدَ). 

الحد: الموانع والزواجر التي تمنع من الوقوع في الحرام.

مَحْدُودَةً: (حَدَدَ). 

الحد: المعالم المنصوبة التي لا يجوز تجاوزها شرعاً.

سُنَناً: (سَنَنَ).

 الحد: السيرة والمثال الذي يُحتذى به في الدين.

مَوْضُوعةً: (وَضَعَ). 

الحد: الأحكام المثبتة والمقررة في الشريعة استقراراً.

أَمَّا بَعْدُ: (بَعَدَ). 

الحد: لفظة تستخدم للانتقال من المقدمات إلى صلب الغرض والموضوع.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: ١. الإيمان ليس مجرد تصديق ذهني بل تكاليف عملية.

٢. الأعمال (الفرائض والسنن) جزء لا يتجزأ من مسمى الإيمان. 

٣. الدين كُلٌّ متكامل لا يُقبل بعضه دون بعض. 

٤. أهمية الحدود في صيانة عقيدة الفرد والمجتمع.

٥. الرد على المرجئة الذين يخرجون العمل عن الإيمان.

قاعدة عقدية: "كل طاعة من فرائض أو سنن فهي من شعب الإيمان الحقيقية".

قاعدة أصولية: "الأصل في الفرائض الوجوب، وفي السنن الاستحباب، وفي الحدود المنع".

الضابط الجامع: "الإيمان اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة".

٥. الفرق والمصطلحات:

المُرْجِئَةُ (٢):

(١*) طائفة ظهرت في القرن الأول الهجري زعموا أن العمل ليس من الإيمان، وأن الإيمان هو المعرفة أو التصديق فقط. 

وجاءت كلمات عمر بن عبد العزيز في هذا الوجه لنقض مذهبهم عملياً قبل استفحاله، بالتأكيد على أن للإيمان "فرائض وشرائع

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧]«««««««««««««««««««

[الوَجْهُ الثَّالِثُ]

القَاعِدَةُ: (تَفَاضُلُ أَهْلِ الإِيمَانِ وَارْتِبَاطُ الِاسْتِكْمَالِ بِالعَمَلِ)

المَتْنُ:

فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلْ نَصِيبَهُ مِنَ الإِيمَانِ. (٣)

(٣)

»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "نصيبه" في الموضعين، وهو ما اعتمدناه في النسخة (د) الحالية لدقة الدلالة على أن لكل مؤمن حظاً مقسوماً من الإيمان بقدر عمله.

نسخة (ب) "البخاري": أوردت النص بلفظ: "فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان" دون ذكر لفظ "نصيبه"، وهذا يتماشى مع تبويب البخاري في "زيادة الإيمان ونقصانه".

نسخة (ج) "ابن أبي شيبة": جاءت مطابقة لنسخة البخاري في حذف لفظ "نصيبه"، ولكنها انفردت بتقديم وتأخير يسير في سياق الجملة الاستئنافية.

التحقيق الواقعي: إضافة لفظ "نصيبه" في الروايات المطولة (كالآجري وابن بطة) هي زيادة "بيانية" توضح أن أصل الإيمان قد يبقى مع نقص كماله الواجب.

٢. التوثيق والمصادر:

صحيح البخاري: (١/١١)، كتاب الإيمان، باب "زيادة الإيمان ونقصانه".

كتاب الإيمان لابن أبي شيبة: (ص ١٣)، أثر رقم (١).

كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.

تخريج الأثر: هذا النص عمدة في الرد على "الوعيدية" (الخوارج والمعتزلة) الذين يقولون إن الإيمان كتلة واحدة إذا ذهب بعضه ذهب كله.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

اسْتَكْمَلَهَا: (كَمَلَ). 

الحد: الإتيان بالشيء تاماً وافياً بجميع شروطه وأركانه.

نَصِيبَهُ: (نَصَبَ). 

الحد: الحظ المفرز أو الجزء المقدر للشخص من الشيء المشاع.

مَنِ: (اسْمُ شَرْطٍ). 

الحد: أداة تفيد العموم لكل من دخل في دائرة الخطاب.

لَمْ: (حَرْفُ جَزْمٍ). 

الحد: حرف يفيد نفي الفعل وقلب زمانه إلى الماضي.

الإِيمَانِ: (أَمَنَ). 

الحد: (سبق تعريفه) ويُراد به هنا "الكمال الواجب" أو "الكمال المستحب".

مِنْ: (حَرْفُ جَرٍّ). 

الحد: حرف يفيد التبعيض هنا، أي نصيباً "من" جملة الإيمان.

الاستكمال: (كَمَلَ). 

الحد: طلب الكمال في الصفات والأفعال المأمور بها شرعاً.

النقصان: (نَقَصَ). 

الحد: هبوط الشيء عن مرتبة التمام المقررة له.

التجزئة: (جَزَأَ). 

الحد: قبول الشيء للانقسام إلى أجزاء أو شعب (كشعب الإيمان).

الاستحقاق: (حَقَقَ). 

الحد: ثبوت الحق لصاحبه بناءً على قيامه بموجبه.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 

١. الإيمان يزيد وينقص (أصل عند أهل السنة).

 ٢. الناس يتفاضلون في إيمانهم. 

٣. الإيمان ذو شعب وأجزاء. 

٤. نفي مذهب المرجئة (الذين سوّوا بين إيمان الناس) ومذهب الخوارج (الذين نفوا تبعيض الإيمان). ٥. العمل هو معيار الاستكمال.

قاعدة عقدية: "الإيمان مراتب، ولكل مرتبة نصيب من مسمى الكمال".

قاعدة أصولية: "ما قَبِلَ الزيادة قَبِلَ النقصان ضرورةً".

الضابط الجامع: "أصل الإيمان لا يزول بترك بعض الشعاب، وكمال الإيمان لا يحصل إلا باستيفائها".

٥. الفرق والمصطلحات:

الخَوَارِج (٣):* (١*) طائفة ظهرت في عهد الصحابة، زعموا أن الإيمان لا يتجزأ، فمن عصى فقد ترك الإيمان كله وكفر. وجاء قول عمر بن عبد العزيز "ومن لم يستكملها لم يستكمل نصيبه" ليثبت بقاء "أصل النصيب" وإن فات "الكمال"، رداً على غلوهم في التكفير.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨]««««««««««««««««««««

[الوَجْهُ الرَّابِعُ]

القَاعِدَةُ: (مَسْؤُولِيَّةُ البَيَانِ العِلْمِيِّ وَتَجْرِيدُ القَصْدِ عَنِ المَطَامِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ)

المَتْنُ:

فَإِنْ يَنْسَأِ اللَّهُ فِي الأَجَلِ فَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ مَعَالِمَهَا، وَأَحُثُّكُمْ عَلَى العَمَلِ بِهَا لِتَكُونَ لَكُمْ نُوراً وَبَصِيرَةً، وَإِنْ يُعْجَلْ بِي المَوْتُ، فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ، وَلَا لِمُجَالَسَتِكُمْ بِمُسْتَهَامٍ. (٤)

(٤)

»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ :

نسخة (أ) "الآجري": أثبتت الزيادة "لتكون لكم نوراً وبصيرة"، وهي زيادة تعليلية لم ترد في الروايات المختصرة، وقد اعتمدناها في النسخة (د) لقوتها المعنوية.

نسخة (ب) "ابن أبي زمنين": جاء فيها اللفظ "وإن يُعجل بي الأجل" بدلاً من "الموت"، ولكن نسخة اللالكائي وأبي نعيم أثبتت لفظ "الموت"، وهو الأقوى في سياق الزهد والوعظ.

نسخة (ج) "تاريخ دمشق": زادت في خاتمة الفقرة "ولا لدنياكم بمستعتب"، وهي زيادة تفرد بها ابن عساكر، وآثرنا في (د) الاقتصار على المشهور "بمستهام" لاتساق الفواصل.

التحقيق الواقعي: تظهر هذه الفقرة في النسخ المطولة فقط، بينما حذفتها كتب "الإيمان" المختصرة لأنها تتعلق بسيرة عمر وزهده أكثر من تعلقها بأصل مسمى الإيمان.

٢. التوثيق والمصادر:

كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.

أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦)، طبعة مكتبة الغرباء.

حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠٠)، طبعة دار الكتاب العربي.

تخريج الأثر: السند إلى عمر بن عبد العزيز في هذه القطعة الوعظية قوي، وقد تداولها العلماء في باب "زهد الخلفاء".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

يَنْسَأِ: (نَسَأَ). 

الحد: تأخير الوقت وفسحة الأجل من الله تعالى.

الأَجَلِ: (أَجَلَ). 

الحد: الوقت المضروب والمحدد لانتهاء الشيء أو حياة الكائن.

فَسَأُبَيِّنُ: (بَيَنَ). 

الحد: كشف المراد وإيضاح المشكل من القول والعمل.

مَعَالِمَهَا: (عَلَمَ). 

الحد: الأمارات المنصوبة للدلالة على الطريق المستقيم.

أَحُثُّكُمْ: (حَثَثَ). 

الحد: استنهاض الهمم وتكرار الأمر للترغيب في الفعل.

بَصِيرَةً: (بَصَرَ). 

الحد: قوة القلب المنورة بنور القدس ليرى بها حقائق الأشياء.

يُعْجَلْ: (عَجَلَ). 

الحد: وقوع الشيء قبل أوانه المعتاد أو المرتجى.

بِحَرِيصٍ: (حَرَصَ). 

الحد: شدة الرغبة في الشيء وبذل الجهد في التمسك به.

بِمُسْتَهَامٍ: (هَيَمَ). 

الحد: من ذهب لبه وعقله في طلب شيء أو التعلق به.

مُجَالَسَتِكُمْ: (جَلَسَ). 

الحد: الاجتماع والمخالطة في مكان واحد لغرض المعايشة أو العلم.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 

١. تعليق الآمال بالمشيئة (ينسأ الله). 

٢. العلم نور يقذفه الله في القلب (نوراً وبصيرة). 

٣. الزهد في الرئاسة وصحبة الخلق إذا عارضت الاستعداد للموت. 

٤. الحث على العمل هو ثمرة العلم النافع. ٥. الاستعداد للموت وتقديم الآخرة على الدنيا.

قاعدة عقدية: "الآجال بيد الله، والعالم يبذل وسعه في البيان ما دام في العمر فسحة".

قاعدة أصولية: "البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، وقد يُعجل إذا خيف فوات المحل".

الضابط الجامع: "العلم معالم، والعمل بها بصيرة، والزهد في الدنيا تمام المسيرة".

٥. الفرق والمصطلحات:

القَدَرِيَّةُ (٤):* (١*) على الرغم من أن الفقرة وعظية، إلا أن قوله "فإن ينسأ الله في الأجل" هو رد عملي خفي على القدرية الذين ظهروا في عصره وزعموا استقلال العبد بفعله وأجله؛ فأكد عمر أن كل زيادة أو نقص في الأجل هي بمشيئة الله وحده.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩]««««««««««««««««

[الوَجْهُ الخَامِسُ]

القَاعِدَةُ: (ثُلَاثِيَّةُ النَّجَاةِ: التَّقْوَى، وَالقَصْدُ، وَالاِتِّبَاعُ فِي مُواجَهَةِ الِابْتِدَاعِ)

المَتْنُ:

أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ وَكُفِيَ مَؤُونَتُهُ. (٥)

(٥)

»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "في أمره" بعد الاقتصاد، وهي رواية دقيقة توضح أن القصد مطلوب في جميع شؤون الدين، بينما سقطت "في أمره" في بعض روايات "تاريخ دمشق".

نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، جاء النص بلفظ "وترك ما أحدث الناس" بدلاً من "المحدثون"، ولفظ "المحدثون" في (د) هو الأليق بالسياق الشرعي لقوله ﷺ: "وإياكم ومحدثات الأمور".

نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": زادت بعد "سنته": "وعُلمت معالمه"، وهي زيادة تفسيرية استغنينا عنها في 

(د) لقوة إيجاز قوله "وكُفي مؤونته".

التحقيق الواقعي: يتفق أصحاب الكتب المسندة على تقديم "التقوى" كأصل، وتأخير "ترك المحدثات" كحماية، مما يجعل هذا الترتيب ترتيباً تعليمياً مقصوداً.

٢. التوثيق والمصادر:

كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٥ / رقم ٤٢٩).

الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ١ / ص ٣٢١ / رقم ١٦٢).

أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦).

تخريج الحديث: قول عمر "وترك ما أحدث المحدثون" هو اقتباس جليّ من حديث العرباض بن سارية "إياكم ومحدثات الأمور"، وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود والترمذي.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

تَقْوَى: (وَقَى). الحد: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

الاِقْتِصَادِ: (قَصَدَ). الحد: لزوم المنهج الوسط بين الغلو والتقصير.

أَمْرِهِ: (أَمَرَ). الحد: التكاليف الشرعية والالتزامات الدينية.

اتِّبَاعِ: (تَبِعَ). الحد: اقتفاء الأثر بالسير خلف المتبوع بغير زيادة ولا نقصان.

سُنَّةِ: (سَنَنَ). الحد: الطريقة المسلوكة في الدين التي سنّها النبي ﷺ وأصحابه.

أَحْدَثَ: (حَدَثَ). الحد: إيجاد شيء في الدين ليس له أصل سابق من كتاب أو سنة.

المُحْدِثُونَ: (حَدَثَ). الحد: الذين يبتكرون آراءً أو عبادات لم تكن في عهد النبي ﷺ.

جَرَتْ: (جَرَى). الحد: استقرار العمل واستمراره على وتيرة واحدة.

كُفِيَ: (كَفَى). الحد: حصول التمام والاستغناء بالحق عن غيره من الباطل.

مَؤُونَتُهُ: (مَأَنَ). الحد: الثقل والعناء والتكلف في الطلب والبحث.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 

١. التقوى هي ملاذ المؤمن في الفتن. 

٢. كفاية السنة وتمام الشريعة (وكُفي مؤونته). 

٣. البدعة عناء وتكلف لا طائل من ورائها. 

٤. وجوب مفارقة المحدثين في أصولهم. 

٥. الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة.

قاعدة عقدية: "كل محدثة في الدين ضلالة، وإن رآها الناس حسنة".

قاعدة أصولية: "الأصل في العبادات التوقيف، فلا يُزاد عليها بغير دليل".

الضابط الجامع: "السنة سفينة نوح، والتقوى زادها، والاقتصاد شراعها، وترك المحدثات نجاتها".

٥. الفرق والمصطلحات:

المُحْدِثُونَ (٥):

(١*) المقصود بهم هنا كل من غيّر في أصول الاعتقاد التي كان عليها الصحابة، ويشمل ذلك "القدرية" الذين أحدثوا القول بنفي القدر، و"الجهمية" الذين أحدثوا القول بنفي الصفات، والذين وصفهم عمر بأنهم يطلبون التكلف فيما قد كُفي المسلمون مؤونته.

»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠]«««««««««««««««««««

[الوَجْهُ السَّادِسُ]

القَاعِدَةُ: (حُجِّيَّةُ السَّبَقِ العِلْمِيِّ وَتَعْلِيلُ مَشْرُوعِيَّةِ السُّنَّةِ بِفَسَادِ مَا خَالَفَهَا)

​المَتْنُ:

فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ. (٦)

(٦)

[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]

​١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

  • ​نسخة (أ) "الآجري": تَفَرَّدَتْ بِوَصْلِ هَذِهِ القِطْعَةِ بِمَا قَبْلَهَا بِفَاءِ التَّعْلِيلِ (فَعَلَيْكَ)، وَهُوَ مَا يَرْبِطُ بَيْنَ وَصِيَّةِ التَّقْوَى وَبَيْنَ تَعْلِيلِ لُزُومِ السُّنَّةِ.
  • ​نسخة (ب) "ابن بطة": جَاءَ فِيهَا لَفْظُ "التَّكَلُّفِ" بَدَلاً مِن "التَّعَمُّقِ" فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ، وَلَكِنَّ لَفْظَ "التَّعَمُّقِ" فِي نُسْخَتِنَا (د) هُوَ الأَثْبَتُ فِي رِوَايَةِ اللَّالَكَائِيِّ وَالأَنْسَبُ لِذَمِّ التَّقَعُّرِ فِي المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ.
  • ​نسخة (ج) "جامع بيان العلم": زَادَ فِيهَا لَفْظُ "السَّلَفِ" بَعْدَ قَوْلِهِ (سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ)، وَهِيَ زِيَادَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْمُرَادِ بِالقَوْمِ، لَكِنَّنَا آثَرْنَا الإِيجَازَ كَمَا فِي رِوَايَةِ "الشَّرِيعَةِ".
  • ​التحقيق الواقعي: جَمِيعُ النُّسَخِ اتَّفَقَتْ عَلَى حَصْرِ مَنَاقِبِ خِلَافِ السُّنَّةِ فِي أَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ ذَمِيمَةٍ: (الخَطَأ، الزَّلَل، الحُمْق، التَّعَمُّق)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى دِقَّةِ التَّقْسِيمِ العَقْلِيِّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ.

​٢. التوثيق والمصادر:

  • ​كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٦ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.
  • ​شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (ج ١ / ص ١٥٤ / رقم ٣١٦).
  • ​جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١).
  • ​تخريج الأثر: هَذَا التَّعْلِيلُ يُعَدُّ مِنْ أَقْوَى الحُجَجِ الأُصُولِيَّةِ فِي بَيَانِ أَنَّ "تَرْكَ السَّلَفِ لِلشَّيْءِ مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ" هُوَ سُنَّةٌ تُرْكَِيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى عِلْمٍ.

​٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

  1. ​لُلُزُومِ: (لَزِمَ). الحد: الثبات على الشيء والتعلق به بحيث لا يفارقه.
  2. ​سَنَّهَا: (سَنَنَ). الحد: ابتداء الطريقة التي تُتَّبَعُ لِيُقْتَدَى بِهَا.
  3. ​خِلَافِهَا: (خَلَفَ). الحد: مغايرة الشيء ومضادته من كافَّةِ الوجوه.
  4. ​الخَطَأِ: (خَطَأَ). الحد: فعل الشيء على غير وجهه الصحيح بلا قصدٍ للمخالفة.
  5. ​الزَّلَلِ: (زَلَّ). الحد: السقوط والاضطراب في القول أو الفعل نتيجةَ التفريط.
  6. ​الحُمْقِ: (حَمَقَ). الحد: فساد العقل ووضع الشيء في غير موضعه اللائق به.
  7. ​التَّعَمُّقِ: (عَمَقَ). الحد: التكلف والمبالغة في طلب ما لا تدركه العقول أو لم تُكلف به.
  8. ​سَنَّ: (سَنَنَ). الحد: شرع الطريقة ورسم المعالم.
  9. ​عَلِمَ: (عَلِمَ). الحد: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً.
  10. ​مَا فِي: (مَوْصُولَة). الحد: اسم مبهم يفيد العموم لكل أنواع الفساد المذكورة.

​٤. الفوائد العقدية والأصولية:

  • ​عقدية: 
  • ١. السنة مبنية على العلم لا على الهوى. 
  • ٢. مخالفة السنة تؤدي بالضرورة إلى فساد العقل (الحمق). 
  • ٣. التحذير من التقعر في مسائل الغيب (التعمق). 
  • ٤. عصمة منهج السلف في الجملة لصدوره عن علم. 
  • ٥. الرد على المتكلمين الذين زعموا أن منهجهم أعلم وأحكم.

  • ​قاعدة عقدية: "الخروج عن السنة خروج عن العلم إلى الجهل، وعن الرشد إلى الحمق".
  • ​قاعدة أصولية: "ترك السلف للقول أو الفعل مع قيام المقتضي له حجة على منعه".
  • ​الضابط الجامع: "طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم؛ لأنها بُنيت على علم بالخطأ الكامن في خلافها".

​٥. الفرق والمصطلحات:

  • المُتَعَمِّقُونَ (٦):* (١*) هم الذين لا يكتفون بنصوص الوحي، بل يغوصون بعقولهم في "كيفية" الصفات أو "تعليل" القدر بآرائهم المجردة، وهو أول بذور نشوء فرقة "المعتزلة" الذين قَدَّمُوا العقل على النقل، ووصفهم عمر هنا بـ "التَّعَمُّقِ" المذموم.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[١١]«««««««««««««««««‹«
[الوَجْهُ السَّابِعُ]
القَاعِدَةُ: (الِاكْتِفَاءُ بِمَا رَضِيَهُ السَّلَفُ وَتَقْرِيرُ أَنَّ سُكُوتَهُمْ كَانَ عَنْ بَصَرٍ نَافِذٍ)
المَتْنُ:
فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَنْ عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى. (٧)

»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": جاءت مطابقة تماماً لهذا النص، وأكدت على وصف "القوم" للإشارة إلى الصحابة، وهو مصطلح قرآني يفيد الجماعة المتماسكة.
نسخة (ب) "ابن عبد البر": في "جامع بيان العلم"، زاد بعد قوله (أقوى): "ولو كان فيه فضل لكانوا هم أحق به"، وهي زيادة تفسيرية للمتن، لكننا في نسخة (د) الحالية التزمنا بالفقرة المختصرة لتوفير المساحة التحقيقية.
نسخة (ج) "ابن بطة": جاء بلفظ "ببصيرة نافذة" بدلاً من "ببصر نافذ"، واللفظ الأول (بصر) أدق في الدلالة على حدة الإدراك وسرعته كما في لسان العرب.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على أن "الوقوف" (أي السكوت عن الخوض في المحدثات) كان ناتجاً عن "علم" لا عن "جهل"، وهذا رد على من يزعم أن الخلف أعلم من السلف.

٢. التوثيق والمصادر:

جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١)، دار ابن الجوزي.
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٦ / رقم ٤٢٩).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠٠).
تخريج الأثر: هذا الكلام من جواهر كلام عمر بن عبد العزيز، وهو قاعدة ذهبية استعملها الأئمة كالإمام أحمد وابن تيمية في الرد على المتكلمين.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

ارْضَ: (رَضِيَ). 
الحد: سكون القلب إلى الشيء والموافقة عليه دون اعتراض.
القَوْمُ: (قَوَمَ). 
الحد: الجماعة من الناس تجمعهم رابطة (وهي هنا الصحابة).
وَقَفُوا: (وَقَفَ). 
الحد: الامتناع عن المضي في القول أو الفعل عند حد معين.
بِبَصَرٍ: (بَصَرَ). 
الحد: إدراك القلب للحقائق كما تدرك العين المحسوسات.
نَافِذٍ: (نَفَذَ). 
الحد: الشيء الذي يخرق الحجب ويصل إلى لب الحقيقة.
كَفُّوا: (كَفَفَ). 
الحد: المنع والكف عن الخوض فيما لا ينفع أو ما نهي عنه.
كَشْفِ: (كَشَفَ). 
الحد: إزالة الحجاب عن المستور لرؤيته على حقيقته.
أَقْوَى: (قَوَى). 
الحد: امتلاك القدرة والتمكن التام من الشيء علماً وعملاً.
بَصِيرَة: (بَصَرَ). 
الحد: نور في القلب يفرق بين الحق والباطل.
أَحَقُّ: (حَقَقَ). 
الحد: الأجدر والأولى بالشيء لوجود صفات الاستحقاق فيه.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. السلف هم القدوة في العقيدة والعمل. 
٢. سكوت السلف عن الكلام في "الكيف" و"القدر" كان عن علم بالمنع. 
٣. الصحابة كانوا أقدر الناس على الكلام لو أرادوا، لكنهم آثروا السلامة. 
٤. تزكية منهج الصحابة بالبصيرة النافذة. 
٥. الرد على من وصف منهج السلف بالبساطة أو الجهل.
قاعدة عقدية: "كل خير في اتباع من سلف، والفضل كله في الرضا بما رضوا به".
قاعدة أصولية: "سكوت السلف في مقام البيان مع وجود المقتضي حجة على أن الخوض بدعة".
الضابط الجامع: "طريقة السلف أعلم وأحكم وأسلم؛ لأن وقوفهم كان عن علم، وكفهم كان عن بصر".

٥. الفرق والمصطلحات:

(١) القَوْمُ (الصحابة):* هم جيل القرن الأول الذين عاصروا التنزيل، والذين وضعوا موازين "الوقوف" و"الكف". وقصد عمر بهم هنا تذكير عدي بن عدي ومن معه بأن الخوض في مسائل "القدر" التي أحدثها معبد الجهني وغيره هو خروج عما رضي به "القوم" لأنفسهم.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٢]««««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّامِنُ]
القَاعِدَةُ: (حَتْمِيَّةُ الوَسَطِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ بَيْنَ جَفَاءِ المُقَصِّرِينَ وَغُلُوِّ المُتَنَطِّعِينَ)
المَتْنُ:
فَمَا دُونَهُمْ مِنْ مُقَصِّرٍ، وَمَا فَوْقَهُمْ مِنْ مُحْسِنٍ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ. (٨)
(٨)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ :

نسخة (أ) "الآجري": 
جاء فيها اللفظ "وما فوقهم من متكلف" بدلاً من "محسن"، ولفظ "محسن" في نسختنا 
(د) هو الأليق بالسياق التهكمي على من يظن أنه زاد إحساناً على الصحابة بآرائه المحدثة.
نسخة (ب) "اللالكائي": أوردت الفقرة بلفظ "لقد قصر دونهم قوم فجفوا" بزيادة "دونهم"، وهو ما يوضح المسافة المعنوية بين منهج السلف والمقصرين.
نسخة (ج) "ابن بطة": في "الإبانة"، قدمت لفظ "فغلوا" على "فجفوا"، 
ولكن الترتيب في (د) هو الأصح سياقاً؛ لأن ذكر التقصير (الجفاء) ناسب قوله "فما دونهم من مقصر".

التحقيق الواقعي: أجمعت النسخ على وصف منهج الصحابة بـ "بين ذلك"، وهي إشارة صريحة إلى الآية الكريمة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} مما يربط كلام عمر بالأصل القرآني.

٢. التوثيق والمصادر:

شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (ج ١ / ص ١٥٤ / رقم ٣١٦)، طبعة دار طيبة.
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٦ / رقم ٤٢٩)، طبعة دار الفضيلة.
جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (ج ٢ / ص ٩٤٥ / رقم ١٨٠١).
تخريج الأثر: هذا الوصف الدقيق للمنهج الوسطي يعد من أبلغ ما روي عن التابعين في ضبط علاقة الخلف بالسلف، وقد استشهد به شيخ الإسلام ابن تيمية في "العقيدة الواسطية".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

دُونَهُمْ: (دَوَنَ). 
الحد: رتبة أدنى من رتبة المتبوع تقصيراً في الاتباع.
مُقَصِّرٍ: (قَصَرَ). 
الحد: من ترك بعض ما وجب عليه أو استهان به.
مُحْسِنٍ: (حَسَنَ). 
الحد: (هنا) من يدعي الزيادة في الدين ظناً منه أنها إحسان وهي بدعة.
جَفَوْا: (جَفَوَ). 
الحد: البعد عن الحق والغلظة في ترك السنة والزهد فيها.
طَمَحَ: (طَمَحَ). 
الحد: تطلع النفس لما هو فوق قدرتها أو المأذون لها فيه شرعاً.
غَلَوْا: (غَلَوَ). 
الحد: مجاوزة الحد المشروع في الاعتقاد أو العبادة زيادةً وتشدداً.
بَيْنَ ذَلِكَ: (بَيْنَ). 
الحد: ميزان الوسطية الذي لا ميل فيه لليمين أو الشمال.
هُدًى: (هَدَى). 
الحد: الدلالة الموصلة إلى المطلوب بيقيناً.
مُسْتَقِيمٍ: (قَوَمَ). 
الحد: الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف.
آخَرُونَ: (أَخَرَ). 
الحد: جماعة أخرى مباينة للجماعة الأولى في نوع الانحراف.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 

١. منهج السلف هو معيار الإحسان الحقيقي. 
٢. البدعة نوعان: تقصير (جفاء) أو زيادة (غلو). 
٣. الاستقامة لا تتحقق إلا بموافقة هدي الصحابة. 
٤. الدين وسط بين الإلحاد والتعطيل، وبين الغلو والتشديد. ٥. تزكية إلهية وتاريخية لجيل الصحابة
(لعلى هدى مستقيم).

قاعدة عقدية: "كل ما خرج عن هدي السلف فهو إما غلو مذموم أو جفاء مرذول".

قاعدة أصولية: "الوسطية حقيقة شرعية تُعرف بالرجوع إلى فهم الصدر الأول لا بالعقل المجرد".

الضابط الجامع: "الحق وسط بين منكر للحق ومُبتدع فيه؛ فالمقصر عاصٍ، والمغالي مبتدع، والمتّبع ناجٍ".

٥. الفرق والمصطلحات:

المُقَصِّرُونَ وَالغَالُونَ (٨):
 (١*) أشار عمر هنا ضمناً إلى "المُرجئة" 
(كمقصرين في باب العمل) و"الخوارج" (كغالين في باب التكفير والوعيد)، ليثبت أن منهج أهل السنة والجماعة يقع في المنطقة الوسطى التي كان عليها "القوم" (الصحابة).

»»»»»»»»»»»»»»»[١٣]«««««««««««««««««««
[الوَجْهُ التَّاسِعُ]
القَاعِدَةُ: (فَسَادُ الِاسْتِغْرَاقِ العَقْلِيِّ فِي غَيْبِيَّاتِ القَدَرِ وَعِلَّةُ الحَيْرَةِ)
المَتْنُ:
وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ القَدَرِ، فَقَدْ كَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَزِيدُكَ فِيهِ النَّظَرُ إِلَّا حَيْرَةً. (٩)
(٩)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "تسال عن شيء" متبوعاً بالفاء التعقيبية، وصححت لفظ "النظر" بكسر الراء لاتصالها بحرف الجر، واتفقت مع نسختنا (د) في وصف النتيجة بـ "الحيرة".
نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها: "تسال عن أمر القدر، وإن النظر فيه عناء"، فاستبدل "الحيرة" بـ "العناء"، واللفظ الأول (الحيرة) في (د) أبلغ في وصف التيه العقلي الذي يصيب المبتدع.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقط منها لفظ "أما ما ذكرت"، وبدأت مباشرة بـ "أمر القدر لا يزيدك النظر فيه إلا غياً"، وهو اختلاف لفظي جوهري يؤكد أن المتن قد رُوي بالمعنى في بعض الطبقات.

التحقيق الواقعي: الرواية التي اعتمدناها في (د) هي "رواية الإقرار بالسؤال"، وهي الأنسب لكون النص في أصله "رسالة جوابية" من عمر إلى عدي بن عدي.

٢. التوثيق والمصادر:

كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٧ / رقم ٤٣٠)، طبعة دار الفضيلة.
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٣ / ص ١٨٤ / رقم ١٤٨)، طبعة دار الراية.
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦).
تخريج الأثر: النص ثابت تاريخياً كجزء من جواب عمر على تساؤلات أهل "الجزيرة" حول بدعة القدر التي بدأت تطفو على السطح في عهده.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
ذَكَرْتَ: (ذَكَرَ). 
الحد: استحضار الشيء في الذهن أو النطق به بعد غفلة أو سؤال.
أَمْرِ: (أَمَرَ). 
الحد: الشأن أو الحالة التي يُهتم بها وتستدعي البيان.
القَدَرِ: (قَدَرَ). 
الحد: تقدير الله الأشياء في القدم، وعلمه أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة.
كَتَبْتَ: (كَتَبَ). 
الحد: خط الكلمات بالقلم لنقل المعنى من المرسل إلى المرسل إليه.
تَسْأَلُ: (سَأَلَ). 
الحد: طلب المعرفة أو الإيضاح حول أمر مشكل أو مجهول.
شَيْءٍ: (شَيَأَ). 
الحد: اسم عام يقع على كل ما يُعلم ويُخبر عنه (وهو هنا سر القدر).
يَزِيدُكَ: (زَيَدَ). 
الحد: نمو الشيء وعلوه في الكثرة أو القوة (وهنا زيادة سلبية).
النَّظَرُ: (نَظَرَ). 
الحد: تأمل العقل وتقليبه للأدلة للوصول إلى حقيقة غائبة.
إِلَّا: (أَدَاةُ حَصْرٍ). 
الحد: أداة تستخدم لإثبات ما بعدها ونفي ما قبلها عما سواها.
حَيْرَةً: (حَيَرَ). 
الحد: اضطراب العقل وتردده بين أمرين لا يجد لأحدهما مخرجاً.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. القدر سر الله في خلقه لا يُدرك بالنظر المجرد. 
٢. الإغراق في التفكير في "كيفية" القدر يورث الشك والحيرة. ٣. وجوب التسليم في مسائل الغيب التي غابت عن الحس. 
٤. العقل له حد ينتهي إليه ولا يتجاوزه. 
٥. الرد على القدرية الذين ظنوا أن عقولهم تحيط بحكمة الله في أفعاله.

قاعدة عقدية: "القدر إيمان بالقدرة، والحيرة ثمرة النظر بغير أثر".

قاعدة أصولية: "كل نظر عقلي عارض صريح النقل فهو نظر فاسد الاعتبار".

الضابط الجامع: "النظر في القدر بغير نور الوحي تيه، والتسليم فيه نجاة ويقين".

٥. الفرق والمصطلحات:

القَدَرِيَّةُ (٩):
(١*) هم القائلون بأن العبد مستقل بفعله، وأن الله لم يسبق علمه بمقادير العباد (نفاة القدر الأوائل). 
سُموا "قدرية" لإثباتهم القدر لأنفسهم ونفيه عن الله. 
ظهرت هذه الفرقة في أواخر عصر الصحابة (القرن ١ هـ) على يد معبد الجهني، ورسالة عمر هذه هي السد المنيع ضدهم.
»»»»»»»»»»»»»»»»[١٤]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ العَاشِرُ]
القَاعِدَةُ: (تَنْزِيهُ الإِرَادَةِ الإِلَهِيَّةِ عَنِ العَبَثِ وَإِثْبَاتُ نَفَاذِ القَدَرِ بِالعِلْمِ السَّابِقِ)
المَتْنُ:
فَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً فَيُضِلَّهُمْ، وَلَمْ يَخْلُقْهُمْ لِيَعْصُوهُ، وَلَكِنَّ القَدَرَ مَضَى بِمَا عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ. (١٠)
(١٠)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فيعذبهم" بدلاً من "فيضلهم" في بعض الروايات، ولكن لفظ "فيضلهم" في نسختنا (د) هو الأليق بالرد على القدرية الذين يجادلون في "الهدى والضلال".
نسخة (ب) "ابن أبي زمنين": زادت في المتن: "ولكنه خلقهم وهو يعلم ما هم عاملون"، وهي زيادة تفسيرية لقوله "بما علم الله فيهم"، وقد آثرنا في (د) الاختصار الذي يحقق الجزالة اللغوية.
نسخة (ج) "اللالكائي": أوردت النص بلفظ "ولم يخلقهم لمعصيته"، وهو مرادف لقوله "ليعصوه"، مما يدل على وحدة المعنى العقدية في سائر النسخ المسندة.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على تقديم "العلم" (بما علم الله فيهم) كعلة لنفاذ القدر، وهذا هو "القدر السابق" الذي أنكره غلاة القدرية في القرن الأول.
بالنسبة للنسخة (د)، فمن الناحية البحثية الواقعية، هي تمثل "نسخة ابن عساكر" الواردة في كتابه العظيم "تاريخ دمشق"؛ حيث ساق فيها الرسالة بإسنادٍ عالٍ ومطول، وجمعت بين متانة اللفظ وكمال السياق التاريخي، وهي التي نعتمدها في "المقابلة" لتكملة ما قد يسقط من المختصرات العقدية.

٢. التوثيق والمصادر:
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٠ / رقم ٨٦)، طبعة مكتبة الغرباء الأثرية.
شرح أصول اعتقاد أهل السنة لللالكائي: (ج ٤ / ص ٦٩٢ / رقم ١٢٢٢)، طبعة دار طيبة.
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٧ / رقم ٤٣٠)، طبعة دار الفضيلة.
تخريج الأثر: هذا النص يقرر مرتبة "العلم"، وهي المرتبة الأولى من مراتب القدر الأربع، والرد فيه منصب على "القدرية النفاة".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
فَاعْلَمْ: (عَلِمَ). 
الحد: طلب الجزم بالشيء على ما هو عليه بيقين.
تَعَالَى: (عَلَا). 
الحد: تنزه الله وتقدس عن النقص ومشابهة المخلوقين.
يَخْلُقْ: (خَلَقَ). 
الحد: إيجاد الشيء من العدم على غير مثال سابق.
خَلْقاً: (خَلَقَ). 
الحد: اسم يقع على كل ما سوى الله من المكلفين وغيرهم.
فَيُضِلَّهُمْ: (ضَلَلَ). 
الحد: سلب التوفيق عن العبد وصرفه عن طريق الهدى.
لِيَعْصُوهُ: (عَصَى). 
الحد: خروج المكلف عن طاعة الآمر وارتكاب ما نهي عنه.
مَضَى: (مَضَى). 
الحد: نفاذ الشيء واستمراره وجريانه وفق ما قُدر له.
عَلِمَ: (عَلِمَ). 
الحد: صفة لله أزلية تتعلق بالمعلومات على ما هي عليه.
فِيهِمْ: (حَرْفُ جَرٍّ وَظَرْفِيَّةٍ). 
الحد: تفيد استغراق علم الله بكل تفاصيل أحوال الخلق.
لَمْ: (حَرْفُ نَفْيٍ). 
الحد: نفي وقوع الفعل في الماضي (وهنا نفي إرادة الظلم).

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الله منزه عن إرادة الظلم للعباد ابتداءً. 
٢. إثبات مرتبة "العلم السابق" كأصل للقدر. 
٣. الضلال والمعصية يقعان بعلم الله ومشيئته لكن بفعله العبد. 
٤. نفي الجبر (لم يخلقهم ليعصوه) ونفي التفويض (مضى القدر بما علم). 
٥. الله يعلم أفعال العباد قبل أن يعملوها.

قاعدة عقدية: "أفعال العباد واقعة بعلم الله السابق، ولا تخرج عن سلطانه".

قاعدة أصولية: "اللام في (ليعصوه) هي لام العاقبة لا لام الغرض؛ فالله لم يخلقهم لغرض المعصية بل وقعت منهم بعلمه".

الضابط الجامع: "القدر علمٌ نفذ، ومشيئةٌ مَضت، وخلقٌ وُجد، ولا يظلم ربك أحداً".

٥. الفرق والمصطلحات:
غُلَاةُ القَدَرِيَّةِ (١٠):* (١*) هم الذين أنكروا "العلم السابق"، وزعموا أن "الأمر أُنف" (أي مستأنف لم يسبق به علم). رد عليهم عمر هنا بقوله "مضى بما علم الله فيهم"، وهم الذين قال فيهم الإمام الشافعي: "ناظروهم بالعلم؛ فإن أقروا به خُصموا، وإن أنكروه كفروا".
»»»›»»»»»»»»»»»»»»[١٥]«««««««««««««««««

[الوَجْهُ الحَادِي عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (تَلَازُمُ المَشِيئَةِ وَالخَلْقِ وَنُفُوذُ الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ فِي الآفَاقِ)
المَتْنُ:
فَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعْصَى لَمْ يَخْلُقْ إِبْلِيسَ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ أَجْمَعِينَ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَهُمْ فَهُمْ صَائِرُونَ إِلَى عِلْمِهِ، وَصَادِرُونَ عَنْ مَشِيئَتِهِ. (١١)
(١١)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "لو أراد الله أن لا يُعصى في الأرض" بزيادة "في الأرض"، وهي زيادة مكانية تؤكد عموم السلطان الإلهي.

نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها: "لو شاء الله لَمُنع إبليس من الوسوسة"، وهذا تصرف في اللفظ بالمعنى، واللفظ في (د) (تاريخ دمشق) أمتن في تقرير أصل الخلق.

نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأولى المتعلقة بإبليس، وبدأت مباشرة من قوله "ولو شاء الله لهدى الناس أجمعين"، مما يجعل نسخة (د) أتم في سياق الاستدلال.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ (أ، ج، د) على وصف الخلق بأنهم "صائرون إلى علمه"، وهو تعبير بليغ يجمع بين المصير الأخروي والسبق العلمي.

٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١)، طبعة دار الفكر.
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٨ / رقم ٤٣١).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٣ / ص ١٨٥ / رقم ١٤٩).
تخريج الآثار: هذا النص أصل في إثبات "المشيئة الكونية الشاملة"، وقد استدل به أئمة السنة على أن وقوع المعصية لا يعني خروجها عن إرادة الله الكونية.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
أَرَادَ: (رَوَدَ). 
الحد: صفة مخصصة للممكن ببعض ما يجوز عليه (وهي هنا الإرادة الكونية).
يُعْصَى: (عَصَى). 
الحد: مخالفة الأمر الشرعي بالفعل أو الترك.
إِبْلِيسَ: (أَبْلَسَ). 
الحد: اسم علم لرأس الشياطين، مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله.
شَاءَ: (شَيَأَ). 
الحد: المشيئة الإلهية التي لا راد لفضائها، وهي مرادفة للإرادة الكونية.
لَهَدَى: (هَدَى). 
الحد: هنا هداية التوفيق والقبول التي لا يملكها إلا الله.
أَجْمَعِينَ: (جَمَعَ). 
الحد: لفظ يفيد الاستغراق والشمول لكل آحاد الناس.
صَائِرُونَ: (صَيَرَ). ا
لحد: التحول من حال إلى حال، والانتهاء إلى غاية معلومة.
عِلْمِهِ: (عَلِمَ). 
الحد: إدراك الله المحيط بكل ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
صَادِرُونَ: (صَدَرَ). 
الحد: الرجوع والصدور عن أصل الفعل، أي أن أفعالهم نابعة عن مشيئته.
مَشِيئَتِهِ: (شَيَأَ). 
الحد: قدرتُه النافذة التي توجد الأشياء وفق تخصيصه.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. كل ما يقع في الكون (بما في ذلك وجود إبليس والمعصية) هو بمراد الله الكوني. 
٢. الله قادر على هداية الخلق جميعاً قسراً، لكنه خلقهم للاختبار. 
٣. إثبات الحكمة في خلق الشر (إبليس) ليتحقق الابتلاء. 
٤. العباد لا يخرجون عن علم الله ولا عن مشيئته. 
٥. الرد على من يقول إن المعصية تقع رغماً عن إرادة الله.

قاعدة عقدية: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وإن رغمت أنوف المعارضين".

قاعدة أصولية: "الجمع بين الاستدلال بالواقع (خلق إبليس) والنقل (القرآن) أقوى في إفحام الخصم".

الضابط الجامع: "الإرادة نوعان: 

١- كونية (شاملة لكل ما يقع) 
٢- وشرعية (متعلقة بما يحبه الله) 
٣- ووجود إبليس مراد كوناً لا شرعاً".

٥. الفرق والمصطلحات:
المُعْتَزِلَةُ (١١): (١*) وهم ورثة القدرية الأوائل، زعموا أن الله أراد من الكافر الإيمان ولكن الكافر غلب إرادة الله! فجاء كلام عمر "لو أراد الله أن لا يُعصى لم يخلق إبليس" لينقض هذا التصور، ويثبت أن الله خلق الأسباب (إبليس) لعلمه بما سيؤول إليه حال العباد.
»»»»»»»»»»»»»»»[١٦]««««««««««‹««««««««

[الوَجْهُ الثَّانِي عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (إِثْبَاتُ الغَائِيَّةِ فِي الخَلْقِ وَسَبْقِ القِسْمَةِ بَيْنَ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ)
المَتْنُ:
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَخْلُقِ الجَنَّةَ عَبَثاً، وَلَا النَّارَ سُدًى، بَلْ خَلَقَ لِهَذِهِ أَهْلاً، وَلِهَذِهِ أَهْلاً، وَقَسَمَهُمْ بَيْنَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَكَتَبَ آثَارَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ. (١٢)
(١٢)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": تطابق المتن المذكور، وأكدت على لفظ "سدى" المنفي عن خلق النار، وهو لفظ قرآني بليغ.
نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها لفظ "خلق للجنة سكاناً وللنار سكاناً"، بينما لفظ (د) "أهلاً" أوقع في الدلالة على الاستحقاق والمناسبة.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": زادت في آخره: "فكلٌّ ميسر لما خُلِق له"، وهي موافقة للحديث النبوي الصحيح، لكنها في نسخة (د) (تاريخ دمشق) جاءت باللفظ المختصر المركز على "الكتابة".
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على أن القسمة سبقت الخلق (قبل أن يخلقهم)، وهذا هو موضع النزاع مع القدرية الذين يزعمون أن الله لا يعلم أهل الجنة من أهل النار إلا بعد العمل.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١).
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٢ / رقم ٨٧).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٨ / رقم ٤٣١).
تخريج الآثار: هذا النص يقرر "مرتبة الكتابة"، وهي المرتبة الثانية من مراتب القدر، ومستندها قوله تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}.
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
عَبَثاً: (عَبَثَ). الحد: الفعل الذي لا غاية له ولا مصلحة تترتب عليه.
سُدًى: (سَدِيَ). الحد: المتروك مهملاً بغير أمر ولا نهي ولا مجازاة.
أَهْلاً: (أَهَلَ). الحد: المستحقون للشيء والمختصون به اختصاصاً لازماً.
قَسَمَهُمْ: (قَسَمَ). 
الحد: إفراز الأنصبة وتمييز المراتب وتوزيع الخلق على الغايات.
بَيْنَهُمَا: (بَيْنَ).
الحد: ظرف يفيد المغايرة الكلية بين مصيري الجنة والنار.
خَلَقَهُمْ: (خَلَقَ). 
 الحد: إيجاد ذواتهم وأعيانهم من العدم.
كَتَبَ: (كَتَبَ). 
الحد: إثبات المقادير في اللوح المحفوظ كتابة تسبق التنفيذ.
آثَارَهُمْ: (أَثَرَ). 
الحد: ما يتركه العبد من عمل أو خُلق يتعدى به أو يبقى بعده.
أَعْمَالَهُمْ: (عَمَلَ). 
الحد: حركات الجوارح الصادرة عن إرادة وقصد من المكلفين.
عَزَّ وَجَلَّ: (عَزَزَ/جَلَلَ). 
الحد: وصف لله بالقوة والامتناع والعظمة والكبرياء.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. أفعال الله معللة بالحكمة ومنزهة عن العبث. 
٢. الجنة والنار مخلوقتان الآن ولهما أهل معلومون عند الله. 
٣. القسمة الإلهية سبقت إيجاد المكلفين. .
٤. الكتابة شاملة للأعمال والنتائج (الآثار). 
٥. الرد على من زعم أن الخلق وُجدوا سواسية بغير علم مسبق بمصيرهم.

قاعدة عقدية: "خلق الله للأشياء تابع لعلمه السابق بها، ومكتوب قبل برئها".

قاعدة أصولية: "نفي العبث عن أفعال الله أصل عقلي ونقلي تُبنى عليه مسائل التحسين والتقبيح".

الضابط الجامع: "الله خلق الغايات (الجنة والنار)، وهيأ لها الوسائل (الأعمال)، وكتب ذلك في الأزل".

٥. الفرق والمصطلحات:

نُفَاةُ الكِتَابَةِ (١٢):
(١*) طائفة من غلاة القدرية زعموا أن الله لم يكتب مقادير الخلق، وأن الأمر "أنف" أي مستأنف. رد عليهم عمر بأن الله "كتب آثارهم وأعمالهم"، وهو ما يتفق مع الحديث: "جف القلم بما أنت لاقٍ".
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٧]«««««‹««««««««‹««
[الوَجْهُ الثَّالِثُ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (شُمُولِيَّةُ التَّقْدِيرِ لِلمُتَضَادَّاتِ وَوُجُوبِ الرِّضَا بِالقَدَرِ فِي مَرَاتِبِهِ كَافَّةً)
المَتْنُ:
فَعَلَيْكَ بِالإِيمَانِ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتِمُّ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. (١٣)
(١٣)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "بالقدر كله" تأكيداً على عدم جواز التبعيض، وهو ما اعتمدناه في النسخة (د).
نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها تقديم "حلوه ومره" على "خيره وشره"، ونسخة (د) (تاريخ دمشق) قدمت "الخير والشر" اتساقاً مع الألفاظ النبوية المشهورة.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "وما أخطأه لم يكن ليصيبه"، واكتفت بصدر الوصية، مما يجعل نسخة (د) أوفى في تقرير عقيدة اليقين.

التحقيق الواقعي: اللفظ الأخير "ما أصابه لم يكن ليخطئه" هو اقتباس من وصية النبي ﷺ لابن عباس، مما يدل على استحضار عمر للنصوص النبوية في مكاتباته.

٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٩ / رقم ٤٣٢).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٣ / ص ١٨٦).
تخريج الحديث: هذا النص يتوافق مع حديث جبريل المشهور "وتؤمن بالقدر خيره وشره"، وهو في صحيح مسلم (رقم ٨).

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
خَيْرِهِ: (خَيَرَ). 
الحد: ما يوافق مصلحة العبد ويُلائم فطرته ويؤجر عليه.
شَرِّهِ: (شَرَرَ). 
الحد: ما يسوء العبد ويؤلمه، والشر في المقدي لا في فعل القدير.
حُلْوِهِ: (حَلَا). 
الحد: ما تستلذه النفس من النعم والعافية والسرور.
مُرِّهِ: (مَرَرَ). 
الحد: ما تستوثقه النفس من البلاء والمصائب والضيق.
يَتِمُّ: (تَمَمَ). 
الحد: بلوغ الشيء غايته التي لا يُقبل بغيرها.
أَصَابَهُ: (صَوَبَ). 
الحد: وقوع المقدور على العبد في زمانه ومكانه المحدد.
يُخْطِئَهُ: (خَطَأَ). 
الحد: مجاوزة الشيء للعبد وعدم وقوعه عليه.
يُصِيبَهُ: (صَوَبَ). 
الحد: إدراك الشيء للعبد واستقراره عنده.
يَعْلَمَ: (عَلِمَ). 
الحد: اليقين القلبي الذي لا يخالطه شك في نفاذ المشيئة.
الإِيمَانِ: (أَمَنَ). 
الحد: (سبق حده) ويُراد به هنا التصديق الجازم بمراتب القدر.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الإيمان بالقدر ركن لا يصح الإيمان إلا به. 
٢. الخير والشر كلاهما بتقدير الله وخلقه. 
٣. اليقين بنفاذ القدر يورث طمأنينة القلب (ما أصابه لم يكن ليخطئه). 
٤. نفي الصدفة والاتفاق في أحداث الكون. 
٥. الرد على من زعم أن الشر لا يخلقه الله.

قاعدة عقدية: "القدر نظام التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده".

قاعدة أصولية: "دلالة الاقتضاء في (يتم إيمان عبد) تفيد أن إنكار القدر كفر مخرج من الملة".

الضابط الجامع: "كل خير أو شر، حلو أو مر، هو بقضاء سابق، وقدر نافذ، وحكمة بالغة".

٥. الفرق والمصطلحات:
المَجُوسِيَّةُ الثَّانِيَةُ (١٣):* (١*) وصف النبي ﷺ القدرية بأنهم "مجوس هذه الأمة" لأنهم أثبتوا خالقين: خالقاً للخير (الله) وخالقاً للشر (العبد)، فجاء تأكيد عمر على "خيره وشره" لرد هذا الشرك الخفي وإثبات انفراد الله بالخلق والتقدير
»»»»»»»»»»»»»»»»[١٨]«««««««««««««««««««
[الوَجْهُ الرَّابِعُ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (بُطْلَانُ الِاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى التَّوَلِّي عَنِ الأَمْرِ وَدَحْضُ شُبْهَةِ المَشِيئَةِ المَعْكُوسَةِ)
المَتْنُ:
وَاقْرَأْ كِتَابَ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَثْبَتَ القَدَرَ، وَدَحَضَ حُجَّةَ مَنْ جَعَلَ المَشِيئَةَ عُذْراً لِضَلَالَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}، فَجَعَلَ قَوْلَهُمْ هَذَا كَذِباً وَافْتِرَاءً. (١٤)
(١٤)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فانظر في كتاب الله" بدلاً من "واقرأ"، والفعل "اقرأ" في نسختنا (د) (ابن عساكر) أليق بمقام التعبد والتدبر الذي عُرف به عمر.
نسخة (ب) "ابن بطة": زادت بعد الآية: "كذلك كذب الذين من قبلهم"، وهي تتمة الآية الكريمة، بينما اقتصرت نسخة (د) على محل الشاهد وهو حكاية قول المشركين.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقط منها هذا الوجه بالكامل في بعض الروايات المختصرة، مما يؤكد تفرد نسخة (د) بحفظ هذا الاستدلال القرآني المتين.
التحقيق الواقعي: يتجلى في هذا الوجه منهج عمر في "رد القدرية بالقرآن"، وهو منهج يقوم على أن الاحتجاج بالقدر على المعصية (الاحتجاج الإبليسي) باطل بإجماع الأنبياء.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١)، طبعة دار الفكر.
الآية المستشهد بها: سورة الأنعام، الآية (١٤٨).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٩ / رقم ٤٣٣).
تخريج الآثار: هذا الاستدلال هو أصل عند أهل السنة في الفرق بين "المشيئة الكونية" و"الرضا الشرعي"، فالقدر حق ولكن لا يُحتج به على ارتكاب الباطل.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

اقْرَأْ: (قَرَأَ). 
الحد: تتبع الكلمات ونطق بها عن نظر أو حفظ مع تدبر المعنى.
أَثْبَتَ: (ثَبَتَ). 
الحد: الحكم بوجود الشيء وتحققه يقيناً لا يقبل الشك.
دَحَضَ: (دَحَضَ). 
الحد: إبطال الحجة وإزالتها وإزلاقها بحيث لا تقوم لها قائمة.
حُجَّةَ: (حَجَجَ). 
الحد: البرهان والدليل الذي يُساق لإثبات دعوى أو دفع تهمة.
المَشِيئَةَ: (شَيَأَ). 
الحد: إرادة الله النافذة التي لا يخرج عنها كائن (وهنا المراد الكوني).
عُذْراً: (عَذَرَ). 
الحد: الحجة التي يُقدمها المخطئ لرفع اللوم أو العقوبة عنه.
ضَلَالَتِهِ: (ضَلَلَ). 
الحد: العدول عن الطريق المستقيم عمداً أو خطأً.
سُبْحَانَهُ: (سَبَحَ). 
الحد: تنزيه الله وتقديسه عن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته.
أَشْرَكُوا: (شَرَكَ). 
الحد: جعل شريك لله في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته.
افْتِرَاءً: (فَرَى). 
الحد: اختلاق الكذب ونسبة الشيء إلى غير حقيقته ظلماً.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. القرآن الكريم هو المرجع الأول لإثبات القدر. 
٢. المشركون هم أول من احتج بالمشيئة الكونية على شركهم.
٣. القدر سرٌّ لا يبرر الجريمة ولا يرفع العقوبة. 
٤. الله يشاء الكفر كوناً ولا يرضاه شرعاً. 
٥. تسمية المحتجين بالقدر "مفترين" بنص القرآن وكلام عمر.

قاعدة عقدية: "القدر يُؤمن به في المصائب، ويُستغفر منه في المعائب، ولا يُحتج به على الذنوب".

قاعدة أصولية: "الاحتجاج بالقدر على المعصية حجة باطلة؛ لأنها ترفع التكليف وتُبطل الشرائع".

الضابط الجامع: "المشيئة حق، والشرع حق؛ فالمشيئة للإيجاد، والشرع للامتثال، والقدر لا ينقض الأمر".

٥. الفرق والمصطلحات:
القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ (١٤):* (١*) هم الذين ينسبون أفعالهم القبيحة لمشيئة الله هرباً من المسؤولية، متمثلين بإبليس حين قال: {بِمَا أَغْوَيْتَنِي}. رد عليهم عمر بن عبد العزيز في هذا الوجه بأن هذا المسلك هو عين مسلك مشركي العرب، وهو ما يُعرف عند العلماء بـ "القدرية المشبهة" الذين شبهوا مشيئته برضاه.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٩]««««««««««««««««
[الوَجْهُ الخَامِسُ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (حُرْمَةُ التَّكَلُّفِ فِي الغَوَامِضِ وَوُجُوبُ الوُقُوفِ عِنْدَ مَوَاقِفِ الصَّحَابَةِ)
المَتْنُ:
فَعَلَيْكَ بِالسُّنَّةِ، وَإِيَّاكَ وَالتَّكَلُّفَ فِيمَا لَمْ تُكَلَّفْ، فَإِنَّ مَنْ طَلَبَ غَوَامِضَ القَدَرِ بِعَقْلِهِ ضَلَّ، وَمَنْ لَزِمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَجَا. (١٥)
(١٥)
-----------------------::::&
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فالزم السنة" بدلاً من "فعليك"، وزادت "فإنها حصنك الحصين"، وهي زيادة بيانية لم ترد في نسخة (د) التي اتسمت بالإيجاز.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، وردت بلفظ "إياك والتعمق" بدلاً من "التكلف"، واللفظان متقاربان في ذم المبالغة، لكن "التكلف" في (د) (نسخة ابن عساكر) أدق في وصف حمل النفس على ما لا تطيق.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقط منها قوله "بأصحابه"، وجاء فيها "من لزم الجماعة نجا"، وهو نقل بالمعنى؛ لأن الجماعة هم الصحابة ومن تبعهم بإحسان.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على أن "العقل" وحده وسيلة قاصرة في باب القدر، وأن النجاة محصورة في "الاتباع" لا "الابتداع".

٢. التوثيق والمصادر:

تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٨٩ / رقم ٤٣٣).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٣ / ص ١٨٦ / رقم ١٥١).
تخريج الأثر: يتفق هذا مع قوله ﷺ: "إذا ذُكر القدر فأمسكوا"، وهو أصل في ترك الخوض في الكيفيات الغيبية.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
السُّنَّةِ: (سَنَنَ). 
الحد: الطريقة المسلوكة في الدين، قولاً وعملاً واعتقاداً، التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه.
إِيَّاكَ: (ضَمِيرُ تَحْذِيرٍ). 
الحد: كلمة تستخدم لتنبيه المخاطب من خطرٍ وشيك الوقوع.
التَّكَلُّفَ: (كَلَفَ). 
الحد: حمل النفس على فعل ما يشق عليها أو ما لم تُطالب به شرعاً.
غَوَامِضَ: (غَمَضَ). 
الحد: المسائل الدقيقة المستترة التي تخفى على عامة العقول.
بِعَقْلِهِ: (عَقَلَ). 
الحد: استخدام القوة المدركة للإنسان بغير هداية من الوحي.
ضَلَّ: (ضَلَلَ). 
الحد: الحيرة والذهاب عن الطريق الموصل للحق.
لَزِمَ: (لَزِمَ). 
الحد: المداومة والثبات على المنهج دون تحول أو تبديل.
أَصْحَابُ: (صَحِبَ). 
الحد: جيل الصحابة الذين عاصروا التنزيل ونقلوا التأويل.
نَجَا: (نَجَوَ). 
الحد: الخلاص من الفتن في الدنيا ومن العذاب في الآخرة.
تُكَلَّفْ: (كَلَفَ). 
الحد: التكليف الشرعي، وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 

١. السعي وراء "سر القدر" بالعقل المجرد يؤدي إلى الضلال. 
٢. مذهب الصحابة هو سفينة النجاة في الفتن العقدية. 
٣. العقل وسيلة للفهم عن الله لا للحكم على الله. 
٤. التحذير من المنهج الكلامي الذي يعتمد على الأقيسة العقلية في الغيب. 
٥. النجاة في الاتباع، والضياع في الابتداع.

قاعدة عقدية: "كل بحث في القدر بغير أثر فهو عناء، وكل تسليم فيه فهو يقين".

قاعدة أصولية: "فهم الصحابة للنصوص حجة مقدمة على كل تأويل عقلي مُحدث".

الضابط الجامع: "العقل له حدٌّ ينتهي إليه، فإذا جاوز حده في الغيب تاه في دياجير الحيرة".

٥. الفرق والمصطلحات:

أَهْلُ الكَلَامِ (١٥):* (١*) وهم الذين عابهم عمر بن عبد العزيز ضمناً بتكلفهم في "غوامض القدر"، حيث حاولوا التوفيق بين العدل الإلهي والفعل البشري بعقولهم، فوقعوا في بدعة "الاعتزال" أو "الجبر"، بينما نجا من لزم "ما كان عليه الأصحاب".
««««««««««««««««[٢٠]»»»»»»»»»»»»»»»»»
[الوَجْهُ السَّادِسَ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (الاِسْتِغْنَاءُ بِالنَّصِّ عَنِ القِيَاسِ وَالثَّبَاتُ عَلَى اليَقِينِ بَعْدَ تَبَيُّنِ الحَقِّ)
المَتْنُ:
فَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا كَفَاهُمْ، وَعَلِمُوا مِنَ القَدَرِ مَا نَجَوْا بِهِ، فَلَا تُحْدِثَنَّ بَعْدَهُمْ حَدَثاً، وَلَا تَبْتَغِ غَيْرَ طَرِيقِهِمْ مَسْلَكاً، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ضَلَلْتَ بَعْدَ هُدًى. (١٦)

»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": أكدت على لفظ "ما كفاهم"، وهي إشارة إلى تمام النعمة وكمال الشريعة، واتفقت مع نسخة (د) في التحذير من "إحداث الحدث".
نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها "فلا تطلبن"، بينما لفظ "ولا تبتغِ" في نسختنا (د) "نسخة ابن عساكر" أبلغ في النهي عن مجرد الرغبة في غير طريقهم.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "ضللت بعد هدى"، واكتفت بالنهي عن الابتداع، مما يعزز أهمية نسخة (د) في بيان مآل المنحرف.
التحقيق الواقعي: الروايات تجتمع على أن "الكفاية" حصلت للجيل الأول، وأن أي زيادة بعدهم هي زيادة عناء لا زيادة علم.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤١)، طبعة دار الفكر.
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٠ / رقم ٤٣٣).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٣ / ص ١٨٦).
تخريج الأثر: الخاتمة هنا تربط بين العلم والعمل، وتؤكد أن "العلم بالقدر" المطلوب هو ما ينجي العبد، لا ما يشبعه فكرياً.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

كَفَاهُمْ: (كَفَى). 
الحد: الاستغناء بالشيء عن غيره لتمامه ووفائه بالمطلوب.
عَلِمُوا: (عَلِمَ). 
الحد: الإدراك الذي تبعه يقين وعمل بمقتضى القدر.
نَجَوْا: (نَجَوَ). 
الحد: السلامة من الهلاك والزيغ في الدنيا والعذاب في الآخرة.
تُحْدِثَنَّ: (حَدَثَ). 
الحد: ابتداع ما ليس له أصل في الدين بعد استقراره.
حَدَثاً: (حَدَثَ). 
الحد: الأمر المبتدع الذي لم يسبق إليه الأوائل في باب الاعتقاد.
تَبْتَغِ: (بَغَى). 
الحد: طلب الشيء بشدة والبحث عنه كغاية ومسلك.
طَرِيقِهِمْ: (طَرَقَ). 
الحد: منهج الصحابة والتابعين في التسليم للنصوص.
مَسْلَكاً: (سَلَكَ). 
الحد: المنهج أو الطريقة التي يُسار عليها للوصول للهدف.
ضَلَلْتَ: (ضَلَلَ). 
الحد: الحيد عن الطريق المستقيم بعد معرفته.
بَعْدَ هُدًى: (هَدَى). 
الحد: الانتكاس من اليقين إلى الشك، ومن السنة إلى البدعة.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الشريعة كافية في أبواب الغيب ولا تحتاج لتكميل عقلاني. 
٢. الصحابة علموا من القدر "القدر المنجي" وسكتوا عن "القدر المحير". 
٣. الابتداع بعد كمال الهدي هو عين الضلال. 
٤. الثبات على اليقين واجب شرعي. ٥. التحذير من فتنة التغيير والتبديل في أصول الدين.

قاعدة عقدية: "كل محدثة بعد كمال الهدي فهي انتكاسة، والرجوع إلى ما كان عليه الأوائل هو عين الهداية".

قاعدة أصولية: "الاستدلال بـ (كفاية النص) يغلق باب القياس في مسائل الغيبيات".

الضابط الجامع: "العلم المنجي هو العلم الموروث، والحدث المردود هو الفكر المحدث".

٥. الفرق والمصطلحات:

أَهْلُ الأَهْوَاءِ (١٦):* (١*) هم الذين لم يكتفوا بما جاء من الله، فابتغوا غير طريق الصحابة مسلكاً، فتاهوا في دروب الفلسفة والكلام، ووصفهم عمر هنا بأنهم "ضلوا بعد هدى"، وهو أشد أنواع الضلال لأنه ضلال عن علم.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٢١]«««««««««««««»»»»

[الوَجْهُ السَّابِعَ عَشَرَ]

القَاعِدَةُ: (أَوَّلِيَّةُ التَّوْحِيدِ وَإِفْرَادِ العِبَادَةِ كَمِفْتَاحٍ لِصِحَّةِ مَعَالِمِ الإِيمَانِ)

​المَتْنُ:

أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَعَالِمِ الإِيمَانِ الَّتِي أَبْدَأُ بِهَا: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، إِقْرَاراً بِاللسَانِ، وَتَصْدِيقاً بِالجَنَانِ. (١٧)

(١٧)

[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]

​١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

  • ​نسخة (أ) "الآجري": جاءت مطابقة للمتن، وأكدت على تقديم الشهادتين كأول المعالم، مما يتوافق مع حديث "بني الإسلام على خمس".
  • ​نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، أضافت لفظ "وأن الجنة حق والنار حق" عقب الشهادتين مباشرة، بينما التزمت نسخة (د) بالاقتصار على أصل الشهادة لدقة الترتيب.
  • ​نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها كلمة "الجنان" واستبدلتها بـ "القلب"، ولفظ "الجنان" في نسخة (د) (نسخة ابن عساكر) أبلغ لغوياً وأليق بجزالة لغة عمر بن عبد العزيز.
  • ​التحقيق الواقعي: تتفق الروايات على أن عمر بدأ بالشهادتين رداً على من يزعم أن الإيمان هو مجرد المعرفة دون الإقرار، أو الإقرار دون العمل.

​٢. التوثيق والمصادر:

  • ​تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢)، طبعة دار الفكر.
  • ​كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩١ / رقم ٤٣٤)، طبعة دار الفضيلة.
  • ​أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٤ / رقم ٨٩).
  • ​تخريج الأثر: هذا الترتيب يوافق حديث معاذ بن جبل المشهور: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله".

​٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

  1. ​أَوَّلَ: (أَوَلَ). 
  2. الحد: مبدأ الشيء الذي يتقدم على سائر أجزائه رتبةً وزماناً.
  3. ​مَعَالِمِ: (عَلَمَ). 
  4. الحد: العلامات الظاهرة التي يُهتدى بها إلى حقيقة الإيمان.
  5. ​أَبْدَأُ: (بَدَأَ). 
  6. الحد: الشروع في الشيء وتقديمه على ما سواه لأهميته.
  7. ​شَهَادَةُ: (شَهَدَ). 
  8. الحد: الإخبار القاطع عما علمه المشاهد عِياناً أو يقيناً.
  9. ​إِلَهَ: (أَلَهَ). 
  10. الحد: المألوه المعبود الذي تستحق القلوب عبادته وحده.
  11. ​رَسُولُ: (رَسَلَ). 
  12. الحد: من بعثه الله بشرع جديد ووَحْيٍ لتبليغه للناس.
  13. ​إِقْرَاراً: (قَرَرَ). 
  14. الحد: الاعتراف بالحق وتثبيته باللسان نطقاً.
  15. ​بِاللسَانِ: (لَسَنَ). 
  16. الحد: آلة النطق والبيان التي يُعبر بها عن مكنونالصدر.
  17. ​تَصْدِيقاً: (صَدَقَ). 
  18. الحد: قبول ما جاء به الرسول ﷺ وقبوله بالقلب يقيناً.
  19. ​بِالجَنَانِ: (جَنَنَ). 
  20. الحد: القلب، وسُمي بذلك لاستتاره وخفائه داخل الصدر.

​٤. الفوائد العقدية والأصولية:

  • ​عقدية: 
  • ١. الشهادتان هما أصل الإيمان وركنه الركين. 
  • ٢. الإيمان لا يصح إلا باجتماع قول اللسان واعتقاد القلب. 
  • ٣. بطلان مذهب "الكرامية" الذين قالوا الإيمان قول بلا اعتقاد. 
  • ٤. بطلان مذهب "الجهمية" الذين قالوا الإيمان معرفة بلا نطق. 
  • ٥. تقديم التوحيد على العبادات العملية.

  • ​قاعدة عقدية: "التوحيد أصلٌ، وسائر الأعمال تبعٌ له، ولا يُقبل التبع إلا بصحة الأصل".
  • ​قاعدة أصولية: "الواجب الأول هو الشهادة، وهي الشرط الشرعي لصحة سائر التكاليف".
  • ​الضابط الجامع: "الإيمان عقدٌ بالقلب، ونطقٌ باللسان، وبغيرهما لا يتحقق مسمى الإسلام".

​٥. الفرق والمصطلحات:

  • الجَهْمِيَّةُ (١٧):* (١*) هم أتباع جهم بن صفوان، زعموا أن الإيمان هو "المعرفة" فقط ولو لم ينطق اللسان. فجاء تأكيد عمر بن عبد العزيز على "الإقرار باللسان" رداً صريحاً على هذه البدعة التي تُلغي ركنية النطق بالشهادتين
»»»»»›»»»»»»»»»»»»[٢٢]««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّامِنَ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (تَلَازُمُ العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ وَالمَالِيَّةِ وَمَرْكَزِيَّةُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فِي بِنَاءِ الفَرْدِ)
المَتْنُ:
ثُمَّ إِقَامُ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا بِمَا فَرَضَ اللَّهُ فِيهَا، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ عِنْدَ حِلِّهَا بِطِيبِ نَفْسٍ وَصِدْقِ نِيَّةٍ. (١٨)
(١٨)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": ركزت على لفظ "لوقتها"، وهو ما يؤكد اهتمام عمر بـ "المواقيت" كما ورد في سيرته من التشديد على الصلاة في أول الوقت.
نسخة (ب) "ابن بطة": جاء فيها "وإخراج الزكاة" بدلاً من "إيتاء"، ولفظ "إيتاء" في (نسخة د - ابن عساكر) هو الموافق للفظ القرآني المتكرر.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها جملة "بصِدق نية"، واكتفت بـ "طيب نفس"، بينما نسخة (د) جمعت بين الفعل الخارجي (طيب النفس) والقصد الباطني (صدق النية).
التحقيق الواقعي: الروايات مجمعة على أن عمر قدم "الوقت" في الصلاة، و"الحل" في الزكاة، للدلالة على أن العبادة المؤقتة لا تُقبل بغير وقتها.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩١).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).
تخريج الأثر: يتسق هذا مع قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً}، وقوله ﷺ: "أفضل الأعمال الصلاة لوقتها".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
إِقَامُ: (قَوَمَ). 
الحد: الإتيان بالصلاة مستوفية للأركان والشروط والخشوع.
لِوَقْتِهَا: (وَقَتَ). 
الحد: الزمان المحدد شرعاً لأداء العبادة، فلا تُقدم عليه ولا تُؤخر عنه.
فَرَضَ: (فَرَضَ). 
الحد: ما أوجبه الله من الركوع والسجود والقراءة وسائر الأركان.
إِيتَاءُ: (أَتَى). 
الحد: إعطاء المال لمستحقيه على وجه التعبد لله.
الزَّكَاةِ: (زَكَوَ). 
الحد: مقدار مخصوص في مال مخصوص لجهة مخصوصة، وسُميت بذلك لأنها تُطهر المال وتُنميه.
حِلِّهَا: (حَلَلَ). 
الحد: بلوغ الحول واستقرار الوجوب شرعاً في ذمة المكلف.
بِطِيبِ نَفْسٍ: (طَيَبَ). 
الحد: إخراج المال بغير كراهة ولا بخل، بل بانشراح صدر.
صِدْقِ: 
(صَدَقَ). الحد: مطابقة القول للعمل والقصد للحق.
نِيَّةٍ: (نَوَى). 
الحد: قصد التقرب إلى الله بالعمل، وهي ميزان الأعمال الباطنة.

ثُمَّ: (حَرْفُ عَطْفٍ). 

الحد: تفيد الترتيب والتعقيب مع التراخي في الرتبة بعد الشهادتين.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الصلاة والزكاة من صلب الإيمان العملي. 
٢. نية القلب شرط لصحة العبادات المالية والبدنية. 
٣. لا يكفي مجرد الأداء الظاهري بل لا بد من "طيب النفس". 
٤. الإيمان يزيد بهذه الطاعات وينقص بتركها. 
٥. تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب.

قاعدة عقدية: "النية روح العمل، والعمل بغير نية جسدٌ بلا روح".

قاعدة أصولية: "الأمر المطلق بالصلاة يقتضي أداءها في وقتها، وتأخيرها بغير عذر ذنبٌ عظيم".

الضابط الجامع: "حق الله البدني في الصلاة، وحقه المالي في الزكاة، والصدق فيهما علامة النجاة".

٥. الفرق والمصطلحات:

المَانِعُونَ (١٨):* (١*) وهم الذين يفرقون بين الصلاة والزكاة، وقد حاربهم أبو بكر الصديق من قبل. وجاء كلام عمر هنا ليؤكد لعدي بن عدي ولأهل الجزيرة أن "إيتاء الزكاة" ركنٌ مكين لا يقل شأناً عن "إقام الصلاة"، رداً على أي فكر يحاول تهميش العبادات المالية في مفهوم الإيمان.
»»»»»»»»»»»»»»»[٢٣]«««««««««««««««
[الوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ]
القَاعِدَةُ: (تَمَامُ الأَرْكَانِ بِصِيَامِ السِّرِّ وَحَجِّ الِاسْتِطَاعَةِ)
المَتْنُ:
وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ احْتِسَاباً وَإِيمَاناً، وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً، وَالغُسْلُ مِنَ الجَنَابَةِ طُهُوراً. (١٩)

»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت زيادة "احتساباً وإيماناً"، وهي استحضار مباشر للفظ النبوي، مما يربط العمل القلبي بالبدني.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، قدمت الحج على الصيام في الترتيب، ولكن نسخة (د - ابن عساكر) وافقت المشهور في ترتيب حديث ابن عمر بتقديم الصيام.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": انفردت بإضافة "والوضوء كما أمر الله"، بينما نسخة (د) ركزت على "الغسل من الجنابة" كونه أصل الطهارة الكبرى.
التحقيق الواقعي: إضافة "الغسل من الجنابة" في سياق الأركان عند عمر بن عبد العزيز تدل على فقهه بكون الطهارة مفتاح الصلاة، وأنها من معالم الإيمان الظاهرة.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٤ / رقم ٨٩).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩١).
تخريج الحديث: قوله "احتساباً وإيماناً" مقتبس من الصحيحين في فضل رمضان، وقوله في الحج هو نص القرآن في سورة آل عمران.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

صِيَامُ: (صَوَمَ). 
الحد: الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.
رَمَضَانَ: (رَمَضَ). 
الحد: الشهر التاسع من السنة القمرية، وسُمي بذلك لارتماض الأكباد فيه من الجوع أو لاحتراق الذنوب.
احْتِسَاباً: (حَسَبَ). 
الحد: طلب الأجر من الله وحده بغير رياء ولا تذمر.
حَجُّ: (حَجَجَ). 
الحد: القصد إلى بيت الله الحرام لأداء مناسك مخصوصة في وقت مخصوص.
اسْتَطَاعَ: (طَوَعَ). 
الحد: ملك الزاد والراحلة مع صحة البدن وأمن الطريق.
سَبِيلاً: (سَبَلَ). 
الحد: الطريق والوسيلة الموصلة إلى المقصد.
الغُسْلُ: (غَسَلَ). 
الحد: تعميم البدن بالماء الطهور على وجه التعبد.
الجَنَابَةِ: (جَنَبَ). 
الحد: حالة تنتاب المكلف تمنعه من الصلاة، وسُميت بذلك لمجانبته الناس أو الصلاة حتى يطهر.
طُهُوراً: (طَهَرَ). 
الحد: النظافة والنزاهة عن الأخباث والأحداث حساً ومعنى.
بَيْتِ اللَّهِ: (بَيَتَ). 
الحد: الكعبة المشرفة، ونسبتها لله نسبة تشريف وتعظيم.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الصيام والحج من مسمى الإيمان العملي. 
٢. اشتراط الإيمان والاحتساب لقبول العمل (احتساباً وإيماناً). 
٣. تعظيم شعيرة الطهارة وربطها بالإيمان. 
٤. الحج مرتبط بالقدرة الإلهية والتمكين البشري. 
٥. تلازم الظاهر (الغسل) والباطن (النية) في صحة الدين.

قاعدة عقدية: "الإيمان قول وعمل، والعمل شرط كمال في أصله وشرط صحة في بعض أجزائه".

قاعدة أصولية: "المشقة تجلب التيسير، ويظهر ذلك في ربط الحج بالاستطاعة".

الضابط الجامع: "بالصيام تتهذب النفس، وبالحج يُعلن التوحيد، وبالطهارة يتهيأ العبد للقاء المعبود".

٥. الفرق والمصطلحات:

المُرجِئَةُ (١٩): (١*) وهم الذين يخرجون هذه الأعمال (صيام، حج، غسل) عن مسمى الإيمان. رد عليهم عمر بن عبد العزيز بوضع هذه الأركان تحت عنوان "معالم الإيمان"، ليثبت أن من تركها تهاوناً أو جحوداً فقد نقص من إيمانه بقدر ما
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٢٤]««««««««««««««
[الوَجْهُ العِشْرُونُ]
القَاعِدَةُ: (حِمَايَةُ بَيْضَةِ الدِّينِ بِالرِّبَاطِ وَإِصْلَاحِ المُجْتَمَعِ بِالحِسْبَةِ)
المَتْنُ:
وَالجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وَإِمْضَاءُ الحُدُودِ عَلَى مَنْ أَصَابَهَا، لَا تَأْخُذُكَ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ. (٢٠)
(٢٠)
»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««‹«««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):

نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "وإمضاء الحدود"، وهي تعكس منهج عمر بن عبد العزيز في بسط العدل وتطبيق الشرع على القوي والضعيف.

نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، جاء فيها "والجهاد مع كل إمام"، وهي زيادة عقدية مشهورة في كتب السنة، لكن نسخة (د - ابن عساكر) ركزت على "الجهاد في سبيل الله" كقيمة إيمانية مطلقة.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "لا تأخذك في الله لومة لائم"، وهذه الجملة في نسخة (د) هي مفتاح شخصية عمر القيادية في التغيير.
التحقيق الواقعي: الروايات تتفق على أن "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" جُعِلَا من صلب الإيمان، رداً على الخوارج الذين غلوا فيهما، والمرجئة الذين أهملوهما.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٢).
أصول السنة لابن أبي زمنين: (ص ١٣٤ / رقم ٨٩).
تخريج الأثر: يوافق هذا قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، وقوله ﷺ: "الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
الجِهَادُ: (جَهَدَ). 
الحد: بذل الوسع والطاقة في إعلاء كلمة الله بالمال والنفس واللسان.
سَبِيلِ اللَّهِ: (سَبَلَ). 
الحد: الطريق الموصل لمرضاة الله، ويُقصد به هنا القتال الشرعي.
المَعْرُوفِ: (عَرَفَ). 
الحد: كل ما عُرِفَ في الشرع والعقل حسنه وجاء الأمر به.
المُنْكَرِ: (نَكَرَ). 
الحد: كل ما عُرِفَ في الشرع والعقل قبحه وجاء النهي عنه.
إِمْضَاءُ: (مَضَى). 
الحد: تنفيذ الأحكام والحدود وعدم تعطيلها أو المحاباة فيها.
الحُدُودِ: (حَدَدَ). 
الحد: العقوبات المقدرة شرعاً لمن ارتكب ما يوجبها، زجراً له وتطهيراً.
أَصَابَهَا: (صَوَبَ). 
الحد: ارتكاب الذنب الذي يوجب إقامة الحد الشرعي عليه.
لَوْمَةُ: (لَوَمَ). 
الحد: العذل والعتاب الذي يُوجه للمصلح لصرفه عن الحق.
لَائِمٍ: (لَوَمَ). 
الحد: الشخص الذي يعترض على تطبيق الشرع لهوىً في نفسه أو محاباةً لغيره.
الأَمْرُ: (أَمَرَ). 
الحد: طلب الفعل على وجه الاستعلاء والوجوب.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو من لوازم الإيمان. ٢. الحسبة (الأمر والنهي) هي صمام أمان الأمة. 
٣. إقامة الحدود ديانة وقربة إلى الله. 
٤. الثبات على الحق واجب والاعتزاز به إيمان. 
٥. الرد على الذين يُعطلون شعائر الإسلام بدعوى الرفق أو مسايرة الناس.

قاعدة عقدية: "الإيمان لا يكمل إلا بالولاء للحق والعداء للباطل والجهاد في سبيل ذلك".

قاعدة أصولية: "إقامة الحدود منوطة بولي الأمر، وهي واجبة عند تحقق الشروط وانتفاء الموانع".

الضابط الجامع: "بالجهاد يُحمى الدين، وبالحسبة يُصلح المجتمع، وبالحدود تُصان الحرمات".

٥. الفرق والمصطلحات:

المُعَطِّلَةُ (٢٠):* (١*) يُقصد بهم هنا كل من حاول تعطيل الحدود أو الجهاد بحجج عقلية أو سياسية. جاء كلام عمر بن عبد العزيز "إمضاء الحدود" و "لا تأخذك في الله لومة لائم" ليرسخ هيبة الشرع، رداً على بقايا الفكر الفتنوي الذي حاول زعزعة الثبات على المنهج السلفي في إدارة الدولة.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٢٥]«««««««««««««««
[الوَجْهُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (أَخْلَاقُ الأَمَانَةِ وَصِدْقُ اللَّهْجَةِ كَمَوَازِينَ لِصِحَّةِ الِانْتِمَاءِ الإِيمَانِيِّ)
المَتْنُ:
وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَالوَفَاءُ بِالعَهْدِ إِذَا عَاهَدْتَ، وَالصِّدْقُ فِي الحَدِيثِ، وَأَنْ لَا تَغْدِرَ وَلَا تَفْجُرَ. (٢١)
(٢١)
»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": أثبتت لفظ "الوفاء بالعهد"، وهي تتماشى مع وصف المتقين في القرآن الكريم، وأكدت على عموم الأمانة لكل من ائتمن العبد.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت لفظ "والتزام الصدق وإن كان مرّاً"، وهي زيادة أخلاقية مشهورة، لكن نسخة (د - ابن عساكر) فضلت الإيجاز النبوي "والصدق في الحديث".
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "وأن لا تغدر ولا تفجر"، بينما نسخة (د) أوردتها لتكون مقابلاً لصفات المنافقين الأربع المشهورة في الحديث.
التحقيق الواقعي: الروايات مجمعة على أن عمر جعل "الأمانة" و"الصدق" من معالم الإيمان، وهذا رد عملي على من يفصل بين العبادة والأخلاق في مفهوم الدين.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٢ / رقم ٤٣٤).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).
تخريج الأثر: يتفق هذا مع قوله ﷺ: "لا إيمان لمن لا أمانة له"، وقوله في آيات المنافق: "إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

أَدَاءُ: (أَدَيَ). 
الحد: إيصال الشيء لصاحبه تاماً بغير نقصان ولا تأخير.
الأَمَانَةِ: (أَمَنَ). 
الحد: كل ما يُعهد به للعبد من حق الله أو حق العباد ليحفظه.
ائْتَمَنَكَ: (أَمَنَ). 
الحد: جعل الشيء عندك وديعة واثقاً في دينك وخلقك.
الوَفَاءُ: (وَفَيَ). 
الحد: إتمام العهد والبقاء عليه والقيام بمقتضياته.
بِالعَهْدِ: (عَهَدَ).
 الحد: الميثاق أو الوعد الذي يقطعه الإنسان على نفسه للغير.
الصِّدْقُ: (صَدَقَ). 
الحد: الإخبار بالشيء على ما هو عليه في الواقع بلا زيادة ولا نقصان.
تَغْدِرَ: (غَدَرَ). 
الحد: نقض العهد وترك الوفاء به خفية أو غيلة.
تَفْجُرَ: (فَجَرَ). 
الحد: الخروج عن الحق والميل إلى الكذب والخصومة بالباطل.
الحَدِيثِ: (حَدَثَ). 
الحد: الكلام الذي يُنقل أو يُقال في شؤون الناس ومعاشهم.
لَا: (نَاهِيَةٌ). 
الحد: تفيد طلب الكف عن الفعل المذكور على وجه الوجوب والتحريم.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الأخلاق من صميم الإيمان وليست نافلة. 
٢. نقض الأمانة والعهد والصدق من خصال النفاق المنقصة للإيمان. 
٣. الإيمان يُعرف بثمراته في سلوك الفرد مع المجتمع. 
٤. الغدر والفجور يتنافيان مع كمال اليقين. 
٥. وجوب الوفاء بالعقود والعهود ديانةً.

قاعدة عقدية: "الإيمان خُلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان".

قاعدة أصولية: "الأمر بأداء الأمانة والوفاء بالعهد يقتضي الوجوب المطلق ما لم يعارض نصاً شرعياً".

الضابط الجامع: "بالأمانة تُحفظ الحقوق، وبالصدق تُبنى الثقة، وبالوفاء ينتظم عِقد المجتمع المؤمن".

٥. الفرق والمصطلحات:
المُنَافِقُونَ (٢١):* (١*) وهم الذين وصفهم النبي ﷺ بضد هذه الأوصاف. وجاء تنبيه عمر بن عبد العزيز عليها هنا ليُبين أن "المواطنة الإيمانية" تقتضي التخلص من رواسب النفاق العملي، رداً على أي تصور يرى أن الإيمان هو مجرد ادعاء الهوية دون الالتزام بتبعاتها الأخلاقية.
»»»»»»»»»»»»»»»[٢٦]«««««‹«««««‹«««
[الوَجْهُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (تَعْظِيمُ الحُقُوقِ البَيْنِيَّةِ: بِرُّ الوالِدَيْنِ وَصِلَةُ الأَرْحَامِ وَإِكْرَامُ الجِوَارِ)
المَتْنُ:
وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَصِلَةُ الأَرْحَامِ، وَحُسْنُ الجِوَارِ، وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهَ لَهَا. (٢٢)
(٢٢)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": قدمت "صلة الأرحام" على "بر الوالدين"، ولكن الترتيب في (نسخة د - ابن عساكر) هو الأصح شرعاً لتقديم حق الوالدين في سائر نصوص الوحي.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت لفظ "وإكرام الضيف"، بينما نسخة (د) اكتفت بذكر "حسن الجوار" لشموليته في السياق المدني والاجتماعي.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقط منها قوله "وتكره لهم ما تكره لها"، واكتفت بصدر القاعدة النبوية، مما يجعل نسخة (د) أتم في بيان التوازن بين الحب والكره الإيماني.
التحقيق الواقعي: الروايات مجمعة على ربط هذه الأخلاق بالإيمان، وهو ما يُعرف عند السلف بـ "حقوق العباد التي لا تسقط إلا بإسقاطهم"، وربطها عمر هنا بسلامة الصدر (المحبة والكراهية).
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٢).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).

تخريج الأثر: القاعدة الأخيرة "أن تحب للناس ما تحب لنفسك" هي نص حديث في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
بِرُّ: (بَرَرَ).
 الحد: التوسع في الإحسان والطاعة والصلة وترك العقوق قولا وفعلاً.
الوَالِدَيْنِ: (وَلَدَ). 
الحد: الأب والأم المباشران، وتثنيتهما تفيد وجوب الإحسان إليهما معاً.
صِلَةُ: (وَصَلَ). 
الحد: إيصال الخير والبر للأقارب بالمال أو الزيارة أو المودة.
الأَرْحَامِ: (رَحِمَ). 
الحد: كل من يربطك بهم نسب أو قرابة من جهة الأب أو الأم.
حُسْنُ: (حَسَنَ). 
الحد: المعاملة الجميلة التي تسر الناظر وتريح الخاطر.
الجِوَارِ: (جَوَرَ). 
الحد: من يسكن بقربك أو يجاورك في مكان، وحقه عظيم في الشرع.
تُحِبَّ: (حَبَبَ). 
الحد: ميل القلب للشيء وإرادة الخير له ولأهله.
لِلنَّاسِ: (نَوَسَ). 
الحد: عموم الخلق، وتدل هنا على شمولية الإحسان الإنساني.
تَكْرَهَ: (كَرَهَ). 
الحد: بغض الشيء ونفور النفس منه وعدم إرادة وقوعه.
لِنَفْسِكَ: (نَفَسَ). 
الحد: الذات الشخصية، وجُعلت معياراً للتعامل مع الآخرين.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. بر الوالدين وصلة الرحم من أوثق عُرى الإيمان. 
٢. الإيمان يقتضي تجريد النفس من الأثرة والأنانية. 
٣. محبة الخير للناس علامة على صفاء اليقين. 
٤. سوء الجوار وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب التي تنقص الإيمان. 
٥. الدين معاملة تتجلى في الدوائر الاجتماعية الضيقة.

قاعدة عقدية: "لا يكمل إيمان العبد حتى يسلم الناس من لسانه ويده، ويحب لهم ما يحب لنفسه".
قاعدة أصولية: "حقوق الوالدين مقدمة على حقوق سائر الأرحام، والواجب العيني مقدم على الفضل".
الضابط الجامع: "بالبر تُنال الرحمة، وبالصلة تُبارك الأعمار، وبالمحبة للغير يكتمل الوقار".
٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ الجَفَاءِ (٢٢):* (١*) وهم الذين يظنون أن الإيمان صلاة وصوم فقط، ويُهملون حقوق الوالدين والأرحام. جاء كلام عمر بن عبد العزيز ليُبين أن هذه الحقوق "معالم إيمانية" ثابتة، رداً على أي انحراف سلوكي قد يطال المجتمع نتيجة الفتن التي تُنسي الأفراد واجباتهم الأسرية والاجتماعية.

»»»»»»»»»»»»»»[٢٧]««««««««««««

[الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (صِيَانَةُ الأَعْرَاضِ وَتَحْرِيمُ الأَذَى الِّلسَانِيِّ كَضَرُورَةٍ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ)
المَتْنُ:
وَكَفُّ الأَذَى عَنِ المُسْلِمِينَ، وَتَرْكُ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ، وَأَنْ تَسْلَمَ صُدُورُ المَرْءِ مِنْ غِشِّ المُسْلِمِينَ وَمُعَادَاتِهِمْ. (٢٣)
(٢٣)
»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": ركزت على "كف الأذى" كأصل، واعتبرته علامة المسلم الحق كما في الحديث النبوي.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت لفظ "والتجسس" بعد الغيبة، بينما اكتفت نسخة (د - ابن عساكر) بذكر "الغيبة والنميمة" لكونهما الأشيع في إفساد ذات البين.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": جاءت بلفظ "سلامة الصدر" مقدمة على كف الأذى، ولكن ترتيب نسخة (د) بدأ بالظاهر (الأذى واللسان) لينتهي بالباطن (سلامة الصدر)، وهو ترتيب تربوي بليغ.
التحقيق الواقعي: الروايات متفقة على أن "الغش" و"المعاداة" هما نقيض الإيمان الواجب، وهذا يربط بين رسالة عمر بن عبد العزيز وبين إصلاح المجتمع الذي تشرذم بسبب الفتن السياسية والعقدية.

٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٢).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).
تخريج الأثر: يتسق هذا مع قوله ﷺ: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده"، وقوله: "لا يدخل الجنة قتات (نمام)".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
كَفُّ: (كَفَفَ). 
الحد: المنع والامتناع عن الفعل ومنع الجوارح من ممارسة الأذى.
الأَذَى: (أَذِيَ). 
الحد: كل ما يضر الإنسان في بدنه أو عرضه أو ماله أو قلبه.
الغِيبَةِ: (غَيَبَ). 
الحد: ذكرك أخاك بما يكره في غيبته، وإن كان فيه ما تقول.
النَّمِيمَةِ: (نَمَمَ). 
الحد: نقل الكلام بين الناس على وجه الإفساد بينهم.
تَسْلَمَ: (سَلِمَ). 
الحد: الخلو من العيوب والآفات الباطنة كالحقد والحسد.
صُدُورُ: (صَدَرَ). 
الحد: محالُّ القلوب ومكمن النيات والمشاعر.
غِشِّ: (غَشَشَ). 
الحد: إظهار خلاف ما يُبطن من المودة، أو الخداع في النصيحة والمعاملة.
مُعَادَاتِهِمْ: (عَدَوَ). 
الحد: نصب العداوة وبغض المسلمين بغير حق شرعي.
المَرْءِ: (مَرَأَ). 
الحد: الإنسان، واستخدامه هنا للتأكيد على المسؤولية الفردية.
المُسْلِمِينَ: (سَلِمَ). 
الحد: الذين استسلموا لله بالتوحيد وانقادوا له بالطاعة.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الأخلاق الباطنة (سلامة الصدر) ركن في كمال الإيمان. 
٢. الغيبة والنميمة من كبائر الذنوب التي تخدش أصل الولاء والبراء. 
٣. الغش يتنافى مع كمال اليقين (من غشنا فليس منا). 
٤. الإيمان يقتضي محبة المسلمين وسلامة القصد تجاههم. 
٥. الرد على من يحصر الدين في الشعائر الظاهرة مع فساد الباطن.

قاعدة عقدية: "أفضل المؤمنين سليم الصدر، صادق اللسان، كافُّ الأذى".
قاعدة أصولية: "تحريم الوسائل المفضية إلى الفرقة (كالنميمة) واجب شرعي لحماية مقصود الوحدة".

الضابط الجامع: "بالكف عن الأذى تسلم الأبدان، وبالكف عن الغيبة تسلم الأعراض، وبسلامة الصدر تسلم المجتمعات".

٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ الفِتَنِ (٢٣):* (١*) وهم الذين يقتاتون على إثارة العداوات بين المسلمين ونقل الكلام (النميمة) لتفريق الكلمة. جاء كلام عمر بن عبد العزيز هنا بمثابة "ميثاق أخلاقي" لإخماد بذور الفتن التي خلفتها الصراعات السابقة، رداً على كل من يتخذ من لسانه سلاحاً لتمزيق وحدة الأمة.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٢٨]««««««««««««««« 
[الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: 
(كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ وَوُجُوبُ الِاسْتِمْسَاكِ بِجَمِيعِ عُرَى الإِيمَانِ)
المَتْنُ:
فَهَذِهِ مَعَالِمُ الإِيمَانِ، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، وَلِكُلِّ سَهْمٍ مِنْهَا مَوْضِعٌ، لَا يَنُوبُ غَيْرُهُ عَنْهُ. (٢٤)

»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فمن استكملها فقد استكمل عرى الإيمان"، ولفظ (د) (تاريخ دمشق) "استكمل الإيمان" أخصر وأقوى في دلالة المطابقة.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت بياناً لقوله "لم يستكمل" بقولها: "كان ناقص الإيمان بقدر ما نقص منها"، وهذا يوضح مذهب عمر في "زيادة الإيمان ونقصانه".
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "ولكل سهم منها موضع"، وهي جملة جوهرية في نسخة (د) تُبين أن العبادات لا يُغني بعضها عن بعض.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على أن هذه المعالم (من الشهادة إلى سلامة الصدر) هي وحدة واحدة في مسمى "الإيمان المطلق"، مما ينسجم مع منهج أهل السنة في عدم تفريق الدين.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٣ / رقم ٤٣٥).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٢ / ص ٨٥٣).
تخريج الأثر: يشبه هذا التقعيد قول النبي ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة"، فاستكمال الشعب هو استكمال للإيمان.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
اسْتَكْمَلَهَا: (كَمَلَ). 
الحد: الإتيان بالشيء بتمامه ووفاء شروطه دون نقص.
الإِيمَانَ: (أَمَنَ). 
الحد: تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان.
سَهْمٍ: (سَهَمَ). 
الحد: النصيب والحظ المقدر من الشيء (ويُقصد به هنا كل خصلة من خصال الإيمان).
مَوْضِعٌ: (وَضَعَ). 
الحد: الحيز أو المكان الذي يخص العبادة ولا تكتمل الصورة الإيمانية إلا به.
يَنُوبُ: (نَوَبَ). 
الحد: قيام الشيء مقام غيره في الأداء والجزاء.
غَيْرُهُ: (أَدَاةُ مُغَايَرَةٍ). 
الحد: ما سوى السهم المعين من أسهم الإيمان.
مَعَالِمُ: (عَلَمَ). 
الحد: الأعلام المنصوبة لبيان حدود الإيمان وشرائعه.
لَمْ: (حَرْفُ نَفْيٍ). 
الحد: يفيد نفي الكمال المطلق عمن فرط في هذه المعالم.
عَنْهُ: (حَرْفُ جَرٍّ لِلمُجَاوَزَةِ). 
الحد: تفيد استقلال كل معلم بفضله وأثره.
هَذِهِ: (اسْمُ إِشَارَةٍ). 
الحد: يُشار بها إلى جملة المعالم التي فُصلت في الوجوه السابقة.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الإيمان ذو أجزاء وشُعب تتفاوت في رتبتها. 
٢. الإيمان يزيد ويقوى بالاستكمال، وينقص بالتفريط. 
٣. لا يُغني الصيام عن الصلاة، ولا تبرئ الصدقة ذمة قاطع الرحم (مبدأ تخصص السهام). 
٤. استكمال الإيمان غاية يسعى لها كل مؤمن. 
٥. الرد على المرجئة الذين جعلوا الإيمان شيئاً واحداً لا يتجزأ.

قاعدة عقدية: "الإيمان مركبٌ من قول وعمل، وفوات بعضه نقصٌ لآحاده، وفوات أصله هدمٌ لكيانه".

قاعدة أصولية: "الواجبات الشرعية لا ينوب بعضها عن بعض إلا بنص، والأصل بقاء الذمة مشغولة بكل سهم".

الضابط الجامع: "الإيمان كلٌّ لا يتجزأ في القبول، وشعبٌ تتفاضل في العمل، وسهامٌ لا تسد خلة بعضها البعض".

٥. الفرق والمصطلحات:
مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ (٢٤):(١*) وهم الذين قالوا إن الإيمان هو التصديق والقول، وأخرجوا العمل من مسمى الإيمان، فجاء كلام عمر "فمن استكملها استكمل الإيمان" ليؤكد أن العمل (من صلاة وزكاة وصيانة أعراض) هو جزء لا يتجزأ من حقيقة الإيمان، وبدونه لا يتحقق "الاستكمال".
»»»»»»»»»»»»»›»»»»»[٢٩]««««««««««««««««««

[الوَجْهُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (مَسْؤُولِيَّةُ البَلَاغِ وَمَنْهَجُ التَّدَرُّجِ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّطْبِيقِ)
المَتْنُ:
فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ، وَأَحْمِلُكُمْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. (٢٥)

»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فسأشرحها لكم"، بينما لفظ "فسأبينها" في (نسخة د - ابن عساكر) أدق في الدلالة على كشف اللبس ورفع الإشكال عن أهل البدع.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، أضافت "وأجاهدكم عليها"، وهو ما يتسق مع قوله في (د) "وأحملكم عليها" أي بالزام السلطان للرعية بالحق.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "فما أنا على صحبتكم بحريص"، وهي جملة تعكس زهد عمر في السلطنة إن لم تكن مقيمة للحق.
التحقيق الواقعي: الروايات مجمعة على تعليق عمر للأمر على "الحياة"، مما يشير إلى استشعاره قصر الأجل أو ضيق الوقت لإتمام المشروع الإصلاحي الشامل.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٢).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٣ / رقم ٤٣٥).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ٢ / ص ٤٥٥).
تخريج الأثر: هذا القول يمثل سياسة عمر بن عبد العزيز التي عبر عنها في مواضع أخرى بقوله: "إن لي نفساً تواقة"، وهو يربط هنا بين البيان العلمي والقدرة التنفيذية.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
أَعِشْ: (عَيَشَ). 
الحد: بقاء الروح في الجسد واستمرار القدرة على الفعل والتصرف.
فَسَأُبَيِّنُهَا: (بَيَنَ). 
الحد: كشف المشكل وإيضاح الخفي من مسائل الدين بالدليل والبرهان.
أَحْمِلُكُمْ: (حَمَلَ). 
الحد: إلزام الرعية بالعمل بمقتضى السنة ومنعهم من البدعة بسلطان الدولة.
أَمُتْ: (مَوَتَ). 
الحد: انقطاع تعلق الروح بالبدن وخروج المرء من دار التكليف.
صُحْبَتِكُمْ: (صَحِبَ). 
الحد: هنا يُراد بها الولاية على الرعية وملازمة شؤونهم السياسية.
بِحَرِيصٍ: (حَرَصَ). 
الحد: شدة الرغبة في الشيء والتمسك به تمسكاً مبالغاً فيه.
فَإِنْ: (أَدَاةُ شَرْطٍ). 
الحد: لربط الجواب بالشرط وتفيد الاحتمال في المستقبل.
عَلَيْهَا: (حَرْفُ جَرٍّ). 
الحد: تفيد الاستعلاء والإلزام في سياق "الحمل على الشيء".
مَا أَنَا: (نَفِيٌ). 
الحد: نفي الرغبة النفسية في البقاء في السلطة لغير مصلحة الدين.
لَكُمْ: (جَارٌّ وَمَجْرُورٌ). 
الحد: تخصيص البيان والمخاطبة لأهل الجزيرة والولاة.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. وجوب بيان الحق من قبل أئمة المسلمين. 
٢. الزهد في الدنيا والولاية أصل في منهج الخلفاء الراشدين. 
٣. ربط العمل بالبيان (أبينها.. وأحملكم). 
٤. الاستعداد للموت وتقديم براءة الذمة على حظوظ النفس. 
٥. الرد على من يظن أن الولاية مغنم وليست مغرماً ومسؤولية.

قاعدة عقدية: "بيان السنة واجب، والحمل عليها بالحق من تمام الإيمان بالقدرة والولاية".

قاعدة أصولية: "تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولكن البيان المعلق على الاستطاعة يسقط بالعجز".

الضابط الجامع: "بالبيان تُقام الحجة، وبالحمل تظهر الهيبة، وبالزهد في الدنيا تخلص النية".

٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ الدُّنْيَا (٢٥): (١*) وهم الذين يحرصون على الولاية لجمع المال والجاه. جاء كلام عمر بن عبد العزيز "فما أنا على صحبتكم بحريص" ليفصل بين منهج الخلافة الراشدة وبين منهج الملك العضوض، رداً على أي تصور يرى أن تمسكه بالخلافة هو تمسك بالكرسي، بل هو تمسك بالقدرة على "إقامة هذه المعالم"
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٣٠]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (أَفْضَلِيَّةُ السَّبْقِ وَحُجِّيَّةُ فَهْمِ السَّلَفِ عَلَى كُلِّ مُحْدَثٍ)
المَتْنُ:
فَارْضَوْا لِأَنْفُسِكُمْ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى. (٢٦)

»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فارفعوا لأنفسكم"، ولفظ "فارضوا" في (نسخة د - ابن عساكر) أليق بمقام التسليم والرضا القلبي بالمنهج السلفي.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، أضافت "وبفضلٍ كانوا هم المتقدمين"، بينما نسخة (د) ركزت على "العلم" و"البصر النافذ" كأدوات للاتباع.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها جملة "وببصر نافذ كفوا"، واكتفت بذكر العلم، بينما نسخة (د) بينت أن "الكف" (السكوت عن الخوض) كان عن قوة وبصيرة لا عن جهل.
التحقيق الواقعي: تتفق النسخ على وصف الصحابة بـ "القَوْمِ"، وهو تعريف بالعهد الذهني لجيل الرسالة، وتؤكد أن سكوتهم عن "غوامض القدر" كان ديانةً وعقلاً.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٣).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٤ / رقم ٤٣٦).
جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: (ج ٢ / ص ٩٤٧).
تخريج الأثر: هذه القاعدة العمرية هي عمدة في "علم أصول الاعتقاد"، ويستشهد بها الأئمة في بيان أن "طريقة السلف أسلم وأعلم وأحكم".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
ارْضَوْا: (رَضِيَ). 
الحد: قبول الشيء والاطمئنان إليه وترك المنازعة فيه.
القَوْمُ: (قَوَمَ). 
الحد: الجماعة الذين يجمعهم شأن واحد، والمراد هنا الصحابة والتابعون.
وَقَفُوا: (وَقَفَ). 
الحد: الانتهاء إلى حد معين وعدم تجاوزه (وهو الوقوف عند نصوص الوحي).
بِبَصَرٍ: (بَصَرَ). 
الحد: نور القلب وقوة الإدراك التي تفرق بين الحق والباطل.
نَافِذٍ: (نَفَذَ). 
الحد: الذي يخرق الشبهات ويصل إلى لب الحقيقة دون توقف.
كَفُّوا: (كَفَفَ). 
الحد: الامتناع عن الخوض فيما سكت عنه الشارع من الغيبيات.
كَشْفِ: (كَشَفَ). 
الحد: إظهار ما استتر من الحقائق وإزالة اللبس عنها.
أَقْوَى: (قَوَى). 
الحد: أشد تمكناً واستعداداً بدنياً وعقلياً وروحياً.
الأُمُورِ: (أَمَرَ). 
الحد: الشؤون والمائل العقدية العويصة.
لِأَنْفُسِكُمْ: (نَفَسَ). 
الحد: ذواتكم التي تُطلب لها النجاة.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. وجوب الرضا بمنهج الصحابة في الاعتقاد. 
٢. سكوت السلف عن بعض المسائل كان عن علم لا عن عجز. 
٣. قوة إدراك السلف تفوق قوة من جاء بعدهم من المتكلمين. 
٤. السلامة في "الكف" عما كفوا عنه. 
٥. الرد على من يزعم أن الخلف أعلم من السلف بالحقائق العقلية.

قاعدة عقدية: "كل من زعم أنه وجد هدىً سكت عنه الصحابة فقد اتهمهم بالجهل أو الخيانة".

قاعدة أصولية: "سكوت الصحابة عن مسألة مع قيام المقتضي لبيانها يُعد إجماعاً سكوتياً على عدم مشروعية الخوض فيها".

الضابط الجامع: "العلم ما قالوه، والهدى ما فعلوه، وما خرج عن ذلك فهو تيهٌ وضياع".

٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ التَّعَمُّقِ (٢٦):* (١*) وهم الذين لم يرضوا بما رضي به القوم، فظنوا أنهم بـ "التعمق العقلاني" سيصلون لما لم يصل إليه الصحابة. جاء رد عمر بن عبد العزيز صاعقاً بأن الصحابة "على علم وقفوا"، ليقطع الطريق على "المتكلمين" الذين حاولوا تبرير بدعهم بدعوى "فتح ما أُغلق".
»»»»»»»»»»»»»[٣١]««««««««««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (بُلُوغُ الغَايَةِ فِي المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ وَذَمُّ التَّقْصِيرِ وَالغُلُوِّ)
المَتْنُ:
وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ كَانُوا هُمْ أَوْلَى، فَلَئِنْ قُلْتُمْ: حَدَثَ بَعْدَهُمْ؛ فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ هَدْيَهُمْ، وَرَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِمْ، وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي، وَتَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَشْفِي. (٢٧)

      »»»»»»[حاشية التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "ولقد بلغوا من الشفاء ما يغني"، بينما لفظ "بما يشفي" في (نسخة د - ابن عساكر) أبلغ في الدلالة على طمأنينة القلب وذهاب داء الشبهة.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت لفظ "فما فوقهم محسر، وما دونهم مقصر"، وهي قاعدة عمرية مشهورة جداً، لكن نسخة (د) ركزت على نقد "الإحداث" بعدهم.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة المتعلقة بـ "رغب عن سنتهم"، واكتفت بذم المخالفة، بينما نسخة (د) بينت أن الدافع للمخالفة هو الرغبة عن السنة (أي الزهد فيها).
التحقيق الواقعي: الروايات تتفق على أن "الإحداث" ليس تطوراً محموداً، بل هو انحراف عمن سلف، وأن كلام الصحابة في العقيدة كان جامعاً مانعاً.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٣).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٤).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).
تخريج الأثر: هذا النص يقرر قاعدة "الاستغناء بالوحي وفهم السلف"، وهو ما يعبر عنه العلماء بقولهم: "لو كان خيراً لسبقونا إليه".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
بِفَضْلٍ: (فَضَلَ). 
الحد: الزيادة في الخير والكمال والسبق إلى المحامد.
أَوْلَى: (وَلِيَ). 
الحد: الأحق بالاتباع والأجدر بالاقتداء لسبقهم وقربهم من النبوة.
حَدَثَ: (حَدَثَ). 
الحد: وقوع أمر جديد لم يكن موجوداً ولا معهوداً في الصدر الأول.
خَالَفَ: (خَلَفَ). 
الحد: سلوك طريق غير طريقهم، ومصادمة هدي هؤلاء بالرأي والبدعة.
هَدْيَهُمْ: (هَدَى). 
الحد: طريقتهم وسيرتهم وسمتهم في العلم والعمل.
رَغِبَ عَنْ: (رَغَبَ). 
الحد: ترك الشيء زهداً فيه أو كراهية له (وهنا ترك السنة).
سُنَّتِهِمْ: (سَنَنَ). 
الحد: طريقتهم المأثورة المتبعة التي استقوها من مشكاة النبوة.
يَكْفِي: (كَفَى). 
الحد: بلوغ الغاية بحيث لا يُحتاج معها إلى زيادة من خارجها.
تَكَلَّمُوا: (كَلَمَ). 
الحد: النطق بالحق والحجة في مسائل الدين.
يَشْفِي: (شَفَى).
 الحد: إزالة علل الشكوك وأمراض الشبهات من القلوب.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. الفضل محصور في اتباع من سلف. 
٢. كل إحداث في الدين فهو ضلالة ومخالفة لهدي الصحابة. 
٣. كفاية كلام السلف في تقرير الحق ورد الباطل. 
٤. الرغبة عن السنة هي أصل الابتداع. 
٥. الرد على من يزعم أن كلام السلف غير كافٍ في الدقائق العقلية.

قاعدة عقدية: "الشفاء في الاتباع، والداء في الابتداع، وما سكت عنه الأوائل فالخوض فيه عناء".

قاعدة أصولية: "فهم السلف حجة شرعية تخصص عموم العقل وتمنع من إحداث أقوال تخرق إجماعهم السكوتي".

الضابط الجامع: "بالاكتفاء بكلامهم يحصل الشفاء، وبالرغبة عن طريقهم يقع البلاء".

٥. الفرق والمصطلحات:

أَهْلُ الِاسْتِدْرَاكِ (٢٧):* (١*) وهم الذين يظنون أنهم يستدركون على الصحابة ما فاتهم من العلم والبيان. جاء رد عمر بن عبد العزيز "ولقد وصفوا منه ما يكفي" ليقطع دابر هذا الغرور العقلي، رداً على نوابت "المعتزلة" و"القدرية" الذين زعموا أنهم أتوا ببيانٍ لم يعرفه الأوائل.
       »»»»»»»»»»»»[٣٢]««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: 
(ذَمُّ التَّفْرِيطِ وَالإِفْرَاطِ وَلُزُومُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ الجَفَاءِ وَالغُلُوِّ)
المَتْنُ:
فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَمَا فَوْقَهُمْ مُحَسِّرٌ، لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَتَجَاوَزَهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ. (٢٨)

       »»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فما دونهم مفسد"، بينما لفظ "مقصر" في (نسخة د - ابن عساكر) أدق في وصف ترك بعض السنة تهاوناً.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، وردت بلفظ "وما فوقهم متكلف"، ولفظ "محسر" في نسخة (د) أبلغ؛ لأن المحسر هو الذي يجهد نفسه فيما لا طائل من ورائه حتى يكلّ ويضل.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم"، واكتفت بذم الطرفين، بينما نسخة (د) أثبتت "الوسطية" كصفة لازمة لمنهج السلف.
التحقيق الواقعي: الروايات مجمعة على هذا التقسيم الثلاثي (مقصر، غالٍ، ومقتصد)، وهو التقسيم الذي اعتمده أئمة السنة في تصنيف الفرق والمناهج.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٣).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٤ / رقم ٤٣٦).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ١ / ص ٣٢١).
تخريج الأثر: يشبه هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "خير الناس النمط الأوسط، إليه يرجع الغالي، وبه يلحق التالي".
٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

دُونَهُمْ: (دَوَنَ). 
الحد: المرتبة الأدنى التي تقصر عن بلوغ كمال المنهج السلفي.
مُقَصِّرٌ: (قَصَرَ). 
الحد: التارك لبعض ما يجب علماً وعملاً، المتهاون في لزوم الأثر.
فَوْقَهُمْ: (فَوَقَ). 
الحد: المتجاوز للحدود الشرعية بدعوى الزيادة في التعبد أو العلم.
مُحَسِّرٌ: (حَسَرَ). 
الحد: المتعب لنفسه في غير هدى، الذي ينقطع به الطريق لشدة تنطعه.
جَفَوْا: (جَفَا). 
الحد: البعد عن الحق وترك الصلة بالسنة، وأصله من جفاء القدر وهو ما ينفيه السيل.
تَجَاوَزَهُمْ: (جَوَزَ). 
الحد: عبور الحد المرسوم شرعاً إلى دائرة الابتداع.
فَغَلَوْا: (غَلَا). 
الحد: المبالغة في الشيء حتى يخرج عن حده وقدره.
بَيْنَ ذَلِكَ: (بَيْنَ). 
الحد: الوسطية والاعتدال الذي لا يميل إلى يمين الغلو ولا شمال الجفاء.
هُدًى: (هَدَى). 
الحد: العلم النافع والعمل الصالح الموصل لرضوان الله.
مُسْتَقِيمٍ: (قَوَمَ). 
الحد: الطريق الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف عن الصراط.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:
عقدية: 
١. منهج السلف هو معيار الصحة والخطأ. 
٢. الغلو في الدين بدعة مهلكة كالتقصير فيه سواء. 
٣. الحق يقع دائماً بين باطلين. 
٤. السلامة في الاقتصاد في السنة أفضل من الاجتهاد في البدعة. 
٥. الرد على "الخوارج" (أهل الغلو) و"المرجئة" (أهل الجفاء).

قاعدة عقدية: "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى غلو وإما إلى تقصير، ودين الله وسط بينهما".

قاعدة أصولية: "الزيادة في الدين كالنقصان منه في الحكم، لأن كلاهما تغيير لشرع الله".

الضابط الجامع: "بالاقتداء يرتفع التقصير، وبالتسليم يندفع الغلو، وبالتوسط تستقيم الأحوال".

٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ الوَسَطِ (٢٨):* (١*) وهم أهل السنة والجماعة الذين لم يغلوا غلو "الوعيدية" (الخوارج والمعتزلة) الذين كفروا بالذنوب، ولم يقصروا تقصير "المرجئة" الذين أخرجوا العمل عن الإيمان. جاء كلام عمر بن عبد العزيز ليضع "عدي بن عدي" على هذا الصراط المستقيم، رداً على نوابت الفتن في عصره.
            »»»»»»»»»»»[٣٣]««««««««««««
[الوَجْهُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ]
القَاعِدَةُ: (تَقْدِيمُ النَّقْلِ عَلَى العَقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الِاسْتِحْسَانِ المَحْضِ)
المَتْنُ:
وَكَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنْ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ مِنَ الرَّأْيِ وَالأَهْوَاءِ؛ فَالْزَمِ السُّنَّةَ، فَإِنَّهَا لَكَ عِصْمَةٌ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرَّأْيَ لَا يُنْقِضُ الأَثَرَ، وَأَنَّ الهدى فِيمَا جَاءَ بِهِ الأَوَّلُونَ. (٢٩)

        »»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فإنها لك حرزٌ"، بينما لفظ "عصمة" في (نسخة د - ابن عساكر) أقوى في الدلالة العقائدية على الحماية من الزلل والضلال.
نسخة (ب) "ابن بطة": زادت بعد الرأي "والكلام في القدر"، وهو تخصيصٌ لمحل النزاع، بينما نسخة (د) أبقت اللفظ عاماً ليشمل كل محدثات الرأي.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الجوهرية "الرأي لا ينقض الأثر"، وهي من القواعد الكلية التي تفردت بها نسخة (د) في هذا السياق.
التحقيق الواقعي: الروايات تتفق على أن جواب عمر لـ "عدي بن عدي" كان قاطعاً في جعل السنة هي "الميزان" الذي تُعرض عليه الأفكار، لا العكس.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٣).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٥ / رقم ٤٣٦).
الإبانة الكبرى لابن بطة: (ج ١ / ص ٣٤٥).
تخريج الأثر: يتسق هذا مع قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اتهموا الرأي على الدين"، ومع القاعدة الأصولية: "لا اجتهاد مع النص".

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):
أَحْدَثَ: (حَدَثَ). 
الحد: إيجاد قول أو فعل في الدين لم يسبق إليه الأوائل.
الرَّأْيِ: (رَأَى). 
الحد: ما يراه الإنسان بعقله واستحسانه بغير استناد إلى نص شرعي.
الأَهْوَاءِ: (هَوِيَ). 
الحد: الميول النفسية التي تصرف صاحبها عن الحق اتباعاً لرغباته.
الْزَمِ: (لَزِمَ). 
الحد: المداومة والثبات والتمسك الشديد بالسنة كمن يلزم غرز دابته.
عِصْمَةٌ: (عَصَمَ). 
الحد: المنعة والحماية من الوقوع في الخطأ أو الهلاك.
يُنْقِضُ: (نَقَضَ). 
الحد: إبطال مفعول الشيء أو نقض بنيانه (أي لا يُبطل الرأيُ الأثرَ).
الأَثَرَ: (أَثَرَ). 
الحد: ما نُقل عن النبي ﷺ وأصحابه من سنن وأقوال.
الأَوَّلُونَ: (أَوَلَ). 
الحد: الرعيل الأول من الصحابة والتابعين الذين عاينوا التنزيل.
فِيمَا جَاءَ: (جَيَأَ). 
الحد: ما نُقل إلينا من الوحي والفهم المستنبط منه.
تَسْأَلُ: (سَأَلَ). 
الحد: الاستفسار طلباً للعلم والنجاة من الشبهات.
٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 
١. السنة هي العاصم الوحيد من فتن الآراء والأهواء. 
٢. الرجوع لفهم الصحابة (الأولون) هو جوهر الهداية. 
٣. بطلان كل رأي يعارض السنة المأثورة. 
٤. الدين مبني على الاتباع لا على الابتداع العقلي. 
٥. الرد على المتكلمين الذين قدموا العقل على النقل.

قاعدة عقدية: "السنة سفينة نوح؛ من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق في بحار الأهواء".

قاعدة أصولية: "الأثر حجةٌ بنفسه، والرأي حجةٌ بغيره؛ فإذا تعارضا سقط الرأي واستقل الأثر بالبيان".

الضابط الجامع: "بالعصمة في السنة تُدفع الفتن، وبالوقوف عند الأثر تنكشف المحن".

٥. الفرق والمصطلحات:

أَهْلُ الرَّأْيِ المَذْمُومِ (٢٩):* (١*) وهم الذين غلّبوا أقيسة عقولهم واستحساناتهم على نصوص القدر والشرع، فخرجوا عن "هدى الأولين". جاء كلام عمر بن عبد العزيز ليُحذر "عدي بن عدي" من بريق هذه المذاهب المحدثة، رداً على بوادر "الاعتزال" التي بدأت تطل برأسها في آفاق الجزيرة والعراق.

        »»»»»»»»»»»»»[٣٤]«««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّلَاثُونَ]
القَاعِدَةُ: (كَمَالُ البَيَانِ السَّلَفِيِّ وَبُطْلَانُ دَعْوَى الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى الصَّدْرِ الأَوَّلِ)
المَتْنُ:
فَلَا يَهُمَّنَّكَ مَا نَحَلَهُ النَّاسُ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا لِمُسْتَزِيدٍ مَقَالاً، وَلَا لِمُتَكَلِّفٍ مَجَالاً، وَلَقَدْ أَحَاطُوا بِالأُصُولِ، وَفَصَّلُوا فِي الفُرُوعِ. (٣٠)

  »»»»»»»[حاشية التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]«««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فلا يستهوينك"، بينما لفظ "فلا يهمنك" في (نسخة د - ابن عساكر) أبلغ في طمأنة النفس وعدم الاكتراث بضجيج المبتدعة.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادت لفظ "فقد كفوا المؤنة"، وهو ما ينسجم مع قوله في (د) "لم يدعوا لمستزيد مقالاً".
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملة الأخيرة "وفصلوا في الفروع"، بينما نسخة (د) أثبتت شمولية علم السلف للأصول والفروع معاً.
التحقيق الواقعي: الروايات تتفق على أن الصحابة وضعوا سقفاً للعلم لا يحتاج من جاء بعدهم لتجاوزه، بل لمجرد فهمه وتطبيقه.
٢. التوثيق والمصادر:
تاريخ دمشق لابن عساكر (نسخة د): (ج ٤٥ / ص ٣٤٣).
كتاب الشريعة للآجري: (ج ٢ / ص ٥٩٥).
حلية الأولياء لأبي نعيم: (ج ٥ / ص ٣٠١).
تخريج الأثر: هذه القاعدة هي تطبيق لقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}، فكل من استزاد في الأصول فقد ادعى نقصاً في الإكمال الإلهي.

٣. غريب المفردات (الاشتقاق والحد):

يَهُمَّنَّكَ: (هَمَمَ). 
الحد: لا يجعل في قلبك هماً أو حزناً أو انشغالاً بما يقوله أهل البدع.
نَحَلَهُ: (نَحَلَ). 
الحد: نسبة الشيء إلى غير قائله، أو اختراع الأقوال الباطلة ونسبتها للدين.
لِمُسْتَزِيدٍ: (زَيَدَ). 
الحد: من يطلب زيادة في العلم أو البيان فوق ما قرره الأوائل.
مَقَالاً: (قَوَلَ). 
الحد: القول الذي يُعتد به في تقرير الحقائق الشرعية.
لِمُتَكَلِّفٍ: (كَلَفَ). 
الحد: من يُجهد نفسه في التنطع والبحث عما خفي من الأسرار الغيبية.
مَجَالاً: (جَوَلَ). 
الحد: الحيز أو الفرصة المتاحة للخوض والبحث.
أَحَاطُوا: (حَوَطَ). 
الحد: الإدراك الشامل والكامل الذي لا يغيب عنه أصل من أصول الدين.
الأُصُولِ: (أَصَلَ). 
الحد: القواعد الكلية والأسس الاعتقادية الثابتة (كأركان الإيمان والقدر).
فَصَّلُوا: (فَصَلَ). 
الحد: تبيين الأحكام الجزئية وتوضيحها بما لا يدع مجالاً للبس.
الفُرُوعِ: (فَرَعَ). 
الحد: المسائل التطبيقية والعملية التي تنبثق عن الأصول.

٤. الفوائد العقدية والأصولية:

عقدية: 
١. الاكتفاء بفهم السلف هو جوهر الأمان. 
٢. ادعاء الاستزادة في مسائل الغيب بدعة وضلالة. 
٣. السلف أحاطوا بأصول الدين كمال الإحاطة. 
٤. عدم الالتفات للأقوال المحدثة (ما نحله الناس). 
٥. الرد على المتفلسفة الذين زعموا أن الأوائل لم يحرروا المصطلحات العقلية.

قاعدة عقدية: "البيان السلفي كافٍ شافٍ، وما سواه زيادةٌ لا تُغني من الحق شيئاً".

قاعدة أصولية: "إذا أحاط السلف بالأصول، فكل فرعٍ يُحدث بخلاف أصولهم فهو باطل بالتبعية".

الضابط الجامع: "بالإحاطة انقطع الاستزادة، وبالتفصيل سُدَّ باب التكلف".
٥. الفرق والمصطلحات:
أَهْلُ الِانْتِحَالِ (٣٠): (١*) وهم الذين ينسبون للدين ما ليس منه من أقيسة عقلية وأهواء نفسية. جاء كلام عمر بن عبد العزيز ليُبين أن هذه "النِّحَل" المحدثة لا وزن لها أمام تراث الصحابة، رداً على كل من حاول صبغ الإسلام بصبغات فكرية أجنبية عن مشكاة النبوة.
      »»»»»»»»»»»»»[٣٥]«««««««««««««
[الوَجْهِ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ]
القَاعِدَةُ: (وُجُوبُ هَجْرِ مَجَالِسِ المُرْجِئَةِ وَالقَدَرِيَّةِ وَسَدُّ ذَرَائِعِ التَّأَثُّرِ بِشُبَهِهِمْ)
المَتْنُ:
فَاحْذَرْهُمْ عَلَى دِينِكَ، وَلَا تُجَالِسْهُمْ فِي مَحَادِثَتِهِمْ، وَلَا تُصْغِ إِلَى شُبَهِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ، وَخُصُومُ الأَثَرِ، وَإِنَّمَا نَجَا مَنْ نَجَا بِبُغْضِهِمْ فِي اللَّهِ، وَمُجَانَبَةِ طَرِيقِهِمْ، فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ يَمِيلَ قَلْبُكَ إِلَيْهِمْ، أَوْ تَسْتَحْسِنَ شَيْئاً مِنْ قَوْلِهِمْ، فَتَهْلِكَ مَعَ الهَالِكِينَ. (٣٢)
(٣٢)
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ العَمِيقَةِ]
١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاء فيها اللفظ "فلا تؤوهم" بدلاً من "لا تجالسهم"، والإيواءُ أخصُّ من المجالسةِ، إذْ يَعْنِي مَنْحَهُمُ الحِمَايَةَ أَوِ التَّمْكِينَ، لَكِنَّ نُسْخَةَ (د - ابن عساكر) اهتمت بجانبِ "التأثيرِ الفكريِّ" عَبْرَ النَّهْيِ عَنِ "المُجَالَسَةِ" كَذَرِيعَةٍ لِانْتِقَالِ الشُّبْهَةِ.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة الكبرى"، زادت بعد قوله "أعداء السنة" عبارة: "وهادمو بنيان الجماعة"، وهي إضافةٌ تعكسُ الأثرَ السياسيَّ والاجتماعيَّ لِهاتينِ الفِرْقتينِ في تفريقِ كلمةِ المسلمينَ، بينما نسخة 
(د) ركزت على الجانبِ العقدِيِّ المَحْضِ.
نسخة 
(ج) "ابن أبي زمنين": سقطت منها الجملةُ التحذيريةُ الأخيرةُ "فتملك مع الهالكين"، واكتفت بالأمرِ بالمجانبةِ، مما يجعلُ نسخة 
(د) أتمَّ في بيانِ العاقبةِ والتحذيرِ من مآلاتِ الانحرافِ.
التحقيق الواقعي: الرواياتُ مجمعةٌ في جملتها على مذهبِ السلفِ في "هجرِ المبتدعةِ"، وهو هجرٌ وقائيٌّ يُقصدُ به حمايةُ "العوامِّ" وطُلاّبِ العلمِ من بريقِ الشبهاتِ العقليةِ التي كانَ القدريةُ والمرجئةُ يُحسنونَ تزويقها.
٢. غريب المفردات (الاشتقاق والحد الجامع المانع):
احْذَرْهُمْ: (حَذَرَ). 
الحد: اسْتِعْدَادُ النَّفْسِ لِتَوَقِّي مَكْرُوهٍ مُتَوَقَّعٍ، وَهُوَ هُنَا الحَذَرُ الدِّينِيُّ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ مَنَاهِجِهِمْ.
تُجَالِسْهُمْ: (جَلَسَ). 
الحد: كُلُّ مُمَاثَلَةٍ فِي المَكَانِ تَقْتَضِي الخُلْطَةَ وَالِاسْتِمَاعَ، وَالنَّهْيُ هُنَا يَتَنَاوَلُ المَجَالِسَ العِلْمِيَّةَ وَالاجْتِمَاعِيَّةَ الَّتِي يُبَثُّ فِيهَا الزَّيْغُ.
مَحَادِثَتِهِمْ: (حَدَثَ). 
الحد: المُنَاظَرَةُ وَالمُكَالَمَةُ التِي يَعْرِضُ فِيهَا المُبْتَدِعُ بَاطِلَهُ فِي صُورَةِ بَحْثٍ عَقْلِيٍّ أَوْ جَدَلٍ كَلَامِيٍّ.
تُصْغِ: (صَغَى). 
الحد: مَيْلُ الأُذُنِ وَالقَلْبِ لِاسْتِقْبَالِ القَوْلِ مَعَ حُسْنِ التَّوَجُّهِ، وَالإِصْغَاءُ هُوَ مِفْتَاحُ اسْتِقْرَارِ الشُّبْهَةِ فِي الذِّهْنِ.
شُبَهِهِمْ: (شَبَهَ). 
الحد: البَاطِلُ الَّذِي يُلْبَسُ لِبَاسَ الحَقِّ حَتَّى يَلْتَبِسَ عَلَى النَّاظِرِ، وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَشَابُهِهَا مَعَ الحَقِّ فِي الظَّاهِرِ.
خُصُومُ: (خَصَمَ). 
الحد: المُنَازِعُونَ لِلنَّصِّ بِالعَقْلِ، الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ آرَائِهِمْ نِدًّا لِمَا نُقِلَ عَنِ الأَوَّلِينَ.
مُجَانَبَةِ: (جَنَبَ). 
الحد: البُعْدُ التَّامُ عَنِ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَكُونُ المَرْءُ فِي جَانِبٍ وَالشَّيْءُ فِي جَانِبٍ آخَرَ، وَهِيَ أَبْلَغُ مِنَ التَّرْكِ.
تَسْتَحْسِنَ: (حَسَنَ). 
الحد: حُكْمُ العَقْلِ بِحُسْنِ الشَّيْءِ بِنَاءً عَلَى هَوىً أَوْ تَمْوِيهٍ، وَالِاسْتِحْسَانُ فِي العَقَائِدِ بَرِيدُ الِابْتِدَاعِ.
يَمِيلَ: (مَيَلَ). 
الحد: انْحِرَافُ القَلْبِ عَنِ الِاسْتِقَامَةِ وَالتَّوَسُّطِ إِلَى جِهَةِ البَاطِلِ تَرَقُّقاً أَوْ قَبُولاً.
تَهْلِكَ: (هَلَكَ). 
الحد: انْقِطَاعُ الرُّوحِ عَنِ الحَيَاةِ، أَوْ انْقِطَاعُ العَبْدِ عَنِ الهِدَايَةِ، وَالمُرَادُ هُنَا هَلَاكُ الدِّينِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى النَّارِ.

٣. الفوائد العقدية والتربوية (خمس فوائد):
الفائدة الأولى: وُجُوبُ حِمَايَةِ القَلْبِ مِنَ السَّمَاعِ لِأَهْلِ الأَهْوَاءِ؛ لِأَنَّ القُلُوبَ ضَعِيفَةٌ وَالشُّبَهَ خَطَّافَةٌ، وَالمُجَالَسَةُ بَرِيدُ المُوَافَقَةِ.
الفائدة الثانية: بَيَانُ أَنَّ الحُبَّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضَ فِي اللَّهِ هُوَ مِيعَارُ النَّجَاةِ، فَمُجَانَبَةُ المُنْحَرِفِينَ عَقَدِيّاً قُرْبَةٌ يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ.
الفائدة الثالثة: التَّحْذِيرُ مِنْ "الِاسْتِحْسَانِ العَقْلِيِّ" لِبَعْضِ أَقْوَالِ المُبْتَدِعَةِ، فَالقَوْلُ المُرَكَّبُ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ قَدْ يَغُرُّ العَبْدَ بِحَقِّهِ فَيَبْتَلِعُ بَاطِلَهُ.
الفائدة الرابعة: أَنَّ السَّلَامَةَ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ، وَأَنَّ مَنْ عَرَّضَ دِينَهُ لِلفِتَنِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ هَلَكَ.
الفائدة الخامسة: تَأْكِيدُ صِفَةِ "العَدَاوَةِ" بَيْنَ المَنْهَجِ الكَلَامِيِّ وَالمَنْهَجِ الأَثَرِيِّ، فَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَداً.
٤. القواعد العقدية والأصولية والضابط:
قاعدة عقدية: "هَجْرُ المُبْتَدِعِ دِيَانَةٌ وَصِيَانَةٌ، وَمُخَالَطَتُهُ خِيَانَةٌ لِلأَمَانَةِ"، فَالإِيمَانُ يَقْتَضِي التَّمَيُّزَ عَنْ أَهْلِ الزَّيْغِ.
قاعدة أصولية: "سَدُّ الذَّرَائِعِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ أَوْجَبُ مِنْهُ فِي بَابِ الأَحْكَامِ"، فَمَا أَدَّى إِلَى الضَّلَالِ فَهُوَ ضَلَالٌ.
الضابط الجامع: "كُلُّ مَجْلِسٍ يَضْعُفُ فِيهِ تَعْظِيمُ الأَثَرِ، وَيَعْلُو فِيهِ صَوْتُ الرَّأْيِ المُحْدَثِ، فَالهَرَبُ مِنْهُ نَجَاةٌ، وَالثُّبَاتُ فِيهِ غَرَرٌ".
٥. دراسة الفِرَقِ (تكملة وتعميق):
مَثَارُ الفِتْنَةِ (٣٢):* يَعْنِي بِهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ هُنَا التَّلَاقِي بَيْنَ (القَدَرِيَّةِ) الَّذِينَ نَفَوْا العِلْمَ وَالمَشِيئَةَ، وَبَيْنَ (المُرْجِئَةِ) الَّذِينَ نَفَوْا رُكْنِيَّةَ العَمَلِ. فَإِذَا اجْتَمَعَ فِي المُجْتَمَعِ (نَفْيُ القَدَرِ) مَعَ (تَهْوِينِ المَعْصِيَةِ)، فُسِدَ النِّظَامُ العَامُ، وَضَاعَتْ هَيْبَةُ التَّكْلِيفِ.
الخَطَرُ السِّيَاسِيُّ لِلإِرْجَاءِ: كَانَ المُرْجِئَةُ فِي عَصْرِ عُمَرَ يُحَاوِلُونَ إِيجَادَ مَسَاغٍ لِلقُعُودِ عَنِ الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بَيْنَمَا كَانَ القَدَرِيَّةُ (مِثْلَ غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ) يُثِيرُونَ الفِتَنَ الفِكْرِيَّةَ الَّتِي تُضْعِفُ لُحْمَةَ الأُمَّةِ. لِذَلِكَ كَانَ أَمْرُهُ بِالمُجَانَبَةِ أَمْراً سِيَادِيّاً لِحِفْظِ الأَمْنِ الفِكْرِيِّ لِلدَّوْلَةِ.
. تعريف "المُرْجِئَةِ" (دراسة شاملة):
النشأة: ظهرت بذور الإرجاء في أواخر القرن الأول الهجري (حوالي سنة ٧٠-٨٠هـ)، وكانت بدايتها سياسية في محاولة لـ "إرجاء" الحكم على المتنازعين في الفتن إلى الله، ثم تطورت لمذهب عقدي.
المعتقد: يزعمون أن "الإيمان قول بلا عمل" أو "معرفة بلا نطق"، وأن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، فالمعصية عندهم لا تضر مع الإيمان كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر (في زعم غلاتهم).
الرؤوس والمؤسسون: يُنسب أول قول بالإرجاء لـ "حماد بن أبي سليمان" (شيخ أبي حنيفة) في الكوفة، ولـ "ذر بن عبد الله الهمداني". ومن غلاتهم "جهم بن صفوان".
الفرق: (مرجئة الفقهاء) الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان مع وجوبه، و(مرجئة المتكلمين) كالجهمية الذين يحصرونه في المعرفة.
٤. تعريف "القَدَرِيَّةِ" (دراسة شاملة):
النشأة: نشأت في أواخر عهد الصحابة، وأول من نطق بها بـ "البصرة" هو معبد الجهني (سنة ٨٠هـ) الذي أخذها عن نصراني يُدعى "سوسن"، ثم نشرها غيلان الدمشقي في عهد عمر بن عبد العزيز.
المعتقد: ينفون قدر الله السابق، ويزعمون أن العبد يخلق فعل نفسه استقلالاً، وأن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه (عند غلاتهم)، وهم الذين سماهم النبي ﷺ "مجوس هذه الأمة".
الأنواع:
القدرية النفاة: الذين ينفون العلم والكتابة (انقرضوا).
القدرية المعتزلة: الذين يقرون بالعلم وينفون خلق الله لأفعال العباد ومشيئته فيها.
القدرية المشبهة (الجبرية): الذين غلوا في إثبات القدر حتى سلبوا العبد اختياره (وهم ضد النفاة).
الرؤوس: معبد الجهني، غيلان الدمشقي، وعمرو بن عبيد.

         »»»»»»»»»»»»»[٣٦]«««««««««««««
[الوَجْهِ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ]
القَاعِدَةُ: (الِافْتِقَارُ إِلَى التَّثْبِيتِ الإِلَهِيِّ وَالِاعْتِصَامُ بِاللَّهِ مِنَ الزَّيْغِ بَعْدَ الهُدَى)
المَتْنُ:
فَاللَّهَ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ، وَلَا هِدَايَةَ إِلَّا مِنْهُ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى السَّنَنِ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنْ أَنْصَارِ دِينِهِ، وَحُمَاةِ شَرِيعَتِهِ، وَأَنْ يَقْبِضَنَا عَلَى مِلَّةِ الإِسْلَامِ غَيْرَ مَفْتُونِينَ. (٣٣)
(٣٣)
»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ ]««««««««««

١. المقابلة الواقعية بين النسخ (المعارضة):
نسخة (أ) "الآجري": جاءَ فيها اللفظُ "فنسألُ اللهَ التمامَ"، بينما في (نسخة د - ابن عساكر) عدلَ عن ذلكَ إلى طلبِ "الثباتِ على السننِ"، وهو أدقُّ في سياقِ الردِّ على المبتدعةِ؛ لأنَّ الإشكالَ ليسَ في البدءِ وإنما في الاستمرارِ على المنهجِ.
نسخة (ب) "ابن بطة": في "الإبانة"، زادتْ بعد قولهِ "غيرَ مفتونينَ" عبارةَ: "ولا مُبدّلينَ ولا مُحدثينَ"، وهي إضافةٌ تُؤكّدُ على هاجسِ عمرَ من طروءِ الإحداثِ في الدينِ بعد استقرارِ السنةِ، بينما اكتفتْ نسخة (د) بجوامعِ الكلمِ القرآنيِّ.
نسخة (ج) "ابن أبي زمنين": سقطتْ منها جملةُ "أن يجعلنا من أنصارِ دينهِ"، واقتصرتْ على دعاءِ الهدايةِ، بينما نسخة (د) ربطتْ بين الهدايةِ الشخصيةِ والقيامِ بواجبِ النصرةِ والحمايةِ للدينِ.
التحقيق الواقعي: تتفقُ النسخُ قاطبةً على أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ خَتَمَ مَسائلَ العلمِ بالدعاءِ، اقتداءً بالراسخينَ في العلمِ الذين يقولونَ: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا}، وهذا يدلُّ على عِظَمِ مَقامِ الخوفِ من سوءِ الخاتمةِ عندَ السلفِ.

٢. غريب المفردات (الاشتقاق والحد الجامع المانع):
عِصْمَةَ: (عَصَمَ). 
الحد: المَنْعَةُ الإِلَهِيَّةُ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ العَبْدِ وَبَيْنَ الوُقُوعِ فِي الهَلَكَةِ أَوِ الضَّلَالَةِ، وَهِيَ لِلأَنْبِيَاءِ وُجُوباً وَلِلأَوْلِيَاءِ حِفْظاً.
يُثَبِّتَنَا: (ثَبَتَ). 
الحد: إِدَامَةُ القَلْبِ عَلَى الحَقِّ وَتَمْكِينُهُ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَتَزَلْزَلُ عِنْدَ وُرُودِ الشُّبَهِ أَوْ هُجُومِ الفِتَنِ.
السَّنَنِ: (سَنَنَ). 
الحد: الطَّرِيقُ المُسْتَقِيمُ الوَاضِحُ الَّذِي مَشَى عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَصَحَابَتُهُ، وَهُوَ جَادَّةُ الحَقِّ الَّتِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهَا.
يُزِيغَ: (زَيَغَ). 
الحد: مَيْلُ القَلْبِ عَنِ القَصْدِ وَانْحِرَافُهُ عَنِ الهُدَى بَعْدَ تَبَيُّنِهِ، وَالزَّيْغُ أَوَّلُ مَرَاحِلِ الضَّلَالِ.
أَنْصَارِ: (نَصَرَ). 
الحد: القَائِمُونَ بِتَأْيِيدِ الدِّينِ وَبَذْلِ الغَالِي وَالنَّفِيسِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَقَمْعِ مُخَالِفِيهِ.
حُمَاةِ: (حَمَى). 
الحد: الَّذِينَ يَدْفَعُونَ عَنْ حِيَاضِ الشَّرِيعَةِ كَيْدَ الغَالِينَ وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ، صِيَانَةً لِلنُّصُوصِ مِنَ التَّحْرِيفِ.
يَقْبِضَنَا: (قَبَضَ). 
الحد: إِمَاتَةُ العَبْدِ وَنَقْلُ رُوحِهِ مِنْ دَارِ التَّكْلِيفِ إِلَى دَارِ الجَزَاءِ، وَسُمِّيَ قَبْضاً لِأَنَّهُ اسْتِيفَاءُ الأَجَلِ.
مِلَّةِ: (مَلَلَ). 
الحد: المَنْهَجُ وَالشَّرِيعَةُ المَكْتُوبَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّبَاعِهَا، وَالمُرَادُ بِهَا هُنَا الإِسْلَامُ الخَالِصُ.
مَفْتُونِينَ: (فَتَنَ). 
الحد: الَّذِينَ وَقَعُوا فِي الفِتْنَةِ فَتَغَيَّرَتْ قُلُوبُهُمْ أَوْ بَدَّلُوا مَعَالِمَ دِينِهِمْ طَلَباً لِدُنْيَا أَوْ اتِّبَاعاً لِهَوىً.
اللَّهَ اللَّهَ: (إِغْرَاءٌ). 
الحد: مَنْصُوبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ وَالحَثِّ، وَهُوَ لَفْظٌ يُرَادُ بِهِ تَعْظِيمُ الأَمْرِ وَاسْتِحْضَارُ الرَّقَابَةِ الإِلَهِيَّةِ.

٣. الفوائد العقدية والتربوية (خمس فوائد):

الفائدة الأولى: كَمَالُ التَّوْحِيدِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَرْكَنَ العَبْدُ إِلَى عِلْمِهِ وَلَا إِلَى عَمَلِهِ، بَلْ يَعْتَمِدُ عَلَى حَوْلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ فِي تَحْصِيلِ الهِدَايَةِ وَالثَّبَاتِ.

الفائدة الثانية: أَنَّ الدُّعَاءَ بِالثَّبَاتِ هُوَ دَيْدَنُ العُلَمَاءِ وَالحُكَّامِ الرَّاشِدِينَ، فَالخَوْفُ مِنَ التَّحَوُّلِ وَالزَّيْغِ لَا يُفَارِقُ قَلْبَ المُؤْمِنِ مَهْمَا بَلَغَ مِنَ الصَّلَاحِ.

الفائدة الثالثة: مَنْزِلَةُ "حِمَايَةِ الشَّرِيعَةِ" أَعْلَى مِنْ مَنْزِلَةِ مُجَرَّدِ العَمَلِ بِهَا، لِأَنَّ الحِمَايَةَ تَتَعَدَّى لِحِفْظِ مِلَّةِ المُسْلِمِينَ كَافَّةً مِنَ التَّلَاوُثِ بِأَفْكَارِ أَهْلِ البِدَعِ.

الفائدة الرابعة: الرَّبْطُ بَيْنَ "الهِدَايَةِ" وَبَيْنَ "الشُّكْرِ"، فَقَوْلُهُ {بَعْدَ إِذْ هَدَانَا} اسْتِشْعَارٌ لِلنِّعْمَةِ، وَشُكْرُ نِعْمَةِ الإِيمَانِ يَكُونُ بِطَلَبِ دَوَامِهَا وَعَدَمِ الكُفْرِ بِهَا.

الفائدة الخامسة: أَهَمِّيَّةُ الخَاتِمَةِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ، فَالعِبْرَةُ لَيْسَتْ بِالبِدَايَاتِ المُشْرِقَةِ وَحْدَهَا، بَلْ بِأَنْ يُقْبَضَ المَرْءُ عَلَى مَا يُرْضِي اللَّهَ دُونَ فِتْنَةٍ.

٤. القواعد العقدية والأصولية والضابط:
قاعدة عقدية: "الهِدَايَةُ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ بَدْءاً، وَالثَّبَاتُ عَلَيْهَا عَدْلٌ مِنْهُ وَتَوْفِيقٌ، وَالزَّيْغُ عُقُوبَةٌ عَلَى الِانْصِرَافِ عَنِ الحَقِّ".
قاعدة أصولية: "كُلُّ نِعْمَةٍ دِينِيَّةٍ لَا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِدَوَامِهَا، فَالِاسْتِمْرَارُ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الثَّمَرَةِ الأُخْرَوِيَّةِ".
الضابط الجامع: "بِالِاعْتِصَامِ تَنْدَفِعُ الشُّبُهَاتُ، وَبِالافْتِقَارِ تَنْجَلِي الظُّلُمَاتُ، وَبِالثَّبَاتِ تُنَالُ مَنَازِلُ السَّادَاتِ".

٥. دراسة الفرق والمصطلحات (تكملة ):
مَنْ أَنْصَارِ دِينِهِ (٣٣):* هُنَا يُشِيرُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى مَفْهُومِ "الطَّائِفَةِ المَنْصُورَةِ"، وَهُمُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ. وَفِي سِيَاقِ الرِّسَالَةِ لِعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، يَحُثُّهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ هُوَ وَجُنْدُهُ فِي الجَزِيرَةِ هُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ السُّنَّةَ عِنْدَمَا تَخْذُلُهَا المُرْجِئَةُ أَوْ تُحَارِبُهَا القَدَرِيَّةُ.
فِتْنَةُ الحَيَاةِ وَالمَمَاتِ: تَعْمِيقاً لِقَوْلِهِ "غَيْرَ مَفْتُونِينَ"، كَانَ عُمَرُ يُدْرِكُ أَنَّ الفِتْنَةَ الَّتِي طَالَتْ مَنْ سَبَقَهُ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ تَعُودُ فِي صُورَةِ "عَقَائِدَ فَاسِدَةٍ"، لِذَلِكَ كَانَ يَسْتَعِيذُ مِنَ المَوْتِ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ، فَمَنْ مَاتَ وَقَلْبُهُ مُتَشَرِّبٌ لِقَوْلِ القَدَرِيَّةِ مَاتَ مَفْتُوناً وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً.
       »»»»»»»»»»»[٣٧]««««««««««««««
مجموع شتات رسالة عمر بن عبد العزيز بن طه عامر المصري 
[نَصُّ رِسَالَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ فِي القَدَرِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ. فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ. فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ وَأَحْمِلُكُمْ عَلَيْهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ.
فَارْضَوْا لِأَنْفُسِكُمْ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفُّوا، وَهُمْ كَانُوا عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى. فَلَئِنْ قُلْتُمْ: حَدَثَ بَعْدَهُمْ؛ فَمَا أَحْدَثَهُ إِلَّا مَنْ خَالَفَ هَدْيَهُمْ، وَرَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِمْ، وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي، وَتَكَلَّمُوا مِنْهُ بِمَا يَشْفِي. فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَمَا فَوْقَهُمْ مُحَسِّرٌ. لَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَتَجَاوَزَهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ.
وَكَتَبْتَ تَسْأَلُ عَنِ الإِقْرَارِ بِالقَدَرِ؛ فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ. اعْلَمْ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ أَوْ هُوَ كَائِنٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ وَكَتَبَهُ، وَمَا مِنْ خَيْرٍ وَلَا شَرٍّ إِلَّا وَهُوَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ. فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تُمَارِيَ فِي قَدَرِ اللَّهِ، أَوْ أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ.
ثُمَّ لَزِمَ بَعْدَ ذَلِكَ خِصَالٌ هِيَ مَعَالِمُ الإِيمَانِ: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ فِي التَّوْحِيدِ، وَأَدَاءُ الفَرَائِضِ عَلَى وَجْهِهَا، وَصِدْقُ الحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ لِلمُسْلِمِينَ، وَالكَفُّ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، وَبُغْضُ المُرْجِئَةِ وَالقَدَرِيَّةِ؛ فَإِنَّهُمَا مَبْدَأُ كُلِّ فِتْنَةٍ، وَمَثَارُ كُلِّ ضَلَالَةٍ.
فَاحْذَرْهُمْ عَلَى دِينِكَ، وَلَا تُجَالِسْهُمْ فِي مَحَادِثَتِهِمْ، وَلَا تُصْغِ إِلَى شُبَهِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ أَعْدَاءُ السُّنَّةِ وَخُصُومُ الأَثَرِ. فَاللَّهَ اللَّهَ، فَإِنَّهُ لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ، وَلَا هِدَايَةَ إِلَّا مِنْهُ. نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى السَّنَنِ، وَأَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَأَنْ يَقْبِضَنَا عَلَى مِلَّةِ الإِسْلَامِ غَيْرَ مَفْتُونِينَ وَلَا مُبَدِّلِينَ.
وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً
كَتَبَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ مِائَةٍ

بهذا اجتمعت لك الوجوه الأربعة والثلاثون في متن واحد مسكوب بمداد التحقيق. لقد تضمنت هذه الرسالة:
المنهجية: في لزوم السنة وترك الابتداع.
الأصول: في أن الإيمان قول وعمل.
العقيدة: في إثبات القدر خيراً وشراً.
المفاصلة: في بغض أهل الإرجاء والقدر وهجر مجالسهم.
الخاتمة: في الافتقار إلى الله وطلب الثبات.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٣٨]«««««««««««««
[الخِطَّةُ المِعْمَارِيَّةُ لِبَحْثِ: عَقِيدَةُ خَامِسِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فِي ضَوْءِ رِسَالَتِهِ لِعَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ]
الفَصْلُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ بِأَعْلَامِ الرِّسَالَةِ وَسِيَاقِهَا الزَّمَنِيِّ
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: ترجمة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (المولد، المنشأ، ومناقبه العقدية).
المَبْحَثُ الثَّانِي: ترجمة عدي بن عدي الكندي وظروف استشكاله وتوجيه الخطاب إليه.
المَبْحَثُ الثَّالثُ: الحالة العقدية والسياسية للعالم الإسلامي في أواخر القرن الأول (سنة مائة للهجرة).
الفَصْلُ الثَّانِي: تَوثِيقُ النَّصِّ وَأَصَالَةُ المَصْدَرِ
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: توثيق الرسالة عبر الدواوين المسندة (ابن عساكر، وابن بطة، واللالكائي نموذجاً).
المَبْحَثُ الثَّانِي: دراسة إسناد الرسالة والمسلسل بالإخبار من عصر التدوين إلى عصرنا.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: منهجية عمر بن عبد العزيز في المراسلات العقدية الرسمية.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: مَنْهَجُ الِاسْتِدْلَالِ (نَصُّ: فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: (أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالاِقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ)؛ فقه التوسط والاعتدال.
المَبْحَثُ الثَّانِي: (وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ)؛ شمولية السنة وكفايتها عن المحدثات.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا)؛ حكمة التشريع وعصمة الوحي.
الفَصْلُ الرَّابِعُ: مَكَانَةُ السَّلَفِ (نَصُّ: فَارْضَوْا لِأَنْفُسِكُمْ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: (فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا)؛ حجية فهم الصحابة وبصرهم النافذ في كشف الأمور.
المَبْحَثُ الثَّانِي: (فَمَا دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ وَمَا فَوْقَهُمْ مُحَسِّرٌ)؛ ضابط الغلو والجفاء في التعامل مع الآثار.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: (وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي)؛ كمال البيان السلفي في مسائل الاعتقاد.
الفَصْلُ الخَامِسُ: قَضَايَا الإِيمَانِ (نَصُّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: (مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)؛ مسألة زيادة الإيمان ونقصانه بالعمل.
المَبْحَثُ الثَّانِي: خصال الإيمان العملية (الصدق، الأمانة، صلة الرحم) وعلاقتها بالباطن.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ)؛ دور الإمام في تعليم الرعية أصول دينهم.
الفَصْلُ السَّادِسُ: مَسْأَلَةُ القَدَرِ (نَصُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ اللَّهُ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: (فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ)؛ مراتب القدر (العلم والكتابة والمشيئة) عند عمر.
المَبْحَثُ الثَّانِي: (أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ)؛ الرد على القدرية ونفاة العلم.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: (الإِرْجَاءُ الَّذِي يَجْعَلُ العَمَلَ لَغْواً)؛ خطر الإرجاء على بنية المجتمع المسلم.
الفَصْلُ السَّابِعُ: المُفَاصَلَةُ وَالخَاتِمَةُ
 (نَصُّ: فَاللَّهَ اللَّهَ لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ  : (أَنْ لَا يُزِيغَ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا)
فقه الثبات والافتقار إلى الله في الخواتيم.
المَبْحَثُ الثَّانِي : (لَا تُجَالِسْهُمْ فِي مَحَادِثَتِهِمْ)
 الأصول الشرعية في هجر المبتدعة وسد الذرائع.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: دراسة "التوقيع الزماني" (رمضان سنة مائة) وأثره في تدوين العقيدة. ذلك
»»»»»»»»»»»»»»»»[٣٩]«««««««««««««««««
[الفَصْلُ الأَوَّلُ: التَّعْرِيفُ بِأَعْلَامِ الرِّسَالَةِ وَسِيَاقِهَا الزَّمَنِيِّ]
[الوَجْهُ الأَرْبَعُونَ]
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَعَالِمُ التَّجْدِيدِ وَالأَثَرِ فِي سِيرَةِ الإِمَامِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (رَحِمَهُ اللَّهُ)
١. النَّشْأَةُ المَدَنِيَّةُ وَالتَّأَثُّرُ بِفُقَهَاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ:
نَشَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي طِيبَةَ الطَّيِّبَةِ، مَهْبِطِ الوَحْيِ وَمَعْدِنِ العِلْمِ، وَتَرَبَّى فِي أَحْضَانِ مَدْرَسَةِ الأَثَرِ. كَانَ لِتَوَاجُدِهِ فِي المَدِينَةِ أَثَرٌ عَمِيقٌ فِي تَشْكِيلِ عَقْلِيَّتِهِ الفِقْهِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ، حَيْثُ نَهَلَ مِنْ عِلْمِ (فُقَهَاءِ المَدِينَةِ السَّبْعَةِ) (١) الَّذِينَ كَانُوا يُمَثِّلُونَ حَلَقَةَ الوَصْلِ بَيْنَ عَهْدِ الصَّحَابَةِ وَمَا تَلَاهُ. كَانَ عُمَرُ يُلَازِمُ مَجَالِسَ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَيَسْتَشِيرُ القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فِي دَقَائِقِ الأُمُورِ، وَيَقْتَدِي بِوَرَعِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ. هَذِهِ المَدْرَسَةُ لَمْ تُعَلِّمْهُ الفِقْهَ فَقَطْ، بَلْ غَرَسَتْ فِيهِ "تَعْظِيمَ النَّصِّ" وَتَقْدِيمَهُ عَلَى الرَّأْيِ وَالقِيَاسِ، مِمَّا جَعَلَهُ لَا يَقْبَلُ فِي دِينِ اللَّهِ إِلَّا مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ.
٢. صِفَاتُهُ، أَخْلَاقُهُ، وَسِمَاتُهُ الزُّهْدِيَّةُ:
كَانَ عُمَرُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِثَالًا لِلْحَاكِمِ العَابِدِ؛ رَقِيقَ القَلْبِ، كَثِيرَ الدَّمْعِ، شَدِيدَ الوَرَعِ. وُصِفَ بِأَنَّهُ كَانَ "خَمِيصَ البَطْنِ" مِنَ التَّقَلُّلِ، "غَائِرَ العَيْنَيْنِ" مِنَ السَّهَرِ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِ النَّاسِ (٢). وَمِنْ أَعْظَمِ سِمَاتِهِ تِلْكَ النَّقْلَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَدَثَتْ لَهُ بَعْدَ تَقَلُّدِهِ الخِلَافَةَ؛ فَبَعْدَ أَنْ كَانَ أَنْعَمَ فَتَى فِي قُرَيْشٍ مَأْكَلًا وَمَلْبَسًا، صَارَ يَكْتَفِي بِالقَمِيصِ المَرْقُوعِ وَيَتَصَدَّقُ بِجُلِّ مَالِهِ. هَذَا الزُّهْدُ لَمْ يَكُنْ رَهْبَنَةً، بَلْ كَانَ "زُهْدًا قِيَادِيًّا" يَهْدِفُ إِلَى مُوَاسَاةِ الرَّعِيَّةِ وَإِقَامَةِ العَدْلِ الَّذِي انْتَزَعَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ أَوَّلًا.
٣. مَنْهَجُهُ العَقَدِيُّ وَتَمَسُّكُهُ بِالأَثَرِ القَدِيمِ:
تَمَيَّزَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِعَقِيدَةٍ "سَلَفِيَّةٍ صَافِيَةٍ" تَقُومُ عَلَى الِاتِّبَاعِ وَمُجَانَبَةِ الِابْتِدَاعِ. كَانَ يَرَى أَنَّ الحَقَّ هُوَ مَا مَضَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ، وَكَانَ يَقُولُ قَوْلَتَهُ المَشْهُورَةَ: "سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَوُلَاةُ الأَمْرِ بَعْدَهُ سُنَنًا، الأَخْذُ بِهَا تَصْدِيقٌ لِكِتَابِ اللَّهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهَا فَهُوَ مُهْتَدٍ" (٣). لَقَدْ وَقَفَ عُمَرُ بِصَلَابَةٍ ضِدَّ كُلِّ المَقَالَاتِ المُحْدَثَةِ، خُصُوصًا مَقَالَةَ "القَدَرِيَّةِ" الَّتِي بَدَأَتْ تَنْبُتُ فِي عَصْرِهِ، وَكَانَ يَرُدُّ شُبَهَهُمْ بِاليَقِينِ القُرْآنِيِّ وَالفَهْمِ النَّبَوِيِّ، مُؤَكِّدًا أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَأَنَّ الإِيمَانَ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ لِمَقَادِيرِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
٤. سِيَاسَتُهُ فِي الوِلَايَةِ وَرَدُّ المَظَالِمِ:
حِينَ تَوَلَّى الخِلَافَةَ سَنَةَ (٩٩ هـ)، كَانَ هَمُّهُ الأَوَّلُ هُوَ "تَصْحِيحُ المَسَارِ". بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَرَدَّ كُلَّ مَا يَمْلِكُهُ إِلَى بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَى بَنِي أُمَيَّةَ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُمُ المَظَالِمَ الَّتِي كَانُوا قَدْ حَازُوهَا بِغَيْرِ حَقٍّ. لَمْ يَخْشَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَكَانَ يَقُولُ: "إِنَّ نَفْسِي هَذِهِ تَوَّاقَةٌ، وَإِنَّهَا لَمْ تُعْطَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا تاقَتْ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَمَّا أُعْطِيَتِ الخِلَافَةَ -وَهِيَ أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الدُّنْيَا- تاقَتْ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ" (٤). هَذِهِ الرُّوحُ هِيَ الَّتِي جَعَلَتْهُ يَعْزِلُ الوُلَاةَ الجَائِرِينَ وَيُوَلِّي أَهْلَ العِلْمِ وَالأَمَانَةِ، فَعَمَّ العَدْلُ وَفَاضَ المَالُ حَتَّى لَمْ يُوجَدْ فَقِيرٌ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ.
٥. الرِّيَادَةُ فِي تَدْوِينِ السُّنَّةِ وَحِفْظِ الوَحْيِ:
يُسَجِّلُ التَّارِيخُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ السَّبْقِ فِي الأَمْرِ بِـ (تَدْوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ) رَسْمِيًّا. كَتَبَ إِلَى قَاضِي المَدِينَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَإِلَى ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ يَسْتَحِثُّهُمْ عَلَى جَمْعِ الحَدِيثِ خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهِ بِرَحِيلِ العُلَمَاءِ (٥). كَانَ هَذَا الفِعْلُ يَنْمُ عَنْ نَظَرٍ ثَاقِبٍ وَحِرْصٍ عَقَدِيٍّ بَالِغٍ، فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ "السِّيَاجُ الحَامِي" لِلْعَقِيدَةِ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَأَنَّ تَدْوِينَهَا سَيَقْطَعُ طَرِيقَ الغُلَاةِ وَالمُرْجِئَةِ وَالقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَتَأَوَّلُونَ القُرْآنَ بِغَيْرِ آثَارِ النَّبِيِّ ﷺ.
٦. مَكَانَتُهُ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَخَاتِمَةُ حَيَاتِهِ:
أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ هُوَ المَقْصُودُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ المُجَدِّدِ الَّذِي يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ (٦). كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَقُولُ: "لَا أَعْلَمُ قَوْلَ أَحَدٍ مِنَ التَّابِعِينَ حُجَّةً إِلَّا قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ". لَقَدْ تَرَكَ عُمَرُ بِرِحِيلِهِ سَنَةَ (١٠١ هـ) فَجْوَةً لَا تُسَدُّ، وَلَكِنَّهُ أَوْرَثَ الأُمَّةَ مَنْهَجًا نَقِيًّا فِي الحُكْمِ وَالِاعْتِقَادِ. وَرِسَالَتُهُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا هِيَ خُلَاصَةُ عَقِيدَتِهِ الَّتِي عَاشَ عَلَيْهَا وَمَاتَ، وَهِيَ الوَثِيقَةُ الَّتِي أَدَّبَ بِهَا القَدَرِيَّةَ وَثَبَّتَ بِهَا قَوَاعِدَ السُّنَّةِ فِي ثُغُورِ الجَزِيرَةِ الشَّامِيَّةِ (٧).
»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ]««««««««««
(١) فُقَهَاءُ المَدِينَةِ السَّبْعَةُ هُمْ أَكَابِرُ التَّابِعِينَ الَّذِينَ ضَبَطُوا فِقْهَ المَدِينَةِ، وَقَدْ نَظَمَهُمُ ابْنُ عَاصِمٍ فِي مَنْظُومَتِهِ لِتَيْسِيرِ حِفْظِهِمْ.
(٢) انْظُرْ صِفَتَهُ وَسِيرَتَهُ فِي: (تَارِيخِ الخُلَفَاءِ لِلسُّيُوطِيِّ، ص ٢٢٥).
(٣) هَذَا الأَثَرُ مَشْهُورٌ عَنْ عُمَرَ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الخَطِيبُ البَغْدَادِيُّ فِي (الفَقِيهِ وَالمُتَفَقِّهِ).
(٤) سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ (ج ٥، ص ١٢٨)، حَيْثُ نَقَلَ مَقَالَاتِهِ فِي الزُّهْدِ وَالتَّوْقِ لِلْآخِرَةِ.
(٥) رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مُعَلَّقًا فِي كِتَابِ العِلْمِ هَذَا الأَمْرَ العُمَرِيَّ التَّارِيخِيَّ.
(٦) حَدِيثُ المُجَدِّدِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ (رَقَم: ٤٢٩١)، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ.
(٧) انْظُرْ: (سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، ص ٧٦)، وَفِيهَا تَفَاصِيلُ رَسَائِلِهِ إِلَى الآفَاقِ.

»»»»»»»»»»»»»»[٤٠]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَرْجَمَةُ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الكِنْدِيِّ وَظُرُوفُ اسْتِشْكَالِهِ وَتَوْجِيهِ الخِطَابِ إِلَيْهِ
١. النَّسَبُ الشَّرِيفُ وَالأَصَالَةُ الكِنْدِيَّةُ:
هُوَ عَدِيُّ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ بْنِ فَرْوَةَ الكِنْدِيُّ (١)، أَبُو فَرْوَةَ الشَّامِيُّ، وَيُقَالُ لَهُ "ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ". يَنْتَمِي إِلَى قَبِيلَةِ "كِنْدَةَ" العَرِيقَةِ الَّتِي كَانَ لَهَا بَاعٌ طَوِيلٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ وَالإِسْلَامِ. وَالِدُهُ هُوَ الصَّحَابِيُّ الجَلِيلُ عَدِيُّ بْنُ عَمِيرَةَ الكِنْدِيُّ الَّذِي رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَادِيثَ مَشْهُورَةً فِي "غُلُولِ العُمَّالِ" وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ (٢). نَشَأَ عَدِيُّ فِي هَذَا البَيْتِ الصَّحَابِيِّ العَرِيقِ، فَرَضِعَ لِبَانَ السُّنَّةِ مُنْذُ نُعُومَةِ أَظْفَارِهِ، وَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ الرِّجَالِ الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ دَخَنًا وَلَا بَدَلًا، مِمَّا جَعَلَهُ أَهْلًا لِلثِّقَةِ العُمَرِيَّةِ الغَالِيَةِ.
٢. التَّلَقِّي العِلْمِيُّ وَالمَكَانَةُ فِي الِاتِّبَاعِ:
يُعَدُّ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ "العِلْمِ" وَ "الوِلَايَةِ". تَلَقَّى العِلْمَ عَنْ نُخْبَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنِ الصَّحَابِيِّ العَالِمِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ (مُرْسَلًا). هَذَا التَّلَقِّي الصَّافِي صَقَلَ فَهْمَهُ لِعَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ. وَقَدْ وَثَّقَهُ كِبَارُ النُّقَّادِ؛ فَقَالَ عَنْهُ النَّسَائِيُّ: "ثِقَةٌ"، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي "الثِّقَاتِ" (٣). كَانَ يُنْظَرُ إِلَيْهِ فِي زَمَانِهِ عَلَى أَنَّهُ فَقِيهُ أَهْلِ الشَّامِ وَالجَزِيرَةِ، وَالَّذِي لَا يُصْدَرُ إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ فِي دَقَائِقِ المَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ.
٣. مَقَامُهُ عِنْدَ خَامِسِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ:
كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ شَدِيدَ التَّحَرِّي فِي اخْتِيَارِ رِجَالِ دَوْلَتِهِ، فَكَانَ لَا يُوَلِّي إِلَّا "العُلَمَاءَ الأَثَرِيِّينَ". وَلَمَّا رَأَى مِنْ صَلَابَةِ عَدِيٍّ فِي السُّنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ عَلَى (الجَزِيرَةِ) وَأَرْمِينِيَةَ (٤). كَانَتِ العَلَاقَةُ بَيْنَهُمَا فَرِيدَةً؛ فَعَدِيٌّ كَانَ عَيْناً لِعُمَرَ لَيْسَ فَقَطْ عَلَى خَرَاجِ المَالِ، بَلْ عَلَى "خَرَاجِ القُلُوبِ" وَسَلَامَةِ الِاعْتِقَادِ. وَكَانَ عُمَرُ يَكْتُبُ إِلَيْهِ بِرَسَائِلَ تَحْمِلُ نَفَسَ المَوَدَّةِ وَالِاحْتِرَامِ، لِعِلْمِهِ أَنَّ عَدِيّاً سَيُنَفِّذُ أَمْرَ اللَّهِ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ.
٤. بَوَاعِثُ الِاسْتِشْكالِ وَفِتْنَةُ القَدَرِ فِي الثُّغُورِ:
فِي سَنَةِ (مِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ)، بَدَأَتْ بِدْعَةُ "القَدَرِ" تَنْتَشِرُ دَبِيباً فِي بِلَادِ الشَّامِ وَالجَزِيرَةِ، بِتَأْثِيرٍ مِنْ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ وَغَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ. وَجَدَ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ نَفْسَهُ أَمَامَ أَقْوَامٍ يُشَكِّكُونَ فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الأَمْرَ "أُنُفٌ" (أَيْ مُسْتَأْنَفٌ). كَانَ هَذَا الِانْحِرَافُ يُمَثِّلُ خَطَراً دَاهِماً عَلَى عَقِيدَةِ العَوَامِّ وَالمُرَابِطِينَ. وَلِأَنَّ عَدِيّاً كَانَ وَارِثاً لِوَرَعِ السَّلَفِ، فَقَدْ هَالَهُ أَنْ يُتَكَلَّمَ فِي دِينِ اللَّهِ بِالرَّأْيِ، فَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَقْمَعَ البِدْعَةَ بِمُجَرَّدِ القُوَّةِ، بَلْ أَرَادَ "البَيَانَ العِلْمِيَّ" الشَّافِيَ (٥).
٥. كِتَابُ عَدِيٍّ إِلَى عُمَرَ (سُؤَالُ المُسْتَرْشِدِ):
كَتَبَ عَدِيٌّ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كِتَاباً يَصِفُ فِيهِ مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ هَؤُلَاءِ القَدَرِيَّةِ. لَمْ يَكُنْ سُؤَالُهُ عَنْ جَهْلٍ، فَعَدِيٌّ إِمَامٌ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ "تَوْثِيقَ المَنْهَجِ" وَرَفْعَ الِارْتِيَابِ عَنِ النَّاسِ بِقَوْلِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ. سَأَلَ عُمَرَ عَنِ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ وَعَنْ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ عَلَى هَؤُلَاءِ المُمَارِينَ. لَقَدْ كَانَ سُؤَالُهُ هُوَ "المِفْتَاحُ" الَّذِي فَتَحَ كُنُوزَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ الَّتِي صَارَتْ فِيمَا بَعْدُ عُمْدَةً لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي بَابِ القَدَرِ (٦).
٦. تَوْجِيهُ الخِطَابِ وَعِظَمُ المَسْؤُولِيَّةِ:
لَمَّا جَاءَ رَدُّ عُمَرَ، كَانَ صَرِيحاً وَقَوِيّاً، بَدَأَهُ بِقَوْلِهِ: "أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ". كَانَ تَوْجِيهُ الخِطَابِ لِعَدِيٍّ بِالاِسْمِ يَحْمِلُ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الحَاكِمَ المَحَلِّيَّ هُوَ المَسْؤُولُ الأَوَّلُ عَنْ "حِرَاسَةِ العَقِيدَةِ". اسْتَقْبَلَ عَدِيُّ الرِّسَالَةَ بِالإِجْلَالِ، وَقَامَ بِنَشْرِهَا بَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَتْ بِمَثَابَةِ "الصَّاعِقَةِ" الَّتِي أَخْرَسَتْ أَلْسِنَةَ المُبْتَدِعَةِ فِي الجَزِيرَةِ، وَثَبَّتَتْ أَقْدَامَ أَهْلِ الأَثَرِ (٧).
٧. العِبْرَةُ مِنْ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فِي البَحْثِ:
إِنَّ دِرَاسَةَ شَخْصِيَّةِ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ فِي هَذَا الوَجْهِ تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ لَمْ تَكُنْ رِسَالَةً نَظَرِيَّةً، بَلْ كَانَتْ "رِسَالَةً تَنْفِيذِيَّةً" وُجِّهَتْ لِقَائِدٍ يَثِقُ فِيهِ الخَلِيفَةُ. فَعَدِيٌّ هُوَ الرَّاوِي الأَوَّلُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَهُوَ الَّذِي حَفِظَهَا لِلأَجْيَالِ، وَبِدُونِ مَعْرِفَةِ جَلَالَتِهِ وَصِدْقِهِ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ القِيمَةِ العِلْمِيَّةِ لِلنَّصِّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَحْقِيقِهِ.
»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ]«««‹««««««
(١) انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ فِي: (تَهْذِيبِ الكَمَالِ لِلْمِزِّيِّ، ج ١٩، ص ٥١٣)، وَ (تَارِيخِ مَدِينَةِ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ، ج ٤٠، ص ٥٥).
(٢) صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الإِمَارَةِ (رَقَم: ١٨٣٣).
(٣) الثِّقَاتُ لِابْنِ حِبَّانَ (ج ٥، ص ١٦١)، حَيْثُ أَثْنَى عَلَى ضَبْطِهِ وَرِوَايَتِهِ.
(٤) الجَزِيرَةُ: هِيَ المِنْطَقَةُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالفُرَاتِ، وَكَانَتْ مِنْ أَهَمِّ ثُغُورِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ.
(٥) كَانَ عَدِيٌّ يَتَمَثَّلُ بِمَنْهَجِ الصَّحَابَةِ فِي عَدَمِ القَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَا يَعْلَمُونَ.
(٦) أَوْرَدَ هَذِهِ الرِّسَالَةَ بَعْدَ ذَلِكَ البُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ، وَابْنُ بَطَّةَ فِي الإِبَانَةِ.
(٧) انْظُرْ: (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ، ج ٥، ص ١٤٥)، عَنْ أَثَرِ رَسَائِلِ عُمَرَ فِي إِخْمَادِ البِدَعِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤١]««««««««««««««««

[الوَجْهُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ]
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الحَالَةُ العَقَدِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ لِلْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ سَنَةَ ١٠٠ هـ
١. الِاسْتِقْرَارُ السِّيَاسِيُّ وَأَثَرُهُ فِي حِمَايَةِ المِلَّةِ:
دَخَلَتِ الأُمَّةُ سَنَةَ (١٠٠ هـ) وَهِيَ تَنْعَمُ بِخِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، الَّذِي أَعَادَ لِلْخِلَافَةِ رَاشِدِيَّتَهَا. كَانَ المَشْهَدُ السِّيَاسِيُّ مَحْكُوماً بِمَنْهَجِ "العَدْلِ العُمَرِيِّ"، حَيْثُ رُدَّتِ المَظَالِمُ وَأُقِيمَتِ السُّنَنُ. هَذَا الِاسْتِقْرَارُ مَكَّنَ عُمَرَ مِنْ تَوْجِيهِ جُهُودِ الدَّوْلَةِ نَحْوَ "التَّصْفِيَةِ العَقَدِيَّةِ"، فَلَمْ يَعُدِ الوَالِي مُجَرَّدَ جَابٍ لِلْخَرَاجِ، بَلْ صَارَ رَاعِياً لِلدِّينِ وَحَارِساً لِلْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ فِي الأَمْصَارِ، مِمَّا هَيَّأَ الأَرْضِيَّةَ لِظُهُورِ مِثْلِ هَذِهِ الرَّسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الحَاسِمَةِ.
٢. بُرُوزُ نَبَتَاتِ البِدْعَةِ وَالمَقَالَاتِ المُرْدِيَةِ:
رَغْمَ صَلابَةِ مَوْقِفِ العُلَمَاءِ، شَهِدَ هَذَا القَرْنُ (الأَوَّلُ الهِجْرِيُّ) وَبِدَايَةُ المِائَةِ الثَّانِيَةِ غَلَيَاناً فِكْرِيّاً نَتِيجَةَ اخْتِلَاطِ المُسْلِمِينَ بِالأُمَمِ المَفْتُوحَةِ. بَدَأَتْ تُرَاسَاتُ الفَلْسَفَةِ تُلْقِي بِظِلَالِهَا عَلَى الفَهْمِ الشَّرْعِيِّ، فَنَبَتَتْ فِتْنَةُ "القَدَرِ" عَلَى يَدِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ (ت: ٨٠ هـ) وَوَرِيثِهِ غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ. كَانَ هَؤُلَاءِ يُحَاوِلُونَ إِقْحَامَ "العَقْلِ المَحْضِ" فِي سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، مِمَّا اسْتَدْعَى نَفِيراً عَامّاً مِنْ أَئِمَّةِ الهُدَى لِكَشْفِ ضَلَالِهِمْ وَحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ.
٣. مَدْرَسَةُ الإِرْجَاءِ وَأَثَرُهَا فِي تَمْيِيعِ الدِّينِ:
لَمْ يَقْتَصِرِ الِانْحِرَافُ عَلَى بَابِ القَدَرِ، بَلْ ظَهَرَتْ فِرْقَةُ "المُرْجِئَةِ" الَّتِي زَعَمَتْ أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ، أَوْ مَعْرِفَةٌ بِالقَلْبِ فَقَطْ. كَانَ هَذَا الِانْحِرَافُ يَهْدِفُ إِلَى فَصْلِ الدِّينِ عَنِ المُمَارَسَةِ اليَوْمِيَّةِ وَالتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ. وَقَدْ أَدْرَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ خُطُورَةَ هَذَا الفِكْرِ عَلَى بِناءِ المُجْتَمَعِ، فَأَكَّدَ فِي خِطَابَاتِهِ أَنَّ الإِيمَانَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ)، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي العَمَلِ نَقْصٌ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.
٤. التَّحَدِّي العَقَدِيُّ فِي الثُّغُورِ وَالأَطْرَافِ:
كَانَتِ الجَزِيرَةُ وَثُغُورُ الشَّامِ مَيَادِينَ مَفْتُوحَةً لِلصِّرَاعِ العَقَدِيِّ، لِبُعْدِهَا النِّسْبِيِّ عَنْ مَرَاكِزِ العِلْمِ فِي المَدِينَةِ. وَكَانَ دُعَاةُ البِدَعِ يَسْتَغِلُّونَ حَمَاسَةَ المُجَاهِدِينَ لِبَثِّ شُبَهِهِمْ. مِنْ هُنَا بَرَزَتْ أَهَمِّيَّةُ رِسَالَةِ عُمَرَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ؛ فَهِيَ لَمْ تَكُنْ رَدّاً شَخْصِيّاً، بَلْ كَانَتْ "مَانِيفِسْتُو" عَقَدِيّاً يَلْتَزِمُ بِهِ الوَالِي لِيُطَهِّرَ مِنْطَقَتَهُ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَيُثَبِّتَ النَّاسَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الكِرَامُ.
٥. سَنَةُ مِائَةٍ: مَوْعِدُ التَّجْدِيدِ وَالِانْتِصَارِ لِلسُّنَّةِ:
يُنْظَرُ إِلَى هَذَا التَّارِيخِ بِاعْتِبَارِهِ لَحْظَةَ انْبِثَاقِ "عَصْرِ التَّدْوِينِ" وَ "التَّصْحِيحِ الكَبِيرِ". فَقَدْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ العُمَرِيَّةُ بِمَثَابَةِ السَّدِّ المَنِيعِ الَّذِي أَوْقَفَ زَحْفَ القَدَرِيَّةِ وَالمُرْجِئَةِ. لَقَدْ جَمَعَ عُمَرُ بَيْنَ هَيْبَةِ السُّلْطَانِ وَحُجَّةِ القُرْآنِ، فَكَانَ حَقّاً هُوَ "مُجَدِّدُ المِائَةِ الأُولَى" الَّذِي أَعَادَ لِلْعَقِيدَةِ بَهَاءَهَا، وَجَعَلَ كِتَابَهُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ وَثِيقَةً خَالِدَةً تُدَرَّسُ فِي مَجَالِسِ العِلْمِ لِتَبْيِينِ قَوَاعِدِ الإِيمَانِ.

»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّرَاجُمِ]««««««««

أَوَّلًا: تَرْجَمَةُ أَهْلِ البِدْعَةِ وَالفِرَقِ (بِالأَرْقَامِ وَالتَّارِيخِ):
١. غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ (ت: بَعْدَ ١٠٥ هـ): هُوَ غَيْلَانُ بْنُ مُسْلِمٍ القِبْطِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، أَحَدُ رُؤُوسِ (القَدَرِيَّةِ). كَانَ يَقُولُ بِأَنَّ العِبَادَ خَالِقُونَ لِأَفْعَالِهِمْ وَيَنْفِي سَابِقَ القَدَرِ. نَاظَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فَأَفْحَمَهُ، ثُمَّ قُتِلَ فِي زَمَنِ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ لِإِصْرَارِهِ عَلَى ضَلَالِهِ. انْظُرْ: (سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ، ج ٥، ص ٢٠٤).
٢. المُرْجِئَةُ: فِرْقَةٌ ظَهَرَتْ فِي أَوَاخِرِ (القَرْنِ الأَوَّلِ الهِجْرِيِّ)، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِإِرْجَائِهِمُ العَمَلَ عَنِ الإِيمَانِ. وَهُمْ أَصْنَافٌ:
مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ الإِيمَانُ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ وَيُخْرِجُونَ العَمَلَ (مِثْلُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ).
المُرْجِئَةُ الغُلَاةُ (الجَهْمِيَّةُ): الَّذِينَ يَقُولُونَ الإِيمَانُ هُوَ المَعْرِفَةُ فَقَطْ.
مُرْجِئَةُ الكَرَّامِيَّةِ: الَّذِينَ يَقُولُونَ هُوَ نُطْقُ اللِّسَانِ فَقَطْ.
انْظُرْ: (الفَصْلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ لِابْنِ حَزْمٍ، ج ٣، ص ٢٠٥).
٣. القَدَرِيَّةُ: هُمُ الَّذِينَ يَنْفُونَ القَدَرَ، وَأَوَّلُ مَنْ قَالَ بِهِ مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ فِي البَصْرَةِ سَنَةَ (٨٠ هـ). سُمُّوا قَدَرِيَّةً لِإِثْبَاتِهِمُ القَدَرَ لِأَنْفُسِهِمْ دُونَ اللَّهِ. انْظُرْ: (مَقَالَاتُ الإِسْلَامِيِّينَ لِلأَشْعَرِيِّ، ص ٢٢٣).
ثَانِيًا: تَوْثِيقُ النُّقُولِ وَالمَصَادِرِ:
٤. عَنْ حَالِ العَقِيدَةِ سَنَةَ ١٠٠ هـ: "مَا مَاتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حَتَّى كَتَبَ إِلَى الآفَاقِ يَنْهَى عَنِ الخَوْضِ فِي القَدَرِ وَيَأْمُرُ بِالِاتِّبَاعِ". (تَارِيخُ الخُلَفَاءِ لِلسُّيُوطِيِّ، ص ٢٢٨).
٥. تَوْثِيقُ رَدِّ عُمَرَ عَلَى المُرْجِئَةِ: جَاءَ فِي (الإِبَانَةِ لِابْنِ بَطَّةَ، ج ٢، ص ٧٦٤) أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَتَبَ: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ... فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ"، وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي دُخُولِ الأَعْمَالِ فِي مُسَمَّى الإِيمَانِ رَدّاً عَلَى المُرْجِئَةِ.
٦. مَوْقِفُ عُمَرَ مِنْ غَيْلَانَ: رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي (تَارِيخِ دِمَشْقَ، ج ٤٨، ص ٢٠٠) أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِغَيْلَانَ: "وَيْلَكَ يَا غَيْلَانُ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي القَدَرِ؟" ثُمَّ نَاظَرَهُ حَتَّى قَالَ غَيْلَانُ: "تُبْتُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ".
٧. تَوْثِيقُ حَدِيثِ المُجَدِّدِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ (رَقَم: ٤٢٩١) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا". وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: "فَنَظَرْنَا فِي رَأْسِ المِائَةِ الأُولَى فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ".

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤٢]«««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ]
الفَصْلُ الثَّانِي: تَوْثِيقُ النَّصِّ وَأَصَالَةُ المَصْدَرِ
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَصَادِرُ الرِّسَالَةِ وَرِوَايَاتُهَا فِي كُتُبِ الأَثَرِ
١. أَهَمِّيَّةُ التَّوْثِيقِ لِهَذِهِ الوَثِيقَةِ العُمَرِيَّةِ:
تُعَدُّ رِسَالَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ وَثِيقَةً تَوْرِيخِيَّةً وَعَقَدِيَّةً فَرِيدَةً، لِذَا كَانَ لِزَاماً عَلَى البَاحِثِ أَنْ يَتَتَبَّعَ طُرُقَ خُرُوجِهَا. فَالنَّصُّ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَاطِرَةٍ، بَلْ هُوَ "تَوْقِيعٌ سُلْطَانِيٌّ" حَفِظَتْهُ مَصَادِرُ السُّنَّةِ لِيَكُونَ مَنَاراً لِلسَّالِكِينَ. إِنَّ قُوَّةَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ تُسْتَمَدُّ مِنْ صِحَّةِ نِسْبَتِهَا لِعُمَرَ، وَمِنْ تَلَقِّي الأُمَّةِ لَهَا بِالقَبُولِ، حَيْثُ نَقَلَهَا كِبَارُ الحُفَّاظِ فِي مُصَنَّفَاتِهِمُ العَقَدِيَّةِ وَالحَدِيثِيَّةِ بِأَسَانِيدَ تَتَّصِلُ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ نَفْسِهِ، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى كُلِّ مُشَكِّكٍ فِي أَصَالَتِهَا.
٢. رِوَايَةُ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ:
يَأْتِي عَلَى رَأْسِ مَصَادِرِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ (صَحِيحُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ) (١)، 
حَيْثُ أَوْرَدَ صَدْرَهَا فِي كِتَابِ الإِيمَانِ، مِمَّا يُعْطِيهَا زَخَماً نَقْدِيّاً عَظِيماً. 
لَمْ يَقْتَصِرِ البُخَارِيُّ عَلَى ذِكْرِ المَتْنِ، بَلْ جَعَلَهَا عُمْدَةً فِي الرَّدِّ عَلَى المُرْجِئَةِ حِينَ بَوَّبَ لَهَا بِبَابِ: "المَعْرِفَةُ بِالقَلْبِ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ". 
كَمَا أَوْرَدَهَا بِتَمَامِهَا فِي كِتَابِهِ (خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ)، مُبَيِّناً أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَ يَرَى الإِيمَانَ "قَوْلاً وَعَمَلاً"، وَهِيَ شَهَادَةٌ مِنْ جَبَلِ الحِفْظِ عَلَى أَصَالَةِ هَذَا المَصْدَرِ العُمَرِيِّ (٢).
٣. مَصَادِرُ مَدْرَسَةِ أَهْلِ الأَثَرِ (ابْنُ بَطَّةَ وَالآجُرِّيُّ):
تَعَدَّدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ المُسْنَدَةِ؛ فَقَدْ أَخْرَجَهَا الإِمَامُ (ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ) فِي كِتَابِهِ العَظِيمِ "الإِبَانَةِ الكُبْرَى" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ (٣). 
كَمَا نَقَلَهَا الإِمَامُ (الآجُرِّيُّ) فِي "الشَّرِيعَةِ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّسَالَةَ كَانَتْ مُتَدَاوَلَةً بَيْنَ طُلَّابِ العِلْمِ فِي القُرُونِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى. 
تَمِيزُ هَذِهِ المَصَادِرِ بِأَنَّهَا نَقَلَتِ الرِّسَالَةَ بِكَامِلِ لَفْظِهَا، مِمَّا سَمَحَ لَنَا بِالمُقَارَنَةِ بَيْنَ النُّسَخِ وَالخُرُوجِ بِنَصٍّ مُحَقَّقٍ يَخْلُو مِنَ التَّصْحِيفِ وَالتَّحْرِيفِ، وَيَحْفَظُ لِلرِّسَالَةِ جَزَالَتَهَا اللُّغَوِيَّةَ.
٤. الرِّوَايَةُ التَّارِيخِيَّةُ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ:
لَا يُمْكِنُ إِغْفَالُ كِتَابِ (سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ) (٤)، الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَقْدَمِ مَا صُنِّفَ فِي أَخْبَارِ عُمَرَ. فَقَدْ سَاقَ الرِّسَالَةَ فِي سِيَاقِهَا التَّارِيخِيِّ، مِمَّا يَرْبِطُ بَيْنَ النَّصِّ العَقَدِيِّ وَالظَّرْفِ السِيَاسِيِّ لِلرِّسَالَةِ.
 نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ بَعْضَ الزِّيَادَاتِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي كُتُبِ الحَدِيثِ، وَهِيَ زِيَادَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِنَصِيحَةِ عُمَرَ لِعَدِيٍّ كَوَالٍ، مِمَّا يُغْنِي هَذَا البَحْثَ بِتَفَاصِيلَ إِدَارِيَّةٍ تَمْتَزِجُ بِنُورِ الوَحْيِ وَالسُّنَّةِ.
٥. التَّوَاتُرُ المَعْنَوِيُّ لِلرِّسَالَةِ عِنْدَ المُؤَرِّخِينَ:
أَطْبَقَ جُمْهُورُ المُؤَرِّخِينَ مِثْلُ (الطَّبَرِيِّ) وَ (ابْنِ كَثِيرٍ) عَلَى ذِكْرِ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ الحَدِيثِ عَنْ مَنَاقِبِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سَنَةَ (١٠٠ هـ). 
هَذَا التَّظَافُرُ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ التَّارِيخِ يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضاً، وَيَجْعَلُ مِنَ الرِّسَالَةِ مَصْدَراً "قَطْعِيَّ الثُّبُوتِ" مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةُ.
 كَمَا أَنَّ اسْتِشْهَادَ الأَئِمَّةِ المُتَأَخِّرِينَ بِهَا -مِثْلَ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ القَيِّمِ- يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ عُمْدَةً فِي بَابِهَا طَوَالَ قُرُونٍ (٥).
٦. نَقْدُ الأَسَانِيدِ وَسَلَامَةُ النَّقْلِ:
عِنْدَ فَحْصِ الأَسَانِيدِ الَّتِي نَقَلَتِ الرِّسَالَةَ، نَجِدُهَا تَدُورُ غَالِباً عَلَى رِجَالٍ ثِقَاتٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَالعِرَاقِ. 
وَمِنْ لَطَائِفِ الرِّوَايَةِ أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى نَقْلِ "هَيْئَةِ عُمَرَ" وَهُوَ يُمْلِي هَذِهِ الرِّسَالَةَ، مِمَّا يُعْطِي طَابَعاً مِنَ الصِّدْقِ وَالضَّبْطِ. 
إِنَّ تَحْلِيلَ هَذِهِ الأَسَانِيدِ يُثْبِتُ أَنَّ الرِّسَالَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْوَضْعِ أَوْ لِلِانْتِحَالِ، بَلْ هِيَ نَبْعٌ صَافٍ يَعْكِسُ فِكْرَ الخَلِيفَةِ الرَّاشِدِ فِي مَرْحَلَةٍ كَانَتْ فِيهَا الدَّوْلَةُ تَسْتَعِيدُ هُوِيَّتَهَا الأَثَرِيَّةَ.
٧. خُلَاصَةُ المَبْحَثِ فِي مِيزَانِ التَّحْقِيقِ:
نَسْتَنْتِجُ مِنْ هَذَا العَرْضِ أَنَّ الرِّسَالَةَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ تَتمَتَّعُ بِأَعْلَى دَرَجَاتِ "التَّوْثِيقِ العِلْمِيِّ". 
فَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي دَوَاوِينِ الإِسْلَامِ (صَحِيحِ البُخَارِيِّ)، وَفِي مَصَادِرِ الفِرَقِ وَالمَقَالَاتِ، وَفِي سِيَرِ الأَعْلَامِ. هَذَا التَّعَدُّدُ فِي المَصَادِرِ وَتَنَوُّعُ مَشَارِبِهَا (حَدِيثِيَّة، عَقَدِيَّة، تَارِيخِيَّة) يُؤَكِّدُ أَنَّنَا أَمَامَ "نَصٍّ مُتَوَاتِرٍ مَعْنَوِيّاً" لَا يَسَعُ البَاحِثَ إِلَّا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَالِانْطِلَاقُ مِنْهُ لِفَهْمِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي القَدَرِ وَالإِيمَانِ.
»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّعْلِيقِ]«««««‹«««
(١) صَحِيحُ البُخَارِيِّ، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ الإِيمَانِ وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ". ذَكَرَهُ تَعْلِيقاً مَجْزُوماً بِهِ.
(٢) خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ (ص ٥٨)، حَيْثُ نَقَلَ النَّصَّ بِتَمَامِهِ لِيَحْتَجَّ بِهِ عَلَى نُفَاةِ القَدَرِ.
(٣) الإِبَانَةُ عَنْ شَرِيعَةِ الفِرَقِ النَّاجِيَةِ (الإِبَانَةُ الكُبْرَى) لِابْنِ بَطَّةَ العُكْبَرِيِّ (ت: ٣٨٧ هـ)، حَيْثُ خَصَّصَ لَهَا مَوْضِعاً فِي بَابِ القَدَرِ.
(٤) سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ (ت: ٢١٤ هـ)، وَهُوَ مِنْ أَوْثَقِ المَصَادِرِ الَّتِي جَمَعَتْ رَسَائِلَ عُمَرَ.
(٥) انْظُرْ مَثَلاً: مَجْمُوعَ الفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ج ٧، ص ٣٢٠)، حَيْثُ شَرَحَ مَقَاصِدَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ
»»»»»»»›»»›««««»[٤٣]»»»»»»»»»»»»»»»
[الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ]
المَبْحَثُ الثَّانِي: سَلَامَةُ المَتْنِ وَالدِّرَاسَةُ التَّحْلِيلِيَّةُ لِأَلْفَاظِ الرِّسَالَةِ
١. الخَصَائِصُ الأُسْلُوبِيَّةُ لِلرِّسَالَةِ العُمَرِيَّةِ:
تَتَمَيَّزُ رِسَالَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ بِنَفَسٍ بَلَاغِيٍّ فَرِيدٍ يَجْمَعُ بَيْنَ "جَزَالَةِ اللَّفْظِ" وَ "دِقَّةِ المَعْنَى الشَّرْعِيِّ". فَالنَّاظِرُ فِي مَتْنِ الرِّسَالَةِ يَجِدُ أَنَّ الأَلْفَاظَ مُسْتَقَاةٌ مُبَاشَرَةً مِنَ المِشْكَاةِ القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ، مَعَ مَسْحَةٍ مِنَ الوَقَارِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ بَنُو أُمَيَّةَ فِي خِطَابَاتِهِمُ الرَّسْمِيَّةِ. هَذَا "التَّجَانُسُ الأُسْلُوبِيُّ" يُعَدُّ قَرِينَةً قَوِيَّةً عَلَى صِحَّةِ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ، إِذْ لَا نَجِدُ فِيهَا تَكَلُّفَ المُتَأَخِّرِينَ وَلَا تَعْقِيدَاتِ المُتَكَلِّمِينَ الَّتِي طَرَأَتْ بَعْدَ ذَلِكَ (١).
٢. مَتَانَةُ الرَّبْطِ بَيْنَ الفَرَائِضِ وَالإِيمَانِ:
اسْتَهَلَّ عُمَرُ -رَحِمَهُ اللَّهُ- رِسَالَتَهُ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ لِلْإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً". هَذَا التَّقْسِيمُ الرُّبَاعِيُّ الدَّقِيقُ يَعْكِسُ فِقْهَ عُمَرَ بِأَرْكَانِ المِلَّةِ. فَلَمْ يَجْعَلِ الإِيمَانَ مُجَرَّدَ دَعْوَى، بَلْ جَعَلَهُ هَيْكَلاً لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ. إِنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ "الحُدُودِ" وَ "السُّنَنِ" فِي سِيَاقِ تَعْرِيفِ الإِيمَانِ كَانَ رَدّاً بَلِيغاً وَمُبَكِّراً عَلَى "المُرْجِئَةِ" الَّذِينَ حَاوَلُوا تَجْرِيدَ الإِيمَانِ مِنْ عَمَلِ الجَوَارِحِ، مِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ المَتْنَ كَانَ يُعَالِجُ قَضِيَّةً آنِيَّةً سَنَةَ مِائَةٍ لِلْهِجْرَةِ (٢).
٣. صَرَامَةُ اللَّفْظِ فِي مَقَامِ الِاتِّبَاعِ:
يَبْرُزُ فِي المَتْنِ قَوْلُهُ: "فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ". هَذِهِ العِبَارَةُ تَدُلُّ عَلَى تَقْرِيرِ مَبْدَأِ "زِيَادَةِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ" الَّذِي هُوَ عَقِيدَةُ السَّلَفِ. عُمَرُ هُنَا لَا يَتَحَدَّثُ بِلُغَةِ الِاحْتِمَالِ، بَلْ بِلُغَةِ الحَسْمِ الإِيمَانِيِّ. وَهَذَا "الوُضُوحُ المَنْهَجِيُّ" هُوَ مِمَّا يُمَيِّزُ كَلَامَ الرَّعِيلِ الأَوَّلِ، حَيْثُ كَانُوا يُعَبِّرُونَ عَنِ الحَقَائِقِ العَقَدِيَّةِ بِأَوْجَزِ عِبَارَةٍ وَأَقْوَى حُجَّةٍ.
٤. التَّحْلِيلُ اللَّغَوِيُّ لِخَاتِمَةِ الرِّسَالَةِ:
خَتَمَ عُمَرُ كِتَابَهُ بِعِبَارَةٍ فِيهَا تَوَاضُعُ العُلَمَاءِ وَهَيْبَةُ الأُمَرَاءِ حِينَ قَالَ: "فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ... وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ" (٣). هَذِهِ الكَلِمَاتُ لَا يَسْتَطِيعُ صِيَاغَتَهَا إِلَّا مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً بَعْدَ أَنْ مَلَكَهَا. إِنَّ لَفْظَ "الحَرِيصِ" هُنَا يَحْمِلُ دَلَالَةً نَفْسِيَّةً عَمِيقَةً تُطَابِقُ مَا نُقِلَ عَنْ عُمَرَ فِي آخِرِ أَيَّامِهِ مِنْ شَوْقِهِ لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَتَعَبِهِ مِنْ حِمْلِ الخِلَافَةِ، مِمَّا يُعَضِّدُ سَلَامَةَ المَتْنِ تَارِيخِيّاً وَوَجْدَانِيّاً.
٥. خُلُوُّ المَتْنِ مِنْ "عَجَمَةِ" المُتَأَخِّرِينَ:
عِنْدَ مُقَابَلَةِ أَلْفَاظِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِرَسَائِلِ عَصْرِ التَّدْوِينِ المُتَأَخِّرِ أَوْ بِكُتُبِ المُتَكَلِّمِينَ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ، نَجِدُ فَرْقاً بَيِّناً. فَرِسَالَةُ عُمَرَ تَخْلُو مِنْ مُصْطَلَحَاتِ (الجَوْهَر، العَرَض، الجِهَة، التَّحَيُّز) وَغَيْرِهَا مِنَ المُنْحُوتَاتِ الكَلَامِيَّةِ. بَلْ كُلُّ أَلْفَاظِهَا (فَرَائِض، شَرَائِع، سُنَن) هِيَ أَلْفَاظٌ "شَرْعِيَّةٌ مَحْضَةٌ". هَذِهِ "النَّزَاهَةُ اللَّفْظِيَّةُ" هِيَ أَقْوَى شَاهِدٍ عَلَى أَنَّ النَّصَّ قَدِيمٌ يَعُودُ لِصَدْرِ الإِسْلَامِ، وَأَنَّهُ نَبَعَ مِنْ قَلْبِ المَدِينَةِ وَالشَّامِ قَبْلَ كُدُورَةِ الفَلْسَفَةِ (٤).
٦. المُقَارَنَةُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ وَتَحْقِيقُ الزِّيَادَاتِ:
كُلُّ رِوَايَاتِ الرِّسَالَةِ (عِنْدَ البُخَارِيِّ، وَابْنِ بَطَّةَ، وَالآجُرِّيِّ) تَتَّفِقُ عَلَى الجُمَلِ الرَّئِيسَةِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ حُرُوفِ العَطْفِ أَوْ تَقْدِيمِ لَفْظَةٍ عَلَى أُخْرَى. هَذَا الِاتِّفَاقُ عَلَى "الهَيْكَلِ اللَّفْظِيِّ" يُثْبِتُ أَنَّ الرِّسَالَةَ حُفِظَتْ بِعِنَايَةٍ فِيقَةٍ. وَقَدْ قُمْنَا فِي هَذَا الوَجْهِ بِتَرْجِيحِ الرِّوَايَةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ "زِيَادَةِ الثِّقَةِ" وَ "جَزَالَةِ المَعْنَى"، لِيَخْرُجَ النَّصُّ فِي أَبْهَى صُورَةٍ تَلِيقُ بِمُقَامِ الإِمَامِ عُمَرَ (٥).
»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّرَاجُمِ]«««««««« 
(١) انْظُرْ تَوْثِيقَ هَذَا الأُسْلُوبِ فِي: (البَيَانِ وَالتَّبْيِينِ لِلْجَاحِظِ، ج ٢، ص ٤٥)، حَيْثُ أَثْنَى عَلَى بَلَاغَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَقَالَ: "كَانَ كَلَامُهُ يُشْبِهُ كَلَامَ الصَّحَابَةِ".
(٢) المُرْجِئَةُ (تَرْجَمَةٌ مُوجَزَةٌ): فِرْقَةٌ ظَهَرَتْ فِي أَوَاخِرِ القَرْنِ الأَوَّلِ، قَالُوا: "لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الكُفْرِ طَاعَةٌ". وَرَدُّ عُمَرَ عَلَيْهِمْ هُنَا جَاءَ بِإِثْبَاتِ أَنَّ العَمَلَ (الفَرَائِض) جُزْءٌ مِنَ الإِيمَانِ.
(٣) هَذَا المَقْطَعُ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي (المُصَنَّفِ، رَقَم: ٣٠٤٤١) وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي (تَارِيخِ دِمَشْقَ).
(٤) غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ (تَرْجَمَةٌ عَقَدِيَّةٌ): هُوَ غَيْلَانُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالقَدَرِ فِي دِمَشْقَ بَعْدَ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ (ت: ٨٠ هـ). نَاظَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سَنَةَ (١٠٠ هـ) وَأَمَرَهُ بِالإِمْسَاكِ عَنِ الكَلَامِ فِي القَدَرِ، فَالتَزَمَ غَيْلَانُ فِي حَيَاةِ عُمَرَ ثُمَّ عَادَ بَعْدَهُ.
(٥) انْظُرْ: (فَتْحُ البَارِي لِابْنِ حَجَرٍ، ج ١، ص ٩٨)، حَيْثُ فَصَّلَ فِي أَلْفَاظِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ وَبَيَّنَ مَنْ خَرَّجَهَا مِنَ الأَئِمَّةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»[٤٤]«««««««««««««««
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: دِرَاسَةُ أَسَانِيدِ الرِّسَالَةِ (المُسَلْسَلِ بِالأَخْبَارِ) وَمَنْهَجِيَّةُ المُرَاسَلَاتِ العُمَرِيَّةِ
١. سِلْسِلَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ عَصْرِ التَّدْوِينِ إِلَى عَصْرِنَا:
تَمَيَّزَتْ رِسَالَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ بِأَنَّهَا نُقِلَتْ عَبْرَ "سِلْسِلَةٍ مَوْثُوقَةٍ" لَمْ تَنْقَطِعْ. بَدَأَتْ بِالتَّدْوِينِ الرَّسْمِيِّ فِي دَوَاوِينِ الخِلَافَةِ سَنَةَ (١٠٠ هـ)، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى حَفَظَةِ الآثَارِ مِثْلَ الإِمَامِ مَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ، ثُمَّ دُوِّنَتْ فِي "أُمَّهَاتِ الكُتُبِ" (صَحِيحُ البُخَارِيِّ، مُصَنَّفُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ). وَقَدِ اسْتَمَرَّ العُلَمَاءُ فِي سَمَاعِهَا وَإِسْمَاعِهَا بِالأَسَانِيدِ المُتَّصِلَةِ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْنَا اليَوْمَ فِي "المَجَامِيعِ العَقَدِيَّةِ". هَذَا الِاتِّصَالُ يُثْبِتُ أَنَّ الرِّسَالَةَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ "الهُوِيَّةِ العِلْمِيَّةِ" لِلْأُمَّةِ، وَأَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ كَابِرٍ عَنْ كَابِرٍ (١).
٢. مَنْهَجِيَّةُ عُمَرَ فِي المُرَاسَلَاتِ العَقَدِيَّةِ الرَّسْمِيَّةِ:
لَمْ تَكُنْ مُكَاتَبَاتُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مُجَرَّدَ "أَوَامِرَ إِدَارِيَّةٍ"، بَلْ كَانَتْ "رَسَائِلَ تَعْلِيمِيَّةً" تَهْدِفُ إِلَى صِيَاغَةِ عَقْلِيَّةِ الوُلَاةِ وَالرَّعِيَّةِ. وَتَتَمَثَّلُ مَنْهَجِيَّتُهُ فِيمَا يَلِي:
الحَسْمُ فِي مَوَاطِنِ النِّزَاعِ: كَانَ عُمَرُ يَسْتَخْدِمُ لُغَةً قَاطِعَةً لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ (مِثْلُ قَوْلِهِ: مَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ).
الرَّبْطُ بَيْنَ العَقِيدَةِ وَالعَمَلِ: كَانَ يَجْعَلُ العَقِيدَةَ هِيَ "المُحَرِّكَ" لِلْعَمَلِ، فَلَا يُولِي وَالِيًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ سَلَامَةِ مُعْتَقَدِهِ فِي القَدَرِ وَالإِيمَانِ.
الوَجَازَةُ البَلِيغَةُ: تَمَيَّزَتْ رَسَائِلُهُ بِالاخْتِصَارِ الَّذِي لَا يُخِلُّ، حَيْثُ يُقَرِّرُ أَصْلًا عَقَدِيًّا كَبِيرًا فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ (٢).
٣. مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الفِرَقِ المُنْحَرِفَةِ (تَرْجَمَةٌ وَتَوْثِيقٌ):
كَانَتْ مُرَاسَلَاتُ عُمَرَ تَهْدِفُ بِالدَّرَجَةِ الأُولَى إِلَى تَحْصِينِ الآفَاقِ مِنْ:
[المُرْجِئَةِ] (القرن ١ هـ): وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: "لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ". أَدْرَكَ عُمَرُ أَنَّ هَذَا الفِكْرَ يُعَطِّلُ المَسْؤُولِيَّةَ الإِدَارِيَّةَ وَالأَخْلَاقِيَّةَ، فَكَتَبَ لِوُلَاتِهِ بِتَقْرِيرِ أَنَّ العَمَلَ مِنَ الإِيمَانِ، لِيَحُثَّهُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ فِي العَدْلِ (٣).
[القَدَرِيَّةِ] (القرن ١ هـ): وَعَلَى رَأْسِهِمْ (غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ) (ت: ١٠٥ هـ). كَانَ عُمَرُ يَرَى أَنَّ نَفْيَ القَدَرِ يُزَعْزِعُ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ، فَنَافَحَ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ السَّابِقِ فِي رَسَائِلِهِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ وَأَيُّوبَ بْنِ شُرَحْبِيلَ (٤).
٤. التَّسَلْسُلُ الأَثَرِيُّ لِلرِّسَالَةِ (مِنْ عَدِيٍّ إِلَى الدَّوَاوِينِ):
رَوَى هَذِهِ الرِّسَالَةَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ جَمَاعَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ، ثُمَّ انْتَقَلَتْ إِلَى مَدْرَسَةِ الشَّامِ وَالعِرَاقِ.
فِي القَرْنِ الرَّابِعِ: وَثَّقَهَا (ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ) فِي "الإِبَانَةِ" حَيْثُ سَاقَهَا بِأَسَانِيدَ تَرْبِطُ العَصْرَ العَبَّاسِيَّ بِالعَصْرِ الأُمَوِيِّ.
فِي القَرْنِ السَّادِسِ: خَلَّدَهَا (ابْنُ عَسَاكِرَ) فِي "تَارِيخِ دِمَشْقَ"، حَيْثُ حَفِظَ لَنَا رِوَايَاتٍ مُتَعَدِّدَةً تُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّسَالَةَ لَمْ تَكُنْ نَسِيجَ وَحْدِهَا، بَلْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ حَمْلَةٍ تَصْحِيحِيَّةٍ شَامِلَةٍ (٥).
٥. الأَهَمِّيَّةُ المَنْهَجِيَّةُ لِـ "المُسَلْسَلِ بِالأَخْبَارِ":
إِنَّ دِرَاسَةَ السَّنَدِ المُسَلْسَلِ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ تُبَيِّنُ لَنَا "يَقَظَةَ السَّلَفِ"؛ فَقَدْ كَانُوا يَعُدُّونَ كَلَامَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ "سُنَّةً مَتْبُوعَةً". وَهَذَا التَّسَلْسُلُ لَيْسَ مُجَرَّدَ رِجَالٍ، بَلْ هُوَ "تَسَلْسُلُ عُقُولٍ" حَفِظَتِ الأَصْلَ لِيَبْقَى نَقِيًّا مِنْ كُدُورَاتِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَالتَّكْيِيفِ.
»»»›»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّرَاجُمِ]««‹«««««
(١) انْظُرْ: (تَهْذِيبِ الكَمَالِ لِلْمِزِّيِّ، ج ٢٠، ص ٤٠١) حَيْثُ ذَكَرَ الرُّوَاةَ الَّذِينَ نَقَلُوا عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ رَسَائِلَ عُمَرَ.
(٢) كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: "إِنَّمَا نَحْنُ مُتَّبِعُونَ وَلَسْنَا بِمُبْتَدِعِينَ". انْظُرْ: (سِيرَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، ص ٤٥).
(٣) المُرْجِئَةُ: ظَهَرَتْ مَقَالَتُهُمْ سَنَةَ (٨٠ هـ) تَقْرِيبًا فِي الكُوفَةِ. انْظُرْ: (الفَصْلُ فِي المِلَلِ لِابْنِ حَزْمٍ، ج ٣، ص ٢٠٥).
(٤) غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ: نَاظَرَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ سَنَةَ (١٠٠ هـ)، وَأَخَذَ عَلَيْهِ المِيثَاقَ أَلَّا يَتَكَلَّمَ فِي القَدَرِ. انْظُرْ: (تَارِيخُ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ، ج ٤٨، ص ١٩٠).
(٥) انْظُرْ: (الإِبَانَةُ الكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ، ج ٢، ص ٧٦٤) حَيْثُ سَاقَ الرِّسَالَةَ بِسَنَدِهِ المُتَّصِلِ.
»»»»»»»»»»›»»»»»»»»»[٤٤]«««««««««««‹‹««
[الوَجْهُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ]
الفَصْلُ الثَّالِثُ: مَنْهَجُ الِاسْتِدْلَالِ فِي رِسَالَةِ عُمَرَ (فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ)
١. المَتْنُ المَسْرُودُ لِلرِّسَالَةِ (نَصٌّ مُحَقَّقٌ كَامِلًا):
"أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَكَ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالخَلَلِ، وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى" (١).
٢. التَّحْقِيقُ المَنْهَجِيُّ لِوَصِيَّةِ عُمَرَ فِي الِاقْتِصَادِ:
إِنَّ تَقْرِيرَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ لِمَسْأَلَةِ (الِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِ اللَّهِ) هُوَ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ يَنْفِي عَنْ دِينِ اللَّهِ غُلُوَّ الغَالِينَ وَانْتِحَالَ المُبْطِلِينَ. فَالِاقْتِصَادُ هُنَا هُوَ لُزُومُ "الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ" الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ، وَهُوَ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَسَالِكِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ؛ فَإِنَّ الخَوَارِجَ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ بِتَرْكِ الِاقْتِصَادِ وَمُجَاوَزَةِ الحُدُودِ، وَالمُرْجِئَةَ (سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُمْ فِي الوَجْهِ ٤٢) ضَلُّوا بِتَرْكِ الِاقْتِصَادِ فِي بَابِ الوَعِيدِ وَإِخْرَاجِ العَمَلِ عَنِ الإِيمَانِ. فَعُمَرُ يُبَيِّنُ لِوَالِيهِ أَنَّ النَّجَاةَ فِي سُلُوكِ مَسْلَكِ التَّوَسُّطِ الأَثَرِيِّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى "تَعْظِيمِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ" دُونَ زِيَادَةٍ تُورِثُ الشَّطَطَ، أَوْ نَقْصٍ يُورِثُ الجَفَاءَ.
٣. مَقَامُ "لُزُومِ السُّنَّةِ" وَالِاسْتِغْنَاءُ بِالأَثَرِ:
قَوْلُهُ: (فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ) هُوَ المِيزَانُ الصِّدْقُ لِفَصْلِ الخِطَابِ بَيْنَ أَهْلِ الحَدِيثِ وَأَهْلِ المَقَالَاتِ. يُؤَصِّلُ عُمَرُ لِقَاعِدَةِ "الِاسْتِغْنَاءِ بِالوَحْيِ"، فَإِنَّ السُّنَّةَ قَدْ جَاءَتْ كَافِيَةً شَافِيَةً لِكُلِّ مَا يَحْتَاجُهُ العَبْدُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ. وَقَوْلُهُ: (وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ) نَكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ بَدِيعَةٌ تُفِيدُ أَنَّ كُلَّ نَازِلَةٍ عَقَدِيَّةٍ أَوْ فِكْرِيَّةٍ يَبُثُّهَا المُبْتَدِعَةُ، قَدْ سَبَقَ فِي السُّنَّةِ مَا يَدْحَضُهَا وَيَكْفِي المُؤْمِنَ مَؤُونَةَ التَّنْقِيرِ فِيهَا بِرَأْيِهِ. فَالقَدَرِيَّةُ (سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُمْ فِي الوَجْهِ ٤٢) حِينَ أَحْدَثُوا قَوْلَهُمْ فِي نَفْيِ القَدَرِ، لَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ إِلَى رَدٍّ عَقْلِيٍّ مُتَكَلَّفٍ، بَلْ كَانَ يَكْفِيهِمْ "لُزُومُ السُّنَّةِ" الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ شُبْهَتِهِمْ بِأَيْسَرِ عِبَارَةٍ.
٤. السُّنَّةُ "عِصْمَةٌ" مِنْ ضَلَالَاتِ المُحْدِثِينَ:
يَصِفُ عُمَرُ السُّنَّةَ بِأَنَّهَا (عِصْمَةٌ)، وَهِيَ دَلَالَةٌ عَلَى تَمَوُّجِ الفِتَنِ فِي ذَلِكَ العَصْرِ، حَيْثُ نَبَتَ نَابِتَةُ "أَهْلِ الكَلَامِ" وَبَدَؤُوا فِي التَّشْكِيكِ فِي الثَّوَابِتِ. الِاعْتِصَامُ بِالسُّنَّةِ هُوَ الِاعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّهِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ نَجَا مِنَ التَّرَدِّي فِي هُوَّةِ الحَيْرَةِ. فَالَّذِي سَنَّ السُّنَّةَ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ طَرِيقِ رَسُولِهِ ﷺ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ. وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الحَقَّ فِي خِلَافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، فَقَدْ وَقَعَ فِي (الحُمْقِ) وَ (الخَلَلِ) كَمَا نَصَّ عُمَرُ، لِأَنَّهُ سَلَكَ طَرِيقاً لَمْ يُسْلَكْ، وَرَكِبَ مَرْكَباً صَعْباً لَا يُؤْمَنُ عَقِبَاهُ.
٥. تَقْرِيرُ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي (العِلْمِ وَالبَصَرِ النَّافِذِ):
عِنْدَمَا يَقُولُ عُمَرُ عَنِ الصَّحَابَةِ: (عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا)، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ تَأَخُّرَ الزَّمَانِ يَقْتَضِي زِيَادَةً فِي العِلْمِ بِحَقَائِقِ الإِيمَانِ. فَالصَّحَابَةُ سَكَتُوا عَمَّا سَكَتُوا عَنْهُ لَيْسَ عَنْ جَهْلٍ بِهِ، بَلْ عَنْ "بَصَرٍ نَافِذٍ" لِمَآلَاتِ الكَلَامِ البَاطِلِ، فَرَأَوْا أَنَّ السُّكُوتَ فِيهِ وَالِاكْتِفَاءَ بِالنَّصِّ هُوَ الحِكْمَةُ المَحْضَةُ. وَهَذَا تَوْجِيهٌ نَبِيلٌ لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَكُونَ مِعْيَارُهُ فِي قَبُولِ المَقَالَاتِ هُوَ: "هَلْ كَانَ هَذَا عِنْدَ القَوْمِ؟"، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ فَنِعِمَّا هُوَ، وَإِلَّا فَمَا هُوَ إِلَّا زَخْرَفُ قَوْلٍ مَرْدُودٍ (٢).
٦. الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّبْدِيعِ وَالتَّجْهِيمِ:
إِنَّ فِي رِسَالَةِ عُمَرَ هَذِهِ رَدّاً مُبَكِّراً عَلَى كُلِّ مَنْ أَرَادَ جَعْلَ الدِّينِ مُجَرَّدَ نَظَرٍ جَدَلِيٍّ. عُمَرُ يَرَى أَنَّ (السُّنَّةَ) هِيَ العَقْلُ الصَّحِيحُ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ رُؤُوسُ الضَّلَالِ مِثْلَ (غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ) (سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الوَجْهِ ٤٢) هُوَ ضَرْبٌ مِنَ السَّفَهِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ أَمَامَ نُورِ الوَحْيِ. فَالَّذِي يَنْفِي القَدَرَ لِيُثْبِتَ العَدْلَ -فِي زَعْمِهِ- قَدْ غَابَ عَنْهُ "البَصَرُ النَّافِذُ" لِحَقِيقَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَوَقَعَ فِي "الزَّلَلِ" الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ عُمَرُ. فَالمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ المُحَقَّقُ هُوَ الرِّضَا بِمَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ، وَالوُقُوفُ حَيْثُ وَقَفُوا.
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ ]««««««««««««
(١) تَخْرِيجُ النَّصِّ وَأَصَالَةُ المَصْدَرِ: هَذِهِ الرِّسَالَةُ تَلَقَّاهَا جَهَابِذَةُ الحَدِيثِ بِالقَبُولِ، وَقَدْ سَاقَهَا الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي (صَحِيحِهِ، كِتَابُ الإِيمَانِ، ص ١١، ط. دَار طَوْق النَّجَاةِ) تَعْلِيقاً، ثُمَّ سَاقَهَا بِتَمَامِهَا فِي (خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ، ص ٥٩، رَقَم: ٩٨، ط. مَكْتَبَةُ المَعَارِفِ بِالرِّيَاضِ). كَمَا أَوْرَدَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي (سُنَنِهِ، كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ لُزُومِ السُّنَّةِ، ج ٤، ص ٢٠١، رَقَم: ٤٦١٢، ط. دَار الرِّسَالَةِ العَالَمِيَّةِ).
(٢) دِرَاسَةُ الأَسَانِيدِ وَالعِلَلِ الحَدِيثِيَّةِ: الرِّسَالَةُ تُرْوَى عَنْ (عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الكِنْدِيِّ)، وَهُوَ ثِقَةٌ فَقِيهٌ، رَوَى عَنْهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ (أَبُو خَلَفٍ حَازِمُ بْنُ عَطَاءٍ). وَأَبُو خَلَفٍ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي (الثِّقَاتِ)، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي (تَقْرِيبِ التَّهْذِيبِ): "صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ". وَلَكِنَّ الرِّسَالَةَ تَقْوَى بِمَجِيئِهَا مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى عَنِ الأَوْزَاعِيِّ وَمَالِكٍ، وَقَدْ جَزَمَ بِصِحَّتِهَا البُخَارِيُّ وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي (فَتَاوِيهِ، ج ٤، ص ١٣٩). وَمِنْ لَطَائِفِ الإِسْنَادِ أَنَّ عَدِيَّ بْنَ عَدِيٍّ كَانَ يَكْتُبُ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَهُوَ أَدْرَى بِمُرَاسَلَاتِهِ الرَّسْمِيَّةِ.
(٣) نِكَاتٌ وَفَوَائِدُ عَقَدِيَّةٌ:
نَكْتَةٌ فِي قَوْلِهِ "كُفُوا مُؤْنَتَهُ": المَؤُونَةُ هِيَ التَّعَبُ وَالثِّقَلُ. فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ "التَّكَلُّفَ" فِي مَسَائِلِ الغَيْبِ يُورِثُ تَعَبَ القَلْبِ وَاضْطِرَابَ الفِكْرِ، وَالسُّنَّةُ رَفَعَتْ هَذَا التَّعَبَ بِاليَقِينِ.
تَنْبِيهٌ فِي قَوْلِهِ "عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا": فِيهِ رَدٌّ عَلَى "المُفَوِّضَةِ" الَّذِينَ يَزْعَمُونَ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مَعَانِيَ نُصُوصِ الصِّفَاتِ؛ بَلْ نَصَّ عُمَرُ أَنَّ وُقُوفَهُمْ كَانَ "عَنْ عِلْمٍ" بِالمَعْنَى مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الكَيْفِ وَالتَّمْثِيلِ.
(٤) المَصَادِرُ لِلمُرَاجَعَةِ:
(الإِبَانَةُ الكُبْرَى لِابْنِ بَطَّةَ، ج ٢، ص ٧٦٤، ط. دَار الرَّايَةِ).
(تَارِيخُ دِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ، ج ٤٨، ص ٢٠٥، ط. دَار الفِكْرِ).
(سِيرَةُ عُمَرَ لِابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ، ص ٤٨).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤٥]««««««««««««««««

[الوَجْهُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ]

الفَصْلُ الأَوَّلُ - المَبْحَثُ الثَّانِي: شُمُولِيَّةُ السُّنَّةِ وَكَفَايَتُهَا عَنِ المُحْدَثَاتِ

١. المَتْنُ المَسْرُودُ لِلرِّسَالَةِ (نَصٌّ مُحَقَّقٌ كَامِلًا):
"أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ (١)، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ (٢) بَعْدَ مَا جَرَتْ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ (٣)، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَكَ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالخَلَلِ، وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ (٤)؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى" (٥).
٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَبَصْمَةُ البَاحِثِ (تَفْكِيكُ المَوَادِّ المَشْرُوحَةِ):
[المَادَّةُ الأُولَى: حَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ وَمَقَامُ الِاتِّبَاعِ (١)]:
تتجلى بصمة الباحث في تصحيح الغلط الشائع في تعريف النبي؛ فالنبيُّ عند المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية هو: (مَنْ نُبِّئَ بِخَبَرِ السَّمَاءِ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِ مَنْ يُوَافِقُهُ عَلَى شَرِيعَةِ رَسُولٍ قَبْلَهُ)، أما الرسول فهو مَنْ أُرْسِلَ إلى قومٍ مُخَالِفِينَ بِمَا يُخَالِفُ شَرِيعَتَهُمْ أَوْ بَعْضَهَا. فالنبي مأمور بالتبليغ قطعاً، والدليل أن الأنبياء كانوا يسوسون بني إسرائيل بشريعة التوراة ويُبلغونها. وعمر بن عبد العزيز حين ذكر "سنة نبيه" ربطها بالاتباع المطلق، لأن قوله ﷺ حجة، وتبليغه معصوم.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ» (البخاري: ٣٤٥٥). فدلَّ ذلك على أنهم يُبلغون ويحكمون ويسوسون الناس بالوحي، لا أنهم يكتمونه.
[المَادَّةُ الثَّانِيَةُ: جِنَايَةُ المُحْدِثِينَ وَإِبْطَالُ الإِحْدَاثِ (٢)]:
المُحْدِثُونَ هم الذين خالفوا ما "جرت به السنة"، وهم الفرق التي استبدلت الوحي بالرأي. الإحداث هنا هو "الابتداع العَقَدي" الذي يضرب أصول الديانة. بصمة الباحث: عمر جعل "الإحداث" قسيماً لـ "السنة الجارية"، فدلَّ على أن السنة كانت ظاهرة مستقرة قبل ظهور هؤلاء المفتونين، وأن هؤلاء المُحدثين لم يأتوا بزيادة خير، بل أتوا بزيادة شرٍّ قد كُفِينا تَعَبه ببيان النبي ﷺ.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» (مسلم: ٨٦٧).
[المَادَّةُ الثَّالِثَةُ: تَقْسِيمُ المُؤْنَةِ (سَلَفِيَّةٌ بَيْضَاءُ وَخَلَفِيَّةٌ سَوْدَاءُ) (٣)]:
بصمة الباحث تضع الحدَّ الفاصل:
١- المُؤْنَةُ السَّلَفِيَّةُ: هي مادة الوحي التي نُقلت بالأسانيد الصحاح وفهمها الصحابة، وهي مؤنة "هداية" خفيفة على النفوس، واضحة المعاني، لا تضارب فيها ولا تناقض.
٢- المُؤْنَةُ الخَلَفِيَّةُ: هي الأثقال التي جاءت بها الفلسفة اليونانية (الأرسطية) التي تبنتها المعتزلة والجهمية، ثم الأشعرية والمفوضة. هذه المؤنة "كفَّ عقولكم عنها" هو النجاة؛ لأنها مؤنة (جهمية، معتزلية، كلابية) تُدخل العبد في مضايق الحيرة. عمر يقول: "كفوا مؤنته" أي لا تُحملوا أنفسكم عناء البحث عما سكت عنه السلف، فما سكتوا عنه إلا لأنَّ الخوض فيه عناءٌ بِلَا طائل.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ» (البخاري: ٧٢٨٨).
[المَادَّةُ الرَّابِعَةُ: مِعْيَارُ الفَهْمِ (السَّلَفُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ) (٤)]:
بصمة الباحث قلت:
 حال الفريقين: 
١-السلف:
١- وقفوا عن "علم" تام بالمقاصد، 
٢- و "بصر نافذ" باللغة والشرع
 فكان فهمهم هو المعيار الصادق (أعلم ، أحكم ، أسلم)

٢-أما الخلف فجاؤوا
١-  بـ "جهل" بمقام النصوص
٢-  و "اضطراب" في القواعد
٣-و "عجز" عن الجمع بين العقل والنقل، فسقطوا في "الحمق" الذي وصفه عمر. فلا نجاة إلا بالرضا بما رضي به القوم لأنفسهم.
فعلم الخلف البعيد عن ( مؤنة) علم السلف [الأعلم ، والأحكم ، والأسلم ] 
فكان في المقابل علم الخلف(أجهل جهل مركب ، مضطرب ، عاجز )
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعاً: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» (البخاري: ٢٦٥٢).

»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ ]«««««««««««««
(١) مَعْنَى السُّنَّةِ: السنة في هذا المقام هي (العقيدة والمنهج)، وليست "المستحب" عند الفقهاء. 
وأقسامها: سنة قولية، وفعلية، وتقريرية. وكلها معصومة في باب الديانة والتشريع.

(٢) تَفْصِيلُ أَمْرِ الإِحْدَاثِ وَالبِدْعَةِ:
الإِحْدَاثُ الدُّنْيَوِيُّ: كالمخترعات، والأصل فيه الإباحة (الوسائل له حكم المقاصد).
الإِحْدَاثُ الدِّينِيُّ (البِدْعَةُ): هو المذموم شرعاً، وهو ما أُضيف للدين بنية التعبد بلا دليل.

أَقْسَامُ البِدْعَةِ:
بِدْعَةٌ عَقَدِيَّةٌ (أَصْلِيَّةٌ): كبدع الفرق (خوارج، قدرية، جهمية، مرجئة، أشعرية، مفوضة). 
وهي إما مكفرة (كإنكار علم الله) أو مفسقة (كقول المرجئة في العمل).
بِدْعَةٌ عَمَلِيَّةٌ: كإحداث صلوات أو أذكار بهيئات مخترعة.

البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ وَالإِضَافِيَّةُ:

الحقيقية: التي ليس لها أصل في الشرع مطلقاً (كبدعة الرهبانية).

الإضافية: التي لها أصل في الشرع (كالدعاء) ولكن أُضيف إليها وصفٌ مخترع (كالدعاء الجماعي المنظم بعد كل صلاة) بحيث صارت بالوصف المضاف بدعة.

(٣) الرَّدُّ عَلَى مَنْهَجِ الخَلَفِ: الخلف استعملوا "المؤنة اليونانية" 
» فضلوا في باب الصفات؛ فمنهم من عطَّل (الجهمية)
» ومنهم من كيَّف، ومنهم من فوَّض (المفوضة) زاعماً أنَّ السلف كانوا يجهلون المعاني. 
»وعمر يُكذبهم بقوله "على علمٍ وقفوا"؛ فهم علموا المعنى ولكنهم وقفوا عن تكييف الحقيقة.

(٤) المُرَادُ بِالمُحْدِثِينَ: هم الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً، وأولهم المعتزلة الذين قدَّموا العقل على النقل، والقدرية الذين جادلوا في مشيئة الله، والمرجئة الذين هوَّنوا من شأن العمل.
(٥) تَخْرِيجُ رِسَالَةِ عُمَرَ: الرسالة صحيحة مستفيضة، ذكرها البخاري تَعليقاً جازماً (١/١١)، ووصلها في (خلق أفعال العباد: ٩٨)، وأبو داود (٤٦١٢)، وابن بطة (٢١٤).
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤٦]««««««««««««««««
[الوَجْهِ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ]
الفَصْلُ الثَّانِي - المَبْحَثُ الثَّالِثُ: حِكْمَةُ التَّشْرِيعِ وَعِصْمَةُ الوَحْيِ
١. المَتْنُ المَسْرُودُ لِلرِّسَالَةِ (نَصٌّ مُحَقَّقٌ كَامِلًا):
"أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَكَ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا؛ (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالخَلَلِ، وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ) [١]، فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى" (١).
٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَبَصْمَةُ البَاحِثِ (تَفْكِيكُ المَوَادِّ المَشْرُوحَةِ):
[المَادَّةُ المَشْرُوحَةُ: (فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ...) [١]]:
بَصْمَةُ البَاحِثِ هُنَا تَنْطَلِقُ مِنْ تَقْرِيرِ أَنَّ الوَحْيَ مَصْدَرُهُ "العِلْمُ الإِلَهِيُّ" المُحِيطُ؛ فَعُمَرُ يُؤَصِّلُ لِعِصْمَةِ المَنْهَجِ بِعِصْمَةِ مُؤَسِّسِهِ. فَاللَّهُ الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنَنَ عَلِمَ أَزَلًا أَنَّ نُبُوتَ الفُهُومِ سَتَقَعُ، فَجَعَلَ فِي السُّنَّةِ "مَنَاعَةً" ذَاتِيَّةً ضِدَّ كُلِّ مُحْدَثٍ. هَذَا العِلْمُ الشَّامِلُ يَقْتَضِي مِنْ طَالِبِ العِلْمِ الِاسْتِسْلَامَ المَحْضَ، فَلَا يُعَارِضُ النَّصَّ بِعَقْلِهِ، لِأَنَّ عَقْلَهُ حَادِثٌ قَاصِرٌ، وَسُنَّةَ اللَّهِ قَدِيمَةٌ شَامِلَةٌ.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» (البخاري: ٧٢٨٨). فَالكَفُّ عَنِ السُّؤَالِ فِيمَا كُفِينَا مُؤْنَتَهُ هُوَ مَحْضُ العَقْلِ وَالِاتِّبَاعِ.
[المَادَّةُ المَشْرُوحَةُ: (...مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالخَلَلِ وَالحُمْقِ)]:
يَصِفُ عُمَرُ خِلَافَ السُّنَّةِ بِأَوْصَافٍ تَدْرِيجِيَّةٍ؛ تَبْدَأُ بِـ "الخَطَأِ" الَّذِي قَدْ يَقَعُ فِيهِ المُتَأَوِّلُ، ثُمَّ "الخَلَلِ" الَّذِي يَضْرِبُ أُصُولَ الِاسْتِدْلَالِ، وُصُولاً إِلَى "الحُمْقِ"؛ وَهُوَ صِفَةُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ طَرِيقَةَ الخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. بَصْمَةُ البَاحِثِ تُبَيِّنُ أَنَّ "الحُمْقَ العَقَدِيَّ" يَتَمَثَّلُ فِي تَرْكِ النُّصُوصِ الظَّاهِرَةِ لِأَجْلِ "خَيَالَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ" أَوْ "تَقْسِيمَاتٍ كَلَامِيَّةٍ" لَمْ يَنْزِلْ بِهَا سُلْطَانٌ.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- مَرْفُوعاً: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» (البخاري: ٢٦٩٧). وَكُلُّ مَرْدُودٍ هُوَ زَلَلٌ وَحُمْقٌ تَنَزَّهَتْ عَنْهُ السُّنَّةُ.
»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ ]«««««««««««««

(١) فَصْلُ الخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ "التَّفْوِيضِ": هَذِهِ مِنْ أَهَمِّ نِكَاتِ البَحْثِ؛ فَالخَلَفُ أَوْقَعُوا النَّاسَ فِي لَبْسٍ عَظِيمٍ حَوْلَ "التَّفْوِيضِ"، وَالصَّوَابُ أَنَّ التَّفْوِيضَ قِسْمَانِ:
أ- تَفْوِيضُ المَعْنَى (أَصْلُ الكَلِمَةِ): وَهُوَ زَعْمُ أَنَّ "الِاسْتِوَاءَ" أَوْ "اليَدَ" أَلْفَاظٌ أَعْجَمِيَّةٌ لَا نَعْرِفُ مَعْنَاهَا اللُّغَوِيَّ. هَذَا بَحْتُ البِدْعَةِ، وَهُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ السَّلَفُ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ القُرْآنَ أَلْغَازاً.
ب- تَفْوِيضُ الكَيْفِيَّةِ (الحَقِيقَةُ وَالكُنْهُ): وَهُوَ الإِيمَانُ بِالمَعْنَى (الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ) مَعَ تَفْوِيضِ "كَيْفِيَّةِ" هَذَا الِاسْتِوَاءِ إِلَى اللَّهِ. هَذَا هُوَ مَنْهَجُ السَّلَفِ، وَهُوَ مَعْنَى "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ"؛ أَيْ مَعَ إِثْبَاتِ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ بِلَا تَأْوِيلٍ مَجَازِيٍّ فَاسِدٍ.
(٢) المُؤْنَةُ وَتَقْسِيمُ البِدْعَةِ:
المُؤْنَةُ: هِيَ الكُلْفَةُ. عُمَرُ يَقُولُ: (كُفُوا مُؤْنَتَهُ)، أَيْ كَفَوْكُمْ عَنَاءَ الِاخْتِرَاعِ فِي الدِّينِ.
البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ: مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ أَصْلًا، كَإِحْدَاثِ عَقِيدَةِ (نَفْيِ القَدَرِ).
البِدْعَةُ الإِضَافِيَّةُ: مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ (كَالذِّكْرِ) وَلَكِنَّ التَّعَبُّدَ بِهِ خَالَفَ السُّنَّةَ فِي الكَيْفِ أَوِ الزَّمَانِ. وَالبِدَعُ إِمَّا مُكَفِّرَةٌ (كَبِدَعِ المَلَاحِدَةِ وَغُلَاةِ الجَهْمِيَّةِ) أَوْ مُفَسِّقَةٌ.

(٣) لَوَازِمُ مَذْهَبِ "المُفَوِّضَةِ": 
 قلت : أن لَازِمُ مَذْهَبِ المُفَوِّضَةِ (نُفَاةِ المَعْنَى) أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَنَا بِمَا لَا نَفْهَمُ، وَهَذَا طَعْنٌ فِي "بَيَانِ" القُرْآنِ.
لِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُثْبِتُونَ النُّصُوصَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَيُفَوِّضُونَ الكَيْفَ فَقَطْ.
قلت : أن لازم منهج التفويض تجهيل جيل الصحاب و والتابعين و أصحاب الحديث 
(٤) نَكْتَةٌ فِي تَعْرِيفِ "المُحْدَثَةِ": المحدثة نوعان: دنيوية (الأصل فيها الإباحة) و دينية شرعية (الأصل فيها الحظر والرد). فكل ما أُحدث في باب "الاعتقاد" فهو ضلالة، لأن العقيدة توقيفية كملت بموت النبي ﷺ.
(٥) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ:
حَدِيثُ: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»؛ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (رَقَم: ٥٠٦٣) وَ مُسْلِمٌ (رَقَم: ١٤٠١).
حَدِيثُ: «فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ...»؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (رَقَم: ٨٦٧).
حَدِيثُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً...»؛ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (رَقَم: ١٠٠).
»»»»»»»»»»»»»»»»[٤٧]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّامِنُ وَالأَرْبَعُونَ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ - المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَكَانَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَعُلُوُّ كَعْبِهِمْ فِي الِاعْتِصَامِ
١. المَتْنُ المَسْرُودُ لِلرِّسَالَةِ (نَصٌّ مُحَقَّقٌ كَامِلًا):
"أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ المُحْدِثُونَ بَعْدَ مَا جَرَتْ سُنَّتُهُ، وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ، فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّهَا لَكَ -بِإِذْنِ اللَّهِ- عِصْمَةٌ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَبْتَدِعِ النَّاسُ بِدْعَةً إِلَّا قَدْ مَضَى قَبْلَهَا مَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهَا أَوْ عِبْرَةٌ فِيهَا؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَلِمَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الخَطَأِ وَالخَلَلِ، وَالزَّلَلِ وَالحُمْقِ، (فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا) [١]، وَهُمْ عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ كَانُوا أَقْوَى، وَبِفَضْلٍ مَا كَانُوا فِيهِ أَوْلَى" (١).
٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ وَبَصْمَةُ البَاحِثِ (تَفْكِيكُ مَكَانَةِ السَّلَفِ):
[المَادَّةُ المَشْرُوحَةُ: (فَارْضَ لِنَفْسِكَ مَا رَضِيَ بِهِ القَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ) [١]]:
بَصْمَةُ البَاحِثِ تَرْصُدُ هُنَا دَعْوَةَ عُمَرَ إِلَى "الرِّضَا المَنْهَجِيِّ"؛ أَيْ أَنْ يَكُونَ قَلْبُ المُؤْمِنِ مُطْمَئِنّاً إِلَى أَنَّ كُلَّ خَيْرٍ كَانَ فِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ وَعَمَلِهِمْ. السَّلَفُ (القَوْمُ) لَمْ يَتْرُكُوا فُضُولَ المَقَالَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ عَجْزاً، بَلْ "رَضُوا" بِالنَّصِّ كِفَايَةً. هُنَا نَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ طَرِيقَةَ الخَلَفِ "أَحْكَمُ"؛ فَعُمَرُ يُؤَصِّلُ أَنَّ الحِكْمَةَ هِيَ فِيمَا ارْتَضَاهُ الصَّحَابَةُ لِأَنْفُسِهِمْ، لِأَنَّهُمْ شَرِبُوا مِنْ مَعِينِ النُّبُوَّةِ الصَّافِي. مَنْ لَمْ يَرْضَ بِمَا رَضُوا بِهِ، فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابَ الحَيْرَةِ الَّتِي لَا تَنْسَدُّ.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: رَوَى البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «مَنْ كَانَ مُسْتَنّاً فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الحَيَّ لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الفِتْنَةُ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبْرَاراً قُلُوباً، وَأَعْمَقَهَا عِلْماً، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفاً» (٢). هَذَا الأَثَرُ يُفَسِّرُ مَعْنَى "الرِّضَا" الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ عُمَرُ.
[المَادَّةُ المَشْرُوحَةُ: (فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا، وَبِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا)]:
تَقْرِيرُ البَاحِثِ يُفَكِّكُ عِبَارَةَ "عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا"؛ أَيْ أَنَّ سُكُوتَهُمْ عَنِ الخَوْضِ فِي (الكَيْفِيَّاتِ) أَوْ (فَلْسَفَةِ الذَّاتِ) لَمْ يَكُنْ جَهْلاً بِالمَعَانِي، بَلْ هُوَ عِلْمٌ بِأَنَّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى البَشَرِ. هَذَا يَهْدِمُ مَذْهَبَ (المُفَوِّضَةِ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ السَّلَفَ أُمِّيِّينَ لَا يَعْرِفُونَ مَعَانِيَ الصِّفَاتِ. أَمَّا "بَصَرُهُمْ النَّافِذُ" فَهُوَ سُرْعَةُ إِدْرَاكِهِمْ لِبُطْلَانِ الشُّبَهِ قَبْلَ تَمَكُّنِهَا. لَقَدْ "كَفَوْا" مَنْ بَعْدَهُمْ مَؤُونَةَ التَّنْقِيرِ، فَمَنِ اسْتَكْفَى بِهِمْ نَجَا، وَمَنْ طَلَبَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِمْ ضَلَّ.
الشَّاهِدُ مِنَ الصَّحِيحِ: رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (٣). فَالصَّحَابَةُ هُمْ "الأَمَنَةُ" (العِصْمَةُ) مِنَ الِانْحِرَافِ العَقَدِيِّ.

»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالنَّقْدِ وَالتَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ]««««
(١) بَيَانُ مَكَانَةِ السَّلَفِ وَلِمَاذَا نَقْتَدِي بِهِمْ؟:
السَّلَفُ هُمْ "الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَتْبَاعُهُمْ" فِي القُرُونِ المُفَضَّلَةِ. بَصْمَةُ البَاحِثِ تُبَيِّنُ أَنَّ مَكَانَتَهُمْ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ السَّبْقِ الزَّمَنِيِّ، بَلْ لِـ:
تَحْقِيقِ الِاتِّبَاعِ: لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا التَّنْزِيلَ وَعَلِمُوا أَسْبَابَهُ.
سَلَامَةِ المَنْطِقِ: فِطْرَتُهُمْ سَلِيمَةٌ لَمْ تَتَلَوَّثْ بِمَنْطِقِ اليُونَانِ وَتَقْسِيمَاتِ الفَلَاسِفَةِ.
بَرَكَةِ العَمَلِ: عِلْمُهُمْ كَانَ نَافِعاً مُثْمِراً لِلْخَشْيَةِ، بَيْنَمَا عِلْمُ الخَلَفِ كَانَ جَدَلِيّاً مُثْمِراً لِلْحَيْرَةِ.
(٢) الرَّدُّ عَلَى شُبْهَةِ "طَرِيقَةُ الخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ":
هَذِهِ المَقَالَةُ هِيَ أُسُّ البَلَاءِ؛ وَقَدْ نَقَضَهَا عُمَرُ بِقَوْلِهِ (عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا). فَالخَلَفُ لَمْ يَزْدَادُوا عِلْماً بَلِ ازْدَادُوا "تَكَلُّفاً".
التَّفْوِيضُ عِنْدَ السَّلَفِ: هُوَ تَفْوِيضُ "الكُنْهِ وَالحَقِيقَةِ" مَعَ إِثْبَاتِ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ الظَّاهِرِ (كَمَا تَقَدَّمَ فِي الوَجْهِ ٤٧).
التَّفْوِيضُ عِنْدَ الخَلَفِ (المُفَوِّضَةُ): هُوَ تَفْوِيضُ "المَعْنَى"، وَلَازِمُهُ التَّجْهِيلُ لِأَفْضَلِ الأُمَّةِ، وَهُوَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ عُمَرُ بِتَأْكِيدِ "عِلْمِهِمْ".
(٣) أَقْسَامُ الِانْحِرَافِ عَنْ مَكَانَةِ السَّلَفِ:
الطَّرَفُ الأَوَّلُ (الرَّافِضَةُ): الَّذِينَ كَفَّرُوا الصَّحَابَةَ أَوْ فَسَّقُوهُمْ، وَهُمْ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ وَصِيَّةِ عُمَرَ.
الطَّرَفُ الثَّانِي (العَقْلَانِيُّونَ وَالمُتَكَلِّمُونَ): الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ السَّلَفَ سَلِيمُونَ وَلَكِنَّهُمْ بَسِيطُونَ (سُذَّجٌ)، وَأَنَّ "العَمِيقَ" هُوَ مَنْ خَاضَ فِي الكَلَامِ. عُمَرُ يَقُولُ لَهُمْ: بَلْ كَانُوا "أَقْوَى" عَلَى كَشْفِ الأُمُورِ لَكِنَّهُمْ تَرَكُوهَا لِلَّهِ.
(٤) نِكَاتٌ بَحْثِيَّةٌ فِي قَوْلِهِ (بِبَصَرٍ نَافِذٍ كَفَوْا):
البَصَرُ النَّافِذُ يَقْتَضِي رُؤْيَةَ المَآلَاتِ؛ فَالصَّحَابَةُ أَدْرَكُوا أَنَّ الخَوْضَ فِي مَسَائِلِ (القَدَرِ) أَوْ (ذَاتِ اللَّهِ) بِالعَقْلِ سَيُؤَدِّي إِلَى التَّنَاقُضِ، "فَكَفَوْا" النَّاسَ هَذَا الشَّرَّ بِوَضْعِ حُدُودِ الِاسْتِدْلَالِ بِالنَّصِّ.
(٥) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ:
حَدِيثُ الأَمَنَةِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (رَقَم: ٢٥٣١).
حَدِيثُ خَيْرِيَّةِ القُرُونِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (رَقَم: ٢٦٥٢) وَ مُسْلِمٌ (رَقَم: ٢٥٣٣).
حَدِيثُ الِاعْتِصَامِ: «فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَلَهُ شَوَاهِدُ فِي الصَّحِيحِ تُقَوِّيهِ).
»»»»»»»»»»»»»»»[٤٨]««««««««««««««««
[الوَجْهُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ]
الفَصْلُ الرَّابِعُ -
 المَبْحَثُ الثَّانِي:
 تَفْكِيكُ مَصْطَلَحَاتِ الِاعْتِدَالِ وَالنُّقُوصِ فِي المَنْهَجِ

١. المَتْنُ المَسْرُودُ لِلرِّسَالَةِ (نَصٌّ مُحَقَّقٌ بِنَظَرِ البَاحِثِ):
"فَمَنْ دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُمْ مُحْصَرٌ، وَقَدْ قَصَّرَ عَنْهُمْ قَوْمٌ فَجَفَوْا، وَطَمَحَ عَنْهُمْ آخَرُونَ فَغَلَوْا، وَإِنَّهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ".
٢.  (قلت): عند الوقف متأملاً في هذه الدرر العُمرية التي صاغها أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز؛ ليضع دستوراً فاصلاً بين "الاستقامة" و"الانحراف" , إنَّ هذا الوجه يمثل ذروة السنام في الفصل الرابع، حيث ننتقل من إثبات مكانة السلف إلى إثبات "وجوب الالتزام بحدود فهمهم".
قلت :  أنَّ قول عمر (فَمَنْ دُونَهُمْ مُقَصِّرٌ) هو إشارة دقيقة إلى أنَّ الحقَّ قد استقرَّ عند الصحابة والتابعين، فكلُّ مرتبةٍ تطلبُ الهدى في غير طريقهم فهي نازلةٌ عن كمال الحق. التقصيرُ هنا ليس مجرد ذنبٍ يُمحى بالاستغفار، بل هو "نقصٌ منهجي" يقدحُ في كمال الاعتقاد؛ فالمقصر هو الذي يرى أنَّ نصوص الوحي وآثار السلف هي مجرد "تاريخ" أو "بساطة فكرية" لا تجاري تعقيدات المتكلمين، وهذا لعمري هو عين الخذلان.
ثم  الانتقال إلى قوله (وَمَنْ فَوْقَهُمْ مُحْصَرٌ) 
قلت: هنا يكشف عن داء "الاستعلاء العلمي " فالمحصر هو الذي أراد أن يسبق السلف بعقله أو ورعه الكاذب، فاصطدم بجدار الحقيقة التي لا تُنال إلا بالاتباع.
 الحصرُ : هنا هو الانقطاع؛ فكل من رام تجاوز ما وقف عنده القوم في مسائل (القدر) و(الصفات) انقطع به الطريق، فصار يتخبط في ظلمات التكييف والتمثيل، أو التشدد في التكفير بغير أثر.
 قلت :(الهُدَى المُسْتَقِيمِ) 
أنَّ الاستقامة ليست نقطة في المنتصف بين حق وباطل
 بل هي "الصراط" الذي سلكه الصحابة
 وهو صراط ممتد لا يميل يمنة الغلو ولا يسرة الجفاء.
 إنَّ هذا الوجه يُبين للطلاب أنَّ الانحراف يبدأ بشعرة، ثم ينتهي بفرقة ضالة؛ فالمقصر يؤول، والمحصر يمثل، والسلفي يثبت ويسلم.

»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَشَرْحِ المُفْرَدَاتِ ]««««««««

(١) شَرْحُ مُفْرَدَاتِ المَتْنِ (لُغَةً وَاصْطِلَاحاً):
مُقَصِّرٌ: من (القصر) وهو النقصان، 
واصطلاحاً: هو من لم يبلغ رتبة الاتباع الواجبة، وقدم الرأي على الأثر.
مُحْصَرٌ: من (الحصر) وهو التضييق والمنع، والمحصر في الحج هو الممنوع من إتمامه، وهنا هو الممنوع من بلوغ الحق لتجاوزه حده.
جَفَوْا: من (الجفاء) وهو نقيض الصلة، وجفاء النص هو تركه والبعد عنه وإهمال دلالته.
طَمَحَ: من (الطموح) وهو الارتفاع والتطلع، والمقصود هنا "تجاوز الحد الشرعي" تطلعاً لآراء العقول.
غَلَوْا: من (الغلو) وهو مجاوزة الحد، (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم).
(٢) نِكَاتُ البَاحِثِ فِي المَنْهَجِ:
نكتة في "التقصير": ربط عمر التقصير بـ "الدون"، فدلَّ على أنَّ مرتبة السلف هي "العلو"، فكل من نزل عن فهمهم فقد سفل علمه.
نكتة في "الحصر": الحصر يوحي بالضيق، فمبتدع الغلو يعيش في ضيق وشك وتناقض، بينما صاحب السنة يعيش في سعة الوحي.
نكتة في "الطموح": استعمل عمر لفظ (طمح) ليشير إلى أنَّ الغلو غالباً ما يأتي من "غرور عقل" يظن نفسه قادراً على إدراك ما عجز عنه الأوائل.
(٣) الرَّدُّ العَقَدِيُّ عَلَى المُبْتَدِعَةِ:
ردٌّ على المعطلة (الجفاة): الذين قصروا في إثبات صفات الكمال لله تبارك وتعالى، فجفوا عن نصوص الكتاب والسنة.
ردٌّ على المشبهة (الغلاة): الذين حصروا عقولهم في عالم المادة، فغلوا في الإثبات حتى شبهوا الخالق بالمخلوق.
(٤) ضَابِطُ فَهْمِ الآثَارِ:
قلت : أنَّ الأثر يُفهم بلغة العرب التي نزل بها، وبمقتضى ما فهمه الصحابة الذين هم أحرص الناس على تنزيه الله وأعلمهم بمراده. فلا يجوز "تقصير" الأثر عن معناه الظاهر، ولا "حصر" الأثر في تكييف بشري.
(٥) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ المَنْهَجِيَّةِ (مِنَ الصَّحِيحَيْنِ حَصْراً):
الشاهد الأول: عَنْ حُذَيْفَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: «يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا، فَقَدْ سُبِقْتُمْ سَبْقاً بَعِيداً، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِيناً وَشِمَالاً لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالاً بَعِيداً» (البخاري: ٧٢٨٢). هذا "السبق" هو ميزان عُمر.
الشاهد الثاني: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعاً: «هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ» (مسلم: ٢٦٧٠). والتنطع هو الغلو الذي ذكره عُمر.
الشاهد الثالث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ» (البخاري: ٦٤٦٣).
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٤٩]««««««««««««««
[الوَجْهُ الخَمْسُونَ - تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّانِي]
أوَّلاً: تَقَارِيرُ أَعْلَامِ المَنْهَجِ فِي تَحْقِيقِ نَصِّ الرِّسَالَةِ
تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ):
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ وَضَعَ قَاعِدَةً لَا تَشِذُّ أَبَداً؛ فَالصَّحَابَةُ هُمْ نُقْطَةُ الِارْتِكَازِ، فَمَنْ نَزَلَ عَنْهُمْ فَهُوَ مَنْقُوصُ العِلْمِ مُقَصِّرٌ، وَمَنْ رَفَعَ نَفْسَهُ فَوْقَهُمْ فَهُوَ مَحْصُورٌ فِي بَدْعَتِهِ. وَيَرَى أَنَّ "الهُدَى المُسْتَقِيمِ" هُوَ مَحْضُ الِاتِّبَاعِ لَهُمْ فِي كُلِّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّضَا بِمَا رَضُوا بِهِ هُوَ مَحَكُّ الإِيمَانِ، وَأَنَّ كُلَّ خَيْرٍ فِي سَبِيلِهِمْ. (١)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللَّهُ):
يُوضِحُ الشَّيْخُ أَنَّ السَّلَفَ بِـ "بَصَرِهِمْ النَّافِذِ" قَدْ حَمَوْا حِمَى العَقِيدَةِ مِنَ الِانْحِرَافِ؛ فَمَنْ جَفَا عَنْ قَوْلِهِمْ ضَلَّ عَنِ الصِّرَاطِ، وَمَنْ غَلَا فِيهِمْ أَوْ فِي الأَقْوَالِ خَرَجَ عَنِ الِاعْتِدَالِ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ كَلَامَ عُمَرَ هُوَ "قَانُونُ الِاعْتِصَامِ" الَّذِي يَحْمِي القَلْبَ مِنَ الشُّبُهَاتِ الكَلَامِيَّةِ. وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِقَامةَ هِيَ التَّسْلِيمُ لِمَا وَقَفُوا عِنْدَهُ، فَهُمْ أَهْلُ العِلْمِ وَالخَشْيَةِ. (٢)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذَا النَّصَّ هُوَ الفَيْصَلُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الفُرْقَةِ؛ فَالجَفَاءُ وَالتَّقْصِيرُ هُوَ دَيْدَنُ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ أَوْ أَوَّلَهَا، وَالغُلُوُّ هُوَ طَرِيقُ مَنْ كَيَّفَهَا. وَيُؤَصِّلُ لِقَاعِدَةِ أَنَّ "الهُدَى" مَحْصُورٌ فِي مَدْرَسَةِ الصَّحَابَةِ الَّتِي جَمَعَتْ بَيْنَ الإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ. وَيَرَى أَنَّ كُلَّ طَامِحٍ لِغَيْرِ فَهْمِهِمْ هُوَ فِي الحَقِيقَةِ مَحْصُورٌ عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. (٣)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ السَّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):
يُحَلِّلُ الشَّيْخُ مَعْنَى "الطُّمُوحِ" الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ بِأَنَّهُ التَّطَلُّعُ لِإِدْرَاكِ مَا لَا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ، وَهُوَ سَبَبُ هَلَاكِ الفِرَقِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الرِّضَا بِفَهْمِ السَّلَفِ هُوَ عَيْنُ العَقْلِ وَكَمَالُ النَّقْلِ، لِأَنَّهُمْ (عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا). وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ تَقْتَضِي الحَذَرَ مِنَ التَّقْصِيرِ الجَافِي وَالغُلُوِّ الطَّامِحِ، لِيَبْقَى العَبْدُ عَلَى الجَادَّةِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا الصَّدْرُ الأَوَّلُ. (٤)

ثَانِيًا: بَيَانُ البَاحِثِ وَتَحْقِيقُ المَنَاطِ 

قُلْتُ مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ: إِنَّ تَتَبُّعِي لِمَثَارَاتِ الغَلَطِ فِي هَذَا البَابِ أَوْصَلَنِي إِلَى أَنَّ "البَصَرَ النَّافِذَ" الَّذِي وَصَفَ بِهِ عُمَرُ القَوْمَ هُوَ بَصَرٌ بِالمَقَاصِدِ وَالآثَارِ. 
وناظر المتأمل في سَبْرِ مَقَالَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ، فَوَجَدْتُ أَنَّ جَفَاءَهُمْ عَنِ الأَثَرِ كَانَ بِسَبَبِ 
١-"تَقْصِيرِهِمْ" فِي مَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ 
٢- وَمَرَامِي الصَّحَابَةِمن فهم وفقه ومعتقد
لِذَا قُلْتُ: مَنْ قَصُرَ عَنْ فَهْمِهِمْ، جَفَا عَنْ هَدْيِهِمْ.
وَحَقَّقْتُ أَيْضاً فِي مَعْنَى "الحَصْرِ"
فَفَعَلْتُ تَقْسِيماً بَيْنَ الحَصْرِ المَادِّيِّ وَالحَصْرِ العَقْلِيِّ؛ فَمَنْ طَمَحَ لِكَيْفِيَّةِ الصِّفَاتِ حَصَرَ نَفْسَهُ فِي سِجْنِ التَّشْبِيهِ.
قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ سِرُّ قَوْلِ عُمَرَ (وَمَنْ فَوْقَهُمْ مُحْصَرٌ)؛ إِذِ الغُلُوُّ لَا يُورِثُ إِلَّا الضِّيقَ وَالتَّخَبُّطَ. 
وَقَدْ خَرَجْتُ فِي بَحْثِي هَذَا بِنَتِيجَةٍ مَفَادُهَا: أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ العَقَدِيَّةَ هِيَ "الثَّبَاتُ عَلَى مَا تَرَكَهُ الأَوَائِلُ"، فَمَا لَمْ يَبْسُطُوا فِيهِ القَوْلَ، فَبَسْطُ القَوْلِ فِيهِ تَنَطُّعٌ وَهَلَكَةٌ.
««««««««««[حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ وَالمَصَادِرِ]»»»»»»»»»
(١) ابن عثيمين، محمد بن صالح: شرح القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى، ط١، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ص: ١٤٢-١٤٥.
(٢) آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز: شرح العقيدة الطحاوية (مفرغ من الدروس العلمية)، المجلد الأول، ص: ٢١٠-٢١٢.
(٣) التميمي، محمد بن خليفة: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، دار إيلاف الدولية، ص: ٨٨-٩٢.
(٤) السندي، صالح بن عبد العزيز: شرح رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر (مخطوط وبرامج علمية)، الدرس الثالث، ص: ١٥.
(٥) شرح المفردات: انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (حصر)، (طمح)، (جفا). وانظر: الفراهيدي، العين، مادة (قصر).
»»»»»»»»»»»»»»»»[٥١]««««««««««««««««
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: (وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي)
كَمَالُ البَيَانِ السَّلَفِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ
١. بَيَانُ مَعْنَى مُفْرَدَاتِ النَّصِّ (تَقْرِيرُ البَاحِثِ):
قُلْتُ مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ: إِنَّ الوُقُوفَ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ (وَلَقَدْ وَصَفُوا مِنْهُ مَا يَكْفِي) جَعَلَنِي أَجْزِمُ بِأَنَّ مَنْ طَلَبَ هُدًى بَعْدَ بَيَانِهِمْ فَقَدْ أَتَى شَيْئاً إِدّاً. فَعَلْتُ جُهْدِي فِي سَبْرِ لُغَةِ هَذَا الأَثَرِ، فَوَجَدْتُ أَنَّ (الوَصْفَ) هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ، بَلْ هُوَ "تَصْوِيرٌ لِلحَقَائِقِ العَقَدِيَّةِ" بِمَا يَنْفِي عَنْهَا الجَهَالَةَ. حَقَّقْتُ فِي مَعْنَى (الكَفَايَةِ)، فَقُلْتُ: هِيَ الِاسْتِغْنَاءُ بِالمَوْجُودِ عَنِ المَفْقُودِ، أَيْ أَنَّ مَا نَقَلَهُ الصَّحَابَةُ فِي بَابِ القَدَرِ وَالصِّفَاتِ قَدْ سَدَّ جَمِيعَ مَنَافِذِ الحَاجَةِ البَشَرِيَّةِ لِلمَعْرِفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا لِلْمُتَكَلِّمِينَ بَعْدَهُمْ مَوْضِعَ إِصْبَعٍ يَزِيدُونَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ سِرُّ البَرَكَةِ فِي قَلِيلِ كَلَامِهِمْ، إِذْ هُوَ بَيَانٌ (يَشْفِي) مِنَ الحَيْرَةِ وَيَقْطَعُ دَابِرَ الشَّكِّ، فَفَعَلْتُ هَذَا التَّأْصِيلَ لِيَعْلَمَ الطَّالِبُ أَنَّ كَمَالَ الدِّينِ فِي كَمَالِ بَيَانِ السَّلَفِ.
٢. كَمَالُ البَيَانِ السَّلَفِيِّ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ (تَقَارِيرُ الأَعْلَامِ):
تَقْرِيرُ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ): "إنَّ السلف وصفوا من الحق ما يكفي الأمة، لأنهم ورثوا العلم من نبيهم ﷺ الذي لم يترك خيراً إلا ودلَّ الأمة عليه، فما وصفوه من صفات الرب هو الغاية في البيان والوضوح، فمن زعم الحاجة لألفاظ الخلف فقد زعم نقصاً في بيان السلف". (١)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "كمال البيان عند الصحابة نابع من كمال عقولهم ولسانهم، فكلماتهم في العقيدة (كافية) لأنها وافقت الحق في نفس الأمر، و(شافية) لأنها أزالت كل لَبْسٍ، فمن اعتصم ببيانهم لم يضطرب عند ورود الشبهات". (٢)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "إنَّ الاكتفاء بالوصف السلفي هو مقتضى التسليم للوحي، فالسلف تكلموا بما يشفي الصدور في أدق مسائل القدر، وما سكتوا عنه كان سكوتهم فيه كفاية وشافياً للمكلف، لأنَّ الخوض فيما لم يصفوه هو بوابة البدعة". (٣)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ د. صَالِحِ السَّنْدِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "قاعدة عمر (وصفوا منه ما يكفي) تعني أنَّ الحقيقة العقدية قد استقرت كمالاً وتماماً، فالبحث عما وراء وصفهم هو تكلف مذموم، فما لم يشفك بَيانهم فلا شفاك الله، لأنَّ بيانهم هو ميزان الحق والباطل". (٤)
»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ ]«««««««««««««
(١) ابن عثيمين، محمد بن صالح: شرح الفتوى الحموية الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط١، دار العقيدة، الإسكندرية، ١٤٢٥هـ، ص: ٦٥-٦٨.
(٢) آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز: شرح العقيدة الواسطية، ط١، دار التوحيد، الرياض، ١٤٢٤هـ، ج١، ص: ١٩٢.
(٣) التميمي، محمد بن خليفة: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، ط٢، مكتبة الرشد، ١٤٢٣هـ، ص: ١٠٤-١٠٧.
(٤) السندي، صالح بن عبد العزيز: شرح رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر (تفريغ دروس)، الدرس الرابع، ص: ١٢.
(٥) قُلْتُ (تَقْرِيرُ مَسْأَلَةٍ): إِنَّ الكَفَايَةَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ طَرْدِيَّةٌ؛ فَمَنْ كَانَ أَعْلَمَ بِالآثَارِ كَانَ بَيَانُهُ لِلنَّاسِ أَشْفَى وَأَكْفَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْهَا وَقَعَ فِي عِيِّ اللِّسَانِ وَحَيْرَةِ الجَنَانِ.
(٦) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: حَدِيثُ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا» (أخرجه ابن ماجه رقم: ٤٣، وحققتُ صحته بشواهده). هَذَا الشَّاهِدُ هُوَ رُوحُ "الكَفَايَةِ" المَذْكُورَةِ فِي الأَثَرِ.
(٧) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ فِعْلَ (وَصَفُوا) دُونَ (قَالُوا) لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ كَلَامَهُمْ يَنْقُلُ صُورَةَ الحَقِيقَةِ لِلْقَلْبِ كَأَنَّهُ يَرَاهَا رَأْيَ العَيْنِ، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا لِأَهْلِ الصِّدْقِ.
(٨) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: كُلُّ لَفْظٍ فِي العَقِيدَةِ يُخَالِفُ أَوْ يُزَايِدُ عَلَى "وَصْفِ" السَّلَفِ، فَهُوَ لَفْظٌ قَاصِرٌ لَا يَكْفِي، وَدَاءٌ لَا يَشْفِي، فَالِاعْتِصَامُ بِأَلْفَاظِهِمْ دِيَانَةٌ.
(٩) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (يَشْفِي) مِنَ الشِّفَاءِ وَهُوَ بُرْءُ العَلِيلِ؛ وَالحَيْرَةُ فِي القَدَرِ أَعْظَمُ العِلَلِ، وَبَيَانُ السَّلَفِ فِيهِ هُوَ التِّرْيَاقُ الشَّافِي.
(١٠) تَوْثِيقُ المَوْضِعِ: رسالة عمر بن عبد العزيز، انظر: ابن بطة، الإبانة الكبرى، ج٢، ص: ٤٥٨، والآجري، الشريعة، ج١، ص: ٤٣٥.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٢]«««««««««««««««
الفَصْلُ الخَامِسُ: قَضَايَا الإِيمَانِ عِنْدَ السَّلَفِ الصَّالِحِ
١. نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقاً وَمُشَكَّلاً):
"إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُوداً وَسُنَناً، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ".
٢. بَيَانُ البَاحِثِ وَتَقْرِيرُ المَسْأَلَةِ :
قُلْتُ  مُسْتَعِيناً بِاللَّه:: حِينَ شَرَعْتُ فِي دِرَاسَةِ هَذَا المَبْحَثِ، وَجَدْتُ أَنَّ كَلَامَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ يُمَثِّلُ الرَّدَّ القَاصِمَ عَلَى مَذَاهِبِ الإِرْجَاءِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي زَمَانِهِ. 
فَعَلْتُ جُهْدِي فِي تَرْكِيبِ هَذِهِ الجُمَلِ العَقَدِيَّةِ، فَاسْتَبَانَ لِي أَنَّ الإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ لَيْسَ جَوْهَراً وَاحِداً لَا يَتَجَزَّأُ، بَلْ هُوُ "بِنَاءٌ مُتَكَامِلٌ" ذُو شُعَبٍ وَأَرْكَانٍ. 
حَقَّقْتُ فِي قَوْلِهِ (فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)
 فَقُلْتُ: هَذَا تَصْرِيحٌ بِقَابِلِيَّةِ الإِيمَانِ لِلزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَهُوَ مَحَارُ المَعْرِكَةِ مَعَ المُرْجِئَةِ وَالخَوَارِجِ عَلَى السَّوَاءِ.
نَظَرْتُ فِي تَوْصِيفِهِ لِلإِيمَانِ بِأَنَّ لَهُ (فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ) 
قلت:تَنْبِيهاً أَنَّ العَمَلَ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الإِيمَانِ جُزْءاً لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ. 
وقُلْتُ: وَهَذَا هُوَ سِرُّ البَرَكَةِ فِي فَهْمِ السَّلَفِ؛ إِذْ رَبَطُوا بَيْنَ عَقْدِ القَلْبِ وَنُطْقِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الأَرْكَانِ. 
وَقَدْ خَرَجْتُ فِي هَذَا الوَجْهِ بِتَأْصِيلٍ مُهِمٍّ؛ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَوْقَفَ الإِيمَانَ عَلَى التَّصْدِيقِ فَقَدْ جَفَا عَنْ هَدْيِ عُمَرَ، وَمَنْ جَعَلَ الذَّنْبَ مُخْرِجاً لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ غَلَا وَطَمَحَ. لِذَا، حَقَّقْتُ أَنَّ "الِاسْتِكْمَالَ" الَّذِي ذَكَرَهُ عُمَرُ هُوَ رُوحُ التَّكْلِيفِ وَغَايَةُ المُؤْمِنِ.
»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالتَّأْصِيلِ العَقَدِيِّ]«««««««
(١) قَضَايَا: جَمْعُ قَضِيَّةٍ، وَمِنْ نَاحِيَةِ التَّحْدِيدِ هِيَ المَسَائِلُ الكُبْرَى الَّتِي يُحْكَمُ فِيهَا بِاليَقِينِ. وَقَدْ حَقَّقْتُ أَنَّ قَضَايَا الإِيمَانِ هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ فِي هَذَا الفَصْلِ.
(٢) الإِيمَانُ: لُغَةً: مِنَ الأَمْنِ وَالتَّصْدِيقِ (آمَنَ لَهُ). وَفِي الِاشْتِقَاقِ: هُوَ التَّصْدِيقُ المُقْتَرِنُ بِالأَمَانِ وَالِانْقِيَادِ. أَمَّا الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: "قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالعِصْيَانِ".
(٣) فَرَائِضُ: جَمْعُ فَرِيضَةٍ، مِنَ الفَرْضِ وَهُوَ القَطْعُ وَالتَّقْدِيرُ. وَهِيَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ قَطْعاً عَلَى العِبَادِ. وَقَدْ جَعَلَهَا عُمَرُ مِنْ أَجْزَاءِ الإِيمَانِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ تَرْكَهَا نَقْصٌ فِيهِ.
(٤) شَرَائِعُ: جَمْعُ شَرِيعَةٍ، وَهِيَ المَوْرِدُ وَالطَّرِيقُ الظَّاهِرُ. وَتُطْلَقُ عَلَى جُمْلَةِ التَّكَالِيفِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا المُؤْمِنُ.
(٥) قُلْتُ (تَقْرِيرُ مَسْأَلَةٍ): إِنَّ اسْتِعْمَالَ عُمَرَ لِلَفْظِ (الِاسْتِكْمَالِ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلإِيمَانِ أَصْلًا وَكَمَالًا (وَاجِبًا وَمُسْتَحَبًّا)، وَهُوَ تَقْسِيمٌ يُزِيلُ كُلَّ شُبُهَاتِ المُرْجِئَةِ.
(٦) الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]؛ وَهَذَا هُوَ نَصُّ الِاسْتِكْمَالِ.
(٧) الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ (الصَّحِيحَانِ): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (رواه البخاري رقم: ٩، ومسلم رقم: ٣٥).
(٨) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: البخاري، صحيح البخاري، كتاب الإيمان، ج١، ص: ٨. وانظر: ابن تيمية، كتاب الإيمان، ط٥، المكتب الإسلامي، ص: ١٨٥-١٩٠.
(٩) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: أَدْخَلَ البُخَارِيُّ أَثَرَ عُمَرَ هَذَا فِي صَدْرِ "كِتَابِ الإِيمَانِ" لِيَكُونَ عُنْوَاناً لِمَذْهَبِ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي دُخُولِ العَمَلِ فِي الإِيمَانِ.
(١٠) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: الإِيمَانُ كُلٌّ مُرَكَّبٌ؛ مَنْ ذَهَبَ بَعْضُهُ بَقِيَ بَعْضُهُ، إِلَّا أَنْ يَذْهَبَ أَصْلُهُ (التَّوْحِيدُ)، فَهَذَا ضَابِطُ الِاعْتِدَالِ بَيْنَ الوَعِيدِيَّةِ وَالمُرْجِئَةِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٣]««««««««««««««««««
تَتِمَّةُ الفَصْلِ الخَامِسِ: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِمَسَائِلِ الإِيمَانِ وَمَذَاهِبِ الفِرَقِ
١. بَيَانِي وَتَحْقِيقِي فِي كَمَالِ الإِيمَانِ (بِلِسَانِ البَاحِثِ):
قُلْتُ مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ: إِنَّ تَقْسِيمَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِلإِيمَانِ إِلَى فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ يَقْتَضِي فَهْمَ "تَرْكِيبِ الإِيمَانِ" عِنْدَ السَّلَفِ. فَقلت: فِي تَتَبُّعِ آثَارِ الصَّدْرِ الأَوَّلِ، فَأَلْفَيْتُهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ شَيْئاً وَاحِداً بَسِيطاً بَلْ هُوَ "مُرَكَّبٌ" مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ. حَقَّقْتُ فِي قَوْلِهِ (فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ)، وقُلْتُ: هَذِهِ القَاعِدَةُ تَنْقُضُ أَصْلَ المُرْجِئَةِ القَائِلِ بِأَنَّ الإِيمَانَ لَا يَتَبَعَّضُ. لِذَا، فَعَلْتُ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ لِأُبَيِّنَ لِلْطَّالِبِ أَنَّ العَمَلَ لَيْسَ ثَمَرَةً خَارِجَةً عَنِ الإِيمَانِ كَمَا زَعَمَتِ الفِرَقُ، بَلْ هُوَ مِنَ الإِيمَانِ فِي ذَاتِهِ.
٢. تَقَارِيرُ الأَعْلَامِ فِي تَقْرِيرِ نُصُوصِ الإِيمَانِ:
نَصُّ تَقْرِيرِ الإِمَامِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (رَحِمَهُ اللَّهُ): "قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي الإِيمَانِ هُوَ الوسطُ بَيْنَ الفِرَقِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، لَا يَجْزِي وَاحِدٌ مِنْهَا إِلَّا بِالآخَرِ. وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ عَلَى زِيَادَةِ الإِيمَانِ بِالطَّاعَةِ، وَمِنْ لَازِمِ ذَلِكَ نُقْصَانُهُ بِالمَعْصِيَةِ، فَإِذَا ذَهَبَ العَمَلُ نَقَصَ الإِيمَانُ بِقَدْرِهِ، وَإِذَا ذَهَبَ التَّصْدِيقُ ذَهَبَ الإِيمَانُ كُلُّهُ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ". (١)
نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "الإِيمَانُ عِنْدَ السَّلَفِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَالأَعْمَالُ فِيهِ دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّاهُ، فَهِيَ بَعْضُهُ وَجُزْءٌ مِنْهُ، وَلَيْسَتْ شَرْطَ كَمَالٍ فَقَطْ كَمَا يَدَّعِي بَعْضُهُمْ، بَلْ هِيَ مِنَ المَاهِيَّةِ. وَأَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ صَرِيحٌ فِي هَذَا، حَيْثُ جَعَلَ لِلإِيمَانِ شَرَائِعَ وَحُدُوداً، وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ تَرَكَ جُزْءاً مِنَ الإِيمَانِ، فَلَمْ يَسْتَكْمِلْهُ، وَهَذَا يَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُرْجِئٍ". (٢)
نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "الخِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالمُرْجِئَةِ لَيْسَ خِلَافاً لَفْظِيّاً كَمَا يَتَوَهَّمُ البَعْضُ، بَلْ هُوَ خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ يَنْبَنِي عَلَيْهِ دُخُولُ العَمَلِ فِي حَقِيقَةِ الدِّينِ. فَمُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ أَخْرَجُوا العَمَلَ عَنِ المُسَمَّى وَجَعَلُوهُ ثَمَرَةً، وَهَذَا خِلَافُ مَا نَطَقَ بِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ جَعَلَ الفَرَائِضَ هِيَ نَفْسُ الإِيمَانِ، فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا هِيَ مَحْضُ مَذْهَبِ السَّلَفِ". (٣)
نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ د. صَالِحِ السَّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللَّهُ): "مَنْ تَدَبَّرَ قَوْلَ عُمَرَ (وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ) عَرَفَ أَنَّ الإِيمَانَ يَتَبَعَّضُ وَيَتَجَزَّأُ، وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ الجَهْمِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِيمَانَ شَيْءٌ وَاحِدٌ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ. فَالإِيمَانُ ذُو شُعَبٍ، وَكُلُّ شُعْبَةٍ مِنْهُ تُسَمَّى إِيمَاناً، وَبِهَذَا تَتَّفِقُ النُّصُوصُ وَتَنْقَطِعُ شُبُهَاتُ الفِرَقِ الضَّالَّةِ". (٤)
٣. فِرَقُ الضَّلَالِ فِي بَابِ الإِيمَانِ (تَحْقِيقِي وَتَقْسِيمِي):
فِرْقَةُ الجَهْمِيَّةِ الغُلَاةِ: قُلْتُ: هُمْ قَوْمٌ طَمَحُوا عَنِ النَّصِّ حَتَّى جَعَلُوا الإِيمَانَ مُجَرَّدَ "المَعْرِفَةِ" بِالقَلْبِ. فَعَلْتُ تَنْبِيهاً أَنَّ هَذَا القَوْلَ يَلْزَمُ مِنْهُ إِيمَانُ إِبْلِيسَ وَفِرْعَوْنَ. (٥)
مُرْجِئَةُ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ: حَقَّقْتُ مَذْهَبَهُمْ فَوَجَدْتُهُمْ جَعَلُوا الإِيمَانَ هُوَ "التَّصْدِيقَ" فَقَطْ، وَأَخْرَجُوا أَعْمَالَ الجَوَارِحِ عَنِ المُسَمَّى. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلٌ مُحْدَثٌ يُخَالِفُ صَرِيحَ قَوْلِ عُمَرَ (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ). (٦)
مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ: وَهُمْ مَدْرَسَةُ الكُوفَةِ؛ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ. قُلْتُ: هَؤُلَاءِ أَخْرَجُوا العَمَلَ عَنِ المُسَمَّى لَكِنَّهُمْ أَوْجَبُوهُ، فَكَانَ خِلَافُهُمْ مَعَ السَّلَفِ فِي (الِاسْمِ) لَا فِي (الحُكْمِ)، لَكِنَّ قَوْلَهُمْ فَتَحَ البَابَ لِلْغُلَاةِ. (٧)

»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ ]«««««««««««

(١) ابن عثيمين، محمد بن صالح: شرح العقيدة الواسطية، ط١، دار ابن الجوزي، ج١، ص: ٣٨٥-٣٨٩.
(٢) آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز: شرح العقيدة الطحاوية، المكتبة التوفيقية، ج٢، ص: ٤٤٢-٤٤٥.
(٣) التميمي، محمد بن خليفة: كتاب الإيمان عند السلف وعلاقته بالعمل، ط١، دار إيلاف، ص: ١٥٦.
(٤) السندي، صالح بن عبد العزيز: شرح رسالة عمر بن عبد العزيز في القدر، الدرس الخامس، ص: ٢٠.
(٥) الجَهْمِيَّةُ: أَتْبَاعُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: ١٢٨هـ)، قَالُوا بِالتَّعْطِيلِ وَالإِرْجَاءِ الغَالِي. انظر: الدارمي، الرد على الجهمية، ص: ٧٦.
(٦) الأَشَاعِرَةُ: أَتْبَاعُ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ، وَيَقُولُونَ الإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ. انظر: الجويني، الإرشاد، ص: ٣٩٧.
(٧) مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ: قَالُوا: الإِيمَانُ قَوْلٌ وَتَصْدِيقٌ وَالعَمَلُ لَيْسَ مِنْهُ. انظر: أَبُو حَنِيفَةَ، الفقه الأكبر، ص: ٤٢؛ وَابْنُ أَبِي العِزِّ، شرح الطحاوية، ج٢، ص: ٤٦٢ (تحقيق الألباني). وَتَحْتَهُمْ: أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ (ت: ١٨٢هـ)، وَمُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (ت: ١٨٩هـ).
(٨) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ عَمَلٍ فَرِيضَةٌ فَهُوَ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ". مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ).

(٩) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ عِنْدَ التَّعَارُضِ". فَلَا يُحْصَرُ الإِيمَانُ فِي التَّصْدِيقِ اللُّغَوِيِّ.

(١٠) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "الإِيمَانُ يَتَبَعَّضُ ذَاتاً وَحُكْماً"؛ خِلَافاً لِقَوْلِ المُرْجِئَةِ: "الإِيمَانُ لَا يَتَبَعَّضُ".

(١١) قُلْتُ (تَقْرِيرُ مَسْأَلَةٍ): إِنَّ مَنْ جَعَلَ الإِيمَانَ مُجَرَّدَ قَوْلٍ وَتَصْدِيقٍ فَقَدْ جَعَلَ أَفْجَرَ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ سَوَاءً فِي أَصْلِ الإِيمَانِ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ عَقْلًا وَنَقْلًا.

(١٢) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: حَدِيثُ: «لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» (البخاري رقم: ٢٤٧٥، ومسلم رقم: ٥٧).
 هَذَا نَصٌّ فِي نُقْصَانِ الإِيمَانِ بِتَرْكِ بَعْضِ حُدُودِهِ.
(١٣) تَرْجَمَةُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ: (ت: ١٢٠هـ)، فَقِيهُ الكُوفَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِالإِرْجَاءِ فِيهَا. انظر: ابن سعد، الطبقات، ج٦، ص: ٣٣٢.
(١٤) تَوْثِيقُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: "الإِيمَانُ هُوَ الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالتَّصْدِيقُ بِالجَنَانِ، وَلَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ". العقيدة الطحاوية بنصها وموافقة أبي حنيفة لها.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٤]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الخَامِسُ وَالخَمْسُونَ]
التَّتِمَّةُ الثَّانِيَةُ: نَقْضُ مَقَالَةِ غُلَاةِ المُرْجِئَةِ
 (الجَهْمِيَّةِ القَائِلِينَ بِالمَعْرِفَةِ)
١. بَيَانُ مَذْهَبِ الجَهْمِيَّةِ فِي الإِيمَانِ وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ:
قُلْتُ مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ: إِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ تَحْرِيرُهُ فِي هَذَا المَقَامِ هُوَ جِنَايَةُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ عَلَى مُسَمَّى الإِيمَانِ، حَيْثُ نَزَعَ عَنْهُ مَعَانِيَ الِانْقِيَادِ وَالعَمَلِ وَحَتَّى قَوْلَ اللِّسَانِ، وَحَصَرَهُ فِي "مَعْرِفَةِ القَلْبِ" فَقَطْ.
 فَقلْتُ :  لابد من كَشْفِ هَذَا العَوَارِ، فَوَجَدْتُ أَنَّ الجَهْمِيَّ يَرَى أَنَّ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ سَبَّهُ بِلِسَانِهِ أَوْ كَفَرَ بِجَوَارِحِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الإِيمَانِ! وَهَذَا لَعَمْرِي أَبْطَلُ البَاطِلِ. 
قلت إأَنَّ هَذَا القَوْلَ هُوَ رَأْسُ جَمِيعِ ضَلَالَاتِ الإِرْجَاءِ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ إِيمَانَ آحَادِ الأُمَّةِ كَإِيمَانِ الأَنْبِيَاءِ، بَلْ وَيُلْزِمُهُ دُخُولُ إِبْلِيسَ فِي حَظِيرَةِ الإِيمَانِ لِأَنَّهُ "عَارِفٌ" بِرَبِّهِ يَقِيناً.

٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ :
قُلْتُ: الإِيمَانُ فِي الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ، وَالجَهْمِيَّةُ حَوَّلُوهُ إِلَى حَقِيقَةٍ بَسِيطَةٍ (المَعْرِفَةُ).

 فَقلْتُ  لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ يكون مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَقَدِيَّةٍ:

١- الوَجْهُ الأَوَّلُ: أَنَّ المَعْرِفَةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ وَلَيْسَتْ كُلَّ الإِيمَانِ؛ فَالإِيمَانُ يَتَضَمَّنُ (المَعْرِفَةَ، وَالتَّصْدِيقَ، وَالِانْقِيَادَ، وَالقَبُولَ)، فَمَنْ جَاءَ بِالمَعْرِفَةِ وَتَرَكَ الِانْقِيَادَ فَهُوَ مُسْتَكْبِرٌ كَافِرٌ.

٢-الوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الجَهْمِيَّةَ نَفَوْا "قَوْلَ اللِّسَانِ" عَنْ مَاهِيَّةِ الإِيمَانِ، وَهَذَا يُبْطِلُ مَعْنَى (الشَّهَادَتَيْنِ) الَّتِي هِيَ مِفْتَاحُ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ حِسّاً وَشَرْعاً.

٣-الوجه الثَّالِثُ: أَنَّ مَذْهَبَهُمْ يُلْغِي الِاسْتِثْنَاءَ فِي الإِيمَانِ وَيُلْغِي الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، لِأَنَّ المَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ لَا تَقْبَلُ التَّفَاضُلَ، وَهَذَا مُصَادِمٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ.

٣. الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ (الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ):
مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ قَوْمِ مُوسَى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ [النمل: ١٤]
 قُلْتُ: فَهُمُ اسْتَيْقَنُوا (عَرَفُوا)، 
وَمَعَ ذَلِكَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ جَاحِدِينَ كَافِرِينَ، فَبَطَلَ قَوْلُ الجَهْمِ أَنَّ المَعْرِفَةَ وَحْدَهَا كَافِيَةٌ.

مِنَ السُّنَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ (فِي الصَّحِيحَيْنِ): «آَمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ...»؛ فَعَلْتُ اسْتِنْبَاطاً أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ (الشَّهَادَةَ وَالعَمَلَ) هِيَ نَفْسُ الإِيمَانِ، وَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى "المَعْرِفَةِ".

٤. الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ المَحْضُ:

قُلْتُ: العَقْلُ السَّلِيمُ يَقْضِي أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ طَرِيقَ النَّجَاةِ وَلَا يَسْلُكُهُ عِنَاداً، فَمَعْرِفَتُهُ لَا تُنْجِيهِ مَنْ تَبِعَاتِ الهَلَاكِ. كَذَلِكَ فِي الإِيمَانِ؛ المَعْرِفَةُ بِوُجُودِ اللَّهِ وَصِدْقِ رَسُولِهِ دُونَ خُضُوعٍ أَوْ عَمَلٍ هِيَ "حُجَّةٌ عَلَى العَبْدِ" لَا "حُجَّةٌ لَهُ"، وَهَذَا يَسْحَقُ بِنَاءَ الجَهْمِيَّةِ العَقْلِيَّ سَحْقاً.

٥. أَقْوَالُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ فِي الرَّدِّ عَلَى المَعْرِفَةِ الجَهْمِيَّةِ:
الإِمَامُ وَكِيعُ بْنُ الجَرَّاحِ (ت: ١٩٧هـ): "الجَهْمِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَعْرِفَةُ تُجْزِئُ عَنِ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَهَذَا كُفْرٌ". (٧)
الإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ (ت: ٢٢٤هـ): "نَظَرْتُ فِي مَقَالَاتِ النَّاسِ فَلَمْ أَجَدْ أَخَسَّ قَوْلاً مِمَّنْ قَالَ الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ فَقَطْ". (٨)
الإِمَامُ ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ (ت: ٢٧٦هـ): "الجَهْمِيَّةُ زَعَمُوا أَنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ بِقَلْبِهِ فَهِيَ غَايَةُ الإِيمَانِ، وَهَذَا هَدْمٌ لِلشَّرَائِعِ". (٩)
الإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ العُكْبَرِيُّ (ت: ٣٨٧هـ): "مَنْ زَعَمَ أَنَّ المَعْرِفَةَ هِيَ الإِيمَانُ فَقَدْ جَحَدَ القُرْآنَ وَكَذَّبَ الرُّسُلَ". (١٠)
الإِمَامُ ابْنُ مَنْدَه (ت: ٣٩٥هـ): "أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ مَنْ قَالَ الإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ فَقَدْ خَالَفَ نَصَّ الكِتَابِ وَجَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ". (١١)

»»»[حَاشِيَةُ السَّلْسَلَةِ السَّوْدَاءِ وَتَرَاجِمِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ]«««

(١) الجَهْمِيَّةُ (أَهْلُ المَعْرِفَةِ): فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ إِلَى الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، ظَهَرَتْ فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ. 
مَعْتَقَدُهُمْ فِي الإِيمَانِ: أَنَّهُ مَعْرِفَةُ القَلْبِ فَقَطْ، وَمَنْ جَهِلَ رَبَّهُ فَهُوَ كَافِرٌ، وَلَا يَضُرُّ مَعَ المَعْرِفَةِ مَعْصِيَةٌ.
(٢) الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (رَأْسُ الفِتْنَةِ): (ت: ١٢٨هـ)، وُلِدَ فِي تِرْمِذَ، كَانَ صَاحِبَ خُصُومَاتٍ وَجَدَلٍ، نَفَى الصِّفَاتِ وَقَالَ بِخَلْقِ القُرْآنِ وَالجَبْرِ. 
قَتَلَهُ سَلَمُ بْنُ أَحْوَزَ بِمَرْوَ صَبْراً لِعَظِيمِ كُفْرِهِ.
(٣) الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ (المُعَلِّمُ الأَوَّلُ): (ذُبِحَ: ١٢٤هـ)، أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِبِدْعَةِ تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ فِي الإِسْلَامِ. ضَحَّى بِهِ خَالِدٌ القَسْرِيُّ فِي وَاسِطَ يَوْمَ عِيدِ الأَضْحَى.
(٤) السَّلْسَلَةُ السَّوْدَاءِ لِلْبِدْعَةِ: الجَهْمُ أَخَذَ عَنِ الجَعْدِ، وَالجَعْدُ أَخَذَ عَنْ أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ (قُتِلَ: ١١٩هـ)، وَأَبَانُ أَخَذَ عَنْ طَالُوتَ بْنِ الأَعْصَمِ، وَطَالُوتُ أَخَذَ عَنْ لَبِيدِ بْنِ الأَعْصَمِ اليَهُودِيِّ (السَّاحِرِ)، وَلَبِيدٌ كَانَ يَقُولُ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ وَيَسْتَقِي مِنْ صَابِئَةِ حَرَّانَ الفَلَاسِفَةِ. 
هَذِهِ السَّلسَلَةُ تَرُدُّ أُصُولَ الإِرْجَاءِ وَالتَّعْطِيلِ إِلَى مَنَابِعَ يَهُودِيَّةٍ صَابِئِيَّةٍ.

(٥) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "المَعْرِفَةُ أَصْلُ الإِيمَانِ وَلَيْسَتْ كُلَّهُ"؛ فَالإِيمَانُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِقَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ.

(٦) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "كُلُّ مُقِرٍّ بِاللَّهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ حَتَّى يَنْقَادَ"؛ فَقَدْ أَقَرَّ إِبْلِيسُ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) وَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ.

(٧) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: (٧) عبد الله بن أحمد، السنة، ج١، ص: ٣١٠. (٨) أبو عبيد، كتاب الإيمان، ص: ١٨. (٩) ابن قتيبة، تأويل مختلف الحديث، ص: ٦٨. (١٠) ابن بطة، الإبانة الكبرى، ج٢، ص: ٨١٠. (١١) ابن منده، كتاب الإيمان، ج١، ص: ٣٣٠.
(١٢) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: حَدِيثُ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» (مسلم رقم: ٢٦)
 قُلْتُ: هَذَا العِلْمُ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ العِلْمُ المُقْتَرِنُ بِاليَقِينِ وَالقَبُولِ، لَا مُجَرَّدَ مَعْرِفَةِ الجَهْمِ.
(١٣) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: كَانَ الجَهْمُ يَقُولُ بِمَا يَقُولُهُ الصَّابِئَةُ فِي "القُوَّةِ المُدَبِّرَةِ"، فَلِذَلِكَ جَعَلَ الإِيمَانَ فِعْلاً ذِهْنِيّاً مَحْضاً (مَعْرِفَةً)، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ مَدْلُولِ الشَّرِيعَةِ.
(١٤) فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ لِلإِيمَانِ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ هَدَمُوا "الشَّرْطَ وَالرُّكْنَ"، فَلَا عَمَلَ وَلَا نُطْقَ.
»»»»»»»»»»»»»»»[٥٥]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّادِسُ وَالخَمْسُونَ]
التَّتِمَّةُ الثَّالثَةُ: نَقْضُ مَقَالَةِ المُرْجِئَةِ 
(الكرَّامية القائلينَ بِقَوْلِ اللِّسَانِ)
١. بَيَانُ مَذْهَبِ الكَرَّامِيَّةِ فِي الإِيمَانِ وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ:
قُلْتُ مُسْتَعِيناً بِاللَّهِ: بَعْدَ أَنْ فَرَغْتُ مِنْ نَقْضِ مَذْهَبِ الجَهْمِيَّةِ القَائِلِينَ (بِالمَعْرِفَةِ)،
انتقلت لِمَقَالَةِ (مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ) وَأَتْبَاعِهِ، الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ "إِقْرَارُ اللِّسَانِ فَقَطْ" دُونَ عَقْدِ القَلْبِ أَوْ عَمَلِ الجَوَارِحِ. 
 قلت :فَوَجَدْتُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ المُنَافِقَ (مُؤْمِناً كَامِلَ الإِيمَانِ فِي الدُّنْيَا) لِأَنَّهُ نَطَقَ بِاللِّسَانِ، وَإِنْ كَانَ مُخَلَّداً فِي النَّارِ فِي الآخِرَةِ! حَقَّقْتُ فِي هَذَا التَّنَاقُضِ، 
فَقُلْتُ: هَذَا تَفْرِيقٌ بَيْنَ حَقِيقَةِ الإِيمَانِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَحْكَامِهِ الأُخْرَوِيَّةِ، 
وَهُوَ بَدْعَةٌ لَمْ يُسْبَقُوا إِلَيْهَا، تَهْدِمُ جَوْهَرَ الإِخْلَاصِ.

٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الكَرَّامِيَّةِ :

الرَّدُّ بِحَقِيقَةِ التَّلَازُمِ:  إِنَّ قَوْلَ اللِّسَانِ مَعَ خَرَابِ القَلْبِ لَا يُسَمَّى إِيمَاناً فِي لُغَةِ العَرَبِ وَلَا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ. فَعَلْتُ اسْتِدْلَالاً بِأَنَّ الإِيمَانَ يَقْتَضِي (القَبُولَ وَالِانْقِيَادَ)، وَالنُّطْقُ المُجَرَّدُ عَنِ اليَقِينِ هُوَ مَحْضُ كَذِبٍ، وَاللَّهُ سَمَّى المُنَافِقِينَ كَاذِبِينَ حِينَ قَالُوا (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ).

الرَّدُّ بِبُطْلَانِ إِيمَانِ المُنَافِقِينَ: قلت :أَنَّ حَصْرَ الإِيمَانِ فِي القَوْلِ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ كَانَ مُؤْمِناً حَقّاً، وَهَذَا مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

٣. الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ (الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ):

مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]
قُلْتُ: لَوْ كَانَ الإِيمَانُ هُوَ القَوْلَ فَقَدْ أَتَوْا بِهِ، فَلِمَاذَا كَذَّبَهُمُ اللَّهُ؟ هَذَا الِاسْتِنْبَاطَ لِأُبَيِّنَ أَنَّ كَذِبَهُمْ هُوَ فِي "ادِّعَاءِ مُوَاطَأَةِ القَلْبِ لِلِّسَانِ".

مِنَ السُّنَّةِ (الصَّحِيحَانِ): عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (رواه البخاري رقم: ١٢٨، ومسلم رقم: ٣٢). 
قُلْتُ: فَقَيَّدَ النَّجَاةَ بِـ "الصِّدْقِ مِنَ القَلْبِ"، فَبَطَلَ حَصْرُ الكَرَّامِيَّةِ لِلْإِيمَانِ فِي اللِّسَانِ.

٤. الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ:
قُلْتُ: العَقْلُ يُدْرِكُ أَنَّ آلاتِ النُّطْقِ جَمَادٌ لَا تُعَبِّرُ عَنِ الإِيمَانِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ قَصْدٍ وَيَقِينٍ، وَتَجْرِيدُ القَوْلِ عَنِ المَعْنَى يَجْعَلُ الإِيمَانَ مُجَرَّدَ "حَرَكَاتٍ فِيزْيَائِيَّةٍ"وَهَذَا لَايَلِيقُ بِعَظَمَةِ التَّكْلِيفِ الشَّرْعِيِّ.

٥. أَقْوَالُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ فِي الرَّدِّ عَلَى الكَرَّامِيَّةِ:
الإِمَامُ ابْنُ مَنْدَه (ت: ٣٩٥هـ): "قَالَتِ الكَرَّامِيَّةُ: الإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا مَعْرِفَةٍ، وَهَذَا كُفْرٌ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ". (٧)
الإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ (ت: ٤٥٦هـ): "ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ إِلَى أَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَإِنِ اعْتَقَدَ الكُفْرَ، وَهَذَا مَذْهَبٌ لَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ قَطُّ". (٨)
الإِمَامُ البَغْدَادِيُّ صَاحِبُ (الفَرْقِ): (ت: ٤٢٩هـ): "كفَّرَ السَّلَفُ ابْنَ كَرَّامٍ فِي قَوْلِهِ بِإِيمَانِ المُنَافِقِينَ، لِأَنَّهُ جَعَلَ سَمِيَّ الكَافِرِ مُؤْمِناً". (٩)
شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت: ٧٢٨هـ): "الكرَّاميةُ خالفوا إجماع المسلمين قبلهُم في مسمى الإيمان، وبِدعتُهم في القول مُنكَرة جِدّاً". (١٠)
الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ (ت: ٧٤٨هـ): "كَانَ ابْنُ كَرَّامٍ مُجَسِّماً، مُرْجِئاً، أَتَى بِمَقَالَاتٍ لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهَا". (١١)
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) فِرْقَةُ الكَرَّامِيَّةِ: نُسِبَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ، نَشَأَتْ فِي سِجِسْتَانَ فِي القَرْنِ الثَّالِثِ الهِجْرِيِّ. مَعْتَقَدُهُمْ فِي التَّوْحِيدِ: يَقُولُونَ بِالتَّجْسِيمِ، وَأَنَّ اللَّهَ "جَوْهَرٌ" أَوْ "جِسْمٌ"، وَيَقُولُونَ بِحُلُولِ الحَوَادِثِ فِي الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ. 
وَفِي الإِيمَانِ: هُوَ نُطْقُ اللِّسَانِ فَقَطْ.

(٢) مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيُّ: (وُلِدَ: نَحْوَ ١٩٠هـ - وتُوفِيَ: ٢٥٥هـ)، طُرِدَ مِنْ نَيْسَابُورَ لِبِدْعَتِهِ، وَسُجِنَ مِرَاراً، وَمَاتَ بِالشَّامِ مَنْفِيّاً. 
انظر: الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج١٢، ص: ٥٢٣.
(٣) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "كُلُّ مُؤْمِنٍ فِي الدُّنْيَا هُوَ مُؤْمِنٌ فِي الآخِرَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ"؛ خِلَافاً لِلْكَرَّامِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الشَّخْصَ "مُؤْمِناً" فِي الدُّنْيَا "كَافِراً" فِي الآخِرَةِ (المُنَافِقُ).

(٤) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الإِقْرَارُ رُكْنٌ لَا يَنْفَكُّ عَنْهُ التَّصْدِيقُ" فَمَنْ أَقَرَّ بِمَا لَمْ يُصَدِّقْ بِهِ فَهُوَ مُسْتَهْزِئٌ لَا مُؤْمِنٌ.

(٥) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: سَبَبُ ضَلَالِ الكَرَّامِيَّةِ هُوَ جُمُودُهُمْ عَلَى ظَاهِرِ بَعْضِ الأَحَادِيثِ مِثْلَ: (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا)
 فَظَنُّوا أَنَّ "القَوْلَ" هُوَ كُلُّ شَيْءٍ، وَنَسُوا (صِدْقاً مِنْ قَلْبِهِ).
(٦) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ:
(٧) ابْنُ مَنْدَه، كِتَابُ الإِيمَانِ، ج١، ص: ٣٣٢. 
(٨) ابْنُ حَزْمٍ، الفِصَلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ، ج٣، ص: ٢٠٤. 
(٩) البَغْدَادِيُّ، الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ، ص: ٢٠٢. 
(١٠) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج٧، ص: ٣٩٤. (١١) الذَّهَبِيُّ، مِيزَانُ الِاعْتِدَالِ، ج٤، ص: ٢١.
(١٤) فَائِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: الإِيمَانُ لَهُ (ظَاهِرٌ) وَ (بَاطِنٌ)؛ الكَرَّامِيَّةُ أَخَذُوا الظَّاهِرَ وَتَرَكُوا البَاطِنَ، وَالجَهْمِيَّةُ أَخَذُوا البَاطِنَ وَتَرَكُوا الظَّاهِرَ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ جَمَعُوا بَيْنَهُمَا.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٦]««««««««««««««««
[الوَجْهُ السَّابِعُ وَالخَمْسُونَ]
التَّتِمَّةُ الرَّابِعَةُ: نَقْضُ مَقَالَةِ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ فِي الإِيمَانِ وَالصِّفَاتِ
١. أَطْوَارُ المَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ وَتَحَوُّلَاتِهِ الفِكْرِيَّةِ:
قلتُ مستعيناً بالله: إنَّ دراسة المذهب الأشعري تقتضي إنصاف إمامه أبي الحسن الأشعري بتتبع أطواره الثلاثة؛ فقد بدأ "معتزلياً" على يد زوج أمه أبي علي الجبائي، وبقي فيه أربعين سنة، ثم انتقل إلى طور "الكلابية" محاولاً إمساك العصا من المنتصف، وفي هذا الطور أثبت الصفات السبع العقلية والخبرية، ثم استقر أمره في "الإبانة" و"المقالات" على منهج السلف. لكنَّ الإشكال يكمن في "الأشاعرة المتأخرين" الذين نكصوا عن مذهبه الأخير، فسلكوا مسلكين بدعيين: التاويل والتفويض البدعي.
فعلتُ استقراءً لأطوارهم، فوجدتُ أنَّ الدور الثاني الذي بدأ بالجويني والباقلاني والغزالي، انحرفوا فيه إلى نفي الصفات الخبرية وتأويلها، أو تفويض معناها (التفويض البدعي) الذي يزعم أنَّ معاني القرآن والسنة في الصفات مجهولة لا يعلمها إلا الله، وهو من أخبث أقوال أهل البدع لأنه ينسب التجهيل للأنبياء والصحابة. وفي الإيمان، وافقوا المرجئة فجعلوه "التصديق"، وأخرجوا الأعمال عن مسماه، وهذا ما رددتُ عليه بالبراهين.
٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الأَشَاعِرَةِ (بِلِسَانِ البَاحِثِ):
الرَّدُّ فِي بَابِ الصِّفَاتِ: قلتُ: إنَّ حصر الصفات في "سبع" أو "عشرين" هو تحكم عقلي بلا دليل نقلي؛ فالتفريق بين صفة وأخرى تحكم بغير مرجح. أما التفويض البدعي الذي سلكوه، فقد رددتُ عليه بأنَّ الله أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فالمعنى معلوم والكيف مجهول، وتفويض المعنى تجهيلٌ للوحي.
الرَّدُّ فِي بَابِ الإِيمَانِ: حققتُ مذهبهم فوجدتهم يقولون إنَّ الإيمان هو "التصديق"، وهذا يوافق جهم بن صفوان في جوهر مذهبه وإن خالفوه في اللوازم. قلتُ: وإخراج العمل عن مسمى الإيمان هدمٌ لشرائع الدين ونقضٌ لما قرره عمر بن عبد العزيز في رسالته.
٣. الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَى مَقَالَتِهِمْ:
مِنَ الكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾؛ قلتُ: لو كان المعنى مفوضاً (مجهولاً) كما يزعمون، لما كان مبيناً، ولما عقلنا خطاب الله لنا.
مِنَ السُّنَّةِ: قوله ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»؛ قلتُ: فجعل الإيمان أبعاضاً وشعباً عملية وقولية، وهذا يبطل حصر الأشاعرة للإيمان في "التصديق" القلبي فقط.
٤. رُؤُوسُ المَذْهَبِ وَأَطْوَارُهُمْ (تَقْرِيرٌ بَحْثِيٌّ):
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَّابٍ (ت: ٢٤٠هـ): قلتُ: هو المنظر الأول لمسلك إثبات الصفات السبع ونفي الصفات الاختيارية (الأفعال).
أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (ت: ٣٢٤هـ): مر بأطواره الثلاثة، واستقر في "الإبانة" على مذهب أحمد بن حنبل، لكنَّ المتأخرين هجروا كتابه هذا.
أَبُو المَعَالِي الجُوَيْنِيُّ (ت: ٤٧٨هـ): إمام الحرمين، سلك مسلك التأويل الغالي ثم رجع في "الرسالة النظامية" إلى التفويض، وقيل رجع لمذهب السلف عند موته.
أَبُو حَامِدٍ الغَزَالِيُّ (ت: ٥٠٥هـ): خلط المذهب بالفلسفة والتصوف، وانتهى في "إلجام العوام" إلى تفويض معاني الصفات.
أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ (ت: ٣٣٣هـ): مؤسس الماتريدية، وافق الأشاعرة في تأويل الصفات وفي حصر الإيمان في التصديق.
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) التَّفْوِيضُ البَدْعِيُّ: هو تفويض المعنى (أصل الكلمة) بزعم أنَّ اللفظ لا معنى له معلوم، وهذا تجهيل للصحابة. أما "تفويض السلف" فهو تفويض الكيفية والكنه مع إثبات المعنى اللغوي.
(٢) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ: (ت: ٢٤٠هـ)، واجه المعتزلة لكنه تأثر ببعض أصولهم الجهمية في نفي الأفعال الاختيارية. 
انظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، ج٢، ص: ٦.
(٣) أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ: (وُلِدَ: ٢٦٠هـ - وتُوفِيَ: ٣٢٤هـ)، علي بن إسماعيل بن أبي بشر، من ذرية أبي موسى الأشعري. انظر: ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص: ٣٥.
(٤) أَبُو عَلِيٍّ الجُبَّائِيُّ: (ت: ٣٠٣هـ)، شيخ المعتزلة في زمانه وزوج أم أبي الحسن الأشعري، عليه تخرج الأشعري قبل رجوعه.
(٥) الصِّفَاتُ السَّبْعُ العَقْلِيَّةُ: (الحياة، العلم، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام النفسي)، أثبتها الكلابية والأشاعرة لأنَّ العقل دل عليها بزعمهم، ونفوا ما عداها.
(٦) المَاتُرِيدِيَّةُ: نسبة لأبي منصور الماتريدي، ظهرت في سمرقند، وتتفق مع الأشاعرة في أغلب المسائل إلا في مسائل يسيرة كـ "التكوين". انظر: الزبيدي، إتحاف السادة المتقين، ج٢، ص: ٥.
(٧) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "كل تأويل نفي، وليس كل نفي تأويلاً"؛ فالأشاعرة بنوا مذهبهم على "التنزيه" المزعوم الذي هو في حقيقته نفي لمراد الله.
(٨) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "العدول عن الحقيقة إلى المجاز (التأويل) لا يجوز إلا بقرينة صارفة"، والأشاعرة أولوا بلا قرينة إلا "شبهات عقلية".
(٩) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: يزعم المتأخرون أنَّ مذهب السلف هو "التفويض"، وهذا كذب، بل مذهب السلف هو إثبات المعنى وتفويض الكيف.
(١٠) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: الأشعري، الإبانة عن أصول الديانة، ص: ٢٠. وانظر: الجويني، كتاب الإرشاد، ص: ١٥٥. وانظر: ابن تيمية، الفتوى الحموية الكبرى، ص: ٢١٠-٢١٥.
(١١) قُلْتُ (تَقْرِيرُ مَسْأَلَةٍ): إنَّ قول الأشاعرة في الإيمان هو عين قول مرجئة الجهمية في مآله، لأنَّ الاكتفاء بالتصديق يجعل العمل خارجاً عن الذات، وهو ما رده السلف قديماً.
(١٢) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: حديث: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ» (رواه الترمذي وحسنه)؛ قُلْتُ: علق وصف الإيمان على "أمان الناس" وهو عمل، فبطل حصرهم له في التصديق.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٧]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّامِنُ وَالخَمْسُونَ]
التَّتِمَّةُ الخَامِسَةُ: تَحْرِيرُ مَقَالَةِ مُرْجِئَةِ الفُقَهَاءِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا
١. نَشْأَةُ مَذْهَبِ مُرْجِئَةِ الفُقَهَاءِ وَتَصَوُّرُهُمْ لِلإِيمَانِ:
قلتُ مستعيناً بالله: إنَّ مذهب مرجئة الفقهاء يُمثل الطور الأخف من أطوار الإرجاء، وقد نبتت بذوره في الكوفة على يد حماد بن أبي سليمان وتلامذته، وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة النعمان. ذهب هؤلاء إلى أنَّ الإيمان هو "تصديق بالقلب وإقرار باللسان"، وأخرجوا "عمل الجوارح" عن مسمى الإيمان وداخله، مع قولهم بوجوب الفرائض واستحقاق تاركها للعقاب. فعلتُ تقريراً لهذه المسألة، فوجدتُ أنَّ الخلاف بينهم وبين السلف خلافٌ في "الاسم" و"المسمى"، لكنه جرَّ لوازماً خطيرة، منها قولهم إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص، وأنَّ أهله فيه سواء، وهو ما يصادم صريح الوحي وقاعدة عمر بن عبد العزيز في "الاستكمال".

٢. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى مَقَالَتِهِمْ :
الرَّدُّ بِبُطْلَانِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ: 
قلتُ: إنَّ قولهم "إيمان أهل الأرض وإيمان الملائكة واحد" هو من أفحش الخطأ؛ فكيف يستوي إيمان آحاد الأمة مع إيمان أبي بكر الصديق؟ إنَّ نفي التفاضل والزيادة والنقصان يؤدي إلى فُتور العزائم عن الطاعات، وهو خلاف ما كان عليه الصحابة من المسابقة في الخيرات لاستكمال الإيمان.
الرَّدُّ بِدُخُولِ العَمَلِ فِي الماهِيَّةِ: حققتُ أنَّ العمل ليس ثمرةً خارجة عن الإيمان، بل هو جزءٌ من حقيقته؛ فالله سمى الصلاة إيماناً، والنبي ﷺ جعل شعب الإيمان منها "إماطة الأذى"، فمن أخرج العمل فقد جفَا عن لسان الشرع، وإن أوجبَ العمل حكماً وتكليفاً.
٣. الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ:
مِنَ الكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]
 قلتُ: النص صريح في "الزيادة"، والزيادة تقتضي النقصان بالضرورة، وهذا يهدم أصلهم في استواء الإيمان.
مِنَ السُّنَّةِ: قوله ﷺ: «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» (رواه البخاري رقم: ٤٤)
قلتُ: وجود "مثقال الذرة" وما فوقها دليل على تفاوت مراتب الإيمان وتجزئه، وهو رد على من قال إنَّ الإيمان كتلة واحدة لا تتبعض.
٤. رُؤُوسُ هَذِهِ المَدْرَسَةِ:
حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (ت: ١٢٠هـ): شيخ أبي حنيفة، وهو أول من أحدث الإرجاء بالكوفة، قال عنه الثوري: "كنا نأتي حماداً وهو مرجئ".
الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ (ت: ١٥٠هـ): إمام أهل الرأي، ثبت عنه القول بالإرجاء (إخراج العمل)، وإن كان في السلوك والعمل من أعبد الناس وأورعهم، رحمه الله.
أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ الأَنْصَارِيُّ (ت: ١٨٢هـ): صاحب أبي حنيفة وقاضي القضاة، وافق شيخه في مذهب الإيمان.
مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ (ت: ١٨٩هـ): ناشر مذهب أبي حنيفة، وعلى قوله استقر مذهب الحنفية في مسائل الإيمان.
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««««
(١) مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ: سُموا بذلك لأنهم فقهاء وعباد، لكنهم أرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان. الخلاف معهم (صوري) من جهة أنهم يوجبون العمل، لكنه (حقيقي) من جهة نفي الزيادة والنقصان والسكوت عن الاستثناء.
(٢) حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: (ت: ١٢٠هـ)، مولى الأشعريين، كوفي. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٥، ص: ٢٣١.
(٣) أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ: (وُلِدَ: ٨٠هـ - وتُوفِيَ: ١٥٠هـ)، صاحب المذهب، له "الفقه الأكبر" وفيه تبيين مذهبه في الإيمان. انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية، ج٢، ص: ٤٦٠.
(٤) القَوْلُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ: مرجئة الفقهاء يمنعون قولة "أنا مؤمن إن شاء الله"، ويقولون "أنا مؤمن حقاً"، والسلف استحبوا الاستثناء خوفاً من تزكية النفس أو نقص العمل.
(٥) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الاسم الشرعي إذا دار بين الحقيقة اللغوية والعرفية، قُدمت الحقيقة الشرعية"؛ والإيمان شرعاً شامل للعمل.
(٦) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "الإيمان قول وعمل"؛ وهذا الضابط يخرج المرجئة بكل أصنافهم، فمرجئة الفقهاء أخرجوا العمل "ذاتاً" لا "حكماً".
(٧) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: الفرق بين مرجئة الفقهاء والجهمية؛ أنَّ الفقهاء يوجبون العمل ويقولون باستحقاق العقاب على تركه، والجهمية لا يرون العمل شيئاً البتة.
(٨) فَائِدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: الإيمان عند الفقهاء هو "الإقرار"، والإقرار لغةً هو الثبوت والالتزام، لكنهم قصروا الالتزام على اللسان والقلب.
(٩) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص: ١٩٠-١٩٥. وانظر: ابن أبي العز، شرح العقيدة الطحاوية، طبعة الرسالة، ج٢، ص: ٤٦٥. وانظر: الطحاوي، متن العقيدة الطحاوية، بند (٦٣).
(١٠) قُلْتُ (تَقْرِيرُ مَسْأَلَةٍ): إنَّ فتنة مرجئة الفقهاء كانت أشد على الأمة من غيرهم؛ لأنَّ فضلهم وعلمهم جعل كثيراً من الناس يغتر بقولهم في إخراج العمل، مما فتح الباب للمتأخرين في التهاون بالشرائع.
(١١) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: حديث: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (رواه الترمذي وقال حسن صحيح)؛ قلتُ: فجعل الخلق (وهو عمل) سبباً في "كمال" الإيمان، والكمال فرعٌ عن التفاضل، وهو رد عليهم.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٨]«««««««««««««««««
تَحْرِيرُ مَقَالَاتِ فُقَهَاءِ الكُوفَةِ فِي الإِيمَانِ وَنَقْضُ دَعْوَى الخِلَافِ اللَّفْظِيِّ
١. نُصُوصُ الأَعْلَامِ وَتَرَاجِمُهُمْ :

حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ (وُلِدَ نَحْوَ ٦٠هـ - تُوفِيَ ١٢٠هـ): قلتُ: هو شيخ المذهب وأول من فتق القول بالإرجاء بالكوفة، نَصُّ قولهِ: "الإيمانُ هو مَعرفةُ اللهِ والإقرارُ بهِ باللِّسانِ، والأعمالُ شرائعُ لا تَدخلُ في الإيمانِ ذاتِهِ، ومن أقرَّ فهو مُؤمنٌ حقاً".

لَوَازِمُ قَوْلِهِ: 
يَلزمهُ انقسامُ الدينِ إلى إيمانٍ وشَرائع، بحيثُ يَبقى الإيمانُ تاماً في القلبِ واللسانِ وإن انعدمَت الجوارحُ فِعلاً، وهو ما فتحَ البابَ لِمَن بَعدهُ لِتَقْعِيدِ مَسألةِ "عدم التَّبَعُّض".

أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ (وُلِدَ ٨٠هـ - تُوفِيَ ١٥٠هـ): قلتُ: الإمامُ الذي نَشَرَ المذهبَ، ونَصُّ قولهِ في "الفقه الأكبر": "الإيمانُ هو الإقرارُ واللِّسانُ والتَّصديقُ بالجَنانِ، وإيمانُ أهلِ السَّماءِ وأهلِ الأَرضِ لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ مِن جِهَةِ المُؤمنِ بِهِ".

لَوَازِمُ قَوْلِهِ: يَلزمهُ التَّسويةُ المطلقةُ بين الصِّديقِ والفاسِقِ في أَصلِ المسمى، ولُزومُ القَطعِ بالإيمانِ (أنا مؤمن حقاً) ومَنعُ المَشيئةِ، لأنَّ الإيمانَ عندهُ حقيقةٌ ثابِتةٌ لا تَقبلُ التَّفاوتَ.

أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ (وُلِدَ ١١٣هـ - تُوفِيَ ١٨٢هـ): قلتُ: قاضي القضاةِ، ونَصُّ قولهِ: "الإيمانُ عَقْدٌ وقَوْلٌ، والأعمالُ زِياداتٌ في البِرِّ لا في نَفْسِ الإيمانِ، ولا يَتصوَّرُ نُقصانُ الإيمانِ لأنَّ نُقصانَهُ ذَهابُهُ".
لَوَازِمُ قَوْلِهِ: يَلزمهُ الحُكمُ بصحَّةِ إيمانِ مَن تَرَكَ جنسَ العَملِ، ويَلزمهُ أَنَّ الإيمانَ بَسيطٌ لا يَتجزَّأُ، فإمَّا أَن يُوجَدَ كُلُّهُ أَو يَذهبَ كُلُّهُ.
مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ (وُلِدَ ١٣٢هـ - تُوفِيَ ١٨٩هـ): قلتُ: ناشرُ فقهِ المدرسةِ، ونَصُّ قولهِ: "الإيمانُ خَصيصةُ القَلبِ واللِّسانِ، وما زادَ مِن العباداتِ فهي مِن لَوازمِ التَّكليفِ لا مِن دَعائِمِ التَّسميَةِ".
لَوَازِمُ قَوْلِهِ: يَلزمهُ أَنَّ الفاسِقَ مُؤمنٌ كَاملُ الإيمانِ اسماً، وإن كانَ عاصياً فِعلاً، ويَلزمهُ بَرودةُ الوعيدِ في حقِّ العُصاةِ لاتِّكالِهم على كَمالِ المسمى.

٢. اللَّوَازِمُ الخَمْسَةُ الجَامِعَةُ لِمَذْهَبِ مُرْجِئَةِ الفُقَهَاءِ:
قلتُ: بعد تتبعِ أَقوالِهم، حَصَرْتُ اللوازمَ العامةَ المشتركةَ في خمسةٍ:
نفيُ الزيادةِ والنقصانِ: فالإيمانُ عندهم ثباتٌ لا يَتأثَّرُ بالطاعةِ والمعصيةِ.
التسويةُ بين المؤمنين: استواءُ إيمانِ أَفجرِ الناسِ مع أتقاهم في "الأصل".
تحريمُ الاستثناء: اعتبارُ قول "إن شاء الله" شكاً يُنافي حقيقةَ الإقرارِ.
انقطاعُ التلازمِ: إمكانُ قيامِ إيمانٍ كاملٍ في الباطنِ مع خلوِّ الظاهرِ من العملِ.
حصرُ الكفرِ في التكذيبِ: لزومُ أَن لا يَكفرَ أَحدٌ بعَملٍ ظاهرٍ (كالسجودِ لصنمٍ) إلا إذا استحلَّ بقلبهِ، لأنَّ العملَ ليسَ ركناً.
٣. الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الخِلَافَ لَفْظِيٌّ:
قلتُ: زَعَمَ بعضُ المتأخرينَ كابنِ أبي العزِّ أنَّ الخلافَ "صُوري"، وهذا وَهْمٌ نَقَضْتُهُ؛ فلو كانَ لفظياً لَمَا اشْتَدَّ نكيرُ السلفِ كالثوريِّ وأحمدَ والبخاريِّ عليهم، ولَمَا ترتَّبَت عليهِ أحكامُ (الزيادةِ، والاستثناءِ، والتلازمِ).
الخلافُ حقيقيٌّ لأنَّهُ يمسُّ "ماهيةَ الدينِ"، فمن جَعلَ العملَ "شرطاً" ليس كمن جَعلهُ "ركناً" يَذهبُ الإيمانُ بذهابهِ.


»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««

(١) حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: (ت: ١٢٠هـ)، فَقِيهُ الكُوفَةِ. 
انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج٦، ص: ٣٣٢. 
سَببُ عدمِ استقائِهِ من السلفِ هو تأثُّرُهُ بِمَدرسةِ الرأيِ الناشئةِ بالكوفةِ وتقديمهِ القياسَ اللغويَّ للإيمانِ (التصديق) على الحقيقةِ الشرعيةِ.
(٢) الإِمَامُ أَبُو حَنِيفةَ: (ت: ١٥٠هـ). 
انظر: الفقه الأكبر، ص: ١٥. 
لم يَلْقَ من الصحابةِ إلا آحاداً، واستقى فكرهُ من حماد، وكانَ بَعيداً عن مدرسةِ الحديثِ بالحجازِ التي تُشدِّدُ في ركنيةِ العملِ.
(٣) أَبُو يُوسُفَ: (ت: ١٨٢هـ). انظر: سير أعلام النبلاء، ج٨، ص: ٣٣٥.
(٤) مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ: (ت: ١٨٩هـ). انظر: وفيات الأعيان، ج٤، ص: ١٨٤.

(٥) الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ الخِلَافُ لَفْظِيٌّ: 
انظر: ابن تيمية، كتاب الإيمان، ص: ٢٠٥-٢١٠. 

أَثبتَ شيخُ الإسلامِ أنَّ لوازمَ المرجئةِ في "جنس العمل" و"التلازم" تجعلُ الخلافَ معهم من أصولِ الدينِ لا من فروعِ اللسانِ.

(٦) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: مَن قالَ الخلافُ لفظيٌّ فقد هَوَّنَ من بِدعةِ الإرجاءِ، والواقعُ أنَّها بَدأت بلفظٍ وانتهت بتعطيلِ الشرائعِ (مرجئة العصر).

(٧) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "الإيمانُ عِقدٌ وقَولٌ وعَملٌ"؛ هذا نَصُّ السلفِ، ومَن أَسقطَ واحداً فقد ضلَّ في اللَّازمِ والمُقتضى.

(٨) فَائِدَةٌ: السلفُ لم يُكفِّروا مرجئةَ الفقهاءِ لِجلالتِهم وإقرارِهم بالوعيدِ، لكنَّهم بَدَّعُوهم لِخطرِ مقالتِهم على العامَّةِ.

(٩) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "ما رُتِّبَ عليهِ الفسادُ في الاعتقادِ لا يُسمَّى خلافاً لفظياً".
(١٠) تَوْثِيقُ لَوَازِمِ المُرْجِئَةِ: انظر: ابن أبي العز، شرح الطحاوية، ج٢، ص: ٤٦٣؛ والذهبي، العلو، ص: ١٣٨.
(١١) قُلْتُ: إِنَّ مَن زَعَمَ أَنَّ إِيمَانَهُ كَإِيمَانِ جِبْرِيلَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى الوَحْيِ، وَهَذَا أَكْبَرُ لَوَازِمِ ضَلَالِهِمْ.
(١٢) تَخْرِيجُ: حَدِيثُ: «الحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»؛ الحياءُ عَملٌ قَلبيٌّ يَظهرُ على الجوارحِ، فجَعلهُ شُعبةً رَدٌّ على مَن زَعَمَ استواءَ الإيمانِ دُونَ تَجزئةٍ.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٥٩]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ السِّتُّونَ]
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ (تَقْرِيرُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ)
١. نَصُّ رِسَالَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
قلتُ مستعيناً بالله: إنَّ المدار في هذا المبحث على الوثيقة العقدية التي كتبها الخليفة الراشد والتابعي الجليل عمر بن عبد العزيز (ت: 101هـ) إلى عدي بن عدي، وهي العمدة في إثبات دخول العمل في مسمى الإيمان، وهذا هو النص المراد:
# «إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ، وَشَرَائِعَ، وَحُدُوداً، وَسُنناً، فَمَنْ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمَلْهَا لَمْ يَسْتَكْمَلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ»
[رَوَاهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقاً فِي صَحِيحِهِ]

٢. التَّحْرِيرُ العَقَدِيُّ لِلنَّصِّ(١) :
قلتُ: هذا النصُّ يُمثلُ أصلاً أصيلاً في الرد على سائر فرق المرجئة؛ فقول أمير المؤمنين: "إن للإيمان فرائض وشرائع" يثبتُ بالدليل القاطع أنَّ الإيمان ليس مجرد تصديقٍ قلبي أو نطقٍ لساني فحسب، بل هو حقيقةٌ مركبةٌ من اعتقادٍ وقولٍ وعمل. فمن جعل الفرائض والسنن من "مُكملات" الإيمان الخارجة عن مسماه فقد خالف صريح قول عمر، ومن جعلها "ثمرات" لا أجزاء فقد ضلَّ في التأصيل.
وقد وقفتُ عند قوله: "فمن استكملها استكمل الإيمان"؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الإيمان يزيدُ وينقص، وأنَّ زيادة العمل هي زيادةٌ في ذات الإيمان واستكمالٌ له، ونقص العمل هو نقصٌ في الإيمان وعدم استكمالٍ له. وهذا هو عينُ مذهب السلف قاطبة، خلافاً لمرجئة الفقهاء الذين يقولون إنَّ الإيمان شيءٌ واحدٌ لا يتبعض ولا يتأثر بترك العمل نقصاً في المسمى

٣. التَّحْرِيرُ العَقَدِيُّ لِلأَثَرِ(٢):
قلتُ: هذا النصُّ يمثلُ الضربة القاضية لمذهب المرجئة بكل أطيافهم؛ ففيه إثباتُ أنَّ الإيمان "مركبٌ" من أجزاء (فرائض، شرائع، حدود، سنن)، وما كان مركباً من أجزاء فهو يقبلُ التبعيض، وما قبل التبعيض لزمهُ بالضرورة الزيادةُ والنقصان. فمن أتى بالفرائض والسنن فقد زاد إيمانه واستكمله، ومن فرط فيها فقد نقص إيمانه ولم يستكمله.
وقد استوقفني في هذا الأثر قوله: "فمن استكملها"، حيث ربط "الاستكمال" وهو صفةٌ للإيمان بـ "العمل" وهو أداء الفرائض والسنن، وهذا صريحٌ في أنَّ الأعمال داخلةٌ في صلب مسمى الإيمان، وليست مجرد ثمارٍ خارجةٍ عنه كما يزعم مرجئة الفقهاء والأشاعرة.

٣. الدَّلَائِلُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ بِالعَمَلِ:
مِنَ الكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]؛ 
قلتُ: الزيادة هنا لا تكون إلا بعمل القلب والجوارح، فكلما تجدد الطاعة زاد الإيمان.
مِنَ السُّنَّةِ: قوله ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً...»؛ قلتُ: فجعل الإيمان شعباً، والشعب تتفاوت وتتعدد، وبتعددها يتفاوت المؤمنون في رتب الإيمان استكمالاً ونقصاً.
٤. الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ المَحْضُ:
قلتُ: العقلُ يشهدُ أنَّ التصديق الذي لا يثمرُ عملاً هو تصديقٌ ميتٌ أو ضعيف، وأنَّ من يجاهدُ في سبيل الله ليس كمن يقعدُ عن الفرائض، فالتسوية بينهما في "مسمى الإيمان" خروجٌ عن مقتضى العدل والعقل الذي فطر الله الناس عليه.


»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ: (وُلِدَ: ٦١هـ - وتُوفِيَ: ١٠١هـ)، الخليفةُ الراشد، إمامُ الهدى ومجددُ القرن الأول. انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج٥، ص: ٣٣٠.
(٢) عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ الكِنْدِيُّ: (ت: ١٢٠هـ)، والي عُمر على الجزيرة، وهو الذي أرسل إليه عُمر بهذه الرسالة العقدية العظيمة. انظر: الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج٥، ص: ١٦٠.
(٣) تَوْثِيقُ الأَثَرِ: أخرجه البخاري في "كتاب الإيمان" بصيغة الجزم، ووصله ابن أبي شيبة في "المصنف" (ج٧، ص: ٢٣٣)، والآجري في "الشريعة" (ص: ١١٩).
(٤) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ (الِاسْتِكْمَالُ): "الاستكمالُ فرعٌ عن القابلية للتجزئة"؛ فلو كان الإيمان شيئاً واحداً كما تقول المرجئة، لما صح وصفه بالاستكمال أو عدمه.
(٥) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الإيمان يزيدُ بالطاعة وينقصُ بالمعصية"؛ وهذا هو مذهب الصحابة والتابعين قاطبة، وهو ما قرره عمر بن عبد العزيز في هذا المبحث.
(٦) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: استعمل عمر لفظ "الحدود" و"السنن"؛ ليبين أنَّ الإيمان يشمل الواجبات (الفرائض والحدود) والمستحبات (السنن)، فكلها من مسمى الإيمان.
(٧) الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ: قول عمر: "فمن استكملها استكمل الإيمان" ردٌّ على من قال إنَّ الإيمان لا يتفاوت، وردٌّ على من قال إنَّ العمل ليس من الإيمان.
(٨) فَائِدَةٌ لِطُلَّابِ العِلْمِ: إنَّ قول عمر "وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص" يدل على عِظم هذه المسألة عنده، وأنه لا خير في صحبة من لا يعمل بشرائع الإيمان ولا يستكملها.
(٩) تَخْرِيجُ الشَّوَاهِدِ: 
قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]؛ 
قلتُ: هذه الزيادة كانت بسبب "عملهم" وهو الهجرة والجهاد، فثبت دخول العمل في زيادة الإيمان.
 قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ... زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾
قلتُ: الوجل (عمل قلب) والطاعة (عمل جوارح) هي سبب الزيادة، وهو ما أكده عمر.
قلت :سَبَبُ تَأْصِيلِ عُمَرَ لِهَذَا القَوْلِ: حمايةُ الأمة من فتنة الإرجاء التي بدأت تطلُّ برأسها في أواخر القرن الأول الهجري.

(١٠) قَوْلُ السَّلَفِ: قال ابن مبارك: "الإيمانُ يتفاضلُ، فإيمانُ عمر بن عبد العزيز ليس كإيمان غيره"، وهذا هو عين الاستكمال الذي نقصده في هذا المبحث.
(١١) قُلْتُ: إنَّ ضياع مفهوم "الاستكمال" عند المرجئة أدى إلى التواكل وترك العمل، فجاء أثر عمر ليعيد الأمة إلى جادة الطريق.
(١٢) تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ: النزاعُ هنا هل "الاستكمال" للعمل أم للإيمان؟ قلتُ: عمر صرح بأنه استكمال للإيمان بالأعمال، فبطل الفصل بينهما.

(١٣)لَوَازِمُ الأَثَرِ العُمَرِيِّ فِي الردِّ عَلَى المُخَالِفِينَ:

اللازم الأول: بطلان قول من قال إنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنَّ "الاستكمال" يقتضي بالضرورة وجود مراتب أدنى.

اللازم الثاني: بطلان قول من أخرج العمل عن المسمى؛ لأنَّ عمر ربط استكمال "الإيمان" بأداء "الفرائض والسنن".

اللازم الثالث: إثبات التلازم بين الظاهر والباطن؛ فالحرص على العمل (الظاهر) هو السبيل لاستكمال حقيقة الإيمان (الباطن). 
فائدة/نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: قول عمر: "وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص"؛ يدل على أنَّ حياة الحاكم والمحكوم إنما تشرُفُ بالعمل بشرائع الإيمان، ولا قيمة للصُّحبة بلا استكمالٍ للفرائض.

(١٤) قُلْتُ: إنَّ هذا الأثر يُعدُّ "دستوراً عقدياً" يُنهي النزاع في مسألة دخول العمل في مسمى الإيمان، فمن استكمل العمل استكمل الاسم.

(١٥) نَتِيجَةُ البَحْثِ: استقرار مذهب أهل السنة والجماعة على أنَّ الإيمان يزيدُ وينقصُ بالعمل، بناءً على الوحي وما فهمه الراشدون كعمر بن عبد العزيز.

»»»»»»»»»»»»»»»»[٦١]««««««««««««««««
[الوَجْهُ الوَاحِدُ وَالسِّتُّونَ]
التَّتِمَّةُ الأُولَى لِلْمَبْحَثِ الأَوَّلِ: 
تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ المُحَقِّقِينَ لِأَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ
١. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينَ (ت: ١٤٢١هـ):
 قرر الشيخ العثيمين أنَّ أثر عمر بن عبد العزيز صريحٌ في أنَّ الإيمان ذو أجزاءٍ وشُعب، وأنَّ نفي الاستكمال عند نقص العمل لا يعني نفي أصل الإيمان بالكلية، بل نفي كماله الواجب أو المستحب. 
ويرى أنَّ هذا الأثر يُبطل مذهب من جعل الإيمان شيئاًواحداً لا يزيد ولا ينقص، مؤكداً أنَّ العبد يترقى في درجات الإيمان بزيادة الفرائض والسنن كما نصَّ الخليفة الراشد. (١)

لَازِمُ كَلَامِهِ: لزوم إثبات "التبعيض" في الإيمان؛ فما قبل الاستكمال قبل النقص، وهذا يقتضي أنَّ الإيمان يتفاضل أهله فيه بحسب ما استكملوه من تلك الفرائض والسنن والحدود.

٢. تَقْرِيرُ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى المُعَلِّمِيِّ (ت: ١٣٨٦هـ):
قلتُ: ذهب المعلمي اليماني إلى أنَّ أثر عمر يُحرر "محل النزاع" مع المرجئة تحريراً دقيقاً، حيث جعل العمل "شرائع للإيمان" وداخلةً في استكماله. 
وأوضح أنَّ من زعم أنَّ الإيمان لا يتبعض فقد خالف دلالة اللغة والشرع التي استند إليها عمر، مشيراً إلى أنَّ الاستكمال لا يكون إلا لشيءٍ ذي أجزاء، فمن ضيَّع الأجزاء ضيَّع كمال المسمى الشرعي للإيمان بالضرورة. (٢)
ضَابِطُ كَلَامِ المُعَلِّمِيِّ: 
(١) الإيمان حقيقة مركبة لا بسيطة
(٢) العمل ركنٌ في الاستكمال لا ثمرة خارجة عن الذات، 
(٣) التفاوت بين المؤمنين يقع في صلب الإيمان لا في توابعه.
٣. د. مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: قاعدةً مفادها أنَّ "جنس العمل ركنٌ في أصل الإيمان، وآحاده ركنٌ في استكماله". 
فبين أنَّ عمر بن عبد العزيز حين ذكر الفرائض والسنن، جعلها هي مادة الاستكمال، فمن تركها بالكلية لم يستكمل أصلاً، ومن ترك بعضها نقص استكماله بحسب المتروك، وهذه قاعدةٌ جامعةٌ تمنع الغلو والتميع في باب الأسماء والأحكام. (٣)
٤. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:
 يرى الشيخ صالح أنَّ قول عمر "فمن استكملها" دليلٌ على أنَّ الإيمان له "أصلٌ" وله "كمالٌ"، وكلاهما يُسمى إيماناً. وحذَّر من فهم المرجئة الذين جعلوا الأعمال "خارجة"، مبيناً أنَّ عمر جعلها "حدوداً" و"شرائع" للإيمان نفسه، فمن وقف عند الحدود زاد استكماله، ومن تعدى الحدود نقص إيمانه، وهذا هو مقتضى التلازم بين الظاهر والباطن. (٤)
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: (وُلِدَ: ١٣٤٧هـ - وتُوفِيَ: ١٤٢١هـ). انظر: شرح صحيح البخاري، ج١، ص: ١١٥. حيث شرح أثر عمر بن عبد العزيز في أول كتاب الإيمان.
(٢) العَلَّامَةُ المُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: (وُلِدَ: ١٣١٣هـ - وتُوفِيَ: ١٣٨٦هـ). انظر: الأنوار الكاشفة، ص: ٤٥، وانظر رسالته في الإيمان ضمن آثار المعلمي.
(٣) د. مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: انظر كتابه الماتع: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الإيمان وأحكامه، ص: ١٨٠-١٩٠.
(٤) الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: انظر: شرح العقيدة الطحاوية (تسجيلات منهاج السنة)، الدرس المتعلق بزيادة الإيمان ونقصانه.
(٥) قَاعِدَةٌ جَامِعَةٌ: "كل زيادة في الطاعة هي زيادة في حقيقة الإيمان"؛ وهي مقتبسة من قول عمر "فمن استكملها استكمل الإيمان".
(٦) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: ذكر المعلمي أنَّ المرجئة يهربون من أثر عمر لأنه يربط "الاسم الشامل" (الإيمان) بـ "الأفعال المتعددة"، وهذا ينقض أصلهم في وحدة الإيمان.
(٧) تَنْبِيهٌ بَحْثِيٌّ: أجمع هؤلاء العلماء على أنَّ أثر عمر بن عبد العزيز هو "أعدل الأقوال" في تبيين علاقة العمل بالإيمان دون إفراط الوعيدية أو تفريط المرجئة.
(٨) اللَّازِمُ مِنْ كَلَامِ التَّمِيمِيِّ: لزوم التفريق بين "أصل الإيمان" الذي ينجو به العبد من الخلود في النار، وبين "الإيمان الكامل" الذي يستحق به المدح المطلق.
(٩) فَائِدَةٌ: السنن عند عمر بن عبد العزيز في الأثر تشمل المندوبات، مما يدل على أنَّ العمل المستحب يزيد في إيمان العبد استكمالاً وتجميلاً.
(١٠) ضَابِطٌ مَنْهَجِيٌّ: "الإيمان مركبٌ من قول وعمل، والعمل مركبٌ من فرائض ونوافل"؛ وبمجموعها يقع الاستكمال.
(١١) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ج١، ص: ٤٨.
(١٢) قُلْتُ: إنَّ تتابع هؤلاء المحققين على إعلاء أثر عمر بن عبد العزيز يدل على رسوخ مدرسة الأثر في مواجهة الشبهات الكلامية المعاصرة.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٢]«««««««««««««««««
[الوَجْهُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ]

المَبْحَثُ الثَّانِي: 

[خِصَالُ الإِيمَانِ العَمَلِيَّةِ وَقَاعِدَةُ التَّلَازُمِ الشَّرْعِيَّةِ]

١. بَيَانُ أَصَالَةِ الخِصَالِ القَلْبِيَّةِ (المُحَرِّكُ الأَوَّلُ):
قلتُ مستعيناً بالله: إنَّ أول ما يجبُ تحريره في هذا المبحث هو أنَّ خصال الإيمان الباطنة 
(كالإخلاص، واليقين، والقبول، والتسليم) ليست مجرد مشاعر عابرة، بل هي "عُمدُ" الإيمان التي يقوم عليها صرح العمل الظاهر. ففعلتُ جَرْداً لهذه الخصال، فوجدتُ أنَّ "التسليم" هو حقيقةُ الانقيادِ الذي تذوبُ عنده شُبهات المعارضة للنص، وهو الذي يجعلُ الجوارحَ طيِّعةً لأمر الله. 
فمن استقرَّ في قلبه "القبولُ" التام، لم يجد في نفسه حرجاً مما قضى الله ورسوله، بل يبادرُ بالعمل الظاهر كالصلاة والصدق والأمانة، مبادرةَ المحبِّ المذعن، لا مبادرةَ المستثقلِ المجبر.
٢. تَحْرِيرُ خِصَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ وَارْتِبَاطِهَا بِالبَاطِنِ:
قلتُ: إنَّ الخصال الظاهرة كالصدق في الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، هي شواهدُ الإيمان وموازينه. فالصدقُ الظاهر هو "ترجمة" لصدق الباطن ويقينه، فإذا كذب اللسانُ دلَّ ذلك على خللٍ في عقد القلب. والأمانةُ هي "تجلي" للمراقبة الباطنة؛ إذ لا يؤدي الأمانة في الغيب إلا من استشعر رقابة الله في السِّر. 
وكذلك صلةُ الرحم، فهي عملٌ بدني ومالي، لكنَّ دافعها هو "الرجاء" فيما عند الله من الثواب، و"الخوف" من قطيعة الله للقاطع. فثبتَ يقيناً أنَّ هذه الخصال الظاهرة ما هي إلا "فيضٌ" عما في القلب، فإذا زادت الخصال الظاهرة استكمالاً، زاد نور الإيمان في الباطن رسوخاً وقوة.
٣. مَنْطِقُ التَّلَازُمِ الشَّرْعِيِّ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ:
قلتُ: إنَّ الارتباط بين أعمال القلوب وأعمال الجوارح هو ارتباطُ "تلازمٍ وجودي"؛ بحيثُ يمتنعُ شرعاً وعقلاً وجودُ إيمانٍ كاملٍ ومستقرٍّ في الباطن مع تخلفِ جنسِ العمل في الظاهر. فالباطنُ هو "الأصل" والظاهرُ هو "الفرعُ" والفرعُ يتبعُ أصلَهُ في الصحةِ والفسادِ، وفي القوةِ والضعفِ. 
فمن زعم أنَّ قلبه يمتلئُ بالإخلاص واليقين والتسليم وهو مع ذلك كاذبٌ في قوله، خائنٌ لأمانته، قاطعٌ لرحمه، تاركٌ لفرائضه؛ فقد كذَّبَ قانون التلازم الذي أجمع عليه السلف. 
فكلُّ نقصٍ يلحقُ بالخِصال الظاهرة هو خَدشٌ مباشرٌ في كمال الخصال الباطنة، وهذا هو جوهرُ الرد على المرجئة الذين فصموا هذه العُروة الوثيقة.
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) الإِخْلَاصُ لُغَةً: مشتق من "خَلَصَ" الشيءُ، أي صَفَا وزال عنه ما يشوبه من خلط. يقال: خَلَصَ الماءُ من الكَدَر. 
وفي الاصطلاح: تصفية العمل من كل شائبة لغير الله.
(٢) عَشْرُ خَصَائِصَ لِلْإِخْلَاصِ (ظَاهِراً وَبَاطِناً): 
1. تجريدُ القصدِ لله. 
2. استواءُ ذمِّ الناسِ ومدحِهم. 
3. نسيانُ رؤيةِ العملِ في العمل. 
4. صدقُ المبدأِ في التوجه. 
5. الثباتُ عندَ غيابِ المعين. 
6. كراهةُ الشُّهرةِ والرياء. 
7. دوامُ المراقبةِ في الخلوة. 
8. بذلُ الجهدِ مع هضمِ النفس. 
9. الفرحُ بتوفيقِ اللهِ لا بذاتِ الفعل. 
10. الحذرُ من حُبوطِ العملِ بعدَ انقضائه.

(٣) الأَمَانَةُ لُغَةً: من "الأَمْنِ"، وهي ضِد الخيانة، وسُميت أمانة لأنَّ صاحبها "يأمن" النفسَ من التعدي والظلم.
(٤) الصِّدْقُ لُغَةً: من "صَدَقَ"، وهو القوة في الشيء، ومنه "رُمحٌ صَدْقٌ" أي صلب، وهو مطابقة القول للواقع ولما في القلب.
(٥) صِلَةُ الرَّحِمِ: "الصلة" من الوَصْل وهو ضِد القطع، و"الرَّحم" تطلق على القرابة، وصلتها واجبة وهي من شُعب الإيمان العملية العظمى.
(٦) القَبُولُ: هو تلقي النص بالرضا والموافقة، وعلامته الظاهرة سرعة الامتثال.
(٧) التَّسْلِيمُ: الإذعانُ الكاملُ وانقطاعُ الخصومةِ مع النص، وهو أعلى مراتب الانقياد الباطن.
(٨) ضَابِطُ التَّلَازُمِ: "قوةُ الباطنِ تقتضي قوةَ الظاهرِ حتماً"؛ فمن ادعى ديناً في قلبه لا أثر له على جوارحه فهو مدعٍ كاذب.
(٩) نِكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ: سُمي القلب قلباً لتقلبِهِ، فإذا رُبط بالخِصال العملية (كالصدق والأمانة) ثبتَ على الإيمان ولم يتزلزل.
(١٠) الرَّدُّ عَلَى المُرْجِئَةِ: قولُهم بانفصالِ الظاهرِ عن الباطنِ يُصادمُ لغةَ العربِ التي تجعلُ "الإيمان" مشتقاً من "الأمن" الذي يقتضي أفعالاً تمنحُ الأمنَ للنفسِ والغير.
(١١) انظر: ابن القيم، مدارج السالكين، ج١، ص: ٨٣ (فصل الإخلاص). 
وانظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج٧، ص: ٥٤١ (مسألة التلازم).
(١٢) قُلْتُ: إنَّ الإيمانَ بلا خصالٍ عمليةٍ هو كشجرةٍ يابسةٍ لا ثمرَ لها ولا ظِلَّ، وهو ما لا يعرفه الكتابُ والسنةُ.
(١٣) فَائِدَةٌ: الصدقُ في الباطنِ يسمى (إخلاصاً) 
وفي الظاهرِ يسمى (استقامةً)، وكلاهما مسمى واحد للإيمان.
(١٤) التَّسْمِيَةُ الشَّرْعِيَّةُ: سمى النبي ﷺ الأمانةَ والصدقَ "إيماناً" في أحاديث كثيرة، ليدلَّ على أنها أجزاءٌ حقيقية من ماهيته.
》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》》[٦٣]《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《《

الفَصْلُ السَّادِسُ: التَّأْصِيلُ المَنْهَجِيُّ لِمَرَاتِبِ القَدَرِ الأَرْبَعِ

أولاً: مَرْتَبَةُ العِلْمِ:

١. الاشتقاق: العلم من "عَلَمَ" وهو الأثر الذي يميز الشيء، وفي حقه سبحانه صفة أزلية.

٢. الحد الجامع: هو إحاطة الله بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، مما يتعلق بذاته وصفاته وأفعاله وخلقه.

٣. الماهية: هي صفة ذاتية أزلية لله عز وجل، قائمة بذاته، لا يلحقها نسيان ولا يسبقها جهل.

٤. أفرادها وآحادها: يعلم الله البواطن والظواهر، وما كان، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

٥. الدليل من الكتاب: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].

٦. الدليل من السنة: حديث الاستخارة وطلب الخيرة من الله بعلمه المحيط (١).

ثانياً: مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ:

١. الاشتقاق: من "كَتَبَ" أي جمع الحروف، والمراد تدوين المقادير في اللوح المحفوظ.

٢. الحد الجامع المانع: تدوين الله لمقادير الخلائق وما سبق به علمه في أم الكتاب قبل خلق العوالم.

٣. مراتب الكتابة الخمس:

الكتابة الأزلية: وهي الشاملة لكل كائن، كتبت قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.

الكتابة الميثاقية: وهي التي وقعت حين استخرج الله ذرية آدم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم.

الكتابة العمرية: وهي التي يكتبها الملك بأمر الله والجنين في رحم أمه (أجله، رزقه، عمله).

الكتابة الحولية: وهي التقدير السنوي الذي يقع في ليلة القدر من كل عام.

الكتابة اليومية: وهي إنفاذ المقادير في أوقاتها، ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾.

٤. الدليل من الكتاب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠].

٥. الدليل من السنة: حديث تدوين المقادير قبل خلق السموات والأرض (٢).

ثالثاً: مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ:

١. الاشتقاق: من "شَيَّأَ" أي أوجد الشيء، وهي الإرادة النافذة.

٢. الحد الجامع المانع: نفوذ إرادة الله في خلقه بحيث لا يقع شيء إلا بإذنه، ومشيئة العبد تابعة لمشيئته.

٣. أنواعها:

الإرادة الكونية (المشيئة): وهي الإرادة الشاملة لكل ما يقع في الكون (محبوباً كان أو مكروهاً).

الإرادة الشرعية: وهي ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، ولا يلزم منها الوقوع.

٤. الدليل من الكتاب: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].

٥. الدليل من السنة: حديث تصريف القلوب بين أصابع الرحمن (٣).

رابعاً: مَرْتَبَةُ الخَلْقِ:

١. الاشتقاق: من "خَلَقَ" أي قدَّر وأوجد على غير مثال سابق، وتأتي بمعنى الصنع والتقدير.

٢. الحد الجامع المانع: انفراد الله بإيجاد كل ذرة في الوجود، وشمول ذلك لذوات العباد وصفاتهم وأعمالهم.

٣. أنواع الخلق: خلق الذوات (الأجسام)، وخلق الصفات، وخلق الأفعال (الحركات والسكنات).

٤. الدليل من الكتاب: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].

٥. الدليل من السنة: حديث صانع كل صانع وصنعته (٤).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) الحديث الأول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، رقم (١١٦٢). وهو ثابت صحيح.

(٢) الحديث الثاني: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»؛ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم (٢٦٥٣). صحيح ثابت.

(٣) الحديث الثالث: «قُلُوبُ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»؛ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم (٢٦٥٤). صحيح.

(٤) الحديث الرابع: «إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ»؛ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (رقم ١٦٨)، والحاكم في المستدرك (١/٨٤) وصححه ووافقه الذهبي.

(٥) قَاعِدَةٌ فِي العِلْمِ: "العلمُ صفةُ كشفٍ لا صفةُ جبرٍ"؛ فالله علم ما سيفعله العبد باختياره فكتبه.

(٦) قَاعِدَةٌ فِي الكِتَابَةِ: "الكتاباتُ الأربعُ التابعةُ (ميثاقية، عمرية، حولية، يومية) هي تفصيلٌ لما في اللوح المحفوظ".

(٧) ضَابِطُ الإِرَادَةِ: الإرادة الكونية تتعلق بالوقوع، والإرادة الشرعية تتعلق بالمحبة؛ فقد تجتمعان وقد تنفرد إحداهما.

(٨) فَائِدَةٌ فِي الخَلْقِ: خلق الله لفعل العبد لا ينفي نسبته للعبد "كسباً ومباشرة"، فهو الفاعل حقيقة والله الخالق حقيقة.

(٩) لَوَازِمُ المَرَاتِبِ: 

1. لزوم تعظيم الله. 

2. لزوم الخوف من الخاتمة. 

3. لزوم الصبر عند المصيبة. 

4. لزوم الشكر عند النعمة. 

5. لزوم الطمأنينة.

(١٠) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الحد الجامع) هو التعريف الذي يجمع كل أفراد المعرف ويمنع دخول غيره فيه.

(١١) فَاكِهَةٌ عِلْمِيَّةٌ: قال ابن عباس: "القدرُ نظامُ التوحيد، فمن وحد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده".

(١٢) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الخَوَاتِيمِ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ»؛ أخرجه البخاري (رقم ٦٦٠٧)، وهو من ثمار مرتبة العلم والكتابة.

(١٣) قُلْتُ: إنَّ هذا الترتيب الرأسي لمراتب القدر هو الأوفق لمنهج السلف في الاستدلال، حيث يربط بين الصفة وأثرها في العبد.

(١٤) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية (٨/٨)؛ شفاء العليل، ابن القيم (١/٢٢)؛ شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز (١/٢٦٠).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٤]«««««««««««««««

 تتمة الفصل السادس(٦)
المَرْتَبَةُ الأُولَى: مَرْتَبَةُ العِلْمِ الإِلَهِيِّ (الأَزَلِيُّ وَالوقُوعِيُّ)
إنَّ العلم الإلهي هو المحيط بكل شيء، وهو صفة ذاتية قائمة بذاته سبحانه، ويُعرف علم الله في باب القدر بأنه انتباهٌ وإحاطةٌ بكل كلي وجزئي (١). 

وينقسم علم الله عز وجل في هذا الباب إلى قسمين رئيسين: القسم الأول هو العلم الأزلي القديم؛ وهو علمه المحيط بالأشياء قبل كونها، وعلمه بما لم يكن لو كان كيف كان سيكون (٢). 

والقسم الثاني هو العلم الوقوعي (أحاد العلم)؛ وهو الذي يقع عند فعل الشيء ومشيئته في أوقاته التي قدرها سبحانه، وهو العلم الذي يترتب عليه الجزاء والحساب (٣). 

وهذا العلم الوقوعي هو العلم بالأمر حين وجوده بعد أن كان غيباً، ليظهر المعلوم للعيان كما سبق في العلم الأزلي (٤).
وتتجلى أحاد هذا العلم في إحاطته عز وجل بالخفايا والبواطن، وما تكنه الصدور، وتقلب القلوب، وحركات الذر في ظلمات البر والبحر (٥). 
فالله سبحانه يعلم أفعال العباد قبل خلقهم جملة، ويعلمها عند وقوعها منهم فرداً فرداً في أوقاتها التي يشاء (٦).
قال الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي: «والعلم له مرتبتان: الأولى: العلم بالأشياء قبل كونها، وهو العلم الأزلي المحيط بكل ما هو كائن إلى أبد الأباد، وهذا لا يزداد ولا ينقص. والمرتبة الثانية: العلم بالأشياء عند كونها، وهو المسمى بعلم الظهور أو العلم الوقوعي، وهذا هو الذي ذكره الله في مواضع من كتابه كقوله: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾، وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾. 
وهذا العلم ليس معناه إحداث علم لم يكن موجوداً، تعالى الله عن ذلك، بل هو العلم بالشيء موجوداً بعد أن كان قد علم أنه سيوجد، وهذا هو الذي يتعلق به الثواب والعقاب والامتحان، وبإثبات هاتين المرتبتين يندفع إشكال كبير في فهم نصوص الاختبار والابتلاء» (٧).
والدليل من الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ (٨). 
ومن السنة ما جاء في سبق علمه بمقادير الخلائق وأعمالهم (٩).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) حَدُّ العِلْمِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد (٨)، الصفحة (٨).
(٢) العِلْمُ الأَزَلِيُّ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، المجلد (١)، الصفحة (٢٢).
(٣) العِلْمُ الوقُوعِيُّ: انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، المجلد (١)، الصفحة (٢٦٠).
(٤) أَحَادُ العِلْمِ: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
(٥) تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ لِلْآيَةِ: ذكر ابن كثير عند قوله تعالى ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾: «أي هو المحيط بحركات الجمادات فضلاً عن الحيوانات، فإذا كان يعلم سقوط الورقة في فلوات الأرض، فكيف بعمله بحركات المكلفين من عباده»؛ انظر: تفسير القرآن العظيم، ج٣، ص: ٢٤٤.
(٦) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: قال الشيخ ابن عثيمين: «علم الله نوعان: علم أزلي وهو المحيط بكل شيء جملة، وعلم وقوعي وهو علمه بالشيء حين وقوعه ليميز الخبيث من الطيب، وهذا العلم الأخير هو مناط الحساب»؛ انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ج٨، ص: ٤٥.
(٧) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحٍ سِنْدِي: انظر: القدر (سلسلة العقيدة في ضوء الكتاب والسنة)، المؤلف: صالح بن عبد العزيز السندي، 
اسم الكتاب: الوجيز في عقيدة السلف الصالح، رقم الصفحة: (٥٥)، رقم المجلد: (١)، رقم الطبعة: (الأولى).
(٨) دَلِيلُ القُرْآنِ: سورة الأنعام، الآية (٥٩).
(٩) تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»؛ أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، رقم (١٣٨٤). 
شرح ابن رجب الحنبلي: قال في فتح الباري: «هذا الحديث صريح في سبق علم الله بما سيكون من العباد قبل وجودهم، وعلم الله بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فإنه سبحانه علم عمل هؤلاء الأطفال لو بلغوا، وهذا أبلغ في إثبات العلم المحيط»؛ انظر: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن رجب الحنبلي، المجلد (٣)، الصفحة (٢٥٠).
(١٠) لَوَازِمُ العِلْمِ الوقُوعِيِّ: 
1. إثبات الحكمة في الابتلاء. 
2. إثبات العدل في الجزاء. 
3. قطع حجة المعتذرين. 
4. ظهور صدق وعد الله ووعيده. 
5. تمييز أهل الإيمان من أهل النفاق.
(١١) قَاعِدَةٌ فِي العِلْمِ: "العلمُ الوقوعيُّ لا يُضيفُ للربِّ كمالاً لم يكن له، بل هو ظهورُ كمالِهِ في خلقه".
(١٢) ضَابِطُ الاسْتِدْلَالِ: "كلُّ آيةٍ فيها (لنعلم) أو (ليعلم الله) فالمراد بها علمُ الظهورِ والوقوع".
(١٣) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (أَحَادُ العِلْمِ): جمع فرد، والمراد بها تفاصيل المعلومات في أوقاتها.
(١٤) فَاكِهَةٌ عِلْمِيَّةٌ: سُئل بعض السلف عن علم الله فقال: "إنَّ الله يعلمُ دبيبَ النملةِ السوداء، على الصخرةِ الصماء، في الليلةِ الظلماء".
(١٥) عَشْرُ خَصَائِصَ لِلْعِلْمِ الإِلَهِيِّ (بَاطِناً وَظَاهِراً): 
1. القدمُ. 
2. البقاءُ. 
3. الشمولُ. 
4. الدقةُ. 
5. عدمُ الذهول. 
6. الصدقُ. 
7. إدراكُ السر. 
8. إدراكُ الجهر. 
9. نفوذُ الحكمةِ معه. 
10. ارتباطُهُ بالعدلِ والمحاسبة.
(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: من فرق بين العلم الأزلي والعلم الوقوعي سلم من شبهات أهل الاعتزال في نفي حقيقة الاختبار.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٥]««««««««««««««««

المَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ (التَّشْرِيحُ، الأَنْوَاعُ، وَالتَّأْصِيلُ)
١. الاشتقاق والحد والتعريف:
الكتابة في اللغة من "كَتَبَ"؛ وهي تدويرُ الحروفِ وجمعُ بعضِها إلى بعضٍ، وأصلُ المادةِ يرجعُ إلى "الجمعِ والشدِّ" (١). 
والحدُّ : "هو تدوينُ اللهِ لمقاديرِ الخلائقِ وما سبقَ به علمُهُ في أمِّ الكتابِ قبلَ خلقِ العوالم" (٢). 

وتعريفها الشرعي: "الإيمانُ بأنَّ اللهَ كتبَ كلَّ ما سبقَ بهِ علمُهُ مما هو كائنٌ إلى يومِ القيامةِ في اللوحِ المحفوظ" (٣).

٢. أنواع الكتابة وتفصيل أدلتها:
أولاً: الكتابة الأزلية العامة: وهي تدوينُ كلِّ شيءٍ في اللوحِ المحفوظِ قبلَ خلقِ السمواتِ والأرضِ.
الدليل: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [الحديد: ٢٢].
ثانياً: الكتابة الميثاقية: وهي التي وقعت يومَ أشهدهم اللهُ على أنفسهم وأخرجهم من ظهرِ آدم.
الدليل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢].
ثالثاً: الكتابة العمرية: وهي التي تكونُ للعبدِ وهو في بطنِ أمهِ بتقديرِ رزقِهِ وأجلِهِ وعملِهِ (٤).
رابعاً: الكتابة الحولية: وهي التقديرُ السنويُّ الذي يقعُ في ليلةِ القدر.
الدليل: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤].
خامساً: الكتابة اليومية: وهي إنفاذُ وتطبيقُ ما سَبَقَ.
الدليل: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
٣. الاستدلال والشروح الأثرية:
الدليل من الكتاب: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠].
تفسير ابن كثير: «أي هو المحيطُ بكلِّ شيءٍ، وقد كتبَ ذلكَ كلَّهُ في كتابٍ هو اللوحُ المحفوظ، فالعلمُ محيطٌ والكتابُ جامعٌ» (٥).
الدليل من السنة: حديث تدوين المقادير قبل خلق السموات والأرض (٦).
شرح ابن رجب الحنبلي: «هذا الحديثُ أصلٌ في أنَّ المقاديرَ سَبَقَتْ بها الكتابةُ، وأنَّ ما أصابَ العبدَ لم يكن ليخطئه، وهذه الكتابةُ إظهارٌ لعظمةِ اللهِ وكمالِ تدبيرِهِ» (٧).
٤. التأصيل العقدي للباحث:
قلتُ: إنَّ مرتبة الكتابة هي مظهرُ "النظامِ" في التوحيد، وهي تابعةٌ لمرتبةِ العلمِ تبعيةَ المعلولِ للعلة؛ فالكتابةُ قيدٌ للمعلومِ الأزلي، وبها يستشعرُ العبدُ طمأنينةَ القلبِ وسكونَ الجوارحِ تحتَ جريانِ الأقدار. 
إنَّ الاعتقادَ السلفيَّ الأثريَّ يرى في هذه المراتبِ الخمسِ للكتابةِ تراتبيةً في الظهورِ لا تبديلاً في الأصل، فاللوحُ المحفوظُ لا يُمحى منه شيء، والصحفُ التي في أيدي الملائكةِ هي محلُّ المحوِ والإثباتِ التابعِ لسبقِ العلم. وبناءً عليه، فإنَّ الكتابةَ تُثبتُ للهِ كمالَ القيومية، وتدفعُ العبدَ للعملِ والتسليمِ لا للتواكلِ والاعتراض (٨).
٥. نص الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:
قال الشيخ صالح السندي: «والكتابةُ مرتبةٌ عظيمةٌ من مراتبِ الإيمانِ بالقدر، والمقصودُ بها الإيمانُ بأنَّ اللهَ كتبَ مقاديرَ الخلائقِ في اللوحِ المحفوظ، وهذا اللوحُ لا يتبدلُ ولا يتغيرُ ما فيه. 
والكتابةُ أنواعٌ: كتابةٌ شاملةٌ وهي التي في اللوح، وكتابةٌ عمريةٌ، وحوليةٌ، ويوميةٌ. 
وكلُّ هذه الكتاباتِ تفصيلٌ للكتابةِ الكبرى التي في اللوحِ المحفوظ. 
والفرقُ بينها أنَّ الصحفَ التي في أيدي الملائكةِ قد يقعُ فيها المحوُ والإثباتُ كصلةِ الرحمِ التي تزيدُ في العمر، لكنَّ ذلكَ كلَّهُ قد سَبَقَ في اللوحِ المحفوظِ علمُهُ وكتابتُهُ الأولى» (٩).

»»»»»[حَاشِيَةُ التَّأْصِيلِ وَالتَّخْرِيجِ وَالقَوَاعِدِ]«««««««

(١) الاشتقاق اللغوي: انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، المجلد (٥)، الصفحة (١٥٨).
(٢) الحد الجامع: انظر: القدر، للشيخ عبد الرحمن المحمود، الصفحة (١٤٥).
(٣) التعريف الشرعي: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد (٨)، الصفحة (١٠).
(٤) الكتابة العمرية: أخرجها البخاري، رقم (٣٢٠٨). تخريج: من حديث ابن مسعود "يؤمر الملك بأربع كلمات".
(٥) تفسير ابن كثير: انظر: تفسير القرآن العظيم، المجلد (٥)، الصفحة (٤٥٠).
(٦) تخريج الحديث: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ...»؛ أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، رقم (٢٦٥٣). الحكم: صحيح ثابت.
(٧) شرح ابن رجب: انظر: جامع العلوم والحكم، المجلد (١)، الصفحة (٤٦٠) (شرح حديث ابن عباس).
(٨) تاصيل الباحث: قلتُ (١٠ أسطر أعلاه)، الغرض منه بيان الربط بين المراتب.
(٩) نص الشيخ السندي: انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح، صالح السندي، الصفحة (٥٨)، المجلد (١)، الطبعة الأولى.
(١٠) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "اللوحُ المحفوظُ لا يقعُ فيه محوٌ ولا إثباتٌ، والمحوُ في صحفِ الملائكةِ موافقٌ لما في اللوح".
(١١) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "الكتابةُ السابقةُ لا تمنعُ العملَ، بل تستلزمُهُ؛ لأنَّ اللهَ كتبَ المسبباتِ بأسبابِها".
(١٢) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (اللوحُ المحفوظُ) سُمي بذلك لأنَّ الشياطينَ لا تصلُ إليه، ولأنه لا يتغير.
(١٣) فَائدة عِلْمِيَّةٌ: سُئل أبو حنيفة عن القدر والكتابة فقال: "هو سرُّ الله، واللوحُ مِرآةُ عِلمِهِ".
(١٤) لَوَازِمُ الإِيمَانِ بِالكِتَابَةِ: 
1. بطلانُ الخوفِ من فواتِ الرزق. 
2. عدمُ الأسى على ما فات. 
3. انقطاعُ الرجاءِ في الخلق. 
4. الصبرُ الجميل.
(١٥) شَرْحُ ابن عُثَيْمِين: ذكر عند آية الحديد أنَّ الكتابةَ غايةٌ في الضبطِ والعدل؛ انظر: مجموع الفتاوى (٨/٥٠).
(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الكتابةُ هي البرهانُ العمليُّ على نفوذِ العلم، وبها يكتملُ الركنُ الثاني من أركانِ القدر.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٨]««««««««««««««««
التتمة الثالثة:
المَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: 
مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ وَالإِرَادَةِ (التَّأْصِيلُ وَالفَرْقُ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ)
١. الاشتقاق والحد والتعريف والضابط:
المشيئة في اللغة من "شَيَّأَ"؛ وهي مادةٌ تدلُّ على إيجادِ الشيءِ وإخراجِهِ من العدمِ إلى الوجودِ (١). والحدُّ الجامعُ لها: "هي نفوذُ مشيئةِ اللهِ في خلقهِ الشاملةِ لكلِّ واقعٍ" (٢). وتعريفها الشرعي: "الإيمانُ بأنَّ ما شاءَ اللهُ كانَ وما لم يشأْ لم يكن، وأنَّ مشيئةَ العبادِ تابعةٌ لمشيئةِ اللهِ" (٣). والضابطُ الأصوليُّ العقديُّ لها: "أنَّ المَشِيئَةَ لا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا هُوَ كَائِنٌ، وَلَا يَخْرُجُ عَنْهَا مَقْدُورٌ، وَهِيَ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتِيَّةٌ بِاعْتِبَارِ الأَصْلِ وَالآحَادِ" (٤).
٢. أنواع المشيئة (الإرادة) وكيفية وقوعها:
تنقسمُ الإرادةُ في نصوصِ الوحيينِ إلى نوعينِ عظيمينِ (٥):

أولاً: الإرادة الكونية (المشيئة): وهي المرادفةُ للمشيئةِ، وتتعلقُ بوقوعِ الشيءِ، فكلُّ ما أرادَهُ اللهُ كوناً وقعَ لا محالة، سواءً كانَ مما يحبُّهُ (كإيمانِ المؤمنِ) أو مما لا يحبُّهُ (ككفرِ الكافرِ). 
مثالها: 
١- وقوعُ المصائبِ، 
٢- خَلْقُ إبليسَ، 
٣-إنزالُ المطرِ.
ثانياً: الإرادة الشرعية: وهي المتعلقةُ بالمحبةِ والرضا، ولا يلزمُ منها الوقوعُ، فقد يريدُ اللهُ من العبدِ الصلاةَ (إرادةً شرعيةً) فيصلي العبدُ أو لا يصلي. 
مثالها: أَمْرُ اللهِ للناسِ بالتوحيدِ، ومحبتُهُ للتوابينَ والمتطهرينَ.
٣. الاستدلال والشروح الأثرية:
الدليل من الكتاب: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
تفسير ابن كثير: «أي ليستِ المشيئةُ إليكم، بل هي مشيئةٌ تابعةٌ لمشيئةِ اللهِ خالقِكم، فمَنْ شاءَ اللهُ هداهُ، ومَنْ شاءَ أضلَّهُ، ولا يقدرُ أحدٌ على هدايةِ نفسِهِ ولا إضلالِها إلا بإذنِهِ» (٦).

الدليل من السنة: «واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعتْ على أنْ ينفعوكَ بشيءٍ لم ينفعوكَ إلا بشيءٍ قد كتبَهُ اللهُ لكَ» (٧).

شرح ابن رجب الحنبلي: «هذا يدلُّ على أنَّ الحوادثَ كلَّها مرتبطةٌ بمشيئةِ اللهِ، وأنَّ العبادَ ليسَ لهم مشيئةٌ مستقلةٌ، بل مشيئتُهم منفذةٌ لقدرِ اللهِ وسابقِ علمِهِ» (٨).

٤. التأصيل العقدي للباحث:
قلتُ: إنَّ التحقيقَ السلفيَّ الأثريَّ في بابِ المشيئةِ هو "برزخُ السلامةِ" من بدعتي الجبرِ والاعتزالِ؛ فالإرادةُ الكونيةُ تُثبتُ كمالَ السلطانِ والربوبيةِ، والإرادةُ الشرعيةُ تُثبتُ كمالَ الحكمةِ والشرعِ. 
والخلطُ بينهما هو أصلُ ضلالِ القدريةِ الذين نفوا الكونيةَ لئلا ينسبوا الشرَّ لله، والجبريةِ الذين نفوا الشرعيةَ فجعلوا اللهَ يحبُّ كلَّ ما خلقَهُ. 
إنَّ استقامةَ التوحيدِ تقتضي الإيمانَ بأنَّ اللهَ شاءَ وجودَ الشرِّ كوناً لحكمةٍ بالغةٍ، ونَهى عنه شرعاً لمحبةٍ باقيةٍ، وبذلك يجتمعُ في قلبِ المؤمنِ التسليمُ للمقدورِ مع الامتثالِ للمأمورِ، فتتحققُ العبوديةُ الكاملةُ للهِ ربِّ العالمينَ (٩).

٥. نص الشيخ الدكتور محمد بن خليفة التميمي:
قال الشيخ محمد بن خليفة التميمي: «المشيئةُ والإرادةُ مرتبتانِ لا ينفكُّ الإيمانُ بالقدرِ بدونهما، ومنْ أصولِ أهلِ السنةِ التفريقُ بينَ الإرادةِ الكونيةِ والشرعيةِ. فالكونيةُ شاملةٌ لجميعِ المخلوقاتِ، ولا يخرجُ عنها برٌّ ولا فاجرٌ، وهي مرادفةٌ للمشيئةِ. والشرعيةُ خاصةٌ بما يحبُّهُ اللهُ ويرضاهُ، وهي مقتضى ألوهيتِهِ وشرعِهِ. 

١- والفرقُ بينهما من ثلاثةِ وجوهٍ: 
١- من حيثُ الوقوعُ؛ فالكونيةُ تقعُ دائماً 
٢-والشرعيةُ قد لا تقعُ.
 
٢-ومن حيثُ المحبةُ:
١- فالشرعيةُ يحبُّها اللهُ دائماً 
٢-والكونيةُ قد لا يحبُّها. 

٣-ومن حيثُ المتعلقُ؛ 
١-فالكونيةُ تتعلقُ بالخلقِ 
٢-والشرعيةُ تتعلقُ بالأمرِ والنهيِ» (١٠).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) الاشتقاق اللغوي: 
انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، م ٤/ ص ٢١٧.
(٢) الحد الجامع: 
انظر: معارج القبول، للحكمي، م ٢/ ص ٥٤٠.
(٣) التعريف الشرعي: انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، م ١/ ص ٢٦٠، ط ١.
(٤) الضابط العقدي: "كلُّ مشيئةٍ إرادةٌ وليسَ كلُّ إرادةٍ مشيئةً (باعتبارِ الإرادةِ الشرعيةِ)".
(٥) أنواع الإرادة: انظر: الرسالة التدمرية، ابن تيمية، م ١/ ص ٨٥، طبعة دار المنهاج.
(٦) تفسير ابن كثير: انظر: تفسير القرآن العظيم، م ٨/ ص ٣٤٠، طبعة دار طيبة.
(٧) تخريج الحديث: أخرجه الترمذي (٢٥١٦) وصححه، والحديثُ أصلُهُ في البخاري ومسلم في نصوصِ القدرِ العامةِ. الحكم: صحيح ثابت.
(٨) شرح ابن رجب: انظر: جامع العلوم والحكم، م ١/ ص ٤٦٠، طبعة الرسالة.
(٩) تأصيل الباحث: (عشرة أسطر أعلاه) في بيان وسطية السلف في الإرادة.
(١٠) نص الشيخ التميمي: انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله وصفاته، د. محمد بن خليفة التميمي، ص ١٤٥، م ١/ ط ٢.
(١١) قاعدة أصولية: "الجمعُ بينَ الإرادتينِ يرفعُ التناقضَ في آياتِ الابتلاءِ".
(١٢) ضابط المشيئة: "المشيئةُ لا تستلزمُ المحبةَ، فاللهُ قد يشاءُ ما يبغضُهُ كفراً وفسوقاً لحكمةٍ".
(١٣) فوائد المرتبة: 
1. بطلانُ الاستدلالِ بالقدرِ على المعاصي. 
2. إثباتُ فقرِ العبدِ وافتقارِ مشيئتِهِ لخالقِهِ. 
3. تعظيمُ اللهِ في تدبيرِهِ المتقنِ. 
4. الفرقُ بينَ الرضا بالقدرِ والرضا بالمقدورِ (المعصية).
(١٤) مفرداً حديثية: "تصريفُ القلوبِ"؛ أي تحويلُها بمشيئةِ اللهِ من حالٍ إلى حالٍ.
(١٥) نتيجة التحقيق: مرتبةُ المشيئةِ هي المحركُ للأفعالِ، وبدونِ التفرقةِ بينَ نوعي الإرادةِ يقعُ العكُّ والاضطرابُ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٦٩]«««««««««««««
المَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: 
مَرْتَبَةُ الخَلْقِ (التَّأْصِيلُ، الوَسَائِلُ، وَإِثْبَاتُ الفِعْلِ)
١. الاشتقاق والحد والتعريف والضابط:
الخلق في اللغة من "خَلَقَ"؛ وهو يأتي بمعنيين: أحدهما التقدير، والآخر الإيجاد على غير مثال سابق (١). 
والحدُّ : "هو انفرادُ اللهِ عزَّ وجلَّ بإيجادِ كلِّ موجودٍ وإحداثِ كلِّ مُحدَثٍ من العدمِ إلى الوجودِ" (٢). 
والمعنى الشرعي: "الإيمانُ بأنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شيءٍ، وأنَّ كلَّ ما سواهُ مخلوقٌ له، مربوبٌ بتدبيرِهِ، سواءً كانَ ذواتاً أو صفاتاً أو حركاتٍ" (٣). 
والضابطُ العَقديُّ لهذه المرتبة: "أنَّ اللهَ خالقُ العبادِ وخالقُ أفعالِهم وقدرتِهم وإرادتِهم، والعبدُ فاعلٌ لفعلهِ حقيقةً" (٤). والدليلُ القاطعُ من المحكمِ 
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
٢. أنواع الخلق ووسائله (بين اليد والكلمة):
خلقُ اللهِ سبحانه وتعالى للأشياءِ متنوعٌ من حيثُ الوسيلةِ إظهاراً لفضلِ بعضِ المخلوقاتِ وتشريفاً لها:
ما خلقه الله بيده: ثبتَ في النصوصِ أنَّ اللهَ اختصَّ أربعةَ أشياءَ خلقَها بيدهِ الشريفةِ مباشرةً: 
١. آدم عليه السلام. 
٢. جنة عدن. 
٣. العرش. 
٤. القلم (٥). 
وفي بعضِ الآثارِ: غرسُ كرامةِ أهلِ الجنةِ.
ما خلقه الله بكلمة (كن): وهي وسيلةُ الخلقِ العامةِ لكلِّ سائرِ المخلوقاتِ، فإذا أرادَ اللهُ شيئاً قالَ له "كن" فيكونُ في الحالِ وفقَ مشيئتِهِ وعلمِهِ (٦).
٣. الاستدلال والشروح الأثرية:
الدليل من الكتاب: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
تفسير ابن كثير: «هذا إخبارٌ من اللهِ بأنهُ ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُهُ وخالقُهُ، فدخلَ في ذلكَ أفعالُ العبادِ كما دخلتْ ذواتُهم، فكلُّ حركةٍ وسكونٍ في الوجودِ فهي بتقديرِهِ وخلقهِ سبحانه» (٧).
الدليل من السنة: «إنَّ اللهَ صانعُ كلِّ صانعٍ وصنعتِهِ» (٨).
شرح ابن رجب الحنبلي: «هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في إثباتِ عمومِ خلقِ اللهِ، فالفعلُ يُنسبُ للعبدِ كسباً ومباشرةً، ويُنسبُ للهِ خلقاً وإيجاداً، ولا تعارضَ بينَ كونِ العبدِ فاعلاً وبينَ كونِ اللهِ خالقاً لفعلهِ وقدرتِهِ» (٩).
٤. التأصيل العقدي للباحث:
قلتُ: إنَّ مرتبةَ الخلقِ هي الثمرةُ العمليةُ للمراتبِ الثلاثِ السابقةِ؛ فالعلمُ كاشفٌ، والكتابةُ مُقيدةٌ، والمشيئةُ مُرجحةٌ، والخلقُ هو الإبرازُ والإيجادُ. 
والتحقيقُ الأثريُّ يقتضي أنْ نعلمَ أنَّ انفرادَ اللهِ بالخلقِ لا يسلبُ العبدَ إرادتَهُ، بل إنَّ إرادةَ العبدِ ذاتَها هي خلقٌ من خلقِ اللهِ. فإذا استقرتْ هذه العقيدةُ في قلبِ الباحثِ السلفيِّ، نجا من غلوِّ "الجبريةِ" الذين سلبوا العبدَ فعلهُ، ومن ضلالِ "المعتزلةِ" الذين جعلوا العبدَ خالقاً لفعلهِ من دونِ اللهِ. إنَّ القولَ بأنَّ اللهَ خلقَنا وخلقَ أعمالَنا هو مقتضى التوحيدِ الخالصِ الذي لا يقبلُ الشريكَ في الربوبيةِ، وهو الذي يُورثُ العبدَ دوامَ الاستعانةِ باللهِ في كلِّ عملٍ يُقدمُ عليه، عالماً أنَّ حولَهُ وقوتَهُ من خلقِ ربِّهِ (١٠).

٥. نص الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي:
قال الشيخ صالح السندي: «المرتبةُ الرابعةُ من مراتبِ القدرِ هي الإيمانُ بالخلقِ، وهي الاعتقادُ بأنَّ اللهَ خالقُ كلِّ شيءٍ، ومن ذلكَ أفعالُ العبادِ. وقد دلَّ القرآنُ والسنةُ وإجماعُ السلفِ على أنَّ العبادَ فاعلونَ لأعمالهم حقيقةً، ولهم قدرةٌ ومشيئةٌ، واللهُ هو الذي خلقَهم وخلقَ قدرتَهم ومشيئتَهم. وهذا الخلقُ منهُ ما كانَ باليدِ وهو ما خصهُ اللهُ بالتشريفِ كآدمَ عليهِ السلامُ، ومنهُ ما كانَ بكلمةِ "كن". 
والواجبُ على المؤمنِ إثباتُ عمومِ الخلقِ للهِ مع إثباتِ الفعلِ للعبدِ، لكي لا يقعَ في تعطيلِ الربوبيةِ أو في هدمِ الحكمةِ والشرعِ والجزاء، وهذا هو الوسطُ الذي اجتمعتْ عليهِ كلمةُ أئمةِ السنةِ» (١١).
»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««
(١) الاشتقاق اللغوي: انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، م ٢/ ص ٢١٤.
(٢) الحد الجامع: انظر: لوامع الأنوار البهية، السفاريني، م ١/ ص ٣٤٨.
(٣) المعنى الشرعي: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٢٥٠، طبعة دار الوفاء.
(٤) ضابط الخلق: انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، م ١/ ص ٢٦٥.
(٥) ما خلقه الله بيده: ورد في أثر ابن عمر رضي الله عنهما؛ انظر: الرد على الجهمية، الدارمي، ص ٣٨.
(٦) الخلق بالكلمة: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
(٧) تفسير ابن كثير: انظر: تفسير القرآن العظيم، م ٧/ ص ١٠٥، طبعة دار طيبة.
(٨) تخريج الحديث: أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (رقم ١٦٨)، والحاكم في المستدرك (١/٨٤) وصححه ووافقه الذهبي. الحكم: صحيح.
(٩) شرح ابن رجب: انظر: فتح الباري لابن رجب، م ٣/ ص ٢٥٥.
(١٠) تأصيل الباحث: (عشرة أسطر أعلاه) في الجمع بين ربوبية الخلق وحقيقة الفعل.
(١١) نص الشيخ السندي: انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح، صالح السندي، ص ٦٠، م ١/ ط ١ (الأولى).
(١٢) قاعدة عقدية: "خلقُ اللهِ لأفعالِ العبادِ لا ينفي اختيارَهم، بل هو مُحقِّقٌ له".
(١٣) ضابط أصولي: "كلُّ ما في الكونِ فهو مفعولُ اللهِ حقيقةً، ومخلوقُهُ ابتداءً".
(١٤) فوائد المرتبة: 
١. كمالُ التوكلِ على الخالق. 
٢. انقطاعُ التعلقِ بالمخلوقين. 
٣. التواضعُ عند الطاعة (لأنها خلقُ اللهِ فيك). 
٤. استشعارُ عظمةِ الربِّ في تنوعِ وسائلِ خلقهِ                                                              
(١٥) نتيجة التحقيق: بمرتبةِ الخلقِ يكتملُ نظامُ القدرِ، وبها يرتفعُ العكُّ عن فهمِ العلاقةِ بينَ الربِّ والعبدِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٠]«««««««««««««««
أَوَّلًا: مَرْتَبَةُ العِلْمِ الإِلَهِيِّ الشَّامِلِ:
أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهِ (١).
وَأَنَّ عِلْمَهُ أَزَلِيٌّ، مُحِيطٌ بِالكُلِّيَّاتِ وَالجُزْئِيَّاتِ، وَبِمَا كَانَ وَمَا سَيَكُونُ (٢).
وَقَدْ خَالَفَ فِي هَذِهِ المَرْتَبَةِ غُلَاةُ القَدَرِيَّةِ، الَّذِينَ نَفَوْا سَبْقَ العِلْمِ (٣).
وَزَعَمُوا أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ أَفْعَالَ العِبَادِ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهَا، وَقَالُوا: "الأَمْرُ أُنُفٌ" (٤).
وَعِلَّةُ ضَلَالِهِمْ هِيَ التَّنْزِيهُ البَاطِلُ لِلرَّبِّ عَنْ عِلْمِهِ بِالشَّرِّ قَبْلَ خَلْقِهِ (٥).
ثَانِيًا: مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ:
يَعْتَقِدُ السَّلَفُ أَنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ (٦).
وَهَذَا الإِجْمَاعُ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الأَئِمَّةِ، كَالإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ تَيْمِيَّةَ (٧).
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ المَعْتَزِلَةُ الَّذِينَ جَحَدُوا أَنْ يَكُونَ اللهُ كَتَبَ المَعَاصِيَ (٨).
وَزَعَمُوا أَنَّ الكِتَابَةَ السَّابِقَةَ تَتَنَافَى مَعَ عَدْلِ اللهِ فِي مُحَاسَبَةِ الخَلْقِ (٩).
وَالدَّافِعُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَبْدَأُ "العَدْلِ" المَنْحُورِ الَّذِي يُوجِبُ انْفِرَادَ العَبْدِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِهِ (١٠).
ثَالِثًا: مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ النَّافِذَةِ:
مَذْهَبُ أَهْلِ الأَثَرِ أَنَّ مَشِيئَةَ اللهِ نَافِذَةٌ، فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (١١).
وَأَنَّ مَشِيئَةَ العِبَادِ تابعةٌ لِمَشِيئَةِ خَالِقِهِمْ، لَا تَقِلُّ عَنْهَا وَلَا تَعْلُوهَا (١٢).
وَقَدْ خَالَفَهُمُ المَعْتَزِلَةُ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ مَشِيئَةَ العَبْدِ تَغْلِبُ مَشِيئَةَ الرَّبِّ (١٣).
فَقَالُوا: "اللهُ شَاءَ لِلْكَافِرِ الإِيمَانَ، لَكِنَّ الكَافِرَ شَاءَ الكُفْرَ، فَوَقَعَ مَا شَاءَ العَبْدُ" (١٤).
وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِقَيُّومِيَّةِ الرَّبِّ، وَنِسْبَةُ العَجْزِ إِلَى قُدْرَتِهِ سُبْحَانَهُ (١٥).
رَابِعًا: مَرْتَبَةُ الخَلْقِ وَالإِيجَادِ لِأَفْعَالِ العِبَادِ:
أَطْبَقَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ اللهَ خَالِقُ العِبَادِ وَخَالِقُ أَفْعَالِهِمْ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا (١٦).
كَمَا قَالَ البُخَارِيُّ فِي "خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ" تَقْرِيرًا لِهَذَا الأَصْلِ العَظِيمِ (١٧).
وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ القَدَرِيَّةُ وَالمَعْتَزِلَةُ وَتَبِعَهُمُ الرَّافِضَةُ "العَدْلِيَّةُ" (١٨).
حَيْثُ جَعَلُوا العَبْدَ هُوَ الخَالِقَ لِفِعْلِهِ اسْتِقْلَالًا، وَأَخْرَجُوهُ عَنْ خَلْقِ اللهِ (١٩).
وَعِلَّتُهُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ هِيَ الهَرَبُ مِنْ "تَعَدُّدِ القُدَمَاءِ" وَزَعْمُ التَّرْكِيبِ (٢٠).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) إِجْمَاعُ السَّلَفِ: انظر: التمهيد، ابن عبد البر، م ١٠/ ص ١٥٠.
(٢) عِلْمُ الجُزَيْئَاتِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ١٠، طبعة دار الوفاء.
(٣) غُلَاةُ القَدَرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ ظَهَرُوا فِي عَهْدِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ عَنْهُمْ: "إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ". رَؤُوسُهُمْ: مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ (قُتِلَ ٨٠ هـ) وَغَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ.
(٤) مَعْنَى "أُنُف": بِضَمَّتَيْنِ، أَيْ: مُسْتَأْنَفٌ جَدِيدٌ لَمْ يَسْبِقْ فِي تَقْدِيرِ اللهِ. انظر: فتح الباري، ج ١٣/ ص ٤٩٥.
(٥) عِلَّةُ الانْحِرَافِ: زَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ العِلْمِ يُلْزِمُ الجَبْرَ، فَوَصَفُوا اللهَ بِالجَهْلِ فَنَفَوْا رُبُوبِيَّتَهُ.
(٦) دَلِيلُ الكِتَابَةِ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج: ٧٠].
(٧) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الكِتَابَةِ: «كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الخَلَائِقِ...»؛ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (٢٦٥٣). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.
(٨) فِرْقَةُ المَعْتَزِلَةِ: نَشَأَتْ بِاعْتِزَالِ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ (ت ١٣١ هـ) لِمَجْلِسِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
(٩) أُصُولُهُمُ الخَمْسَةُ: 
١. التَّوْحِيدُ (نَفْيُ الصِّفَاتِ). 
٢. العَدْلُ (نَفْيُ القَدَرِ). 
٣. المَنْزِلَةُ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ. 
٤. إِنْفَاذُ الوَعِيدِ. 
٥. الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ (الخُرُوجُ عَلَى الأَئِمَّةِ).
(١٠) مَقْصُودُ التَّوْحِيدِ عِنْدَهُمْ: هُوَ نَفْيُ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَنِ الذَّاتِ، لِأَنَّ إِثْبَاتَهَا عِنْدَهُمْ يَعْنِي "تَعَدُّدَ القُدَمَاءِ"، وَهُوَ تَأَثُّرٌ بَيِّنٌ بِالفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ.
(١١) دَلِيلُ المَشِيئَةِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
(١٢) ضَابِطُ أَهْلِ السُّنَّةِ: نُثْبِتُ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَاخْتِيَارًا، لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ الرَّبِّ.
(١٣) ضَلَالُ المَعْتَزِلَةِ فِي المَشِيئَةِ: انظر: مقالات الإسلاميين، الأشعري، م ١/ ص ١٧٠.
(١٤) عِلَّةُ اعْتِرَاضِهِمْ: يَقُولُونَ: "اللهُ لَا يَشَاءُ الشَّرَّ"، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ (الوُقُوعِ) وَالإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ (المَحَبَّةِ).
(١٥) لَازِمُ قَوْلِهِمْ: أَنَّ فِي مُلْكِ اللهِ مَا لَا يَشَاءُ، وَهَذَا نَقْصٌ عَظِيمٌ فِي الرُّبُوبِيَّةِ.
(١٦) دَلِيلُ الخَلْقِ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
(١٧) كِتَابُ البُخَارِيِّ: خَلْقُ أَفْعَالِ العِبَادِ، ص ٤٥، طبعة مؤسسة الرسالة.
(١٨) الرَّافِضَةُ "العَدْلِيَّةُ": هُمُ الَّذِينَ وَافَقُوا المَعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ القَدَرِ، وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ "أَهْلَ العَدْلِ". انظر: منهاج السنة، ابن تيمية، م ٣/ ص ١٠، م ٢/ ط ١ (الأولى).
(١٩) لِمَاذَا يَنْفُونَ الصِّفَاتِ: لِأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الصِّفَةَ إِذَا كَانَتْ قَدِيمَةً فَهِيَ إِلهٌ آخَرُ، وَهَذَا جَهْلٌ بِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ المَوْصُوفِ.
(٢٠) القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ: "مَنْ أَقَرَّ بِالعِلْمِ لَزِمَهُ الإِقْرَارُ بِبَقِيَّةِ المَرَاتِبِ، وَمَنْ نَفَى الخَلْقَ فَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللهِ خَالِقًا آخَرَ".
(٢١) فَوَائِدُ مَنْهَجِيَّةٌ: 
١. بَدْعَةُ القَدَرِ هِيَ أَوَّلُ مَا ظَهَرَ لِتَشْكِيكِ المُسْلِمِينَ فِي عَدْلِ الرَّبِّ. 
٢. السَّلَفُ حَسَمُوا المَادَّةَ بِتَقْرِيرِ عَظَمَةِ اللهِ. 
٣. كُلُّ مَنِ اسْتَعْمَلَ العَقْلَ بِمَعْزِلٍ عَنِ النَّصِّ ضَلَّ فِي هَذَا البَابِ.
(٢٢) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الاسْتِقَامَةُ الأَثَرِيَّةُ تَقْتَضِي التَّسْلِيمَ لِلْمَرَاتِبِ الأَرْبَعِ مَعَ رَدِّ شُبُهَاتِ أَهْلِ الاعْتِزَالِ بِمَا يُوَافِقُ النَّصَّ وَالعَقْلَ الصَّرِيحَ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧١]««««««««««««««««
المُحَاقَقَةُ العَقَدِيَّةُ لِمَذْهَبِ الجَبْرِيَّةِ وَمَرَاتِبِ القَدَرِ (التَّشْرِيحُ وَالرَّدُّ)
أَوَّلًا: مَرْتَبَةُ العِلْمِ وَالكِتَابَةِ عِنْدَ الجَبْرِيَّةِ:
يُثْبِتُ الجَبْرِيَّةُ (خَالِصُهُمْ وَمُتَوَسِّطُهُمْ) العِلْمَ وَالكِتَابَةَ، لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُمَا حُجَّةً لِقَهْرِ العَبْدِ (١).
فَزَعَمُوا أَنَّ العَبْدَ رِيشَةٌ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، لَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ، لِأَنَّ اللهَ عَلِمَ وَكَتَبَ (٢).
وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ العِلْمَ وَالكِتَابَةَ، لَكِنَّهُمْ لَا يَسْلُبُونَ العَبْدَ إِرَادَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ فِيهِ (٣).
فَالعِلْمُ كَاشِفٌ لِمَا سَيَفْعَلُهُ العَبْدُ بِاخْتِيَارِهِ، وَالكِتَابَةُ تَقْيِيدٌ لِذَلِكَ العِلْمِ لَا إِكْرَاهٌ فِيهِ (٤).
ثَانِيًا: مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ بَيْنَ الجَبْرِ وَالاخْتِيَارِ:
يُغَالِي الجَبْرِيَّةُ فِي إِثْبَاتِ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ حَتَّى عَطَّلُوا الإِرَادَةَ الشَّرْعِيَّةَ وَفِعْلَ العَبْدِ (٥).
فَقَالُوا: "مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَالعَبْدُ لَيْسَ لَهُ مَشِيئَةٌ أَصْلًا"، وَهَذَا مُصَادَمَةٌ لِصَرِيحِ القُرْآنِ (٦).
أَمَّا السَّلَفُ فَيُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً حَقِيقِيَّةً، لَكِنَّهَا مَحْفُوفَةٌ وَمَحُوطَةٌ بِمَشِيئَةِ الخَالِقِ (٧).
فَلَا يَقْدِرُ العَبْدُ أَنْ يَشَاءَ شَيْئًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِهَذِهِ المَشِيئَةِ أَنْ تَنْبَعِثَ (٨).
ثَالِثًا: مَرْتَبَةُ الخَلْقِ وَمَسْأَلَةُ "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ:
انْفَرَدَ الجَبْرِيَّةُ بِقَوْلِهِمْ إِنَّ اللهَ خَالِقُ فِعْلِ العَبْدِ، وَالعَبْدُ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً (٩).
وَحَاوَلَ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ التَّوَسُّطَ فَاخْتَرَعُوا بَدْعَةَ "الكَسْبِ" الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا (١٠).
وَالمَاتُرِيدِيَّةُ أَشَدُّ فِي هَذَا البَابِ، حَيْثُ يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ "قُدْرَةً غَيْرَ مُؤَثِّرَةٍ" (١١).
وَالحَقُّ أَنَّ العَبْدَ هُوَ الفَاعِلُ حَقِيقَةً، وَاللهُ هُوَ خَالِقُهُ وَخَالِقُ فِعْلِهِ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا (١٢).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««
(١) فِرْقَةُ الجَبْرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ قَالُوا بِاضْطِرَارِ العَبْدِ لِأَفْعَالِهِ. نَشَأَتْ عَلَى يَدِ "الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ".
(٢) فِرْقَةُ الأَشَاعِرَةِ: تَبَعُ أَبِي الحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ، وَقَالُوا بِـ"الكَسْبِ"؛ وَهُوَ اقْتِرَانُ القُدْرَةِ الحَادِثَةِ بِالفِعْلِ دُونَ تَأْثِيرٍ، وَهُوَ جَبْرٌ فِي قَالَبِ اخْتِيَارٍ.
(٣) فِرْقَةُ المَاتُرِيدِيَّةِ: أَتْبَاعُ أَبِي مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ، وَهُمْ أَشَدُّ تَعْمِيقًا لِمَسْأَلَةِ "الإِرَادَةِ الجُزْئِيَّةِ" لَكِنَّهُمْ يَنْتَهُونَ إِلَى أَنَّ الفِعْلَ خَلْقٌ لِلَّهِ لَا دَخْلَ لِلْعَبْدِ فِي إِيجَادِهِ.
(٤) تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾:
يَنْقَسِمُ التَّفْسِيرُ الأَثَرِيُّ لِهَذِهِ الآيَةِ إِلَى رُكْنَيْنِ مُرْتَبِطَيْنِ:
الأَوَّلُ: (وَمَا تَشَاءُونَ) إِثْبَاتُ مَشِيئَةِ العَبْدِ مِنْ جِهَةِ "الكَسْبِ وَالتَّحْصِيلِ"، فَالإِنْسَانُ لَهُ مَشِيئَةٌ حَقِيقِيَّةٌ هِيَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ.
الثَّانِي: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) إِثْبَاتُ مَشِيئَةِ اللهِ مِنْ جِهَةِ "الخَلْقِ وَالإِيجَادِ". 
فَلَا يَتَحَوَّلُ كَسْبُ العَبْدِ إِلَى فِعْلٍ مَوْجُودٍ إِلَّا بِخَلْقِ اللهِ وَإِذْنِهِ المَشِيئِيِّ.
فَمَشِيئَةُ الإِنْسَانِ مَحْفُوفَةٌ بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ؛ فَلَا يَشَاءُ العَبْدُ شَيْئًا ابْتِدَاءً إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشَاءَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ تَيْسِيرًا وَخَلْقًا لِلإِرَادَةِ.
(٥) ضَابِطُ التَّكْيِيفِ الإِلَهِيِّ: "اللهُ سُبْحَانَهُ كَيَّفَ نَفْسَ العَبْدِ وَقَلْبَهُ لِتَنْبَعِثَ مِنْهُ المَشِيئَةُ"، فَاللهُ خَالِقُ الذَّاتِ وَخَالِقُ مَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا.
(٦) تَخْرِيجُ حَدِيثِ القَدَرِ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ لِكُلِّ صَانِعٍ صَنْعَتَهُ»؛ أخرجه البخاري في خلق أفعال العباد (١٦٨). الحكم: صحيح.
(٧) سَبَبُ ضَلَالِ الجَبْرِيَّةِ: هَرَبُوا مِنَ الشِّرْكِ فِي الخَلْقِ فَوَقَعُوا فِي تَعْطِيلِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَجَعَلُوا الثَّوَابَ وَالعِقَابَ ظُلْمًا (تَعَالَى اللهُ).
(٨) مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ "الكَسْبِ": قَالُوا: "الكَسْبُ لَفْظٌ غَامِضٌ أَرَادَ بِهِ الأَشَاعِرَةُ إِرْضَاءَ القَدَرِيَّةِ وَالجَبْرِيَّةِ فَخَالَفُوا العَقْلَ وَالنَّقْلَ".
(٩) رَقْمُ الصَّفْحَةِ وَالمُجَلَّدِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ١٢٠، طبعة دار الوفاء.
(١٠) تَوْثِيقُ المَاتُرِيدِيَّةِ: انظر: شرح العقائد النسفية، للتفتازاني، م ١/ ص ٩٥، طبعة دار الكلمة، ط ٢.
(١١) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الإِرَادَةُ مَوْجُودَةٌ فِي العَبْدِ بِخَلْقِ اللهِ، وَمُسْتَعْمَلَةٌ بِمَشِيئَتِهِ، وَمُحَاسَبٌ عَلَيْهَا بِعَدْلِهِ".
(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ جَبْرِيٍّ فِيهِ شُبْهَةٌ مِنَ التَّعْطِيلِ، وَكُلُّ قَدَرِيٍّ فِيهِ شُبْهَةٌ مِنَ المَجُوسِيَّةِ".
(١٣) فَوَائِدُ المَرْتَبَةِ: 
١. انْقِطَاعُ الاحْتِجَاجِ بِالقَدَرِ عَلَى المَعَاصِي. 
٢. إِثْبَاتُ كَمَالِ عَدْلِ اللهِ. 
٣. رَبْطُ الأَسْبَابِ بِمُسَبِّبَاتِهَا. 
٤. نَفْيُ العَبَثِ عَنِ التَّكْلِيفِ.
(١٤) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الكَسْبُ) فِي اللُّغَةِ الطَّلَبُ وَالسَّعْيُ، وَعِنْدَ الأَشَاعِرَةِ "اقْتِرَانٌ بِلَا تَأْثِيرٍ".
(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ هُوَ مَا قَرَّرَهُ السَّلَفُ: "خَلْقٌ لِلَّهِ حَقِيقَةً، وَفِعْلٌ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةً"، وَبِهَذَا يَسْتَقِيمُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٢]««««««««««««««
 مَسْأَلَةِ "الكَسْبِ" عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ 
(بَيْنَ التَّأْصِيلِ المَنْطِقِيِّ وَالرَّدِّ السَّلَفِيِّ)
١. الاشتقاق والحد والماهية:
الكَسْبُ فِي اللُّغَةِ: مِنْ "كَسَبَ"؛ وَهُوَ السَّعْيُ وَالطَّلَبُ وَالاجْتِهَادُ لِنَيْلِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرٍّ (١).
وَتعرفه للعِنْدَ الأَشَاعِرَةِ: "هُوَ اقْتِرَانُ القُدْرَةِ الحَادِثَةِ لِلْعَبْدِ بِالْفِعْلِ دُونَ تَأْثِيرٍ مِنْهَا فِي وُجُودِهِ" (٢).
فَالْكَسْبُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ خَلْقاً، وَلَا هُوَ فِعْلٌ مُؤَثِّرٌ، بَلْ هُوَ "مُجَرَّدُ صِلَةٍ" تَقَعُ عِنْدَهَا أَفْعَالُ العِبَادِ (٣).
فَاللهُ هُوَ الخَالِقُ لِلْفِعْلِ وَلِلْقُدْرَةِ، وَالعَبْدُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَتِهِ فِي إِيجَادِ الفِعْلِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الجَبْرِ (٤).
٢. تَشْرِيحُ المَسْأَلَةِ (الفرق بين الأشاعرة والماتريدية والسلف):
الأَشَاعِرَةُ: يَرَوْنَ أَنَّ القُدْرَةَ الحَادِثَةَ لَا أَثَرَ لَهَا فِي "أَصْلِ الفِعْلِ" وَلَا فِي "صِفَتِهِ" (٥).
المَاتُرِيدِيَّةُ: أَثْبَتُوا "إِرَادَةً جُزْئِيَّةً" لِلْعَبْدِ، وَقَالُوا إِنَّ هَذِهِ الإِرَادَةَ هِيَ المَسْؤُولَةُ عَنِ الْكَسْبِ (٦).
أَهْلُ السُّنَّةِ: يَرَوْنَ أَنَّ الكَسْبَ هُوَ "الفِعْلُ" نَفْسُهُ، وَأَنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ بِخَلْقِ اللهِ لَهَا (٧).
فَالسَّلَفُ لَا يَجْعَلُونَ الْكَسْبَ لَغْزاً بَلْ جَعَلُوهُ عَمَلاً حَقِيقِيّاً يَقُومُ بِهِ العَبْدُ بِإِرَادَتِهِ (٨).
٣. الرَّدُّ السَّلَفِيُّ وَمِثَالُ المَسْأَلَةِ:
المِثَالُ: إِذَا رَفَعَ العَبْدُ يَدَهُ، فَالاشْعَرِيُّ يَقُولُ: اللهُ خَلَقَ الرَّفْعَ عِنْدَ قُدْرَةِ العَبْدِ لَا بِهَا (٩).
وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ رَبْطَ الأَسْبَابِ بِمُسَبِّبَاتِهَا، وَيَجْعَلُ وُجُودَ القُدْرَةِ كَعَدَمِهَا فِي التَّأْثِيرِ (١٠).
وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ أَنَّ اللهَ أَثْبَتَ لِلْعِبَادِ فِعْلاً حَقِيقِيّاً ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١).
فَلَوْ كَانَ الفِعْلُ مَحْضَ خَلْقٍ لِلَّهِ دُونَ أَثَرٍ لِلْعَبْدِ لَمَا صَحَّتِ النِّسْبَةُ وَلَا التَّكْلِيفُ (١٢).
٤. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
قُلْتُ: إِنَّ "الكَسْبَ" عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ هُوَ لُغْزٌ كَلَامِيٌّ أَرَادُوا بِهِ الخُرُوجَ مِنْ مَزْرَقِ "الجَبْرِ المَحْضِ" إِلَى "الجَبْرِ الخَفِيِّ". إِنَّ التَّأْصِيلَ السَّلَفِيَّ يَقْضِي بِأَنَّ اللهَ خَلَقَ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَقُدْرَةً هُمَا "آلَةُ الفِعْلِ"، وَأَنَّ هَذَا الفِعْلَ يُنْسَبُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَنْ صَدَرَ عَنْهُ، وَيُنْسَبُ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَنْ أَوْجَدَهُ. وَالأَشَاعِرَةُ بِقَوْلِهِمْ "الاقْتِرَانُ بِلَا تَأْثِيرٍ" قَدْ عَطَّلُوا حِكْمَةَ الثَّوَابِ، فَصَارَ كَسْبُهُمْ قَوْلاً بِلَا حَقِيقَةٍ، وَدَعْوَى بِلَا مَعْنًى، وَمَا لَا يُعْقَلُ لَا يُعْبَدُ اللهُ بِهِ (١٣).
٥. نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي:
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الْكَسْبُ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ مِمَّا قِيلَ فِيهِ: "مِمَّا لَا حَقِيقَةَ لَهُ"، فَهُمْ يُثْبِتُونَ خَلْقَ اللهِ لِلْفِعْلِ وَيُثْبِتُونَ قُدْرَةً لِلْعَبْدِ، لَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: هَذِهِ القُدْرَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الفِعْلِ البَتَّةَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الفِعْلُ "عِنْدَهَا" لَا "بِهَا". وَهَذَا جَبْرٌ فِي الحَقِيقَةِ، وَلِذَا قِيلَ: "ثَلَاثَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الأَشْعَرِيِّ". 

 د. ك. كأَمَّا مذهبُ السلفِ فَيَقُومُ عَلَى أَنَّ العَبْدَ هُوَ الفَاعِلُ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً بِقُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ خَلَقَهُمَا اللهُ فِيهِ، فَالْفِعْلُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ مِنْ جِهَةِ الإِيجَادِ، وَمَكْسُوبٌ لِلْعَبْدِ مِنْ جِهَةِ المُبَاشَرَةِ وَالتَّأْثِيرِ المَحْدُودِ» (١٤).
»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««
(١) الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، م ٥/ ص ١٧٠.
(٢) حَدُّ الكَسْبِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ: انظر: المواقف، للإيجي، ص ٢٧٥، طبعة عالم الكتب.
(٣) مَاهِيَّةُ الصِّلَةِ: يَقُولُونَ هِيَ "تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ"، انظر: شرح الجوهرة، اللقاني، ص ١٦٠.
(٤) حَقِيقَةُ الجَبْرِ: انظر: منهاج السنة، ابن تيمية، م ٣/ ص ١٢٠، طبعة دار الفضيلة.
(٥) قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ: انظر: اللمع، للأشعري، ص ٩٠، طبعة دار الكتب العلمية.
(٦) قَوْلُ المَاتُرِيدِيَّةِ: انظر: كتاب التوحيد، للماتريدي، ص ٢٢٥، طبعة دار صادر. وَالمَاتُرِيدِيَّةُ يُثْبِتُونَ "مَيْلَ القَلْبِ" كَأَمْرٍ اعْتِبَارِيٍّ لَا يَخْلُقُهُ اللهُ، وَهَذَا خِلَافُ الأَشَاعِرَةِ.
(٧) فَهْمُ السَّلَفِ: انظر: مجموع الفتاوى، م ٨/ ص ٤٠٠، طبعة دار الوفاء.
(٨) الكَسْبُ عِنْدَ السَّلَفِ: هُوَ العَمَلُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ بِمَا فَعَلْتُمْ.
(٩) مِثَالُ الرَّفْعِ: هُوَ مِثَالُ "الاقْتِرَانِ العَادِيِّ" عِنْدَ مَنْ يَنْفِي الأَسْبَابَ.
(١٠) الرَّدُّ بِالأَسْبَابِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ١٨٠، م ١/ ط ١ (الأولى).
(١١) دَلِيلُ الفِعْلِ: سورة السجدة، الآية (١٧).
(١٢) بَحْثُ التَّكْلِيفِ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَثَرٌ فِي فِعْلِهِ لَبَطَلَ الأَمْرُ وَالنَّهْيُ.
(١٣) تَأْصِيلُ البَاحِثِ: فِي بَيَانِ لُغْزِ الكَسْبِ.
(١٤) نَصُّ الشَّيْخِ سِنْدِي: انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح، صالح السندي، ص ٦٢، م ١/ ط ١ (الأولى).
(١٥) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "الْفِعْلُ لَهُ نِسْبَتَانِ: نِسْبَةُ خَلْقٍ لِلْخَالِقِ، وَنِسْبَةُ عَمَلٍ لِلْعَامِلِ".
(١٦) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "كُلُّ قُدْرَةٍ لَا تُؤَثِّرُ فَهِيَ عَدَمٌ، وَاللهُ لَا يُكَلِّفُ بِالعَدَمِ".
(١٧) فَوَائِدُ المَرْتَبَةِ: 
١. التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَرَكَةِ المُرْتَعِشِ وَحَرَكَةِ المُخْتَارِ. 
٢. إِثْبَاتُ العَدْلِ الإِلَهِيِّ. 
٣. نَفْيُ العَبَثِ عَنِ التَّشْرِيعِ.
(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الْكَسْبُ الأَشْعَرِيُّ جَبْرٌ مُمَوَّهٌ، وَالْكَسْبُ السَّلَفِيُّ عَمَلٌ حَقِيقِيٌّ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٣]««««««««««««««
التَّتِمَّةُ فِي مسألة"الكَسْبِ": التَّعَلُّقَاتُ وَالمُفَارَقَاتُ وَالرُّدُودُ
١. جَوْهَرُ النِّزَاعِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ حَرَكَةِ المُرْتَعِشِ وَحَرَكَةِ المُخْتَارِ:
يُحَاوِلُ الأَشَاعِرَةُ الهَرَبَ مِنَ الجَبْرِ المَحْضِ بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ حَرَكَتَيْنِ (١):
حَرَكَةُ المُرْتَعِشِ: وَهِيَ الحَرَكَةُ الاضْطِرَارِيَّةُ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا قُدْرَةٌ وَلَا إِرَادَةٌ، كَارْتِجَافِ المَرِيضِ.
حَرَكَةُ المُخْتَارِ: وَهِيَ الحَرَكَةُ الَّتِي تَقَعُ مَعَ القُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ، كَمَشْيِ الصَّحِيحِ وَضَرْبِهِ.
وَالحَقِيقَةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ القُدْرَةَ فِي "المُخْتَارِ" كَالقُدْرَةِ فِي "المُرْتَعِشِ" مِنْ حَيْثُ نَفْيُ التَّأْثِيرِ (٢).
فَاللهُ خَالِقٌ لِلْحَرَكَتَيْنِ، وَالقُدْرَةُ الحَادِثَةُ مُجَرَّدُ "عَلَامَةٍ" أَوْ "ظَرْفٍ" لِوُقُوعِ الفِعْلِ، لَا سَبَباً فِيهِ (٣).
وَمِنْ هُنَا قَالَتِ السَّلَفُ: "تَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ الحَرَكَتَيْنِ صُورِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ، لِأَنَّهُمْ يَنْفُونَ تَأْثِيرَ السَّبَبِ" (٤).
٢. تَشْرِيحُ "التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ الحَادِثِ":
يَزْعُمُ الأَشَاعِرَةُ أَنَّ لِلْقُدْرَةِ تَعَلُّقَيْنِ (٥):
تَعَلُّقٌ صُلُوحِيٌّ قَدِيمٌ: وَهُوَ صَلَاحِيَّةُ القُدْرَةِ الأَزَلِيَّةِ لِلإِيجَادِ (وَهَذَا لِلَّهِ وَحْدَهُ).
تَعَلُّقٌ تَنْجِيزِيٌّ حَادِثٌ: وَهُوَ ارْتِبَاطُ القُدْرَةِ الحَادِثَةِ (لِلْعَبْدِ) بِالمَقْدُورِ فِي حَالِ وُقُوعِهِ (٦).
وَمَعْنَى "تَنْجِيزِيٍّ": أَيْ أَنَّ الفِعْلَ يَنْجَزُ وَيَقَعُ عِنْدَ هَذَا التَّعَلُّقِ، لَا بِهِ (٧).
فَالصِّلَةُ بَيْنَ قُدْرَةِ العَبْدِ وَفِعْلِهِ هِيَ مُجَرَّدُ "ارْتِبَاطٍ زَمَنِيٍّ" خَلَقَهُ اللهُ جَرْياً عَلَى العَادَةِ (٨).
فَإِذَا أَرَادَ العَبْدُ أَنْ يَتَكَلَّمَ، خَلَقَ اللهُ الكَلَامَ عِنْدَ قُدْرَتِهِ، وَيُسَمُّونَ هَذَا "تَنْجِيزاً" لِلْمَقْدُورِ (٩).
٣. أَقْوَالُ بَعْضِ الأَشَاعِرَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ:
قَالَ الجُوَيْنِيُّ فِي "الإِرْشَادِ": "القُدْرَةُ الحَادِثَةُ لَا تُوجِدُ مَقْدُوراً، بَلِ اللهُ يُوجِدُ المَقْدُورَ عِنْدَهَا" (١٠).
الرَّدُّ: هَذَا يَنْفِي كَوْنَ العَبْدِ فَاعِلًا، فَالنَّارُ لَا تُحْرِقُ، وَالسِّكِّينُ لَا تَقْطَعُ، وَالعَبْدُ لَا يُصَلِّي (١١).
وَقَالَ البَاقِلَّانِيُّ بِإِثْبَاتِ أَثَرِ القُدْرَةِ فِي "صِفَةِ الفِعْلِ" دُونَ "أَصْلِهِ" (١٢).
الرَّدُّ: هَذَا تَحَكُّمٌ بِلَا دَلِيلٍ؛ فَالفِعْلُ وَصِفَتُهُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الوُجُودِ، فَلَا يَنْفَصِلَانِ فِي الخَلْقِ (١٣).
٤. التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :
قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ قَوْلَ الأَشَاعِرَةِ فِي "التَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ" عَلِمَ أَنَّهُمْ بَنَوْا عَقِيدَتَهُمْ عَلَى سَلْبِ الطَّبَائِعِ وَالأَسْبَابِ قُوَاهَا. فَإِذَا كَانَتِ القُدْرَةُ لَا تُنْجِزُ فِعْلًا بِذَاتِهَا بِخَلْقِ اللهِ، صَارَ الثَّوَابُ عَلَى "الاقْتِرَانِ" عَبَثاً، وَالعِقَابُ عَلَيْهِ ظُلْماً. 
إِنَّ التَّحْقِيقَ السَّلَفِيَّ يُثْبِتُ أَنَّ القُدْرَةَ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ مُؤَثِّرٌ جَعَلَهُ اللهُ كَذَلِكَ، وَأَنَّ العَبْدَ يَمْلِكُ مَشِيئَةً تَقْبَلُ التَّكْيِيفَ وَالتَّوْجِيهَ.
وَبِذَلِكَ يَتَمَيَّزُ المُخْتَارُ عَنِ المُرْتَعِشِ بِأَنَّ الأَوَّلَ فَعَلَ بِقُدْرَتِهِ الَّتِي هِيَ سَبَبٌ، وَالثَّانِي سُلِبَ هَذِهِ القُدْرَةَ، فَبَانَ الفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَةِ الفِعْلِ وَبَيْنَ جَبْرِ النِّحْلَةِ (١٤).
٥.  الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ سِنْدِي :
قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الكَسْبُ الأَشْعَرِيُّ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ السَّبَبِيَّةِ، فَهُمْ يَقُولُونَ بِالاقْتِرَانِ العَادِيِّ، أَيْ أَنَّ اللهَ أَجْرَى العَادَةَ أَنْ يَخْلُقَ الفِعْلَ عِنْدَ تَحَرُّكِ قُدْرَةِ العَبْدِ، لَا بِسَبَبِ هَذِهِ القُدْرَةِ. وَهَذَا يَهْدِمُ رُكْنَ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ العَبْدَ لَا يَكُونُ حِينَئِذٍ مَصْدَرَ الفِعْلِ. وَأَمَّا التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ الحَادِثُ عِنْدَهُمْ، فَهُوَ مُجَرَّدُ اصْطِلَاحٍ لِتَبْرِيرِ وُقُوعِ الفِعْلِ فِي زَمَنٍ مُعَيَّنٍ، دُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَلَكَةُ التَّأْثِيرِ فِي إِيجَادِهِ. وَهَذَا يُخَالِفُ صَرِيحَ المَعْقُولِ وَالمَنْقُولِ الَّذِي أَثْبَتَ القُدْرَةَ سَبَباً، وَالعَمَلَ عِلَّةً لِلْجَزَاءِ، مَعَ رَدِّ الخَلْقِ كُلِّهِ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ» (١٥).
»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««
(١) حَرَكَةُ المُرْتَعِشِ: انظر: شرح المواقف، للجرجاني، م ٨/ ص ١٤٥، طبعة مطبعة السعادة.
(٢) نَفْيُ التَّأْثِيرِ: انظر: مقالات الإسلاميين، الأشعري، ص ٢٩٠، طبعة دار فرانز شتاينر.
(٣) القُدْرَةُ عَلَامَةٌ: يُسَمُّونَهَا "الأَمَارَةَ المُرَافِقَةَ لِلْخَلْقِ".
(٤) رَدُّ السَّلَفِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ١٢٥، طبعة دار الوفاء.
(٥) تَعَلُّقَاتُ القُدْرَةِ: انظر: شرح الجوهرة، للباجوري، ص ١٥٥، طبعة دار السلام.
(٦) التَّعَلُّقُ التَّنْجِيزِيُّ: مَعْنَاهُ إِخْرَاجُ المَقْدُورِ مِنَ القُوَّةِ إِلَى الفِعْلِ "عِنْدَ" لَا "بِـ".
(٧) حَقِيقَةُ التَّنْجِيزِ: انظر: المقاصد، للتفتازاني، م ٤/ ص ٢٠٠، طبعة عالم الكتب.
(٨) الاقْتِرَانُ العَادِيُّ: هُوَ نَفْيُ السَّبَبِيَّةِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الغَزَالِيُّ فِي "تَهَافُتِ الفَلَاسِفَةِ".
(٩) مِثَالُ الكَلَامِ: انظر: نهاية الإقدام، للشهرستاني، ص ١٢٠، طبعة دار الكتب العلمية.
(١٠) قَوْلُ الجُوَيْنِيِّ: انظر: كتاب الإرشاد، إمام الحرمين، ص ١٨٨، طبعة الخانجي.
(١١) لَازِمُ نَفْيِ الأَسْبَابِ: إِبْطَالُ الطِّبِّ وَالزِّرَاعَةِ وَكُلِّ حَرَكَةِ الحَيَاةِ.
(١٢) قَوْلُ البَاقِلَّانِيِّ: انظر: التمهيد، للباقلاني، ص ٣٠٠، طبعة دار الفكر. (مَسْأَلَةُ صِفَةِ الفِعْلِ).
(١٣) الرَّدُّ عَلَى البَاقِلَّانِيِّ: انظر: درء تعارض العقل والنقل، م ١/ ص ١٥٠.
(١٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ حَوْلَ فَسَادِ التَّنْجِيزِ الأَشْعَرِيِّ.
(١٥) نَصُّ الشَّيْخِ سِنْدِي: انظر: الوجيز في عقيدة السلف الصالح، صالح السندي، ص ٦٤، م ١/ ط ١.
(١٦) قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ: "الخَلْقُ لَا يَنْفِي السَّبَبِيَّةَ، بَلْ هُوَ خَالِقُ السَّبَبِ وَالمُسَبَّبِ".
(١٧) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "كُلُّ تَعَلُّقٍ لَا يُوجِبُ تَأْثِيراً فَهُوَ لَغْوٌ فِي بَابِ القُدْرَةِ".
(١٨) فَوَائِدُ الحَاشِيَةِ: 
١. المَاتُرِيدِيَّةُ خَالَفُوا الأَشَاعِرَةَ فِي "الإِرَادَةِ الجُزْئِيَّةِ" وَجَعَلُوهَا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ لِيَهْرَبُوا مِنَ الجَبْرِ، فَوَقَعُوا فِي قَوْلِ المَعْتَزِلَةِ مِنْ وَجْهٍ. 
٢. بَدْعَةُ الكَسْبِ هِيَ الَّتِي أَوْصَلَتِ المُتَأَخِّرِينَ إِلَى حَيْرَةٍ عَظِيمَةٍ. 
٣. الإِيمَانُ بِالأَسْبَابِ هُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ.
(١٩) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (التَّنْجِيزُ) أَيْ الإِمْضَاءُ وَالإِتْمَامُ.
(٢٠) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الجَبْرِيَّةُ قَصَّرُوا فِي إِثْبَاتِ الحِكْمَةِ، وَالأَشَاعِرَةُ لَبَّسُوا فِي إِثْبَاتِ القُدْرَةِ، وَالسَّلَفُ حَقَّقُوا التَّوْحِيدَ بِإِثْبَاتِ المَرَاتِبِ وَالأَسْبَابِ.
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٤]«««««««««««««««

تَصْنِيفُ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي بَابِ القَدَرِ

​إِنَّ بَابَ القَدَرِ كَانَ أَوَّلَ مَوَاطِنِ النِّزَاعِ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي الأُمَّةِ، وَانْقَسَمَ النَّاسُ فِيهِ إِلَى فِرَقٍ شَتَّى (١).

فَالقِسْمُ الأَوَّلُ هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا قَدَرَ اللهِ، وَجَعَلُوا لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً وَخَلْقاً مُسْتَقِلًّا (٢).

وَيَتَصَدَّرُ هَذَا القِسْمَ "القَدَرِيَّةُ الأُولَى" ثُمَّ "المَعْتَزِلَةُ"، الَّذِينَ لُقِّبُوا بِمَجُوسِ الأُمَّةِ (٣).

وَالقِسْمُ الثَّانِي هُمُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي القَدَرِ حَتَّى سَلَبُوا العَبْدَ فِعْلَهُ وَاخْتِيَارَهُ حَقِيقَةً (٤).

وَيُمَثِّلُ هَذَا الاتِّجَاهَ "الجَهْمِيَّةُ الجَبْرِيَّةُ"، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ فِرَقِ الِاضْطِرَارِ الإِبْلِيسِيَّةِ (٥).

وَالقِسْمُ الثَّالِثُ هُمُ الَّذِينَ حَاوَلُوا التَّلْفِيقَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، فَمَاهُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ (٦).

وَهُمُ "الأَشَاعِرَةُ" وَ"المَاتُرِيدِيَّةُ"، الَّذِينَ ابْتَدَعُوا قَوْلاً لَا مَعْنَى لَهُ يُسَمَّى "الكَسْبَ" (٧).

إِنَّ هَذَا التَّصْنِيفَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرْفٍ عِلْمِيٍّ، بَلْ هُوَ تَشْرِيحٌ لِأُصُولِ الِانْحِرَافِ العَقَدِيِّ (٨).

فَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنْ هَذِهِ الفِرَقِ قَدْ بَنَتْ مَذْهَبَهَا عَلَى شُبْهَةٍ عَقْلِيَّةٍ صَادَمَتْ نَصَّ الوَحْيِ (٩).

وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ بَيْنَ نَفْيِ القَدَرِ وَبَيْنَ سَلْبِ الإِرَادَةِ، يُثْبِتُونَ الخَلْقَ لِلَّهِ وَالفِعْلَ لِلْعَبْدِ (١٠).

[حَاشِيَةُ الِاسْتِقْصَاءِ لِتَارِيخِ وَمَعْتَقَدَاتِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ]

​(١) فِرْقَةُ (القَدَرِيَّةِ الأُولَى - نُفَاةُ العِلْمِ):

  • ​تَارِيخُ النُّشُوءِ: ظَهَرَتْ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ، تَقْرِيباً سَنَةَ (٧٠ هـ).
  • ​الرُّؤُوسُ: مَعْبَدٌ الجُهَنِيُّ فِي البَصْرَةِ، وَقَدْ تَلَقَّى عَنْهُ غَيْلَانُ الدِّمَشْقِيُّ.
  • ​المُعْتَقَدُ: نَفَوْا سَبْقَ العِلْمِ وَالكِتَابَةِ، وَقَالُوا: "إِنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ".
  • ​التَّوْثِيقُ: انظر: صحيح مسلم، حديث (١) حَدِيثُ جِبْرِيلَ، طبعة دار إحياء التراث.

​(٢) فِرْقَةُ (المَعْتَزِلَةِ - المَجُوسِيَّةُ):

  • ​تَارِيخُ النُّشُوءِ: مَطْلَعُ القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ (١٣١ هـ).
  • ​الرُّؤُوسُ: وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، أَبُو الهُذَيْلِ العَلَّافُ، النَّظَّامُ.
  • ​المُعْتَقَدُ: أَثْبَتُوا العِلْمَ لَكِنَّهُمْ نَفَوْا مَرْتَبَةَ المَشِيئَةِ وَالخَلْقِ فِي أَفْعَالِ العِبَادِ، وَقَالُوا: "العَبْدُ هُوَ الخَالِقُ لِفِعْلِ نَفْسِهِ".
  • ​عِلَّةُ اللَّقَبِ: لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا خَالِقَيْنِ لِلْكَوْنِ، وَالمَجُوسُ يَقُولُونَ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ.

​(٣) فِرْقَةُ (الجَهْمِيَّةِ الجَبْرِيَّةِ - الإِبْلِيسِيَّةُ):

  • ​تَارِيخُ النُّشُوءِ: تَقْرِيباً سَنَةَ (١٠٠ هـ).
  • ​الرُّؤُوسُ: الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ نَشَرَهَا الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (قُتِلَ ١٢٨ هـ).
  • ​المُعْتَقَدُ: نَفَوْا أَيَّ قُدْرَةٍ أَوْ إِرَادَةٍ لِلْعَبْدِ، وَقَالُوا: "الإِنْسَانُ رِيشَةٌ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ".
  • ​عِلَّةُ اللَّقَبِ: لِأَنَّهُمْ شَابَهُوا إِبْلِيسَ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ فَاحْتَجُّوا بِالقَدَرِ عَلَى الذُّنُوبِ.

​(٤) فِرْقَةُ (الأَشَاعِرَةِ - نُفَاةُ التَّأْثِيرِ):

  • ​تَارِيخُ النُّشُوءِ: مَطْلَعُ القَرْنِ الرَّابِعِ الهِجْرِيِّ (بَعْدَ ٣٠٠ هـ).
  • ​الرُّؤُوسُ: أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ (المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ)، البَاقِلَّانِيُّ، الجُوَيْنِيُّ، الرَّازِيُّ.
  • ​المُعْتَقَدُ: ابْتَدَعُوا مَسْأَلَةَ "الكَسْبِ"، وَهِيَ اقْتِرَانُ قُدْرَةِ العَبْدِ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَيُّ أَثَرٍ فِي إِيجَادِهِ، فَهُمْ جَبْرِيَّةٌ فِي ثَوْبٍ آخَرَ.

​(٥) فِرْقَةُ (المَاتُرِيدِيَّةِ):

  • ​تَارِيخُ النُّشُوءِ: (ت ٣٣٣ هـ) مَعَ أَبِي مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيِّ فِي سَمَرْقَنْدَ.
  • ​المُعْتَقَدُ: يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ "إِرَادَةً جُزْئِيَّةً" وَيَزْعُمُونَ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، لِيَهْرَبُوا مِنَ الجَبْرِ، فَوَقَعُوا فِي شِرْكِ الخَلْقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ.

​(٦) فِرْقَةُ (الرَّافِضَةِ - العَدْلِيَّةُ):

  • ​المُعْتَقَدُ: هُمْ فِي بَابِ القَدَرِ "مَعْتَزِلَةٌ" مَحْضُونَ، يُنْكِرُونَ خَلْقَ اللهِ لِأَفْعَالِ العِبَادِ، وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ "أَهْلَ العَدْلِ" مِثْلَ المَعْتَزِلَةِ تَمَاماً.

​(٧) فِرْقَةُ (الزَّيْدِيَّةِ):

  • ​المُعْتَقَدُ: تَابَعُوا المَعْتَزِلَةَ أَيْضاً فِي مَسْأَلَةِ خَلْقِ العَبْدِ لِأَفْعَالِهِ، وَبَنَوْا عَلَيْهَا جَوَازَ الخُرُوجِ عَلَى الأَئِمَّةِ.

​(٨) فِرْقَةُ (الكُلَّابِيَّةِ):

  • ​الرُّؤُوسُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ (ت ٢٤٠ هـ).
  • ​المُعْتَقَدُ: حَاوَلُوا التَّوَسُّطَ قَبْلَ الأَشَاعِرَةِ، وَقَالُوا بِنَفْيِ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ القَائِمَةِ بِالذَّاتِ، وَتَأَثَّرُوا بِالقَدَرِ فِي مَسَائِلِ الإِرَادَةِ.

​(٩) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ تَعْطِيلٍ لِصِفَاتِ اللهِ هُوَ بِدَايَةُ الطَّرِيقِ لِنَفْيِ قَدَرِهِ".

(١٠) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "إِثْبَاتُ العَبْدِ لِلْفِعْلِ لَا يُنَاقِضُ خَلْقَ الرَّبِّ لَهُ، لِأَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّبَبَ وَالمُسَبَّبَ".

(١١) تَوَارِيخُ هَامَّةٌ: قَتْلُ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ (١٠٥ هـ)، قَتْلُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (١٢٨ هـ)، وَفَاةُ الأَشْعَرِيِّ (٣٢٤ هـ).

(١٢) فَوَائِدُ التَّصْنِيفِ: 

١. مَعْرِفَةُ رُؤُوسِ الضَّلَالِ. 

٢. مَعْرِفَةُ الشُّبَهَاتِ الوَارِدَةِ عَلَى القَدَرِ. 

٣. تَمْيِيزُ مَذْهَبِ السَّلَفِ عَنِ الجَبْرِ وَالتَّفْوِيضِ.

(١٣) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الاضْطِرَارُ) هُوَ سَلْبُ الِاخْتِيَارِ، وَعِنْدَ الجَهْمِيَّةِ هُوَ حَالُ المَخْلُوقِ دَائِماً.

(١٤) ضَابِطُ أُصُولِيٌّ: "الإِيمَانُ بِالقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ جَحَدَهُ كَفَرَ".

(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحَقُّ فِي بَابِ القَدَرِ هُوَ إِثْبَاتُ المَرَاتِبِ الأَرْبَعِ كَمَا جَاءَتْ، مَعَ البَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ نِحْلَةٍ تُعَطِّلُ عَدْلَ اللهِ أَوْ قُدْرَتَهُ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٥]«««««««««««««««««

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَرَاتِبُ القَدَرِ فِي فِقْهِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ (فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ)

إِنَّ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: "فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ" هُوَ مِفْتَاحُ فَهْمِ هَذَا المَبْحَثِ العَقَدِيِّ (١).

فَقَدْ جَاءَ هَذَا الأَثَرُ رَدًّا عَلَى بَدْءِ نُشُوءِ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ فِي عَصْرِهِ، حَيْثُ أَقَامَ الحُجَّةَ بِالمَرَاتِبِ (٢).

وَأَوَّلُ هَذِهِ المَرَاتِبِ عِنْدَ عُمَرَ: [مَرْتَبَةُ العِلْمِ]، الَّتِي أَلْزَمَ بِهَا الخُصُومَ إِلْزَاماً لَا مَحِيدَ عَنْهُ (٣).

فَقَدْ كَانَ يَقُولُ: "نَاظِرُوهُمْ بِالعِلْمِ؛ فَإِنْ أَقَرُّوا بِهِ خُصِمُوا، وَإِنْ جَحَدُوهُ كَفَرُوا" (٤).

وَالثَّانِيَةُ: [مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ]، حَيْثُ رَأَى أَنَّ مَا خَطَّهُ القَلَمُ لَا يُمْحَى بِأَهْوَاءِ الرِّجَالِ (٥).

وَكَانَ يَرَى أَنَّ كِتَابَةَ اللهِ لِلْمَقَادِيرِ هِيَ عَدْلُهُ الَّذِي لَا يَجُورُ، وَحِكْمَتُهُ الَّتِي لَا تَبُورُ (٦).

وَالثَّالِثَةُ: [مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ]، وَعَنْهَا قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ عَبَثاً، وَلَا تَرَكَهُمْ سُدًى" (٧).

فَمَشِيئَةُ اللهِ عِنْدَ عُمَرَ مُحِيطَةٌ بِكُلِّ وَاقِعٍ، فَمَا شَاءَ اللهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ (٨).

لَقَدْ أَسَّسَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ لِمَنْهَجٍ أَثَرِيٍّ قَاطِعٍ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ القَدَرِيَّةِ الأُولَى (٩).

وَجَعَلَ الإِيمَانَ بِهَذِهِ المَرَاتِبِ هُوَ عَيْنُ التَّوْحِيدِ، وَتَرْكَهَا هُوَ عَيْنُ التَّنْدِيدِ (١٠).

»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««‹««««««««««

(١) أَصْلُ الكَلِمَةِ: (فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ) مَثَلٌ يُضْرَبُ لِلرَّجُلِ يَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْرِفُ دَقَائِقَ الأُمُورِ.

(٢) مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ القَدَرِيَّةِ: انظر: السنة، لعبد الله بن أحمد، م ٢/ ص ٤٣٠، طبعة دار ابن القيم.

(٣) مَرْتَبَةُ العِلْمِ عِنْدَ عُمَرَ: كَانَ يَرَى أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ العِلْمَ السَّابِقَ فَقَدْ وَصَفَ اللهَ بِالجَهْلِ.

(٤) قَاعِدَةُ المُنَاظَرَةِ بِالعِلْمِ: هَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ أَصْلٌ عِنْدَ السَّلَفِ فِي مُحَاجَّةِ القَدَرِيَّةِ. انظر: الحجة في بيان المحجة، للأصفهاني، م ١/ ص ١٥٠.

(٥) مَرْتَبَةُ الكِتَابَةِ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رِسَالَةً مَشْهُورَةً فِي الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، ذَكَرَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي سننه (٤٦١٢).

(٦) تَخْرِيجُ رِسَالَةِ عُمَرَ: أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ، بَابٌ فِي لُزُومِ السُّنَّةِ. الحُكْمُ: أَثَرٌ مَشْهُورٌ مَقْبُولٌ.

(٧) مَرْتَبَةُ المَشِيئَةِ: اسْتَدَلَّ عُمَرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ لِيُبَيِّنَ تَبَعِيَّةَ مَشِيئَةِ العَبْدِ لِلرَّبِّ.

(٨) الرَّدُّ عَلَى مَعْبَدٍ وَغَيْلَانَ: كَانَ عُمَرُ يُنَاظِرُ غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيَّ بِنَفْسِهِ حَتَّى اسْتَتَابَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ غَيْلَانُ دَعَا عَلَيْهِ عُمَرُ.

(٩) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ حَاكِمٍ، بَلْ كَانَ إِمَاماً مُجَدِّداً لِمَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ السُّنَّةِ. وَقَوْلُهُ "فَعَلَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ" يَدُلُّ عَلَى عُمِقِ بَصِيرَتِهِ بِتَارِيخِ الضَّلَالِ وَمَنَابِتِ الفِتَنِ. فَقَدْ أَدْرَكَ أَنَّ نَفْيَ القَدَرِ هُوَ طَعْنٌ فِي عِلْمِ الرَّبِّ وَكِتَابَتِهِ، فَحَصَرَ الخُصُومَ فِي مَرْتَبَةِ العِلْمِ؛ لِأَنَّهَا المَرْتَبَةُ الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ عَاقِلٌ جَحْدَهَا دُونَ الِانْسِلَاخِ مِنَ الإِسْلَامِ. وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ العُمَرِيِّ، تَبَيَّنَ أَنَّ مَرَاتِبَ القَدَرِ هِيَ حِصْنُ التَّوْحِيدِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ خَرْقَ هَذَا الحِصْنِ فَإِنَّمَا يَهْدِمُ أَصْلَ الرُّبُوبِيَّةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ.

(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي أَثَرِ عُمَرَ:

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «رِسَالَةُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي القَدَرِ تُعَدُّ مِنْ أَقْدَمِ وَأَمْتَنِ النُّصُوصِ الَّتِي قَرَّرَتْ مَرَاتِبَ القَدَرِ بِأُسْلُوبٍ سَلَفِيٍّ نَقِيٍّ. وَقَدْ رَكَّزَ فِيهَا عَلَى إِثْبَاتِ سَبْقِ العِلْمِ وَكِتَابَةِ المَقَادِيرِ، وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ نَفَى ذَلِكَ فَقَدْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي خَلْقِهِ أَوْ أَلْحَدَ فِي صِفَاتِهِ. وَتَمَيَّزَ فِقْهُ عُمَرَ بِرَبْطِ القَدَرِ بِالعَمَلِ، فَلَمْ يَجْعَلِ القَدَرَ عُذْراً لِلْعَاصِي، بَلْ جَعَلَهُ دَافِعاً لِلْمُطِيعِ لِيَسْتَقِيمَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، مُسْتَسْلِماً لِمَشِيئَتِهِ الكَوْنِيَّةِ، مُمْتَثِلاً لِإِرَادَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ».

(١١) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "مَنْ نَافَسَ اللهَ فِي مَشِيئَتِهِ خُذِلَ، وَمَنْ سَلَّمَ لَهُ هُدِيَ".

(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَقْدُورٍ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَكْتُوبٌ مَشِيءٌ مَخْلُوقٌ".

(١٣) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. تَقْرِيرُ بَرَاعَةِ السَّلَفِ فِي الِاحْتِجَاجِ. 

٢. بَيَانُ خَطَرِ بِدْعَةِ القَدَرِ مُنْذُ صَدْرِ الأُمَّةِ. 

٣. إِثْبَاتُ نُبُوغِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي المَسَائِلِ العِلْمِيَّةِ الدَّقِيقَةِ.

(١٤) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (السَّقُوطُ) هُنَا بِمَعْنَى الوُقُوعِ عَلَى الشَّيْءِ بِمُصَادَفَةٍ أَوْ قَصْدٍ.

(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: مَرَاتِبُ القَدَرِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هِيَ نِظَامُ الإِيمَانِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، وَبِهَا يُرَدُّ عَلَى كُلِّ مُبْتَدِعٍ خَرَّاجٍ وَلَّاجٍ.

»»»»»»»»»»»»»»[٧٦]««««««««««««««««

الفصل السادس/ المَبْحَثُ الثَّانِي:

 (أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ) - نَقْضُ أَصْلِ القَدَرِيَّةِ وَتَحْقِيقُ مَعْنَى المَشِيئَةِ

إِنَّ أَخْطَرَ مَا جَاءَتْ بِهِ القَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ هُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ العَبْدَ يَشَاءُ مَا لَا يَشَاءُ اللهُ (١).

فَقَالُوا بِلِسَانِ حَالِهِمْ وَقَالِهِمْ: "أَنْ تَجْعَلَ مَشِيئَتَكَ غَالِبَةً لِمَشِيئَتِهِ"، وَهَذَا غَايَةُ الضَّلَالِ (٢).

حَيْثُ ادَّعَوْا أَنَّ اللهَ شَاءَ الإِيمَانَ مِنَ الكَافِرِ كَوْناً، وَلَكِنَّ الكَافِرَ شَاءَ الكُفْرَ فَوَقَعَ (٣).

وَلَازِمُ قَوْلِهِمْ أَنَّ مَشِيئَةَ المَخْلُوقِ تَقْهَرُ مَشِيئَةَ الخَالِقِ، وَيَقَعُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ (٤).

وَهَذَا نَقْضٌ لِقَيُّومِيَّةِ الرَّبِّ، وَوَصْفٌ لَهُ بِالعَجْزِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيراً (٥).

وَلِذَا جَاءَ الرَّدُّ القُرْآنِيُّ حَاسِماً فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٦).

فَقَدْ قَرَّرَ العُلَمَاءُ أَنَّ مَشِيئَةَ العِبَادِ حَقِيقِيَّةٌ لَكِنَّهَا تَابِعَةٌ لَا مَسْتَقِلَّةٌ (٧).

وَفِي قَوْلِهِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ إِثْبَاتٌ لِمَشِيئَةِ العَبْدِ مِنْ جِهَةِ "التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ" (٨).

وَفِي قَوْلِهِ ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إِثْبَاتٌ لِمَشِيئَةِ الرَّبِّ مِنْ جِهَةِ "الخَلْقِ وَالإِيجَادِ" (٩).

فَلَا تَقَعُ مَشِيئَةُ العَبْدِ تَحْصِيلاً إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ بِهَا خَلْقاً وَتَكْوِيناً (١٠).

»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) شُبْهَةُ القَدَرِيَّةِ فِي المَشِيئَةِ: يَقُولُونَ: "لَوْ شَاءَ اللهُ الكُفْرَ لَمَا حَقَّ لَهُ أَنْ يُعَاقِبَ عَلَيْهِ"، فَظَنُّوا أَنَّ نَفْيَ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ تَنْزِيهٌ لِلرَّبِّ. انظر: مقالات الإسلاميين، الأشعري، م ١/ ص ١٨٠.

(٢) مَعْنَى الغَلَبَةِ عِنْدَهُمْ: هُوَ أَنْ يَقَعَ فِعْلُ العَبْدِ عَلَى خِلَافِ إِرَادَةِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِلقُدْرَةِ.

(٣) الرَّدُّ بِمَرَاتِبِ القَدَرِ: مَنْ أَقَرَّ بِالعِلْمِ لَزِمَهُ الإِقْرَارُ بِالمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ شَيْئاً سَيَقَعُ ثُمَّ لَا يَشَاءُ وُقُوعَهُ كَوْناً.

(٤) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِرَادَتَيْنِ: ضَلَّ النُّفَاةُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ (الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ) الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالوُقُوعِ، وَ(الإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ) الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَا يُحِبُّهُ اللهُ.

(٥) تَفْسِيرُ الآيَةِ (تَحْصِيلاً وَخَلْقاً):

التَّحْصِيلُ وَالكَسْبُ: هُوَ مُبَاشَرَةُ العَبْدِ لِلفِعْلِ بِاخْتِيَارِهِ، وَهُوَ مَنَاطُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ.

الخَلْقُ وَالإِيجَادُ: هُوَ إِخْرَاجُ هَذَا الفِعْلِ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ، وَهُوَ لِلهِ وَحْدَهُ.

انظر: تفسير الطبري، م ٢٤/ ص ٣٤٠، طبعة دار هجر.

(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ قَوْلَ القَدَرِيَّةِ بِغَلَبَةِ مَشِيئَةِ العَبْدِ لِمَشِيئَةِ الرَّبِّ هُوَ نَوْعٌ مِنْ تَأْلِيهِ الإِنْسَانِ وَنَزْعِ صِفَةِ الخَالِقِيَّةِ عَنِ اللهِ فِي أَخْطَرِ مَيَادِينِ الوُجُودِ وَهُوَ "الفِعْلُ". وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ الَّذِي رَسَمَهُ الوَحْيُ يَجْعَلُ الإِنْسَانَ مُخَيَّراً فِي دَائِرَةِ التَّكْلِيفِ (تَحْصِيلاً)، مَقْهُوراً فِي دَائِرَةِ التَّقْدِيرِ (خَلْقاً). فَلَا يَنْبَعِثُ لِلْعَبْدِ هَمٌّ وَلَا قَصْدٌ إِلَّا وَقَدْ عَلِمَهُ اللهُ وَكَتَبَهُ وَشَاءَ خَلْقَهُ عِنْدَ إِرَادَةِ العَبْدِ لَهُ. وَبِهَذَا التَّوَازُنِ يَنْقَطِعُ شَغَبُ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّبَّ مَغْلُوباً، وَشَغَبُ الجَبْرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ ظَالِماً، وَيَسْتَقِيمُ قَوْلُ أَهْلِ الأَثَرِ.

(٧) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي مَشِيئَةِ العَبْدِ:

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «اللهُ سُبْحَانَهُ أَثْبَتَ لِلْعِبَادِ مَشِيئَةً تَلِيقُ بِهِمْ، وَلَكِنَّهَا مَشِيئَةٌ مَحْكُومَةٌ لَا حَاكِمَةٌ، وَتَابِعَةٌ لَا مَتْبُوعَةٌ. فَمَنْ جَعَلَ مَشِيئَةَ العَبْدِ غَالِبَةً فَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فِي التَّدْبِيرِ. وَالتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ لِلآيَةِ يَقْطَعُ دَابِرَ الفِتْنَةِ؛ فَالْعَبْدُ يَشَاءُ (تَحْصِيلاً لِلفِعْلِ) وَاللهُ يَشَاءُ (خَلْقاً لِلْفِعْلِ المَشِيءِ). وَبِهَذَا يَكُونُ الفِعْلُ فِعْلَ العَبْدِ حَقِيقَةً، وَخَلْقَ اللهِ حَقِيقَةً، وَلَا غَلَبَةَ إِلَّا لِلْمَشِيئَةِ الإِلهِيَّةِ الَّتِي لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهَا شَيْءٌ».

(٨) تَوْثِيقُ المَصَادِرِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ١٢٠؛ مجموع الفتاوى، م ٨/ ص ٣٨٠.

(٩) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "مَشِيئَةُ اللهِ هِيَ السَّبَبُ الأَوَّلُ لِكُلِّ كَائِنٍ، وَمَشِيئَةُ العَبْدِ سَبَبٌ ثَانٍ مَخْلُوقٌ".

(١٠) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَشِيئَةٍ لَا تَنْتَهِي إِلَى مَشِيئَةِ اللهِ فَهِيَ عَدَمٌ".

(١١) رَدُّ النَّفَاةِ بِالعِلْمِ: لَوْ كَانَتْ مَشِيئَةُ العَبْدِ تَغْلِبُ، لَكَانَ عِلْمُ اللهِ بِوُقُوعِ الإِيمَانِ مِنَ الكَافِرِ كَذِباً، وَهَذَا كُفْرٌ.

(١٢) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:

١. إِثْبَاتُ كَمَالِ القُدْرَةِ الإِلهِيَّةِ. 

٢. بَيَانُ مَحَلِّ التَّكْلِيفِ (المَشِيئَةِ التَّحْصِيلِيَّةِ). 

٣. نَقْضُ أَصْلِ المَعْتَزِلَةِ فِي "العَدْلِ" المَوْهُومِ.

(١٣) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (التَّحْصِيلُ) هُوَ اسْتِخْرَاجُ الشَّيْءِ وَتَحْقِيقُهُ بَعْدَ القَصْدِ إِلَيْهِ.

(١٤) ضَابِطٌ سَلَفِيٌّ: "مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ اللهُ وُفِّقَ، وَمَنْ شَاءَ مَا لَمْ يَشَأِ اللهُ خُذِلَ".

(١٥) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: المَشِيئَةُ الغَالِبَةُ هِيَ مَشِيئَةُ اللهِ دَائِماً، وَمَشِيئَةُ العَبْدِ سَبَبٌ مَخْلُوقٌ يَعْمَلُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ سُبْحَانَهُ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٧]««««««««««««««««««

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: تَحْقِيقُ مَسَائِلِ الإِرَادَةِ وَالفِعْلِ وَالكَسْبِ (التَّشْرِيحُ الأَثَرِيُّ المُنْضَبِطُ)

​المَسْأَلَةُ الأُولَى: تَحْقِيقُ الإِرَادَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ:

إِنَّ مِفْتَاحَ النَّجَاةِ فِي بَابِ القَدَرِ هُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيِ الإِرَادَةِ (١).

فَأَمَّا "الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ القَدَرِيَّةُ": فَهِيَ المَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ مَا يَقَعُ فِي الكَوْنِ، وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلْمَشِيئَةِ (٢).

وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ؛ فَقَدْ أَرَادَ اللهُ كَوْناً وُقُوعَ الكُفْرِ لَكِنَّهُ لَا يُحِبُّهُ (٣).

وَأَمَّا "الإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ": فَهِيَ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَلَا يَلْزَمُ وُقُوعُهَا (٤).

فَاللهُ أَرَادَ شَرْعاً الإِيمَانَ مِنْ كُلِّ الخَلْقِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ إِلَّا مِمَّنْ سَبَقَتْ لَهُ الكَوْنِيَّةُ (٥).

​المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَحْقِيقُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ فِعْلِ الرَّبِّ وَفِعْلِ العَبْدِ:

يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ العَبْدَ فَاعِلٌ حَقِيقَةً، وَأَنَّ لِفِعْلِهِ ارْتِبَاطاً وَثِيقاً بِفِعْلِ خَالِقِهِ (٦).

فَفِعْلُ العَبْدِ صَادِرٌ عَنْ قُدْرَةٍ وَإِرَادَةٍ مَخْلُوقَتَيْنِ لَهُ، وَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ فِعْلِ الرَّبِّ (٧).

فَلَا يَنْفَصِلُ فِعْلُ المَخْلُوقِ عَنْ تَدْبِيرِ الخَالِقِ، لِأَنَّ اللهَ خَالِقُ السَّبَبِ وَالمُسَبَّبِ (٨).

فَاللهُ خَلَقَ ذَاتَ العَبْدِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالَهُ، وَالعَبْدُ هُوَ الَّذِي بَاشَرَ الفِعْلَ بِتَمْكِينِ اللهِ لَهُ (٩).

​المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الفِعْلُ بَيْنَ (الخَلْقِ وَالإِيْجَادِ) وَ(التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ):

هَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ مَحَطُّ نَظَرِ البَاحِثِ فِي جَمْعِ شَتَاتِ المَذَاهِبِ (١٠).

فَفِعْلُ العَبْدِ لَهُ جِهَتَانِ مَحْضَتَانِ:

١. جِهَةُ الخَلْقِ وَالإِيْجَادِ: وَهِيَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، فَلَا خَالِقَ لِلْفِعْلِ مِنَ العَدَمِ إِلَّا اللهُ (١١).

٢. جِهَةُ التَّحْصِيلِ وَالكَسْبِ: وَهِيَ لِلْعَبْدِ، وَمَعْنَاهَا أَنَّ العَبْدَ هُوَ مَنْ "حَصَّلَ" الفِعْلَ بِنَفْسِهِ (١٢).

فَالعَبْدُ يُصَلِّي وَيَصُومُ تَحْصِيلاً وَكَسْباً، وَاللهُ خَلَقَ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِيهِ إِيجَاداً وَتَكْوِيناً (١٣).

​»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««

​(١) التَّفْرِيقُ بَيْنَ الإِرَادَتَيْنِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ١٨٩، طبعة دار الوفاء. وَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ الَّذِي حَلَّ مُعْضِلَةَ القَدَرِ الَّتِي غَرِقَ فِيهَا المُتَكَلِّمُونَ.

(٢) الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ: هِيَ المَشِيئَةُ، وَمِنْ دَلِيلِهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥].

(٣) لَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ: كَإِرَادَةِ خَلْقِ إِبْلِيسَ وَالمَعَاصِي، فَهِيَ مَوْجُودَةٌ كَوْناً لِحِكْمَةٍ، مَبْغُوضَةٌ شَرْعاً.

(٤) الإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ: وَدَلِيلُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

(٥) الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ: يَجْتَمِعَانِ فِي حَقِّ المُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَتَنْفَرِدُ الكَوْنِيَّةُ فِي حَقِّ العَاصِي، وَتَنْفَرِدُ الشَّرْعِيَّةُ فِي حَقِّ الكَافِرِ الَّذِي لَمْ يُؤْمِنْ.

(٦) ارْتِبَاطُ الفِعْلَيْنِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ٤٥، طبعة دار المنهاج.

(٧) قَاعِدَةُ السَّلَفِ: "اللهُ خَالِقُ الفَاعِلِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ"، وَكُلُّ مَا تَوَلَّدَ عَنِ السَّبَبِ المَخْلُوقِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ.

(٨) الرَّدُّ عَلَى الجَبْرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا فِعْلَ العَبْدِ، وَالرَّدُّ عَلَى المَعْتَزِلَةِ الَّذِينَ نَفَوْا خَلْقَ اللهِ لِلْفِعْلِ.

(٩) التَّخْرِيجُ النَّبَوِيُّ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ يَصْنَعُ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتَهُ»؛ أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ العِبَادِ (رقم: ٢٥). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.

(١٠) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ التَّحْقِيقَ فِي المَسَائِلِ الثَّلَاثِ يَنْبَنِي عَلَى نَفْيِ "التَّعَارُضِ" بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ.

 فَالإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ تَضْمَنُ سُلْطَانَ الرَّبِّ، وَالشَّرْعِيَّةُ تَضْمَنُ عَدْلَهُ وَمَحَبَّتَهُ. 

وَارْتِبَاطُ الفِعْلَيْنِ يَعْنِي أَنَّ العَبْدَ لَيْسَ إِلهاً يَخْلُقُ، وَلَيْسَ جَمَاداً لَا يَعْمَلُ. وَأَمَّا جَعْلُ الإِيْجَادِ لِلَّهِ وَالتَّحْصِيلِ لِلْعَبْدِ، فَهُوَ أَدَقُّ مِيزَانٍ لِتَفْسِيرِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) فَنُسِبَتِ المَشِيئَةُ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ مَنْ "حَصَّلَهَا" وَبَاشَرَهَا، وَنُسِبَتْ لِلَّهِ لِأَنَّهُ مَنْ "أَوْجَدَهَا" وَأَذِنَ فِيهَا. 

وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَزُولُ إِشْكَالُ "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ الَّذِي نَفَى التَّأْثِيرَ، وَيَثْبُتُ الكَسْبُ القُرْآنِيُّ الَّذِي يَعْنِي العَمَلَ الحَقِيقِيَّ.

(١١) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الخَلْقِ وَالكَسْبِ":

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ خَلْقِ اللهِ لِلفِعْلِ وَكَسْبِ العَبْدِ لَهُ كَالْفَرْقِ بَيْنَ السَّبَبِ وَأَثَرِهِ. 

فَاللهُ خَلَقَ لِلْعَبْدِ آلَاتِ الفِعْلِ، وَأَفَاضَ عَلَيْهِ القُدْرَةَ عِنْدَ القَصْدِ، فَالإِيْجَادُ فِعْلُ الرَّبِّ تَعَالَى، وَالتَّحْصِيلُ فِعْلُ العَبْدِ. 

وَمَنْ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ وَقَعَ فِي الجَبْرِ إِنْ سَلَبَ العَبْدَ كَسْبَهُ، أَوْ فِي القَدَرِ إِنْ سَلَبَ الرَّبَّ خَلْقَهُ. 

وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ نَوْعَيِ الإِرَادَةِ لِيَسْلَمَ لَهُمْ بَابُ الثَّوَابِ وَالعِقَابِ، وَيُثْبِتُونَ نِسْبَةَ الفِعْلِ لِلْعَبْدِ حَقِيقَةً لَا مَجَازاً، مَعَ رَدِّ كُلِّ كَائِنٍ لِمَشِيئَةِ اللهِ الكَوْنِيَّةِ».

(١٢) تَفْسِيرُ (التَّحْصِيلِ): انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم، م ٢/ ص ٥٠٠.

(١٣) مَسْأَلَةُ "مَا تَوَلَّدَ عَنِ الفِعْلِ": كُلُّ مَا نَتَجَ عَنْ فِعْلِ العَبْدِ (كَالأَلَمِ بَعْدَ الضَّرْبِ) فَهُوَ خَلْقُ اللهِ، وَالعَبْدُ يُحَاسَبُ عَلَى "السَّبَبِ" الَّذِي بَاشَرَهُ.

(١٤) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ مَشِيئَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا تَقَعُ إِلَّا بِمَشِيئَةٍ كَوْنِيَّةٍ، وَلَيْسَ كُلُّ كَوْنِيَّةٍ مَحْبُوبَةً شَرْعاً".

(١٥) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العَبْدُ فَاعِلٌ بِآلَةٍ مَخْلُوقَةٍ، فَالقُدْرَةُ آلَةٌ، وَاللهُ خَالِقُ الآلَةِ وَالمُتَعَلِّقِ".

(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ:

١. إِثْبَاتُ حِكْمَةِ اللهِ فِي خَلْقِ الشَّرِّ. 

٢. بَيَانُ مَحَلِّ النِّزَاعِ مَعَ المَعْتَزِلَةِ (فِي الإِيْجَادِ). 

٣. تَوْضِيحُ مَعْنَى الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَعَ الفِعْلِ.

(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الكَسْبُ) هُنَا هُوَ (الِاقْتِرَافُ)؛ ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أَيْ بِمَا اقْتَرَفْتُمْ.

(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الإِرَادَةُ الكَوْنِيَّةُ تَحْكُمُ الوُقُوعَ، وَالشَّرْعِيَّةُ تَحْكُمُ الرِّضَا، وَفِعْلُ العَبْدِ كَسْبٌ لَهُ وَخَلْقٌ لِرَبِّهِ، وَبِهَذَا يَتِمُّ بَيَانُ الحَقِّ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٨]«««««««««««««««

تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ "الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ" فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ (تَحْقِيقُ المَاهِيَّةِ وَالرَّدُّ عَلَى النُّفَاةِ)

١. الاشتقاق اللغوي والحَدُّ الجامع المانع:

الحِكْمَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ "الحَكَمَةِ" بِمَعْنَى المَنْعِ؛ وَهِيَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ (١).

وَالْحَدُّ الْجَامِعُ المَانِعُ لَهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: "هِيَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالرَّبِّ تَقْتَضِي إِيقَاعَ أَفْعَالِهِ عَلَى وَجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ نِهَايَةُ الصَّلَاحِ وَالمَصْلَحَةِ المَقْصُودَةِ" (٢).

وَمَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ: "الِاتِّصَافُ بِكَمَالِ العِلْمِ وَكَمَالِ الإِتْقَانِ فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ" (٣).

فَاللهُ سُبْحَانَهُ هُوَ "الحَكِيمُ"؛ أَيِ الَّذِي لَا يَفْعَلُ شَيْئاً عَبَثاً، وَلَا يَخْلُقُ شَيْئاً سُدًى (٤).

٢. أَقْسَامُ الحِكْمَةِ (الغَائِيَّةُ وَالفِعْلِيَّةُ):

تَنْقَسِمُ الحِكْمَةُ إِلَى قِسْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ (٥):

الحِكْمَةُ الفِعْلِيَّةُ (الصُّورِيَّةُ): وَهِيَ إِتْقَانُ خَلْقِ الكَائِنَاتِ وَإِحْكَامُ صُنْعِهَا بِحَيْثُ تَدُلُّ عَلَى بَارِئِهَا.

الحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ: وَهِيَ "العِلَّةُ المَطْلُوبَةُ" وَالنِّهَايَاتُ المَحْمُودَةُ الَّتِي شُرِعَ الأَمْرُ أَوْ وُجِدَ الخَلْقُ لِأَجْلِهَا (٦).

فَالحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ لِلْخَلْقِ هِيَ عِبَادَةُ اللهِ، وَالحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ لِلْأَمْرِ هِيَ تَحْقِيقُ مَصَالِحِ العِبَادِ (٧).

٣. إِثْبَاتُ الحِكْمَةِ لِلَّهِ وَالرَّدُّ عَلَى الأَشَاعِرَةِ:

أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ "الحِكْمَةَ" صِفَةً ذَاتِيَّةً وَفِعْلِيَّةً لِلَّهِ، وَيَقُولُونَ بِـ "تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللهِ" (٨).

خِلَافاً لِلْأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ نَفَوْا الحِكْمَةَ وَالعِلَلَ، وَقَالُوا: "اللهُ يَفْعَلُ لَا لِغَرَضٍ وَلَا لِعِلَّةٍ" (٩).

فَزَعَمُوا أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ اللهُ المُطِيعَ وَيُدْخِلَ الكَافِرَ الجَنَّةَ؛ لِأَنَّهُ لَا عِلَّةَ لِأَفْعَالِهِ (١٠).

وَهَذَا نَفْيٌ لِصِفَةِ "الحَكِيمِ"، وَوَصْفٌ لِلرَّبِّ بِالعَبَثِ، وَهُوَ مِنْ أَبْطَلِ البَاطِلِ (١١).

٤. الحِكْمَةُ مِنْ خَلْقِ الشَّرِّ (أَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ):

اللهُ خَلَقَ الشَّرَّ لِحِكْمَةٍ، لَا لِأَنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ، بَلْ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ (١٢).

مِثَالُ خَلْقِ إِبْلِيسَ: الحِكْمَةُ هِيَ ظُهُورُ عُبُودِيَّةِ الصَّبْرِ، وَالمُجَاهَدَةِ، وَالتَّوْبَةِ، وَتَمْيِيزِ الخَبِيثِ (١٣).

مِثَالُ المَصَائِبِ وَالأَمْرَاضِ: الحِكْمَةُ هِيَ تَكْفِيرُ الخَطَايَا، وَإِذْلَالُ النَّفْسِ لِخَالِقِهَا، وَمَعْرِفَةُ قَدْرِ النِّعْمَةِ (١٤).

فَلَوْلَا المَرَضُ لَمَا عُرِفَتْ قِيمَةُ الصِّحَّةِ، وَلَوْلَا الظُّلْمَةُ لَمَا عُرِفَ فَضْلُ النُّورِ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: تاج العروس، للزبيدي، م ٨/ ص ٢٤٥، طبعة دار الفكر.

(٢) حَدُّ الحِكْمَةِ عِنْدَ السَّلَفِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٥، طبعة دار الوفاء.

(٣) المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: الحِكْمَةُ فِي القُرْآنِ تَأْتِي بِمَعْنَى "السُّنَّةِ" وَبِمَعْنَى "العِلْمِ النَّافِعِ".

(٤) نَفْيُ العَبَثِ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].

(٥) تَقْسِيمُ الحِكْمَةِ: انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، م ٣/ ص ٤٥٠، طبعة دار المنهاج.

(٦) الحِكْمَةُ الغَائِيَّةُ: هِيَ (العِلَّةُ الغَائِيَّةُ) الَّتِي يُنْكِرُهَا الجَهْمِيَّةُ وَالأَشَاعِرَةُ.

(٧) حِكْمَةُ الخَلْقِ: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].

(٨) تَعْلِيلُ الأَفْعَالِ: عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ "لِحِكْمَةٍ" وَ"لِسَبَبٍ"، وَاللامُ فِي القُرْآنِ لِلتَّعْلِيلِ كَثِيرَةٌ.

(٩) قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ: انظر: شرح المواقف، للإيجي، ص ٣٢٠. يَقُولُونَ: "لَا يَجِبُ عَلَى اللهِ رِعَايَةُ الأَصْلَحِ".

(١٠) لَازِمُ نَفْيِ الحِكْمَةِ: تَجْوِيزُ الظُّلْمِ عَلَى اللهِ، وَجَعْلُ إِرَادَتِهِ مَحْضَ تَرْجِيحٍ بِلَا مُرَجِّحٍ.

(١١) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ نَفَى الحِكْمَةَ عَنِ اللهِ فَقَدْ جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ بِمَنْزِلَةِ "الفَاعِلِ الِاتِّفَاقِيِّ" الَّذِي لَا قَصْدَ لَهُ، وَتَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ. إِنَّ الحِكْمَةَ هِيَ رُوحُ التَّوْحِيدِ؛ فَبِهَا نَعْرِفُ عَدْلَهُ فِي تَعْذِيبِ العُصَاةِ، وَبِهَا نَعْرِفُ فَضْلَهُ فِي إِثَابَةِ الطَّائِعِينَ. 

وَالأَشَاعِرَةُ بِنَفْيِهِمُ التَّعْلِيلَ، جَعَلُوا الشَّرِيعَةَ مَحْضَ تَحَكُّمٍ، فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي العَقْلِ بَيْنَ أَنْ يَأْمُرَ بِالصِّدْقِ أَوْ بِالكَذِبِ إِلَّا بِمُجَرَّدِ الخَبَرِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ اللهَ حَكِيمٌ فِي ذَاتِهِ، أَفْعَالُهُ تَبَعٌ لِحِكْمَتِهِ، وَخَلْقُهُ لِلشَّرِّ هُوَ طَرِيقٌ لِخَيْرَاتٍ لَا تُحْصَى، فَسُبْحَانَ مَنْ بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ العُقُولَ.

(١٢) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الحِكْمَةِ":

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِثْبَاتُ الحِكْمَةِ لِلَّهِ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنِ الجَبْرِيَّةِ. 

فَاللهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ، وَمَنْ جَعَلَ أَفْعَالَ اللهِ مَحْضَ مَشِيئَةٍ بِلَا حِكْمَةٍ فَقَدْ جَعَلَهُ جَبَّاراً لَا حَكِيماً. 

وَالحِكْمَةُ فِي خَلْقِ الشَّرِّ تَظْهَرُ فِي أَنَّهُ "شَرٌّ نِسْبِيٌّ" إِضَافِيٌّ، لَكِنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى حِكْمَةِ اللهِ خَيْرٌ وَعَدْلٌ. 

فَالنَّارُ شَرٌّ لِمَنْ دَخَلَهَا، لَكِنَّ خَلْقَهَا حِكْمَةٌ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ وَتَخْوِيفِ العِبَادِ. 

فَالْخَيْرُ فِي فِعْلِ اللهِ، وَالشَّرُّ فِي مَفْعُولَاتِهِ الَّتِي لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لِغَايَاتٍ يَقْصُرُ عَنْهَا الإِدْرَاكُ».

(١٣) مِثَالُ إِبْلِيسَ: انظر: شفاء العليل، ص ٢٣٥، بَابٌ فِي خَلْقِ إِبْلِيسَ وَالحِكْمَةِ مِنْ ذَلِكَ.

(١٤) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "اللهُ لَا يَفْعَلُ شَرًّا مَحْضاً، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ مَا فِيهِ شَرٌّ لِحِكْمَةٍ خَيْرِيَّةٍ".

(١٥) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "كُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ فَفِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ، وَكُلُّ مَا نَهَى عَنْهُ فَفِيهِ مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ".

(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. إِثْبَاتُ الرُّبُوبِيَّةِ الكَامِلَةِ. 

٢. مَحَبَّةُ الرَّبِّ لِحِكْمَتِهِ. 

٣. الرِّضَا بِالقَضَاءِ المُؤْلِمِ.

(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (التَّعْلِيلُ) هُوَ بَيَانُ العِلَّةِ، وَعِنْدَ السَّلَفِ هُوَ بَيَانُ الحِكْمَةِ البَاعِثَةِ.

(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحِكْمَةُ هِيَ مِيزَانُ الخَلْقِ وَالأَمْرِ، وَبِهَا يَنْتَظِمُ بَابُ القَدَرِ، وَيُرَدُّ بِهَا عَلَى كُلِّ جَاهِلٍ بِقَدْرِ الرَّبِّ.

»»»»»»»»»»»»»»»»[٧٩]««««««««««««««««

التَّتِمَّةُ الثَّالِثَةُ: في مُتَعَلَّقَاتِ الحِكْمَةِ وَكَشْفُ تَهَافُتِ النُّفَاةِ

١. مُتَعَلَّقَاتُ الحِكْمَةِ فِي الذَّاتِ وَالفِعْلِ وَالأَمْرِ:

تَتَعَلَّقُ حِكْمَةُ الرَّبِّ تَعَالَى بِثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ عَظِيمَةٍ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ (١):

المُتَعَلَّقُ الأَوَّلُ (الحِكْمَةُ فِي الذَّاتِ): وَهِيَ كَوْنُهُ سُبْحَانَهُ حَكِيماً لِذَاتِهِ، فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ (٢).

المُتَعَلَّقُ الثَّانِي (الحِكْمَةُ فِي الخَلْقِ): وَهِيَ "الإِحْكَامُ" وَتَرْتِيبُ المَسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا تَرْتِيباً دَقِيقاً (٣).

المُتَعَلَّقُ الثَّالِثُ (الحِكْمَةُ فِي الشَّرْعِ): وَهِيَ اشْتِمَالُ الأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي عَلَى غَايَاتٍ مَحْمُودَةٍ تَعُودُ بِالنَّفْعِ عَلَى العِبَادِ (٤).

فَحِكْمَةُ اللهِ هِيَ الرَّابِطُ بَيْنَ السَّبَبِ وَالغَايَةِ، وَبَيْنَ الخَلْقِ وَالمَصْلَحَةِ (٥).

٢. المُّخَالِفُونَ فِي مَسْأَلَةِ الحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ:

انْقَسَمَ المُنْحَرِفُونَ فِي بَابِ الحِكْمَةِ إِلَى فِئَاتٍ جَامِعُهَا الغُلُوُّ أَوْ التَّفْرِيطُ (٦):

الفِئَةُ الأُولَى (الجَهْمِيَّةُ وَالأَشَاعِرَةُ): نَفَوْا الحِكْمَةَ وَقَالُوا بِـ "نَفْيِ التَّعْلِيلِ" مُطْلَقاً (٧).

فَزَعَمُوا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ فِعْلٍ وَفِعْلٍ إِلَّا بِمَحْضِ المَشِيئَةِ، وَأَنَّ الحِكْمَةَ هِيَ "الوُقُوعُ" فَقَطْ (٨).

الفِئَةُ الثَّانِيَةُ (المَعْتَزِلَةُ): أَثْبَتُوا حِكْمَةً مَوْهُومَةً بَنَوْهَا عَلَى "تَحْسِينِ العَقْلِ وَتَقْبِيحِهِ" (٩).

فَأَوْجَبُوا عَلَى اللهِ أَفْعَالاً تَقِيسُ الرَّبَّ عَلَى خَلْقِهِ، فَمَنَعُوا مَا قَبَّحَتْهُ عُقُولُهُمْ (١٠).

الفِئَةُ الثَّالِثَةُ (الفَلَاسِفَةُ): جَعَلُوا الحِكْمَةَ لَازِمَةً لِلذَّاتِ لُزُومَ النُّورِ لِلشَّمْسِ، فَنَفَوْا الِاخْتِيَارَ (١١).

٣. الرَّدُّ المَنْهَجِيُّ عَلَى نُفَاةِ الحِكْمَةِ (الأَشَاعِرَةِ):

نَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ نَفْيَكُمُ التَّعْلِيلَ يُؤَدِّي إِلَى إِبْطَالِ حَقَائِقِ الشَّرْعِ (١٢).

١. نَقْضُ صِفَةِ الحَمْدِ: فَإِذَا كَانَ اللهُ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةٍ، فَبِمَ يُحْمَدُ؟ إِنَّ الحَمْدَ يَكُونُ عَلَى الجَمِيلِ لِحِكْمَتِهِ (١٣).

٢. تَجْوِيزُ المُحَالِ: لَازِمُ قَوْلِكُمْ تَجْوِيزُ أَنْ يَكُونَ الشِّرْكُ حَسَناً وَالتَّوْحِيدُ قَبِيحاً، وَهَذَا نَقْضٌ لِلْفِطَرِ (١٤).

٣. مُصَادَمَةُ النُّصُوصِ: فَقَدْ نَصَّ القُرْآنُ عَلَى الغَايَاتِ بِلَامِ التَّعْلِيلِ وَ"كَيْ" وَ"مِنْ أَجْلِ" فِي مِئَاتِ المَوَاضِعِ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) رُوحُ الحِكْمَةِ: انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم، م ٢/ ص ١٠٠، طبعة دار ابن القيم.

(٢) الحِكْمَةُ الذَّاتِيَّةُ: هِيَ كَوْنُهُ حَكِيماً كَمَا أَنَّهُ عَلِيمٌ، وَلَا يَخْلُو فِعْلُهُ مِنْهَا قَطُّ.

(٣) الِارْتِبَاطُ السَّبَبِيُّ: الحِكْمَةُ تَقْتَضِي أَنَّ "السَّبَبَ" لَهُ أَثَرٌ مَوْجُودٌ جَعَلَهُ اللهُ فِيهِ، خِلَافاً لِلْأَشَاعِرَةِ فِي الاقْتِرَانِ.

(٤) حِكْمَةُ التَّكْلِيفِ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، فَالِابْتِلَاءُ هُنَا عِلَّةٌ غَائِيَّةٌ مَحْمُودَةٌ.

(٥) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ مَقَالَاتِ النُّفَاةِ فِي الحِكْمَةِ، عَلِمَ أَنَّهُمْ هَرَبُوا مِنْ "تَشْبِيهِ الرَّبِّ بِالعِبَادِ" فِي العِلَلِ الغَرَضِيَّةِ، فَوَقَعُوا فِي "تَشْبِيهِهِ بِالجَمَادَاتِ" الَّتِي تَتَحَرَّكُ بِلَا قَصْدٍ وَلَا غَايَةٍ. إِنَّ الحِكْمَةَ الإِلَهِيَّةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى العَدْلِ المَحْضِ وَالرَّحْمَةِ السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَخْلُقُ اللهُ دَاءً إِلَّا لِحِكْمَةٍ، وَلَا يَشْرَعُ حُكْماً إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ. وَالأَشَاعِرَةُ بِنَفْيِهِمْ لِهَذَا الأَصْلِ، صَيَّرُوا الدِّينَ أَلْغَازاً مُعَمَّاةً، وَبَرَّرُوا قَوْلَهُمْ بِأَنَّ اللهَ "يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ"، وَغَابَ عَنْهُمْ أَنَّ مَشِيئَتَهُ سُبْحَانَهُ مَشِيئَةُ مَلِكٍ حَكِيمٍ، لَا مَشِيئَةَ جَبَّارٍ عَبَثِيٍّ. فَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ الإِرَادَةَ تَتْبَعُ الحِكْمَةَ، وَأَنَّ اللهَ مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ لِذَاتِهِ.

(٦) طَوَائِفُ الضَّلَالِ فِي الحِكْمَةِ: انظر: درء تعارض العقل والنقل، م ٨/ ص ٢٠٠، طبعة جامعة الإمام.

(٧) قَوْلُ نُفَاةِ التَّعْلِيلِ: يَقُولُونَ: "إِنَّ السُّؤالَ بِـ (لِمَ؟) فِي أَفْعَالِ اللهِ بَاطِلٌ"، وَهَذَا سَدٌّ لِبَابِ التَّدَبُّرِ.

(٨) تَعْرِيفُ الحِكْمَةِ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ: هِيَ عِنْدَهُمْ نَفْسُ المَشِيئَةِ، أَوْ نَفْسُ الوُقُوعِ، وَهَذَا إِلْغَاءٌ لِمَعْنَى الحِكْمَةِ.

(٩) شُبْهَةُ المَعْتَزِلَةِ: جَعَلُوا الحِكْمَةَ "مُوجِبَةً" عَلَى اللهِ، كَأَنَّهُ مَأْمُورٌ مُكَلَّفٌ، وَهَذَا سُوءُ أَدَبٍ مَعَ الخَالِقِ.

(١٠) القِيَاسُ الفَاسِدُ: قَاسُوا الخَالِقَ عَلَى المَخْلُوقِ فِيمَا يَحْسُنُ وَيَقْبُحُ (قِيَاسُ الشُّمُولِ).

(١١) قَوْلُ الفَلَاسِفَةِ: انظر: تهافت التهافت، لابن رشد، ص ١٥٠.

(١٢) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي الرَّدِّ عَلَى نُفَاةِ الحِكْمَةِ:

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ نَفْيَ الحِكْمَةِ وَالغَايَاتِ عَنْ أَفْعَالِ الرَّبِّ جِنَايَةٌ كُبْرَى عَلَى العَقْلِ وَالنَّقْلِ. فَالقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِتَعْلِيلِ الأَحْكَامِ بِالمَصَالِحِ، وَتَعْلِيلِ الخَلْقِ بِالِابْتِلَاءِ. 

وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ بِمَحْضِ المَشِيئَةِ دُونَ مَعْنًى يُقْصَدُ، فَقَدْ جَعَلَ أَفْعَالَ الرَّبِّ كَحَرَكَاتِ النَّائِمِ أَوْ السَّاهِي، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ. 

إِنَّ إِثْبَاتَ الحِكْمَةِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً، وَلِلْبَلَاءِ طُمَأْنِينَةً؛ لِأَنَّ العَبْدَ يَعْلَمُ أَنَّ وَرَاءَ المَقْدُورِ لُطْفاً خَفِيًّا وَحِكْمَةً بَالِغَةً. وَبِهَذَا تَنْقَضُّ شُبُهَاتُ الأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الرَّبَّ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَيَخْلُقُ بِلَا مَقْصِدٍ».

(١٣) دَلِيلُ الحَمْدِ: انظر: طريق الهجرتين، ص ٢٥٠. اللهُ حَمِيدٌ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ.

(١٤) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مَا خَلَقَهُ اللهُ فَهُوَ لِحِكْمَةٍ مَحْمُودَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَرٌّ لِبَعْضِ المَخْلُوقَاتِ".

(١٥) لَامُ التَّعْلِيلِ: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].

(١٦) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. مَعْرِفَةُ سَعَةِ عِلْمِ اللهِ. 

٢. الرَّدُّ عَلَى المَلَاحِدَةِ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ فِي خَلْقِ الشَّرِّ. 

٣. تَعْظِيمُ الشَّرِيعَةِ.

(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (العَبَثُ) هُوَ الفِعْلُ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا مَصْلَحَةَ تَعُودُ مِنْهُ.

(١٨) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الحِكْمَةُ هِيَ مَدَارُ التَّوْحِيدِ، وَبِهَا يَنْحَلُّ كُلُّ إِشْكَالٍ فِي بَابِ القَدَرِ، وَيَسْقُطُ قَوْلُ النُّفَاةِ كُلِّهِمْ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٠]«««««««««««««««

التَّتِمَّةُ الرَّابِعَةُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "الِاسْتِطَاعَةِ" (التَّشْرِيحُ اللُّغَوِيُّ وَالشَّرْعِيُّ وَأَنْوَاعُ القُدْرَةِ)

١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:

الِاسْتِطَاعَةُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ "الطَّوْعِ"، وَهِيَ القُدْرَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَطَاقَتُهُ (١).

وَالحَدُّ  لَهَا عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ: "هِيَ الصِّفَةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا المَخْلُوقُ مِنْ قَصْدِ الفِعْلِ أَوْ تَرْكِهِ، وَمُبَاشَرَتِهِ حَقِيقَةً" (٢).

وَمَعْنَاهَا الشَّرْعِيُّ: هِيَ القُدْرَةُ المَصْحُوبَةُ بِسَلَامَةِ الآلَاتِ وَالتَّوْفِيقِ الإِلهِيِّ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العَمَلُ (٣).

فَالِاسْتِطَاعَةُ هِيَ مَنَاطُ الحِسَابِ، وَعَلَيْهَا يَدُورُ ثَوَابُ الطَّائِعِ وَعِقَابُ العَاصِي (٤).

٢. أَنْوَاعُ الِاسْتِطَاعَةِ (تَحْقِيقُ الفَرْقِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ):

قَرَّرَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ نَوْعَانِ لَا يَسْتَغْنِي البَاحِثُ عَنْ تَمْيِيزِهِمَا (٥):

النَّوْعُ الأَوَّلُ: (اسْتِطَاعَةُ الصِّحَّةِ وَالآلَةِ): وَهِيَ القُدْرَةُ السَّابِقَةُ عَلَى الفِعْلِ، وَتَكُونُ بِسَلَامَةِ الجَوَارِحِ وَانْتِفَاءِ المَوَانِعِ (٦).

وَهَذَا النَّوْعُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ "الخِطَابُ الشَّرْعِيُّ" وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ عِنْدَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ (٧).

النَّوْعُ الثَّانِي: (اسْتِطَاعَةُ التَّوْفِيقِ وَالمُقَارَنَةِ): وَهِيَ القُوَّةُ الَّتِي يَخْلُقُهَا اللهُ فِي العَبْدِ "مَعَ الفِعْلِ" لِيَقَعَ بِهَا العَمَلُ (٨).

وَهَذِهِ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ، وَهِيَ الَّتِي نَفَاهَا اللهُ عَنِ الكُفَّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ (٩).

٣. مَنْزِلَةُ الِاسْتِطَاعَةِ فِي بَابِ القَدَرِ:

تُعَدُّ هَذِهِ المَسْأَلَةُ حِصْناً ضِدَّ الجَبْرِ المَحْضِ الَّذِي سَلَبَ العَبْدَ قُدْرَتَهُ، وَضِدَّ الِاعْتِزَالِ الَّذِي جَعَلَ العَبْدَ مُسْتَقِلًّا بِهَا (١٠).

فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَسَطٌ؛ يُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ اسْتِطَاعَةً حَقِيقِيَّةً لَكِنَّهَا "مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ" وَتَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ (١١).

»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««««

(١) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: القاموس المحيط، للفيروزآبادي، مادة (طوع).

(٢) حَدُّ الِاسْتِطَاعَةِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٧١، طبعة دار الوفاء.

(٣) المَعْنَى الشَّرْعِيُّ: هُوَ كَوْنُ العَبْدِ "مُتَمَكِّناً" مِمَّا أُمِرَ بِهِ، وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ القُدْرَةِ وَالقَدَرِ.

(٤) مَنَاطُ الحِسَابِ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ الفَهْمَ السَّلَفِيَّ لِلاِسْتِطَاعَةِ هُوَ الَّذِي يَنْحَلُّ بِهِ لُغْزُ "القَدَرِ" عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ. فَإِذَا أَدْرَكَ طَالِبُ العِلْمِ أَنَّ اللهَ أَعْطَى الإِنْسَانَ (اسْتِطَاعَةً قَبْلَ الفِعْلِ) لِيَحْتَجَّ بِهَا عَلَيْهِ فِي الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، ثُمَّ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ شَاءَ بِـ (اسْتِطَاعَةٍ مَعَ الفِعْلِ) لِيُوَفِّقَهُ لِلْعَمَلِ، عَلِمَ حِكْمَةَ اللهِ فِي عَدْلِهِ وَفَضْلِهِ. فَالجَبْرِيَّةُ ضَلُّوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ العَبْدَ لَا قُدْرَةَ لَهُ أَصْلًا، وَالمَعْتَزِلَةُ ضَلُّوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّ العَبْدَ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَعُونَةِ رَبِّهِ بَعْدَ الصِّحَّةِ. وَالحَقُّ أَنَّ العَبْدَ يَفْعَلُ بِقُدْرَتِهِ، لَكِنَّ اللهَ هُوَ الَّذِي أَمَدَّهُ بِهَا "تَحْصِيلاً" وَ"خَلْقاً".

(٦) دَلِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ السَّابِقَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. هُنَا الِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ وَهِيَ تَسْبِقُ العَمَلَ.

(٧) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الِاسْتِطَاعَةِ: عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١١١٧). الحُكْمُ: صَحِيحٌ. (وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى الِاسْتِطَاعَةِ الشَّرْعِيَّةِ السَّابِقَةِ).

(٨) اسْتِطَاعَةُ التَّوْفِيقِ: انظر: شفاء العليل، ابن القيم، ص ١٨٠، طبعة دار المنهاج.

(٩) مَعْنَى نَفْيِ الِاسْتِطَاعَةِ عَنِ الكُفَّارِ: هُوَ نَفْيُ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَعَ الفِعْلِ (التَّوْفِيقِيَّةِ)، لَا نَفْيُ اسْتِطَاعَةِ الصِّحَّةِ، وَإِلَّا لَمَا عُذِّبُوا.

(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الِاسْتِطَاعَةِ":

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الِاسْتِطَاعَةُ عِنْدَ السَّلَفِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى أَنَّ اللهَ مَا عَبَدَهُ عَابِدٌ إِلَّا بِقُوَّةٍ خَلَقَهَا فِيهِ، وَمَا عَصَاهُ عَاصٍ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَكَّنَهُ بِقُوَّةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهَا عَدْلًا. 

فَالْقَوْلُ بِأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الفِعْلِ فَقَطْ (قَوْلُ الأَشَاعِرَةِ) يُبْطِلُ التَّكْلِيفَ قَبْلَ العَمَلِ، وَالقَوْلُ بِأَنَّهَا قَبْلَ الفِعْلِ فَقَطْ (قَوْلُ المَعْتَزِلَةِ) يَنْفِي عَوْنَ اللهِ لِعَبْدِهِ. 

وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الأُولَى صِفَةُ المُكَلَّفِ الَّتِي بِهَا يُخَاطَبُ، وَالثَّانِيَةُ فِعْلُ الرَّبِّ الَّذِي بِهِ يُوَفَّقُ. فَمَنِ اسْتَفْرَغَ وُسْعَهُ فِي المَوْجُودَةِ، مَنَّ اللهُ عَلَيْهِ بِالمَقْرُونَةِ».

(١١) دَلِيلُ الِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]. هُنَا نَفْيٌ لِلِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي تُقَارِنُ الفِعْلَ وَتَقُومُ بِهِ.

(١٢) نَقْضُ قَوْلِ الجَبْرِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ العَبْدَ كَالآلَةِ الصَّمَّاءِ، فَلَا مَعْنَى عِنْدَهُمْ لِلِاسْتِطَاعَةِ أَصْلًا.

(١٣) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ تَعْجِيزٍ لِلْعَبْدِ عَنِ الطَّاعَةِ بَعْدَ سَلَامَةِ أَعْضَائِهِ هُوَ حُجَّةٌ دَاحِضَةٌ".

(١٤) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العَجْزُ مَانِعٌ مِنَ التَّكْلِيفِ، وَالِاسْتِطَاعَةُ شَرْطٌ لَهُ".

(١٥) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. إِثْبَاتُ عَدْلِ اللهِ. 

٢. بَيَانُ رَحْمَتِهِ بِالمَعُونَةِ. 

٣. قَطْعُ تَعَلُّلِ العُصَاةِ بِالقَدَرِ.

(١٦) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الوُسْعُ) هُوَ مَا يَسَعُهُ الإِنْسَانُ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ بِلَا مَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ المَعْتَادِ.

(١٧) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الِاسْتِطَاعَةُ هِيَ مِيزَانُ التَّكْلِيفِ؛ فَبِهَا يَقُومُ أَمْرُ اللهِ، وَبِهَا يَنْفُذُ قَدَرُهُ، وَبِهَا يُجَازَى العَبْدُ عَلَى عَمَلِهِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨١]«««««««««««««««««

التَّتِمَّةُ الخَامِسَةُ: مُتَعَلَّقَاتُ الِاسْتِطَاعَةِ (تَحْقِيقُ الِارْتِبَاطِ بِالزَّمَانِ وَالمَقْدُورِ وَالتَّكْلِيفِ)

١. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالزَّمَانِ (قَبْلَ الفِعْلِ وَمَعَهُ):

إِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا "شَرْطاً" أَوْ "مُوجِداً" (١).

فَالِاسْتِطَاعَةُ الشَّرْعِيَّةُ (المُصَحِّحَةُ) تَتَعَلَّقُ بِالزَّمَانِ الَّذِي "يَسْبِقُ" الفِعْلَ، وَبِهَا يَقَعُ التَّكْلِيفُ (٢).

وَلَوْلَا تَعَلُّقُهَا بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لَمَا كَانَ لِلْكَافِرِ قُدْرَةٌ عَلَى الإِيمَانِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَهَذَا بَاطِلٌ (٣).

أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ القَدَرِيَّةُ (المُوجِبَةُ) فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِلَحْظَةِ "وُقُوعِ" الفِعْلِ، وَلَا تَنْفَكُّ عَنْهُ (٤).

فَلَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَقَدَّمَ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةُ عَلَى الفِعْلِ بِزَمَانٍ؛ لِأَنَّهَا عَرَضٌ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ (٥).

٢. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالفِعْلِ (المَقْدُورِ):

تَتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةُ بِالمَقْدُورِ تَعَلُّقَ "تَأْثِيرٍ" وَ"مُبَاشَرَةٍ" (٦).

فَالقُدْرَةُ لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِمَا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ وُسْعِ المَخْلُوقِ وَطَاقَتِهِ (٧).

فَلَا تَتَعَلَّقُ اسْتِطَاعَةُ العَبْدِ بِخَلْقِ الأَجْسَامِ، وَلَا بِتَحْرِيكِ الجَمَادَاتِ الَّتِي لَا سُلْطَانَ لَهُ عَلَيْهَا (٨).

بَلْ تَتَعَلَّقُ بِحَرَكَةِ نَفْسِهِ، وَمَا يَتَوَلَّدُ عَنْهَا مِنْ أَفْعَالٍ اخْتِيَارِيَّةٍ مَنُوطَةٍ بِقَصْدِهِ (٩).

فَإِذَا أَرَادَ العَبْدُ الفِعْلَ وَكَانَ مُسْتَطِيعاً، خَلَقَ اللهُ فِيهِ الِاسْتِطَاعَةَ المَقْرُونَةَ لِيَقَعَ المَقْدُورُ (١٠).

٣. مُتَعَلَّقُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالتَّكْلِيفِ وَالعَدْلِ:

هَذَا المُتَعَلَّقُ هُوَ مَدَارُ العَدْلِ الإِلَهِيِّ؛ فَاللهُ لَا يُكَلِّفُ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الِاسْتِطَاعَةُ (١١).

فَمَا خَرَجَ عَنْ مَقْدُورِ العَبْدِ سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ بِهِ، كَالعَاجِزِ وَالمَجْنُونِ (١٢).

فَالتَّكْلِيفُ يَتْبَعُ الِاسْتِطَاعَةَ وُجُوداً وَعَدَماً، فَمَنْ لَا اسْتِطَاعَةَ لَهُ فَلَا خِطَابَ مَعَهُ (١٣).

»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) مُتَعَلَّقَاتُ القُدْرَةِ: انظر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، م ٣/ ص ٤٥، طبعة دار الفضيلة.

(٢) الِاسْتِطَاعَةُ السَّابِقَةُ: هِيَ الَّتِي يُصَحَّحُ بِهَا تَوْجِيهُ الأَمْرِ، وَدَلِيلُهَا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.

(٣) الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ بِقُدْرَةٍ وَاحِدَةٍ: الأَشَاعِرَةُ يَرَوْنَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِلَحْظَةِ الفِعْلِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَنَّ الكَافِرَ عُذِّبَ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ فِعْلِهِ.

(٤) الِاسْتِطَاعَةُ المَقْرُونَةُ: انظر: شفاء العليل، لابن القيم، ص ١٨٥. وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالإِيجَادِ (تَحْصِيلاً).

(٥) قَاعِدَةُ العَرَضِ: قَالَتِ الجَهْمِيَّةُ: "القُدْرَةُ عَرَضٌ"، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ الشَّرْعِيَّةَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِالذَّاتِ تَبْقَى بِبَقَائِهَا.

(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ تَحْقِيقَ "مُتَعَلَّقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ" يَرْفَعُ الإِشْكَالَ عَنْ مَسْأَلَةِ "التَّكْلِيفِ بِمَا لَا يُطَاقُ". 

فَاللهُ سُبْحَانَهُ تَتَعَلَّقُ أَوَامِرُهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي مَنَحَهَا لِلْعِبَادِ مِنْ سَلَامَةِ الآلَاتِ وَالقُدْرَةِ المُمَكِّنَةِ. فَمَنْ نَفَى تَعَلُّقَ الِاسْتِطَاعَةِ بِمَا قَبْلَ الفِعْلِ، فَقَدْ جَعَلَ الشَّرِيعَةَ عَبَثاً، وَمَنْ نَفَى تَعَلُّقَهَا بِمَا مَعَ الفِعْلِ، فَقَدْ نَفَى مَعُونَةَ اللهِ لِخَلْقِهِ. وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالمَقْدُورِ نَفْسِهِ لَا بِخَلْقِهِ، فَالْعَبْدُ يَسْتَطِيعُ "العَمَلَ" لَا "الإِيجَادَ مِنَ العَدَمِ". 

وَهَذَا الِارْتِبَاطُ الزَّمَانِيُّ وَالفِعْلِيُّ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ مُحْتَاجاً إِلَى رَبِّهِ فِي كُلِّ طَرْفَةِ عَيْنٍ لِيَمُدَّهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ بَعْدَ أَنْ مَكَّنَهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ المَوْجُودَةِ.

(٧) حُدُودُ المَقْدُورِ: الِاسْتِطَاعَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ، وَلَا بِمَا خَرَجَ عَنْ طَبِيعَةِ الخَلْقِ.

(٨) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي مُتَعَلَّقَاتِ الِاسْتِطَاعَةِ:

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «الِاسْتِطَاعَةُ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ مَقْدُوراً لِلْعَبْدِ مَخْلُوقاً لِلرَّبِّ. 

فَإِذَا تَعَلَّقَتِ الِاسْتِطَاعَةُ بِالفِعْلِ وَقَعَ الكَسْبُ. وَالمُخَالِفُونَ فِي هَذَا البَابِ حَارُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ الِاسْتِطَاعَةَ تَتَعَلَّقُ بِالضِّدَّيْنِ مَعاً (قَوْلُ المَعْتَزِلَةِ)، وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ. 

وَالصَّحِيحُ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ المُصَحِّحَةَ تَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ وَتَرْكِهِ، أَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ المَقْرُونَةُ فَلَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالفِعْلِ الَّذِي وَقَعَ حَقِيقَةً. وَبِهَذَا تَتَبَيَّنُ عَظَمَةُ القَدَرِ فِي تَوْجِيهِ سُلُوكِ العَبْدِ لِيَعْلَمَ أَنَّ حَرَكَتَهُ مَرْهُونَةٌ بِمَشِيئَةِ خَالِقِهِ وَتَمْكِينِهِ لَهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ زَمَانِيَّةٍ».

(٩) تَخْرِيجُ الأَدِلَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»؛ رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٩٤٩). هُنَا التَّيْسِيرُ هُوَ تَعَلُّقُ الِاسْتِطَاعَةِ المَقْرُونَةِ بِالعَمَلِ.

(١٠) نَقْضُ قَوْلِ الفَلَاسِفَةِ: الَّذِينَ جَعَلُوا الِاسْتِطَاعَةَ مُوجِبَةً بِالطَّبْعِ، فَنَفَوْا مَشِيئَةَ اللهِ الِاخْتِيَارِيَّةَ.

(١١) عِلَاقَةُ الِاسْتِطَاعَةِ بِالإِرَادَةِ: الِاسْتِطَاعَةُ آلَةٌ، وَالإِرَادَةُ مُوَجِّهَةٌ، وَاللهُ خَالِقُهُمَا جَمِيعاً.

(١٢) قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ: "كُلُّ مُسْتَطِيعٍ شَرْعاً قَدْ لَزِمَهُ الحُجَّةُ، وَإِنْ لَمْ يُوَفَّقْ قَدَراً".

(١٣) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "لَا يُنْسَبُ الفِعْلُ لِغَيْرِ مُسْتَطِيعٍ، وَلَا يُعَاقَبُ إِلَّا مَنْ مَلَكَ آلَةَ الفِعْلِ".

(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. تَنْزِيهُ اللهِ عَنِ الظُّلْمِ. 

٢. بَيَانُ سَبَبِ تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي العَمَلِ. 

٣. رَبْطُ القَلْبِ بِاللهِ طَلَباً لِلْمَعُونَةِ.

(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (المُتَعَلَّقُ) هُوَ مَا يَرْتَبِطُ بِهِ الشَّيْءُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ.

(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: الِاسْتِطَاعَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لِلْحُجَّةِ، وَبِالزَّمَانِ المَقْرُونِ لِلْقُدْرَةِ، وَبِالفِعْلِ لِلْكَسْبِ، وَبِاللهِ خَلْقاً وَإِيجَاداً.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٢]«««««««««««««««

التَّتِمَّةُ السَّادِسَةُ: 

تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ (الِاقْتِرَانِ وَالِاقْتِرَافِ) 

​١. الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْمُصْطَلَحَيْنِ:

  • ​أَوَّلاً: الِاقْتِرَافُ: فِي اللُّغَةِ مِنَ "القَرْفِ" وَهُوَ القَشْرُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي اكْتِسَابِ الذَّنْبِ أَوْ العَمَلِ (١). وَحَدُّهُ الجَامِعُ: "هُوَ مُبَاشَرَةُ العَبْدِ لِأَسْبَابِ الفِعْلِ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ الَّتِي مَنَحَهُ اللهُ إِيَّاهَا" (٢).
  • ​ثَانِياً: الِاقْتِرَانُ: فِي اللُّغَةِ مِنَ "القَرْنِ" وَهُوَ وَصْلُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ (٣). وَحَدُّهُ الجَامِعُ عِنْدَ السَّلَفِ: "هُوَ صُحْبَةُ قُدْرَةِ العَبْدِ لِلْمَقْدُورِ لَحْظَةَ الوُقُوعِ صُحْبَةَ (مُؤَثِّرٍ بِإِذْنِ اللهِ) لَا صُحْبَةً عَرَضِيَّةً" (٤).

​٢. المَعْنَى الشَّرْعِيُّ وَالتَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ:

يَعْنِي "الِاقْتِرَافُ" فِي الشَّرْعِ: العَمَلَ الَّذِي يُجَازَى عَلَيْهِ العَبْدُ، لِأَنَّهُ جَعَلَهُ "قَرِيناً" لِنَفْسِهِ بِمُبَاشَرَتِهِ (٥).

أَمَّا "الِاقْتِرَانُ"، فَقَدْ حَرَّرَهُ السَّلَفُ لِيَرُدُّوا بِهِ عَلَى "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ الَّذِي يَرَى أَنَّ قُدْرَةَ العَبْدِ تَقْتَرِنُ بِالفِعْلِ دُونَ أَنْ تُؤَثِّرَ فِيهِ (٦).

فَالتَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ يُثْبِتُ أَنَّ الِاقْتِرَافَ حَقِيقَةٌ، وَأَنَّ الِاقْتِرَانَ بَيْنَ القُدْرَةِ وَالفِعْلِ هُوَ اقْتِرَانُ سَبَبٍ بِمُسَبَّبٍ، وَاللهُ خَالِقُهُمَا جَمِيعاً (٧).

​٣. الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

  • ​مِنَ القُرْآنِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]. فَنَسَبَ الِاقْتِرَافَ إِلَيْهِمْ مَحْضاً (٨). وَقَوْلُهُ: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وَالكَسْبُ هُنَا هُوَ عَيْنُ الِاقْتِرَافِ المُنْتِجِ لِلْأَثَرِ (٩).
  • ​مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» (١٠). وَالشَّاهِدُ أَنَّ العَبْدَ هُوَ مَنِ "اقْتَرَفَ" الخُصُومَةَ وَبَاشَرَهَا بِإِرَادَتِهِ (١١).

​»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««

​(١) الاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (قرف).

(٢) حَدُّ الِاقْتِرَافِ: انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، م ٨/ ص ٣٨٠، طبعة دار الوفاء.

(٣) مَعْنَى الِاقْتِرَانِ: هُوَ صِلَةُ شَيْءٍ بِآخَرَ، وَقَدْ ضَلَّ فِيهِ مَنْ نَفَى السَّبَبِيَّةَ.

(٤) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:

قُلْتُ: إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ (الِاقْتِرَافِ) وَ(الِاقْتِرَانِ) هُوَ مِعْيَارُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الكَلَامِ. فَالِاقْتِرَافُ إِثْبَاتٌ لِعَمَلِ العَبْدِ حَقِيقَةً، وَبِهِ يَسْتَحِقُّ الجَزَاءَ. 

وَأَمَّا الِاقْتِرَانُ، فَإِنَّ الأَشَاعِرَةَ جَعَلُوهُ اقْتِرَاناً (عَادِيًّا) كَاقْتِرَانِ النَّارِ بِالاحْتِرَاقِ عِنْدَهُمْ (أَيْ أَنَّ النَّارَ لَا تُحْرِقُ بِنَفْسِهَا وَقُدْرَةُ العَبْدِ لَا تُؤَثِّرُ فِي فِعْلِهِ). 

وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِحِكْمَةِ الأَسْبَابِ. وَالتَّحْقِيقُ السَّلَفِيُّ أَنَّ العَبْدَ مُقْتَرِفٌ؛ أَيْ أَنَّهُ مُؤَثِّرٌ فِي فِعْلِهِ بِقُدْرَةٍ جَعَلَهَا اللهُ فِيهِ، وَاقْتِرَانُ قُدْرَتِهِ بِفِعْلِهِ هُوَ اقْتِرَانُ (مُؤَثِّرٍ فِعْلِيٍّ) خَلَقَهُ الخَالِقُ لِيُظْهِرَ بِهِ المَقْدُورَ. فَمَنِ اقْتَرَفَ خَيْراً وُجِدَ فِيهِ، وَمَنِ اقْتَرَفَ شَرًّا وُجِدَ فِيهِ، وَكُلُّ ذَلِكَ خَلْقُ اللهِ.

(٥) مَعْنَى الِاقْتِرَافِ فِي القُرْآنِ: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣].

(٦) الرَّدُّ عَلَى "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ: نَقْضُ قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الِاقْتِرَانَ مَجَازِيٌّ لَا حَقِيقِيَّ فِيهِ، وَهُوَ مَا سَمَّاهُ العُلَمَاءُ "كَسْبٌ لَا يَعْقِلُهُ إِلَّا الأَشْعَرِيُّ".

(٧) حَقِيقَةُ الِاقْتِرَافِ: هِيَ اجْتِمَاعُ الهِمَّةِ وَالقُدْرَةِ وَالمُبَاشَرَةِ.

(٨)  الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الِاقْتِرَافِ وَالِاقْتِرَانِ":

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ كُلَّ آيَةٍ وَرَدَ فِيهَا ذِكْرُ (الِاقْتِرَافِ) أَوْ (الكَسْبِ) فَهِيَ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى الجَبْرِيَّةِ وَالأَشَاعِرَةِ. لِأَنَّ الِاقْتِرَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ فَاعِلٍ مُخْتَارٍ مُؤَثِّرٍ فِي سَعْيِهِ. وَالِاقْتِرَانُ عِنْدَنَا هُوَ اقْتِرَانُ تَوْفِيقٍ؛ فَإِذَا اقْتَرَنَتْ مَشِيئَةُ العَبْدِ بِمَشِيئَةِ اللهِ وَقَعَ الِاقْتِرَافُ المَحْمُودُ، وَإِذَا خُذِلَ العَبْدُ اقْتَرَفَ السَّيِّئَةَ بِقُدْرَتِهِ المَخْلُوقَةِ. فَالِاقْتِرَانُ حَقِيقِيٌّ بَيْنَ القُوَّةِ وَالأَثَرِ، وَلَيْسَ مَحْضَ صُدْفَةٍ زَمَانِيَّةٍ كَمَا يَزْعُمُ نُفَاةُ الأَسْبَابِ. وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ العَبْدَ لَيْسَ مَجْبُوراً، وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ ظَالِماً، لِأَنَّهُ جَازَى العَبْدَ عَلَى مَا "اقْتَرَفَهُ" بِنَفْسِهِ».

(٩) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّخَاصُمِ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٤٥٨) وَمُسْلِمٌ (١٧١٣) عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. الحُكْمُ: صَحِيحٌ.

(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ اقْتِرَافٍ فَهُوَ مَقْرُونٌ بِمَشِيئَةِ اللهِ، وَلَا اقْتِرَافَ إِلَّا بِقُدْرَةٍ مَخْلُوقَةٍ".

(١١) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "نِسْبَةُ الفِعْلِ لِلْعَبْدِ نِسْبَةُ اقْتِرَافٍ وَكَسْبٍ، وَنِسْبَتُهُ لِلَّهِ نِسْبَةُ خَلْقٍ وَتَقْدِيرٍ".

(١٢) نَقْضُ الجَهْمِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ نَفَوْا الِاقْتِرَافَ وَجَعَلُوا العَبْدَ مَحَلًّا لِلفِعْلِ لَا فَاعِلاً لَهُ.

(١٣) مَسْأَلَةُ المَدْحِ وَالذَّمِّ: لَا يَصِحُّ المَدْحُ وَالذَّمُّ إِلَّا عَلَى مَا كَانَ اقْتِرَافاً اخْتِيَارِيًّا.

(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ: 

١. إِثْبَاتُ مَسْؤُولِيَّةِ العَبْدِ. 

٢. بَيَانُ سِرِّ الِاقْتِرَانِ القَدَرِيِّ. 

٣. الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ.

(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الِاقْتِرَافُ) أَبْلَغُ مِنَ الكَسْبِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ العِنَايَةَ بِالفِعْلِ وَمُزَاوَلَتَهُ.

(١٦) نَتِيجَةُ التَّحْقِيقِ: العَبْدُ مُقْتَرِفٌ حَقِيقَةً، وَفِعْلُهُ مَقْرُونٌ بِقُدْرَتِهِ سَبَباً، وَمَقْرُونٌ بِمَشِيئَةِ رَبِّهِ خَلْقاً، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي لَا حَيْدَةَ عَنْهُ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٣]««««««««««««««««««««

الفَصْلُ السَّابِعُ: المُفَاصَلَةُ وَالخَاتِمَةُ

(شَرْحُ أَثَرِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الِاعْتِصَامِ)

١. التَّصْدِيرُ بِالأَثَرِ وَمَقَامُ المَقَالَةِ:

إِنَّ قَوْلَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: «فَاللهَ اللهَ؛ لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ»، لَيْسَ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ دُسْتُورُ المُوَحِّدِ (١).

فَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ المَقَالَةُ فِي سِيَاقِ الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، وَبَيَانِ افْتِقَارِ العَبْدِ لِخَالِقِهِ فِي جَلِيلِ الأَمْرِ وَدَقِيقِهِ (٢).

فَقَوْلُهُ (فَاللهَ اللهَ) هُوَ تَحْذِيرٌ وَتَذْكِيرٌ بِعَظَمَةِ الذَّاتِ العَلِيَّةِ الَّتِي بِيَدِهَا مَقَالِيدُ القُلُوبِ (٣).

وَقَوْلُهُ (لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ) هُوَ إِعْلَانُ المُفَاصَلَةِ عَنْ كُلِّ حَوْلٍ وَقُوَّةٍ بَشَرِيَّةٍ، وَحَصْرُ النَّجَاةِ فِي الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِ الرَّبِّ (٤).

٢. الشَّرْحُ وَالتَّشْرِيحُ لِمَعْنَى "العِصْمَةِ" القَدَرِيَّةِ:

العِصْمَةُ فِي هَذَا المَقَامِ تَعْنِي: الحِفْظَ، وَالمَنْعَ مِنَ المَيْلِ إِلَى الفِتَنِ، وَالثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ عِنْدَ اضْطِرَابِ الآرَاءِ (٥).

وَحَقِيقَةُ العِصْمَةِ أَنَّهَا "فِعْلُ الرَّبِّ" فِي عَبْدِهِ؛ بِأَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ دَوَاعِيَ الشَّرِّ، وَيَخْلُقَ فِيهِ إِرَادَةَ الخَيْرِ (٦).

فَلَا يَمْلِكُ العَبْدُ لِنَفْسِهِ عِصْمَةً مِنَ الضَّلَالِ بِمُجَرَّدِ عِلْمِهِ، بَلْ بِتَوْفِيقِ خَالِقِهِ وَإِقْدَارِهِ (٧).

فَمَنْ وَكَلَهُ اللهُ إِلَى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، هَلَكَ فِي أَوْدِيَةِ الهَوَى، وَلَا عَاصِمَ لَهُ مِنَ القَدَرِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ (٨).

٣. مَقَامُ المُفَاصَلَةِ وَالخَاتِمَةِ:

تَقْتَضِي هَذِهِ المَقَالَةُ أَنْ يُفَاصِلَ العَبْدُ مَذَاهِبَ الضَّلَالِ الَّتِي جَعَلَتِ العِصْمَةَ فِي العَقْلِ أَوِ الِاسْتِقْلَالِ بِالفِعْلِ (٩).

فَالمُفَاصَلَةُ هُنَا هِيَ التَّبَرُّؤُ مِنْ قَوْلِ القَدَرِيَّةِ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلْعَبْدِ عِصْمَةً خَارِجَةً عَنْ مَشِيئَةِ اللهِ (١٠).

وَبِهَذَا تَنْتَهِي هَذِهِ الرِّحْلَةُ فِي بَابِ القَدَرِ إِلَى التَّسْلِيمِ المُطْلَقِ لِلَّهِ، وَالِافْتِقَارِ الدَّائِمِ لِعِصْمَتِهِ (١١).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««‹«««««

(١) أَثَرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ (رقم: ٢٣٢)، وَالآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ.

(٢) مَنَاطُ الأَثَرِ: جَاءَ فِي رِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى القَدَرِيَّةِ، وَهِيَ رِسَالَةٌ عَظِيمَةٌ.

(٣) قَوْلُهُ (فَاللهَ اللهَ): نَصْبٌ عَلَى التَّحْذِيرِ، أَيْ: احْذَرُوا اللهَ وَاتَّقُوهُ فِي نِحَلِكُمْ وَأَهْوَائِكُمْ.

(٤) مَعْنَى العِصْمَةِ: انظر: مدارج السالكين، لابن القيم، م ١/ ص ٣٠٠، طبعة دار المنهاج.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ خَتْمَ هَذَا البَحْثِ بِمَقَالَةِ هَذَا الإِمَامِ الرَّاشِدِ هُوَ جَمْعٌ لِأَطْرَافِ العَقِيدَةِ فِي القَدَرِ. فَإِذَا كَانَ العَبْدُ لَا عِصْمَةَ لَهُ إِلَّا بِاللهِ، بَطَلَ قَوْلُ القَدَرِيَّةِ أَنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ يَخْلُقُهُ لَكَانَتْ عِصْمَتُهُ مِنْهُ وَبِهِ. وَبَطَلَ قَوْلُ الجَبْرِيَّةِ لِأَنَّ العِصْمَةَ مَطْلُوبَةٌ لِلْمُكَلَّفِ، وَالمَجْبُورُ لَا يُعْصَمُ وَلَا يُؤْمَرُ. إِنَّ هَذِهِ المَقَالَةَ تَزْرَعُ فِي قَلْبِ البَاحِثِ وَطَالِبِ العِلْمِ ذُلَّ الِانْكِسَارِ؛ فَلَا يَغْتَرُّ بِبَحْثِهِ وَلَا بِتَحْقِيقِهِ، بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ كَتَبَهُ فِي هَذَا "المَبْحَثِ الثَّالِثِ" وَتَتِمَّاتِهِ، كَانَ بِعِصْمَةِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ. فَالِاعْتِصَامُ هُوَ ثَمَرَةُ العِلْمِ بِالقَدَرِ، وَهُوَ مَسْكُ الخِتَامِ لِهَذَا الفَصْلِ السَّابِعِ، وَبِهِ تَنْطَفِئُ نِيرَانُ الشُّبُهَاتِ.

(٦) الِاعْتِصَامُ بِاللهِ: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].

(٧) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "العِصْمَةِ":

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ أَثَرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ هَذَا هُوَ خُلَاصَةُ عَقِيدَةِ السَّلَفِ فِي التَّوْفِيقِ وَالخِذْلَانِ. فَالْعِصْمَةُ لَيْسَتْ شَيْئاً يَمْلِكُهُ العَبْدُ لِذَاتِهِ، بَلْ هِيَ تَقْلِيبُ الرَّبِّ لِقَلْبِ العَبْدِ صَوْبَ الحَقِّ. وَمَنْ هَدَاهُ اللهُ لِإِدْرَاكِ مَسَائِلِ القَدَرِ فَقَدْ أَعْصَمَهُ مِنَ التَّخَبُّطِ فِي مَذَاهِبِ الكَلَامِ. فَاللهُ هُوَ العَاصِمُ مِنَ المَيْلِ إِلَى القَدَرِيَّةِ، وَهُوَ العَاصِمُ مِنَ الغُلُوِّ فِي الجَبْرِ. وَالخَاتِمَةُ الحُسْنَى لَا تُنَالُ إِلَّا بِهَذِهِ العِصْمَةِ الَّتِي لَا حِيْلَةَ لِلْعَبْدِ فِيهَا إِلَّا الِافْتِقَارُ وَالدُّعَاءُ».

(٨) تَوْثِيقُ الخَاتِمَةِ: انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، فِي شَرْحِ حَدِيثِ: «يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ».

(٩) تَخْرِيجُ حَدِيثِ القُلُوبِ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ القُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»؛ رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٥٤). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.

(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ مَنْ نَجَا مِنَ الشُّبْهَةِ فَهُوَ بِعِصْمَةِ اللهِ، لَا بِجَوْدَةِ قَرِيحَتِهِ".

(١١) مُفَاصَلَةُ القَدَرِيَّةِ: هِيَ تَرْكُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الفِعْلِ المُسْتَقِلِّ، وَالرُّجُوعُ إِلَى التَّوَكُّلِ المَحْضِ.

(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "العِصْمَةُ تَقْتَضِي انْتِفَاءَ المَانِعِ وَحُصُولَ القُوَّةِ المَانِعَةِ".

(١٣) مَسْأَلَةُ المَفَاخِرِ: لَا مَفْخَرَةَ لِلْعَالِمِ بِمَا حَصَّلَ، لِأَنَّ "العِصْمَةَ" هِيَ الَّتِي حَفِظَتْ عَقْلَهُ مِنَ الزَّيْغِ.

(١٤) فَوَائِدُ المَبْحَثِ السَّابِعِ: ١. تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى التَّوَاضُعِ لِلَّهِ. ٢. بَيَانُ رُوحِ مذهبِ السلفِ فِي التَّسْلِيمِ. ٣. رَبْطُ الفِقْهِ بِالعَمَلِ.

(١٥) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (العِصْمَةُ) تَعْنِي أَيْضاً المَلْجَأَ وَالمَعْقِلَ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ السُّقُوطِ.

(١٦) نَتِيجَةُ البَحْثِ الكُلِّيَّةِ: بَعْدَ دِرَاسَةِ المَبَاحِثِ السِّتَّةِ السَّابِقَةِ، يَنْكَشِفُ لِلْبَاحِثِ أَنَّ العِلْمَ بِالقَدَرِ يُؤَدِّي إِلَى تَمَامِ الِاعْتِصَامِ بِاللهِ، وَصِدْقِ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: «لَا عِصْمَةَ إِلَّا بِهِ».

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٤]««««««««««««««««««

تَتِمَّةُ الفَصْلِ السَّابِعِ: 

(حَاكِمِيَّةُ النَّصِّ وَتَهَافُتُ التَّعْقِيلِ البَدَعِيِّ)  التَّأْصِيلُ وَالمُفَاصَلَةُ

١. تَعْظِيمُ النَّصِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (الحَاكِمِيَّةُ وَالهَيْمَنَةُ):

إِنَّ أَصْلَ الأُصُولِ عِنْدَ أَهْلِ الأَثَرِ هُوَ جَعْلُ "النَّصِّ" مَتْبُوعاً لَا تَابِعاً، وَحَاكِماً لَا مَحْكُوماً عَلَيْهِ (١).

فَتَعْظِيمُ النَّصِّ يَقْتَضِي اعْتِقَادَ شُمُولِهِ، وَهَيْمَنَتِهِ عَلَى العُقُولِ، وَتَلَقِّي الهُدَى مِنْ مِشْكَاتِهِ مَحْضاً (٢).

فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُقَدِّمُونَ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ رَأْياً، وَلَا قِيَاساً، وَلَا ذَوْقاً، بَلْ قَوْلُهُمْ: "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" (٣).

وَبِهَذَا التَّعْظِيمِ صَانُوا الدِّينَ مِنَ الِاضْطِرَابِ، وَحَفِظُوا العَقِيدَةَ مِنَ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ (٤).

٢. جِنَايَةُ أَهْلِ البِدَعِ (إِعْمَالُ العَقْلِ فِي نَقْضِ النَّصِّ):

أَمَّا أَهْلُ الأَهْوَاءِ، فَقَدْ جَعَلُوا "العَقْلَ" أَصْلًا، وَالنَّصَّ تَبَعاً، فَمَا وَافَقَ عُقُولَهُمْ قَبِلُوهُ، وَمَا خَالَفَهَا رَدُّوهُ (٥).

وَهَذَا المَسْلَكُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ النَّصَّ عَنْ "مَاهِيَّتِهِ" الَّتِي أُنْزِلَ لِأَجْلِهَا؛ وَهِيَ البَيَانُ وَالهُدَى (٦).

فَصَارَ النَّصُّ عِنْدَهُمْ لَغْواً لَا يُفِيدُ اليَقِينَ، أَوْ مُلْغَزاً يَحْتَاجُ إِلَى "تَأْوِيلٍ" يُخْرِجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ (٧).

وَبِهَذَا جَنَوْا عَلَى الأَلْفَاظِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الوَحْيُ، فَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا بِدَعْوَى المَجَازِ وَالتَّأْوِيلِ (٨).

٣. مَآلَاتُ التَّقْدِيمِ العَقْلِيِّ (الحَيْرَةُ وَالِاضْطِرَابُ):

إِنَّ إِخْرَاجَ النَّصِّ عَنْ حَقِيقَتِهِ أَدَّى بِأَهْلِ الكَلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الشَّكِّ وَجَهَالَةِ الحَيْرَةِ (٩).

فَلَمَّا تَرَكُوا نُورَ الوَحْيِ، وَوَكَلُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى عُقُولٍ مُتَنَاقِضَةٍ، اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ، وَتَضَارَبَتْ مَذَاهِبُهُمْ (١٠).

فَصَارَ بَعْضُهُمْ يُكَفِّرُ بَعْضاً، وَانْتَهَى أَمْرُ كِبَارِهِمْ إِلَى النَّدَمِ عِنْدَ المَوْتِ عَلَى مَا ضَيَّعُوا مِنَ النُّصُوصِ (١١).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) حَاكِمِيَّةُ النَّصِّ: انظر: إعلام الموقعين، لابن القيم، م ١/ ص ٤٥، طبعة دار ابن الجوزي.

(٢) مَعْنَى الهَيْمَنَةِ: هِيَ كَوْنُ القُرْآنِ شَاهِداً وَمُؤَيِّداً وَقَاضِياً عَلَى مَا سِوَاهُ مِنَ الكُتُبِ وَالآرَاءِ.

(٣) مَنْهَجُ السَّلَفِ: "نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ"، وَهَذَا أَعْظَمُ صُوَرِ التَّعْظِيمِ لِلَّفْظِ وَالمَعْنَى.

(٤) التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ الفَرْقَ الجَوْهَرِيَّ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ البِدْعَةِ يَعُودُ إِلَى "مَصْدَرِ التَّلَقِّي". فَأَهْلُ السُّنَّةِ جَعَلُوا العَقْلَ (آلَةً) لِفَهْمِ النَّصِّ، بَيْنَمَا جَعَلَهُ أَهْلُ البِدَعِ (قَاضِياً) عَلَى النَّصِّ. وَمَنْ جَعَلَ العَقْلَ قَاضِياً، فَقَدْ جَعَلَ اللهَ سُبْحَانَهُ مُكَلَّفاً بِأَنْ يُخَاطِبَنَا بِمَا يَتَوَافَقُ مَعَ مَدَارِكِنَا المَحْدُودَةِ، وَإِلَّا رَدَدْنَا قَوْلَهُ. وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّقْدِيمِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ. إِنَّ النَّصَّ الشَّرْعِيَّ جَاءَ لِيَهْدِيَ العَقْلَ لَا لِيَهْتَدِيَ بِهِ، وَمَنْ أَرَادَ الهُدَى مِنْ غَيْرِ الوَحْيِ أَضَلَّهُ اللهُ. فَالْتِحَاقُ طَالِبِ العِلْمِ بِمَدْرَسَةِ التَّعْظِيمِ يَعْصِمُهُ مِنَ الِاضْطِرَابِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ (الفُحُولُ) مِنَ المُنَاظِرِينَ الَّذِينَ هَجَرُوا النُّصُوصَ إِلَى "القَوَانِينِ الكُلِّيَّةِ" المَوْهُومَةِ.

(٥) القَانُونُ الكُلِّيُّ: هُوَ الشُّبْهَةُ الَّتِي ابْتَدَعَهَا الرَّازِيُّ وَأَمْثَالُهُ بِتَقْدِيمِ العَقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ المَوْهُومِ.

(٦) إِخْرَاجُ النَّصِّ عَنْ مَاهِيَّتِهِ: أَيْ جَعْلُهُ مَجَازاً لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ لَمْ يُنْزَلْ لِلْبَيَانِ.

(٧) التَّأْوِيلُ البِدَعِيُّ: هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ، وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ "تَحْرِيفٌ".

(٨)  الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي تَعْظِيمِ النَّصِّ:

قَالَ الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: «إِنَّ سَلَامَةَ العَبْدِ فِي دِينِهِ مَرْهُونَةٌ بِتَعْظِيمِ الوَحْيِ. فَكُلُّ مَنْ قَدَّمَ قِيَاساً أَوْ عَقْلًا عَلَى نَصٍّ صَحِيحٍ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَاباً مِنَ الزَّنْدَقَةِ لَا يُغْلَقُ. فَأَهْلُ الكَلَامِ لَمَّا جَعَلُوا نُصُوصَ الصِّفَاتِ وَالقَدَرِ (أَدِلَّةً لَفْظِيَّةً) لَا تُفِيدُ اليَقِينَ، خَرَجُوا مِنْ رِحَابِ الهُدَى إِلَى تِيهِ الحَيْرَةِ. وَالعَقْلُ الصَّرِيحُ لَا يُخَالِفُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ أَبَداً، لَكِنَّ المُشْكِلَةَ فِي "العُقُولِ المَرِيضَةِ" الَّتِي تَرَى التَّعَارُضَ حَيْثُ لَا تَعَارُضَ. فَالنَّصُ هُوَ الهَادِي، وَالعَقْلُ هُوَ المُبْصِرُ، فَإِذَا انْطَفَأَ النُّورُ فَمَاذَا يَنْفَعُ البَصَرُ؟».

(٩) الحَيْرَةُ وَالنَّدَمُ: انظر: دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، م ١/ ص ١٦٠.

(١٠) اضْطِرَابُ النُّفَاةِ: هُنَا تُذْكَرُ مَقَالَةُ الجُوَيْنِيِّ: "يَا أَصْحَابَنَا لَا تَشْتَغِلُوا بِالكَلَامِ، فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّهُ يَبْلُغُ بِي إِلَى مَا بَلَغَ مَا اشْتَغَلْتُ بِهِ".

(١١) تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّرْكِ: عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ ﷺ: «تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا، لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ»؛ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤٣). الحُكْمُ: صَحِيحٌ.

(١٢) مَقَامُ "الهُدَى": النَّصُّ أُنْزِلَ لِيَهْدِيَ النَّاسَ إِلَى الحَقِّ، فَإِذَا احْتَاجَ النَّصُّ إِلَى العَقْلِ لِيُصَحِّحَهُ صَارَ العَقْلُ هُوَ "المُهَيْمِنُ" تَعَالَى اللهُ عَنْ ذَلِكَ.

(١٣) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ: "كُلُّ عَقْلٍ عَارَضَ النَّقْلَ فَهُوَ عَقْلٌ فَاسِدٌ، وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ مُقَدَّمٌ مُطْلَقاً".

(١٤) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ: "دَلَالَةُ النَّصِّ يَقِينِيَّةٌ فِي مَحَلِّهَا، وَالتَّأْوِيلُ بِلَا مُوجِبٍ بَاطِلٌ".

(١٥) مَسْأَلَةُ الأَلْفَاظِ: اللهُ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَلْفَاظاً هِيَ أَبْلَغُ الأَلْفَاظِ، فَصَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا اِتِّهَامٌ لِلْوَحْيِ بِالعَيِّ.

(١٦) فَوَائِدُ المُتَمِّمَةِ: 

١. الثَّبَاتُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ. 

٢. مَعْرِفَةُ قَدْرِ الصَّحَابَةِ فِي الِاتِّبَاعِ. 

٣. رَدُّ شَغَبِ المُمَوِّهِينَ بِالعَقْلِ.

(١٧) مَفْرَدَةٌ لُغَوِيَّةٌ: (الهَيْمَنَةُ) تَعْنِي الحِفْظَ وَالسَّيْطَرَةَ وَالعُلُوَّ.

(١٨) نَتِيجَةُ الخِتَامِ: تَعْظِيمُ النَّصِّ هُوَ سَفِينَةُ النَّجَاةِ، وَتَقْدِيمُ العَقْلِ هُوَ مَزْلَقُ الهَلَاكِ، وَمَنْ أَعْصَمَهُ اللهُ بِالنَّصِّ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٥]««««‹‹««««««««««

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: (مذاهب الجَهْمِيِّ)

١. الجُذُورُ الأُولَى وَالتَّسَلْسُلُ اليَهُودِيُّ الصَّابِئِيُّ:

يَعُودُ أَصْلُ "الزَّيْغِ" فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ إِلَى مَادَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ يَهُودِيَّةٍ مَمْزُوجَةٍ بِعَقَائِدِ الصَّابِئَةِ نُفَاةِ الفِعْلِ الرَّبَّانِيِّ (١).

فَقَدْ كَانَ "لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ" اليَهُودِيُّ هُوَ الحَلْقَةُ الأُولَى، حَيْثُ نَفَحَ فِي "طَالُوتَ" ابْنِ أُخْتِهِ سُمُومَ القَوْلِ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ (٢).

ثُمَّ انْتَقَلَ هَذَا الشَّرُّ إِلَى "أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ"، الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ سِحْرِ اليَهُودِ وَتَعْطِيلِ الصَّابِئَةِ الحَرَّانِيِّينَ (٣).

وَبِهَذَا التَّسَلْسُلِ صَارَ التَّعْطِيلُ مَذْهَباً "مُعَلَّباً" انْتَقَلَ إِلَى الكُوفَةِ حَيْثُ تَلَقَّاهُ "الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ" (٤).

فَالجَعْدُ لَمْ يَبْتَكِرِ التَّعْطِيلَ، بَلْ "وَرِثَهُ" عَنِ الزَّنَادِقَةِ وَاليَهُودِ لِيَهْدِمَ بِهِ مَاهِيَّةَ النَّصِّ القُرْآنِيِّ (٥).

٢. الجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ وَمَرْحَلَةُ التَّنْظِيرِ لِلزَّيْغِ:

ظَهَرَ الجَعْدُ فِي الكُوفَةِ وَتَنَقَّلَ إِلَى دِمَشْقَ، وَكَانَ مُعَلِّماً لِمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَنَادَى بِأَوَّلِ مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ (٦).

أَنْكَرَ الجَعْدُ أَنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، أَوْ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَكَانَ قَصْدُهُ "نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ" (٧).

فَلَمَّا اشْتَهَرَتْ بِدْعَتُهُ وَزَاغَ بِهَا، طَلَبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، فَهَرَبَ إِلَى الكُوفَةِ حَيْثُ لَقِيَ "جَهْمَ بْنَ صَفْوَانَ" (٨).

وَفِي سَنَةِ (١٠٥ هـ) وَقِيلَ سَنَةَ (١١٨ هـ)، قَامَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ بِذَبْحِهِ يَوْمَ الأَضْحَى بَعْدَ خُطْبَتِهِ الشَّهِيرَةِ (٩).

قَالَ خَالِدٌ: "ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ، فَإِنِّي مُضَحٍّ بِالجَعْدِ؛ إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى.." (١٠).

٣. جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَنَشْرُ المَذْهَبِ فِي تِرْمِذَ وَخُرَاسَانَ:

تَلَقَّى الجَهْمُ عَنِ الجَعْدِ هَذِهِ المَقَالَاتِ، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهَا "الجَبْرَ" وَ"الإِرْجَاءَ" وَ"فَنَاءَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ" (١١).

زَاغَ الجَهْمُ فِي "تِرْمِذَ" لَمَّا نَاظَرَ "السُّمَنِيَّةَ" (فَلَاسِفَةُ الهِنْدِ)، فَارْتَابَ فِي رَبِّهِ وَتَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً (١٢).

ثُمَّ خَرَجَ لِلنَّاسِ بِمَذْهَبٍ "جَدِيدٍ" يَزْعُمُ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ خَلْقُهُ حَتَّى فِي الأَسْمَاءِ (١٣).

نَافَحَ الجَهْمُ عَنْ قَوْلِهِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، وَجَعَلَ الإِيمَانَ مَحْضَ المَعْرِفَةِ، لِيَسْلُبَ النَّصَّ هَيْبَتَهُ وَسُلْطَانَهُ (١٤).

انْتَهَى زَيْغُهُ بِالقَتْلِ صَبْراً عَلَى يَدِ سَلَمِ بْنِ أَحْوَزَ بِـ "مَرْوٍ" سَنَةَ ١٢٨ هـ فِي آخِرِ دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) جُذُورُ الصَّابِئَةِ وَاليَهُودِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد (٥)، ص (٢٠-٢٢)، طبعة دار الوفاء (الطبعة الثالثة ٢٠٠٥م).

التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "أَصْلَ هَذِهِ المَقَالَةِ -نَفْيِ الصِّفَاتِ- مَأْخُوذٌ عَنِ التَّلَامِذَةِ مِنَ اليَهُودِ وَالصَّابِئَةِ وَمُشْرِكِي الفَلَاسِفَةِ".

(٢) سِلْسِلَةُ "لَبِيد - طَالُوت - أَبَان":

المصدر: تاريخ دمشق، لابن عساكر، المجلد (٩)، ص (٢٧٣)، طبعة دار الفكر - بيروت (١٩٩٥م).

التوثيق: "أَخَذَ الجَعْدُ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانِ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ الأَعْصَمِ".

(٣) أَبَانُ بْنُ سَمْعَانَ (أَوَّلُ مَنْ نَادَى بِالتَّعْطِيلِ فِي الإِسْلَامِ):

المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (٩)، ص (٣٥٠)، طبعة دار هجر (الطبعة الأولى ١٩٩٧م).

التاريخ: قُتِلَ أَبَانُ سَنَةَ ١١٩ هـ؛ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ وَنَفْيِ الصِّفَاتِ، وَتَأَثَّرَ بِأَفْكَارِ (اليَهُودِ) فِي بَابِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ.

(٤) نَشْأَةُ الجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ (مُؤَسِّسُ المَبْدَأِ):

المصدر: سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، المجلد (٥)، ص (٤٣٢)، طبعة مؤسسة الرسالة (الطبعة الحادية عشرة ١٩٩٦م).

التوثيق: الجَعْدُ أَصْلُهُ مِنْ "حَرَّانَ"، وَهِيَ مَعْقِلُ الصَّابِئَةِ، وَمِنْ هُنَا تَلَقَّى نَفْيَ الصِّفَاتِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ (تَنْزِيهاً).

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ دِرَاسَةَ التَّارِيخِ الجَهْمِيِّ تَكْشِفُ عَنْ "مُؤَامَرَةٍ" فِكْرِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ وِيدَةَ صُدْفَةٍ. فَلَمَّا عَجَزَ اليَهُودُ عَنْ هَدْمِ الدِّينِ بِالسِّلَاحِ، سَرَّبُوا "التَّعْطِيلَ" عَبْرَ لَبِيدٍ ثُمَّ طَالُوتَ لِيَصِلَ إِلَى قَلْبِ العَاصِمَةِ الأُمَوِيَّةِ. وَالزَّيْغُ الَّذِي حَدَثَ لِلْجَعْدِ لَمْ يَكُنْ زَيْغاً فِي (جُزْئِيَّةٍ)، بَلْ كَانَ زَيْغاً فِي (أَصْلِ التَّلَقِّي)، حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى (فَلْسَفَةُ الصَّابِئَةِ) بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ (النَّصُّ المَعْصُومُ). وَقَدْ أَدْرَكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- خُطُورَةَ هَذَا المَسْلَكِ، فَحَذَّرَ مِنْ أَوَّلِيَّاتِ القَوْلِ بِالقَدَرِ وَالتَّعْطِيلِ، لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ القَلْبَ إِذَا زَاغَ عَنْ تَعْظِيمِ "تَكْلِيمِ اللَّهِ" لِخَلْقِهِ، فَقَدْ زَاغَ عَنِ الإِيمَانِ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الوَحْيُ. فَالجَهْمِيَّةُ هِيَ (الجِنَايَةُ الكُبْرَى) عَلَى مَاهِيَّةِ النَّصِّ، حَيْثُ حَوَّلَتِ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ إِلَى "مَعْنًى ذِهْنِيٍّ" لَا وُجُودَ لَهُ فِي الأَعْيَانِ، وَهَذَا هُوَ غَايَةُ الضَّلَالِ.

(٦) مَقْتَلُ الجَعْدِ وَتَارِيخُهُ:

المصدر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير، المجلد (٤)، ص (٢٥٨)، طبعة دار الكتاب العربي (الطبعة الأولى ١٩٩٧م).

التاريخ: جَرَى مَقْتَلُهُ فِي وَاسِطَ سَنَةَ (١١٨ هـ) بَعْدَ أَنْ أَفْتَى العُلَمَاءُ بِكُفْرِهِ لِنَفْيِهِ صِفَةَ التَّكْلِيمِ.

(٧) جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَسُمَنِيَّةُ الهِنْدِ:

المصدر: الرد على الجهمية والزنادقة، للإمام أحمد بْنِ حَنْبَلٍ، ص (١١-١٥)، طبعة دار المآثر (بتحقيق د. فواز الزمرلي).

التوثيق: يَذْكُرُ الإِمَامُ أَحْمَدُ كَيْفَ انْقَطَعَ الجَهْمُ عَنِ النَّاسِ لَمَّا شَكَّكَتْهُ السُّمَنِيَّةُ فِي "إِلَهٍ لَا يُرَى وَلَا يُسْمَعُ وَلَا يُحَسُّ"، فَانْتَهَى إِلَى "تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ" لِيَهْرَبَ مِنَ الِاتِّهَامِ بِالتَّشْبِيهِ.

(٨) جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَنَشْرُ الإِرْجَاء:

المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٣٢)، طبعة المكتبة العصرية (٢٠٠٥م).

التوثيق: "تَفَرَّدَ الجَهْمُ بِقَوْلِهِ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ المَعْرِفَةُ بِاللَّهِ فَقَطْ، وَمَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِقَلْبِهِ ثُمَّ جَحَدَ بِلِسَانِهِ لَمْ يَكْفُرْ".

(٩)  الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "جُذُورِ الجَهْمِيَّةِ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد (تسجيل صوتي مفرغ)، الدرس الرابع، شرح مقدمة التعطيل.

التوثيق: «الجَهْمِيَّةُ هِيَ مَنْبَعُ كُلِّ زَيْغٍ؛ لِأَنَّهَا قَامَتْ عَلَى (تَكْذِيبِ النَّصِّ) بِاسْمِ التَّنْزِيهِ. وَالجَعْدُ ثُمَّ الجَهْمُ لَمْ يَكُونُوا فُقَهَاءَ، بَلْ كَانُوا أَصْحَابَ عُقُولٍ (لَوَّاثَةٍ) تَأَثَّرَتْ بِالفَلْسَفَةِ اليُونَانِيَّةِ وَاليَهُودِيَّةِ. فَإِذَا نَفَيْتَ الصِّفَةَ، فَقَدْ نَفَيْتَ المَوْصُوفَ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الزَّيْغِ الَّذِي يَنْتَهِي لِلْحَيْرَةِ، وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهُمْ "زَنَادِقَةً"».

(١٠) مَقْتَلُ الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ:

المصدر: البداية والنهاية، ابن كثير، المجلد (١٠)، ص (٢١)، طبعة هجر.

التاريخ: قُتِلَ سَنَةَ (١٢٨ هـ) بَعْدَ أَنْ خَرَجَ مَعَ الحَارِثِ بْنِ سُرَيْجٍ ضِدَّ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ سَلَمُ بْنُ أَحْوَزَ وَقَتَلَهُ بِسَبَبِ بِدْعَتِهِ وَفِتْنَتِهِ.

(١١) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "التَّوْحِيدِ" لِابْنِ خُزَيْمَةَ):

"الجَهْمِيَّةُ مُعَطِّلَةٌ، لَمْ يَعْرِفُوا اللَّهَ بِصِفَاتِهِ الَّتِي وَصَفَ بِهَا نَفْسَهُ، فَعَبَدُوا عَدَماً".

(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ:

"النَّصُّ القُرْآنِيُّ حَاكِمٌ بِظَاهِرِهِ، وَصَرْفُهُ عَنْ مَاهِيَّتِهِ جَهْمِيَّةٌ مُسْتَتِرَةٌ".

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٥]«««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: ( الزَّيْغِ الِاعْتِزَالِيِّ) 

- الأُصُولُ الخَمْسَةُ وَجِنَايَةُ العَقْلِ عَلَى النَّصِّ

١. نَشْأَةُ الِاعْتِزَالِ وَمَفْرِقُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الأَثَرِ وَالرَّأْيِ:

بَدَأَ زَيْغُ "الِاعْتِزَالِ" بِمَوْقِفٍ حِسِّيٍّ فِي مَسْجِدِ البَصْرَةِ، حَيْثُ خَالَفَ "وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ" شَيْخَهُ الحَسَنَ البَصْرِيَّ (١).

زَاغَ وَاصِلٌ فِي حُكْمِ "مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ"، فَقَالَ بِمَنْزِلَةٍ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، فَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى فَهْمِ السَّلَفِ (٢).

ثُمَّ انْضَمَّ إِلَيْهِ صِهْرُهُ "عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ"، الَّذِي كَانَ يُقَدِّمُ قَوْلَهُ عَلَى الحَدِيثِ إِذَا خَالَفَ عَقْلَهُ (٣).

فَاعْتَزَلُوا حَلَقَةَ الحَسَنِ، فَسُمُّوا "مُعْتَزِلَةً"، وَبَدَأُوا فِي تَأْصِيلِ زَيْغِهِمْ بِمَا سَمَّوهُ (الأُصُولَ الخَمْسَةَ) (٤).

وَهَذِهِ الأُصُولُ هِيَ: التَّوْحِيدُ، العَدْلُ، الوَعْدُ وَالوَعِيدُ، المَنْزِلَةُ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ (٥).

٢. تَشْرِيحُ الأُصُولِ الخَمْسَةِ وَحَقِيقَةُ الزَّيْغِ فِيهَا:

التَّوْحِيدُ (التَّعْطِيلُ): زَاغُوا بِتَسْمِيَةِ نَفْيِ الصِّفَاتِ "تَوْحِيداً"، فَجَعَلُوا إِثْبَاتَهَا تَشْبِيهاً، فَعَطَّلُوا الرَّبَّ عَنْ كَمَالِهِ (٦).

العَدْلُ (نَفْيُ القَدَرِ): زَاغُوا بِزَعْمِهِمْ أَنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي أَنْ يَخْلُقَ العَبْدُ فِعْلَ نَفْسِهِ، فَنَفَوْا قَدَرَ اللَّهِ وَمَشِيئَتَهُ الشَّامِلَةَ (٧).

الوَعْدُ وَالوَعِيدُ: زَاغُوا بِإِنْفَاذِ الوَعِيدِ عَلَى عُصَاةِ المُوَحِّدِينَ، وَنَفَوْا الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الكَبَائِرِ بِمَا يُصَادِمُ السَّنَنَ (٨).

المَنْزِلَةُ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ: بَدْعَتُهُمُ الأُولَى، حَيْثُ نَفَوْا عَنِ العَاصِي اسْمَ الإِيمَانِ وَلَمْ يُثْبِتُوا لَهُ اسْمَ الكُفْرِ (٩).

الأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ (الخُرُوجُ): زَاغُوا بِتَسْمِيَةِ الخُرُوجِ عَلَى الأَئِمَّةِ بِالسَّيْفِ "أَمْراً بِالمَعْرُوفِ"، فَهَدَمُوا أَصْلَ الجَمَاعَةِ (١٠).

٣. مَرْحَلَةُ التَّغَوُّلِ السِّيَاسِيِّ وَالمِحْنَةُ الكُبْرَى:

بَلَغَ الزَّيْغُ الِاعْتِزَالِيُّ ذُرْوَتَهُ فِي عَهْدِ "المَأْمُونِ" وَ"المُعْتَصِمِ" وَ"الوَاثِقِ" بِتَحْرِيضِ "أَحْمَدَ بْنِ أَبِي دُؤَادَ" (١١).

فَرَضُوا القَوْلَ بِـ "خَلْقِ القُرْآنِ" بِالسَّيْفِ، وَامْتَحَنُوا العُلَمَاءَ، وَعَذَّبُوا الإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لِثَبَاتِهِ عَلَى النَّصِّ (١٢).

لَمْ يَقْبَلُوا غَيْرَ "العَقْلِ" حَاكِماً، فَكَفَّرُوا مَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ الرَّبِّ، وَجَعَلُوا الدِّينَ مَحْضَ تَرِهَاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ (١٣).

زَاغَتْ أَبْصَارُهُمْ عَنْ نُورِ الوَحْيِ، فَسَلَبَهُمُ اللَّهُ حَلَاوَةَ الِاتِّبَاعِ، وَصَارُوا فِرَقاً مُشَتَّتَةً تَلْعَنُ بَعْضُهَا بَعْضاً (١٤).

حَتَّى جَاءَ "المُتَوَكِّلُ" فَنَصَرَ السُّنَّةَ، وَقَمَعَ بِدْعَةَ الِاعْتِزَالِ، لَكِنَّ آثَارَهُمْ بَقِيَتْ نَدَبَاتٍ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) قِصَّةُ الِاعْتِزَالِ (نُقْطَةُ البِدَايَةِ):

المصدر: الفِرَق بين الفِرَق، لعبد القاهر البغدادي، ص (٩٣-٩٤)، طبعة المكتبة العصرية (٢٠٠٩م).

التاريخ: حَدَثَ الِاعْتِزَالُ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ بَعْدَ وَفَاةِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ سَنَةَ (١١٠ هـ).

(٢) وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ (المُؤَسِّسُ):

المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، المجلد (٥)، ص (٤٦٤)، طبعة الرسالة.

التوثيق: كَانَ وَاصِلٌ تَمْتَاماً، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ الرَّاءَ فِي كَلَامِهِ لِفَصَاحَتِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الفَصَاحَةَ سَخَّرَهَا لِلْقَوْلِ بِـ "المَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ".

(٣) عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (رَأْسُ القَدَرِيَّةِ):

المصدر: الكامل في التاريخ، لابن الأثير، المجلد (٥)، ص (١٧٨)، طبعة دار الكتاب العربي.

التوثيق: ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَوْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ كَذَا (حَدِيثَ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ فِي القَدَرِ) لَقُلْتُ لَهُ: لَيْسَ عَلَى هَذَا أَخَذْتَ مِيثَاقَنَا! وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الزَّيْغِ.

(٤) سَبَبُ التَّسْمِيَةِ:

المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٥٦)، طبعة المكتبة العصرية.

التوثيق: سُمُّوا "مُعْتَزِلَةً" لِاعْتِزَالِهِمْ مَجْلِسَ الحَسَنِ، وَقِيلَ لِقَوْلِهِمْ بِالمَنْزِلَةِ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ خُطُورَةَ المَعْتَزِلَةِ تَنْبُعُ مِنْ كَوْنِهِمْ (فَلَاسِفَةً بِثِيَابِ دُعَاةٍ). فَهُمْ لَمْ يَنْفُوا النَّصَّ صَرَاحَةً كَمَا فَعَلَ المَلَاحِدَةُ، بَلْ سَلَكُوا مَسْلَكَ (التَّحْرِيفِ المَنْهَجِيِّ) الَّذِي سَمَّوهُ "تَأْوِيلاً". فَالزَّيْغُ الِاعْتِزَالِيُّ هُوَ زَيْغُ "تَقْدِيسِ العَقْلِ" وَجَعْلِهِ نِدًّا لِلْوَحْيِ، بَلْ حَاكِماً عَلَيْهِ. وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَوْقِفِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ مِنْ أَوَّلِهِمْ "غَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ"، نَجِدُ أَنَّ الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ اسْتَتَابَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ غَيْلَانُ لِزَيْغِهِ عُوقِبَ. هَذَا الزَّيْغُ هُوَ الَّذِي أَوْصَلَهُمْ لِتَكْفِيرِ السَّلَفِ وَاسْتِحْلَالِ دِمَائِهِمْ فِي المِحْنَةِ، لِأَنَّ العَقْلَ إِذَا تَأَلَّهَ طَغَى. وَالمُعْتَزِلَةُ هِيَ الأَصْلُ لِكُلِّ مَنْ يَقُولُ اليَوْمَ بـ "قِرَاءَةٍ عَصْرِيَّةٍ لِلنَّصِّ" أَوْ يَنْفِي بَعْضَ صِفَاتِ اللَّهِ لِأَنَّهَا لَا تَتَّفِقُ مَعَ "العَقْلِ المُتَنَوِّرِ". إِنَّهُ زَيْغٌ يَبْدَأُ بِكَلِمَةٍ وَيَنْتَهِي بِمِحْنَةٍ تَطَالُ الأُمَّةَ بِأَسْرِهَا.

(٦) زَيْغُ التَّوْحِيدِ (التَّعْطِيلُ):

المصدر: المنية والأمل في شرح الملل والنحل، لابن المرتضى (مُعْتَزِلِيٌّ)، ص (٢٢)، طبعة دار الفكر.

التوثيق: يُقِرُّون أَنَّ تَوْحِيدَهُمْ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ جَمِيعِ صِفَاتِ المَعَانِي (العِلْمُ، القُدْرَةُ، الحَيَاةُ) زَعْماً لِلتَّنْزِيهِ.

(٧) زَيْغُ العَدْلِ (نَفْيُ القَدَرِ):

المصدر: المحيط بالتكليف، للقاضي عبد الجبار (قَاضِي القُضَاةِ عِنْدَهُمْ)، ص (٧٧)، طبعة دار المشرق.

التوثيق: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ لَا خَلْقَ لَهُ فِي أَفْعَالِ العِبَادِ الصَّادِرَةِ عَنْ إِرَادَتِهِمْ، لِأَنَّ خَلْقَهَا يُنَافِي العَدْلَ فِي الجَزَاءِ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ.

(٨) المِحْنَةُ وَدَوْرُ ابْنِ أَبِي دُؤَادَ:

المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (١٠)، ص (٣٣٠)، طبعة هجر.

التاريخ: بَدَأَتِ المِحْنَةُ سَنَةَ (٢١٨ هـ) فِي آخِرِ عَهْدِ المَأْمُونِ، وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادَ هُوَ المُّحَرِّكُ الرَّئِيسُ لِخُصُومَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ.

(٩) ثَبَاتُ الإِمَامِ أَحْمَدَ:

المصدر: طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى، المجلد (١)، ص (١٤)، طبعة دار المعرفة.

التوثيق: حِينَ سُئِلَ الإِمَامُ عَنْ مَقَالَتِهِمْ قَالَ: "هَذِهِ بَرَاذِينُ المَلَاحِدَةِ"، تَنْبِيهاً عَلَى أَنَّ الزَّيْغَ الِاعْتِزَالِيَّ يُفْضِي إِلَى التَّعْطِيلِ الكُلِّيِّ.

(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الِاعْتِزَالِيِّ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الخامس، مَسْأَلَةُ القَدَرِ وَالعَقْلِ.

التوثيق: «المُعْتَزِلَةُ هُمْ (عُبَّادُ العَقْلِ)، وَزَيْغُهُمْ يَتَمَثَّلُ فِي حَجْرِ مَشِيئَةِ اللَّهِ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ. فَهُمْ يَجْعَلُونَ اللَّهَ "مَجْبُوراً" عَلَى فِعْلِ الأَصْلَحِ، وَيَنْفُونَ القَدَرَ لِيُحَقِّقُوا العَدْلَ بِمَفْهُومِهِمْ. فَلَمَّا قَدَّمُوا العَقْلَ، زَاغَتْ فِهَامُهُمْ عَنْ عُلُوِّ الرَّبِّ وَكَلَامِهِ، فَامْتَحَنُوا الأُمَّةَ بِبِدْعَةِ خَلْقِ القُرْآنِ. وَمَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ (عَقْلَانِيِّينَ) هُوَ تَقْلِيدٌ مَمْسُوخٌ لِهَذَا الزَّيْغِ القَدِيمِ».

(١١) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الشَّرِيعَةِ" لِلآجُرِّيِّ):

"كُلُّ مَنْ نَفَى القَدَرَ فَقَدْ زَاغَ عَنْ صِرَاطِ الإِيمَانِ، وَالمُعْتَزِلَةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ".

(١٢) ضَابِطٌ أُصُولِيٌّ:

"العَقْلُ مُدْرِكٌ لِلْوَحْيِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَتَقْدِيمُ العَقْلِ صِفَةُ الزَّائِغِينَ".

»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٦]«««««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الكُلَّابِيِّ)

 - التَّلْفِيقُ بَيْنَ الأَثَرِ وَالتَّعْطِيلِ

​١. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كُلَّابٍ وَظُهُورُ مَذْهَبِ "المُنْتَصَفِ":

ظَهَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ القَطَّانُ (ت: ٢٤٠ هـ) فِي زَمَنِ المِحْنَةِ، وَأَرَادَ الرَّدَّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ بِطَرِيقَتِهِمْ (١).

زَاغَ ابْنُ كُلَّابٍ حِينَ حَاوَلَ إِمْسَاكَ العَصَا مِنَ المُنْتَصَفِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالنُّفاةِ، فَلَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ قَدَمٌ فِي هَذَا وَلَا ذَاكَ (٢).

فَوَافَقَ السَّلَفَ فِي إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ، وَلَكِنَّهُ نَفَى "الأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ" القَائِمَةَ بِالرَّبِّ كَالمَجِيءِ وَالاسْتِوَاءِ (٣).

زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَهَرَبَ مِنْ "حُلُولِ الحَوَادِثِ" إِلَى تَعْطِيلِ فِعْلِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ (٤).

وَهَذَا هُوَ أَصْلُ القَاعِدَةِ الكَلَامِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: (اعْتَقِدْ ثُمَّ اسْتَدِلَّ)، حَيْثُ نَفَوْا أَوَّلاً بِمُقْتَضَى العَقْلِ ثُمَّ طَوَّعُوا النُّصُوصَ (٥).

​٢. بِدْعَةُ "الكَلَامِ النَّفْسِيِّ" وَتَجْزِئَةِ الصِّفَاتِ:

أَثْبَتَتِ الكُلَّابِيَّةُ سَبْعَ صِفَاتٍ (الحَيَاةُ، العِلْمُ، القُدْرَةُ، الإِرَادَةُ، السَّمْعُ، البَصَرُ، الكَلَامُ) بِدَعْوَى أَنَّ العَقْلَ دَلَّ عَلَيْهَا (٦).

لَكِنَّهُمْ زَاغُوا فِي حَقِيقَةِ "الكَلَامِ"، فَجَعَلُوهُ "مَعْنًى نَفْسِيًّا" قَائِمًا بِالذَّاتِ، لَا حَرْفٌ فِيهِ وَلَا صَوْتٌ يُسْمَعُ (٧).

فَكَانُوا بِذَلِكَ قَنْطَرَةً لِلْجَهْمِيَّةِ، إِذْ جَعَلُوا هَذَا القُرْآنَ المَقْرُوءَ "حِكَايَةً" أَوْ "عِبَارَةً" عَنْ كَلَامِ اللَّهِ المَخْلُوقِ (٨).

فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلَّهِ فِعْلًا يَقُومُ بِهِ حَقِيقَةً، بَلْ جَعَلُوا صِفَاتِهِ كُلَّهَا أَزَلِيَّةً جَامِدَةً لَا تَتَجَدَّدُ بِآحَادِ المَشِيئَةِ (٩).

وَهَذَا الاضْطِرَابُ جَعَلَهُمْ يَقَعُونَ فِيمَا هَرَبُوا مِنْهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ، فَوَافَقُوهُمْ فِي جَوْهَرِ "التَّعْطِيلِ لِلْأَفْعَالِ" (١٠).

​٣. شُيُوخُ وَأَتْبَاعُ ابْنِ كُلَّابٍ وَانْتِشَارُ الفِتْنَةِ:

تَلَقَّى ابْنُ كُلَّابٍ عَنِ المُنَاظِرِينَ فِي عَصْرِهِ، وَبَرَزَ مِنْ أَتْبَاعِهِ الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ (ت: ٢٤٣ هـ) وَأَبُو العَبَّاسِ القَلَانِسِيُّ (١١).

خَلَطَ المُحَاسِبِيُّ بَيْنَ "الزُّهْدِ" وَبَيْنَ "قَوَاعِدِ ابْنِ كُلَّابٍ"، فَحَذَّرَ مِنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَمَرَ بِمُهَاجَرَتِهِ (١٢).

كَانَ أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ (بَعْدَ الِاعْتِزَالِ) تِلْمِيذًا لِمَدْرَسَةِ ابْنِ كُلَّابٍ، وَبِهَا صَنَّفَ "المَقَالَاتِ" (١٣).

فَالْكُلَّابِيَّةُ هُمُ (الأَبُ الشَّرْعِيُّ) لِلْمَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ، حَيْثُ نَقَلُوا الفِكْرَ الكَلَامِيَّ مِنْ "غِلْظَةِ الجَهْمِيَّةِ" إِلَى "مُدَاهَنَةِ الأَثَرِ" (١٤).

وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ حَاوَلَ الجَمْعَ بَيْنَ العَقْلِ الكَلَامِيِّ وَالنَّصِّ السُّنِّيِّ، انْتَهَى بِهِ الأَمْرُ إِلَى التَّحْرِيفِ وَالزَّيْغِ (١٥).

​»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««

​(١) ظُهُورُ ابْنِ كُلَّابٍ وَسِيَاقُ المِحْنَةِ:

  • ​المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، المجلد (١٢)، ص (٣٦٦-٣٦٨)، طبعة دار الوفاء (٢٠٠٥م).
  • ​التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ صِفَاتِ الذَّاتِ وَصِفَاتِ الفِعْلِ بَعْدَ فِتْنَةِ خَلْقِ القُرْآنِ لِيَرُدَّ عَلَى المُعْتَزِلَةِ.

​(٢) زَيْغُ "إِمْسَاكِ العَصَا مِنَ المُنْتَصَفِ":

  • ​المصدر: الاستقامة، لابن تيمية، المجلد (١)، ص (١٠٢-١٠٤)، طبعة دار الفضيلة.
  • ​التوثيق: "ابْنُ كُلَّابٍ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ الصِّفَاتِ وَيَنْفِيَ التَّشْبِيهَ بِمَنْطِقِ النُّفَاةِ، فَوَقَعَ فِي نَفْيِ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ الضَّلَالِ الَّذِي لَا يَسْتَقِرُّ".

​(٣) مَسْأَلَةُ نَفْيِ الأَفْعَالِ (حُلُولِ الحَوَادِثِ):

  • ​المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (٢)، ص (٦)، طبعة دار الكنوز الأدبية.
  • ​التوثيق: جَعَلَ ابْنُ كُلَّابٍ "الاسْتِوَاءَ" وَ"الغَضَبَ" وَ"الرِّضَا" صِفَاتٍ أَزَلِيَّةً لَا تَتَعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ لَا يَكُونُ فِيهَا حَادِثٌ.

​(٤) قَاعِدَةُ "اعْتَقِدْ ثُمَّ اسْتَدِلَّ" عِنْدَ الكُلَّابِيَّةِ:

  • ​المصدر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، المجلد (٢)، ص (٥١٢)، طبعة دار العاصمة.
  • ​التوثيق: بَيَّنَ ابْنُ القَيِّمِ أَنَّ المُتَكَلِّمِينَ -وَعَلَى رَأْسِهِمُ الكُلَّابِيَّةُ- يَبْنُونَ مَذْهَبَهُمْ عَلَى "قَوَاطِعَ عَقْلِيَّةٍ" مَوْهُومَةٍ، ثُمَّ يَنْظُرُونَ فِي النَّصِّ، فَمَا وَافَقَهُمْ قَبِلُوهُ وَمَا خَالَفَهُمْ حَرَّفُوهُ تَحْتَ مُسَمَّى "التَّأْوِيلِ".

​(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ حَالَ "عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كُلَّابٍ" يَرَى أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا ذَا دِيَانَةٍ فِي الظَّاهِرِ، أَرَادَ نُصْرَةَ السُّنَّةِ، لَكِنَّهُ (سَلَكَ سَبِيلَ أَهْلِ الكَلَامِ) فَعَطَّلَ بَعْضَ الدِّينِ بِنِيَّةِ نُصْرَتِهِ. وَهَذَا هُوَ سِرُّ نَقْدِ السَّلَفِ لَهُ؛ فَإِنَّ "الزَّيْغَ" لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا، بَلْ هُوَ (مُفَارَقَةُ المَنْهَجِ). فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ كُلَّابٍ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ المَعْتَزِلَةُ وَالسَّلَفُ مَعًا، ضَاعَ بَيْنَهُمَا. فَالسَّلَفُ لَمْ يَقْبَلُوا "كَلَامَهُ النَّفْسِيَّ" لِأَنَّهُ يَصْرِفُ القُرْآنَ عَنْ حَقِيقَتِهِ، وَالمُعْتَزِلَةُ لَمْ يَقْبَلُوا إِثْبَاتَهُ لِلصِّفَاتِ السَّبْعِ. وَالقَاعِدَةُ الَّتِي تَبَنَّاهَا بِتَقْدِيمِ (مَا اعْتَقَدَهُ فِي الذِّهْنِ) عَلَى (صَرِيحِ النَّصِّ) هِيَ الَّتِي أَوْرَثَتِ الأُمَّةَ "الحَيْرَةَ الكَلَامِيَّةَ". فَالْكُلَّابِيُّ هُوَ (جَهْمِيٌّ مُخَفَّفٌ)، لَا يَجْرُؤُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِخَلْقِ القُرْآنِ، لَكِنَّهُ يَقُولُ بِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ حِينَ يَجْعَلُ المَقْرُوءَ "حِكَايَةً". وَهَذَا يُعَلِّمُنَا أَنَّ (الوَسَطِيَّةَ) لَيْسَتْ جَمْعًا بَيْنَ حَقٍّ وَبَاطِلٍ، بَلْ هِيَ لُزُومُ الحَقِّ المَحْضِ وَإِنْ خَالَفَ عُقُولَ المُتَكَلِّمِينَ.

​(٦) إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ السَّبْعِ وَعِلَّتُهُ:

  • ​المصدر: مقالات الإسلاميين، لأبي الحسن الأشعري، المجلد (١)، ص (١٦٩)، طبعة المكتبة العصرية.
  • ​التوثيق: "قَالَ ابْنُ كُلَّابٍ: لِلَّهِ صِفَاتٌ أَزَلِيَّةٌ هِيَ: العِلْمُ وَالقُدْرَةُ وَالحَيَاةُ وَالإِرَادَةُ وَالسَّمْعُ وَالبَصَرُ وَالكَلَامُ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا لِأَنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلَيْهَا عَقْلًا".

​(٧) بِدْعَةُ "الكَلَامِ النَّفْسِيِّ" وَفَسَادُهَا:

  • ​المصدر: شرح الأصفهانية، لابن تيمية، ص (١٢٢-١٢٤)، طبعة دار المنهاج.
  • ​التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ ابْنَ كُلَّابٍ زَاغَ بِتَفْرِيقِهِ بَيْنَ "الكَلَامِ" وَبَيْنَ "الخَبَرِ وَالِاسْتِخْبَارِ"، فَجَعَلَ الكَلَامَ شَيْئًا وَاحِدًا لَا يَتَبَعَّضُ، وَهَذَا هُوَ أَصْلُ ضَلَالِ الأَشَاعِرَةِ فِي بَابِ القُرْآنِ.

​(٨) تَحْذِيرُ الإِمَامِ أَحْمَدَ مِنَ الحَارِثِ المُحَاسِبِيِّ:

  • ​المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، المجلد (١٢)، ص (٧٠-٧١)، طبعة الرسالة.
  • ​التاريخ: سَنَةَ (٢٤٠ هـ) تَقْرِيبًا؛ حِينَ سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ كُتُبِ الحَارِثِ فَقَالَ: "إِيَّاكَ وَهَذِهِ الكُتُبَ، هَذِهِ كُتُبُ بِدَعٍ وَضَلَالَاتٍ، جَالِسْ أَهْلَ الأَثَرِ".

​(٩) صِلَةُ ابْنِ كُلَّابٍ بِمَرْحَلَةِ الأَشْعَرِيِّ:

  • ​المصدر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، لابن حزم، المجلد (٤)، ص (٢١)، طبعة دار الجيل.
  • ​التوثيق: بَيَّنَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الأَشْعَرِيَّ بَعْدَ تَرْكِهِ لِلِاعْتِزَالِ، سَلَكَ طَرِيقَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ، وَهِيَ طَرِيقَةُ (أَهْلِ الإِثْبَاتِ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ) الَّذِينَ يُوَافِقُونَ الجَهْمِيَّةَ فِي بَعْضِ الأُصُولِ.

​(١٠) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الكُلَّابِيِّ":

  • ​المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس السَّادِس، مَسْأَلَةُ (الكَلَامِ النَّفْسِيِّ).
  • ​التوثيق: «ابْنُ كُلَّابٍ جَاءَ بِفِكْرَةٍ لَمْ تُعْرَفْ فِي كَلَامِ السَّلَفِ وَلَا فِي لُغَةِ العَرَبِ، وَهِيَ (الكَلَامُ النَّفْسِيُّ). وَزَيْغُهُ يَتَمَثَّلُ فِي أَنَّهُ أَرَادَ التَّنْزِيهَ، فَوَقَعَ فِي أَنَّ اللَّهَ "لَا يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ". فَالْكُلَّابِيَّةُ هُمُ الَّذِينَ هَيَّأُوا التُّرْبَةَ لِلْأَشَاعِرَةِ لِيَنْفُوا صِفَاتِ اللَّهِ الفِعْلِيَّةَ. فَمَنْ جَعَلَ اللَّهَ لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَشِيئَتِهِ، فَقَدْ جَعَلَهُ مِثْلَ (الجَمَادِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ».

​(١١) الشُّيُوخُ وَالتَّلَامِيذُ (تَوْثِيقٌ تَارِيخِيٌّ):

  • ​الشيوخ: تَلَقَّى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ لَكِنَّهُ غَلَبَ عَلَيْهِ طَابَعُ الجَدَلِ.
  • ​التلاميذ: الحَارِثُ المُحَاسِبِيُّ، أَبُو العَبَّاسِ القَلَانِسِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ.
  • ​المآل: انْدَمَجَتِ الكُلَّابِيَّةُ تَمَامًا فِي المَذْهَبِ الأَشْعَرِيِّ بَعْدَ القَرْنِ الرَّابِعِ.

​(١٢) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الإِبَانَةِ" لِلأَشْعَرِيِّ):

  • ​بَيَّنَ الأَشْعَرِيُّ فِي آخِرِهِ لُزُومَ مَنْهَجِ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَا خَالَفَتْهُ الكُلَّابِيَّةُ فِي نَفْيِ "آحَادِ الصِّفَاتِ".
»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٧]««««««« «««««««««

المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الأَشْعَرِيِّ) - اضْطِرَابُ التَّلَقِّي وَحَاكِمِيَّةُ العَقْلِ الكَلَامِيِّ

١. أَبُو الحَسَنِ الأَشْعَرِيُّ وَتَحَوُّلَاتُ المَنْهَجِ:

وُلِدَ أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الأَشْعَرِيُّ (ت: ٣٢٤ هـ) فِي البَصْرَةِ، وَنَشَأَ مُعْتَزِلِيًّا فِي حِجْرِ أَبِي عَلِيٍّ الجُبَّائِيِّ (١).

بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً، أَعْلَنَ بَرَاءَتَهُ مِنَ الِاعْتِزَالِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْتَقِلْ لِلسُّنَّةِ مُبَاشَرَةً، بَلْ مَرَّ بِمَرْحَلَةٍ "كُلَّابِيَّةٍ" مَحْضَةٍ (٢).

فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، أَرَادَ الدِّفَاعَ عَنِ العَقِيدَةِ بِأَدَوَاتِ المَعْتَزِلَةِ، فَوَقَعَ فِي فَخِّ "الِاعْتِقَادِ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ" (٣).

زَاغَ الأَشَاعِرَةُ (الأَتْبَاعُ) حِينَ جَمَدُوا عَلَى مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ، وَتَرَكُوا رُجُوعَهُ الأَخِيرَ لِمَذْهَبِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "الإِبَانَةِ" (٤).

فَصَارَ المَذْهَبُ الأَشْعَرِيُّ خَلِيطاً بَيْنَ الكَلَامِ الجَهْمِيِّ فِي النَّفْيِ، وَبَيْنَ الِانْتِسَابِ لِأَهْلِ الحَدِيثِ فِي الظَّاهِرِ (٥).

٢. قِيمَةُ النَّصِّ وَحَاكِمِيَّةُ "القَانُونِ الكُلِّيِّ":

زَاغَ الأَشَاعِرَةُ فِي تَقْعِيدِ بَابِ التَّلَقِّي، حَيْثُ جَعَلُوا النُّصُوصَ الوَحْيِيَّةَ (أَدِلَّةً لَفْظِيَّةً) لَا تُفِيدُ اليَقِينَ (٦).

ابْتَدَعُوا "القَانُونَ الكُلِّيَّ" الَّذِي يَقْضِي بِتَقْدِيمِ العَقْلِ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ المَوْهُومِ، وَهُوَ رَأْسُ الزَّيْغِ (٧).

فَقَالُوا: النَّصُّ إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ (تَحْرِيفاً) أَوْ يُفَوَّضَ (تَجْهِيلاً)، فَعَطَّلُوا دَلَالَةَ القُرْآنِ عَلَى صِفَاتِ الرَّبِّ (٨).

وَهَذَا نِتَاجُ قَاعِدَتِهِمْ: (نَعْتَقِدُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ، ثُمَّ نَبْحَثُ لَهُ عَنْ مَخْرَجٍ فِي النَّصِّ)، فَالنَّصُّ تَبَعٌ لَا مَتْبُوعٌ (٩).

نَفَوْا جَمِيعَ الصِّفَاتِ الخَبَرِيَّةِ (كَاليَدِ وَالوَجْهِ وَالعَيْنِ) وَأَوَّلُوهَا، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَقْتَضِي التَّجْسِيمَ (١٠).

٣. صِفَاتُ السَّبْعِ وَبِدْعَةُ الكَسْبِ وَالإِرْجَاءِ:

حَصَرَ الأَشَاعِرَةُ صِفَاتِ اللَّهِ فِي سَبْعٍ فَقَطْ، لِأَنَّ العَقْلَ -بِزَعْمِهِمْ- هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهَا دُونَ غَيْرِهَا (١١).

زَاغُوا فِي القَدَرِ بِقَوْلِهِمْ بِـ "الكَسْبِ"، وَهُوَ قَوْلٌ حَيَّرَ العُقُولَ، انْتَهَوْا فِيهِ إِلَى جَبْرٍ مُقَنَّعٍ (١٢).

وَفِي الإِيمَانِ، وَافَقُوا الجَهْمِيَّةَ فِي أَنَّهُ "التَّصْدِيقُ"، فَأَخْرَجُوا الأَعْمَالَ عَنْ مُسَمَّى الإِيمَانِ، فَزَاغُوا عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ (١٣).

أَصْبَحَ المَذْهَبُ مَعَ الجُوَيْنِيِّ وَالغَزَالِيِّ ثُمَّ الرَّازِيِّ أَغْرَقَ فِي الفَلْسَفَةِ، حَتَّى صَارَ النَّصُّ عِنْدَهُمْ لِلْبَرَكَةِ لَا لِلِاسْتِدْلَالِ (١٤).

وَبِهَذَا التَّشْرِيحِ، يَتَبَيَّنُ أَنَّ الأَشْعَرِيَّةَ مَذْهَبٌ (قَامَ عَلَى أَنْقَاضِ النَّصِّ) لِيَبْنِيَ صَرْحاً مِنَ الأَقْيِسَةِ المَنْطِقِيَّةِ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) نَشْأَةُ الأَشْعَرِيِّ وَمَرْحَلَةُ الِاعْتِزَالِ:

المصدر: وفيات الأعيان، لابن خلكان، المجلد (٣)، ص (٢٨٤-٢٨٦)، طبعة دار صادر - بيروت.

التاريخ: بَقِيَ الأَشْعَرِيُّ مُعْتَزِلِيًّا إِلَى سَنَةِ (٣٠٠ هـ)، وَكَانَ يَنُوبُ عَنْ شَيْخِهِ الجُبَّائِيِّ فِي المُنَاظَرَاتِ، مِمَّا طَبَعَ عَقْلَهُ بِأَدَوَاتِ الجَدَلِ.

(٢) رُجُوعُ الأَشْعَرِيِّ وَتَحَوُّلُهُ لِلْكُلَّابِيَّةِ:

المصدر: تبيين كذب المفتري، لابن عساكر، ص (٣٥-٤٠)، طبعة دار الكتاب العربي.

التوثيق: ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ قِصَّةَ اعْتِلَائِهِ المِنْبَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَخَلْعِ ثَوْبِهِ قَائِلاً: "خَلَعْتُ اعْتِقَادِي كَمَا خَلَعْتُ ثَوْبِي"، لَكِنَّ الكُتُبَ الَّتِي أَلَّفَهَا بَعْدَهَا كَـ "اللُّمَعِ" كَانَتْ عَلَى طَرِيقَةِ ابْنِ كُلَّابٍ.

(٣) قَاعِدَةُ (الِاعْتِقَادُ قَبْلَ الِاسْتِدْلَالِ):

المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (١)، ص (٨٦)، طبعة دار الكنوز.

التوثيق: بَيَّنَ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ الأَشَاعِرَةَ بَنَوْا عَقَائِدَهُمْ عَلَى "مُقَدِّمَاتٍ كَلَامِيَّةٍ" مِثْلَ (دَلِيلِ الأَعْرَاضِ وَالأَجْسَامِ)، ثُمَّ أَتَوْا لِلنُّصُوصِ لِيُحَمِّلُوهَا مَا اعْتَقَدُوهُ عَقْلاً، فَإِذَا نَفَى العَقْلُ "الاسْتِوَاءَ" أَوَّلُوهُ بِالاسْتِيلَاءِ.

(٤) قِيمَةُ النَّصِّ وَ"ظَوَاهِرُ الكِتَابِ" عِنْدَهُمْ:

المصدر: أساس التقديس، للفخر الرَّازِي، ص (١٥٦)، طبعة مطبعة السعادة (١٩١٠م).

التوثيق: صَرَّحَ الرَّازِيُّ -وَهُوَ رَأْسُهُمْ فِي التَّأْخِيرِ- بِأَنَّ "الأَدِلَّةَ النَّقْلِيَّةَ لَا تُفِيدُ اليَقِينَ لِاحْتِمَالِ المَجَازِ وَالاشْتِرَاكِ وَالتَّخْصِيصِ"، وَهَذَا زَيْغٌ يُسْقِطُ الِاحْتِجَاجَ بِالقُرْآنِ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ يَنْظُرُ فِي (تَارِيخِ الأَشَاعِرَةِ) يَرَى عَجَباً؛ فَهُمْ أَرَادُوا قَمْعَ المُعْتَزِلَةِ بِسِلَاحِ المَعْتَزِلَةِ، فَمَا قَمَعُوهُمْ وَلَا نَصَرُوا السُّنَّةَ. الزَّيْغُ الأَشْعَرِيُّ يَبْدَأُ مِنْ "سُوءِ الظَّنِّ بِالنَّصِّ"، حَيْثُ اعْتَقَدُوا أَنَّ ظَاهِرَهُ (كُفْرٌ وَتَشْبِيهٌ)، فَهَرَبُوا إِلَى التَّأْوِيلِ. وَهَذِهِ هِيَ نَفْسُ المَدْرَسَةِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ حِينَ قَالَ: "مَنْ جَعَلَ دِينَهُ عُرْضَةً لِلْخُصُومَاتِ أَكْثَرَ التَّنَقُّلَ". فَالْأَشَاعِرَةُ تَنَقَّلُوا مِنْ "إِثْبَاتِ صِفَاتِ الذَّاتِ" مَعَ الأَشْعَرِيِّ، إِلَى "التَّفْوِيضِ وَالتَّأْوِيلِ الكُلِّيِّ" مَعَ الرَّازِيِّ. وَالقَاعِدَةُ الَّتِي طَبَّقُوهَا بِتَقْدِيمِ (الخَيَالِ العَقْلِيِّ) عَلَى (النُّورِ الوَحْيِيِّ) هِيَ الَّتِي جَعَلَتِ القُرْآنَ عِنْدَهُمْ مُجَرَّدَ "حِكَايَةٍ"، فَلَمْ يَعُدْ لِلنَّصِّ هَيْبَةٌ فِي تَقْرِيرِ العَقَائِدِ. فَالزَّيْغُ هُنَا زَيْغٌ "وُجُودِيٌّ" يَمَسُّ الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ، حَيْثُ وَصَفُوا الرَّبَّ بِصِفَاتٍ سَلْبِيَّةٍ جَعَلَتْهُ أَقْرَبَ لِلْمَعْدُومِ مِنْهُ لِلْمَوْجُودِ، كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ (اعْتَقَدُوا) قَوَاعِدَ اليُونَانِ قَبْلَ أَنْ (يَسْتَدِلُّوا) بِآيَاتِ الرَّحْمَنِ.

(٦) "القَانُونُ الكُلِّيُّ" (مِعْوَلُ الهَدْمِ):

المصدر: الإرشاد، لإمام الحرمين الجُوَيْنِي، ص (٣٥٨)، طبعة دار الكتب العلمية.

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ العَقْلَ هُوَ الأَصْلُ، وَالنَّقْلَ إِذَا عَارَضَهُ وَجَبَ تَأْوِيلُ النَّقْلِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ فِي "المَحْصُولِ".

(٧) مَسْأَلَةُ "الصِّفَاتِ السَّبْعِ":

المصدر: شرح المواقف، للإيجِي، المجلد (٨)، ص (٤٥)، طبعة دار الكتب العلمية.

التوثيق: حَصَرُوا الصِّفَاتِ فِي (الحَيَاةِ، العِلْمِ، القُدْرَةِ، الإِرَادَةِ، السَّمْعِ، البَصَرِ، الكَلَامِ) وَزَعَمُوا أَنَّ العَقْلَ هُوَ الحَاكِمُ بِإِثْبَاتِهَا، أَمَّا مَا عَدَاهَا فَلَا يَثْبُتُ لِأَنَّ العَقْلَ لَا يُدْرِكُهُ!

(٨) خُرَافَةُ "الكَسْبِ" الأَشْعَرِيِّ:

المصدر: مقالات الإسلاميين، للأشْعَرِي، ص (٥٤٢)، طبعة المكتبة العصرية.

التوثيق: "الكَسْبُ عِنْدَنَا: أَنْ يَقَعَ الفِعْلُ بِقُدْرَةٍ مُحْدَثَةٍ، فَيَكُونَ خَلْقاً لِلَّهِ وَكَسْباً لِلْعَبْدِ"، وَقَدْ قَالَ العُلَمَاءُ: "ثَلَاثَةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الأَشْعَرِيِّ".

(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الأَشْعَرِيِّ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس السَّابِع، مَسْأَلَةُ (تَقْدِيمِ العَقْلِ).

التوثيق: «الأَشَاعِرَةُ زَاغُوا حِينَ جَعَلُوا الوَحْيَ "تِلْمِيذاً" لِلْعَقْلِ. فَالرَّازِيُّ يَضَعُ قَانُونَهُ الكُلِّيَّ لِيَهْدِمَ كُلَّ نَصٍّ لَا يَرُوقُ لِمَنْطِقِهِ. وَهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ، بَيْنَمَا هُمْ فِي الحَقِيقَةِ خَصَمُوا السُّنَّةَ بِأَدَوَاتِ أَعْدَائِهَا. فَمَنْ جَعَلَ اليَقِينَ فِي العَقْلِ وَالشَّكَّ فِي النَّقْلِ، فَقَدْ فَارَقَ مِلَّةَ السَّلَفِ فِي التَّلَقِّي. وَزَيْغُهُمْ فِي بَابِ الإِيمَانِ (الإِرْجَاءُ) هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِلتَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ لِيَنْتَشِرَ بَيْنَهُمْ».

(١٠) مَوْقِفُ الإِمَامِ الذَّهَبِيِّ مِنْ زَيْغِهِمْ:

المصدر: سير أعلام النبلاء، المجلد (١٥)، ص (٨٦).

التوثيق: "وَمَا كَانَ الأَشْعَرِيُّ إِلَّا كُلَّابِيًّا فِي مَرْحَلَتِهِ تِلْكَ، وَأَتْبَاعُهُ اليَوْمَ خَالَفُوا حَتَّى مَرْحَلَتَهُ الأَخِيرَةَ".


»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٨]«««««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ السَّادِسَةُ: (التَّشْرِيحُ المَاتُرِيدِيُّ) - مِن سَمَرْقَنْد إِلَى دِيُوبَنْد وَطَالِبَان

١. أَبُو مَنْصُورٍ المَاتُرِيدِيُّ وَنَشْأَةُ المَدْرَسَةِ فِي بِلَادِ مَاوَرَاءَ النَّهْرِ:

ظَهَرَ أَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَاتُرِيدِيُّ (ت: ٣٣٣ هـ) فِي سَمَرْقَنْد، مُتَأَثِّراً بِمَنَاهِجِ المُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ (١).

زَاغَ المَاتُرِيدِيُّ حِينَ سَلَكَ سَبِيلَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ فِي جَعْلِ "العَقْلِ" أَصْلاً لِلتَّلَقِّي فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ (٢).

فَجَعَلَ مَعْرِفَةَ اللَّهِ وَاجِبَةً بِالعَقْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، مُوَافَقَةً لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَمُخَالَفَةً لِنُصُوصِ الوَحْيِ (٣).

أَسَّسَ مَذْهَبَهُ عَلَى "الِاعْتِقَادِ المَنْطِقِيِّ" ثُمَّ لَيِّ أَعْنَاقِ النُّصُوصِ لِتُوَافِقَ مَا قَرَّرَهُ مِنَ القَوَاعِدِ العَقْلِيَّةِ (٤).

وَبِهَذَا صَارَتِ المَاتُرِيدِيَّةُ هِيَ المَذْهَبُ الرَّسْمِيُّ لِغَالِبِ أَتْبَاعِ المَدْرَسَةِ الحَنَفِيَّةِ فِي جَوَانِبِ الِاعْتِقَادِ (٥).

٢. أُصُولُ الزَّيْغِ فِي الصِّفَاتِ وَالقَدَرِ وَالإِيمَانِ:

زَاغُوا فِي بَابِ الصِّفَاتِ بِنَفْيِ "الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ"، وَأَثْبَتُوا ثَمَانِيَ صِفَاتٍ بِزِيَادَةِ صِفَةِ "التَّكْوِينِ" (٦).

جَعَلُوا التَّكْوِينِ صِفَةً أَزَلِيَّةً، فَوَقَعُوا فِي تَنَاقُضَاتٍ عَقْلِيَّةٍ هَرَبُوا فِيهَا مِنْ قَوْلِ السَّلَفِ إِلَى التَّعْطِيلِ (٧).

فِي بَابِ الإِيمَانِ، زَاغُوا بِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ "التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ" فَقَطْ، وَأَخْرَجُوا الأَعْمَالَ تَمَاماً عَنْ حَقِيقَتِهِ (٨).

قَالُوا بِامْتِنَاعِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الإِيمَانِ، فَزَعَمُوا أَنَّ العَبْدَ يَقُولُ: "أَنَا مُؤْمِنٌ حَقًّا" لَا "إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (٩).

وَفِي القَدَرِ، قَالُوا بِمَشِيئَةٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهَا المَحَبَّةُ وَالرِّضَا، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ المَشِيئَةِ الكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ (١٠).

٣. المَاتُرِيدِيَّةُ المُعَاصِرَةُ (الدِّيُوبَنْدِيَّةُ، بَاكِسْتَانُ، وَطَالِبَانُ):

انْتَقَلَ الزَّيْغُ المَاتُرِيدِيُّ إِلَى القَارَّةِ الهِنْدِيَّةِ، وَتَمَثَّلَ حَدِيثاً فِي المَدْرَسَةِ "الدِّيُوبَنْدِيَّةِ" (تَأْسِيسُ ١٨٦٦م) (١١).

عُلَمَاءُ دِيُوبَنْد فِي بَاكِسْتَانَ وَالهِنْدِ هُمْ مَاتُرِيدِيَّةُ العَقِيدَةِ، حَنَفِيَّةُ الفُرُوعِ، صُوفِيَّةُ المَسْلَكِ (١٢).

حَرَكَةُ "طَالِبَانَ" فِي أَفْغَانِسْتَانَ هِيَ نِتَاجٌ خَالِصٌ لِهَذَا الفِكْرِ المَاتُرِيدِيِّ الدِّيُوبَنْدِيِّ الَّذِي يَمْزِجُ بَيْنَ الكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ (١٣).

يَعْتَقِدُونَ بِـ "وِحْدَةِ الشُّهُودِ" الصُّوفِيَّةِ، وَيُعَظِّمُونَ القُبُورَ وَيَتَوَسَّلُونَ بِالْمَوْتَى، رَغْمَ ادِّعَائِهِمْ نُصْرَةَ التَّوْحِيدِ (١٤).

فَالزَّيْغُ المَاتُرِيدِيُّ اليَوْمَ يُشَكِّلُ الغِطَاءَ العَقَدِيَّ لِكَثِيرٍ مِنَ الجَمَاعَاتِ فِي آسِيَا الوُسْطَى، وَهُوَ زَيْغٌ يُقَدِّمُ "المَذْهَبَ" عَلَى "الحَدِيثِ" (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««««

(١) نَشْأَةُ المَاتُرِيدِيِّ وَبِيئَتُهُ:

المصدر: تاريخ المذاهب الإسلامية، لمحمد أبو زهرة، ص (١٧٢)، طبعة دار الفكر العربي.

التاريخ: تزامَنَ ظُهُورُ المَاتُرِيدِيِّ فِي المَشْرِقِ مَعَ ظُهُورِ الأَشْعَرِيِّ فِي العِرَاقِ، لَكِنَّ المَاتُرِيدِيَّ كَانَ أَكْثَرَ إِغْرَاقاً فِي "آرَاءِ الحَنَفِيَّةِ" الكَلَامِيَّةِ.

(٢) حَاكِمِيَّةُ العَقْلِ عِنْدَ المَاتُرِيدِيَّةِ:

المصدر: كتاب التوحيد، لأبي منصور الماتريدي، ص (٤-٧)، طبعة دار المشرق - بيروت.

التوثيق: صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ "العَقْلَ أَصْلٌ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ"، وَأَنَّ السَّمْعَ (الوَحْيَ) يَأْتِي لِتَأْكِيدِ مَا قَرَّرَهُ العَقْلُ، وَهَذَا تَقْدِيمٌ لِلْمَخْلُوقِ عَلَى الخَالِقِ.

(٣) مَسْأَلَةُ "التَّكْوِينِ" وَالاضْطِرَابُ فِيهَا:

المصدر: إشارات المرام من إمامات الإسلام، للبياضي، ص (٤٣)، طبعة مصطفى الحلبي.

التوثيق: بَيَّنَ فِيهِ اخْتِلَافَهُمْ عَنِ الأَشَاعِرَةِ بِإِثْبَاتِ "التَّكْوِينِ" صِفَةً أَزَلِيَّةً، وَهُوَ مَا أَدَّى بِهِمْ لِلْقَوْلِ بِقِدَمِ العَالَمِ نَوْعاً مَا، فَزَاغُوا عَنْ مَحْضِ التَّوْحِيدِ.

(٤) زَيْغُ الإِيمَانِ (الإِرْجَاءُ المَاتُرِيدِيُّ):

المصدر: شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، ص (٣٣٢)، طبعة مؤسسة الرسالة.

التوثيق: رَدَّ فِيهِ عَلَى المَاتُرِيدِيَّةِ فِي إِخْرَاجِهِمُ العَمَلَ عَنِ الإِيمَانِ، مُبَيِّناً أَنَّ هَذَا الزَّيْغَ يُفْضِي إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ أَفْجَرِ النَّاسِ وَأَتْقَاهُمْ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (الزَّيْغَ المَاتُرِيدِيَّ) يَرَى أَنَّهُ زَيْغٌ "مُقَنَّعٌ" بِثَوْبِ الفِقْهِ الحَنَفِيِّ. فَلَمَّا كَانَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِمَّنْ يُقَدِّمُونَ النَّصَّ وَإِنْ تَوَسَّعَ فِي الرَّأْيِ فِقْهاً، جَاءَ المَاتُرِيدِيُّ فَحَمَلَ هَذَا "التَّوَسُّعَ" إِلَى بَابِ العَقَائِدِ، فَاسْتَبْدَلَ نُصُوصَ الصِّفَاتِ بِأَقْيِسَةِ المَنَاطِقَةِ. وَالزَّيْغُ هُنَا يَتَجَلَّى فِي (ثُنَائِيَّةِ التَّلَقِّي)، فَهُمْ يُعَظِّمُونَ "النَّصَّ" فِي الفُرُوعِ، وَيَعْصُونَهُ فِي "الأُصُولِ" بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ العَقْلِيِّ. وَهَذَا الضَّلَالُ انْتَقَلَ لِلدِّيُوبَنْدِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، حَيْثُ نَجِدُ مَزِيراً مِنَ "التَّقْلِيدِ الجَامِدِ" مَعَ "التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ". فَطَالِبَانُ مَثَلاً، رَغْمَ جِهَادِهِمْ لِلْمُحْتَلِّ، إِلَّا أَنَّهُمْ فِي بَابِ الاعْتِقَادِ مَاتُرِيدِيَّةٌ جَلْدَةٌ، يُعَادُونَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ وَيَصِفُونَهَا بِـ "التَّجْسِيمِ"، وَيَمْنَعُونَ كُتُبَ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى (قَالَ اللَّهُ، قَالَ رَسُولُهُ). إِنَّهُ زَيْغٌ يَمْزِجُ بَيْنَ "جَفَاءِ المَنْطِقِ" وَ"خُرَافَةِ القُبُورِ"، مِمَّا يَجْعَلُ بِنَاءَهُمُ العَقَدِيَّ هَشّاً أَمَامَ بَرَاهِينِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.

(٦) الدِّيُوبَنْدِيَّةُ وَصِلَتُهَا بِالْمَاتُرِيدِيَّةِ:

المصدر: المدرسة الديوبندية، للسيد محبوب الرضوي، ص (١١٥)، طبعة إدارة إسلاميات - لاهور.

التاريخ: تَأَسَّسَتْ مَدْرَسَةُ "دَارِ العُلُومِ" فِي دِيُوبَنْد سَنَةَ ١٢٨٣ هـ (١٨٦٦ م) عَلَى يَدِ مُحَمَّد قَاسِم النَّانُوتْوِي، وَهِيَ المَعْقِلُ الرَّئِيسُ لِلْمَاتُرِيدِيَّةِ فِي آسِيَا.

(٧) طَالِبَانُ وَالاعْتِقَادُ المَاتُرِيدِيُّ:

المصدر: حقيقة حركة طالبان، للدكتور أحمد موفق زيدان، ص (٤٥)، طبعة دار طيبة.

التوثيق: "طَالِبَانُ عَقِيدَتُهُمْ هِيَ المَاتُرِيدِيَّةُ المَمْزُوجَةُ بِالتَّصَوُّفِ النَّقْشَبَنْدِيِّ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ مَذْهَبَهُمْ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ المُنْفَرِدِ".

(٨) بَاكِسْتَانُ وَفِرَقُ المَاتُرِيدِيَّةِ (البَرَيْلَوِيَّةُ وَالدِّيُوبَنْدِيَّةُ):

المصدر: البريلوية: عقائد وتاريخ، لإحسان إلهي ظهير، ص (٢٢)، طبعة دار الوفاء.

التوثيق: بَيَّنَ الشَّهِيدُ إِحْسَانُ إِلهِي كَيْفَ أَنَّ المَاتُرِيدِيَّةَ فِي بَاكِسْتَانَ انْقَسَمَتْ لِفِرَقٍ، بَعْضُهَا غَلَا فِي القُبُورِ (البَرَيْلَوِيَّةُ) وَبَعْضُهَا ادَّعَى الِاعْتِدَالَ (الدِّيُوبَنْدِيَّةُ)، وَكُلُّهُمْ عَنِ السَّلَفِ زَائِغُونَ.

(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ المَاتُرِيدِيِّ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الثَّامِن، مَسْأَلَةُ (التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ).

التوثيق: «المَاتُرِيدِيَّةُ زَاغُوا فِي أَخْطَرِ أَبْوَابِ التَّلَقِّي، وَهُوَ (العَقْلُ). فَهُمْ يَجْعَلُونَ العَقْلَ حَاكِماً فِي "الحُسْنِ وَالقُبْحِ"، وَمِنْ هُنَا جَاؤُوا بِبِدَعِ الصِّفَاتِ وَالإِرْجَاءِ. وَمَا نَرَاهُ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ المَشْرِقِيِّ مِنَ انْتِشَارِ الصُّوفِيَّةِ القُبُورِيَّةِ هُوَ نِتَاجُ ضَعْفِ العَقِيدَةِ المَاتُرِيدِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَبْنِ النَّاسَ عَلَى تَعْظِيمِ النَّصِّ، بَلْ عَلَى تَعْظِيمِ "الآرَاءِ"».

(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "السَّوَادِ الأَعْظَمِ" لِلْحَكِيمِ السَّمَرْقَنْدِيِّ):يُعَدُّ هَذَا الكِتَابُ مَرْجِعاً مَاتُرِيدِيًّا قَدِيماً، يُؤَصِّلُ فِيهِ لِلْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الأَشَاعِرَةِ وَالمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى "الِاضْطِرَابِ" لَا الِانْضِبَاطِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٨٩]««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ السَّابِعَةُ: (تَشْرِيحُ الزَّيْغِ الفَلْسَفِيِّ) - مِنَ المَشَّائِينَ إِلَى أَهْلِ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ

١. الفَلْسَفَةُ المَحْضَةُ وَالمَشَّاؤُونَ (أَتْبَاعُ أَرِسْطُو):

بَدَأَ الزَّيْغُ الفَلْسَفِيُّ بِدُخُولِ كُتُبِ اليُونَانِ، وَأَخْطَرُهَا مَذْهَبُ "أَرِسْطُو طَالِيسَ" المُلَقَّبِ بِـ "المُعَلِّمِ الأَوَّلِ" (١).

يُسَمَّى أَتْبَاعُهُ بِـ "المَشَّائِينَ" لِأَنَّ أَرِسْطُو كَانَ يُلْقِي دُرُوسَهُ وَهُوَ يَمْشِي فِي رِوَاقِ مَدْرَسَتِهِ (٢).

زَاغَ "الكِنْدِيُّ" ثُمَّ "الفَارَابِيُّ" (المُعَلِّمُ الثَّانِي) وَ"ابْنُ سِينَا" بِتَبَنِّيهِمْ لِهَذَا الفِكْرِ الَّذِي يَقُولُ بِقِدَمِ العَالَمِ (٣).

نَفَوْا عِلْمَ اللَّهِ بِالجُزْئِيَّاتِ، وَأَنْكَرُوا حَشْرَ الأَجْسَادِ، وَجَعَلُوا النُّبُوَّةَ مَحْضَ "فَيْضٍ" أَوْ تَخَيُّلٍ عَقْلِيٍّ (٤).

فَالْمَشَّاؤُونَ هُمْ مَنْبَعُ كُلِّ تَعْطِيلٍ لِلْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، حَيْثُ جَعَلُوهُ "عِلَّةً تَامَّةً" لَا يَقُومُ بِهِ فِعْلٌ (٥).

٢. الزَّيْغُ الحُلُولِيُّ وَالِاتِّحَادِيُّ (مِنَ الفَلْسَفَةِ إِلَى الزَّنْدَقَةِ):

تَطَوَّرَ الزَّيْغُ بِمَزْجِ الفَلْسَفَةِ بِالتَّصَوُّفِ، فَنَشَأَتْ مَقَالَةُ "الحُلُولِ" وَمَقَالَةُ "الِاتِّحَادِ" (٦).

الحُلُولُ: هُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ حَلَّ فِي بَعْضِ خَلْقِهِ، كَمَا حَلَّ فِي عِيسَى -بِزَعْمِ النَّصَارَى- أَوْ فِي الحَلَّاجِ (٧).

الِاتِّحَادُ: هُوَ زَيْغٌ أَشَدُّ، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الخَالِقَ وَالمَخْلُوقَ شَيْءٌ وَاحِدٌ، فَلَا غَيْرِيَّةَ بَيْنَهُمَا (٨).

فَالْحُلُولُ يَقْتَضِي ذَاتَيْنِ (حَالٌّ وَمَحَلٌّ)، أَمَّا الِاتِّحَادُ فَيَنْفِي الِاثْنَيْنِيَّةَ تَمَاماً لِيَكُونَ الكُلُّ هُوَ اللَّهُ (٩).

هَذِهِ المَقَالَاتُ جِنَايَةٌ عَلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، وَهَدْمٌ لِفَارِقِ العُبُودِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ بِمَحْضِ الخَيَالِ المَنْطِقِيِّ (١٠).

٣. أَتْبَاعُ هَذِهِ الفِرَقِ وَمَصَائِرُهُمْ:

أَتْبَاعُ المَحْضَةِ (المَشَّاؤُونَ): رَأْسُهُمْ "ابْنُ سِينَا" وَ"الفَارَابِيُّ"، وَمِنْ بَعْدِهِمْ "ابْنُ رُشْدٍ" الحَفِيدُ (١١).

أَتْبَاعُ الحُلُولِ: أَشْهَرُهُمْ "المَنْصُورُ الحَلَّاجُ" (قُتِلَ ٣٠٩ هـ)، الَّذِي قَالَ: "أَنَا الحَقُّ" (١٢).

أَتْبَاعُ الِاتِّحَادِ (وِحْدَةِ الوُجُودِ): رَأْسُهُمْ "ابْنُ عَرَبِيٍّ" الصُّوفِيُّ، وَ"ابْنُ الفَارِضِ"، وَ"ابْنُ سَبْعِينَ" (١٣).

هَؤُلَاءِ زَاغُوا زَيْغاً مُرَكَّباً بَيْنَ فَلْسَفَةِ "أَفْلُوطِينَ" (الأَفْلَاطُونِيَّةِ الحَدِيثَةِ) وَبَيْنَ شَطَحَاتِ التَّصَوُّفِ (١٤).

انْتَهَى بِهِمُ الزَّيْغُ إِلَى القَوْلِ بِأَنَّ عُبَّادَ العِجْلِ مَا عَبَدُوا إِلَّا اللَّهَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ عُلُوًّا كَبِيراً (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) مَذْهَبُ أَرِسْطُو وَالمَشَّاؤُونَ:

المصدر: تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف كرم، ص (١٣٤)، طبعة دار القلم.

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ "المَشَّائِينَ" هُمُ الفَلَاسِفَةُ الَّذِينَ التَزَمُوا مَنْطِقَ أَرِسْطُو فِي (الطَّبِيعِيَّاتِ) وَ(الإِلَهِيَّاتِ).

(٢) زَيْغُ الفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا:

المصدر: تهافت الفلاسفة، للغزالي، ص (٧٨-٨٠)، طبعة دار المعارف.

التوثيق: كَفَّرَهُمُ الغَزَالِيُّ فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ: (قِدَمُ العَالَمِ، عِلْمُ اللَّهِ بِالكُلِّيَّاتِ فَقَطْ، إِنْكَارُ بَعْثِ الأَجْسَادِ).

(٣) الفَرْقُ بَيْنَ الحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ (تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ وَعَقَدِيٌّ):

المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، المجلد (٢)، ص (١٧٢)، طبعة دار الوفاء.

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ "الحُلُولَ" كَمَا تَقُولُ الجَهْمِيَّةُ (اللَّهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ ذَاتاً)، أَمَّا "الِاتِّحَادُ" فَهُوَ مَذْهَبُ (وِحْدَةِ الوُجُودِ) عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيٍّ.

(٤) زَيْغُ الحَلَّاجِ وَمَقْتَلُهُ:

المصدر: البداية والنهاية، لابن كثير، المجلد (١١)، ص (١٤٥)، طبعة هجر.

التاريخ: قُتِلَ سَنَةَ (٣٠٩ هـ) بِفَتْوَى فُقَهَاءِ عَصْرِهِ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ مَقَالَةَ الحُلُولِ وَسُقُوطِ التَّكَالِيفِ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (الزَّيْغَ الفَلْسَفِيَّ) يَرَى أَنَّهُ أُمُّ الكَبَائِرِ العَقَدِيَّةِ. فَالْمَشَّاؤُونَ أَتْبَاعُ أَرِسْطُو حَوَّلُوا الإِلَهَ إِلَى "فِكْرَةٍ" بَارِدَةٍ لَا تَفْعَلُ، فَعَطَّلُوا الرُّبُوبِيَّةَ. ثُمَّ جَاءَ أَهْلُ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ، فَأَرَادُوا التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ -بِزَعْمِهِمْ- فَجَعَلُوهُ هُوَ الخَلْقَ، أَوْ جَعَلُوهُ حَالًّا فِيهِ. وَهَذَا هُوَ (الزَّيْغُ المُطْلَقُ) الَّذِي يَهْدِمُ أَصْلَ الشَّهَادَتَيْنِ؛ فَلَا مَعْبُودَ وَلَا عَابِدَ عِنْدَ ابْنِ عَرَبِيٍّ، بَلِ المَوْجُودُ وَاحِدٌ. وَالمَشَّاؤُونَ لَمَّا قَدَّمُوا "العَقْلَ اليُونَانِيَّ" عَلَى "الوَحْيِ القُرْآنِيِّ"، تِهِمُوا فِي أَوْدِيَةِ الحَيْرَةِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا خَالِقاً مُخْتَاراً، بَلْ قَالُوا بِـ "الصُّدُورِ" عَنِ اللَّهِ اضْطِرَاراً كَنُورِ الشَّمْسِ عَنِ الشَّمْسِ. فَالْفَلْسَفَةُ المَحْضَةُ (تَعْطِيلٌ لِلْخَالِقِ)، وَالِاتِّحَادِيَّةُ (تَأْلِيهٌ لِلْمَخْلُوقِ)، وَكِلَاهُمَا زَيْغٌ بَعِيدٌ عَنِ النُّورِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَ هَؤُلَاءِ "أَعْدَاءَ الرُّسُلِ" لِأَنَّهُمْ هَدَمُوا مَاهِيَّةَ الخَبَرِ الإِلَهِيِّ.

(٦) زَيْغُ ابْنِ عَرَبِيٍّ (وِحْدَةُ الوُجُودِ):

المصدر: الفصوص، لابن عربي، ص (١٢٠)، طبعة دار الوفاء.

التوثيق: قَوْلُهُ: "فَالحَقُّ خَلْقٌ بِهَذَا الوَجْهِ، فَاعْتَبِرُوا"، وَهَذَا صَرِيحُ الِاتِّحَادِ الَّذِي جَعَلَ الخَالِقَ هُوَ المَخْلُوقَ.

(٧) زَيْغُ ابْنِ سِينَا فِي النُّبُوَّاتِ:

المصدر: الإشارات والتنبيهات، لابن سينا، ص (٢٣٤)، طبعة دار المعارف.

التوثيق: جَعَلَ النُّبُوَّةَ مَلَكَةً نَفْسِيَّةً لِلتَّخَيُّلِ، وَلَيْسَتْ وَحْياً حَقِيقِيًّا مِنَ اللَّهِ بِمَلَكٍ، وَهَذَا هَدْمٌ لِأَصْلِ الرِّسَالَةِ.

(٨) صِلَةُ الصَّابِئَةِ بِالْمَشَّائِينَ:

المصدر: درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، المجلد (٩)، ص (١٣)، طبعة دار الكنوز،بَيَّنَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ "فَلْسَفَةَ المَشَّائِينَ" هِيَ امْتِدَادٌ لِزَيْغِ الصَّابِئَةِ الحَرَّانِيِّينَ نُفَاةِ الأَفْعَالِ.

(٩) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "الزَّيْغِ الفَلْسَفِيِّ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس التَّاسِع، مَسْأَلَةُ 

(الفَلَاسِفَةِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ).

التوثيق: «الفَلَاسِفَةُ زَاغُوا حِينَ ظَنُّوا أَنَّهُمْ بِعُقُولِهِمْ يَصِلُونَ لِحَقَائِقِ الغَيْبِ بَعِيداً عَنِ الأَنْبِيَاءِ. 

وَأَخْطَرُهُمْ "المَشَّاؤُونَ" الَّذِينَ جَعَلُوا اللَّهَ "وُجُوداً مَحْضاً" لَا يَتَكَلَّمُ. أَمَّا أَهْلُ الِاتِّحَادِ وَالحُلُولِ كَابْنِ عَرَبِيٍّ وَالحَلَّاجِ، فَهَؤُلَاءِ (مَلَاحِدَةُ الصُّوفِيَّةِ) الَّذِينَ نَفَوْا وُجُودَ الرَّبِّ بِإِدْخَالِهِ فِي وُجُودِ الخَلْقِ. فَالمَشَّاءُ يُعَطِّلُ الرَّبَّ، وَالِاتِّحَادِيُّ يَمْحُو الرَّبَّ، وَكِلَاهُمَا زَيْغٌ يَسْتَلْزِمُ الخُرُوجَ عَنِ الإِسْلَامِ».

(١٠) ضَابِطٌ عَقَدِيٌّ (مِنْ كِتَابِ "الإِيمَانِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ)"مَنْ قَالَ بِقِدَمِ العَالَمِ (كَالْمَشَّائِينَ) أَوْ بِوِحْدَةِ الوُجُودِ (كَالِاتِّحَادِيَّةِ) فَقَدْ كَفَرَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ".

»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٠]«‹«««««««««««««««

المَبْحَثُ الثَّانِي: (الأُصُولُ الشَّرْعِيَّةُ فِي هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ)

١. النَّصُّ التَّأْسِيسِيُّ لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ:

قَالَ الخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: (لَا تُجَالِسْهُمْ فِي مُحَادَثَاتِهِمْ) (١).

أَرَادَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الجَامِعَةِ أَنَّ المُجَالَسَةَ هِيَ بَابُ المُمَاشَاةِ، وَالمُمَاشَاةُ بَابُ الِاقْتِدَاءِ (٢).

فَمَنْ هَانَ عَلَيْهِ جُلُوسُ المُبْتَدِعِ، سَهُلَ عَلَيْهِ قَبُولُ شُبْهَتِهِ، وَخَبَثُ المَقَالَةِ يَنْتَقِلُ كَالعَدْوَى (٣).

هَذَا الأَصْلُ العُمَرِيُّ هُوَ جِدَارُ الحِمَايَةِ الأَوَّلُ لِلْعَقِيدَةِ، وَبِهِ يَسْلَمُ المَرْءُ مِنْ زَيْغِ الأَهْوَاءِ (٤).

فَلَا مُحَادَثَةَ تُؤْنِسُهُمْ، وَلَا مُجَالَسَةَ تُكَثِّرُ سَوَادَهُمْ، بَلْ هِيَ العُزْلَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِصِيَانَةِ السُّنَّةِ (٥).

٢. تَحْرِيرُ مَفْهُومِ "البِدْعَةِ" وَ"المُحْدَثَةِ" (اللُّغَةُ وَالِاشْتِقَاقُ):

البِدْعَةُ لُغَةً: اِشْتِقَاقُهَا مِنَ (البَدْعِ)، وَهُوَ بَرْءُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ سَبَقَ، كَمَا فِي (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ) (٦).

المُحْدَثَةُ لُغَةً: اِشْتِقَاقُهَا مِنَ (الحَدَثِ)، وَهُوَ جِدَّةُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَيُقَابِلُهُ القَدِيمُ (٧).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (لِلبِدْعَةِ): هِيَ طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ (٨).

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ (لِلمُحْدَثَةِ): هِيَ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ (٩).

الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ: البِدْعَةُ دَائِماً تَكُونُ فِي "الدِّينِ"، أَمَّا المُحْدَثَةُ فَقَدْ تَقَعُ فِي الدِّينِ وَفِي غَيْرِهِ (١٠).

٣. تَقْسِيمُ البِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ الوَاقِعُ (دُنْيَوِيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ):

أَوَّلاً: البِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ (المُخْتَرَعَاتُ):

الأَصْلُ فِيهَا (الإِبَاحَةُ)، كَمَا فِي حَدِيثِ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ" فِي تَأْبِيرِ النَّخْلِ (١١).

أَمْثِلَتُهَا: جَمِيعُ تَقْنِيَاتِ العَصْرِ، مِنَ الطَّائِرَاتِ وَالحَوَاسِيبِ، وَهَذِهِ لَا تُسَمَّى بِدْعَةً شَرْعِيَّةً بَلْ لُغَوِيَّةً (١٢).

ثَانِياً: البِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ (الضَّلَالَةُ):

الأَصْلُ فِيهَا (المَنْعُ)، لِقَوْلِهِ ﷺ: "كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ"، وَهِيَ مَا تَعَبَّدَ بِهِ النَّاسُ بِلَا دَلِيلٍ (١٣).

أَمْثِلَتُهَا: بِدْعَةُ الخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ، وَبِدْعَةُ المَوْلِدِ، وَبِدْعَةُ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِالرَّهْبَانِيَّةِ (١٤).

وَهَذَا القِسْمُ هُوَ المَحْذُورُ الَّذِي يَهْدِمُ كَمَالَ الشَّرِيعَةِ وَيُتَّهَمُ فِيهِ الرَّسُولُ ﷺ بِالتَّقْصِيرِ (١٥).

٤. تَقْسِيمُ البِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ المَاهِيَّةُ (حَقِيقِيَّةٌ وَإِضَافِيَّةٌ):

أَوَّلاً: البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ:

هِيَ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَصْلًا، لَا كِتَاباً، وَلَا سُنَّةً، وَلَا إِجْمَاعاً (١٦).

فَهِيَ مُخْتَرَعَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، كَتَحْرِيمِ الحَلَالِ تَقَرُّباً لِلَّهِ، أَوْ سُجُودِ غَيْرِ المَشْرُوعِ (١٧).

ثَانِياً: البِدْعَةُ الإِضَافِيَّةُ:

هِيَ الَّتِي لَهَا جِهَتَانِ؛ فَمِنْ جِهَةِ "أَصْلِهَا" مَشْرُوعَةٌ، لَكِنْ مِنْ جِهَةِ "وَصْفِهَا" مُبْتَدَعَةٌ (١٨).

أَمْثِلَتُهَا: الذِّكْرُ الجَمَاعِيُّ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ؛ فَأَصْلُ الذِّكْرِ سُنَّةٌ، لَكِنَّ هَذِهِ "الهَيْئَةَ" بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ (١٩).

تَخْصِيصُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِقِيَامٍ؛ فَالقِيَامُ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ "التَّخْصِيصَ" بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ (٢٠).

وَبِهَذَا التَّحْرِيرِ يَنْضَبِطُ الفَهْمُ لِأَصْلِ الهَجْرِ وَسَدِّ الذَّرَائِعِ (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««

(١) نَصُّ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي الهَجْرِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٢)، طبعة دار ابن الجوزي.

التوثيق: هَذَا الأَثَرُ رُوِيَ أَيْضاً فِي تاريخ دمشق، وَيُؤَصِّلُ لِمَنْعِ "المُحَادَثَةِ" كَوَسِيلَةٍ لِانْتِقَالِ الشُّبْهَةِ.

(٢) اشْتِقَاقُ البِدْعَةِ وَالمُحْدَثَةِ لُغَةً:

المصدر: مقاييس اللغة، لابن فارس، مادة (بَدَعَ)، ج (١)، ص (٢٠٩).

التوثيق: "البَدْعُ لَهُ أَصْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ ابْتِدَاءُ الشَّيْءِ وَصُنْعُهُ لَا عَنْ مِثَالٍ".

(٣) الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ لِلْبِدْعَةِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (٥١).

التوثيق: هَذَا أَدَقُّ تَعْرِيفٍ عَرَّفَهُ العُلَمَاءُ لِلْبِدْعَةِ، لِأَنَّهُ يَفْصِلُ بَيْنَ العِبَادَةِ وَالعَادَةِ.

(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ (البِدْعَةَ الإِضَافِيَّةَ) أَدْرَكَ لِمَاذَا كَانَ السَّلَفُ يَشْتَدُّونَ عَلَى أُمُورٍ قَدْ يَرَاهَا الجَاهِلُ هَيِّنَةً. فَالشَّيْطَانُ لَا يَأْتِي لِلْعَابِدِ فَيَقُولُ لَهُ: "اُعْبُدِ الصَّنَمَ"، بَلْ يَقُولُ لَهُ: "زِدْ فِي هَذِهِ السَّنَّةِ صِفَةً أَوْ عَدَداً أَوْ هَيْئَةً لِتَكُونَ أَكْثَرَ ثَوَاباً". وَهَذِهِ هِيَ مِصْيَدَةُ البِدْعَةِ الإِضَافِيَّةِ؛ فَهِيَ تَجْعَلُ المَرْءَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً بَيْنَمَا هُوَ يُغَيِّرُ مَعَالِمَ الدِّينِ. وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ (بِدْعَةِ الدُّنْيَا) وَ(بِدْعَةِ الدِّينِ)، فَهِيَ رَحْمَةُ الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا فَتَحَتْ بَابَ الإِبْدَاعِ الدُّنْيَوِيِّ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، وَأَغْلَقَتْ بَابَ الِاخْتِرَاعِ فِي الدِّينِ صِيَانَةً لِلْوَحْيِ مِنْ أَهْوَاءِ الرِّجَالِ. فَمَنْ جَعَلَ جِهَادَهُ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ) عَنِ البِدَعِ الدِّينِيَّةِ، فَقَدْ جَاهَدَ لِيَبْقَى الدِّينُ نَقِيّاً كَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المَحَجَّةِ البَيْضَاءِ.

(٥) دَلِيلُ بِدْعَةِ الدُّنْيَا (أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ):

المصدر: صحيح مسلم، كِتَابُ الفَضَائِلِ، حَدِيثُ رَقْمِ (٢٣٦٣).

(٦) البِدْعَةُ الحَقِيقِيَّةُ وَالإِضَافِيَّةُ:

المصدر: الاعتصام، ج (١)، ص (٤٠٠).

التوثيق: أَبْدَعَ الشَّاطِبِيُّ فِي تَقْسِيمِ الصُّوَرِ لِأَنَّ الحَقِيقِيَّةَ قَلِيلَةٌ بَيْنَ المُتَمَسِّكِينَ بِالدِّينِ، أَمَّا الإِضَافِيَّةُ فَهِيَ الَّتِي عَمَّتْ بِهَا البَلْوَى.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩١]««««««««««««««««««

خُطَّةُ المَبْحَثِ الثَّانِي: (سِلْسِلَةُ المُتَمِّمَاتِ العَشْرِ فِي أَحْكَامِ الهَجْرِ)

١. تَوْطِئَةُ الخُطَّةِ وَمَعَالِمُ السَّيْرِ:

بَعْدَ تَأْصِيلِ مَعْنَى البِدْعَةِ، نَشْرَعُ فِي بَيَانِ "الخُطَّةِ العَشْرِيَّةِ" لِهَذَا المَبْحَثِ المَرْكَزِيِّ (١).

إِنَّ تَرْتِيبَ هَذِهِ المُنْطَلَقَاتِ يَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ تَصَوُّرٍ سَلَفِيٍّ مُتَكَامِلٍ لِقَضِيَّةِ الهَجْرِ (٢).

فَلَا هَجْرَ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا زَجْرَ بِلَا فَهْمٍ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ (٣).

وَهَذِهِ الخُطَّةُ هِيَ المِيزَانُ الَّذِي يَضْبِطُ تَعَامُلَ السُّنِّيِّ مَعَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي كُلِّ عَصْرٍ (٤).

سَنَسِيرُ فِيهَا وَجْهاً بِوَجْهٍ، حَتَّى نَسْتَوْفِيَ جَمِيعَ مَسَائِلِ هَذَا البَابِ بِحَوْلِ اللَّهِ (٥).

٢. تَعْدَادُ المُتَمِّمَاتِ العَشْرِ لِلمَبْحَثِ الثَّانِي:

المُتَمِّمَةُ الأُولَى: (النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ):

تَتَنَاوَلُ مَفَاسِدَ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ وَأَثَرَهَا عَلَى عَوَامِّ المُسْلِمِينَ وَحُكْمِ تَرْوِيجِهَا (٦).

المُتَمِّمَةُ الثَّانِيَةُ: (مَقَاصِدُ الإِسْلَامِ فِي الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ):

بَيَانُ أَنَّ الهَجْرَ مَقْصُودٌ لِغَيْرِهِ؛ لِحِفْظِ المَهْجُورِ بِزَجْرِهِ، وَحِفْظِ الهَاجِرِ بِسَلَامَةِ عَقِيدَتِهِ (٧).

المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: (أَنْوَاعُ الهَجْرِ وَالفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ):

التَّفْرِيقُ بَيْنَ (هَجْرِ الكَافِرِ) وَ(هَجْرِ العَاصِي المُؤْمِنِ)، وَأَحْكَامُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهُمَا (٨).

المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (شُرُوطُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَضَوَابِطُهُ):

تَحْرِيرُ الشُّرُوطِ الزَّمَانِيَّةِ وَالمَكَانِيَّةِ، وَمُتَى يَكُونُ الهَجْرُ مَصْلَحَةً أَوْ مَفْسَدَةً (٩).

المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (مَنْزِلَةُ الهَجْرِ مِنْ أَصْلِ الِاعْتِقَادِ):

رَبْطُ الهَجْرِ بِبَابِ "الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ" وَجَعْلُهُ مِنْ تَمَامِ مُقْتَضَيَاتِ التَّوْحِيدِ (١٠).

المُتَمِّمَةُ السَّادِسَةُ: (الأَدِلَّةُ مِنَ الوَحْيَيْنِ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعِ):

سَرْدُ خَمْسِ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٍ، وَخَمْسَةِ أَحَادِيثَ نَبَوِيَّةٍ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" تُؤَصِّلُ لِلْمَسْأَلَةِ (١١).

المُتَمِّمَةُ السَّابِعَةُ: (تَوْظِيفُ الصَّحَابَةِ لِلْهَجْرِ وَدَلَالَةُ الإِجْمَاعِ):

ذِكْرُ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ عَنِ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- تُبَيِّنُ هَدْيَهُمْ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المُحْدِثِينَ (١٢).

المُتَمِّمَةُ الثَّامِنَةُ: (أَقْوَالُ التَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الإِسْلَامِ فِي الهَجْرِ):

حَشْدُ عَشَرَةِ أَقْوَالٍ لِلتَّابِعِينَ، وَعَشَرَةٍ لِأَئِمَّةِ الهُدَى (كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ) (١٣).

المُتَمِّمَةُ التَّاسِعَةُ: (أَعْمَالُ الصَّحَابَةِ وَالضَّوَابِطُ المَيْدَانِيَّةُ):

نَمَاذِجُ تَطْبِيقِيَّةٌ مِنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ (كَقِصَّةِ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ) وَكَيْفِيَّةِ إِنْزَالِ الحُكْمِ عَلَى الوَاقِعِ (١٤).

المُتَمِّمَةُ العَاشِرَةُ: (عُقُوبَةُ مَنْ وَالَى المُبْتَدِعَ وَلَمْ يَهْجُرْهُ):

بَيَانُ خُطُورَةِ "تَمْيِيعِ" هَذَا الأَصْلِ، وَعُقُوبَةِ مَنْ يَتَّخِذُ المُبْتَدِعَةَ بِطَانَةً أَوْ أَوْلِيَاءَ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««

(١) أَهَمِّيَّةُ الخُطَّةِ فِي المَبَاحِثِ العَقَدِيَّةِ:

المصدر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم، ج (١)، ص (١٨٨).

التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ "حُسْنَ التَّرْتِيبِ فِي العِلْمِ يُسَهِّلُ عَلَى الطَّالِبِ دَرْكَ المَقَاصِدِ"، وَهَذَا مَا سِرْنَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ المُتَمِّمَاتِ.

(٢) أَصْلُ الهَجْرِ لِحِفْظِ السُّنَّةِ:

المصدر: السنة، للاللكائي، ج (١)، ص (١٣٠)، طبعة دار طيبة.

التوثيق: أَجْمَعَ السَّلَفُ عَلَى أَنَّ تَرْتِيبَ أَبْوَابِ الهَجْرِ يَبْدَأُ بِمَعْرِفَةِ الخَطَرِ ثُمَّ طُرُقِ الحِمَايَةِ.

(٣) التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَجْرِ الكَافِرِ وَالعَاصِي:

المصدر: زاد المعاد، لابن القيم، ج (٣)، ص (٥٠٥)، طبعة الرسالة.

التوثيق: فَقَّهَ ابْنُ القَيِّمِ المَسْأَلَةَ بِأَنَّ هَجْرَ الكَافِرِ (بَرَاءَةٌ دَائِمَةٌ)، أَمَّا العَاصِي فَـ (تَأْدِيبٌ مَصْلَحِيٌّ).

(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ (المُتَمِّمَاتِ العَشْرَ) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عَنَاوِينَ، بَلْ هِيَ "تِرْسٌ" عَقَدِيٌّ يَحْمِي بَاحِثَ السُّنَّةِ مِنْ لُجَجِ التَّمْيِيعِ أَوْ نِيرَانِ الغُلُوِّ. فَالْبِدَايَةُ بـ (النَّهْيِ عَنْ الإِشَاعَةِ) هِيَ سَدٌّ لِلثَّغْرِ قَبْلَ الِانْفِجَارِ، وَالخَتْمُ بـ (عُقُوبَةِ مَنْ وَالَى) هِيَ زَجْرٌ لِمَنْ تَهَاوَنَ بَعْدَ قِيَامِ الحُجَّةِ. وَأَعْظَمُ مَا فِي هَذِهِ الخُطَّةِ هُوَ الِارْتِبَاطُ بِـ (أَعْمَالِ الصَّحَابَةِ)؛ لِأَنَّ الفِقْهَ النَّظَرِيَّ قَدْ يَزِلُّ بِهِ الفَهْمُ، لَكِنَّ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُوَ المِعْيَارُ الَّذِي لَا يَخِيبُ. فَكُلُّ مُتَمِّمَةٍ مِنْ هَذِهِ العَشْرِ سَتَكُونُ بِمَثَابَةِ لَبِنَةٍ فِي صَرْحِ "المَبْحَثِ الثَّانِي" الَّذِي رَسَمَتهُ  ، لِيَكُونَ مَرْجِعاً نَقِيّاً فِي بَابِ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ.

(٥) الِاسْتِدْلَالُ بِقِصَّةِ صَبِيغٍ فِي الهَجْرِ:

المصدر: سنن الدارمي، حَدِيثُ رَقْمِ (١٤٦)، طبعة دار المغني.

التوثيق: هِيَ العُمْدَةُ فِي (المُتَمِّمَةِ التَّاسِعَةِ) لِتَوْضِيحِ الهَجْرِ التَّأْدِيبِيِّ بِأَمْرِ وَلِيِّ الأَمْرِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٢]«««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ الأُولَى:

(النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ وَخُطُورَةِ بَثِّ الضَّلَالَةِ)

١. حُرْمَةُ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ:

إِنَّ النَّهْيَ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ حِمَايَةِ المِلَّةِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى نَشْرِهَا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١).

البِدْعَةُ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، عَمَّ بَلَاؤُهَا، وَإِذَا أُشِيعَتْ صَارَتْ عِنْدَ الجُهَّالِ سُنَّةً مَتْبُوعَةً بِمُرُورِ الزَّمَانِ (٢).

فَالمُبْتَدِعُ الَّذِي يَنْشُرُ ضَلَالَتَهُ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَضَعُ السُّمَّ فِي مَنَابِعِ المِيَاهِ، فَيَقْتُلُ أَرْوَاحَ العِبَادِ بَدَلَ أَبْدَانِهِمْ (٣).

وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُطَبِّقُونَ "سَدَّ الذَّرَائِعِ" بِإِخْمَادِ كُلِّ صَوْتٍ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ (٤).

فَلَا يَجُوزُ نَشْرُ كُتُبِهِمْ، وَلَا التَّرْوِيجُ لِقَنَوَاتِهِمْ، وَلَا نَقْلُ شُبَهِهِمْ بِحُجَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ المُتَخَصِّصِ (٥).

٢. مَفَاسِدُ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:

أَوَّلُ المَفَاسِدِ هُوَ (تَلْبِيسُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ)، حَيْثُ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَى العَامَّةِ فَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الوَحْيِ وَالهَوَى (٦).

ثَانِيهَا: (تَمْزِيقُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ)؛ فَالبِدْعَةُ تُفَرِّقُ القُلُوبَ، وَتَجْعَلُ بَأْسَ الأُمَّةِ بَيْنَهَا فِي جَدَلٍ لَا يَنْتَهِي (٧).

ثَالِثُهَا: (مَحْوُ السُّنَنِ)؛ فَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا وَرُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ خُذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ (٨).

رَابِعُهَا: (جُرْأَةُ الرُّوَيْبِضَةِ)؛ فَتَصِيرُ مَنَابِرُ الإِعْلَامِ مَجَالاً لِكُلِّ نَاعِقٍ يَهْرِفُ بِمَا لَا يَعْرِفُ فِي دِينِ اللَّهِ (٩).

خَامِسُهَا: (تَعْرِيضُ القُلُوبِ لِلزَّيْغِ)؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَإِشَاعَتُهَا تُعَرِّضُ الضُّعَفَاءَ لِلْهُلَاكِ الأَبَدِيِّ (١٠).

٣. مَنْزِلَةُ "سَدِّ الذَّرَائِعِ" فِي هَذَا البَابِ:

إِنَّ مَنْعَ نَشْرِ البِدَعِ هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ) (١١).

فَحِمَايَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِغْلَاقِ مَنَافِذِ الضَّلَالِ وَمَنْعِ صُوَرِ الإِشَاعَةِ كَافَّةً (١٢).

لِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يُعَذِّرُ مَنْ يَكْتُمُ البِدْعَةَ أَقَلَّ مِمَّا يُعَذِّرُ مَنْ يُشِيعُهَا (١٣).

فَالإِشَاعَةُ مَعْنَاهَا الِاعْتِزَازُ بِالمُخَالَفَةِ، وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى مُفَارَقَةِ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ (١٤).

وَبِهَذَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الإِشَاعَةِ هُوَ التَّمْهِيدُ الضَّرُورِيُّ لِلْمَبَاحِثِ القَادِمَةِ فِي الهَجْرِ وَالتَّأْدِيبِ (١٥).

[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ الحَصِينِ (٥٠ سَطْراً)]

(١) حُرْمَةُ نَشْرِ الضَّلَالَةِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٥٨)، طبعة دار ابن الجوزي.

التوثيق: نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى إِظْهَارِ البِدْعَةِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا فِي الإِثْمِ وَالعِقَابِ.

(٢) أَثَرُ البِدْعَةِ فِي مَحْوِ السُّنَنِ:

المصدر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص (٢٣٤)، طبعة مؤسسة الرسالة.

التوثيق: ذَكَرَ حَدِيثَ (مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ) وَأَصَّلَ لِخُطُورَةِ الِاسْتِهَانَةِ بِهَا.

(٣) "سَدُّ الذَّرَائِعِ" عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ:

المصدر: المدونة، ج (١)، ص (٦٥)، طبعة دار الكتب العلمية.

التوثيق: كَانَ مَالِكٌ يَمْنَعُ تَدَاوُلَ كُتُبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَيُوجِبُ حَرْقَهَا سَدّاً لِذَرِيعَةِ الفِتْنَةِ بِهَا.

(٤) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "النَّهْيِ عَنِ الإِشَاعَةِ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الحَادِي عَشَرَ، مَسْأَلَةُ (هَجْرِ المُبْتَدِعِ).

التوثيق: «إِنَّ إِشَاعَةَ البِدْعَةِ هِيَ أَعْظَمُ جِنَايَةٍ عَلَى عَقُولِ العَامَّةِ. فَالَّذِي يَنْشُرُ مَقَالَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ أَوْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ خَائِنٌ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ. لِذَا أَوْجَبَ السَّلَفُ كَتْمَ مَقَالَاتِهِمْ وَإِخْمَادَ ذِكْرِهِمْ، فَالْبَاطِلُ يَمُوتُ بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَيَحْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِإِشَاعَتِهِ وَالجَدَلِ فِيهِ».

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ لِحِفْظِ الدِّينِ سِيَاجاً لَا يُقْتَحَمُ، وَإِنَّ "إِشَاعَةَ البِدْعَةِ" هِيَ الثُّغْرَةُ الَّتِي تَهْدِمُ ذَاكَ السِيَاجَ. فَالْمُبْتَدِعُ بِمُفْرَدِهِ ضَلَالُهُ قَاصِرٌ، لَكِنْ إِذَا أَشَاعَ ضَلَالَهُ صَارَ "إِمَاماً فِي النَّارِ". وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ شِدَّةَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَجْرِ مَنْ أَجَابَ فِي "الفِتْنَةِ" وَأَشَاعَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ. إِنَّ التَّرْوِيجَ لِلْبِدَعِ فِي أَزْمِنَةِ الانْفِتَاحِ الرَّقْمِيِّ صَارَ أَيْسَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَثْقَلَ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ). 

فَلَا يُسْمَحُ لِلْمُبْتَدِعِ أَنْ يَتَصَدَّرَ، وَلَا يُنْقَلُ كَلَامُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ النَّادِرِ لِمَنْ يَعْقِلُ. وَإِنَّ مَقَاصِدَ الإِسْلَامِ فِي (الهَجْرِ) تَبْدَأُ مِنْ تَقْلِيصِ دَائِرَةِ الإِشَاعَةِ؛ فَالمَهْجُورُ لَا صَوْتَ لَهُ، وَإِذَا اِنْقَطَعَ صَوْتُهُ سَلِمَتْ عَقَائِدُ العَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ. فَالْإِشَاعَةُ هِيَ "رِيحُ البِدْعَةِ" الَّتِي تَنْقُلُ بِيُوضَهَا مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، فَإِذَا أَوْقَفْنَا الرِّيحَ بِالهَجْرِ وَالسَّدِّ، حَصَرْنَا الوبَاءَ فِي مَهْدِهِ.

(٦) مَوْقِفُ الخَلِيفَةِ المَهْدِيِّ مِنَ الزَّنَادِقَةِ:

المصدر: سير أعلام النبلاء، ج (٨)، ص (٢٨٦).

التاريخ: تَتَبَّعَ مَنْ يُشِيعُونَ الزَّنْدَقَةَ وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ لِأَنَّ إِشَاعَتَهَا هَدْمٌ لِلنِّظَامِ العَامِّ لِلإِسْلَامِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٣]««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ الأُولَى: (النَّهْيُ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ وَخُطُورَةِ بَثِّ الضَّلَالَةِ)

١. حُرْمَةُ نَشْرِ المَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ فِي الإِسْلَامِ:

إِنَّ النَّهْيَ عَنْ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ حِمَايَةِ المِلَّةِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى نَشْرِهَا فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١).

البِدْعَةُ إِذَا ظَهَرَتْ فَلَمْ تُنْكَرْ، عَمَّ بَلَاؤُهَا، وَإِذَا أُشِيعَتْ صَارَتْ عِنْدَ الجُهَّالِ سُنَّةً مَتْبُوعَةً بِمُرُورِ الزَّمَانِ (٢).

فَالمُبْتَدِعُ الَّذِي يَنْشُرُ ضَلَالَتَهُ هُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَضَعُ السُّمَّ فِي مَنَابِعِ المِيَاهِ، فَيَقْتُلُ أَرْوَاحَ العِبَادِ بَدَلَ أَبْدَانِهِمْ (٣).

وَلِذَلِكَ كَانَ السَّلَفُ يُطَبِّقُونَ "سَدَّ الذَّرَائِعِ" بِإِخْمَادِ كُلِّ صَوْتٍ يَدْعُو إِلَى مُخَالَفَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ (٤).

فَلَا يَجُوزُ نَشْرُ كُتُبِهِمْ، وَلَا التَّرْوِيجُ لِقَنَوَاتِهِمْ، وَلَا نَقْلُ شُبَهِهِمْ بِحُجَّةِ الرَّدِّ عَلَيْهَا لِغَيْرِ المُتَخَصِّصِ (٥).

٢. مَفَاسِدُ إِشَاعَةِ البِدْعَةِ عَلَى الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ:

أَوَّلُ المَفَاسِدِ هُوَ (تَلْبِيسُ الحَقِّ بِالبَاطِلِ)، حَيْثُ يَلْتَبِسُ الأَمْرُ عَلَى العَامَّةِ فَلَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الوَحْيِ وَالهَوَى (٦).

ثَانِيهَا: (تَمْزِيقُ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ)؛ فَالبِدْعَةُ تُفَرِّقُ القُلُوبَ، وَتَجْعَلُ بَأْسَ الأُمَّةِ بَيْنَهَا فِي جَدَلٍ لَا يَنْتَهِي (٧).

ثَالِثُهَا: (مَحْوُ السُّنَنِ)؛ فَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا وَرُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ خُذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ (٨).

رَابِعُهَا: (جُرْأَةُ الرُّوَيْبِضَةِ)؛ فَتَصِيرُ مَنَابِرُ الإِعْلَامِ مَجَالاً لِكُلِّ نَاعِقٍ يَهْرِفُ بِمَا لَا يَعْرِفُ فِي دِينِ اللَّهِ (٩).

خَامِسُهَا: (تَعْرِيضُ القُلُوبِ لِلزَّيْغِ)؛ فَإِنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَإِشَاعَتُهَا تُعَرِّضُ الضُّعَفَاءَ لِلْهُلَاكِ الأَبَدِيِّ (١٠).

٣. مَنْزِلَةُ "سَدِّ الذَّرَائِعِ" فِي هَذَا البَابِ:

إِنَّ مَنْعَ نَشْرِ البِدَعِ هُوَ التَّطْبِيقُ العَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ) (١١).

فَحِمَايَةُ الدِّينِ وَاجِبَةٌ، وَلَا تَتِمُّ إِلَّا بِإِغْلَاقِ مَنَافِذِ الضَّلَالِ وَمَنْعِ صُوَرِ الإِشَاعَةِ كَافَّةً (١٢).

لِذَا كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يُعَذِّرُ مَنْ يَكْتُمُ البِدْعَةَ أَقَلَّ مِمَّا يُعَذِّرُ مَنْ يُشِيعُهَا (١٣).

فَالإِشَاعَةُ مَعْنَاهَا الِاعْتِزَازُ بِالمُخَالَفَةِ، وَدَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى مُفَارَقَةِ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ (١٤).

وَبِهَذَا يَكُونُ النَّهْيُ عَنِ الإِشَاعَةِ هُوَ التَّمْهِيدُ الضَّرُورِيُّ لِلْمَبَاحِثِ القَادِمَةِ فِي الهَجْرِ وَالتَّأْدِيبِ (١٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ]«««««««««««««««

(١) حُرْمَةُ نَشْرِ الضَّلَالَةِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٥٨)، طبعة دار ابن الجوزي.

التوثيق: نَقَلَ الشَّاطِبِيُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَعَانَ عَلَى إِظْهَارِ البِدْعَةِ فَهُوَ شَرِيكٌ لِصَاحِبِهَا فِي الإِثْمِ وَالعِقَابِ.

(٢) أَثَرُ البِدْعَةِ فِي مَحْوِ السُّنَنِ:

المصدر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب الحنبلي، ص (٢٣٤)، طبعة مؤسسة الرسالة.

التوثيق: ذَكَرَ حَدِيثَ (مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ) وَأَصَّلَ لِخُطُورَةِ الِاسْتِهَانَةِ بِهَا.

(٣) "سَدُّ الذَّرَائِعِ" عِنْدَ الإِمَامِ مَالِكٍ:

المصدر: المدونة، ج (١)، ص (٦٥)، طبعة دار الكتب العلمية.

التوثيق: كَانَ مَالِكٌ يَمْنَعُ تَدَاوُلَ كُتُبِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَيُوجِبُ حَرْقَهَا سَدّاً لِذَرِيعَةِ الفِتْنَةِ بِهَا.

(٤) نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ سِنْدِي فِي "النَّهْيِ عَنِ الإِشَاعَةِ":

المصدر: شرح لُمعة الاعتقاد، الدرس الحَادِي عَشَرَ، مَسْأَلَةُ 

(هَجْرِ المُبْتَدِعِ) ، «إِنَّ إِشَاعَةَ البِدْعَةِ هِيَ أَعْظَمُ جِنَايَةٍ عَلَى عَقُولِ العَامَّةِ. فَالَّذِي يَنْشُرُ مَقَالَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ أَوْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ المُنْحَرِفِ بَيْنَ النَّاسِ هُوَ خَائِنٌ لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ ، لِذَا أَوْجَبَ السَّلَفُ كَتْمَ مَقَالَاتِهِمْ وَإِخْمَادَ ذِكْرِهِمْ، فَالْبَاطِلُ يَمُوتُ بِتَرْكِ ذِكْرِهِ، وَيَحْيَا بَيْنَ النَّاسِ بِإِشَاعَتِهِ وَالجَدَلِ فِيهِ».

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ:  إِنَّ لِحِفْظِ الدِّينِ سِيَاجاً لَا يُقْتَحَمُ، وَإِنَّ "إِشَاعَةَ البِدْعَةِ" هِيَ الثُّغْرَةُ الَّتِي تَهْدِمُ ذَاكَ السِيَاجَ. فَالْمُبْتَدِعُ بِمُفْرَدِهِ ضَلَالُهُ قَاصِرٌ، لَكِنْ إِذَا أَشَاعَ ضَلَالَهُ صَارَ "إِمَاماً فِي النَّارِ"، وَمِنْ هُنَا نَفْهَمُ شِدَّةَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَجْرِ مَنْ أَجَابَ فِي "الفِتْنَةِ" وَأَشَاعَ القَوْلَ بِخَلْقِ القُرْآنِ ، إِنَّ التَّرْوِيجَ لِلْبِدَعِ فِي أَزْمِنَةِ الانْفِتَاحِ الرَّقْمِيِّ صَارَ أَيْسَرَ، وَلِذَلِكَ كَانَ الوَاجِبُ عَلَى أَهْلِ العِلْمِ أَثْقَلَ فِي (سَدِّ الذَّرَائِعِ) ، فَلَا يُسْمَحُ لِلْمُبْتَدِعِ أَنْ يَتَصَدَّرَ، وَلَا يُنْقَلُ كَلَامُهُ إِلَّا عَلَى سَبِيلِ التَّحْذِيرِ النَّادِرِ لِمَنْ يَعْقِلُ ، وَإِنَّ مَقَاصِدَ الإِسْلَامِ فِي (الهَجْرِ) تَبْدَأُ مِنْ تَقْلِيصِ دَائِرَةِ الإِشَاعَةِ؛ فَالمَهْجُورُ لَا صَوْتَ لَهُ، وَإِذَا اِنْقَطَعَ صَوْتُهُ سَلِمَتْ عَقَائِدُ العَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ، فَالْإِشَاعَةُ هِيَ "رِيحُ البِدْعَةِ" الَّتِي تَنْقُلُ بِيُوضَهَا مِنْ مَكَانٍ لِآخَرَ، فَإِذَا أَوْقَفْنَا الرِّيحَ بِالهَجْرِ وَالسَّدِّ، حَصَرْنَا الوبَاءَ فِي مَهْدِهِ.

(٦) مَوْقِفُ أمير المؤمنين عمر مِنَ الزَّنَادقة سير أعلام النبلاء، ج (٨)، ص (٢٨٦) ،التاريخ: تَتَبَّعَ مَنْ يُشِيعُونَ الزَّنْدَقَةَ وَأَحْرَقَ كُتُبَهُمْ لِأَنَّ إِشَاعَتَهَا هَدْمٌ لِلنِّظَامِ العَامِّ لِلإِسْلَامِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٤]««««««««««««««««««

المُتَمِّمَةُ الثَّالِثَةُ: (أَنْوَاعُ الهَجْرِ وَالفَرْقُ بَيْنَ هَجْرِ الكَافِرِ وَالعَاصِي وَالمُبْتَدِعِ)

١. أَنْوَاعُ الهَجْرِ مِنْ حَيْثُ الحُكْمُ وَالغَايَةُ:

يَنْقَسِمُ الهَجْرُ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ إِلَى أَنْوَاعٍ تَتَبَايَنُ بِتَبَايُنِ حَالِ المَهْجُورِ وَنَوْعِ جُرْمِهِ (١).

فَالْهَجْرُ لَيْسَ مَرْتَبَةً وَاحِدَةً، بَلْ هُوَ مَقَامَاتٌ تَتَرَاوَحُ بَيْنَ الوُجُوبِ العَيْنِيِّ وَالِاسْتِحْبَابِ المَصْلَحِيِّ (٢).

وَمَدَارُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ هُوَ تَحْقيقُ (البَرَاءَةِ) مِنَ البَاطِلِ مَعَ إِبْقَاءِ (الوَلَاءِ) لِأَهْلِ الإِيمَانِ (٣).

فَمِنْهُ مَا هُوَ قَطِيعَةٌ تَامَّةٌ لَا رَجْعَةَ فِيهَا، وَمِنْهُ مَا هُوَ زَجْرٌ مُؤَقَّتٌ يَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ سَبَبِهِ (٤).

وَيُعَدُّ تَمْيِيزُ هَذِهِ الأَنْوَاعِ مِنْ أَدَقِّ مَسَائِلِ (الفِقْهِ العَقَدِيِّ) الَّتِي زَلَّتْ فِيهَا أَقْدَامُ الغُلَاةِ وَالجُفَاةِ (٥).

٢. هَجْرُ الكَافِرِ (هَجْرُ البَرَاءَةِ وَالعَدَاوَةِ):

هَذَا النَّوْعُ هُوَ (الهَجْرُ الكُلِّيُّ) الَّذِي يَقُومُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِي البَرَاءَةِ (٦).

فَالْكَافِرُ يُهْجَرُ دِيناً وَاعْتِقَاداً، وَتُقْطَعُ مَعَهُ أَوَاصِرُ المَوَدَّةِ القَلْبِيَّةِ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ (٧).

وَلَكِنَّ هَذَا الهَجْرَ لَا يَمْنَعُ مِنَ البِرِّ وَالقِسْطِ الدُّنْيَوِيِّ مَعَ غَيْرِ المُحَارِبِينَ، صِيَانَةً لِمَقْصِدِ الدَّعْوَةِ (٨).

فَالْأَصْلُ فِيهِ المُمَايَزَةُ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ نُورُ الإِيمَانِ بِظُلْمَةِ الكُفْرِ فِي قَلْبِ المُسْلِمِ (٩).

وَهُوَ هَجْرٌ دَائِمٌ لَا يَسْقُطُ إِلَّا بِدُخُولِ المَهْجُورِ فِي حِمَى الإِسْلَامِ وَنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ (١٠).

٣. هَجْرُ العَاصِي المُسْلِمِ (هَجْرُ التَّأْدِيبِ وَالزَّجْرِ):

هَذَا الهَجْرُ يَقَعُ عَلَى مَنْ ظَهَرَ مِنْهُ فِسْقٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ لَا تُخْرِجُهُ مِنَ المِلَّةِ (١١).

الغَرَضُ مِنْهُ (الزَّجْرُ)؛ فَإِذَا عَلِمَ الهَاجِرُ أَنَّ هَجْرَهُ لِلْعَاصِي يَرُدُّهُ عَنْ كَبِيرَتِهِ وَجَبَ (١٢).

أَمَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ يَزِيدُهُ عُتُوًّا وَفُجُوراً، فَإِنَّ تَرْكَ الهَجْرِ حِينَئِذٍ هُوَ المَصْلَحَةُ الشَّرْعِيَّةُ (١٣).

فَالْعَاصِي لَهُ حَقُّ الوَلَاءِ الإِيمَانِيِّ العَامِّ، وَيُهْجَرُ هَجْراً جُزْئِيًّا فِي مَوَاطِنِ مَعْصِيَتِهِ (١٤).

وَمِثَالُهُ هَجْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِلثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا، فَقَدْ كَانَ هَجْراً لِمَصْلَحَةِ التَّطْهِيرِ (١٥).

٤. هَجْرُ المُبْتَدِعِ (هَجْرُ الصِّيَانَةِ وَالتَّحْذِيرِ):

هُوَ أَغْلَظُ مِنْ هَجْرِ العَاصِي؛ لِأَنَّ خَطَرَ البِدْعَةِ يَتَعَدَّى لِلدِّينِ بِخِلَافِ المَعْصِيَةِ (١٦).

يُهْجَرُ المُبْتَدِعُ صِيَانَةً لِعَقَائِدِ النَّاسِ مِنْ شُبُهَاتِهِ، وَإِذْلَالاً لَهُ حَتَّى تَخْمُدَ بِدْعَتُهُ (١٧).

وَلَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَغَيْرِهِ إِلَّا فِي قَدْرِ الهَجْرِ وَتَغْلِيظِهِ حَسَبَ الأَثَرِ (١٨).

فَالْمُبْتَدِعُ الَّذِي يُشِيعُ ضَلَالَهُ يُهْجَرُ هَجْراً شَامِلاً، وَيُحَذَّرُ مِنْهُ فِي المَحَافِلِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ (١٩).

وَيَبْقَى هَذَا الهَجْرُ قَائِماً مَا دَامَ مُقِيماً عَلَى بِدْعَتِهِ مُظْهِراً لَهَا بَيْنَ أَنَامِ الخَلْقِ (٢٠).

٥. المَوَازَنَةُ بَيْنَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ فِي الهَجْرِ:

إِنَّ تَنْفِيذَ الهَجْرِ مَنُوطٌ بِقَاعِدَةِ (تَحْصِيلِ المَصَالِحِ وَتَقْلِيلِ المَفَاسِدِ) بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ (٢١).

فَإِذَا كَانَ الهَاجِرُ قَوِيًّا وَالمَهْجُورُ سَيَنْزَجِرُ، فَالْهَجْرُ هُنَا سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَعِلَاجٌ نَاجِحٌ (٢٢).

أَمَّا إِذَا كَانَ الهَاجِرُ ضَعِيفاً، وَالهَجْرُ سَيُؤَدِّي لِتَسَلُّطِ المُبْتَدِعَةِ، فَالْمَدَارَاةُ أَوْلَى (٢٣).

فَالْهَجْرُ "دَوَاءٌ"، وَالدَّوَاءُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا بِقَدْرٍ، وَفِي مَوْضِعِهِ، وَبِمَا لَا يُفْسِدُ المِزَاجَ (٢٤).

وَبِهَذَا المِيزَانِ تَنْضَبِطُ سِيَاسَةُ هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ بِمَا يَحْفَظُ بَيْضَةَ السُّنَّةِ دُونَ ضَرَرٍ (٢٥).

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) التَّفْرِيقُ بَيْنَ هَجْرِ البَرَاءَةِ وَهَجْرِ التَّأْدِيبِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٤)، طبعة دار الوفاء.

التوثيق: أَبْدَعَ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي تَقْسِيمِ الهَجْرِ إِلَى (هَجْرٍ لِحَقِّ اللَّهِ) وَهُوَ هَجْرُ الكُفْرِ، وَ(هَجْرٍ لِمَصْلَحَةِ العَبْدِ) وَهُوَ هَجْرُ العَاصِي.

(٢) هَجْرُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا:

المصدر: صحيح البخاري، كِتَابُ المَغَازِي، حَدِيثُ رَقْمِ (٤٤١٨).

التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي مَسْأَلَةِ (هَجْرِ المَصْلَحَةِ) لِلْعَاصِي المُسْلِمِ لِيَتُوبَ إِلَى اللَّهِ.

(٣) هَجْرُ المُبْتَدِعِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ:المصدر: طبقات الحنابلة، للقاضي ابن أبي يعلى، ج (١)، ص (١٨٤)، طبعة دار المعرفة، ( كَانَ أَحْمَدُ يُشَدِّدُ فِي هَجْرِ المُبْتَدِعِ أَكْثَرَ مِنَ العَاصِي، لِأَنَّ المَعْصِيَةَ شَهْوَةٌ وَالبِدْعَةَ شُبْهَةٌ).

(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

يَقُولُ البَاحِثُ: إِنَّ الفَهْمَ العَمِيقَ لِأَنْوَاعِ الهَجْرِ يَحْمِي مِنَ التَّخَبُّطِ فِي بَابِ المُعَامَلَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. فَالْهَجْرُ لَيْسَ غَايَةً فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ (سِيَاسَةٌ شَرْعِيَّةٌ) مَبْنِيَّةٌ عَلَى المَصْلَحَةِ ، فَمَنْ هَجَرَ الكَافِرَ هَجَرَهُ بَرَاءَةً مِنْ دِينِهِ، وَمَنْ هَجَرَ العَاصِيَ هَجَرَهُ رَحْمَةً بِهِ لِيَزْدَجِرَ، وَمَنْ هَجَرَ المُبْتَدِعَ هَجَرَهُ صِيَانَةً لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ ، وَمِنْ هُنَا نُدْرِكُ أَنَّ (مِيزَانَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ) هُوَ الحَاكِمُ عَلَى فِعْلِ الهَجْرِ؛ فَإِذَا أَدَّى هَجْرُ المُبْتَدِعِ فِي زَمَنِ ضَعْفِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى تَقْوِيَةِ شَوْكَتِهِ، فَإِنَّ الشَّرْعَ الحَكِيمَ يَأْمُرُ بِتَأْلِيفِهِ أَوْ مُدَارَاتِهِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ بَعْضِ المُنَافِقِينَ ، إِنَّ الخَلْطَ بَيْنَ هَذِهِ المَقَامَاتِ أَدَّى إِلَى ظُهُورِ (الفِكْرِ المُنْحَرِفِ) الَّذِي يَهْجُرُ بِالهَوَى، فَيُسْوِي بَيْنَ سِنِّيٍّ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادٍ وَبَيْنَ جَهْمِيٍّ مُعَطِّلٍ. فَالْبَاحِثُ يُؤَكِّدُ أَنَّ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً، وَأَنَّ الهَجْرَ مِشْرَطُ جَرَّاحٍ لَا يُوضَعُ إِلَّا فِي مَكَانِ العِلَّةِ بِقَدَرِ مَا تُسْتَأْصَلُ بِهِ دُونَ قَتْلِ المَرِيضِ.

(٥) الهَجْرُ فِي حَالِ الضَّعْفِ وَالقُوَّةِ: المصدر: الصواعق المرسلة، لابن القيم، ج (٤)، ص (١٣٨٦)، طبعة دار العاصمة (قَرَّرَ أَنَّ الشَّارِعَ شَرَعَ المَصْلَحَةَ فِي تَرْكِ الهَجْرِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ زَجْرِ المُخَالِفِ).

(٦) ضَابِطُ الهَجْرِ بِالمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ:المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢١٠) ، ("فَإِذَا كَانَ الهَجْرُ لَا يَرُدُّ عَنِ المُنْكَرِ، بَلْ يَزِيدُهُ، كَانَ تَرْكُهُ أَوْلَى").

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٥]«««««««««««««««««««

[الجُزْءُ الثَّانِي مِنَ الوَجْهِ الخَامِسِ وَالتِّسْعُونَ]

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّانِي: (تَحْرِيرُ مَقَامَاتِ الهَجْرِ الثَّلَاثَةِ وَأَحْكَامِ الكَافِرِ وَالعَاصِي)

١. النَّوْعُ الأَوَّلُ: هَجْرُ الدِّيَانَةِ (لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى):

وَهُوَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ التَّقْوَى فِي هَجْرِ السَّيِّئَةِ وَفَاعِلِهَا، سَوَاءً كَانَ مُبْتَدِعاً أَوْ عَاصِياً (١).

وَيَنْقَسِمُ هَذَا النَّوْعُ إِلَى قِسْمَيْنِ جَوْهَرِيَّيْنِ فِي سُلُوكِ العَبْدِ إِلَى رَبِّهِ (٢):

أَوَّلاً: هَجْرُ التَّرْكِ: وَهُوَ هَجْرُ السَّيِّئَاتِ ذَاتِهَا، لِقَوْلِهِ ﷺ: "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (٣).

ثَانِياً: هَجْرُ القُرَنَاءِ: وَهُمْ صُحْبَةُ السُّوءِ الَّذِينَ تَضُرُّ مُخَالِطَتُهُمْ، وَلَا يُجَالَسُونَ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ (٤).

وَمِنْ أَدِلَّةِ هَذَا المَقَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)، وَقَوْلُهُ: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) (٥).

وَكَذَا النَّهْيُ عَنِ القُعُودِ مَعَ الخَائِضِينَ فِي آيَاتِ اللَّهِ: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) (٦).

فَإِنَّ العِلَّةَ فِي القُعُودِ مُوجِبَةٌ لِلْمُمَاثَلَةِ فِي الإِثْمِ كَمَا نَصَّ التَّنْزِيلُ: (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) (٧).

٢. النَّوْعُ الثَّانِي: هَجْرُ التَّعْزِيرِ (العُقُوبَةُ التَّعَبُّدِيَّةُ):

وَهُوَ مَدَارُ بَحْثِنَا هَذَا، وَيُوقِعُهُ المُسْلِمُ عَلَى الفُجَّارِ وَالمُبْتَدِعَةِ تَأْدِيباً لَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا (٨).

هَذَا النَّوْعُ بِقِسْمَيْهِ مِنْ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، وَالأَمْرُ فِيهِ لِلْإِيجَابِ فِي مَوَاضِعِ الشَّدَّةِ وَالزَّجْرِ (٩).

وَمُبَاحِثُهُ مَنْثُورَةٌ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ وَالتَّوْحِيدِ كَأَصْلٍ مَتِينٍ لِمُمَايَزَةِ أَهْلِ الضَّلَالِ (١٠).

وَقَدْ نَبَّهَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ أَنَّ قِصَّةَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَصْلٌ فِي هَجْرَانِ أَهْلِ المَعَاصِي (١١).

أَمَّا هَجْرُ الكَافِرِ، فَهُوَ أَشَدُّ جُرْماً، وَهَجْرُهُ بِالقَلْبِ وَتَرْكِ التَّوَدُّدِ وَالتَّنَاصُرِ وَاجِبٌ مُطْلَقٌ (١٢).

وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ هَجْرُهُ بِالكَلَامِ دَائِماً لِعَدَمِ ارْتِدَاعِهِ بِذَلِكَ، بِخِلَافِ العَاصِي الَّذِي يُرْجَى رُجُوعُهُ (١٣).

وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ جَوَازِ هَجْرِ الكَافِرِ مُطْلَقاً تَعْظِيماً لِحَقِّ اللَّهِ (١٤).

وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ: "لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ"، وَإِضْطِرَارُهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطَّرِيقِ (١٥).

٣. النَّوْعُ الثَّالِثُ: هَجْرُ القَضَاءِ (العُقُوبَةُ السُّلْطَانِيَّةُ):

وَهُوَ مِنَ العُقُوبَاتِ التَّعْزِيرِيَّةِ الَّتِي يَقْضِي بِهَا الحَاكِمُ أَوْ القَاضِي ضِدَّ المَعْتَدِينَ (١٦).

يُبْحَثُ هَذَا النَّوْعُ فِي كُتُبِ الفِقْهِ بَابِ (التَّعْزِيرِ) كَأَدَاةٍ لِضَبْطِ النِّظَامِ العَامِّ وَزَجْرِ المُجْرِمِينَ (١٧).

وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَنِ الهَجْرِ الَّذِي دُونَ ثَلَاثٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِأَجْلِ حُظُوظِ النَّفْسِ (١٨).

فَالْأَصْلُ تَحْرِيمُ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لِلْمُتَهَاجِرِينَ، إِلَّا مَا كَانَ لِحَقِّ الدِّينِ أَوْ التَّأْدِيبِ الوَالِدِيِّ (١٩).

فَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ شَهْراً، وَهَجَرَ الوَالِدُ وَلَدَهُ لِلزَّجْرِ، وَهَذَا مِنْ مَبَاحِثِ الأَدَبِ (٢٠).

وَبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الهَجْرَ لَهُ مَنَازِعُ شَتَّى، وَمَنْ نَظَرَ فِيهَا بَانَ لَهُ انْضِبَاطُ الشَّرِيعَةِ وَعَدْلُهَا (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) تَأْصِيلُ هَجْرِ الدِّيَانَةِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢١١، ٢١٣، ٢١٦، ٢٨٣).

التوثيق: فَصَّلَ شَيْخُ الإِسْلَامِ بَيْنَ هَجْرِ (السَّيِّئَةِ) وَهَجْرِ (المُخَالَطَةِ) الَّتِي تَقْدَحُ فِي دِينِ المَرْءِ وَتَقْوَاهُ.

(٢) حَدِيثُ "المُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ...":

المصدر: صحيح البخاري، حَدِيثُ رَقْمِ (١٠)، وَصحيح مسلم، حَدِيثُ رَقْمِ (٤٠).

التوثيق: هُوَ أَصْلٌ فِي (هَجْرِ التَّرْكِ) لِلذُّنُوبِ وَالمَعَاصِي كَأَوَّلِ مَرَاتِبِ الهِجْرَةِ إِلَى اللَّهِ.

(٣) هَجْرُ الكَافِرِ وَالفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ العَاصِي:

المصدر: فتح الباري، لابن حجر، ج (١٠)، ص (٤٩٦، ٤٩٧)، طبعة الريان.

التوثيق: نَقَلَ عَنِ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ بَطَّالٍ وَالنَّوَوِيِّ، وَبَيَّنَ أَنَّ هَجْرَ الكَافِرِ مَنُوطٌ بِتَرْكِ المَوَدَّةِ وَالمُوَالَاةِ.

(٤) نَصُّ ابْنِ حَجَرٍ فِي قِصَّةِ كَعْبٍ:

المصدر: فتح الباري، ج (١٠)، ص (٤٩٧).

التوثيق: قَوْلُهُ: "قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَصْلٌ فِي هَجْرَانِ أَهْلِ المَعَاصِي"، وَقَدْ دَفَعَ ابْنُ حَجَرٍ الإِشْكَالَ بِتَقْسِيمِ الهَجْرِ إِلَى قَلْبِيٍّ وَلِسَانِيٍّ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ (١٥ سَطْراً):

يَقُولُ البَاحِثُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ تَقْسِيمَاتِ الهَجْرِ الثَّلَاثَةِ (دِيَانَةً، وَتَعْزِيراً، وَقَضَاءً) أَدْرَكَ عِظَمَ هَذَا الدِّينِ فِي حِفْظِ المَصَالِحِ. فَهَجْرُ الدِّيَانَةِ يَحْمِي (الفَرْدَ)، وَهَجْرُ التَّعْزِيرِ يُؤَدِّبُ (المُخَالِفَ)، وَهَجْرُ القَضَاءِ يَحْفَظُ (المُجْتَمَعَ). وَمَا اسْتَشْكَلَهُ الطَّبَرِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مِنْ هَجْرِ العَاصِي دُونَ الكَافِرِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ عِنْدَ التَّحْقِيقِ؛ لِأَنَّ الكَافِرَ مَهْجُورٌ (أَصْلًا) بِقَطْعِ المَوَدَّةِ، وَمُكَالَمَتُهُ دَعْوَةٌ، بَيْنَمَا العَاصِي هُوَ الَّذِي يَنْفَعُ فِيهِ "الهَجْرُ الكَلَامِيُّ" لِرَدْعِهِ. وَأَمَّا الهَجْرُ مَا دُونَ ثَلَاثٍ، فَهُوَ رُخْصَةٌ لِلطَّبْعِ البَشَرِيِّ، لَكِنَّهُ لَا يَنْسَحِبُ عَلَى هَجْرِ (أَهْلِ البِدَعِ)؛ لِأَنَّ هَجْرَهُمْ مَحْكُومٌ بِبَقَاءِ سَبَبِهِ وَهُوَ (البِدْعَةُ). فَالْمُدَارَاةُ لِلْكَافِرِ دَعْوَةٌ، وَالهَجْرُ لِلْمُبْتَدِعِ صِيَانَةٌ، وَالتَّعْزِيرُ لِلْمُعْتَدِي عَدَالَةٌ.

(٦) حَدِيثُ "لَا تَبْدَءُوا اليَهُودَ...":

المصدر: صحيح مسلم (٢١٦٧)، وَمسند أحمد (٩٤٦٠).

التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي (هَجْرِ التَّعْظِيمِ) وَتَحْرِيمِ مَوَدَّةِ الكُفَّارِ كَمَا فِي تحفة الإخوان.

(٧) هَجْرُ القَضَاءِ وَالتَّعْزِيرِ:

المصدر: كتاب التعزير في الشريعة الإسلامية، عبد العزيز عامر، ص (٢٣٧).

التوثيق: بَحَثَ فِيهِ عُقُوبَةَ (الهَجْرِ) كَوَسِيلَةٍ تَعْزِيرِيَّةٍ يَمْلِكُهَا الحَاكِمُ لِزَجْرِ المُنْحَرِفِينَ.

(٨) الهَجْرُ فَوْقَ الثَّلَاثِ (قَوْلُ الخَطَّابِيِّ):

المصدر: معالم السنن، ج (٤)، ص (١٣٢)، وَالترغيب والترهيب، ج (٣)، ص (٤٥٤-٤٦٢).

التوثيق: رَخَّصَ فِي هَجْرِ الوَالِدِ وَالزَّوْجِ لِلْمَصْلَحَةِ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثٍ قِيَاساً عَلَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ.

»»»»»»»»»[الجزء الثاني من الوجه ٩٥]«««««««««««««

[الوَجْهُ السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ]

المُتَمِّمَةُ الرَّابِعَةُ: (شُرُوطُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَضَوَابِطُهُ المَرْعِيَّةُ)

١. ضَرُورَةُ الضَّبْطِ الشَّرْعِيِّ لِمَسْأَلَةِ الهَجْرِ:

إِنَّ الهَجْرَ عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ لِغَيْرِهَا، وَكُلُّ عِبَادَةٍ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُرُوطٍ تُصَحِّحُهَا وَضَوَابِطَ تُقِيمُهَا (١).

فَالْهَجْرُ بِلَا ضَابِطٍ يَتَحَوَّلُ إِلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ بَغْيٍ عَلَى المُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي (٢).

لِذَا وَجَبَ عَلَى البَاحِثِ أَنْ يَسْتَقْرِئَ شُرُوطَ السَّلَفِ الَّتِي جَعَلَتْ هَجْرَهُمْ دَوَاءً لَا دَاءً (٣).

وَمَدَارُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عَلَى (الإِخْلَاصِ، وَالعِلْمِ، وَالمَصْلَحَةِ)، وَبِدُونِهَا يَخْرُجُ الهَجْرُ عَنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ (٤).

فَلَا هَجْرَ لِمَنْ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، وَلَا هَجْرَ حَيْثُ تَكُونُ المَفْسَدَةُ أَعْظَمَ مِنَ المَصْلَحَةِ (٥).

٢. شُرُوطُ صِحَّةِ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ:

أَوَّلاً: الإِخْلَاصُ لِلَّهِ تَعَالَى: أَنْ يَكُونَ الهَجْرُ لِحَقِّ الدِّينِ لَا لِحَظِّ النَّفْسِ أَوْ خُصُومَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ (٦).

ثَانِيًا: قِيَامُ المُقْتَضِي الشَّرْعِيِّ: بِأَنْ يَكُونَ المَهْجُورُ مُقِيماً عَلَى بِدْعَةٍ ظَاهِرَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ مُعْلَنَةٍ (٧).

ثَالِثًا: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّصِيْحَةِ وَالبَيَانِ: فَلَا يُهْجَرُ مَنْ يَجْهَلُ الحُكْمَ حَتَّى تُبَيَّنَ لَهُ الجَادَّةُ (٨).

رَابِعًا: القُدْرَةُ عَلَى الزَّجْرِ: فَالهَجْرُ عُقُوبَةٌ، وَالعُقُوبَةُ مَنُوطَةٌ بِالقُدْرَةِ عَلَى تَنْفِيذِهَا وَتَأْثِيرِهَا (٩).

خَامِسًا: سَلَامَةُ القَصْدِ: بِأَنْ يَقْصِدَ الهَاجِرُ رَدْعَ المُخَالِفِ وَحِمَايَةَ السُّنَّةِ لَا هَضْمَ الحُقُوقِ (١٠).

٣. ضَوَابِطُ الهَجْرِ عِنْدَ التَّطْبِيقِ المَيْدَانِيِّ:

الضَّابِطُ الأَوَّلُ (مِيزَانُ المَصْلَحَةِ): يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الهَاجِرِ وَالمَهْجُورِ؛ فَإِنْ ضَعُفَ الهَاجِرُ سَقَطَ الهَجْرُ (١١).

فَالْهَجْرُ فِي حَالِ قُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ سُنَّةٌ، وَفِي حَالِ ضَعْفِهِمْ تَرْكُهُ رَحْمَةٌ وَتَأْلِيفٌ (١٢).

الضَّابِطُ الثَّانِي (التَّدَرُّجُ فِي الهَجْرِ): يَبْدَأُ بِالإِعْرَاضِ اليَسِيرِ، ثُمَّ المَقَاطَعَةِ الكُلِّيَّةِ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ (١٣).

الضَّابِطُ الثَّالِثُ (مُرَاعَاةُ الحُقُوقِ الوَاجِبَةِ): فَلَا يَمْنَعُ الهَجْرُ رَدَّ السَّلَامِ الوَاجِبِ عَيْنًا فِي بَعْضِ المَقَامَاتِ (١٤).

أَوْ مَنْعَ بَيْعِ الضَّرُورَاتِ إِلَّا إِذَا كَانَ الهَجْرُ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ لِتَضْيِيقٍ خَاصٍّ كَمَا فِي قِصَّةِ كَعْبٍ (١٥).

الضَّابِطُ الرَّابِعُ (انْتِهَاءُ الهَجْرِ بِالتَّوْبَةِ): فَمَتَى أَعْلَنَ المَهْجُورُ أَوْبَتَهُ، وَجَبَ قَبُولُهُ وَرَفْعُ الهَجْرِ عَنْهُ فَوْرًا (١٦).

٤. مَحَاذِيرُ تَقَعُ فِي بَابِ الهَجْرِ:

مِنْ أَعْظَمِ المَحَاذِيرِ أَنْ يُجْعَلَ الهَجْرُ (أَصْلاً) فِي التَّعَامُلِ مَعَ كُلِّ مَنْ أَخْطَأَ مِنَ السُّنِّيِّينَ (١٧).

فَمَنْ هَجَرَ سُنِّيًّا لِغَلْطَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ جَارَ، وَمَنْ هَجَرَ لِأَجْلِ خِلَافٍ فِي الِاجْتِهَادِ فَقَدْ ضَلَّ (١٨).

إِنَّ الهَجْرَ بِمَثَابَةِ (الكَيِّ)، وَآخِرُ الدَّوَاءِ الكَيُّ، فَلَا يُبْدَأُ بِهِ وَلَا يُتَوَسَّعُ فِيهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ (١٩).

وَبِهَذِهِ الشُّرُوطِ وَالضَّوَابِطِ يَتَبَيَّنُ لِلْبَاحِثِ كَيْفَ كَانَ السَّلَفُ يَحْفَظُونَ القُلُوبَ مَعَ حِفْظِهِمْ لِلأُصُولِ (٢٠).

فَالْعِلْمُ قَبْلَ الهَجْرِ، وَالعَدْلُ مَعَ الهَجْرِ، وَالرَّحْمَةُ بَعْدَ الهَجْرِ هِيَ خُلُقُ أَهْلِ الأَثَرِ (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) شَرْطُ المَصْلَحَةِ فِي الهَجْرِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٦).

التوثيق: قَرَّرَ شَيْخُ الإِسْلَامِ أَنَّ "الهَجْرَ الشَّرْعِيَّ مَنُوطٌ بِالمَصْلَحَةِ، فَإِذَا كَانَتِ المَفْسَدَةُ فِيهِ أَرْجَحَ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُوراً بِهِ".

(٢) الهَجْرُ لِحَظِّ النَّفْسِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٤).

التوثيق: حَذَّرَ الشَّاطِبِيُّ مِنْ دُخُولِ الهَوَى فِي الهَجْرِ، وَاعْتَبَرَ أَنَّ مَنْ هَجَرَ لِانْتِصَارِ نَفْسِهِ فَلَيْسَ مَأْجُوراً.

(٣) قِيَامُ الحُجَّةِ قَبْلَ الهَجْرِ:

المصدر: الإبانة الكبرى، لابن بطة، ج (٢)، ص (٥٤٠).

التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يُنَاظِرُونَ وَيُبَيِّنُونَ لِلْمُخَالِفِ قَبْلَ الحُكْمِ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ، صِيَانَةً لِلْعَدْلِ.

(٤) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قلت: إِنَّ مَنْ تَمَعَّنَ فِي (ضَوَابِطِ الهَجْرِ) عَلِمَ يَقِيناً أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَمْ تَجْعَلْ أَعْرَاضَ المُسْلِمِينَ مَلْعَبَةً لِلْآرَاءِ. فَالْهَجْرُ مَشْرُوطٌ بِـ (العِلْمِ)؛ لِأَنَّ الجَاهِلَ يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، وَمَشْرُوطٌ بِـ (العَدْلِ)؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ. وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ الضَّوَابِطِ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا الكَثِيرُونَ هُوَ (ضَابِطُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ)؛ فَهَجْرُ المُبْتَدِعِ فِي مَعْقِلِ سُلْطَانِهِ حَيْثُ لَا سُلْطَةَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ رَمْيٌ لِلنَّفْسِ فِي التَّهْلُكَةِ، بَيْنَمَا هَجْرُهُ فِي مَعْقِلِ السُّنَّةِ هُوَ عِزٌّ لِلدِّينِ.  أؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ بِالهَجْرِ دُونَ فِقْهِ هَذِهِ الشُّرُوطِ، فَقَدْ جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ (حَاكماً) لَا (مُتَّبِعاً)، وَإِنَّمَا كَانَ الهَجْرُ (دَوَاءً) يُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ، فَمَنْ زَادَ فِيهِ أَهْلَكَ المَرِيضَ، وَمَنْ نَقَصَ عَنْهُ تَرَكَ العِلَّةَ تَسْرِي. فَانْضِبَاطُ الهَجْرِ بِهَذِهِ القَوَاعِدِ هُوَ الَّذِي مَيَّزَ أَهْلَ السُّنَّةِ عَنِ الخَوَارِجِ الَّذِينَ هَجَرُوا بِالتَّكْفِيرِ وَالظُّلْمِ.

المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: (صِفَاتُ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ وَمُفْرَدَاتُ التَّعَامُلِ مَعَ المَهْجُورِ)

١. تَأْصِيلُ صِفَةِ الهَجْرِ (الإِعْرَاضُ وَالبَرَاءَةُ):

إِنَّ صِفَةَ الهَجْرِ المُرَادَةَ فِي كَلَامِ السَّلَفِ تَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ شَدِيدَيْنِ: (الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ) وَ(البَرَاءَةُ التَّامَّةُ).

أَوَّلاً: الإِعْرَاضُ الكُلِّيُّ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ):

الاشتقاق: مِنَ (العَرْضِ) بِفَتْحِ العَيْنِ، وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَيْ وَلَّاهُ عُرْضَهُ وَجَانِبَهُ، وَتَرَكَ النَّظَرَ إِلَيْهِ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ كَفُّ النَّفْسِ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى المُبْتَدِعِ، قَلْباً، وَقَالِباً، وَقَوْلاً، لِانْعِدَامِ قِيمَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ.

ثَانِيًا: البَرَاءَةُ مِنْهُ (الاشْتِقَاقُ وَالحَدُّ):

الاشتقاق: مِنَ (البَرْءِ)، وَهُوَ التَّبَاعُدُ عَنِ الشَّيْءِ وَمُزَايَلَتُهُ، وَمِنْهُ بَرِئَ المَرِيضُ مِنَ العِلَّةِ إِذَا فَارَقَتْهُ.

الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ: هُوَ قَطْعُ عَلَاقَةِ الوَلَاءِ وَالمَوَدَّةِ مَعَ المُبْتَدِعِ، وَإِظْهَارُ الخُلُوصِ مِنْ طَرِيقَتِهِ المُنْحَرِفَةِ.

٢. مُفْرَدَاتُ صِفَةِ الهَجْرِ (العَشْرُ المُرَتَّبَةُ):

تَتَحَقَّقُ صِفَةُ الهَجْرِ شَرْعاً بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَأَدَّى بِهَا الزَّجْرُ، وَأَهَمُّهَا عَشْرٌ:

الأُولَى (عَدَمُ مُجَالَسَتِهِ): فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ السُّنِّيِّ وَالمُبْتَدِعِ مَجْلِسٌ، لِأَنَّ المُجَالَسَةَ تُؤْذِنُ بِالمُؤَانَسَةِ.

الثَّانِيَةُ (الِابْتِعَادُ عَنْ مُجَاوَرَتِهِ): بِقَدْرِ الِاسْتِطَاعَةِ، لِئَلَّا يَقَعَ النَّظَرُ عَلَيْهِ، فَيَأْلَفَ القَلْبُ رُؤْيَتَهُ.

الثَّالِثَةُ (تَرْكُ تَوْقِيرِهِ): فَلَا يُنَادَى بِأَلْقَابِ التَّعْظِيمِ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي المَحَافِلِ، لِأَنَّ البِدْعَةَ تَسْلُبُ الكَرَامَةَ.

الرَّابِعَةُ (تَرْكُ مُكَالَمَتِهِ): وَهِيَ مَحْضُ الهَجْرِ، بِأَنْ لَا يُبْدَأَ بِحَدِيثٍ، وَلَا يُجَابَ لِفُضُولِ مَقَالٍ.

الخَامِسَةُ (تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ): فَلَا يُبْدَأُ بِالسَّلَامِ، وَقَدْ يُتْرَكُ الرَّدُّ زَجْراً إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَكْسِرُ نَفْسَهُ.

السَّادِسَةُ (تَرْكُ التَّسْمِيَةِ لَهُ): فَلَا يُذْكَرُ اسْمُهُ بِالتَّنْوِيهِ وَالثَّنَاءِ، بَلْ يُخْمَدُ ذِكْرُهُ تَمَاماً مَوْتاً لِبِدْعَتِهِ.

السَّابِعَةُ (عَدَمُ بَسْطِ الوَجْهِ لَهُ): فَيُقَابَلُ بِالِانْقِبَاضِ وَالعُبُوسِ، مَعَ عَدَمِ هَجْرِ أَصْلِ السَّلَامِ الدِّينِيِّ عِنْدَ الحَاجَةِ.

الثَّامِنَةُ (عَدَمُ سَمَاعِ كَلَامِهِمْ وَقِرَاءَتِهِمْ): فَلَا تُسْمَعُ أَهْوِيَتُهُمْ، وَلَا تُقْرَأُ كُتُبُهُمْ صِيَانَةً لِلْعَقْلِ مِنَ الخَبَلِ.

التَّاسِعَةُ (عَدَمُ مُشَاوَرَتِهِمْ): فَلَا يُسْتَأْمَنُونَ عَلَى رَأْيٍ، وَلَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ مَشُورَةٌ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا لِفَسَادِ بَاطِنِهِمْ.

العَاشِرَةُ (تَرْكُ التَّعَامُلِ المَالِيِّ): مِمَّا فِيهِ نَفْعٌ لَهُمْ، سَدّاً لِأَسْبَابِ القُوَّةِ المَادِيَّةِ الَّتِي يُنْصَرُ بِهَا البَاطِلُ.

٣. مَقَاصِدُ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَأَثَرُهَا فِي الزَّجْرِ:

إِنَّ تَطْبِيقَ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُجْتَمِعَةً يَهْدِفُ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الشَّرْعِ فِي خَذْلَانِ المُبْتَدِعِ.

فَالْمُبْتَدِعُ إِذَا رَأَى الصُّدُودَ فِي الوُجُوهِ، وَالصَّمْتَ فِي المَحَافِلِ، وَالقَطِيعَةَ فِي التَّعَامُلِ، شَعَرَ بِالعُزْلَةِ.

هَذِهِ العُزْلَةُ هِيَ "السِّجْنُ الشَّرْعِيُّ" الَّذِي يَجْعَلُهُ يُرَاجِعُ نَفْسَهُ، وَيَعْلَمُ أَنَّ ثَمَنَ البِدْعَةِ بَاهِظٌ.

فَإِذَا اِنْكَسَرَتْ كِبْرِيَاؤُهُ، طَمِعَ فِي العَوْدَةِ إِلَى جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ، فَيَتْرُكُ ضَلَالَهُ مَكْرَهًا أَوْ طَائِعًا.

وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الزَّجْرُ المَطْلُوبُ، وَيَسْلَمُ المُجْتَمَعُ مِنْ شَرِّ مَقَالَتِهِ، وَتَبْقَى السُّنَّةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ.

**المتممة   النقول من "فتح الباري" (٤٩٧/١٠, ١٢٤-١٣٢/٨)و"شرح أصول الاعتقاد" (ص١٥٠,١١٤/١)

(٥) هَجْرُ السُّنِّيِّ لِلْمُصْلَحَةِ:

المصدر: سير أعلام النبلاء، للذهبي، ج (١١)، ص (٢٣١).

التوثيق: ذَكَرَ الذَّهَبِيُّ أَنَّ الهَجْرَ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِيمَا دُونَ ثَلَاثٍ، إِلَّا إِذَا كَانَ لِزَجْرٍ شَرْعِيٍّ فَيُقَدَّرُ بِقَدَرِ المَصْلَحَةِ.

(٦) تَوْبَةُ المَهْجُورِ وَرَفْعُ العُقُوبَةِ:

المصدر: زاد المعاد، لابن القيم، ج (٣)، ص (٥٠٨).

التوثيق: بَيَّنَ كَيْفَ تَلَقَّى الصَّحَابَةُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ بِالبِشْرِ بَعْدَ تَوْبَتِهِ، وَأَنَّ رَفْعَ الهَجْرِ وَاجِبٌ عِنْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ.


»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٦]««««««««««««««««««

تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ الرَّابِعَةِ: (تَحْرِيرُ ضَوَابِطِ الهَجْرِ بَيْنَ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ وَمِيزَانِ العَدْلِ)

١. ضَابِطُ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ فِي إِيقَاعِ الهَجْرِ:

إِنَّ مِنَ الضَّوَابِطِ الجَوْهَرِيَّةِ لِلْهَجْرِ الشَّرْعِيِّ مُرَاعَاةَ سُلْطَانِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَتَمَكُّنِهِمْ (١).

فَالْهَجْرُ فِي مَوْضِعٍ يَكُونُ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ قِلَّةً مُسْتَضْعَفِينَ يُؤَدِّي إِلَى ضِيَاعِ المَصْلَحَةِ (٢).

فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ، يَكُونُ التَّأْلِيفُ وَالبَيَانُ وَالمُدَارَاةُ أَوْلَى مِنْ قَطِيعَةٍ لَا تُثْمِرُ زَجْراً (٣).

أَمَّا إِذَا كَانَتِ السُّنَّةُ هِيَ الظَّاهِرَةُ، وَكَلِمَةُ أَهْلِهَا هِيَ العَالِيَةُ، فَالْهَجْرُ حِينَئِذٍ سِيَاجٌ مَتِينٌ (٤).

وَبِهَذَا تَنْضَبِطُ الفَتَاوَى بِاخْتِلَافِ الدِّيَارِ وَالأَعْصَارِ، وَلَا يُؤْخَذُ الهَجْرُ كَقَالَبٍ جَامِدٍ (٥).

٢. ضَابِطُ "الهَجْرِ لِلْمَصْلَحَةِ" وَتَقْدِيرُ المَفَاسِدِ:

يَجِبُ أَنْ يَدُورَ الهَجْرُ مَعَ "المَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ" وُجُوداً وَعَدَماً، لِأَنَّهُ عِلَاجٌ لِلْقُلُوبِ (٦).

فَإِذَا عَلِمَ البَاحِثُ أَنَّ هَجْرَ هَذَا المُبْتَدِعِ سَيَزِيدُهُ شَرّاً وَارْتِمَاءً فِي حِضْنِ الكُفَّارِ، فَلَا هَجْرَ (٧).

إِنَّ المَقْصِدَ هُوَ تَقْلِيلُ الشَّرِّ لَا تَكْثِيرُهُ، وَإِخْمَادُ الفِتْنَةِ لَا إِشْعَالُ نِيرَانِهَا فِي الأُمَّةِ (٨).

لِذَا كَانَ شَيْخُ الإِسْلَامِ يَرَى تَرْكَ الهَجْرِ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ التَّأْلِيفِ (٩).

فَمَنْ هَجَرَ حَيْثُ تَعْظُمُ المَفْسَدَةُ، فَقَدْ خَالَفَ حِكْمَةَ التَّشْرِيعِ وَسَلَكَ سَبِيلَ التَّنْطِيعِ (١٠).

٣. ضَابِطُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الدَّاعِيَةِ" وَ"المُسْتَتِرِ":

مِنْ شُرُوطِ الهَجْرِ المُغَلَّظِ أَنْ يَكُونَ المُبْتَدِعُ دَاعِيَةً لِبِدْعَتِهِ، مُظْهراً لِضَلَالِهِ بَيْنَ النَّاسِ (١١).

أَمَّا مَنْ كَانَتْ بِدْعَتُهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ كَانَ مُسْتَتِراً بِهَا، فَالْأَصْلُ مُنَاصَحَتُهُ سِرّاً (١٢).

فَإِظْهَارُ البِدْعَةِ جِنَايَةٌ عَلَى المُجْتَمَعِ، وَاسْتِتَارُهَا جِنَايَةٌ عَلَى النَّفْسِ، وَلِكُلٍّ حُكْمٌ (١٣).

فَالْمُجَاهِرُ يُهْجَرُ عِياناً لِيَنْكَفَّ شَرُّهُ، وَالمُسْتَتِرُ يُعَامَلُ بِالظَّاهِرِ مَعَ صِدْقِ النَّصِيحَةِ (١٤).

وَبِهَذَا الضَّابِطِ يَتَحَقَّقُ العَدْلُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مَرَاتِبِ الخِلَافِ وَأَنْوَاعِ المُخَالِفِينَ (١٥).

٤. ضَابِطُ الرُّجُوعِ عَنِ الهَجْرِ وَعَلَامَاتُ الأَوْبَةِ:

إِنَّ الهَجْرَ يَنْتَهِي بِمُجَرَّدِ زَوَالِ سَبَبِهِ، وَهُوَ رُجُوعُ المَهْجُورِ إِلَى حِيَاضِ السُّنَّةِ (١٦).

وَلَا يَجُوزُ التَّمَادِي فِي الهَجْرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ تَشَفِّياً، فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ (١٧).

وَعَلَامَةُ تَوْبَةِ المُبْتَدِعِ الدَّاعِيَةِ أَنْ يُظْهِرَ مِنَ السُّنَّةِ مِثْلَ مَا أَظْهَرَ مِنَ البِدْعَةِ (١٨).

فَإِذَا تَبَيَّنَ رُشْدُهُ، وَجَبَ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ اِحْتِضَانُهُ وَرَفْعُ المَقَاطَعَةِ عَنْهُ لِتَأْلِيفِ قَلْبِهِ (١٩).

وَبِهَذَا يَبْقَى الهَجْرُ وَسِيلَةً إِصْلَاحِيَّةً، وَلَا يَتَحَوَّلُ إِلَى عَدَاوَةٍ شَخْصِيَّةٍ دَائِمَةٍ (٢٠).

فَالْخُلاصَةُ أَنَّ الهَجْرَ مَحْكُومٌ بِالعِلْمِ وَالعَدْلِ وَالمَصْلَحَةِ، وَهِيَ جِمَاعُ المُرَادِ الشَّرْعِيِّ (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««««

(١) ضَابِطُ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ فِي الهَجْرِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، لابن تيمية، ج (٢٨)، ص (٢٠٦).

التوثيق: "فَإِذَا كَانَ الهَاجِرُ ضَعِيفاً وَالمَهْجُورُ قَوِيّاً، كَانَ التَّأْلِيفُ أَوْلَى، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَلَّفُ رُؤُوسَ المُشْرِكِينَ".

(٢) هَجْرُ الدَّاعِيَةِ دُونَ غَيْرِهِ:

المصدر: الاعتصام، للشاطبي، ج (١)، ص (١٧٢).

التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ الشِّدَّةَ مَعَ الدَّاعِيَةِ مَقْصُودَةٌ لِقَطْعِ رَأْسِ الفِتْنَةِ، بَيْنَمَا غَيْرُهُ يُعَامَلُ بِالرَّحْمَةِ.

(٣) التَّوْبَةُ وَرَفْعُ الهَجْرِ:

المصدر: إعلام الموقعين، لابن القيم، ج (٤)، ص (١٥٦).

التوثيق: ذَكَرَ أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الخَيْرَ قُبِلَ مِنْهُ، وَمَنْ أَعْلَنَ الأَوْبَةَ فَلَا سَبِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ.

(٤) تَأْصِيلُ العقدي البَاحِثِ :

قلت: إِنَّ هَذِهِ التَّتِمَّةَ لِلضَّوَابِطِ هِيَ الفَصْلُ بَيْنَ "الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ" وَ"الهَجْرِ النَّفْسِيِّ". 

و أَنَّ تَقْدِيرَ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ لَيْسَ مَوْكُولاً لِآحَادِ النَّاسِ بِلا عِلْمٍ، بَلْ هُوَ نَظَرٌ مَقَاصِدِيٌّ يَقُومُ بِهِ أَهْلُ الرُّسُوخِ. فَكَمْ مِنْ هَجْرٍ أَوْرَثَ فُرْقَةً، وَكَمْ مِنْ مُدَارَاةٍ أَوْرَثَتْ هِدَايَةً. 

وَإِنَّ ضَابِطَ (الدَّاعِيَةِ) يَحْمِي بَيْضَةَ المُجْتَمَعِ مَعَ تَرْكِ البَابِ مَفْتُوحاً لِلْمُسْتَتِرِ لِيَتُوبَ دُونَ فَضِيحَةٍ. وَأَعْظَمُ هَذِهِ الضَّوَابِطِ هُوَ (الرُّجُوعُ عَنِ الهَجْرِ)؛ لِأَنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَالغَرَضُ مِنَ الهَجْرِ أَنْ نَرُدَّ العَبْدَ إِلَى رَبِّهِ، لَا أَنْ نَدْفَعَهُ إِلَى عَدُوِّهِ. فَمَنْ فَقَدَ الرَّحْمَةَ فِي هَجْرِهِ، فَقَدْ فَقَدَ فِقْهَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَذَا البَابِ. 

فَالْمِيزَانُ هُوَ: هَجْرٌ يُعِزُّ السُّنَّةَ، وَتَأْلِيفٌ يَجْمَعُ الكَلِمَةَ، وَكُلُّ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَوْزُونٍ لَا إِفْرَاطَ فِيهِ وَلَا تَفْرِيطَ. وَبِذَلِكَ تَتِمُّ شُرُوطُ الهَجْرِ وَضَوَابِطُهُ فِي هَذِهِ المُتَمِّمَةِ الرَّابِعَةِ.

(٥) فِقْهُ المُدَارَاةِ لِتَقْلِيلِ الشَّرِّ:المصدر: فتح الباري، ج (١٠)، ص (٥٢٨).

التوثيق: ذَكَرَ الحَافِظُ أَنَّ المُدَارَاةَ صِفَةُ أَهْلِ العِلْمِ فِي حَالِ العَجْزِ عَنِ الهَجْرِ العَلَنِيِّ لِكَيْلَا يَعْظُمَ الضَّرَرُ.

(٦) اشْتِرَاطُ البَيَانِ قَبْلَ الهَجْرِ:

المصدر: الاعتصام، ج (١)، ص (١٧٨).

التوثيق: شَدَّدَ الشَّاطِبِيُّ عَلَى أَنَّ الهَجْرَ دُونَ سَبَقِ بَيَانٍ هُوَ تَعْسِيفٌ لَا تَوْقِيفٌ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٧]«««««««««««««««

[الوَجْهُ السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ]

المُتَمِّمَةُ الخَامِسَةُ: 

(مَنْزِلَةُ الهَجْرِ مِنَ الِاعْتِقَادِ وَأَصْلُ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ الشَّرْعِيِّ)

١. الِارْتِبَاطُ العَقَدِيُّ بَيْنَ الهَجْرِ وَقَاعِدَةِ "الحُبِّ وَالبُغْضِ فِي اللَّهِ":

إِنَّنِي أُؤَصِّلُ فِي هَذَا المَقَامِ أَنَّ هَجْرَ المُبْتَدِعِ دِيَانَةً لَيْسَ جُزْءاً فَرْعِيّاً، بَلْ هُوَ يَقَعُ تَحْتَ القَاعِدَةِ العَقَدِيَّةِ الكُبْرَى (الوَلاءُ وَالبَرَاءُ) (١).

وَقَدْ تَبَيَّنَ لِي أَنَّ هَذِهِ القَاعِدَةُ مُشْتَرَكَةٌ لَفْظاً بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَبَيْنَ الخَوَارِجِ وَالرَّافِضَةِ، لَكِنَّ حَقِيقَتَهَا لَدَى أَهْلِ الأَثَرِ تُبَايِنُ أَهْلَ الضَّلَالِ (٢).

فَقَدْ لَحَظْتُ أَنَّ الخَوَارِجَ يَقُولُونَ: (لَا وَلَاءَ إِلَّا بِبَرَاءٍ)؛ فَلَا يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- (٣).

وَكَذَلِكَ الشِّيعَةُ؛ فَلَا وَلَاءَ عِنْدَهُمْ لِعَلِيٍّ وَآلِ البَيْتِ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَسَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَهَذَا لَعَمْرِي هُوَ عَيْنُ الخُذْلَانِ (٤).

بَيْنَمَا أَرَى أَنَّ مُعْتَقَدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُومُ عَلَى مُوَالاةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ لِتَزْكِيَةِ اللَّهِ لَهُمْ، وَالبَرَاءَةِ مِمَّنْ خَالَفَ سَبِيلَهُمْ مِنَ المُبْتَدِعَةِ (٥).

وَلَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى بِدْعَةٍ أُخْرَى لَدَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَهِيَ أَنْ يَتَبَرَّؤُوا مِنْ قَوْمٍ هُمْ عَلَى الدِّينِ وَالسُّنَّةِ، وَيَتَوَلَّوْا مَنْ لَيْسُوا كَذَلِكَ (٦).

وَهَذَا مَا حَذَّرَ مِنْهُ ابْنُ بَطَّةَ فِي (الإِبَانَةِ)؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى ضَلَالِ مَنْ يَقْلِبُ مِيزَانَ الوَلَاءِ فَيُعَادِي أَهْلَ الحَقِّ وَيُصَافِي أَهْلَ البَاطِلِ (٧).

٢. تَحْرِيرُ مَفْهُومِ القَاعِدَةِ لَدَى أَهْلِ السُّنَّةِ (مَقَامُ التَّحْقِيقِ):

إِنَّ مَفْهُومَ هَذِهِ القَاعِدَةِ الشَّرِيفَةِ لَدَى أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ (الحُبُّ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ)؛ فَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَ الرَّحْمَنِ وَيُعَادُونَ أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ (٨).

وَيُوَالُونَ كُلَّ عَبْدٍ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الخَيْرِ وَالسُّنَّةِ، وَيُبْغِضُونَهُ بِحَسَبِ مَا فِيهِ مِنَ الشَّرِّ وَالبِدْعَةِ، وَهَذَا هُوَ العَدْلُ المَحْضُ (٩).

وَأَسْتَدِلُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ... أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا" (١٠).

وَكَذَا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ: "مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ"، وَهُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ (١١).

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ: "حَقِيقَةُ الحُبِّ فِي اللَّهِ أَنْ لَا يَزِيدَ بِالبِرِّ وَلَا يَنْقُصَ بِالجَفَاءِ"، وَهَذَا عُمْدَةٌ فِي البَابِ (١٢).

وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ، قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ القَاعِدَةُ مِنْ مُسَلَّمَاتِ الِاعْتِقَادِ فِي الإِسْلَامِ لِكَثْرَةِ النُّصُوصِ الوَارِدَةِ فِيهَا (١٣).

وَمِنْ أَوْلَى مُقْتَضَيَاتِهَا الَّتِي يُثَابُ فَاعِلُهَا وَيُعَاقَبُ تَارِكُهَا: البَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَمُعَادَاتُهُمْ وَزَجْرُهُمْ بِالهَجْرِ (١٤).

٣. نَصُّ الإِمَامِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الصَّابُونِيِّ (بِتَمَامِهِ):

لَقَدْ أَصَّلَ الإِمَامُ الصَّابُونِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- مَوْقِفَ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ نَصّاً، حَيْثُ قَالَ (١٥):

«وَيُبْغِضُونَ أَهْلَ البِدَعِ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَلَا يُحِبُّونَهُمْ، وَلَا يُصَاحِبُونَهُمْ، وَلَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ، وَلَا يُجَالِسُونَهُمْ» (١٦).

«وَلَا يُجَادِلُونَهُمْ فِي الدِّينِ، وَلَا يُنَاظِرُونَهُمْ، وَيَرَوْنَ صَوْنَ آذَانِهِمْ عَنْ سَمَاعِ بَاطِلِهِمُ الَّذِي إِذَا مَرَّ بِالآذَانِ وَقَرَّ فِي القُلُوبِ ضَرَّ» (١٧).

«وَجَرَّ إِلَيْهَا مِنَ الوَسَاوِسِ وَالخَطَرَاتِ الفَاسِدَةِ مَا جَرَّ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ)» (١٨).

ثُمَّ رَأَيْتُهُ يَقُولُ: «وَاتَّفَقُوا مَعَ ذَلِكَ عَلَى القَوْلِ بِقَهْرِ أَهْلِ البِدَعِ، وَإِذْلَالِهِمْ، وَإِخْزَائِهِمْ، وَإِبْعَادِهِمْ، وَإِقْصَائِهِمْ، وَالتَّبَاعُدِ مِنْهُمْ» (١٩).

«وَمِنْ مُصَاحَبَتِهِمْ وَمُعَاشَرَتِهِمْ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمُجَانَبَتِهِمْ وَمُهَاجَرَتِهِمْ»، وَهَذَا نَصٌّ قَاطِعٌ فِي دُخُولِ الهَجْرِ فِي مَقَامِ الِاعْتِقَادِ (٢٠).

وَبِهَذَا، فَقَدْ جَزَمْتُ بِأَنَّ الهَجْرَ لِلْمُبْتَدِعِ هُوَ عُقُوبَةٌ شَرْعِيَّةٌ يَقْصِدُ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ صِيَانَةَ المِلَّةِ وَإِعْلَاءَ كَلِمَةِ الحَقِّ (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) رَبْطُ الهَجْرِ بِالوَلَاءِ وَالبَرَاءِ:

المصدر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج (٤)، ص (٢٠٨، ٢١٦).

التوثيق: أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ عَلَى أَنَّ هَجْرَ المُبْتَدِعِ ثَمَرَةُ أَصْلِ البَرَاءِ مِنَ البَاطِلِ.

(٢) الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ فِي القَاعِدَةِ:

المصدر: تحفة الإخوان، ص (٣١)، طبعة الرئاسة العامة للإفتاء.

التوثيق: قُلْتُ: إِنَّ القَوْمَ يَسْتَخْدِمُونَ مُصْطَلَحَ "الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ" لِتَمْرِيرِ أَهْوَائِهِمْ فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ خِلَافُ مَعْنَى السُّنَّةِ.

(٣) ضَلَالُ الخَوَارِجِ فِي التَّوَلِّي:

المصدر: مقالات الإسلاميين، للأشعري، ص (١٦٨)، طبعة المكتبة العصرية.

التوثيق: بَيَّنَ كَيْفَ جَعَلَ الخَوَارِجُ البَرَاءَةَ مِنْ عُثْمَانَ شَرْطاً لِلْإِيمَانِ، وَهُوَ مَا نَقَضْتُهُ فِي المَتْنِ.

(٤) بِدْعَةُ الرَّافِضَةِ فِي الصَّحَابَةِ:

المصدر: منهاج السنة النبوية، لابن تيمية، ج (١)، ص (٢٤).

التوثيق: رَدَّ فِيهِ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُ لَا وَلَاءَ لِآلِ البَيْتِ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنْ جَمِيعِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ ﷺ.

(٥) تَزْكِيَةُ الصَّحَابَةِ فِي الِاعْتِقَادِ:

المصدر: العقيدة الطحاوية، وَشَرْحُهَا لِابْنِ أَبِي العِزِّ، ص (٤٦٧).

التوثيق: تَقْرِيرُ أَنَّ حُبَّ الصَّحَابَةِ دِينٌ وَإِيمَانٌ، وَبُغْضَهُمْ كُفْرٌ وَطُغْيَانٌ، وَهُوَ أَصْلُ مُوَالاةِ أَهْلِ الحَقِّ.

(٦) البَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ:

المصدر: الإبانة الكبرى، لابن بطة، ص (٣٤١).

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا المَوْقِفُ يَقْلِبُ الشَّرِيعَةَ، حَيْثُ يُهْجَرُ السُّنِّيُّ لِسُنَّتِهِ وَيُوَالَى المُبْتَدِعُ لِبِدْعَتِهِ.

(٧) نَصُّ ابْنِ بَطَّةَ فِي التَّبَرُّؤِ:

المصدر: الإبانة الكبرى، ص (٣٤١)، رَقْمُ (٤٧٢)، طبعة دار الراية.

التوثيق: حَذَّرَ فِيهِ مِنَ الَّذِينَ يَتَبَرَّؤُونَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ تَحْتَ سِتَارِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ.

(٨) مَفْهُومُ الحُبِّ وَالبُغْضِ فِي اللَّهِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢٠٩).

التوثيق: قَرَّرَ أَنَّ المُؤْمِنَ يُحَبُّ لِإِيمَانِهِ وَيُبْغَضُ لِمَعْصِيَتِهِ، وَهَذَا مَحَلُّ نَظَرِي فِي تَوْزِيعِ الوَلَاءِ بِالقِسْطِ.

(٩) العَدْلُ فِي المُعَادَاةِ:

المصدر: اقتضاء الصراط المستقيم، ج (١)، ص (٥٣٠).

التوثيق: رَسَّخَ أَنَّ الحُبَّ وَالبُغْضَ لَا يَقْتَضِي الظُّلْمَ، بَلْ يُعَامَلُ كُلُّ مُخَالِفٍ بِمَا يَسْتَحِقُّ شَرْعاً.

(١٠) حَدِيثُ حَلَاوَةِ الإِيمَانِ:

المصدر: البخاري (١٦)، مسلم (٤٣).

التوثيق: هُوَ العُمْدَةُ فِي جَعْلِ الحُبِّ فِي اللَّهِ لَذَّةً قَلْبِيَّةً لَا يَذُوقُهَا إِلَّا أَهْلُ التَّقْوَى.

(١١) حَدِيثُ اسْتِكْمَالِ الإِيمَانِ:

المصدر: سنن أبي داود (٤٦٨١)، السلسلة الصحيحة (٣٨٠).

التوثيق: حَدِيثٌ صَحِيحٌ يَرْبِطُ العَطَاءَ وَالمَنْعَ وَالحُبَّ وَالبُغْضَ بِكَمَالِ الإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ.

(١٢) قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ:

المصدر: فتح الباري، ج (١)، ص (١٦٢).

التوثيق: نَقَلَهُ الحَافِظُ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى أَنَّ الحُبَّ فِي اللَّهِ رَبَّانِيٌّ، لَا يَتَأَثَّرُ بِتَقَلُّبَاتِ العِبَادِ.

(١٣) كَثْرَةُ النُّصُوصِ فِي المَسْأَلَةِ:

المصدر: الدرر السنية، ج (٤)، ص (٢٠٨، ٢١٦).

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا التَّوَاتُرُ العَمَلِيُّ عَنِ السَّلَفِ يَجْعَلُ المَسْأَلَةَ قَطْعِيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّشْكِيكَ.

(١٤) عُقُوبَةُ هَجْرِ المَفَاسِدِ:

المصدر: مجموع الفتاوى، ج (٢٨)، ص (٢١٠).

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ الهَجْرَ زَجْرٌ يُرَادُ بِهِ تَطْهِيرُ المُجْتَمَعِ مِنَ الأَهْوَاءِ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ بَحْثاً.

(١٥) سِيَاقُ كَلَامِ الصَّابُونِيِّ:

المصدر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص (٢٩٨)، طبعة دار العاصمة.

التوثيق: هَذَا النَّصُّ هُوَ (القَوْلُ الفَصْلُ) فِي حِكَايَةِ إِجْمَاعِ السَّلَفِ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعِ.

(١٦) هَجْرُ مُصَاحَبَةِ المَسْمُوعِ:

المصدر: عقيدة السلف، ص (٢٩٨).

التوثيق: التَّنْبِيهُ عَلَى تَرْكِ سَمَاعِ كَلَامِهِمْ لِأَنَّ الشُّبَهَ خَطَّافَةٌ وَالقُلُوبَ ضَعِيفَةٌ.

(١٧) صَوْنُ الآذَانِ عَنِ البَاطِلِ:

المصدر: عقيدة السلف، ص (٢٩٨).

التوثيق: وَجْهُ الدَّلالَةِ أَنَّ المُخَالَطَةَ تُفْسِدُ الِاعْتِقَادَ كَمَا قَالَهُ الإِمَامُ الصَّابُونِيُّ.

(١٨) الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ):

المصدر: سورة الأنعام، الآية (٦٨).

التوثيق: هِيَ الأَصْلُ القُرْآنِيُّ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الإِعْرَاضِ وَالهَجْرِ لِأَهْلِ الخَوْضِ فِي الدِّينِ.

(١٩) الِاتِّفَاقُ عَلَى قَهْرِ المُبْتَدِعِ:

المصدر: عقيدة السلف، ص (٣٠٠).

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا نَقْلٌ لِلْإِجْمَاعِ السَّلَفِيِّ عَلَى إِذْلَالِ أَهْلِ البِدَعِ تَعْظِيماً لِلسُّنَّةِ.

(٢٠) التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِمُهَاجَرَتِهِمْ:

المصدر: عقيدة السلف، ص (٣٠٠).

التوثيق: قَلَّمَا نَجِدُ تَصْرِيحاً بِأَنَّ الهَجْرَ (عِبَادَةٌ وَقُرْبَةٌ) بِهَذَا الوُضُوحِ كَمَا عِنْدَ الصَّابُونِيِّ.

(٢١) خَاتِمَةُ المَقَامِ:

المصدر: قُلْتُهُ اِسْتِنْتَاجاً بَحْثِيّاً.

التوثيق: جَزَمْتُ بِأَنَّ مَنْزِلَةَ الهَجْرِ مِنَ الِاعْتِقَادِ مَنْزِلَةُ (الحِرَاسَةِ) لِأُصُولِ المِلَّةِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٧]«««««««««««««««««« 

تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ: 

(الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى هَجْرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ)

١. تَرَاجِمُ المُحَدِّثِينَ وَتَأْصِيلُ الهَجْرِ فِي الدَّواوِينِ:

لَقَدْ وَقَفْتُ عِنْدَ اسْتِقْرَاءِ السُّوَرِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى أَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ تَرْجَمَ لَهَا المُرْتَضَوْنَ مِنَ المحدثِينَ فِي أَبْوَابٍ شَتَّى (١).

فَفِي (صَحِيحِ البُخَارِيِّ) بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى، وَبَابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى مَنْ اقْتَرَفَ ذَنْباً (٢).

وَفِي (سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ) بَابُ مُجَانَبَةِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَبُغْضِهِمْ، وَبَابُ تَرْكِ السَّلَامِ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ (٣).

وَأَرَى فِي تَبْوِيبِ النَّوَوِيِّ لِتَحْرِيمِ الهَجْرِ "إِلَّا لِبِدْعَةٍ فِي المُهَاجِرِ أَوْ تَظَاهُرٍ بِفِسْقٍ" دَلِيلًا بَيِّناً (٤).

وَقَدْ نَقَلْتُ عَنِ المُنْذِرِيِّ تَرْهيبَهُ مِنْ حُبِّ أَهْلِ البِدَعِ لِأَنَّ المَرْءَ يُحْشَرُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ (٥).

وَأُؤَكِّدُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ التَّرَاجِمَ لَيْسَتْ عَرَضِيَّةً، بَلْ هِيَ فِقْهُ المُحَدِّثِينَ فِي تَنْزِيلِ الهَجْرِ مَنْزِلَتَهُ الشَّرْعِيَّةَ (٦).

٢. الزَّجْرُ النَّبَوِيُّ عَنِ المُحْدِثَاتِ وَالمُحْدِثِينَ:

قُلْتُ: ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا... فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ" (٧).

وَعَلَّقَ البَغَوِيُّ بِمَا رَآهُ حَقّاً؛ أَنَّ مَنْ تَعَاطَى الأَهْوَاءَ وَجَبَ هَجْرُهُ وَالتَّبَرُّؤُ مِنْهُ حَيّاً حَتَّى يَرْجِعَ (٨).

وَقَدْ حَقَّقْتُ أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ يَخُصُّ حُقُوقَ العِشْرَةِ، أَمَّا حَقُّ الدِّينِ فَالْهَجْرُ فِيهِ دَائِمٌ حَتَّى التَّوْبَةِ (٩).

وَاسْتَدْلَلْتُ كَذَلِكَ بِحَدِيثِ عائِشَةَ فِي "المُتَشَابِهِ"؛ حَيْثُ قَالَ ﷺ: "فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ... فَاحْذَرُوهُمْ" (١٠).

وَهَذَا الحَذَرُ النَّبَوِيُّ يَقْتَضِي بِالضَّرُورَةِ الإِعْرَاضَ وَالهَجْرَ لِأَهْلِ الزَّيْغِ كَمَا سَمَّاهُمُ اللَّهُ (١١).

٣. عُقُوبَةُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً وَجِهَادُ أَهْلِ الخُلُوفِ:

وَمِمَّا يَنْبَغِي العِنَايَةُ بِهِ حَدِيثُ "الصَّحِيفَةِ" فِي لَعْنِ مَنْ آوَى مُحْدِثاً، وَهُوَ يَشْمَلُ المَنَعَةَ لِأَهْلِ البِدَعِ (١٢).

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي "الخُلُوفِ" الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ؛ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ (١٣).

وَلَا رَيْبَ أَنَّ مِنْ جِهَادِ القَلْبِ بُغْضَهُمْ فِي اللَّهِ وَهَجْرَهُمْ دِيَانَةً حَتَّى لَا يَفْشُوَ ضَلَالُهُمْ (١٤).

وَرَأَيْتُ فِي حَدِيثِ الأُمَرَاءِ الجَائِرِينَ زَجْراً عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، فَمَنْ أَعَانَهُمْ فَلَيْسَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ (١٥).

فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الظَّلَمَةِ، فَكَيْفَ بِمَنْ ظَلَمُوا الشَّرِيعَةَ بِتَبْدِيلِ المَعَانِي وَاخْتِرَاعِ البِدَعِ (١٦).

٤. وَقَائِعُ الهَجْرِ النَّبَوِيِّ لِأَهْلِ المَعَاصِي وَالمُخَالَفَاتِ:

لَقَدْ هَجَرَ ﷺ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ خَمْسِينَ لَيْلَةً لِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ تَبُوكَ حَتَّى ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ (١٧).

وَهَجَرَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ شَهْرَيْنِ لِمَقَالَتِهَا فِي صَفِيَّةَ، وَهَجَرَ صَاحِبَ "القُبَّةِ" بِالإِعْرَاضِ عَنْهُ حَتَّى هَدَمَهَا (١٨).

وَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى هَجْرِهِ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ بِتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِ لِمُلَابَسَتِهِ "الخَلُوقَ" حَتَّى غَسَلَهُ (١٩).

وَكَذَا هَجَرَ مَنْ لَبِسَ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبَيْنِ أَحْمَرَيْنِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ (٢٠).

قُلْتُ: إِذَا شُرِعَ الهَجْرُ لِلْمَعَاصِي، فَهَجْرُ المبتدعِ أَوْلَى بِالاعْتِبَارِ لِأَنَّ خَطَرَهُ يَمَسُّ أَصْلَ الدِّينِ (٢١).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««««

(١) تَرَاجِمُ البُخَارِيِّ فِي الهَجْرِ:

المصدر: فتح الباري، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (١٠)، ص (٤٩١-٤٩٨).

التوثيق: بَيَّنَ فِيهَا مَشْرُوعِيَّةَ هَجْرِ العَاصِي حَتَّى تَتَبَيَّنَ تَوْبَتُهُ، وَاسْتَدْلَلْتُ بِذَلِكَ عَلَى المبتدعِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى.

(٢) هَجْرُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ فِي السُّنَنِ:

المصدر: سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، ج (٤)، ص (١٩٧)، رَقْمُ (٤٦٠٥-٤٦٠٦).

التوثيق: صَرِيحٌ فِي جَعْلِ الهَجْرِ عُقُوبَةً لِأَهْلِ الأَهْوَاءِ، وَهُوَ مَا رَجَّحْتُهُ فِي مَتْنِ الوَجْهِ.

(٣) رِيَاضُ الصَّالِحِينَ وَحُكْمُ الهَجْرِ:

المصدر: رياض الصالحين، لِلنَّوَوِيِّ، ص (٦٠٩-٦١١).

التوثيق: نَصَّ عَلَى اسْتِثْنَاءِ المبتدعِ وَالمُتَظَاهِرِ بِالفِسْقِ مِنْ حُرْمَةِ الهَجْرِ فَوْقَ الثَّلَاثِ.

(٤) تَرْهِيبُ المُنْذِرِيِّ مِنَ البِدَعِ:

المصدر: الترغيب والترهيب، لِلْمُنْذِرِيِّ، ج (١)، ص (٥٦).

التوثيق: رَبَطَ بَيْنَ حُبِّ أَهْلِ البِدَعِ وَبَيْنَ سُوءِ المَصِيرِ، وَهُوَ أَصْلٌ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.

(٥) فِقْهُ البَغَوِيِّ فِي هَجْرِ المبتدعِ:

المصدر: شرح السنة، لِلْبَغَوِيِّ، ج (١)، ص (٢٢٣-٢٢٤).

التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ هَجْرَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ دَائِمٌ لَا يَتَقَيَّدُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ مَا حَقَّقْتُهُ بَحْثاً.

(٦) حَذَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَالمُتَشَابِهِ:

المصدر: صحيح البخاري (٤٥٤٧)، صحيح مسلم (٢٦٦٥).

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا الحَذَرُ النَّبَوِيُّ هُوَ المَنَاطُ الشَّرْعِيُّ لِهَجْرِ مَنْ خَالَفَ المُحْكَمَ.

(٧) لَعْنُ مَنْ آوَى مُحْدِثاً:

المصدر: إرواء الغليل، لِلْأَلْبَانِيِّ، ج (٤)، ص (٢٥٠)، رَقْمُ (١٠٥٨).

التوثيق: المُحْدِثُ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَحْدَثَ فِتْنَةً أَوْ بِدْعَةً، وَإِيوَاؤُهُ يَقْتَضِي الرِّضَا بِفِعْلِهِ.

(٨) مَعْنَى "الخَلُوقِ" فِي الحَدِيثِ:

المصدر: النهاية في غريب الحديث، لِابْنِ الأَثِيرِ، ج (٢)، ص (٦٩).

التوثيق: قُلْتُ: (الخَلُوقُ) طِيبٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ، وَالغَالِبُ عَلَيْهِ الحُمْرَةُ وَالصُّفْرَةُ، وَكَانَ يُنْهَى عَنْهُ لِلرِّجَالِ لِأَنَّهُ مِنْ طِيبِ النِّسَاءِ.

(٩) هَجْرُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:

المصدر: صحيح البخاري (٤٤١٨)، صحيح مسلم (٢٧٦٩).

التوثيق: هُوَ الأَصْلُ فِي هَجْرِ العَاصِي بِأَمْرِ الإِمَامِ حَتَّى التَّوْبَةِ، وَهُوَ مَا عَمِلَ بِهِ السَّلَفُ.

(١٠) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ أَدْرَكَ أَنَّ الهَجْرَ سُنَّةٌ نَبَوِيَّةٌ مَاضِيَةٌ فِي حَقِّ مَنْ أَظْهَرَ المُنْكَرَ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَهْجُرُ تَشَفِّياً، بَلْ تَأْدِيباً وَصِيَانَةً. 

فَإِذَا هَجَرَ مَنْ لَبِسَ ثَوْباً أَحْمَرَ أَوْ خَاتَماً مِنْ ذَهَبٍ لِأَجْلِ مُخَالَفَةٍ فَرْعِيَّةٍ، فَمَا الظَّنُّ بِمَنْ يُحَادُّ اللَّهَ فِي صِفَاتِهِ أَوْ يَطْعَنُ فِي صَحَابَةِ نَبِيِّهِ؟ إِنَّ الهَجْرَ لِلْمُبْتَدِعِ مِنْ بَابِ "فَحْوَى الخِطَابِ" وَالأَوْلَوِيَّةِ القَطْعِيَّةِ. وَأَرَى أَنَّ تَرْكَ السَّلَامِ عَلَى المبتدعِ هُوَ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الإنكارِ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَى العَامَّةِ دِينَهُمْ حَتَّى لَا يَغْتَرُّوا بِهِ. 

وَإِنَّنِي أُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ النَّبَوِيَّةَ هِيَ الَّتِي أَصَّلَتْ لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بَعْدَهُ فِي قَمْعِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّنَّةَ هِيَ (المُطْلَقُ مِنَ الوَصْلِ) فَقَدْ جَهِلَ هَدْيَهُ ﷺ فِي مَقَامَاتِ الزَّجْرِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٨]««««««««««««««« 

تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ:

 (الأَدِلَّةُ مِنَ الإِجْمَاعِ وَالآثَارِ السَّلَفِيَّةِ عَلَى الهَجْرِ)

١. تَوْظِيفُ الصَّحَابَةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- لِلسُّنَّةِ فِي الهَجْرِ:

لَقَدْ تَتَبَّعْتُ آثارَ الصَّحَابَةِ فَوَجَدْتُ أَنَّهُمْ وَقَفُوا إِثْرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَجْرِ المُتَلَبِّسِ بِالمَعْصِيَةِ المُجَاهِرِ بِهَا حَتَّى يَفِيءَ (١).

وَرَدَ ذَلِكَ عَنْ جَمْعٍ غَفِيرٍ، كَعُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ المُغَفَّلِ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- (٢).

فَقَدْ رَأَيْتُ أَنَّ عُمَرَ هَجَرَ زِيَادَ بْنَ حُدَيْرٍ لَمَّا رَآهُ يَعْفُو شَارِبَهُ وَعَلَيْهِ طَيْلَسَانٌ، فَلَمْ يَرُدَّ السَّلَامَ حَتَّى غَيَّرَ ذَلِكَ (٣).

وَقُلْتُ مُتَعَجِّباً: كَيْفَ بِنَا اليَوْمَ وَنَحْنُ نَتَهَلْهَلُ بِالحَفَاوَةِ لِمَنْ يَحْلِقُ لِحْيَتَهُ وَيَعْفُو شَارِبَهُ وَيَتَشَبَّهُ بِلِبَاسِ القَوْمِ؟ (٤).

وَكَذَا كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَنْهَى عَنِ السَّلَامِ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدِ زَجْراً لَهُمْ (٥).

وَهَجَرَ ابْنُ عُمَرَ رَجُلاً يَخْذِفُ بَعْدَمَا أَعْلَمَهُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ أَبَداً (٦).

وَمِثْلُهُ فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُغَفَّلِ، وَشَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ فَتًى كَانَ يَخْذِفُ، فَهَجَرَهُ حَتَّى المَوْتِ (٧).

٢. مَوَاقِفُ الهَجْرِ فِي مَقَامِ الِاعْتِقَادِ وَالمُخَالَفَةِ:

لَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ هَجَرَ مُعَاوِيَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- لَمَّا خَالَفَهُ فِي مَسْأَلَةٍ رِبَوِيَّةٍ وَقَدَّمَ الرَّأْيَ (٨).

وَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ! لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمَارَةٌ (٩).

وَأَقَرَّ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مَوْقِفَ عُبَادَةَ، وَكَتَبَ لِمُعَاوِيَةَ: لَا إِمَارَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَنْزَعٌ عَقَدِيٌّ عَظِيمٌ (١٠).

وَنَحْوُ هَذَا وَقَعَ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَهَجَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَجُلاً رَآهُ يَضْحَكُ فِي جِنَازَةٍ وَحَلَفَ أَنْ لَا يُكَلِّمَهُ (١١).

فَهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ رَأَوْا أَنَّ تَرْكَ الهَجْرِ فِي مَقَامِ اسْتِهْجَانِ المُنْكَرِ ثَلْمَةٌ فِي الدِّينِ، فَمَا بَالُكَ بِالبِدْعَةِ؟ (١٢).

٣. نُصُوصُ الإِجْمَاعِ عَلَى هَجْرِ أَهْلِ البِدَعِ:

لَقَدْ حَكَى الإِجْمَاعَ عَلَى هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، كَأَبِي يَعْلَى وَالبَغَوِيِّ وَالغَزَالِيِّ وَابْنِ عَبْدِ البَرِّ (١٣).

قَالَ القَاضِي أَبُو يَعْلَى: «أَجْمَعَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ عَلَى مُقَاطَعَةِ المُبْتَدِعَةِ» دِيَانَةً (١٤).

وَقَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ بَعْدَ سِيَاقِ حَدِيثِ كَعْبٍ: «وَمَضَتِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَعُلَمَاءُ السُّنَّةِ مَجْمَعِينَ عَلَى مُهَاجَرَتِهِمْ» (١٥).

وَأَكَّدَ أَنَّ هَجْرَ أَهْلِ البِدَعِ يَكُونُ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَهَذَا نَقْلٌ صَرِيحٌ لِلِاتِّفَاقِ العَمَلِيِّ (١٦).

أَمَّا الغَزَالِيُّ، فَقَدْ جَزَمَ أَنَّ طَرِيقَ السَّلَفِ اتَّفَقَتْ عَلَى إِظْهَارِ البُغْضِ لِلظَّلَمَةِ وَالمُبْتَدِعَةِ (١٧).

وَرَأَيْتُ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ يَحْكِي الإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الهَجْرِ لِمَنْ خِيفَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ مَفْسَدَةٌ فِي الدِّينِ (١٨).

٤. التَّحْقِيقُ فِي عِلَّةِ الهَجْرِ وَالِاسْتِمْرَارِ عَلَيْهِ:

أَرَى أَنَّ ابْنَ عَبْدِ البَرِّ قَدْ جَعَلَ حَدِيثَ كَعْبٍ أَصْلاً فِي مُجَانَبَةِ مَنْ ابْتَدَعَ وَقَطْعِ كَلَامِهِ (١٩).

وَنَقَلَ فِي (فَتْحِ البَارِي) أَنَّ رُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ تُفْسِدُ الِاعْتِقَادَ (٢٠).

وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ، فَقَدْ قُلْتُ: إِنَّ الهَجْرَ إِجْمَاعٌ مَنْقُولٌ وَعَمَلٌ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ خِيَارِ الأُمَّةِ (٢١).

فَالْمُبْتَدِعُ بِمَا أَحْدَثَ فَقَدَ حَقَّ الوَصْلِ، وَصَارَ هَجْرُهُ قُرْبَةً يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (٢٢).

»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]«««««««««««««««

(١) هَجْرُ عُمَرَ لِزِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ:

المصدر: حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ، لِأَبِي نُعَيْمٍ، ج (٤)، ص (١٩٦).

التوثيق: قُلْتُ: زِيَادٌ هَذَا هُوَ التَّابِعِيُّ الجَلِيلُ، وَهَجْرُ عُمَرَ لَهُ لِأَجْلِ الهَيْئَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى شِدَّةِ السَّلَفِ فِي رَعَايَةِ السُّنَّةِ.

(٢) نَهْيُ عَلِيٍّ عَنْ أَصْحَابِ النَّرْدِ:

المصدر: الأَدَبُ المُفْرَدُ، لِلْبُخَارِيِّ، بَابُ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ عَلَى أَصْحَابِ النَّرْدِ، ص (٤٤٤).

التوثيق: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ المَعَاصِيَ المُتَعَدِّيَةَ وَالبِدَعَ تُسْقِطُ حَقَّ السَّلَامِ.

(٣) هَجْرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْخَاذِفِ:

المصدر: المُسْتَدْرَكُ، لِلْحَاكِمِ، ج (٤)، ص (٥٠٢).

التوثيق: نَصَّ عَلَى قَوْلِهِ: "وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً"، وَهُوَ تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِأَصْلِ الهَجْرِ الدَّائِمِ.

(٤) قِصَّةُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ مَعَ مُعَاوِيَةَ:

المصدر: سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ (١٨)، وَالمُوَطَّأُ لِمَالِكٍ، ج (٢)، ص (٦٣٤).

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا المَوْقِفُ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ النَّصِّ النَّبَوِيِّ عِنْدَ السَّلَفِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى الرَّأْيِ وَالإِمَارَةِ.

(٥) إِجْمَاعُ أَبِي يَعْلَى فِي هَجْرِ المُبْتَدِعَةِ:

المصدر: طَبَقَاتُ الحَنَابِلَةِ، لِابْنِ أَبِي يَعْلَى، ج (٢)، ص (٢٧٤).

التوثيق: حَكَى اِتِّفَاقَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ عَلَى مُقَاطَعَةِ المُنْحَرِفِينَ عَقَدِيّاً.

(٦) نَقْلُ البَغَوِيِّ لِلْإِجْمَاعِ:

المصدر: شَرْحُ السُّنَّةِ، لِلْبَغَوِيِّ، ج (١)، ص (٢٢٦-٢٢٧).

التوثيق: وَصَفَ الهَجْرَ بِأَنَّهُ (عَلَى التَّأْبِيدِ) وَحَكَى اِتِّفَاقَ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ عَلَى ذَلِكَ.

(٧) اِتِّفَاقُ السَّلَفِ عِنْدَ الغَزَالِيِّ:

المصدر: إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، لِلْغَزَالِيِّ، ج (٢)، ص (١٧٤).

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ ظُهُورَ البُغْضِ لِلْمُبْتَدِعِ هُوَ مَسْلَكُ السَّلَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ.

(٨) حِكَايَةُ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ لِلْإِجْمَاعِ:

المصدر: فَتْحُ البَارِي، لِابْنِ حَجَرٍ، ج (١٠)، ص (٤٩٦)، نَقلاً عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي (التَّمْهِيدِ).

التوثيق: اِسْتَثْنَى هَجْرَ مَنْ يُخَافُ عَلَى الدِّينِ مِنْهُ مِنْ تَحْرِيمِ الهَجْرِ فَوْقَ ثَلَاثٍ.

(٩) تَأْصِيلُ البَاحِثِ :

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ طَالَعَ هَذِهِ الآثَارَ أَدْرَكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَ الهَجْرَ قَسْوَةً، بَلْ حِمَايَةً. 

وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ نَقْلَ الإِجْمَاعِ عَنْ مِثْلِ البَغَوِيِّ وَأَبِي يَعْلَى يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى مَنْ يُرِيدُ تَمْيِيعَ هَذَا الأَصْلِ بِحُجَّةِ "المَصْلَحَةِ" المُتَوَهَّمَةِ. فَالْمَصْلَحَةُ العُظْمَى كَانَتْ فِي نَظَرِهِمْ هِيَ نَقَاءُ الدِّينِ. 

وَإِنَّنِي جَزَمْتُ فِي هَذَا الوَجْهِ أَنَّ الهَجْرَ السَّلَفِيَّ كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ هَجْرِ التَّشَاحُنِ وَهَجْرِ التَّدَيُّنِ. فَالْأَوَّلُ مَحْدُودٌ بِثَلَاثٍ، وَالثَّانِي مَمْدُودٌ إِلَى التَّوْبَةِ. 

وَمَنْ تَأَمَّلَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ فِي (تُحْفَةِ الإِخْوَانِ) عَلِمَ أَنَّ هَذَا أَصْلٌ مُطَّرِدٌ عِنْدَ العُلَمَاءِ فِي مُجَانَبَةِ كُلِّ مَنْ أَتَى بِحَدَثٍ فِي الدِّينِ. 

فَالْإِجْمَاعُ العَمَلِيُّ لِلصَّحَابَةِ هُوَ أَقْوَى بَيَانٍ لِمُرَادِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ رَأَيْنَا كَيْفَ هَجَرُوا لِأَدْنَى مُخَالَفَةٍ لِلسُّنَّةِ، فَكَيْفَ بِالأَهْوَاءِ الَّتِي تَهْدِمُ القَوَاعِدَ؟ إِنَّ السَّكْتَ عَنْ هَذَا الإِجْمَاعِ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[٩٩]«««««««««««««««««««

تَتِمَّةُ المُتَمِّمَةِ السَّادِسَةِ: (أَدِلَّةُ أَقْوَالِ أَئِمَّةِ الإِسْلَامِ عَلَى الزَّجْرِ بِالهَجْرِ)

١. مَنْهَجُ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ فِي حِمَايَةِ السُّنَّةِ:

لَقَدْ تَبَيَّنَ لِي مِنْ خِلَالِ الِاسْتِقْرَاءِ أَنَّ التَّابِعِينَ كَانُوا أَشَدَّ النَّاسِ فِرَاراً مِنْ أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى زَجْرِهِمْ (١).

فَقَدْ رَأَيْتُ ابْنَ سِيرِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- يَسُدُّ أُذُنَيْهِ إِذَا أَرَادَ صَاحِبُ بِدْعَةٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ، وَيَقُولُ: "لَا أَسْمَعُ مِنْهُ كَلِمَةً" (٢).

وَأَرَى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَالحَسَنَ البَصْرِيَّ جَعَلَا هَجْرَ المبتدعِ نَوْعاً مِنَ القُرْبَةِ الَّتِي يُرْجَى ثَوَابُهَا (٣).

وَقَدْ نَقَلْتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كِتَابَهُ إِلَى أَمْصَارِهِ بِالهَجْرِ التَّامِّ لِلْقَدَرِيَّةِ وَزَجْرِهِمْ وَتَرْكِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ (٤).

قُلْتُ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَقَامِ الدَّعْوَةِ وَمَقَامِ الزَّجْرِ إِذَا ظَهَرَتِ المُرُوقُ عَنِ الدِّينِ (٥).

٢. مَوْقِفُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ وَجَمَاعَةِ الفُقَهَاءِ:

إِنَّ مَذَاهِبَ الأَئِمَّةِ المُتَّبَعِينَ قَدْ تَوَافَقَتْ نَصّاً وَفِعْلاً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَجْرِ المبتدعِ المُجَاهِرِ (٦).

فَقَدْ وَقَفْتُ عَلَى قَوْلِ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي صَاحِبِ البِدْعَةِ: "لَا يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلَا يُجَالَسُ حَتَّى يَتُوبَ" (٧).

وَأَمَّا الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فَقَدْ جَعَلَ هَجْرَ أَهْلِ الأَهْوَاءِ أَصْلاً مِنْ أُصُولِ السُّنَّةِ عِنْدَهُ، وَهَجَرَ الكَرَابِيسِيَّ وَغَيْرَهُ (٨).

وَقَدْ حَقَّقْتُ فِي (الشَّرْحِ الكَبِيرِ) لِابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ الهَجْرَ لِأَجْلِ الدِّينِ وَاجِبٌ حَتَّى تَتَبَيَّنَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ (٩).

وَرَأَيْتُ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ يُغَلِّظُ القَوْلَ فِي أَهْلِ الكَلَامِ وَيَرَى ضَرْبَهُمْ بِالجَرِيدِ وَالطَّوَافِ بِهِمْ (١٠).

٣. تَأْصِيلُ أَهْلِ التَّحْقِيقِ (ابْنِ تَيْمِيَةَ وَابْنِ القَيِّمِ):

لَقَدْ بَسَطَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ القَوْلَ فِي (الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ) وَاعْتَبَرَهُ مِنْ جِنْسِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (١١).

قَالَ: "الهَجْرُ يَقْصِدُ بِهِ تَنْكِيلُ المَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ، وَرُجُوعُ العَامَّةِ عَنْ مِثْلِ حَالِهِ" (١٢).

وَأَرَى أَنَّ ابْنَ القَيِّمِ فِي (زَادِ المَعَادِ) قَدْ جَعَلَ هَجْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ دَلِيلاً عَلَى هَجْرِ كُلِّ مَنْ يُخْشَى عَلَى الدِّينِ مِنْهُ (١٣).

وَقُلْتُ: هَذَا التَّأْصِيلُ هُوَ الَّذِي يَحْفَظُ لِلْأُمَّةِ هَيْبَةَ نُصُوصِهَا، وَيَمْنَعُ تَمْيِيعَ المَوَاقِفِ تِجَاهَ المُنْحَرِفِينَ (١٤).

فَالمبتدعُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامِ هُوَ جُرْثُومَةٌ فِي جَسَدِ الأُمَّةِ لَا بُدَّ مِنْ حَصْرِهَا وَزَجْرِهَا حَتَّى لَا تَعْدِيَ غَيْرَهَا (١٥).

٤. خُلَاصَةُ الِاسْتِدْلَالِ بِأَقْوَالِ العُلَمَاءِ:

إِنَّ مَجْمُوعَ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الهَجْرَ لَيْسَ اِخْتِيَاراً شَخْصِيّاً، بَلْ هُوَ (عُقُوبةٌ شَرْعيَّةٌ) (١٦).

فَقَدْ جَزَمْتُ بَعْدَ طُولِ تَأَمُّلٍ أَنَّ مَنْ تَرَكَ هَجْرَ المبتدعِ مَعَ القُدْرَةِ فَقَدْ غَشَّ المُسْلِمِينَ وَأَعَانَ عَلَى هَدْمِ السُّنَّةِ (١٧).

وَأَرَى أَنَّ كُلَّ مَنْ حَاوَلَ التَّمَاسَ الأَعْذَارِ لِأَهْلِ الضَّلَالِ بِدَعْوَى "الرَّحْمَةِ" قَدْ خَالَفَ رَحْمَةَ السَّلَفِ بِالأُمَّةِ (١٨).

فَرَحْمَةُ السَّلَفِ كَانَتْ فِي حِمَايَةِ القُلُوبِ مِنَ الشُّبَهِ، وَزَجْرِ مَنْ يُلْقِيهَا بِالهَجْرِ وَالإِعْرَاضِ وَالتَّحْذِيرِ (١٩).

وَبِهَذَا تَمَّ الدَّلِيلُ مِنْ أَقْوَالِ العُلَمَاءِ كَمَا تَمَّ مِنَ الوَحْيَيْنِ وَالإِجْمَاعِ، وَاللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ (٢٠).

[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالتَّوْثِيقِ الحَصِينِ (٥٠ سَطْراً)]

(١) مَوْقِفُ ابْنِ سِيرِينَ مِنَ المبتدعِ:

المصدر: الإِبَانَةُ الكُبْرَى، لِابْنِ بَطَّةَ، ج (٢)، ص (٤٤٥).

التوثيق: نَقَلَ عَنْهُ قَوْلَهُ: "إِنَّ هَذَا العِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ"، وَسَدَّ أُذُنَيْهِ هُوَ حَقِيقَةُ الهَجْرِ.

(٢) هَجْرُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لِلْقَدَرِيَّةِ:

المصدر: تَارِيخُ المَدِينَةِ، لِابْنِ شَبَّةَ، ج (٢)، ص (٤٥٤).

التوثيق: كَتَبَ: "فَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَاحْذَرُوهُ وَاهْجُرُوهُ"، وَهُوَ أَمْرٌ سُلْطَانِيٌّ عَقَدِيٌّ مَتِينٌ.

(٣) قَوْلُ الإِمَامِ مَالِكٍ فِي هَجْرِ أَهْلِ الأَهْوَاءِ:

المصدر: المُدَوَّنَةُ الكُبْرَى، لِسَحْنُونٍ، ج (١)، ص (٨٤).

التوثيق: "لَا يُسَلَّمُ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ"، وَهَذَا نَصٌّ فِي سُقُوطِ حَقِّ السَّلَامِ عَنْهُمْ.

(٤) الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَصْلُ الهَجْرِ:

المصدر: أُصُولُ السُّنَّةِ، لِلإِمَامِ أَحْمَدَ، رِوَايَةُ عَبْدُوس العَطَّار، ص (٢٣).

التوثيق: "وَتَرْكُ الجِدَالِ وَالخُصُومَاتِ فِي الدِّينِ، وَمُجَانَبَةُ أَهْلِ الأَهْوَاءِ"، وَهُوَ عُمْدَةُ مَا حَقَّقْتُهُ.

(٥) تَوْضِيحُ ابْنِ قُدَامَةَ لِوُجُوبِ الهَجْرِ:

المصدر: المُغْنِي، لِابْنِ قُدَامَةَ، ج (٩)، ص (٢١٥)، طبعة دار عالم الكتب.

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ الهَجْرَ لِأَجْلِ الدِّينِ مَحْمُودٌ وَمَطْلُوبٌ شَرْعاً بِلَا تَوْقِيتٍ بَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.

(٦) تَقْرِيرُ ابْنِ تَيْمِيَةَ فِي الهَجْرِ الجِهَادِيِّ:

المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٢٨)، ص (٢٠٤-٢١٠).

التوثيق: فَصَّلَ فِيهِ بَيْنَ مَقَامَاتِ الهَجْرِ، وَأَصَّلَ لِهَجْرِ المبتدعِ كَعُقُوبَةٍ زَاجِرَةٍ.

(٧) اِبْنُ القَيِّمِ وَفِقْهُ هَجْرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ:

المصدر: زَادُ المَعَادِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٣)، ص (٥٠٨).

التوثيق: اِسْتَنْبَطَ مِنْهُ خَمْسِينَ فَائِدَةً، مِنْهَا مَشْرُوعِيَّةُ هَجْرِ كُلِّ مَنْ جَاهَرَ بِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ.

(٨) تَأْصِيلُ البَاحِثِ:

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَدَبَّرَ أَقْوَالَ الأَئِمَّةِ وَجَدَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الهَجْرَ "صِمَامَ أَمَانٍ" لِلْمُجْتَمَعِ المُسْلِمِ. وَالبَاحِثُ يَرَى أَنَّ تَرْكَ هَذَا الأَصْلِ فِي الأَزْمِنَةِ المُتَأَخِّرَةِ أَدَّى إِلَى اِخْتِلَاطِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ، حَتَّى صَارَ المبتدعُ يُصَدَّرُ فِي المَجَالِسِ. 

وَإِنَّنِي أَرَى فِي كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ عِبْرَةً لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ؛ حَيْثُ حَذَّرَ مِنْ مَشْيِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ أَهْلِ البِدَعِ، وَاعْتَبَرَهُ ثَلْمَةً فِي صِدْقِ الِاعْتِقَادِ. فَالمُدَاهَنَةُ لَيْسَتْ مِنْ خُلُقِ العُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ. 

وَقَدْ جَزَمْتُ فِي هَذَا الوَجْهِ أَنَّ الهَجْرَ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الأَعْلَامُ هُوَ رَحْمَةٌ بِالمبتدعِ لَعَلَّهُ يَرْجِعُ، وَرَحْمَةٌ بِالعَامِّيِّ لِئَلَّا يَقَعُ فِي الشَّرَكِ. فَالعُلَمَاءُ لَمْ يَضَعُوا هَذِهِ القَوَاعِدَ عَبَثاً، بَلْ بَعْدَ مُعَايَنَةٍ لِخَطَرِ الأَهْوَاءِ عَلَى دِينِ اللَّهِ. 

وَمِنْ هُنَا أَقُولُ: إِنَّ الفِقْهَ الحَقَّ هُوَ مَا كَانَ مَبْنِيّاً عَلَى تَعْظِيمِ النُّصُوصِ وَتَقْدِيرِ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي مَقَامَاتِ الهَجْرِ وَالإِعْرَاضِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠٠]«««««««««««««««««

تَفْصِيلُ ضَابِطِ المَصَالِحِ وَالمَفَاسِدِ وَتَفَاوُتِ الأَعْيَانِ فِي الهَجْرِ

إِنَّ مَدَارَ الهَجْرِ الشَّرْعِيِّ مَنُوطٌ بِتَحْقِيقِ المَقْصُودِ مِنْهُ، وَهُوَ كَفُّ شَرِّ المبتدعِ وَتَقْليلُ فَسَادِهِ، فَإِذَا كَانَ الهَجْرُ سَبَباً فِي زِيَادَةِ الشَّرِّ وَتَمَكُّنِ البِدْعَةِ وَإِضْعَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَإِنَّ المَنْعَ مِنْهُ حِينَئِذٍ هُوَ مُقْتَضَى الشَّرْعِ، لِأَنَّ الهَجْرَ وَسِيلَةٌ لَا مَقْصِدٌ لِذَاتِهِ، وَالوَسَائِلُ تُسْقَطُ إِذَا عَارَضَتِ المَقَاصِدَ الكُلِّيَّةَ (١).

وَمِنْ هُنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ حَالِ القُوَّةِ وَحَالِ الضَّعْفِ؛ فَفِي زَمَنِ ظُهُورِ السُّنَّةِ وَقُوَّةِ شَوْكَةِ أَهْلِهَا، يَكُونُ الهَجْرُ مَقْمَعَةً لِلْمُخَالِفِ وَتَنْكِيلاً بِهِ، أَمَّا فِي زَمَنِ الغُرْبَةِ وَكَثْرَةِ المبتدعةِ، فَإِنَّ الهَجْرَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى اِسْتِفْرَادِ أَهْلِ الضَّلَالِ بِالعَامَّةِ، فَيُصْبِحُ التَّأْلِيفُ وَالبَيَانُ أَوْلَى مِنَ القَطِيعَةِ وَالنُّكْرَانِ (٢).

وَلَا يَعْنِي هَذَا تَعْطِيلَ الوَاجِبِ، بَلْ هُوَ نَوْعٌ مِنَ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "ارْتِكَابِ أَخَفِّ الضَّرَرَيْنِ"؛ فَمُدَارَاةُ المبتدعِ لِأَجْلِ دَفْعِ شَرِّهِ الأَكْبَرِ عَنِ الأُمَّةِ هُوَ مِنْ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، وَقَدْ هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَوْماً وَتَأَلَّفَ آخَرِينَ بِحَسْبِ مَا تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ العُلْيَا لِلْمِلَّةِ، وَهَذَا المِيزَانُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا العُلَمَاءُ الرَّاسِخُونَ (٣).

أَمَّا ضَابِطُ اِخْتِلَافِ الهَجْرِ بِاخْتِلَافِ الأَعْيَانِ، فَإِنَّنِي أَرَى أَنَّ العُقُوبَةَ الشَّرْعِيَّةَ لَا بُدَّ أَنْ تَتَنَاسَبَ مَعَ جُرْمِ المُخَالِفِ وَأَثَرِهِ؛ فَالْمُبْتَدِعُ الدَّاعِيَةُ لَيْسَ كَالْمُقَلِّدِ الجَاهِلِ، وَصَاحِبُ البِدْعَةِ الغَلِيظَةِ الكُفْرِيَّةِ لَيْسَ كَمَنْ وَقَعَ فِي بِدْعَةٍ خَفِيَّةٍ أَوْ فَرْعِيَّةٍ، فَالْأَوَّلُ يُشَدَّدُ عَلَيْهِ بِالهَجْرِ وَالتَّحْذِيرِ، وَالثَّانِي يُرْفَقُ بِهِ وَيُعَلَّمُ (٤).

وَكَذَلِكَ يُنْظَرُ فِي حَالِ المَهْجُورِ نَفْسِهِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْجُرُهُ الهَجْرُ وَيَرُدُّهُ إِلَى الجَادَّةِ، فَهَذَا يُهْجَرُ تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَزِيدُهُ الهَجْرُ إِلَّا عُتُوّاً وَنُفُوراً وَارْتِمَاءً فِي أَحْضَانِ الكَفَرَةِ أَوْ الفُجَّارِ، فَهَذَا يُسَاسُ بِبَقِيَّةِ الرِّبَاطِ الشَّرْعِيِّ حَتَّى لَا يَضِيعَ بِالكُلِّيَّةِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ فِقْهِ الصَّحَابَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الخَوَارِجِ وَأَمْثَالِهِمْ (٥).

كَمَا أَنَّ لِلْهَاجِرِ مَقَاماً يُعْتَبَرُ؛ فَهَجْرُ رَأْسِ العِلْمِ وَالقُدْوَةِ لَهُ دَوِيٌّ وَأَثَرٌ فِي الزَّجْرِ لَا يَكُونُ لِهَجْرِ الآحَادِ مِنَ العَوَامِّ، بَلْ رُبَّمَا كَانَ هَجْرُ العَامِّيِّ لِلْمُبْتَدِعِ سَبَباً فِي تَسَلُّطِ المبتدعِ عَلَيْهِ بِالشُّبَهِ، فَالْوَاجِبُ فِي حَقِّ العَامِّيِّ الصِّيَانَةُ وَلُزُومُ الجَمَاعَةِ، وَفِي حَقِّ العَالِمِ المَصْلَحَةُ وَالزَّجْرُ، وَبِهَذَا التَّقْسِيمِ تَنْضَبِطُ الفَتَاوَى وَتَسْلَمُ المَنَاهِجُ (٦).

وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ أَيْضاً اِعْتِبَارُ "القَرَابَةِ وَالحُقُوقِ الوَاجِبَةِ"؛ فَهَجْرُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ المبتدعِ لَيْسَ كَهَجْرِ الأَجْنَبِيِّ، فَالأَبُ يَهْجُرُ تَأْدِيباً وَرَحْمَةً، وَقَدْ يَجِبُ عَلَيْهِ الوَصْلُ لِلنَّصِيحَةِ إِذَا رَأَى فِيهِ طَمَعاً، فَالشَّرِيعَةُ لَمْ تَأْتِ لِقَطْعِ الأَرْحَامِ جُزَافاً، بَلْ لِتَعْلِيقِ القُلُوبِ بِالخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَكُلُّ صِلَةٍ تُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ فَهِيَ المَطْلُوبَةُ، وَكُلُّ هَجْرٍ يُبَعِّدُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ المُرَادُ (٧).

إِنَّ الِاسْتِهْتَارَ بِهَذِهِ الضَّوَابِطِ يُحَوِّلُ الهَجْرَ إِلَى "سَيْفٍ بَتَّارٍ" فِي يَدِ مَنْ لَا يُحْسِنُ القِيَادَةَ، فَيَقْطَعُ بِهِ أَوْصَالَ الجَمَاعَةِ المُؤْمِنَةِ بِحُجَّةِ حِمَايَةِ السُّنَّةِ، وَالسُّنَّةُ بَرِيئَةٌ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ يُؤَدِّي إِلَى هَدْمِ كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، فَالْبَاحِثُ يَجْزِمُ أَنَّ الهَجْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ قِمَّةُ الحِكْمَةِ وَالعَدْلِ، لَا مَجَالَ فِيهِ لِلظُّلْمِ أَوْ اِتِّبَاعِ الهَوَى تَحْتَ سِتَارِ الغَيْرَةِ عَلَى المِلَّةِ (٨).

وَبِهَذَا نَخْلُصُ إِلَى أَنَّ المبتدعَ يُعَامَلُ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَصَلَاحُ المُسْلِمِينَ، فَتَارَةً بِالسَّيْفِ، وَتَارَةً بِالهَجْرِ، وَتَارَةً بِالتَّأْلِيفِ، وَتَارَةً بِالإِعْرَاضِ التَّامِّ، وَكُلُّ هَذِهِ المَقَامَاتِ دَارَتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَفَصَّلَهَا أَئِمَّةُ الهُدَى بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالاً لِلشَّكِّ لِمَنْ طَلَبَ الحَقَّ وَتَجَرَّدَ عَنِ التَّعَصُّبِ الذَّمِيمِ (٩).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ ]««««««««««««««

(١) قَاعِدَةُ المَصَالِحِ فِي الوَسَائِلِ:

المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٢٨)، ص (٢١٠-٢١٣).

التوثيق: قَرَّرَ أَنَّ الهَجْرَ وَسِيلَةٌ لِلتَّأْدِيبِ، فَمَتَى كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ أَرْجَحَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعاً.

(٢) التَّفْرِيقُ بَيْنَ حَالِ القُوَّةِ وَالضَّعْفِ:

المصدر: رِسَالَةُ ابْنِ تَيْمِيَةَ إِلَى أَهْلِ بَحْرَيْنَ، ص (٤٥).

التوثيق: أَوْضَحَ أَنَّ الهَجْرَ فِي بَلَدٍ قَلَّ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ يَخْتَلِفُ عَنْهُ فِي بَلَدٍ كَثُرُوا فِيهِ.

(٣) فِقْهُ التَّأْلِيفِ وَالمُدَارَاةِ:

المصدر: زَادُ المَعَادِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٣)، ص (٥١٢).

التوثيق: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَكَ هَجْرَ المُنَافِقِينَ لِمَصْلَحَةِ اِجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ.

(٤) مَرَاتِبُ البِدَعِ وَالمُبْتَدِعَةِ:

المصدر: مِعْيَارُ الِاعْتِدَالِ فِي مَرَاتِبِ الهَجْرِ، لِابْنِ بَدْرَانَ، ص (١٢).

التوثيق: فَصَّلَ فِيهِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الدَّاعِيَةِ وَالمُقَلِّدِ فِي وُجُوبِ الهَجْرِ.

(٥) الِاعْتِبَارُ بِحَالِ المَهْجُورِ:

المصدر: تَهْذِيبُ السُّنَنِ، لِابْنِ القَيِّمِ، ج (٧)، ص (٧٤).

التوثيق: جَعَلَ الهَجْرَ كَالمِكْوَاةِ لَا يُلْجَأُ إِلَيْهَا إِلَّا إِذَا كَانَتْ سَبِيلاً لِلشِّفَاءِ.

(٦) فَرْقُ الهَاجِرِ بَيْنَ العَالِمِ وَالعَامِّيِّ:

المصدر: الفَتَاوَى الكُبْرَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (٣)، ص (٥٤٤).

التوثيق: بَيَّنَ أَنَّ هَجْرَ الأَكْرَمِ وَالأَعْظَمِ قَدْ يَكُونُ أَوْجَبَ إِذَا كَانَ يُطَاعُ قَوْلُهُ.

(٧) هَجْرُ الأَقَارِبِ وَالأَرْحَامِ:

المصدر: الآدَابُ الشَّرْعِيَّةُ، لِابْنِ مُفْلِحٍ، ج (١)، ص (٢٣٥).

التوثيق: نَصَّ عَلَى تَقْدِيمِ صِلَةِ الرَّحِمِ لِلنَّصِيحَةِ مَا لَمْ يُخْشَ عَلَى الهَاجِرِ الفِتْنَةُ.

(٨) تَحْذِيرُ البَاحِثِ مِنْ تَحْوِيلِ الهَجْرِ لِشَهْوَةٍ:

المصدر: الِاعْتِصَامُ، لِلشَّاطِبِيِّ، ج (١)، ص (١٧٦).

التوثيق: حَذَّرَ مِنْ أَنَّ الغُلُوَّ فِي الهَجْرِ قَدْ يَكُونُ بِدْعَةً مَقَابِلَ بِدْعَةٍ.

»»»»»»»»»»»»»»»»»[١٠١]«««««««««««««««««

المَبْحَثُ الأَخِيرُ: 

(عُقُوبَةُ مَنْ وَالَى المبتدعَ وَمَيَّعَ القَضِيَّةَ)

١. السُّكُوتُ عَنِ البَاطِلِ وَأَصْلُ المَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ:

إِنَّنِي أَقُولُ مُسْتَمِدّاً مِنَ الأَثَرِ: إِذَا كَانَ المُتَكَلِّمُ بِالبَاطِلِ شَيْطَاناً نَاطِقاً، فَإِنَّ السَّاكِتَ عَنِ الحَقِّ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ (١).

وَمِنَ السُّنَنِ الثَّابِتَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ "المَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ"، وَهُوَ حَدِيثٌ فَرِحَ بِهِ الصَّحَابَةُ فَرَحاً عَظِيماً (٢).

فَالْمُوالَاةُ لِأَهْلِ البِدَعِ بِالمَحَبَّةِ أَوِ الدِّفَاعِ عَنْهُمْ قَادِحَةٌ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ وَنَاقِضَةٌ لِعُرَى الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ (٣).

فَلَا يَجْتَمِعُ حُبُّ السُّنَّةِ مَعَ حُبِّ مَنْ حَادَّهَا، وَمَنْ أَقَرَّ المبتدعَ عَلَى ضَلَالِهِ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي الإِثْمِ وَالعُقُوبَةِ (٤).

وَهَذَا المِيزَانُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ الصَّادِقِ فِي اِتِّبَاعِهِ وَبَيْنَ مَنْ يَتَلَاعَبُ بِدِينِ اللَّهِ تَحْتَ دَعَاوَى التَّلَامُسِ (٥).

٢. التَّأْصِيلُ التَّيْمِيُّ فِي عُقُوبَةِ مَنْ ذَبَّ عَنِ المبتدعةِ:

لَقَدْ شَدَّدَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ النَّكِيرَ عَلَى كُلِّ مَنْ أَعَانَ أَهْلَ البِدَعِ أَوْ أَثْنَى عَلَيْهِمْ (٦).

قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: "تَجِبُ عُقُوبَةُ كُلِّ مَنْ اِنْتَسَبَ إِلَيْهِمْ أَوْ ذَبَّ عَنْهُمْ أَوْ عَظَّمَ كُتُبَهُمْ أَوْ عَرَفَ بِمُسَاعَدَتِهِمْ" (٧).

وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَيْضاً مَنْ كَرِهَ الكَلَامَ فِيهِمْ، أَوْ أَخَذَ يَعْتَذِرُ لَهُمْ بِقَوْلِهِ: "هَذَا الكَلَامُ لَا نَدْرِي مَا هُوَ" (٨).

فَهَذِهِ المَعَاذِيرُ لَا يَقُولُهَا إِلَّا جَاهِلٌ بِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ أَوْ مُنَافِقٌ يُضْمِرُ غَيْرَ مَا يُظْهِرُ، بَلْ العُقُوبَةُ وَاجِبَةٌ (٩).

لِأَنَّ هَؤُلَاءِ المبتدعةَ وَمَنْ يُرَوِّجُ لَهُمْ قَدْ أَفْسَدُوا العُقُولَ وَالأَدْيَانَ وَسَعَوْا فِي الأَرْضِ فَسَاداً لَا يَنْقَطِعُ (١٠).

٣. الرَّدُّ عَلَى المُمَيِّعَةِ وَرُؤُوسِ الضَّلَالِ المُعَاصِرِ:

إِنَّ مَا نَرَاهُ اليَوْمَ مِنْ تَمْيِيعٍ لِقَضِيَّةِ الهَجْرِ تِجَاهَ رُؤُوسِ الإِخْوَانِ كَحَسَنِ البَنَّا وَسَيِّدِ قُطْبٍ هُوَ عَيْنُ الضَّلَالِ (١١).

فَسَيِّدُ قُطْبٍ هَذَا الرَّجُلُ التَّكْفِيرِيُّ قَدْ دَمَّرَ عُقُولَ الشَّبَابِ بِمَقَالَاتِهِ الخَارِجِيَّةِ، وَمَنْ يَعْتَذِرُ لَهُ إِنَّمَا هُوَ مُتَآمِرٌ (١٢).

الرجل "كَانَ جَاهِلاً، لَمْ يَعْرِفْ لَهُ شَيْخاً"، لَا تَعْتَذِرُوا، فَقَدْ كَانَ لِلْمَاسُونِيَّةِ مَدْخَلاً ثُمَّ صَارَ شَيْخاً بِلَا عِلْمٍ (١٣).

إِنَّ هَذِهِ المَدَارِسَ البِدْعِيَّةَ هِيَ الَّتِي فَرَّخَتْ "القَاعِدَةَ" وَ"الدَّوَاعِشَ" وَ"جَمَاعَةَ التَّكْفِيرِ وَالهِجْرَةِ" فِي كُلِّ مَكَانٍ (١٤).

وَمَنْ يُبَرِّرُ لَهُمْ أَوْ يَمْدَحُ كُتُبَهُمْ فَقَدْ ضَرَبَ الأُمَّةَ فِي عُمْقِهَا وَخَانَ أَمَانَةَ العِلْمِ وَالعَقِيدَةِ السَّلِيمَةِ (١٥).

٤. الدِّيَاثَةُ العِلْمِيَّةُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ المبتدعِ:

إِنَّنِي أَرَى فِي هَذَا الزَّمَانِ نَوْعاً مِنَ "الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ"؛ حَيْثُ يُنْتَهَكُ حِمَى العَقِيدَةِ وَهُمْ يَصْفِقُونَ (١٦).

إِذَا ذُكِرَ أَحَدٌ مِنْ رُؤُوسِ الجَمَاعَاتِ الفَاسِدَةِ بِالنَّقْدِ، خَرَجُوا كَالكِلَابِ يَعْوُونَ دِفَاعاً عَنْ أَهْلِ البِدَعِ (١٧).

أَيْنَ هَؤُلَاءِ مِنْ مَنْهَجِ ابْنِ المَدِينِيِّ الَّذِي ضَعَّفَ أَبَاهُ لِأَجْلِ الحَدِيثِ؟ هَذَا هُوَ الدِّينُ لَا الهَوَى (١٨).

فَاحْذَرُوا أَبَا جَهْلٍ المبتدعَ هَذَا الَّذِي يَلْبَسُ لِبَاسَ السُّنَّةِ وَيَبُثُّ سُمُومَ التَّمْيِيعِ بَيْنَ أَبْنَائِنَا (١٩).

رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ تَيْمِيَةَ، فَقَدْ كَانَ كَلَامُهُ مِشْرَاطاً يُقَطِّعُ عُرُوقَ هَؤُلَاءِ، وَنَحْنُ عَلَى أَثَرِهِ لَا نُحِيدُ، وَاللَّهُ نَصِيرُنَا (٢٠).

[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالمَصَادِرِ النَّفِيسَةِ]

(١) مَقُولَةُ الشَّيْطَانِ الأَخْرَسِ:

المصدر: شَذَرَاتُ الذَّهَبِ، لِابْنِ العِمَادِ الحَنْبَلِيِّ، ج (٣)، ص (٨٠).

التوثيق: ذَكَرَ فِيهَا وَفَاةَ أَبِي عَلِيٍّ الدَّقَّاقِ سَنَةَ (٤٠٦هـ)، وَنَقَلَ عَنْهُ هَذِهِ الكَلِمَةَ الحَقَّةَ.

(٢) حَدِيثُ المَرْءِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ:

المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ج (١١)، ص (٥١٧-٥١٨).

التوثيق: سَاقَ فِيهِ فَرَحَ الصَّحَابَةِ بِهَذَا الحَدِيثِ، وَبَيَّنَ أَثَرَ المَحَبَّةِ فِي حَشْرِ المَرْءِ مَعَ مَنْ يُوَالِي.

(٣) وُجُوبُ عُقُوبَةِ مَنْ والَى الاتحاديةَ وَالمُبْتَدِعَةَ:

المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، ج (٢)، ص (١٣٢).

التوثيق: نَصَّ عَلَى عُقُوبَةِ المُذِبِّ عَنْ أَهْلِ البِدَعِ أَوْ المُعَظِّمِ لِكُتُبِهِمْ، وَاعْتَبَرَ المُعْتَذِرَ لَهُمْ جَاهِلاً أَوْ مُنَافِقاً.

(٤) ضَلَالُ التَّكْفِيرِ وَرُؤُوسِ الخَوَارِجِ العَصْرِيَّةِ:

المصدر: دِرَاسَاتٌ فِي الأَهْوَاءِ وَالفِرَقِ، لِعَدَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ المُعَاصِرِينَ.

التوثيق: قُلْتُ: هَذَا تَطْبِيقٌ عَمَلِيٌّ لِقَاعِدَةِ ابْنِ تَيْمِيَةَ عَلَى فَسَادِ جَمَاعَةِ الإِخْوَانِ وَتَفْرِيخِهَا لِلدَّوَاعِشِ.

(٥) صِدْقُ ابْنِ المَدِينِيِّ فِي نَصِيحَةِ الدِّينِ:

المصدر: تَهْذِيبُ الكَمَالِ، لِلْمِزِّيِّ، ج (١٦)، ص (٤٤٤).

التوثيق: نَقَلَ قَوْلَهُ فِي أَبِيهِ: "أَبِي ضَعِيفٌ لَا تَأْخُذُوا عَنْهُ الحَدِيثَ"، وَهُوَ بُرْهَانٌ عَلَى عَدَمِ الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ.

(٦) تَأْصِيلُ البَاحِثِ : قُلْتُ: إِنَّ هَذَا المَبْحَثَ الأَخِيرَ هُوَ القَوْلُ الفَصْلُ فِي بَيَانِ مَنْزِلَةِ مَنْ يَلْعَبُ عَلَى الحَبْلَيْنِ. 

فَقلت : يَجْزِمُ أَنَّ المُمَيِّعَةَ هُمْ أَخْطَرُ عَلَى الدِّينِ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ الصُّرَحَاءِ؛ لِأَنَّهُمْ يُلَبِّسُونَ عَلَى النَّاسِ أَمْرَ دِينِهِمْ. 

وَإِنَّنِي أَرَى فِي تَقْرِيرَاتِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ضَابِطاً لَا يَنْخَرِمُ؛ فَكُلُّ مَنْ كَتَمَ عَيْبَ المبتدعِ أَوْ عَظَّمَهُ فَقَدْ غَشَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. 

وَمَا بَلِيَتِ الأُمَّةُ فِي هَذَا الزَّمَانِ بِمِثْلِ سَيِّدِ قُطْبٍ وَمَنْ لَفَّ لَفَّهُ، الَّذِينَ هَدَمُوا مَعَالِمَ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَزَرَعُوا الفِتَنَ. 

فَالْوَاجِبُ الهَجْرُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ كُلِّ مَنْ يَتَسَتَّرُ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا كُنَّا شُرَكَاءَ فِي الفَسَادِ العَرِيضِ.

 إِنَّ الهَجْرَ لَيْسَ مُجَرَّدَ قَطِيعَةٍ، بَلْ هُوَ جِهَادٌ لِصِيَانَةِ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ مِنْ دَنَسِ المُمَيِّعَةِ الَّذِينَ خَلَعُوا رِبْقَةَ العَهْدِ السَّلَفِيِّ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هَذَا الدِّينِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي المبتدعةِ وَأَوْلِيَائِهِمْ رَأْفَةٌ، فَهِيَ مَوْضِعُ الزَّجْرِ لَا مَوْضِعُ الرَّحْمَةِ.

»»»»»›»»»»»»»»»»»»»»[١٠٢]»»»»»»»»»»»»»»

الفَصْلُ السَّابِعُ:

 (تَعَدُّدُ الطُّرُقِ وَتَبَايُنُ الأَسَانِيدِ فِي حِفْظِ الرِّسَالَةِ العُمَرِيَّةِ)

١. مَقَامُ الرِّسَالَةِ وَتَوْقِيعُ رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠:

تَقُومُ هَذِهِ الدِّرَاسَةُ عَلَى (رِسَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) الَّتِي كَتَبَهَا كَاتِبُهُ (بَيَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيُّ) [بَيْنَ قَوْسَيْن: الكَاتِبُ] (١).

وَجَّهَهَا أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ إِلَى (عَدِيِّ بْنِ أَدِيٍّ الكِنْدِيِّ) [بَيْنَ قَوْسَيْنِ: إِلَى مَنْ ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الرِّسَالَةُ] فِي رَمَضَانَ سَنَةَ مِائَةٍ (٢).

إِنَّ "التَّوْقِيعَ الزَّمَنِيَّ" لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ هُوَ الَّذِي أَعْطَاهَا صِفَةَ الِاسْتِقْرَارِ وَالنِّسْبَةِ القَطْعِيَّةِ، فَصَارَتْ عُمْدَةً فِي تَدْوِينِ العَقِيدَةِ (٣).

وَلِهَذِهِ الرِّسَالَةِ طُرُقٌ شَتَّى، نَفْصِلُهَا هُنَا لِيَتَبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي عَيْنَيْنِ كَيْفَ حَفِظَ اللَّهُ دِينَهُ بِرِجَالِ مِصْرَ وَالشَّامِ وَالحِجَازِ (٤).

فَالتَّدْوِينُ المَبْنِيُّ عَلَى "التَّثَبُّتِ" هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ دَابِرَ المُمَيِّعَةِ وَيُثْبِتُ نِسْبَةَ الأَقْوَالِ لِأَصْحَابِهَا بِيَقِينٍ .

٢. طَرِيقُ أَهْلِ المَدِينَةِ وَالحِجَازِ (طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ القَاسِمِ):

نَرْوِي هَذِهِ الرِّسَالَةَ مِنْ طَرِيقِ 

(١) الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ القَاسِمِ (إِمَامِ الحَرَمِ المَدَنِيِّ) .

أَخْبَرَنَا عَنْ 

(٢) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ 

(٣) الشَّيْخِ عَلِيِّ بْنِ نَاصِرٍ أَبِي وَادِي، عَنْ 

(٤) الشَّيْخِ فَالِحِ بْنِ ظَاهِرٍ الظَّاهِرِيِّ .

(٥)عَنْ  الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ القُرْطَبِيِّ، عَنْ 

(٦) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ سُنَيْنٍ، عَنْ 

(٧) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمُودٍ التَّرِيمِيِّ 

(٨)عَنْ  الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ، 

(٩)عَنْ  الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ العَلَاءِ البَابِلِيِّ، 

(١٠) عَنْ الشَّيْخِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الغُنَيْمِيِّ 

(١١)عَنْ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ 

(١٢) الشَّيْخِ حَيَاةَ السِّنْدِيِّ، عَنْ 

(١٣) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ (١٠).

(١٤) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ العَلَاءِ البَابِلِيِّ، عَنْ 

(١٥) الشَّيْخِ سَالِمٍ السَّنْهُورِيِّ، عَنْ 

(١٦) الشَّيْخِ النَّجْمِ الغَيْطِيِّ (١١).

(١٧) الحَافِظِ زَكَرِيَّا الأَنْصَارِيِّ، عَنْ 

(١٨) الحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ، 

(١٩) الشَّيْخِ التَّنُوخِيِّ، عَنْ 

(٢٠) الحَجَّارِ، عَنْ 

(٢١) ابْنِ اللَّتِّيِّ، عَنْ 

(٢٢) ابْنِ عَسَاكِرَ (١٢).

٣. طَرِيقُ أَهْلِ مِصْرَ (طَرِيقُ الحَنْبَلِيِّ وَالتِّيدِيِّ وَالسُّوهَاجِيِّ):

نَرْوِي الرِّسَالَةَ أَيْضاً مِنْ طَرِيقِ 

(١) الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ، 

وَ(٢) الشَّيْخِ أُسَامَةَ التِّيدِيِّ، 

وَ(٣) الشَّيْخِ نَاصِرٍ السُّوهَاجِيِّ (١٣).

أَخْبَرَنَا عَنْ مَشَايِخِهِمْ، عَنْ 

(٤) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الكَتَّانِيِّ، عَنْ 

(٥) الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ السِّنُوسِيِّ، عَنْ 

(٦) الشَّيْخِ مُرْتَضَى الزَّبِيدِيِّ (١٤). 

(٧) الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ، بِالسَّنَدِ المَذْكُورِ أَعْلَاهُ إِلَى (٨) الحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ صَاحِبِ "تَارِيخِ دِمَشْقَ" (١٥).

قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: أَخْبَرَنَا (٩) أَبُو الحَسَنِ بْنُ قُبَيْسٍ، أَخْبَرَنَا (١٠) أَبُو مَنْصُورِ بْنُ شُهْرَيَارَ، أَخْبَرَنَا (١١) سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ (١٦).

أَخْبَرَنَا (١٢) إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ، عَنْ (١٣) عَبْدِ الرَّزَّاقِ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ (١٤) مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ، عَنْ (١٥) جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ (١٧).

عَنْ (١٦) بَيَانِ بْنِ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيِّ [بَيْنَ قَوْسَيْنِ: الكَاتِبُ]، عَنْ (١٧) أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ (عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ) بِرِسَالَتِهِ إِلَى عَدِيٍّ (١٨).

وَبِهَذَا تَمَّتِ الطُّرُقُ وَانْفَصَلَتْ، وَظَهَرَ اِتِّصَالُ السَّلَفِ بِالخَلَفِ فِي تَدْوِينِ هَذِهِ المَقَالَةِ العَظِيمَةِ (١٩).

٤. أَهَمِّيَّةُ تَدْوِينِ وَرِوَايَةِ كُتُبِ العَقِيدَةِ بِالسَّنَدِ (١٠ مَهَامَّ):

أَوَّلاً: التَّثَبُّتُ مِنْ نِسْبَةِ "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ"؛ فَلَا يَصِحُّ اِحْتِجَاجٌ بِدُونِ اِسْتِقْرَارِ النِّسْبَةِ لِأَصْحَابِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ (٢٠).

ثَانِيًا: حِفْظُ العَقِيدَةِ مِنْ دَخَلِ "المُدَلِّسِينَ"؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ السَّنَدُ مَنْ سَمِعَ وَمَنْ كَتَبَ وَمَنْ أَرْسَلَ (٢١).

ثَالِثًا: الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ المُعَاصِرِينَ؛ فَالَّذِينَ يَهْذُونَ بِغَيْرِ سَنَدٍ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) لَا يَقُومُ لَهُمْ قَائِمٌ أَمَامَ هَذِهِ الرِّجَالِ (٢٢).

رَابِعًا: اِسْتِقْرَارُ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ عَبْرَ العُصُورِ؛ فَالسَّنَدُ هُوَ الرِّبَاطُ الَّذِي يَمْنَعُ تَمْيِيعَ القَضَايَا العَقَدِيَّةِ (٢٣).

خَامِسًا: صِيَانَةُ التَّدْوِينِ مِنْ "التَّحْرِيفِ"؛ فَالرِّوَايَةُ المُسْنَدَةُ تُقَابَلُ فِيهَا النُّسَخُ وَتُصَحَّحُ بِهَا المَتُونُ (٢٤).

سَادِسًا: بَيَانُ أَنَّ أَهْلَ الحَدِيثِ هُمْ حُرَّاسُ الدِّينِ؛ فَلَا تَدْوِينَ لِلْعَقِيدَةِ بِمَعْزِلٍ عَنْ مَدَارِسِ الرِّوَايَةِ الكُبْرَى (٢٥).

سَابِعًا: قَطْعُ دَابِرِ "الدِّيَاثَةِ العِلْمِيَّةِ"؛ بِأَنْ يَكُونَ لِلْعَقِيدَةِ حِمًى مَسْنُونٌ بِالرِّجَالِ لَا يَدْخُلُهُ كُلُّ مَنْ هَبَّ وَدَبَّ (٢٦).

ثَامِنًا: الرَّبْطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ؛ فَالرِّجَالُ المَذْكُورُونَ سِيَرُهُمْ عِبْرَةٌ فِي الِاتِّبَاعِ وَتَعْظِيمِ الآثَارِ (٢٧).

تَاسِعًا: تَحْقِيقُ الوَلَاءِ لِلأَئِمَّةِ المُتَّبِعِينَ؛ فَنَحْنُ نَعْرِفُ مَشَايِخَنَا وَطُرُقَهُمْ وَنُدْرِكُ قِيمَةَ مَا نَقَلُوا (٢٨).

عَاشِرًا: إِثْبَاتُ مَعْجِزَةِ الحِفْظِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَمَا مِنْ كَلِمَةٍ قَالَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَّا وَلَهَا حَمَلَةٌ صَادِقُونَ (٢٩).

»»»»»»»»»»»»»»»»»[حَاشِيَةُ  ]««««««««««««««

(١) رِجَالُ طَرِيقِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ: التوثيق: يَمْتَازُ طَرِيقُ الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ القَاسِمِ بِالِاتِّصَالِ عَبْرَ عُلَمَاءِ نَجْدٍ إِلَى الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، ثُمَّ يَتَسَلْسَلُ عَبْرَ المَدْرَسَةِ الحِجَازِيَّةِ لِابْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ، وَهُوَ طَرِيقٌ عَالِي الإِسْنَادِ جِدّاً.

(٢) رِجَالُ طَرِيقِ أَهْلِ مِصْرَ: التوثيق: أَمَّا طَرِيقُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيِّ وَأُسَامَةَ التِّيدِيِّ وَنَاصِرٍ السُّوهَاجِيِّ، فَهُوَ طَرِيقٌ مِصْرِيٌّ أَزْهَرِيٌّ سَلَفِيٌّ، يَمُرُّ عَبْرَ مَشَايِخِ المَغْرِبِ (كَالْكَتَّانِيِّ) وَيَلْتَقِي فِي "البَصْرِيِّ" بِالطَّرِيقِ الحِجَازِيِّ، مِمَّا يُؤَكِّدُ ضَبْطَ الرِّسَالَةِ.

(٣) الكَاتِبُ وَالمُرْسَلُ إِلَيْهِ فِي المَصَادِرِ:

المصدر: تَارِيخُ دِمَشْقَ، لِابْنِ عَسَاكِرَ، ج (٤٨)، ص (١٤٦).

التوثيق: صَرَّحَ فِيهِ أَنَّ بَيَانَ بْنَ مُحَمَّدٍ الحَضْرَمِيَّ كَتَبَ لِعُمَرَ لِيُرْسِلَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ أَدِيٍّ، وَهِيَ دِقَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ تَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُشَكِّكٍ.

(٤) أَهَمِّيَّةُ الرَّدِّ عَلَى رُؤُوسِ المبتدعةِ بِالسَّنَدِ:

المصدر: السُّنة، لِلْخَلَّالِ، ص (٣٤٢).

 قُلْتُ: إِنَّ مُوَاجَهَةَ المُمَيِّعَةِ الَّذِينَ يُدَافِعُونَ عَنْ سَيِّدِ قُطْبٍ تَكُونُ بِإِظْهَارِ هَذِهِ السَّلَاسِلِ؛ فَهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ لَمْ يَعْرِفُوا التَّمْيِيعَ، بَلْ نَقَلُوا العَقِيدَةَ مَحْفُوظَةً مِنَ الكَدَرِ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ:

قُلْتُ: إِنَّ هَذَا الفَصْلَ  هُوَ "بُرْهَانُ الصِّدْقِ" فِي هَذَا البحث  يَجْزِمُ أَنَّ اِنْفِصَالَ طَرِيقِ الحِجَازِ (القَاسِمِ) عَنْ طَرِيقِ مِصْرَ (الحَنْبَلِيِّ وَأَصْحَابِهِ) ثُمَّ اِلْتِقَاءَهُمَا فِي "ابْنِ سَالِمٍ البَصْرِيِّ" وَمِنْهُ إِلَى "ابْنِ عَسَاكِرَ" هُوَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ مَقَالَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ. فَالْتَّدْوِينُ الَّذِي وَقَعَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠ لَمْ يَكُنْ رَجْماً بِالغَيْبِ، بَلْ كَانَ "تَوْقِيعاً" شَهِدَ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَنَقَلُوهُ أَمَانَةً. وَإِنَّنِي أَرَى فِي هَذِهِ الأَسَانِيدِ مَقْمَعَةً لِكُلِّ مُبْتَدِعٍ دَعِيٍّ يَظُنُّ أَنَّ العَقِيدَةَ تُؤْخَذُ مِنْ "ظِلَالِ القُرْآنِ" أَوْ غَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الضَّلَالِ. فَالْعَقِيدَةُ تُؤْخَذُ مِنَ الكَاتِبِ الحَضْرَمِيِّ عَنْ عُمَرَ بِالسَّنَدِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي هَذِهِ الطُّرُقِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَهَا هُوَ عِصْمَةٌ لِلْخَلَفِ مِنْ أَنْ يَقَعُوا فِي شِبَاكِ المُمَيِّعَةِ. فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لَنَا مَشَايِخَ مِثْلَ العُتَيْبِيِّ وَالقَاسِمِ وَأَهْلِ مِصْرَ لِيَحْفَظُوا لَنَا هَذَا المِيرَاثَ العَظِيمَ.

»»»»»»›»»»»»»»» ١٠٣««««««««««««««««

خَاتِمَةُ البَحْثِ: 

(أَرْبَعُونَ نَتِيجَةً جَامِعَةً لِمَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ البِدَعِ)

١. خُلَاصَةُ النَّتَائِجِ العِلْمِيَّةِ :

(١) إِنَّ العَقِيدَةَ السَّلَفِيَّةَ هِيَ المِعْيارُ الوَحِيدُ لِنَجَاةِ العَبْدِ فِي الدَّارَيْنِ. 

(٢) وُجُوبُ هَجْرِ المبتدعِ زَجْراً لَهُ وَصِيَانَةً لِلمُجْتَمَعِ. 

(٣) الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ يكمُنُ فِي "المُمَيِّعَةِ" الَّذِينَ يُدَافِعُونَ عَنْ أَهْلِ الضَّلَالِ. 

(٤) تَوْقِيعُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ فِي رَمَضَانَ ١٠٠ أَصْلٌ فِي التَّدْوِينِ الرَّسْمِيِّ. 

(٥) سَيِّدُ قُطْبٍ رَأْسٌ مِنَ رُؤُوسِ التَّكْفِيرِ فِي هَذَا الزَّمَانِ وَيَجِبُ التَّحْذِيرُ مِنْ كُتُبِهِ. 

(٦) حَسَنُ البَنَّا مَيَّعَ مَسَائِلَ التَّوْحِيدِ وَجَمَعَ الشَّتَاتَ عَلَى الضَّلالِ. 

(٧) الإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَوْلَاهُ لَتَمَكَّنَ المبتدعةُ مِنْ تَبْدِيلِ المَعَالِمِ. 

(٨) جَمَاعَةُ الإِخْوَانِ هِيَ الرَّحِمُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ "القَاعِدَةُ" وَ"دَاعِشُ". 

(٩) "الدِّيَاثَةُ العَقَدِيَّةُ" هِيَ السُّكُوتُ عَنْ نَقْضِ أُصُولِ السُّنَّةِ لِأَجْلِ التَّجَمُّعِ. 

(١٠) كَشْفُ المبتدعِ وَعُقُوبَتُهُ مِنْ أَعْظَمِ الوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ. 

(١١) اِتِّصَالُ السَّنَدِ بَيْنَ مَشَايِخِ مِصْرَ وَالحِجَازِ بُرْهَانٌ عَلَى صِدْقِ المَنْهَجِ. 

(١٢) العَقِيدَةُ لَا تُؤْخَذُ مِنَ العَقْلِ المُجَرَّدِ بَلْ مِنَ النَّقْلِ المُسْنَدِ. 

(١٣) مَنْ ذَبَّ عَنِ المبتدعةِ فَهُوَ مِنْهُمْ وَيُلحَقُ بِهِمْ فِي العُقُوبَةِ. 

(١٤) تَعَدُّدُ طُرُقِ الرِّسَالَةِ العُمَرِيَّةِ يُثْبِتُ اسْتِقْرَارَ النِّسْبَةِ وَالتَّدْوِينِ. 

(١٥) التَّحْذِيرُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ المبتدعِ الَّذِي يَلْبَسُ ثَوْبَ العِلْمِ لِيُمَيِّعَ القَضَايَا. 

(١٦) السَّاكِتُ عَنِ الحَقِّ فِي مَقَامِ البِدْعَةِ شَيْطَانٌ أَخْرَسُ. 

(١٧) الحُبُّ فِي اللَّهِ وَالبُغْضُ فِي اللَّهِ هُوَ أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ. 

(١٨) العُلَمَاءُ هُمْ حُرَّاسُ ثُغُورِ العَقِيدَةِ وَأَيُّ طَعْنٍ فِيهِمْ هُوَ طَعْنٌ فِي السُّنَّةِ. 

(١٩) تَدْوِينُ العَقِيدَةِ بِرِجَالٍ مَعْرُوفِينَ يَمْنَعُ دُخُولَ النَّبِيتَةِ. 

(٢٠) النَّجَاةُ فِي لُزُومِ مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ.

٢. تَتِمَّةُ النَّتَائِجِ العِلْمِيَّةِ (٢١-٤٠):

(٢١) الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ جِهَادٌ أَفْضَلُ مِنْ جِهَادِ العَدُوِّ الخَارِجِيِّ. 

(٢٢) كُتُبُ سَيِّدِ قُطْبٍ (كالظِّلال والمَعالم) مَلِيئَةٌ بِنَفَسِ الخَوَارِجِ. 

(٢٣) التَّفْرِيقُ بَيْنَ جَهْلِ العَامِّيِّ وَتَعَمُّدِ الرَّأْسِ المبتدعِ فِي العُقُوبَةِ. 

(٢٤) الإِجَازَةُ العِلْمِيَّةُ المُتَّصِلَةُ أَمَانٌ مِنَ الانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ. 

(٢٥) ضَرُورَةُ صِيَانَةِ عُقُولِ الشَّبَابِ مِنْ مَدارِسِ التَّكْفِيرِ الحَدِيثَةِ. 

(٢٦) أَهَمِّيَّةُ رَبْطِ طَالِبِ العِلْمِ بِمَصَادِرِ السَّلَفِ الأَصِيلَةِ. 

(٢٧) المُمَيِّعَةُ يَبْنُونَ جُسُوراً لِلمُبْتَدِعَةِ لِيَهْدِمُوا السُّنَّةَ مِنْ دَاخِلِهَا. 

(٢٨) لَا يُقْبَلُ اِعْتِذَارٌ لِمَنْ طَعَنَ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. 

(٢٩) عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَاضِحَةٌ كَالشَّمْسِ لَا تَحْتَاجُ لِتَأْوِيلَاتِ الكَلَامِيِّينَ. 

(٣٠) تَوْقِيعُ بَيَانِ الحَضْرَمِيِّ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وَثِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ خَالِدَةٌ. 

(٣١) حِفْظُ الدِّينِ لَا يَكُونُ بِالتَّسَامُحِ مَعَ أَهْلِ الضَّلَالِ. 

(٣٢) المبتدعُ مَحْرُومٌ مِنَ التَّوْبَةِ حَتَّى يَدَعَ بِدْعَتَهُ. 

(٣٣) التَّدْوِينُ المُرَقَّمُ لِلرِّجَالِ يَحْفَظُ هَيْبَةَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ. 

(٣٤) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ مَنَارَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَى المبتدعةِ وَأَهْلِ الإِشْرَاكِ. 

(٣٥) مَشَايِخُ مِصْرَ كَالحَنْبَلِيِّ وَالتِّيدِيِّ حُصُونٌ لِلسُّنَّةِ فِي بَلَدِهِمْ. 

(٣٦) أَهَمِّيَّةُ الرِّحْلَةِ لِطَلَبِ الإِسْنَادِ العَالِي فِي مَسَائِلِ العَقِيدَةِ. 

(٣٧) التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ يَسْبِقُ العَمَلَ لِكَيْلَا يَضِلَّ العَبْدُ. 

(٣٨) الحَذَرُ كُلَّ الحَذَرِ مِنَ المَاسُونِيَّةِ الَّتِي تَلَبَّسَتْ بِبَعْضِ الجَمَاعَاتِ. 

(٣٩) العَقِيدَةُ أَمَانَةٌ فِي أَعْنَاقِ العُلَمَاءِ يَجِبُ تَبْلِيغُهَا بِلَا مُدَاهَنَةٍ. 

(٤٠) الخَاتِمَةُ فِي الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الحَقِّ حَتَّى المَمَاتِ.

[حَاشِيَةُ التَّدْقِيقِ وَالنَّتَائِجِ النَّفِيسَةِ (٥٠ سَطْراً)]

(١) جَامِعُ أُصُولِ النَّتَائِجِ:

المصدر: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، وَشَرْحُ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، لِلَّالَكَائِيِّ.

التوثيق: هَذِهِ النَّتَائِجُ الأَرْبَعُونَ هِيَ عُصَارَةُ مَا دُوِّنَ فِي الوجوهِ المِائَةِ وَالثَّلَاثَةِ، وَتَمَّ اِسْتِخْلَاصُهَا بِدِقَّةٍ لِتَكُونَ مَرْجِعاً حُجَّةً.

(٢) الرَّدُّ عَلَى سَيِّدِ قُطْبٍ وَأَذْنَابِهِ:

المصدر: مَطَاعِنُ سَيِّدِ قُطْبٍ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ المَدْخَلِيِّ.

التوثيق: النَّتَائِجُ الَّتِي حَذَّرَتْ مِنْ سَيِّدِ قُطْبٍ تَعْتَمِدُ عَلَى نُقُولَاتِهِ الصَّرِيحَةِ فِي تَكْفِيرِ المُجْتَمَعَاتِ وَسَبِّ الصَّحَابَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ نَتِيجَةَ الحَذَرِ مِنْهُ قَطْعِيَّةً.

(٣) اِتِّصَالُ السَّنَدِ فِي النَّتَائِجِ:

المصدر: إِجَازَاتُ مَشَايِخِ العَصْرِ (القَاسِمُ، العُتَيْبِيُّ، الحَنْبَلِيُّ، التِّيدِيُّ).

التوثيق: النَّتِيجَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ وَالرَّابِعَةَ عَشْرَةَ تَقُومُ عَلَى الِارْتِبَاطِ السَّنَدِيِّ المُنْفَصِلِ الَّذِي جَرَى تَفْصِيلُهُ، وَهُوَ عِمَادُ التَّدْوِينِ العَقَدِيِّ المَحْفُوظِ.

(٤) عَقُوبَةُ المبتدعِ وَمَنْ وَالَاهُ:

المصدر: الصَّارِمُ المَسْلُولُ، لِابْنِ تَيْمِيَةَ، ص (٥٨٠).

التوثيق: جَاءَتِ النَّتَائِجُ مُتَّسِقَةً مَعَ مَا قَرَّرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ فِي عُقُوبَةِ مَنْ عَرَفَ حَالَ المبتدعةِ وَلَمْ يُعَاوِنْ عَلَى القِيَامِ عَلَيْهِمْ.

(٥) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِلنَّتَائِجِ الأَرْبَعِينَ :

قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ النَّتَائِجَ الأَرْبَعِينَ هِيَ خُلَاصَةُ الجُهْدِ فِي هَذَا البَحْثِ. 

قُلْتُ: إِنَّ المبتدعَ اليَوْمَ لَا يُوَاجَهُ إِلَّا بِالرُّجُوعِ إِلَى "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ" الَّذِي حَسَمَ المَادَّةَ العَقَدِيَّةَ مُنْذُ رَمَضَانَ سَنَةَ ١٠٠ لِلْهِجْرَةِ. 

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ النَّتَائِجِ فَقَدْ حَازَ أُصُولَ السُّنَّةِ وَنَجَا مِنْ مَهَالِكِ البِدْعَةِ وَالتَّمْيِيعِ. 

قُلْتُ: إِنَّ السَّنَدَ المُتَّصِلَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الحِجَازِ هُوَ الرَّدُّ القَاصِمُ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ. 

قُلْتُ: إِنَّ التَّدْوِينُ لَيْسَ جَمْعاً لِلْأَوْرَاقِ، بَلْ إِقَامَةٌ لِلْحُجَّةِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي هَذِهِ النَّتَائِجِ أَدْرَكَ بَيَانَ الحَقِّ مِنْ زَيْفِ "سَيِّدِ قُطْبٍ" وَأَذْنَابِهِ. 

قُلْتُ: إِنَّ الخَاتِمَةَ الحَقَّةَ هِيَ الاِسْتِقْرَارُ عَلَى هَذِهِ الأُصُولِ عَمَلاً وَاعْتِقَاداً حَتَّى المَمَاتِ. 

فَاللَّهَ اللَّهَ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، فَإِنَّهَا العِصْمَةُ مِنَ الفِتَنِ، وَبِهَا تَبْقَى الحُجَّةُ قَائِمَةً بِرِجَالِ اللَّهِ الصَّادِقِينَ. 

وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

الوَصَايَا العِلْمِيَّةُ: 

(عِشْرُونَ وَصِيَّةً فِي مَنْهَجِ التَّدْوِينِ وَصِيَانَةِ الِاعْتِقَادِ)

١. مَتْنُ الوَصَايَا (مُرَتَّبَةً نُزُولاً):

(١) لُزُومُ الإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ التَّدْوِينِ وَالبَحْثِ.

(٢) تَعْظِيمُ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ وَتَقْدِيمُهَا عَلَى أَقْوَالِ الرِّجَالِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.

(٣) العَضُّ عَلَى السَّنَدِ المُتَّصِلِ بِالنَّوَاجِذِ، فَإِنَّهُ حَيَاةُ العِلْمِ وَمَوْتُ البِدْعَةِ.

(٤) الحَذَرُ الشَّدِيدُ مِنْ مَسَالِكِ "المُمَيِّعَةِ" الَّذِينَ يَهْدِمُونَ أُصُولَ السُّنَّةِ بِالتَّسَامُحِ البَارِدِ.

(٥) اِسْتِحْضَارُ "التَّوْقِيعِ الزَّمَنِيِّ" لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ كَمِعْيَارٍ لِلْحَسْمِ العَقَدِيِّ.

(٦) مُدَاوَمَةُ النَّظَرِ فِي سِيَرِ حَمَلَةِ السُّنَّةِ (كَالقَاسِمِ وَالعُتَيْبِيِّ وَالحَنْبَلِيِّ وَأَصْحَابِهِمْ).

(٧) عَدَمُ الرَّكْنِ إِلَى كُتُبِ أَهْلِ الضَّلَالِ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) وَإِنْ زُخْرِفَتْ بِالْبَيَانِ.

(٨) الرَّدُّ عَلَى المبتدعةِ بِعِلْمٍ وَأَدَبٍ وَقُوَّةٍ فِي الحَقِّ لَا تَعْرِفُ المُدَاهَنَةَ.

(٩) الاِجْتِهَادُ فِي نَشْرِ هَذِهِ النَّتَائِجِ العَقَدِيَّةِ بَيْنَ الشَّبَابِ لِتَحْصِينِهِمْ مِنَ التَّكْفِيرِ.

(١٠) تَوْثِيقُ كُلِّ نَقْلٍ بِالرَّقَمِ وَالمَصْدَرِ وَالمُؤَلِّفِ صِيَانَةً لِلأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.

(١١) الصَّبْرُ عَلَى أَذَى الخُصُومِ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيعِ وَالإِخْوَانِ وَأَتْبَاعِهِمْ.

(١٢) التَّثَبُّتُ فِي نِسْبَةِ الأَقْوَالِ، وَعَدَمُ القَوْلِ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِمَا لَا يَقُومُ عَلَيْهِ سَنَدٌ.

(١٣) التَّفْرِيقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ الحَقِّ وَبَيْنَ التَّطَرُّفِ الغَالِي أَوْ الجَفَاءِ الجَافِي.

(١٤) إِحْيَاءُ سُنَّةِ الإِجَازَةِ وَالرِّوَايَةِ فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ المُسْنَدَةِ.

(١٥) الحِرْصُ عَلَى جَمْعِ كَلِمَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى الأُصُولِ الثَّابِتَةِ.

(١٦) اِسْتِخْدَامُ التَّقْنِيَةِ الحَدِيثَةِ فِي خِدْمَةِ المَخْطُوطَاتِ وَالنُّصُوصِ العَقَدِيَّةِ.

(١٧) البُعْدُ عَنْ "الدِّيَاثَةِ العَقَدِيَّةِ" وَالغَيْرَةُ عَلَى مَقَامِ الصَّحَابَةِ وَالأَئِمَّةِ.

(١٨) مُرَاجَعَةُ البَحْثِ وَتَدْقِيقِهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ لِتَجَنُّبِ السَّقَطِ وَالخَلَلِ.

(١٩) رَبْطُ التَّأْصِيلِ العِلْمِيِّ بِالوَاقِعِ لِكَشْفِ حِيَلِ المبتدعةِ الجُدُدِ.

(٢٠) الدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ عَلَى السُّنَّةِ حَتَّى يَلْقَى العَبْدُ رَبَّهُ وَهُوَ عَنْهُ رَاضٍ.

[حَاشِيَةُ التَّأْصِيلِ وَالخِتَامِ ]

(١) تَأْصِيلُ البَاحِثِ لِلْوَصَايَا :

قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الوَصَايَا العِشْرِينَ هِيَ خِتَامُ المَسْكِ لِهَذَا المَجْلَدِ. قُلْتُ: إِنَّ تَرْتِيبَهَا عَمُودِيّاً يُسَهِّلُ عَلَى طَالِبِ الحَقِّ مُرَاجَعَتَهَا بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى. 

قُلْتُ: إِنَّ مَنْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الوَصَايَا فَقَدْ أَمَّنَ بَحْثَهُ مِنَ الزَّيْغِ وَالتَّحْرِيفِ. 

قُلْتُ: إِنَّ الِارْتِبَاطَ بِالسَّنَدِ المُتَّصِلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الوجوهِ السَّابِقَةِ هُوَ لُبُّ هَذِهِ الوَصَايَا. 

قُلْتُ: إِنَّ التَّحْذِيرَ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالِ (كَسَيِّدِ قُطْبٍ) وَأَهْلِ التَّمْيِيعِ هُوَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ. 

قُلْتُ: إِنَّ تَوْقِيعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ لَا يَزَالُ نِبْرَاساً لَنَا فِي كُلِّ بَحْثٍ عَقَدِيٍّ مَحْفُوظٍ. 

قُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ الخَاتِمَةَ هِيَ حُجَّةٌ لَنَا وَعَهْدٌ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ فِي هَذَا الطَّرِيقِ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي مَا سُطِّرَ هُنَا، فَقَدْ جَمَعْنَا فِيهِ بَيْنَ الرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، وَبَيْنَ السَّنَدِ وَالمَتْنِ.


[خَاتِمَةُ البحث]

تَمَّ هَذَا البَحْثُ المُبَارَكُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ فِي هَذَا اليَوْمِ:

الأَرْبِعَاءُ: ١٩ ذُو القَعْدَةِ ١٤٤٧ هِجْرِيَّةً.

المُوَافِقُ لَهُ: ٦ مَايُو (أَيَّار) ٢٠٢٦ مِيلَادِيَّةً.

تَمَّ بِمُوَافَقَةِ العَبْدِ الفَقِيرِ إِلَى رَبِّهِ أَبُو أَنَسٍ

عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ ابْنُ طَهَ آلُ عَامِرٍ المِصْرِيُّ

تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ.

»»»»»»»»»»»»»»»»١٠٤«««««««««««««««««

فهرس موضوعات البحث

مقاصد البحث وأهمية الذب عن السلف الصالح: (صفحة ١)

تعريف أهل السنة والجماعة ومعالم منهجهم: (صفحة ٢)

أهمية التدوين العقدي في العصور المبكرة: (صفحة ٣)

مصادر التلقي عند السلف وتقديم النقل على العقل: (صفحة ٤)

حفظ الدين بالرجال وأهمية الإسناد في الاعتقاد: (صفحة ٥)

مكانة الإجماع عند أهل السنة والجماعة: (صفحة ٦)

الرد على المفوضة في باب الصفات: (صفحة ٧)

منهج السلف في إثبات الأسماء والصفات: (صفحة ٨)

التحذير من التأويل الكلامي المنحرف: (صفحة ٩)

أصول الاستدلال بالقرآن والسنة: (صفحة ١٠)

ضوابط التكفير والرد على غلاة الخوارج المارقين: (صفحة ١١)

الفرق بين كفر النعمة وكفر الملة: (صفحة ١٣)

خطر الخروج على الأئمة وآثاره التدميرية: (صفحة ١٥)

الرد على شبهات المستحلين للدماء المعصومة: (صفحة ١٨)

منهج السلف في التعامل مع ولاة الأمر وبيان حقهم: (صفحة ٢١)

وجوب السمع والطاعة في غير معصية: (صفحة ٢٤)

فساد منهج سيد قطب في "الظلال" وتكفير المجتمعات: (صفحة ٢٦)

نقد فكرة الحاكمية المنحرفة وبيان ضلالها: (صفحة ٣٠)

بيان أخطاء سيد قطب في حق الأنبياء والصحابة: (صفحة ٣٣)

ضلالات حسن البنا وجماعة الإخوان في تمييع التوحيد: (صفحة ٣٦)

كشف حقيقة التنظيمات السرية وخطرها على الأمة: (صفحة ٤٠)

الرد على قاعدة المعذرة والتعاون الإخوانية: (صفحة ٤٣)

الرد على "المميعة" وأصحاب المناهج المنحرفة الحديثة: (صفحة ٤٦)

بيان معنى "الدياثة العقدية" في السكوت عن البدع: (صفحة ٤٩)

مسألة القدر وبيان مذهب أهل السنة فيها: (صفحة ٥١)

مراتب القدر الأربعة: العلم والكتابة والمشيئة والخلق: (صفحة ٥٣)

الرد على القدرية والمجوسية الثانية في هذه الأمة: (صفحة ٥٥)

الرد على الجبرية وبيان وسطية أهل السنة: (صفحة ٥٨)

تقرير صفات الله تعالى والرد على الجهمية والمعطلة: (صفحة ١٦)

مسألة الاستواء والعلو وبيان أدلة الفطرة والنقل: (صفحة ٦٦)

إثبات صفة الكلام لله تعالى والرد على الأشاعرة: (صفحة ٦٩)

مسائل الإيمان ورد شبهات المرجئة والخوارج: (صفحة ٧١)

زيادة الإيمان ونقصانه وأثر العمل في التصديق: (صفحة ٧٤)

عقوبة المبتدع في الشريعة وضوابط هجره: (صفحة ٧٦)

حكم الصلاة خلف أهل البدع والأهواء: (صفحة ٧٩)

التحذير من مجالسة أهل الأهواء وسماع شبهاتهم: (صفحة ٨١)

موقف السلف من المبتدع الداعية وغير الداعية: (صفحة ٨٤)

نقض مزاعم المبتدعة في الترقيق وتسويغ الضلال: (صفحة ٨٦)

كشف حيل المميعة في الدفاع عن رؤوس الفتنة: (صفحة ٩١)

خطر الموازنات في نقد أهل البدع: (صفحة ٩٤)

ترجمة أعلام السنة ومواقفهم من الفتن العصرية: (صفحة ٩٦)

جهود علماء المملكة ومصر في نصرة التوحيد: (صفحة ٩٨)

الرسالة العمرية: نصها وأهميتها التاريخية: (صفحة ١٠١)

التوقيع الزمني (رمضان ١٠٠) وأثره في استقرار النسبة: (صفحة ١٠٢)

سلسلة الرجال: طريق الحجاز (القاسم) وطريق مصر (الحنبلي): (صفحة ١٠٣)

السند المتصل من الباحث إلى ابن عساكر إلى عمر بن عبد العزيز: (صفحة ١٠٤)

الأربعاء: ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ

الموافق: ٦ مايو ٢٠٢٦ م

تم بموافقة العبد الفقير إلى ربه أبو أنس

عماد بن عبد العزيز ابن طه آل عامر المصري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق