الجمعة، 5 يونيو 2026

​📖 قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ كِتَابِ (فَضْلُ الإِسْلَامِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ

 

📄 إِجَازَةُ رِوَايَةِ كِتَابِ: «فَضْلُ الإِسْلَامِ»

​⚜️ المُقَدِّمَةُ:

​«الحَمْدُ للهِ الذِي رَفَعَ مَنَارَ الدِّينِ بِالإِسْنَادِ، وَجَعَلَهُ حِصْناً لِلشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالفَسَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ المَعَادِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الإِسْنَادِ خَصِيصَةٌ بَاهِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبِهِ يُحْفَظُ Mَنْقُولُ، وَيَتَمَيَّزُ الحَقُّ عَنِ الفُضُولِ، وَلَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ وَالسُّنَّةِ التِي هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ.

​وَإِنَّ كِتَابَ (فَضْلُ الإِسْلَامِ) لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ مِنْ أَنْفَسِ مَا كُتِبَ فِي بَيَانِ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، وَلُزُومِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ المُبِينِ، وَصَوْنُ رِوَايَتِهَا بِالاتِّصَالِ هُوَ صَوْنٌ لِمَعَانِيهَا مِنَ الِانْحِرَافِ وَالِانْتِحَالِ. وَإِتْمَاماً لِلْمَنْفَعَةِ، فَقَدْ أَجَزْتُ بِمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ وَالرِّوَايَةِ:

  • الطَّالِبَ الفَاضِلَ/ ............................................................
  • وَالطَّالِبَةَ الفَاضِلَةَ/ ............................................................

​لِيَتَّصِلَ سَنَدُهُمَا بِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ الحَنِيفِيَّةِ، سَائِلًا اللهَ لَهُمَا التَّوْفِيقَ وَالثَّبَاتَ عَلَى المَنْهَجِ القَوِيمِ.»

​📖 قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ كِتَابِ (فَضْلُ الإِسْلَامِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ

​يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):

[اكتب اسمك الجديد هنا]

​«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامةِ.

أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ "فَضْلُ الإِسْلَامِ" إِلَى مُؤَلِّفِهِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

​🇸🇦 أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):

  1. الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ: عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).
  2. الشَّيْخُ: بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
  3. الدُّكْتُورُ: مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
  4. المُسْنِدُ الشَّيْخُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
  5. الشَّيْخُ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
  6. الشَّيْخُ: عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.

​🇪🇬 ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:

  1. الشَّيْخُ: وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).
  2. الشَّيْخُ: مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
  3. الشَّيْخُ: نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
  4. الشَّيْخُ: مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
  5. الشَّيْخُ: أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.
  6. الشَّيْخُ: أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
  7. الشَّيْخُ: عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.

​🌍 ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:

  1. الشَّيْخُ: دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ (الكُوَيْت).
  2. الشَّيْخُ: أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ (اليَمَن).
  3. الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ: عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ (الجَزَائِر).
  4. الشَّيْخُ: سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ (الهِنْد).
  5. المَشَايِخُ الأَفَاضِلُ: مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.

​⛓️ [السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِكِتَابِ "فَضْلُ الإِسْلَامِ"]:

​أَرْوِي كِتَابَ "فَضْلُ الإِسْلَامِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ Mَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:

​الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ).

وَكَذَلِكَ يَرْوِي: الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.


​📜 [سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:

​يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجَدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ.

​إِتْحَافُ السَّادَةِ بِتَحْقِيقِ وَتَخْرِيجِ وَشَرْحِ رِسَالَةِ فَضْلِ الإِسْلَامِ لِنَيْلِ الإِفَادَةِ ​إِعْدَادُ وَتَرْتِيبُ ​رَاجِي عَفْوَ رَبِّهِ / أَبُو أَنَسٍ ​عِمَادُ بْنُ عَبْدِالعَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِر الـمِصْرِيّ












 ​الهيكل المُصمَت للخطة الاستقصائية لشرح كتاب "فضل الإسلام"

​أولاً: الهيكل التمهيدي للبحث (المقدمة الكبرى والتوثيق)

​1. المقدمة السلفية الموسعة

​خطبة الحاجة الشرعية المأثورة

​المقدمة الاستهلالية

​أسباب اختيار كتاب "فضل الإسلام" (10 أسباب)

​أهمية الموضوع (10 نقاط)

​أهداف العمل في الكتاب (10 أهداف)

​2. توثيق الكتاب والاتصال المسند

​نسبة الرسالة

​السند المتصل (إجازة الشارح والمعلق)

​ثانياً: صلب العمل المنهجي (هندسة تطبيق فقرات المتن)

​أ) في أعلى الصفحة (المتن والشرح)

​نص الفقرة المتنية

​الشرح والبيان

​ب) في أسفل الصفحة (الحاشية الاستقصائية الموسعة)

​1. تخريج الآيات والأحاديث والآثار:

​الطبقة الأولى: الجوامع والأمهات

​الطبقة الثانية: المعاجم والمصنفات والأجزاء

​2. الحكم والتعليل الحديثي

​3. القاموس اللغوي والاصطلاحي (من 5 إلى 10 مفردات)

​4. القواعد والضوابط:

​القاعدة العقدية وضابطها

​القاعدة الأصولية/الفقهية وضابطها

​5. الاستنباطات والفوائد (لا تقل عن 5 فوائد)

​ثالثاً: خاتمة البحث (المباحث السلفية الاستقصائية للكتاب)

​المبحث الأول

​المبحث الثاني

​المبحث الثالث

​المبحث الرابع

​المبحث الخامس

​(إلى المبحث العاشر)

___________________________________١____________________________________

المقدمة

​إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِي لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

  • ​{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
  • ​{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
  • ​{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].

​أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

​ب) المقدمة  (نقاء الإسلام، الاقتران بالدليل، والغربة)

​إنَّ النعمةَ العُظمى والمنةَ الكبرى التي مَنَّ اللهُ بها على عباده هي نعمةُ الإسلام، هذا الدينُ القيِّمُ الذي ارْتضاهُ ربُّ العالمين صبغةً لعباده، فلا يقبلُ من أحدٍ سواه ديناً، قال تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}. وإنَّ حقيقةَ هذا الإسلامِ العظيمِ مبنيةٌ على أصليْنِ عظيمينِ لا ينفكانِ عنه: الاستسلامُ لله بالتوحيدِ، والانقيادُ له بالطاعةِ والبراءةُ من الشركِ وأهلِه. وهو الإسلامُ النقيُّ الصافي كما نزلَ من مشكاةِ النبوةِ، غَضَّاً طريّاً، لم تَشُبهُ كدُوراتُ الآراءِ، ولم تُدنسْهُ أهواءُ الرجالِ، ولم تغيّرْ معالمَهُ الفلسفاتُ ولا المناهجُ المحدثةُ.

​ولما كانَ هذا الدينُ قد بُنيَ على الاتباعِ لا الابتداعِ، وعلى التأسِّي لا الاختراعِ، كانَ لِزاماً على كلِّ سالكٍ لِسبيلِ النجاةِ أن يَقْرِنَ عَقِيدتَهُ وعَملَهُ بالدليلِ الأثريِّ الصحيحِ، مستمسكاً بما كانَ عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه الكرامُ والتابعونَ لهم بإحسانٍ؛ إذ لا نجاةَ من غوائلِ الفتنِ وضلالاتِ السُّبلِ إلا بالرجوعِ إلى المَعينِ الأولِ، والاعتصامِ بحبلِ اللهِ المتينِ، لاسيما في هذه الأزمانِ المتأخرةِ التي تلاطمتْ فيها أمواجُ الشبهاتِ، وكثُرتْ فيها المحدثاتُ، وحقَّتْ فيها نبوءةُ الصادقِ المصدوقِ صلى الله عليه وسلم في بيانِ "غربةِ الدينِ" وأهلِه حين قالَ: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ».

​وعند اشتدادِ هذه الغربةِ وكثرةِ دعاةِ على أبوابِ جهنمَ، يَعْظُمُ لزومُ "جماعةِ المسلمين" وإمامِهم، والالتفافُ حولَ علماءِ الأثرِ الراسخينَ، ونبذُ الفُرقةِ والتحزبِ، ومجانبةُ طرائقِ أهلِ البدعِ والأهواءِ الذين فارقوا الجماعةَ وشقوا عصا الطاعةِ. وإنَّ من أعظمِ ما يُعينُ طالبَ العلمِ على تحقيقِ هذا المنهجِ السلفيِّ الأثريِّ الأصيلِ، هو مدارسةُ متونِ أئمةِ الدعوةِ الإصلاحيةِ الذين جردوا التوحيدَ، وصَفَّوا المنهجَ، وأقاموا الحُجَّةَ بالآثارِ السَّلَفيةِ النيِّرةِ.

​ج) أسباب اختيار كتاب "فضل الإسلام" (10 أسباب محددة)

  1. ​صفاء المادة وعلمية الطرح: اعتمادُ المصنفِ الكليِّ في تقريرِ مسائلِ الكتابِ على نصوصِ الوحيينِ (الكتابِ والسنةِ) وآثارِ الصَّحابةِ والتابعينَ، دون الخوضِ في آراءِ المتكلمينَ.
  2. ​شُموليةُ المتنِ واختصارُه: جَمْعُهُ لأصولِ المنهجِ السلفيِّ وقضايا العقيدةِ الكبرى في أبوابٍ وجيزةٍ سهلةِ الحفظِ والمدارسةِ.
  3. ​تحريرُ مفهومِ الإسلامِ: حاجةُ الساحةِ العلميةِ والدعويةِ اليومَ لتصفيةِ مفهومِ "الإسلامِ النقيِّ" وتخليصِهِ من تحريفِ الغالينَ وانتحالِ المبطلينَ.
  4. ​عِلاجُ آفةِ البدعةِ: تَميُّزُ الكتابِ بطرحٍ صارمٍ ودقيقٍ في كشفِ حقيقةِ البدعةِ وأثرِها المُدمِّرِ على أصلِ الدينِ وكمالِهِ.
  5. ​تأصيلُ لزومِ الجماعةِ: وضعُ الضوابطِ الشرعيةِ المحكمةِ لِلزومِ جماعةِ المسلمينَ وطاعةِ ولاةِ الأمورِ في غيرِ معصيةٍ، حسماً لِمادةِ الفوضى والخروجِ.
  6. ​فقهُ الغُربةِ والثباتِ: تفصيلُ المصنفِ في بيانِ صفاتِ "الغرباءِ" مما يمنحُ المؤمنَ طاقةً إيمانيةً ومنهجيةً للثباتِ على الحقِّ عند كثرةِ الفتنِ.
  7. ​مكانةُ المؤلِّفِ العلميةِ: إمامةُ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ وتجربتُهُ الإصلاحيةُ الكبرى جعلتْ لِمتونِهِ قَبُولاً واسعاً وعمقاً تفتقرُ إليه المحدثاتُ.
  8. ​مُناسبةُ المتنِ لكافةِ الطبقاتِ: صلاحيتُهُ ليكونَ لَبِنةً أساسيةً للمبتدئِ في الطلبِ، ومادةً استقصائيةً خصبةً للباحثِ المتقدمِ.
  9. ​الردُّ على الشُّبهاتِ المعاصرةِ: تفكيكُهُ الضمنيُّ لِشبهاتِ العصرِ حولَ التكفيرِ والاعتزالِ، وأفكارِ الجماعاتِ الحزبيةِ المنحرفةِ.
  10. ​النُّدرةُ في الشُّروحِ الاستقصائيةِ: مَسيسُ الحاجةِ إلى شرحٍ يجمعُ بين فكِّ العبارةِ والتحقيقِ الحديثيِّ والأصوليِّ الموسعِ على طريقةِ الحواشي الأثريةِ.

​د) أهمية الموضوع (10 نقاط مركزة)

  1. ​صيانةُ المعتقدِ السلفيِّ: حمايةُ عقولِ طلبةِ العلمِ من الانحرافاتِ العقديةِ والمنهجيةِ المعاصرةِ عبرَ ربطِهم بالمنبعِ الأثريِّ.
  2. ​ترسيخُ معالمِ الهويةِ الإسلاميةِ: تعزيزُ الاعتزازِ بالإسلامِ الحقِّ والاستغناءِ التامِّ بالوحيِ في زمنِ الذوبانِ الفكريِّ والعولمةِ.
  3. ​التحذيرُ من خطَرِ البدعِ: كشفُ مكرِ أصحابِ الأهواءِ وبيانُ أنَّ البدعةَ بريدُ الكفرِ وأخطرُ على الدينِ من المعاصي والشهواتِ.
  4. ​تأصيلُ فقهِ الائتلافِ ونبذِ الاختلافِ: إبرازُ المقاصدِ الشرعيةِ في حِفظِ بيضةِ المسلمينَ ووحدةِ كلمتِهم تحتَ رايةِ السنةِ.
  5. ​تجليةُ المنهجِ الوسطِ: بيانُ وسطيةِ أهلِ السنةِ والجماعةِ بين غُلاةِ التكفيرِ والخروجِ، وجُفاةِ الإرجاءِ والتمييعِ.
  6. ​إحياءُ المنهجِ الأثريِّ في الاستدلالِ: تعويدُ الباحثينَ على الانقيادِ للنصِّ وتعظيمِ الأثرِ وتقديمِهِ على العقلِ المجرَّدِ.
  7. ​الوقوفُ في وجهِ النوازلِ المنهجيةِ: تزويدُ المكلفِ بالأدواتِ العلميةِ للتعاملِ مع الفتنِ الفكريةِ المعاصرةِ والنزاعاتِ الحزبيةِ.
  8. ​ربطُ الفروعِ بالأصولِ: تبيانُ كيفيةِ تفرُّعِ الأحكامِ الفقهيةِ والسلوكيةِ عن الأصولِ العقديةِ الكليةِ المودعةِ في المتنِ.
  9. ​تحريرُ المفاهيمِ المَغلوطةِ: ضَبطُ وتصحيحُ المصطلحاتِ الشرعيةِ (الإسلام، البدعة، الجماعة، الغربة) طبقاً لِفهمِ السلفِ الصالحِ.
  10. ​تفعيلُ التراثِ العلميِّ لِأئمةِ الدعوةِ: تقديرُ جهودِ المجددينَ وإبرازُ عمقِهم العلميِّ والحديثيِّ والردُّ على من يَتهمُهم بالسطحيةِ أو التكفيرِ.

​هـ) أهداف العمل في الكتاب (10 أهداف محددة)

  1. ​تقديمُ شرحٍ لفظيٍّ دقيقٍ: تفكيكُ عباراتِ المتنِ وإيضاحُ مرادِ المصنفِ بعباراتٍ سلفيةٍ متينةٍ خاليةٍ من التعقيدِ.
  2. ​التخريجُ الاستقصائيُّ ذو الطبقتينِ: عزوُ كافةِ الأحاديثِ والآثارِ للأمهاتِ والجوامعِ أولاً، ثم المسانيدِ والمعاجمِ والأجزاءِ ثانياً.
  3. ​التحقيقُ والتعليلُ الحديثيُّ: الحكمُ الدقيقُ على الأسانيدِ مع كشفِ العِللِ الخفيةِ وحالِ الرواةِ جرحاً وتعديلاً.
  4. ​بناءُ القاموسِ المصطلحيِّ: تحريرُ الحدِّ الجامعِ المانعِ لِلغةِ والاصطلاحِ الشرعيِّ لِكلِّ مفردةٍ غريبةٍ في النصوصِ.
  5. ​تأصيلُ القواعدِ العقديةِ: استخراجُ الضوابطِ الكليةِ لعقيدةِ السلفِ من خلالِ السياقاتِ المتنيةِ وصياغتُها صياغةً علميةً مُحكمةً.
  6. ​استثمارُ القواعدِ الأصوليةِ: تطبيقُ قواعدِ أصولِ الفقهِ والدلالاتِ والاستنباطِ الفقهيِّ على نصوصِ الكتابِ لربطِ العلمينِ.
  7. ​توليدُ الاستنباطاتِ والفوائدِ: صياغةُ خمسِ فوائدَ منتقاةٍ على الأقلِّ (تربوية، عقدية، منهجية) عند كلِّ فقرةٍ لتعظيمِ النفعِ.
  8. ​إفرادُ المباحثِ الكبرى بالبحثِ: جمعُ القضايا الكبرى في الكتابِ وإفرادُها بمباحثَ تأصيليةٍ موسعةٍ في خاتمةِ العملِ.
  9. ​تيسيرُ المتنِ لِطلابِ العلمِ: إخراجُ الشرحِ في قالبٍ هندسيٍّ منظمٍ يُسْهلُ حفظَهُ ومدارستَهُ ومراجعتَهُ دون تشتيتٍ.
  10. ​الانتصارُ لِمعتقدِ أهلِ السنةِ: إبطالُ شُبهاتِ المبتدعةِ والمعطلةِ والخوارجِ والردُّ عليهم بالحُجَّةِ البالغةِ والبرهانِ الأثريِّ.

___________________________________٢____________________________________

​أ) نسبة الرسالة إلى الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب

​إن نسبة كتاب "فضل الإسلام" إلى الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي (المتوفى: 1206هـ) رحمه الله، هي نسبة صحيحة ثابتة مستفيضة، استقرت عليها كلمة العلماء والمؤرخين والباحثين من عصر المصنف إلى يومنا هذا ولعل من أقوى الأدلة العلمية على صحة هذه النسبة ما يلي:

​وجود النسخ الخطية: حُفظت للكتاب عدة نسخ خطية قديمة مكتوب على طرتها اسم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومنها نسخ محفوظة في دار الكتب الوطنية بالرياض (مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية)، وبعضها منسوخ في القرن الثالث عشر الهجري على أيدي علماء الدعوة الإصلاحية.

​سياق المصنف وطريقته: إن طريقة حشد الأدلة في كتاب "فضل الإسلام"؛ بالبدء بذكر الآيات ثم الأحاديث ثم الآثار عن السلف، وتبويب المسائل بترجمة تعكس فقه الباب، هي ذاتها الهندسة العلمية المتبعة في كتابه الأشهر "كتاب التوحيد"، وكتاب "الكبائر"، مما يقطع باتحاد المنهجية والمصنف.

​نصّ العلماء والمؤرخين على نسبتها للشيخ: تتابع تلامذة الشيخ، وأبناؤه، وأحفاده، ومؤرخوا الدعوة على عزو هذا المتن إليه في مصنفاتهم وفتاواهم، وإدراجها ضمن مجموع مؤلفاته ورسائله العلمية.

​وممن نسب هذه الرسالة للإمام المجدد في مصنفاتهم وتواريخهم بالتوثيق المحقق:

​الشيخ عبد الرحمن بن قاسم العاصمي (المتوفى: 1392هـ): الذي جمع تراث الشيخ وأبنائه، وأفرد كتاب "فضل الإسلام" بالذكر ونصَّ على أنه من مصنفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب وطبعه كاملاً ضمن المجموع. [1]

​المؤرخ الشيخ حسين بن غنام (المتوفى: 1225هـ): وهو مؤرخ الدولة السعودية الأولى وتلميذ الشيخ المجدد، حيث ذكر في تاريخه المصنفات والرسائل التي دارت بين الشيخ والآفاق وقرر منهجية الشيخ في التبويب والحشد الأثري كما في فضل الإسلام. [2]

​الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (المتوفى: 1293هـ): في رسائله وفتاواه العقدية، حيث استشهد بتبويب الشيخ في "فضل الإسلام" ونسبه إليه صراحة في معرض رده على المخالفين. [3]

​الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري (المتوفى: 1417هـ): في كتابه المتخصص في تتبع وفهرسة مؤلفات الإمام المجدد، حيث أثبت رسالة "فضل الإسلام" ووصف نسخها الخطية وأكد نسبتها له. [4]

_____________________________________________________________________

​[1] ابن قاسم، عبد الرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي النجدي (ت: 1392هـ). مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب. طبع بإشراف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية. الطبعة: الأولى، (بدون تاريخ طبعة المجموع ولكن تم جمعها ونشرها في أواخر القرن الرابع عشر الهجري)، المجلد: الأول (القسم الخامس من المجموع - رسائل العقيدة والمنهج)، كتاب فضل الإسلام، رقم الصفحة: 205.

​[2] ابن غنام، حسين (ت: 1225هـ). تاريخ نجد المسمى (روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام). حرره وحققه: الدكتور ناصر الدين الأسد. دار الشروق، بيروت - لبنان. الطبعة: الرابعة، 1415هـ - 1994م، المجلد: الأول (القسم العلمي من التاريخ)، رقم الصفحة: 212.

​[3] آل الشيخ، عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن (ت: 1293هـ). مجموعة الرسائل والمسائل النجدية لعلماء نجد الأعلام. جمع وتصنيف: الشيخ رشيد رضا (ت: 1354هـ). مطبعة المنار، القاهرة - مصر. الطبعة: الأولى، 1346هـ - 1927م، المجلد: الثالث، رقم الصفحة: 418.

​[4] الأنصاري، إسماعيل بن محمد (ت: 1417هـ). حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وآثاره العلمية. الأمانة العامة للاحتفال بمرور مائة عام على تأسيس المملكة، الرياض. الطبعة: الأولى، 1419هـ - 1999م، المجلد: الواحد (كتاب مستقل)، مبحث: الفهارس والمؤلفات، رقم الصفحة: 84.

___________________________________٣____________________________________

الفوائد العشر في سرد عقائد الأئمة والكتب بالسند المتصل

​إنَّ سرد عقائد الأئمة ومصنفات السلف الصالح بـ "السند المتصل" عزوًا وروايةً وقراءةً وسماعًا إلى قائليها ومصنفيها، ليس مجرد زينة علمية أو ترف فكري، بل هو أصل أصيل من أصول التلقي والتحقيق المنهجي عند أهل الأثر. وإليك الفوائد العشر الاستقصائية حول أهمية وعظم فائدة سرد العقائد والكتب بالأسانيد المتصلة إلى قائليها:

​1. صيانة الدين من الكذب والتحريف (ميزة الأمة المحمدية)

​إنَّ الإسناد هو الخصيصة الكبرى التي حفظ الله بها هذا الدين من التبديل الذي وقع في الأمم السابقة، حيث ضاعت كتبهم وانقطعت أسانيدهم فدخلها التحريف [1]. وباتصال السند في عقائد السلف؛ يُقطع الطريق على الملاحدة والزنادقة وأهل الأهواء في دَسِّ مقالاتٍ أو كتبٍ مكذوبة على أئمة الهدى. وكما قال الإمام ابن المبارك رحمه الله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" [2].

​2. تحقيق الثقة واليقين بمصدر العقيدة

​عندما يقف طالب العلم على كتاب عقدي مثل "فضل الإسلام" أو غيره، ويرى إسناد شارحه ومُعلِّقه يتصل رجلًا عن رجل، وسماعًا وقراءةً إلى الإمام المصنف؛ يورث ذلك في قلبه يقينًا جازمًا وثقةً مطلقة بأن هذه الكلمات والاعتقادات هي عينه ما خطَّه بنان الإمام ونطق به لسانه [3]، ممَّا يجعل امتثاله واعتقاده مبنيًا على أرض صلبة من اليقين العلمي.

​3. إبطال دعاوى الخصوم والمشككين في نسبة الكتب

​يتعرض التراث العقدي السلفي دائمًا لهجمات من أصحاب المناهج البدعية الطاعنين في صحة نسبة بعض المتون لأئمتها (كالتشكيك في كتب الإمام المجدد، أو كتاب الإبانة للأشعري، أو الرد على الجهمية للدارمي). وسرد السند المتصل يقطع ألسنة هؤلاء الخصوم؛ لأن السند الشفهي المكتوب في أثبات العلماء وإجازاتهم يعضد النسخ الخطية ويمنحها الشرعية التاريخية والحديثية التي لا يمكن نقضها بمجرد الهوى [4].

​4. ربط المتأخرين بالمتقدمين وتكامل الهوية الأثرية

​إن سرد السلسلة الذهبية لرجال السند يُشعر الباحث وطالب العلم أنه امتداد طبيعي لقرون الخيرية الأولى. فالسند يربط عَالِم العصر الحالي بأئمة القرن الثالث عشر، ثم بأئمة القرون المفضلة، وصولًا إلى التابعين والصحابة ثم إلى صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم؛ وهذا يرسخ وحدة الهوية العلمية والمنهجية عبر الأزمان [5].

​5. نيل شرف البركة والتشبه بجهابذة المحدثين

​في سياق الرواية والسماع والاتصال بركةٌ ذاتية حثَّ عليها السلف؛ فحضور مجالس السماع وقراءة الأثبات يورث النفس خشوعًا وتعظيمًا للعلم، وفيه تشبهٌ بصنيع أئمة النقد والحديث كالبخاري ومسلم وأحمد [6]. ومجرّد بقاء هذه سنةً حيةً في الأمة هو إحياءٌ لشعيرة عظيمة كادت أن تندثر.

​6. التحقق من الضبط والاتقان الفعلي للمتن

​الإجازة والسند المبني على السماع أو القراءة يضمن أن المتن قد مرَّ عبر قنوات تصفية علمية؛ حيث قرأه التلميذ على الشيخ، وضبط مشكله، وحرَّر ألفاظه، وصحح التصحيف والتحريف الذي قد يقع في قراءة الصحف مجردة. فالإسناد شهادة جودة علمية وضبط للفظ والمعنى [7].

​7. معرفة مناهج الأئمة والعلماء من خلال طبقات السند

​عند سرد رجال الإسناد، يمر الباحث على تراجم هؤلاء الرواة (وهم في الغالب من كبار علماء وعقلاء وحفاظ نجد والحجاز والشام ومصر واليمن). تتبع هؤلاء الرجال يفتح للباحث آفاقًا لمعرفة تاريخ المدرسة العقدية، وكيف انتقل الكتاب من بلد إلى بلد، ومن طبقة إلى طبقة، وما هي الشروح والتعليقات التي صاحبت هذا السند [8].

​8. تعزيز مبدأ التلقي والمشافهة ونبذ الصحفية

​من آفات العصر الاعتماد على "الكتب والصحف" دون الشيوخ (الصحفيون). وسرد السند المتصل يؤصل للمبدأ السلفي: "لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي" [9]. فالسند يثبت أن هذا العلم دِينٌ يؤخذ بالتلقي والمشافهة والركب بين يدي العلماء، وليس مجرد قراءات عشوائية في بطون المجلدات.

​9. تفعيل حكم الاتصال في الرواية وتسهيل المتابعات الحديثية

​سرد السند يتيح لعلماء الحديث ونقاده في كل عصر مراجعة الأسانيد، ومعرفة العالي منها والنازل، والوقوف على صيغ الأداء (حدثنا، أخبرنا، سماعًا، إجازة). هذا التحرير الحديثي يخدم التحقيق العلمي ويجعل المتون العقدية خاضعة لقواعد الجرح والتعديل، مما يزيدها مهابة وقوة في وجوه أهل الكلام [10].

​10. إقامة الحجة البالغة على المخالفين

​عند المحاجة والمناظرة في مسائل المعتقد، يكون الاحتجاج بالمتن المسند المتصل أقوى في إقامة الحجة وإلزام المخالف؛ لأنك لا تسوق له كلامًا مجهول المصدر أو مقطوع النسبة، بل تسوق له عقيدةً يتداولها العدول ضابطًا عن ضابط، مما يجعل إنكارها إنكارًا للبداهة التاريخية والعلمية، وبذلك ينقطع شغب أهل البدع تمامًا [11].

_______________________________________________________________________

​[1] السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد (ت: 489هـ). قواطع الأدلة في الأصول. تحقيق: محمد حسن إسماعيل الشافعي. دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان. الطبعة: الأولى، 1418هـ - 1999م، المجلد: الأول، باب: الأخبار، رقم الصفحة: 320.

​[2] النيسابوري، مسلم بن الحجاج القشيري (ت: 261هـ). صحيح مسلم. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان. الطبعة: الأولى، 1374هـ - 1955م، المجلد: الأول، (المقدمة - باب في أن الإسناد من الدين)، رقم الصفحة: 15.

​[3] السخاوي، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن (ت: 902هـ). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي. تحقيق: علي حسين علي. مكتبة السنة، القاهرة - مصر. الطبعة: الأولى، 1415هـ - 1995م، المجلد: الثالث، كتاب الإجازة، رقم الصفحة: 33.

​[4] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام (ت: 728هـ). مجموع الفتاوى. جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثانية، 1416هـ - 1995م، المجلد: الأول (كتاب العقيدة)، رقم الصفحة: 147.

​[5] الكتاني، محمد بن جعفر بن إدريس (ت: 1345هـ). الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة. دار البشائر الإسلامية، بيروت - لبنان. الطبعة: السادسة، 1421هـ - 2000م، المجلد: الواحد (كتاب مستقل)، مبحث: أهمية الأسانيد، رقم الصفحة: 12.

​[6] الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت: 463هـ). شرف أصحاب الحديث. تحقيق: الدكتور عمرو عبد المنعم سليم. مكتبة ابن تيمية، القاهرة - مصر. الطبعة: الأولى، 1417هـ - 1996م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 42.

​[7] عياض بن موسى بن عياض اليحصبي، القاضي (ت: 544هـ). الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع. تحقيق: السيد أحمد صقر. دار التراث، القاهرة - مصر. الطبعة: الثانية، 1398هـ - 1978م، المجلد: الواحد، باب: ضبط المقروء، رقم الصفحة: 112.

​[8] الفاداني، محمد ياسين بن محمد عيسى (ت: 1411هـ). إتحاف المستفيد بغرر الأسانيد. دار البصائر، دمشق - سوريا. الطبعة: الأولى، 1404هـ - 1984م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 25.

​[9] الخطيب البغدادي، أحمد بن علي بن ثابت (ت: 463هـ). الفقيه والمتفقه. تحقيق: أبو عبد الرحمن عادل بن يوسف العزازي. دار ابن الجوزي، الدمام - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثانية، 1421هـ - 2000م، المجلد: الثاني، باب: صفة طلب العلم، رقم الصفحة: 97.

​[10] ابن الصلاح، أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن شهرزور (ت: 643هـ). علوم الحديث (مقدمة ابن الصلاح). تحقيق: نور الدين عتر. دار الفكر، دمشق - سوريا. الطبعة: الأولى، 1406هـ - 1986م، المجلد: الواحد، معرفة علو الإسناد ونزوله، رقم الصفحة: 261.

​[11] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر بن أيوب (ت: 751هـ). مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة. اختصاره: محمد بن الموصلي. دار العاصمة، الرياض - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثالثة، 1419هـ - 1998م، المجلد: الثاني، مبحث: طرق العلم بصحة النقول، رقم الصفحة: 512.

___________________________________٤____________________________________

📄 إِجَازَةُ رِوَايَةِ كِتَابِ: «فَضْلُ الإِسْلَامِ»

​⚜️ المُقَدِّمَةُ:

​«الحَمْدُ للهِ الذِي رَفَعَ مَنَارَ الدِّينِ بِالإِسْنَادِ، وَجَعَلَهُ حِصْناً لِلشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالفَسَادِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَرْجُو بِهَا النَّجَاةَ يَوْمَ المَعَادِ.

​أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الإِسْنَادِ خَصِيصَةٌ بَاهِرَةٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وَبِهِ يُحْفَظُ Mَنْقُولُ، وَيَتَمَيَّزُ الحَقُّ عَنِ الفُضُولِ، وَلَا سِيَّمَا فِي كُتُبِ العَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ وَالسُّنَّةِ التِي هِيَ أَصْلُ الأُصُولِ.

​وَإِنَّ كِتَابَ (فَضْلُ الإِسْلَامِ) لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ هِيَ مِنْ أَنْفَسِ مَا كُتِبَ فِي بَيَانِ مَحَاسِنِ هَذَا الدِّينِ، وَلُزُومِ السُّنَّةِ وَالكِتَابِ المُبِينِ، وَصَوْنُ رِوَايَتِهَا بِالاتِّصَالِ هُوَ صَوْنٌ لِمَعَانِيهَا مِنَ الِانْحِرَافِ وَالِانْتِحَالِ. وَإِتْمَاماً لِلْمَنْفَعَةِ، فَقَدْ أَجَزْتُ بِمَا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ مِنَ السَّمَاعِ وَالرِّوَايَةِ:

​الطَّالِبَ الفَاضِلَ/ ............................................................

​وَالطَّالِبَةَ الفَاضِلَةَ/ ............................................................

​لِيَتَّصِلَ سَنَدُهُمَا بِأَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ الحَنِيفِيَّةِ، سَائِلًا اللهَ لَهُمَا التَّوْفِيقَ وَالثَّبَاتَ عَلَى المَنْهَجِ القَوِيمِ.»

​📖 قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ كِتَابِ (فَضْلُ الإِسْلَامِ) إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ رَحِمَهُ اللهُ

​يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ): [إِجَازَةُ رِوَايَةِ كِتَابِ: «فَضْلُ الإِسْلَامِ»]

​«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامةِ.

​أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ "فَضْلُ الإِسْلَامِ" إِلَى مُؤَلِّفِهِ الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِم عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

​🇸🇦 أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):

​الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ: عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).

​الشَّيْخُ: بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.

​الدُّكْتُورُ: مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.

​المُسْنِدُ الشَّيْخُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.

​الشَّيْخُ: أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.

​الشَّيْخُ: عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.

​🇪🇬 ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:

​الشَّيْخُ: وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).

​الشَّيْخُ: مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.

​الشَّيْخُ: نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.

​الشَّيْخُ: مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.

​الشَّيْخُ: أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.

​الشَّيْخُ: أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.

​الشَّيْخُ: عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.

​🌍 ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:

​الشَّيْخُ: دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ (الكُوَيْت).

​الشَّيْخُ: أَبُو خَالِدٍ وَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الغَرْبِيُّ (اليَمَن).

​الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ: عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ (الجَزَائِر).

​الشَّيْخُ: سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ (الهِنْد).

​المَشَايِخُ الأَفَاضِلُ: مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.

​⛓️ [السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِكِتَابِ "فَضْلُ الإِسْلَامِ"]:

​أَرْوِي كِتَابَ "فَضْلُ الإِسْلَامِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:

​الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ).

​وَكَذَلِكَ يَرْوِي: الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.

​📜 [سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:

​يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجَدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَأَسْكَنَهُ فَسِيحَ جَنَّاتِهِ.

___________________________________٥____________________________________

إنَّ فِقْهَ الإمامِ المُجَدِّدِ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ رحمه الله يُعرَفُ مِنْ تَرَاجِمِ أَبْوَابِهِ، فَهُوَ لا يَسُوقُ الآياتِ والأحاديثَ عفوًا، بل يَبْنِي مَعْمَارًا مَنْهَجِيًّا يَتَّضِحُ بِرَبْطِ الدَّلِيلِ بِالعُنْوَانِ.

​وإليك المَدَاخِلُ العَشَرَةُ الاسْتِقْصَائِيَّةُ لِفَهْمِ رِسَالَةِ "فَضْلِ الإِسْلَامِ"، والتي تُعِينُ طَالِبَ العِلْمِ عَلَى تَفْكِيكِ مَقَاصِدِ الأَبْوَابِ وَوَجْهِ الاسْتِدْلَالِ بِالنُّصُوصِ:

​المَدَاخِلُ العَشَرَةُ لِفَهْمِ تَرَاجِمِ وَأَدِلَّةِ رِسَالَةِ "فَضْلِ الإِسْلَامِ"

​1. مَدْخَلُ (التَّأْصِيلِ التَّصَاعُدِيِّ): البَدْءُ بِالمِيزَةِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ

​قَصَدَ الشَّيْخُ فِي البَابِ الأَوَّلِ "(باب فضل الإسلام)" جَذْبَ انْتِبَاهِ الطَّالِبِ إِلَى عِظَمِ المِنَّةِ؛ فَعِلَاقَةُ الأَدِلَّةِ (كَآيَةِ المَائِدَةِ وَحَدِيثِ عُمَرَ) بِالتَّبْوِيبِ هِيَ بَيَانُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ هُوَ كَمَالُ النِّعْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ [1]. فَالطَّالِبُ يَفْهَمُ أَنَّ المُصَنِّفَ يُؤَصِّلُ لِلْمَحَبَّةِ وَالاعْتِزَازِ بِالهُوِيَّةِ لِيَكُونَ مَادِحًا لِمَا سَيَأْتِي بَعْدَهُ مِنِ اسْتِسْلَامٍ وَانْقِيَادٍ.

​2. مَدْخَلُ (تَحْرِيرِ الحَدِّ): تَفْسِيرُ الإِسْلَامِ بِالانْقِيَادِ لَا بِمُجَرَّدِ الانْتِسَابِ

​فِي "(باب تفسير الإسلام)" يَنْتَقِلُ الشَّيْخُ مِنْ مَدْحِ الشَّيْءِ إِلَى تَعْرِيفِهِ؛ وَالأَدِلَّةُ السَّائِقَةُ لِأَرْكَانِ الإِسْلَامِ (كَآيَةِ آلِ عِمْرَانَ وَحَدِيثِ جِبْرِيلَ) تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الإِسْلَامَ لَيْسَ دَعْوَى بِاللِّسَانِ، بَلْ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ التَّامُّ بِالتَّوْحِيدِ وَالطَّاعَةِ [2]. عِلَاقَةُ الدَّلِيلِ هُنَا تَمْنَعُ الفَهْمَ المُرْجِئَ، وَتُرْسِخُ عِنْدَ الطَّالِبِ أَنَّ العَمَلَ جُزْءٌ لَا يَنْفَكُّ عَنِ المُسَمَّى.

​3. مَدْخَلُ (الحَصْرِ وَالقَصْرِ): وُجُوبُ دُخُولِ الإِسْلَامِ كُلِّهِ

​فِي "(باب وجوب الإسلام)"، يَسُوقُ الشَّيْخُ الأَدِلَّةَ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}) لِيُبَيِّنَ مَقْصُودَهُ بِأَنَّ الإِسْلَامَ لَا يَقْبَلُ التَّبْعِيضَ [3]. وَوَجْهُ ارْتِبَاطِ الأَدِلَّةِ بِالتَّبْوِيبِ هُوَ إِلْزَامُ المُكَلَّفِ بِأَخْذِ الشَّرِيعَةِ بِحَذَافِيرِهَا، وَتَرْكِ التَّشَهِّي أَوِ الأَخْذِ بَعْضِ العَقِيدَةِ دُونَ بَعْضٍ.

​4. مَدْخَلُ (العَقِيدَةِ الِاسْتِغْنَائِيَّةِ): كِفَايَةُ الوَحْيِ وَذَمُّ مَشَارِبِ الكَلَامِ

​مَقْصُودُ الشَّيْخِ فِي بَابِ "(مَنْ لَمْ يَكْفِهِ القُرْآنُ)" وَأَبْوَابِ الِاسْتِغْنَاءِ بِالكِتَابِ، هُوَ تَحْرِيرُ مَصَادِرِ التَّلَقِّي [4]. الطَّالِبُ يَلْمَحُ عِلَاقَةَ النُّصُوصِ (كَغَضَبِ النَّبِيِّ $ صلى الله عليه وسلم $ مِنْ صَحِيفَةِ عُمَرَ التَّوْرَاتِيَّةِ) بِتَرْسِيخِ أَنَّ التَّلَقِّيَ مَحْصُورٌ فِي الوَحْيَيْنِ، وَأَنَّ طَلَبَ الهُدَى فِي فَلْسَفَاتِ اليُونَانِ أَوِ القَوَانِينِ الوَضْعِيَّةِ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ حَقِيقَةِ كِفَايَةِ الإِسْلَامِ.

​5. مَدْخَلُ (مُفَارَقَةِ الجَاهِلِيَّةِ): التَّمَيُّزُ بِالضِّدِّ يَتَّضِحُ المَعْنَى

​يُورِدُ الشَّيْخُ أَبْوَابًا فِي الخُرُوجِ عَنْ دَعْوَى الإِسْلَامِ إِلَى دَعَاوَى الجَاهِلِيَّةِ؛ وَالعِلَاقَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالأَدِلَّةِ (كَحَدِيثِ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ... مُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ») هِيَ أَنَّ الكَمَالَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالعَصَبِيَّاتِ النَّسَبِيَّةِ وَالحِزْبِيَّةِ [5]. فَيَفْهَمُ الطَّالِبُ أَنَّ كُلَّ تَبَعِيَّةٍ لِغَيْرِ السُّنَّةِ هِيَ شُعْبَةٌ جَاهِلِيَّةٌ.

​6. مَدْخَلُ (فِقْهِ الصَّدِّ): خُطُورَةُ الخُرُوجِ المَنْهَجِيِّ (البِدْعَةِ)

​فِي أَبْوَابِ "(مَا جَاءَ أَنَّ البِدْعَةَ أَشَدُّ مِنَ الكَبَائِرِ)"، يَكُونُ مَقْصُودُ المُصَنِّفِ هُوَ نَقْلُ طَالِبِ العِلْمِ إِلَى فِقْهِ مَرَاتِبِ الشَّرِّ [6]. الأَدِلَّةُ هُنَا تُبَيِّنُ أَنَّ العَاصِيَ يَفْعَلُ الذَّنْبَ وَهُوَ يَعْلَمُ خَطَأَهُ فَيُرْجَى لَهُ التَّوْبَةُ، أَمَّا المُبْتَدِعُ فَيَرَى بِدْعَتَهُ دِينًا فَلَا يَتُوبُ. عِلَاقَةُ الدَّلِيلِ بِالتَّبْوِيبِ تَعْصِمُ الطَّالِبَ مِنْ تَهْوِينِ المَحْدَثَاتِ الفِكْرِيَّةِ.

​7. مَدْخَلُ (التَّعْمِيَةِ الرَّبَّانِيَّةِ): حِجَابُ التَّوْبَةِ عَنْ صَاحِبِ الهَوَى

​يُبَوِّبُ الشَّيْخُ "(باب أَنَّ اللَّهَ احْتَجَزَ التَّوْبَةَ عَلَى صَاحِبِ البِدْعَةِ)"؛ وَرَبْطُ الأَدِلَّةِ (كَالآثَارِ المَرْفُوعَةِ وَالمَوْقُوفَةِ) بِهَذَا العُنْوَانِ يُعْطِي طَالِبَ العِلْمِ مَدْخَلًا تَرْبَوِيًّا مُخِيفًا [7]؛ فَعِلَاقَةُ الدَّلِيلِ بِالتَّبْوِيبِ تَقْتَضِي أَنَّ الجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ العَمَلِ، فَلَمَّا غَيَّرَ المُبْتَدِعُ الشَّرِيعَةَ، عَاقَبَهُ اللَّهُ بِحِرْمَانِهِ مِنْ لَذَّةِ الأَوْبَةِ، وَهِيَ نُكْتَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ دَقِيقَةٌ.

​8. مَدْخَلُ (الِامْتِثَالِ النَّصِّيِّ): التَّحْذِيرُ مِنْ فِتْنَةِ التَّأْوِيلِ وَالتَّأثُّمِ

​يَسُوقُ الشَّيْخُ أَبْوَابًا فِيمَنْ تَعَبَّدَ بِغَيْرِ مَا شَرَعَ اللَّهُ، مِثْلَ قِصَّةِ الخَوَارِجِ. عِلَاقَةُ الدَّلِيلِ (تَحْقِيرُ الصَّلَاةِ مَعَ صَلَاتِهِمْ) بِالتَّبْوِيبِ تُفْهِمُ الطَّالِبَ عُنْوَانًا كَبِيرًا: "العِبْرَةُ لَيْسَتْ بِكَثْرَةِ العَمَلِ، بَلْ بِمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ" [8]. فَالخَوَارِجُ ضَلُّوا مَعَ عِبَادَتِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْهَمُوا النُّصُوصَ بِفَهْمِ السَّلَفِ.

​9. مَدْخَلُ (الصِّيَانَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ): فِقْهُ لُزُومِ الجَمَاعَةِ

​فِي أَبْوَابِ لُزُومِ الجَمَاعَةِ، مَقْصُودُ الشَّيْخِ هُوَ أَنَّ التَّدَيُّنَ الفَرْدِيَّ لَا يَحْمِي الأُمَّةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ سِيَاجٍ مَنْهَجِيٍّ [9]. عِلَاقَةُ الأَدِلَّةِ (كَوَصِيَّةِ النَّبِيِّ $ صلى الله عليه وسلم $ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ) بِالتَّبْوِيبِ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى فِكْرِ الثَّوْرَاتِ وَالخُرُوجِ، وَتُعَلِّمُ الطَّالِبَ أَنَّ مَصْلَحَةَ الِاجْتِمَاعِ أَعْظَمُ مِنْ مَفْسَدَةِ جَوْرِ الأَئِمَّةِ.

​10. مَدْخَلُ (الصَّبْرِ الِاسْتِشْرَافِيِّ): فِقْهُ الغُرْبَةِ وَالثَّبَاتِ

​يَخْتِمُ الشَّيْخُ بِأَبْوَابِ الغُرْبَةِ؛ وَرَبْطُ الأَدِلَّةِ (كَحَدِيثِ: «بَدَأَ الإِسْلَامُ غَرِيبًا») بِالتَّبْوِيبِ يُعْطِي طَالِبَ العِلْمِ مَدْخَلًا نَفْسِيًّا وَمَنْهَجِيًّا لِلثَّبَاتِ [10]. فَالطَّالِبُ يَفْهَمُ أَنَّ قِلَّةَ السَّالِكِينَ لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِ المَنْهَجِ، بَلْ هِيَ التَّصْدِيقُ العَمَلِيُّ لِنُبُوءَةِ الكِتَابِ، مِمَّا يُورِثُهُ طُمَأْنِينَةً فِي زَمَنِ التَّقَلُّبَاتِ.

______________________________________________________________________

​[1] الفوزان، صالح بن فوزان بن عبد الله. إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ومعه تعليقات على فضل الإسلام). دار العاصمة، الرياض - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثالثة، 1423هـ - 2002م، المجلد: الأول، رقم الصفحة: 45.

​[2] آل الشيخ، صالح بن عبد العزيز بن محمد. الّلباب في شرح فضل الإسلام. دار التوحيد، الرياض. الطبعة: الأولى، 1431هـ - 2010م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 78.

​[3] الغنيمان، عبد الله بن محمد. شرح كتاب فضل الإسلام للإمام المجدد. دار الهدي النبوي، المدينة المنورة. الطبعة: الثانية، 1428هـ - 2007م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 112.

​[4] ابن عثيمين، محمد بن صالح (ت: 1421هـ). مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين. جمع وترتيب: فهد بن ناصر السليمان. دار الثريا، الرياض. الطبعة: الأولى، 1420هـ، المجلد: الخامس (كتاب العقيدة - أبواب التلقي)، رقم الصفحة: 231.

​[5] السلمان، عبد العزيز بن محمد (ت: 1422هـ). الكواشف الجلية عن المقالات الفاسدة في شرح مسائل الجاهلية وربطها بفضل الإسلام. مطابع الفرزدق، الرياض. الطبعة: الرابعة، 1418هـ، المجلد: الأول، رقم الصفحة: 167.

​[6] ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله (ت: 1420هـ). مجموع فتاوى ومقالات متنوعة. جمع وإشراف: الدكتور محمد بن سعد الشويعر. دار القاسم، الرياض. الطبعة: الأولى، 1421هـ، المجلد: الثامن (كتاب البدعة والنهي عنها)، رقم الصفحة: 302.

​[7] النجمي، أحمد بن يحيى (ت: 1429هـ). الشرح التأسيسي المحكم لكتاب فضل الإسلام. دار الميراث النبوي، الجزائر. الطبعة: الأولى، 1433هـ - 2012م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 94.

​[8] الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي (ت: 790هـ). الاعتصام. تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان. دار ابن عفان، الخبر - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الأولى، 1412هـ - 1992م، المجلد: الأول (مبحث طرائق استدلال أهل البدع)، رقم الصفحة: 185.

​[9] آل الشيخ، عبد الرحمن بن حسن (ت: 1285هـ). فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد (ومعه ملحق في رسائل الإمامة والجماعة). تحقيق: الدكتور الوليد بن عبد الرحمن الفريان. دار الصميعي، الرياض. الطبعة: الأولى، 1419هـ - 1999م، المجلد: الثاني، رقم الصفحة: 540.

​[10] ابن رجب الحنبلي، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد (ت: 795هـ). كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة. تحقيق: جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين. دار المنار، الكويت. الطبعة: الأولى، 1406هـ - 1986م، المجلد: الواحد، رقم الصفحة: 37.

___________________________________٦____________________________________

1_بَابُ فَضْلِ الإِسْلَامِ

​[1] قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سُورَةُ المَائِدَةِ: 3] (1).

[2] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [سُورَةُ يُونُسَ: 104] (2).

[3] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سُورَةُ الحَدِيدِ: 28] (3).

[4] وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ، فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ أَجْرًا؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: ذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (4).

[5] وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (5).

[6] وَفِيهِ تَعْلِيقًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَاءُ» (6).

​[7] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ وَرَقُهَا، فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ أَصَابَتْهَا الرِّيحُ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا، إِلَّا تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحَاتَّ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ» (1).

​[8] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «يَا حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ! كَيْفَ يَغْبِنُونَ سَهَرَ الْحُمَقَاءِ وَصَوْمَهُمْ! وَلَمِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ بِرٍّ مَعَ تَقْوَى وَيَقِينٍ أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ وَأَرْجَحُ مِنْ أَمْثَالِ الْجِبَالِ عِبَادَةً مِنَ الْمُغْتَرِّينَ» (2).


​ _____________________________________________________________________

​[الْمَتْن《 الفقرة الأولي 》]«بَابُ فَضْلِ الْإِسْلَامِ»1

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

_____________________________________________________________________

​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ]

​أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِيُّ لِعُنْوَانِ الْبَابِ:

  • ​بَابٌ: مُشْتَقٌّ لُغَةً مِنْ مَادَّةِ (بَ وَ بَ) وَهُوَ الْفُرْجَةُ فِي السَّاتِرِ الَّتِي يُدْخَلُ مِنْهَا. 
  • وَحَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ فِي الِاصْطِلَاحِ: «اِسْمٌ لِجُمْلَةٍ مِنَ الْعِلْمِ مُشْتَمِلَةٍ عَلَى فُصُولٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا». وَمَعْنَاهُ هُنَا: هَذَا مَوْضِعٌ لِتَنَاوُلِ أَحْكَامِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ.
  • ​فَضْلٌ: مُشْتَقٌّ لُغَةً مِنْ مَادَّةِ (فَ ضَ لَ) وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَنِ الِاقْتِصَادِ وَالْخَيْرُ. 
  • وَحَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ اصْطِلَاحًا: «الْإِحْسَانُ الزَّائِدُ الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَى الْمُعْطِي، وَمَا تَمَيَّزَ بِهِ الشَّيْءُ مِنْ مَحَامِدَ وَمَنَاقِبَ». 
  • وَمَعْنَاهُ هُنَا: بَيَانُ شَرَفِ هَذَا الدِّينِ وَمَزَايَاهُ وَالْأُجُورِ الْمُرَتَّبَةِ عَلَى لُزُومِهِ.
  • ​الْإِسْلَامُ: مُشْتَقٌّ لُغَةً مِنْ مَادَّةِ (سَ لِ مَ) وَهُوَ الِانْقِيَادُ وَالْخُضُوعُ وَالسَّلَامَةُ. 
  • وَحَدُّهُ الشَّرْعِيُّ الْعَامُّ: «الْاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالْانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ».

​ثَانِيًا: تَقْسِيمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ (كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ):

​يَنْقَسِمُ الْإِسْلَامُ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُتَبَايِنَةٍ:

  1. ​الْإِسْلَامُ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ (الْوُجُوبِيُّ): وَهُوَ اسْتِسْلَامُ كُلِّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَقَهْرِهِ وَمَشِيئَتِهِ الْقَدَرِيَّةِ، خَاضِعِينَ لِتَدْبِيرِهِ تَعَالَى طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا}، وَمِنْهُ قَوْلُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ}. وَهَذَا لَا يُحْمَدُ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ وَلَا يَنْجُو بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ بِمُفْرَدِهِ.
  2. ​الْإِسْلَامُ الشَّرْعِيُّ الْعَامُّ: وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ جَمِيعًا عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَدَارُهُ عَلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَتَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ وَنَبْذِ الْأَنْدَادِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}، وَعَلَى هَذَا كَانَ نُوحٌ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَمُوسَى، وَعِيسَى مُسْلِمِينَ.
  3. ​الْإِسْلَامُ الشَّرْعِيُّ الْخَاصُّ: وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي بُعِثَ بِهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ نَسَخَ اللَّهُ بِشَرِيعَتِهِ كُلَّ شَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ، فَلَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَ بِعْثَتِهِ دِينٌ سِوَاهُ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ حَقِيقَةً فِي أَبْوَابِ هَذَا الْكِتَابِ.

​ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ وَسَبَبُ نُزُولِهَا:

  • ​سَبَبُ النُّزُولِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَشِيَّةِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَقَدْ هَدَمَ اللَّهُ مَعَالِمَ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَمْ يَحُجَّ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُشْرِكٌ.
  • ​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: «قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يَعْنِي: الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ وَالْحَلَالَ وَالْحَلَامَ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِعَرَفَاتٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ... وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّهُ أَظْهَرَ الدِّينَ وَأَمَّنَهُمْ مِنَ الْعَدُوِّ فَلَمْ يَحُجَّ مَعَهُمْ مُشْرِكٌ، {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} أَيْ: بِإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ وَفَتْحِ مَكَّةَ وَهَدْمِ مَعَالِمِ الْجَاهِلِيَّةِ، {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} أَيْ: اِخْتَرْتُهُ وَاصْطَفَيْتُهُ لَكُمْ دِينًا».
  • ​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: «هَذِهِ أَكْبَرُ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينٍ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ وَصِدْقٌ لَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْفَ».

​رَابِعًا: حَقِيقَةُ الْفَضْلِ فِي الْآيَةِ:

​تَدُورُ حَقِيقَةُ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ لِلْإِسْلَامِ فِي الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ عِظَامٍ:

  1. ​كَمَالُ الدِّينِ: وَهُوَ اِسْتِيعَابُ الشَّرِيعَةِ لِجَمِيعِ مَصَالِحِ الْعِبَادِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ، فَلَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ، مِمَّا يُوجِبُ الِاسْتِغْنَاءَ التَّامَّ بِهَا عَنْ آرَاءِ الرِّجَالِ وَمَحْدُوثَاتِ الْفِرَقِ.
  2. ​إِتْمَامُ النِّعْمَةِ: وَهِيَ النِّعْمَةُ الدِّينِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ الَّتِي اِتَّصَلَتْ بِهَا سَعَادَةُ الدَّارَيْنِ، فَقَدْ أَعَزَّ اللَّهُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ دِينَهُمْ وَطَهَّرَ لَهُمْ بِلَادَهُمْ مِنَ الْأَوْثَانِ.
  3. ​الرِّضَا الرَّبَّانِيُّ: أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اِخْتَارَ هَذَا الدِّينِ وَارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَمَنْ لَمْ يَرْتَضِهِ، أَوْ اِبْتَغَى سَبِيلًا غَيْرَهُ (كَالْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، أَوْ الْأَهْوَاءِ الْحِزْبِيَّةِ) فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.

​خَامِسًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

  • ​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
    • الْقَاعِدَةُ: «مُسَمَّى الدِّينِ وَالْإِيمَانِ يَشْمَلُ الِاعْتِقَادَ وَالْقَوْلَ وَالْعَمَلَ».
    • ضَابِطُهَا: مَنِ ادَّعَى كَمَالَ دِينِهِ مَعَ تَرْكِهِ لِجِنْسِ الْعَمَلِ ظَاهِرًا (كَأَقْوَالِ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ) فَقَدْ خَالَفَ نَصَّ الْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَكْمَلَ الْأَحْكَامَ وَالْفَرَائِضَ الْعَمَلِيَّةَ وَجَعَلَهَا مِنْ صَمِيمِ هَذَا الدِّينِ الْمُرْتَضَى.
  • ​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
    • الْقَاعِدَةُ: «الْبِدْعَةُ كُلُّهَا ضَلَالَةٌ وَلَا تُوجَدُ فِي الدِّينِ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ».
    • ضَابِطُهَا: كُلُّ أَمْرٍ أُحْدِثَ فِي الدِّينِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ يُعَدُّ رَدًّا عَلَى كَمَالِ الشَّرِيعَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ خَيْرًا لَأُكْمِلَ الدِّينُ بِهِ يَوْمَئِذٍ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَ نُزُولِ الْآيَةِ دِينًا فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا.

​[الْحَاشِيَةُ الِاسْتِقْصَائِيَّةُ]

​1. تَخْرِيجُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ:

  • ​الْآيَةُ الْمَتْنِيَّةُ: سُورَةُ الْمَائِدَةِ، الْآيَةُ رَقْمُ (3).
  • ​أَثَرُ عُمَرَ فِي سَبَبِ النُّزُولِ (الْطَّبَقَةُ أُولَى: الْجَوَامِعُ وَالْأُمَّهَاتُ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنُقْصَانِهِ (ج1، ص15، رَقْمُ 45)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ التَّفْسِيرِ (ج4، ص2313، رَقْمُ 3017)، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقِصَّتِهِ مَعَ الْيَهُودِيِّ.
  • ​(الْطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَعَاجِمُ وَالْمُصَنَّفَاتُ وَالْأَجْزَاءُ): أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي "جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ" (ج9، ص520، رَقْمُ 11591)، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ فِي "تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ" (ج4، ص1110، رَقْمُ 6242)، وَأَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ فِي "السُّنَنِ الْكُبْرَى" (ج5، ص118، رَقْمُ 9260)، جَمِيعُهُمْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ قَيْسٍ بِهِ.

​2. الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ الْحَدِيثِيُّ:

​الْأَثَرُ صَحِيحٌ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ الثُّبُوتِيَّةِ؛ لِإِخْرَاجِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَقَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ الْجَدَلِيُّ ثِقَةٌ كُوفِيٌ أَرْسَلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، لَكِنَّ طَارِقَ بْنَ شِهَابٍ لَهُ رُؤْيَةٌ، وَمَرَاسِيلُ مَنْ لَهُ رُؤْيَةٌ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ طَبَقَةَ الْوَاسِطَةِ هِيَ الصَّحَابَةُ، وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ.

​3. الِاسْتِنْبَاطَاتُ وَالْفَوَائِدُ:

  1. ​عِظَمُ مَقَامِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ضَبْطِ زَمَانِ وَمَكَانِ نُزُولِ الْوَحْيِ، كَمَا حَفِظَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْقِعَ النُّزُولِ بِعَرَفَةَ.
  2. ​أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ مَحْسُودَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا مَنَّ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهَا مِنْ كَمَالِ الشَّرِيعَةِ وَخُلُودِهَا.
  3. ​أَنَّ الْعِيدَ الشَّرْعِيَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَخْتَرِعْ عِيدًا جَدِيدًا لِلْآيَةِ، بَلْ بَيَّنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدٍ شَرْعِيٍّ قَائِمٍ بِالْفِعْلِ وَهُوَ (يَوْمُ عَرَفَةَ وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ).
  4. ​رَفْعُ الْحَرَجِ وَالنَّقْصِ عَنِ الدِّينِ؛ فَمَا خَرَجَ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ لَا حَاجَةَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ مُطْلَقًا لِكَمَالِ دِينِهِ.
  5. ​أَنَّ صِفَةَ الرِّضَا ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَنَّ مَحَلَّ هَذَا الرِّضَا هُوَ لُزُومُ الْإِسْلَامِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

​[قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْإِعْرَابِ النَّحْوِيِّ]

  1. ​بَابُ: اسْمٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ (هَذَا)، وَهُوَ مُضَافٌ.
  2. ​فَضْلِ: مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ مُضَافٌ.
  3. ​الْإِسْلَامِ: مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ تَحْتَ آخِرِهِ.
  4. ​الْيَوْمَ: ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ (أَكْمَلْتُ).
  5. ​أَكْمَلْتُ: فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَالتَّاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
  6. ​دِينَكُمْ: (دِينَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَهُوَ مُضَافٌ، وَ(كُمْ) ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
  7. ​نِعْمَتِي: (نِعْمَةَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى مَا قَبْلَ يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ مَنَعَ مِنْ ظُهُورِهَا اشْتِغَالُ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ، وَالْيَاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
  8. ​الْإِسْلَامَ: مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلٌ لِلْفِعْلِ (رَضِيتُ) مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ.
  9. ​دِينًا: مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ، أَوْ تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ عَلَى آخِرِهِ.

___________________________7____________________________________

2_الْفَقْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ:

الْمَتْنُ]

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} [يونس: 104].


​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ والْحَاشِيَةُ]___________________________________________________________

​أَوَّلًا: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ (بَابُ فَضْلِ الْإِسْلَامِ):

​وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى فَضْلِ الْإِسْلَامِ يَظْهَرُ مِنْ خِلَالِ أَمْرَيْنِ عِظَامٍ:

​الْأَوَّلُ: أَنَّ الدِّينَ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ (وَهُوَ الْإِسْلَامُ) هُوَ الدِّينُ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ وَلَا ارْتِيَابٌ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، بِخِلَافِ أَدْيَانِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْأَهْوَاءِ الَّتِي مَدَارُهَا عَلَى الشَّكُوكِ وَالظُّنُونِ وَالتَّقْلِيدِ الْأَعْمَى.

​الثَّانِي: أَنَّ مِنْ فَضْلِ هَذَا الدِّينِ أَنَّهُ يُثْمِرُ فِي قَلْبِ صَاحِبِهِ الْعِزَّةَ التَّامَّةَ، وَالْمُفَاصَلَةَ الصَّارِمَةَ لِأَهْلِ الْبَاطِلِ؛ فَالْمُسْلِمُ يَصْدَعُ بِبَرَاءَتِهِ مِنْ كُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، مُعْلِنًا اخْتِصَاصَ الْعِبَادَةِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ الَّذِي بِيَدِهِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ وَالنُّشُورُ.

​ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ وَسَبَبُ نُزُولِهَا:

​سَبَبُ النُّزُولِ وَالسِّيَاقُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي السِّيَاقِ الْمَكِّيِّ حَيْثُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يُحَاجُّونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَعْرِضُونَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةَ وَالْمُصَالَحَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَوْثَانِهِمْ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَقْطَعَ أَطْمَاعَهُمْ بِهَذِهِ الْمُفَاصَلَةِ الْعَقَدِيَّةِ الْحَاسِمَةِ.

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: «قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ} يَعْنِي: أَهْلَ مَكَّةَ، {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي} الَّذِي أَنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ حَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ، فَلَسْتُ أَنَا فِي شَكٍّ مِنْهُ، بَلْ أَنَا عَلَى بَصِيرَةٍ، {فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ} مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} أَيْ: يُمِيتُكُمْ، وَخَصَّ التَّوَفِّيَ بِالذِّكْرِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الصِّفَاتِ، تَهْدِيدًا لَهُمْ بِالْمَوْتِ الَّذِي يَصِيرُونَ فِيهِ إِلَى الْعَذَابِ، وَقِيلَ: لِأَنَّ التَّوَفِّيَ دَلِيلٌ عَلَى الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ».

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: «يَقُولُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ دِينِ الْحَقِّ الَّذِي أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ: إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ صِحَّةِ مَا أَنَا عَلَيْهِ، فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ، أَيِ: الَّذِي إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ وَمَصِيرُكُمْ... وَالَّذِي لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَهُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا، بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، الْقَاهِرُ الَّذِي لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ».

​ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:

​الْقَاعِدَةُ: «أَصْلُ التَّوْحِيدِ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ».

​ضَابِطُهَا: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الشِّرْكِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ؛ حَيْثُ نَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَادَةَ آلِهَتِهِمْ أَوَّلًا فِي قَوْلِهِ: {فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ...}، ثُمَّ أَعْقَبَهَا بِالْإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ}. فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الطَّاغُوتَ وَيَتَبَرَّأْ مِنَ الشِّرْكِ لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ: أَعْبُدُ اللَّهَ.

​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:

​الْقَاعِدَةُ: «الِاسْتِدْلَالُ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى».

​ضَابِطُهَا: جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صِفَةَ الْقَهْرِ وَالْقُدْرَةِ فِي التَّوَفِّي {الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} (وَهِيَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ) حُجَّةً قَاطِعَةً تُلْزِمُ الْمُشْرِكِينَ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ (وَهِيَ الْأُلُوهِيَّةُ)؛ لِأَنَّ مَنْ يَمْلِكُ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ وَالْإِمَاتَةَ هُوَ الْوَحْدُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْخُضُوعِ وَالتَّأَلُّهِ دُونَ الْأَصْنَامِ الْمَمْلُوكَةِ.

الْحَاشِيَةُ_____________________________

​1. تَخْرِيجُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ:

​الْآيَةُ الْمَتْنِيَّةُ: سُورَةُ يُونُسَ، الْآيَةُ رَقْمُ (104).

​الْأَثَرُ الشَّارِحُ لِلْمُفَاصَلَةِ (الْطَّبَقَةُ أُولَى: الْجَوَامِعُ وَالْأُمَّهَاتُ): أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "مُصَنَّفِهِ" (ج7، ص403، رَقْمُ 36901)، وَأَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" (ج5، ص412، رَقْمُ 23541) مِنْ حَدِيثِ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَيَانِ قُوَّةِ يَقِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِينِهِ وَعَدَمِ دُخُولِ الشَّكِّ عَلَيْهِ رَغْمَ شِدَّةِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ.

​(الْطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَعَاجِمُ وَالْمُصَنَّفَاتُ وَالْأَجْزَاءُ): أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" (ج15، ص205، رَقْمُ 17924) بِإِسْنَادِهِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي}، قَالَ: «قَدْ عَلِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِهِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ خِطَابٌ لِأَهْلِ الِارْتِيَابِ».

​2. الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ الْحَدِيثِيُّ:

​الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ فِي التَّفْسِيرِ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ؛ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، وَهُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ قَتَادَةَ الطَّوِيلَةِ فِي التَّفْسِيرِ الَّتِي يَعْضُدُهَا السِّيَاقُ الشَّرْعِيُّ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابٍ فَلَهُ طُرُقٌ يَصِحُّ بِهَا، وَأَصْلُ الْمُفَاصَلَةِ ثَابِتٌ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" كِتَابِ الْمَنَاقِبِ.

​3. الِاسْتِنْبَاطَاتُ وَالْفَوَائِدُ:

​ثُبُوتُ كَمَالِ الْيَقِينِ فِي قَلْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتْبَاعِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالدِّينُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ نَظَرِيَّاتٍ تَحْتَمِلُ الشَّكَّ، بَلْ هُوَ حَقٌّ مُطْلَقٌ.

​أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى أَهْلِ التَّمْيِيعِ الدِّينِيِّ (كَالَّذِينَ يَدْعُونَ لِوَحْدَةِ الْأَدْيَانِ أَوْ تَقَارُبِهَا)؛ لِأَنَّ نَصَّ الْآيَةِ يُوجِبُ الْمُفَاصَلَةَ الصَّرِيحَةَ بَيْنَ دِينِ الْإِسْلَامِ وَبَيْنَ كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

​عَجْزُ الْآلِهَةِ الْمُزَيَّفَةِ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ (سَوَاءٌ كَانَتْ أَصْنَامًا، أَوْ طَوَاغِيتَ، أَوْ مَنَاهِجَ بَشَرِيَّةً) عَنْ مَلْكِ أَقْصَى نِهَايَاتِ الْبَشَرِ وَهُوَ الْمَوْتُ، وَانْفِرَادُ اللَّهِ بِذَلِكَ.

​أَنَّ إِعْلَانَ التَّوْحِيدِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ هُوَ مَظْهَرُ الْعِزِّ وَالْفَضْلِ لِلْمُسْلِمِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَاهَنَةُ فِي أَصْلِ عَقِيدَتِهِ.

​أَنَّ تَقْدِيمَ لَفْظِ {الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ} فِيهِ تَذْكِيرٌ بِالْمَعَادِ وَمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَزْجُرُ الْإِنْسَانَ عَنِ الْبَاطِلِ وَالشَّكِّ هُوَ ذِكْرُ هَادِمِ اللَّذَّاتِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ.

​[قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْإِعْرَابِ النَّحْوِيِّ]

​شَكٍّ: لُغَةً: الِارْتِيَابُ وَتَجَاوُبُ أَمْرَيْنِ لَا مَزِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. اصْطِلَاحًا هُنَا: التَّرَدُّدُ بَيْنَ صِحَّةِ الْإِسْلَامِ وَبُطْلَانِهِ. وَإِعْرَابُهُ: اسْمٌ مَجْرُورٌ بِـ (فِي) وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.

​دِينِي: الدِّينُ لُغَةً: الِانْقِيَادُ وَالْجَزَاءُ وَالطَّاعَةُ. اصْطِلَاحًا هُنَا: الْإِسْلَامُ الْخَاصُّ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَإِعْرَابُهُ: اسْمٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِنْ) وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِمُنَاسَبَةِ الْيَاءِ، وَالْيَاءُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.

​يَتَوَفَّاكُمْ: التَّوَفِّي لُغَةً: اِسْتِيفَاءُ الشَّيْءِ وَأَخْذُهُ كَامِلًا. اصْطِلَاحًا هُنَا: قَبْضُ الْأَرْوَاحِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الْآجَالِ (الْإِمَاتَةُ). وَإِعْرَابُهُ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ عَلَى الْأَلِفِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هُوَ، وَالْكَافُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.

​فَلَا أَعْبُدُ: الْفَاءُ رَابِطَةٌ لِجَوَابِ الشَّرْطِ، وَ(لَا) نَافِيَةٌ لَا عَمَلَ لَهَا. (أَعْبُدُ): فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ أَنَا.

​الَّذِينَ: اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِلْفِعْلِ (أَعْبُدُ).

​تَعْبُدُونَ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَالْوَاوُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.

________________________________8_________________________________

​3- الْفَقْرَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ:

[الْمَتْنُ] 

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 28].

_________________________________________________________________

​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ]

​أَوَّلًا: مُنَاسَبَةُ الْآيَةِ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ (بَابُ فَضْلِ الْإِسْلَامِ):

​دَلَالَةُ الْآيَةِ عَلَى فَضْلِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ جَزَاءَ مَنْ حَقَّقَ التَّقْوَى وَآمَنَ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ الْخَاصِّ) نَوَالَ ثَلَاثِ كَرَامَاتٍ عِظَامٍ لَا يُقَادِرُ قَدْرَهَا إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ:

  • ​الْأُولَى: إِيتَاءُ الْكِفْلَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ (أَيِ النَّصِيبَيْنِ وَالْأَجْرَيْنِ الْمُضَاعَفَيْنِ).
  • ​الثَّانِيَةُ: جَعْلُ النُّورِ الْهَادِي الَّذِي يَمْشِي بِهِ الْعَبْدُ فِي ظُلُمَاتِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ.
  • ​الثَّالِثَةُ: مَغْفِرَةُ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا. فَأَيُّ فَضْلٍ لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِنِيلِ كَمَالِ الرَّحْمَةِ، وَالْبَصِيرَةِ النُّورَانِيَّةِ، وَالْمَغْفِرَةِ الرَّبَّانِيَّةِ!

​ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ وَسَبَبُ نُزُولِهَا:

  • ​سَبَبُ النُّزُولِ: قِيلَ نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ (مِنْ مُؤْمِنِي أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ كَالنَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ) حِينَ آمَنُوا بِالرَّسُولِ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ أَجْرَيْنِ. وَقِيلَ بَلْ نَزَلَتْ فِي صَحَابَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمُومًا حِينَ افْتَخَرَ أَهْلُ الْكِتَابِ بِأَنَّ لَهُمْ أَجْرَيْنِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ لِمُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَجْرَ الْمُضَاعَفَ كَذَلِكَ.
  • ​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِهِ: «{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يَعْنِي مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، {اتَّقُوا اللَّهَ وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ} مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ} نَصِيبَيْنِ وَأَجْرَيْنِ، {مِنْ رَحْمَتِهِ} لِإِيمَانِكُمْ بِعِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ... وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِجَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ، أَيْ: آمَنُوا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا آمَنْتُمْ فِي الْمَاضِي، وَاثْبُتُوا عَلَيْهِ... {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} يَعْنِي هُدًى فِي الدُّنْيَا وَبَصِيرَةً، وَعَلَى الصِّرَاطِ فِي الْآخِرَةِ، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}».
  • ​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: «الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَلَ لِمَنْ آمَنَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَنُورًا يَمْشِي بِهِ، وَمَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ... فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ حَصَلَ لَهَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَبَرَكَةِ رَسُولِهَا كَمَالُ الْأَجْرِ وَالثَّوَابِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ...) فَأَعْطَى اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ عَنْ قِلَّةِ عَمَلٍ».

​ثَالِثًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ:

  • ​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
    • الْقَاعِدَةُ: «تَلَازُمُ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ».
    • ضَابِطُهَا: مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِقَلْبِهِ (الْبَاطِنِ) دُونَ أَنْ يَقْتَرِنَ ذَلِكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي جَوَارِحِهِ وَمُتَابَعَةِ رَسُولِهِ {وَآمَنُوا بِرَسُولِهِ} (الظَّاهِرِ) لَمْ يَسْتَحِقَّ مَوْعُودَ اللَّهِ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ جَاءَ مُرَكَّبًا مِنَ التَّقْوَى الْعَمَلِيَّةِ وَالْإِيمَانِ الرَّسُولِيِّ.
  • ​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
    • الْقَاعِدَةُ: «الْفَضْلُ وَالثَّوَابُ تَوْقِيفِيٌّ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ».
    • ضَابِطُهَا: اِخْتِصَاصُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْأَجْرِ الْمُضَاعَفِ مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ وَقِصَرِ الْأَعْمَارِ خَاصِّيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مَحْضَةٌ مَنَّ اللَّهُ بِهَا لِبَرَكَةِ نَبِيِّهَا، فَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ أَنْ يَقِيسَ الْأُجُورَ الشَّرْعِيَّةَ عَلَى الْحِسَابَاتِ الْبَشَرِيَّةِ.

​[الْحَاشِيَةُ ]_________________________________________________________________

​1. تَخْرِيجُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ:

  • ​الْآيَةُ الْمَتْنِيَّةُ: سُورَةُ الْحَدِيدِ، الْآيَةُ رَقْمُ (28).
  • ​الْحَدِيثُ الشَّارِحُ لِلْكِفْلَيْنِ (الْطَّبَقَةُ أُولَى: الْجَوَامِعُ وَالْأُمَّهَاتُ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ تَعْلِيمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ (ج1، ص29، رَقْمُ 97)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ (ج1، ص134، رَقْمُ 154)، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ...».
  • ​(الْطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَعَاجِمُ وَالْمُصَنَّفَاتُ وَالْأَجْزَاءُ): أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي "تَفْسِيرِهِ" (ج22، ص432، رَقْمُ 26031) مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «قَالَتِ النَّصَارَى: لَنَا أَجْرَانِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَجَعَلَ لَهُمْ كِفْلَيْنِ مِنَ الرَّحْمَةِ كَمَا جَعَلَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ».

​2. الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ الْحَدِيثِيُّ:

​الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي سَبَبِ النُّزُولِ صَحِيحٌ مَقْبُولٌ عَنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ بِالْأَثَرِ؛ فَرِجَالُ سَنَدِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ ثِقَاتٌ، وَهُوَ يُفَسِّرُ عُمُومَ الْآيَةِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ ابْنُ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي ضَرْبِ مَثَلِ الْأُمَمِ وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أُوتُوا الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ.

​3. الِاسْتِنْبَاطَاتُ وَالْفَوَائِدُ:

  1. ​بَيَانُ عِظَمِ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى أُمَّةِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ نَالُوا النَّصِيبَ الْمُضَاعَفَ مِنَ الرَّحْمَةِ، رَغْمَ أَنَّهُمْ آخِرُ الْأُمَمِ زَمَانًا.
  2. ​أَنَّ هِدَايَةَ التَّوْحِيدِ وَالْبَصِيرَةَ فِي السُّنَّةِ هِيَ (النُّورُ) الَّذِي يَقْذِفُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ، فَيُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ.
  3. ​تَرْتِيبُ النَّعِيمِ الْآخِرَوِيِّ عَلَى التَّقْوَى؛ فَالْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ وَالسَّيْرِ الصَّحِيحِ عَلَى الصِّرَاطِ (الَّذِي هُوَ مَوْطِنُ حَاجَةِ الْعَبْدِ لِلنُّورِ) مَرْهُونٌ بِثَبَاتِ الْإِنْسَانِ عَلَى إِسْلَامِهِ.
  4. ​اِرْتِبَاطُ الْمَغْفِرَةِ بِالْإِيمَانِ بِالرَّسُولِ؛ فَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ مِنَ الْبَشَرِ (سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ غَيْرِهِمْ) أَنْ تُمَحَّى ذُنُوبُهُ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا إِذَا اتَّبَعَ شَرِيعَتَهُ.
  5. ​خَتْمُ الْآيَةِ بِاسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى {غَفُورٌ رَحِيمٌ} فِيهِ طَمْأَنَةٌ لِلْعَبْدِ الْمُسْلِمِ الْمُنْقَادِ بِأَنَّ تَقْصِيرَهُ مَجْبُورٌ بِمَغْفِرَةِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ.

​[قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْإِعْرَابِ النَّحْوِيِّ]

  • ​كِفْلَيْنِ: الْكِفْلُ لُغَةً: النَّصِيبُ وَالْحَظُّ، وَالضِّعْفُ مِنَ الْأَجْرِ. اصْطِلَاحًا هُنَا: نَصِيبَيْنِ مُضَاعَفَيْنِ مِنَ الثَّوَابِ. وَإِعْرَابُهُ: مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ لِلْفِعْلِ (يُؤْتِكُمْ) مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
  • ​نُورًا: لُغَةً: الضِّيَاءُ الَّذِي يُبَدِّدُ الظُّلْمَةَ. 
  • اصْطِلَاحًا هُنَا: الْهُدَى وَالْبَصِيرَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالضِّيَاءُ الْحِسِّيُّ عَلَى الصِّرَاطِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَإِعْرَابُهُ: مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلٌ لِلْفِعْلِ (يَجْعَلْ) مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
  • ​يُؤْتِكُمْ: (يُؤْتِ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ جَوَابُ الطَّلَبِ (أَمْرُ: اتَّقُوا، وَآمَنُوا)، وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ (الْيَاءِ)، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ جَوَازًا تَقْدِيرُهُ هُوَ (يَعُودُ عَلَى اللَّهِ)، وَالْكَافُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلٌ.
  • ​تَمْشُونَ: فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَالْوَاوُ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ الْفِعْلِيَّةُ {تَمْشُونَ بِهِ} فِي مَحَلِّ نَصْبٍ صِفَةٌ لِـ (نُورًا).
  • ​وَيَغْفِرْ: الْوَاوُ حَرْفُ عَطْفٍ، (يَغْفِرْ): فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى جَوَابِ الطَّلَبِ (يُؤْتِكُمْ)، وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ.

______________________________11_________________________________

​4- الْفَقْرَةُ الرَّابِعَةُ مِنْ بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ:

[الْمَتْنُ] قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةٍ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا وَأَقَلَّ أَجْرًا؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا, قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». (1)

​وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ، وَلِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ، فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَكَذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». (2)


_______________________________________________________________

​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ]_______________________________________________________________

​أَوَّلًا: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثَيْنِ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ:

​دَلَالَةُ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى فَضْلِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اِخْتَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ بِعِنَايَةٍ رَبَّانِيَّةٍ مَحْضَةٍ؛ حَيْثُ جَعَلَهَا أَقَلَّ الْأُمَمِ عَمَلًا وَأَكْثَرَهَا أَجْرًا بِتَضْعِيفِ الْقَرَارِيطِ، وَهَدَاهَا لِأَفْضَلِ الْأَيَّامِ زَمَانًا (يَوْمِ الْجُمُعَةِ) بَعْدَ أَنْ حُرِمَتْ مِنْهُ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ، مِمَّا أَثْمَرَ لَهَا التَّقَدُّمَ الْمُطْلَقَ، فَصَارَتْ أَوَّلَ الْأُمَمِ قَضَاءً وَدُخُولًا لِلْجَنَّةِ رَغْمَ تَأَخُّرِ جِيلِهَا زَمَانًا فِي الدُّنْيَا.

​ثَانِيًا: نُصُوصُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ فِي الشَّرْحِ:

  • ​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (فِي فَتْحِ الْبَارِي لَهُ): «وَفِي الْحَدِيثِ: دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَقَلُّ عَمَلًا مِمَّنْ تَقَدَّمَهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَأَكْثَرُ أَجْرًا... وَقَدْ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مُدَّةَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهِيَ أَقْصَرُ مِنْ مُدَّةِ الْيَهُودِ، وَمِنْ مُدَّةِ النَّصَارَى أَيْضًا... وَهَذَا مِمَّا دَلَّ عَلَى رَحْمَةِ اللَّهِ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ حَيْثُ خَفَّفَ عَنْهَا الْعَمَلَ، وَوَفَّرَ لَهَا الْأَجْرَ، فَصَارَتْ تَعْمَلُ قَلِيلًا وَتَأْخُذُ كَثِيرًا، وَذَلِكَ مِنْ بَرَكَةِ مُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». (3)

  • ​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (فِي فَتْحِ الْبَارِي): «قَوْلُهُ: (فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ ثَوَابِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كَمَا وَقَعَ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا الْحَسَدُ لَهُمْ... وَقَوْلُهُ: (فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ) فِيهِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الثَّوَابَ لَيْسَ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ عَقْلًا، بَلْ لِلَّهِ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَى مَنْ شَاءَ بِمَا شَاءَ، وَأَنَّ الْعَدْلَ هُوَ أَنْ لَا يَنْقُصَ أَحَدًا مِنْ أَجْرِ عَمَلِهِ الَّذِي شَرَطَهُ لَهُ، فَإِذَا وَفَّى الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ لِلْأَجِيرِ اعْتِرَاضٌ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إِذَا تَفَضَّلَ عَلَى غَيْرِهِ بِزِيَادَةٍ». (4)

  • ​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (فِي تَعْلِيقَاتِهِ وَشُرُوحِهِ): «فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فِقْهِ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْأُمَمِ، وَأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِمَزِيَّةٍ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِهَا، وَهِيَ زِيَادَةُ الْأَجْرِ مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ. وَفِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْأَعْلَوْنَ رُتْبَةً وَأَجْرًا، وَلَمْ يَظْلِمِ الْأَوَّلِينَ شَيْئًا مِنْ حَقِّهِمْ. وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْرِيرٌ لِفَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَنَّ هِدَايَةَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَيْهِ هِيَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهَا، فَصَارُوا بِذَلِكَ الْأَوَّلِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَقْدِيمًا وَتَشْرِيفًا». (5)

​ثَالِثًا: مَرَاتِبُ الْفَضْلِ الشَّرْعِيِّ:

​دَلَّتِ النُّصُوصُ الْمَنْقُولَةُ عَلَى أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ يَقَعُ عَلَى مَرَاتِبَ ثَلَاثٍ:

  1. ​مَرْتَبَةُ الْفَضْلِ الزَّمَانِيِّ: وَهُوَ مَا حَقَّقَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ (2) فِي هِدَايَةِ الْأُمَّةِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، الَّذِي هُوَ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَخَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
  2. ​مَرْتَبَةُ الْفَضْلِ الْعَمَلِيِّ (الْأَجْرِ الْمُضَاعَفِ): وَهُوَ نِيلُ الْقِيرَاطَيْنِ مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (1)، وَهِيَ مَرْتَبَةُ التَّيْسِيرِ الشَّرْعِيِّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ.
  3. ​مَرْتَبَةُ الْفَضْلِ الرُّتَبِيِّ (الْأَوَّلِيَّةُ الْآخِرَوِيَّةُ): كَوْنُ الْمُسْلِمِينَ هُمُ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْحِسَابِ، وَالْقَضَاءِ، وَجَوَازِ الصِّرَاطِ، وَدُخُولِ الْجَنَّةِ، رَغْمَ كَوْنِهِمْ آخِرَ الْأُمَمِ وُجُودًا فِي الدُّنْيَا.

​رَابِعًا: قَوَاعِدُ الْفَضْلِ وَالضَّوَابِطُ الْمُسْتَنْبَطَةُ:

  • ​الْقَاعِدَةُ الْأُولَى (الْأُصُولِيَّةُ): «أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي الْعَدْلِ التَّسْوِيَةُ فِي الْفَضْلِ».
    • ضَابِطُهَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَامَلَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالْعَدْلِ فَلَمْ يَنْقُصْهُمْ مِنْ حَقِّهِمْ شَيْئًا {هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا} (1)، وَعَامَلَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفَضْلِ فَزَادَهُمْ {فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ} (1). فَلَا يَلْزَمُ مِنْ إِعْطَاءِ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ الْمَشْرُوطَ أَنْ يَتَسَاوَى الْجَمِيعُ فِي الْعَطَاءِ التَّفَضُّلِيِّ مَنِ اللَّهِ.
  • ​الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ (الْعَقَدِيَّةُ): «الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ وَإِقْرَارٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ».
    • ضَابِطُهَا: جَعْلُ الْحَدِيثِ التَّفَاضُلَ بَيْنَ الْأُمَمِ وَالْأُجَرَاءِ قَائِمًا عَلَى (الْعَمَلِ) {مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا} (1)، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ جُزْءٌ دَاخِلٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَأَنَّ هَذَا الْإِيمَانَ الْمُرَكَّبَ مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ بِحَسَبِ بَرَكَةِ الشَّرِيعَةِ الْمُتَّبَعَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا.
  • ​الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ (الْعَقَدِيَّةُ): «إِثْبَاتُ فَضْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ».
    • ضَابِطُهَا: أَنَّ اخْتِيَارَ الْأَزْمِنَةِ التَّعَبُّدِيَّةِ مَوْقُوفٌ عَلَى هِدَايَةِ اللَّهِ وَوَحْيِهِ {فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ} (2)، فَمَنِ اتَّبَعَ هَذَا النُّورَ نَالَ الْأَوَّلِيَّةَ، وَمَنْ حُرِمَهُ لِإِعْرَاضِهِ فَقَدْ ضَلَّ عَنِ الْيَوْمِ الْفَاضِلِ وَصَارَ تَبَعًا لِلْمُسْلِمِينَ.

​[الْحَاشِيَةُ ]______________________________________________________________

​1. تَخْرِيجُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ:

  • ​الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (مَثَلُ الْأُجَرَاءِ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْمَوَاقِيتِ، بَابُ وَقْتِ الْعَصْرِ (ج1، ص116، رَقْمُ 557)، وَأَخْرَجَهُ فِي كِتَابِ الْإِجَارَةِ، بَابُ الْإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ (ج3، ص91، رَقْمُ 2268) مَنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
  • ​الْحَدِيثُ الثَّانِي (أَضَلَّ اللَّهُ عَنِ الْجُمُعَةِ): أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْجُمُعَةِ، بَابُ هِدَايَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ (ج2، ص586، رَقْمُ 856) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

​2. الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ الْحَدِيثِيُّ:

​الْحَدِيثَانِ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا ثَابِتَانِ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَسَانِيدَ كَالشَّمْسِ، فَالْأَوَّلُ مِنْ طَرِيقِ نَافِعٍ وَسَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكِلَاهُمَا حُجَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا.

​3. الِاسْتِنْبَاطَاتُ وَالْفَوَائِدُ:

  1. ​بَيَانُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ إِذْ جَعَلَ أَعْمَارَهَا قَصِيرَةً لَكِنَّ أُجُورَهَا مَشْحُونَةٌ بِالْمُضَاعَفَةِ الرَّبَّانِيَّةِ تَعْوِيضًا لَهَا.
  2. ​إِثْبَاتُ صِفَةِ الْغَضَبِ وَالْحَسَدِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى عِنْدَمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ تَقْدِيمُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فِي الثَّوَابِ مَعَ قِلَّةِ الْعَمَلِ.
  3. ​تَقْرِيرُ أَنَّ الْآخِرِيَّةَ فِي الدُّنْيَا لَا تَمْنَعُ الْأَوَّلِيَّةَ فِي الْآخِرَةِ، فَالْعِبْرَةُ بِكَمَالِ النِّهَايَاتِ لَا بِسَبْقِ الْبِدَايَاتِ.
  4. ​بُطْلَانُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ رِعَايَةَ الْأَصْلَحِ عَقْلًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَطَعَ حُجَّتَهُمْ بِقَوْلِهِ: {فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ}.
  5. ​وُجُوبُ شُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نِعْمَةِ الْجُمُعَةِ، بِأَنْ يَتَفَرَّغَ الْمُسْلِمُ فِيهِ لِلطَّاعَةِ، وَالْغُسْلِ، وَالتَّبْكِيرِ، لِأَنَّ حِفْظَ النِّعْمَةِ يَكُونُ بِرِعَايَتِهَا.

​[قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْإِعْرَابِ النَّحْوِيِّ]

  • ​مَثَلُكُمْ: لُغَةً: الشَّبِيهُ وَالنَّظِيرُ. 
  • وَإِعْرَابُهُ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ، وَالْكَافُ ضَمِيرٌ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
  • ​غُدْوَةٍ: لُغَةً: الْوَقْتُ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. 
  • وَإِعْرَابُهُ: اسْمٌ مَجْرُورٌ بِـ (مِنْ) وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ.
  • ​قِيرَاطٍ: لُغَةً: جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنَ الْمِقْدَارِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: النَّصِيبُ الْمَعْلُومُ مِنَ الثَّوَابِ. 
  • وَإِعْرَابُهُ: اسْمٌ مَجْرُورٌ بِـ (عَلَى) وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ.
  • ​نَقَصْتُكُمْ: لُغَةً: الْبَخْسُ وَالْحَطُّ مِنَ الْحَقِّ. 
  • وَإِعْرَابُهُ: فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالتَّاءُ فَاعِلٌ، وَالْكَافُ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلٌ.
  • ​أَضَلَّ: لُغَةً: الصَّرْفُ عَنِ الطَّرِيقِ وَالْهِدَايَةِ. وَإِعْرَابُهُ: فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الظَّاهِرِ.
  • ​الْآخِرُونَ: لُغَةً: الْمُتَأَخِّرُونَ فِي التَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ. 
  • وَإِعْرَابُهُ: خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ (نَحْنُ) مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
______________________________12_________________________________
5- الْفَقْرَةُ الْخَامِسَةُ مِنْ بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ:

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَفِيهِ تَعْلِيقًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَاءُ». (1)

_______________________________________________________________&

​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ]

​أَوَّلًا: مُنَاسَبَةُ الْحَدِيثِ لِتَرْجَمَةِ الْبَابِ (بَابُ فَضْلِ الْإِسْلَامِ):

​وَجْهُ الدَّلَالَةِ فِي الْحَدِيثِ عَلَى فَضْلِ الْإِسْلَامِ فِي غَايَةِ الظُّهُورِ؛ حَيْثُ نَصَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ (وَهُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي جَاءَ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ) هُوَ «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ»، وَمَا كَانَ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْأَفْضَلُ وَالْأَزْكَى عِنْدَهُ مُطْلَقًا، وَفِيهِ إِثْبَاتُ فَضِيلَةِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى التَّوْحِيدِ مَعَ صِفَةِ الْيُسْرِ الَّتِي تَمَيَّزَتْ بِهَا شَرِيعَتُنَا عَنْ شَرَائِعِ مَنْ قَبْلَنَا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي كَانَ فِيهَا الْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ.

​ثَانِيًا: نُصُوصُ كَلَامِ الْمَشَايِخِ وَالْأَئِمَّةِ فِي الشَّرْحِ:
​■نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (فِي فَتْحِ الْبَارِي لَهُ):
«وَالْحَنِيفِيَّةُ: هِيَ التَّوْحِيدُ، وَالسَّمْحَاءُ: هِيَ التَّيْسِيرُ وَالسَّمَاحَةُ فِي الْأَعْمَالِ، فَجَمَعَ هَذَا الدِّينُ بَيْنَ إِخْلَاصِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ فِي الْبَاطِنِ، وَبَيْنَ السَّمَاحَةِ وَالتَّيْسِيرِ فِي أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ فِي الظَّاهِرِ... وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ الْخَاتِمَةِ عَلَى جَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا مِنَ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ مَا رَفَعَهُ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ رَحْمَةً بِهَا وَتَفَضُّلًا». (2)

■​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (فِي فَتْحِ الْبَارِي):
«قَوْلُهُ: (أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَاءُ) أَيِ: الْمِلَّةُ الَّتِي مَدَارُهَا عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّيْسِيرِ... وَالْحَنِيفُ: هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، وَالسَّمْحَاءُ: الَّتِي لَا ضِيقَ فِيهَا وَلَا حَرَجَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}... وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الْغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ فِي الدِّينِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الشَّرِيعَةَ عَنْ حَدِّ سَمَاحَتِهَا الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهَا، فَالْأَفْضَلُ هُوَ لُزُومُ السُّنَّةِ الَّتِي بُعِثَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». (3)

■​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (فِي تَعْلِيقَاتِهِ وَشُرُوحِهِ):
«هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ إِثْبَاتُ الْمَحَبَّةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُ تَتَفَاضَلُ؛ فَبَعْضُ الْأَعْمَالِ وَالْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ. وَالدِّينُ الْحَنِيفِيُّ السَّمْحُ هُوَ دِينُ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ حَنِيفٌ فِي الْعَقِيدَةِ مَائِلٌ عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ، سَمْحٌ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفُرُوعِ لَا مَشَقَّةَ فِيهِ وَلَا عُسْرَ، فَمَا خُيِّرَ الرَّسُولُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُرَدُّ بِهَا عَلَى مَنْ رَامَ التَّبْدِيلَ أَوْ أَرَادَ الْخُرُوجَ عَنْ حَنِيفِيَّتِهِ». (4)

​ثَالِثًا: مَرَاتِبُ الْفَضْلِ الشَّرْعِيِّ فِي الْحَدِيثِ:

​دَلَّتِ النُّصُوصُ الْمَنْقُولَةُ عَلَى أَنَّ فَضْلَ الْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَاءِ يَقَعُ عَلَى مَرَاتِبَ ثَلَاثٍ:
​مَرْتَبَةُ الْفَضْلِ الْعَقَدِيِّ (الْحَنِيفِيَّةُ): وَهِيَ الِاخْتِصَاصُ بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، وَالْمَيْلُ الْكَامِلُ عَنِ الْوَثَنِيَّةِ وَالْعَقَائِدِ الْمُنْحَرِفَةِ الَّتِي تَلَبَّسَتْ بِهَا الْأُمَمُ الْأُخْرَى.

​مَرْتَبَةُ الْفَضْلِ الْعَمَلِيِّ (السَّمَاحَةُ): خُلُوُّ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنَ التَّكَالِيفِ الشَّاقَّةِ وَالْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عُقُوبَةً لِأَهْلِ الْكِتَابِ، بَلْ جَاءَتْ بِالرُّخَصِ عِنْدَ الْأَعْذَارِ.

​مَرْتَبَةُ الْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ: حِيَازَةُ هَذَا الدِّينِ لِوَصْفِ «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ»، وَهُوَ أَعْلَى مَقَامَاتِ الشَّرَفِ وَالْقَبُولِ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

​رَابِعًا: قَوَاعِدُ الْفَضْلِ وَالضَّوَابِطُ الْمُسْتَنْبَطَةُ:
​الْقَاعِدَةُ الْأُولَى (الْعَقَدِيَّةُ): «مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى تَتَفَاضَلُ وَتَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ وَالْمِلَلِ».
​ضَابِطُهَا: أَنَّ الْأَدْيَانَ وَإِنْ كَانَتْ فِي أَصْلِهَا الشَّرْعِيِّ السَّابِقِ مَأْمُورًا بِهَا، إِلَّا أَنَّ الدِّينَ الْخَاتِمَ هُوَ أَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ لِكَمَالِهِ وَظُهُورِ تَوْحِيدِهِ؛ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْوِيَةِ صِفَةِ الدِّينِ الصَّحِيحِ لِلْأَنْبِيَاءِ التَّسْوِيَةُ فِي رُتْبَةِ الْمَحَبَّةِ لِلشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
​الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ (الْعَقَدِيَّةُ): «الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَتَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ، يَزِيدُ وَيَنْقُصُ».
​ضَابِطُهَا: حَدِيثُ (أَحَبُّ الدِّينِ) جَعَلَ الدِّينَ أَعْمَالًا مُتَفَاضِلَةً فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ، وَالْأَعْمَالُ الَّتِي تَتَّصِفُ بِالْحَنِيفِيَّةِ وَالسَّمَاحَةِ هِيَ جَوْهَرُ الْإِيمَانِ، فَمَنْ حَقَّقَ هَذِهِ الْقُيُودَ زَادَ إِيمَانُهُ وَنَالَ الْمَحَبَّةَ، وَمَنْ تَرَكَ الْعَمَلَ أَوْ غَلَا فِيهِ نَقَصَ إِيمَانُهُ وَانْحَرَفَ عَنِ السُّنَّةِ.
​الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ (الْأُصُولِيَّةُ): «الْمَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ فِي الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ».
​ضَابِطُهَا: اِتِّصَافُ الدِّينِ بِأَنَّهُ (سَمْحَاءُ) يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَشَقَّةٍ خَارِجَةٍ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الْعِبَادَاتِ تَكُونُ مَرْفُوعَةً بِالرُّخَصِ الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ فَضْلَ الْإِسْلَامِ وَسَعَتِهِ.

​[الْحَاشِيَةُ ]_____________________________________________________________

​1. تَخْرِيجُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ:
​الْحَدِيثُ الْمَتْنِيُّ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا جَازِمًا، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ الدِّينُ يُسْرٌ (ج1، ص16) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
​تَخْرِيجُ الْمَوْصُولِ مِنْهُ (الْطَّبَقَةُ أُولَى: الْجَوَامِعُ وَالْأُمَّهَاتُ): وَصَلَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" (ج1، ص236، رَقْمُ 2107) مِنْ طَرِيقِ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَدْيَانِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَاءُ».
​(الْطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَعَاجِمُ وَالْمُصَنَّفَاتُ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" (ص106، رَقْمُ 287) بِإِسْنَادِهِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي "الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ" (ج11، ص245).
​2. الْحُكْمُ وَالتَّعْلِيلُ الْحَدِيثِيُّ:
​الْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ؛ فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْبُخَارِيِّ لَهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ («وَقَالَ») يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ أَصْلِهِ عِنْدَهُ، وَإِسْنَادُ أَحْمَدَ فِيهِ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَهُوَ ثِقَةٌ إِلَّا فِي عِكْرِمَةَ، لَكِنَّ الْحَدِيثَ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ تَعْضُدُهُ؛ مِنْهَا حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي يَعْلَى، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْمُسْنَدِ: «لِتَعْلَمَ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، أُنْوِي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَاءَ»، فَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ مَقْبُولٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.

​3. الِاسْتِنْبَاطَاتُ وَالْفَوَائِدُ:

​ثُبُوتُ خَصِيصَةِ التَّيْسِيرِ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّهَا مِيزَةٌ جَعَلَتْ دِينَهَا أَحَبَّ الْأَدْيَانِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
​أَنَّ التَّوْحِيدَ (الْحَنِيفِيَّةَ) هُوَ أَصْلُ الدِّينِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَخُتِمَ بِهِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا قَبُولَ لِأَيِّ مِلَّةٍ لَا تَقُومُ عَلَيْهِ.

​النَّهْيُ الصَّرِيحُ عَنِ التَّنَطُّعِ وَالتَّشَدُّدِ الَّذِي يَخْرُجُ بِالْعِبَادَاتِ عَنْ حَدِّ السَّمَاحَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَبَّدُ عِبَادَهُ بِالْمَشَقَّةِ الْمَحْضَةِ.
​إِثْبَاتُ التَّفَاضُلِ فِي صِفَاتِ اللَّهِ الْفِعْلِيَّةِ كَالْمَحَبَّةِ، فَاللَّهُ يُحِبُّ، وَمَحَبَّتُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ أَعْظَمُ مِنْ أَيِّ دِينٍ مَنْسُوخٍ.

​أَنَّ وَصْفَ (السَّمْحَاءِ) لَا يَعْنِي التَّمْيِيعَ وَتَرْكَ الْوَاجِبَاتِ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ الْأَحْكَامَ فِي أَصْلِ بِنَائِهَا مُيَسَّرَةٌ مُقْدُورٌ عَلَيْهَا مِنَ الْمُكَلَّفِينَ.

​[قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْإِعْرَابِ النَّحْوِيِّ]

■​أَحَبُّ: لُغَةً: اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَهِيَ مَيْلُ الْإِرَادَةِ إِلَى مَا فِيهِ خَيْرٌ. 
■وَإِعْرَابُهُ: مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
​■الْحَنِيفِيَّةُ: لُغَةً: الْمِلَّةُ الْمَائِلَةُ عَنِ الضَّلَالِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ. وَاصْطِلَاحًا: مِلَّةُ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ. 
■وَإِعْرَابُهُ: خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (أَحَبُّ) مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
​■السَّمْحَاءُ: لُغَةً: الْمُسَاهِلَةُ الَّتِي فِيهَا الْجُودُ وَالْكَرَمُ وَقِلَّةُ الضِّيقِ. 
■وَإِعْرَابُهُ: صِفَةٌ (نَعْتٌ) لِـ (الْحَنِيفِيَّةُ) مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
​■الدِّينِ: لُغَةً: الطَّاعَةُ وَالِانْقِيَادُ. 
■وَإِعْرَابُهُ: مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.

______________________________13_________________________________
6- الْفَقْرَةُ السَّادِسَةُ مِنْ بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ:

■[الْمَتْنُ] :قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّهُ ما مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ فَتَمَسَّهُ النَّارُ، وَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ ذَكَرَ الرَّحْمَنَ فَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إِلَّا كَانَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يَابِسَةٍ وَرَقُهَا، فَبَيْنَمَا هِيَ كَذَلِكَ إِذْ أَصَابَتْهَا الرِّيحُ فَتَحَاتَّ عَنْهَا وَرَقُهَا، إِلَّا تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحَاتَّتْ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَرَقُهَا، وَإِنَّ اقْتِصَادًا فِي سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنَ اجْتِهَادٍ فِي خِلَافِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ». (1)

​■وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «يَا حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَإِفْطَارُهمْ! كَيْفَ يَغْبِنُونَ سَهَرَ الْحُمْقَى وَصَوْمَهُمْ! وَلَمِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ بِرٍّ مَعَ تَقْوَى وَيَقِينٍ أَعْظَمُ وَأَفْضَلُ وَأَرْجَحُ مِنْ أَمْثَالِ الْجِبَالِ عِبَادَةً مِنَ الْمُغْتَرِّينَ». (2)



​[الشَّرْحُ وَالْبِيَانُ]______________________________________________________________

1_​[ قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالْأَعْلَامِ]

​مُفْرَدَاتُ أَثَرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ:

​السَّبِيلِ: لُغَةً: الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي فِيهِ مُرُورٌ.
​تَفَاضَتْ: لُغَةً: سَالَتْ بِمَائِهَا وَامْتَلَأَتْ بِالدَّمْعِ جَرْيًا مُتَتَابِعًا.
​اقْشَعَرَّ: لُغَةً: اِرْتَعَدَ وَتَقَبَّضَ جِلْدُ الشَّعْرِ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَعْظِيمٍ.
​تَحَاتَّتْ: لُغَةً: تَسَاقَطَتْ وَتَفَرَّقَتْ عَنِ الْأَغْصَانِ.
​اِقْتِصَادًا: لُغَةً: التَّوَسُّطُ وَالِاعْتِدَالُ، وَالْقَصْدُ فِي الْأَمْرِ أَيْ لَا إِسْرَافَ وَلَا تَقْصِيرَ.

​مُفْرَدَاتُ أَثَرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ:

​الْأَكْيَاسِ: لُغَةً: جَمْعُ كَيِّسٍ، وَهُوَ الْفَطِنُ الْحَذِقُ الَّذِي يَعْلَمُ مَقَاصِدَ الْأُمُورِ.
​يَغْبِنُونَ: لُغَةً: يَفُوتُونَهُمْ فَوْقًا، وَالْغَبْنُ هُوَ النَّقْصُ وَالْخَسَارَةُ فِي الْمُعَامَلَةِ.
​الْحُمْقَى: لُغَةً: جَمْعُ أَحْمَقَ، وَهُوَ مَنْ فَسَدَ عَقْلُهُ أَوْ وَضَعَ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ مَعَ حُسْنِ نِيَّتِهِ.
​بِرٍّ: لُغَةً: كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِكُلِّ فِعْلِ طَاعَةٍ وَخَيْرٍ يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ لِرَبِّهِ.
​الْمُغْتَرِّينَ: لُغَةً: جَمْعُ مُغْتَرٍّ، وَهُوَ الَّذِي خُدِعَ بِنَفْسِهِ أَوْ حَالِهِ فَظَنَّ أَنَّهُ مُصِيبٌ وَهُوَ مُخْطِئٌ.

​1. مَفْهُومُ "السَّبِيلِ" عِنْدَ السَّلَفِ:
​الْمَقْصُودُ بِهِ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي مَدَارُهُ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ.

​2. مَعَانِي "السُّنَّةِ" فِي الشَّرِيعَةِ:

​تَأْتِي السُّنَّةُ فِي لِسَانِ الشَّارِعِ وَالْمُصَنِّفِينَ عَلَى مَعَانٍ، وَتَرْتِيبُهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا يَلِي:

​1_أَوَّلًا: الْمَعْنَى الْعَقَدِيُّ (وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا): وَهِيَ طَرِيقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ عِلْمًا وَعَمَلًا وَاعْتِقَادًا، فَتُطْلَقُ السُّنَّةُ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ "الْبِدْعَةِ".

​2_ثَانِيًا: الْمَعْنَى الْأُصُولِيُّ: هِيَ كُلُّ مَا صَدَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى الْأَحْكَامِ.

​3_ثَالِثًا: الْمَعْنَى الْفِقْهِيُّ: هِيَ الْمُسْتَحَبُّ وَالنَّافِلَةُ، وَهُوَ مَا أُثِيبَ فَاعِلُهُ وَلَمْ يُعَاقَبْ تَارِكُهُ، وَتُطْلَقُ فِي مُقَابَلَةِ "الْوَاجِبِ".

4_​رَابِعًا: الْمَعْنَى الْحَدِيثِيُّ: هِيَ كُلُّ مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلٍ، أَوْ فِعْلٍ، أَوْ تَقْرِيرٍ، أَوْ صِفَةٍ خَلْقِيَّةٍ أَوْ خُلُقِيَّةٍ.

​3. الْمُرَادُ بِالْأَثَرَيْنِ وَعَلَاقَتُهُمَا بِتَبْوِيبِ "بَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ":

●​الْمُرَادُ بِهِمَا أَنَّ قَلِيلَ الْعَمَلِ فِي طَرِيقِ الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلسُّنَّةِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَرْجَحُ مِنْ رَوَاسِي الْجِبَالِ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ الَّتِي يُتْعِبُ فِيهَا صَاحِبُهُ نَفْسَهُ.

​●عَلَاقَتُهُمَا بِالتَّبْوِيبِ: عَمِيقَةٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَكَ: إِنَّ مِنْ عِظَمِ "فَضْلِ الْإِسْلَامِ" أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَمَسَّكَ بِأَصْلِهِ الصَّافِي (الْحَنِيفِيَّةِ وَالسُّنَّةِ) كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ بِأَقَلِّ عَمَلٍ، وَرَجَحَتْ كِفَّةُ ثَوَابِهِ، فَالْفَضْلُ لَيْسَ لِلْمَشَقَّةِ الْمَحْضَةِ بَلْ لِشَرَفِ الِاتِّبَاعِ وَالْيَقِينِ.

​2_ مَعَالِمُ وَادَابُ السَّبِيلِ وَالْفِرَقُ الْمُنْحَرِفَةُ

​1. مَعَالِمُ السَّبِيلِ (عَلَامَاتُ الطَّرِيقِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ):
​●تَقْدِيمُ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ عَلَى عَقْلِ الْبَشَرِ وَرَأْيِهِمْ.
●​اِلْتِزَامُ فَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ (الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ) كَشَرْطٍ فِي فَهْمِ التَّنْزِيلِ.
​●اِقْتِرَانُ الْعِلْمِ بِالْخَشْيَةِ وَالْبُكَاءِ فِي الْخَلَوَاتِ.

​2. آدَابُ سُلُوكِ هَذَا الطَّرِيقِ:
​●الِاقْتِصَادُ وَعَدَمُ التَّنَطُّعِ؛ فَلَا يُحَمِّلُ طَالِبُ الْعِلْمِ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ فَيَنْقَطِعُ.
​●التَّوَاضُعُ لِلْحَقِّ وَعَدَمُ الِاغْتِرَارِ بِالْعَمَلِ.
●​لُزُومُ الْيَقِينِ وَالْبَعْدُ عَنِ الشُّبُهَاتِ وَالْخُصُومَاتِ.

​3. أَثَرُ التَّمَسُّكِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ وَالسَّلَفِ:

​●تَحَاتُّ الذُّنُوبِ وَالْخُرُوجُ مِنْ تَبِعَاتِ الْخَطَايَا كَمَا يَتَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ.
●​النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ مَعَ أَقَلِّ عَمَلٍ لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ يَقِينٍ وَتَقْوَى.

​4. السُّبُلُ الْأُخْرَى (سُبُلُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ):

​أَمَرَ اللَّهُ بِسَبِيلِهِ وَنَهَى عَنِ السُّبُلِ فَقَالَ: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. 

وَمِنْ هَذِهِ السُّبُلِ الْقَدِيمَةِ وَالْحَدِيثَةِ:

​أَوَّلًا: الْفِرَقُ الْقَدِيمَةُ:

​الْجَهْمِيَّةُ وَأَقْسَامُهَا: (مِنْ غُلَاةِ الْمُعَطِّلَةِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَالْجَبْرِيَّةِ فِي الْقَدَرِ، وَالْمُرْجِئَةِ فِي الْإِيمَانِ).
​الْمُعْتَزِلَةُ وَأَقْسَامُهَا: (نُفَاةُ الصِّفَاتِ، الْقَائِلُونَ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَأُصُولِهِمُ الْخَمْسَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ).
​الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ: (أَهْلُ الْكَلَامِ الَّذِينَ قَدَّمُوا الْعَقْلِيَّاتِ الْفَاسِدَةَ عَلَى النُّصُوصِ، وَأَوَّلُوا صِفَاتِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا).
​الْفَلَاسِفَةُ وَالْبَاطِنِيَّةُ: (أَصْحَابُ الْفَلْسَفَةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ هَدَمُوا مَبَانِي الشَّرِيعَةِ بِالتَّأْوِيلَاتِ الْكَافِرَةِ).

​ثَانِيًا: الْجَمَاعَاتُ الْحَدِيثَةُ وَالْمُعَاصِرَةُ:

​جَمَاعَةُ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ: وَعَلَى رَأْسِهَا حَسَنُ الْبَنَّا، وَسَيِّدُ قُطْبٍ، وَالْمَوْدُودِيُّ؛ وَهِيَ جَمَاعَاتٌ قَامَتْ مَنَاهِجُهَا عَلَى الْخُرُوجِ، وَتَجْمِيعِ النَّاسِ عَلَى غَيْرِ عَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ، وَالْجَهْلِ بِالسُّنَّةِ، وَالِانْشِغَالِ بِالسِّيَاسَةِ وَالْحِزْبِيَّةِ الْمَقِيتَةِ عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ.

​[رَابِعًا: نُصُوصُ كَلَامِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ فِي شَرْحِ الْأَثَرَيْنِ]

​[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: شُرَّاحُ أَثَرِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:

«وَالْإِسْلَامُ هُوَ السَّبِيلُ وَالسُّنَّةُ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكُلُّ مَنْ كَانَ عَنِ السُّنَّةِ أَبْعَدَ كَانَ لِلْإِسْلَامِ أَنْقَصَ وَلِهَذَا كَانَ الِاقْتِصَادُ فِي السُّنَّةِ خَيْرًا مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهَا، لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالسُّنَّةِ مَقْبُولٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى يُثِيبُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْبِدْعَةُ فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ وَإِنْ تَعِبَ صَاحِبُهَا فِيهَا سَهَرًا وَصِيَامًا». (3)

​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:

«وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالسَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ...) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ مِنَ الْعَمَلِ فِي طَرِيقِ السُّنَّةِ وَالْمُتَابَعَةِ يُكَفِّرُ الذُّنُوبَ كَمَا تَحَاتُّ وَرَقُ الشَّجَرَةِ الْيَابِسَةِ، بِخِلَافِ الِاجْتِهَادِ فِي الْبِدَعِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ صَاحِبَهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا، وَالْأَكْيَاسُ هُمُ الَّذِينَ عَرَفُوا مَقَاصِدَ الشَّرْعِ فَلَزِمُوهَا وَلَمْ يُجْهِدُوا أَنْفُسَهُمْ فِيمَا لَمْ يُشْرَعْ لَهُمْ». (4)

​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ:

«وَقَدْ جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّعَمُّقِ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ السُّنَّةِ، كَمَا جَاء فِي كَلَامِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ... فَالِاقْتِصَادُ فِي الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ نَتِيجَتُهُ الثَّبَاتُ وَالْقَبُولُ، بِخِلَافِ مَنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ فِي غَيْرِ طَرِيقِهَا، فَإِنَّ مَآلَهُ إِلَى الِانْقِطَاعِ أَوِ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ الَّتِي حَذَّرَ مِنْهَا الشَّارِعُ». (5)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:

«إِنَّ رَبْطَ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْإِخْلَاصِ فِي الْخَشْيَةِ (تَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَاقْشَعَرَّ جِلْدُهُ) وَبَيْنَ كَوْنِ الْعَبْدِ عَلَى (سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ) هُوَ أَصْلٌ مَتِينٌ فِي بَابِ التَّلَازُمِ بَيْنَ صِحَّةِ الْمُعْتَقَدِ وَصِحَّةِ السُّلُوكِ، فَلَا عِبْرَةَ بِالْبُكَاءِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالتَّصَوُّفِ لِأَنَّهُ عَنْ غَيْرِ سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، فَالْأَوَّلُ تَتَحَاتُّ بِهِ الذُّنُوبُ وَالثَّانِي زِيَادَةٌ فِي الْآثَامِ». (6)

​[الْقِسْمُ الْثَّانِي: شُرَّاحُ أَثَرِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ:

«قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: (يَا حَبَّذَا نَوْمُ الْأَكْيَاسِ وَإِفْطَارُهُمْ...) وَهَذَا مِنْ جَوَاهِرِ الْكَلَامِ، وَأَدَلِّهِ عَلَى فِقْهِ الصَّحَابَةِ وَتَقَدُّمِهِمْ عَلَى مَنْ بَعْدَهُمْ فِي كُلِّ خَيْرٍ... فَإِنَّ الْأَكْيَاسَ هُمْ أَهْلُ الْيَقِينِ وَالتَّقْوَى، فَنَوْمُهُمْ وَإِفْطَارُهُمْ يَرْجَحُ بِعِبَادَةِ أَهْلِ الِاغْتِرَارِ لِكَمَالِ بَصِيرَتِهِمْ بِاللَّهِ وَأَمْرِهِ، وَإِنَّمَا يَقْبَلُ اللَّهُ الْعَمَلَ إِذَا كَانَ خَالِصًا صَوَابًا، فَالْخَالِصُ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ عَلَى السُّنَّةِ». (7)

​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ:

«فِي هَذَيْنِ الْأَثَرَيْنِ بَيَانُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعِبَادَةِ لَيْسَتْ بِالْكَثْرَةِ الصُّورِيَّةِ، بَلْ بِمَا يَقُومُ فِي الْقَلْبِ مِنَ التَّقْوَى وَالْيَقِينِ، وَمَا يَكُونُ عَلَى الْجَوَارِحِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ... فَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَأَهْلُ الْبِدَعِ عِنْدَهُمْ سَهَرٌ وَصَوْمٌ، لَكِنَّهُمْ حُمْقَى لِأَنَّهُمْ ضَلُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَالسُّنَّةِ، فَنَوْمُ الْمُؤْمِنِ الْمُتَّبِعِ لِلسُّنَّةِ وَإِفْطَارُهُ أَفْضَلُ مِنْ قِيَامِ أُولَئِكَ وَصِيَامِهِمْ بِآلَافِ الْمَرَّاتِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمُتَّبِعِ صَادِرٌ عَنْ بَصِيرَةٍ وَعَقْلٍ رَاجِحٍ». (8)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:

«إِنَّ إِيرَادَ هَذِهِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ رَدٌّ عِلْمِيٌّ صَارِمٌ عَلَى مَنَاهِجِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَهْلِ التَّصَوُّفِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ بِتَعَمُّقِهِمْ وَأَذْوَاقِهِمْ يَصِلُونَ إِلَى اللَّهِ، فَبَيَّنَ الصَّحَابَةُ أَنَّ السُّلُوكُ الْمَبْنِيَّ عَلَى السُّنَّةِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ اقْتِصَادٌ، فَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ النَّاجِي، وَمَا جَاءَ بِهِ أَبُو الدَّرْدَاءِ فِي تَفْضِيلِ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مَعَ الْيَقِينِ، هُوَ هَدْمٌ لِأَصْلِ الِاغْتِرَارِ بِالْكَثْرَةِ مَعَ الْبِدْعَةِ». (9)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي :
«لَفْظُ (الْأَكْيَاسِ) عِنْدَ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُمْ عُقَلَاءُ الْأُمَّةِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَنَّ مَدَارَ الْقَبُولِ عَلَى الْمُتَابَعَةِ، وَأَنَّ الْمُغْتَرِّينَ هُمْ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ فِي الْخِلَافِ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ مَنْ صَامَ وَقَامَ عَلَى طَرِيقَةِ الْأَحْزَابِ الْمُحْدَثَةِ أَوِ الْأَفْكَارِ الطَّارِئَةِ فَهُوَ مَغْبُونٌ مَغْرُورٌ، وَالْكَيِّسُ هُوَ مَنْ لَزِمَ غَرْزَ السَّلَفِ». (10)

​[خَامِسًا: قَوَاعِدُ الْفَضْلِ وَالضَّوَابِطُ الْمُسْتَنْبَطَةُ]

​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:

​■الْقَاعِدَةُ: «الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَّةِ، وَالْمُتَابَعَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ».
​●ضَابِطُهَا: كُلُّ عَمَلٍ كَانَ خَالِيًا مِنَ الْمُتَابَعَةِ لِلسُّنَّةِ فَهُوَ مِنْ سَبِيلِ "الْمُغْتَرِّينَ" (2) الَّذِي لَا يَزِيدُ صَاحِبَهُ إِلَّا بُعْدًا.
​الْقَاعِدَةُ الْمَنْهَجِيَّةُ وَضَابِطُهَا:

■​الْقَاعِدَةُ: «مَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا».
​●ضَابِطُهَا: اِلْتِزَامُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي الْعِبَادَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، فَالِاقْتِصَادُ فِي طَرِيقِهِمْ مَنْجَاةٌ، وَالِاجْتِهَادُ فِي خِلَافِ طَرِيقِهِمْ ضَلَالَةٌ مَرْدُودَةٌ.
​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
​■الْقَاعِدَةُ: «النَّهْيُ فِي التَّعَبُّدَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَالْبُطْلَانَ».
​●ضَابِطُهَا: كُلُّ هَيْئَةٍ عِبَادِيَّةٍ أُحْدِثَتْ عَلَى خِلَافِ الشَّرْعِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ أُصُولًا لَا ثَوَابَ فِيهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

​[الْحَاشِيَةُ ]_______________________________________________________________

​1. تَخْرِيجُ الْآثَارِ مَتْنِيًّا:
​(1) أَثَرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
​أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، ص32، رَقْمُ 98.
​وَأَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ لِأَبِيهِ، ص201، رَقْمُ 1021.
​وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتِ الْأَصْفِيَاءِ، ج1، ص252.
​الْحُكْمُ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ عَلَى أُبَيٍّ، رِجَالُهُ ثِقَاتٌ جَهَابِذَةٌ.
​(2) أَثَرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
​أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ، ص135، رَقْمُ 621.
​وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْيَقِينِ، ص42، رَقْمُ 12.
​وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي حِلْيَةِ الْأَوْلِيَاءِ، ج1، ص211.
​الْحُكْمُ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ لَهُ طُرُقٌ يَعْضُدُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
​2. تَوْثِيقُ نُقُولِ الْأَئِمَّةِ عِلْمِيًّا:
​(3) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، جَمْعُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج4، ص320.
​(4) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: الْمَحَجَّةُ فِي سَيْرِ الدُّلْجَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الرِّيَاض، ج1، ص45.
​(5) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج13، ص278.
​(6) الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ (تَفْرِيغُ الدُّرُوسِ الشَّفَهِيَّةِ بِمَوْقِعِهِ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ، ص12).
​(7) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: الْفَوَائِدُ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوت، ج1، ص97.
​(8) الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الْعُثَيْمِينِ، دَارُ الْوَطَنِ، ج9، ص182.
​(9) الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ التَّمِيمِيُّ: الْمَنَاهِجُ الْعَقَدِيَّةُ فِي شَرْحِ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، دَارُ إِيلَاف، ج1، ص114.
​(10) الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي (مُكَرَّرٌ): الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ص14.
_________________________________14_________________________________________

​[الْمَتْنُ]الفقرة السابعة[ بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ]
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آلِ عِمْرَانَ: 85].
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آلِ عِمْرَان: 19].

_____________________________________________________

​[أَوَّلًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]

​1. مُفْرَدَاتُ الْآيَةِ الْأُولَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا...}
​يَبْتَغِ:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (بـ غـ ي)، وَالِابْتِغَاءُ عَلَى وَزْنِ (اِفْتِعَال) وَهُوَ مُبَالَغَةٌ فِي الْبُغْيَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الطَّلَبُ الْجَازِمُ بِالْإِرَادَةِ وَالْهِمَّةِ لِلشَّيْءِ مَعَ التَّحَرِّي لِأَخْذِهِ.
​الْإِسْلَامِ:
​الِاشْتِقَاقُ: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (أَسْلَمَ) يُسْلِمُ إِسْلَامًا، وَمَادَّتُهُ الِاشْتِقَاقِيَّةُ (سـ لـ م)، وَتَدُلُّ عَلَى السَّلَامَةِ وَالِانْقِيَادِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شرْعًا: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
​الْخَاسِرِينَ:
​الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ خَاسِرٍ، اِسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (خَسِرَ) يَخْسَرُ خُسْرَانًا، وَمَادَّتُهُ (خـ سـ ر) تَدُلُّ عَلَى النَّقْصِ وَالْهَلَاكِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَنْ ضَيَّعَ رَأْسَ مَالِهِ (وَهُوَ عُمُرُهُ وَإِيمَانُهُ) فَحُرِمَ الثَّوَابَ وَاسْتَحَقَّ الْعِقَابَ الْأَبَدِيَّ.
​2. مُفْرَدَاتُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...}
​الدِّينَ:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (دـ يـ ن)، وَتَدُلُّ عَلَى الِانْقِيَادِ، وَالْخُضُوعِ، وَالْمُحَاسَبَةِ، وَالْجَزَاءِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شرْعًا: هُوَ الْوَضْعُ الْإِلَهِيُّ السَّائِقُ لِذَوِي الْعُقُولِ السَّلِيمَةِ بِاخْتِيَارِهِمْ إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهُمْ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ.
​عِنْدَ:
​الِاشْتِقَاقُ: ظَرْفُ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ حَسَبَ السِّيَاقِ، وَمَادَّتُهُ (عـ نـ د) لِلْقُرْبِ وَالْحُضُورِ الْمَعْنَوِيِّ أَوِ الْحِسِّيِّ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ هُنَا: ظَرْفٌ لِتَحْقِيقِ الْحُكْمِ وَالِاخْتِصَاصِ الشَّرْعِيِّ وَالْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ سِوَاهُ.
​اللَّهِ:
​الِاشْتِقَاقُ: عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْإِلَهِ، وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ (أَ لَ هَ) يَأْلَهُ أُلُوهَةً وَإِلَاهَةً.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْمَأْلُوهُ الْمَعْبُودُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا، الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ وَتَخْضَعُ لَهُ الْخَلَائِقُ بِالْعُبُودِيَّةِ.

​[ثَانِيًا: عَلَاقَةُ التَّبْوِيبِ بِالْآيَاتِ وَتَرْجَمَةِ الْأَبْوَابِ]

​●عَلَاقَةُ الْآيَاتِ بِتَرْجَمَةِ الْبَابِ: لَمَّا بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ "فَضْلَ الْإِسْلَامِ"، أَرَادَ أَنْ لَا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ دُخُولَ هَذَا الْإِسْلَامِ هُوَ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ أَوْ مَحْضِ الِاسْتِحْبَابِ، فَتَرْجَمَ بِـ (بَابِ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ).

​●وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الْأُولَى: أَنَّ اللَّهَ نَفَى قَبُولَ أَيِّ طَرِيقَةٍ أَوْ تَعَبُّدٍ يُتَدَيَّنُ بِهِ خَارِجَ مِظَلَّةِ الْإِسْلَامِ {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}، وَمَا لَا يُقْبَلُ فَهُوَ بَاطِلٌ يَؤُولُ بِصَاحِبِهِ إِلَى الْخُسْرَانِ، وَهَذَا مَحْضُ الْوُجُوبِ الْعَيْنِيِّ الصَّارِمِ.

​●وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنَ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: أَنَّ اللَّهَ حَصَرَ الدِّينَ الْمَقْبُولَ الْمَرْضِيَّ عِنْدَهُ فِي "الْإِسْلَامِ" بِأَدَاةِ الْحَصْرِ النَّفْسِيَّةِ النَّاشِئَةِ عَنْ جُمْلَةِ (إِنَّ)، فَمَا سِوَاهُ لَيْسَ دِينًا عِنْدَ اللَّهِ، وَلُزُومُ مَا هُوَ دِينٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاجِبٌ عَقْلًا وَشَرْعًا.
​●نِسْبَةُ عَلَاقَةِ الْأَبْوَابِ التَّابِعَةِ: هَذَا الْبَابُ هُوَ رَبْطٌ عَقَدِيٌّ بَيْنَ "الْفَضْلِ" وَبَيْنَ "التَّفْسِيرِ" الَّذِي سَيَأْتِي لَاحِقًا، فَالْفَضْلُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَالْوُجُوبُ يَسْتَلْزِمُ مَعْرِفَةَ التَّفْسِيرِ الشَّرْعِيِّ لِمُسَمَّى الْإِسْلَامِ لِئَلَّا يَقَعَ الْمَرْءُ فِي الِانْحِرَافِ.

​[ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْآيَاتِ (تَفْسِيرُ الْبَغَوِيِّ، ابْنِ كَثِيرٍ، السَّعْدِيِّ)]

​[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: تَفْسِيرُ الْآيَةِ الْأُولَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا...}]

​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
«قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا} أَيْ: يَعْتَقِدْ وَيَطْلُبْ غَيْرَ التَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِ اللَّهِ، {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} عَمَلُهُ، {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} أَيْ: مِنَ الْمَغْبُونِينَ الَّذِينَ هَلَكَتْ أَنْفُسُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ فِي رَهْطٍ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ... وَالْإِسْلَامُ هُنَا هُوَ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا الَّذِي خُتِمَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ». (1)

​تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
«يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ أَنَّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} الْآيَةَ، أَيْ: مَنْ طَلَبَ دِينًا غَيْرَ مَا أَرْسَلَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى الْقَبُولِ عِنْدَ اللَّهِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)، وَفِي الْآخِرَةِ يَكُونُ مِنَ الْخَاسِرِينَ هَلَاكًا وَخُلُودًا فِي النَّارِ». (2)

​تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ:
«أَيْ: مَنْ يَدِينُ لِلَّهِ بِغَيْرِ الدِّينِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ وَحْدَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِمَا شَرَعَهُ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الْعَمَلُ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ لِلشَّرِيعَةِ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مَحْرُومٌ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، قَدْ خَسِرَ نَفْسَهُ وَأَهْلَهُ، وَأُحْضِرَ لِلْعَذَابِ الْأَلِيمِ». (3)

​[الْقِسْمُ الْثَّانِي: تَفْسِيرُ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...}]

​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:

«قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} أَيْ: الدِّينُ الْمَرْضِيُّ الْحَقُّ هُوَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ وَالطَّاعَةُ لِلَّهِ وَالتَّوْحِيدُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْإِسْلَامُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِنَفْسِهِ وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ». (4)

​تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:

«وَقَوْلُهُ: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِينٍ عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ». (5)

​تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ:

«أَيْ: لَا دِينَ لِلَّهِ تَعَالَى مَشْرُوعًا وَلَا مَقْبُولًا إِلَّا هَذَا الدِّينُ، وَهُوَ الِانْقِيَادُ لِلَّهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِمَا شَرَعَهُ، فَالْإِسْلَامُ هُوَ طَرِيقُ النَّجَاةِ، وَمَا عَدَاهُ فَمَبْنِيٌّ عَلَى شُبُهَاتٍ وَأَهْوَاءٍ، وَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى بَاطِلِ كُلِّ مَنْ تَدَيَّنَ بِالْيَهُودِيَّةِ أَوِ النَّصْرَانِيَّةِ أَوْ غَيْرِهَا بَعْدَ بِعْثَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ». (6)

​[رَابِعًا: نُصُوصُ كَلَامِ الشُّيُوخِ وَالْأَئِمَّةِ الشُّرَّاحِ]

​[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: نُصُوصُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ الْآيَةِ الْأُولَى]

​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
«وَهَذِهِ الْآيَةُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} عَامَّةٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَالْإِسْلَامُ الْعَامُّ دِينُ الْأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا، وَالْإِسْلَامُ الْخَاصُّ بَعْدَ الْبِعْثَةِ هُوَ شَرِيعَةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَنْ تَمَسَّكَ بِمَا نُسِخَ أَوْ بِبِدْعَةٍ مُحْدَثَةٍ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، فَكَانَ مِنَ الْخَاسِرِينَ خُسْرَانًا مُطْلَقًا». (7)
​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ:

«أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي تُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَارِيَةً عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ آلِ عِمْرَانَ، لِأَنَّ الِابْتِغَاءَ لِغَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ فِيهِ اِتِّهَامٌ لِلشَّرِيعَةِ بِالنَّقْصِ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِأَهْلِ الِابْتِدَاعِ نَصِيبًا مِنَ الْقَبُولِ، بَلْ جَعَلَهُمْ مَغْبُونِينَ فِي سَعْيِهِمْ». (8)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«تَدُلُّ الْآيَةُ الصَّرِيحَةُ عَلَى بُطْلَانِ جَمِيعِ الْمَنَاهِجِ الَّتِي لَا تَتَّخِذُ الْإِسْلَامَ السَّلَفِيَّ النَّقِيَّ عَقِيدَةً وَمَنْهَجًا، فَالْمُتَكَلِّمُونَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ، وَالْحِزْبِيُّونَ الْمُعَاصِرُونَ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّةَ أَوْ يَقْبَلُونَ بِالتَّعَدُّدِيَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالْعَقَدِيَّةِ، دَاخِلُونَ فِي وَعِيدِ هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّهُمْ اِبْتَغَوْا فِي مَنَاهِجِهِمْ غَيْرَ مَحْضِ الْإِسْلَامِ». (9)

​[الْقِسْمُ الْثَّانِي: نُصُوصُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ فِي شَرْحِ الْآيَةِ الثَّانِيَةِ]

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ:
«جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةَ الدِّينِ عِنْدَهُ هِيَ الْإِسْلَامُ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ، وَالذُّلِّ، وَالِانْقِيَادِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِسْلَامُ إِلَّا بِإِثْبَاتِ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَتَوْحِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ. فَمَنْ نَفَى الصِّفَاتِ كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ فَمَا أَسْلَمَ لِلَّهِ حَقِيقَةً، بَلْ أَنْكَرَ مَعْبُودَهُ، فَلَيْسَ لَهُ دِينٌ عِنْدَ اللَّهِ». (10)

​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ:
«جُمْلَةُ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ بِـ (إِنَّ)، وَتَفِيدُ الْحَصْرَ الْقَطْعِيَّ، فَلَا دِينَ لَهُ سُبْحَانَهُ يَحْمَدُ عَلَيْهِ وَيُثِيبُ فَاعِلَهُ إِلَّا الْإِسْلَامُ، وَفِيهِ الرَّدُّ الْبَالِغُ عَلَى الدَّاعِينَ لِتَقَارُبِ الْأَدْيَانِ أَوْ وِحْدَةِ الْأَدْيَانِ، فَإِنَّهُ كُفْرٌ صَرِيْحٌ يُصَادِمُ نَصَّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ هَذَا». (11)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
«لَمَّا كَانَ الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ الْإِسْلَامَ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْإِسْلَامُ وَاضِحَ الْمَعَالِمِ نَقِيًّا كَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَوَائِبُ الْكَلَامِ وَلَا تَلْوِيثَاتُ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَا تَمْيِيعُ الْجَمَاعَاتِ الْحَدِيثَةِ كَالْإِخْوَانِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْغَايَةَ هِيَ الْكُرْسِيَّ وَالتَّمْكِينَ السِّيَاسِيَّ وَلَيْسَ تَوْحِيدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَالْإِسْلَامُ الْحَقُّ هُوَ الِانْقِيَادُ لِلشَّرْعِ لَا لِلْمَصْلَحَةِ الْحِزْبِيَّةِ». (12)

​[خَامِسًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الْمُسْتَنْبَطَةُ]

​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
​الْقَاعِدَةُ: «شَرْطُ صِحَّةِ الدِّينِ وَقَبُولِهِ هُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَا خَالَفَ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ نَسْخًا أَوْ إِحْدَاثًا».
​ضَابِطُهَا: كُلُّ مَنِ اِعْتَقَدَ صِحَّةَ أَيِّ مِلَّةٍ أَوْ مَنْهَجٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ (كَالْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ الْمُحَرَّفَتَيْنِ أَوْ مَنَاهِجِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ عَقَدِيًّا) فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ عَنِ الدِّينِ، حَابِطُ الْعَمَلِ بِنَصِّ {فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} (85).
​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
​الْقَاعِدَةُ: «النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ أَوِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الْعُمُومَ الِاسْتِغْرَاقِيَّ».
​ضَابِطُهَا: جَاءَتْ كَلِمَةُ (دِينًا) نَكِرَةً فِي سِيَاقِ شَرْطِ (مَنْ يَبْتَغِ...) فَيُفِيدُ ذَلِكَ أَنَّ أَيَّ دِينٍ، أَوْ مَذْهَبٍ، أَوْ فِكْرَةٍ، أَوْ حِزْبِيَّةٍ، قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ، حَادَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَهِيَ مَرْدُودَةٌ مَهْمَا كَانَتْ دَعَاوَى أَصْحَابِهَا.

​سَادِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 

​1. شَرْحُ التَّبْوِيبِ مِنْ مَنْظُورٍ عَقَدِيٍّ أُصُولِيٍّ:
​إِنَّ تَرْجَمَةَ الْمُصَنِّفِ بِـ (بَابِ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ) تُمَثِّلُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْفِقْهِ الْعَقَدِيِّ؛ حَيْثُ نَقَلَ الْمُكَلَّفَ مِنْ فَهْمِ "التَّفَضُّلِ" إِلَى فَهْمِ "الْإِلْزَامِ الْقَطْعِيِّ". 
فَالْوُجُوبُ هُنَا لَيْسَ وُجُوبًا فِقْهِيًّا فَرْعِيًّا، بَلْ هُوَ وُجُوبٌ أَصْلِيٌّ عَقَدِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّلَازُمِ بَيْنَ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ وَإِلَهِيَّتِهِ؛ إِذْ لَا يَمْلِكُ الْخَلْقُ مَعَ خَالِقِهِمْ خِيَارًا فِي الِاتِّبَاعِ {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}.

​2. التَّفْكِيكُ الْعَقَدِيُّ لِأَدِلَّةِ الْبَابِ وَرَدُّ الِانْحِرَافَاتِ:

​الْآيَةُ الْأُولَى {وَمَنْ يَبْتَغِ...}: تُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" وَبُطْلَانِ التَّعَدُّدِيَّةِ. وَمِنَ النَّاحِيَةِ الْأُصُولِيَّةِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ {يَبْتَغِ} يَقْطَعُ دَابِرَ كُلِّ سَعْيٍ حِزْبِيٍّ أَوْ كَلَامِيٍّ. 
فَالْجَهْمِيَّةُ حِينَ اِبْتَغَتْ تَعْظِيمَ الرَّبِّ بِتَعْطِيلِ صِفَاتِهِ، وَالْمُعْتَزِلَةُ حِينَ اِبْتَغَتْ ذَلِكَ بِعُقُولِهَا، وَالْأَشَاعِرَةُ بِتَأْوِيلَاتِهِمْ، جَمِيعُهُمْ وَقَعُوا فِي شَرَكِ "اِبْتِغَاءِ غَيْرِ طَرِيقِ الْإِسْلَامِ النَّقِيِّ" الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ.

​الْآيَةُ الثَّانِيَةُ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}: تُرْسِي دِعَامَةَ "الْحَصْرِ وَالِاخْتِصَاصِ". فَالْإِسْلَامُ اِسْمٌ لِعَقِيدَةٍ مُحَدَّدَةٍ لَيْسَتْ خَاضِعَةً لِلتَّطْوِيرِ السِّيَاسِيِّ أَوْ الْمُدَاهَنَةِ الْمَفْضُوحَةِ. وَهُنَا نَرُدُّ عَلَى مَنَاهِجِ الْمُعَاصِرِينَ مِنْ تَنْظِيمَاتِ الْإِسْلَامِ السِّيَاسِيِّ (كَالْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ) وَمَنْ تَفَرَّعَ عَنْهُمْ؛ حَيْثُ اِتَّخَذُوا "الْإِسْلَامَ" شِعَارًا لِلْوُصُولِ إِلَى مَآرِبَ حِزْبِيَّةٍ، فَقَبِلُوا بِمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبِدَعِ بَلْ وَالْكُفَّارِ، وَدَاهَنُوا فِي أَصْلِ الْأُصُولِ (الْعَقِيدَةِ) مِنْ أَجْلِ مَصَالِحَ جَمَاعَاتِهِمْ، فَمَا حَقَّقُوا الِانْقِيَادَ التَّامَّ لِلَّهِ، بَلْ أَقَامُوا دِينًا حِزْبِيًّا يَسِيرُ مَعَ أَهْوَاءِ دَعَاوَى الْقُطْبِيَّةِ وَالْمَوْدُودِيَّةِ. فَالتَّأْصِيلُ الْحَقُّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَيَبْرَأْ مِنْ مَنَاهِجِ أَهْلِ الضَّلَالِ كُلِّهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، لَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ نَصًّا وَرُوحًا.

​[الْحَاشِيَةُ ]___________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج2، ص67.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ كُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج2، ص69.
​(3) الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج1، ص138.
​(4) الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج2، ص18.
​(5) الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج2، ص19.
​(6) الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج1، ص124.
​(7) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج3، ص91.
​(8) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج1، ص180.
​(9) الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ التَّمِيمِيُّ: الْمَنَاهِجُ الْعَقَدِيَّةُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَالْفَضْلِ، دَارُ إِيلَاف، ج2، ص44.
​(10) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج1، ص298.
​(11) الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَرْحُ اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج1، ص112.
​(12) الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: الْأَصَالَةُ الْمَنْهَجِيَّةُ فِي شُرُوحِ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ (الْإِصْدَارُ الرَّقْمِيُّ الْمُعْتَمَدُ)، ص56.
_________________________________15_________________________________________

​[الْمَتْنُ] الفقرة الثامنة من [بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ]
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَنْعَامُ: 153].
__________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ، الْحَدُّ الْجَامِعُ، وَالتَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ)]
​صِرَاطِي:
​الِاشْتِقَاقُ: مَادَّتُهُ الثُّلَاثِيَّةُ (صـ رـ ط)، وَيُقَالُ بِالسِّينِ (سِرَاط) مِنْ سَرَطَ الشَّيْءَ إِذَا بَلَعَهُ، لِأَنَّ الطَّرِيقَ يَبْلَعُ السَّابِلَةَ، وَأُضِيفَ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ تَشْرِيفًا وَاخْتِصَاصًا لِلَّهِ تَعَالَى.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الْوَاسِعُ الْمُوصِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى جَنَّتِهِ، وَهُوَ كِتَابُ اللَّهِ وَسُنَّةُ نَبِيِّهِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ.
​مُسْتَقِيمًا:
​الِاشْتِقَاقُ: اِسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ السُّدَاسِيِّ (اِسْتَقَامَ) عَلَى وَزْنِ (مُسْتَفْعِل)، وَمَادَّتُهُ (قـ وـ م)، وَإِعْرَابُهُ فِي الْآيَةِ: حَالٌ مَنْصُوبَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْعَامِلِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا انْحِرَافَ، الْقَائِمُ عَلَى الْعَدْلِ وَالْقَصْدِ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ.
​فَاتَّبِعُوهُ (الْفَاءُ وَالْأَمْرُ):
​التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ وَالْبَلَاغِيُّ: الْفَاءُ هُنَا هِيَ فَاءُ السَّبَبِيَّةِ الرَّابِطَةُ لِجَوَابِ الشَّرْطِ الْمُقَدَّرِ (أَيْ: إِذَا كَانَ هَذَا صِرَاطِي فَاتَّبِعُوهُ)، وَتُفِيدُ مَعَ ذَلِكَ الْفَوْرِيَّةَ وَالسُّرْعَةَ فِي الِامْتِثَالِ، لِأَنَّ الْحَقَّ إِذَا اسْتَبَانَ لَا يَحْتَمِلُ التَّرَاخِيَ. وَ(اتَّبِعُوهُ): فِعْلُ أَمْرٍ لِلْوُجُوبِ الْعَيْنِيِّ الْمُطْلَقِ.
​وَلَا تَتَّبِعُوا (لَا النَّاهِيَةُ):
​التَّوْجِيهُ النَّحْوِيُّ: (لَا) هُنَا هِيَ لَا النَّاهِيَةُ الْجَازِمَةُ، وَلَيْسَتْ نَافِيَةً؛ لِأَنَّها دَخَلَتْ عَلَى الْمُضَارِعِ فَجَزَمَتْهُ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ، وَالنَّهْيُ الشَّرْعِيُّ هُنَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ الْقَطْعِيَّ لِسُلُوكِ غَيْرِ جَادَّةِ الْإِسْلَامِ.
​السُّبُلَ:
​الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وَمَادَّتُهُ (سـ بـ ل) وَتَدُلُّ عَلَى الِامْتِدَادِ وَالتَّدَلِّي، وَجُمِعَتْ هُنَا فِي مُقَابَلَةِ إِفْرَادِ (صِرَاطِي) إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ طُرُقِ الضَّلَالِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ كُلُّ الْمَنَاهِجِ، وَالْأَهْوَاءِ، وَالنِّحَلِ، وَالْأَفْكَارِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي خَرَجَتْ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، سَوَاءً كَانَتْ عَقَدِيَّةً أَوْ سِيَاسِيَّةً.
​فَتَفَرَّقَ:
​الِاشْتِقَاقُ: أَصْلُهَا (فَتَتَفَرَّقَ) حُذِفَتْ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ، وَالْفَاءُ جَاءَتْ سَبَبِيَّةً جَازِمَةً (أَوْ مَنْصُوبًا الْمُضَارِعُ بَعْدَهَا بِأَنْ مُضْمَرَةً فِي جَوَابِ النَّهْيِ)، وَمَادَّتُهُ (فـ رـ ق) لِلِانْفِصَالِ وَالتَّشَتُّتِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَمَزُّقُ الِاجْتِمَاعِ الشَّرْعِيِّ، وَتَشَتُّتُ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ إِمَّا بِالْبِدْعَةِ أَوْ بِالسَّيْفِ.

​[ثَانِيًا: عَلَاقَةُ التَّبْوِيبِ بِالْآيَةِ وَتَرْجَمَةِ الْأَبْوَابِ]

​●ذوَجْهُ الدَّلَالَةِ عَلَى الْوُجُوبِ: إِنَّ الْأَمْرَ الصَّرِيحَ {فَاتَّبِعُوهُ} الْمَقْرُونَ بِالْفَاءِ، مَعَ النَّهْيِ الْجَازِمِ {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} هُمَا جِمَاعُ صِيَغِ الْوُجُوبِ وَالْإِلْزَامِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ. 
فَالْمَصِيرُ إِلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الصِّرَاطُ يُعَدُّ وَاجِبًا حَتْمِيًّا لَا مَحِيدَ عَنْهُ لِتَوَقُّفِ النَّجَاةِ عَلَيْهِ.
●​التَّنَاسُبُ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيط: أَفْرَدَ اللَّهُ الصِّرَاطَ {صِرَاطِي} وَجَمَعَ السُّبُلَ {السُّبُلَ}؛ لِأَنَّ طَرِيقَ الْحَقِّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْعَقَدِيُّ النَّقِيُّ، بَيْنَمَا طُرُقُ الْبَاطِلِ مُتَشَعِّبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَتَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ لِلْوُجُوبِ لِيَعْلَمَ الْمَرْءُ أَنَّ لُزُومَ الطَّرِيقِ الْوَاحِدِ فَرِيضَةٌ، وَالتَّشَعُّبَ مَعَ الْفِرَقِ هَلَاكٌ.
●​نِسْبَةُ الْآيَةِ لِمَا قَبْلَهَا: بَعْدَ أَنْ حَصَرَتِ الْآيَتَانِ السَّابِقَتَانِ الْقَبُولَ فِي مُسَمَّى الْإِسْلَامِ، جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ لِتَرْسُمَ الْخَرِيطَةَ الْعَمَلِيَّةَ لِهَذَا الْوُجُوبِ، بِالتَّحْذِيرِ مِنَ الْمُنْعَطَفَاتِ وَالسُّبُلِ الطَّارِئَةِ الَّتِي تَدَّعِي الْإِسْلَامَ وَهِيَ تَهْدِمُهُ.


​[ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ (الْبَغَوِيُّ، ابْنِ كَثِيرٍ، السَّعْدِيِّ)]

​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ:
«قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} أَيْ: دِينِي وَسُنَّتِي وَطَرِيقِي الَّذِي ارْتَضَيْتُهُ لَكُمْ مُسْتَقِيمًا قَوِيمًا لَا عِوَجَ فِيهِ، {فَاتَّبِعُوهُ} وَاعْمَلُوا بِهِ، {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} أَيْ: الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَسَائِرَ الْمِلَلِ، وَقِيلَ: هِيَ الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ، {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} أَيْ: فَتَمِيلَ وَتَشِذَّ بِكُمْ، {عَنْ سَبِيلِهِ} أَيْ: عَنْ دِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكُمْ... وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ الرَّسُولَ خَطَّ خَطًّا وَخَطَّ حَوْلَهُ خُطُوطًا ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ السُّبُلُ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ». (1)

​تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
«يَقُولُ تَعَالَى أَمَرًا لِلْعِبَادِ بِلُزُومِ صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدِّينُ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وَنَهَاهُمْ عَنِ السُّبُلِ وَهِيَ الطُّرُقُ الْمُخْتَلِفَةُ الَّتِي تُفْضِي إِلَى التَّفَرُّقِ وَالتَّشَتُّتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}، وَإِنَّمَا أَفْرَدَ سَبِيلَهُ لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ، وَلِهَذَا يَجْمَعُ الْبَاطِلَ لِأَنَّهُ مِلَلٌ وَنِحَلٌ شَتَّى... وَقَدْ حَذَّرَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ بِهَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كُلِّ خَوْضٍ فِي الْكَلَامِ وَالْأَهْوَاءِ الْمُحْدَثَةِ». (2)

​تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ:
«لَمَّا بَيَّنَ اللَّهُ الْأَحْكَامَ الْأَسَاسِيَّةَ، قَالَ: {وَأَنَّ هَذَا} أَيْ: مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ فِي هَذِهِ السُّوَرِ وَالْآيَاتِ هُوَ {صِرَاطِي} أَيْ: طَرِيقِي الْمُوصِلُ إِلَيَّ وَإِلَى دَارِ كَرَامَتِي، {مُسْتَقِيمًا} سَهْلًا مُعْتَدِلًا، {فَاتَّبِعُوهُ} لِتَنَالُوا الْفَوْزَ، {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} الْقَانِتَةَ عَنِ الصِّرَاطِ، وَهِيَ طُرُقُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ وَالْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ، فَمَنْ سَلَكَهَا تَفَرَّقَ بِهِ الْأَمْرُ، وَضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا». (3)

​[رَابِعًا: نُصُوصُ كَلَامِ الشُّيُوخِ وَالْأَئِمَّةِ الشُّرَّاح]

​[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: نُصُوصُ كَلَامِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِي شَرْحِ الْآيَةِ]

​نَصُّ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
«قَالَ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. فَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ هُوَ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَتَضَمَّنُ التَّصْدِيقَ بِالْخَبَرِ وَالطَّاعَةَ لِلْأَمْرِ، وَالْأَمْرُ بِالِاتِّبَاعِ يَمْنَعُ مِنَ الِابْتِدَاعِ، وَالْفُرْقَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِتَرْكِ بَعْضِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ مَقْرُونَةٌ بِالْجَمَاعَةِ كَمَا أَنَّ الْبِدْعَةَ مَقْرُونَةٌ بِالْفُرْقَةِ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ فَقَدْ دَخَلَ فِي السُّبُلِ الْمَذْمُومَةِ». (4)

​نَصُّ كَلَامِ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ (ت: 751هـ):
«إِنَّ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَى اللَّهِ وَاحِدٌ، وَهُوَ صِرَاطُهُ الْمُسْتَقِيمُ الَّذِي نَصَبَهُ عَلَى أَلْسُنِ رُسُلِهِ، وَجَعَلَهُ مُوصِلًا إِلَيْهِ، لَا طَرِيقَ إِلَيْهِ سِوَاهُ، وَلِهَذَا أَفْرَدَهُ سُبْحَانَهُ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ وَجَمَعَ سُبُلَ أَهْلِ الْخِلَافِ، وَهَذِهِ السُّبُلُ هِيَ طُرُقُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ الْخَارِجِينَ عَنِ الْجَادَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّنْ قَدَّمُوا آرَاءَهُمْ وَأَهْوَاءَهُمْ عَلَى النَّصِّ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ». (5)

​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: 795هـ):
«وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا وَنَسَبَهُ إِلَى الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَدَاخِلٌ فِي السُّبُلِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنِ اتِّبَاعِهَا. فَعَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَلْزَمَ غَرْزَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَيَحْذَرَ مِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ كُلِّهَا؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَالْخُرُوجُ عَنِ الْجَمَاعَةِ شِقَاقٌ، وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ السُّبُلِ مَنْ فَارَقَ مَنْهَجَ السَّلَفِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ». (6)

​نَصُّ كَلَامِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: 852هـ):
«قَوْلُهُ: {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} أَيِ الطُّرُقَ الْمُخْتَلِفَةَ فِي النِّحَلِ وَالْإِعْتِقَادَاتِ الْبَاطِلَةِ، وَإِنَّمَا جَمَعَهَا لِكَثْرَتِهَا وَتَشَعُّبِهَا، بِخِلَافِ طَرِيقِ الْحَقِّ فَإِنَّهُ وَاحِدٌ لَا تَشَعُّبَ فِيهِ، وَمُقْتَضَى هَذَا النَّهْيِ أَنَّ كُلَّ طَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا السَّلَفُ فَهِيَ مَرْدُودَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ)». (7)

​[الْقِسْمُ الثَّانِي: نُصُوصُ تَقْرِيرَاتِ الشُّيُوخِ الْمُعَاصِرِينَ فِي تَنْزِيلِ الْآيَةِ]

​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
«الِاسْتِقَامَةُ هِيَ لُزُومُ هَذَا الصِّرَاطِ بِدُونِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ. وَالْجَمَاعَاتُ الْمُعَاصِرَةُ الْيَوْمَ، وَعَلَى رَأْسِهَا جَمَاعَةُ الْإِخْوَانِ الَّتِي أَسَّسَهَا حَسَنُ الْبَنَّا وَنَظَّرَ لَهَا سَيِّدُ قُطْبٍ وَالْمَوْدُودِيُّ، قَدْ تَرَكَتِ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ فِي دَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى التَّوْحِيدِ أَوَّلًا، وَاتَّخَذَتْ (سُبُلًا) حِزْبِيَّةً ضَلَّتْ بِهَا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَحْدَثُوا فُرْقَةً وَتَنَازُعًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ». (8)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
«مَعَالِمُ الِاسْتِقَامَةِ فِي الْآيَةِ تَتَلَخَّصُ فِي أَمْرَيْنِ: اِتِّبَاعُ الصِّرَاطِ، وَمُجَانَبَةُ السُّبُلِ. وَلَا يُمْكِنُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْتَقِيمَ حَتَّى يَعْرِفَ طُرُقَ الضَّلَالِ لِيَحْذَرَهَا. وَمِنْ ضَلَالِ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ أَنَّهُمْ ظَنُّوا اسْتِقَامَتَهُمْ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ بِمُجَارَاةِ الْعَقْلِيَّاتِ الْكَلَامِيَّةِ، فَكَانَتْ نَتِيجَتُهُمُ التَّفَرُّقُ وَالِاضْطِرَابُ، بَيْنَمَا أَهْلُ السُّنَّةِ فِي سَلَفِيَّتِهِمْ مُتَّحِدُونَ لِأَنَّ مَصْدَرَهُمْ وَاحِدٌ». (9)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
«إِنَّ لَفْظَ {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} فِي الْآيَةِ يَقْطَعُ بِأَنَّ كُلَّ حِزْبٍ أَوْ جَمَاعَةٍ تَقُومُ عَلَى بَيْعَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ مَنْهَجٍ مُسْتَقِلٍّ عَنْ جَمَاعَةِ السَّلَفِ فَهِيَ مِنْ (السُّبُلِ) الْمَذْمُومَةِ. فَالْجَمَاعَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْمُعَاصِرَةُ الَّتِي تَتَبَنَّى الْفِكْرَ الْقُطْبِيَّ الْحَرَكِيَّ، هِيَ الْاِمْتِدَادُ الْعَصْرِيُّ لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّهُمْ هَجَرُوا تَوْحِيدَ الْأَنْبِيَاءِ وَسَلَكُوا سُبُلَ الْإِثَارَةِ وَالتَّهْيِيجِ». (10)

​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (تَتِمَّةٌ):
«شُرُوطُ الِاسْتِقَامَةِ الْحَقَّةِ ثَلَاثَةٌ: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، وَالْمُتَابَعَةُ لِلرَّسُولِ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى بُهْرُجِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ. وَالْبَاحِثُ الْبَصِيرُ يَرَى أَنَّ كُلَّ فُرْقَةٍ ضَالَّةٍ، كَالْمَاتُرِيدِيَّةِ قَدِيمًا أَوْ الجماعات  حَدِيثًا، إِنَّمَا أُتِيَتْ مِنْ تَرْكِ التَّسْلِيمِ لِلنَّصِّ وَسُلُوكِ سُبُلِ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ الْحِزْبِيَّةِ الْمَزْعُومَةِ». (11)

​[خَامِسًا: الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ الْمُسْتَنْبَطَةُ]

​الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
​الْقَاعِدَةُ: «الْحَقُّ عِنْدَ اللَّهِ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، وَالْبَاطِلُ مُتَعَدِّدٌ مُتَشَعِّبٌ».
​ضَابِطُهَا: كُلُّ مَنْهَجٍ قَامَ عَلَى غَيْرِ الِاتِّبَاعِ الْمَحْضِ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَهُوَ مِنْ (السُّبُلِ) الَّتِي تَقُودُ صَاحِبَهَا إِلَى الْفُرْقَةِ ثُمَّ إِلَى النَّارِ.

​الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ وَضَابِطُهَا:
​الْقَاعِدَةُ: «الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ أَمْرٌ بِضِدِّهِ».
​ضَابِطُهَا: قَوْلُهُ تَعَالَى {فَاتَّبِعُوهُ} أَمْرٌ بِالِاسْتِقَامَةِ وَهُوَ نَهْيٌ عَنِ التَّفَرُّقِ، وَقَوْلُهُ {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ} نَهْيٌ عَنِ الْبِدَعِ وَهُوَ أَمْرٌ صَرِيحٌ بِالْتِزَامِ السُّنَّةِ.

سَادِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ 
​1. مَعَالِمُ وَشُرُوطُ الِاسْتِقَامَةِ مِنْ مَنْظُورٍ عَقَدِيٍّ أُصُولِيٍّ:
​إِنَّ الْبَاحِثَ الْمُتَأَمِّلَ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا} يَرَى أَنَّ الِاسْتِقَامَةَ لَهَا مَعَالِمُ صَارِمَةٌ تُمَيِّزُهَا عَنِ الِادِّعَاءِ الْمَحْضِ:
●​الْمَعْلَمُ الْأَوَّلُ: التَّسْلِيمُ الْقَلْبِيُّ وَالْعَمَلِيُّ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَعَدَمُ تَقْدِيمِ الْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ أَوِ الذَّوْقِ الصُّوفِيِّ أَوْ الرَّأْيِ السِّيَاسِيِّ عَلَيْهِمَا.
​●الْمَعْلَمُ الثَّانِي: الْبَرَاءَةُ التَّامَّةُ مِنَ الْفِرَقِ وَالْأَحْزَابِ؛ فَلَا تَجْمَعُ الِاسْتِقَامَةُ بَيْنَ سَلَفِيَّةٍ نَقِيَّةٍ وَبَيْنَ تَمْيِيعٍ حِزْبِيٍّ.
●​أَمَّا شُرُوطُ الِاسْتِقَامَةِ فَهِيَ: 
■الْعِلْمُ الصَّحِيحُ (لِئَلَّا يَقَعَ فِي سَبِيلِ الْحُمْقَى)
■وَالْإِخْلَاصُ (لِتَجَنُّبِ الِاغْتِرَارِ بِالْعَمَلِ)
■وَالصَّبْرُ عَلَى السُّنَّةِ حَتَّى الْمَمَاتِ.

​2. التَّحْذِيرُ مِنَ الْفِرَقِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا بِنَاءً عَلَى الْآيَةِ:تُعَدُّ هَذِهِ الْآيَةُ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ فِي رَدِّ عَقَائِدِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ كَافَّةً
​■قَدِيمًا: حَذَّرَتِ الْآيَةُ مِنْ مَنَاهِجِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَقْسَامِهَا الَّذِينَ عَطَّلُوا الرَّبَّ عَنْ صِفَاتِهِ، وَمِنْ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا الْعَقْلَ حَاكِمًا عَلَى الشَّرْعِ، وَمِنْ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ الَّذِينَ سَلَكُوا سُبُلًا كَلَامِيَّةً أَفْضَتْ بِهِمْ إِلَى اِضْطِرَابٍ عَقَدِيٍّ مَشْهُودٍ، وَمِنْ أَهْلِ الْفَلْسَفَةِ الْمَحْضَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ هَدَمُوا الشَّرِيعَةَ بِتَأْوِيلَاتِهِمُ الْفَاسِدَةِ.
​■حَدِيثًا وَمُعَاصِرًا: يَتَجَلَّى مِصْدَاقُ {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} فِي جَمَاعَةِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ وَرُمُوزِهَا مِثْلِ حَسَنِ الْبَنَّا، وَسَيِّدُ قُطْبٍ، وَالْمَوْدُودِيُّ، وَبَقِيَّةِ الْجَمَاعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْحَرَكِيَّةِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا الْغَايَةَ الْقُصْوَى لَيْسَتْ تَوْحِيدَ اللَّهِ وَلَا تَعْلِيمَ السُّنَّةِ، بَلِ التَّجْمِيعَ السِّيَاسِيَّ، وَالْخُرُوجَ عَلَى الْوُلَاةِ، وَإِحْدَاثَ الثَّوْرَاتِ وَالْقَلَاقِلِ، مِمَّا آلَ بِهِمْ إِلَى مُوَالَاةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّفْضِ، فَتَفَرَّقَتْ بِهِمِ السُّبُلُ عَنْ صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي رَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ.




​[الْحَاشِيَةُ ]_________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج3، ص198.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج3، ص362.
​(3) الْعَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج1، ص280.
​(4) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج4، ص118.
​(5) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، ج1، ص84.
​(6) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ: فَضْلُ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ج1، ص32.
​(7) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج13، ص315.
​(8) الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج2، ص410.
​(9) الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي: الْمَنْهَجِيَّةُ الْعَقَدِيَّةُ لِلْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، دَارُ التَّدْمُرِيَّةِ، ج1، ص74.
​(10) الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ التَّمِيمِيُّ: الْإِرْشَادُ إِلَى تَوْحِيدِ رَبِّ الْعِبَادِ، دَارُ إِيلَاف، ج1، ص215.
​(11) الشَّيْخُ صَالِحٌ سِنْدِي (مُرَاجَعَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ): الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج1، ص79.
_________________________________16_________________________________________

​[الْأَثَرُ مَعَ الْمَتْنِ] الفقرة التاسعة من [بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ]

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الْأَنْعَامُ: 153].

قَالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: «السُّبُلُ: الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ» (1).


_________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّحْرِيرُ الْأُصُولِيُّ]

​1. الْبِدْعَةُ:

  • ​الِاشْتِقَاقُ: مَادَّتُهَا (بـ دـ ع)، وَتَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى إِنْشَاءِ الشَّيْءِ وَاخْتِرَاعِهِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (2).
  • ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: «طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ» (3).

​2. الْمُحْدَثَةُ:

  • ​الِاشْتِقَاقُ: مَادَّتُهَا (حـ دـ ث)، وَتَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى كَوْنِ الشَّيْءِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فَوُجِدَ، وَالْمُحْدَثُ هُوَ الْجَدِيدُ النَّاقِضُ لِلْقَدِيمِ (4).
  • ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: «كُلُّ أَمْرٍ أُوجِدَ وَأُدْخِلَ فِي الدِّينِ بَعْدَ كَمَالِهِ وَبَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ» (5).

​3. الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِدْعَةِ وَالْمُحْدَثَةِ (الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ):

  • ​بَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ؛ فَكُلُّ بِدْعَةٍ شرْعِيَّةٍ هِيَ مُحْدَثَةٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةً شرْعِيَّةً (6).
  • الْوَجْهُ: أَنَّ "الْمُحْدَثَةَ" لَفْظٌ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ مَا أُحْدِثَ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَمَا أُحْدِثَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا (كَالْمُخْتَرَعَاتِ وَالْآلَاتِ وَالْمَبَانِي)، أَمَّا "الْبِدْعَةُ الشَّرْعِيَّةُ" فَلَا تَكُونُ وَلَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى مَا أُحْدِثَ فِي الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ وَالتَّعَبُّدِ (7).

​4. الشُّبْهَةُ:

  • ​الِاشْتِقَاقُ: مَادَّتُهَا (شـ بـ هـ)، وَتَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى مُمَاثَلَةِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ حَتَّى يَلْتَبِسَ بِهِ وَيُشْبِهَهُ (8).
  • ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: «أَمْرٌ يَعْرِضُ لِلْعَقْلِ أَوْ الْقَلْبِ يُشْبِهُ الْحَقَّ فِي ظَاهِرِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ فِي حَقِيقَتِهِ، فَيَلْتَبِسُ بِسَبَبِهِ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ عَلَى النَّاظِرِ فِيهِ» (9).

​[ثَانِيًا: تَقْسِيمَاتُ الْبِدْعَةِ وَأَحْكَامُهَا الِاسْتِقْصَائِيَّةُ]

​1. الْبِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَالْبِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ:

  • ​الْبِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ: هِيَ كُلُّ مَا اسْتُحْدِثَ وَاخْتُرِعَ مِنَ الصَّنَائِعِ، وَالْآلَاتِ، وَالْمَآكِلِ، وَالْمَشَارِبِ، وَوَسَائِلِ التِّقْنِيَةِ وَالِاتِّصَالِ.
    • الْأَصْلُ فِيهَا: الْإِبَاحَةُ وَالْحِلُّ وَالْعَفْوُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، فَلَا يُحْظَرُ مِنْهَا شَيْءٌ إِلَّا مَا جَاءَ نَصُّ الشَّارِعِ بِتَحْرِيمِهِ عَيْنًا (10).
  • ​الْبِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ: هِيَ كُلُّ طَرِيقَةٍ أُحْدِثَتْ وَأُدْخِلَتْ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ، وَالْعِبَادَاتِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ.
    • الْأَصْلُ فِيهَا: التَّوَقُّفُ، وَالْحَظْرُ، وَالتَّحْرِيمُ الْمَحْضُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ) (11).

​2. أَقْسَامُ الْبِدْعَةِ الدِّينِيَّةِ مِنْ حَيْثُ الْأَثَرُ وَالْحُكْمُ الْعَقَدِيُّ:

  • ​أ. الْبِدْعَةُ الْمُكَفِّرَةُ:
    • تَعْرِيفُهَا: هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي تَتَضَمَّنُ جُحُودَ أَمْرٍ قَطْعِيٍّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ فِيهَا تَكْذِيبٌ صَرِيحٌ لِنُصُوصِ الْقُرْآنِ أَوْ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ الْمُقَدَّسَةِ (12).
    • أَمْثِلَتُهَا: بِدْعَةُ غُلَاةِ الْجَهْمِيَّةِ فِي نَفْيِ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ تَعْطِيلًا لِذَاتِ الرَّبِّ، وَبِدْعَةُ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ فِي ادِّعَاءِ تَلَقِّي الْأَئِمَّةِ لِلْوَحْيِ وَتَحْرِيفِ الْقُرْآنِ، وَبِدْعَةُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مَعَ عِلْمِ صَاحِبِهَا وَقِيَامِ الْحُجَّةِ الرِّسَالِيَّةِ عَلَيْهِ (13).
    • حُكْمُهَا: تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الْمِلَّةِ وَالْإِسْلَامِ إِلَى الْكُفْرِ، لَكِنْ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ شُرُوطِ التَّكْفِيرِ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ (14).
  • ​ب. الْبِدْعَةُ الْمُفَسِّقَةُ:
    • تَعْرِيفُهَا: هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي لَا تَصِلُ بِصَاحِبِهَا إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ الْأَكْبَرِ النَّاقِلِ عَنِ الْمِلَّةِ، وَلَا تَتَضَمَّنُ جُحُودَ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، لَكِنَّهَا مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلْمَنْقُولِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ (15).
    • أَمْثِلَتُهَا: بِدْعَةُ الْقَدَرِيَّةِ غَيْرِ الْغُلَاةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْكِتَابَةَ وَالْمَشِيئَةَ دُونَ أَصْلِ الْعِلْمِ، وَبِدْعَةُ الْمُرْجِئَةِ فِي إِخْرَاجِ الْجَوَارِحِ عَنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَالْبِدَعُ الْعَمَلِيَّةُ كَالِاحْتِفَالِ بِالْمَوَالِدِ الْمُحْدَثَةِ وَالذِّكْرِ الْجَمَاعِيِّ الصُّوفِيِّ (16).
    • حُكْمُهَا: لَا تُخْرِجُ مِنَ الدَّائِرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لَكِنْ يُحْكَمُ عَلَى فِاعِلِهَا بِالْفِسْقِ، وَالضَّلَالِ، وَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ، وَيُسْتَحَقُّ الْهَجْرَ الزَّجْرِيَّ الشَّرْعِيَّ (17).

​3. أَقْسَامُ الْبِدْعَةِ مِنْ حَيْثُ مُسْتَنَدُ الدَّلِيلِ:

  • ​أ. الْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ:
    • صِفَاتُهَا: هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ أَصْلًا، لَا مِنْ كِتَابٍ، وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا إِجْمَاعٍ، وَلَا اسْتِدْلَالٍ عِلْمِيٍّ سَائِغٍ، بَلْ هِيَ مُخْتَرَعَةٌ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا بِمَحْضِ الْهَوَى (18).
    • مِثَالُهَا: التَّرَهُّبُ، وَالتَّعَبُّدُ لِلَّهِ بِقَطْعِ الطَّيِّبَاتِ نِسْكًا، وَالْتِزَامِ الْقِيَامِ فِي الشَّمْسِ صَامِتًا تَقَرُّبًا (19).
  • ​ب. الْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ:
    • صِفَاتُهَا: هِيَ الْبِدْعَةُ الَّتِي لَهَا شَائِبَتَانِ؛ فَلَهَا مِنْ حَيْثُ الْأَصْلُ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ صَحِيحٌ، لَكِنَّهَا خَالَفَتِ الشَّرِيعَةَ مِنْ حَيْثُ الْتِزَامِ الْهَيْئَةِ، أَوْ الْكَيْفِيَّةِ، أَوْ الزَّمَانِ، أَوْ الْمَكَانِ، أَوْ الْعَدَدِ، فَأُضِيفَتْ إِلَى الدِّينِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ (20).
    • مِثَالُهَا: تَخْصِيصُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ بِصِيَامٍ أَوْ قِيَامٍ مَخْصُوصٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ، أَوْ الِاجْتِمَاعُ الدَّائِمُ عَلَى الدُّعَاءِ بِهَيْئَةٍ جَمَاعِيَّةٍ مُرَتَّبَةٍ إِثْرَ الصَلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ (فَالصَّلَاةُ وَالدُّعَاءُ مَشْرُوعَانِ أَصْلًا، لَكِنَّ التَّقْيِيدَ بِالْهَيْئَةِ وَالزَّمَانِ مُحْدَثٌ) (21).

​[ثَالِثًا: نُصُوصُ كَلَامِ الشُّيُوخِ وَالْأَئِمَّةِ الشُّرَّاحِ]

  • ​نَصُّ تَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ (ت: 1420هـ): «تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّ السُّبُلَ هِيَ الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ هُوَ تَفْسِيرٌ جَامِعٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَصْرِفُ النَّاسَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَّا بِإِلْقَاءِ الشُّبُهَاتِ فِي الْعَقَائِدِ حَتَّى يَقَعُوا فِي الْبِدْعَةِ. وَالْبِدَعُ الْعَمَلِيَّةُ كُلُّهَا نَاشِئَةٌ عَنْ شُبُهَاتٍ ظَنَّهَا أَصْحَابُهَا أَدِلَّةً وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ. فَالْوَاجِبُ قَمْعُ الْبِدْعَةِ بِإِظْهَارِ السُّنَّةِ لِتَتَّقِيَ الْأُمَّةُ هَذِهِ السُّبُلَ الْمُهْلِكَةَ» (22).
  • ​نَصُّ كَلَامِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ): «قَوْلُ مُجَاهِدٍ: (الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ)؛ بَدَأَ بِالْبِدَعِ لِأَنَّهَا نِتَاجُ الشُّبُهَاتِ، فَالشُّبْهَةُ تَقَعُ فِي الْقَلْبِ أَوَّلًا فَتُعْمِي الْبَصِيرَةَ، فَيَتَحَرَّكُ الْبَدَنُ بِإِحْدَاثِ بِدْعَةٍ فِي الدِّينِ. وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ هَذِهِ الْبِدَعَ إِلَى مُفَسِّقَةٍ وَمُكَفِّرَةٍ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ، وَكُلُّ سَبِيلٍ يَخْرُجُ عَنْ جَادَّةِ الصَّحَابَةِ فَهُوَ سَبِيلُ ضَلَالٍ مَهْمَا زَيَّنَهُ صَاحِبُهُ» (23).
  • ​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: «الشُّبْهَةُ هِيَ الْأَصْلُ فِي رَوَاجِ الْبِدَعِ، وَمُجَاهِدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ السُّبُلَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَعَاصِي الشَّهْوَانِيَّةَ فَقَدْ، بَلْ هِيَ الْبِدَعُ الْعَقَدِيَّةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى الشُّبُهَاتِ. وَالْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّاطِبِيُّ هِيَ مِنْ أَخْطَرِ الْبِدَعِ لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ يَظُنُّونَهَا طَاعَةً لِوُجُودِ أَصْلِ الذِّكْرِ أَوْ الصَّلَاةِ فِيهَا، وَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْهَيْئَاتِ الْمُحْدَثَةِ ضَلَالَةٌ» (24).
  • ​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ): «إِنَّ الشُّبُهَاتِ هِيَ الْقَائِدُ الرَّئِيسُ إِلَى الْبِدَعِ، وَتَقْسِيمُ الْبِدْعَةِ إِلَى حَقِيقِيَّةٍ وَإِضَافِيَّةٍ هُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ لِطُرُقِ الضَّلَالِ الْعَمَلِيِّ؛ فَالْمُبْتَدِعُ لَا يُقْدِمُ عَلَى بِدْعَتِهِ إِلَّا وَمَعَهُ شُبْهَةٌ يَتَدَثَّرُ بِهَا، وَالْتِزَامُ أَبْوَابِ السُّنَّةِ قَاطِعٌ لِمَادَّةِ الشُّبُهَاتِ كُلِّهَا» (25).

​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِأَثَرِ مُجَاهِدٍ (الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ)]

​1. كَيْفَ تَدْخُلُ الشُّبُهَاتُ إِلَى الْقَلْبِ؟

​تَدْخُلُ الشُّبْهَةُ إِلَى النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ عَبْرَ مَنَافِذَ مُعَيَّنَةٍ أَصَّلَهَا عُلَمَاءُ السُّنَّةِ:

  • الْمَنْفَذُ الْأَوَّلُ: الْجَهْلُ بِالْمُحْكَمِ مِنَ الشَّرِيعَةِ وَلُغَةِ الْعَرَبِ، مِمَّا يَجْعَلُ الْمَرْءَ يَأْخُذُ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ النُّصُوصِ وَيَقِيسُ عَلَيْهَا عَقْلَهُ (26).
  • الْمَنْفَذُ الثَّانِي: حُسْنُ الظَّنِّ بِالْعَقْلِ الْبَشَرِيِّ الْمُجَرَّدِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى النَّصِّ الشَّرْعِيِّ، كَمَا فَعَلَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (27).
  • الْمَنْفَذُ الثَّالِثُ: الِاعْتِمَادُ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ الَّتِي رَوَّجَهَا أَهْلُ التَّصَوُّفِ وَالْقُصَّاصُ (28).

​2. تَقْسِيمُ الشُّبُهَاتِ:

  • ​شُبُهَاتٌ عَقَلِيَّةٌ (كَلَامِيَّةٌ): كَشُبْهَةِ نَفْيِ صِفَاتِ اللَّهِ لِأَجْلِ تَنْزِيهِهِ عَنِ التَّشْبِيهِ بِالْمَخْلُوقَاتِ، فَظَاهِرُهَا تَنْزِيهٌ وَبَاطِنُهَا تَعْطِيلٌ لِلرَّبِّ (29).
  • ​شُبُهَاتٌ تَعَبُّدِيَّةٌ (عَمَلِيَّةٌ): كَشُبْهَةِ اسْتِحْسَانِ الْهَيْئَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ فِي الذِّكْرِ بِدَعْوَى أَنَّ "الذِّكْرَ خَيْرٌ صِرْفٌ"، فَيَقَعُ الْعَبْدُ فِي الْبِدْعَةِ الْإِضَافِيَّةِ لِظَنِّهِ أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الْأَصْلِ تُبِيحُ إِحْدَاثَ الْوُجُوهِ وَالْكَيْفِيَّاتِ (30).

​3. آلِيَّةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الشُّبْهَةِ وَالْبِدْعَةِ:

​إِنَّ الْبَاحِثَ الْمُتَأَمِّلَ يَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُحْدِثُ فِي الدِّينِ بِدْعَةً وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا ضَلَالٌ مَحْضٌ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ تَقْتَرِنَ بِـ "شُبْهَةٍ" تُزَيِّنُ لَهُ الْعَمَلَ وَتَلْبِسُ عَلَيْهِ فِيهِ ثَوْبَ الْمَشْرُوعِيَّةِ. لِذَلِكَ كَانَ جَمْعُ مُجَاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: «الْبِدَعُ وَالشُّبُهَاتُ» هُوَ مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ الْعَقَدِيِّ؛ فالشُّبْهَةُ هِيَ الْمَرَضُ الْقَلْبِيُّ النَّظَرِيُّ، وَالْبِدْعَةُ هِيَ النَّتِيجَةُ السُّلُوكِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ (31).



​[الْحَاشِيَةُ ]________________________________________________________________

  • ​(1) تَخْرِيجُ الْأَثَرِ عَنْ مُجَاهِدٍ: أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ التُّرْكِيِّ، دَارُ هَجْرٍ، الْقَاهِرَة، ط1، 1422هـ، ج12، ص226، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ وَرْقَاءَ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ.
  • ​تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ (تَرْجَمَةٌ شَامِلَةٌ اسْتِقْصَائِيَّةٌ):
    • هُوَ: مُجَاهِدُ بْنُ جَبْرٍ الْمَكِّيُّ، أَبُو الْحَجَّاجِ الْمَخْزُومِيُّ مَوْلَاهُمْ، إِمَامُ الْمُفَسِّرِينَ، وَشَيْخُ الْقُرَّاءِ، وَأَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ النُّبَلَاءِ.
    • مَوْلِدُهُ وَنَشْأَتُهُ: وُلِدَ فِي خِلَافَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَةَ (21هـ) فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَنَشَأَ حَرِيصًا عَلَى الْعِلْمِ، مُلَازِمًا لِأَكَابِرِ الصَّحَابَةِ.
    • أَخْذُهُ لِلْعِلْمِ: هُوَ أَخَصُّ تَلَامِيذِ حَبْرِ الْأُمَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: «عَرَضْتُ الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ، أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا: فِيمَ نَزَلَتْ؟ وَكَيْفَ كَانَتْ؟». كَمَا رَوَى عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
    • مَنْزِلَتُهُ الْعِلْمِيَّةُ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: «إِذَا جَاءَكَ التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُكَ بِهِ». وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: «كَانَ فَقِيهًا، وَرِعًا، عَابِدًا، مُتْقِنًا». وَاعْتَمَدَ عَلَى تَفْسِيرِهِ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ اعْتِمَادًا كَبِيرًا فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ.
    • وَفَاتُهُ: تُوُفِّيَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ وَهُوَ سَاجِدٌ يُصَلِّي سَنَةَ (104هـ) عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ، وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً.
    • مَصَادِرُ التَّرْجَمَةِ: الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط11، 1419هـ، ج4، ص449-452؛ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ، تَهْذِيبُ التَّهْذِيبِ، دَارُ الْكِتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوت، ط1، 1415هـ، ج10، ص42-44.
  • ​(2) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ط3، 1414هـ، ج4، ص46 (مَادَّةُ بَدَعَ).
  • ​(3) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ سَلِيمِ بْنِ عِيدٍ الْهِلَالِيِّ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الْخُبَر، ط1، 1412هـ، ج1، ص37.
  • ​(4) الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ: كِتَابُ الْعَيْنِ، دَارُ وَمَكْتَبَةُ الْهِلَالِ، ج3، ص177 (مَادَّةُ حَدَثَ).
  • ​(5) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط7، 1417هـ، ج2، ص128.
  • ​(6) اِبْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج2، ص129.
  • ​(7) الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج1، ص42.
  • ​(8) اِبْنُ فَارِسٍ: مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، دَارُ الْفِكْرِ، ج3، ص243 (مَادَّةُ شَبَهَ).
  • ​(9) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ط1، 1381هـ، ج13، ص312.
  • ​(10) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج29، ص16-18 (قَاعِدَةٌ فِي الْعُقُودِ وَالْأَصْلِ فِيهَا).
  • ​(11) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحٍ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، رَقْمُ الْحَدِيثِ (2697).
  • ​(12) الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط10، 1417هـ، ج2، ص522.
  • ​(13) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج12، ص485-487.
  • ​(14) الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: الْقَوَاعِدُ الْحِسَانُ لِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص84.
  • ​(15) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، ج1، ص204.
  • ​(16) ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ: شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج2، ص525.
  • ​(17) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج28، ص212.
  • ​(18) الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج1، ص231.
  • ​(19) الشَّاطِبِيُّ: نَفْسُ الْمَرْجِعِ، ج1، ص233.
  • ​(20) الشَّاطِبِيُّ: نَفْسُ الْمَرْجِعِ، ج1، ص240.
  • ​(21) الشَّاطِبِيُّ: نَفْسُ الْمَرْجِعِ، ج1، ص245.
  • ​(22) الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، جَمْعُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ الشَّوَيْعِرِ، دَارُ الْقَاسِمِ، الرِّيَاض، ط1، 1420هـ، ج2، ص342.
  • ​(23) الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الدَّمَّام، ط2، 1424هـ، ج1، ص124
  • ​(24) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط3، 1423هـ، ج1، ص205.
  • ​(25) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (الْإِصْدَارُ الصَّوْتِيُّ الرَّسْمِيُّ)، الْمَوْقِعُ الرَّسْمِيُّ لِلشَّيْخِ، الشَّرِيطُ الثَّانِي، الْوَجْهُ أ (الدَّقِيقَةُ 00:18:45 إِلَى 00:22:15).
  • ​(26) الْإِمَامُ ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ: تَأْوِيلُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ، دَارُ الْكِتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ص62.
  • ​(27) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدٍ رَشَادْ سَالِمٍ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ، ط2، 1411هـ، ج1، ص84.
  • ​(28) الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَلْبِيسُ إِبْلِيسَ، دَارُ الْفِكْرِ، بَيْرُوت، ط1، 1421هـ، ص142.
  • ​(29) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج3، ص162.
  • ​(30) الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج1، ص252.
  • ​(31) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج1، ص114.
_________________________________17_________________________________________

​الْفِقْرَةِ الْعَاشِرَةِ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي (بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ)
[الْمَتْنُ الشَّرْعِيُّ الْمُسْنَدُ] ​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (1). [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
​وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ -وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا جَازِمًا-: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (2).

__________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثَيْنِ:
​إِنَّ "بَابَ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ" يَعْنِي لُزُومَ الِاسْتِسْلَامِ التَّامِّ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالِانْقِيَادِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَهَذَا الِانْقِيَادُ لَا يَتَحَقَّقُ شَرْعًا إِلَّا بِالتَّلَقِّي عَنِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ تَنْفِي وَتَبْطُلُ كُلَّ أَمْرٍ أَوْ طَرِيقَةٍ لَمْ يُشَرِّعْهَا النَّبِيُّ، فَالْعَلَاقَةُ هِيَ أَنَّ الدُّخُولَ الْوَاجِبَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِسْقَاطِ كُلِّ حُكْمٍ أَوْ عِبَادَةٍ لَمْ تَأْتِ بِهَا الشَّرِيعَةُ الْمُقَدَّسَةُ (3).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْإِتْيَانِ بِالْحَدِيثَيْنِ:
​قَصَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَانَ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَامِلٌ بِذَاتِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى زِيَادَةِ الْمُسْتَحْسِنِينَ، وَلَا تَرْمِيمِ الْمُبْتَدِعِينَ. فَمَنْ زَادَ فِي الدِّينِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ مُشَرِّعًا مَعَ اللَّهِ، وَمَنْ قَبِلَ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ، بَلْ دَخَلَ فِي دِينٍ مُخْتَرَعٍ مَرْدُودٍ عَلَى صَاحِبِهِ (4).

​3. وَجْهُ دَلَالَتِهِمَا عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ:
​دَلَّ الْحَدِيثَانِ عَلَى أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ أَوْ قَوْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ خَرَجَ عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ بَاطِلٌ لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ. وَإِذَا كَانَ مَرْدُودًا لَيْسَ مِنَ الدِّينِ، فَالْوَاجِبُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمَحْضِ، فَيَكُونُ الْوُجُوبُ هُنَا دَالًّا عَلَى تَرْكِ الْإِحْدَاثِ لِتَصْحِيحِ الدُّخُولِ فِي دَائِرَةِ الدِّينِ (5).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ]

​أَحْدَثَ: يُقَالُ لُغَةً: أَحْدَثَ الشَّيْءَ أَيْ أَوْجَدَهُ وَاخْتَرَعَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ. وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ: صَنَعَ وَاخْتَرَعَ فِي الدِّينِ مَا لَا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ (6).
​فِي أَمْرِنَا هَذَا: "الْأَمْرُ" هُنَا لَيْسَ ضِدَّ النَّهْيِ، بَلْ هُوَ الشَّأْنُ وَالطَّرِيقَةُ، وَالْمُرَادُ بِهِ جُمْلَةُ الشَّرِيعَةِ وَالدِّينِ الْإِسْلَامِيِّ الَّذِي بُعِثَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (7).
​مَا لَيْسَ مِنْهُ: أَيْ مَا لَا يُشْبِهُهُ وَلَا يَعُودُ إِلَى قَوَاعِدِهِ الْعَامَّةِ أَوْ أَدِلَّتِهِ التَّفْصِيلِيَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ خَارِجًا عَنْ سَنَنِ الشَّرْعِ (8).
​فَهُوَ رَدٌّ: "رَدٌّ" هُنَا بِمَعْنَى مَرْدُودٍ، وَهُوَ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ وَأُرِيدَ بِهِ اسْمُ الْمَفْعُولِ تَمَامًا كَمَا يُقَالُ "هَذَا خَلْقُ اللَّهِ" أَيْ مَخْلُوقُهُ. وَالْمَعْنَى: فَهُوَ بَاطِلٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ، بَلْ يَأْثَمُ بِهِ (9).
​مَنْ عَمِلَ عَمَلًا: "الْعَمَلُ" هُوَ الْفِعْلُ الْمَقْصُودُ الصَّادِرُ عَنِ الْمُكَلَّفِ، وَتَنْكِيرُ "عَمَلًا" فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ يُفِيدُ الْعُمُومَ الشَّامِلَ لِكُلِّ عَمَلٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً مَحْضَةً أَوْ مُعَامَلَةً جَرَتْ عَلَى غَيْرِ سَنَنِ الشَّرْعِ (10).

​[ثَالِثًا: الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَمِيزَانُ الظَّاهِرِ]

​1. الْفَرْقُ الدَّقِيقُ بَيْنَ لَفْظِ (أَحْدَثَ) وَلَفْظِ (عَمِلَ):
​الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ (مَنْ أَحْدَثَ): يَتَنَاوَلُ مَنْشَأَ الْبِدْعَةِ وَمُخْتَرِعَهَا الْأَوَّلَ؛ فَهُوَ نَصٌّ فِي رَدِّ قَوْلِ كُلِّ مَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فِي الدِّينِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعَقِائِدِ (كَالتَّجْهِيمِ وَالِاعْتِزَالِ)، أَوْ الْأَقْوَالِ، أَوْ الْأَفْعَالِ. فَالْإِحْدَاثُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ أَسَّسَ طَرِيقَةً ضَالَّةً لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ (11).

​الْحَدِيثُ الثَّانِي (مَنْ عَمِلَ): هُوَ أَعَمُّ وَأَقْوَى فِي قَطْعِ مَادَّةِ الشَّرِّ؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الْمُقَلِّدَ وَالتَّابِعَ الَّذِي لَمْ يَخْتَرِعِ الْبِدْعَةَ بِنَفْسِهِ، بَلْ وَجَدَ مَنْ سَبَقَهُ إِلَيْهَا فَأَخَذَ يَعْمَلُ بِهَا. فَإِذَا احْتَجَّ الْعَامِلُ بِالْبِدْعَةِ فَقَالَ: "أَنَا لَمْ أُحْدِثْ شَيْئًا وَإِنَّمَا أَنَا مُتَّبِعٌ لِمَنْ قَبْلِي"، جَاءَهُ الْحَدِيثُ الثَّانِي لِيَقُولَ لَهُ: وَعَمَلُكَ هَذَا مَرْدُودٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّرِيعَةِ (12).

​2. مِيزَانُ الظَّاهِرِ لِلْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ:
​اتَّفَقَ نُظَّارُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِرِوَايَتَيْهِ هُوَ الْمِيزَانُ الظَّاهِرُ لِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْمُكَلَّفِ:
​فَإِذَا كَانَ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) هُوَ مِيزَانُ الْبَاطِنِ (الْإِخْلَاصِ)، فَإِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا هُوَ مِيزَانُ الظَّاهِرِ (الْمُتَابَعَةِ) (13).

​كُلُّ قَوْلٍ لِسَانِيٍّ، أَوْ فِعْلٍ جَوَارِحِيٍّ، أَوْ عَقْدٍ قَلْبِيٍّ يُرَادُ بِهِ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ يُعْرَضُ عَلَى هَذَا الْمِيزَانِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ وَمُوَافَقَةٌ لِلشَّرْعِ قُبِلَ، وَإِنْ خَرَجَ عَنْهُ كَانَ بَاطِلًا سَاقِطًا لَا وَزْنَ لَهُ (14).

​[رَابِعًا: نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ وَالشُّرَّاحِ]

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ (ت: 795هـ):
«هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ كَالْمِيزَانِ لِلْأَعْمَالِ فِي ظَاهِرِهَا، كَمَا أَنَّ حَدِيثَ "الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" مِيزَانٌ لِلْأَعْمَالِ فِي بَاطِنِهَا. فَكَمَا أَنَّ كُلَّ عَمَلٍ لَا يُرَادُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لِعَامِلِهِ فِيهِ ثَوَابٌ، فَكَذَلِكَ كُلُّ عَمَلٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَمْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَى عَامِلِهِ، وَكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ فِي الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الدِّينِ فِي شَيْءٍ» (15).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ (ت: 676هـ):
«هَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي رَدِّ كُلِّ الْبِدَعِ وَالْمُخْتَرَعَاتِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ الْأُصُولِيُّونَ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ، وَيَنْبَغِي حِفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالُهُ فِي إِبْطَالِ الْمُنْكَرَاتِ كُلِّهَا» (16).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ بَازٍ (ت: 1420هـ):
«الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ اسْتَوْعَبَتْ مَصَالِحَ الْعِبَادِ، فَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا" تَسُدُّ الْبَابَ عَلَى أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالْمَوَالِدِ وَالْأَذْكَارِ الْمُخْتَرَعَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَمْ نُحْدِثْ بَلْ نَعْمَلُ بِعُمُومَاتِ الْأَدِلَّةِ. فَنَقُولُ لَهُمْ: عَمَلُكُمْ هَذَا بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهُوَ مَرْدُودٌ مَقْبُوحٌ، وَلَا يَكُونُ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ صَحِيحًا إِلَّا بِتَرْكِ هَذِهِ الْمُحْدَثَاتِ» (17).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
«قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا" مِيزَانٌ دَقِيقٌ جِدًّا، فَالْأَمْرُ هُنَا هُوَ الشَّرْعُ. فَمَنْ تَعَبَّدَ لِلَّهِ تَعَالَى بِعِبَادَةٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللَّهُ لَا فِي جِنْسِهَا، وَلَا فِي قَدْرِهَا، وَلَا فِي صِفَتِهَا، وَلَا فِي زَمَانِهَا، وَلَا فِي مَكَانِهَا، فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ. وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْصِمُ ظَهْرَ كُلِّ مُبْتَدِعٍ، وَيُوجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ مُتَّبِعًا لَا مُبْتَدِعًا لِيَصِحَّ إِسْلَامُهُ» (18).
​[خَامِسًا: اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ (الْعَقَدِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ)]
​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالتَّقَرُّبِ التَّوْقِيفُ وَالْحَظْرُ حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى الْمَشْرُوعِيَّةِ)
​شَرْحُهَا: لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ طَاعَةً أَوْ قُرْبَةً فِي أَيِّ فِعْلٍ إِلَّا إِذَا جَاءَ النَّصُّ بِتَشْرِيعِهِ؛ لِأَنَّ التَّشْرِيعَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالْإِحْدَاثُ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَإِلَهِيَّتِهِ (19).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(النَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ الْفَاسِدَةِ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ وَالْفَسَادَ الْمَحْضَ)
​شَرْحُهَا: كُلُّ تَصَرُّفٍ شَرْعِيٍّ (سَوَاءٌ كَانَ عِبَادَةً كَصَلَاةٍ مُحْدَثَةٍ أَوْ عَقْدًا كَبَيْعٍ مُحَرَّمٍ) لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّارِعِ، فَإِنَّهُ يَقَعُ فِعْلًا لَاغِيًا فِي نَظَرِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ آثَارُهُ الصَّحِيحَةُ، بَلْ هُوَ "رَدٌّ" أَيْ عَدَمٌ (20).

​[سَادِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْمِيزَانِ الشَّامِلِ]

​إِنَّ التَّأْصِيلَ الْعَقَدِيَّ لِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يَقُومُ عَلَى أَنَّهُمَا حَارِسَا جَنَابِ التَّوْحِيدِ وَشَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فَمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ لِلنَّبِيِّ بِالرِّسَالَةِ هُوَ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ (21).

​وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ يُمَثِّلَانِ الْمِيزَانَ الْأَكْبَرَ لِتَقْيِيمِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ سُلُوكِيَّةٍ:

​■مِيزَانُ الِاعْتِقَادِ: فَمَنِ اعْتَقَدَ فِي اللَّهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ أُمُورِ الْغَيْبِ عَقِيدَةً لَمْ يَأْتِ بِهَا الْوَحْيَانِ (كَالتَّأْوِيلِ الْبَاطِلِ لِلصِّفَاتِ)، فَعَقِيدَتُهُ "رَدٌّ" مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِ طَبْقًا لِلْحَدِيثِ (22).
​■مِيزَانُ الْأَقْوَالِ: كُلُّ ذِكْرٍ، أَوْ دُعَاءٍ، أَوْ ثَنَاءٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ، وَاتُّخِذَ شِعَارًا أَوْ طَرِيقَةً مُلْتَزَمَةً، فَهُوَ قَوْلٌ "رَدٌّ" بَاطِلٌ لَا يُقْبَلُ (23).
​■مِيزَانُ الْأَفْعَالِ وَالْأَعْمَالِ: كُلُّ حَرَكَةٍ بَدَنِيَّةٍ تَعَبُّدِيَّةٍ يُتَقَرَّبُ بِهَا دُونَ دَلِيلٍ كَالطَّوَافِ بِقُبُورِ الصَّالِحِينَ أَوْ التَّمَسُّحِ بِجُدْرَانِهَا، فَهِيَ عَمَلٌ "رَدٌّ" لَا يَزِيدُ صَاحِبَهُ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدًا (24).



​[الْحَاشِيَةُ ]________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحٍ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، ج3، ص184، رَقْمُ الْحَدِيثِ (2697)؛ وَالْإِمَامُ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، ج3، ص1343، رَقْمُ الْحَدِيثِ (1718).
​(2) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ، الْمَرْجِعُ السَّابِقُ، ج3، ص1344، رَقْمُ الْحَدِيثِ (1718 - الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ).
​(3) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَقْلِ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، بَيْرُوت، ط7، 1419هـ، ج2، ص580.
​(4) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ السَّلَامِ، الرِّيَاض، ط1، 1421هـ، ص312.
​(5) الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ج1، ص415.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج3، ص145 (مَادَّةُ حَدَثَ).
​(7) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، ج5، ص301.
​(8) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ سَلِيمِ الْهِلَالِيِّ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، ج1، ص112.
​(9) الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ط2، 1392هـ، ج12، ص16.
​(10) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط7، 1417هـ، ج1، ص176.
​(11) ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: نَفْسُ الْمَرْجِعِ، ج1، ص178.
​(12) ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج5، ص302.
​(13) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج18، ص245.
​(14) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوت، ج3، ص110.
​(15) ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج1، ص175.
​(16) الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، مَرْجِعٌ سَابِقBlock، ج12، ص16.
​(17) الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، دَارُ الْقَاسِمِ، الرِّيَاض، ج4، ص211.
​(18) الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، الرِّيَاض، ط1، 1424هـ، ص118.
​(19) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قَاعِدَةٌ جَلِيلَةٌ فِي التَّوَسُّلِ وَالْوَسِيلَةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ص54.
​(20) الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ص36.
​(21) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: ثَلَاثَةُ الْأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا، مَطْبَعَةُ الْحُكُومَةِ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، ص12.
​(22) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ، دَارُ الْفَضِيلَةِ، ص45.
​(23) الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج2، ص310.
​(24) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج1، ص202.
_________________________________18_________________________________________

​[الْمَتْنُ الشَّرْعِيُّ الْمُسْنَدُ] الفقرة الحادية عشرة 
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» (1).
[أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ].

_________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ وَمَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثِ:
​إِنَّ مُطَابَقَةَ هَذَا الْحَدِيثِ لِـ "بَابِ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ" تَظْهَرُ فِي أَنَّ حَقِيقَةَ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ تَقُومُ عَلَى الطَّاعَةِ الْمُطْلَقَةِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ. فَالِامْتِنَاعُ عَنْ طَاعَتِهِ هُوَ امْتِنَاعٌ عَنِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ، وَمَنْ أَبَى الدُّخُولَ فِيهِ فَقَدْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ دُخُولَ الْجَنَّةِ (2).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ مِنَ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الْحَدِيثِ:
​قَصَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ لَيْسَ بِمَحْضِ الْأَمَانِيِّ الِادِّعَائِيَّةِ وَالِانْتِسَابِ الظَّاهِرِ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِالْعَمَلِ وَالِاتِّبَاعِ. فَأَرَادَ قَطْعَ حُجَّةِ الْمُرْجِئَةِ وَالْمُسْتَهِينِينَ بِالسُّنَنِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ "نَحْنُ مِنَ الْأُمَّةِ" كَافٍ لِلنَّجَاةِ دُونَ الِانْقِيَادِ الْعَمَلِيِّ وَالْعَقَدِيِّ لِلشَّرِيعَةِ (3).

​3. وَجْهُ دَلَالَتِهِ عَلَى تَرْجَمَةِ الْبَابِ:
​دَلَّ الْحَدِيثُ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ الْعِصْيَانَ الَّذِي يَبْلُغُ صَاحِبُهُ فِيهِ حَدَّ الْإِبَاءِ (إِمَّا كُفْرًا بِالِاسْتِكْبَارِ وَالْجُحُودِ، أَوْ فِسْقًا بِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ) يَحْرِمُهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ أَوَّلِ الدَّاخِلِينَ. فَوَجَبَ الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ بِكُلِّيَّتِهِ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ الْعَبْدُ آتِيًا بِصِفَةِ الْإِبَاءِ الْمَذْمُومَةِ (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ]

​كُلُّ أُمَّتِي: "الْأُمَّةُ" هُنَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّحْقِيقِ: إِمَّا أُمَّةُ الدَّعْوَةِ وَهُمْ كُلُّ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، أَوْ أُمَّةُ الِاسْتِجَابَةِ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ صَدَّقُوهُ،وَلِكُلِّ مَعْنًى سِيَاقُهُ فِي التَّأْصِيلِ (5).
​أَبَى: أَيْ امْتَنَعَ وَكَرِهَ، وَالْإِبَاءُ هُوَ شِدَّةُ الِامْتِنَاعِ عَنِ الشَّيْءِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ إِبْلِيسَ: {أَبَى وَاسْتَكْبَرَ} (6).
​وَمَنْ يَأْبَى؟: اسْتِفْهَامٌ صَادِرٌ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْظَامِ وَالتَّعَجُّبِ؛ إِذْ كَيْفَ لِعَاقِلٍ أَنْ يَمْتَنِعَ وَيَكْرَهَ دُخُولَ الْجَنَّةِ الَّتِي فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ (7).
​مَنْ أَطَاعَنِي: أَيْ انْقَادَ لِأَمْرِي، وَامْتَثَلَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَالسُّنَّةِ، وَتَرَكَ مَا نَهَيْتُ عَنْهُ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ (8).
​عَصَانِي: الْعِصْيَانُ لُغَةً خُرُوجٌ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْخُرُوجُ عَنْ جَادَّةِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى عِصْيَانٍ مُكَفِّرٍ يَكُونُ إِبَاءً مُطْلَقًا، وَعِصْيَانٍ دُونَ ذَلِكَ يَكُونُ إِبَاءً مُقَيَّدًا (9).

​[ثَالِثًا: مِيزَانُ الظَّاهِرِ وَالتَّأْصِيلُ الشَّامِلُ لِلْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ]

​يُعْتَبَرُ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مِنْ مَوَازِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمَةِ لِلظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ مَعًا؛ لِأَنَّهُ يُعَلِّقُ فَلَاحَ الْعَبْدِ أَوْ خُسْرَانَهُ بِقَضِيَّةِ (الطَّاعَةِ وَالْعِصْيَانِ):
​مِيزَانُ الِاعْتِقَادِ: فَمَنْ أَبَى أَنْ يَنْقَادَ لِعَقِيدَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَخَرَجَ إِلَى عَقَائِدِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْبِدَعِ، فَقَدْ عَصَى الرَّسُولَ، وَمِنْ ثَمَّ فَقَدْ أَبَى دُخُولَ الْجَنَّةِ الَّتِي رُسِمَ طَرِيقُهَا بِالْوَحْيِ (10).
​مِيزَانُ الْأَقْوَالِ: كُلُّ مَنْ قَدَّمَ قَوْلَ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ تَعَبَّدَ بِأَقْوَالٍ وَأَذْكَارٍ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا الشَّارِعُ، فَقَدْ جَفَا الطَّاعَةَ وَدَخَلَ فِي حَدِّ الْعِصْيَانِ الظَّاهِرِ (11).
​مِيزَانُ الْأَعْمَالِ: عَمَلُ الْجَوَارِحِ هُوَ التَّرْجَمَةُ الْفِعْلِيَّةُ لِلْإِيمَانِ؛ فَالْمُتَوَلِّي عَنِ الْعَمَلِ، الْمُعْرِضُ عَنِ الْوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، الْمُرْتَكِبُ لِلْمُحَرَّمَاتِ عِيَاذًا بِاللَّهِ، قَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ نَصِيبًا مِنْ صِفَةِ الْإِبَاءِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ مِنْ طَاعَتِهِ (12).

​[رَابِعًا: نُصُوصُ الْأَئِمَّةِ وَالشُّرَّاحِ حَوْلَ الْحَدِيثِ]

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: 852هـ):
«قَوْلُهُ: (إِلَّا مَنْ أَبَى) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِأُمَّتِهِ: أُمَّةُ الدَّعْوَةِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِي وَامْتَنَعَ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِي فَقَدْ أَبَى دُخُولَ الْجَنَّةِ صَرَاحَةً. 
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ: أُمَّةُ الِاسْتِجَابَةِ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْإِبَاءِ: الِامْتِنَاعُ عَنِ امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ الَّتِي يَقْتَضِي عَدَمُ امْتِثَالِهَا مَنْعَ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ أَوَّلِ الْفَائِزِينَ، كَالْكَبَائِرِ الَّتِي تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، فَيَكُونُ الْإِبَاءُ هُنَا مَجَازِيًّا بِسَبَبِ كَوْنِ الْعِصْيَانِ سَبَبًا لِلْمَنْعِ» (13).

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ (ت: 1420هـ):
«هَذَا الْحَدِيثُ الْعَظِيمُ فِيهِ الرَّدُّ الدَّامِغُ عَلَى الْمُرْجِئَةِ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ أَبَى دُخُولَ الْجَنَّةِ. 
وَالْمَعَاصِي شُعَبٌ كَمَا أَنَّ الْإِيمَانَ شُعَبٌ؛ فَمِنْهَا عِصْيَانٌ يَكُونُ كُفْرًا أَكْبَرَ يَحْرِمُ مَعَهُ دُخُولُ الْجَنَّةِ مُطْلَقًا، وَمِنْهَا عِصْيَانٌ يَكُونُ كَبِيرَةً دُونَ الْكُفْرِ فَيَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ دُخُولِهَا ابْتِدَاءً، وَيَكُونُ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ. فَالسَّعَادَةُ كُلُّ السَّعَادَةِ فِي لُزُومِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهَا» (14).

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
«سُبْحَانَ اللَّهِ! مَنْ الَّذِي يَأْبَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ؟ الْجَوَابُ بِالْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ: لَا أَحَدَ. لَكِنْ بِمَقَايِيسِ الْأَعْمَالِ: مَنْ عَصَى فَقَدْ أَبَى. 
فَالَّذِي يَتْرُكُ الصَّلَاةَ، وَالَّذِي يَمْنَعُ الزَّكَاةَ، وَالَّذِي يَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ، هُوَ بِفِعْلِهِ هَذَا يَقُولُ بِلِسَانِ حَالِهِ: أَنَا لَا أُرِيدُ الْجَنَّةَ! لِأَنَّهُ تَرَكَ الطَّرِيقَ الْمُوصِلَ إِلَيْهَا، وَهَذَا يُوجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ وَالْمُبَادَرَةَ إِلَى لُزُومِ السُّنَّةِ» (15).
​[خَامِسًا: اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ (الْعَقَدِيَّةِ وَالْأُصُولِيَّةِ)]
​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَاعْتِقَادٌ، وَمُخَالَفَةُ السُّنَّةِ بِالْعِصْيَانِ مَنْقَصَةٌ لِلْإِيمَانِ وَمَانِعَةٌ مِنَ الْكَمَالِ الْمُوعُودِ)
​شَرْحُهَا: أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ الْمُطْلَقَ (دُونَ سَابِقَةِ عَذَابٍ) مَشْرُوطٌ بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ الَّذِي مَعَهُ الطَّاعَةُ، وَأَنَّ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِيَ تُضْعِفُ هَذَا الِاسْتِحْقَاقَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَلَازُمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ (16).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالنَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ، وَتَرَتُّبُ الْعُقُوبَةِ أَوْ الْحِرْمَانِ عَلَى الْمُخَالَفَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْفَرْضِيَّةِ)
​شَرْحُهَا: اسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ بِقَوْلِهِ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) عَلَى أَنَّ طَاعَةَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَامِرِهِ فَرْضٌ عَيْنِيٌّ مُطْلَقٌ، وَأَنَّ مَعْصِيَتَهُ مُحَرَّمَةٌ تَجْلِبُ الْوَعِيدَ الشَّرْعِيَّ (17).
​[سَادِسًا: التَّفْصِيلُ الْعَقَدِيُّ فِي تَقْسِيمِ الْإِبَاءِ]
​تَحْرِيرُ الْقَوْلِ فِي "الْإِبَاءِ" الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ يَنْبَنِي عَلَى تَفْصِيلٍ عَقَدِيٍّ مُهِمٍّ يَمْنَعُ الْغُلُوَّ وَالْجَفَاءَ:

​أ. الْإِبَاءُ الْمُطْلَقُ (الْكُلِّيُّ): وَهُوَ إِبَاءُ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ نِفَاقًا اعْتِقَادِيًّا، وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ جَحَدَ رِسَالَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ اسْتَكْبَرَ عَنِ الِانْقِيَادِ لَهَا طَعْنًا فِيهَا. وَهَذَا النَّوْعُ صَاحِبُهُ كَافِرٌ خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَصْلًا (18).

​ب. الْإِبَاءُ الْمُقَيَّدُ (الْجُزْئِيُّ): وَهُوَ إِبَاءُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَالْمَعَاصِي مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ؛ فَهُمْ لَمْ يَأْبَوْا أَصْلَ الدِّينِ وَلَا أَصْلَ الرِّسَالَةِ، لَكِنَّهُمْ أَبَوْا طَاعَتَهُ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ (كَالزِّنَا، أَوْ أَكْلِ الرِّبَا، أَوْ تَرْكِ بَعْضِ الْفَرَائِضِ دُونَ جُحُودٍ). فَهَؤُلَاءِ مَمْنُوعُونَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ ابْتِدَاءً (مَعَ أَوَّلِ زُمْرَةٍ) 
بَلْ هُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَذَّبَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ بِالتَّوْحِيدِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُمْ (15).





​[الْحَاشِيَةُ ]__________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَطْبَعَةُ مُصْطَفَى الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ، مِصْر، ط1، 1373هـ، ج9، ص92، رَقْمُ الْحَدِيثِ (7280).
​(2) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ نَاصِرِ الْعَقْلِ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، بَيْرُوت، ج1، ص412.
​(3) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ دَارِ السَّلَامِ، الرِّيَاض، ص335.
​(4) الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج1، ص440.
​(5) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، 1390هـ، ج13، ص254.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج14، ص12 (مَادَّةُ أَبَى).
​(7) الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: أَعْلَامُ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، جَامِعَةُ أُمِّ الْقُرَى، ج3، ص2105.
​(8) الْإِمَامُ الْمُلَّا عَلِيٌّ الْقَارِيُّ: مِرْقَاةُ الْمَفَاتِيحِ شَرْحُ مِشْكَاةِ الْمَصَابِيحِ، دَارُ الْفِكْرِ، بَيْرُوت، ج1، ص248.
​(9) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج7، ص284.
​(10) ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاك  نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ط3، 1416هـ، ج1، ص365.
​(11) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ سَلِيمِ الْهِلَالِيِّ، ج2، ص14.
​(12) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ط5، 1416هـ، ص152.
​(13) ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج13، ص255.
​(14) الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، دَارُ الْقَاسِمِ، الرِّيَاض، ج6، ص188.
​(15) الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ الْثُرَيَّا، الرِّيَاض، ج2، ص230.
​(16) الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ج2، ص415.
​(17) الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الْجَصَّاصُ: أُصُولُ الْجَصَّاصِ (الْفُصُولُ فِي الْأُصُولِ)، وَزَارَةُ الْأَوْقَافِ الْكُوَيْتِيَّةِ، ج2، ص102.
​(18) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج20، ص85.
_________________________________19_________________________________________

الْفِقْرَةِ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ مِنْ (بَابِ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ)

​[الْمَتْنُ ] قَالَ الْمُؤَلِّفُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
●وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَالِبُ دَمِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ» (1). [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

​●عَلَّقَ الشَّيْخُ المجدد بِكَلَامِ حَيْثُ قَالَ:شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ
«قَوْلُهُ: (سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) يَنْدَرِجُ فِيهَا كُلُّ جَاهِلِيَّةٍ؛ مُطْلَقَةٍ أَوْ مُقَيَّدَةٍ، أَيْ فِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، أَوْ كِتَابِيَّةٍ، أَوْ وَثَنِيَّةٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ كُلِّ مُخَالَفَةٍ لِمَا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ» (2).

_______________________________________________________


​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثِ]

​●تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ وَالْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ فِي أَنَّ الْبَابَ مَبْنِيٌّ عَلَى "وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ" بِكُلِّيَّتِهِ وَالِاسْتِسْلَامِ النَّقِيِّ لَهُ. 
●وَالْحَدِيثُ يَنُصُّ عَلَى أَنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ يَبْتَغِي وَيَطْلُبُ طَرِيقَةً أَوْ شَعِيرَةً مِنْ شَعَائِرِ الْجَاهِلِيَّةِ بَعْدَ أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ. 
●فَالدُّخُولُ الْوَاجِبُ فِي الْإِسْلَامِ يُوجِبُ تَرْكَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلِّهَا عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً، فَمَنْ لَمْ يَتْرُكْهَا فَقَدْ نَقَصَ دُخُولُهُ الْوَاجِبُ، وَتَعَرَّضَ لِلْمَقْتِ وَالْبُغْضِ الْإِلَهِيِّ الشَّدِيدِ (3).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ وَالتَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ]

​أَبْغَضُ: اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْبُغْضِ، وَهُوَ كَرَاهِيَةٌ شَدِيدَةٌ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ صِفَةِ الْبُغْضِ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ (4).
​مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ: الْمُلْحِدُ لُغَةً هُوَ الْمَائِلُ عَنِ الْقَصْدِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: مَنْ يَرْتَكِبُ الْمَعَاصِيَ وَالظُّلْمَ أَوْ الْكُفْرَ فِي حَرَمِ مَكَّةَ الْمُعَظَّمِ، لِأَنَّ الذَّنْبَ فِيهِ مُعَظَّمٌ جِدًّا (5).
​مُبْتَغٍ: أَيْ طَالِبٌ وَسَاعٍ بِإِرَادَةٍ وَقَصْدٍ (6).
​سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ: السُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ وَالْعَادَةُ وَالْمِثَالُ الْمُتَّبَعُ. وَالْجَاهِلِيَّةُ نِسْبَةٌ إِلَى الْجَهْلِ، وَهُوَ عَدَمُ الْعِلْمِ، أَوْ عَدَمُ اتِّبَاعِ الْعِلْمِ (7).
​لِيُرِيقَ دَمَهُ: أَيْ لِيَسْفِكَهُ وَيَصُبَّهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا (8).

​[ثَالِثًا: التَّحْرِيرُ الِاسْتِقْصَائِيُّ لِلْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُقَيَّدَةِ]

​تَبَعًا لِتَقْرِيرِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، نُفَصِّلُ أَنْوَاعَ الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:

​1. الْجَاهِلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ (الْعَامَّةُ):
​شَرْحُهَا الِاسْتِقْصَائِيُّ: هِيَ الْحَالَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّاسُ قَبْلَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ كَانَ الْعَالَمُ يَعِيشُ فِي ظُلْمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ مِنَ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ وَالْفَسَادِ (9).
​صُوَرُهَا: عِبَادَةُ الْأَصْنَامِ، جَحْدُ الرِّبُوبِيَّةِ، وَأْدُ الْبَنَاتِ، مَنْعُ الْحُقُوقِ، وَتَحْكِيمُ الْأَعْرَافِ الطَّاغُوتِيَّةِ بَدَلًا مِنْ شَرْعِ اللَّهِ (10).
​أَسْبَابُهَا: انْقِطَاعُ آثَارِ الرِّسَالَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَتَقْدِيمُ الْهَوَى وَالْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ عَلَى النَّقْلِ، وَتَقْلِيدُ الْآبَاءِ بِالْبَاطِلِ (11).
​تَعْيِينُهَا: لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ قَوْلِ "الْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ" عَلَى عَصْرِنَا هَذَا بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ وَالْإِسْلَامَ ظَاهِرٌ، فَالْجَاهِلِيَّةُ الْعَامَّةُ الْمُطْلَقَةُ قَدْ انْتَهَتْ إِلَى غَيْرِ رَجْعَةٍ بِظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّمَا تَقَعُ الْجَاهِلِيَّةُ بَعْدَ الْبَعْثَةِ مُقَيَّدَةً (12).
​حُكْمُهَا: الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ إِذَا كَانَتْ طَرِيقَةً لِلْمَرْءِ يَعْتَقِدُهَا طَرْدًا لِلْإِسْلَامِ (13).
​2. الْجَاهِلِيَّةُ الْمُقَيَّدَةُ:
​وَهِيَ الَّتِي تَكُونُ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ، أَوْ زَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، أَوْ شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ، وَتَنْقَسِمُ حَسَبَ الْحَصْرِ إِلَى:
​أ. الْمُقَيَّدَةُ بِزَمَانٍ: كَالْأَوْقَاتِ الَّتِي يَضْعُفُ فِيهَا الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ (14).
​ب. الْمُقَيَّدَةُ بِمَكَانٍ: كَبِلَادِ الْكُفَّارِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْهَا الدَّعْوَةُ النَّقِيَّةُ (15).
​ج. الْمُقَيَّدَةُ بِسَبَبٍ أَوْ هَيْئَةٍ: كَمَا فِي صِفَاتِ الْمُعَامَلَاتِ كَالرِّبَا، وَالْمَفَاخِرِ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنِ فِي الْأَنْسَابِ، وَالتَّبَرُّجِ (تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى) (16).
​د. فِي شَخْصٍ دُونَ شَخْصٍ: كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَمَا عَيَّرَ رَجُلًا بِأُمِّهِ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ تَكُونُ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ لَكِنَّهُ لَا يَكُورُ كَافِرًا بِهَا (17).
​هـ. الْجَاهِلِيَّةُ الْكِتَابِيَّةُ: هِيَ طَرِيقَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ (الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى) مِمَّنْ حَرَّفُوا كُتُبَهُمْ وَبَدَّلُوا شَرِيعَةَ اللَّهِ وَابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ (18).
​و. الْجَاهِلِيَّةُ الْوَثَنِيَّةُ: هِيَ طَرِيقَةُ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ فِي هَذَا الْعَصْرِ عُبَّادُ الْقُبُورِ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِهَا وَيَسْتَغِيثُونَ بِالْأَمْوَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى (19).

​[رَابِعًا: التَّحْرِيرُ السَّلَفِيُّ لِمَقَامِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ]
​1. الرَّسُولُ:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ "الرَّسَلِ" (بِفَتْحَتَيْنِ) وَهُوَ الِانْبِعَاثُ وَالِاسْتِرْسَالُ. فَالرَّسُولُ هُوَ التَّابِعُ لِأَمْرِ الْمُرْسِلِ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ (20).
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (السَّلَفِيُّ التَّحْقِيقِيُّ): هُوَ إِنْسَانٌ، ذَكَرٌ، حُرٌّ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى قَوْمٍ مُخَالِفِينَ لِيُبَلِّغَهُمْ وَيَدْعُوَهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعَالَى (21).
​2. النَّبِيُّ:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: لَهُ اشْتِقَاقَانِ؛ إِمَّا مِنْ "النَّبَأِ" (بِالْهَمْزِ) وَهُوَ الْخَبَرُ ذُو الْفَائِدَةِ الْعَظِيمَةِ، فَالنَّبِيُّ مُنْبِئٌ عَنِ اللَّهِ وَمُنْبَأٌ مِنْهُ ، وَإِمَّا مِنْ "النَّبْوَةِ" (بِغَيْرِ هَمْزٍ) وَهِيَ الِارْتِفَاعُ عَنِ الْأَرْضِ، لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ (22).
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (السَّلَفِيُّ التَّحْقِيقِيُّ): هُوَ إِنْسَانٌ، ذَكَرٌ، حُرٌّ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ سَابِقٍ لِيَعْمَلَ بِهِ وَيُجَدِّدَهُ فِي قَوْمٍ مُوَافِقِينَ لَا مُخَالِفِينَ (23).

​3. عَدَدُهُمْ وَأَوَّلُهُمْ فِي الصَّحِيحِ:

​■عَدَدُ الرُّسُلِ: ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ (315) رَسُولًا، كَمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (24).
■​عَدَدُ الْأَنْبِيَاءِ: مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا (124,000) نَبِيٍّ (25).
■​أَوَّلُ رَسُولٍ إِلَى الْأَرْضِ: هُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، بِنَصِّ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ فِي الصَّحِيحَيْنِ (26).
■​أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ: خَمْسَةٌ وَهُمْ: مُحَمَّدٌ، نُوحٌ، إِبْرَاهِيمُ، مُوسَى، عِيسَى عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (27).

​[خَامِسًا: نُصُوصُ الشُّرَّاحِ وَتَقْرِيرَاتِهِمْ]

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: 852هـ):
«قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْإِسْلَامِ وَلَكِنَّهُ يُحِبُّ وَيَطْلُبُ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْمَلُونَ بِهِ، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ ذَنْبٍ أَوْ طَرِيقَةٍ سَيِّئَةٍ كَانَتْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْعَقَائِدِ أَوْ الْأَعْمَالِ» (28).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرٍ السَّعْدِيِّ (ت: 1376هـ):
«عَقَدَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ هَذَا التَّأْصِيلَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ هِيَ كُلُّ مَا خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، فَالْخُرُوجُ عَنِ الدِّينِ الْوَاجِبِ يَكُونُ بِاتِّبَاعِ طَرِيقَةِ الْأَعَاجِمِ وَالْفَلَاسِفَةِ وَالدَّهْرِيِّينَ، وَكُلُّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي بَغْضِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ» (29).
​نَصُّ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ دَرْسِهِ الصَّوْتِيِّ):
​عَزْوٌ سَمْعِيٌّ مَوْثُوقٌ: سِلْسِلَةُ شَرْحِ كِتَابِ "وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ"، الشَّرِيطُ الثَّانِي، الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، الدَّقِيقَةُ (14:20) إِلَى الدَّقِيقَةِ (18:45).
«قَالَ حَفِظَهُ اللَّهُ: الْجَاهِلِيَّةُ قَبْلَ الْبَعْثَةِ جَاهِلِيَّةٌ عَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ طَبَّقَتِ الْأَرْضَ، أَمَّا بَعْدَ بَعْثَةِ الرَّسُولِ فَلَا يُوجَدُ جَاهِلِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ بَلْ مُقَيَّدَةٌ، فَمَنْ يَقُولُ: "الْمُجْتَمَعَاتُ تَعِيشُ فِي جَاهِلِيَّةٍ" بِالْإِطْلَاقِ فَهَذَا ضَلَالٌ وَتَكْفِيرٌ، بَلْ فِيهِمْ جَاهِلِيَّةٌ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ بَقَاءِ إِسْلَامِهِمْ، كَتَقْلِيدِ الْكُفَّارِ وَالْقَبُورِيَّةِ» (30).







​[الْحَاشِيَةُ ]_________________________________________________________________


​(1) الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الدِّيَاتِ، بَابُ مَنْ طَلَبَ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، مَطْبَعَةُ مُصْطَفَى الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ، مِصْر، ج9، ص12، رَقْمُ الْحَدِيثِ (6882).
​(2) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ نَاصِرِ الْعَقْلِ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، بَيْرُوت، ج1، ص241.
​(3) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ السَّلَامِ، الرِّيَاض، ص340.
​(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الِاسْتِقَامَةُ، ج1، ص180.
​(5) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، ج12، ص210.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج14، ص76 (مَادَّةُ بَغَى).
​(7) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، ج1، ص145.
​(8) الْخَطَّابِيُّ: أَعْلَامُ الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، ج3، ص1910.
​(9) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ج1، ص238.
​(10) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: مَسَائِلُ الْجَاهِلِيَّةِ الَّتِي خَالَفَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ، ص5.
​(11) ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج1، ص411.
​(12) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الْعُثَيْمِينَ، ج3، ص122.
​(13) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج7، ص310.
​(14) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ج1، ص240.
​(15) الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ بَازٍ، ج5، ص195.
​(16) الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج6، ص410 (تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَحْزَابِ).
​(17) الْبُخَارِيُّ: الصَّحِيحُ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، رَقْمُ (30).
​(18) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ج1، ص242.
​(19) ابْنُ الْقَيِّمِ: إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ج1، ص215.
​(20) ابْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج11، ص283 (مَادَّةُ رَسَلَ).
​(21) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: النُّبُوَّاتُ، دَارُ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، الرِّيَاض، ج2، ص715.
​(22) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج1، ص١٦٢ (مَادَّةُ نَبَأَ، نَبَا).
​(23) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج10، ص290.
​(24) الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْمُسْنَدُ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج36، ص612، رَقْمُ (22288) مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي السِّلْسِلَةِ الصَّحِيحَةِ، رَقْمُ (2668).
​(25) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: الْمُسْنَدُ، نَفْسُ الْمَوْضِعِ وَالرَّقْمِ السَّابِقِ.
​(26) الْبُخَارِيُّ: الصَّحِيحُ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ، رَقْمُ (7440)؛ وَمُسْلِمٌ: الصَّحِيحُ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ (193).
​(27) ابْنُ كَثِيرٍ: التَّفْسِيرُ، ج7، ص315 (تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَحْزَابِ).
​(28) ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي، ج12، ص211.
​(29) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: التَّنْبِيهَاتُ اللَّطِيفَةُ عَلَى مَسَائلِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص88.
​(30) الشَّيْخُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ: تَسْجِيلَاتُ الشَّبَكَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، شَرْحُ الْمَتُونِ الْعَقَدِيَّةِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ.
_________________________________20_________________________________________

لِلْفِقْرَةِ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ:
​[الْمَتْنُ ]  فِي كِتَابِهِ (فَضْلُ الْإِسْلَامِ)،"بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ":
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

​وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا» (1).

​وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ: أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ (أَيْ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) فَيَقِفُ عَلَى الْحِلَقِ (حِلَقِ الْعِلْمِ) فَيَقُولُ: «يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا، فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا» (2).

_________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْأَثَرِ:
​إِنَّ تَرْجَمَةَ الْبَابِ هِيَ "وُجُوبُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ"؛ وَحَقِيقَةُ هَذَا الدُّخُولِ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِالِاسْتِقَامَةِ التَّامَّةِ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ، وَنَبْذِ كُلِّ السُّبُلِ الْمُحْدَثَةِ. وَأَثَرُ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَصٌّ فِي أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ جَادَّةِ الْإِسْلَامِ وَالْأَخْذَ يَمِينًا وَشِمَالًا بِالْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ هُوَ مُفَارَقَةٌ لِهَذَا الدُّخُولِ الْوَاجِبِ، وَوُقُوعٌ فِي الضَّلَالِ الْبَعِيدِ (3).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ:
​قَصَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخَطَرَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يُهَدِّدُ دُخُولَ الْأُمَّةِ فِي الْإِسْلَامِ الصَّحِيحِ إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ جِهَةِ الْقُرَّاءِ وَالْعُلَمَاءِ إِذَا انْحَرَفُوا. فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ بِأَنَّهُمْ قَادَةُ الْأُمَّةِ؛ فَإِنْ لَزِمُوا السُّنَّةَ تَبِعَهُمُ النَّاسُ وَسَبَقُوا، وَإِنْ مَالُوا مَالَ النَّاسُ وَضَلُّوا (4).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْأَثَرِ:
​اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِ حُذَيْفَةَ: (فَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا فَقَدْ ضَلَلْتُمْ) عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ طَرِيقٌ وَاحِدٌ لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا تَعَدُّدَ، وَأَنَّ الِابْتِدَاعَ فِي الدِّينِ (سَوَاءٌ بِالْغُلُوِّ يَمِينًا أَوْ التَّفْرِيطِ شِمَالًا) هُوَ ضَلَالٌ يُبْطِلُ حَقِيقَةَ الِانْقِيَادِ الْوَاجِبِ لِلشَّرْعِ، مِمَّا يُوجِبُ التَّمَسُّكَ بِالْأَثَرِ الْأَوَّلِ (5).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​الْقُرَّاءِ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ رَ أَ)، الَّتِي تَدُورُ فِي اللُّغَةِ حَوْلَ مَعْنَى الْجَمْعِ وَالضَّمِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: قَرَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا جَمَعْتُ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُمُ الْعُلَمَاءُ بِالْقُرْآنِ الْعَارِفُونَ بِأَحْكَامِهِ، وَالْفُقَهَاءُ فِي دِينِ اللَّهِ تَعَالَى، الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ حِفْظِ اللَّفْظِ وَفَقْهِ الْمَعْنَى وَالْعَمَلِ بِهِ، وَلَا يُرَادُ بِهِمْ فِي عُرْفِ السَّلَفِ مُجَرَّدُ أَصْحَابِ الْأَصْوَاتِ الْحَسَنَةِ بِدُونِ فِقْهٍ (6).
​اسْتَقِيمُوا / اسْلُكُوا الطَّرِيقَ:
​الِاشْتِقَاقُ: (اسْتَقَامَ) مِنَ الْقِيَامِ (قَ وَ مَ)، وَالْسِّينُ وَالتَّاءُ لِلصَّيْرُورَةِ أَوْ الطَّلَبِ، وَتُفِيدُ الِاعْتِدَالَ وَالثَّبَاتَ. وَ(اسْلُكُوا) مِنَ السَّلْكِ (سَ لَ كَ)، وَهُوَ دُخُولُ الطَّرِيقِ وَالنَّفَاذُ فِيهِ سَيْرًا.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ لُزُومُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَاتِّبَاعُ الْأَثَرِ النَّبَوِيِّ صِيَاغَةً وَعَقِيدَةً وَعَمَلًا، دُونَ زِيَادَةٍ بِدْعِيَّةٍ أَوْ نَقْصٍ تَفْرِيطِيٍّ، وَهُوَ لُزُومُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ وَصَحَابَتُهُ (7).
​سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ السَّبْقِ (سَ بَ قَ)، وَهُوَ التَّقَدُّمُ فِي السَّيْرِ أَوْ الْفَضْلِ، وَالْفَوْتُ لِلْمُتَأَخِّرِينَ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ إِحْرَازُ رُتْبَةِ التَّقَدُّمِ الْعِلْمِيِّ وَالْعَمَلِيِّ، وَالْفَوْزُ بِأَعْلَى مَنَازِلِ الرِّضْوَانِ، بِحَيْثُ يَعْجِزُ مَنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِكُمْ عَنْ لُحُوقِكُمْ فِي الْفَضْلِ (8).
​يَمِينًا وَشِمَالًا:
​الِاشْتِقَاقُ: (الْيَمِينُ) مِنَ الْيُمْنِ وَالْقُوَّةِ، وَ(الشِّمَالُ) مَعْرُوفٌ وَهُوَ ضِدُّ الْيَمِينِ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا جِهَاتُ الِانْحِرَافِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ كُلُّ مَسْلَكٍ فِكْرِيٍّ أَوْ عَمَلِيٍّ يَخْرُجُ عَنِ السُّنَّةِ الْمَحْضَةِ؛ فَالْيَمِينُ يُمَثِّلُ جَانِبَ الْغُلُوِّ وَالتَّشَدُّدِ وَالِابْتِدَاعِ، وَالشِّمَالُ يُمَثِّلُ جَانِبَ التَّفْرِيطِ وَالتَّقْصِيرِ وَالْمَعَاصِي (9).
​ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الضَّلَالِ (ضَ لَ لَ)، وَهُوَ الْغَيْبُوبَةُ وَالْعُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ الْقَصْدِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْخُرُوجُ الْكُلِّيُّ أَوِ الْجُزْئِيُّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِحَيْثُ يَبْعُدُ صَاحِبُهُ عَنِ الْحَقِّ بِقَدْرِ مَسَافَةِ انْحِرَافِهِ (10).

​[ثَالِثًا: شُرَّاحُ الْأَثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ]

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ (ت: 852هـ):
«قَوْلُهُ حُذَيْفَةُ: (يَا مَعشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا) أَيْ الْزَمُوا طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ، فَقَدْ جَاءَ الْحَقُّ فَلَا تَطْلُبُوا غَيْرَهُ، وَقَوْلُهُ: (فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا) أَيْ إِنِ اسْتَقَمْتُمْ فَقَدْ عَلَوْتُمْ عَلَى مَنْ بَعْدَكُمْ عَلُوًّا ظَاهِرًا، وَإِنْ عَدَلْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا بِاتِّبَاعِ الْأَهْوَاءِ فَقَدْ حِدْتُمْ عَنِ الْجَادَّةِ وَوَقَعْتُمْ فِي التِّيهِ الْبَعِيدِ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ» (11).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (ت: 1285هـ):
«هَذَا الْأَثَرُ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُبَيِّنُ فِيهِ أَنَّ السَّعَادَةَ كُلَّهَا فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ ذَلِكَ بِرَأْيٍ أَوْ تَقْلِيدٍ أَوْ بِدْعَةٍ هُوَ عَيْنُ الضَّلَالِ. وَالْقُرَّاءُ هُمْ مَحَلُّ الْقُدْوَةِ، فَإِذَا اسْتَقَامُوا اسْتَقَامَ النَّاسُ، وَإِذَا انْحَرَفُوا هَلَكُوا وَأَهْلَكُوا» (12).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ دَرْسِهِ الصَّوْتِيِّ):
​عَزْوٌ سَمْعِيٌّ صَوْتِيٌّ مُحَقَّقٌ: سِلْسِلَةُ شَرْحِ كِتَابِ "فَضْلِ الْإِسْلَامِ"، الشَّرِيطُ الثَّانِي، الْوَجْهُ الثَّانِي، الدَّقِيقَةُ (22:15) إِلَى الدَّقِيقَةِ (25:40).
«قَالَ حَفِظَهُ اللَّهُ: حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُخَاطِبُ أَهْلَ الْعِلْمِ، وَالْحِلَقُ هِيَ مَجَالِسُ الْعِلْمِ فِي الْمَسْجِدِ. يَقُولُ لَهُمْ: لَا تُحْدِثُوا فِي الدِّينِ شَيْئًا، الْزَمُوا الطَّرِيقَ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا الرَّسُولُ وَأَصْحَابُهُ. الْخُرُوجُ عَنِ السُّنَّةِ يَمِينًا بِالْغُلُوِّ مِثْلَ فِعْلِ الْخَوَارِجِ، أَوْ شِمَالًا بِالتَّفْرِيطِ مِثْلَ فِعْلِ الْمُرْجِئَةِ وَأَهْلِ الْمَعَاصِي، هُوَ الْضَّلَالُ الْبَعِيدُ. فَالْإِسْلَامُ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ الْمَحْضَةُ دُونَ تَلَوُّنٍ» (13).
​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ)]
​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْحَقُّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، وَالِاسْتِقَامَةُ عَلَى السُّنَّةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: دَلَّ الْأَثَرُ عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ؛ فَالْعَقِيدَةُ السَّلَفِيَّةُ قَائِمَةٌ عَلَى الِاتِّبَاعِ الْمُطْلَقِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا خَالَفَ السُّنَّةَ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَالْإِيمَانِ فَهُوَ مِنَ (الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ) الَّذِي يُبْعِدُ عَنِ الْجَنَّةِ (14).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(كُلُّ طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ تَقَعُ فِي حَدِّ الضَّلَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: جَعَلَ الْأُصُولِيُّونَ هَذَا الْأَثَرَ أَصْلًا فِي ذَمِّ الْبِدَعِ (الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ). فَطَرِيقُ التَّعَبُّدِ مَوْقُوفٌ عَلَى النَّصِّ، فَمَنْ سَلَكَ يَمِينًا بِالزِّيَادَةِ فِي الْعِبَادَاتِ أَوْ شِمَالًا بِتَرْكِ السُّنَنِ فَقَدْ خَالَفَ مَقْصِدَ الشَّارِعِ فِي التَّعَبُّدِ (15).
​3. الضَّابِطُ الْعِلْمِيُّ الْمُسْتَنْبَطُ:
​(انْحِرَافُ الْمَتْبُوعِ عِلَّةٌ فِي ضَلَالِ التَّابِعِ، وَالْحُجَّةُ فِي الْأَثَرِ لَا فِي الرَّأْيِ)
​شَرْحُهُ: هَذَا الضَّابِطُ يَقْضِي بِأَنَّ عِصْمَةَ الْأُمَّةِ تَقُومُ عَلَى تَمَسُّكِ عُلَمَائِهَا بِالْأَثَرِ؛ فَلَا يُقْبَلُ رَأْيُ فَقِيهٍ وَلَا عَابِدٍ إِذَا خَالَفَ جَادَّةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ (16).








​[الْحَاشِيَةُ ]_______________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَطْبَعَةُ مُصْطَفَى الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ، مِصْر، ط1، 1373هـ، ج9، ص92، رَقْمُ الْحَدِيثِ (7282) وَالْأَثَرُ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلَالِ.
​(2) الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ الْقُرْطُبِيُّ: الْبِدَعُ وَالنَّهْيُ عَنْهَا، بَابُ مَا جَاءَ فِي اسْتِقَامَةِ النَّاسِ عَلَى الْأَثَرِ، تَقْدِيمُ وَتَحْقِيقُ الشَّيْخِ بَدْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَدْرِ، دَارُ ابْنِ الْقَيِّمِ، الرِّيَاض، ط1، 1416هـ / 1996م، ص33، رَقْمُ الْأَثَرِ (14).
​سَنَدُ ابْنِ وَضَّاحٍ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ: قَالَ ابْنُ وَضَّاحٍ: نَاهَ أَسَدُ بْنُ مُوسَى (أَسَدُ السُّنَّةِ)، قَالَ: نَا مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ (أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ)، عَنِ الْأَعْمَشِ (سُلَيْمَانَ بْنِ مِهْرَانَ)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ (النَّخَعِيِّ)، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: كَانَ حُذَيْفَةُ... فَقَدْ صَرَّحَ الْأَعْمَشُ بِالسَّمَاعِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وَرِجَالُ السَّنَدِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ مِنْ رِجَالِ الشَّيْخَيْنِ، فَالْأَثَرُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ جِدًّا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ.
​(3) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ نَاصِرِ الْعَقْلِ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، بَيْرُوت، ج1، ص312.
​(4) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ دَارِ السَّلَامِ، الرِّيَاض، ص345.
​(5) الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ج1، ص452.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج11، ص532 (مَادَّةُ قَرَأَ).
​(7) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ سَلِيمِ الْهِلَالِيِّ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، ج1، ص85.
​(8) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج6، ص311 (مَادَّةُ سَبَقَ).
​(9) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاك نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ج1، ص390.
​(10) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج8، ص218 (مَادَّةُ ضَلَلَ).
​(11) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، 1390هـ، ج13، ص258.
​(12) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: قُرَّةُ عُيُونِ الْمُوَحِّدِينَ فِي تَحْقِيقِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، مَطْبَعَةُ أَنْصَارِ السُّنَّةِ، مِصْر، ص114.
​(13) الشَّيْخُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ: تَسْجِيلَاتُ الشَّبَكَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، شَرْحُ الْمَتُونِ الْعَقَدِيَّةِ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ.
​(14) الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ج2، ص490.
​(15) الشَّاطِبِيُّ: الِاعْتِصَامُ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج1، ص112.
​(16) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج20، ص115.
​(17) تَرْجَمَةُ الْإِمَامِ ابْنِ وَضَّاحٍ (ت: 287هـ) الِاسْتِقْصَائِيَّةُ:
■هو الإمام الحافظ الحجة، محدث الأندلس وعالمها، أبو عبد الله محمد بن وضاح بن بزيع المرواني القرطبي. ولد سنة 199هـ. رحل إلى المشرق مرتين، فسمع من كبار الطبقة كأصحاب مالك وسفيان، وروى عن إسماعيل بن أبي أويس، ويعقوب بن كاسب، وأسد بن موسى، وسحنون بن سعيد. روى عنه خلائق منهم قاسم بن أصبغ، وابن أيمن. 
■قال عنه ابن الفرضي: «كان عالماً بالحديث، بصيراً بعلله، راسخاً في العلم، ورعاً زاهداً». وقال الذهبي: «كان رأس الأثر بالأندلس». توفي رحمه الله في محرم سنة 287هـ بقرطبة. 
[انظر: الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج13، ص440-445؛ وَابْنُ الْفَرَضِيِّ: تَارِيخُ عُلَمَاءِ الْأَنْدَلُسِ، الدَّارُ الْمِصْرِيَّةُ لِلْتَّأْلِيفِ، ج1، ص378].

______________________________________21________________________________________

​[الْمَتْنُ ] الفقرة الرابعة عشر "بَابُ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ":
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى   
​وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَضَّاحٍ قَالَ: أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ (وَهُوَ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَمْدَانِيُّ)، عَنِ الشَّعْبِيِّ (عَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ)، عَنْ مَسْرُوقٍ (ابْنِ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيِّ) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ (يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): «لَيْسَ عَامٌ إِلَّا وَالَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ، لَا أَقُولُ عَامٌ أَمْطَرُ مِنْ عَامٍ، وَلَا عَامٌ أَخْصَبُ مِنْ عَامٍ، وَلَا أَمِيرٌ خَيْرٌ مِنْ أَمِيرٍ، وَلَكِنْ ذَهَابُ عُلَمَائِكُمْ وَخِيَارِكُمْ، ثُمَّ يَحْدُثُ أَقْوَامٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ، فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيُنْثَلَمُ» (1).

_____________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْأَثَرِ:
​الْبَابُ مَقْصُودُهُ "وُجُوبُ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ" الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقِيًّا صَافِيًا. وَعَلَاقَةُ أَثَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهَذَا التَّبْوِيبِ تَظْهَرُ فِي التَّحْذِيرِ مِنْ نَقْصِ هَذَا الدُّخُولِ وَانْهِدَامِهِ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الْآثَارِ وَالِاعْتِمَادَ عَلَى الرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ عَنِ الدَّلِيلِ هُوَ أَعْظَمُ سَبَبٍ لِخُرُوجِ النَّاسِ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ الْوَاجِبِ إِلَى طُرُقِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ (2).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِالْإِتْيَانِ بِالْأَثَرِ:
​قَصَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ لِلْأُمَّةِ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْخَفِيَّةَ الَّتِي يَدْخُلُ مِنْهَا النَّقْصُ عَلَى الدِّينِ، فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرَّ الْحَقِيقِيَّ الْمَخُوفَ لَيْسَ هُوَ نَقْصُ الدُّنْيَا (مِنَ الْمَطَرِ وَالْخِصْبِ وَالسُّلْطَانِ)، وَإِنَّمَا هُوَ نَقْصُ الدِّينِ بِذَهَابِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ وَظُهُورِ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْقِيَاسِ الْفَاسِدِ (3).

​3. وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَثَرِ:
​اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ: (فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ وَيُنْثَلَمُ) عَلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ يَؤُولُ بِالْمُجْتَمَعَاتِ إِلَى نَقْضِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَالِاسْتِدْلَالُ هُنَا هُوَ وُجُوبُ لُزُومِ الْعِلْمِ الْمَوْرُوثِ عَنِ الصَّحَابَةِ لِتَحْقِيقِ الدُّخُولِ الْوَاجِبِ فِي الْإِسْلَامِ (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​أَخْصَبُ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْخِصْبِ (خَ صَ بَ)، وَهُوَ نَمَاءُ الْأَرْضِ وَكَثْرَةُ عُشْبِهَا وَخَيْرِهَا، ضِدُّ الْجَدْبِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ الْحَالَةُ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْخَيْرَاتُ الْمَادِّيَّةُ وَالْأَرْزَاقُ النَّبَاتِيَّةُ لِلْأَرْضِ بِسَبَبِ نُزُولِ الْغَيْثِ (5).
​يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ:
​الِاشْتِقَاقُ: (يَقِيسُونَ) مِنَ الْقِيَاسِ (قَ يَ سَ)، وَهُوَ التَّقْدِيرُ وَالْمُسَاوَاةُ. وَ(آرَائِهِم| جَمْعُ رَأْيٍ (رَ أَ يَ)، وَهُوَ مَا يَرَاهُ الْعَقْلُ دُونَ اسْتِنَادٍ مُبَاشِرٍ لِلْوَحْيِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ عَمَلِيَّةُ إِلْحَاقِ النَّوَازِلِ الشَّرْعِيَّةِ بِأَشْبَاهِهَا اسْتِنَادًا إِلَى الْهَوَى وَالْعَقْلِ الْمُجَرَّدِ مَعَ إِغْفَالِ النُّصُوصِ وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الْفَاسِدُ الِاعْتِبَارِ (6).
​فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْهَدْمِ (هـ دَ مَ)، وَهُوَ نَقْضُ الْبِنَاءِ وَإِسْقَاطُهُ تَمَامًا أَوْ جُزْئِيًّا.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ ذَهَابُ عَقَائِدِ الدِّينِ وَشَعَائِرِهِ فِي نُفُوسِ النَّاسِ وَتَرْكُ الْعَمَلِ بِهَا نَتِيجَةَ إِحْلَالِ الْبِدَعِ وَالْآرَاءِ مَكَانَ السُّنَنِ الْمَأْثُورَةِ (7).
​وَيُنْثَلَمُ (وَيَلْسَمُ):
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الثَّلْمِ (ثَ لَ مَ)، وَهُوَ إِحْدَاثُ خَلَلٍ أَوْ كَسْرٍ فِي طَرَفِ الْجِدَارِ أَوْ الْإِنَاءِ. وَرُوِيَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ "وَيَلْسَمُ" (مِنَ اللَّسْمِ وَهُوَ شَدُّ الْخَلَلِ أَوْ السُّكُوتُ عَنِ التَّعَبِ، وَقِيلَ هِيَ تَصْحِيفٌ عَنْ يُنْثَلَمُ، وَالْمَعْنَى مَقْصُودُهُ الِانْخِرَاقُ).
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْفَجْوَةُ وَالْخَلَلُ الَّذِي يَقَعُ فِي حِصْنِ الدِّينِ بِحَيْثُ يَدْخُلُ مِنْهُ الْأَعْدَاءُ وَالْبِدَعُ وَيَضْعُفُ بِهِ بِنَاؤُهُ (8).

​[ثَالِثًا: شَرْحُ وَبَيَانُ الْأَثَرِ لِلْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ]

​تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيِّ (ت: 387هـ):
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْأَثَرُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ هُوَ عَمُودٌ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ. فَإِنَّ الْإِسْلَامُ لَا يَبْقَى عَزِيزًا مَنِيعًا إِلَّا بِحِفْظِ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا مَاتَ الْعُلَمَاءُ نَطَقَ الْجُهَّالُ فَقَاسُوا الدِّينَ بِعُقُولِهِمْ فَتَحِلُّ الْبِدْعَةُ مَحَلَّ السُّنَّةِ» (9).
​تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
«وَالْقِيَاسُ الَّذِي ذَمَّهُ ابْنُ مَسْعُودٍ هُوَ الْقِيَاسُ الْمُخَالِفُ لِلْأَثَرِ، أَوْ الْقِيَاسُ فِي مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ وَالْعِبَادَاتِ التَّوْقِيفِيَّةِ. فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَثْلِمُ الدِّينَ وَيَنْقُضُ مَبَانِيَهُ» (10).
​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ دَرْسِهِ):
«بَيَّنَ الشَّيْخُ أَنَّ قَوْلَهُ (فَيُهْدَمُ الْإِسْلَامُ) لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الدِّينَ يَرْتَفِعُ كُلِّيَّةً مِنَ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ، بَلِ الْمُرَادُ: أَنَّهُ يُهْدَمُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَفِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ، فَيَصِيرُ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا. وَمَعْنَى (يُنْثَلَمُ) أَيْ يَنْكَسِرُ جِدَارُهُ الْحَامِي لَهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ» (11).

​[رَابِعًا: التَّفْصِيلُ التَّحْقِيقِيُّ لِلْأَلْفَاظِ (يُهْدَمُ وَيُنْثَلَمُ وَأَهْلُ الرَّأْيِ)]

​1. مَفْهُومُ هَدْمِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَثَرِ: ​لَا يُهْدَمُ الْإِسْلَامُ كُلِّيَّةً لَكِنْ يَنْقُصُ: لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْهَدْمِ هُنَا زَوَالَ جِنْسِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْأَرْضِ تَمَامًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَمِنَ بَقَاءَ الدِّينِ بِبَقَاءِ "الطَّائِفَةِ الْمَنْصُورَةِ" إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ كَمَا تَوَاتَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ. وَإِنَّمَا الْهَدْمُ هُنَا يَقَعُ عَلَى صُورَتَيْنِ:

​■هَدْمٌ نِسْبِيٌّ (فِي بَعْضِ الْأَقْوَامِ وَالْبُلْدَانِ): بِحَيْثُ يَنْدَرِسُ الدِّينُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ حَتَّى لَا يَبْقَى فِيهَا مِنْهُ شَيْءٌ، وَيُهْدَمُ فِي قُلُوبِ نَاسٍ آخَرِينَ فَلَا يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ.

■​هَدْمٌ جُزْئِيٌّ (فِي الشَّعَائِرِ وَالسُّنَنِ): بِأَنْ تُهْدَمَ سُنَّةٌ وَتُقَامَ بِدْعَةٌ، ثُمَّ تُهْدَمُ أُخْرَى، حَتَّى يَتَجَرَّدَ الْعَبْدُ مِنْ حَقِيقَةِ الِانْقِيَادِ الْوَاجِبِ لِلشَّرْعِ، وَهَذَا سَبَبُ إِيرَادِهِ فِي بَابِ وُجُوبِ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ (12).

​2. شَرْحُ جُمْلَةِ: (ثُمَّ يَحْدُثُ أَقْوَامٌ يَقِيسُونَ الْأُمُورَ بِآرَائِهِمْ):

​هَؤُلَاءِ هُمْ أَهْلُ الْكَلَامِ وَأَصْحَابُ الْمَنَاهِجِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفِقْهِ الرَّأْيِيِّ الْعَارِي عَنِ الْأَثَرِ؛ الَّذِينَ إِذَا نَزَلَتْ بِهِمُ النَّوَازِلُ لَمْ يَبْحَثُوا عَنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ، بَلْ عَمَدُوا إِلَى عُقُولِهِمْ فَوَضَعُوا لَهَا أَقْيِسَةً فَاسِدَةً، فَيُدْخِلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَيُخْرِجُونَ مِنْهُ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ عِلَّةَ هَدْمِ الدِّينِ (13).

​[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالْفَوَائِدِ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(مِعْيَارُ الْخَيْرِيَّةِ وَالشَّرِّيَّةِ فِي الْأَزْمِنَةِ مَنُوطٌ بِبَقَاءِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ لَا بِالْمَادِّيَّاتِ)
​تَأْصِيلُهَا: هَذِهِ قَاعِدَةٌ سَلَفِيَّةٌ عَقَدِيَّةٌ تُرَبِّي الْمُسْلِمَ عَلَى أَنَّ نُقْصَانَ الدِّينِ هُوَ الْمُصِيبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَأَنَّ رَفْعَ الْعِلْمِ هُوَ مُقَدِّمَةُ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَالشِّرْكِ (14).

​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(الْقِيَاسُ مَعَ فَقْدِ الْأَثَرِ أَوْ مُخَالَفَتِهِ بَاطِلٌ عَقْلًا وَشَرْعًا وَهُوَ مَظِنَّةُ الْهَدْمِ)
​تَأْصِيلُهَا: تَقْضِي هَذِهِ الْقَاعِدَةُ بِأَنَّهُ لَا اجْتِهَادَ مَعَ نَصٍّ، وَأَنَّ تَقْدِيمَ الْعَقْلِ عَلَى النَّقْلِ فِيهِ إِفْسَادٌ لِلْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مَعًا (15).

​3. أَهَمُّ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَنْبَطَةِ:
​عِظَمُ مَكَانَةِ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ؛ فَإِنَّ وُجُودَهُمْ أَمَنَةٌ لِلْأُمَّةِ مِنَ الِانْهِدَامِ.
​الْمُصِيبَةُ كُلُّ الْمُصِيبَةِ هِيَ اتِّخَاذُ الرُّؤُوسِ الْجُهَّالِ الَّذِينَ يُفْتُونَ بِالرَّأْيِ.
​بَيَانُ أَنَّ الدِّينِ يَنْقُصُ شَيْئًا فَشَيْئًا كَمَا يَنْثَلَمُ الْجِدَارُ، فَالْوَاجِبُ سَدُّ هَذِهِ الثُّلْمَةِ بِالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ (16).



​[الْحَاشِيَةُ ]____________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ ابْنُ وَضَّاحٍ الْقُرْطُبِيُّ: الْبِدَعُ وَالنَّهْيُ عَنْهَا، دَارُ ابْنِ الْقَيِّمِ، الرِّيَاض، ط1، 1416هـ، ص34، رَقْمُ الْأَثَرِ (15).
​تَخْرِيجُ الْأَثَرِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ: رَوَاهُ ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ الدَّارِمِيُّ فِي سُنَنِهِ (رَقْمُ 194) عَنْ سُفْيَانَ بِهِ. 
وَالْأَثَرُ حَسَنٌ مَوْقُوفٌ بِمُتَابَعَاتِهِ وَشَوَاهِدِهِ؛ فَإِنَّ مُجَالِدًا فِيهِ لِينٌ، لَكِنَّ الْأَثَرُ لَهُ طُرُقٌ أُخْرَى صَحِيحَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِثْلُ رِوايةِ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الصَّحِيحِ لِأَصْلِ الْحَدِيثِ: "لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ")، فَالْأَثَرُ ثَابِتٌ مَقْبُولٌ مَحْتَجٌّ بِهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَمِّ الرَّأْيِ.
​(2) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ Executive، ج13، ص215.
​(3) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ السَّلَامِ، ص348.
​(4) الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج1, ص460.
​(5) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج1، ص353 (مَادَّةُ خَصَبَ).
​(6) الْإِمَامُ ابْنُ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيُّ: الْإِحْكَامُ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ، دَارُ الْآفَاقِ الْجَدِيدَةِ، ج8، ص112.
​(7) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، ج12، ص590 (مَادَّةُ هَدَمَ).
​(8) الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ: كِتَابُ الْعَيْنِ، دَارُ الْهِجْرَةِ، ج8، ص210 (مَادَّةُ ثَلَمَ).
​(9) الْإِمَامُ ابْنُ بَطَّةَ: الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى، دَارُ الرَّايَةِ، الرِّيَاض، ج1، ص345.
​(10) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ، ج3، ص180.
​(11) الشَّيْخُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاض، ص85.
​(12) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الْعُثَيْمِينَ، ج5، ص241.
​(13) الْإِمَامُ ابْنُ قُتَيْبَةَ الدِّينَوَرِيُّ: تَأْوِيلُ مُخْتَلِفِ الْحَدِيثِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ص102.
​(14) ابْنُ الْقَيِّمِ: مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ج1، ص190.
​(15) الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: الْمُوَافَقَاتُ، ج4، ص214.
​(16) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: بَيَانُ فَضْلِ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ، ص25.
​(17) تَرَاجِمُ رُوَاةِ السَّنَدِ بِالتَّكْمِيلِ:
​مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ: هُوَ مُجَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ الْهَمْدَانِيُّ الْبُتَائِيُّ، أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ. رَوَى عَنِ الشَّعْبِيِّ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ. 
ضَعَّفَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ لِسُوءِ حِفْظِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: لَهُ أَحَادِيثُ صَالِحَةٌ وَهُوَ مِمَّنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ. تُوُفِّيَ سَنَةَ 144هـ. [انظر: الذَّهَبِيُّ: مِيزَانُ الِاعْتِدَالِ، ج3، ص438].
​الشَّعْبِيُّ: هُوَ الإِمَامُ الْعَلَّامَةُ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ الْحِمْيَرِيُّ، أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ، حَافِظُ زَمَانِهِ وَفَقِيهُ الْكُوفَةِ، رَأَى خَمْسِينَ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ 103هـ. [انظر: الذَّهَبِيُّ: سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، ج4، ص294].
​مَسْرُوقٌ: هُوَ مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ بْنِ مَالِكٍ الْهَمْدَانِيُّ الْوَادِعِيُّ، أَبُو عَائِشَةَ الْكُوفِيُّ، أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ الْعُبَّادِ وَالْفُقَهَاءِ الْمُخَضْرَمِينَ، تِلْمِيذُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ. تُوُفِّيَ سَنَةَ 62هـ. [انظر: ابْنُ حَجَرٍ: تَهْذِيبُ
 التَّهْذِيبِ، ج10، ص109].
______________________________________22________________________________________

​[الْمَتْنُ ] الفقرة الخامسة عشر 
[الباب الثالث (باب تفسير الإسلام)]فِي (كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ)
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : «بَابُ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ» وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} [سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: الْآيَةُ 20] (1).



___________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]
​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْآيَةِ:
​لَمَّا بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابَيْنِ السَّابِقَيْنِ "فَضْلَ الْإِسْلَامِ" وَ"وُجُوبَ الدُّخُولِ فِيهِ"، كَانَ النَّفْسُ تَشْتَاقُ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ هَذَا الْإِسْلَامِ الَّذِي هَذَا فَضْلُهُ وَهَذَا وُجُوبُهُ؛ فَعَقَدَ هَذَا الْبَابَ لِتَفْسِيرِهِ. وَعَلَاقَةُ الْآيَةِ بِالتَّبْوِيبِ تَظْهَرُ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَسَّرَ الْإِسْلَامَ فِيهَا بِأَعْظَمِ مَعَانِيهِ، وَهُوَ إِسْلَامُ الْوَجْهِ لِلَّهِ، الَّذِي يَتَضَمَّنُ الْإِخْلَاصَ وَالِانْقِيَادَ الْكَامِلَ (2).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِالْإِتْيَانِ بِالْآيَةِ:
​قَصَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَعْوَى بِاللِّسَانِ، وَلَا انْتِسَابٍ جُغْرَافِيٍّ أَوْ قَبَلِيٍّ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى تَوَجُّهُ الْقَلْبِ وَالْقَصْدِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَمُتَابَعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا هُوَ حَالُ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ (3).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْآيَةِ:
​وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي قَوْلِهِ: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)؛ حَيْثُ جَعَلَ غَايَةَ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْمُحَاجَّةِ وَالْخُصُومَةِ هُوَ تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ. وَتَخْصِيصُ "الْوَجْهِ" بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَشْرَفُ أَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ، فَإِذَا خَضَعَ الْوَجْهِ وَأَسْلَمَ، خَضَعَتْ تَبَعًا لَهُ سَائِرُ الْجَوَارِحِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ الشَّرْعِيِّ (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​حَاجُّوكَ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْحِجَاجِ وَالْمُحَاجَّةِ (حَ جَّ جَ)، وَأَصْلُ الْحَجِّ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْقَصْدُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُحَاوَلَةِ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ لِإِثْبَاتِ الْمَقْصُودِ أَوْ إِبْطَالِهِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ جِدَالُ أَهْلِ الْبَاطِلِ (مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ) لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّبُهَاتِ لِيَدْحَضُوا بِهِ الْحَقَّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَتْ لَهُمُ الْبَيِّنَاتُ (5).
​أَسْلَمْتُ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ السِّلْمِ وَالْإِسْلَامِ (سَ لَ مَ)، وَتَدُورُ الْمَادَّةُ فِي اللُّغَةِ حَوْلَ الِانْقِيَادِ، وَالْخُلُوصِ مِنَ الشَّوَائِبِ، وَالسَّلَامَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ (6).
​وَجْهِيَ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْمُوَاجَهَةِ (وَ جَ هـَ)، وَهُوَ مُسْتَقْبَلُ كُلِّ شَيْءٍ وَأَوَّلُ مَا يَظْهَرُ مِنْهُ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْعُضْوُ الْمَخْصُوصُ ظَاهِرًا، وَيُرَادُ بِهِ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ: الْقَصْدُ، وَالنِّيَّةُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالْقَلْبُ، وَكُلُّ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ تَبَعًا لِأَشْرَفِ مَا فِيهِ (7).
​مَنِ اتَّبَعَنِ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاتِّبَاعِ وَالتَّبَعِيَّةِ (تَ بِ عَ)، وَهُوَ السَّيْرُ خَلْفَ الْمَاشِي وَاقْتِفَاءُ أَثَرِهِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُمُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، الَّذِينَ ائْتَمُّوا بِالْنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَقِيدَتِهِ وَشَرِيعَتِهِ (8).

​[ثَالِثًا: شُرَّاحُ الْآيَةِ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْمَشَايِخِ]

​نَصُّ تَقْرِيرِ الْإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ (ت: 310هـ):
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ} أَيْ فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: أَخْلَصْتُ عِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي لِلَّهِ رَبِّي دُونَ الْأَنْدَادِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَفْرَدْتُ لَهُ طَاعَتِي، وَخَضَعْتُ لَهُ بِقَلْبِي وَجَوَارِحِي، وَكَذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَنِي عَلَى دِينِي وَصَدَّقَنِي عَلَى رِسَالَتِي فَقَدْ أَسْلَمَ لِلَّهِ كَإِسْلَامِي» (9).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (ت: 774هـ):
«أَيْ فَإِنْ جَادَلُوكَ فِي التَّوْحِيدِ فَقُلْ: أَنَا عَمَدْتُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَجَعَلْتُ نَفْسِي وَقَلْبِي وَعَمَلِي كُلَّهُ خَالِصًا لَهُ، وَكَذَلِكَ مَنِ اتَّبَعَنِي هُوَ عَلَى مِثْلِ دِينِي. وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي}» (10).
​نَصُّ تَقْرِيرِ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ شَرْحِهِ الْمَكْتُوبِ):
«تَفْسِيرُ الْإِسْلَامِ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ، وَجَاءَ فِي السُّنَّةِ. أَمَّا فِي الْقُرْآنِ فَمِنْهُ هَذِهِ الْآيَةُ؛ فَالْإِسْلَامُ هُوَ: الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لِلْعَبْدِ تَعَلُّقٌ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا فِي قَصْدِهِ، وَلَا فِي خَوْفِهِ، وَلَا فِي رَجَائِهِ. وَالْوَجْهُ هُنَا هُوَ الْقِبْلَةُ وَالْقَصْدُ، فَإِذَا أَسْلَمَ الْإِنْسَانُ وَجْهَهُ لِلَّهِ، فَقَدْ حَقَّقَ أَصْلَ الدِّينِ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ دِينٌ سِوَاهُ» (11).

​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(حَقِيقَةُ الدِّينِ الْمَقْبُولِ عِنْدَ اللَّهِ هِيَ الْإِخْلَاصُ الْمُطْلَقُ بِالْبَاطِنِ وَالِانْقِيَادُ التَّامُّ بِالظَّاهِرِ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الْمُنْجِيَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ رُكْنَيْنِ: أَحَدُهُمَا بَاطِنٌ وَهُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْقَصْدِ (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ)، وَالثَّانِي ظَاهِرٌ وَهُوَ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (وَمَنِ اتَّبَعَنِ)، وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ شِرْكٌ أَوْ بِدْعَةٌ (12).

​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(دَفْعُ شُبُهَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْمُحَاجِّينَ يَكُونُ بِالِاعْتِصَامِ بِالْأُصُولِ الْقَطْعِيَّةِ لَا بِالْخَوْضِ فِي الْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ عِنْدَ مُحَاجَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنْ يَقْطَعَ النِّزَاعَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْأَصْلِ الْأَصِيلِ الَّذِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأَنْبِيَاءُ، وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ. فَفِيهِ دَلِيلٌ أُصُولِيٌّ عَلَى أَنَّ إِفْحَامَ أَهْلِ الْبَاطِلِ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ الْعَقِيدَةِ وَلُزُومِ الْأَثَرِ (13).

​3. الضَّابِطُ الْعِلْمِيُّ الْمُسْتَنْبَطُ:
​(كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَذْهَبُهُ الْإِسْلَامُ الْمَحْضُ، وَكُلُّ مَنْ خَرَجَ عَنِ الِاتِّبَاعِ فَقَدْ نَقَصَ مِنْ إِسْلَامِهِ بِقَدْرِ خُرُوجِهِ)
​شَرْحُهُ: هَذَا الضَّابِطُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ: {وَمَنِ اتَّبَعَنِ}؛ فَقَدْ عَطَفَ التَّابِعِينَ عَلَى النَّبِيِّ فِي حُكْمِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهُ صَحِيحًا مُفَسَّرًا بِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ، فَعَلَيْهِ بِطَرِيقِ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ (14).

​[الْحَاشِيَةُ ]________________________________________________________________

​(1) سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ، الْآيَةُ (20). 
وَنَصُّ الْآيَةِ كَامِلًا: {فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ}.
​(2) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الْمُوَافَقَاتُ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ مَشْهُورِ بْنِ حَسَنٍ آلِ سَلْمَانَ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الْخُبَر، ط1، 1417هـ / 1997م، ج2، ص210.
​(3) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَحَقِيقَةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالشَّرْعِ)، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْدَةَ السَّعَوِيِّ، مَطَابِعُ الْجَامِعَةِ، الرِّيَاض، ط2، 1421هـ، ص145.
​(4) الْعَلَّامَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ط1، 1423هـ، ج1، ص472.
​(5) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج3، ص54 (مَادَّةُ حَجَجَ).
​(6) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط1، 1420هـ، ص125.
​(7) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَرْجِعٌ سَابِقٌ، ج13، ص552 (مَادَّةُ وَجَهَ).
​(8) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، ط1، 1429هـ، ص211.
​(9) الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ التُّرْكِيِّ، دَارُ هَجْرٍ، الْقَاهِرَةِ، ط1، 1422هـ / 2001م، ج5، ص254.
​(10) الْحَافِظُ أَبُو الْفِدَاءِ إِسْمَاعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ الْقُرَشِيُّ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، الرِّيَاض، ط2، 1420هـ / 1999م، ج2، ص25.
​(11) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ج1، ص310.
​(12) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج7، ص280 (كِتَابُ الْإِيمَانِ).
​(13) الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ السَّمْعَانِيُّ: قَوَاطِعُ الْأَدِلَّةِ فِي الْأُصُولِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوت، ج2، ص142.
​(14) ابْنُ الْقَيِّمِ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، الرِّيَاض، ج3، ص980.
______________________________________23________________________________________

​[الْمَتْنُ ](كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ)  "بَابُ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ" الفقرة  السادسة عشر 
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رمضانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (1).

_____________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثِ:
​الْبَابُ مَقْصُودُهُ "تَفْسِيرُ الْإِسْلَامِ"؛ وَعَلَاقَةُ الْحَدِيثِ بِهِ ظَاهِرَةٌ جِدًّا، لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ النَّصُّ النَّبَوِيُّ الْأَعْظَمُ الَّذِي تَوَلَّى فِيهِ الشَّارِعُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ بَيَانَ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ وَتَفْسِيرِهِ بِأَرْكَانِهِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا عِنْدَ إِطْلَاقِهِ (3).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِالْإِتْيَانِ بِالْحَدِيثِ:
​قَصَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَيِّنَ لِلْمُكَلَّفِ أَنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي وَجَبَ الدُّخُولُ فِيهِ لَهُ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ وَمَعَالِمُ ظَاهِرَةٌ، وَأَنَّ رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ هُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ فِي الدِّينِ، كَمَا هُوَ مَقْصُودُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ جَاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ (4).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ:
​اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِتَفْسِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْإِسْلَامِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ (الشَّهَادَتَيْنِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ)؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ اسْمِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ بِالْإِيمَانِ يَقَعُ عَلَى أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ، وَأَنَّ الدِّينَ كُلَّهُ يُسَمَّى إِسْلَامًا كَمَا فِي خَاتِمَةِ الْحَدِيثِ (5).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ، الْحَدُّ، وَمَرَاتِبُ الشَّهَادَةِ)]
​الْإِسْلَامُ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِسْلَامِ وَالِانْقِيَادِ (سَ لَ مَ).
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ (6).
​تَشْهَدَ:
​الِاشْتِقَاقُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الشَّهَادَةِ (شَ هـَ دَ)، وَأَصْلُهَا لُغَةً: الْحُضُورُ، وَالْمُعَايَنَةُ، وَالْإِخْبَارُ النَّاطِقُ عَنْ عِلْمٍ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْإِقْرَارُ اللَّفْظِيُّ الِاعْتِقَادِيُّ الْمُتَضَمِّنُ لِلْإِخْبَارِ وَالْإِعْلَامِ بِحَقِيقَةِ مَا شُهِدَ بِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا (7).

​مَرَاتِبُ الشَّهَادَةِ الْأَرْبَعُ (الَّتِي لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهَا):
●​الْعِلْمُ: بِالْمَشْهُودِ بِهِ فَهْمًا (أَيْ مَعْرِفَةُ الْمَعْنَى نَفْيًا وَإِثْبَاتًا).
​●التَّكَلُّمُ اللُّغَوِيُّ اللَّفْظِيُّ: النُّطْقُ بِهَا ظَاهِرًا مَعَ الْقُدْرَةِ.
●​الْإِعْلَامُ: إِخْبَارُ الْغَيْرِ وَإِعْلَانُ هَذَا الِاعْتِقَادِ.
●​الِالْتِزَامُ الشَّرْعِيُّ بِالْمَضْمُونِ: الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا عَقِيدَةً وَشَرِيعَةً (8).

​لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (مَعْنَى الْإِلَهِ):

​الِاشْتِقَاقُ: (الْإِلَهُ) مُشْتَقٌّ مِنَ الْأُلُوهَةِ وَالْإِلَاهَةِ (أَ لَ هـَ)، أَيْ: عَبَدَ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الْمَأْلُوهُ الَّذِي تَعْبَدُهُ الْقُلُوبُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً. فَمَعْنَى الْجُمْلَةِ: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ (9).
​أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ:
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِمَقْصُودِهَا: هُوَ الْإِقْرَارُ بِالرِّسَالَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَمُقْتَضَاهُ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ (10).
​تُقِيمَ الصَّلَاةَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْمَفْهُومِ: عِبَادَةٌ ذَاتُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ، مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ، مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ. وَ"إِقَامَتُهَا": أَدَاؤُهَا مُسْتَوْفِيَةً لِشُرُوطِهَا، وَأَرْكَانِهَا، وَوَاجِبَاتِهَا، وَخُشُوعِهَا (11).
​تُؤْتِيَ الزَّكَاةَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْمَفْهُومِ: حَقٌّ وَاجِبٌ شَرْعًا فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ، لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ (أَهْلِ الزَّكَاةِ)، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، تَطْهِيرًا لِلْمَالِ وَتَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ (12).
​تَصُومَ رَمَضَانَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْمَفْهُومِ: الْإِمْسَاكُ بِنِيَّةِ التَّعَبُّدِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ (مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ) مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْمَعْلُومِ (13).
​تَحُجَّ الْبَيْتَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْمَفْهُومِ: قَصْدُ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ لِأَدَاءِ مَنَاسِكَ مَخْصُوصَةٍ (مِنْ طَوَافٍ، وَسَعْيٍ، وَوُقُوفٍ بِعَرَفَةَ) فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ شَرْعًا، مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ (14).

​[ثَالِثًا: شُرَّاحُ الْحَدِيثِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ]

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (ت: 1242هـ):
«بَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ سُؤَالَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَإِجَابَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ، فِيهِ رَدٌّ ظَاهِرٌ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يُخْرِجُونَ الْأَعْمَالِ عَنْ مُسَمَّى الدِّينِ. فَالْإِسْلَامُ لَا يَكُونُ إِسْلَامًا صَحِيحًا مُعْتَبَرًا إِلَّا بِإِقَامِ هَذِهِ الْمَبَانِي الْعِظَامِ عِلْمًا وَعَمَلًا» (15).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ (ت: 1233هـ):
«قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْخَمْسَ هِيَ حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا الشَّعَائِرُ الظَّاهِرَةُ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِهَا الْمُسْلِمُ عَنِ الْكَافِرِ، وَلِأَنَّ مَنْ قَامَ بِهَا حَقَّ الْقِيَامِ، كَانَ لِمَا سِوَاهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ أَحْفَظَ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا كَانَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعَ» (16).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ كِتَابِهِ):
«مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْبَيَانُ الشَّافِي بِالْأَرْكَانِ. وَقَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: (هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ) دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدِّينَ يَشْمَلُ الْإِسْلَامَ وَالْإِيمَانَ وَالْإِحْسَانَ، وَأَنَّ تَفْسِيرَ الْإِسْلَامِ هُنَا هُوَ الرُّكْنُ الْأَوَّلُ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الدِّينِ» (17).

​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالْفَوَائِدِ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مُسَمَّى الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ، وَالدَّعْوَى الْمُجَرَّدَةُ بَاطِلَةٌ)
​تَأْصِيلُهَا: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تَنْقُضُ مَذْهَبَ الْإِرْجَاءِ تَمَامًا؛ حَيْثُ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّينَ بِالْعَمَلِ، فَظَهَرَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ عَمَلَ الْجَوَارِحِ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يُحَقِّقْ تَفْسِيرَ الْإِسْلَامِ النَّبَوِيِّ (18).

​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(إِذَا اجْتَمَعَ الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ افْتَرَقَا فِي الْمَعْنَى، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا)
​تَأْصِيلُهَا: هَذِهِ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حَدِيثِ جِبْرِيلَ؛ حَيْثُ لَمَّا ذُكِرَ الْإِسْلَامُ مَعَ الْإِيمَانِ، فُسِّرَ الْإِسْلَامُ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَالْإِيمَانُ بِالِاعْتِقَادَاتِ الْبَاطِنَةِ، وَتَسْمِيَتُهُمَا مَعًا فِي النِّهَايَةِ "دِينًا" يَدُلُّ عَلَى التَّلَازُمِ (19).

​3. أَهَمُّ الْفَوَائِدِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنَ الْحَدِيثِ:
​بَيَانُ مَرْتَبَةِ الْإِسْلَامِ وَأَنَّهَا بَوَّابَةُ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ.
​تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ حَسَبَ الْأَهَمِّيَّةِ؛ حَيْثُ بُدِئَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ثُمَّ الصَّلَاةِ.
​مَشْرُوعِيَّةُ السُّؤَالِ لِقَصْدِ تَعْلِيمِ الْحَاضِرِينَ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ اسْتَعْمَلَ أُسْلُوبًا تَعْلِيمِيًّا نَفْعِيًّا (20).


​[الْحَاشِيَةُ ]________________________________________________________________

​(1) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ج1، ص37، رَقْمُ (8). وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ بِأَلْفَاظٍ مُتَقَارِبَةٍ.
​(2) الْإِمَامُ مُسْلِمٌ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ، نَفْسُ الْمَوْضِعِ السَّابِقِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ج1، ص36.
​(3) الْإِمَامُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، تَحْقِيقُ الشَّيْخِ الْأَلْبَانِيِّ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ط2، 1403هـ، ص45.
​(4) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: قُرَّةُ عُيُونِ الْمُوَحِّدِينَ فِي تَحْقِيقِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، رِئَاسَةُ الْإِدَارَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، الرِّيَاض، ص112.
​(5) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثًا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط7، 1417هـ، ج1، ص95.
​(6) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: ثَلَاثَةُ الْأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا، طَبْعَةُ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، ص12.
​(7) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج3، ص239 (مَادَّةُ شَهِدَ).
​(8) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ج1، ص240.
​(9) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص34.
​(10) الشَّيْخُ حَافِظُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَكَمِيُّ: مَعَارِجُ الْقَبُولِ بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، دَارُ ابْنِ الْقَيِّمِ، ج2، ص410.
​(11) الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ: الْمُغْنِي فِي فِقْهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، ج1، ص390.
​(12) الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، ج2، ص12.
​(13) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، ج4، ص104.
​(14) الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، ج1، ص150.
​(15) الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: الرَّسَائِلُ الشَّخْصِيَّةُ لِعُلَمَاءِ دَعْوَةِ نَجْدٍ، ج2، ص88.
​(16) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْحُجَجُ الْوَاضِحَاتُ فِي إِثْبَاتِ مَبَانِي الْإِسْلَامِ، ص45.
​(17) الشَّيْخُ صَالِحٌ الْفَوْزَانُ: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاض، ص110.
​(18) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كِتَابُ الْإِيمَانِ الْأَوْسَطُ، مَطْبَعَةُ الْمَنَارِ، ص62.
​(19) الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: التَّمْهِيدُ لِمَا فِي الْمُوَطَّأِ مِنَ الْمَعَانِي وَالْأَسَانِيدِ، ج9، ص238.
​(20) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا، ص40.
______________________________________24_______________________________________


​[الْمَتْنُ ] (كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ) - "بَابُ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ" الفقرة السابعة عشر
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
​وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (1).

____________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثِ:
​الْبَابُ مَقْصُودُهُ "تَفْسِيرُ الْإِسْلَامِ"؛ وَعَلَاقَةُ الْحَدِيثِ بِهِ تَتَجَلَّى فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ أَرَادَ بَيَانَهُ، فَسَّرَهُ هُنَا بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَاذِيرِ الظَّاهِرَةِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَفَّ الْأَذَى عَنِ الْمُسْلِمِينَ جُزْءٌ رَكِينٌ فِي تَفْسِيرِ حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ (2).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِالْإِتْيَانِ بِالْحَدِيثِ:
​قَصَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْإِسْلَامَ كَمَا يُفَسَّرُ بِالْقِيَامِ بِالْوَاجِبَاتِ وَالْأَرْكَانِ الْعَمَلِيَّةِ (كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، فَإِنَّهُ يُفَسَّرُ أَيْضًا بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِسَلَامَةِ الْغَيْرِ، فَلَا يَكْمُلُ إِسْلَامُ الْعَبْدِ حَتَّى يَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ شَرِّهِ (3).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ:
​وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِي قَوْلِهِ: (مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ)؛ حَيْثُ اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلِفَ وَلَامَ الْجِنْسِ فِي (الْمُسْلِمُ) لِإِفَادَةِ الْكَمَالِ الْوَاجِبِ، فَجَعَلَ الْعَلَامَةَ الظَّاهِرَةَ لِلْإِسْلَامِ الصَّحِيِحِ هِيَ كَفُّ لِسَانِهِ وَيَدِهِ عَنِ الْإِثْمِ، وَهَذَا نَصٌّ فِي تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ بِالْعَمَلِ الظَّاهِرِ تَرْكًا كَمَا فُسِّرَ بِهِ فِعْلًا (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​الْمُسْلِمُ:
​الِاشْتِقَاقُ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ (أَسْلَمَ)، وَمَادَّتُهُ الِاشْتِقَاقِيَّةُ (سَ لَ مَ) الدَّالَّةُ عَلَى الِانْقِيَادِ وَالسَّلَامَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ هُنَا: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالْإِسْلَامِ الْكَامِلِ الْوَاجِبِ الَّذِي قَامَ بِتَحْقِيقِ شَعَائِرِ الدِّينِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَأَدَّى حُقُوقَ الْعِبَادِ (5).
​سَلِمَ:
​الِاشْتِقَاقُ: فِعْلٌ ثُلَاثِيٌّ لَازِمٌ (سَ لَ مَ)، يَدُلُّ عَلَى الْعَافِيَةِ وَالْبَرَاءَةِ مِنَ الْعُيُوبِ وَالْأَذَى.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ نَجَاةُ الْمُسْلِمِينَ وَخُلُوصُهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ أَوْ أَذًى يَلْحَقُهُمْ بِسَبَبِهِ (6).
​لِسَانِهِ:
​الِاشْتِقَاقُ: لُغَةً هُوَ آلَةُ النُّطْقِ الْمَعْرُوفَةُ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَلْسِنَةٍ وَلُسُنٍ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِمَقْصُودِهِ: هُوَ الْكَفُّ عَنْ كُلِّ جِنَايَةٍ قَوْلِيَّةٍ تَصْدُرُ مِنَ الْآلَةِ (كَالْغِيبَةِ، وَالنَّمِيمَةِ، وَالْقَذْفِ، وَالسَّبِّ، وَشَهَادَةِ الزُّورِ) (7).
​يَدِهِ:
​الِاشْتِقَاقُ: الْعُضْوُ الْجَارِحُ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَأَصْلُهَا لُغَةً الْقُوَّةُ وَالْبَطْشُ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِمَقْصُودِهِ: هُوَ الْكَفُّ عَنْ كُلِّ جِنَايَةٍ فِعْلِيَّةٍ بَدَنِيَّةٍ تَصْدُرُ بِالْبَطْشِ (كَالْقَتْلِ، وَالضَّرْبِ، وَالسَّرِقَةِ، وَأَخْذِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ، وَالْكِتَابَةِ الْمُحَرَّمَةِ) (8).
​[ثَالِثًا: شُرَّاحُ الْحَدِيثِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ]

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَاصِرٍ السَّعْدِيِّ (ت: 1376هـ):
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ يُبَيِّنُ فِيهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفْسِيرَ الْمُسْلِمِ بِصِفَاتِهِ الْعَمَلِيَّةِ الظَّاهِرَةِ، فَالْمُسْلِمُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يُؤْمَنُ جَانِبُهُ، فَلَا يَصِلُ مِنْهُ إِلَى إِخْوَانِهِ أَذًى بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ. وَخَصَّ اللَّسَانَ وَالْيَدَ لِأَنَّهُمَا أَسْرَعُ الْجَوَارِحِ تَعَدِّيًا، فَاللَّسَانُ يَعُمُّ الْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتَ، وَالْيَدُ تَعُمُّ الْأَفْعَالَ الْبَادِيَةَ» (9).

​تَقْرِيرُ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ (ت: 1421هـ):
«قَالَ: سَاقَ الْمُصَنِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ دَاخِلَةٌ فِي حَقِيقَتِهِ، فَإِنَّ كَفَّ الْأَذَى عَنِ النَّاسِ عَمَلٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ. فَمَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ فَلَمْ يَغْتَبْهُمْ، وَمِنْ يَدِهِ فَلَمْ يَعْتَدِ عَلَيْهِمْ، فَقَدْ حَقَّقَ هَذَا الْوَصْفَ الشَّرْعِيَّ الَّذِي فَسَّرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقِيقَةَ الْإِسْلَامِ» (10).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ شَرْحِهِ):
«الْإِسْلَامُ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي وَلَا بِالتَّمَنِّي، بَلْ هُوَ عَمَلٌ وَكَفٌّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ تَفْسِيرُ الْإِسْلَامِ بِأَدَاءِ حُقُوقِ الْعِبَادِ بَعْدَ أَدَاءِ حَقِّ اللَّهِ؛ فَلَا يَكُونُ الْمَرْءُ مُسْلِمًا كَامِلًا حَتَّى يَسْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شَرِّهِ النَّاشِئِ عَنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَهَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الدِّينَ عَقِيدَةٌ بِالْقَلْبِ فَقَطْ دُونَ مُرَاعَاةِ السُّلُوكِ وَالْجَوَارِحِ» (11).

​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ)]
​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْإِسْلَامُ وَالْإِيمَانُ يَزِيدَانِ بِالطَّاعَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ، وَيَنْقُصَانِ بِالْمَعَاصِي وَأَذِيَّةِ الْمُؤْمِنِينَ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: نَفْيُ اسْمِ (الْمُسْلِمِ) عَمَّنْ لَمْ يَسْلَمِ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ هُوَ نَفْيٌ لِلْكَمَالِ الْوَاجِبِ، مِمَّا يَدُلُّ عَقَدِيًّا عَلَى أَنَّ ارْتِكَابَ الْكَبَائِرِ (الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَذَى الْعِبَادِ) يَنْقُصُ الدِّينَ وَلَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِلْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (12).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(الْإِطْلَاقُ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ فِي مَوْضُوعِهِ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الصِّرْفِ)
​شَرْحُهَا وَتَأْصِيلُهَا: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُسْلِمُ...) هُنَا يُسَمَّى فِي الْأُصُولِ "تَعْرِيفَ الْمُبْتَدَأِ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ"، وَهُوَ يُفِيدُ الْحَصْرَ الِادِّعَائِيَّ الْمُرَادُ بِهِ الْكَمَالُ. أَيْ: لَا مُسْلِمَ كَامِلَ الْإِسْلَامِ إِلَّا مَنْ جُمِعَتْ فِيهِ هَذِهِ الْخِصَالُ الظَّاهِرَةُ (13).

​3. الضَّابِطُ الْعِلْمِيُّ الْمُسْتَنْبَطُ لِهَذَا الْبَابِ: 
​(الْإِسْلَامُ يُفَسَّرُ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ فِعْلًا لِلْمَأْمُورَاتِ، وَكَفًّا عَنِ الْمَحْظُورَاتِ)
​شَرْحُهُ: هَذَا هُوَ جَامِعُ مَقْصُودِ الْبَابِ الَّذِي رَامَهُ الْمُصَنِّفُ؛ فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقُ فَسَّرَ الْإِسْلَامَ بِفِعْلِ الْأَرْكَانِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هُنَا فَسَّرَهُ بِالْكَفِّ عَنِ الْآثَامِ، وَكِلَاهُمَا عَمَلٌ ظَاهِرٌ تُبْنَى عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا (14).

​[الْحَاشِيَةُ ]_____________________________________________________________________
​(1) الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ أَيُّ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، ط1، 1422هـ، ج1، ص11، رَقْمُ (10) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيِحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ بَيَانِ تَفَاضُلِ الْإِسْلَامِ وَأَيِّ أُمُورِهِ أَفْضَلُ، ج1، ص65، رَقْمُ (40). وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ مَرْفُوعًا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط7، 1417هـ، ج1، ص102.
​(3) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ج1، ص490.
​(4) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج7، صص 13-15 (كِتَابُ الْإِيمَانِ).
​(5) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج3، ص55 (مَادَّةُ سَلَمَ).
​(6) الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: مَعَالِمُ السُّنَنِ، الْمَطْبَعَةُ الْعِلْمِيَّةُ، حَلَب، ط1، 1351هـ، ج4، ص324.
​(7) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوت، ج1، ص54.
​(8) الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الْمِنْهَاجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ، بَيْرُوت، ج2، ص12.
​(9) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: بَهْجَةُ قُلُوبِ الْأَبْرَارِ وَقُرَّةُ عُيُونِ الْأَخْيَارِ فِي شَرْحِ جَوَامِعِ الْأَخْبَارِ، وَزَارَةُ الشُّؤُونِ الْإِسْلَامِيَّةِ، الرِّيَاض، ط1، 1422هـ، ص24.
​(10) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، دَارُ الْوَطَنِ لِلنَّشْرِ، الرِّيَاض، 1426هـ، ج2، ص415.
​(11) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاض، ص115.
​(12) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كِتَابُ الْإِيمَانِ الْأَوْسَطُ، مَطْبَعَةُ الْمَنَارِ، الْقَاهِرَةِ، ص82.
​(13) الْإِمَامُ الْأَمِيرُ الصَّنْعَانِيُّ: إِرْشَادُ النُّقَّادِ إِلَى تَيْسِيرِ الِاجْتِهَادِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، ص44.
​(14) الْإِمَامُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: كِتَابُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُ تَارِكِهَا، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، مَكَّةُ الْمُكَرَّمَةُ، ص110.
______________________________________25_______________________________________

​[الْمَتْنُ ](الْفِقْرَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) مِنْ "بَابِ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ" (كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ)
​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى  :
​وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: «أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ، وَأَنْ تُوَلِّيَ وَجْهَكَ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ (1)
______________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ التَّبْوِيبِ وَالْحَدِيثِ:
​الْبَابُ مَقْصُودُهُ "تَفْسِيرُ الْإِسْلَامِ"؛ وَعَلَاقَةُ الْحَدِيثِ بِهِ رَكِينَةٌ جِدًّا، حَيْثُ جَاءَ النَّصُّ صَرِيحًا فِي السُّؤَالِ عَنِ الْإِسْلَامِ نَفْسِهِ: (أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْإِسْلَامِ)، فَجَاءَ الْجَوَابُ النَّبَوِيُّ جَامِعًا بَيْنَ أَعْمَالِ الْبَاطِنِ (إِسْلَامِ الْقَلْبِ) وَأَعْمَالِ الظَّاهِرِ (تَوْلِيَةِ الْوَجْهِ، وَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ)، فَيَكُونُ أَجْمَعَ نَصٍّ فِي تَفْسِيرِ حَقِيقَتِهِ (2).

​2. مَقْصُودُ الشَّيْخِ بِالْإِتْيَانِ بِالْحَدِيثِ:
​قَصَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَتَرَقَّى فِي تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ؛ فَبَعْدَ أَنْ فَسَّرَهُ بِالْأَرْكَانِ الْعَمَلِيَّةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَبِكَفِّ الْأَذَى فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَرَادَ هُنَا بَيَانَ أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ لَا تَنْفَعُ وَلَا تَصِحُّ إِلَّا إِذَا انْبَثَقَتْ عَنْ إِخْلَاصٍ بَاطِنٍ وَاسْتِسْلَامٍ قَلْبِيٍّ تَامٍّ لِلَّهِ تَعَالَى (3).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ:
​اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ بِالْجَوَابِ النَّبَوِيِّ الَّذِي جَعَلَ (إِسْلَامَ الْقَلْبِ) وَ(تَوْلِيَةَ الْوَجْهِ) -وَهُمَا حَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ وَالتَّوْحِيدِ- عَيْنَ تَفْسِيرِ الْإِسْلَامِ مَقْرُونَيْنِ بِالْجَوَارِحِ؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ الشَّرْعِيَّ عَقِيدَةٌ وَشَرِيعَةٌ، وَأَنَّهُ يَشْمَلُ الِاسْتِسْلَامَ الظَّاهِرَ وَالْبَاطِنَ مَعًا (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ:
​الِاشْتِقَاقُ: (تُسْلِمَ) مِنَ الْإِسْلَامِ بِمَعْنَى التَّفْوِيضِ وَالِانْقِيَادِ، وَ(الْقَلْبُ) مُشْتَقٌّ مِنَ التَّقَلُّبِ لِكَثْرَةِ تَحَوُّلِهِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ إِفْرَادُ الْقَلْبِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْإِخْلَاصِ، بِحَيْثُ يَخْلُو مِنْ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا وَتَعَبُّدًا (5).
​تُوَلِّيَ وَجْهَكَ إِلَى اللَّهِ:
​الِاشْتِقَاقُ: (تُوَلِّيَ) مِنَ الْوَلَاءِ وَالْمُوَالَاةِ وَالِاتِّجَاهِ، وَ(الْوَجْهُ) هُوَ مُسْتَقْبَلُ كُلِّ شَيْءٍ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الْقَصْدُ التَّامُّ وَالِاتِّجَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ (ظَاهِرًا بِالْجَوَارِحِ وَبَاطِنًا بِالنِّيَّةِ) نَحْوَ مَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، إِقْبَالًا عَلَيْهِ وَإِعْرَاضًا عَمَّنْ سِوَاهُ (6).
​الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ الْمَانِعُ: هِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ الْمَفْرُوضَةُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِأَوْقَاتِهَا الْمُقَدَّرَةِ شَرْعًا، وَخَرَجَتْ بِالْمَكْتُوبَةِ صَلَوَاتُ النَّفْلِ وَالتَّطَوُّعِ (7).
​الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ:
​الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ الْمَانِعُ: هِيَ النِّصَابُ الْمُقَدَّرُ شَرْعًا الَّذِي أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِي الْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ بِشُرُوطِهِ، وَخَرَجَتْ بِالْمَفْرُوضَةِ صَدَقَاتُ التَّطَوُّعِ وَالْأَوْقَافِ (8).

​[ثَالِثًا: شُرَّاحُ الْحَدِيثِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ]

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ (ت: 1319هـ):
«قَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِهِ فَقَالَ: (أَنْ تُسْلِمَ قَلْبَكَ لِلَّهِ). فَلَا يُقْبَلُ إِسْلَامُ الظَّاهِرِ مَعَ خَرَابِ الْبَاطِنِ؛ فَالْمُنَافِقُونَ يُصَلُّونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ظَاهِرًا، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ لَمْ تُسْلِمْ لِلَّهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ هَذَا التَّفْسِيرُ حَتَّى يُحَقِّقُوا الْأَصْلَ» (9).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ النَّجْدِيِّ (ت: 1392هـ):
«قَالَ فِي حَاشِيَتِهِ: جَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ بَيْنَ مَقَامَيِ الْإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ؛ فَإِسْلَامُ الْقَلْبِ وَتَوْلِيَةُ الْوَجْهِ هُوَ حَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ لِلْمَعْبُودِ، وَأَدَاءُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ كَمَا أَمَرَ هُوَ حَقِيقَةُ الْمُتَابَعَةِ لِلرَّسُولِ، وَهَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الْجَامِعُ لِدِينِ الْإِسْلَامِ» (10).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (مِنْ شَرْحِهِ):
«سَوْقُ الْمُصَنِّفِ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ يُبَيِّنُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَهُ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ، وَقَوْلُهُ: (وَأَنْ تُوَلِّيَ وَجْهَكَ إِلَى اللَّهِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الشِّرْكِ الَّذِينَ يُوَلُّونَ وُجُوهَهُمْ وَقُلُوبَهُمْ لِلْقُبُورِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَصَارَ الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هُنَا مُفَسَّرًا بِالتَّوْحِيدِ الْعَمَلِيِّ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا» (11).

​[رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِنْبَاطُ الْقَوَاعِدِ وَالتَّلَازُمِ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:

​(التَّلَازُمُ التَّامُّ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ شَرْعًا)
​تَأْصِيلُهَا: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ بِنَاءٌ مُتَلَازِمٌ؛ فَمَنْ زَعَمَ إِسْلَامَ الْقَلْبِ وَلَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ فَهُوَ كَاذِبٌ، وَمَنْ صَلَّى ظَاهِرًا وَقَلْبُهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ فَهُوَ مُنَافِقٌ. فَالظَّاهِرُ يَدُلُّ عَلَى الْبَاطِنِ وَالْبَاطِنُ يُصَحِّحُ الظَّاهِرَ (12).

​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(تَقْدِيمُ الْغَايَاتِ وَالْأُصُولِ عَلَى الْوَسَائِلِ وَالْفُرُوعِ فِي السِّيَاقِ الشَّرْعِيِّ تَرْتِيبًا ذِكْرِيًّا)
​تَأْصِيلُهَا: قَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الذِّكْرِ (إِسْلَامَ الْقَلْبِ وَتَوْلِيَةَ الْوَجْهِ) عَلَى (الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، لِأَنَّ الْأُولَى شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الثَّانِيَةِ، وَتَقْدِيمُ الشَّرْطِ وَالْأَصْلِ الْعَقَدِيِّ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ الْمَقْصِدُ الْأَسْمَى (13).

​3. الضَّابِطُ الْعِلْمِيُّ الْمُسْتَنْبَطُ:
​(حَقِيقَةُ الْإِسْلَامِ التَّامِّ هِيَ الِاسْتِسْلَامُ الْمُطْلَقُ نَفْيًا لِلشِّرْكِ وَإِثْبَاتًا لِلِانْقِيَادِ)
​شَرْحُهُ: حَصَلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَمَالُ التَّفْسِيرِ لِمَا قَبْلَهُ؛ فَالْإِسْلَامُ لَيْسَ جَسَدًا بِلَا رُوحٍ، بَلْ رُوحُهُ إِسْلَامُ الْقَلْبِ، وَجَسَدُهُ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ مَحْصُولُ مَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ السَّلَفِ (14).

​[الْحَاشِيَةُ]_________________________________________________________________
​(1) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ:
​أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ، حَدِيثُ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ط1، 1421هـ، ج33، ص212، رَقْمُ (20021).
​وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا: الْإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ عُقُوبَةِ مَانِعِ الزَّكَاةِ، ج5، ص15، رَقْمُ (2443)، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ج1، ص390.
​إِسْنَادُهُ وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ ثِقَةٌ صَدُوقٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، وَأَبُوهُ حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ثِقَةٌ، وَجَدُّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ. وَقَدْ صَحَّحَ الْحَدِيثَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ رَقْمُ (2749).
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوت، ط7، 1417هـ، ج1، ص110.
​(3) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ج1، ص502.
​(4) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، ج7، ص188 (كِتَابُ الْإِيمَانِ).
​(5) الْإِمَامُ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوت، ج1، ص312.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوت، ج15، ص401 (مَادَّةُ وَلِيَ).
​(7) الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ: الْمُغْنِي فِي فِقْهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، ج2، ص5.
​(8) الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ: الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْكُتُبِ الْمِصْرِيَّةِ، ج8، ص64.
​(9) الشَّيْخُ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ: عَقِيدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَرَسَائِلُ عُلَمَاءِ نَجْدٍ، ج3، ص142.
​(10) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ: حَاشِيَةُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمَطَابِعُ الْأَهْلِيَّةُ، الرِّيَاض، ط1، ص98.
​(11) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاض، ص121.
​(12) ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كِتَابُ الْإِيمَانِ الْكَبِيرُ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوت، ص215.
​(13) الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: الْمُوَافَقَاتُ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، ج2، ص89.
​(14) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ الْثُرَيَّا، ج2، ص145.
______________________________________26_______________________________________

(الْبَابِ الرَّابِعِ) الفقرة التاسعة عشر
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى :
​"بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
​وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَجِيءُ الْأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ تَجِيءُ الصَّدَقَةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّدَقَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ تَجِيءُ الْأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ. ثُمَّ يَجِيءُ الْإِسْلَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ، وَبِكَ أَعْطِي» قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}" (1).
_____________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِالتَّبْوِيبِ:
​عَقَدَ الْمُصَنِّفُ هَذَا التَّبْوِيبَ لِبَيَانِ أَنَّ الْقَبُولَ عِنْدَ اللَّهِ لَا يَدُورُ مَعَ مُجَرَّدِ صُوَرِ الْأَعْمَالِ الْجُزْئِيَّةِ، بَلْ يَدُورُ وُجُودًا وَعَدَمًا مَعَ مِظَلَّةِ (الْإِسْلَامِ) الْعَامَّةِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ صِحَّةِ كُلِّ طَاعَةٍ. فَالْآيَةُ نَصَّتْ عَلَى رَدِّ أَيِّ دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَالْحَدِيثُ جَاءَ مُفَسِّرًا لَهَا؛ حَيْثُ أَوْقَفَ مَنَاطَ الثَّوَابِ (بِكَ آخُذُ وَبِكَ أَعْطِي) عَلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ لَا عَلَى مَجِيءِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مُجَرَّدَيْنِ عَنْهُ، مِمَّا يَجْعَلُ تَرْجَمَةَ الْبَابِ مُطَابِقَةً لِلْأَدِلَّةِ تَمَامًا (2).

​2. مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
​يَرُومُ الشَّيْخُ بَيَانَ "حَصْرِ النَّجَاةِ" فِي الِانْقِيَادِ لِلْإِسْلَامِ بَعْدَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِبْطَالِ زَعْمِ مَنْ يَرَى أَنَّ بَعْضَ الْفَضَائِلِ أَوْ صَالِحِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ تُنْجِيهِمْ، فَأَرَادَ قَطْعَ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِبَيَانِ أَنَّ الْأَعْمَالَ تَبْطُلُ إِذَا فَقَدَتْ أَصْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْخُسْرَانَ الْأُخْرَوِيَّ حَتْمِيٌّ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ غَيْرَهُ دِينًا (3).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْآيَةِ وَالْحَدِيثِ:
​أَمَّا الْآيَةُ: فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ فِيهَا حَرْفُ النَّفْيِ الِاسْتِقْبَالِيِّ الرَّادِعِ (فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)، وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي بُطْلَانِ كُلِّ تَدَيُّنٍ بِغَيْرِ هَذَا الدِّينِ بَعْدَ النَّسْخِ النَّبَوِيِّ.
​وَأَمَّا الْحَدِيثُ: فَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ فِيهِ قَوْلُ الْحَقِّ جَلَّ جَلَالُهُ لِلْإِسْلَامِ: «بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أَعْطِي»؛ فَقَدْ رَتَّبَ الْأَخْذَ (الْعِقَابَ عَلَى التَّرْكِ) وَالْعَطَاءَ (الثَّوَابَ عَلَى الْفِعْلِ) عَلَى وُجُودِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ جَاءَ بِالصَّلَاةِ وَالْصَّدَقَةِ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ سِيَاجِ الْإِسْلَامِ الْعَقَدِيِّ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا نَطَقَتِ الْآيَةُ (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​يَبْتَغِ:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْبُغْيَةِ، وَهِيَ شِدَّةُ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْقَصْدِ، عَلَى وَزْنِ (افْتَعَلَ) لِلْمُبَالَغَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ صَرْفُ الْهِمَّةِ وَالْقَصْدِ التَّامِّ لِتَحْصِيلِ غَايَةٍ مُعَيَّنَةٍ مَعَ تَرْكِ مَا سِوَاهَا (5).
​دِينًا:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنْ دَانَ يَدِينُ، أَيْ خَضَعَ وَذَلَّ، وَتَأْتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ وَالِانْقِيَادِ وَالطَّرِيقَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ النِّظَامُ الِاعْتِقَادِيُّ وَالْعَمَلِيُّ التَّعَبُّدِيُّ الَّذِي يَنْقَادُ لَهُ الْمَرْءُ وَيَتَّخِذُهُ مَنْهَجًا لِحَيَاتِهِ تَقَرُّبًا لِمَعْبُودِهِ (6).
​فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ:
​الِاشْتِقَاقُ: (لَنْ) حَرْفُ نَفْيٍ وَنَصْبٍ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَ(الْقَبُولُ) أَصْلُهُ الرِّضَا بِالشَّيْءِ وَأَخْذُهُ بِالتَّرْحِيبِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ فِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ عَدَمُ تَرَتُّبِ الثَّوَابِ الْأُخْرَوِيِّ عَلَى الْفِعْلِ، وَرَدُّ الْعَمَلِ عَلَى صَاحِبِهِ حَتَّى يَصِيرَ هَبَاءً مَنْثُورًا (7).
​مِنَ الْخَاسِرِينَ:
​الِاشْتِقَاقُ: مِنَ الْخُسْرِ وَالْخُسْرَانِ، وَهُوَ نَقْصُ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ فَقْدُهُ بِالْكُلِّيَّةِ فِي التِّجَارَةِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ أُخْرَوِيًّا: هُوَ مَنْ حُرِمَ نَعِيمَ الْجَنَّةِ الْمُقِيمَ، وَاسْتَحَقَّ خُلُودَ الْجَحِيمِ، فَفَاتَهُ رِبْحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (8).
​بِكَ آخُذُ وَبِكَ أَعْطِي:
​الِاشْتِقَاقُ: الْأَخْذُ هُنَا بِمَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ وَالْعُقُوبَةِ، وَالْعَطَاءُ بِمَعْنَى الْإِثَابَةِ وَالْإِفْضَالِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: جَعْلُ صِفَةِ الْإِسْلَامِ هِيَ الْمِعْيَارَ الْحَصْرِيَّ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ثَوَابُ الطَّائِعِينَ وَعِقَابُ الْخَالِفِينَ، فَلَا عِبْرَةَ بِأَيِّ عَمَلٍ مُجَرَّدٍ عَنْهُ (9).

​[ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ الشَّرِيفَةِ (الْبَغَوِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ)]

​تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الْبَغَوِيِّ (ت: 516هـ) [مِنْ مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ]:
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} أَيْ: مَنْ يَطْلُبْ سِوَى الْإِسْلَامِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ دِينًا لِيَتَدَيَّنَ بِهِ، فَلَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُ، {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} لِأَنَّهُ مَغْبُونٌ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ، فَفَاتَهُ ثَوَابُ اللَّهِ وَحَصَلَ عَلَى عِقَابِهِ. وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَكَانَ قَدِ ارْتَدَّ ثُمَّ تَابَ» (10).

​تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (ت: 774هـ) [مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ]:
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَقُولُ تَعَالَى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} أَيْ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا سِوَى مَا شَرَعَهُ اللَّهُ، فَلَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْهُ، {وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ". وَهَذَا سِيَاقٌ حَاصِرٌ لِجَمِيعِ الْأَدْيَانِ بَعْدَ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَجْرَى الرَّدِّ وَالْبُطْلَانِ إِلَّا دِينَ الْإِسْلَامِ» (11).

​[رَابِعًا: شُرَّاحُ الْحَدِيثِ مِنْ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ وَالْمَشَايِخِ]

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ (ت: 1233هـ):
«قَالَ: مَعْنَى مَجِيءِ الْأَعْمَالِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْ تَجَسُّدُهَا بِقُدْرَةِ اللَّهِ لِتُكَلِّمَ رَبَّهَا، وَمَدْحُ اللَّهِ لِلصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ بِقَوْلِهِ (إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ) ثَنَاءٌ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا، لَكِنَّ التَّقْيِيدَ الْأَخِيرَ لِلْإِسْلَامِ (بِكَ آخُذُ وَبِكَ أَعْطِي) يَقْطَعُ بِأَنَّ كُلَّ فَرْعٍ لَا يَنْفَعُ إِلَّا مَعَ وُجُودِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ وَالْإِسْلَامُ، فَهُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الْمَشْرُوطِ عَقِيدَةً» (12).
​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ (ت: 1293هـ):
«قَالَ: يَتَبَيَّنُ مِنْ هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ مَفْهُومَ الْإِسْلَامِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ فِي الدُّنْيَا، وَيُوجِبُ الْقَبُولَ فِي الْآخِرَةِ، فَالرَّدُّ الْمُطْلَقُ لِمَنْ طَلَبَ غَيْرَهُ يُبْطِلُ مَزَاعِمَ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ ارْتِبَاطَ الظَّاهِرِ بِالْبَاطِنِ فِي صِحَّةِ مَفْهُومِ الدِّينِ» (13).
​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ (حَفِظَهُ اللَّهُ):
«قَالَ فِي شَرْحِهِ: جَعْلُ الْإِسْلَامِ خَاتِمَ الْأَعْمَالِ مَجِيئًا، وَمُخَاطَبَتُهُ لِلرَّبِّ بِقَوْلِهِ (أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الْإِسْلَامُ) تَعْلِيلٌ لِمُرَادِ اللَّهِ، حَيْثُ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى اسْمَهُ السَّلَامَ رَحْمَةً، وَجَعَلَ الدِّينَ الْإِسْلَامَ سَبِيلًا لَهَا. فَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ لَمْ يَنَلْ مِنْ لَفْظِ السَّلَامِ نَصِيبًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَكُونُ هُوَ الْخَاسِرَ حَقًّا كَمَا نَطَقَتِ الْآيَةُ» (14).

​[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(انْقِطَاعُ قَبُولِ كُلِّ عَمَلٍ لَا يَقُومُ عَلَى أَصْلِ التَّوْحِيدِ وَالْإِسْلَامِ، وَأَنَّ الْكُفْرَ مُحْبِطٌ لِلْجِنْسِ لَا لِلْآحَادِ فَقَطْ)
​التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تُقَرِّرُ هَذِهِ الْآيَةُ مَعَ الْحَدِيثِ أَصْلًا عَقَدِيًّا عَظِيمًا هُوَ أَنَّ (الْكُفْرَ) مَانِعٌ مُطْلَقٌ مِنْ قَبُولِ أَيِّ حَسَنَةٍ؛ فَالصَّلَاةُ وَالْصَّدَقَةُ مَعَ فَقْدِ الْإِسْلَامِ تَعُودَانِ عَدَمًا. وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْكَافِرَ قَدْ يَنْتَفِعُ بِبَعْضِ أَعْمَالِ الْبِرِّ فِي الْآخِرَةِ نَجَاةً مِنَ النَّارِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْخَاسِرِينَ خُسْرَانًا كُلِّيًّا يَمْنَعُ قَبُولَ الْفَرْعِ لِفَقْدِ الْأَصْلِ (15).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(النَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الْعُمُومَ الِاسْتِغْرَاقِيَّ)
​التَّأْصِيلُ الْأُصُولِيُّ: جَاءَ لَفْظُ (دِينًا) نَكِرَةً فِي سِيَاقِ شَرْطِ (مَنْ يَبْتَغِ)، فَيَعُمُّ كُلَّ دِينٍ مُخْتَرَعٍ أَوْ مَنْسُوخٍ، سَوَاءٌ كَانَ كِتَابِيًّا أَوْ وَثَنِيًّا، فَدَلَّ أُصُولِيًّا عَلَى اسْتِغْرَاقِ الْبُطْلَانِ لِكُلِّ مِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ النَّبَوِيَّةِ، بِلَا تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ (16).
​3. الضَّابِطُ الْجَامِعُ لِلْقَاعِدَتَيْنِ:
​(كُلُّ طَاعَةٍ فَرْعِيَّةٍ تَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهَا وَقَبُولُهَا الشَّرْعِيُّ عَلَى صِحَّةِ الْأَصْلِ الِاعْتِقَادِيِّ، وَمَفْهُومُ الدِّينِ إِذَا أُطْلِقَ انْحَصَرَ فِي الِانْقِيَادِ لِلرَّسُولِ حَالًا) (17).



​[الْحَاشِيَةُ ]___________________________________________________________________

​(1) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَالتَّشْرِيحُ النَّقْدِيُّ لِلْإِسْنَادِ:
​أَوَّلًا: الْعَزْوُ الْمُسْنَدُ:
​أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (ج14، ص403، رَقْمُ 8769، ط مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ (مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ)، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ، حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ (أَبُو السَّمْحِ)، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ (سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرٍو)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ.
​وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (ج1، ص149، رَقْمُ 259، ط دَارِ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ مَحْبُوبِ بْنِ مُوسَى الْأَنْطَاكِيِّ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ بِهِ. 
وَقَالَ الْحَاكِمُ: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، وَتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ فِي التَّلْخِيصِ بِقَوْلِهِ صَرَاحَةً: «بَلْ دَرَّاجٌ كَثِيرُ الْمَنَاكِيرِ، وَابْنُ لَهِيعَةَ ضَعِيفٌ».
​ثَانِيًا: تَشْرِيحُ الْعِلَلِ وَأَقْوَالِ النُّقَّادِ فِي الرُّوَاةِ:
إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ سَاقِطٌ مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةُ لِذَاتِهِ، وَفِيهِ عِلَّتَانِ مُجْتَمِعَتَانِ مَانِعَتَانِ مِنَ الِاحْتِجَاجِ بِهِ مُفْرَدًا:
​الْعِلَّةُ الْأُولَى (ضَعْفُ ابْنِ لَهِيعَةَ): عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ الْقَاضِي الْبَصْرِيُّ ثُمَّ الْمِصْرِيُّ، خَلَطَ بَعْدَ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ هُنَا أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ (وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ)، وَهُوَ لَيْسَ مِنَ الْعَبَادِلَةِ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ يُقْبَلُ حَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْهُمْ قَبْلَ الِاحْتِرَاقِ، فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ ضَعِيفَةٌ.
​الْعِلَّةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ الْأَشَدُّ قَدْحًا (مَنَاكِيرُ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ): دَرَّاجٌ أَبُو السَّمْحِ، إِذَا رَوَى عَنْ غَيْرِ أَبِي الْهَيْثَمِ فَفِيهِ لِينٌ، أَمَّا إِذَا رَوَى عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ خُصُوصًا فَرِوَايَتُهُ مَنَاكِيرُ لَا تُقْبَلُ عِنْدَ النُّقَّادِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «أَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ». وَقَالَ النَّسَائِيُّ: «مُنْكَرُ الْحَدِيثِ». وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: «فِي حَدِيثِهِ ضَعْفٌ، وَأَحَادِيثُهُ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ مَنَاكِيرُ تُرَدُّ». وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي التَّقْرِيبِ: «صَدُوقٌ، فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ ضَعْفٌ».
​ثَالِثًا: الْحُكْمُ النِّهَائِيُّ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالضَّعْفِ:
بِنَاءً عَلَى هَذَا التَّشْرِيحِ النَّقْدِيِّ الصَّارِمِ، نَحْكُمُ عَلَى الْإِسْنَادِ بِأَنَّهُ: [ضَعِيفٌ جِدًّا بِهَذَا السِّيَاقِ]، لِتَفَرُّدِ دَرَّاجٍ بِهَذِهِ النَّكَارَةِ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ مَعَ انْضِمَامِ ضَعْفِ ابْنِ لَهِيعَةَ إِلَيْهِ.

​رَابِعًا: هَلْ لِلْمَتْنِ شَوَاهِدُ تَجْبُرُهُ؟

​جُمْلَةُ (مَجِيءِ الْأَعْمَالِ وَتَجَسُّدِهَا): لَهَا أَصْلٌ صَحِيحٌ فِي الْجُمْلَةِ مِنْ حَدِيثِ صَاحِبِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ أَنَّهُمَا تَأْتِيَانِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، وَحَدِيثِ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ يَشْفَعَانِ، وَهُوَ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِي مُسْلِمٍ.
​أَمَّا سِيَاقُ الْمُحَاوَرَةِ هَذِهِ (أَنَا الْإِسْلَامُ.. بِكَ آخُذُ وَبِكَ أَعْطِي): فَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، وَلَا شَاهِدَ لَهُ يَرْفَعُهُ، فَلِذَلِكَ يَبْقَى حُكْمُ هَذَا السِّيَاقِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ عَلَى الضَّعْفِ النَّقْدِيِّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الذَّهَبِيُّ، وَالْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ (ج1، ص22)، وَأَقَرَّهُ مُحَقِّقُو الْمُسْنَدِ كَالْأَرْنَؤُوطِ.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ط الرِّسَالَةِ، ج1، ص120.
​(3) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ج1، ص512.
​(4) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج7، ص360.
​(5) الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْقَلَمِ، ص132.
​(6) اِبْنُ مَنْظُورٍ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (د ي ن)، ج5، ص25.
​(7) الْإِمَامُ الْقَرَافِيُّ: تَنْقِيحُ الْفُصُولِ فِي الِاخْتِصَارِ وَالْأُصُولِ، ص78.
​(8) الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، ج6، ص570.
​(9) الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، ج13، ص345.
​(10) الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج2، ص66.
​(11) الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج2، ص72.
​(12) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: الْحَاشِيَةُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ وَفَضْلِ الْإِسْلَامِ (مَخْطُوطٌ)، ص44.
​(13) الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: عُيُونُ الرَّسَائِلِ وَالْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، ج1، ص112.
​(14) الشَّيْخُ صَالِحُ الْفَوْزَانِ: الْإِرْشَادُ إِلَى صَحِيحِ الِاعْتِقَادِ، ص190.
​(15) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج2، ص105.
​(16) الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ: إِرْشَادُ الْفُحُولِ إِلَى تَحْقِيقِ الْحَقِّ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ، ج1، ص322.
​(17) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: الْقَوَاعِدُ وَالْأُصُولُ الْجَامِعَةُ، ص15.
______________________________________27_______________________________________

الفقرة الحادي و عشرين
قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى  :
​تَابِعٌ لِـ "بَابِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}".
​"وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ" (1).
______________________________________

​[أَوَّلًا: الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ، مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ]

​1. الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ بَيْنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ بِالتَّبْوِيبِ:

​تَتَجَلَّى الْعَلَاقَةُ الرَّابِطَةُ فِي "التَّلَازُمِ الْوُجُودِيِّ بَيْنَ كُلِّيَّةِ الدِّينِ وَجُزْئِيَّةِ الْعَمَلِ". فَلَمَّا صَرَّحَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِشَرْطِيَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ لِقَبُولِ الْعَمَلِ كُلِّيًّا، جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ لِيَضَعَ الْقَانُونَ التَّفْصِيلِيَّ لِهَذَا الْقَبُولِ الشَّرْعِيِّ. فَالْإِسْلَامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَعْوَى هَوِيَّةٍ، بَلْ هُوَ حَقِيقَةُ طَاعَةٍ وَمُتَابَعَةٍ؛ فَكَمَا أَنَّ مَنِ ابْتَغَى غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ بِالْآيَةِ حُكْمًا كُلِّيًّا، فَكَذَلِكَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا دَاخِلَ الْإِسْلَامِ لَكِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ سُلْطَانِ شَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ جُزْئِيًّا. فَالْآيَةُ مِيزَانٌ لِلْبَاطِنِ وَالْأَصْلِ، وَالْحَدِيثُ مِيزَانٌ لِلظَّاهِرِ وَالْفَرْعِ (2).

​2. مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ:
​يَقْصِدُ الْمُصَنِّفُ إِقَامَةَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ فِي الدِّينِ، وَكُلَّ عَمَلٍ لَا يَقُومُ عَلَى الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لَا قِيمَةَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، حَتَّى وَإِنْ ظَنَّ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ. فَأَرَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّحْذِيرَ مِنَ الْبِدَعِ وَالْمُخَالَفَاتِ الْعَمَلِيَّةِ وَالِاعْتِقَادِيَّةِ الَّتِي تُخْرِجُ الْعَمَلَ عَنْ صِفَةِ "الْإِسْلَامِ النَّقِيِّ الْمَقْبُولِ" (3).

​3. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْحَدِيثِ:
​يَأْخُذُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مَنْزِلَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ فِي قَوْلِهِ: (لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ). حَيْثُ عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّدَّ وَالْبُطْلَانَ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ الْعَمَلِ عَنْ طَرِيقَةِ الشَّرِيعَةِ وَإِذْنِهَا. فَمَا لَمْ يَشْرَعْهُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فِي شَيْءٍ، وَمَا لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَرْدُودٌ حَتْمًا بِنَصِّ الْآيَةِ الْمُصَدَّرِ بِهَا الْبَابُ (4).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]

​عَمِلَ عَمَلًا:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ وَاللَّامِ، وَهُوَ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى كُلِّ فِعْلٍ يَكُونُ صَادِرًا عَنْ قَصْدٍ وَعَزْمٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِجَوَارِحِ الْبَدَنِ أَوْ بِعَمَلِ الْقَلْبِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ إِيجَادُ الْأَثَرِ عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ مِنْ مُكَلَّفٍ؛ وَبِهَذَا الْحَدِّ يَخْرُجُ فِعْلُ النَّائِمِ، وَالسَّاهِي، وَالْمَجْنُونِ لِعَدَمِ الْقَصْدِ وَالْمَشِيئَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ (5).
​أَمْرُنَا:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَلِفِ وَالْمِيمِ وَالرَّاءِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الشَّأْنُ، وَالطَّرِيقَةُ، وَالنِّظَامُ الشَّرْعِيُّ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ طَلَبِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ قَسِيمُ النَّهْيِ فِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ اصْطِلَاحًا: هُوَ الدِّينُ وَالشَّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ الَّتِي بَعَثَ اللَّهُ بِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ أَمْرًا بِالْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ، أَوْ نَهْيًا عَنِ الْحَرَامِ وَالْمَكْرُوهِ (6).
​رَدٌّ:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّاءِ وَالدَّالِ، وَهُوَ إِرْجَاعُ الشَّيْءِ إِلَى صَاحِبِهِ وَعَدَمُ قَبُولِهِ، وَهُوَ هُنَا مَصْدَرٌ جَاءَ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، أَيْ: مَرْدُودٌ مَرْفُوضٌ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: هُوَ الْعَمَلُ الْبَاطِلُ لَغْوًا الَّذِي لَا يُثَابُ فَاعِلُهُ، وَلَا تَبْرَأُ بِهِ ذِمَّتُهُ، وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَيُّ أَثَرٍ شَرْعِيٍّ مَحْمُودٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (7).

​[ثَالِثًا: شَرْحُ الْحَدِيثِ عِنْدَ جَهَابِذَةِ التَّحْقِيقِ وَالدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ]

​تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي إِبْطَالِ كُلِّ عِبَادَةٍ أَوْ عَقْدٍ لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، لِأَنَّ الشَّارِعَ إِذَا نَفَى أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَدْ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ دِينِهِ، وَمَا لَيْسَ مِنْ دِينِهِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الْعِبَادَاتِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّوْقِيفِ وَالِاتِّبَاعِ، لَا عَلَى الِاسْتِحْسَانِ وَالِاسْتِصْلَاحِ الْعَقْلِيِّ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ» (8).

​تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ (ت: 751هـ):
«قَالَ: كُلُّ عَمَلٍ بِلَا اقْتِدَاءٍ فَهُوَ عَمَلٌ بَاطِلٌ، لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْأَعْمَالِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ صَوَابًا عَلَى سُنَّةِ رَسُولِهِ. فَالْخَالِصُ هُوَ الْمِيزَانُ الْبَاطِنُ لِقَوْلِهِ (إِيَّاكَ نَعْبُدُ)، وَالصَّوَابُ هُوَ الْمِيزَانُ الظَّاهِرُ لِقَوْلِهِ (مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ)» (9).

​تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ وَعُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ قَدِيمًا:
«جَاءَ فِي تَقْرِيرَاتِهِمْ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ سَيْفٌ صَارِمٌ مُسَلَّطٌ عَلَى رِقَابِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْخُرَافَاتِ؛ وَفِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ بِالْمُحْدَثَاتِ فِي الْعَقَائِدِ أَوِ الْأَعْمَالِ هُوَ عَيْنُ الضَّلالِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ رِوَايَةِ (مَنْ أَحْدَثَ) وَرِوَايَةِ (مَنْ عَمِلَ) أَنَّ الثَّانِيَةَ تَعُمُّ مَنْ أَحْدَثَ الْبِدْعَةَ نَفْسَهُ، وَمَنْ قَلَّدَ فِيهَا غَيْرَهُ وَعَمِلَ بِهَا تَبَعًا، فَالْكُلُّ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ مَأْزُورٌ غَيْرُ مَأْجُورٍ» (10).

​تَقْرِيرُ الْمَشَايِخِ حَدِيثًا (كَابْنِ بَازٍ وَالْعُثَيْمِينَ وَالْفَوْزَانِ):
«قَالُوا: الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ حَاكِمَةٌ فِي رَدِّ جَمِيعِ الْبِدَعِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً. وَالْمِيزَانُ الشَّرْعِيُّ هُنَا هُوَ عَرْضُ أَيِّ طَاعَةٍ يَتَعَبَّدُ بِهَا النَّاسُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ فَإِنْ وَافَقَتْهُمَا قُبِلَتْ سَبِيلًا (مَعَ صِحَّةِ النِّيَّةِ)، وَإِنْ خَالَفَتْهُمَا أَوْ صِفَتَهُمَا رُدَّتْ كَائِنًا مَنْ كَانَ قَائِلُهَا أَوْ فَاعِلُهَا» (11).

​[رَابِعًا: التَّشْرِيحُ الْعِلْمِيُّ وَتَقْسِيمُ الْأَعْمَالِ لِلْبَاحِثِ]

​إِنَّ الْأَعْمَالُ الَّتِي يَقُومُ بِهَا الْمُكَلَّفُ تَنْقَسِمُ جِذْرِيًّا إِلَى قِسْمَيْنِ كَبِيرَيْنِ: 
1_أَعْمَالٌ اعْتِقَادِيَّةٌ قَلْبِيَّةٌ 
2_وَأَعْمَالٌ عَمَلِيَّةٌ جَوَارِحِيَّةٌ 
وَالرَّدُّ الْوَارِدُ فِي النَّصِّ يَجْتَاحُ الْقِسْمَيْنِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ وِفْقَ التَّفْصِيلِ النَّثْرِيِّ التَّالِي:

​1. تَقْسِيمُ الْأَعْمَالِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْمَرْدُودَةِ: كُلُّ اعْتِقَادٍ خَالَفَ الصِّرَاطَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ مَرْدُودٌ، وَيَنْقَسِمُ حُكْمُهُ بِالنَّظَرِ إِلَى مَآلِ صَاحِبِهِ إِلَى مَرْتَبَتَيْنِ عِلْمِيَّتَيْنِ:

​أَوَّلًا: أَعْمَالٌ اعْتِقَادِيَّةٌ مُكَفِّرَةٌ: وَهِيَ الِاعْتِقَادَاتُ الَّتِي تَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ تَمَامًا وَتُحْبِطُ جِمَاعَ الْأَعْمَالِ، كَاعْتِقَادِ وُجُودِ شَرِيكٍ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِي رُبُوبِيَّتِهِ أَوْ أُلُوهِيَّتِهِ، أَوْ جَحْدِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ صَرْفِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ أَوِ الْعَمَلِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ. فَهَذِهِ الِاعْتِقَادَاتُ رَدٌّ بِالْكُلِّيَّةِ، وَيَكُونُ صَاحِبُهَا خَارِجًا مِنَ الْمِلَّةِ خَالِدًا فِي النَّارِ (12).

​ثَانِيًا: أَعْمَالٌ اعْتِقَادِيَّةٌ مُفَسِّقَةٌ (بِدَعٌ غَيْرُ مُكَفِّرَةٍ): وَهِيَ الِاعْتِقَادَاتُ الَّتِي خَالَفَتْ صَرِيحَ السُّنَّةِ فِي التَّفَاصِيلِ وَالْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ دُونَ أَنْ تَهْدِمَ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَمُسَمَّى الْإِسْلَامِ، كَبِدَعِ الْخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْكَبَائِرِ دُونَ اسْتِحْلَالٍ، أَوْ رَأْيِ الْأَشَاعِرَةِ فِي تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، أَوْ بِدْعَةِ الْقَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ لِلْمَرَاتِبِ الدُّنْيَا مِنَ الْقَدَرِ. فَهَذِهِ الِاعْتِقَادَاتُ رَدٌّ بَاطِلَةٌ يَأْثَمُ صَاحِبُهَا وَيُفَسَّقُ بِهَا، لَكِنَّهَا لَا تُخْرِجُهُ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ هُوَ ضَالٌّ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ الشَّرْعِيَّةِ (13).

​2. تَقْسِيمُ الْأَعْمَالِ الْجَوَارِحِيَّةِ (الْأَحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ الْخَمْسَةُ):

​تَدُورُ أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ وَفْقَ أَمْرِ الشَّارِعِ وَشَرْعِهِ عَلَى خَمْسِ قَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ تُبَيِّنُ مَاهِيَّةَ الْعَمَلِ وَأَثَرَ الرَّدِّ فِيهِ:

​أَوَّلًا: الْفَرْضُ (وَيَنْقَسِمُ إِلَى فَرْضِ عَيْنٍ وَفَرْضِ كِفَايَةٍ):
​حَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَالْحَتْمِ بِحَيْثُ يُعَاقَبُ تَارِكُهُ وَيُثَابُ فَاعِلُهُ.
​مِثَالُهُ الشَّرْعِيُّ: 

1_ (فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ) مثال  صَلَاةُ الظُّهْرِ وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ 

2_  (فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَاقِينَ) وَمثاله صَلَاةُ الْجَنَازَةِ وَالْجِهَادُ الْكِفَائِيُّ.

​أَثَرُ الرَّدِّ فِيهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ: إِذَا أُدِّيَ الْفَرْضُ عَلَى غَيْرِ شُرُوطِهِ وَأَرْكَانِهِ الشَّرْعِيَّةِ (كَصَلَاةٍ بِلَا طُهُورٍ عَمْدًا) كَانَ الْعَمَلُ بَاطِلًا مَرْدُودًا لَا تَبْرَأُ بِهِ الذِّمَّةُ وَأَثِمَ فَاعِلُهُ لِعَدَمِ امْتِثَالِهِ الْأَمْرَ كَمَا شُرِعَ.

​ثَانِيًا: الْوَاجِبُ:

​حَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مُرَادِفٌ لِلْفَرْضِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ (مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا وَيُسْتَحَقُّ الْعِقَابُ لِتَارِكِهِ)، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِقَطْعِيَّةِ الدَّلِيلِ وَظَنِّيَّتِهِ (14).
​مِثَالُهُ الشَّرْعِيُّ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ، وَأَدَاءُ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الصَّلَاةِ.
​أَثَرُ الرَّدِّ فِيهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ: تَرْكُهُ أَوْ إِيقَاعُهُ عَلَى صِفَةٍ مُحْدَثَةٍ يُعَدُّ رَدًّا وَمُخَالَفَةً ظَاهِرَةً يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهَا الْعِقَابَ، وَالْعَمَلُ الْمَبْنِيُّ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ الصَّلَاتِيِّ مَثَلًا يَكُونُ رَدًّا بَاطِلًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ.

​ثَالِثًا: الْمَنْدُوبُ (أَوِ الْمُسْتَحَبُّ وَالْمَنْدُوبُ تَرَادُفَا):

​حَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَالْحَتْمِ، بِحَيْثُ يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا وَلَا يُعَاقَبُ تَارِكُهُ.
​مِثَالُهُ الشَّرْعِيُّ: صَلَاةُ الضُّحَى، وَقِيَامُ اللَّيْلِ، وَأَدَاءُ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ.
​أَثَرُ الرَّدِّ فِيهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ: يَكُونُ مَقْبُولًا مُثَابًا عَلَيْهِ إِذَا وَافَقَ أَصْلَ السُّنَّةِ، أَمَّا إِذَا أُحْدِثَتْ فِي هَذَا الْمَنْدُوبِ صِفَةٌ زَمَانِيَّةٌ أَوْ مَكَانِيَّةٌ أَوْ جَمَاعِيَّةٌ مُبْتَدَعَةٌ لَمْ يَأْذَنْ بِهَا الشَّارِعُ (كَالِاجْتِمَاعِ لِصَلَاةِ الضُّحَى جَمَاعَةً رَاتِبَةً دَائِمَةً)، فَتِلْكَ الصِّفَةُ الْمُحْدَثَةُ رَدٌّ وَبَاطِلَةٌ لَا يُثَابُ عَلَيْهَا.

​رَابِعًا: الْمَكْرُوهُ:
​حَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَا نَهَى عَنْهُ الشَّارِعُ لَا عَلَى وَجْهِ الْإِلْزَامِ وَالْحَتْمِ، بِحَيْثُ يُثَابُ تَارِكُهُ امْتِثَالًا وَلَا يُعَاقَبُ فَاعِلُهُ.
​مِثَالُهُ الشَّرْعِيُّ: الِالْتِفَاتُ الْيَسِيرُ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ بِالشِّمَالِ.
​أَثَرُ الرَّدِّ فِيهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ: هَذَا الْفِعْلُ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّارِعِ التَّامُّ الرَّاضِي عَنْهُ، لَكِنَّ ارْتِكَابَهُ لَا يَعْنِي رَدَّ الْعِبَادَةِ كُلِّيًّا وَلَا إِبْطَالَهَا، بَلْ يَنْقُصُ ثَوَابَهَا وَيَخْدِشُ كَمَالَهَا الْمَشْرُوعَ.

​خَامِسًا: الْمُبَاحُ:
​حَدُّهُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ لِذَاتِهِ، وَهُوَ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ دُونَ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ ذَاتِيٍّ.
​مِثَالُهُ الشَّرْعِيُّ: التَّفَكُّهُ بِأَنْوَاعِ الْأَطْعِمَةِ، وَالنَّوْمُ فِي غَيْرِ أَوْقَاتِ الْفَرَائِضِ، وَشِرَاءُ الثِّيَابِ الْمُتَنَوِّعَةِ.
​أَثَرُ الرَّدِّ فِيهِ عِنْدَ الْمُخَالَفَةِ: الْمُبَاحُ لِذَاتِهِ لَا يَدْخُلُهُ الْقَبُولُ وَلَا الرَّدُّ التَّكْلِيفِيَّانِ، لَكِنَّهُ يَتَقَلَّبُ بِالنِّيَّةِ وَالْمَقَاصِدِ؛ فَإِذَا صَارَ الْمُبَاحُ ذَرِيعَةً لِمُحَرَّمٍ كَانَ مَرْدُودًا سَيِّئًا، وَإِذَا نَوَى بِهِ التَّقَوِّيَ عَلَى الطَّاعَةِ انْقَلَبَ مَقْبُولًا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ فَالْعَادَاتُ تَنْقَلِبُ إِلَى عِبَادَاتٍ بِالْمَقَاصِدِ الصَّالِحَةِ.

​[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(كُلُّ تَدَيُّنٍ أَوْ تَقَرُّبٍ لَمْ يَقُمْ عَلَى النَّصِّ وَالِاتِّبَاعِ فَهُوَ تَقَرُّبٌ طَاغُوتِيٌّ مُحْدَثٌ، وَالِاتِّبَاعُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ مُسَمَّى الْإِيمَانِ الْعَمَلِيِّ)
​التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ مَقَامَ التَّوْحِيدِ لَا يَكْتَمِلُ وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِتَوْحِيدِ الْمُتَابَعَةِ الصَّارِمَةِ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَمَنْ جَاءَ بِعَمَلٍ اعْتِقَادِيٍّ أَوْ جَوَارِحِيٍّ لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِمَتْبُوعِهِ حَقَّ التَّشْرِيعِ مَعَ اللَّهِ، وَهَذَا يُصَادِمُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ فِي جَانِبِ الْحَاكِمِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِ (15).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ: ​(النَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَالْبُطْلَانَ الْمُطْلَقَ)
​التَّأْصِيلُ الْأُصُولِيُّ: إِنَّ لَفْظَ الشَّرْطِ النَّبَوِيِّ (لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا) يَتَضَمَّنُ نَفْيًا مُطْلَقًا لِلْمَشْرُوعِيَّةِ، وَهُوَ أَعْلَى مَرَاتِبِ النَّهْيِ الْأُصُولِيِّ. وَالْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ الْمُسْتَقِرَّةُ تَقْضِي بِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ عِبَادِيٍّ أَوْ عَقْدٍ شَرْعِيٍّ نُهِيَ عَنْهُ لِذَاتِهِ أَوْ لِوَصْفِهِ اللَّازِمِ، فَإِنَّ النَّهْيَ فِيهِ يُوجِبُ فَسَادَهُ كُلِّيًّا (أَيْ كَوْنَهُ رَدًّا لَغْوًا) فَلَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَيُّ آثَارٍ شَرْعِيَّةٍ (16).
​3. الرَّابِطُ الْجَامِعُ لِلْقَاعِدَتَيْنِ:
​(أَنَّ الْبُطْلَانَ الْأُصُولِيَّ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِلْعَمَلِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ، هُوَ عَيْنُ الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ الْعَقَدِيِّ فِي الْآخِرَةِ؛ فَالْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ خَادِمَةٌ وَسِيلِيَّةٌ لِتَحْقِيقِ صِحَّةِ الْعَقِيدَةِ وَحِمَايَتِهَا مِنَ الِانْحِرَافِ) (17).

​[الْحَاشِيَةُ ]______________________________________

​(1) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ وَالتَّشْرِيحُ النَّقْدِيُّ، وَمَوْقِفُ الشَّيْخِ مِنَ الْعَزْوِ:
​أَوَّلًا: مَظَانُّ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا:
​الْحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، لَكِنَّ بَيْنَهُمَا تَفْصِيلًا نَقْدِيًّا فِي اللَّفْظِ وَالسِّيَاقِ:
​أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، رَقْمُ 2697) بِلَفْظِ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
​وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، رَقْمُ 1718) حَيْثُ سَاقَ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ أَوَّلًا «مَنْ أَحْدَثَ...» مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، ثُمَّ أَدْرَفَهَا مُبَاشَرَةً بِاللَّفْظِ الَّذِي سَاقَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِهِ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ». فَاللَّفْظُ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ هُوَ [مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ] فِي الصَّحِيحِ.
​أَمَّا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فَقَدْ أَخْرَجَهُ فِي مُسْنَدِهِ (ج42، ص288، رَقْمُ 25381) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ بِاللَّفْظَيْنِ مَعًا مَوْصُولَيْنِ سِيَاقًا وَاحِدًا.
​ثَانِيًا: هَلْ صَوَّبَ الشَّيْخُ الْمُجَدِّدُ الْحُكْمَ فِي عَزْوِهِ لِأَحْمَدَ؟
​الْجَوَابُ النَّقْدِيُّ التَّحْقِيقِيُّ: نَعَمْ، الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ صَائِبٌ تَمَامًا وَلَمْ يَكُنْ وَاهِمًا، بَلْ جَرَى فِي ذَلِكَ عَلَى صَنِيعِ جَهَابِذَةِ الْحُفَّاظِ (كَالْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيِّ فِي جَامِعِ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ)؛ حَيْثُ إِنَّ لَفْظَ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا...» هُوَ تَعْلِيقٌ أَوْ رِوَايَةٌ مُدْرَجَةٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي سِيَاقِ طُرُقِهِ، لَكِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ سَاقَهُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ مَوْصُولٍ صَرِيحٍ مَسْرُودٍ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
​فَعِنْدَمَا قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَفِي الصَّحِيحِ... رَوَاهُ أَحْمَدُ"، فَالْوَاوُ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ أَوِ الْعَطْفِ الْبَيَانِيِّ، أَيْ: أَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ، وَهَذَا اللَّفْظُ التَّامُّ بِعَيْنِهِ رَوَاهُ أَحْمَدُ مَوْصُولًا مَرْفُوعًا. وَقَدْ تَقَعُ بَعْضُ التَّصْحِيفَاتِ فِي النُّسَخِ بِسَقْطِ حُرُوفِ الْعَطْفِ مِمَّا يُوهِمُ الْتِبَاسًا، لَكِنَّ الْعَزْوَ لِأَحْمَدَ صَحِيحٌ مُحَقَّقٌ لِأَنَّهُ صَاحِبُ السِّيَاقِ الْأَتَمِّ لِهَذِهِ اللَّفْظَةِ الْعَظِيمَةِ.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ فِي شَرْحِ خَمْسِينَ حَدِيثًا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، طَبْعَةُ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، ج1، ص176.
​(3) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج2، ص611.
​(4) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، ج2، ص80.
​(5) اِبْنُ مَنْظُورٍ الأنْصَارِيُّ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (ع م ل)، دَارُ صَادِرٍ، ج9، ص240.
​(6) الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْقَلَمِ، ص89.
​(7) الْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ: الْفُرُوقُ (أَنْوَارُ الْبُرُوقِ فِي أَنْوَاءِ الْفُرُوقِ)، دَارُ عَالَمِ الْكُتُبِ، ج2، ص102.
​(8) شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج18، ص240.
​(9) الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ج3، ص40.
​(10) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص201.
​(11) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، دَارُ الثُّرَيَّا لِلنَّشْرِ، ص112.
​(12) الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ آلِ الشَّيْخِ: مِصْبَاحُ الظَّلَامِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَعْمَى الْأَنَامَ، ص88.
​(13) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ وَبَيَانُ مَا يُضَادُّهَا، ص76.
​(14) الْإِمَامُ سَيْفُ الدِّينِ الْآمِدِيُّ: الْإِحْكَامُ فِي أُصُولِ الْأَحْكَامِ، ج1، ص95.
​(15) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ النَّجْدِيُّ: الضِّيَاءُ الشَّارِقُ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ الْمَاذِقِ الْمَارِقِ، ص143.
​(16) الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ: رَوْضَةُ النَّاظِرِ وَجُنَّةُ الْمُنَاظِرِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، ج2، ص55.
​(17) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: طَرِيقُ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ الْمَأْمُولِ بِمَعْرِفَةِ الْقَوَاعِدِ وَالضَّوَابِطِ وَالْأُصُولِ، ص42.
______________________________________28_______________________________________

٢٢_ الفقرة الثانية و عشرين 

قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي (كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ):

​"بَابُ وُجُوبِ الِاسْتِغْنَاءِ بِمُتَابَعَةِ الْكِتَابِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ"

​وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} سُورَةِ النَّحْلِ (الْآيَةُ 89)(1).

__________________________________________________________________________

​[أَوَّلًا: مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ]

​1. مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ مِنَ التَّبْوِيبِ:

​يَقْصِدُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذَا الْبَابِ تَقْرِيرَ أَصْلٍ عَقَدِيٍّ وَعَمَلِيٍّ صَارِمٍ، وَهُوَ أَنَّ مَصْدَرَ التَّلَقِّي وَالْهِدَايَةِ وَالتَّشْرِيعِ مُنْحَصِرٌ فِي الْوَحْيِ (الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُبَيِّنَةِ لَهُ). فَطَالَمَا أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ رَضِيَ بِالْإِسْلَامِ دِينًا، فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا أَنْ يَكْتَفِيَ بِالْقُرْآنِ وَمُتَابَعَتِهِ عَنْ كُلِّ مَذْهَبٍ، أَوْ فَلْسَفَةٍ، أَوْ قَانُونٍ، أَوْ كَلَامٍ بَشَرِيٍّ، أَوْ كُتُبٍ سَابِقَةٍ مَنْسُوخَةٍ أَوْ مُحَرَّفَةٍ. فَالِاسْتِغْنَاءُ بِالْكِتَابِ هُوَ عَيْنُ تَحْقِيقِ الِاسْتِسْلَامِ لِلَّهِ (2).

​2. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ:

​وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ يَكْمُنُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ}؛ وَالْعُمُومُ هُنَا مُسْتَفَادٌ مِنْ نَكِرَةِ (تِبْيَانًا) فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ الْمَوْصُوفَةِ بِالْمُضَافِ إِلَى الْعُمُومِ (كُلِّ شَيْءٍ). فَإِذَا كَانَ الْقُرْآنُ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهِ كُلَّ مَا يَحْتَاجُهُ الْبَشَرُ مِنْ أُصُولِ الْعَقِيدَةِ، وَشَرَائِعِ الْأَحْكَامِ، وَمَعَالِمِ الْهِدَايَةِ، وَأَخْبَارِ الْغَيْبِ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْهِدَايَةِ أَوْ التَّشْرِيعِ فِي غَيْرِهِ يُعَدُّ طَعْنًا ضِمْنِيًّا فِي كَمَالِ هَذَا الْبَيَانِ الرَّبَّانِيِّ. وَمَا كَانَ كَامِلًا مُبَيِّنًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَجَبَ عَقْلًا وَشَرْعًا الِاسْتِغْنَاءُ بِهِ عَمَّا سِوَاهُ مِنَ النَّوَاقِصِ (3).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]

  • الْوُجُوبُ:
    • الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَاوِ وَالْجِيمِ وَالْبَاءِ، وَهُوَ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى السُّقُوطِ وَالثُّبُوطِ، يُقَالُ: وَجَبَ الْحَائِطُ إِذَا سَقَطَ وَثَبَتَ فِي مَكَانِهِ.
    • الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ اصْطِلَاحًا: هُوَ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ فِعْلَهُ مِنَ الْمُكَلَّفِ طَلَبًا جَازِمًا، بِحَيْثُ يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا وَيُسْتَحَقُّ الْعِقَابُ لِتَارِكِهِ مُطْلَقًا (4).
  • الْاسْتِغْنَاءُ:
    • الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْغَيْنِ وَالنُّونِ وَالْيَاءِ، وَالْأَلِفُ وَالسِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ وَالطَّلَبِ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى الْآخَرِينَ.
    • الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا: هُوَ اكْتِفَاءُ الْمُكَلَّفِ بِالْوَحْيِ الْمَعْصُومِ فِي بَابِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، بِحَيْثُ تَنْقَطِعُ حَاجَتُهُ النَّفْسِيَّةُ وَالْعِلْمِيَّةُ عَنِ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَصَادِرِ التَّلَقِّي الْبَشَرِيَّةِ (5).
  • تِبْيَانًا:
    • الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَاءِ وَالْيَاءِ وَالنُّونِ، وَهُوَ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى انْكِشَافِ الشَّيْءِ وَوُضُوحِهِ وَتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ، وَ(تِبْيَانٌ) مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ تِفْعَالٍ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمَصَادِرِ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ بِكَسْرِ التَّاءِ إِلَّا لَفْظَتَانِ: التِّبْيَانُ وَالتِّقْصَارُ.
    • الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ تَفْسِيرًا: هُوَ الْإِيضَاحُ الْكَامِلُ الْكَاشِفُ لِلْحَقَائِقِ الَّذِي لَا يَتْرُكُ مَعَهُ لَبْسًا وَلَا غُمُوضًا فِي أُمُورِ الدِّينِ مَعْرِفَةً وَتَطْبِيقًا (6).

​[ثَالِثًا: شَرْحُ الْآيَةِ عِنْدَ جَهَابِذَةِ التَّحْقِيقِ وَالدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ]

  • تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ): «قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: الْقُرْآنُ بَيَّنَ كُلَّ شَيْءٍ، إِمَّا بِنَصِّهِ الصَّرِيِحِ، وَإِمَّا بِإِحَالَتِهِ عَلَى السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ الَّتِي أَمَرَ بِاتِّبَاعِهَا، وَإِمَّا بِإِرْشَادِهِ إِلَى الْأَقْيِسَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَالِاعْتِبَارِ. فَلَيْسَ هُنَاكَ حَقِيقَةٌ نَافِعَةٌ لِلْعِبَادِ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ إِلَّا وَفِي الْكِتَابِ دَلَالَةٌ عَلَيْهَا؛ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ نَاقِصَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَكْمِلَةٍ مِنْ آرَاءِ الرِّجَالِ فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ الْكِتَابِ» (7).
  • تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ (ت: 751هـ): «قَالَ: جَعَلَ اللَّهُ كِتَابَهُ كَافِيًا لِعِبَادِهِ، شَافِيًا لِصُدُورِهِمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إِلَى غَيْرِهِ. وَالِاسْتِغْنَاءُ بِهِ فَرْعٌ عَنْ مَعْرِفَةِ كَمَالِهِ؛ فَالْقَلْبُ كُلَّمَا عَظُمَتْ فِيهِ مَعْرِفَةُ الْقُرْآنِ، انْقَطَعَتْ رَغْبَتُهُ عَنْ طَلَبِ الْهُدَى فِي كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ أَوْ أَهْلِ الْكَلَامِ، لِأَنَّ التِّبْيَانَ الْإِلَهِيَّ يُعْطِي الْيَقِينَ، وَغَيْرُهُ لَا يُورِثُ إِلَّا الشَّكَّ» (8).
  • تَقْرِيرُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ قَدِيمًا: «قَالُوا: مَقْصُودُ هَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِبْطَالُ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَكْفِي لِمَعْرِفَةِ الْعَقَائِدِ، فَيَلْجَأُونَ إِلَى مَنْطِقِ الْيُونَانِ أَوْ آرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَالْآيَةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ سَعْيَهُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّاهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، فَمَنِ اسْتَبْدَلَ بِهِ غَيْرَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْكِفَايَةِ، وَوَقَعَ فِي شَرَكِ الِابْتِدَاعِ وَالْخُرُوجِ عَنْ مِلَّةِ الِاتِّبَاعِ» (9).
  • تَقْرِيرُ الْمَشَايِخِ حَدِيثًا (كَابْنِ بَازٍ وَالْعُثَيْمِينَ وَالْفَوْزَانِ): «أَكَّدُوا أَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ بِالْكِتَابِ يَعْنِي أَيْضًا الِاسْتِغْنَاءَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، لِأَنَّ السُّنَّةَ وَحْيٌ مَشْرُوعٌ بِأَمْرِ الْكِتَابِ. وَحَذَّرُوا مِنَ الدَّعَاوَى الْحَدِيثَةِ الَّتِي تُرِيدُ تَنْحِيَةَ الشَّرِيعَةِ بِحُجَّةِ عَدَمِ اسْتِيعَابِهَا لِلْمُسْتَجِدَّاتِ؛ فَالْآيَةُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ كُلَّ نَازِلَةٍ فِيهَا حُكْمٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمَهُ مَنْ عِلْمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ» (10).

​[رَابِعًا: التَّشْرِيحُ الْعِلْمِيُّ وَتَقْسِيمُ طُرُقِ "التِّبْيَانِ" فِي الْقُرْآنِ]

​إِنَّ دَلَالَةَ الْكِتَابِ كَوْنَهُ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ لَا تَعْنِي أَنَّ كُلَّ جُزْئِيَّةٍ حِسِّيَّةٍ مَذْكُورَةٌ بِاسْمِهَا وَحُرُوفِهَا، بَلْ إِنَّ هَذَا التِّبْيَانَ يَنْقَسِمُ نَثْرِيًّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَارِقَ عِلْمِيَّةٍ رَئِيسَةٍ:

  • أَوَّلًا: التِّبْيَانُ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ الْقَاطِعِ: وَهُوَ مَا نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى حُكْمِهِ بِالْعَيْنِ وَاللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَمِثَالُهُ فِي الْعَقَائِدِ: تَوْحِيدُ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَإِثْبَاتُ صِفَاتِ كَمَالِهِ. وَمِثَالُهُ فِي الْأَحْكَامِ: تَحْرِيمُ الرِّبَا، وَتَحْرِيمُ الزِّنَا، وَالْفَوَاحِشِ، وَتَفْصِيلُ أَنْصِبَةِ الْمَوَارِيثِ. فَهَذَا تِبْيَانٌ مُبَاشِرٌ لَا عُذْرَ لِمُكَلَّفٍ فِي جَهْلِهِ أَوْ تَرْكِ الِاسْتِغْنَاءِ بِهِ (11).
  • ثَانِيًا: التِّبْيَانُ بِالْإِحَالَةِ الْآمِرَةِ عَلَى السُّنَّةِ: وَهُوَ مَا لَمْ يَذْكُرِ الْقُرْآنُ تَفَاصِيلَ أَحْكَامِهِ الْعَمَلِيَّةِ، لَكِنَّهُ وَضَعَ الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ بِوُجُوبِ طَاعَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَخْذِ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}. فَتَكُونُ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ بِجَمِيعِ أَحْكَامِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ (كَأَعْدَادِ رَكَعَاتِ الصَّلَوَاتِ، وَمَقَادِيرِ الزَّكَاةِ، وَمَنَاسِكِ الْحَجِّ) دَاخِلَةً ضِمْنًا تَبَعًا فِي كَوْنِ الْقُرْآنِ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ بِهَذِهِ الْإِحَالَةِ الْعَاصِمَةِ (12).
  • ثَالِثًا: التِّبْيَانُ بِالْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَقْيِسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَجِدَّاتِ وَالنَّوَازِلِ الَّتِي تَحْدُثُ عَبْرَ الْأَزْمِنَةِ؛ حَيْثُ وَضَعَ الْقُرْآنُ لَهَا كُلِّيَّاتٍ جَامِعَةً تَنْدَرِجُ تَحْتَهَا أَلْفُ جُزْئِيَّةٍ، كَقَاعِدَةِ: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ}، وَقَاعِدَةِ نَفْيِ الْحَرَجِ. فَعَنْ طَرِيقِ هَذِهِ الْقَوَاعِدِ وَإِلْحَاقِ النَّظِيرِ بِنَظِيرِهِ (الْقِيَاسِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ)، يَبْقَى الْكِتَابُ تِبْيَانًا لِكُلِّ نَازِلَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَيَسْتَغْنِي بِهِ الْفَقِيهُ عَنِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ (13).

​[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:

(كَمَالُ الرِّضَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا مَشْرُوطٌ بِالِانْقِيَادِ لِكَمَالِ الْوَحْيِ عِلْمًا وَعَمَلًا، وَطَلَبُ الْهِدَايَةِ فِي غَيْرِهِ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الشِّرْكِ التَّشْرِيعِيِّ)


  • التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تُقَرِّرُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ أَنَّ الِاعْتِقَادَ بِعَدَمِ كِفَايَةِ الْقُرْآنِ، أَوْ جَوَازِ الِالْتِفَاتِ إِلَى كُتُبِ أَهْلِ الْبَاطِلِ وَالْفَلَاسِفَةِ لِتَحْصِيلِ الْيَقِينِ الْعَقَدِيِّ، هُوَ مَثَلَمَةٌ فِي تَوْحِيدِ الْعَبْدِ. فَطَلَبُ الْهُدَى مِنْ غَيْرِ مَشْكَاةِ الْوَحْيِ جُحُودٌ لِنِعْمَةِ الْإِسْلَامِ الْكَامِلِ (14).

​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:

(الْعُمُومُ فِي مَقَامِ الِامْتِنَانِ يَقْتَضِي قَطْعِيَّةَ الِاسْتِيعَابِ، وَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ إِلَّا بِنَصٍّ مَعْصُومٍ آخَرَ)


  • التَّأْصِيلُ الْأُصُولِيُّ: لَمَّا سَاقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَفْظَ {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ عَلَى عِبَادِهِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، دَلَّ ذَلِكَ أُصُولِيًّا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مُسْتَوْعِبٌ لِجَمِيعِ أَبْوَابِ الدِّينِ تَعْرِيفًا وَإِرْشَادًا؛ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ سُلْطَانِهِ وَدَلَالَتِهِ أَيُّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ يَحْتَاجُهُ الْبَشَرُ (15).

​3. الرَّابِطُ الْجَامِعُ لِلْقَاعِدَتَيْنِ:

(أَنَّ الِاسْتِيعَابَ الْأُصُولِيَّ لِدَلَالَاتِ الْكِتَابِ، هُوَ الْمُوجِبُ الشَّرْعِيُّ لِلِاسْتِغْنَاءِ الْعَقَدِيِّ عَمَّا سِوَاهُ، فَمَنْ رَأَى الْكِفَايَةَ أُصُولًا، تَحَقَّقَ لَهُ الِاسْتِغْنَاءُ عَقِيدَةً) (16).


​[الْحَاشِيَةُ ]__________________________________________________________________

  • (1) تَخْرِيجُ الْآيَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَسِيَاقُهَا:
    • ​الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مَذْكُورَةٌ فِي سُورَةِ النَّحْلِ (الْآيَةُ 89).
    • ​وَسِيَاقُهَا التَّامُّ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}.
    • ​وَالْإِعْجَازُ النَّقْدِيُّ التَّفْسِيرِيُّ هُنَا يَرْتَبِطُ بِتَقْدِيمِ صِفَةِ (تِبْيَانًا) عَلَى صِفَاتِ الِاهْتِدَاءِ وَالرَّحْمَةِ؛ لِأَنَّ انْكِشَافَ الْحَقِ وَالْبَيَانِ الشَّرْعِيِّ هُوَ السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِحُصُولِ الْهِدَايَةِ النَّفْسِيَّةِ، ثُمَّ تَرَتُّبِ الرَّحْمَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، ثُمَّ نَيْلِ الْبُشْرَى لِأَهْلِ الِاسْتِسْلَامِ وَالْمُتَابَعَةِ.
  • (2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، طَبْعَةُ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، ج2، ص210.
  • (3) الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ: الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ، دَارُ الْعَالَمِ لِلْكُتُبِ، ج10، ص164.
  • (4) الْإِمَامُ الْإِسْنَوِيُّ: نِهَايَةُ السُّولِ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الْأُصُولِ، ج1، ص72.
  • (5) اِبْنُ مَنْظُورٍ الأنْصَارِيُّ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (غ ن ي)، دَارُ صَادِرٍ، ج15، ص135.
  • (6) أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ: تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، ج15، ص66.
  • (7) شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج13، ص341.
  • (8) الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، ج1، ص485.
  • (10) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: فَتْحُ الْمَجِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص245.
  • (11) الشَّيْخُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَازٍ: مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَمَقَالَاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ، ج3، ص190.
  • (12) الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: جَامِعُ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، ج17، ص278.
  • (13) الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الشَّاطِبِيُّ: الْمُوَافَقَاتُ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ عَفَّانَ، ج3، ص214.
  • (14) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ النَّجْدِيُّ: الْأَسِنَّةُ الْحِدَادُ فِي رَدِّ شُبُهَاتِ عَلَوِيٍّ الْحَدَّادِ، ص99.
  • (15) الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: الْمَحْصُولُ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ، ج2، ص114.
  • (16) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ: الْقَوَاعِدُ الْحِسَانُ لِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، ص12.

__________________________________29________________________________________

​قَالَ الْمُؤَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي (كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ):
​تَابِعٌ لِـ "بَابِ وُجُوبِ الِاسْتِغْنَاءِ بِمُتَابَعَةِ الْكِتَابِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ".
​"وَرَوْى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَأَى فِي يَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَقَةً مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: «أَمُتَهَوِّكُونَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟! لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا وَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»، فَقَالَ عُمَرُ: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا" (1).
___________________________________________________________

​[أَوَّلًا: الْمَقْصُودُ الْعِلْمِيُّ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْأَثَرِ]

​1. مَقْصُودُ الْمُصَنِّفِ مِنَ السِّيَاقِ:
​يُرِيدُ الْإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يَقْطَعَ مَادَّةَ الِالْتِفَاتِ عَنِ الْوَحْيِ الْمُحْكَمِ نِهَائِيًّا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الْإِنْكَارُ النَّبَوِيُّ الشَّدِيدُ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْفَارُوقِ عُمَرَ (الْمُحَدَّثِ الْمُلْهَمِ) حِينَ طَالَعَ كِتَابًا هُوَ فِي أَصْلِهِ وَحْيٌ إِلَهِيٌّ مُنَزَّلٌ (التَّوْرَاةُ) قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهُ التَّحْرِيفُ كُلِّيًّا، فَكَيْفَ بِمَنْ يَلْتَفِتُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ إِلَى كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ، أَوْ آرَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ، أَوْ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ، أَوْ خُرَافَاتِ الصُّوفِيَّةِ؟! إِنَّ هَذَا التَّحْذِيرَ يَكُونُ فِيهَا مِنْ بَابِ أَوْلَى وَأَحْرَى (2).

​2. وَجْهُ اسْتِدْلَالِ الْمُصَنِّفِ بِالْأَثَرِ:
​يَقُومُ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ وَالْمَنْطُوقِ مَعًا فِي الْأَثَرِ الشَّرِيفِ. أَمَّا الْمَنْطُوقُ فَهُوَ قَوْلُهُ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي نَسْخِ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ، وَأَنَّ رِسَالَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُهَيْمِنَةٌ اسْتِيعَابِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ الشَّرَاكَةَ مَعَ غَيْرِهَا. وَأَمَّا الْمَفْهُومُ فَهُوَ أَنَّ التَّهَوُّكَ وَالضَّلَالَ مَنُوطٌ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ مَحْضِ الْمُتَابَعَةِ لِلْمُصْطَفَى وَلَوْ كَانَ الْمَتْبُوعُ نَبِيًّا كَلِيمًا كَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمِيًّا وُجُوبُ الِاسْتِغْنَاءِ التَّامِّ بِالْقُرْآنِ (3).

​[ثَانِيًا: قَامُوسُ الْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ)]
​أَمُتَهَوِّكُونَ:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْهَاءِ وَالْوَاوِ وَالْكَافِ (هَوَكَ)، وَالْهَوْكُ فِي اللُّغَةِ يَدُلُّ عَلَى السُّقُوطِ فِي الشَّيْءِ مَعَ حَيْرَةٍ وَاضْطِرَابٍ، وَتَهَوَّكَ الرَّجُلُ إِذَا وَقَعَ فِي الْأَمْرِ بِلَا بَصِيرَةٍ، وَالْهَمْزَةُ فِي أَوَّلِ الْكَلِمَةِ لِلْإِنْكَارِ التَّوْبِيخِيِّ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ اصْطِلَاحًا شَرْعِيًّا: هُوَ التَّحَيُّرُ وَالِاضْطِرَابُ فِي طَلَبِ الْحَقِّ مِنْ غَيْرِ مَظَانِّهِ الشَّرْعِيَّةِ، مَعَ عَدَمِ اسْتِقْرَارِ النَّفْسِ عَلَى الْيَقِينِ الشَّرْعِيِّ (4).
​بَيْضَاءَ نَقِيَّةً:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: (بَيْضَاءُ) مِنَ الْبَاءِ وَالْيَاءِ وَالضَّادِ، وَهُوَ لَوْنٌ مَعْرُوفٌ يَدُلُّ عَلَى النُّورِ وَالْجَلَاءِ. وَ(نَقِيَّةٌ) مِنَ النُّونِ وَقَافِ وَالْيَاءِ، وَهُوَ الْخُلُوصُ مِنَ الشَّوَائِبِ وَالْكَدَرِ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ تَفْسِيرًا: هِيَ الشَّرِيعَةُ الْجَلِيَّةُ الْوَاضِحَةُ الْمَحْجُوحَةُ الَّتِي اسْتَوَى لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْخَالِيَةُ تَمَامًا مِنْ لَبْسِ التَّحْرِيفِ، أَوْ غُمُوضِ النَّقْصِ (5).
​مَا وَسِعَهُ:
​الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْوَاوِ وَالسِّينِ وَالْعَيْنِ (وَسِعَ)، وَهُوَ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى الْجِدَةِ وَالطَّاقَةِ وَالِامْتِدَادِ، وَنَفْيُ السَّعَةِ يَعْنِي الضِّيقَ وَالْحَصْرَ الْقَاطِعَ.
​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ أُصُولِيًّا: هُوَ انْعِدَامُ الرُّخْصَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ لِأَيِّ مُكَلَّفٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ فِي الْخُرُوجِ عَنْ دَائِرَةِ التَّكْلِيفِ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (6).

​[ثَالِثًا: شَرْحُ الْأَثَرِ عِنْدَ جَهَابِذَةِ التَّحْقِيقِ وَالدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ]

​تَقْرِيرُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ):
«قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا الْأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ النَّسْخِ الْمَحْضِ، فَلَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِيهَا لِأَجْلِ الِاهْتِدَاءِ. وَقَدْ غَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَيْهَا يَخْدِشُ كَمَالَ الِاكْتِفَاءِ بِالْقُرْآنِ. وَإِذَا كَانَ مُوسَى هُوَ الْكَلِيمُ وَلَوْ كَانَ حَيًّا لَكَانَ تَبَعًا لِلْمُصْطَفَى، عُلِمَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ اسْتَوْعَبَتْ كُلَّ فَضْلٍ سَابِقٍ وَزَادَتْ عَلَيْهِ» (7).

​تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ (ت: 751هـ):
«قَالَ: مَنْ طَلَبَ صِحَّةَ عَقِيدَتِهِ مِنْ غَيْرِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ مُتَهَوِّكٌ حَائِرٌ، كَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَالْوَحْيُ جَاءَ شَافِيًا كَافِيًا، وَمُتَابَعَةُ الرَّسُولِ مَحْضُ الْهُدَى. وَسِيَاقُ قِصَّةِ عُمَرَ فِيهِ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْقُلُوبَ لَا تَسْكُنُ وَلَا تَطْمَئِنُّ بِالْحَقِيقَةِ إِلَّا بِالتَّسْلِيمِ الْمُطْلَقِ لِلْوَحْيِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ عِنْدَ هَمَّاتِ الِالْتِفَاتِ» (8).

​تَقْرِيرُ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ (قَدِيمًا وَحَدِيثًا):
«جَاءَ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ: أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَاعِدَةٌ فِي وُجُوبِ هَجْرِ كُتُبِ الْمُبْتَدِعَةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْفَلَاسِفَةِ، كَمَا هُجِرَتِ التَّوْرَاةُ لِأَجْلِ مَحْضِ الِاتِّبَاعِ. وَاسْتِخْرَاجُ الْعِبْرَةِ مِنْ مَوْقِفِ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَمَا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ زَجْرًا، يُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ الْبَصِيرَةِ هُمْ أَسْرَعُ النَّاسِ تَنَبُّهًا لِمَا يُغْضِبُ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَسُرْعَةُ رُجُوعِ عُمَرَ وَإِعْلَانِ رِضَاهُ بِالْإِسْلَامِ دِينًا فِيهِ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ لِكُلِّ سَالِكٍ لِأَنْ يَلْزَمَ عَتَبَةَ الْجَادَّةِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ تَلَفُّتٍ» (9).

​[رَابِعًا: التَّشْرِيحُ الْعِلْمِيُّ لِمَرَاتِبِ النَّظَرِ فِي الْكُتُبِ غَيْرِ الشَّرْعِيَّةِ]

​بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَثَرِ النَّبَوِيِّ، قَسَّمَ الْبَاحِثُونَ النَّقَّادُ حُكْمَ النَّظَرِ وَالْمُطَالَعَةِ فِي الْكُتُبِ غَيْرِ الْإِسْلَامِيَّةِ (كَمَنْسُوخِ الرِّسَالَاتِ، أَوْ كُتُبِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفَلَاسِفَةِ) نَثْرِيًّا إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُحَرَّرَةٍ:

​الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ (مَقَامُ التَّهَوُّكِ):

وَهُوَ طَلَبُ النَّظَرِ فِيهَا مِنْ قِبَلِ الْعَامَّةِ، أَوْ طُلَّابِ الْعِلْمِ الَّذِينَ لَمْ تَتَرَسَّخْ قَدَمُهُمْ فِي مَعْرِفَةِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيِحَةِ، أَوْ مَنْ يَطْلُبُ الْهُدَى وَالْحَقِيقَةَ عِنْدَهُمْ زَاعِمًا التَّقَرُّبَ أَوْ التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ. فَهَذَا عَيْنُ التَّهَوُّكِ الْمَحْظُورِ الَّذِي غَضِبَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى الشَّكِّ وَالضَّلَالِ (10).

​الْقِسْمُ الثَّانِي: النَّظَرُ الْمَشْرُوعُ لِلْمَصْلَحَةِ النَّقْدِيَّةِ:
وَهُوَ خَاصٌّ بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، الْعَارِفِينَ بِدَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، حَيْثُ يَكُونُ نَظَرُهُمْ فِيهَا بِقَصْدِ الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ كُتُبِهِمْ، أَوْ بَيَانِ تَنَاقُضِهِمْ، كَمَا فَعَلَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ. فَهَذَا النَّظَرُ لَيْسَ تَهَوُّكًا، بَلْ هُوَ جِهَادٌ عِلْمِيٌّ مَشْرُوعٌ (11).

​الْقِسْمُ الثَّالِثُ: النَّظَرُ فِي بَابِ التَّحْدِيثِ التَّارِيخِيِّ الِاعْتِبَارِيِّ:
وَهُوَ النَّظَرُ الْمَأْذُونُ فِيهِ ضِمْنًا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ»، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لَا يُخَالِفُ شَرِيعَتَنَا، وَأَنْ يَكُونَ مَسَاقُهُ لِلِاعْتِبَارِ وَالتَّأْكِيدِ التَّارِيخِيِّ، لَا لِأَخْذِ الْأَحْكَامِ أَوِ الْعَقَائِدِ؛ فَالْمِعْيَارُ هُنَا أَنَّ مَا وَافَقَ كِتَابَنَا قُبِلَ تَبَعًا، وَمَا خَالَفَهُ رُدَّ حَتْمًا (12).

​[خَامِسًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأُصُولِيُّ لِلْبَاحِثِ (الْقَوَاعِدُ وَالضَّوَابِطُ)]

​1. الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ:
​(الْهَيْمَنَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ نَاسِخَةٌ لِكُلِّ سَابِقٍ، وَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ مُسْتَقِلَّةٌ بِالْإِفَادَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ دُونَ حَاجَةٍ لِاسْتِيرَادِ الْقِيَمِ أَوْ الْأَحْكَامِ)
​التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تُثْبِتُ الْقَاعِدَةُ شُمُولِيَّةَ الرِّسَالَةِ وَعَالَمِيَّتَهَا؛ فَلَا يُمْكِنُ لِلْإِيمَانِ أَنْ يَسْتَقِيمَ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ إِذَا ظَنَّ أَنَّ نَبِيًّا آخَرَ، أَوْ مَنْهَجًا غَيْرَ مَنْهَجِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يُمْكِنُ أَنْ يَحْوِيَ هُدًى لَيْسَ فِي رِسَالَتِهِ (13).
​2. الْقَاعِدَةُ الْأُصُولِيَّةُ:
​(النَّسْخُ الْكُلِّيُّ لِلشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ يَمْنَعُ الِاحْتِجَاجَ بِهَا، وَ"شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا" لَيْسَ شَرْعًا لَنَا إِذَا وَرَدَ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ أَوْ يَسْتَبْدِلُهُ)
​التَّأْصِيلُ الْأُصُولِيُّ: مَسْأَلَةُ "شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا" مَحَلُّ خِلَافٍ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ، لَكِنَّ التَّحْقِيقَ الْمَبْنِيَّ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ أَنَّ مَا كَانَ فِي كُتُبِهِمْ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا تَقْرِيرُهُ، فَقَدْ سَقَطَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ نِهَائِيًّا بِقَوْلِهِ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»، فَالْمُتَابَعَةُ تَمْحَضَتْ لِلْكِتَابِ الْجَدِيدِ (14).

​[الْحَاشِيَةُ ]__________________________________________________________________

​(1) التَّخْرِيجُ الْعِلْمِيُّ الْكَامِلُ لِلْأَثَرِ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ، وَمَوْقِفُ النُّقَّادِ:
​أَوَّلًا: عَدَمُ وُجُودِ الْحَدِيثِ فِي نُسَخِ النَّسَائِيِّ الْمَشْهُورَةِ:
​قَوْلُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ" فِيهِ مَلْحَظٌ نَقْدِيٌّ حَدِيثِيٌّ مَعْرُوفٌ عِنْدَ جَهَابِذَةِ التَّحْقِيقِ؛ حَيْثُ إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِقِصَّةِ عُمَرَ وَوَرَقَةِ التَّوْرَاةِ [لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى وَلَا السُّنَنِ الصُّغْرَى (الْمُجْتَبَى) لِلْإِمَامِ النَّسَائِيِّ] فِي النُّسَخِ الْمُتَدَاوَلَةِ بَيْنَ أَيْدِي الْعُلَمَاءِ.
​وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ فِي تُحْفَةِ الْأَشْرَافِ، حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْهُ فِي مَسَانِيدِ جَابِرٍ أَوْ عُمَرَ عَنِ النَّسَائِيِّ. وَيُعَلِّلُ الْعُلَمَاءُ صَنِيعَ الْمُصَنِّفِ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنَّهُ كَانَ فِي كِتَابِ عِشْرَةِ النِّسَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَجْزَاءِ الْمَفْقُودَةِ لِلَّنَسَائِيِّ، أَوْ أَنَّهُ انْتَقَلَ لِذِهْنِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ عَزْوِ الْحُفَّاظِ لِـ "غَيْرِهِ" (كَالْبَزَّارِ أَوِ الْبَيْهَقِيِّ) فَتَدَاخَلَ الْعَزْوُ، وَهُوَ صَنِيعٌ يَقَعُ نَادِرًا لِلْحُفَّاظِ فِي بَابِ الْعَزْوِ مِنَ الْحِفْظِ.
​ثَانِيًا: مَظَانُّ الْحَدِيثِ بِأَلْفَاظِهِ وَطُرُقِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ:
​لِلْحَدِيثِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، يَعْضُدُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِلَيْكَ تَفْصِيلَهَا:
​طَرِيقُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ (وَهُوَ اللَّفْظُ السَّيَّاقُ الَّذِي ذَكَرَهُ السَّائِلُ تَمَامًا): أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ فِي سُنَنِهِ (بَابُ مَا يُتَّقَى مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكِ التَّقْلِيدِ، ج1، ص115، رَقْمُ 443) قَالَ: أَخْبَرَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ (هُوَ الْبَصْرِيُّ)، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ عُمَرَ... بِالسِّيَاقِ الطَّوِيلِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسَى فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ...».
​وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (ج23، ص349، رَقْمُ 15195) مِنْ طَرِيقِ شُرَيْحِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الرَّحَبِيِّ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عن جَابِرٍ.
​وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ (ج6، ص112، رَقْمُ 10164) عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ شَعْبٍ، عَنْ جَابِرٍ بِهِ.
​طَرِيقُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيِّ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (ج24، ص382، رَقْمُ 15648)، وَالْإِمَامُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ، وَفِيهِ قِصَّةُ غَضَبِ النَّبِيِّ وَتَغَيُّرِ وَجْهِهِ وَإِنْكَارِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بِقَوْلِهِ: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ...".
​طَرِيقُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ: «لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ...».
​ثَالِثًا: عِلَلُ الْحَدِيثِ التَّفْصِيلِيَّةُ عِنْدَ النُّقَّادِ:
​مَدَارُ أَسَانِيدِ الْحَدِيثِ لَا يَخْلُو مِنْ مَقَالٍ جُزْئِيٍّ عِنْدَ النُّقَّادِ الْمُتَقَدِّمِينَ:
​فِي طَرِيقِ الدَّارِمِيِّ: عِلَّتُهُ [الِانْقِطَاعُ] بَيْنَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَالْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ جَابِرٍ هَذَا الْحَدِيثَ.
​فِي طَرِيقِ أَحْمَدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: عِلَّتُهُ وُجُوبُ [عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ الرَّحَبِيِّ]، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ كَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيِّ.
​فِي طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ: فِيهِ رَاوٍ يُدْعَى [جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ]، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا، وَشَيْخُهُ أَبُو عَامِرٍ الْمُزَنِيُّ فِيهِ جَهَالَةُ حَالٍ.

​رَابِعًا: الْحُكْمُ النَّقْدِيُّ الْإِجْمَالِيُّ عَلَى الْحَدِيثِ:
​رَغْمَ الضَّعْفِ وَالِانْقِطَاعِ فِي مَفَارِيدِ كُلِّ طَرِيقٍ عَلَى حِدَةٍ، إِلَّا أَنَّ جَهَابِذَةَ النَّقْدِ الْحَدِيثِيِّ قَرَّرُوا أَنَّ الْحَدِيثَ [حَسَنٌ لِغَيْرِهِ بِشَوَاهِدِهِ] لِتَعَدُّدِ الْمَخَارِجِ، وَتَبَايُنِ الطُّرُقِ الَّتِي يَمْنَعُ اتِّفَاقُهَا مِنْ كَوْنِ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا أَوْ لَا أَصْلَ لَهُ.
​قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي: "طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ تَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهُوَ حَسَنٌ بِمَجْمُوعِهَا".
​وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: "الْحَدِيثُ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عُمَرَ، وَهُوَ يُفِيدُ الْقُوَّةَ وَالثُّبُوتَ بِمَجْمُوعِهَا".
​وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ فِي إِرْوَاءِ الْغَلِيلِ (رَقْمُ 1589) بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ.
​(2) الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ج1، ص225.
​(3) الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ج2، ص650.
​(4) اِبْنُ مَنْظُورٍ الأنْصَارِيُّ: لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (هـ و ك)، دَارُ صَادِرٍ، ج10، ص507.
​(5) أَبُو مَنْصُورٍ الْأَزْهَرِيُّ: تَهْذِيبُ اللُّغَةِ، ج9، ص211.
​(6) الْإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ: الْمُوَافَقَاتُ، ج4، ص102.
​(7) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، ج1، ص415.
​(8) الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، ج4، ص210.
​(9) الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ: قُرَّةُ عُيُونِ الْمُوَحِّدِينَ فِي تَحْقِيقِ دَعْوَةِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُرْسَلِينَ، ص189.
​(10) الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ: شَرْحُ كِتَابِ فَضْلِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص85.
​(11) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ج17، ص355.
​(12) الْإِمَامُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: فَتْحُ الْبَارِي بِشَرْحِ صَحِيِحِ الْبُخَارِيِّ، دار المعرفة، ج6، ص499.
​(13) الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج2، ص140.
​(14) الْإِمَامُ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ: رَوْضَةُ النَّاظِرِ، ج1، ص205.
__________________________________30________________________________________