" برهان الكمال في فقه قاعدة الحركة والفاعلية عند الإمام الدارمي"
"دراسة عقدية تحليلية في لوازم صفات الأفعال الاختيارية".
"قاعدة الحركة والفعالية" عند إمام أهل السنة عثمان بن سعيد الدارمي
أولاً: تخريج الأثر ونسبته وحكمه
هذا الأثر من أشهر ما نُقل عن الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى 280هـ)، وهو إمام السجزي وابن خزيمة، وأحد قمعة البدعة في زمانه.
* نص الأثر:
"والحي الفعال لا يكون إلا متحركاً إذا شاء، والنزول والمجيء والاستواء أفعال الحي، والميت لا يتحرك".
* موطن الأثر: ورد هذا النص في كتابه العظيم الذي قمع به المريسي.
المصدر: عثمان بن سعيد الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد، تحقيق: رشيد رضا، مكتبة دار الكتب العلمية، ص (147). وكذا في المجلد (1)، ص (254) بتنسيقات أخرى.
* حكم الأثر: الأثر صحيح وثابت عن الدارمي، وقد نقله عنه كبار الأئمة محتجين به، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه، ولم ينكره أحد من السلف، بل تداولوه كقاعدة عقلية ونقلية في الرد على الجهمية.
ثانياً: التدقيق اللغوي لألفاظ الأثر
كلمات الإمام الدارمي جاءت في غاية الدقة اللغوية لقطع الطريق على المعطلة:
* الحي الفعال:
"الحي" لغةً هو القائم بنفسه ضد الميت.
و"الفعال" صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، تقتضي كثرة الفعل وتجدده بمشيئته.
* متحركاً إذا شاء: الحركة لغةً هي الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان.
والدارمي : هنا يقصد "الحركة الاختيارية" التي هي من لوازم الحياة الكاملة
وقيدها بـ "إذا شاء" لبيان أنها فعل اختياري وليست حركة اضطرارية كحركة المخلوق.
* النزول والمجيء والاستواء:
استعمل أفعالاً وردت في القرآن والسنة (يُنزل، وجاء ربك، استوى) ليثبت أنها أفعال حقيقية قائمة بالذات الإلهية.
* الميت لا يتحرك:
ضرب مثلاً بالموت (وهو العدم أو سلب الحياة) ليبين أن نفي الفعل عن الله هو وصف له بصفات الأموات أو الجمادات، تعالى الله عن ذلك.
ثالثاً: شرح الأثر وتفصيل معناه العقدي
يريد الإمام الدارمي أن يقرر قاعدة عقلية يسلم بها كل ذي عقل سليم، وهي أن "الفعل فرع عن الحياة".
* إثبات صفات الأفعال: يقرر الدارمي أن الله ليس ذاتاً جامدة لا تفعل، بل هو إله حي، ومن لوازم حياته أن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، ويستوي على عرشه.
* الحركة الاختيارية: مصطلح "الحركة" الذي استعمله الدارمي هو اصطلاح أراد به الرد على الجهمية الذين قالوا: "الله لا يتحرك؛ لأن الحركة لا تكون إلا في الأجسام".
فرد عليهم الدارمي بأن نفي الحركة مطلقاً هو وصف لله بالموات، فالحي الذي ليس له فعل اختياري هو في حكم الميت.
المصدر: ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، مجمع الملك فهد، ج (1)، ص (438).
رابعاً: على من يرد هذا الأثر؟
يرد هذا الأثر على طائفتين رئيستين في باب الصفات:
1. الجهمية والمعتزلة (نفاة الصفات):
هؤلاء ينفون أن يكون لله فعل يقوم به، ويقولون إن نزول الله هو "نزول أمره" أو "نزول ملك من ملائكته".
رد عليهم الدارمي بأن الأمر والملك مخلوقان، والله وصف الفعل لنفسه، والجماد لا يتحرك بمشيئته، فكيف تسلبون عن الخالق كمال الفعل؟
2. الكلابية والأشاعرة والماتريدية:
هؤلاء أثبتوا صفات الذات (كالحياة والعلم) ونفوا "صفات الأفعال الاختيارية" القائمة بالذات.
زعموا أن الله لا يقوم به فعل متعلق بالمشيئة (أي لا يجيء ولا ينزل حقيقة بحركة واختيار).
* وجه الرد: الدارمي يثبت أن هذه الأفعال (استواء، نزول، مجيء) هي أفعال الحي حقيقة
ونفيها يستلزم تشبيه الله بالجمادات أو الأموات الذين لا قدرة لهم على الفعل والتحرك.
المصدر: ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة، دار العاصمة، ص (388).
خامساً: القواعد المستنبطة من هذا الأثر
استنبط العلماء من قول الدارمي قواعد كبرى، منها:
* قاعدة كمال الفعل: كل حي كامل الحياة هو فعال بمشيئته، والرب أحق بهذا الكمال.
* قاعدة التلازم: إثبات الذات يقتضي إثبات الصفات، وإثبات الصفات يقتضي إثبات الأفعال.
* قاعدة بطلان السكون المطلق: السكون المطلق نقص لا يليق بالخالق، لأن الفعالية هي سمة الألوهية.
* قاعدة إثبات الألفاظ: جواز إطلاق الألفاظ التي تدل على معاني صحيحة (كالحركة) في مقام الرد على المبتدعة وإن لم يرد لفظها نصاً، طالما أن معناها حق (وهو الفعل الاختياري).
سادساً: من استشهد بهذا الأثر من الأئمة؟
لقد طار هذا الأثر في كتب أئمة أهل السنة واحتجوا به في كبرى مصنفاتهم:
شيخ الإسلام ابن تيمية: في كتابه درء تعارض العقل والنقل، ج (7)، ص (7).
وفي منهاج السنة النبوية، ج (2)، ص (332).
* الإمام ابن القيم: في كتابه الصواعق المرسلة، ج (4)، ص (1322).
* الإمام الذهبي: في كتابه العلو للعلي الغفار، ص (192)، حيث نقل كلام الدارمي وأقره.
سابعاً: عشر فوائد مستخلصة من أثر الدارمي
* إثبات المشيئة: أن أفعال الله ليست اضطرارية بل "إذا شاء".
* التمايز عن الجماد: الله منزه عن السكون الذي هو سمة الموات والعدم.
* حقيقة الاستواء: الاستواء فعل حقيقي قام به الرب بعد خلق العرش.
* إبطال التأويل: بطلان قول من قال إن النزول هو نزول الرحمة، لأن الرحمة لا توصف بالحي الفعال.
* تقرير العقل الصحيح: استخدام القياس العقلي (الحي ضد الميت) لإثبات كمال الله.
* قوة المنهج الأثري: الاعتماد على النصوص مع فهم لوازمها الصحيحة.
* بيان عجز المعطلة: إحراج المبتدعة في لوازم قولهم (أن إلههم لا يفعل شيئاً بذاته).
* الربط بين الأسماء والصفات: الربط بين اسم "الحي" وبين صفة "الفعل".
* التنزيه الحقيقي: التنزيه هو إثبات الكمال لا نفي الصفات.
* شجاعة الأئمة: الجرأة في استعمال الألفاظ الواضحة لقطع دابر الشبهة.
ثامناً: ترجمة الإمام عثمان بن سعيد الدارمي
1. عقيدته:
كان إماماً سلفياً قحاً، حامياً لحمى العقيدة، شديداً على الجهمية.
برز في إثبات صفات العلو والاستواء وكلام الله. كتابه "الرد على الجهمية" و "النقض على المريسي" من أمهات كتب الاعتقاد المسندة.
2. شيوخه:
* الإمام أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة).
* يحيى بن معين (إمام الجرح والتعديل).
* علي بن المديني.
* إسحاق بن راهويه.
3. تلاميذه:
* الإمام أبو داود السجستاني (صاحب السنن).
* الإمام الترمذي.
* الإمام النسائي.
* ابن خزيمة (إمام الأئمة).
4. وفاته: توفي الإمام الدارمي في ذي الحجة سنة 280 هـ، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
(تتمة المبحث):
النظريات الوجودية في "قاعدة الحركة والفاعلية"
أولاً: التوسع الفلسفي في
"مفهوم الحركة" (بين الإثبات والنفي)
لقد كانت "الحركة" هي المعترك الأكبر في تاريخ الفلسفة، وانقسموا فيها إلى تيارات، منها ما يخدم قول الدارمي ومنها ما يصادمه:
1. المدرسة الأرسطية (المشاؤون):
* قولهم: أثبت أرسطو أن الله هو "المحرك الذي لا يتحرك".
* نقد الدارمي الضمني لهم: أرسطو جعل الله علة غائية (كالمغناطيس يجذب الأشياء إليه) لكنه لا يفعل بذاته ولا يتحرك.
وهذا هو "الجمود" الذي نفاه الدارمي بقوله: "والحي الفعال لا يكون إلا متحركاً". فالفلاسفة أثبتوا "تحريك غيره" ونفوا "حركته هو بمشيئته"، فجعلوه ناقصاً كالمصنع الذي يعمل بلا صانع مباشر.
2. مدرسة "الحركة الجوهرية" (صدر المتألهين ومن تبعه):
* قولهم: إن الوجود كائن سيّال، والحركة ليست عرضاً يطرأ على الجسم، بل هي جوهر الوجود.
* الاستفادة العقدية:
رغم انحرافات هذه المدرسة، إلا أنها أثبتت أن "السكون" هو العدم المحض، وأن "الوجود"والحركة توأمان لا ينفصلان.
وهذا يعضد قول الدارمي بأن "الميت لا يتحرك"؛ فالسكون المطلق سمة الجماد والعدم.
ثانياً: لماذا "الحركة" كمال؟ (تحقيق عقلي موسع)
يُخطئ بعض الناس حين يظن أن الحركة تقتضي النقص
(أي الانتقال من مكان ناقص لمكان أكمل)، وهذا جهل، بل الحركة في حق الخالق هي "كمال الفاعلية" وتتجلى في
النقاط التالية:
القيومية: الله قيوم، والقيوم هو المستغني بنفسه المقيم لغيره، ولا يُعقل إقامة الغير بلا فعل، ولا فعل بلا حركة اختيارية (كما يليق بجلاله)
الخلق المتجدد: الله يخلق في كل لحظة، والقول بأن الخالق "ساكن سكوناً أزلياً وأبدياً" يمنع من تصور حدوث الخلق بمشيئته.
الفرق بين "الحركة" و"الحدوث": أهل السنة يفرقون بين (الحركة كصفة كمال) وبين (الحدوث بمعنى الخلق).
فكلام الله قديم النوع لكن آحاده تتحرك بها قدرته ومشيئته حين يكلم عباده.
ثالثاً: الرد التفصيلي على "نفاة الحركة الاختيارية"
لقد رد الإمام الدارمي بهذا الأثر على شبهة (التركيب والأغراض):
* شبهة المعطلة: يقولون "لو تحرك لكان جسماً".
* رد الدارمي المتوسع: الدارمي يقلب عليهم الطاولة؛ فيقول: "لو لم يتحرك لكان عدماً أو ميتاً".
والوصف بالوجود والكمال أولى من التنزيه الذي يؤدي إلى العدم.
* القاعدة: "كل موجودين أحدهما يتحرك والآخر لا يتحرك، فالذي يتحرك أكمل من الذي لا يتحرك بشرط أن تكون حركته بإرادته".
رابعاً: قواعد العلماء المستنبطة من "طريقة الدارمي"
* قاعدة (الفعل الاختياري):
كل ما يوصف به الرب من مجيء ونزول واستواء هو من "أفعال الذات" التي تقع بمشيئته، وليست مجرد خلق لأفعال في غيره.
* قاعدة (بطلان التشبيه بالجمادات):
نفي الحركة عن الله هو تشبيه له بالأصنام التي قال الله عنها: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا}؛ فالنقص في الأصنام أنها لا تتحرك ولا تفعل، فكيف يُنزه الخالق بصفات نقص الأصنام؟
* قاعدة (النطق والسكوت):
كما أن المتكلم أكمل من الأبكم، فالمتحرك الفعال بمشيئته أكمل من الساكن الذي لا يقدر على الفعل.
خامساً: عشر فوائد
* إثبات "التجدد" لا "الحدوث":
أفعال الله تتجدد بتجدد الأوقات (ينزل كل ليلة) وهذا دليل غنى وكرم.
* إبطال "التعطيل المقنع":
من يثبت الاستواء وينفي الحركة يقع في تناقض عقلي، لأن الاستواء فعل يقتضي القصد.
* الارتباط بصفة "القدرة":
الحركة هي المظهر الأسمى للقدرة الإلهية النافذة.
* نسف مذهب "التفويض الجهمي":
الدارمي لم يكتفِ بنقل النص، بل شرح معناه لبيان بطلان قول من يقول "لا نعرف معناها".
* تفسير "المجيء":
المجيء يوم القيامة هو مجيء حقيقي للذات الإلهية وليس مجرد مجيء الثواب.
* إثبات "الغرض الصحيح":
أفعال الله لها غايات (كإجابة الدعاء عند النزول)، والسكون يمنع الغائية.
* بيان شرف "النقل":
أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح في أن الإله لابد أن يكون فعالاً.
* الرد على "الأزلية الجامدة":
الرد على من قال إن الله فعل فعلاً واحداً في الأزل ثم انقطع.
* تعظيم نصوص الصفات: جعل نصوص النزول والمجيء هي الأصل الذي يُفهم منه كمال الذات.
* ترسيخ مبدأ "المباينة":
الله بائن من خلقه، يتحرك ويستوي فوق عرشه كما يشاء، لا يحل في خلقه ولا يحلون فيه.
الخاتمة الجامعة:
"عقيدة الكمال بين نطق الجلال وحركة الجمال"
بختام هذه المباحث العقدية العميقة، يتجلى لنا أن معركة أهل السنة مع أهل البدع لم تكن معركة على "ألفاظ" مجردة، بل كانت معركة لإثبات "ربٍّ حيٍّ فعال" في مقابل "إله ذهني" لا يتكلم ولا يفعل ولا يجيء. ونلخص أهم النتائج واليقينيات في النقاط الجوهرية التالية:

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق