■___________________________________1___________________________________________■
■مُتَضَمَّنَاتِ الرُّكْنِ الثَّانِي: تَعَلُّقَاتُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ1
■تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ لَيْسَ جَامِدًا، بَلْ لَهُ تَعَلُّقَاتٌ شَامِلَةٌ بِالذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَبِالْكَوْنِ الْمَخْلُوقِ، وَبِتَكَالِيفِ الْعِبَادِ. وَتَنْحَصِرُ هَذِهِ التَّعَلُّقَاتُ فِي ثَلَاثَةِ مَحَاوِرَ كُبْرَى :
أَوَّلًا: تَعَلُّقُهُ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ الْإِلَهِيَّةِ (تَعَلُّقٌ بِالذَّاتِ)
●يَتَعَلَّقُ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ تَعَلُّقًا مُبَاشِرًا بِكُلِّ صِفَةٍ فِعْلِيَّةٍ لِلَّهِ تَعَالَى، فَكُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ اللهِ سُبْحَانَهُ مِنْ أَفْعَالٍ هُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ[1]:
- تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ: فَلَا يَكُونُ فِي الْكَوْنِ شَيْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ وَقُدْرَتِهِ الشَّامِلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
- تَعَلُّقُ الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ: فَالرَّبُّ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا عَبَثًا، وَلَا يُدَبِّرُ أَمْرًا إِلَّا لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا}.
ثَانِيًا: تَعَلُّقُهُ بِالْمَخْلُوقَاتِ وَالْكَوْنِ (تَعَلُّقٌ بِالْأَعْيَانِ)
■يَتَعَلَّقُ هَذَا التَّوْحِيدُ بِالْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنْ جِهَةِ الْقَهْرِ وَالْمُلْكِ وَالْإِيجَادِ :
- تَعَلُّقُ الِافْتِقَارِ الذَّاتِيِّ: كُلُّ عَيْنٍ مَوْجُودَةٍ (إِنْسَانٌ، مَلَكٌ، جِنٌّ، جَمَادٌ) مُتَعَلِّقَةٌ بِرُبُوبِيَّتِهِ تَعَلُّقَ اضْطِرَارٍ؛ فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ فِي إِيجَادِهَا أَوَّلًا، وَفِي إِمْدَادِهَا بِمَا يُبْقِيهَا ثَانِيًا [2].
- تَعَلُّقُ التَّسْخِيرِ: الْكَوَاكِبُ، وَالْأَفْلَاكُ، وَالرِّيَاحُ، وَالْأَمْطَارُ، كُلُّهَا مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ، لَا تَمْلِكُ خُرُوجًا عَنْ سُلْطَانِ رُبُوبِيَّتِهِ الْقَدَرِيَّةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ}.
ثَالِثًا: تَعَلُّقُهُ بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ (تَعَلُّقُ الِاسْتِلْزَامِ)
■وَهُوَ أَهَمُّ تَعَلُّقٍ يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ فَهْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرْبِطُ الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ :
- تَعَلُّقُ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْأُلُوهِيَّةِ هُوَ تَعَلُّقُ اسْتِلْزَامٍ عَقْلِيٍّ وَشَرْعِيٍّ؛ بِمَعْنَى أَنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الرَّبُّ (الْخَالِقُ، الرَّازِقُ، الْمُدَبِّرُ)، يَسْتَلْزِمُ وَيُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ اللهُ وَحْدَهُ هُوَ الْإِلَهَ الْمَعْبُودَ [3].
- لِذَلِكَ كَانَ اللهُ تَعَالَى يَحْتَجُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِتَعَلُّقَاتِ رُبُوبِيَّتِهِ الَّتِي يُقِرُّونَ بِهَا، لِيُلْزِمَهُمْ بِأُلُوهِيَّتِهِ الَّتِي أَنْكَرُوهَا، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. فَجَعَلَ "الْخَلْقَ" (وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ) عِلَّةً لِلْأَمْرِ بِـ "الْعِبَادَةِ" (وَهِيَ حَقُّ الْإِلَهِ) [4].
________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ تَعَلُّقِ الرُّبُوبِيَّةِ بِصِفاتِ الْأَفْعَالِ وَالْمَشِيئَةِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ 8، ص 410-415 (حَيْثُ فَصَّلَ فِيهِ تَعَلُّقَاتِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ بِالْخَلْقِ). وَانْظُرْ: طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ وَبَابُ السَّعَادَتَيْنِ، الْمُؤَلِّفُ: ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ السَّلَفِيَّةِ، ص 112.
- [2] مَصْدَرُ تَعَلُّقِ الِافْتِقَارِ وَالتَّسْخِيرِ بِالْأَعْيَانِ: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، الْمُؤَلِّفُ: ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 1، ص 410 (فَصْلٌ فِي تَعَلُّقَاتِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ بِالْخَلْقِ).
- [3] مَصْدَرُ تَعَلُّقِ الِاسْتِلْزَامِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ: انْظُرْ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ، الْمُؤَلِّفُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ السَّعْدِيُّ، الْمَكْتَبَةُ السَّلَفِيَّةُ، ص 14. وَانْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج 1، ص 32.
- [4] مَصْدَرُ اسْتِدْلَالِ الْقُرْآنِ بِالرُّبُوبِيَّةِ عَلَى الْأُلُوهِيَّةِ: انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِلْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 1، ص 163 (تَفْسِيرُ آيَةِ الْبَقَرَةِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ}).
- ■_______________________________7____________________________________■
تَعَلُّقُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالْأَسْبَابِ 2
مِنْ تَمَامِ إِفْرَادِ اللهِ تَعَالَى بِالرُّبُوبِيَّةِ (الْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ) أَنْ يَعْتَقِدَ الْعَبْدُ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ هُوَ مُسَبِّبُ الْأَسْبَابِ وَحْدَهُ، وَأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ فِي الْكَوْنِ لَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ بَلْ بِمَشِيئَةِ اللهِ. وَقَدْ قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ الْأَسْبَابَ وَأَحْكَامَهَا إِلَى تَفْصِيلٍ عَقَدِيٍّ دَقِيقٍ [1]:
أَوَّلًا: أَنْوَاعُ الْأَسْبَابِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَالْوَهْمُ
1. السَّبَبُ الْحَقِيقِيُّ (الْمَشْرُوعُ أَوْ الْقَدَرِيُّ): هُوَ مَا ثَبَتَ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْحِسِّ وَالتَّجْرِبَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ مُؤَثِّرٌ [2]:
أ. السَّبَبُ الشَّرْعِيُّ: مِثْلُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَالرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلشِّفَاءِ، وَالدُّعَاءِ؛ فَهَذِهِ أَسْبَابٌ دَلَّ الشَّرْعُ عَلَى نَفْعِهَا.
ب. السَّبَبُ الْقَدَرِيُّ (الْحِسِّيُّ): مِثْلُ تَنَاوُلِ الدَّوَاءِ لِلْمَرِيضِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ لِلْجُوعِ، وَالنَّارِ لِلْإِحْرَاقِ؛ فَهَذِهِ أَسْبَابٌ مَشْهُودَةٌ ثَبَتَتْ بِالتَّجْرِبَةِ وَالْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ.
2. السَّبَبُ الْوَهْمِيُّ (الْمَلْغَى عَقْلًا وَشَرْعًا): هُوَ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِالشَّرْعِ، وَلَا بِالْحِسِّ وَالتَّجْرِبَةِ أَنَّهُ سَبَبٌ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدُ خُرَافَةٍ؛ مِثْلُ لُبْسِ الْحَلْقَةِ أَوِ الْخَيْطِ لِرَفْعِ الْبَلَاءِ، أَوْ تَعْلِيقِ الْخَرَزَةِ الزَّرْقَاءِ وَالتَّمَائِمِ لِدَفْعِ الْحَسَدِ، أَوْ التَّشَاؤُمِ بِالْأَمَاكِنِ وَالطُّيُورِ (الطِّيَرَةِ) [2].
ثَانِيًا: التَّفْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَحْكَامِ (مَتَى يَكُونُ شِرْكًا؟)
الِالْتِفَاتُ إِلَى الْأَسْبَابِ يَدُورُ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ عَقَدِيَّةٍ يَجِبُ عَلَى الطَّالِبِ ضَبْطُهَا جَيِّدًا [3]:
1. الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ فِي الْأَسْبَابِ:
يَقَعُ الْعَبْدُ فِي الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الْمُخْرِجِ مِنَ الْمِلَّةِ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ السَّبَبَ يَخْلُقُ، أَوْ يَنْفَعُ، أَوْ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ اسْتِقْلَالًا دُونَ اللهِ؛ مِثْلُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الطَّبِيبَ، أَوْ الدَّوَاءَ، أَوْ الْوَلِيَّ فِي قَبْرِهِ يُبْرِئُ الْمَرِيضَ بِذَاتِهِ وَقُدْرَتِهِ الْمُسْتَقِلَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا مُنَازَعَةٌ لِلَّهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَخَلْقِهِ [3].
2. الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ فِي الْأَسْبَابِ:
يَقَعُ الْعَبْدُ فِي الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ (الَّذِي هُوَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ وَلَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ) فِي حَالَتَيْنِ [4]:
أ. اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى السَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ: مِثْلُ مَنْ يَعْتَمِدُ بِقَلْبِهِ كُلِّيَّةً عَلَى الدَّوَاءِ أَوْ عَلَى رَاتِبِهِ الْوَظِيفِيِّ، نَاسِيًا تَعْلِيقَ قَلْبِهِ بِاللهِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَبِّبُ.
ب. إِثْبَاتُ سَبَبٍ وَهْمِيٍّ لَمْ يَجْعَلْهُ اللهُ سَبَبًا: مِثْلُ مَنْ يُعَلِّقُ تَمِيمَةً وَيَعْتَقِدُ أَنَّهَا سَبَبٌ قَدَرِيٌّ لِدَفْعِ الْعَيْنِ، مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ النَّفْعَ وَالضَّرَّ بِيَدِ اللهِ؛ فَهُوَ هُنَا جَعَلَ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا، وَهَذَا تَشْرِيعٌ مَعَ اللهِ فِي الْأَسْبَابِ الْقَدَرِيَّةِ [4].
3. التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ فِي الْأَسْبَابِ:
هُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ بِالسَّبَبِ الْحَقِيقِيِّ بِجَوَارِحِهِ طَاعَةً لِلَّهِ، مَعَ اعْتِمَادِ قَلْبِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللهِ تَعَالَى مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، وَالْيَقِينِ بِأَنَّ السَّبَبَ إِنْ شَاءَ اللهُ أَمْضَاهُ وَإِنْ شَاءَ أَبْطَلَ عَمَلَهُ (كَمَا سَلَبَ النَّارَ صِفَةَ الْإِحْرَاقِ عِنْدَمَا أُلْقِيَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ) [1].
______________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ قَاعِدَةِ الْأَسْبَابِ فِي تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَارُ الْوَفَاءِ، الْمُجَلَّدُ 8، ص 139-143 (حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ الِالْتِفَاتَ إِلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ، وَالْإِعْرَاضُ عَنِ الْأَسْبَابِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ).
[2] مَصْدَرُ تَقْسِيمِ الْأَسْبَابِ إِلَى شَرْعِيَّةٍ وَقَدَرِيَّةٍ وَوَهْمِيَّةٍ: انْظُرْ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمُؤَلِّفُ: مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 1، ص 161-165 (بَابُ مَا جَاءَ فِي لُبْسِ الْحَلْقَةِ وَالْخَيْطِ).
[3] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ فِي الْأَسْبَابِ: انْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمُؤَلِّفُ: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ آل الشَّيْخِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص 134-138.
[4] مَصْدَرُ ضَابِطِ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ فِي الْأَسْبَابِ الْوَهْمِيَّةِ: انْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمُؤَلِّفُ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ آل الشَّيْخِ، دَارُ السَّلَامِ، ص 105-110. وَانْظُرْ: إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، الْمُؤَلِّفُ: د. صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج 1، ص 188.
■_______________________________8____________________________________■
3■الْإِيمَانُ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ تَعَالَى
أَوَّلًا: مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ
مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ إِجْمَالًا: هِيَ نِسْبَةُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْخُضُوعِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى خَالِقِهِمْ، فَالْأُلُوهِيَّةُ وَصْفُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَالْعُبُودِيَّةُ وَصْفُ الْعَبْدِ [1].
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْأُلُوهِيَّةِ شَرْعًا: هُوَ إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ الَّتِي شَرَعَهَا؛ كَالدُّعَاءِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ، بِحَيْثُ يُفْرَدُ بِهَا سُبْحَانَهُ تَعْظِيمًا وَمَحَبَّةً، وَتُمْنَعُ عَنْ كُلِّ مَنْ سِوَاهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ [2].
ثَانِيًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ (دِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْخُصُومَةُ)
هَذَا التَّوْحِيدُ هُوَ الْغَايَةُ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خُلِقَتِ الْخَلِيقَةُ، وَهُوَ دِينُ جَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ، وَفِيهِ وَقَعَتِ الْمَعْرَكَةُ وَالْخُصُومَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أُمَمِهِمْ [2]:
■مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 25]، وَقَوْلُهُ عَنْ دَعْوَةِ كُلِّ نَبِيٍّ لِقَوْمِهِ: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}؛ فَلَمْ يَكُنْ أَنْبِيَاءُ اللهِ يُطَالِبُونَ أُمَمَهُمْ بِالْإِقْرَارِ بِوُجُودِ اللهِ أَوْ ربوبية الله وحَسْبُ، بَلْ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ.
وماهي العبادة هي إسم جامع لكل ما يحبه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة
■مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» [3]؛ مِمَّا يَدُلُّ قَاطِعاً عَلَى أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ الْجِهَادُ.
ثَالِثًا: اشْتِقَاقُ مَعْنَى "الْإِلَهِ" لُغَةً وَشَرْعًا
الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: لَفْظُ (الْإِلَهِ) مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (أَلَهَ - يَأْلَهُ - إِلَاهَةً) بِمَعْنَى: عَبَدَ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. فَالْإِلَهُ عَلَى وَزْنِ (فِعَال) بِمَعْنَى (مَفْعُول)، أَيْ: الْمَأْلُوهُ، وَالْمَأْلُوهُ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ (أَيْ تَعْبُدُهُ وَتُحِبُّهُ وَتَخْضَعُ لَهُ) [4].
مَعْنَى الْإِلَهِ شَرْعًا: هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ غَايَةَ الذُّلِّ وَغَايَةَ الْحُبِّ، وَلَا تَنْبَغِي هَذِهِ الصِّفَةُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ لِكَمَالِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ.
رَابِعًا: اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي مَعْنَى "الْإِلَهِ"
انْحَرَفَتِ الْفِرَقُ الْكَلَامِيَّةُ وَالْفَلَاسِفَةُ فِي فَهْمِ هَذَا الِاشْتِقَاقِ وَالْمَعْنَى عَلَى النَّحْوِ التَّالِي [5]:
1. الْفَلَاسِفَةُ: قَالُوا إِنَّ الْإِلَهَ هُوَ "الْمَوْجُودُ الْأَوَّلُ" أَوْ "الْعِلَّةُ الْفَاعِلَةُ"، فَجَعَلُوهُ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ لِتَفْسِيرِ بِدَايَةِ الْكَوْنِ بِلَا عِبَادَةٍ.
2. الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا هُوَ الذَّاتُ الْمُجَرَّدَةُ عَنِ الصِّفَاتِ، الَّتِي لَا تَتَّصِفُ بِشَيْءٍ ثُبُوتِيٍّ تَنْزِيهًا لَهُ عَنِ التَّشْبِيهِ فِي زَعْمِهِمْ.
3. الْأَشَاعِرَةُ وَالْكَرَّامِيَّةُ: فَسَّرُوا (الْإِلَهَ) بِـ "الْقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ" أَوْ الْخَالِقِ الصَّانِعِ، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ جَعَلُوا مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" أَيْ: "لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللهُ"، فَخَلَطُوا بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ [6].
4. أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ: أَبْطَلُوا هَذِهِ التَّفَاسِيرَ وَقَالُوا: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ حُبًّا وَتَعْظِيمًا؛ وَلَوْ كَانَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ "الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ" لَمَا كَفَرَتْ قُرَيْشٌ، لِأَنَّ قُرَيْشاً كَانَتْ تُقِرُّ بِأَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ وَالْخَلْقِ كَمَا دَلَّ الْقُرْآنُ [6].
خَامِسًا: الْمَعْنَى الصَّحِيحُ لِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
الْمَعْنَى الصَّحِيحُ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ لُغَةِ الْعَرَبِ وَشَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ هُوَ: (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ) [7].
تَقْدِيرُ كَلِمَةِ "بِحَقٍّ" وَاجِبٌ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ آلِهَةً بَاطِلَةً عُبِدَتْ فِي الْخَارِجِ فِعْلًا (كَالْأَصْنَامِ)، فَالنَّفْيُ هُنَا لَيْسَ لِوُجُودِ الْمَعْبُودَاتِ، وَإِنَّمَا هُوَ نَفْيٌ لِاسْتِحْقَاقِهَا الْعِبَادَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ}.
سَادِسًا: التَّلَازُمُ وَالتَّضَمُّنُ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ
الْعَلَاقَةُ بَيْنَ التَّوْحِيدَيْنِ تَقُومُ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ بَيَانِيَّتَيْنِ طَرْدًا وَعَكْسًا [8]:
1. تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا عَبَدَ اللهَ وَحْدَهُ، فَإِنَّ عِبَادَتَهُ هَذِهِ تَتَضَمَّنُ بِالضَّرُورَةِ إِقْرَارَهُ بِأَنَّ اللهَ هُوَ رَبُّهُ وَخَالِقُهُ وَمَالِكُهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ.
2. تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الرَّبُّ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، لَزِمَهُ هَذَا الْإِقْرَارُ شَرْعًا وَعَقْلًا أَنْ يَأْتِيَ بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ فَلَا يَعْبُدَ مَعَهُ شَرِيكاً آخَرَ [8].
■___________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا بِالْوَصْفِ: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 1، ص 32.
[2] مَصْدَرُ حَدِّ الْأُلُوهِيَّةِ وَمَعْرَكَةِ الْأَنْبِيَاءِ: انْظُرْ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللهِ عَلَى الْعَبِيدِ، لِمُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، ص 5-7. وَانْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، ص 24-28.
[3] مَصْدَرُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ «فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ (25)، ج 1، ص 14.
[4] مَصْدَرُ الِاشْتِقَاقِ وَمَعْنَى الْمَأْلُوهِ: انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، مَادَّةُ (أَلَهَ)، ج 13، ص 467. وَانْظُرْ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ، دَارُ الْقَلَمِ، ص 82.
[5] مَصْدَرُ مَذَاهِبِ الْفِرَقِ فِي مَعْنَى الْإِلَهِ: انْظُرْ: مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ، لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، ج 1، ص 211. وَانْظُرْ: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، ج 1، ص 93.
[6] مَصْدَرُ رَدِّ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَفْسِيرِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلْإِلَهِ بِالْقَادِرِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَارُ الْوَفَاءِ، ج 14، ص 315-322. وَانْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج 1، ص 34.
[7] مَصْدَرُ تَقْدِيرِ الْقَيْدِ "بِحَقٍّ": انْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، ص 42. وَانْظُرْ: أَضْوَاءُ الْبَيَانِ فِي إِيضَاحِ الْقُرْآنِ بِالْقُرْآنِ، لِمُحَمَّدِ الْأَمِينِ الشَّنْقِيطِيِّ، دَارُ الْفِكْرِ، ج 4، ص 210.
[8] مَصْدَرُ قَاعِدَةِ التَّضَمُّنِ وَالِاسْتِلْزَامِ: انْظُرْ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ، ص 16. وَانْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، لِمُحَمَّدِ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 1، ص 48.
■_______________________________9____________________________________■
تَعَلُّقَاتُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ وَمَا يُضَادُّهَا1
تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْعَبْدِ مِنْ مَقَاصِدَ وَنِيَّاتٍ وَأَعْمَالٍ؛ لِأَنَّهُ تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ. وَتَنْقَسِمُ تَعَلُّقَاتُهُ وَالْمَسَائِلُ الْمُرْتَبِطَةُ بِهِ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسَيْنِ [1]:
أَوَّلًا: تَعَلُّقَاتُ تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ (مَجَالَاتُ الْعِبَادَةِ)
يَتَعَلَّقُ هَذَا التَّوْحِيدُ بِثَلَاثَةِ مَظَاهِرَ كُبْرَى فِي حَيَاةِ الْمُكَلَّفِ [2]:
1. تَعَلُّقَاتُ الْقَلْبِ (الْعِبَادَاتُ الْبَاطِنَةُ): مِثْلُ غَايَةِ الْحُبِّ، وَالْخَوْفِ (خَوْفِ السِّرِّ)، وَالرَّجَاءِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْإِنَابَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ.
2. تَعَلُّقَاتُ اللِّسَانِ (الْعِبَادَاتُ الْقَوْلِيَّةُ): مِثْلُ الدُّعَاءِ (دُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ وَدُعَاءِ الْعِبَادَةِ)، وَالِاسْتِغَاثَةِ، وَالِاسْتِعَاذَةِ، وَالنَّذْرِ الْقَوْلِيِّ.
3. تَعَلُّقَاتُ الْجَوَارِحِ (الْعِبَادَاتُ الْفِعْلِيَّةُ): مِثْلُ الصَّلَاةِ، وَالرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالطَّوَافِ، وَالذَّبْحِ (إِرَاقَةِ الدَّمِ تَقَرُّبًا).
ثَانِيًا: الْمَسَائِلُ الْعَقَدِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ (الْمُنَاقِضَاتُ وَالْمُنْقِصَاتُ)
كُلُّ صَرْفٍ لِتَعَلُّقَاتِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى يَدُورُ بَيْنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ حَسَبَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ وَمَقْصِدِهِ [3]:
1. مَسَائِلُ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ:
هُوَ صَرْفُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ لِغَيْرِ اللهِ، وَهُوَ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ وَمُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ الْعَمَلِيَّةِ [3]:
شِرْكُ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغَاثَةِ: دُعَاءُ الْأَمْوَاتِ أَوِ الْغَائِبِينَ لِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ فِيمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، كَقَوْلِ: "يَا فُلَانُ اشْفِنِي" أَوْ "مَدَدٌ يَا فُلَانُ".
شِرْكُ الطَّاعَةِ وَالتَّشْرِيعِ: اعْتِقَادُ أَنَّ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ الْحَقَّ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللهُ أَوْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَطَاعَتُهُ فِي ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ بِمُخَالَفَتِهِ لِلشَّرْعِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
شِرْكُ الْمَحَبَّةِ (مَحَبَّةُ التَّسْوِيَةِ): أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ مَخْلُوقًا مِثْلَ مَحَبَّةِ اللهِ أَوْ أَكْثَرَ، بِحَيْثُ يُطِيعُهُ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}.
شِرْكُ الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ: كَالذَّبْحِ لِلْقُبُورِ، أَوْ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ أَوْ الشَّخْصِ تَعْظِيمًا وَتَعَبُّدًا.
2. مَسَائِلُ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ:
هُوَ كُلُّ مَا كَانَ ذَرِيعَةً إِلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ، أَوْ وَرَدَ فِي النُّصُوصِ تَسْمِيَتُهُ شِرْكًا وَلَمْ يَصِلْ إِلَى حَدِّ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ، وَهُوَ لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّهُ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ [4]:
الرِّيَاءُ الْيَسِيرُ (شِرْكُ السَّرَائِرِ): وَهُوَ تَحْسِينُ الْعِبَادَةِ لِأَجْلِ مَدْحِ النَّاسِ، كَمَنْ يُطِيلُ صَلَاتَهُ لِيَرَاهُ رَجُلٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ: الرِّيَاءُ» [5].
الشِّرْكُ اللَّفْظِيُّ: هُوَ الْأَلْفَاظُ الَّتِي فِيهَا تَسْوِيَةٌ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ بِأَدَاةِ الْعَطْفِ (الْوَاوِ)؛ مِثْلُ قَوْلِ: "مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ"، أَوْ "لَوْلَا اللهُ وَفُلَانٌ"، وَالْوَاجِبُ فِيهَا أَنْ يُقَالَ: "ثُمَّ شِئْتَ" أَوْ "ثُمَّ فُلَانٌ" [4].
الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ: كَالْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ، أَوْ الْأَمَانَةِ، أَوْ الْكَعْبَةِ، أَوْ الشَّرَفِ، دُونَ اعْتِقَادِ أَنَّ الْمَحْلُوفَ بِهِ يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ كَتَعْظِيمِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [6].
إِرَادَةُ الْإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا: كَمَنْ يُصَلِّي أَوْ يَجْتَهِدُ فِي الْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ لَا لِوَجْهِ اللهِ، بَلْ حَصْرًا لِأَجْلِ مَالٍ أَوْ مَنْصِبٍ دُنْيَوِيٍّ مَحْضٍ.
■___________________________________________________________________■
■
[1] مَصْدَرُ حَقِيقَةِ تَعَلُّقَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 1، ص 85-90 (فَصْلٌ فِي كَوْنِ الْعُبُودِيَّةِ تَتَعَلَّقُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْجَوَارِحِ).
[2] مَصْدَرُ تَقْسِيمِ الْعِبَادَاتِ إِلَى قَلْبِيَّةٍ وَقَوْلِيَّةٍ وَبَدَنِيَّةٍ: انْظُرْ: رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، ص 4-8.
[3] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ مَسَائِلِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ فِي الْأُلُوهِيَّةِ: انْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ آل الشَّيْخِ، ص 150-165 (بَابُ الدُّعَاءِ وَمَحَبَّةِ النِّدِّ).
[4] مَصْدَرُ ضَوَابِطِ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ اللَّفْظِيِّ وَالْقَلْبِيِّ: انْظُرْ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِمُحَمَّدِ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 2، ص 215-220 (بَابُ قَوْلِ مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ). وَانْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، ص 380.
[5] مَصْدَرُ حَدِيثِ الرِّيَاءِ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ (23630)، ج 39، ص 39، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، رَقْمُ (951).
[6] مَصْدَرُ حَدِيثِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ، رَقْمُ (3251)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، رَقْمُ (1535)، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.
●______________________________9_____________________________________●
التَّفْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِمَسَائِلِ الْأُلُوهِيَّةِ2
أَوَّلًا: مَسْأَلَةُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ (الْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ)
الْمُوَالَاةُ وَالْمُعَادَاةُ لِأَجْلِ اللهِ هِيَ مَحَضُ تَوْجِيهِ مَحَبَّةِ الْقَلْبِ وَنُصْرَتِهِ، وَيَجِبُ التَّفْرِيقُ فِيهَا بَيْنَمَا هُوَ كُفْرٌ نَاقِضٌ لِلْأَصْلِ وَمَا هُوَ مَعْصِيَةٌ مُنْقِصَةٌ لِلْكَمَالِ [1]:
-
1. التَّوَلِّي الْمُطْلَقُ (شِرْكٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ):
- حَقِيقَتُهُ: هُوَ نُصْرَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَعَ مَحَبَّةِ دِينِهِمْ، أَوْ لِأَجْلِ ظُهُورِ كُفْرِهِمْ وَالرِّضَا بِهِ.
- حُكْمُهُ: كُفْرٌ أَكْبَرُ يَنْقُضُ الْإِيمَانَ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.
-
2. الْمُوَالَاةُ الصُّغْرَى (مَعْصِيَةٌ وَكَبِيرَةٌ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ):
- حَقِيقَتُهُ: هِيَ مَحَبَّةُ الْكَافِرِ أَوْ نُصْرَتُهُ لِأَجْلِ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ مَحْضٍ (كَقَرَابَةٍ، أَوْ مَالٍ، أَوْ حَمِيَّةٍ) مَعَ سَلَامَةِ اعْتِقَادِ الْقَلْبِ بِبُغْضِ دِينِهِ وَعَدَمِ الرِّضَا بِهِ.
- حُكْمُهُ: مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ تُنْقِصُ وَاجِبَ التَّوْحِيدِ وَلَا تَنْقُضُ أَصْلَهُ، وَمِنْهُ دَلِيلُ قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ}، حَيْثُ نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الْإِيمَانِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْفِعْلِ مِنْهُمْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا [2].
ثَانِيًا: مَسَائِلُ الْقُبُورِ وَالْمَشَاهِدِ (بِدْعَةُ الْوَسِيلَةِ)
أَفْعَالُ النَّاسِ عِنْدَ الْقُبُورِ إِذَا لَمْ تَصِلْ إِلَى الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ (كَطَلَبِ الْمَدَدِ مِنَ الْمَيِّتِ)، فَإِنَّهَا تَقَعُ فِي بَابِ "بِدْعَةِ الْوَسِيلَةِ الْمُحَرَّمَةِ" الَّتِي هِيَ ذَرِيعَةٌ إِلَى الشِّرْكِ، وَتَفْصِيلُهَا كَمَا يَلِي [3]:
- 1. الدُّعَاءُ عِنْدَ قَبْرِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ: أَنْ يَذْهَبَ الْعَبْدُ إِلَى قَبْرِ صَالِحٍ لِيَدْعُوَ اللهَ عِنْدَهُ (لَا أَنْ يَدْعُوَ الْمَيِّتَ)، مُعْتَقِداً أَنَّ الْبُقْعَةَ مُبَارَكَةٌ بِسَبَبِ مُجَاوَرَةِ الصَّالِحِ، فَهَذَا بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ.
-
2. شُرُوطُ الدُّعَاءِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيِّ: لِكَيْ يَكُونَ الدُّعَاءُ عِبَادَةً مَشْرُوعَةً بَعِيدَةً عَنِ الْبِدَعِ، يَجِبُ أَنْ تَتَوَافَرَ فِيهِ شُرُوطُهُ، وَهِيَ:
- الْإِخْلَاصُ لِلَّهِ: فَلَا يُشْرَكُ مَعَهُ غَيْرُهُ.
- سَلَامَةُ الْمَكَانِ: أَنْ يَكُونَ الدُّعَاءُ فِي الْأَمَاكِنِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ (كَالْمَسَاجِدِ)، وَلَيْسَ عِنْدَ الْأَمَاكِنِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا كَالْقُبُورِ.
- أَنْ يَكُونَ الْمَدْعُوُّ بِهِ مُبَاحاً: فَلَا يَدْعُو بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ.
- 3. شُرُوطُ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الَّذِي تُشْرَعُ زِيَارَةُ قَبْرِهِ لِلِاعْتِبَارِ: الرَّجُلُ الصَّالِحُ فِي مَفْهُومِ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ مَنْ كَانَ قَائِماً بِحُقُوقِ اللهِ وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، وَشَرْطُ صَلَاحِهِ الْأَعْظَمُ هُوَ: (الْإِيمَانُ وَالتَّقْوَى) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ}. وَتُشْرَعُ زِيَارَةُ قَبْرِهِ لِفِعْلِ أَمْرَيْنِ فَقَطْ: (تَذَكُّرِ الْآخِرَةِ، وَالدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ بِالرَّحْمَةِ)؛ دُونَ التَّبَرُّكِ بِتُرَابِهِ أَوْ جُدْرَانِهِ [4].
ثَالِثًا: شُرُوطُ قَبُولِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ
لَا يَصِحُّ تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ عَمَلِيّاً إِلَّا بِاجْتِمَاعِ شَرْطَيْنِ نَاقِضَيْنِ لِلشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ [5]:
الشَّرْطُ أَوَّلُ: الْإِخْلَاصُ (تَحْقِيقُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ")
- الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (خَلَصَ - يَخْلُصُ - خُلُوصاً) إِذَا صَفَا وَتَنَقَّى مِنْ شَائِبَةِ الْأَخْلَاطِ. فَالْخَالِصُ هُوَ الصَّافِي الَّذِي لَا شَوْبَ فِيهِ.
- الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْإِخْلَاصِ شَرْعًا: هُوَ تَقْصِيدُ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ بِالطَّاعَةِ، بِحَيْثُ تُرَادُ الصِّيَانَةُ لِلْعَمَلِ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ وَطَلَبِ مَحْمَدَتِهِمْ أَوْ أَمْوَالِهِمْ.
- الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ}.
- الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ عَنِ اللهِ تَعَالَى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [6].
الشَّرْطُ الثَّانِي: الْمُتَابَعَةُ (تَحْقِيقُ "مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ")
- الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْلِ (تَبِعَ - يَتْبَعُ - تَبَعاً وَمُتَابَعَةً) إِذَا مَشَى خَلْفَهُ أَوْ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَسَارَ عَلَى طَرِيقِهِ.
- الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمُتَابَعَةِ شَرْعًا: هُوَ لُزُومُ صِرَاطِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاتِّبَاعُ التَّامُّ لِسُنَّتِهِ فِي الْعِبَادَةِ قَوْلاً وَفِعْلاً وَاعْتِقَاداً مَعَ نَفْيِ الِابْتِدَاعِ.
- الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.
- الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» [7].
الْجِهَاتُ السِّتُّ لِلْمُتَابَعَةِ (الظُّرُوفُ السِّتَّةُ لِتَكُونَ الْعِبَادَةُ مُوَافِقَةً لِلسُّنَّةِ):
لَا تَكُونُ الْمُتَابَعَةُ صَحِيحَةً حَتَّى تُوَافِقَ الْعِبَادَةُ الشَّرِيعَةَ فِي سِتَّةِ أُمُورٍ [8]:
- 1. السَّبَبُ: أَنْ يَتَعَبَّدَ بِعِبَادَةٍ لِسَبَبٍ لَمْ يَجْعَلْهُ الشَّرْعُ سَبَباً (كَمَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ كُلَّمَا دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَبَبِ رُؤْيَةِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ).
- 2. الْجِنْسُ: أَنْ يَتَعَبَّدَ بِجِنْسٍ لَمْ يَشْرَعْهُ الشَّرْعُ فِي تِلْكَ الْعِبَادَةِ (كَالَّذِي يُضَحِّي بِفَرَسٍ فِي عِيدِ الْأَضْحَى، وَالْمَشْرُوعُ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ).
- 3. الْقَدْرُ: أَنْ يَزِيدَ فِي مِقْدَارِ الْعِبَادَةِ الْمُحَدَّدَةِ عَمْداً (كَالَّذِي يُصَلِّي الظُّهْرَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ).
- 4. الْكَيْفِيَّةُ: أَنْ يَأْتِيَ بِالْعِبَادَةِ عَلَى هَيْئَةٍ لَمْ تُؤْثَرْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (كَالَّذِي يَبْدَأُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ قَبْلَ وَجْهِهِ فِي الْوُضُوءِ).
- 5. الزَّمَانُ: أَنْ يُوقِعَ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ زَمَانِهَا الْمَشْرُوعِ (كَالَّذِي يَصُومُ شَهْرَ شَوَّالٍ بَدَلاً عَنْ رَمَضَانَ تَعَمُّداً).
- 6. الْمَكَانُ: أَنْ يَخُصَّ مَكَاناً بِالْعِبَادَةِ لَمْ يَخُصَّهُ الشَّرْعُ بِهَا (كَالَّذِي يَعْتَكِفُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَدْرَسَتِهِ، وَالِاعْتِكَافُ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ).
■___________________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ التَّوَلِّي وَالْمُوَالَاةِ: انْظُرْ: الْقَوْلُ السَّدِيدُ فِي مَقَاصِدِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيِّ، ص 42-45. وَانْظُرْ: أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ آلِ الشَّيْخِ، ص 12.
- [2] مَصْدَرُ قِصَّةِ حَاطِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْمَغَازِي، بَابُ «غَزْوَةِ الْفَتْحِ»، رَقْمُ (4274)، ج 5، ص 145.
- [3] مَصْدَرُ مَسَائِلِ بِدْعَةِ الْوَسِيلَةِ عِنْدَ الْقُبُورِ: انْظُرْ: اقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ لِمُخَالَفَةِ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ج 2، ص 315-325.
- [4] مَصْدَرُ صِفَةِ زِيَارَةِ الْقُبُورِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَفْهُومِ الصَّلَاحِ: انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 4، ص 276 (تَفْسِيرُ آيَاتِ سُورَةِ يُونُسَ).
- [5] مَصْدَرُ اشْتِقَاقِ الْإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ شَرْعًا: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 2، ص 90-95.
- [6] مَصْدَرُ حَدِيثِ الشِّرْكِ الْقُدْسِيِّ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، بَابُ «مَنْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ غَيْرَ اللهِ»، رَقْمُ (2985)، ج 4، ص 2289.
- [7] مَصْدَرُ حَدِيثِ الْإِحْدَاثِ فِي الدِّينِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ «إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ»، رَقْمُ (2697)، ج 3، ص 184.
- [8] مَصْدَرُ الْجِهَاتِ السِّتِّ لِلْمُتَابَعَةِ: انْظُرْ: الْإِبْدَاعُ فِي كَمَالِ الشَّرْعِ وَخَطَرِ الِابْتِدَاعِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ الْوَطَنِ، ص 21-25.
●____________________________________11_______________________________________●
متعلقات توحيد الألوهية الدِّرَاسَةُلِمَسَائِلِ (التَّوَكُّلِ، التَّبَرُّكِ، الْوَسَاطَةِ، وَالتَّمَائِمِ) 3
أَوَّلًا: مَسْأَلَةُ التَّوَكُّلِ (تَحْرِيرُ الْحَقِيقَةِ وَالْأَنْوَاعِ)
- 1. الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: هُوَ صِدْقُ اعْتِمَادِ الْقَلْبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِجْلَابِ الْمَنَافِعِ وَدَفْعِ الْمَضَارِّ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ وَفِعْلِ الْأَسْبَابِ الْمَأْذُونِ فِيهَا شَرْعاً [1].
-
2. التَّفْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِأَنْوَاعِ التَّوَكُّلِ وَأَحْكَامِهِ:
- أ. التَّوَكُّلُ التَّعَبُّدِيُّ (وَاجِبُ الْإِيمَانِ): وَهُوَ الِاعْتِمَادُ الْمُطْلَقُ عَلَى اللهِ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللهِ (كَالِاعْتِمَادِ عَلَى مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ فِي رِزْقٍ أَوْ نَصْرٍ) شِرْكٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ.
- ب. تَوَكُّلُ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ: أَنْ يَعْتَمِدَ الْقَلْبُ كُلِّيَّةً عَلَى سَبَبٍ حَيٍّ حَاضِرٍ (كَالِاعْتِمَادِ عَلَى طَبِيبٍ فِي الشِّفَاءِ، أَوْ رَئِيسٍ فِي الْمَعَاشِ) مَعَ نِسْيَانِ الْمُسَبِّبِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ لِأَنَّهُ تَعَلُّقٌ بِمَخْلُوقٍ فِيمَا جَعَلَهُ اللهُ سَبَباً ظَاهِراً.
- ج. التَّوْكِيلُ (الْإِنَابَةُ الْمَشْرُوعَةُ): وَهُوَ تَفْوِيضُ شَخْصٍ حَيٍّ حَاضِرٍ لِيَفْعَلَ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ نِيَابَةً عَنْكَ (كَالْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ)؛ وَهَذَا جَائِزٌ مَشْرُوعٌ لَا يَقْدَحُ فِي التَّوْحِيدِ [1].
ثَانِيًا: مَسْأَلَةُ التَّبَرُّكِ (أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ بِالتَّفْصِيلِ)
- 1. الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: التَّبَرُّكُ هُوَ طَلَبُ الْبَرَكَةِ (وَهِيَ ثُبُوتُ الْخَيْرِ الْإِلَهِيِّ وَزِيَادَتُهُ). وَالْبَرَكَةُ كُلُّهَا مِنَ اللهِ، فَلَا يُطْلَبُ الْفِعْلُ إِلَّا مِنْهُ سُبْحَانَهُ [2].
-
2. أَنْوَاعُ التَّبَرُّكِ وَتَحْرِيرُ أَحْكَامِهَا:
-
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: التَّبَرُّكُ الْمَشْرُوعُ: وَهُوَ مَا دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى بَرَكَتِهِ، وَهُوَ نَوْعَانِ:
- أ. تَبَرُّكٌ بِالذَّاتِ وَالْآثَارِ: وَهَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَطْ فِي حَيَاتِهِ (كَالتَّبَرُّكِ بِشَعْرِهِ، وَرِيقِهِ، وَثِيَابِهِ)، وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّالِحِينَ [2].
- ب. تَبَرُّكٌ مَعْنَوِيٌّ عَمَلِيٌّ: كَالتَّبَرُّكِ بِالْقُرْآنِ (تِلَاوَةً وَتَدَبُّراً وَعَمَلاً)، أَوْ بِالْأَزْمِنَةِ (كَلَيْلَةِ الْقَدْرِ بِالْعِبَادَةِ فِيهَا)، أَوْ الْأَمْكِنَةِ (كَالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ بِالصَّلَاةِ فِيهَا)، أَوْ الْأَطْعِمَةِ (كَمَاءِ زَمْزَمَ وَزَيْتِ الزَّيْتُونِ بِالتَّنَاوُلِ وَالِاسْتِشْفَاءِ طِبْقاً لِلشَّرْعِ).
-
الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّبَرُّكُ الْمَمْنُوعُ (الْمُحَرَّمُ): وَهُوَ طَلَبُ الْبَرَكَةِ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِيهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، وَيَنْقَسِمُ حُكْمُهُ إِلَى مَرْتَبَتَيْنِ [3]:
- أ. مَتَى يَكُونُ شِرْكاً أَكْبَرُ؟ إِذَا تَمَسَّحَ الشَّخْصُ بِقَبْرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ، مُعْتَقِداً أَنَّ هَذَا الْمَخْلُوقَ (أَوِ الْمَيِّتَ) هُوَ الَّذِي يَهَبُ الْبَرَكَةَ وَيَخْلُقُهَا بِذَاتِهِ مِنْ دُونِ اللهِ.
- ب. مَتَى يَكُونُ شِرْكاً أَصْغَرَ وَبِدْعَةً؟ إِذَا تَمَسَّحَ بِقُبُورِ الصَّالِحِينَ أَوْ جُدْرَانِ الْمَسَاجِدِ مُعْتَقِداً أَنَّ اللهَ هُوَ الْمَانِحُ، لَكِنَّهُ جَعَلَ هَذَا التَّمَسُّحَ سَبَباً لِنَيْلِ الْبَرَكَةِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ شَرْعِيٍّ وَلَا حِسِّيٍّ سَبَباً، وَهُوَ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ لِأَنَّهُ إِحْدَاثٌ فِي الدِّينِ [3].
ثَالِثًا: مَسْأَلَةُ الْوَسَاطَةِ (الْوَسَائِطِ بَيْنَ اللهِ وَخَلْقِهِ)
- 1. التَّأْصِيلُ: الْوَسَاطَةُ تَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ كَبِيرَيْنِ يُحَدِّدَانِ مَجْرَى التَّوْحِيدِ وَالْكُفْرِ [4]:
-
2. أَنْوَاعُ الْوَسَاطَةِ وَأَحْكَامُهَا الدَّقِيقَةُ:
- الْأَوَّلُ: وَسَاطَةُ الْبَلَاغِ وَالدَّعْوَةِ (وَاجِبَةُ الْقَبُولِ): وَهِيَ إِثْبَاتُ الْوَسَاطَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ فِي تَبْلِيغِ شَرِيعَةِ اللهِ وَأَحْكَامِهِ إِلَى الْخَلْقِ. مَنْ أَنْكَرَ هَذِهِ الْوَسَاطَةَ فَقَدْ كَفَرَ.
-
الثَّانِي: وَسَاطَةُ الْعِبَادَةِ وَقَضَاءِ الْحَوَائِجِ (مُحَرَّمَةٌ بَاطِلَةٌ): وَهِيَ اتِّخَاذُ وَسَائِطَ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللهِ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّقَرُّبِ، وَتَفْصِيلُهَا كَمَا يَلِي [4]:
- أ. مَتَى تَكُونُ شِرْكاً أَكْبَرُ؟ إِذَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ مِنَ الْأَمْوَاتِ أَوِ الْأَوْلِيَاءِ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْتَغِيثُ بِهِمْ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ لِيَرْفَعُوا حَاجَتَهُ إِلَى اللهِ، زَاعِماً أَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ دُعَاءَهُ إِلَّا بِوَاسِطَتِهِمْ (كَحَالِ مُشْرِكِي الْجَاهِلِيَّةِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى})؛ فَهَذَا كُفْرٌ نَاقِضٌ لِلْمِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ [5].
- ب. مَتَى تَكُونُ شِرْكاً أَصْغَرَ؟ إِذَا طَلَبَ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْحَيِّ الْحَاضِرِ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً بِمَعْنَى أَنْ يَدْعُوَ اللهَ لَهُ (وَهَذَا أَصْلُهُ التَّوَسُّلُ الدُّعَائِيُّ الْجَائِزُ كَقَوْلِ: "ادْعُ اللهَ لِي")، لَكِنْ إِذَا صَاحَبَ ذَلِكَ اعْتِقَادٌ قَلْبِيٌّ بِأَنَّ دُعَاءَ هَذَا الْحَيِّ لَهُ سُلْطَانٌ خَفِيٌّ، أَوْ تَعَلَّقَ الْقَلْبُ بِهِ تَعَلُّقاً يُقَدِّمُهُ عَلَى اعْتِمَادِهِ عَلَى اللهِ، فَيَنْتَقِلُ الْفِعْلُ إِلَى الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ خَوْفاً مِنْ نَقْصِ التَّوَكُّلِ الْوَاجِبِ [4].
رَابِعًا: مَسْأَلَةُ التَّمَائِمِ (تَعْلِيقُ الْأَسْبَابِ الْخَفِيَّةِ)
- 1. الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: التَّمِيمَةُ هِيَ كُلُّ مَا يُعَلَّقُ عَلَى الْأَوْلَادِ أَوِ الدَّوَابِّ أَوِ الْبُيُوتِ مِنَ الْخَرَزِ، أَوِ الْعِظَامِ، أَوِ الْخُيُوطِ، أَوِ الْأَوْرَاقِ الْمَكْتُوبَةِ؛ لِدَفْعِ الْعَيْنِ أَوِ الْبَلَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ، أَوْ رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ [6].
-
2. التَّحْرِيرُ الْعَقَدِيُّ لِأَحْكَامِ التَّمَائِمِ:
- أ. مَتَى تَكُونُ الشَّيْءُ الْمُعَلَّقُ شِرْكاً أَكْبَرُ؟ إِذَا عَلَّقَ التَّمِيمَةَ (سَوَاءٌ كَانَتْ خَرَزَةً زَرْقَاءَ، أَوْ حَدْوَةَ حِصَانٍ، أَوْ غَيْرَهَا) وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا تَدْفَعُ الضُّرَّ أَوْ تَجْلِبُ النَّفْعَ بِذَاتِهَا وَاسْتِقْلَالِهَا مِنْ دُونِ مَشِيئَةِ اللهِ. فَهَذَا شِرْكٌ أَكْبَرُ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ مَعاً.
- ب. مَتَى تَكُونُ شِرْكاً أَصْغَرَ؟ إِذَا عَلَّقَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ النَّافِعُ الضَّارُّ، وَأَنَّ هَذِهِ التَّمِيمَةَ مُجَرَّدُ سَبَبٍ جَعَلَهُ اللهُ لِلْحِفْظِ؛ فَهَذَا شِرْكٌ أَصْغَرُ، لِأَنَّهُ جَعَلَ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ (لَا شَرْعاً وَلَا حِسّاً) سَبَباً لِلْحِفْظِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَقَدْ أَشْرَكَ» [7].
-
ج. حُكْمُ التَّمَائِمِ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: إِذَا كَانَتِ التَّمِيمَةُ مَكْتُوبَةً مِنَ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ أَوْ الْأَدْعِيَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا السَّلَفُ:
- الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: الْجَوَازُ (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ).
- الْقَوْلُ الثَّانِي: الْمَنْعُ وَالتَّحْرِيمُ (وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ)، وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ حَسْمًا لِلْمَادَّةِ؛ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عُمُومِ النَّهْيِ النَّبَوِيِّ عَنِ التَّمَائِمِ، وَسَدِّ الذَّرِيعَةِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى تَعْلِيقِ غَيْرِ الْقُرْآنِ، وَصِيَانَةِ الْقُرْآنِ عَنِ الِامْتِهَانِ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلَاءِ [6].
■________________________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ مَسْأَلَةِ التَّوَكُّلِ وَأَنْوَاعِهِ: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 2، ص 115-125 (مَنْزِلَةُ التَّوَكُّلِ).
- [2] مَصْدَرُ تَعْرِيفِ التَّبَرُّكِ وَالْفَرْقِ بَيْنَ آثَارِ النَّبِيِّ وَغَيْرِهِ: انْظُرْ: الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، لِمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، ص 88. وَانْظُرْ: التَّبَرُّكُ أَنْوَاعُهُ وَأَحْكَامُهُ، لِنَاصِرِ الْجُدَيْعِ، دَارُ الرُّشْدِ، ص 45-60.
- [3] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ فِي التَّبَرُّكِ: انْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِسُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ آلِ الشَّيْخِ، ص 182-190 (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّبَرُّكِ بِشَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ).
- [4] مَصْدَرُ مَسْأَلَةِ الْوَسَاطَةِ وَالتَّفْصِيلِ فِيهَا: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ج 1، ص 123-130 (رِسَالَةٌ فِي الْوَاسِطَةِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَالْحَقِّ).
- [5] مَصْدَرُ إِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى كُفْرِ مَنْ جَعَلَ الْوَسَائِطَ فِي الْعِبَادَةِ: انْظُرْ: نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، النَّاقِضُ الثَّانِي. وَانْظُرْ: كَشْفُ الشُّبُهَاتِ، ص 12.
- [6] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ أَحْكَامِ التَّمَائِمِ وَالْخِلَافِ فِي تَمَائِمِ الْقُرْآنِ: انْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ السَّلَامِ، ص 125-135 (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرُّقَى وَالتَّمَائِمِ).
- [7] مَصْدَرُ حَدِيثِ التَّمَائِمِ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، رَقْمُ الْحَدِيثِ (17458)، ج 28، ص 637، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، رَقْمُ (492).
■____________________________________12_______________________________________■
الْمُتَضَمَّنُ الرَّابِعُ (تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ)
أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ (الِاشْتِقَاقَاتُ وَالْحُدُودُ)
1. كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ:
- الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ الْمَزِيدِ بِالتَّضْعِيفِ (وَحَّدَ - يُوَحِّدُ - تَوْحِيداً)، وَأَصْلُهُ الْجِذْرُ (و ح د) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِانْفِرَادِ. فَوَحَّدَ الشَّيْءَ أَيْ: جَعَلَهُ وَاحِداً مُفْرَداً [1].
- الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ اصْطِلَاحاً: هُوَ إِفْرَادُ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّتِهِ، وَأُلُوهِيَّتِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
2. كَلِمَةُ الْأَسْمَاءِ (جَمْعُ اسْمٍ):
- الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: فِيهِ مَذْهَبَانِ؛ أَمَّا مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ: فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ "السُّمُوِّ" وَهُوَ الْعُلُوُّ وَالرِّفْعَةُ (وَأَصْلُهُ سِمْوٌ)، لِأَنَّ الِاسْمَ يَعْلُو عَلَى الْمُسَمَّى. وَأَمَّا مَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ: فَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ "السِّمَةِ" وَهِيَ الْعَلَامَةُ (وَأَصْلُهُ وَسْمٌ)، لِأَنَّ الِاسْمَ عَلَامَةٌ عَلَى صَاحِبِهِ. وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ [2].
- الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعاً: هِيَ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، مَعَ تَضَمُّنِهِ لِصِفَةِ كَمَالٍ قَائِمَةٍ بِهِ (كَالْعَلِيمِ الدَّالِّ عَلَى الذَّاتِ الْمُتَّصِفَةِ بِالْعِلْمِ) [3].
3. كَلِمَةُ الصِّفَاتِ (جَمْعُ صِفَةٍ):
- الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: مَصْدَرٌ حُذِفَتْ فَاؤُهُ (الْوَاوُ) وَعُوِّضَ عَنْهَا بِالتَّاءِ فِي الْآخِرِ، وَأَصْلُهَا مِنَ الْفِعْلِ (وَصَفَ - يَصِفُ - صِفَةً). وَالْوَصْفُ هُوَ ذِكْرُ حَالِ الشَّيْءِ وَأَمَارَاتِهِ النَّاعِتَةِ لَهُ [2].
- الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعاً: هِيَ نُعُوتُ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ الْقَائِمَةُ بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَسْمَاؤُهُ أَوْ أَفْعَالُهُ، وَالَّتِي لَا تَنْفَكُّ عَنْ ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ [3].
ثَانِيًا: الْتَعْرِيفُ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
- الْحَدُّ الْعِلْمِيُّ الشَّرْعِيُّ: هُوَ الْإِيمَانُ الْجَازِمُ بِكُلِّ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ فِي كِتَابِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ فِي سُنَّتِهِ، مِنْ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى وَالصِّفَاتِ الْعُلْيَا، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ [4].
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ
مَبْنَى هَذَا التَّوْحِيدِ هُوَ الْوُقُوفُ عِنْدَ نُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ نَفْياً وَإِثْبَاتاً:
- الدَّلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ (عُمْدَةُ الْبَابِ): قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشُّورَى: 11]، فَجَمَعَ بَيْنَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ وَإِثْبَاتِ الصِّفَاتِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.
- الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [5].
رَابِعًا: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْبَابَيْنِ
- 1. قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ: أَسْمَاءُ اللهِ كُلُّهَا حُسْنَى وَهِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، وَهِيَ أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ؛ أَعْلَامٌ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الذَّاتِ، وَأَوْصَافٌ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ [6].
- 2. قَوْلُهُمْ فِي بَابِ الْصِّفَاتِ: كُلُّ صِفَاتِ اللهِ صِفَاتُ كَمَالٍ مُطْلَقٍ، وَبَابُ الصِّفَاتِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْأَسْمَاءِ، وَالْقَاعِدَةُ فِيهَا أَنَّ: "الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ"، فَمَا نُثْبِتُهُ مِنَ الذَّاتِ نُثْبِتُ نَظِيرَهُ فِي الصِّفَاتِ إِثْبَاتَ وُجُودٍ وَكَمَالٍ لَا إِثْبَاتَ تَكْيِيفٍ وَتَمْثِيلٍ [4].
خَامِسًا: ضَوَابِطُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
- الضَّابِطُ الْأَوَّلُ (التَّوْقِيفُ): لَا نُسَمِّي اللهَ وَلَا نَصِفُهُ إِلَّا بِمَا سَمَّى وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ.
- الضَّابِطُ الثَّانِي (السَّلَامَةُ مِنَ الْمَحَاذِيرِ): صِيَانَةُ النُّصُوصِ عَنِ التَّحْرِيفِ (تَبْدِيلِ اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى)، وَالتَّعْطِيلِ (نَفْيِ الصِّفَةِ)، وَالتَّكْيِيفِ (حِكَايَةِ كُنْهِهَا)، وَالتَّمْثِيلِ (تَشْبِيهِهَا بِالْمَخْلُوقِ).
- الضَّابِطُ الثَّالِثُ (الِانْقِسَامُ التَّقْسِيمِيُّ): تَنْقَسِمُ الصِّفَاتُ إِلَى ذَاتِيَّةٍ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ (كَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ)، وَفِعْلِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ (كَالنُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ) [6].
سَادِسًا: اخْتِرَاقُ الْفِرَقِ وَأَقْوَالُهُمْ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
انْقَسَمَتِ الْفِرَقُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى طَوَائِفَ شَتَّى، خَرَجُوا بِهَا عَنْ جَادَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ بَيْنَ إِفْرَاطٍ فِي النَّفْيِ (التَّعْطِيلِ) أَوْ غُلُوٍّ فِي الْإِثْبَاتِ (التَّمْثِيلِ)، وَأَقْوَالُهُمْ كَمَا يَلِي [7]:
●______________________________________13______________________________________●
مُتَعَلَّقَاتُ تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ 1
أَوَّلًا: مَرَاتِبُ إِحْصَاءِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى (مَدْخَلُ التَّعَلُّقِ الْعِلْمِيِّ)
لَا يَتَحَقَّقُ دُخُولُ الْجَنَّةِ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي حَدِيثِ: «مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» إِلَّا بِاسْتِكْمَالِ ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مُتَلَازِمَةٍ يَنْبَنِي بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ [1]:
1. الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: إِحْصَاؤُهَا أَلْفَاظاً وَعَدَداً: وَهُوَ حِفْظُهَا الصَّحِيحُ الثَّابِتُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالْإِحَاطَةُ بِهَا لَفْظاً مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ مَخْتَرَعَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ.
2. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: فَهْمُ مَعَانِيهَا وَمَدْلُولَاتِهَا: أَنْ يَعْقِلَ الْعَبْدُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنَ الصِّفَاتِ؛ فَيَفْهَمُ أَنَّ "الْعَزِيزَ" يَدُلُّ عَلَى عِزَّةِ الْقَهْرِ وَالِامْتِنَاعِ وَالْقُوَّةِ، وَأَنَّ "الْحَكِيمَ" يَدُلُّ عَلَى إِحْكَامِ الْخَلْقِ وَالتَّشْرِيعِ، فَلَا تَكُونُ الْأَسْمَاءُ عِنْدَهُ مُجَرَّدَ أَلْفَاظٍ جَامِدَةٍ.
3. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: دُعَاءُ اللهِ بِهَا: وَهُوَ غَايَةُ الْإِحْصَاءِ، وَيَنْقَسِمُ الدُّعَاءُ هُنَا إِلَى نَوْعَيْنِ:
أ. دُعَاءُ الْمَسْأَلَةِ وَالطَّلَبِ: أَنْ يَتَوَسَّلَ إِلَى اللهِ فِي كُلِّ حَاجَةٍ بِمَا يُنَاسِبُهَا مِنَ الْأَسْمَاءِ (مِثْلُ: "يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي"، "يَا رَزَّاقُ ارْزُقْنِي").
ب. دُعَاءُ الثَّنَاءِ وَالْعِبَادَةِ: أَنْ يَتَعَبَّدَ الْعَبْدُ لِلَّهِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ؛ فَيُثْمِرَ عِلْمُهُ بِأَنَّ اللهَ "بَصِيرٌ سَمِيعٌ" دَوَامَ الْمُرَاقَبَةِ لِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ فِي الْخَلْوَةِ وَالْجَلْوَةِ.
ثَانِيًا: الْإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ (مُتَعَلَّقُ النَّفْيِ وَالِانْحِرَافِ)
الِاشْتِقَاقُ لُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الْفِعْلِ (لَحَدَ - يَلْحَدُ - لَحْداً وَإِلْحَاداً)، وَأَصْلُ الْمَادَّةِ (ل ح د) يَدُلُّ عَلَى الْمَيْلِ عَنِ الْقَصْدِ وَالِانْحِرَافِ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمِنْهُ "اللَّحْدُ" فِي الْقَبْرِ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَائِلاً فِي جَانِبِهِ [2].
الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْإِلْحَادِ فِي الْأَسْمَاءِ: هُوَ الْمَيْلُ بِهَا وَبِحَقَائِقِهَا وَمَعَانِيهَا عَنِ الْحَقِّ الثَّابِتِ فِيهَا.
أَنْوَاعُ الْإِلْحَادِ الْعَقَدِيِّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ مُسْتَوْعِبَةٍ) [3]:
الْنَّوْعُ الْأَوَّلُ: أَنْ يُسَمَّى الْأَصْنَامُ وَالْمَخْلُوقَاتُ بِهَا (كَمَا فَعَلَ الْمُشْرِكُونَ حِينَ اشْتَقُّوا "اللَّاتَ" مِنَ "الإِلَهِ"، وَ"الْعُزَّى" مِنَ "الْعَزِيزِ").
النَّوْعُ الثَّانِي: أَنْ يُسَمَّى اللهُ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ (كَتَسْمِيَةِ الْفَلَاسِفَةِ لَهُ بـ "الْعِلَّةِ الْفَاعِلَةِ"، أَوْ تَسْمِيَةِ النَّصَارَى لَهُ بـ "الأَبِ").
النَّوْعُ الثَّالِثُ: وَصْفُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يَتَضَمَّنُ نَقْصاً وَعَيْباً (كَقَوْلِ الْيَهُودِ -لَعَنَهُمُ اللهُ-: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ}، وَقَوْلِهِمْ: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ}).
النَّوْعُ الرَّابِعُ: جُحُودُ مَعَانِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَحَقَائِقِهَا وَتَعْطِيلُهَا عَنِ الصِّفَاتِ (كَمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهَا أَلْفَاظٌ مُجَرَّدَةٌ لَا مَعَانِيَ لَهَا).
ثَالِثًا: قَوَاعِدُ الِارْتِبَاطِ بَيْنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ وَالْأَثَرِ (قَوَاعِدُ التَّعَلُّقِ)
لِفَهْمِ كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الْأَسْمَاءِ بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، قَعَّدَ أَهْلُ السُّنَّةِ قَوَاعِدَ جَامِعَةً لِأَحْكَامِ التَّعَدِّي وَاللُّزُومِ [4]:
1. الِاسْمُ اللَّازِمُ: هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى ذَاتِ اللهِ وَعَلَى صِفَةٍ قَائِمَةٍ بِهِ لَا تَتَعَدَّى إِلَى الْخَلْقِ فِعْلاً (مِثْلُ اسْمِهِ "الْحَيُّ"؛ فَالْإِيمَانُ بِهِ يَتَضَمَّنُ: إِثْبَاتَ "الْحَيِّ" اسْماً، وَإِثْبَاتَ "الْحَيَاةِ" صِفَةً لَهُ سُبْحَانَهُ).
2. الِاسْمُ الْمُتَعَدِّي: هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ، وَعَلَى الصِّفَةِ، وَعَلَى أَثَرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فِي الْخَلْقِ (مِثْلُ اسْمِهِ "الرَّحْمَنُ"؛ فَالْإِيمَانُ بِهِ لَا يَتِمُّ حَتَّى تُثْبِتَ ثَلَاثَةَ أُمُورٍ: إِثْبَاتَ "الرَّحْمَنِ" اسْماً، وَإِثْبَاتَ "الرَّحْمَةِ" صِفَةً، وَإِثْبَاتَ أَنَّهُ يَرْحَمُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ كَأَثَرٍ عَمَلِيٍّ لِلِاسْمِ).
3. قَاعِدَةُ نُعُوتِ الْفِعْلِ وَالتَّجَدُّدِ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ اللهِ فِعْلِيّاً (كَالْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالِاسْتِوَاءِ) فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، فَيَفْعَلُهُ حَقِيقَةً مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، لَكِنَّ أَصْلَ اتِّصَافِهِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ أَمَدِيَّةٌ لَا بِدَايَةَ لَهَا [5].
رَابِعًا: الْآثَارُ التَّعَبُّدِيَّةُ وَالسُّلُوكِيَّةُ لِتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
إِنَّ تَوْحِيدَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لَيْسَ جَدَلاً نَظَرِيّاً، بَلْ هُوَ مَنْبَعُ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ كُلِّهَا، وَلِكُلِّ صِفَةٍ عُبُودِيَّةٌ خَاصَّةٌ هِيَ مِنْ مُوجِبَاتِهَا [1]:
1. عُبُودِيَّةُ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ: تَحْصُلُ لِلْعَبْدِ بِالتَّعَلُّقِ بِأَسْمَاءِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ وَالْقَهْرِ (كَالْجَبَّارِ، الْعَزِيزِ، الْمُنْتَقِمِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ)، فَيَنْكَسِرُ الْقَلْبُ وَيَبْتَعِدُ عَنِ الْمَظَالِمِ وَالذُّنُوبِ.
2. عُبُودِيَّةُ الرَّجَاءِ وَالطَّمَعِ: تَحْصُلُ بِالتَّعَلُّقِ بِأَسْمَاءِ الْجَمَالِ وَالْجُودِ وَالْبِرِّ (كَالْغَفُورِ، الرَّحِيمِ، الْوَدُودِ، الْكَرِيمِ)، فَيَقْوَى رَجَاءُ الْعَبْدِ فِي فضلِ اللهِ وَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِهِ.
3. عُبُودِيَّةُ التَّوَكُّلِ وَالْإِنَابَةِ: تَحْصُلُ بِالْعِلْمِ بِأَسْمَاءِ الْإِحَاطَةِ وَالْكِفَايَةِ (كَالْقَدِيرِ، الْوَكِيلِ، الْكَافِي، الْحَيِّ الْقَيُّومِ)، حَيْثُ يَعْلَمُ الْعَبْدُ أَنَّ أُمُورَ الْخَلْقِ بِيَدِهِ وَحْدَهُ، فَيَفْوِضُ أَمْرَهُ إِلَيْهِ قَلْبِيّاً.
■_______________________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ مَرَاتِبِ الْإِحْصَاءِ وَالْآثَارِ السُّلُوكِيَّةِ: انْظُرْ: بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ج 1، ص 160-165. وَانْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ج 1، ص 420.
[2] مَصْدَرُ اشْتِقَاقِ الْإِلْحَادِ لُغَةً: انْظُرْ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، لِابْنِ فَارِسٍ، دَارُ الْفِكْرِ، مَادَّةُ (ل ح د)، ج 5، ص 240.
[3] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ أَنْوَاعِ الْإِلْحَادِ فِي الْأَسْمَاءِ: انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 3، ص 502 (تَفْسِيرُ آيَةِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ). وَانْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج 7، ص 340.
[4] مَصْدَرُ قَوَاعِدِ الِاسْمِ اللَّازِمِ وَالْمُتَعَدِّي: انْظُرْ: الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، لِمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 38-42.
[5] مَصْدَرُ قَاعِدَةِ تَجَدُّدِ الْأَفْعَالِ مَعَ قِدَمِ النَّوْعِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ص 112-118.
■___________________________________14________________________________________■
متعلقات توحيد الأسماء والصفات 3
الضَّوَابِطُ الْعَشَرَةُ الْأُصُولِيَّةُ الْعَقَدِيَّةُ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
■الضَّابِطُ الْأَوَّلُ: ضَابِطُ التَّوْقِيفِ الْمُطْلَقِ (نَفْيُ الإبتداع)
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ مَوْقُوفَةٌ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَلَا يَجُوزُ إِثْبَاتُ اسْمٍ أَوْ صِفَةٍ لَمْ يَرِدْ بِهَا النَّصُّ، كَمَا لَا يَجُوزُ نَفْيُ مَا أَثْبَتَهُ الْوَحْيُ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُهُ إِدْرَاكُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْبَارِي بِمَعْزِلٍ عَنِ السَّمْعِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] [1].
■الضَّابِطُ الثَّانِي: ضَابِطُ الْأَعْلَامِ وَالْأَوْصَافِ (حَقِيقَةُ الِاسْمِ)
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى هُوَ عَلَمٌ وَوَصْفٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ فَهُوَ عَلَمٌ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهِ عَلَى الذَّاتِ، وَوَصْفٌ بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهِ لِمَعْنَى الصِّفَةِ. وَبِهَذَا يَبْطُلُ مَذْهَبُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا أَعْلَامٌ جَامِدَةٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْقُرْآنِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الِاسْمِ وَتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} ثُمَّ يَقُولُ: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} [الكهف: 58]، فَأَثْبَتَ أَنَّ الرَّحِيمَ يَتَضَمَّنُ الرَّحْمَةَ [2].
■الضَّابِطُ الثَّالِثُ: ضَابِطُ الْحُسْنَى الْمُطْلَقَةِ (نَفْيُ النَّقْصِ)
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: أَسْمَاءُ اللهِ بَالِغَةٌ فِي الْحُسْنِ غَايَتَهُ، وَالْحُسْنُ فِيهَا صِفَةٌ لَازِمَةٌ لَا يَدْخُلُهَا النَّقْصُ بِأَيِّ اعْتِبَارٍ، سَوَاءٌ أُفْرِدَتْ أَوْ قُرِنَتْ بِغَيْرِهَا؛ فَلَا يُشْتَقُّ لِلَّهِ اسْمٌ مِنْ أَفْعَالِ التَّقْيِيدِ (كَالصَّانِعِ أَوْ الْمَاكِرِ). وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]، فَأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ مَحْضَ كَمَالٍ وَثَنَاءٍ [3].
■الضَّابِطُ الرَّابِعُ: ضَابِطُ عَدَمِ الِانْحِصَارِ فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: أَسْمَاءُ اللهِ لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي جَاءَ ذِكْرُهَا فِي حَدِيثِ الْإِحْصَاءِ، بَلْ للهِ أَسْمَاءٌ اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ فِي الدُّعَاءِ الْمَشْهُورِ: «أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»، وَمَا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِهِ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُ وَلَا إِحَاطَةُ الْخَلْقِ بِهِ [4].
■الضَّابِطُ الْخَامِسُ: ضَابِطُ "الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ"
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: هَذَا هُوَ الضَّابِطُ الْمَتِينُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ؛ فَكَمَا أَنَّ للهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، فَلَهُ كَذَلِكَ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. فَمَنْ أَثْبَتَ ذَاتاً بِلَا كَيْفٍ، لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَاتٍ بِلَا كَيْفٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ جَامِعُ التَّنْزِيهِ وَالْإِثْبَاتِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] [5].
■الضَّابِطُ السَّادِسُ: ضَابِطُ "الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ"
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: هَذَا الضَّابِطُ يُلْزِمُ مَنْ أَثْبَتَ بَعْضَ الصِّفَاتِ وَأَوَّلَ بَعْضاً (كَالْأَشَاعِرَةِ)؛ فَمَنْ أَثْبَتَ صِفَةَ "الْإِرَادَةِ" مَعَ زَعْمِهِ أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ إِرَادَةَ الْمَخْلُوقِ، فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَةَ "الْمَحَبَّةِ" وَ"النُّزُولِ" عَلَى وَجْهٍ لَا يُشْبِهُ الْمَخْلُوقَ، إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَأْخَذِ النَّصِّ. وَالدَّلِيلُ هُوَ وُرُودُ الْجَمِيعِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ مِنْ سِيَاقَاتِ الْوَحْيِ الْأَمِينِ [5].
■الضَّابِطُ السَّابِعُ: ضَابِطُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: يَجِبُ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيِ الصِّفَاتِ؛ الذَّاتِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفاً بِهَا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ. وَالْفِعْلِيَّةُ: وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ إِنْ شَاءَ فَعَلَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهَا كَالِاسْتِوَاءِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ ذَاتِيُّ الْأَصْلِ فِعْلِيُّ الْآحَادِ كَالْكَلَامِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82] [6].
■الضَّابِطُ الثَّامِنُ: ضَابِطُ سَعَةِ بَابِ الْإِخْبَارِ عَنْ بَابِ الصِّفَاتِ
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: الْقَاعِدَةُ أَنَّ بَابَ الْإِخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ، وَبَابُ الصِّفَاتِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الْأَسْمَاءِ. فَيَجُوزُ أَنْ نُخْبِرَ عَنِ اللهِ بِلَفْظٍ صَحِيحِ الْمَعْنَى لَا نَقْصَ فِيهِ (مِثْلُ: "اللهُ مَوْجُودٌ" أَوْ "قَدِيمٌ" أَوْ "شَيْءٌ") لَكِنْ لَا نَجْعَلُهَا مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ بِاللَّفْظِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ} [الأنعام: 19]، فَأَطْلَقَ لَفْظَ "شَيْءٍ" فِي مَقَامِ الْإِخْبَارِ [2].
■الضَّابِطُ التَّاسِعُ: ضَابِطُ نَفْيِ الْمَجَازِ عَنْ نُصُوصِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: نُصُوصُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَحْمُولَةٌ عَلَى حَقِيقَتِهَا الظَّاهِرَةِ اللَّائِقَةِ بِاللهِ، وَلَا يَدْخُلُهَا الْمَجَازُ الَّذِي يَعْنِي جَوَازَ نَفْيِ اللَّفْظِ عَنْ أَصْلِهِ (كَقَوْلِهِمْ الْيَدُ هِيَ الْقُدْرَةُ)؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ، وَلَا مَعْنَى لِلْمَجَازِ فِي خَبَرِ اللهِ عَنْ نَفْسِهِ. وَالدَّلِيلُ أَنَّ اللهَ خَاطَبَ الْعَرَبَ بِلُغَتِهِمْ، وَالْعَرَبُ تَفْهَمُ مِنَ الْكَلَامِ حَقَائِقَهُ حَتَّى تَقُومَ قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ، وَلَا قَرِينَةَ هُنَا صَارِفَةٌ عَنِ الْكَمَالِ [7].
■الضَّابِطُ الْعَاشِرُ: ضَابِطُ إِمْرَارِ النُّصُوصِ مَعَ نَفْيِ تَعْيِينِ الْكُنْهِ (الْكَيْفِ)
- بَيَانُهُ وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ: يَجِبُ إِمْرَارُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ كَمَا جَاءَتْ، مَعَ الْإِيمَانِ بِمَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهَا لُغَةً، مَعَ الْقَطْعِ التَّامِّ بِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهَا؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْكَيْفِ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِكُنْهِ الذَّاتِ، وَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنِ الْخَلْقِ. وَالتَّدْلِيلُ عَلَيْهِ هُوَ الْأَثَرُ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ حِينَ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِوَاءِ فَقَالَ: «الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ» [7].
■_________________________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ ضَابِطُ التَّوْقِيفِ: انْظُرْ: الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ (مَعَ شَرْحِ خَلِيلٍ هَرَّاسٍ)، دَارُ الْهِجْرَةِ، ص 32.
- [2] مَصْدَرُ ضَوَابِطِ الْأَعْلَامِ وَالْإِخْبَارِ: انْظُرْ: بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، ج 1، ص 162-170.
- [3] مَصْدَرُ ضَابِطُ الْحُسْنَى لِلْأَسْمَاءِ: انْظُرْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، لِابْنِ كَثِيرٍ، دَارُ طَيِّبَةَ، ج 3، ص 500.
- [4] مَصْدَرُ حَدِيثِ عَدَمِ حَصْرِ الْأَسْمَاءِ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، رَقْمُ (3712)، ج 6، ص 247، وَصَحَّحَهُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ.
- [5] مَصْدَرُ ضَوَابِطِ تَمَاثُلِ التَّأْصِيلِ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ: انْظُرْ: الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ: تَحْقيقُ الْإِثْبَاتِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَطْبَعَةُ السُّنَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، ص 15-22.
- [6] مَصْدَرُ ضَابِطُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، لِمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص 55-60.
- [7] مَصْدَرُ نَفْيِ الْمَجَازِ وَقَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج 5، ص 365 (بَابُ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي النُّصُوصِ). وَأَثَرُ مَالِكٍ أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ فِي شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، رَقْمُ (664).
●____________________________________14___________________________________●
●الْقَوَاعِدُ الْخَمْسُ الْعَقَدِيَّةُ فِي بَابِ الصِّفَاتِ
■الْقَاعِدَةُ الْأُولَى: قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ تَبَعاً لِلْوَحْيِ (كَمَالُ الْعِلْمِ بِالْمَعْبُودِ)
●شَرْحُ الْقَاعِدَةِ: مَبْنَى هَذَا الْبَابِ عَلَى التَّسْلِيمِ الْمُطْلَقِ؛ فَنَحْنُ نُثْبِتُ لِلَّهِ تَعَالَى مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، وَنَنْفِي عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ مِنْ خَلْقِهِ. وَكَذَلِكَ نُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ، وَنَنْفِي مَا نَفَاهُ عَنْهُ، لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِرَبِّهِ، وَأَنْصَحُهُمْ، وَأَفْصَحُهُمْ قَوْلاً. فَإِذَا اجْتَمَعَ كَمَالُ الْعِلْمِ، وَكَمَالُ النُّصْحِ، وَكَمَالُ الْبَيَانِ فِي كَلَامِ اللهِ وَرَسُولِهِ، بَطَلَ اعْتِرَاضُ أَيِّ مُعْتَرِضٍ بِعَقْلِهِ.
■التَّدْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ وَقُصُورِ عِلْمِ الْخَلْقِ: {أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} [البقرة: 140]، وَقَوْلُهُ: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 74].
مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ الصَّرِيحُ فِي تَعْظِيمِ الْعِلْمِ بِاللهِ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» [1].
■الْقَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: قَاعِدَةُ الْعِلْمِ بِالْمَعْنَى وَالْجَهْلِ بِالْكَيْفِ (حَقِيقَةُ الْفَهْمِ)
●شَرْحُ الْقَاعِدَةِ: لِكُلِّ صِفَةٍ إِلَهِيَّةٍ جِهَتَانِ؛ الْجِهَةُ الْأُولَى (أَصْلُ الْمَعْنَى): وَهُوَ مَعْلُومٌ لَنَا حَقِيقَةً بِمُوجِبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ؛ فَالْعِلْمُ ضِدُّ الْجَهْلِ، وَالِاسْتِوَاءُ هُوَ الْعُلُوُّ، وَالنُّزُولُ هُوَ الْهُبُوطُ. الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ (الْكُنْهُ وَالْحَقِيقَةُ وَالْكَيْفِيَّةُ): وَهِيَ مَجْهُولَةٌ لَنَا تَمَاماً، لِأَنَّ اللهَ لَمْ يُخْبِرْنَا عَنْ كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ.
●وَبِهَذَا نَرُدُّ عَلَى "الْمُفَوِّضَةِ" الَّذِينَ يَجْعَلُونَ الْقُرْآنَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرُوفِ الْأَعْجَمِيَّةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا، وَنَرُدُّ عَلَى "الْمُمَثِّلَةِ" الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ كَيْفِيَّةً كَكَيْفِيَّةِ الْمَخْلُوقِ.
■التَّدْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
●مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي نَفْيِ الْإِحَاطَةِ بِالْكَيْفِ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا} [طه: 110]، وَقَوْلُهُ فِي عِلْمِ الْمَعْنَى وَأَمْرِ التَّدَبُّرِ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]، وَالتَّدَبُّرُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِكَلَامٍ مَعْلُومِ الْمَعْنَى.
●مِنَ السُّنَّةِ: كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ إِقْرَارٌ لِلْمَعَانِي، كَمَا فِي حَدِيثِ التَّقْرِيبِ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ...»، فَالضَّحِكُ مَعْلُومُ الْمَعْنَى لُغَةً، لَكِنْ كَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ مَكْفُوفٌ عَنْهَا الْعَقْلُ [2].
■الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَاعِدَةُ التَّمَاثُلِ التَّأْصِيلِيِّ (الْقَوْلُ فِي الذَّاتِ كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ)
●شَرْحُ الْقَاعِدَةِ: هَذَا هُوَ الْمِيزَانُ الْأُصُولِيُّ الَّذِي يَكْسِرُ شُبْهَةَ كُلِّ مُعَطِّلٍ. كُلُّ مَنْ يُثْبِتُ للهِ ذَاتاً، فَإِنَّهُ يُثْبِتُ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا تَقْتَضِي التَّجْسِيمَ فِي عَقْلِهِ. فَنَقُولُ لَهُ: كَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ، فَهِيَ بَابٌ وَاحِدٌ؛ فَنُثْبِتُ للهِ سَمْعاً، وَبَصَراً، وَعِلْماً، وَيَداً، وَاسْتِوَاءً حَقِيقِيّاً عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا يُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ. فَالصِّفَاتُ تَبَعٌ لِلذَّاتِ فِي الْإِثْبَاتِ وَالتَّنْزِيهِ.
■التَّدْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
●مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، فَالذَّاتُ لَيْسَ كَمِثْلِهَا شَيْءٌ، وَالصِّفَاتُ (السَّمْعُ وَالْبَصَرُ) لَيْسَ كَمِثْلِهِمَا شَيْءٌ.
●مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ» [3]؛ فَالرُّؤْيَةُ حَقِيقِيَّةٌ لِذَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَالتَّشْبِيهُ هُنَا لِلرُّؤْيَةِ بِالرُّؤْيَةِ لَا لِلْمَرْئِيِّ بِالْمَرْئِيِّ.
■الْقَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: قَاعِدَةُ الِاطِّرَادِ الْمَنْهَجِيِّ (الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ)
●شَرْحُ الْقَاعِدَةِ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ سَهْمٌ فِي صَدْرِ الطَّوَائِفِ الَّتِي تُمَزِّقُ النُّصُوصَ (كَالْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ).
●هَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا سَبْعَ صِفَاتٍ (كَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ) بِحُجَّةِ أَنَّ الْعَقْلَ دَلَّ عَلَيْهَا، وَأَوَّلُوا الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ (كَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا، وَالْوَجْهِ، وَالْيَدَيْنِ) زَعْماً أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ! فَنَقُولُ لَهُمْ: لَا فَرْقَ؛ الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ؛ فَإِذَا أَثْبَتُّمْ إِرَادَةً لَا تُشْبِهُ إِرَادَةَ الْمَخْلُوقِ، فَالْوَاجِبُ عَلَيْكُمْ إِثْبَاتُ مَحَبَّةٍ وَيَدٍ لَا تُشْبِهُ مَا لَدَى الْمَخْلُوقِ، وَإِلَّا كُنْتُمْ مُتَنَاقِضِينَ.
■التَّدْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
●مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى حَيْثُ جَمَعَ الصِّفَاتِ الَّتِي يُثْبِتُونَهَا مَعَ الَّتِي يُؤَوِّلُونَهَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة: 8]، فَكَمَا نُثْبِتُ صِفَةَ "الرَّبِّ" نُثْبِتُ صِفَةَ "الرِّضَا".
●مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَك وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا...» [4]، فَالنُّزُولُ صِفَةٌ فِئْوِيَّةٌ جَاءَتْ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ مِثْلَمَا جَاءَ السَّمْعُ وَالْعِلْمُ، فَالْمَفْرَقُ بَيْنَهُمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ.
■الْقَاعِدَةُ الْخَامِسَةُ: قَاعِدَةُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالْقَدْرِ الْفَارِقِ (حَقِيقَةُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ)
●شَرْحُ الْقَاعِدَةِ: هِيَ أَعْمَقُ قَوَاعِدِ التَّحْقِيقِ عِنْدَ السَّلَفِ؛ فَمَا مِنْ شَيْئَيْنِ مَوْجُودَيْنِ إِلَّا وَبَيْنَهُمَا "قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ"
يَكُونُ فِي الذِّهْنِ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ (وَهُوَ أَصْلُ مَعْنَى الصِّفَةِ: كَالْوُجُودِ، أَوِ الْعِلْمِ، أَوِ الْقُوَّةِ)، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ لَا يَقْتَضِي التَّشْبِيهَ الْخَارِجِيَّ. لَكِنْ عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّقْيِيدِ يَحْصُلُ "الْقَدْرُ الْفَارِقُ الْمُمَيِّزُ"؛ فَإِذَا قُلْنَا: "عِلْمُ اللهِ"، تَمَيَّزَ بِأَنَّهُ عِلْمٌ أَزَلِيٌّ أَبَدِيٌّ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَسْبِقُهُ جَهْلٌ وَلَا يَلْحَقُهُ نِسْيَانٌ وَإِذَا قُلْنَا: "عِلْمُ الْإِنْسَانِ"، تَمَيَّزَ بِأَنَّهُ حَادِثٌ قَاصِرٌ مَسْبُوقٌ بِجَهْلٍ مَلْحُوقٌ بِنِسْيَانٍ.
●فَالِاشْتِرَاكُ فِي الْأَسْمَاءِ لَا يُوجِبُ تَمَاثُلَ الْمُسَمَّيَاتِ عِنْدَ الْأَعْيَانِ.
■التَّدْلِيلُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:
●مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} [الروم: 19]، فَلَفْظُ "الْحَيِّ" يُطْلَقُ عَلَى اللهِ تَعَالَى كَمَا فِي قَوْلِهِ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ}، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ؛ فَالِاشْتِرَاكُ فِي ٠ سِمَةِ "الْحَيَاةِ" ذِهْنِيٌّ، لَكِنْ حَيَاةُ الْخَالِقِ تَبَايُنُ حَيَاةَ الْمَخْلُوقِ كُلِّيَّةً بِالْقَدْرِ الْفَارِقِ.
●مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ فِي بَيَانِ نَعِيمِ الْجَنَّةِ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ...» ثُمَّ قَرَأَ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [5].
●فَسَمَّى اللهُ مَا فِي الْجَنَّةِ (خَمْراً، وَلَبَناً، وَرُمَّاناً)، وَهِيَ تُشَابِهُ سَمِيَّاتِهَا فِي الدُّنْيَا فِي "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ الذِّهْنِيِّ" فَقَطْ، أَمَّا فِي الْحَقِيقَةِ وَ"الْقَدْرِ الْفَارِقِ" فَبَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ مُطْلَقٌ؛ فَإِذَا كَانَ هَذَا التَّبَايُنُ بَيْنَ مَخْلُوقَيْنِ (نَعِيمِ الدُّنْيَا وَنَعِيمِ الْآخِرَةِ)، فَالْخَالِقُ جَلَّ جَلَالُهُ أَعْظَمُ مُبَايَنَةً لِمَخْلُوقَاتِهِ.
■______________________________________________________________________■
[1] الْقَاعِدَةِ الْأُولَى (حَدِيثُ الْخَشْيَةِ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ»، رَقْمُ (20)، ج 1، ص 14، طَبْعَةُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ، الِطَّبْعَةُ الْأُولَى، 1422هـ.
■الْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: اسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ بِأَسْمَاءِ اللهِ وَصِفَاتِهِ هُوَ أَصْلُ الْخَشْيَةِ، وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ بِاللهِ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ، فَمَنْ نَفَى صِفَةً أَثْبَتَهَا النَّبِيُّ ﷺ زَعْماً مِنْهُ أَنَّهُ يُنَزِّهُ اللهَ، فَقَدْ ادَّعَى تَنْزِيهاً خَفِيَ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الِاضْطِلَامِ وَالْجَهْلِ.
[2] الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ (حَقِيقَةُ الرَّدِّ عَلَى الْتَفْوِيضِ): انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج 5، ص 34-42 (الرِّسَالَةُ الْحَمَوِيَّةُ الْكُبْرَى)، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، 1416هـ.
■الْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: يُبَيِّنُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ نِكْتَةً لَطِيفَةً، وَهِيَ أَنَّ "التَّفْوِيضَ" الَّذِي يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (تَفْوِيضُ الْمَعْنَى) هُوَ مِنْ شَرِّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الأَنْبِيَاءَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِكَلَامٍ لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ، وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَعْنَى مَعْلُومٌ لِلتَّدَبُّرِ، وَالتَّفْوِيضَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي الْكَيْفِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ سُبْحَانَهُ.
[3] الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ (الْقَوْلُ فِي الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَحَدِيثُ الرُّؤْيَةِ): حَدِيثُ الرُّؤْيَةِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، بَابُ «فَضْلِ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالعَصْرِ»، رَقْمُ (633)، ج 1، ص 439، طَبْعَةُ دَارِ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوتَ.
■وَانْظُرْ التَّأْصِيلَ فِي: الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 18، طَبْعَةُ مَكْتَبَةِ الْعُبَيْكَانِ، الِطَّبْعَةُ الْأُولَى، 1420هـ.
■الْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: قَاعِدَةُ "الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ" هِيَ الْمِقْصَلَةُ لِشُبْهَةِ الْمُعَطِّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَجْحَدَ الذَّاتَ وَإِلَّا صَارَ مُلْحِداً عَدَمِيّاً، فَإِذَا أَقَرَّ بِالذَّاتِ لَزِمَهُ عَقْلاً وَنَقْلاً الْإِقْرَارُ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى نَفْسِ السِّيَاقِ بِلَا فَرْقٍ.
[4] الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ (إِلْزَامُ نُفَاةِ الْبَعْضِ بِمَا أَثْبَتُوهُ وَحَدِيثُ النُّزُولِ): حَدِيثُ النُّزُولِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ (1145)، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (758).
■ وَانْظُرِ الْإِلْزَامَ الْأُصُولِيَّ فِي: الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، لِمُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، ص 52-56، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الِطَّبْعَةُ الْثَّالِثَةُ، 1422هـ.
■الْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: نِكْتَةُ التَّنَاقُضِ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ هِيَ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ؛ فَإِذَا قَالُوا نُثْبِتُ الْإِرَادَةَ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَلَا نُثْبِتُ النُّزُولَ لِأَنَّ فِيهِ حَرَكَةً وَانْتِقَالاً، قُلْنَا: وَالْإِرَادَةُ عِنْدَ الْمَخْلُوقِ مَيْلُ النَّفْسِ لِجَلْبِ مَنْفَعَةٍ، فَإِنْ نَفَيْتُمْ هَذَا النَّقْصَ عَنِ اللهِ مَعَ إِثْبَاتِ أَصْلِ الصِّفَةِ، فَالْوَاجِبُ نَفْيُ نَقْصِ الْحَرَكَةِ الْبَشَرِيَّةِ مَعَ إِثْبَاتِ صِفَةِ النُّزُولِ الْإِلَهِيِّ.
[5] الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ (الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ وَحَدِيثُ نَعِيمِ الْجَنَّةِ): أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ، بَابُ «مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الْجَنَّةِ»، رَقْمُ (3244)، ج 4، ص 118، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ.
وَتَحْرِيرُ الْقَاعِدَةِ لَفْظاً فِي: الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 31-36، طَبْعَةُ الْعُبَيْكَانِ.
■الْفَائِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ: هَذِهِ الْقَاعِدَةُ تُجِيبُ عَلَى الشُّبْهَةِ الْجَذْرِيَّةِ لِلْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ قَالُوا: "الِاشْتِرَاكُ فِي اللَّفْظِ يَعْنِي التَّشْبِيهَ"؛ فَبَيَّنَ السَّلَفُ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الذِّهْنِ مُجَرَّداً يَكُونُ كُلِّيّاً مُشْتَرَكاً (مِثْلُ كَلِمَةِ: يَد)، لَكِنْ هَذَا الْكُلِّيَّ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُقَيَّداً مُضَافاً، فَإِذَا أُضِيفَ لِلْخَالِقِ خَصَّهُ كَمَالُهُ، وَإِذَا أُضِيفَ لِلْمَخْلُوقِ خَصَّهُ نَقْصُهُ، فَلَا تَشْبِيهَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
●____________________________________16___________________________________●
■ الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
●الْمَلَائِكَةُ جَمْعٌ، وَمَفْرَدُهُ (مَلَاكٌ) وَأَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ هُوَ: (أَلَكَ)، وَمِنْهُ "الْأَلُوكَةُ" وَهِيَ الرِّسَالَةُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ. وَقِيلَ أَصْلُهُ مِنْ (مَلَكَ)، وَالْمَلْكُ هُوَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ.
●وَالِاشْتِقَاقُ الْأَوَّلُ هُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ مُحَقِّقِي اللُّغَوِيِّينَ، لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمْ رُسُلُ اللهِ تَعَالَى فِي تَنْفِيذِ أَمْرِهِ الْكَوْنِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، فَسُمُّوا مَلَائِكَةً لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ أَلُوكَةٍ (أَيْ رِسَالَةٍ) [1].
●ثَانِيّاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (تَعْرِيفُ الْمَلَائِكَةِ شَرْعاً)
"ذَوَاتٌ غَيْبِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ، مَخْلُوقَةٌ، مَحْجُوبَةٌ عَنِ الْأَبْصَارِ، ذَوُو قُوَّةٍ وَأَجْنِحَةٍ، مَجْبُولُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا الْأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ".
●احْتِرَازَاتُ الْحَدِّ: قَوْلُنَا (غَيْبِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ) يُخْرِجُ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ، وَقَوْلُنَا (مَخْلُوقَةٌ) يُخْرِجُ صِفَاتِ الْخَالِقِ تَعَالَى، وَقَوْلُنَا (مَجْبُولُونَ عَلَى الطَّاعَةِ) يُخْرِجُ عَاصِيَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَقَوْلُنَا (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ) يُخْرِجُ مَا ادَّعَتْهُ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُشْرِكُونَ فِيهِمْ [2].
●ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذَا الْإِيمَانِ
الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ هُوَ الرُّكْنُ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ الَّتِي لَا يَصِحُّ إِسْلَامُ الْمَرْءِ إِلَّا بِهِ؛ وَهُوَ إِيمَانٌ بِعَالَمٍ غَيْبِيٍّ مَحْجُوبٍ، وَالتَّكْذِيبُ بِهِمْ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ كُفْرٌ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوَاطِعِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ.
●رَابِعاً: الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْإِيمَانُ بِالْمَلَائِكَةِ
1. الْإِيمَانُ بِوُجُودِهِمْ:
شَرْحُهُ: هُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقاً حَقِيقِيِّينَ مَوْجُودِينَ فِي الْأَعْيَانِ لَا فِي الْأَذْهَانِ فَقَطْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا رُمُوزاً لِلْخَيْرِ كَمَا زَعَمَتِ الْمَلَاحِدَةُ، بَلْ هُمْ عَالَمٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَنْفِيذِ مَشِيئَتِهِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [البقرة: 285]، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ الطَّوِيلِ حِينَمَا سَأَلَهُ عَنِ الْإِيمَانِ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ...» [3].
2. الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ صِفَاتِهِمْ:
شَرْحُهُ: هُوَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الْخَلْقِيَّةِ (الْجَسَدِيَّةِ) وَالْخُلُقِيَّةِ الَّتِي نَصَّ عَلَيْهَا الْوَحْيُ لِلْمَلَائِكَةِ؛ فَمِنْ صِفَاتِهِمِ الْخَلْقِيَّةِ: أَنَّهُمْ خُلِقُوا مِنْ نُورٍ، وَأَنَّ لَهُمْ أَجْنِحَةً مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَأَكْثَرَ، وَأَنَّهُمْ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَأَنَّ لَهُمْ قُدْرَةً عَلَى التَّشَكُّلِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ. وَمِنْ صِفَاتِهِمِ الْخُلُقِيَّةِ: الْحَيَاءُ الْعَظِيمُ، وَالْقُوَّةُ الْبَاطِشَةُ، وَكَمَالُ الطَّاعَةِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} [فاطر: 1]. وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ» [4]، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي جِبْرِيلَ أَنَّهُ: «رَآهُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ» [5].
3. الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ أَسْمَائِهِمْ:
شَرْحُهُ: نُؤْمِنُ بِأَسْمَاءِ مَنْ سَمَّى اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْهُمْ تَفْصِيلاً، وَمَنْ لَمْ نَعْلَمْ اسْمَهُ نُؤْمِنُ بِهِ إِجْمَالاً. وَالْأَسْمَاءُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هِيَ:
جِبْرِيلُ (وَمِيكَائِيلُ): رُؤَسَاءُ الْمَلَائِكَةِ. الدَّلِيلُ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 98].
إِسْرَافِيلُ: الْمُوَكَّلُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ. الدَّلِيلُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ...» [6].
مَالِكٌ: خَازِنُ النَّارِ. الدَّلِيلُ: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف: 77].
مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ: مَلَكَا الْقَبْرِ. الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ، وَلِلْآخَرِ النَّكِيرُ» [7].
هَارُوتُ وَمَارُوتُ: اللَّذَانِ أُنْزِلَا بِبَابِلَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ. الدَّلِيلُ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة: 102].
■تَنْبِيهٌ عَقَدِيٌّ سَلَفِيٌّ: لَمْ يَثْبُتْ فِي نَصٍّ صَحِيحٍ مِنَ الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ تَسْمِيَةُ مَلَكِ الْمَوْتِ بِاسْمِ (عِزْرَائِيلَ)، بَلْ هُوَ مِنْ مَرْوِيَّاتِ الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ، وَالْوَاجِبُ عَقَدِيّاً الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا سَمَّاهُ اللَّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ (مَلَكُ الْمَوْتِ) كَمَا فِي قَوْلِهِ: {قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ}.
4. الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا مِنْ أَعْمَالِهِمْ:
شَرْحُهُ: نُؤْمِنُ بِأَنَّ لِلْمَلَائِكَةِ وَظَائِفَ وَأَعْمَالاً كَلَّفَهُمْ بِهَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ، وَهُمْ قَائِمُونَ عَلَيْهَا بِجِدٍّ وَلَا يَفْتُرُونَ.
الْأَعْمَالُ الْوَارِدَةُ فِي النُّصُوصِ:
إِبْلَاغُ الْوَحْيِ: وَهُوَ عَمَلُ الرُّوحِ الْأَمِينِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلْأَنْبِيَاءِ.
قَطْرُ الْمَطَرِ وَتَصْرِيفُ النَّبَاتِ: وَهُوَ عَمَلُ مِيكَائِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
النَّفْخُ فِي الصُّورِ: وَهُوَ عَمَلُ إِسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقِيَامِ السَّاعَةِ وَالنُّشُورِ.
قَبْضُ الْأَرْوَاحِ: وَهُوَ عَمَلُ مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَعْوَانِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.
كِتَابَةُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ (الْحَفَظَةُ وَالْكَتَبَةُ): الدَّلِيلُ: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ} [الانفطار: 10-11].
سِيَاحَةُ الْأَرْضِ لِحُضُورِ مَجَالِسِ الذِّكْرِ: الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الْأَرْضِ فُضُلًا يَتَّبِعُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ» [8].
حِمَايَةُ الْعَبْدِ وَحِفْظُهُ مِنَ الْمَكَارِهِ: الدَّلِيلُ: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} [الرعد: 11].
خَامِساً: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ فِي الْمَلَائِكَةِ وَحَقِيقَتِهِمْ
تَمَايَزَتْ أَقْوَالُ النَّاسِ فِي حَقِيقَةِ الْمَلَائِكَةِ بَيْنَ مَنِ اعْتَقَدَ فِيهِمْ عَقِيدَةً شِرْكِيَّةً، أَوْ جَعَلَهُمْ جَوَاهِرَ عَقْلِيَّةً بَاطِلَةً، وَبَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ هُدُوا إِلَى الْحَقِّ:
1. أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (الصَّدْرُ الْأَوَّلُ وَالْأَئِمَّةُ): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ مُكْرَمُونَ، لَيْسُوا بَنَاتِ اللَّهِ، وَلَيْسُوا شُرَكَاءَ لَهُ. وَأَنَّهُمْ ذَوَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا، لَهُمْ أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، يَعْمَلُونَ وَيَتَكَلَّمُونَ وَيَصْعَدُونَ وَيَهْبِطُونَ كَمَا أَخْبَرَ الْوَحْيُ، وَلَا يُوصَفُونَ بِذُكُورَةٍ وَلَا أُنُوثَةٍ.
2. الْفَلَاسِفَةُ (الْمَشَّاؤُونَ وَالْيُونَانُ وَتَبَعُهُمْ): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَتْ أَجْسَاماً حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ "الْعُقُولُ الْعَشَرَةُ" أَوِ "النُّفُوسُ الْمُجَرَّدَةُ" الْفَلَكِيَّةُ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ (الْعَقْلُ الْفَعَّالُ) الَّذِي يَفِيضُ عَلَى نَفْسِ النَّبِيِّ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ مَحْضٌ لِعَالَمِ الْمَلَائِكَةِ وَتَحْوِيلُهُمْ إِلَى خَيَالَاتٍ ذِهْنِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ.
3. الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: وَافَقُوا الْفَلَاسِفَةَ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ؛ فَقَالُوا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَيْسَتْ أَجْسَاماً تَنْتَقِلُ وَتَتَحَرَّكُ، بَلْ هِيَ طَاقَاتٌ أَوْ أَعْرَاضٌ نَفْسِيَّةٌ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ قَدْ نَزَلَ بِحَقِيقَتِهِ وَجَسَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، زَعْماً مِنْهُمْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَجْسَامِ لِلْمَلَائِكَةِ يُؤَدِّي إِلَى التَّجْسِيمِ!
4. الْأَشَاعِرَةُ (وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ): أَثْبَتُوا وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ كَأَجْسَامٍ لَطِيفَةٍ، لَكِنَّهُمْ وَقَعُوا فِي التَّحْرِيفِ فِي بَابِ "الْكَلَامِ"؛ فَقَالُوا إِنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ اللَّهِ بِصَوْتٍ وَحَرْفٍ، بَلْ أَخَذَ النَّظْمَ النَّفْسِيَّ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ لَهُ صَوْتاً فَعَبَّرَ عَنْهُ، فَعَطَّلُوا وَظِيفَةَ جِبْرِيلَ الْحَقِيقِيَّةِ فِي سَمَاعِ الْوَحْيِ وَإِبْلَاغِهِ.
5. مُشْرِكُو الْعَرَبِ: كَانُوا يَعْتَقِدُونَ عَقِيدَةً كُفْرِيَّةً شِرْكِيَّةً؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ هُمْ بَنَاتُ اللَّهِ! وَأَنَّهُمْ يَشْفَعُونَ عِنْدَ اللَّهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَعَبَدُوهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى لِيُقَرِّبُوهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى.
■______________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ الِاشْتِرَاكِ اللُّغَوِيِّ وَالِاشْتِقَاقِ لِلْمَلَائِكَةِ: انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتَ، ط 3، 1414هـ، مَادَّةُ (أ ل ك)، ج 10، ص 380-382.
[2] مَصْدَرُ الْحَدِّ الْجَامِعِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، تَحْقِيقُ: شُعَيْبِ الْأَرْنَؤُوطِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوتَ، ط 10، 1417هـ، ج 2، ص 412-418.
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ «بَيَانِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْإِحْسَانِ»، رَقْمُ (8)، ج 1، ص 36، طَبْعَةُ دَارِ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوتَ.
[4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ مِنْ نُورٍ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، بَابُ «فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ»، رَقْمُ (2996)، ج 4، ص 2294.
[5] تَخْرِيجُ حَدِيثِ أَجْنِحَةِ جِبْرِيلَ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ، بَابُ «ذِكْرِ الْمَلَائِكَةِ»، رَقْمُ (3232)، ج 4، ص 115، طَبْعَةُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ.
[6] تَخْرِيجُ حَدِيثِ دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ بِالْأَسْمَاءِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، رَقْمُ (770)، ج 1، ص 534.
[7] تَخْرِيجُ حَدِيثِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِتَابُ الْجَنَائِزِ، بَابُ «مَا جَاءَ فِي عِذَابِ الْقَبْرِ»، رَقْمُ (1071)، ج 3، ص 383، طَبْعَةُ دَارِ الْغَرْبِ الْإِسْلَامِيِّ، بَيْرُوتَ، 1998م، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
[8] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الْمَلَائِكَةِ السَّيَّاحِينَ لِلذِّكْرِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ (6408)، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (2689).
[9] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ مَقَالَاتِ الْفِرَقِ فِي الْمَلَائِكَةِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ، الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، 1416هـ، ج 4، ص 346-352. وَانْظُرْ: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، ج 1، ص 204.
■____________________________________17__________________________________■
■ الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
الْكُتُبُ جَمْعٌ، وَمَفْرَدُهُ (كِتَابٌ)، وَهُوَ مَصْدَرٌ كَالْكِتَابَةِ. وَأَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (كِ ت ب)، وَتَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الْجَمْعِ وَالضَّمِّ وَالشَّدِّ؛ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ "الْكَتِيبَةُ" لِاجْتِمَاعِ الْجُنُودِ فِيهَا، وَسُمِّيَ "الْكِتَابُ" كِتَاباً لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْحُرُوفَ وَالْكَلِمَاتِ وَالْأَسْطُرَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ [1].
ثَانِيّاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (تَعْرِيفُ الْكُتُبِ شَرْعاً)
"كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ بِالْوَحْيِ حَقِيقَةً، هِدَايَةً لِلْخَلْقِ، وَتَشْرِيعاً لَهُمْ، لِيَكُونَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ".
- احْتِرَازَاتُ الْحَدِّ: قَوْلُنَا (كَلَامُ اللَّهِ) يُخْرِجُ كَلَامَ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَقَوْلُنَا (الَّذِي أَنْزَلَهُ) يُخْرِجُ كَلَامَهُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ، وَقَوْلُنَا (عَلَى رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ حَقِيقَةً) يُخْرِجُ الْإِلْهَامَاتِ الَّتِي تَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَالْأَوْلِيَاءِ، كَمَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْمُنْزَلَ هُوَ مَعْنًى نَفْسِيٌّ لَيْسَ بِكَلَامٍ حَقِيقِيٍّ [2].
ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذَا الْإِيمَانِ
الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ رُكْنٌ رَكِينٌ لَا يَقُومُ صَرْحُ الدِّينِ إِلَّا عَلَيْهِ؛ إِذْ هُوَ الْوَاسِطَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. وَالْجُحُودُ بِكِتَابٍ وَاحِدٍ مِمَّا ثَبَتَ أَنْزَلَهُ اللَّهُ، هُوَ جُحُودٌ بِالْوَحْيِ كُلِّهِ، وَمُوجِبٌ لِلْخُرُوجِ عَنِ الْإِسْلَامِ.
رَابِعاً: الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْإِيمَانُ بِالْكُتُبِ
1. الْإِيمَانُ بِأَنَّ نُزُولَهَا مِنَ اللَّهِ حَقٌّ:
- شَرْحُهُ: هُوَ الْإِقْرَارُ الْجَازِمُ بِأَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْكُتُبِ نَزَلَتْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَكَلَّمَ بِهَا بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ نَسْجِ خَيَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا مِنْ صُنْعِ عُقُولِهِمْ، بَلْ هِيَ وَحْيٌ مَحْضٌ صِرْفٌ.
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136].
2. الْإِيمَانُ بِمَا عَلِمْنَا أَسْمَاءَهُ مِنْهَا تَفْصِيلاً:
-
شَرْحُهُ: نُؤْمِنُ بِالْكُتُبِ الَّتِي سَمَّاهَا اللَّهُ لَنَا فِي كِتَابِهِ أَوْ سَمَّاهَا رَسُولُهُ ﷺ تَفْصِيلاً، وَمَا لَمْ يُسَمَّ لَنَا نُؤْمِنُ بِهِ إِجْمَالاً. وَالْكُتُبُ الْمُسَمَّاةُ فِي الْوَحْيِ هِيَ:
- الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ: وَهُوَ خَاتِمُ الْكُتُبِ وَالْمُهَيْمِنُ عَلَيْهَا، الْمُنَزَّلُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
- التَّوْرَاةُ: الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الدَّلِيلُ: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 44].
- الْإِنْجِيلُ: الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ. الدَّلِيلُ: {وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ} [المائدة: 46].
- الزَّبُورُ: الْكِتَابُ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. الدَّلِيلُ: {وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا} [النساء: 163].
- صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى: الصُّحُفُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمَا مُتَضَمِّنَةً لِلْمَوَاعِظِ وَالْأَحْكَامِ. الدَّلِيلُ: {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 19].
3. التصْدِيقُ بِمَا صَحَّ مِنْ أَخْبَارِهَا:
-
شَرْحُهُ: نَحْنُ نُصَدِّقُ تَمَاماً بِكُلِّ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ مِمَّا لَمْ يُبَدَّلْ وَلَمْ يُحَرَّفْ، أَمَّا مَا تَعَرَّضَتْ لَهُ كُتُبُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَوْمَ (التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ) مِنَ التَّحْرِيفِ وَالتَّبْدِيلِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، فَمَوْقِفُنَا مِنْهُ يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:
- أَوَّلاً: مَا صَدَّقَهُ قُرْآنُنَا أَوْ سُنَّتُنَا: فَهُوَ حَقٌّ نُصَدِّقُهُ (كَذِكْرِ صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ).
- ثَانِيّاً: مَا كَذَّبَهُ قُرْآنُنَا أَوْ سُنَّتُنَا: فَهُوَ بَاطِلٌ نَرُدُّهُ (كَزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ اسْتَرَاحَ يَوْمَ السَّبْتِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ).
- ثَالِثاً: مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا تَصْدِيقُهُ وَلَا تَكْذِيبُهُ: فَهَذَا نَتَوَقَّفُ فِيهِ، لَا نُصَدِّقُهُ وَلَا نُكَذِّبُهُ، بَلْ نَقُولُ: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ.
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي بَيَانِ تَحْرِيفِهِمْ: {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 75]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ» [3].
4. الْعَمَلُ بِأَحْكَامِ مَا لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا (وَهُوَ الْقُرْآنُ):
- شَرْحُهُ: يَعْنِي الِالْتِزَامَ التَّامَّ بِالِانْقِيَادِ لِأَحْكَامِ الْكِتَابِ الْخَاتِمِ وَهُوَ "الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ"، وَالرِّضَا بِهِ، وَتَحْكِيمِهِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ. فَالْقُرْآنُ نَسَخَ جَمِيعَ الْكُتُبِ السَّابِقَةِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ أَنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهَ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ أَوِ الْإِنْجِيلِ حَتَّى لَوْ كَانَ صَحِيحاً غَيْرَ مُحَرَّفٍ، لِأَنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ جَبَّتْ مَا قَبْلَهَا.
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 48]، وَالْمُهَيْمِنُ هُوَ الْقَاضِي وَالنَّاسِخُ وَالشَّاهِدُ. وَقَوْلُهُ ﷺ لِمَّا رَأَى فِي يَدِ عُمَرَ صَحِيفَةً مِنَ التَّوْرَاةِ: «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي» [4].
خَامِساً: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ فِي الْكُتُبِ وَكَلَامِ اللَّهِ
بَابُ الْإِيمَانِ بِالْكُتُبِ مُرْتَبِطٌ ارْتِبَاطاً تَلَازُمِيّاً بِأَصْلِ مَسْأَلَةِ "كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى"؛ لِأَنَّ الْكُتُبَ هِيَ كَلَامُهُ، وَبِهَذَا تَمَايَزَتِ الطَّوَائِفُ:
- 1. أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (عَقِيدَةُ الْأَثَرِ السَّلَفِيَّةِ): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكُتُبَ -وَمِنْهَا الْقُرْآنُ- هِيَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً، مُنَزَّلٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، مِنْهُ بَدَأَ وَإِلَيْهِ يَعُودُ. وَأَنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ بِهِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ سَمِعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِنَفْسِهِ، فَأَبْلَغَهُ لِلْأَنْبِيَاءِ. وَكَلَامُ اللَّهِ عِنْدَهُمْ لَيْسَ عَرَضاً مَخْلُوقاً وَلَا مَعْنًى نَفْسِيّاً، بَلْ هُوَ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ إِذَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ.
- 2. الْجَهْمِيَّةُ (وَالْفَلَاسِفَةُ): قَالُوا إِنَّ الْقُرْآنَ وَالْكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ مَخْلُوقَةٌ خَلْقاً كَسَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ! وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَّصِفُ بِالْكَلَامِ، وَأَنَّ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ فِي الْهَوَاءِ أَوْ فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ فَقِيلَ لَهُ "كَلَامُ اللَّهِ" مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَخْلُوقِ إِلَى خَالِقِهِ (كَنَاقَةِ اللَّهِ وَبَيْتِ اللَّهِ)، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِصِفَةِ الْكَلَامِ رَأْساً.
- 3. الْمُعْتَزِلَةُ: وَافَقُوا الْجَهْمِيَّةَ تَمَاماً فِي قَوْلِهِمْ بِـ "خَلْقِ الْقُرْآنِ"، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ صِفَةً لِلَّهِ لِأَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي تَعَدُّدَ الْقُدَمَاءِ! وَقَالُوا إِنَّ الْكُتُبَ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ حَادِثَةٌ، لَيْسَتْ قَائِمَةً بِذَاتِ الرَّبِّ.
- 4. الْكُلَّابِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ: جَاءُوا بِقَوْلٍ مُبْتَدَعٍ وَقَفُوا بِهِ فِي الْمُنْتَصَفِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ؛ فَقَالُوا: كَلَامُ اللَّهِ هُوَ "الْمَعْنَى النَّفْسِيُّ" الْقَائِمُ بِذَاتِهِ أَزَلاً، وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَتَبَعَّضُ، لَيْسَ فِيهِ صَوْتٌ وَلَا حَرْفٌ، وَلَا لُغَةٌ عَرَبِيَّةٌ وَلَا عِبْرَانِيَّةٌ! أَمَّا هَذِهِ الْكُتُبُ الْمَكْتُوبَةُ فِي الْمَصَاحِفِ (التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ) فَهِيَ لَيْسَتْ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْحَقِيقَةِ، بَلْ هِيَ "حِكَايَةٌ" (عِنْدَ كُلَّابٍ) أَوْ "عِبَارَةٌ" (عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ) عَنِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ، خَلَقَهَا اللَّهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَوْ خَلَقَهَا جِبْرِيلُ لِيُعَبِّرَ عَنِ الْمَعْنَى! فَوَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا مَخْلُوقٌ.
- 5. الْكَرَّامِيَّةُ: قَالُوا إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ حَرْفٌ وَصَوْتٌ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا إِنَّهُ حَادِثٌ فِي ذَاتِ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّماً، وَهَذَا بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً كَيْفَ شَاءَ وَمَتَى شَاءَ، فَكَلَامُهُ قَدِيمُ النَّوْعِ حَادِثُ الْآحَادِ.
■___________________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ لِلْكِتَابَةِ وَالْكُتُبِ: انْظُرْ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، لِابْنِ فَارِسٍ، تَحْقِيقُ: عَبْدِ السَّلَامِ هَارُونَ، دَارُ الْفِكْرِ، ج 5، ص 158-160، مَادَّةُ (كَتَبَ).
- [2] مَصْدَرُ الْحَدِّ الْجَامِعِ وَأَقْوَالِ السَّلَفِ: انْظُرْ: الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ مَعَ شَرْحِهَا لِمُحَمَّدِ خَلِيلٍ هَرَّاسٍ، دَارُ الْهِجْرَةِ، الرِّيَاضِ، ط 3، 1415هـ، ص 112-118.
- [3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّوَقُّفِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كِتَابُ الِاعْتِصَامِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَابُ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: لَا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ»، رَقْمُ (7362)، ج 9، ص 111، طَبْعَةُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ.
- [4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ صَحِيفَةِ التَّوْرَاةِ مَعَ عُمَرَ: أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، رَقْمُ (15195)، ج 23، ص 349، طَبْعَةُ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، الْطَّبْعَةُ الْأُولَى، 1421هـ، وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ بِشَوَاهِدِهِ.
- [5] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ مَقَالَاتِ الْفِرَقِ فِي كَلَامِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْأَصْفَهَانِيَّةِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ: مُحَمَّدِ السَّعَوِيِّ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضِ، ط 1، 1415هـ، ص 385-402. وَانْظُرْ: مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ الْمُصَلِّينَ، لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، بَيْرُوتَ، ج 1، ص 220-225.
■____________________________________18_______________________________________■
الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
الرُّسُلُ جَمْعٌ، وَمَفْرَدُهُ (رَسُولٌ) فَعُولٌ بِمَعْنَى مُفْعَلٍ (أَيْ مُرْسَلٌ). وَأَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (رَ سَ لَ)، وَتَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى الِانْبِعَاثِ، وَالِامْتِدَادِ، وَالتَّوْجِيهِ رِفْقاً؛ وَمِنْهُ "النَّاقَةُ الرَّسْلَةُ" السَّهْلَةُ السَّيْرِ، وَسُمِّيَ "الرَّسُولُ" رَسُولاً لِأَنَّهُ يُبْعَثُ مِنْ جِهَةِ الْمُرْسِلِ بِأَمْرٍ يَتَقَدَّمُ فِيهِ مُنْبَعِثاً بِرِفْقٍ لِإِبْلَاغِ الرِّسَالَةِ [1].
ثَانِيّاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (تَعْرِيفُ الرَّسُولِ وَالنَّبِيِّ شَرْعاً)
تَحْرِيرُ الْحَدِّ يَقْتَضِي بَيَانَ الْفَرْقِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ:
●النَّبِيُّ: "إِنْسَانٌ، ذَكَرٌ، حُرٌّ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ سَابِقٍ لِيُجَدِّدَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ بَيْنَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ".
●الرَّسُولُ: "إِنْسَانٌ، ذَكَرٌ، حُرٌّ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ، أَوْ أُرْسِلَ بِشَرِيعَةٍ سَابِقَةٍ إِلَى قَوْمٍ مُخَالِفِينَ (كُفَّارٍ) لِيُبَلِّغَهُمْ وَيَدْعُوَهُمْ".
■احْتِرَازَاتُ الْحَدِّ: قَوْلُنَا (إِنْسَانٌ) يُخْرِجُ الْمَلَائِكَةَ الرُّسُلَ هُنَا، وَ(ذَكَرٌ) يُخْرِجُ النِّسَاءَ فَطَرِيقُ النُّبُوَّةِ مَقْصُورٌ عَلَى الرِّجَالِ، وَ(بِشَرْعٍ جَدِيدٍ أَوْ إِلَى قَوْمٍ مُخَالِفِينَ) يُبَيِّنُ وَجْهَ الْمُبَايَنَةِ بَيْنَ مَقَامِ الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ؛ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٌّ رَسُولاً [2].
ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذَا الْإِيمَانِ
الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ هُوَ الرُّكْنُ الرَّابِعُ، وَهُوَ مَحْوَرُ تَلَقِّي الدِّينِ؛ إِذِ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ لَا يَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ وَالتَّشْرِيعَاتِ وَمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ، فَمَنْ جَحَدَ رَسُولاً وَاحِداً مِمَّنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ، فَقَدْ كَفَرَ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ وَخَرَجَ مِنْ دَائِرَةِ الدِّينِ.
رَابِعاً: الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ
1. الْإِيمَانُ بِأَنَّ رِسَالَتَهُمْ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى:
شَرْحُهُ: هُوَ التَّصْدِيقُ الْقَاطِعُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اصْطَفَى رُسُلَهُ بِالْوَحْيِ صِدْقاً وَعَدْلاً، وَأَنَّ النُّبُوَّةَ هِبَةٌ وَاخْتِيَارٌ رَبَّانِيٌّ مَحْضٌ، وَلَيْسَتْ أَمْراً كَسْبِيّاً يُنَالُ بِتَصْفِيَةِ النَّفْسِ أَوِ الرِّيَاضَةِ الْعَقْلِيَّةِ كَمَا يَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ. فَمَنْ كَفَرَ بِرِسَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ فَقَدْ كَفَرَ بِالْجَمِيعِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء: 105]، فَجَعَلَهُمْ مُكَذِّبِينَ لِجَمِيعِ الْمُرْسَلِينَ مَعَ أَنَّهُمْ لَمْ يُكَذِّبُوا إِلَّا نُوحاً حِينَ بَعْثِهِ؛ لِأَنَّ دَعْوَةَ الرُّسُلِ وَاحِدَةٌ مُتَلَازِمَةٌ.
2. الْإِيمَانُ بِمَنْ عَلِمْنَا اسْمَهُ مِنْهُمْ تَفْصِيلاً وَمَنْ لَمْ نَعْلَمْهُ إِجْمَالاً:
شَرْحُهُ: يَجِبُ الْإِيمَانُ تَفْصِيلاً بِالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ الَّذِينَ نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى أَسْمَائِهِمْ، وَهُمْ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ نَبِيّاً وَرَسُولاً (جُمِعَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْبَاقِي فِي مَوَاضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ).
وَعَلَى رَأْسِهِمْ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ الْخَمْسَةِ: (مُحَمَّدٌ، إِبْرَاهِيمُ، مُوسَى، نُوحٌ، عِيسَى عَلَيْهِمُ السَّلَامُ). أَمَّا مَنْ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُهُ فَنُؤْمِنُ بِهِمْ جُمْلَةً.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]. وَفِي أُولِي الْعَزْمِ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7].
3. تَصْدِيقُ مَا صَحَّ عَنْهُمْ مِنْ أَخْبَارِهِمْ:
شَرْحُهُ: هُوَ الْقَبُولُ الْمُطْلَقُ لِكُلِّ مَا بَلَّغُوهُ عَنِ اللَّهِ مِنَ الْغُيُوبِ (كَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ، وَالنَّارِ)، وَمَا نَقَلُوهُ مِنْ قِصَصِ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَمُعْجِزَاتِهِمْ (كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَانْفِلَاقِ الْبَحْرِ لِمُوسَى، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى بِإِذْنِ اللَّهِ)، فَلَا نَرُدُّ مِنْهَا شَيْئاً لِقُصُورِ عُقُولِنَا عَنْ إِدْرَاكِ خَارِقِ الْعَادَاتِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
4. الْعَمَلُ بِشَرِيعَةِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ (وَهُوَ خَاتَمُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ):
●شَرْحُهُ: هُوَ الِانْقِيَادُ الصَّارِمُ لِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ، النَّاسِخُ لِجَمِيعِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ. فَالْإِيمَانُ بِالرُّسُلِ يَقْتَضِي عَقَدِيّاً أَنَّهُ بَعْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَسَعُ أَيَّ بَشَرٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (يَهُودِيّاً كَانَ أَوْ نَصْرَانِيّاً أَوْ غَيْرَهُمَا) إِلَّا اتِّبَاعُهُ، وَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْهُ فَعَمَلُهُ حَابِطٌ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ.
●الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [3].
خَامِساً: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ فِي الرُّسُلِ وَالنُّبُوَّاتِ
انْقَسَمَتِ الطَّوَائِفُ فِي بَابِ النُّبُوَّاتِ بَيْنَ جَافٍ مُعَطِّلٍ لِمَقَامِهَا، وَبَيْنَ غَالٍ مُفْرِطٍ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ الَّذِينَ تَوَسَّطُوا:
1. أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (أَهْلُ الْحَدِيثِ وَالْأَثَرِ): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الرُّسُلَ بَشَرٌ مَخْلُوقُونَ، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ وَلَا الْأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ، فَلَا يُدْعَوْنَ وَلَا يُسْتَغَاثُ بِهِمْ. وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ عَصَمَهُمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَالْكَبَائِرِ وَالْإِخْلَالِ بِالْبَلَاغِ بِالْإِجْمَاعِ. وَأَنَّ النُّبُوَّةَ اصْطِفَاءٌ رَبَّانِيٌّ مَحْضٌ، وَأَنَّ مُحَمَّداً ﷺ هُوَ خَاتَمُهُمْ فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ.
2. الْفَلَاسِفَةُ (كَالْفَارَابِيِّ وَابْنِ سِينَا): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النُّبُوَّةَ "صِنَاعَةٌ كَسْبِيَّةٌ" يُمْكِنُ أَنْ يَبْلُغَهَا الْبَشَرُ بِتَصْفِيَةِ الذِّهْنِ وَالرِّيَاضَةِ الرُّوحِيَّةِ؛ وَقَالُوا إِنَّ النَّبِيَّ هُوَ فَيْلَسُوفٌ لَهُ "قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ" يَتَّصِلُ بِهَا بِـ (الْعَقْلِ الْفَعَّالِ)، فَيَفِيضُ عَلَيْهِ التَّخْيِيلُ! وَهَذَا هَدْمٌ لِحَقِيقَةِ الْوَحْيِ الْإِلَهِيِّ وَتَحْوِيلُهُ لِأَمْرٍ نَفْسِيٍّ دَاخِلِيٍّ.
3. الْبَرَاهِمَةُ وَالسُّمَنِيَّةُ (مِنْ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ): أَنْكَرُوا النُّبُوَّاتِ رَأْساً! وَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لِلْبَشَرِ بِالرُّسُلِ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ هُوَ الْحَكَمُ؛ فَمَا حَسَّنَهُ الْعَقْلُ فَعَلْنَاهُ، وَمَا قَبَّحَهُ تَرَكْنَاهُ، فَإِنْ جَاءَتْ الرُّسُلُ بِمَا يُوَافِقُ الْعَقْلَ فَلَا فَائِدَةَ مِنْهُمْ، وَإِنْ جَاءُوا بِمَا يُخَالِفُهُ رَدَدْنَاهُمْ! وَعَطَّلُوا الشَّرَائِعَ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ.
4. الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: قَالُوا إِنَّ النُّبُوَّةَ لَيْسَتْ صِفَةً قَائِمَةً بِالنَّبِيِّ يَخُصُّهُ اللَّهُ بِهَا، بَلْ هِيَ مُجَرَّدُ تَعْلِيقِ أَمْرٍ وَتَكْلِيفٍ. وَغَلَا مُتَأَخِّرُوهُمْ فِي جَعْلِ الْمُعْجِزَاتِ أُمُوراً يُمْكِنُ تَعْلِيلُهَا بِالطَّبِيعَةِ، وَأَنْكَرُوا بَعْضَ الْكَرَامَاتِ الْخَارِقَةِ، كَمَا جَوَّزَتْ الْمُعْتَزِلَةُ صَغَائِرَ الْخَسَّةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ الْبَلَاغِ.
5. الْأَشَاعِرَةُ: وَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِي نَفْيِ الْكَسْبِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا فِي حَقِيقَةِ النُّبُوَّةِ إِنَّهَا لَيْسَتْ لِوَصْفٍ حَقِيقِيٍّ جَعَلَهُ اللَّهُ فِي النَّبِيِّ، بَلْ هِيَ (مُجَرَّدُ حُكْمٍ لَفْظِيٍّ)، فَلَمْ يُثْبِتُوا لِلنَّبِيِّ خَصَائِصَ ذَاتِيَّةً اصْطَفَاهُ اللَّهُ بِهَا تُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْبَشَرِ سِوَى وُقُوعِ الرِّسَالَةِ.
6. غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ: رَفَعُوا مَقَامَ "الْوَلِيِّ" أَوِ "الْإِمَامِ" فَوْقَ مَقَامِ الرَّسُولِ! حَيْثُ يَقُولُ صُوفِيَّتُهُمْ (كَابْنِ عَرَبِيٍّ): "مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِيِّ"، وَقَالُوا إِنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ مُبَاشَرَةً (حَدَّثَنِي قَلْبِي عَنْ رَبِّي)، بَيْنَمَا النَّبِيُّ يَأْخُذُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ! وَهَذَا زَنْدَقَةٌ مُخْرِجَةٌ مِنَ الدِّينِ.
الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَالْجَامِعُ لِأَهْلِ السُّنَّةِ (مَاذَا يَعْتَقِدُونَ):
يَعْتَقِدُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ هُمْ أَفْضَلُ الْبَشَرِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى عِصْمَةً مُطْلَقَةً، وَأَنَّ مُعْجِزَاتِهِمْ حَقٌّ خَلَقَهَا اللَّهُ لِتَصْدِيقِهِمْ، وَأَنَّ مَحَبَّتَهُمْ وَتَوْقِيرَهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ، وَبُغْضَهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ.
●__________________________________________________________________________●
[1] مَصْدَرُ الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ لِلرِّسَالَةِ وَالرَّسُولِ: انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتَ، ج 11، ص 282-285، مَادَّةُ (رَسَلَ).
[2] مَصْدَرُ الْحَدِّ الْجَامِعِ وَتَحْرِيرِ الْفَرْقِ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ: انْظُرْ: النُّبُوَّاتُ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ: د. عَبْدِ الْعَزِيزِ الطُّوَيَّانِ، أَضْوَاءُ السَّلَفِ، الرِّيَاضِ، ط 1، 1420هـ، ج 1، ص 215-222.
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ...»: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ «وُجُوبِ الْإِيمَانِ بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا ﷺ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ وَنَسْخِ الْمِلَلِ بِشَرِيعَتِهِ»، رَقْمُ (153)، ج 1، ص 134، طَبْعَةُ دَارِ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ.
[4] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ مَقَالَاتِ الْفِرَقِ فِي النُّبُوَّاتِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج 1، ص 289-296. وَانْظُرْ: شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، 1398هـ، ص 210-215.
■____________________________________19_______________________________________■
■ الْخَامِسِ: الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ
●الْيَوْمُ الْآخِرُ مُرَكَّبٌ وَصْفِيٌّ. (الْيَوْمُ) فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى وَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى غُرُوبِهَا، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الزَّمَانِ وَالْوَقْتِ.
●وَ(الْآخِرُ) نَقِيضُ الْمُتَقَدِّمِ وَالْأَوَّلِ، وَأَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (أَ خَ رَ) وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ آخِرُ أَيَّامِ الدُّنْيَا، حَيْثُ لَا يَوْمَ بَعْدَهُ يَسْتَقِلُّ بِطُلُوعِ شَمْسٍ أَوْ غُرُوبِهَا، بَلْ هُوَ خُلُودٌ سَرْمَدِيٌّ دَائِمٌ [1].
ثَانِيّاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ (تَعْرِيفُ الْيَوْمِ الْآخِرِ شَرْعاً)
■"التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ، مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِهِ وَنَعِيمِهِ، وَالْبَعْثِ، وَالْحَشْرِ، وَالصُّحُفِ، وَالْمِيزَانِ، وَالْحَوْضِ، وَالصِّرَاطِ، وَالشَّفَاعَةِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ".
■احْتِرَازَاتُ الْحَدِّ: قَوْلُنَا (التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ) يُخْرِجُ الشَّكَّ وَالظَّنَّ، وَقَوْلُنَا (مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ الْمَوْتِ) هُوَ تَوْقِيتُ الْحَدِّ الْجَامِعِ لِأَنَّ "مَنْ مَاتَ فَقَدْ قَامَتْ قِيَامَتُهُ" وَهُوَ الْقِيَامَةُ الصُّغْرَى، وَقَوْلُنَا (بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ...) يُخْرِجُ تُرَّهَاتِ أَهْلِ الْأَوْهَامِ وَالْفَلَاسِفَةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا مَعَاداً رُوحَانِيّاً دُونَ الْأَجْسَادِ [2].
ثَالِثاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذَا الْإِيمَانِ
■الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ هُوَ الرُّكْنُ الْخَامِسُ، وَقَدْ قَرَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِيمَانِ بِهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَنْزَجِرُ عَنِ الْمَعَاصِي وَلَا يَنْشَطُ لِلطَّاعَاتِ إِلَّا إِذَا أَيْقَنَ بِالْمَعَادِ وَالْحِسَابِ.
■وَجُحُودُ هَذَا الرُّكْنِ كُفْرٌ صَرِيحٌ يُبْطِلُ الْعَمَلَ وَيُوجِبُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ.
رَابِعاً: الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْإِيمَانُ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
1. الْإِيمَانُ بِالْبَعْثِ وَالنُّشُورِ (الْقِيَامَةُ الْكُبْرَى):
●شَرْحُهُ: هُوَ الْإِيقَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِي الْمَوْتَى وَيُعِيدُ أَجْسَادَهُمْ بَعْدَ أَنْ بَلِيَتْ، وَيَرُدُّ الْأَرْوَاحَ إِلَيْهَا، فَيَقُومُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً مُقْبِلِينَ عَلَى الْقِيَامَةِ. وَالْإِعَادَةُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْأَجْسَادِ حَقِيقَةً وَلَيْسَتْ أَمْراً مَجَازِيّاً.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [التغابن: 7]. وَقَوْلُهُ ﷺ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» [3].
2. الْإِيمَانُ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ (عَرْضُ الْأَعْمَالِ وَتَطَايُرُ الصُّحُفِ):
●شَرْحُهُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوقِفُ الْعِبَادَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ، وَيُحَاسِبُهُمْ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ. فَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيَأْخُذُ الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَتُوزَنُ الْأَعْمَالُ بِمِيزَانٍ حَقِيقِيٍّ لَهُ كِفَّتَانِ وَلِسَانٌ تَقْدِيراً لِلْقِسْطِ.
●الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ} [الحاقة: 19]، وَقَوْلُهُ: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا} [الأنبياء: 47]، وَقَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» [4].
3. الْإِيمَانُ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ :
●شَرْحُهُ: هُوَ التَّصْدِيقُ بِأَنَّ الْجَنَّةَ هِيَ دَارُ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالنَّارَ هِيَ دَارُ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ الْجَاحِدِينَ.
●وَالْوَاجِبُ عَقَدِيّاً إِثْبَاتُ أَنَّهُمَا مَخْلُوقَتَانِ الْآنَ مَوْجُودَتَانِ، لَا تَفْنَيَانِ أَبَداً وَلَا تَبِيدَانِ، خِلَافاً لِأَهْلِ الْبِدَعِ.
●الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 133]، وَفِي النَّارِ: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24]، فَلَفْظُ "أُعِدَّتْ" مَاضٍ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ الْحَالِيِّ.
●وَقَوْلُهُ ﷺ: «إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ...» [5].
4. الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا يَكُونُ قَبْلَ النُّشُورِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ (الْقَبْرُ وَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ):
●شَرْحُهُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِيَّاتِ الْبَرْزَخِيَّةِ؛ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ (سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ)، وَتَنْعِيمِ الْمُؤْمِنِ فِيهِ وَتَعْذِيبِ الْعَاصِي وَالْكَافِرِ.
●كَمَا يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ الْأَمَارَاتِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى
(كَخُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا)، وَكَذَا الْإِيمَانُ بِالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وَالْجِسْرِ الْمَنْصُوبِ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ (الصِّرَاطِ).
●الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي آلِ فِرْعَوْنَ فِي الْبَرْزَخِ: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} [غافر: 46].
●وَقَوْلُهُ ﷺ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» [6].
خَامِساً: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ فِي الْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَعَادِ اضْطَرَبَتْ أَقْوَالُ الطَّوَائِفِ فِي حَقِيقَةِ الْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ وَتَفَاصِيلِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَاءَتْ مَقَالَاتُهُمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
1. أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَأَئِمَّةُ الْأَثَرِ):
●يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْبَعْثَ حَقٌّ لِلْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ مَعاً؛ فَأَجْسَادُ الْعِبَادِ تُرَدُّ إِلَيْهَا أَرْوَاحُهَا حَقِيقَةً.
●وَيُثْبِتُونَ نَعِيمَ الْقَبْرِ وَعَذَابَهُ لِلرُّوحِ وَالْجَسَدِ مُتَّصِلَيْنِ أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ، وَأَنَّ الْمِيزَانَ حَقِيقِيٌّ، وَالصِّرَاطَ حَقِيقِيٌّ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ الْآنَ لَا تَفْنَيَانِ أَبَداً.
2. الْفَلَاسِفَةُ وَالْمَلَاحِدَةُ (الدَّهْرِيَّةُ وَالْمَشَّاؤُونَ): أَنْكَرُوا الْمَعَادَ الْجُسْمَانِيَّ رَأْساً؛ وَقَالُوا إِنَّ الْأَجْسَادَ إِذَا تَلِفَتْ وَتَحَلَّلَتْ لَا تُعَادُ، وَأَنَّ الْمَعَادَ هُوَ "مَعَادٌ رُوحَانِيٌّ تَبْقَى فِيهِ النُّفُوسُ" فَقَطْ، وَزَعَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ عِبَارَةٌ عَنْ لَذَّاتٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ آلَامٍ نَفْسِيَّةٍ لَا وُجُودَ لَهَا فِي الْأَعْيَانِ! وَهَذَا كُفْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.
3. الْجَهْمِيَّةُ: أَثْبَتُوا الْبَعْثَ، لَكِنَّهُمْ جَاءُوا بِبِدْعَةٍ شَنِيعَةٍ فِي الْمَآلِ؛ حَيْثُ زَعَمَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ أَنَّ "الْجَنَّةَ وَالنَّارَ تَفْنَيَانِ وَتَبِيدَانِ" بَعْدَ دُخُولِ أَهْلِهِمَا فِيهِمَا، وَتَعُودُ الْخَلَائِقُ إِلَى الْعَدَمِ كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْخَلْقِ، زَعْماً مِنْهُ أَنَّ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَلَا آخِرَ لَهَا مُمْتَنِعَةٌ! وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِخُلُودِ أَهْلِ الدَّارَيْنِ النَّصِّيِّ.
4. الْمُعْتَزِلَةُ وَالْخَوَارِجُ: ضَلُّوا فِي بَابِ الْجَزَاءِ وَالْوَعِيدِ؛ فَأَنْكَرُوا "الشَّفَاعَةَ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ" مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي إِخْرَاجِهِمْ مِنَ النَّارِ، وَقَالُوا إِنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ بِسَبَبِ كَبِيرَةٍ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَخْلُدُ فِيهَا كَخُلُودِ الْكَافِرِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَداً! كَمَا أَنْكَرَتِ الْمُعْتَزِلَةُ (عَذَابَ الْقَبْرِ)، وَ(الصِّرَاطَ)، وَ(الْمِيزَانَ) بِحُجَّةِ أَنَّ الْعَقْلَ لَا يَقْبَلُهَا!
5. الْأَشَاعِرَةُ (وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ): أَثْبَتُوا تَفَاصِيلَ الْيَوْمِ الْآخِرِ تَبَعاً لِلنُّصُوصِ، لَكِنَّهُمْ تَقَلَّصُوا فِي فَهْمِ مَسْأَلَةِ "الْمِيزَانِ"؛ فَقَالُوا إِنَّ الْأَعْمَالَ أَعْرَاضٌ لَا تُوزَنُ ذَاتِيّاً، فَالْمِيزَانُ عِنْدَهُمْ إِنَّمَا هُوَ لِوَزْنِ "صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ" أَوْ تَجْسِيدِ الْأَعْمَالِ جَسَداً مَخْلُوقاً، وَتَأَوَّلُوا بَعْضَ حَقَائِقِ الصِّرَاطِ عَنْ حَرْفِيَّتِهِ الْقَاطِعَةِ إِلَى مَعَانٍ مَجَازِيَّةٍ تَبَعاً لِلْأُصُولِ الْكَلَامِيَّةِ.
■__________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ لِلْيَوْمِ وَالْآخِرِ: انْظُرْ: مَعْجَمُ مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، لِابْنِ فَارِسٍ، مَادَّةُ (يَوْمَ) ج 6، ص 161، وَمَادَّةُ (أَخَرَ) ج 1، ص 70-73.
[2] مَصْدَرُ الْحَدِّ الْجَامِعِ وَشَرْحِ الْعَقِيدَةِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، ج 2، ص 560-580 (بَابُ الْمَعَادِ وَالْحِسَابِ).
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الْحَشْرِ حُفَاةً عُرَاةً: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَقْمُ (3349)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ، رَقْمُ (2859).
[4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ «مَنْ سَمِعَ شَيْئاً فَلَمْ يَفْهَمْهُ فَرَجَعَ حَتَّى يَعْرِفَهُ»، رَقْمُ (103).
[5] تَخْرِيجُ حَدِيثِ عَرْضِ الْمَقْعَدِ فِي الْبَرْزَخِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ (1379)، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (2866) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
[6] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كِتَابُ الْمَسَاجِدِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ، رَقْمُ (588).
[7] مَصْدَرُ مَقَالَاتِ الْفِرَقِ فِي فَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْمَعَادِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج 18، ص 307-312. وَانْظُرْ: الْفَصْلُ فِي الْمِلَلِ وَالْأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ، لِابْنِ حَزْمٍ الْأَنْدَلُسِيِّ، مَكْتَبَةُ الْخَانْجِيُّ، الْقَاهِرَةِ، ج 4، ص 82.
■____________________________________20_______________________________________■
■ الرُّكْنِ السَّادِسِ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ
أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِلْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ
الْقَدَرُ: أَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ الثُّلَاثِيَّةِ (قَ دَ رَ)، وَتَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى مَبَالِغِ الْأَشْيَاءِ، وَكُنْهِهَا وَنِهَايَتِهَا، وَالتَّقْدِيرِ. فَالْقَدَرُ هُوَ الْحُكْمُ وَالْقَضَاءُ وَتَفْصِيلُ الْأُمُورِ مَعَ إِحْكَامِ مَقَادِيرِهَا وَأَوْقَاتِهَا وَصِفَاتِهَا قَبْلَ كَوْنِهَا.
■الْقَضَاءُ: أَصْلُهُ التَّصْرِيفِيُّ مِنَ الْمَادَّةِ (قَ ضَ يَ)، وَالْأَصْلُ الْيَاءُ تَنْقَلِبُ هَمْزَةً لِتَطَرُّفِهَا بَعْدَ أَلِفٍ زَائِدَةٍ.
وَتَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى إِحْكَامِ الْأَمْرِ، وَالْفَرَاغِ مِنْهُ، وَإِمْضَائِهِ، وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْخُصُومِ. فَالْقَضَاءُ هُوَ الصُّنْعُ وَالْحَتْمُ وَالْإِيجَادُ الْفِعْلِيُّ لِلْمَقْدُورِ [1].
ثَانِيّاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْقَدَرِ شَرْعاً:"تَقْدِيرُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْأَشْيَاءِ فِي الْأَزَلِ، وَعِلْمُهُ سُبْحَانَهُ بِأَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ، وَعَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، وَكِتَابَتُهُ لِذَلِكَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ".
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْقَضَاءِ شَرْعاً:
"حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى الْكَوْنِيُّ بِإِيجَادِ الْمَقَادِيرِ وَتَنْفِيذِهَا وَإِخْرَاجِهَا إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ السَّابِقَةِ" [2].
ثَالِثاً: الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
تَقُومُ الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عِنْدَ مُحَقِّقِي أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى النَّظَرِ فِي صِلَتِهِمَا مَعاً مِنَ الْجِهَةِ الزَّمَنِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ؛ فَالْقَدَرُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّخْطِيطِ وَالتَّهْيِئَةِ وَالْقِيَاسِ السَّابِقِ فِي الْأَزَلِ، بَيْنَمَا الْقَضَاءُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّنْفِيذِ الْفِعْلِيِّ وَالْبِنَاءِ وَالْإِيجَادِ الْعَيْنِيِّ فِي الْوَاقِعِ الْمَشْهُودِ.
وَمِنْ هُنَا جَاءَتِ الْقَاعِدَةُ الْعَقَدِيَّةُ السَّلَفِيَّةُ الْمَشْهُورَةُ أَنَّهُمَا: (إِذَا اجْتَمَعَا افْتَرَقَا، وَإِذَا افْتَرَقَا اجْتَمَعَا)؛ فَإِذَا ذُكِرَ لَفْظُ "الْقَدَرِ" مُنْفَرِداً فِي النَّصِّ شَمَلَ الْقَضَاءَ مَعَهُ، وَإِذَا ذُكِرَ لَفْظُ "الْقَضَاءِ" مُنْفَرِداً شَمَلَ الْقَدَرَ مَعَهُ.
أَمَّا إِذَا جُمِعَ بَيْنَهُمَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ فَقِيلَ "الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ"، فَيَكُونُ الْقَدَرُ هُوَ الْعِلْمُ وَالْكِتَابَةُ السَّابِقَةُ لِلْأُمُورِ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَيَكُونُ الْقَضَاءُ هُوَ خَلْقُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِيجَادُهَا فِعْلِيّاً إِذَا وَقَعَتْ.
فَالْقَدَرُ أَسْبَقُ زَمَناً لِأَنَّهُ سَابِقٌ أَزَلِيٌّ، وَالْقَضَاءُ لَاحِقٌ لِأَنَّهُ تَنْفِيذٌ عَيْنِيٌّ مَشْهُودٌ [3].
رَابِعاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ
الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ هُوَ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، وَهُوَ الرُّكْنُ السَّادِسُ الَّذِي لَا يُقْبَلُ مِنْ دُونِهِ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ. وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لَهُ يَقُومُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِي فِي هَذَا الْكَوْنِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ، وَإِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَخَيْرٍ وَشَرٍّ، فَهُوَ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ وَكِتَابَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ، مَعَ نَفْيِ الظُّلْمِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ يَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَوَاضِعِهَا بِالْحِكْمَةِ الْعَدْلِ.
خَامِساً: مُتَطَلَّبَاتُ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ (مَرَاتِبُ الْقَدَرِ الْأَرْبَعَةُ) مَعَ الشَّرْحِ وَالْأَدِلَّةِ
لَا يَصِحُّ إِيمَانُ الْعَبْدِ بِالْقَدَرِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعِ مَرَاتِبَ مُتَلَازِمَةٍ، نَفْصِلُهَا شَرْحاً وَأَدِلَّةً:
1. الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى: الْإِيمَانُ بِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ لِكُلِّ شَيْءٍ (الْعِلْمُ):
شَرْحُهَا: هُوَ الْإِيقَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً، أَزَلاً وَأَبَداً؛ فَعَلِمَ مَا كَانَ، وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ. فَعَلِمَ أَعْمَالَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ، وَعَلِمَ أَرْزَاقَهُمْ، وَآجَالَهُمْ، وَحَرَكَاتِهِمْ، وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا} [الطلاق: 12].
2. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ: الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْمَقَادِيرَ كُتِبَتْ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ وُجُودِهَا (الْكِتَابَةُ):
شَرْحُهَا: هُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ عَلِمَ الْمَقَادِيرَ، كَتَبَهَا فِي كِتَابٍ عِنْدَهُ هُوَ "اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ" (أُمُّ الْكِتَابِ)؛ فَمَا مِنْ قَطْرَةِ مَطَرٍ، وَلَا لَفْظَةِ بَشَرٍ، وَلَا حَادِثَةٍ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ إِلَّا وَهِيَ مَسْطُورَةٌ عِنْدَ اللَّهِ قَبْلَ خَلْقِ الْخَلِيقَةِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَالْكِتَابَةُ مُحِيطَةٌ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} [الحج: 70].
وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: «كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» [4].
3. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ: الْإِيمَانُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ الشَّامِلَةِ (الْمَشِيئَةُ):
■شَرْحُهَا: هُوَ الْإِيمَانُ بِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى نَافِذَةٌ، وَقُدْرَتَهُ شَامِلَةٌ؛ فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. فَلَا يَقَعُ فِي هَذَا الْكَوْنِ خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ، وَلَا طَاعَةٌ وَلَا مَعْصِيَةٌ، إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ.
■وَمَشِيئَةُ اللَّهِ لَا تُنَاقِضُ أَنَّ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَاخْتِيَاراً، لَكِنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ خَالِقِهِ سُبْحَانَهُ وَلَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً عَنْهَا.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29].
4. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ: الْإِيمَانُ بِخَلْقِ اللَّهِ وَإِيجَادِهِ لِلْمَقَادِيرِ (الْخَلْقُ):
■شَرْحُهَا: هُوَ الْإِيقَانُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْخَالِقُ الْوَحِيدُ لِكُلِّ ذَاتٍ، وَلِكُلِّ حَرَكَةٍ، وَلِكُلِّ فِعْلٍ؛ فَاللَّهُ خَلَقَ الْعِبَادَ وَخَلَقَ أَفْعَالَهُمْ طَاعَاتِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ.
■فَالْعَبْدُ هُوَ الْفَاعِلُ لِلْفِعْلِ حَقِيقَةً (فَهُوَ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ الَّذِي يَصُومُ وَهُوَ الَّذِي يَسْرِقُ)، لَكِنَّ ذَاتَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَرَكَتَهُ كُلَّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ خَالِقَ السَّبَبِ التَّامِّ (وَهُوَ الْعَبْدُ بِقُدْرَتِهِ) هُوَ خَالِقٌ لِلْمُسَبَّبِ (وَهُوَ الْفِعْلُ).
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصيَّافات: 96].
سَادِساً: الْمَقَادِيرُ الْخَمْسَةُ لِلْخَلَائِقِ
تَقْدِيرُ اللَّهِ لِلْأَشْيَاءِ لَيْسَ عَلَى مَرْتَبَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَ التَّقْدِيرِ الْأَزَلِيِّ، بَلْ جَاءَتِ النُّصُوصُ بِخَمْسَةِ مَقَادِيرَ تُفَصِّلُ ذَلِكَ التَّقْدِيرَ الْأَوَّلَ:
■التَّقْدِيرُ الْأَزَلِيُّ الْعَامُّ: وَهُوَ كِتَابَةُ الْمَقَادِيرِ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَهُوَ الْكِتَابُ الْجَامِعُ الَّذِي لَا يَتَبَدَّلُ وَلَا يَتَغَيَّرُ.
■تَقْدِيرُ الْمِيثَاقِ (التَّقْدِيرُ الْبَشَرِيُّ الْأَوَّلُ): حِينَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فِي وَادِي نَعْمَانَ (عَرَفَةَ) وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَتَبَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَأَصْحَابَ الشِّمَالِ.
■الدَّلِيلُ: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} [الأعراف: 172].
■التَّقْدِيرُ الْعُمُرِيُّ (عِنْدَ تَخْلِيقِ النُّطْفَةِ): وَهُوَ التَّقْدِيرُ الَّذِي يَكُونُ وَالْعَبْدُ جَنِينٌ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؛ حَيْثُ يُرْسِلُ اللَّهُ الْمَلَكَ فَيُؤْمَرُ بِكِتَابَةِ أَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: كِتَابَةِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ.
■الدَّلِيلُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ: «ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ...» [5].
■التَّقْدِيرُ السَّنَوِيُّ (الْحَوْلِيُّ): وَهُوَ الَّذِي يُكْتَبُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ؛ حَيْثُ يُفْصَلُ مِنْ سِجِلِّ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مَا يَكُونُ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ مِنَ الْمَوْتِ، وَالْحَيَاةِ، وَالْأَرْزَاقِ، وَالْحَجِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ.
■الدَّلِيلُ: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدخان: 4].
■التَّقْدِيرُ الْيَوْمِيُّ: وَهُوَ تَنْفِيذُ كُلِّ مَا تَقَدَّمَ وَسَوْقُهُ إِلَى مَوَاقِيتِهِ الْيَوْمِيَّةِ؛ مِنْ سَوْقِ رِزْقٍ، وَإِعْزَازِ ذَلِيلٍ، وَإِذْلَالِ عَزِيزٍ، وَإِحْيَاءِ نَفْسٍ وَإِمَاتَةِ أُخْرَى.
■الدَّلِيلُ: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} [الرحمن: 29].
سَابِعاً: أَقْوَالُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْقَدَرِ (خَمْسَةٌ مِنَ الْأَعْلَامِ)
تَوَاتَرَتْ كَلِمَاتُ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَدِيماً فِي قَمْعِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُجْبِرَةِ، وَإِثْبَاتِ الْقَدَرِ الْأَوَّلِ عَيْنِ مَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَمِنْهُمْ:
1. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (ت 73هـ): لَمَّا بَلَغَهُ قَوْلُ مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ فِي نَفْيِ الْقَدَرِ، قَالَ مَقُولَتَهُ الشَّهِيرَةَ: «فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَوَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» [6].
2. عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (ت 34هـ): قَالَ لِابْنِهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ: «يَا بُنَيَّ، إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ...» [7].
3. الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (ت 40هـ): لَمَّا سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ السَّيْرِ إِلَى الشَّامِ أَكَانَ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ؟ قَالَ: «وَيْحَكَ! لَعَلَّكَ ظَنَنْتَ قَضَاءً لَازِمًا وَقَدَرًا حَاتِمًا! لَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ، وَلَسَقَطَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ، إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ عِبَادَهُ تَخْيِيرًا، وَنَهَاهُمْ تَحْذِيرًا، وَلَمْ يُطَعْ مَغْلُوبًا» [8].
4. الْإِمَامُ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ (ت 124هـ): حَفِظَ عَقِيدَةَ التَّابِعِينَ بِقَوْلِهِ: «الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَصَدَّقَ بِالْقَدَرِ فَذَلِكَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى» [9].
5. الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت 241هـ): جَمَعَ عِلْمَ الْقَدَرِ فِي كَلِمَةٍ مُعْجِزَةٍ مَشْهُورَةٍ عَنْهُ نَقَلَهَا ابْنُ بَطَّةَ وَغَيْرُهُ: «الْقَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ»؛ لِأَنَّ إِنْكَارَ الْقَدَرِ هُوَ إِنْكَارٌ لِقُدْرَةِ الرَّبِّ عَلَى خَلْقِ أَفْعَالِ عِبَادِهِ وَمَشِيئَتِهِ الْعَامَّةِ [10].
ثَامِناً: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي الْقَدَرِ وَشَرْحُ (الْكَسْبِ)
انْحَرِفَتِ الْفِرَقُ فِي هَذَا الرُّكْنِ إِلَى طَرَفَيِ النَّقِيضِ، بَيْنَ غُلَاةٍ نَفَوْا الْقَدَرَ، وَبَيْنَ غُلَاةٍ سَلَبُوا الْعَبْدَ اخْتِيَارَهُ:
1. الْقَدَرِيَّةُ النُّفَاةُ (الْقَدَرِيَّةُ الْأُولَى كَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَغَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ): قَالُوا إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْ أَفْعَالَ الْعِبَادِ، وَأَنَّ الْأَمْرَ "أُنُفٌ" (أَيْ مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يَقْبَلْهُ عِلْمٌ وَلَا كِتَابَةٌ سَابِقَةٌ)! فَأَنْكَرُوا مَرْتَبَتَيِ الْعِلْمِ وَالْكِتَابَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْفِعْلَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ وَهَؤُلَاءِ كَفَّرَهُمُ السَّلَفُ.
2. الْمُعْتَزِلَةُ (قَدَرِيَّةُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ): أَثْبَتُوا الْعِلْمَ وَالْكِتَابَةَ لَكِنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْمَشِيئَةَ وَالْخَلْقَ فِي أَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ فَقَالُوا: "الْعَبْدُ هُوَ الْخَالِقُ لِفِعْلِ نَفْسِهِ" اسْتِقْلَالاً طَاعَةً وَمَعْصِيَةً، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ مَعَاصِيَ الْعُصَاةِ وَلَا كُفْرَ الْكَافِرِينَ، فَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقِينَ كَثِيرِينَ؛ لِذَلِكَ سُمُّوا (مَجُوسَ هَذِهِ الْأُمَّةِ).
3. الْجَهْمِيَّةُ وَالْجَبْرِيَّةُ الْخَالِصَةُ (جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ وَتَبَعُهُ): قَالُوا بِـ "الْجَبْرِ الْمَحْضِ"؛ فَالْعَبْدُ عِنْدَهُمْ لَيْسَ لَهُ قُدْرَةٌ وَلَا اخْتِيَارٌ وَلَا مَشِيئَةٌ رَأْساً، بَلْ هُوَ "مَجْبُورٌ عَلَى أَفْعَالِهِ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ"، وَأَنَّ إِضَافَةَ الْفِعْلِ إِلَيْهِ (صَلَّى، زَنَى) هِيَ إِضَافَةٌ مَجَازِيَّةٌ كَمَا يُقَالُ (دَارَتِ الشَّجَرَةُ وَتَحَرَّك الحَجَرُ)، وَهَذَا يَعْنِي إِبْطَالَ التَّكْلِيفِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
4. الْأَشَاعِرَةُ (وَنَظَرِيَّةُ الْكَسْبِ الكَلَامِيَّةِ): حَاوَلَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ الْخُرُوجَ مِنْ جَبْرِ الْجَهْمِيَّةِ وَاخْتِيَارِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَابْتَدَعَ قَوْلاً سَمَّاهُ "الْكَسْبَ".
■شَرْحُ كَلِمَةِ (الْكَسْبِ) عِنْدَهُمْ: يَعْنِي أَنَّ الْفِعْلَ يَقَعُ بِـ (مُقَارَنَةِ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ لِلْعَبْدِ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى)، أَيْ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الْفِعْلَ عِنْدَ قُدْرَةِ الْعَبْدِ لَا بِهَا؛ فَالْقُدْرَةُ الْحَادِثَةُ لِلْعَبْدِ لَيْسَ لَهَا أَيُّ أَثَرٍ فِي إِيجَادِ الْفِعْلِ وَلَا التَّأْثِيرِ فِيهِ!
■حَقِيقَةُ الْكَسْبِ السَّلَفِيَّةُ: لِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ إِنَّ كَسْبَ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ "جَبْرٌ مَخْفِيٌّ" مَسْتُورٌ بِالْأَلْفَاظِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ أَثَرِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ تَمَاماً هُوَ عَيْنُ الْجَبْرِ.
■وَمِنْ هُنَا جَاءَ الْمَثَلُ الْعِلْمِيُّ السَّائِرُ قَدِيماً: "مِمَّا يُقَالُ وَلَا حَقِيقَةَ تَحْتَهُ: كَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ، وَطَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ".
5. الْفَلَاسِفَةُ (كَابْنِ سِينَا وَالْفَارَابِيِّ): يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْقَدَرَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ سَيَلَانِ الْحَوَادِثِ عَنِ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ الْفَلَكِيَّةِ بِطَرِيقِ "الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ" (الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ)، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ مَشِيئَةٌ حُرَّةٌ يَخْتَارُ بِهَا، بَلْ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ، فَأَسْقَطُوا حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّأْثِيرِ الرَّبَّانِيِّ التَّقْدِيرِيِّ خَارِجَ قَوَانِينِ الطَّبِيعَةِ.
■________________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ لِلْقَدَرِ وَالْقَضَاءِ: انْظُرْ: مَعْجَمُ مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، لِابْنِ فَارِسٍ، مَادَّةُ (قَدَرَ)، ج 5، ص 62-65، وَمَادَّةُ (قَضَى)، ج 5، ص 99-101.
[2] مَصْدَرُ الْحَدِّ الْجَامِعِ الْمَانِعِ لِلْمَرَاتِبِ: انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ: د. صَالِحِ الْفَوْزَانِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضِ، ط 6، ص 145-152.
[3] مَصْدَرُ الْمُقَارَنَةِ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ: انْظُرْ: شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، بَيْرُوتَ، ص 24-29.
[4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ كِتَابَةِ الْمَقَادِيرِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، كِتَابُ الْقَدَرِ، بَابُ «ذِكْرِ خَلْقِ الْمَقَادِيرِ»، رَقْمُ (2653)، ج 4، ص 2044.
[5] تَخْرِيجُ حَدِيثِ التَّقْدِيرِ الْعُمُرِيِّ فِي الْبَطْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَقْمُ (3208)، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ (2643).
[6] تَخْرِيجُ مَقُولَةِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْقَدَرِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَدْرِ صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، حَدِيثُ رَقْمُ (1)، ج 1، ص 36.
[7] تَخْرِيجُ حَدِيثِ مَقُولَةِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ لِابْنِهِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ «فِي الْقَدَرِ»، رَقْمُ (4700)، ج 4، ص 227، وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
[8] أَثَرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْقَدَرِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ بَطَّةَ فِي الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى، كِتَابُ الْقَدَرِ، رَقْمُ (1124)، ج 3، ص 180، طَبْعَةُ دَارِ الرَّايَةِ، الرِّيَاضِ.
[9] أَثَرُ الزُّهْرِيِّ فِي نِظَامِ التَّوْحِيدِ: انْظُرْ: الشَّرِيعَةُ، لِلْآجُرِّيِّ، تَحْقِيقُ: د. عَبْدِ اللَّهِ الدُّمَيْجِيِّ، دَارُ الْفَضِيلَةِ، ج 2، ص 142.
[10] مَقُولَةُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: «الْقَدَرُ قُدْرَةُ اللَّهِ»: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ج 8، ص 303.
[11] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ مَقَالَاتِ الْفِرَقِ وَتَفْكِيكِ (الْكَسْبِ): انْظُرْ: مِنْهَاجُ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ: د. مُحَمَّدٍ رَشَادْ سَالِمْ، ج 3، ص 165-178 (فِي الرَّدِّ عَلَى نَظَرِيَّةِ الْكَسْبِ وَجَبْرِ الْجَهْمِيَّةِ).
■____________________________________21_______________________________________■
مُتَعَلِّقَاتِ الْقَدَرِ وَمَسَائِلِهِ الْعِلْمِيَّةِ
أَوَّلاً: مَقَامُ الْأَسْبَابِ وَعَلَاقَتُهَا بِالْقَدَرِ
الْأَسْبَابُ هِيَ الْوَسَائِطُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مُوصِلَةً إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا فِي الْكَوْنِ. وَمَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِيهَا وَسَطٌ بَيْنَ نُفَاتِهَا وَالْمُغَالِينَ فِيهَا، وَتَنْقَسِمُ مَقَالَاتُ النَّاسِ فِيهَا إِلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُوهٍ:
- الِالْتِفَاتُ إِلَى الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ (شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ): وَهُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى السَّبَبِ وَالظَّنُّ بِأَنَّهُ يَسْتَقِلُّ بِالتَّأْثِيرِ دُونَ اللَّهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَادِّيِّينَ.
- مَحْوُ الْأَسْبَابِ وَإِنْكَارُ تَأْثِيرِهَا (نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ): وَهُوَ زَعْمُ أَنَّ الْأَسْبَابَ لَا أَثَرَ لَهَا وَلَا لَهَا قُوَّةٌ مُودَعَةٌ، بَلْ يَقَعُ الْفِعْلُ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ.
- الْقِيَامُ بِالْأَسْبَابِ مَعَ التَّوَكُّلِ عَلَى الْمُسَبِّبِ (عَيْنُ السُّنَّةِ): وَهُوَ أَنَّ الْأَسْبَابَ حَقٌّ وَلَهَا تَأْثِيرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ فِيهَا، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَقِلُّ بِالْفِعْلِ بَلْ هِيَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، فَتَرْكُ الْأَسْبَابِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ، وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهَا قَدْحٌ فِي التَّوْحِيدِ [1].
ثَانِيّاً: التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالْإِرَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ
مِنْ أَعْظَمِ مُتَعَلِّقَاتِ الْقَدَرِ الَّتِي يَنْجَلِي بِهَا الضَّلَالُ، التَّفْرِيقُ بَيْنَ نَوْعَيِ الْإِرَادَةِ الرَّبَّانِيَّةِ:
- الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْقَدَرِيَّةُ: هِيَ الْمَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ لِكُلِّ مَا يَقَعُ فِي الْكَوْنِ. وَهَذِهِ يَلْزَمُ فِيهَا الْوُقُوعُ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهَا مَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْفِعْلِ؛ فَقَدْ أَرَادَ كَوْناً وُجُودَ إِبْلِيسَ وَالْكُفْرَ لِحِكْمَةٍ، مَعَ أَنَّهُ لَا يُحِبُّهُمَا.
- الْإِرَادَةُ الشَّرْعِيَّةُ الدِّينِيَّةُ: هِيَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِمَّا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ.
- وَهَذِهِ لَا يَلْزَمُ فِيهَا الْوُقُوعُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُ فِيهَا الْمَحَبَّةُ؛ فَاللَّهُ أَرَادَ شَرْعاً إِيمَانَ كُلِّ الْبَشَرِ، لَكِنْ لَمْ يَقَعْ إِيمَانُهُمْ كُلِّهِمْ كَوْناً.
- الِاجْتِمَاعُ وَالِافْتِرَاقُ: يَجْتَمِعَانِ فِي حَقِّ (الْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ) كَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ فَإِيمَانُهُ مَحْبُوبٌ لِلَّهِ (شَرْعِيَّةٌ) وَقَدْ وَقَعَ فِعْلاً (كَوْنِيَّةٌ).
- وَتَفْتَرِقُ الْكَوْنِيَّةُ فِي حَقِّ (الْكَافِرِ) كَأَبِي جَهْلٍ؛ فَكُفْرُهُ وَقَعَ (كَوْنِيَّةٌ) وَلَيْسَ مَحْبُوباً لِلَّهِ.
- وَتَفْتَرِقُ الشَّرْعِيَّةُ فِي حَقِّ (الْكَافِرِ الَّذِي دُعِيَ فَلَمْ يُؤْمِنْ)؛ فَإِيمَانُهُ مَأْمُورٌ بِهِ (شَرْعِيَّةٌ) وَلَمْ يَقَعْ [2].
ثَالِثاً: حُكْمُ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ وَتَفْصِيلُهُ
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلرِّضَا بِالْمَقْدُورِ عَلَى أَقْوَالٍ، وَالتَّحْقِيرُ فِيهِ يَقُومُ عَلَى التَّفْصِيلِ بَيْنَ "الْقَضَاءِ" كَفِعْلٍ لِلَّهِ، وَبَيْنَ "الْمَقْضِيِّ" كَمَفْعُولٍ لِلْعَبْدِ:
- الرِّضَا بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ فِعْلُ اللَّهِ: وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ؛ لِأَنَّهُ صَادِرٌ عَنْ عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ وَصِفَاتِ كَمَالِهِ.
- الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ مَفْعُولٌ وَمَصَائِبُ: فِيهِ قَوْلَانِ؛ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الصَّبْرُ.
- الرِّضَا بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ ذُنُوبٌ وَمَعَاصٍ وَكُفْرٌ: يَحْرُمُ الرِّضَا بِهِ رَأْساً؛ بَلْ يَجِبُ بُغْضُهُ وَالسَّعْيُ فِي تَغْيِيرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّهُ وَلَا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ، فَنَرْضَى بِقَدَرِ اللَّهِ الْكَوْنِيِّ مِنْ حَيْثُ جَرَيَانُهُ، وَنَبْغَضُ الْمَعْصِيَةَ لِمُخَالَفَتِهَا الشَّرْعَ [3].
رَابِعاً: مَسْأَلَةُ الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي وَالْمَصَائِبِ
قَاعِدَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ تَنْضَبِطُ بِالْجُمْلَةِ السَّلَفِيَّةِ الشَّهِيرَةِ: (يُحْتَجُّ بِالْقَدَرِ فِي الْمَصَائِبِ، وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ فِي الْمَعَائِبِ).
- الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي الْمَصَائِبِ (جَائِزٌ وَمَشْرُوعٌ): إِذَا أَصَابَ الْعَبْدَ فَقْرٌ أَوْ مَرَضٌ أَوْ فَقْدُ قَرِيبٍ دُونَ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَقَالَ: "قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ"، فَهَذَا عَيْنُ الْإِيمَانِ وَالتَّسْلِيمِ.
- الِاحْتِجَاجُ بِهِ فِي الْمَعَائِبِ (بَاطِلٌ وَمُحَرَّمٌ): إِذَا ارْتَكَبَ الْعَبْدُ ذَنْباً أَوْ تَرَكَ وَاجِباً ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَقْدُورٌ عَلَيَّ"، فَهَذَا احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ يُشْبِهُ احْتِجَاجَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا: {لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا}. فَالْقَدَرُ يُعْتَذَرُ بِهِ عَنِ الْمُصِيبَةِ، وَلَا يُعْتَذَرُ بِهِ عَنِ الْجَرِيمَةِ وَالذَّنْبِ بَلْ يَجِبُ فِيهِ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ.
- فَقْهُ حَدِيثِ (احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى): لَمَّا قَالَ مُوسَى لِآدَمَ: "خَيَّبْتَنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ"، فَقَالَ آدَمُ: "أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ"، فَقَالَ ﷺ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
- وَجْهُ الْحُجَّةِ هُنَا أَنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ لِيُسْقِطَ التَّوْبَةَ عَنِ الذَّنْبِ -فَقَدْ تَابَ وَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ- وَإِنَّمَا احْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ اللَّاحِقَةِ بِالذُّرِّيَّةِ وَهِيَ الْإِخْرَاجُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالِاحْتِجَاجُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ حَقٌّ وَصَوَابٌ [4].
■_________________________________________________________________________■
- [1] مَصْدَرُ مَقَامِ الْأَسْبَابِ وَالتَّوَكُّلِ: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج 8، ص 169-173. وَانْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، بَيْرُوتَ، ج 2، ص 115.
- [2] مَصْدَرُ الْإِرَادَتَيْنِ الْكَوْنِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ: انْظُرْ: الْعَقِيدَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ: د. مُحَمَّدٍ سَعِيدٍ الْقَحْطَانِيِّ، مَكْتَبَةُ الْعُبَيْكَانِ، ط 5، ص 45-52.
- [3] مَصْدَرُ تَفْصِيلِ الرِّضَا بِالْمَقْدُورِ: انْظُرْ: مَارِجُ الْقَبُولِ بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ، لِلْحَافِظِ حَكَمِيٍّ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 2، ص 612-618.
- [4] تَخْرِيجُ حَدِيثِ مُحَاجَّةِ آدَمَ وَمُوسَى وَالِاحْتِجَاجِ بِالْقَدَرِ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْقَدَرِ، بَابُ «مُحَاجَّةِ آدَمَ وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ»، رَقْمُ (6614)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْقَدَرِ، رَقْمُ (2652) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وانْظُرْ تَوْجِيهَهُ فِي: شِفَاءُ الْعَلِيلِ، لِلِابْنِ الْقَيِّمِ، ص 35.
■____________________________________20_______________________________________■
■الْعَلَاقَةِ بَيْنَ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَعِلْمِ الْعَقِيدَةِ وَمَبَاحِثِ التَّوْحِيدِ
أَوَّلاً: تَحْرِيرُ مَفْهُومِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَمَنَاطَاتِهِ
●يُعْنَى عِلْمُ التَّوْحِيدِ فِي أَصْلِهِ التَّصْنِيفِيِّ بِتَقْرِيرِ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ).
●وَيَتَوَجَّهُ هَذَا الْعِلْمُ بِالْأَخَصِّ وَالْعِنَايَةِ الْكُبْرَى إِلَى "تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ" -وَهُوَ تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ- الَّذِي هُوَ خُصُومَةُ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ.
●وَيَرْتَكِزُ عِلْمُ التَّوْحِيدِ عَلَى بَيَانِ مُقْتَضَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِشُرُوطِهَا السَّبْعَةِ الْمَعْرُوفَةِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، وَالْقَبُولِ، وَالِانْقِيَادِ، وَالصِّدْقِ، وَالْإِخْلَاصِ، وَالْمَحَبَّةِ.
●كَمَا يَتَضَمَّنُ هَذَا الْعِلْمُ جَانِبَ التَّخْلِيَةِ وَالْحِمَايَةِ بِبَيَانِ مَا يُضَادُّ أَصْلَ التَّوْحِيدِ أَوْ كَمَالَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ، وَتَفْصِيلِ صُوَرِهِ الْمُعَاصِرَةِ وَالْقَدِيمَةِ، وَكَشْفِ وَسَائِلِهِ وَذَرَائِعِهِ، وَالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ مِنْهَا صِيَانَةً لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ [1].
●ثَانِيّاً: تَحْرِيرُ مَفْهُومِ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ وَمَنَاطَاتِهِ
أَمَّا عِلْمُ الْعَقِيدَةِ فَهُوَ أَعَمُّ سِيَاقاً وَأَوْسَعُ مَوْضُوعاً؛ إِذْ يُعْنَى بِبَيَانِ مُسَمَّى الْإِيمَانِ حَقِيقَةً وَأَحْكَاماً (بِأَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ)، وَتَقْرِيرِ أَرْكَانِهِ السِّتَّةِ الْعُظْمَى الَّتِي جَاءَتْ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، مَعَ شَرْحِ مُتَضَمَّنَاتِ كُلِّ رُكْنٍ وَأَهَمِّ مُتَعَلِّقَاتِهِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ.
●وَيَدْخُلُ فِي صُلْبِ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ أَيْضاً: ذِكْرُ الْمُخَالِفِينَ فِي هَذِهِ الْأَرْكَانِ وَالْمُسَمَّيَاتِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ (كَالْخَوَارِجِ، وَالْمُرْجِئَةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ، وَالْجَهْمِيَّةِ)، وَحِكَايَةُ شُبَهِهِمُ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ الصَّارِمُ عَلَيْهَا بِنُصُوصِ الْوَحْيَيْنِ وَفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ [2].
●ثَالِثاً: جِهَةُ الِارْتِبَاطِ وَالْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْعِلْمَيْنِ
تَتَحَدَّدُ الْعَلَاقَةُ بَيْنَ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَعِلْمِ الْعَقِيدَةِ بِأَنَّهَا عَلَاقَةُ (خُصُوصٍ وَعُمُومٍ جُزْئِيٍّ وَتَفْرِيعِيٍّ)؛ حَيْثُ تُعَدُّ جَمِيعُ مَبَاحِثِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ فَرْعاً أَصِيلاً عَنْ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ.
●وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ التَّوْحِيدَ بِأَنْوَاعِهِ دَاخِلٌ كُلِّيّاً تَحْتَ مُتَضَمَّنِ (الرُّكْنِ الْأَوَّلِ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ) وَهُوَ: "الْإِيمَانُ بِاللَّهِ" ، وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ سُبْحَانَهُ هُوَ أَصْلَ الْأُصُولِ كُلِّهَا، كَانَتْ مَبَاحِثُ التَّوْحِيدِ هِيَ أَهَمَّ وَأَكَّدَ مَبَاحِثِ الْعَقِيدَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْأَهَمِّيَّةِ الْبَالِغَةِ وَالْمَقَامِ الصَّدَارِيِّ، أَفْرَدَهَا عُلَمَاءُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِالتَّصْنِيفِ الْمُسْتَقِلِّ، فَأَلَّفُوا كُتُبَ التَّوْحِيدِ مُجَرَّدَةً لِعِظَمِ شَأْنِهَا [3].
●رَابِعاً: الِانْتِقَالُ إِلَى مَبَاحِثِ التَّوْحِيدِ وَبَيَانِ أَنْوَاعِهِ
نَلِجُ الْآنَ صِلْبَ مَبَاحِثِ التَّوْحِيدِ الَّتِي هِيَ مُبْتَدَأُ الدِّينِ وَخَبَرُهُ، وَتَقُومُ هَذِهِ الْمَبَاحِثُ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِنُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالَّذِي أَوْجَبَ تَقْسِيمَ التَّوْحِيدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ لَا يَنْفَكُّ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ:
1. تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (تَوْحِيدُ اللَّهِ بِأَفْعَالِهِ):
تَعْرِيفُهُ وَمَنَاطُهُ: هُوَ الْإِقْرَارُ الْجَازِمُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ هُوَ الْخَالِقُ، الرَّازِقُ، الْمَالِكُ، الْمُدَبِّرُ لِكُلِّ الْأُمُورِ فِي هَذَا الْكَوْنِ. فَلَا خَالِقَ مَعَهُ، وَلَا مُعْطِيَ وَلَا مَانِعَ سِوَاهُ. وَهَذَا النَّوْعُ أَقَرَّ بِهِ جُمْهُورُ الْخَلْقِ وَالْكُفَّارِ قَدِيماً، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].
2. تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ (تَوْحِيدُ الْعِبَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ):
تَعْرِيفُهُ وَمَنَاطُهُ: هُوَ إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ؛ فَلَا يُدْعَى إِلَّا اللَّهُ، وَلَا يُسْجَدُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُذْبَحُ وَلَا يُنْذَرُ إِلَّا لِجَنَابِهِ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ. وَهَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي أَنْكَرَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَقَالُوا: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء: 36]، وَقَوْلُهُ: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18].
3. تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (تَوْحِيدُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ):
تَعْرِيفُهُ وَمَنَاطُهُ: هُوَ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا ثَبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ مِنْ أَسْمَاءِ كَمَالِهِ وَصِفَاتِ جَلَالِهِ، وَإِثْبَاتُهَا لَهُ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ سُبْحَانَهُ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ، جَرْياً عَلَى قَاعِدَةِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ مَعَ الْإِثْبَاتِ.
الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11].
■_________________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ بَيَانِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَشُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: انْظُرْ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعَبِيدِ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَعَ شَرْحِهِ تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الرِّيَاضِ، ص 45-60.
[2] مَصْدَرُ حَقِيقَةِ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ وَمُسَمَّى الْإِيمَانِ: انْظُرْ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، خَرَّجَ أَحَادِيثَهُ وَأَشْرَفَ عَلَى طَبْعِهِ: الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، بَيْرُوتَ، ط 5، ص 112-130.
[3] مَصْدَرُ تَقْرِيرِ أَنَّ مَبَاحِثَ التَّوْحِيدِ فَرْعٌ عَنِ الْعَقِيدَةِ: انْظُرْ: لَوَامِعُ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ وَسَوَاطِعُ الْأَسْرَارِ الْأَثَرِيَّةِ لِشَرْحِ دُرَّةِ الْمُضِيَّةِ، لِلْإِمَامِ السَّفَّارِينِيِّ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوتَ، ج 1، ص 54-58.
[4] مَصْدَرُ اسْتِقْرَاءِ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ الثَّلَاثَةِ: انْظُرْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ بَيْنَ مَنَازِلِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، لِابْنِ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، تَحْقِيقُ: مُحَمَّدٍ حَامِدِ الْفَقِيِّ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، ج 3، ص 420-425.
■________________________________21_________________________________________■
■ تفسير و تَحْقِيقِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
■أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: لَفْظُ (إِلَه) فِي اللُّغَةِ فِعَالٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (أَلَهَ، يَأْلَهُ، أُلُوهَةً وَإِلَاهَةً) أَيْ: عَبَدَ يَعْبُدُ عِبَادَةً مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. فَالْإِلَهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ: "الْمَأْلُوهُ" أَيِ الْمَعْبُودُ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ حُبًّا، وَتَعْظِيمًا، وَخَوْفًا، وَرَجَاءً، وَخُضُوعًا [1].
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْكَلِمَةِ عَقَدِيًّا: هُوَ (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ). وَهَذَا الْحَدُّ جَامِعٌ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ كُلِّ صُوَرِ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَيُوَجِّهُهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَمَانِعٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ دُخُولَ أَيِّ مَعْبُودٍ بَاطِلٍ (مِنْ صَنَمٍ، أَوْ مَلَكٍ، أَوْ نَبِيٍّ، أَوْ هَوًى) فِي اسْتِحْقَاقِ الْعُبُودِيَّةِ الرَّبَّانِيَّةِ.
■ ثَانِيّاً: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ وَالْإِعْرَابُ النَّحْوِيُّ
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تَقُومُ الْكَلِمَةُ عَلَى رُكْنَيْنِ لَا يَصِحُّ الْإِيمَانُ إِلَّا بِهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ:
النَّفْيُ الْمُحْضُ (لَا إِلَهَ): وَهُوَ كُفْرٌ بِالطَّاغُوتِ، وَخَلْعٌ لِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى.
الْإِثْبَاتُ الْمُحْضُ (إِلَّا اللَّهُ): وَهُوَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَإِفْرَادُهُ سُبْحَانَهُ بِالْإِلَهِيَّةِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
الْإِعْرَابُ النَّحْوِيُّ الدَّقِيقُ:
(لَا): نَافِيَةٌ لِلْجِنْسِ تَعْمَلُ عَمَلَ "إِنَّ"، تَدُلُّ عَلَى النَّفْيِ الِاسْتِغْرَاقِيِّ الْمُطْلَقِ لِلْجِنْسِ.
(إِلَهَ): اسْمُ "لَا" النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ لِأَنَّهُ مُفْرَدٌ.
(خَبَرُ لَا): مَحْذُوفٌ وُجُوبًا تَقْدِيرُهُ (بِحَقٍّ)، وَلَا يَجُوزُ عَقَدِيّاً تَقْدِيرُهُ (مَوْجُودٌ)؛ لِأَنَّ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةَ فِي الْوَاقِعِ مَوْجُودَةٌ وَكَثِيرَةٌ، فَالْمَنْفِيُّ هُوَ اسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ بِالْحَقِّ.
(إِلَّا): أَدَاةُ حَصْرٍ وَاسْتِثْنَاءٍ مُلْغَاةٌ لَا عَمَلَ لَهَا (لِأَنَّ الْكَلَامَ مَنْفِيٌّ نَاقِصٌ بَعْدَ حَذْفِ الْخَبَرِ).
(اللَّهُ): لَفْظُ الْجَلَالَةِ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ اسْمِ "لَا" مَعَ خَبَرِهَا قَبْلَ دُخُولِ النَّاسِخِ (أَيْ مَحَلُّ الِابْتِدَاءِ لِأَنَّ أَصْلَهَا مُبْتَدَأٌ)، فَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ [2].
■ ثَالِثاً: الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ وَمُقْتَضَى الْكَلِمَةِ
الْمَعْنَى السَّلَفِيُّ: هُوَ مَا قَرَّرَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ؛ بِأَنْ يُفْرَدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ فِي كُلِّ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَالْجَوَارِحِ، فَلَا مَفْزَعَ، وَلَا مَلْجَأَ، وَلَا غِيَاثَ، وَلَا رَغْبَةَ، وَلَا خَشْيَةَ لِلْعَبْدِ إِلَّا إِلَى مَوْلَاهُ الْحَقِّ، فَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِهِ.
مُقْتَضَاهَا: أَنْ يُتَرْجَمَ هَذَا الِاعْتِقَادُ الْقَلْبِيُّ إِلَى عَمَلٍ ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ؛ بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَاجْتِنَابِ النَّوَاهِي، وَإِخْلَاصِ الدِّينِ كُلِّهِ لِلَّهِ، فَمَنْ قَالَهَا بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمُقْتَضَاهَا مِنْ تَرْكِ الشِّرْكِ وَإِقَامَةِ الشَّعَائِرِ لَمْ تَنْفَعْهُ قَائِلُهَا رَأْساً.
■ رَابِعاً: اخْتِلَافُ الْفِرَقِ فِي تَفْسِيرِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
●اضْطَرَبَتْ سُبُلُ الطَّوَائِفِ فِي فَهْمِ مَعْنَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَحَصَرُوهَا فِي مَعَانٍ قَاصِرَةٍ أَوْ مُنْحَرِفَةٍ؛ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُفَسِّرُونَهَا بِتَفْسِيرِهَا النَّصِّيِّ الصَّحِيحِ وَهُوَ: "لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ"، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ حَقِيقَةِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ الشَّرْعِيَّةِ.
●أَمَّا الْأَشَاعِرَةُ وَأَهْلُ الْكَلَامِ فَقَدْ حَصَرُوا مَعْنَى الْإِلَهِيَّةِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ وَالْخَلْقِ، فَفَسَّرُوا الْكَلِمَةَ بِأَنَّهَا: "لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ وَالْإِيجَادِ إِلَّا اللَّهُ"، وَهَذَا تَفْسِيرٌ قَاصِرٌ لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مُؤْمِنٌ عَنْ كَافِرٍ، لِأَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُخْتَرِعُ الْخَالِقُ وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
●وَفِي مُقَابِلِ ذَلِكَ، جَاءَتِ الْخَوَارِجُ قَدِيماً وَحَدِيثاً فَحَصَرُوا مَعْنَى الْكَلِمَةِ فِي الْجَانِبِ السِّيَاسِيِّ وَنِظَامِ الْحُكْمِ، فَفَسَّرُوهَا بِأَنَّهَا: "لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّهُ"، وَجَعَلُوا هَذَا التَّفْسِيرَ سُلَّماً وَبَاباً لِتَكْفِيرِ الْحُكَّامِ وَالْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ الْمُجْتَمَعَاتِ.
■ خَامِساً: جُذُورُ فِكْرِ الْخَوَارِجِ فِي التَّكْفِيرِ وَالْحَاكِمِيَّةِ
■قَدِيمًا (ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيُّ): هُوَ الْجَذْرُ الْأَوَّلُ وَالنَّبْتَةُ الْأُولَى لِلْخَوَارِجِ، لَمَّا اعْتَرَضَ بِجَهْلٍ عَلَى قِسْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ جَفَاءً: "يَا مُحَمَّدُ اعْدِلْ؛ فَإِنَّهَا قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ"، فَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وَتَجَلَّى هَذَا الْفِكْرُ عَمَلِيّاً فِي عَهْدِ الصَّحَابَةِ مَعَ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ وَجَمَاعَتِهِ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِاحْتِجَاجِهِمْ بِمَنْزَعٍ قَاصِرٍ لِآيَةِ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [3].
■فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ (أَبُو الْأَعْلَى الْمَوْدُودِيُّ): ابْتَدَعَ فِي كِتَابِهِ (الْمُصْطَلَحَاتُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْقُرْآنِ) حَصْرَ مَعْنَى لَفْظِ "الْإِلَهِ" وَ"الرَّبِّ" فِي الْحَاكِمِ السِّيَاسِيِّ وَالسُّلْطَةِ، وَجَعَلَ قَضِيَّةَ الْحُكْمِ هِيَ أُسَّ التَّوْحِيدِ الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ فَمَهَّدَ بِذَلِكَ لِانْحِرَافٍ مَفْهُومِيٍّ كَبِيرٍ فِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ.
■ سَادِساً: سَيِّدُ قُطْبٍ وَأَثَرُهُ فِي فِكْرِ الْجَمَاعَاتِ التَّكْفِيرِيَّةِ
تَفْسِيرُهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: نَقَلَ سَيِّدُ قُطْبٍ فِكْرَ الْمَوْدُودِيِّ وَعَمَّقَهُ بِأُسْلُوبِهِ، فَفَسَّرَ الْكَلِمَةَ بِأَنَّهَا: "لَا حَاكِمِيَّةَ إِلَّا اللَّهُ"، وَجَعَلَ السُّلْطَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ السِّيَاسِيَّةَ هِيَ خَاصِّيَّةُ الْأُلُوهِيَّةِ الْأُولَى، مُهْمِلاً عَمْداً أَوْ جَهْلاً تَفْسِيرَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ الْخُضُوعُ وَالنُّسُكُ وَالدُّعَاءُ وَالتَّأْلِيهُ.
■نَبْذَةٌ عَنْ سَيِّدِ قُطْبٍ وَأَبْرَزِ مُعْتَقَدَاتِهِ:
■لَمْ يَكُنْ سَيِّدُ قُطْبٍ رَجُلَ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ مُتَلَقًّى عَنِ الْأَكَابِرِ وَالْعُلَمَاءِ، بَلْ بَدَأَ حَيَاتَهُ كَاتِبًا أَدَبِيًّا وَنَاقِدًا شِعْرِيًّا، ثُمَّ انْضَمَّ لِجَمَاعَةِ الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَلَّى قِسْمَهَا الْإِعْلَامِيَّ. وَقَدْ تَأَثَّرَ فِي فَتْرَةِ سِجْنِهِ بِأَفْكَارٍ ثَوْرِيَّةٍ سَوْدَاوِيَّةٍ صَاغَهَا فِي كِتَابَيْهِ: (فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ) وَ*(مَعَالِمُ فِي الطَّرِيقِ)*.
■وَمِنْ أَبْرَزِ مُعْتَقَدَاتِهِ الْمُنْحَرِفَةِ أَنَّهُ أَعْلَنَ لَفْظَ "الْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ" عَلَى كُلِّ الْمُجْتَمَعَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ حُكَّاماً وَمَحْكُومِينَ، حَيْثُ قَالَ فِي ظِلَالِهِ صَرَاحَةً: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ دَوْلَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا مُجْتَمَعٌ مُسْلِمٌ قَاعِدَةُ الْحَيَاةِ فِيهِ هِيَ شَرِيعَةُ اللَّهِ".
■كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِهِ (كُتُبٌ وَشَخْصِيَّاتٌ) وَ*(الْعَدَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ)* بِطَعْنٍ شَنِيعٍ فِي أَعْلَامِ الصَّحَابَةِ كَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، كَمَا وَقَعَ فِي عِبَارَاتٍ صَرِيحَةٍ تُفِيدُ الْقَوْلَ بِـ "وَحْدَةِ الْوُجُودِ" فِي تَفْسِيرِهِ لِسُورَتَيِ الْإِخْلَاصِ وَالْحَدِيدِ.
كَيْفَ كَانَ سَبَبًا فِي اسْتِخْرَاجِ جَمَاعَاتِ الدَّمَارِ؟
■نَتَجَ عَنْ هَذَا الْفَهْمِ الْخَاطِئِ لِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَتَكْفِيرِهِ الْمُطْلَقِ لِلْمُجْتَمَعَاتِ أَنْ خَرَجَتْ مِنْ رَحِمِ كِتَابِهِ (الْمَعَالِمِ) جَمَاعَاتُ الْعُنْفِ وَالتَّكْفِيرِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ؛ فَتَفَرَّعَتْ عَنْهُ أَوَّلاً "جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ" (الْمَعْرُوفَةِ بِالتَّكْفِيرِ وَالْهِجْرَةِ لِشُكْرِي مُصْطَفَى)، ثُمَّ تَنَظَّمَتْ عَلَى إِثْرِهَا جَمَاعَاتُ "الْجِهَادِ"، وَ"الْقَاعِدَةِ"، وَ"دَاعِشَ". كُلُّ هَذِهِ الْكِيَانَاتِ الدَّمَوِيَّةِ اسْتَقَتْ تَأْصِيلَ الْخُرُوجِ وَاحْتِقَارِ الدَّمِ الْمَعْصُومِ مِنَ الْفِكْرَةِ الْقُطْبِيَّةِ الرَّئِيسَةِ (الْجَاهِلِيَّةِ وَالْحَاكِمِيَّةِ)، فَكَانُوا سَبَبًا فِي تَدْمِيرِ شَبَابِ الْأُمَّةِ، وَتَخْرِيبِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَشْوِيهِ صُورَةِ الْإِسْلَامِ النَّقِيَّةِ [4].
■_________________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ اشْتِقَاقِ لَفْظِ إِلَهٍ لُغَةً: انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، بَيْرُوتَ، مَادَّةُ (أَلَهَ). وَانْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص 53.
[2] مَصْدَرُ إِعْرَابِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ وَخَبَرِهَا: انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج 3، ص 121-125. وَانْظُرْ: مُغْنِي اللَّبِيبِ عَنْ كُتُبِ الْأَعَارِيبِ، لِابْنِ هِشَامٍ الْأَنْصَارِيِّ، ص 240.
[3] تَخْرِيجُ حَدِيثِ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التَّمِيمِيِّ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، رَقْمُ (٣٦١٠)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ «الْخَوَارِجِ وَصِفَاتِهِمْ»، رَقْمُ (١٠٦٤).
[4] مَصْدَرُ نَقْدِ الْفِكْرِ الْقُطْبِيِّ وَتَارِيخِ جَمَاعَاتِ التَّكْفِيرِ: انْظُرْ: أَضْوَاءٌ اسْلَامِيَّةٌ عَلَى عَقِيدَةِ سَيِّدِ قُطْبٍ وَفِكْرِهِ، لِلشَّيْخِ رَبِيعِ بْنِ هَادِي الْمَدْخَلِيِّ، دَارُ الْفُرْقَانِ، ص ٣٥-٨٠. وَانْظُرْ: الْمَوْسُوعَةُ الْمُيَسَّرَةُ فِي الْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ وَالْأَحْزَابِ الْمُعَاصِرَةِ، دَارُ النَّدْوَةِ الْعَالَمِيَّةِ، ج ١، ص ٣٢٢.
■____________________________________22_____________________________________■
■ الشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ لِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)
أَوَّلاً: الشَّرْطُ الْأَوَّلُ - الْعِلْمُ (الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (عَلِمَ، يَعْلَمُ، عِلْمًا)، وَهُوَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى حَقِيقَتِهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَلْبِ بِمَعْنَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، بِمَا يَجْمَعُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ، وَيَمْنَعُ الْجَهْلَ الْمُوجِبَ لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: لَا يَصِحُّ الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ دُونَ عِلْمٍ بِالْقَلْبِ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ، لِأَنَّ النُّطْقَ مَعَ الْجَهْلِ بِالْمَعْنَى صَيْرُورَةٌ لِأَقْوَالِ الْمُنَافِقِينَ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: أَوْجَبَ اللَّهُ الْعِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَالْعِلْمُ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْجَاهِلُ بِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يَكُونُ مُوَحِّدًا لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي الشِّرْكِ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ.
ثَانِيّاً: الشَّرْطُ الثَّانِي - الْيَقِينُ (الْمُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (يَقِنَ، يَيْقَنُ، يَقِينًا)، وَهُوَ اسْتِقْرَارُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ وَثَبَاتُهُ دُونَ تَزَلْزُلٍ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ اسْتِكْمَالُ الْعِلْمِ بِالْكَلِمَةِ حَتَّى يَصِلَ الْقَلْبُ إِلَى طُمَأْنِينَةٍ تَجْمَعُ التَّصْدِيقَ الْجَازِمَ، وَتَمْنَعُ عُرُوضَ الشَّكِّ، أَوِ الِارْتِيَابِ، أَوِ التَّرَدُّدِ فِي إِلَهِيَّةِ اللَّهِ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الْإِيمَانُ لَا يَقْبَلُ الظَّنَّ الْمَرْجُوحَ وَلَا الشَّكَّ الْمُسْتَوِيَ، بَلْ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ يَقِينٍ يَقْطَعُ دَابِرَ الْوَسَاوِسِ وَالْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: نَفَى اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ الرَّيْبَ (وَهُوَ الشَّكُّ)، فَمَنْ نَطَقَ بِالْكَلِمَةِ وَفِي قَلْبِهِ أَدْنَى شَكٍّ فِي اسْتِحْقَاقِ اللَّهِ لِلْعِبَادَةِ، أَوْ شَكٍّ فِي بَعْثٍ أَوْ جَنَّةٍ أَوْ نَارٍ، لَمْ يَنْفَعْهُ نُطْقُهُ بَتَاتًا.
ثَالِثاً: الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْإِخْلَاصُ (الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (خَلَصَ، يَخْلُصُ، خَلَاصًا وَإِخْلَاصًا)، وَهُوَ تَنْقِيَةُ الشَّيْءِ وَتَصْفِيَتُهُ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ تَشُوبُهُ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْعَبْدِ لِعَمَلِهِ وَقَوْلِهِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ، بِمَا يَجْمَعُ إِرَادَةَ وَجْهِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَمْنَعُ مَقَاصِدَ الدُّنْيَا وَتَصَنُّعَ الْمَخْلُوقِينَ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: اللَّهَ تَعَالَى غَنِيٌّ عَنِ الشِّرْكِ، فَأَيُّ عَمَلٍ أُشْرِكَ فِيهِ مَعَهُ غَيْرُهُ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ، فَالْإِخْلَاصُ هُوَ رُوحُ عَمَلِ الْقَلْبِ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3]، وَقَوْلُهُ: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ} [البينة: 5].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: لَا يَكْفِي أَنْ يَقُولَ الْإِنْسَانُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُهُ طَلَبَ رِضَا اللَّهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، فَمَنْ قَالَهَا رِيَاءً لِيَحْقِنَ دَمَهُ أَوْ مَالَهُ، أَوْ لِيَنَالَ مَنْصِباً، كَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ مَعَ الْمُنَافِقِينَ.
رَابِعاً: الشَّرْطُ الرَّابِعُ - الصِّدْقُ (الْمُنَافِي لِلْكَذِبِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (صَدَقَ، يَصْدُقُ، صِدْقًا)، وَهُوَ مُطَابَقَةُ الْقَوْلِ لِلِاعْتِقَادِ وَالْوَاقِعِ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَوَاطُؤُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، بِمَا يَجْمَعُ حَقِيقَةَ التَّصْدِيقِ الدَّاخِلِيِّ، وَيَمْنَعُ الْكَذِبَ وَالنِّفَاقَ الِاعْتِقَادِيَّ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: مَنَاطُ قَبُولِ الْأَعْمَالِ الصِّدْقُ مَعَ اللَّهِ؛ فَاللِّسَانُ تَرْجُمَانُ الْقَلْبِ، فَإِذَا خَالَفَ التَّرْجُمَانُ الْأَصْلَ بَطَلَ الْعَمَلُ كُلُّهُ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} إِلَى قَوْلِهِ: {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة: 8-10].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: هُنَا مَفْرَقُ الطَّرِيقِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ وَالْمُنَافِقِ؛ فَالْمُنَافِقُونَ قَالُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ، لَكِنَّ قُلُوبَهُمْ كَانَتْ مُكَذِّبَةً، فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ بَلْ كَانُوا أَقْبَحَ كُفْرًا مِنَ الْكُفَّارِ الْأَصْلِيِّينَ.
خَامِساً: الشَّرْطُ الْخَامِسُ - الْمَحَبَّةُ (الْمُنَافِيَةُ لِلْبُغْضِ وَالْكَرَاهِيَةِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ (الْحُبِّ)، وَهُوَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَمَالٍ أَوْ جَمَالٍ أَوْ نَفْعٍ، وَأَصْلُهَا مِنَ "الْحَبِّ" الَّذِي يَلْزَمُ الْأَرْضَ فَلَا يَتَحَرَّكُ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَعْظِيمُ الْقَلْبِ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَمَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ، بِمَا يَجْمَعُ سُرُورَ النَّفْسِ بِالتَّوْحِيدِ، وَيَمْنَعُ كَرَاهِيَةَ الدِّينِ أَوْ بُغْضَ شَعَائِرِهِ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الْإِلَهِيَّةُ تَقُومُ عَلَى رُكْنَيْنِ هُمَا: كَمَالُ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ، فَلَا عِبَادَةَ بِلَا مَحَبَّةٍ، بَلْ هِيَ أَصْلُ مُحَرِّكَاتِ الْقُلُوبِ لِلْقَبُولِ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} [البقرة: 165].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا...» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: لَا بُدَّ لِقَائِلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ حُبًّا مُطْلَقًا لَا يُقَدِّمُ عَلَيْهِ حُبَّ نَفْسٍ وَلَا وَلَدٍ وَلَا مَالٍ، وَأَنْ يُحِبَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ، وَيُبْغِضَ أَهْلَ الشِّرْكِ؛ فَمَنْ قَالَ الْكَلِمَةَ وَهُوَ يَكْرَهُ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَبِطَ عَمَلُهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
■سَادِساً: الشَّرْطُ السَّادِسُ - الِانْقِيَادُ (الْمُنَافِي لِلتَّرْكِ وَالِاسْتِكْبَارِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:
مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (قَادَ، يَقُودُ، قِيَاداً وَانْقِيَاداً)، وَهُوَ الْخُضُوعُ وَالِاتِّبَاعُ وَالِاسْتِسْلَامُ لِلْمَوْجِهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِامْتِثَالُ الْعَمَلِيُّ الظَّاهِرُ بِجَوَارِحِ الْعَبْدِ لِأَوَامِرِ اللَّهِ وَشَرِيعَتِهِ، بِمَا يَجْمَعُ الطَّاعَةَ الْكَامِلَةَ لِلْوَحْيِ، وَيَمْنَعُ تَرْكَ الْأَعْمَالِ بِالْكُلِّيَّةِ أَوِ التَّمَرُّدَ عَلَى الْأَحْكَامِ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ:
الْإِيمَانُ لَيْسَ أُمْنِيَّةً فِي الْقَلْبِ، بَلْ هُوَ مَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ وَصَدَّقَتْهُ الْأَعْمَالُ؛ فَالِانْقِيَادُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ الْعَمَلِيُّ لِعَقْدِ التَّوْحِيدِ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ:
قَوْلُهُ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ» [حَدِيثٌ حَسَنٌ، صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ:
الِانْقِيَادُ هُوَ الْعَمَلُ، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى هِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ لَكِنَّهُ يَرْفَضُ الِانْقِيَادَ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ، أَوْ يَسْتَكْبِرُ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَالْخُضُوعِ لِلْأَحْكَامِ، فَقَدْ نَقَضَ شَرْطَ الِانْقِيَادِ، لِأَنَّ التَّوْحِيدَ الْحَقَّ يُثْمِرُ طَاعَةً حَتْمِيَّةً.
سَابِعاً: الشَّرْطُ السَّابِعُ - الْقَبُولُ (الْمُنَافِي لِلرَّدِّ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (قَبِلَ، يَقْبَلُ، قَبُولاً)، وَهُوَ أَخْذُ الشَّيْءِ بِالرِّضَا وَالْقَبُولِ دُونَ مُمَانَعَةٍ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ التَّلَقِّي الصَّدْرِيُّ لِكُلِّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكَلِمَةُ بِالرِّضَا النَّفْسِيِّ وَالِانْشِرَاحِ، بِمَا يَجْمَعُ الِاعْتِرَافَ التَّامَّ بِالْحَقِّ، وَيَمْنَعُ رَدَّ الْحَقِّ كِبْراً، أَوْ حَسَداً، أَوْ تَعَصُّباً.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: رَدُّ الْأَوَامِرِ النَّصِّيَّةِ أَوْ كَرَاهِيَةُ بَعْضِ الشَّرِيعَةِ يُحْبِطُ التَّوْحِيدَ؛ فَالْقَبُولُ هُوَ فَتْحُ أَبْوَابِ الْقَلْبِ لِتَدْخُلَ كَلِمَةُ اللَّهِ بِكُلِّ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ تَكْلِيفٍ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ رَدُّوهَا: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات: 35-36].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ فِي مَثَلِ غَيْثِ الْأَرْضِ: «...وَكَانَ مِنْهَا طَائِفَةٌ نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ... وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
■الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: الْفَرْقُ بَيْنَ الِانْقِيَادِ وَالْقَبُولِ: أَنَّ الِانْقِيَادَ يَكُونُ بِالْجَوَارِحِ (عَمَلاً)، وَالْقَبُولَ يَكُونُ بِالْقَلْبِ (رِضاً).
■فَمَنْ دَعَوْتَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ أَوْ إِلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ثَابِتٍ، فَرَدَّهُ تَعَصُّباً لِمَذْهَبِهِ أَوْ لِشَيْخِهِ أَوْ لِعَادَاتِ قَوْمِهِ، فَقَدْ فَقَدَ شَرْطَ الْقَبُولِ وَشَابَهَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا عَنْ قَبُولِهَا.
ثَامِناً: الشَّرْطُ الثَّامِنُ - الْكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ)
■الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (كَفَرَ، يَكْفُرُ، كُفْراً)، وَأَصْلُهُ التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْبَرَاءَةُ وَالتَّبْرِيءُ.
■الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِاعْتِقَادُ الْجَازِمُ بِبُطْلَانِ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ، وَالْبَرَاءَةُ التَّامَّةُ مِنْهَا وَمِنْ أَهْلِهَا، بِمَا يَجْمَعُ تَوْحِيدَ الْقَصْدِ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ إِيمَانِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ.
■التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: هَذَا الشَّرْطُ هُوَ التَّحْقِيقُ الْعَمَلِيُّ لِرُكْنِ النَّفْيِ (لَا إِلَهَ)؛ فَلَا يَصِحُّ إِثْبَاتُ الْإِلَهِيَّةِ لِلَّهِ إِلَّا بَعْدَ هَدْمِ أُلُوهِيَّةِ مَا سِوَاهُ مِمَّا عُبِدَ مِنَ الْأَوْثَانِ أَوِ الْقُبُورِ أَوِ الْقَوَانِينِ الْوَضْعِيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرْعِ.
■الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا} [البقرة: 256].
■الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
■ الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: هَذَا الشَّرْطُ مِنْ أَعْظَمِ الشُّرُوطِ خُطُورَةً؛ إِذْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مُجَرَّدَ النُّطْقِ بِالْكَلِمَةِ لَا يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
■ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَكِنَّهُ لَا يُكَفِّرُ مَنْ يَدْعُو الْقُبُورَ، أَوْ يَقُولُ إِنَّ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ صَحِيحَةٌ وَمُوصِلَةٌ إِلَى اللَّهِ، لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَلَمْ يُقِمْ حَقِيقَةَ النَّفْيِ.
■_________________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ نَظْمِ شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدِلَّتِهَا: انْظُرْ: سُلَّمُ الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ فِي التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ حَافِظِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَكَمِيِّ، مَعَ شَرْحِهِ مَعَارِجُ الْقَبُولِ بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج 1، ص 360-410.
[2] مَصْدَرُ تَحْرِيرِ الشُّرُوطِ الثَّمَانِيَةِ مَفْهُوماً وَتَأْصِيلاً: انْظُرْ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الرِّيَاضِ، ج 1، ص 120-145.
[3] مَصْدَرُ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الشُّرُوطِ النَّبَوِيَّةِ: انْظُرْ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ «مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ»، رَقْمُ (26)، (29).
[4] مَصْدَرُ شَرْطِ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ وَتَحْقِيقِهِ: انْظُرْ: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، جَمْعُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ، ط 5، ج 1، ص 230-245 (مَبْحَثُ مَعْنَى الطَّاغُوتِ).
■____________________________________23_____________________________________■
■قَوَادِحُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
مُقَدِّمَةٌ فِي مَفْهُومِ الْقَوَادِحِ عَقَدِيّاً:
الْقَوَادِحُ هِيَ الذُّنُوبُ وَالْمَعَاصِي الَّتِي لَا تَنْقُضُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الْمِلَّةِ، وَلَكِنَّهَا تَقْدَحُ فِي كَمَالِهِ الْوَاجِبِ، وَتَنْقُصُ ثَوَابَهُ، وَتَجْعَلُ صَاحِبَهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ وَالْوَعِيدِ، وَتُسَمَّى عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِـ (الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ) أَوْ (الْكُفْرِ دُونَ الْكُفْرِ).
أَوَّلاً: الْقَادِحُ الْأَوَّلُ - الرِّيَاءُ الْيَسِيرُ
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّؤْيَةِ (رَأَى، يَرَى، رُؤْيَةً وَرِيَاءً)، وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَبْدُ الْعَمَلَ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَحْمَدُوهُ عَلَيْهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَحْسِينُ الْعِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ لِأَجْلِ ثَنَاءِ الْمَخْلُوقِينَ، بِمَا يَجْمَعُ عُرُوضَ الْقَصْدِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي جُزْءٍ مِنَ الْعَمَلِ، وَيَمْنَعُ خُلُوصَ التَّوْجِهِ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ الْفِعْلِ دُونَ أَنْ يَكُونَ نِفَاقاً أَكْبَرَ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الرِّيَاءُ الْيَسِيرُ يُبْطِلُ الْعَمَلَ الَّذِي خَالَطَهُ فَحَسْبُ إِذَا ابْتَدَأَ فِيهِ وَلَمْ يُدَافِعْهُ، لَكِنَّهُ لَا يُحْبِطُ جَمِيعَ الْأَعْمَالِ كَمَا يَفْعَلُ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ، وَصَاحِبُهُ مُؤْمِنٌ بِمَا مَعَهُ مِنْ أَصْلِ التَّوْحِيدِ فَقِيدٌ لِكَمَالِهِ.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ». قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: لَمَّا كَانَ الرِّيَاءُ خَفِيّاً يَتَسَلَّلُ إِلَى النُّفُوسِ، خَافَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَهُوَ قَادِحٌ يَنْقُصُ إِيمَانَ الْعَبْدِ.
وَمِثَالُهُ : أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي لِلَّهِ، فَلَمَّا رَأَى رَجُلًا يَنْظُرُ إِلَيْهِ زَيَّنَ صَلَاتَهُ وَطَوَّلَهَا لِأَجْلِهِ.
ثَانِيّاً: الْقَادِحُ الثَّانِي - الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ (دُونَ تَعْظِيمِ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ)
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (حَلَفَ، يَحْلِفُ، حَلْفاً وَحِلْفاً)، وَهُوَ الْقَسَمُ وَتَأْكِيدُ الْقَوْلِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ تَعْظِيمُ لَفْظِيٍّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِجَعْلِهِ مَقْسَماً بِهِ فِي الْكَلَامِ الْجَارِي، بِمَا يَجْمَعُ جَرْيَانَ اللَّفْظِ الشِّرْكِيِّ عَلَى اللِّسَانِ، وَيَمْنَعُ اعْتِقَادَ قَلْبِهِ بِأَنَّ هَذَا الْمَحْلُوفَ بِهِ يُسَاوِي اللَّهَ فِي الْعَظَمَةِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ لَفْظِيٌّ أَصْغَرُ قَادِحٌ، لِأَنَّ الْحَلِفَ يَقْتَضِي التَّعْظِيمَ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ، فَإِذَا صَاحَبَهُ تَعْظِيمٌ قَلْبِيٍّ لِلْمَحْلُوفِ بِهِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ انْقَلَبَ إِلَى نَاقِضٍ أَكْبَرَ.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِ التَّوْحِيدِ النَّاهِي عَنِ الْأَنْدَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ].
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: يَكْثُرُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُهَّالِ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، أَوْ بِالنَّبِيِّ، أَوْ بِالْحَيَاةِ، أَوْ بِالْكَعْبَةِ. وَكُلُّ هَذَا مِنَ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ اللَّفْظِيِّ الَّذِي يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ تَوْحِيدِ الْعَبْدِ وَيَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْهُ بِقَوْلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".
ثَالِثاً: الْقَادِحُ الثَّالِثُ - قَوْلُ: (مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ) أَوْ (لَوْلَا اللَّهُ وَفُلَانٌ)
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاقْتِرَانِ وَالتَّشْرِيكِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ (الْوَاوِ) الَّتِي تَقْتَضِي الْمُطْلَقَ وَالْمُسَاوَاةَ فِي اللُّغَةِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ قَرْنُ مَشِيئَةِ الْمَخْلُوقِ بِمَشِيئَةِ الْخَالِقِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ الْمُفِيدِ لِلْمُسَاوَاةِ لَفْظاً، بِمَا يَجْمَعُ إِيهَامَ التَّسْوِيَةِ فِي السَّبَبِ، وَيَمْنَعُ الْإِخْلَاصَ اللَّفْظِيَّ دُونَ نِيَّةِ التَّسْوِيَةِ الْقَلْبِيَّةِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: تَقُومُ الْكَلِمَةُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَقَامِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ؛ فَالْوَاوُ تَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ فَصَارَتْ قَادِحاً، وَالْوَاجِبُ اسْتِخْدَامُ "ثُمَّ" الَّتِي تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ وَالتَّرَاخِيَ لَفْظاً وَمَعْنًى.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ].
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: هَذَا مِنَ الشِّرْكِ فِي الْأَلْفَاظِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ: "لَوْلَا الْبَطُّ فِي الدَّارِ لَسَرَقَنَا لِصٌّ"، أَوْ "لَوْلَا كَلْبُ فُلَانٍ لَأُخِذَ مَالُنَا"، أَوْ "هَذَا مِنْ خَيْرِ اللَّهِ وَخَيْرِكَ"، بَلِ الصَّوَابُ أَنْ تَقُولَ: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ، وَلَوْلَا اللَّهُ ثُمَّ فُلَانٌ؛ لِأَنَّ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَا مُسَاوِيَةً لَهَا.
رَابِعاً: الْقَادِحُ الرَّابِعُ - التَّطَيُّرُ (دُونَ اعْتِقَادِ أَنَّ الطَّيْرَ يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ)
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ (الطَّيْرِ)، حَيْثُ كَانَ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَزْجُرُونَ الطَّيْرَ، فَإِنْ ذَهَبَ يَمِيناً تَبَارَكُوا وَمَضَوْا، وَإِنْ ذَهَبَ شِمَالاً تَشَاءَمُوا وَرَجَعُوا.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ التَّشَاؤُمُ بِالْمَرْئِيَّاتِ، أَوِ الْمَسْمُوعَاتِ، أَوِ الْأَيَّامِ، أَوِ الشُّهُورِ، بِمَا يَجْمَعُ تَعَلُّقَ النَّفْسِ بِأَسْبَابٍ وَهْمِيَّةٍ لَمْ يَجْعَلْهَا الشَّرْعُ وَلَا الْقَدَرُ سَبَباً، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ التَّوَكُّلِ الْوَاجِبِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: التَّطَيُّرُ يَقْدَحُ فِي التَّوَكُّلِ الَّذِي هُوَ لُبُّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْقَلْبَ مُلْتَفِتاً لِغَيْرِ اللَّهِ خَوْفاً وَرَجَاءً، فَلَوْ رَدَّهُ التَّطَيُّرُ عَنْ حَاجَتِهِ وَقَعَ فِي قَادِحٍ كَبِيرٍ.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: {فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَن مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ} [الأعراف: 131].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: التَّشَاؤُمُ بِرُؤْيَةِ غُرَابٍ، أَوْ قِطَّةٍ سَوْدَاءَ، أَوْ بِرَقَمٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِشَهْرِ صَفَرَ، كُلُّهُ مِنْ قَوَادِحِ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَنْقُصُ إِيمَانَ الْعَبْدِ. وَكَفَّارَةُ ذَلِكَ أَنْ يَمْضِيَ الْعَبْدُ فِي حَاجَتِهِ وَيَقُولَ: "اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ، وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ".
■______________________________________________________________________■
[1] مَصْدَرُ تَأْصِيلِ الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَالْقَوَادِحِ: انْظُرْ: تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ آلِ الشَّيْخِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص 320-350 (بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ وَبَابُ الشِّرْكِ لَفْظاً).
[2] مَصْدَرُ فِقْهِ التَّطَيُّرِ وَالْأَلْفَاظِ الشِّرْكِيَّةِ: انْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ السَّلَامِ، ج 1، ص 280-310.
■____________________________________24_____________________________________■
نَوَاقِضُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
مُقَدِّمَةٌ فِي مَفْهُومِ النَّوَاقِضِ عَقَدِيّاً:
النَّوَاقِضُ هِيَ الِاعْتِقَادَاتُ، أَوِ الْأَقْوَالُ، أَوِ الْأَفْعَالُ الَّتِي تُهْدِمُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ رَأْساً، وَتَقْطَعُ عَقْدَ الْإِسْلَامِ، وَتُخْرِجُ صَاحِبَهَا مِنَ الْمِلَّةِ بِالْكُلِّيَّةِ لِيَصِيرَ مُرْتَدّاً، وَتُحْبِطُ جَمِيعَ أَعْمَالِهِ السَّابِقَةِ، وَتُوجِبُ لَهُ الْخُلُودَ فِي النَّارِ إِذَا مَاتَ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ.
أَوَّلاً: النَّاقِضُ الْأَوَّلُ - الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (شَرِكَ، يَشْرَكُ، شِرْكاً وَشَرِكَةً)، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا، وَالْمُرَادُ بِهِ جَعْلُ شَرِيكٍ مَعَ اللَّهِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ صَرْفُ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْمَحْضَةِ (كَالدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ، وَالْخَوْفِ الْقَلْبِيِّ) لِغَيْرِ اللَّهِ، بِمَا يَجْمَعُ تَسْوِيَةَ الْمَخْلُوقِ بِالْخَالِقِ فِي خَصَائِصِهِ، وَيَمْنَعُ بَقَاءَ أَصْلِ التَّوْحِيدِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: هَذَا النَّاقِضُ هُوَ الْمُضَادُّ الْمُطْلَقُ لِرُكْنِ الْإِثْبَاتِ (إِلَّا اللَّهُ)؛ فَلَا يَبْقَى مَعَهُ إِيمَانٌ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ وَالشِّرْكِ الْأَكْبَرَ نَقِيضَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي عَبْدٍ وَلَا يَرْتَفِعَانِ.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ} [المائدة: 72].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ لَمَّا سُئِلَ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدّاً وَهُوَ خَلَقَكَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: هُوَ أَعْظَمُ النَّوَاقِضِ وَأَشْهَرُهَا، وَمِنْ صُوَرِهِ فِي الْوَاقِعِ: دُعَاءُ الْأَمْوَاتِ وَأَصْحَابِ الْقُبُورِ، وَالِاسْتِغَاثَةُ بِهِمْ لِفَكِّ الْكُرُبَاتِ، أَوْ ذَبْحُ الْقَرَابِينِ لِلْجِنِّ وَالْأَوْلِيَاءِ لِنَيْلِ الشِّفَاءِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَوْ صَلَّى وَصَامَ وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ.
ثَانِيّاً: النَّاقِضُ الثَّانِي - جَعْلُ الْوَسَائِطِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ (الْوَسَطِ)؛ وَالْوَسِيطُ هُوَ الَّذِي يَتَوَسَّطُ بَيْنَ طَرَفَيْنِ لِيُقَرِّبَ بَيْنَهُمَا أَوْ لِيَنْقُلَ طَلَبَ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ نَصْبُ مَخْلُوقِينَ (مِنْ أَنْبِيَاءَ أَوْ صَالِحِينَ أَوْ مَلَائِكَةٍ) يَجْعَلُهُمُ الْعَبْدُ شُفَعَاءَ عِنْدَ اللَّهِ، يَدْعُوهُمْ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ لِيُبَلِّغُوا حَاجَتَهُ، بِمَا يَجْمَعُ اتِّخَاذَ الشُّرَكَاءِ فِي الْقَصْدِ، وَيَمْنَعُ التَّوَجُّهَ الْمُبَاشِرَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: هَذَا هُوَ عَيْنُ كُفْرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدِيماً؛ فَهُمْ لَمْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ تَخْلُقُ أَوْ تَرْزُقُ، بَلْ جَعَلُوهَا وَسَائِطَ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَمَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ كَفَرَ إِجْمَاعاً.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ} [يونس: 18]، وَقَوْلُهُ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: «أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَأَعْظَمُ أُمُورِهِمْ اتِّخَاذُ الْوَسَائِطِ.
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ فِي الدُّعَاءِ، فَاللَّهُ يَقُولُ: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}. فَمَنْ جَاءَ إِلَى قَبْرِ رَجُلٍ صَالِحٍ فَقَالَ: "يَا فُلَانُ اشْفَعْ لِي عِنْدَ اللَّهِ" أَوْ "تَوَسَّلْ لِي عِنْدَ رَبِّكَ"، فَقَدْ جَعَلَهُ وَسِيطاً شِرْكِيّاً، وَنَقَضَ عَقْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
ثَالِثاً: النَّاقِضُ الثَّالِثُ - عَدَمُ تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ الشَّكُّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ تَصْحِيحُ مَذْهَبِهِمْ
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ وَالتَّصْحِيحِ، وَمِنْ فَقْدِ الْبَرَاءَةِ الَّتِي هِيَ خَلْعُ الْكُفْرِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ التَّوَقُّفُ عَنْ إِطْلَاقِ حُكْمِ الْكُفْرِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنَ الْوَثَنِيِّينَ وَالْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُرْتَدِّينَ، بِمَا يَجْمَعُ تَكْذِيبَ خَبَرِ الْوَحْيِ، وَيَمْنَعُ صِحَّةَ الْبَرَاءَةِ الْعَقَدِيَّةِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: التَّوْحِيدُ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِرُكْنَيْنِ: إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَكُفْرٌ بِالطَّاغُوتِ. فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْكَافِرَ، لَمْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ رَأْساً، فَطَلَانُ النَّفْيِ عِنْدَهُ يُؤَدِّي إِلَى هَدْمِ الْإِثْبَاتِ.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]؛ فَعَلَّقَ الْعِصْمَةَ بِالنُّطْقِ مَعَ الْكُفْرِ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ.
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْيَهُودَ أَوْ النَّصَارَى لَيْسُوا كُفَّاراً، أَوْ قَالَ إِنَّهُمْ دَاخِلُونَ الْجَنَّةَ، أَوْ رَوَّجَ لِعَقِيدَةِ "وَحْدَةِ الْأَدْيَانِ" الزَّائِغَةِ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْقُبُورِ، فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ صَرَاحَةً؛ لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ نَصَّ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَمَنْ كَذَّبَ الْوَحْيَ فَقَدْ كَفَرَ وَنَقَضَ تَوْحِيدَهُ.
رَابِعاً: النَّاقِضُ الرَّابِعُ - الِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْفِعْلِ (هَزَأَ، يَهْزَأُ، هُزْؤاً وَاسْتِهْزَاءً)، وَهُوَ السُّخْرِيَّةُ وَالِاسْتِخْفَافُ وَاللَّعِبُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ الِاسْتِخْفَافُ اللَّفْظِيُّ أَوْ الْفِعْلِيُّ بِأَيِّ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، أَوْ شَعِيرَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَوْ ثَوَابٍ، أَوْ عِقَابٍ ثَبَتَ فِي الدِّينِ، بِمَا يَجْمَعُ نَقْضَ شَرْطِ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ الْقَلْبِيِّ، وَيَمْنَعُ بَقَاءَ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْعُنُقِ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: الْإِيمَانُ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّعْظِيمِ الْإِجْلَالِيِّ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِشَرِيعَتِهِ، وَالِاسْتِهْزَاءُ يُمَثِّلُ غَايَةَ الِاسْتِخْفَافِ، وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِلتَّعْظِيمِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَكَانَ كُفْراً نَاقِضاً بِالْإِجْمَاعِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَائِلُ جَادّاً أَمْ مَازِحاً.
الدَّلَالَةُ مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66].
الدَّلَالَةُ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ لَمَّا قَالَ رَجُلٌ: "مَا رَأَيْنَا مِثْلَ قُرَّائِنَا هَؤُلَاءِ، أَرْغَبَ بَطُوناً وَلَا أَكْذَبَ أَلْسُناً..." فَجَاءَ الْقُرْآنُ بِتَكْفِيرِهِمْ.
الشَّرْحُ وَالْبَيَانُ: السُّخْرِيَّةُ مِنَ الصَّلَاةِ، أَوْ مِنَ الْحِجَابِ، أَوْ مِنَ السِّوَاكِ، أَوْ مِنَ اللَّحْيَةِ، أَوْ التَّنْكِيتُ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ وَأَحَادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ بِقَصْدِ الضَّحِكِ وَاللَّهْوِ، هُوَ كُفْرٌ مَخْرَجٌ مِنَ الْمِلَّةِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَلَا يُعْذَرُ فِيهِ صَاحِبُهُ بِقَوْلِهِ "كُنَّا نَمْزَحُ"؛ لِأَنَّ بَابَ الْعَقِيدَةِ لَيْسَ فِيهِ مَجَالٌ لِلَّعِبِ.
_________________________________________________________________________
[1] مَصْدَرُ تَحْرِيرِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ: انْظُرْ: نَوَاقِضُ الْإِسْلَامِ، لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مَعَ شَرْحِهِ تِبْيَانُ الْمَحَجَّةِ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 12-45.
[2] مَصْدَرُ كُفْرِ الِاسْتِهْزَاءِ وَعَدَمِ تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ: انْظُرْ: الْصَّوَارِمُ الْحِدَادُ عَلَى مَنْ عَدَّ الِاسْتِهْزَاءَ مِنَ الْفُكَاهَاتِ، وَانْظُرْ: كِتَابُ الْفُرُوعِ لِابْنِ مُفْلِحٍ، بَابُ «حُكْمِ الْمُرْتَدِّ»، ج 6، ص 150.
[3] مَصْدَرُ تَخْرِيجِ حَدِيثِ سَبَبِ نُزُولِ آيَةِ الِاسْتِهْزَاءِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ، طَبَعَةُ دَارِ هَجَرٍ، ج 14، ص 333-335، بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
■____________________________________25_____________________________________■
مَعْنَى مصطلح أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لُغَةً وَاصْطِلَاحاً:
- أَهْلُ السُّنَّةِ: السُّنَّةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ الطَّرِيقَةُ وَالسِّيرَةُ، حَسَنَةً كَانَتْ أَوْ سَيِّئَةً.
- وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ: هُمُ الَّذِينَ اسْتَمْسَكُوا بِطَرِيقَةِ النَّبِيِّ ﷺ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَالْقَوْلِ، وَالْعَمَلِ.
- وَالْجَمَاعَةُ: الْجَمَاعَةُ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الِاجْتِمَاعِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْفُرْقَةِ.
- وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُمُ الَّذِينَ اجْتَمَعُوا عَلَى الْحَقِّ الثَّابِتِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَمْ يَتَفَرَّقُوا فِي الدِّينِ، وَالْتَفُّوا حَوْلَ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ.
- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «الْجَمَاعَةُ مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَإِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ» [1].
مَفْهُومُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَالْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ:
- السَّلَفُ لُغَةً: كُلُّ مَنْ تَقَدَّمَكَ مِنْ آبَائِكَ وَذَوِي قَرَابَتِكَ أَوْ فِي السِّنِّ وَالْفَضْلِ.
- مَنْ هُمُ الْقُرُونُ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَيْهَا السَّلَفُ؟ هُمُ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ، وَتَابِعُو التَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةُ الْهُدَى فِي الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى الْمَشْهُودِ لَهَا بِالْخَيْرِيَّةِ النَّبَوِيَّةِ.
الْمَعْنَيَانِ لِالسَّلَفِ: الزَّمَنِيُّ وَالْمَنْهَجِيُّ:
لَفْظُ "السَّلَفِ" لَهُ إِطْلَاقَانِ عِلْمِيَّانِ دَقِيقَانِ:
- الْأَوَّلُ: السَّلَفُ الزَّمَنِيُّ: وَهُوَ تَحْدِيدُ السَّلَفِ بِحِقْبَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَهِيَ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الْمُفَضَّلَةُ الَّتِي عَاشَ فِيهَا صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَلَامِيذُهُمْ، مَعَ خُرُوجِ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ ظَهَرُوا حِينَئِذٍ كَالْقَدَرِيَّةِ وَالْخَوَارِجِ مِنْ وَصْفِ الصَّلَاحِ.
- الثَّانِي: السَّلَفُ الْمَنْهَجِيُّ: وَهُوَ كُلُّ مَنِ الْتَزَمَ بِطَرِيقَةِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فِي فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسَارَ عَلَى هَدْيِهِمْ فِي الِاعْتِقَادِ وَالْعَمَلِ، حَتَّى لَوْ كَانَ يَعِيشُ فِي الْقُرُونِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
أَسْمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالدَّلَالَةُ النَّقْلِيَّةُ عَلَيْهَا:
- 1. أَهْلُ الْحَدِيثِ وَأَهْلُ الْأَثَرِ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ عُمْدَتَهُمْ فِي الْعَقِيدَةِ وَالْأَحْكَامِ هُوَ مَا أُثِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ» [2].
- وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: «هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ» [3].
- 2. الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [4].
- 3. الطَّائِفَةُ النَّاجِيَةُ: وَالدَّلِيلُ عَلَيْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً».
- قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» [5].
- وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» [6].
- 4. السَّلَفِيُّونَ (الْأَثَرِيُّونَ): وَالدَّلِيلُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ» [7].
- وَقَدْ نَصَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: «لَا عَيْبَ عَلَى مَنْ أَظْهَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَانْتَسَبَ إِلَيْهِ وَاعْتَزَى إِلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُ بِالْإِتِّفَاقِ» [8].
خَصَائِصُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (عَشَرَةُ خَصَائِصَ):
- الْخَصِيصَةُ الْأُولَى: الِاعْتِمَادُ التَّامُّ عَلَى الْوَحْيَيْنِ (الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ).
- الْخَصِيصَةُ الثَّانِيَة: السَّلَامَةُ مِنَ التَّنَاقُضِ وَالِاضْطِرَابِ فِي مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ.
- الْخَصِيصَةُ الثَّالِثَةُ: الْوَسَطِيَّةُ بَيْنَ فِرَقِ الْأُمَّةِ (كَالْوَسَطِيَّةِ بَيْنَ الْمُعَطِّلَةِ وَالْمُمَثِّلَةِ).
- الْخَصِيصَةُ الرَّابِعَةُ: الْحِرْصُ الْبَالِغُ عَلَى جَمْعِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَنَبْذِ الْفُرْقَةِ.
- الْخَصِيصَةُ الْخَامِسَةُ: أَنَّهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْحَقِّ الشَّرْعِيِّ وَأَرْحَمُهُمْ بِالْخَلْقِ قَاطِبَةً.
- الْخَصِيصَةُ السَّادِسَةُ: لُزُومُ الْأَثَرِ النَّبَوِيِّ وَتَرْكُ الِابْتِدَاعِ وَالْمُحْدَثَاتِ.
- الْخَصِيصَةُ السَّابِعَةُ: التَّلَقِّي بِالْقَبُولِ الْمُطْلَقِ لِأَحَادِيثِ الْآحَادِ الصَّحِيحَةِ فِي الْعَقِيدَةِ.
- الْخَصِيصَةُ الثَّامِنَةُ: الثَّبَاتُ الْيَقِينِيُّ عِنْدَ نُزُولِ الْفِتَنِ وَالْمِحَنِ الْعَقَدِيَّةِ.
- الْخَصِيصَةُ التَّاسِعَةُ: تَعْظِيمُ قَدْرِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَمَحَبَّةُ أَهْلِ الْبَيْتِ الْأَطْهَارِ.
- الْخَصِيصَةُ الْعَاشِرَةُ: الْقِيَامُ بِوَاجِبِ الدَّعْوَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.
مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (عَشَرَةُ مَنَاهِجَ شَرْعِيَّةٍ):
- الْمَنْهَجُ الْأوَّلُ: حَصْرُ مَصَادِرِ التَّلَقِّي فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
- الْمَنْهَجُ الثَّانِي: إِمْرَارُ نُصُوصِ الصِّفَاتِ كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.
- الْمَنْهَجُ الثَّالِثُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ؛ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ.
- الْمَنْهَجُ الرَّابِعُ: الْجَزْمُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى حَقِيقَةً (حَرْفاً وَصَوْتاً) غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
- الْمَنْهَجُ الْخَامِسُ: الْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ بِجَمِيعِ مَرَاتِبِهِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ.
- الْمَنْهَجُ السَّادِسُ: لُزُومُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَوُلَاةِ أُمُورِهِمْ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.
- الْمَنْهَجُ السَّابِعُ: الْكَفُّ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاعْتِقَادُ اجْتِهَادِهِمْ.
- الْمَنْهَجُ الثَّامِنُ: التَّبَرُّؤُ مِنْ مَنْهَجِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ وَمُجَانَبَةُ أَهْلِ الْخُصُومَاتِ.
- الْمَنْهَجُ التَّاسِعُ: الْجَمْعُ فِي الْعِبَادَةِ بَيْنَ أَرْكَانِ الْقَلْبِ الثَّلَاثَةِ: الْمَحَبَّةِ، وَالْخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ.
- الْمَنْهَجُ الْعَاشِرُ: الْتِزَامُ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ السُّلُوكِيَّةِ وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ مَعَ الْخَلْقِ.
■_________________________________________________________________________■
- [1] الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 42، رَقْمُ الْأَثَرِ 81؛ وَاللَّالَكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اِعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، دَارُ الْحَدِيثِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 122، رَقْمُ 160.
- [2] شَرَفُ الدِّينِ النَّوَوِيُّ، الْمِنْهَجُ شَرْحُ صَحِيحِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 13، الصَّفْحَةُ 67، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ».
- [3] أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، الْجَامِعُ الْكَبِيرُ (سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ)، دَارُ الْغَرْبِ الْإِسْلَامِيِّ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 57، رَقْمُ الْحَدِيثِ 2229.
- [4] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْريُّ، الْجَامِعُ الصَّحِيحُ، دَارُ طَيْبَةَ، الْمُجَلَّدُ 3، الصَّفْحَةُ 1524، كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ قَوْلِهِ ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ...»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 1920.
- [5] أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، الْجَامِعُ الْكَبِيرُ (سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ)، دَارُ الْغَرْبِ الْإِسْلَامِيِّ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 368، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي اِفْتِرَاقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 2641.
- [6] أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 197، كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ شَرْحِ السُّنَّةِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 4597.
- [7] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 8، الصَّفْحَةُ 64، كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ، بَابُ الِانْتِحَابِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 6285.
- [8] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 149، مَبْحَثُ «التَّلْقِينِ وَالِانْتِسَابِ إِلَى السَّلَفِ».
■__________________________________26__________________________________________■
الْأَدَبُ قَبْلَ الْعِلْمِ (بَابُ التَّزْكِيَةِ وَتَقْدِيمِ الْوَسَائِلِ)
أَوَّلاً: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَدَبِ وَالتَّزْكِيَةِ
●مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ} [البقرة: 129]
●فَقَدْ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى التَّزْكِيَةَ (وَهِيَ طَهَارَةُ النَّفْسِ وَالْأَدَبُ) عَلَى تَعْلِيمِ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ فِي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ ●فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِ: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [آل عمران: 164]
●مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَدَبَ وَتَطْهِيرَ الْقَلْبِ هُوَ الْوِعَاءُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِيهِ الْعِلْمُ.
●مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ، فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَاناً» [1].
●وَالْإِيمَانُ هُنَا يَشْمَلُ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ وَالْآدَابَ وَالتَّعْظِيمَ لِشَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثَانِيّاً: عَشَرَةُ آثَارٍ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تَعْلِيمِ الْأَدَبِ قَبْلَ الْعِلْمِ
●الْأَثَرُ الْأَوَّلُ (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ): كَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ يَرْحَلُونَ إِلَيْهِ، لَا لِيَسْمَعُوا حَدِيثَهُ فَحَسْبُ، بَلْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إِلَى سَمْتِهِ وَهَدْيِهِ وَدَلِّهِ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ الْأَدَبَ قَبْلَ رِوَايَةِ النُّصُوصِ [2].
●الْأَثَرُ الثَّانِي (الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ): عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ سِيرِينَ: «الْزَمْ فُلَاناً فَتَعَلَّمْ مِنْ هَدْيِهِ وَسَمْتِهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ» [3].
●الْأَثَرُ الثَّالِثُ (الْإِمَامُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي وَصْفِ طُلَّابِ الْعِلْمِ الصَّادِقِينَ: «كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ فِي أَدَبِ نَفْسِهِ السَّنَتَيْنِ ثُمَّ السَّنَتَيْنِ، فَلَا يَسْمَعُ عِلْماً حَتَّى يَرَى أَثَرَ ذَلِكَ فِي خُشُوعِهِ وَصَلَاتِهِ وَسَمْتِهِ» [4].
●الْأَثَرُ الرَّابِعُ (الْإِمَامُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُبَيِّناً طَرِيقَةَ النَّاشِئَةِ مَعَ كِبَارِ التَّابِعِينَ: «كُنَّا نَجْلِسُ إِلَى الْفُقَهَاءِ، فَنَتَعَلَّمُ مِنْ أَدَبِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا نَتَعَلَّمُ مِنْ أَحْكَامِهِمْ وَفُتْيَاهُمْ» [5].
●الْأَثَرُ الْخَامِسُ (الْإِمَامُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَيَانِ شَرْطِ التَّحْدِيثِ وَالتَّعْلِيمِ: «كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ الْحَدِيثَ تَأَدَّبَ وَتَعَبَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ سَنَةً، حَتَّى يَصْلُحَ بَاطِنُهُ لِحَمْلِ السُّنَّةِ» [6].
●الْأَثَرُ السَّادِسُ (الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ مُحَذِّراً مَنْ حُرِمَ هَذَا الْأَصْلَ: «نَحْنُ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْأَدَبِ أَحْوَجُ مِنَّا إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِلَا أَدَبٍ مَسْلَكٌ لِلْغُرُورِ» [7].
●الْأَثَرُ السَّابِعُ (الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: «مَا تَعَلَّمْنَا مِنْ أَدَبِ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِمَّا تَعَلَّمْنَا مِنْ عِلْمِهِ»، وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لِأُمَّهَاتِ الطُّلَّابِ: «مُرِي بَنِيكِ فَلْيَأْتُوا مَجَالِسَ الْعُلَمَاءِ فَلْيَتَعَلَّمُوا مِنْ أَدَبِهِمْ قَبْلَ حَدِيثِهِمْ» [8].
●الْأَثَرُ الثَّامِنُ (الْإِمَامُ الْإِبْرَاهِيمُ بْنُ حَبِيبٍ الشَّهِيدُ رَحِمَهُ اللَّهُ): قَالَ لِابْنِهِ يُوصِيهِ فِي بِدَايَةِ طَلَبِهِ: «يَا بُنَيَّ، اِئْتِ الْفُقَهَاءَ وَالْعُلَمَاءَ وَتَعَلَّمْ مِنْهُمْ، وَخُذْ مِنْ أَدَبِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ وَهَدْيِهِمْ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْحَدِيثِ» [9].
●الْأَثَرُ التَّاسِعُ (الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ): سُئِلَ الشَّافِعِيُّ: كَيْفَ شَهْوَتُكَ لِلْأَدَبِ؟ قَالَ: «أَسْمَعُ بِالْحَرْفِ مِنْهُ مِمَّا لَمْ أَسْمَعْهُ فَتَوَدُّ أَعْضَائِي أَنَّ لَهَا أَسْمَاعاً تَنَعَّمُ بِهِ». قِيلَ: وَكَيْفَ طَلَبُكَ لَهُ؟ قَالَ: «طَلَبُ الْمَرْأَةِ مُضِلَّةَ وَلَدِهَا لَيْسَ لَهَا غَيْرُهُ» [10].
●الْأَثَرُ الْعَاشِرُ (الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ): كَانَ يَقْعُدُ فِي مَجْلِسِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ زُهَاءُ خَمْسَةِ آلَافٍ، يَقْرَؤُونَ وَيَكْتُبُونَ، وَبَقِيَّتُهُمْ (نَحْوُ أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَخَمْسِمِائَةٍ) يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ حُسْنَ الْأَدَبِ وَالسَّمْتِ وَالنَّظَرِ، وَلَا يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ [11].
■________________________________________________________________________■
[1] ابْنُ مَاجَهْ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْقَزْوِينِيُّ، سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ، دَارُ الرِّسَالَةِ الْعَالَمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 34، مُقَدِّمَةُ السُّنَنِ، بَابُ فِي الْإِيمَانِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 61.
[2] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ، مَكْتَبَةُ الْمَعَارِفِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 120، رَقْمُ الْأَثَرِ 142.
[3] ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ، جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 512، رَقْمُ الْأَثَرِ 820.
[4] أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 143، فِي تَرْجَمَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ.
[5] شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ 5، الصَّفْحَةُ 302، فِي تَرْجَمَةِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ.
[6] أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ، مُقَدِّمَةُ كِتَابِ الْمَجْمُوعِ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، دَارُ الْفِكْرِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 43، بَابُ «آدَابِ طَالِبِ الْعِلْمِ».
[7] شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ 8، الصَّفْحَةُ 406، فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ.
[8] القَاضِي عِيَاضُ بْنُ مُوسَى، تَرْتِيبُ الْمَدَارِكِ وَتَقْرِيبُ الْمَسَالِكِ، مَطْبَعَةُ فَضَالَةَ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 115، مَبْحَثُ «أَدَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَتَعْظِيمِهِ لِلْعِلْمِ».
[9] الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ، مَكْتَبَةُ الْمَعَارِفِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 82، رَقْمُ الْأَثَرِ 68.
[10] جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ، تَأْخِيرُ الظَّلَامِ بِآدَابِ الْإِمَامِ (مَطْبُوعٌ ضِمْنَ نَوَادِرِ الْمَخْطُوطَاتِ)، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 19، بَابُ «مَحَبَّةِ الشَّافِعِيِّ لِلْأَدَبِ».
[11] شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ 11، الصَّفْحَةُ 316، فِي تَرْجَمَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، مَبْحَثُ «أَخْلَاقِهِ وَسَمْتِهِ».
■مِنْ آثَارِ السَّلَفِ:
●قَالَ ابْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ الْهَدْيَ [أَيِ الْأَدَبَ وَالسَّمْتَ] كَمَا يَتَعَلَّمُونَ الْعِلْمَ» [2].
●وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لِفَتًى مِنْ قُرَيْشٍ: «يَا ابْنَ أَخِي، تَعَلَّمِ الْأَدَبَ قَبْلَ أَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ» [3].
●وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: «طَلَبْتُ الْأَدَبَ ثَلَاثِينَ سَنَةً، وَطَلَبْتُ الْعِلْمَ عِشْرِينَ سَنَةً، وَكَانُوا يَطْلُبُونَ الْأَدَبَ قَبْلَ الْعِلْمِ» [4].
■__________________________________27__________________________________________■
الْأَصْلِ الْمَنْهَجِيِّ الْعَقَدِيِّ الْأَصِيلِ: الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
(قَاعِدَةُ الْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ: الْأَدِلَّةُ، وَالْآثَارُ، وَالْمَحَاذِيرُ الشَّرْعِيَّةُ).
أَوَّلاً: الِاسْتِدْلَالُ الشَّرْعِيُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
إِنَّ تَقْدِيمَ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِمَا؛ فَلَا يُعْتَدُّ بِقَوْلٍ وَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مُوَافِقاً لِلشَّرْعِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ الْمُوَافَقَةِ إِلَّا بِالْعِلْمِ؛ لِذَا كَانَ الْعِلْمُ إِمَاماً لِلْعَمَلِ وَقَائِداً لَهُ [1].
الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]؛ فَدَلَّتِ الآيَةُ دَلَالَةً صَرِيحَةً عَلَى أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بَدَأَ بِالْأَمْرِ بِالْعِلْمِ أَوَّلاً بِقَوْلِهِ: {فَاعْلَمْ}، ثُمَّ أَرْدَفَهُ بِالْأَمْرِ بِالْعَمَلِ بِقَوْلِهِ: {وَاسْتَغْفِرْ}؛ وَالِاسْتِغْفَارُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَكَانَ الْعِلْمُ مُقَدَّماً عَلَيْهِمَا زَمَناً وَرُتْبَةً [2].
الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [3]. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَكُونُ مَقْبُولاً حَتَّى يَقُومَ الْعِلْمُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَمْرِ الشَّرِيعَةِ، فَمَنْ عَمِلَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ فَعَمَلُهُ مَرْدُودٌ غَيْرُ صَحِيحٍ.
ثَانِيّاً: آثَارُ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي تَقْدِيمِ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ
أَثَرُ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَاقَ هَذَا الْأَصْلَ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيحِهِ وَتَرْجَمَ لَهُ بِقَوْلِهِ: «بَابٌ: الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ، وَأَنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» [4].
أَثَرُ الْخَلِيفَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ كَلِمَتَهُ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي كَتَبَهَا إِلَى الْآفَاقِ: «مَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، كَانَ مَا يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ» [5]. وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الْعَمَلَ بِلَا عِلْمٍ ضَرَرٌ مَحْضٌ أَوْ غَالِبٌ.
أَثَرُ الْإِمَامِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: اسْتَدَلَّ بِآيَةِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ حِينَمَا سُئِلَ عَنْ فَضْلِ الْعِلْمِ، فَقَالَ: «أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ تَعَالَى حِينَ بَدَأَ بِهِ: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ}؟ فَالْعِلْمُ هُوَ الْأَوَّلُ، ثُمَّ الْعَمَلُ تَبَعٌ لَهُ» [6].
أَثَرُ الْإِمَامِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ فِى التَّحْذِيرِ مِنَ الْعَمَلِ بِلَا فِقْهٍ: «الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ عَلَى غَيْرِ طَرِيقٍ، وَالْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ يُفْسِدُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ طَلَباً لَا تَضُرُّوا بِالْعِبَادَةِ، وَاطْلُبُوا الْعِبَادَةَ طَلَباً لَا تَضُرُّوا بِالْعِلْمِ» [7].
ثَالِثاً: الْمَحَاذِيرُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْعَقَدِيَّةُ لِتَرْكِ هَذَا الْأَصْلِ
إِنَّ تَقْدِيمَ الْقَوْلِ أَوِ الْعَمَلِ عَلَى الْعِلْمِ يُوقِعُ الْمَرْءَ فِي مَهَالِكَ عَقَدِيَّةٍ وَمَنْهَجِيَّةٍ عِظَامٍ، مِنْهَا:
الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: وَهُوَ مِن كَبَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي قَرَنَهَا اللَّهُ بِالشِّرْكِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ؛ فَالْجَاهِلُ يَقُولُ فِي دِينِ اللَّهِ بِرَأْيِهِ فَيُحِلُّ الْحَرَامَ وَيُحَرِّمُ الْحَلَالَ [8].
الْوُقُوعُ فِي الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ: لِأَنَّ الَّذِي يَعْمَلُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ يَسْتَحْسِنُ بِعَقْلِهِ وَعَاطِفَتِهِ عِبَادَاتٍ لَمْ يَشْرَعْهَا اللَّهُ وَلَا رَسُولُهُ، فَيَقَعُ فِي الضَّلَالَةِ مَعَ ظَنِّهِ أَنَّهُ يُحْسِنُ صُنْعاً.
مُشَابَهَةُ أَهْلِ الضَّلَالِ (النَّصَارَى): الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ بِأَنَّهُمْ {الضَّالِّينَ}؛ لِأَنَّهُمْ عَبَدُوا اللَّهَ عَلَى جَهْلٍ وَعَمِلُوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَيْنَمَا الْيَهُودُ {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} عَلِمُوا وَلَمْ يَعْمَلُوا، وَالْمُسْلِمُ يَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُجَنِّبَهُ طَرِيقَهُمَا مَعاً [9].
■___________________________________________________________________________■
[1] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ وَمِنْشَارُ وِلَايَةِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 324-325.
[2] أَبُو حَيَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْأَنْدَلُسِيُّ، تَفْسِيرُ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ، دَارُ الْفِكْرِ، الْمُجَلَّدُ 8، الصَّفْحَةُ 78، تَفْسِيرُ سُورَةِ مُحَمَّدٍ.
[3] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ، الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 3، الصَّفْحَةُ 1343، كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 1718.
[4] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 24، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ «الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ».
[5] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، كِتَابُ الزُّهْدِ، دَارُ الرَّيَّانِ لِلتُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 193، رَقْمُ الْأَثَرِ 88.
[6] أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 7، الصَّفْحَةُ 284، فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ.
[7] ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ، جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 489، رَقْمُ الْأَثَرِ 762.
[8] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 14، الصَّفْحَةُ 467-470، كِتَابُ التَّفْسِيرِ، تَفْسِيرُ سُورَةِ الْأَعْرَافِ.
[9] ابْنُ كَثِيرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 142-144، تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
■__________________________________28__________________________________________■
■ قاعدة : إنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ
(أَثَرُ الْإِمَامِ ابْنِ سِيرِينَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ).
أَوَّلاً: سِيَاقُ الْأَثَرِ وَوُرُودُهُ فِي دَوَاوِينِ السُّنَّةِ
إِنَّ كَلِمَةَ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَقُولَةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ كُبْرَى وَضَعَهَا عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ فِي مَقَادِمِ كُتُبِهِمْ لِصِيَانَةِ الشَّرِيعَةِ مِنَ الدَّخِيلِ [1].
وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْأَثَرُ عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ، مِنْهَا مُقَدِّمَةُ صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ، حَيْثُ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ ظُهُورِ الْفِتَنِ وَرُؤُوسِ الِابْتِدَاعِ بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، مِمَّا اسْتَلْزَمَ التَّفْتِيشَ عَنِ الرِّجَالِ وَعَدَمِ قَبُولِ الدِّينِ إِلَّا مِمَّنْ عُرِفَ بِالسُّنَّةِ وَالْأَمَانَةِ [2].
ثَانِيّاً: الدَّلَالَةُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْمَنْهَجِيَّةُ لِلْأَثَرِ تَتَلَخَّصُ دَلَالَةُ هَذَا الْأَثَرِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي ثَلَاثَةِ أُصُولٍ:
1. أَنَّ الْعِلْمَ عِبَادَةٌ وَدِينٌ: فَالْمَسَائِلُ الْعَقَدِيَّةُ وَالْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَتَلَقَّاهَا هِيَ الَّتِي تَدِينُ اللَّهَ بِهَا، وَتَلْقَاهُ عَلَيْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَكَمَا لَا يَرْضَى الْعَاقِلُ أَنْ يَضَعَ مَالَهُ عِنْدَ خَائِنٍ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَضَعَ دِينَهُ عِنْدَ جَاهِلٍ أَوْ مُبْتَدِعٍ [3].
2. وُجُوبُ التَّصْفِيَةِ وَالنَّظَرِ فِي أَهْلِيَّةِ الْمُعَلِّمِ: فَلَا يُؤْخَذُ الْعِلْمُ عَنْ كُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ، وَلَا عَنْ كُلِّ مَنْ صَنَّفَ كِتَاباً، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَشْهُوداً لَهُ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْمُعْتَقَدِ وَالْعَمَلِ.
3. مَشْرُوعِيَّةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ لِحِمَايَةِ الدِّينِ: وَهُوَ الذَّبُّ عَنِ السُّنَّةِ؛ إِذْ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ أَيْضاً مُتَّصِلاً بِهَذَا الْأَثَرِ: «لَمْ يَكُونُوا يَسْأَلُونَ عَنِ الْإِسْنَادِ، فَلَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَنَا رِجَالَكُمْ؛ فَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فَيُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ، وَيُنْظَرُ إِلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فَلَا يُؤْخَذُ حَدِيثُهُمْ» [4].
ثَالِثّاً: آثَارٌ سَلَفِيَّةٌ أُخْرَى تَعْضُدُ هَذَا الْأَصْلَ
أَثَرُ الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ هُوَ دِينُكَ، فَانْظُرْ عَمَّنْ تَأْخُذُ دِينَكَ، لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ [أَيِ النَّبَوِيِّ] سَبْعِينَ مِمَّنْ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَمَا أَخَذْتُ عَنْهُمْ شَيْئاً، وَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَوْ اؤْتُمِنَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ لَكَانَ بِهِ أَمِيناً؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ» [5].
أَثَرُ الْإِمَامِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُقَاتِلُ؟» [6].
■ تَوْجِيهُ الْأَثَرِ فِي بَابِ التَّحْذِيرِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ
إِنَّ كَلِمَةَ ابْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ حَثٍّ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَفْضَلِ، بَلْ كَانَتْ سُوراً مَنِيعاً وَحَاجِزاً صَارِماً لِحِمَايَةِ طُلَّابِ الْعِلْمِ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَهَاوِي الْبِدَعِ وَالْمَقَالَاتِ الْمُحْدَثَةِ؛ إِذْ إِنَّ الْبِدْعَةَ أَخَفُّ مَا فِيهَا أَنَّهَا تُفْسِدُ التَّصَوُّرَ الْعَقَدِيَّ الصَّحِيحَ، وَتَقْطَعُ عَلَى الطَّالِبِ طَرِيقَ الِاتِّبَاعِ [7].
1. التَّلَقِّي عَنْ أَهْلِ الْبِدَعِ مَفْسَدَةٌ لِلْقَلْبِ: حَذَّرَ السَّلَفُ مِنَ الْجُلُوسِ إِلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ خَطَّافَةٌ، وَالْقُلُوبُ ضَعِيفَةٌ، وَالْمُبْتَدِعُ يَصُوغُ بِدْعَتَهُ بِأَلْفَاظٍ مُزَوَّقَةٍ قَدْ تَرُوجُ عَلَى الطَّالِبِ الْمُبْتَدِئِ الَّذِي لَمْ تَقْوَ مَلَكَتُهُ النَّقْدِيَّةُ بَعْدُ [8].
2. هَجْرُ مَجَالِسِهِمْ عُقُوبَةٌ وَصِيَانَةٌ: إِنَّ النَّظَرَ فِي أَهْلِيَّةِ الشَّيْخِ وَالتَّأَكُّدَ مِنْ سَلَامَةِ مُعْتَقَدِهِ يُورِثُ الطَّالِبَ بَصِيرَةً؛ فَلَا يَجْعَلُ أُذُنَهُ وِعَاءً لِكُلِّ نَاعِقٍ، وَبِذَلِكَ تَمُوتُ الْبِدْعَةُ بِخُمُولِ ذِكْرِ أَصْحَابِهَا وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِمْ.
3. الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ: لِأَنَّ الْعَاصِيَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مُخْطِئٌ فَيَرْجُو التَّوْبَةَ، أَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَيَظُنُّ أَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِمَا أَحْدَثَ، فَلَا يَتُوبُ حَتَّى يَجْلِيَ اللَّهُ عَنْ قَلْبِهِ عَمَاهُ [9].
آثَارٌ سَلَفِيَّةٌ فِي الْبَابِ نَفْسِهِ:
أَثَرُ الْإِمَامِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «مَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ فَاحْذَرْهُ، وَمَنْ جَلَسَ مَعَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ لَمْ يُعْطَ الْحِكْمَةَ، وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَاحِبِ بِدْعَةٍ حِصْنٌ مِنْ حَدِيدٍ» [10].
أَثَرُ السَّخْتِيَانِيِّ أَيُّوبَ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ إِذَا سَمِعَ كَلِمَةً مِنْ صَاحِبِ هَوًى يَسُدُّ أُذُنَيْهِ وَيَقُولُ: «لَا، وَلَا نِصْفَ كَلِمَةٍ»، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْقَلْبَ لَيْسَ بِيَدِي، وَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قَلْبِي شَيْئاً فَلَا أَخْرُجَ مِنْهُ» [11].
■_________________________________________________________________________■
[1] أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ (ابْنُ الصَّلَاحِ)، مَعْرِفَةُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ (مُقَدِّمَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ)، دَارُ الْفِكْرِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 13-14.
[2] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ، الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 14، مُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ، بَابُ «بَيَانِ أَنَّ الْإِسْنَادَ مِنَ الدِّينِ وَأَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا عَنِ الثِّقَاتِ»، رَقْمُ الْأَثَرِ 5.
[3] أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ، جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 762، رَقْمُ الْأَثَرِ 1341.
[4] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ، صَحِيحُ مُسْلِمٍ (الْمُقَدِّمَةُ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 15، رَقْمُ الْأَثَرِ 6.
[5] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، الْكِفَايَةُ فِي عِلْمِ الرِّوَايَةِ، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 121، رَقْمُ الْأَثَرِ 288.
[6] أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، تَقْدِمَةُ كِتَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 15، بَابُ «مَشْرُوعِيَّةِ الْكَلامِ فِي الرِّجَالِ».
[7] أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 112-115، بَابُ «ذَمِّ الْبِدَعِ وَسُوءِ مُنْقَلَبِ أَصْحَابِهَا».
[8] أَبُو عَمْرٍو دَانِي عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، الرِّسَالَةُ الْوَافِيَةُ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الِاعْتِقَادِ، دَارُ الْمَأْمُونِ لِلتُّرَاثِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 89، رَقْمُ الْأَثَرِ 42.
[9] أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 7، الصَّفْحَةُ 26، فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَنَصُّهُ: «الْبِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ».
[10] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ، الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى (الْإِبَانَةُ عَنْ شَرِيعَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ)، دَارُ الرَّايَةِ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 460، بَابُ «التَّحْذِيرِ مِنْ صُحْبَةِ قَوْمٍ يُمْرِضُونَ الْقُلُوبَ»، رَقْمُ الْأَثَرِ 431.
[11] أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرْبَهَارِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 123، رَقْمُ الْأَثَرِ 114، مَبْحَثُ «مُجَانَبَةِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ».
■__________________________________29__________________________________________■
تَزكية قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
أَوَّلاً: الْإِخْلَاصُ هُوَ شَرْطُ قَبُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ
إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ ثَقَافَةً عَقْلِيَّةً وَلَا مَبَاهَاةً فِكْرِيَّةً، بَلْ هُوَ عِبَادَةُ الْقَلْبِ، وَسِرُّ الْقُرْبَةِ، وَلَا تُقْبَلُ عِبَادَةٌ إِلَّا بِالْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ فَالنِّيَّةُ الصَّالِحَةُ هِيَ الَّتِي تُحَوِّلُ النَّظَرَ فِي الْكُتُبِ وَالسَّمَاعَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى قُرُبَاتٍ تُدَّخَرُ لِيَوْمِ الْعَرْضِ [1].
مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5]؛ فَالْأَمْرُ بِالْإِخْلَاصِ عَامٌّ فِي كُلِّ طَاعَةٍ، وَالْعِلْمُ مِنْ أَجَلِّ الطَّاعَاتِ، فَكَانَ لُزُومُ الْإِخْلَاصِ فِيهِ أَوْجَبَ.
مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضاً مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [2]؛ يَعْنِي رِيحَهَا، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يُوجِبُ عَلَى الطَّالِبِ الْحَذَرَ الْبَالِغَ مِنْ دَخَنِ النِّيَّاتِ.
ثَانِيّاً: آثَارُ السَّلَفِ فِي مُعَالَجَةِ النِّيَّةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ
أَثَرُ الْإِمَامِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ مُبَيِّناً عُسْرَ هَذِهِ الْعَقَبَةِ: «مَا عَالَجْتُ شَيْئاً أَشَدَّ عَلَيَّ مِنْ نِيَّتِي؛ لِأَنَّهَا تَتَقَلَّبُ عَلَيَّ» [3].
فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُ جَبَلِ الْحِفْظِ الثَّوْرِيِّ، فَكَيْفَ بِمَنْ دُونَهُ؟
أَثَرُ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ فِي بَيَانِ أَثَرِ النِّيَّةِ فِي تَعْظِيمِ الْعَمَلِ أَوْ تَصْغِيرِهِ: «رُبَّ عَمَلٍ صَغِيرٍ تُعَظِّمُهُ النِّيَّةُ، وَرُبَّ عَمَلٍ كَبِيرٍ تُصَغِّرُهُ النِّيَّةُ» [4].
وَعَنْهُ أَيْضاً قَالَ: «أَوَّلُ الْعِلْمِ النِّيَّةُ، ثُمَّ الِاسْتِمَاعُ، ثُمَّ الْفَهْمُ، ثُمَّ الْحِفْظُ، ثُمَّ الْعَمَلُ، ثُمَّ النَّشْرُ» [5].
أَثَرُ الْإِمَامِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ كَلِمَتَهُ التَّرْبَوِيَّةَ الْعَمِيقَةَ: «لَقَدْ كُنَّا نَطْلُبُ الْعِلْمَ وَمَا لَنَا فِيهِ نِيَّةٌ، فَأَبَى الْعِلْمُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ» [6]
وَمَعْنَاهُ أَنَّ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَتَدَبُّرَ نُصُوصِهِ تَقُودُ صَاحِبَهَا الصَّادِقَ إِلَى الْإِخْلَاصِ رَغْماً عَنْ نَفْسِهِ فِى النِّهَايَةِ.
أَثَرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: سَأَلَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ: كَيْفَ يَكُونُ الْإِخْلَاصُ فِي الْعِلْمِ؟ فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «يَنْوِي بِهِ رَفْعَ الْجَهْلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ غَيْرِهِ» [7].
قلت : فَهَذِهِ هِيَ الْجَادَّةُ الْوَاضِحَةُ لِتَصْحِيحِ النِّيَّةِ.
ثَالِثّاً: مَظَاهِرُ زَوَالِ الْإِخْلَاصِ فِي نَفْسِ الطَّالِبِ
إِذَا دَخَلَ الرِّيَاءُ أَوِ السُّمْعَةُ قَلْبَ طَالِبِ الْعِلْمِ، ظَهَرَتْ عَلَيْهِ عَلَامَاتٌ خَفِيَّةٌ وَجَلِيَّةٌ، حَذَّرَ مِنْهَا أَئِمَّةُ السُّلُوكِ، وَمِنْهَا:
حُبُّ التَّصَدُّرِ وَالظُّهُورِ: فَيَسْعَى لِأَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالْبَنَانِ، وَيَثْقُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَغْمُوراً أَوْ أَنْ يَظْهَرَ الْحَقُّ عَلَى لِسَانِ غَيْرِهِ فِى مَجَالِسِ الْمُنَاظَرَةِ [8].
الْمُمَارَاةُ وَالْمُجَادَلَةُ لِغَيْرِ فَائِدَةٍ: فَيَكُونُ هَمُّهُ إِسْقَاطَ الْأَقْرَانِ، وَإِظْهَارَ قُوَّةِ الْمَحْصُولِ، لَا بَيَانَ الْحَقِّ وَرَحْمَةَ الْخَلْقِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لَا تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ لِتُبَاهُوا بِهِ الْعُلَمَاءَ، وَلَا لِتُمَارُوا بِهِ السُّفَهَاءَ» [9].
كَبْرُ النَّفْسِ وَتَعَاظُمُهَا: كُلَّمَا ازْدَادَ عِلْماً ازْدَادَ كِبْراً عَلَى النَّاسِ وَازْدِرَاءً لَهُمْ، بَيْنَمَا الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ يُورِثُ صَاحِبَهُ ذِلَّةً لِلَّهِ وَانْكِسَاراً، وَتَوَاضُعاً لِلْخَلْقِ.
■__________________________________________________________________________■
[1] أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ شَرَفٍ النَّوَوِيُّ، التِّبْيَانُ فِي آدَابِ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 35-38، بَابُ «فِي الْإِخْلَاصِ وَحُسْنِ النِّيَّاتِ».
[2] أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ 3، الصَّفْحَةُ 323، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ «فِي طَلَبِ الْعِلْمِ لِغَيْرِ اللَّهِ»، رَقْمُ الْحَدِيثُ 3664.
[3] أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 7، الصَّفْحَةُ 5-6، فِي تَرْجَمَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ.
[4] أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 22، فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ.
[6] شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الذَّهَبِيُّ، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ، الْمُجَلَّدُ 7، الصَّفْحَةُ 17-18، فِي تَرْجَمَةِ مَعْمَرِ بْنِ رَاشِدٍ.
[7] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ، كِتَابُ الْعِلْمِ مِنْ جَامِعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، دَارُ الرَّايَةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 65، بَابُ «نِيَّةِ الْعِلْمِ وَمَا يَنْوِي بِهِ».
[8] أَبُو حَامِدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَزَالِيُّ، إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 55-58، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ «آفَاتِ الْعِلْمِ وَبَيَانِ عُلَمَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ».
[9] ابْنُ مَاجَهْ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْقَزْوِينِيُّ، سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ، دَارُ الرِّسَالَةِ الْعَالَمِيَّةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 160، مُقَدِّمَةُ السُّنَنِ، بَابُ «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 254
■__________________________________30__________________________________________■
(تزكية قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْمُتَابَعَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ).
أَوَّلاً: الْمُتَابَعَةُ هِيَ مِعْيَارُ صِحَّةِ الدِّينِ
إِنَّ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ وَالْإِخْلَاصَ لَا يَكْفِيَانِ وَحْدَهُمَا لِقَبُولِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ حَتَّى يَقْتَرِنَا بِالْمُتَابَعَةِ التَّامَّةِ لِلْمَعْصُومِ ﷺ؛ فَالْإِخْلَاصُ يُصَحِّحُ مَقْصَدَ الْعَمَلِ، وَالْمُتَابَعَةُ تُصَحِّحُ صُورَتَهُ وَمَشْرُوعِيَّتَهُ، وَكُلُّ طَرِيقٍ إِلَى اللَّهِ مَسْدُودٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِهِ ﷺ [1].
- مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]، وَهَذِهِ الآيَةُ سَمَّاهَا السَّلَفُ "آيَةَ الِامْتِحَانِ"؛ لِأَنَّهَا تَزِنُ دَعْوَى الْمَحَبَّةِ بِمِيزَانِ الْمُتَابَعَةِ الْعَمَلِيَّةِ [2].
- مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ» [3].
ثَانِيّاً: آثَارُ السَّلَفِ فِي التَّمَسُّكِ بِالْمُتَابَعَةِ وَالْأَثَرِ
- أَثَرُ الصِّدِّيقِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ كَلِمَتَهُ الدَّالَّةَ عَلَى كَمَالِ هَيْبَةِ الِاتِّبَاعِ: «لَسْتُ تَارِكاً شَيْئاً كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْمَلُ بِهِ إِلَّا عَمِلْتُ بِهِ، إِنِّي أَخْشَى إِنْ تَرَكْتُ شَيْئاً مِنْ أَمْرِهِ أَنْ أَزِيغَ» [4].
- أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «اِتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [5].
- أَثَرُ الْإِمَامِ الْأَوْزَاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ مُؤَصِّلاً لِمَصَادِرِ التَّلَقِّي: «عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ، وَإِيَّاكَ وَآرَاءَ الرِّجَالِ وَإِنْ زَخْرَفُوهُ لَكَ بِالْقَوْلِ» [6].
- أَثَرُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ: «أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَبَانَتْ لَهُ سُنَّةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدَعَهَا لِقَوْلِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ كَائِناً مَنْ كَانَ» [7].
ثَالِثّاً: كَيْفَ يُحَقِّقُ طَالِبُ الْعِلْمِ مَقَامَ الْمُتَابَعَةِ؟
- تَقْدِيمُ النَّصِّ عَلَى الْعَقْلِ وَالْهَوَى: فَلَا يُعَارِضُ طَالِبُ الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ الصَّحِيحَ مِنَ السُّنَّةِ بِشُبْهَةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ ذَوْقٍ كَشْفِيٍّ، بَلْ يَقُولُ: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا.
- الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ فَوْرَ سَمَاعِهِ: كَانَ السَّلَفُ إِذَا بَلَغَهُمْ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ عَمِلُوا بِهِ وَلَوْ مَرَّةً؛ لِيَكُونُوا مِنْ أَهْلِهِ وَلِيُحْفَظَ الْأَثَرُ فِي صُدُورِهِمْ عَمَلاً كَمَا حُفِظَ قَوْلاً [8].
- الْحَذَرُ مِنْ طَرَائِقِ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ: الَّذِينَ يَقِيسُونَ الدِّينَ بِعُقُولِهِمْ فَيُقَدِّمُونَ خَوَاطِرَ الْبَشَرِ عَلَى مَحْكَمَاتِ سُنَنِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ.
■___________________________________________________________________________■
- [1] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 11، الصَّفْحَةُ 612-614، مَبْحَثُ «تَحْقِيقِ الشَّهَادَتَيْنِ عَمَلاً وَاعْتِقَاداً».
- [2] ابْنُ كَثِيرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ الْقُرَشِيُّ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، دَارُ طَيِّبَةَ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 32، تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
- [3] أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى التِّرْمِذِيُّ، جَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، دَارُ الْغَرْبِ الْإِسْلَامِيِّ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 121، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ «مَا جَاءَ فِي الْأَخْذِ بِالسُّنَّةِ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 2676، وَقَالَ: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ».
- [4] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 114، كِتَابُ فَرْضِ الْخُمُسِ، بَابُ «حَدِيثِ بَنِي النَّضِيرِ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 3093.
- [5] أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ النَّسَائِيُّ، كِتَابُ الْعِلْمِ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 22، رَقْمُ الْأَثَرِ 54.
- [6] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، شَرَفُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، مَكْتَبَةُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 34، رَقْمُ الْأَثَرِ 15.
- [7] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 282، مَبْحَثُ «حُرْمَةِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ لِقَوْلِ أَحَدٍ».
- [8] أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، اِقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 45، رَقْمُ الْأَثَرِ 28.
■__________________________________31__________________________________________■
(تزكية قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ بَعْدَ الْعِلْمِ).
أَوَّلاً: الْعَمَلُ هُوَ ثَمَرَةُ الْعِلْمِ وَغَايَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ
إِنَّ الْعِلْمَ لَيْسَ مَقْصُوداً لِذَاتِهِ، بَلْ هُوَ وَسِيلَةٌ لِتَحْقِيقِ الْعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعَالَى عَمَلاً وَامْتِثَالاً؛ فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي لَا يُثْمِرُهَا الْعَمَلُ تَكُونُ حُجَّةً عَلَى صَاحِبِهَا لَا لَهُ، وَوَبَالاً يَوْمَ تَقُومُ الْأَشْهَادُ؛ إِذْ لَا يُرَادُ الْعِلْمُ إِلَّا لِلْعَمَلِ، كَمَا لَا تُرَادُ الشَّجَرَةُ إِلَّا لِلثَّمَرَةِ [1].
مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3]، وَفِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ عَدَمَ طَبْقِ الْقَوْلِ وَالْعِلْمِ بِالْعَمَلِ يُورِثُ مَقْتَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ سُبْحَانَهُ.
مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ قَالَ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» [2].
ثَانِيّاً: آثَارُ السَّلَفِ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ
أَثَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ كَلِمَتَهُ السَّائِرَةَ: «هَتَفَ الْعِلْمُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ» [3]
يَعْنِي أَنَّ بَرَكَةَ الْعِلْمِ وَحِفْظَهُ يَزُولَانِ إِذَا عُدِمَ الْعَمَلُ بِهِ.
أَثَرُ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ مُحَذِّراً نَفْسَهُ وَالطُّلَّابَ: «إِنَّمَا أَخْشَى مِنْ رَبِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَدْعُوَنِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ فَيَقُولَ لِي: يَا عُوَيْمِرُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، فَيَقُولُ: مَاذَا عَمِلْتَ فِيمَا عَلِمْتَ؟» [4].
أَثَرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ: «تَعَلَّمُوا تَعَلَّمُوا، فَإِذَا عَلِمْتُمْ فَاعْمَلُوا» [5].
أَثَرُ الْإِمَامِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَالَ مُبَيِّناً حَالَ الْعَالِمِ مَعَ الْجَهْلِ حَتَّى يَعْمَلَ: «لَا يَزَالُ الْعَالِمُ جَاهِلاً بِمَا عَلِمَ حَتَّى يَعْمَلَ بِهِ، فَإِذَا عَمِلَ بِهِ كَانَ عَالِماً» [6].
ثَالِثّاً: آفَاتُ عَدَمِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ
حِرْمَانُ بَرَكَةِ الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ: فَإِنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ يُورِثُ النِّسْيَانَ، وَالْعَمَلَ بِالْعِلْمِ هُوَ أَعْظَمُ مُثَبِّتٍ لَهُ فِى الصُّدُورِ.
التَّشَبُّهُ بِالْيَهُودِ: الَّذِينَ حَمَلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا فَمَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، حَيْثُ عَلِمُوا الْحَقَّ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِهِ فَاسْتَحَقُّوا غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى [7]
قَسَاوَةُ الْقَلْبِ وَحِرْمَانُ الْخَشْيَةِ: فَالْعِلْمُ الصَّحِيحُ هُوَ الَّذِي يُورِثُ الْخَشْيَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فَإِذَا تَعَلَّمَ الْمَرْءُ وَلَمْ يَعْمَلْ، قَسَا قَلْبُهُ وَصَارَ الْعِلْمُ طَبِيعَةً جَافَّةً لَا أَثَرَ لَهَا فِى سُلُوكِهِ.
■____________________________________________________________________________■
[1] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، مِفْتَاحُ دَارِ السَّعَادَةِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 412.
[2] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 123، كِتَابُ بَدْءِ الْخَلْقِ، بَابُ «صِفَةِ النَّارِ وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 3267.
[3] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، اِقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 31، رَقْمُ الْأَثَرِ 13.
[4] أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ، حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتُ الْأَصْفِيَاءِ، دَارُ الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 212، فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
[5] ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ، جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 604، رَقْمُ الْأَثَرِ 1032.
[6] الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، اِقْتِضَاءُ الْعِلْمِ الْعَمَلَ، الْمَكْتَبُ الْإِسْلَامِيُّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 43، رَقْمُ الْأَثَرِ 25.
[7] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 7، الصَّفْحَةُ 287-289، كِتَابُ الْإِيمَانِ.
■__________________________________32__________________________________________■
(تَزكية قَلْبِ طَالِبِ الْعِلْمِ بِالصَّبْرِ)
( الصبر مَفْهُومُهُ، أَنْوَاعُهُ، مَقَامَاتُهُ، وَقِيمَتُهُ فِي الْوَحْيَيْنِ).
أَوَّلاً: اشْتِقَاقُ الصَّبْرِ وَحَدُّهُ الْجَامِعُ
- الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الصَّبْرُ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (صَ بَ رَ)، وَأَصْلُهُ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ؛ وَمِنْهُ قِيلَ: قُتِلَ فُلَانٌ صَبْراً، أَيْ حُبِسَ حَتَّى قُتِلَ، وَتُسَمَّى الْأَيَّامُ الشَّدِيدَةُ أَيَّامَ صَبْرٍ لِاحْتِبَاسِ النَّاسِ فِيهَا عَنِ التَّصَرُّفِ [1].
- الْحَدُّ الْجَامِعُ لَهُ (تَعْرِيفُهُ الشَّرْعِيُّ): هُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَنِ الْجَزَعِ وَالتَّسَخُّطِ، وَحَبْسُ اللِّسَانِ عَنِ الشَّكْوَى، وَحَبْسُ الْجَوَارِحِ عَنِ التَّشْوِيشِ (كَشَقِّ الْجُيُوبِ وَلَطْمِ الْخُدُودِ وَنَحْوِهَا). فَهُوَ قُوَّةٌ خُلُقِيَّةٌ تُمَكِّنُ الْإِنْسَانَ مِنْ ضَبْطِ نَفْسِهِ لِتَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ لِابْتِغَاءِ مَرْضَاةِ اللَّهِ [2].
ثَانِيّاً: أَنْوَاعُ الصَّبْرِ الْعَامَّةِ
يَنْقَسِمُ الصَّبْرُ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ كُبْرَى، لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا مُكَلَّفٌ:
- صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ: وَهُوَ حَبْسُ النَّفْسِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ رَغْمَ كَسَلِهَا وَثِقَلِهَا عَلَيْهَا.
- صَبْرٌ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ: وَهُوَ كَفُّ النَّفْسِ وَمَنْعُهَا عَنِ الِانْسِيَاقِ وَرَاءَ الشَّهَوَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ رَغْمَ تَشَوُّفِهَا إِلَيْهَا.
- صَبْرٌ عَلَى أَقْدَارِ اللَّهِ الْمُؤْلِمَةِ: وَهُوَ تَلَقِّي الْمَصَائِبِ وَالْبَلَايَا الصَّادِرَةِ عَنِ الْقَدَرِ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ دُونَ اعْتِرَاضٍ [3].
ثَالِثّاً: صَبْرُ طَالِبِ الْعِلْمِ فِي مَقَامَاتِهِ الْخَاصَّةِ
يَحْتَاجُ طَالِبُ الْعِلْمِ إِلَى الصَّبْرِ فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ سَيْرِهِ، وَيَتَمَثَّلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ مَقَامَاتٍ:
- 1. صَبْرُهُ عَلَى الْعِلْمِ (التَّحْصِيلُ): وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى ثِنْيِ الرُّكَبِ فِي مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ، وَسَهَرِ اللَّيَالِي فِي الْحِفْظِ وَالْمُرَاجَعَةِ، وَتَحَمُّلِ مَشَاقِّ السَّفَرِ وَالرِّحْلَةِ، وَمُعَانَاةِ الْفَقْرِ وَقِلَّةِ ذَاتِ الْيَدِ فِي سَبِيلِ جَمْعِ الْمَسَائِلِ [4].
- 2. صَبْرُهُ عَلَى الْعَمَلِ: فَإِنَّ تَنْفِيذَ الْعِلْمِ وَتَحْوِيلَهُ إِلَى سُلُوكٍ رَاتِبٍ يَحْتَاجُ إِلَى جِهَادٍ مَرِيرٍ لِلنَّفْسِ، حَتَّى تَسْتَقِيمَ عَلَى قِيَامِ اللَّيْلِ، وَصِيَامِ النَّهَارِ، وَلُزُومِ الْوَرَعِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْفُضُولِ.
- 3. صَبْرُهُ عَلَى الدَّعْوَةِ: إِذَا بَلَغَ الطَّالِبُ مَقَامَ الْبَلَاغِ، وَجَبَ عَلَيْهِ التَّرَفُّقُ، وَأَنْ يَصْبِرَ عَلَى صُدُودِ النَّاسِ، وَقِلَّةِ الِاسْتِجَابَةِ، وَالتَّكْذِيبِ؛ وَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ الدَّعْوَةَ بِالصَّبْرِ فِي كِتَابِهِ حَيْثُ قَالَ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3].
- 4. صَبْرُهُ عَلَى النَّاسِ: وَهُوَ احْتِمَالُ أَذَى الْخَلْقِ، وَجَفْوَةِ الْعَامَّةِ، وَجَهْلِ السُّفَهَاءِ، وَحَسَدِ الْأَقْرَانِ. فَلَا يُقَابِلُ الإِسَاءَةَ بِالإِسَاءَةِ، بَلْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ وَيَحْتَسِبُ لِأَجْلِ هِدَايَتِهِمْ [5].
- 5. صَبْرُهُ عَلَى الْمَقْدُورِ: الطَّالِبُ بَشَرٌ يُصِيبُهُ مَا يُصِيبُ النَّاسَ مِنَ الْمَرَضِ، وَمَوْتِ الْأَحِبَّةِ، وَنَقْصِ الْأَمْوَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَبْرُهُ عَلَى هَذِهِ الْأَقْدَارِ صَبْراً جَمِيلاً يُهَوِّنُ عَلَيْهِ الطَّرِيقَ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنِ الطَّلَبِ.
رَابِعّاً: قِيمَةُ الصَّبْرِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
- فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّبْرَ فِي الْقُرْآنِ فِي أَكْثَرَ مِنْ تِسْعِينَ مَوْضِعاً، وَعَلَّقَ عَلَيْهِ الْفَلَاحَ، وَجَعَلَهُ سَبَباً لِنَيْلِ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ؛ قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24]، فَبِالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ. كَمَا جَعَلَ أَجْرَ الصَّابِرِينَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَقَالَ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] [6].
- فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْراً وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [7]؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّبْرَ مِلَاكُ الْأَخْلَاقِ كُلِّهَا. وَفِي حَدِيثِ صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «عَجَباً لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ... إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ» [8].
■_______________________________33_________________________________________■
[1] أَبُو الْفَتْحِ أَحْمَدُ بْنُ فَارِسٍ، مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، دَارُ الْفِكْرِ، الْمُجَلَّدُ 3، الصَّفْحَةُ 329، مَادَّةُ (صَبَرَ).
- [2] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، عُدَّةُ الصَّابِرِينَ وَذَخِيرَةُ الشَّاكِرِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 11-15، بَابُ «حَقِيقَةِ الصَّبْرِ لُغَةً وَاصْطِلَاحاً».
- [3] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، قَاعِدَةٌ فِي الصَّبْرِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 45-48.
- [4] أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ، مَكْتَبَةُ الْمَعَارِفِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 152، بَابُ «مَا يَلْزَمُ الطَّالِبَ مِنَ الصَّبْرِ عَلَى الْجَفَاءِ».
- [5] أَبُو عُمَرَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ النَّمَرِيُّ، جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 480، رَقْمُ الْأَثَرِ 782، بَابُ «آدَابِ الْعَالِمِ وَالْمُتَعَلِّمِ».
- [6] ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، عُدَّةُ الصَّابِرِينَ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 95-98، بَابُ «ذِكْرِ الصَّبْرِ فِي الْقُرْآنِ».
- [7] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 115، كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ «الِاسْتِعْفَافِ عَنِ الْمَسْأَلَةِ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 1469.
- [8] مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرِيُّ، الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ مُسْلِمٍ)، دَارُ إِحْيَاءِ التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 2295، كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ، بَابُ «مُؤْمِنٍ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 2999.
■__________________________________34__________________________________________■
مَكْتَبَةُ طَالِبِ الْعِلْمِ الْمُبْتَدِئِ فِي الْعَقِيدَةِ
إِنَّ تَرْتِيبَ الْمَكْتَبَةِ الْعَقَدِيَّةِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ فِي بِدَايَةِ طَلَبِهِ يُعَدُّ مِنَ التَّوْفِيقِ الْإِلَهِيِّ الَّذِي يَحْفَظُ عَلَيْهِ وَقْتَهُ وَيَمْنَعُهُ مِنَ التَّشَتُّتِ بَيْنَ الْمُطَوَّلَاتِ قَبْلَ إِحْكَامِ الْأُصُولِ [1].
وَهَذِهِ الْكُتُبُ وَالرَّسَائِلُ هِيَ الرَّكِيزَةُ الْأَسَاسِيَّةُ الَّتِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا مُبْتَدِئٌ، وَتَنْقَسِمُ حَسَبَ أَبْوَابِ الْعَقِيدَةِ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ رَئِيسَةٍ:
أَوَّلاً: كُتُبُ تَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ (الْأُلُوهِيَّةِ) وَالْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ:
1. الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ وَأَدِلَّتُهَا: وَهِيَ الرِّسَالَةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى الْأَسْئِلَةِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا الْعَبْدُ فِي قَبْرِهِ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ [2].
2. الْقَوَاعِدُ الْأَرْبَعُ: رِسَالَةٌ مُوجَزَةٌ تُؤَصِّلُ لِمَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَحَقِيقَةِ الشِّرْكِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ مُشْرِكِي زَمَانِنَا أَغْلَظُ شِرْكاً مِنْ لَقِيطِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى.
3. كِتَابُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعَبِيدِ: وَهُوَ كِتَابٌ سُلْطَانٌ فِي بَابِهِ، سَاقَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثَ وَالْآثَارَ السَّلَفِيَّةَ الَّتِي تُبَيِّنُ التَّوْحِيدَ وَتَهْدِمُ الشِّرْكَ الْأَكْبَرَ وَالْأَصْغَرَ وَذَرَائِعَهُ كُلَّهَا [3].
4. كَشْفُ الشُّبُهَاتِ: وَفِيهَا الرَّدُّ الْمُفْحِمُ عَلَى خَمْسَ عَشْرَةَ شُبْهَةً مِنْ شُبُهَاتِ أَهْلِ الْإِشْرَاكِ وَالْقُبُورِيِّينَ الَّذِينَ يَصْرِفُونَ الْعِبَادَةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
ثَانِيّاً: كُتُبُ تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالِاعْتِقَادِ الْعَامِّ:
5. الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ: كَتَبَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ لِقَاضِي وَاسِطَ، وَهِيَ أَجْمَعُ كِتَابٍ مُوجَزٍ فِي تَقْرِيرِ مَذْهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مَعَ ذِكْرِ مَسَائِلِ الْإِيمَانِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَمَوَاقِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالْحُكَّامِ [4].
6. لُمْعَةُ الِاعْتِقَادِ الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ: لِلْإِمَامِ ابْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ، وَهِيَ رِسَالَةٌ مُبَارَكَةٌ تَقُومُ عَلَى إِثْبَاتِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَعَ الِاتِّبَاعِ وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ.
7. خُذْ عَقِيدَتَكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ: لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ جَمِيلٍ زِينُو، وَهُوَ كِتَابٌ مَعْصُورٌ فِي سُؤَالٍ وَجَوَابٍ، يُنَاسِبُ الْمُبْتَدِئَ جِدّاً لِوُضُوحِ عِبَارَتِهِ وَاخْتِصَارِهَا.
ثَالِثّاً: كُتُبُ أُصُولِ السُّنَّةِ وَالْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ:
8. أُصُولُ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: رِسَالَةٌ رَبَّانِيَّةٌ مُوجَزَةٌ تُمَثِّلُ خَطَّ الْفَصْلِ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ، وَتُبَيِّنُ أُصُولَ التَّلَقِّي وَمَوْقِفَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْفِتَنِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
9. شَرْحُ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ الْبَرْبَهَارِيِّ: كِتَابٌ عَالِي النَّبْرَةِ فِي صِيَانَةِ الْمُعْتَقَدِ، يُبَيِّنُ لِلطَّالِبِ مَعَالِمَ لُزُومِ الْجَمَاعَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشُّذُوذِ وَالْبِدَعِ الْمُحْدَثَةِ [5].
رَابِعاً: كُتُبُ الشُّرُوحِ الْمُيَسَّرَةِ الْمُعَاصِرَةِ:
10. التَّعْلِيقَاتُ الْمُخْتَصَرَةُ عَلَى الْمُتُونِ الْعَقَدِيَّةِ: مِثْلُ شُرُوحِ الشَّيْخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ بَازٍ، وَالشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينَ، وَالشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ فَوْزَانَ الْفَوْزَانِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ لِلْمُبْتَدِئِ أَنْ يَقْرَأَ الْمُتُونَ مُسْتَقِلّاً دُونَ الِاسْتِعَانَةِ بِفُهُومِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ.
________________________________________________________________________
[1] أَبُو بَكْرٍ خَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ، الْفَقِيهُ وَالْمُتَفَقِّهُ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمُجَلَّدُ 2، الصَّفْحَةُ 84، مَبْحَثُ «تَدْرِيجِ الْعِلْمِ وَتَقْدِيمِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ»، رَقْمُ الْأَثَرِ 721.
[2] أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ، سُنَنُ أَبِي دَاوُدَ، الْمَكْتَبَةُ الْعَصْرِيَّةُ، الْمُجَلَّدُ 4، الصَّفْحَةُ 239، كِتَابُ السُّنَّةِ، بَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِي الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ 4753.
[3] مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ، الْجَامِعُ الْمُسْنَدُ الصَّحِيحُ (صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، دَارُ طَوْقِ النَّجَاةِ، الْمُجَلَّدُ 8، الصَّفْحَةُ 121، كِتَابُ الِاسْتِئْذَانِ، بَابُ مَنْ نَاجَى بَيْنَ يَدَيِ النَّاسِ، وَمِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ: «حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً»، رَقْمُ الْحَدِيثِ 6261.
[4] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 3، الصَّفْحَةُ 129، مُقَدِّمَةُ «الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ».
[5] أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرْبَهَارِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 62، رَقْمُ الْأَثَرِ 18، مَبْحَثُ «أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ السُّنَّةُ وَالسُّنَّةَ هِيَ الْإِسْلَامُ».
■_______________________________35_________________________________________■
لِمَاذَا يَبْدَأُ طَالِبُ الْعِلْمِ بِـ (بِدَايَةٍ عَقَدِيَّةٍ)؟
[1] إِنَّ الْبِدَايَةَ بِتَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ وَتَأْصِيلِهَا هِيَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَأَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِبَقِيَّةِ الْعُلُومِ
[2] لِأَنَّ الْعَقِيدَةَ هِيَ الْأَسَاسُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَإِذَا صَحَّتِ الْعَقِيدَةُ قُبِلَ الْعَمَلُ، وَإِذَا فَسَدَتْ حَبِطَ الْعَمَلُ رَأْساً .
[3]وَقَدْ جَعَلَتْ مَنَصَّةُ "الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ" هَذَا الْمَسَارَ هُوَ الْبَابَ الْأَوَّلَ لِتَحْقِيقِ التَّصَفُّحِ الْعِلْمِيِّ الْبَنَّاءِ، وَتَلِيهِ مَسَارَاتُ التَّمْكِينِ ثُمَّ التَّخَصُّصِ.
الْمَسَارُ الْأَوَّلُ: بِدَايَةٌ عَقَدِيَّةٌ (التَّأْصِيلُ وَالْأَسَانِيدُ)
يَدْرُسُ الطَّالِبُ فِي هَذَا الْمَسَارِ طَرِيقَةً أَكَادِيمِيَّةً بَحْثِيَّةً مُيَسَّرَةً مُوَزَّعَةً فِي نِقَاطٍ وَفَوَائِدَ، وَيَنْقَسِمُ الْمَسَارُ إِلَى حُقْبَتَيْنِ:
الْحُقْبَةُ الْأُولَى:
■أَوَّلاً: كُرَّاسَةُ الْمَدْخَلِ إِلَى عِلْمِ مَبَادِئِ الْعَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ (لِمَا فِيهَا مِنْ مَبَادِئِ هَذَا الْعِلْمِ الْجَلِيلِ).
■ثَانِيّاً: رِسَالَةُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
■ثَالِثاً: رِسَالَةُ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ.
■رَابِعاً: رِسَالَةُ تَفْسِيرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
■خَامِساً: رِسَالَةُ شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
الْحُقْبَةُ الثَّانِيَةُ:
■سَادِساً: رِسَالَةُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ.
■سَابِعاً: رِسَالَةُ سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ.
■ثَامِناً: رِسَالَةُ سِتَّةِ أُصُولٍ عَقَدِيَّةٍ.
■تَاسِعاً: رِسَالَةُ الْجَامِعِ لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ.
■عَاشِراً: رِسَالَةُ مَا يُمَيِّزُ الْمُسْلِمَ عَنِ الْمُشْرِكِ.
نِظَامُ الِاجْتِيَازِ وَالْإِجَازَاتِ فِي الْمَسَارِ الْأَوَّلِ:
يَتَحَصَّلُ الطَّالِبُ فِي هَذَا الْمَسَارِ عَلَى نَوْعَيْنِ مِنَ الشَّهَادَاتِ عَبْرَ نِظَامٍ تَقْنِيٍّ مُحْكَمٍ:
1. إِجَازَةٌ فِي كُلِّ مَتْنٍ: بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنَ الِاخْتِبَارِ، يَنَالُ الطَّالِبُ إِجَازَةً بِالسَّنَدِ الْمُتَّصِلِ إِلَى الشَّيْخِ الْمُؤَلِّفِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
2. إِجَازَةٌ عِلْمِيَّةٌ عَلَى كَامِلِ الْمَسَارِ: وَلِأَجْلِ الْحُصُولِ عَلَيْهَا، يُشْتَرَطُ عَلَى الطَّالِبِ أَنْ يَعْقِدَ حَلَقَةَ تَدْرِيسٍ عَمَلِيَّةٍ يَقُومُ فِيهَا بِشَرْحِ مَتْنٍ مِنَ الْمُدَوَّنَةِ الَّتِي دَرَسَهَا لِطُلَّابِهِ، وَيَقُومُ بِتَصْوِيرِ هَذِهِ الْحَلَقَةِ وَتَصْوِيرِ اخْتِبَارِ طُلَّابِهِ، وَيُرْفَعُ كُلُّ ذَلِكَ عَبْرَ النِّظَامِ التَّقْنِيِّ لِلْمَنَصَّةِ كَشَرْطٍ لِلتَّخَرُّجِ.
■تَتِمَّةُ مَسَارِ الْبِدَايَةِ الْعَقَدِيَّةِ (الْحُقْبَتَانِ الثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ)
قَبْلَ الِانْتِقَالِ إِلَى التَّمْكِينِ، يُكْمِلُ الطَّالِبُ بَقِيَّةَ مَوَادِّ الْبِدَايَةِ عَبْرَ حُقْبَتَيْنِ مُتَمِّمَتَيْنِ:
●الْحُقْبَةُ الثَّالِثَةُ:
■رِسَالَةُ أُصُولِ الْإِسْلَامِ.
■رِسَالَةُ فَضْلِ الْإِسْلَامِ.
■رِسَالَةُ مَا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا إِذَا مَا أَمَرَ اللَّهُ أَمْراً.
■رِسَالَةُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ.
●الْحُقْبَةُ الرَّابِعَةُ:
■رِسَالَةُ الْقَوْلِ السَّدِيدِ فِي مَعَالِمِ التَّوْحِيدِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْوَصَّابِيِّ الْيَمَنِيِّ.
■التَّفْسِيرُ الْعَقَدِيُّ لِقِصَارِ السُّوَرِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ.
■عَقِيدَةُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (الرِّسَالَةُ الْمُسَمَّاةُ إِلَى أَهْلِ الْقَصِيمِ).
■كِتَابُ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلدُّكْتُورِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ.
●الْمَسَارُ الثَّانِي: التَّمْكِينُ الْعَقَدِيُّ (التَّعَمُّقُ وَالِاسْتِدْلَالُ)
يَنْتَقِلُ الطَّالِبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّمْكِينِ، وَتَتَكَوَّنُ مِنْ خَمْسِ حُقَبٍ عِلْمِيَّةٍ صَارِمَةٍ:
●الْحُقْبَةُ الْأُولَى:
■رِسَالَةُ وُجُوبِ تَوْحِيدِ اللَّهِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ.
■أُصُولُ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
■الْقَصِيدَةُ الْحَائِيَّةُ لِابْنِ أَبِي دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيِّ.
●الْحُقْبَةُ الثَّانِيَةُ:
■رِسَالَةُ تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ الْمُفِيدِ لِلْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ الْمَقْرِيزِيِّ.
■كِتَابُ اِعْتِقَادِ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ لِلْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ.
■كِتَابُ الْإِيمَانِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَاسِمٍ.
●الْحُقْبَةُ الثَّالِثَةُ:
■رِسَالَةُ الِاقْتِصَادِ فِي الِاعْتِقَادِ لِلْإِمَامِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيِّ.
■لُمْعَةُ الِاعْتِقَادِ الْهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ لِابْنِ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيِّ.
■الْعَقِيدَةُ الْوَاسِطِيَّةُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ.
●الْحُقْبَةُ الرَّابِعَةُ:
■صَرِيحُ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.
■عَقِيدَةُ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ (مُقَدِّمَةُ الرِّسَالَةِ).
■كِتَابُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعَبِيدِ لِلْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ (مَعَ بَقِيَّةِ الْكُتُبِ الْمُقَرَّرَةِ فِي هَذِهِ الْحُقْبَةِ).
●الْحُقْبَةُ الْخَامِسَةُ
(الْمَنْهَجُ وَالْفِرَقُ قَدِيماً وَحَدِيثاً)تُعْنَى هَذِهِ الْحُقْبَةُ بِتَحْصِينِ النَّاشِئَةِ مَنْهَجِيّاً وَمَعْرِفَةِ مَوَاطِنِ الِافْتِرَاقِ:
■دِرَاسَةُ كِتَابِ أُصُولِ أهل السُّنَّةِ والجماعة .
■كِتَابُ مُعَامَلَةِ الْحُكَّامِ فِي ضَوْءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ بَرْجِسَ.
■دِرَاسَةُ الْفِرَقِ قَدِيماً وَحَدِيثاً: وَهِيَ دِرَاسَةٌ مَوْضُوعِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ، يَقِفُ فِيهَا الطَّالِبُ عَلَى مَوَاطِنِ الشَّطَطِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ تِلْكَ الْفِرَقُ، وَتَبْيِينِ مُخَالَفَاتِهِمْ وَبِدَعِهِمُ الَّتِي خَالَفُوا فِيهَا صِرَاطَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَتَّى يَحْذَرَهَا الطَّالِبُ وَيَرُدَّ عَلَيْهَا بِعِلْمٍ وَبَصِيرَةٍ [3].
■الْمَسَارُ الثَّالِثُ: التَّخَصُّصُ الْعَقَدِيُّ (مَرْحَلَةُ الْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ)
بَعْدَ فَرَاغِ الطَّالِبِ مِنْ مَسَارَيِ الْبِدَايَةِ وَالتَّمْكِينِ، يَلِجُ بَابَ التَّخَصُّصِ الْعَقَدِيِّ، وَهُوَ مَسَارٌ مُسْتَقِلٌّ يَحْتَوِي عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُطَوَّلَاتِ فِي عِلْمِ الِاعْتِقَادِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ (كَالتَّدْمُرِيَّةِ، وَالْحَمَوِيَّةِ، وَالطَّحَاوِيَّةِ، وَمِنْهَاجِ السُّنَّةِ)، لِيَتَخَرَّجَ الطَّالِبُ بَاحِثاً مُتَخَصِّصاً رَاسِخَ الْقَدَمِ فِي بَابِ الْمُعْتَقَدِ.
___________________________________________________________________________
[1] أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ، الْإِبَانَةُ عَنْ شَرِيعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، دَارُ الرَّايَةِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 210، كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ الْأَثَرِ 45.
[2] أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، مَجْمَعُ الْمَلِكِ فَهْدٍ لِطِبَاعَةِ الْمُصْحَفِ الشَّرِيفِ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 24، مَبْحَثُ «حَاجَةِ الْعِبَادِ إِلَى الرِّسَالَةِ وَتَصْحِيحِ الْمُعْتَقَدِ».
[3] أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَرْبَهَارِيُّ، شَرْحُ السُّنَّةِ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، الْمُجَلَّدُ 1، الصَّفْحَةُ 85، رَقْمُ الْأَثَرِ 112، مَبْحَثُ «الْحَذَرِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَمَعْرِفَةِ أُصُولِ ضَلَالِهِمْ».
__________________________________36__________________________________________
أَوَّلًا: النَّتَائِجُ (النَّتَائِجُ الْعِلْمِيَّةُ لِلْبَحْثِ)
أَصَالَةُ الْمَعْتَقَدِ: إِنَّ عَقِيدَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُسْتَمَدَّةَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ هِيَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ لِقَبُولِ جَمِيعِ الْأَعْمَالِ.
أَهَمِّيَّةُ التَّوْحِيدِ: التَّوْحِيدُ بِأَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ هُوَ الْغَايَةُ الْأَسَاسِيَّةُ مِنْ خَلْقِ الْخَلْقِ، وَعَلَيْهِ تَدُورُ صَلَاحِيَّةُ الدَّارَيْنِ.
تَقَدُّمُ الْعِلْمِ: تَقَرَّرَ عِلْمِيًّا أَنَّ "الْعِلْمَ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ"، فَلَا يَصِحُّ أَيْ مَسْلَكٍ تَعَبُّدِيٍّ أَوْ سُلُوكِيٍّ بِلَا بَصِيرَةٍ شَرْعِيَّةٍ.
مَحْوَرِيَّةُ الْأَدَبِ: الْأَدَبُ هُوَ حِلْيَةُ طَالِبِ الْعِلْمِ وَوِعَاؤُهُ، وَبِدُونِهِ يَتَحَوَّلُ الْعِلْمُ إِلَى حُجَّةٍ عَلَى صَاحِبِهِ وَسَبَبٍ لِلْكِبْرِ.
حَتْمِيَّةُ الْمُتَابَعَةِ: لَا نَجَاةَ إِلَّا بِتَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ لِلْمَعْصُومِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَبْذِ الْمُحْدَثَاتِ وَالْبِدَعِ كُلِّهَا.
ثَمَرَةُ الْعِلْمِ: الْعَمَلُ بِالْعِلْمِ هُوَ الثَّمَرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ لِلطَّلَبِ، وَالْعِلْمُ بِلَا عَمَلٍ كَشَجَرٍ بِلَا ثَمَرٍ.
ضَرُورَةُ الصَّبْرِ: الصَّبْرُ هُوَ الْحِصْنُ الْخَاصُّ بِالطَّالِبِ؛ لِيَحْتَمِلَ لَأْوَاءَ الطَّلَبِ، وَمَشَقَّةَ الْعَمَلِ، وَأَذَى الدَّعْوَةِ.
شُمُولِيَّةُ الْمَنْهَجِ: الْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَسَائِلَ جَافَّةٍ، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ مُتَكَامِلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ صِحَّةِ الْعَقِيدَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ.
بَرَكَةُ التَّأَسِّي: الِاقْتِدَاءُ بِالسَّلَفِ الصَّالِحِ فِي طَرِيقَةِ تَعَلُّمِهِمْ (تَقْدِيمُ الْأَدَبِ عَلَى الْعِلْمِ) هُوَ السَّبِيلُ لِإِعَادَةِ الْبَرَكَةِ لِلْمَجَالِسِ الْعِلْمِيَّةِ.
الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ: تَبَيَّنَ أَنَّ الْوُصُولَ لِمَرْتَبَةِ الْهِدَايَةِ وَالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ مَشْرُوطٌ بِاجْتِمَاعِ الصَّبْرِ مَعَ الْيَقِينِ.
ثَانِيًا: التَّوْصِيَاتُ
الْعِنَايَةُ بِالتَّوْحِيدِ: نُوصِي طَلَبَةَ الْعِلْمِ بِاسْتِدَامَةِ مُدَارَسَةِ كُتُبِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ النَّقِيَّةِ وَتَعْلِيمِهَا لِلْعَامَّةِ.
التَّلَازُمُ بَيْنَ الْأَدَبِ وَالْعِلْمِ: نُوصِي الْمُؤَسَّسَاتِ الْعِلْمِيَّةَ بِإِدْرَاجِ مَادَّةِ "أَدَبِ الطَّلَبِ" كَمَادَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ قَبْلَ الْبَدْءِ فِي الْمُتُونِ الْعِلْمِيَّةِ.
لُزُومُ الْإِخْلَاصِ: نُوصِي أَنْفُسَنَا وَإِخْوَانَنَا بِتَعَاهُدِ النِّيَّةِ وَتَطْهِيرِ الْقَلْبِ مِنَ الرِّيَاءِ وَحُبِّ الظُّهُورِ.
تَطْبِيقُ السُّنَّةِ: نُوصِي بِالْحِرْصِ عَلَى تَطْبِيقِ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ فِي دَقِيقِ الْأَمْرِ وَجَلِيلِهِ لِتَحْقِيقِ الْمُتَابَعَةِ الصَّادِقَةِ.
الْقَرْنُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ: نُوصِي بِأَلَّا يَتَعَلَّمَ الطَّالِبُ مَسْأَلَةً إِلَّا وَيَسْعَى لِلْعَمَلِ بِهَا لِتَثْبُتَ فِي صَدْرِهِ.
التَّحَلِّي بِالصَّبْرِ: نُوصِي بِتَرْبِيَةِ النَّفْسِ عَلَى النَّفَسِ الطَّوِيلِ فِي تَحْصِيلِ الْعِلْمِ وَعَدَمِ الْعَجَلَةِ فِي قِطَافِ الثَّمَرَةِ.
تَوْقِيرُ الْعُلَمَاءِ: نُوصِي الطَّلَبَةَ بِالْتِزَامِ الْأَدَبِ مَعَ الشُّيُوخِ وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَأَخْذِ الْعِلْمِ عَنْهُمْ مُشَافَهَةً.
الْحَذَرُ مِنَ التَّصَدُّرِ: نُوصِي بَعَدَمِ التَّصَدُّرِ لِلْفَتْوَى أَوِ التَّعْلِيمِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ وَشَهَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْطَّالِبِ بِذَلِكَ.
الِاعْتِصَامُ بِالْجَمَاعَةِ: نُوصِي بِالنَّأْيِ عَنِ الْفُرْقَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ الْمَذْمُومَةِ، وَلُزُومِ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي جَمْعِ الْكَلِمَةِ.
النَّشْرُ وَالدَّعْوَةُ: نُوصِي بِاسْتِغْلَادِ الْوَسَائِلِ الْحَدِيثَةِ فِي نَشْرِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ وَآدَابِ الشَّرِيعَةِ بِرِفْقٍ وَحِكْمَةٍ.
الْخَاتِمَةُ
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، فِي سَاعَةِ الِاسْتِوَاءِ صَبَاحًا، مِنْ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ.
التَّارِيخُ الْهِجْرِيُّ: 16 ذُو الْحِجَّةِ 1447 هـ
التَّارِيخُ الْمِيلَادِيُّ: 02 / 06 / 2026 م
وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
______________________________
فِهْرِسُ الْمَوْضُوعَاتِ
__________________________________________
- [ص 1] خُطْبَةُ الْحَاجَةِ وَالثَّنَاءُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَسْأَلَةُ الْقَدَرِ.
- [ص 2] شَهَادَةُ التَّوْحِيدِ وَآيَاتُ التَّقْوَى وَالْتَّحْذِيرُ مِنَ الْبِدَعِ.
- [ص 3] مَبَادِئُ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَأَهَمِّيَّةُ الْمُقَدِّمَاتِ الْعِلْمِيَّةِ.
- [ص 4] تَعْرِيفُ عِلْمِ الْعَقِيدَةِ وَتَرْتِيبُ مَقَامَاتِ السُّلُوكِ.
- [ص 5] الرَّبْطُ الْمَنْهَجِيُّ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالصَّبْرِ.
- [ص 6] تَعْرِيفُ الْعَقِيدَةِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا وَمَكَانَتُهَا فِي الدِّينِ.
- [ص 7] حُكْمُ تَعَلُّمِ الْعَقِيدَةِ وَأَثَرُهَا فِي قَبُولِ الْأَعْمَالِ.
- [ص 8] عَلَاقَةُ سَلَامَةِ الْمُعْتَقَدِ بِالنَّجَاةِ وَتَحْقِيقِ الْأَمْنِ.
- [ص 9] مَفْهُومُ التَّوْحِيدِ وَتَقْرِيرُ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَأَدِلَّتِهِ.
- [ص 10] تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ وَشُرُوطُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ السَّبْعَةِ.
- [ص 11] تَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالتَّلَازُمِ بَيْنَ أَقْسَامِ التَّوْحِيدِ.
- [ص 12] مَفْهُومُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالتَّعْرِيفُ الزَّمَنِيُّ وَالْمَنْهَجِيُّ لِالسَّلَفِ.
- [ص 13] أَدِلَّةُ وُجُوبِ اتِّبَاعِ الصَّحَابَةِ وَفَهْمِ السَّلَفِ مِنَ الْوَحْيَيْنِ.
- [ص 14] خَصَائِصُ مَنْهَجِ السَّلَفِ وَالرَّدُّ عَلَى شُبُهَاتِ خُصُومِهِمْ.
- [ص 15] قَوَاعِدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (قَاعِدَةُ الْإِثْبَاتِ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ).
- [ص 16] قَوَاعِدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (قَاعِدَةُ التَّنْزِيهِ بِلَا كَيْفٍ).
- [ص 17] الْفُرُوقُ الْمَنْهَجِيَّةُ بَيْنَ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْمَذَاهِبِ الْكَلَامِيَّةِ.
- [ص 18] حَقِيقَةُ الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ وَشُرُوطُ قَبُولِ الْعَمَلِ.
- [ص 19] خَطَرُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ وَضَابِطُ تَعْرِيفِ الْبِدْعَةِ.
- [ص 20] حُجِّيَّةُ الدَّلِيلِ وَقَاعِدَةُ تَقْدِيمِ النَّقْلِ عَلَى الْعَقْلِ.
- [ص 21] مَوْقِفُ السَّلَفِ مِنْ أَقْوَالِ الرِّجَالِ وَذَمِّ التَّعَصُّبِ.
- [ص 22] تَقْرِيرُ قَاعِدَةِ الْأَئِمَّةِ: (إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي).
- [ص 23] فِقْهُ تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ (بَابُ الْعِلْمُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ).
- [ص 24] أَدِلَّةُ تَقَدُّمِ الْعِلْمِ وَمَفَاسِدُ الْعَمَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
- [ص 25] خَطَرُ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَمَقَامُهُ الشَّرْعِيُّ.
- [ص 26] مَفْهُومُ الْأَدَبِ الشَّرْعِيِّ وَإِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِي الطَّلَبِ.
- [ص 27] الْأَدَبُ مَعَ النَّبِيِّ وَتَعْظِيمِ السُّنَّةِ عِنْدَ السَّلَفِ.
- [ص 28] آدَابُ الطَّالِبِ مَعَ شَيْخِهِ وَحُقُوقُ الْمُعَلِّمِ.
- [ص 29] أَدَبُ الطَّالِبِ مَعَ الْقُرَنَاءِ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ آفَاتِ الطَّلَبِ.
- [ص 30] ارْتِبَاطُ الْعِلْمِ بِالْعَمَلِ وَذَمُّ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ.
- [ص 31] الْوَعِيدُ الشَّرْعِيُّ لِتَرْكِ الْعَمَلِ وَأَثَرُ الْعَمَلِ فِي التَّثْبِيتِ.
- [ص 32] تَعْرِيفُ الصَّبْرِ وَأَنْوَاعُهُ وَمَشَاقُّ تَحْصِيلِ الْعِلْمِ.
- [ص 33] الصَّبْرُ عَلَى الدَّعْوَةِ وَتَبْلِيغِ الْعِلْمِ وَتَحَمُّلِ الْأَذَى.
- [ص 34] الْخَاتِمَةُ وَاسْتِعْرَاضُ النَّتَائِجِ الْعِلْمِيَّةِ لِلْبَحْثِ.
- [ص 35] التَّوْصِيَاتُ الْمَنْهَجِيَّةُ لِلطُّلَّابِ وَتَوْثِيقُ الْفَرَاغِ مِنَ الْكِتَابِ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق