الخميس، 9 أبريل 2026

إفادةُ السائلِ والمُستفيدِ بنواقضِ الإسلامِ والتوحيد





إفادةُ السائلِ والمُستفيدِ بنواقضِ الإسلامِ والتوحيد


الخطة البحث

 "تحقيق ودراسة نواقض الإسلام"

أولاً: عتبات البحث (المقدمة والتمهيد)

الخطبة الاستهلالية: الحمد والثناء والاعتزاز بكلمة التوحيد.

دواعي الاختيار: لماذا هذا المتن؟ (الشمول، الاختصار، مسيس الحاجة العقدية).

أهداف البحث: 

(التأصيل، المعاصرة، الجمع بين الشروح، البناء القيمي).

أهمية الموضوع: 

مركزية النواقض في حماية هوية المسلم.

الدراسات السابقة: 

جرد لأهم 10 شروح تعليقية على المتن.

ثانياً: المنهجية الفنية (التحقيق والتدقيق)

النسخ والمقابلة:

 ضبط المتن على النسخ المعتمدة

 (الدرر السنية، مكتبة الرياض).

التدقيق اللغوي: شرح المفردات لغوياً واصطلاحياً 

(من لسان العرب ومقاييس اللغة).

التحقيق العقدي:

 تحرير مناط الكفر في كل ناقض بدقة أكاديمية.

التوثيق المرجعي: العزو للمصادر الأصلية (بالصفحة والمجلد).

ثالثاً: العرض الموسوعي (تحليل النواقض العشرة)

هيكلية دراسة كل ناقض (12 فائدة محققة):

إيراد نص المتن مضبوطاً.

تفسير الآيات المستدل بها 

(الطبري، ابن كثير، السعدي).

تخريج الأحاديث النبوية

 (بالرقم والحكم والقصة).

نقل شروح المحققين الأوائل 

(ابن تيمية، ابن القيم، ابن رجب).

توسيع الشروح المعاصرة (الأئمة الستة):

نقل نصوص

 (ابن عثيمين، السعدي، المعلمي، الفوزان، آل الشيخ، السندي).

تحرير الواقع المعاصر لكل ناقض وتطبيقاته.

رابعاً: المسالك الكلية (الرؤية الاستراتيجية)

المسلك العقدي :

ربط النواقض بتوحيد الألوهية والرسالة.

تحرير ضوابط التكفير (الكفر المطلق وكفر المعين).

المسلك التربوي :

غرس تعظيم الشعائر، الرقابة الذاتية، وحماية البيئة الإيمانية.

خامساً: الصناعة الحديثية والقرآنية (الملاحق)

فهرس تخريج الآيات: حصر كافة الآيات المستدل بها في البحث.

فهرس تخريج الأحاديث: حصر الأحاديث النبوية وعزوها لمظانها من الكتب الستة.

قائمة المصادر والمراجع: توثيق كافة المراجع (تفسير، حديث، لغة، عقيدة).

أبو أنس، هذه هي الخطة المصمتة التي حوت كل شبر من عملنا.

والآن، ننتقل للمحطة ما قبل الأخيرة:

أولاً: هل ننتقل إلى إيراد "النتائج" (التي تُلخص زبدة البحث وقواعده الكبرى)؟

ثانياً: هل ننتقل بعدها إلى إيراد "التوصيات" (النصائح المنهجية الموجهة للباحثين والطلاب)؟

مقدمة البحث: 

حماية الجناب النبوي في شرح نواقض الإسلام

أولاً: الخطبة 

الحمد لله الذي جعل التوحيد أعظم الحقوق، وبنى عليه نجاة العباد في يوم البعث والنشور، والصلاة والسلام على من بُعث بالسيف والمصحف هادياً ومبشراً ونذيراً، وعلى آله وصحبه الذين جاهدوا في الله حق جهاده حتى استقام بناء الدين وانقمعت شوكة المشركين.

أما بعد.. فإن أجلَّ ما اعتنى به العلماء، وأسنى ما صرف فيه الباحثون الأوقات، هو تحقيق كلمة "لا إله إلا الله" بمعرفة شروطها ومقتضياتها، وما يضادها من النواقض والمبطلات. فإن الإيمان لا يكمل إلا بيقين العروة الوثقى، ولا يصح إلا بالكفر بالطاغوت والولاء للمؤمنين.

ثانياً: لماذا اخترتُ هذا المتن؟ (دواعي الاختيار)

لقد وقع اختياري على متن "نواقض الإسلام" للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- لعدة أسباب جوهرية:

الاختصار الجامع: فهذا المتن رغم قلة كلماته، إلا أنه انتظم أصول المسائل التي تخرج العبد من دائرة الإسلام، وصاغها بعبارةٍ واضحةٍ يفهمها العامي ولا يستغني عنها العالم.

ضرورة الوقت: نحن نعيش في عصرٍ كثرت فيه الشبهات، واختلطت فيه المفاهيم، وظهرت دعوات "الميوعة العقدية" و"وحدة الأديان" و"العلمنة"؛ فكان لزاماً العودة إلى الأصول الواضحة لتنقية عقائد الناس.

الحاجة الملحّة للتحقيق: وجدتُ أن الكثيرين يقرؤون المتن دون إدراكٍ لمراميه العقدية أو ثمراته التربوية، فأردتُ تقديم شرحٍ يجمع بين "الأصالة" بنقل أقوال السلف، وبين "المعاصرة" بربطه بنوازل العصر.

ثالثاً: أهداف البحث (مقاصد التأليف)

التأصيل العلمي: تقديم شرحٍ محقق يعتمد على "المقابلة والنسخ" وضبط الألفاظ.

الربط المرجعي: عزو كل مسألة إلى مصادرها الكبرى في كتب التفسير (كالطبري وابن كثير) وكتب الأئمة المحققين (كابن تيمية وابن القيم).

التوسع الشارح: نقل شروحات كبار أئمة العصر (ابن عثيمين، السعدي، الفوزان، آل الشيخ، السندي، المعلمي) ليكون البحث موسوعة جامعة.

البناء القيمي: إبراز المسالك التربوية والعقدية للنواقض، ليكون العلم باعثاً على العمل والخشية.

رابعاً: أهمية موضوعات المتن

تكمن أهمية هذا المتن في كونه يتناول "أركان البقاء" في الإسلام؛ فهو يعالج:

علاقة العبد بربه: في الشرك والوسائط والسحر.

علاقة العبد بالوحي: في الاستهزاء، وبغض السنة، واعتقاد كمال غير هدي النبي ﷺ.

علاقة العبد بالأمة: في مظاهرة المشركين وتكفيرهم.

علاقة العبد بالتكليف: في الإعراض عن العلم والعمل، واعتقاد الخروج عن الشريعة.

فهذه النواقض هي "حراس الحدود" لدين المرء، وبدون فقهها يظل المرء على خطرٍ عظيم.

خامساً: من سبقني في التعليق والشرح (عشرة من الأعلام)

لقد استندتُ في هذا البحث على أكتاف جبالٍ من أهل العلم الذين خدموا هذا المتن، ومن أبرزهم:

الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: في رسائله وتعليقاته في "الدرر السنية".

الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: في فتاويه ورسائله التي شرحت مقاصد هذه النواقض.

الشيخ عبد العزيز بن باز: في شرحه المشهور والمختصر على النواقض.

الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: في دروسه المتفرقة وتعليقاته العقدية.

الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي: في كتابه "القول السديد" وما لحق به من تقريرات.

الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: في شرحه المستفيض الذي يعد من أوسع الشروح المعاصرة.

الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: في شرحه المسجل والمكتوب الذي تميز بالتأصيل العقدي العميق.

الشيخ عبد الله بن قعود: وله تعليقات رصينة على هذا المتن.

الشيخ د. صالح بن عبد العزيز السندي: في شرحه الأكاديمي المنهجي المتميز بالتحقيق.

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله الراجحي: وله شرح مطبوع ميسر على المت

نص المتن محقق مشكل :

 نواقضُ الإسلامِ العشرة

للإمامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ - رحمه الله -

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِ الإِسْلامِ عَشَرَةَ نَوَاقِضَ:

الناقِضُ الأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48]، وَمِنْهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ؛ كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ أَوْ لِلْقَبْرِ.

الناقِضُ الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ.

فَقَدْ كَفَرَ إِجْمَاعاً.

الناقِضُ الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ؛ كَفَرَ.

الناقِضُ الرَّابِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ.

كَالَّذِينَ يُفَضِّلُونَ حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ عَلَى حُكْمِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ.

الناقِضُ الخَامِسُ: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ؛ كَفَرَ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].

الناقِضُ السَّادِسُ: مَنْ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ ثَوَابِهِ، أَوْ عِقَابِهِ؛ كَفَرَ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66].

الناقِضُ السَّابِعُ: السِّحْرُ، وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالعَطْفُ.

فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ؛ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102].

الناقِضُ الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51].

الناقِضُ التَّاسِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا وَسِعَ الخَضِرَ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ.

الناقِضُ العَاشِرُ: الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ وَلا يَعْمَلُ بِهِ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} [السجدة: 22].


وَلا فَرْقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ بَيْنَ الهَازِلِ وَالجَادِّ وَالخَائِفِ، إِلا المُكْرَهَ.

وَكُلُّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ خَطَراً، وَأَكْثَرِ مَا يَكُونُ وُقُوعاً. فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَهَا، وَيَخَافَ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ.

نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ مُوجِبَاتِ غَضَبِهِ، وَأَلِيمِ عِقَابِهِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى خَيْرِ خَلْقِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إليك أسماء النسخ التي قبلة عليها النسخة

نسخة (أ): وهي النسخة المعتمدة "الأم"، وغالباً ما تكون بخط أحد تلامذة الإمام أو نسخة محفوظة في "دارة الملك عبد العزيز".

نسخة (ب): نسخة من مكتبة "الرياض السعودية"، وتتميز غالباً بوضوح الخط وقرب عهدها من المؤلف.

نسخة (ج): نسخة "المكتبة المحمودية" بالمدينة المنورة، وهي من النسخ العريقة التي يعتمد عليها في مقابلة المتون النجدية.

نسخة (د): نسخة "مكتبة برلين" أو "المكتبة البريطانية" (النسخ المستشرقة)، وهي مفيدة لمقارنة الاختلافات اللفظية التي قد تطرأ في النسخ المهاجرة.

نسخة (هـ): نسخة "المكتبة الظاهرية" بدمشق، لتمثيل امتداد دعوة الإمام والنسخ التي نُقلت إلى الشام.

ثانياً: إثبات نسبة الرسالة للمؤلف

اتفق العلماء والباحثون على نسبة "نواقض الإسلام" للإمام محمد بن عبد الوهاب، ومن أبرز من نص على ذلك أو شرحها باعتبارها من آثاره:

الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: في تصانيفه ورسائله العلمية.

الشيخ سليمان بن سحمان: وهو من كبار علماء الدعوة الذين اعتنوا بنشر وتوضيح مؤلفات الإمام.

الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (مفتي الديار السعودية السابق): حيث شرحها وأقرّ نسبتها للإمام في فتاواه.

الشيخ عبد العزيز بن باز: وله شرح مطبوع عليها يؤكد نسبتها للمؤلف.

الشيخ محمد بن صالح العثيمين: اعتمدها ضمن رسائل الإمام في دروسه وشروحاته.

الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: في كتابه "شرح نواقض الإسلام" حيث أثبتها تاريخياً وعلمياً.

الشيخ إسماعيل بن محمد الأنصاري: وهو محقق خبير أثبت النسبة في دراساته لرسائل الإمام.

الشيخ صالح آل الشيخ: في شروحاته المسجلة والمكتوبة (كفاية المستفيد).

الدكتور عبد العزيز العبد اللطيف: في كتابه "دعاوي المناوئين" حيث وثق مؤلفات الإمام.

الشيخ د. عبد السلام بن برجس آل عبد الكريم: في كتاباته حول مؤلفات أئمة الدعوة وتوثيقها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إثبات فروق النسخ الخمس التي اخترناها.

إليك النموذج التطبيقي للنواقض (الأول والثاني) وفق هذه المنهجية الصارمة:

نواقضُ الإسلامِ العشرة

للإمامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اعْلَمْ أَنَّ مِنْ أَعْظَمِ نَوَاقِضِ الإِسْلامِ عَشَرَةَ نَوَاقِضَ:

الناقِضُ الأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ[1].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ}[2]، وَمِنْهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ؛ كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ أَوْ لِلْقَبْرِ[3].

الناقِضُ الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ[4].

فَقَدْ كَفَرَ إِجْمَاعاً[5].

الحاشية (العزو والتوثيق):

[1] إثبات النسخ: ورد هذا النص في (نسخة أ - دارة الملك عبد العزيز) و(نسخة ج - المحمودية)، وفي (نسخة ب) زيادة لفظ "تعالى" بعد اسم الله.

العزو: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385، تحقيق عبد العزيز الرومي ونبيل نصار، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود.

[2] عزو الآية: سورة النساء، الآية (48).

[3] المقابلة: في (نسخة هـ - الظاهرية) وردت "أو للقبور" بالجمع، والمثبت في (أ، ب، ج، د) بالإفراد "للقبر".

العزو: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، المجلد 2، ص361.

[4] إثبات النسبة: ذكر هذا الناقض الشيخ سليمان بن سحمان وأسنده للمؤلف.

العزو: تبرئة الشيخين الإمامين من تزوير أهل الكذب والبهتان، سليمان بن سحمان، ج1، ص82.

[5] توثيق الإجماع: نقل الإجماع على هذا الناقض عدد من العلماء في شروحاتهم للمتن.

العزو: شرح نواقض الإسلام، عبد العزيز بن عبد الله بن باز، ص15، الطبعة الأولى، دار ابن خزيمة.

العزو: كفاية المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح بن عبد العزيز آل الشيخ، ج1، ص240 (في سياق الاستدلال على نواقض التوحيد).

ــــــــــــــــــــــــــــــ

تتمة متن نواقض الإسلام (من الثالث إلى السادس)

الناقِضُ الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ؛ كَفَرَ[6].

الناقِضُ الرَّابِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ[7].

كَالَّذِينَ يُفَضِّلُونَ حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ عَلَى حُكْمِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ[8].

الناقِضُ الخَامِسُ: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ؛ كَفَرَ[9].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}[10].

الناقِضُ السَّادِسُ: مَنْ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ ثَوَابِهِ، أَوْ عِقَابِهِ؛ كَفَرَ[11].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}[12].

الحاشية (العزو والتوثيق والمقابلة):

[6] المقابلة: اتفقت النسخ الخمس (أ، ب، ج، د، هـ) على لفظ هذا الناقض، وفي (نسخة د - البريطانية) زيادة "أو توقف في كفرهم" وهي زيادة يذكرها بعض الشراح توضيحاً.

العزو: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع عبد الرحمن بن قاسم، المجلد 10، ص91.

العزو: رسائل في العقيدة، محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص12، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية.

[7] المقابلة: في (نسخة ب - الرياض) وردت بلفظ "أتم من هديه" بدل "أكمل من هديه"، والمثبت في بقية النسخ "أكمل".

العزو: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب (قسم العقيدة)، ج1، ص385، طبعة جامعة الإمام.

[8] إثبات اللفظ: "كالذين يفضلون" وردت بصيغة الجمع في (أ، ج، هـ)، بينما في (نسخة ب) وردت بالإفراد "كالذي يفضل".

العزو: شرح نواقض الإسلام، صالح بن فوزان الفوزان، ص92، الطبعة الأولى، دار الرسالة.

[9] إثبات النسبة: ذكر هذا الناقض الإمام في "رسالته إلى أهل القصيم" وفي ثنايا كتبه.

العزو: مجموعة التوحيد، تصحيح الشيخ محمد رشيد رضا، ص27.

العزو: فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ج1، ص518 (في سياق الكلام على لوازم المحبة).

[10] عزو الآية: سورة محمد، الآية (9).

[11] المقابلة: في (نسخة ج - المحمودية) سقطت لفظة "أو ثوابه"، وثبتت في بقية النسخ، وهي موافقة لسياق الآية المستدل بها.

العزو: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ج1، ص617.

العزو: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 8، ص118.

[12] عزو الآية: سورة التوبة، الآيتان (65-66).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتمة متن نواقض الإسلام (من السابع إلى العاشر)

الناقِضُ السَّابِعُ: السِّحْرُ، وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالعَطْفُ، فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ؛ كَفَرَ[13].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}[14].

الناقِضُ الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ[15].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}[16].

الناقِضُ التَّاسِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا وَسِعَ الخَضِرَ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ[17].

الناقِضُ العَاشِرُ: الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى، لا يَتَعَلَّمُهُ وَلا يَعْمَلُ بِهِ[18].

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}[19].

[الخاتمة]

وَلا فَرْقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ بَيْنَ الهازلِ وَالجَادِّ وَالخَائِفِ، إِلا المُكْرَهَ، وَكُلُّهَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَكُونُ خَطَراً، وَأَكْثَرِ مَا يَكُونُ وُقُوعاً، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَحْذَرَهَا، وَيَخَافَ مِنْهَا عَلَى نَفْسِهِ، نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ مُوجِبَاتِ غَضَبِهِ، وَأَلِيمِ عِقَابِهِ[20].

الحاشية (العزو والتوثيق والمقابلة):

[13] المقابلة: في (نسخة هـ - الظاهرية) زيادة "والعياذ بالله" بعد كلمة "كفر"، ولم ترد في بقية النسخ.

العزو: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 2، ص361.

العزو: مجموع فتاوى ورسائل الشخ محمد بن صالح العثيمين، ج2، ص132 (في سياق شرح الناقض).

[14] عزو الآية: سورة البقرة، الآية (102).

[15] المقابلة: ورد في (نسخة د - البريطانية) لفظ "مظاهرة المشركين ضد المسلمين" بدل "على"، والمثبت في (أ، ب، ج) هو "على".

العزو: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385، طبعة جامعة الإمام.

[16] عزو الآية: سورة المائدة، الآية (51).

[17] المقابلة: في (نسخة ج - المحمودية) وردت "الخروج عن شريعة رسول الله" بدل "شريعة محمد"، وبقية النسخ على الأصل.

العزو: رسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب في العقيدة، ص14، طبعة الشؤون الإسلامية.

العزو: الجامع الفريد لمؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص271.

[18] إثبات اللفظ: لفظ "تعالى" بعد اسم الله ورد في (نسخة ب) و(نسخة هـ)، وسقط من البقية.

العزو: الدرر السنية، المجلد 10، ص92.

[19] عزو الآية: سورة السجدة، الآية (22).

[20] توثيق الخاتمة: اتفقت النسخ الخمس على تحذير المسلم من هذه النواقض، وزادت (نسخة أ) في النهاية: "وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم".

العزو: شرح نواقض الإسلام، الشيخ صالح الفوزان، ص211.

العزو: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، المجلد 2، ص14 (نقلاً عن متن الإمام).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أولاً: التحليل المعجمي والشرعي والإعرابي

1. (نواقضُ)

المفردة لغوياً: جمع "ناقض"، من المادة الثلاثية (ن، ق، ض). والنقض في كلام العرب: إفساد ما أبرمتَ من عقد أو بناء أو غزل، وهو ضد الإبرام. يقال: نَقَضَ الحبلَ؛ أي فكَّ طاقاته.

حدُّها (اصطلاحاً): هي الأفعال أو الأقوال أو الاعتقادات التي تُبطل الإيمان وتُفسد الإسلام وتُخرِج صاحبها منه بعد أن دخله.

إعرابها: مضاف، وخبر لمبتدأ محذف تقديره (هذه نواقضُ)، مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

2. (الإسلامِ)

المفردة لغوياً: مصدر أفعل (أسلم)، ومعناه لغةً: الخضوع والانقياد والاستسلام. مأخوذ من "السَّلَم" وهو ترك المنازعة.

حدُّها: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلص من الشرك وأهله.

إعرابها: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره.

3. (العشرة)

المفردة لغوياً: عدد معروف، وأصل المادة يدل على الاجتماع؛ لأنها عدد جمع ما قبله من الآحاد.

حدُّها: اسم للعدد المخصوص الواقع بعد التسعة، ووُصفت هنا بالكمال لاستيعاب أهم أصول الفساد العقدي.

إعرابها: نعت (صفة) لـ "نواقض" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

4. (اعْلَمْ)

المفردة لغوياً: من "العلم" (ع، ل، م)، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكاً جازماً. وهو ضد الجهل.

حدُّها: تنبيه من المؤلف للمخاطب بضرورة حضور الذهن لاستقبال أمر ذي شأن.

إعرابها: فعل أمر مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنت).

5. (أَنَّ)

المفردة لغوياً: حرف توكيد ومشبه بالفعل، يفيد تقرير ما بعده في نفس السامع.

إعرابها: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح، والمصدر المؤول من "أن وما بعدها" في محل نصب سد مسد مفعولي "اعلم".

6. (مِنْ)

المفردة لغوياً: حرف جر، يأتي لمعانٍ كثيرة، وأشهرها هنا "التبعيض".

حدُّها: الإشارة إلى أن هذه النواقض ليست هي كل ما يخرج من الملة، بل هي "أعظمها" وأكثرها وقوعاً، فـ "من" هنا تبعيضية.

إعرابها: حرف جر مبني على السكون (وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين).

7. (أَعْظَمِ)

المفردة لغوياً: اسم تفضيل من "العِظَم"، وهو كبر الشأن والقدر، والمادة تدل على القوة والشدة.

حدُّها: أشدها خطورة وأكبرها تأثيراً في إبطال أصل الدين.

إعرابها: اسم مجرور بـ "من" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.

ثانياً: العزو والتوثيق (الحاشية)

[1] العزو اللغوي: لسان العرب، ابن منظور، المجلد 7، ص 236 (مادة: نقض)؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج5، ص 424.

[2] العزو للحد الشرعي: شرح نواقض الإسلام، الشيخ صالح الفوزان، ص 18؛ ومعجم المصطلحات العقدية، ص 241.

[3] العزو الإعرابي: إعراب الآجرومية، خالد الأزهري، ص 54؛ والنحو الوافي، عباس حسن، ج1، ص 112.

[4] توثيق المتن: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 2، ص 361.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثالثاً: التحليل المعجمي والشرعي والإعرابي (تتمة المقدمة)

8. (عَشَرَةَ)

المفردة لغوياً: اسم عدد مبني على الفتح هنا لأنه جزء من تركيب، وأصله من "العَشر" وهو الضم والجمع.

حدُّها: حصرٌ عددي أراد به المؤلف التنبيه على أمهات المسائل وأخطرها وقوعاً، وليس حصراً كلياً لجميع النواقض.

إعرابها: خبر "أنَّ" مرفوع وعلامة رفعه الضمة

 (في حال الإفراد)، ولكنها هنا جاءت مركبة أو مضافة حسب السياق، والأرجح في إعراب "عشرة نواقض"

 أنها خبر "أن" مرفوع.

9. (نَوَاقِضَ)

المفردة لغوياً: (تكرار للمادة السابقة)

 لكنهما هنا جاءت لتمييز العدد وتأكيده.

حدُّها: (كما سلف) مفسدات العقد الإيماني.

إعرابها: تمييز مجرور بالإضافة (أو مضاف إليه)

 وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف (صيغة منتهى الجموع).

10. (الناقضُ)

المفردة لغوياً: اسم فاعل من نَقَضَ، وهو الفرد الواحد من جملة النواقض.

حدُّها: المسألة الواحدة التي بمجرد ارتكابها يرتفع حكم الإسلام عن المكلف.

إعرابها: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

11. (الأولُ)

المفردة لغوياً: أصلها (أأول) على وزن "أفعل"، من "الأول" وهو الرجوع أو الصدارة، وهو نقيض الآخر.

حدُّها: الرتبة المبتدأة في الترتيب الذكري، وقُدم هنا "الشرك" لأنه أظلم الظلم وأخطر النواقض.

إعرابها: نعت (صفة) لـ "الناقض" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

12. (الشِّرْكُ)

المفردة لغوياً: من (ش، ر، ك)، والشِّرْكة والشَّرِكة هي أن يكون الشيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما. والشرك خلاف التوحيد.

حدُّها: مساواة غير الله بالله فيما هو من خصائص الله (الألوهية، أو الربوبية، أو الأسماء والصفات).

إعرابها: خبر للمبتدأ "الناقض" مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.

13. (عِبَادَةِ)

المفردة لغوياً: من (ع، ب، د)، وأصل العبودية: الخضوع والتذلل. يقال: طريق مُعبَّد أي مذلل بالأقدام.

حدُّها: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

إعرابها: اسم مجرور بـ "في" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.

14. (وَحْدَهُ)

المفردة لغوياً: من (و، ح، د)، وتدل على الانفراد وعدم النظير.

حدُّها: إفراد الله جل وعلا بما يختص به، ونفي الشريك عنه في القصد والعمل.

إعرابها: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه (وهو ملازم للنصب على الحالية).

رابعاً: العزو والتوثيق (الحاشية)

[5] العزو اللغوي: لسان العرب، ابن منظور، ج10، ص 448 (مادة: شرك)؛ الصحاح في اللغة، الجوهري، ج2، ص 493.

[6] العزو للحد الشرعي: رسالة "الحد الفاصل بين الإيمان والكفر"، للشيخ أحمد بن عمر الحازمي، ص 112؛ وكتاب التوحيد، الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 5 (تعريف العبادة).

[7] العزو الإعرابي: أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك، ابن هشام، ج2، ص 245؛ والجدول في إعراب القرآن، محمود صافي، المجلد 1، ص 188 (إعراب "وحده").

[8] توثيق المتن: الجامع الفريد لمؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 271، طبعة دار العقيدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتمة تشريح الناقض الأول (الشرك والدليل عليه)

15. (الدَّلِيلُ)

المفردة لغوياً: مأخوذ من "دَلَّ" (د، ل، ل)، والدلالة هي إرشاد السائل إلى المقصد. والدليل هو المرشد وما يُستدل به. وفي لسان العرب: "الدليل: هو الذي يستدل به، والجمع أدلة وأدلاء".

حدُّها: هو ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. وفي الاصطلاح الشرعي هنا: الحجة المستمدة من الوحي (الكتاب والسنة) لإثبات حكم شرعي أو عقد عقدي.

إعرابها: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج11، ص 248؛ الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، ج1، ص 67.

16. (قَوْلُهُ)

المفردة لغوياً: مصدر "قال" (ق، و، ل)، والقول هو النطق بالحروف على ترتيب مخصوص، ويطلق على الاعتقاد والرأي أيضاً.

حدُّها: إضافة القول إلى الله تعالى (في قوله) تفيد أن الكلام صفة من صفاته سبحانه، وهو كلام حقيقي بحرف وصوت يليق بجلاله.

إعرابها: خبر للمبتدأ "الدليل" مرفوع وعلامة رفعه الضمة، وهو مضاف، والهاء (ضمير متصل) مبني على الضم في محل جر مضاف إليه.

العزو: مقاييس اللغة، ابن فارس، ج5، ص 116؛ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد 12، ص 354 (في صفة الكلام).

17. (تَعَالَى)

المفردة لغوياً: فعل ماضٍ على وزن "تفاعل" من "العلو"، وأصله (ع، ل، و). والمادة تدل على الارتفاع والسمو ضد السُفل.

حدُّها: كلمة تنزيه وتَقديس، يُراد بها إثبات العلو المطلق لله عز وجل (علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر).

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة الفعلية في محل نصب حال من لفظ الجلالة، أو جملة اعتراضية للثناء.

العزو: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 585؛ إعراب القرآن الكريم وبيانه، محيي الدين درويش، ج2، ص 142.

18. (إِنَّ)

المفردة لغوياً: (تكرر تحليلها) حرف توكيد ونصب.

حدُّها: تأكيد مضمون الجملة الاسمية، ونفي الشك عن الخبر الآتي (عدم المغفرة للمشرك).

إعرابها: حرف مشبه بالفعل مبني على الفتح.

العزو: معاني الحروف، الرماني، ص 34.

19. (يُشْرَكَ)

المفردة لغوياً: فعل مضارع من "أشرك".

حدُّها: وقوع فعل التشريك من العبد في حق الرب سبحانه.

إعرابها: فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله (مبني للمجهول) منصوب بـ "أن" وعلامة نصبه الفتحة، ونائب الفاعل مستتر أو المصدر المؤول.

العزو: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، ج1، ص 28.

20. (الذَّبْحُ)

المفردة لغوياً: (ذ، ب، ح)، والذبح هو شق الحلق، ويستعمل في إزهاق الروح من الحيوان بقطع الأوداج.

حدُّها: إراقة دم القربان على وجه التعظيم والتقرب، وهو عبادة لا يجوز صرفها لغير الله.

إعرابها: مبتدأ (أو معطوف حسب سياق الجملة في المتن) مرفوع وعلامة رفعه الضمة.

العزو: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 224؛ التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، ابن حجر العسقلاني، ج4، ص 145.

21. (لِلْجِنِّ)

المفردة لغوياً: من (ج، ن، ن)، وأصل المادة "الستر" والتستر عن الأبصار. ومنه "الجنين" لاستتاره في البطن، و"الجنة" لاستتارها بالأشجار.

حدُّها: عالم غيبي خلقهم الله من نار، مكلفون كالبشر، وصرف الذبح لهم استرضاءً أو خوفاً هو شرك أكبر.

إعرابها: اللام حرف جر للتعليل أو الاستحقاق، "الجن" اسم مجرور وعلامة جره الكسرة.

العزو: آكام المرجان في أحكام الجان، بدر الدين الشبلي، ص 7؛ تفسير ابن كثير، المجلد 3، ص 334.

الحاشية (العزو الاستفاضي الدقيق)

[9] العزو لـ "الشرك": الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 2، ص 361؛ تيسير العزيز الحميد، الشيخ سليمان بن عبد الله، ص 54 (شرح باب من الشرك الذبح لغير الله).

[10] العزو لـ "العبادة": رسالة العبودية، شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق علي بن عبد العزيز الشبل، ص 41 (الحد الجامع للعبادة).

[11] العزو لـ "الجن": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 19، ص 10 (في أنواع العبادات التي تصرف للجن).

[12] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج1، ص 580 (إعراب المصدر المؤول)؛ وشرح قطر الندى، ابن هشام، ص 188.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض الثاني: (الوسائط)

نص المتن: «مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ؛ كَفَرَ إِجْمَاعاً».

22. (مَنْ)

المفردة لغوياً: اسم شرط جازم، أو اسم موصول، وتستعمل للعاقل غالباً. وهي في هذا السياق تفيد "العموم"؛ أي كل من أتى بهذا الفعل أياً كان حاله.

حدُّها: أداة شرطية تربط بين الفعل (جعل الوسائط) وبين الجواب (الكفر)، لبيان الحكم الكلي والقاعدة العامة.

إعرابها: اسم شرط مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.

العزو: مغني اللبيب، ابن هشام، ج1، ص 315؛ النحو الوافي، عباس حسن، ج1، ص 412.

23. (جَعَلَ)

المفردة لغوياً: من (ج، ع، ل)، وتأتي بمعانٍ عدة: (صيّر، خلق، سمّى). وهي هنا بمعنى "صيّر واتخذ".

حدُّها: الاعتقاد بالقلب أو النطق باللسان أو الفعل بوضع شيء في غير موضعه الذي شرعه الله، كوضع البشر واسطة بين الخالق والمخلوق.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو).

العزو: لسان العرب، ج11، ص 105؛ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص 196.

24. (بَيْنَهُ)

المفردة لغوياً: (ب، ي، ن)، والبين هو المسافة أو الفُرقة بين شيئين. وتأتي بمعنى "الوسط".

حدُّها: تدل على الظرفية المكانية المعنوية هنا، أي ما يحجز بين العبد وبين ربه من التعلقات.

إعرابها: ظرف مكان منصوب بالفتحة، وهو مضاف، والهاء في محل جر مضاف إليه.

العزو: مقاييس اللغة، ابن فارس، ج1، ص 328.

25. (وَسَائِطَ)

المفردة لغوياً: جمع (واسطة)، من "الوسط" (و، س، ط). والواسطة هي ما يتوسط بين شيئين ليصل أحدهما بالآخر.

حدُّها: هم المخلوقون (أنبياء، أولياء، ملائكة) الذين يُتخذون كقنطرة يُظن أن العبادة لا تصل إلى الله إلا من طريقهم، أو أنهم يملكون تقريب العبد إلى الله بذواتهم.

إعرابها: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة (ولم ينون لأنه ممنوع من الصرف على صيغة منتهى الجموع).

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص 662؛ مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 1، ص 121 (رسالة الواسطة).

26. (يَدْعُوهُمْ)

المفردة لغوياً: من (د، ع، و)، والدعاء هو الطلب والنداء.

حدُّها: صرف نوع من أنواع العبادة (دعاء المسألة أو دعاء الثناء) لغير الله، وهو طلب جلب النفع أو دفع الضر ممن لا يملك ذلك إلا الله.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والجملة الفعلية في محل نصب "نعت" لـ (وسائط) أو جملة تفسيرية.

العزو: الدعاء، للإمام الطبراني، ص 21؛ تيسير العزيز الحميد، ص 161.

27. (يَسْأَلُهُمُ)

المفردة لغوياً: من (س، أ، ل)، والسؤال هو الطلب لمعرفة أو لنوال شيء.

حدُّها: توجيه الطلب للموتى أو الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا الله، وهو من لب الشرك.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع، والهاء مفعول به أول، و (الشفاعة) مفعول به ثانٍ.

العزو: مفردات ألفاظ القرآن، ص 401.

28. (الشَّفَاعَةَ)

المفردة لغوياً: من (ش، ف، ع)، والشفع ضد الوتر، والشفاعة هي ضم وسيلة الشفيع إلى وسيلة الطالب.

حدُّها: طلب الوسيط من الله الخير لمن اتخذه شفيعاً. والشرك هنا هو طلب الشفاعة من غير الله فيما لا يملكه إلا الله، دون إذن الله ورضاه.

إعرابها: مفعول به منصوب بالفتحة.

العزو: القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، ج1، ص 418.

29. (يَتَوَكَّلُ)

المفردة لغوياً: من (و، ك، ل)، والتكلان هو اعتماد الشخص على غيره وتفويض الأمر إليه.

حدُّها: تفويض القلب واعتماده الكلي على هؤلاء الوسائط في نيل المطلوب أو النجاة من المرهوب، وهذا من شرك القلوب.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر.

العزو: مدارج السالكين، ابن القيم، ج2، ص 113.

30. (إِجْمَاعاً)

المفردة لغوياً: من (ج، م، ع)، والإجماع هو العزم والاتفاق.

حدُّها: اتفاق مجتهدي الأمة في عصر من العصور على حكم شرعي. ونقله هنا الإمام لبيان أن المسألة ليست محل خلاف بين السلف.

إعرابها: حال منصوبة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (أجمعوا إجماعاً).

العزو: الإجماع، لابن المنذر، ص 34؛ مراتب الإجماع، لابن حزم، ص 171.

الحاشية (العزو الاستفاضي الدقيق)

[13] العزو لـ "الوسائط": قاعدة في التوسل والوسيلة، شيخ الإسلام ابن تيمية، ص 45؛ الدرر السنية، المجلد 1، ص 142.

[14] العزو لـ "الشفاعة": كتاب التوحيد، الإمام محمد بن عبد الوهاب، باب "الشفاعة"؛ فتح المجيد، ص 241.

[15] العزو لـ "التوكل": مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 10، ص 460 (في الكلام على التوكل على المخلوقين).

[16] العزو لـ "الإجماع": نواقض الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 385 (طبعة الجامعة)؛ شرح النواقض، الفوزان، ص 65.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

استدراك مفردات الناقض الثاني

31. (كَفَرَ)

المفردة لغوياً: من المادة (ك، ف، ر)، وأصل الكفر في لغة العرب: السَّتر والتغطية. يقال: كَفَرَ المزارعُ البذرَ؛ أي غطاه بالتراب. ومنه سُمي "الكافر" كافراً لأنه يغطي الحق ويجحده، أو يغطي نعمة الله بترك شكرها.

حدُّها: هو نقيض الإيمان، وهو الخروج عن دائرة الإسلام بارتكاب قول أو فعل أو اعتقاد قرر الشرع أنه مخرج من الملة. وهو هنا "كفر أكبر" ينقل صاحبه من الملة.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة الفعلية في محل جزم جواب الشرط لاسم الشرط (مَن).

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج12، ص 128؛ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، ص 714.

تشريح الناقض الثالث: (من لم يُكفر المشركين)

نص المتن: «مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ؛ كَفَرَ».

32. (لَمْ)

المفردة لغوياً: حرف نفي وجزم وقلب.

حدُّها: تفيد نفي وقوع الفعل في الزمن الماضي، وقلب زمن المضارع إلى الماضي، وهي هنا لنفي حكم "التكفير" عمن استحق التكفير شرعاً.

إعرابها: حرف نفي وجزم وقلب مبني على السكون.

العزو: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ابن هشام، ج1، ص 280.

33. (يُكَفِّرِ)

المفردة لغوياً: مأخوذ من "كفَّر"، وهو فعل متعدٍّ، معناه: نسبه إلى الكفر أو حكم عليه به.

حدُّها: الامتناع عن إطلاق حكم الكفر على من قامت الدلائل القطعية من الكتاب والسنة على كفرهم (كاليهود والنصارى والمشركين)، أو من أجمع المسلمون على كفرهم.

إعرابها: فعل مضارع مجزوم بـ "لم" وعلامة جزمه السكون، وحُرِّك بالكسر لالتقاء الساكنين.

العزو: المعجم الوسيط، ج2، ص 791.

34. (المُشْرِكِينَ)

المفردة لغوياً: جمع (مشرك)، وهو اسم فاعل من "أشرك". (سلف تحليل مادة الشرك).

حدُّها: كل من اتخذ مع الله إلهاً آخر، أو صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله، سواء كان كتابياً أو وثنياً أو مرتداً.

إعرابها: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص 311.

35. (أَوْ)

المفردة لغوياً: حرف عطف يفيد هنا "التقسيم" أو "التنويع" بين أحوال من يرتكب هذا الناقض.

إعرابها: حرف عطف مبني على السكون.

العزو: معاني الحروف، الرماني، ص 42.

36. (شَكَّ)

المفردة لغوياً: من (ش، ك، ك)، والشَّكُّ: نقيض اليقين، وأصله التداخل والالتزام. يقال: شككتُ الشيءَ؛ أي جمعتُه بِمِشْكَاكٍ. وفي اللغة: "تردد الذهن بين نقيضين لا يترجح أحدهما على الآخر".

حدُّها: التوقف في الحكم بكفر من جحد أصول الدين، وعدم الجزم بكفرهم، وهو معارض لتصديق خبر الله ورسوله ﷺ في كفر المشركين.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة معطوفة على "لم يكفر".

العزو: لسان العرب، ج7، ص 170؛ التعريفات، الجرجاني، ص 125.

37. (فِي)

المفردة لغوياً: حرف جر يفيد الظرفية.

إعرابها: حرف جر مبني على السكون.

38. (كُفْرِهِمْ)

المفردة لغوياً: (سلف تحليل الكفر).

إعرابها: اسم مجرور بـ "في" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، و(الهاء) ضمير متصل في محل جر مضاف إليه، و(الميم) للجمع.

39. (صَحَّحَ)

المفردة لغوياً: من (ص، ح، ح)، والصحة خلاف السقم. وصحَّح الأمرَ: أزاح عنه الفساد وجعله صحيحاً صواباً.

حدُّها: الحكم على دين المشركين ومذهبهم بأنه "حق" أو "مقبول" أو أنه "يوصل إلى الله"، وهو تكذيب صريح لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره (هو).

العزو: مقاييس اللغة، ج3، ص 281.

40. (مَذْهَبَهُمْ)

المفردة لغوياً: اسم مكان من (ذ، هـ، ب)، والمذهب هو الطريقة أو المسلك الذي ينهجه المرء في اعتقاده أو قوله.

حدُّها: ما يعتقده المشركون من عقائد باطلة وطقوس كفرية.

إعرابها: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف، والهاء في محل جر مضاف إليه.

العزو: الصحاح، الجوهري، ج1، ص 131.

الحاشية (العزو الاستفاضي الدقيق)

[17] العزو للناقض الثالث: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 8، ص 212؛ الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين، ج14، ص 464 (في باب حكم المرتد).

[18] العزو لـ "الشك في كفر المشركين": الصارم المسلول على شاتم الرسول، ابن تيمية، ج3، ص 969 (حيث ذكر أن من شك في كفرهم فهو كافر).

[19] العزو لـ "تصحيح المذهب": مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، المجلد 1، ص 215.

[20] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج1، ص 118؛ إعراب الجمل وأشباه الجمل، فخر الدين قباوة، ص 42.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض الرابع: (تفضيل هدي أو حكم غير النبي ﷺ)

​نص المتن: «مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ؛ كَالَّذِي يُفَضِّلُ حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ عَلَى حُكْمِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ».

41. (اعْتَقَدَ)

  • ​المفردة لغوياً: من (ع، ق، د)، وأصل العقد: الرَّبط والشدُّ والتوثيق. والاعتقاد هو ما عقد عليه الإنسان قلبه وتصوره جازماً به. يُقال: عقدَ الحبلَ؛ أي شدَّه.
  • ​حدُّها: الجزم القلبي الذي لا يخالطه شك، وسواء نطق به اللسان أو استقر في الجنان، فإن اعتقاد النقص في هدي النبي ﷺ ناقضٌ بذاته.
  • ​إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة في محل جزم فعل الشرط.
  • ​العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج3، ص 296؛ المفردات، الراغب، ص 575.

42. (أَنَّ)

  • ​المفردة لغوياً: (سلف تحليلها) حرف توكيد ونصب.
  • ​إعرابها: المصدر المؤول من (أنَّ وما بعدها) في محل نصب مفعول به للفعل "اعتقد".

43. (غَيْرَ)

  • ​المفردة لغوياً: (غ، ي، ر)، وهي كلمة تدل على المغايرة والمباينة. وتستعمل للاستثناء وللنفي.
  • ​حدُّها: كل ما سوى النبي ﷺ وسوى شريعته وهديه، من آراء البشر أو القوانين الوضعية أو المناهج الفلسفية.
  • ​إعرابها: اسم "أنَّ" منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وهو مضاف.
  • ​العزو: مقاييس اللغة، ابن فارس، ج4، ص 395.

44. (هَدْيِ)

  • ​المفردة لغوياً: من (هـ، د، ي)، والهدي هو السيرة والدلجة والسمت. ويأتي بمعنى الإرشاد والبيان.
  • ​حدُّها: كل ما جاء به النبي ﷺ من السنة والشرع والطريقة في العبادة والمعاملة والأخلاق.
  • ​إعرابها: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة تحت آخره.
  • ​العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص 638.

45. (النَّبِيِّ)

  • ​المفردة لغوياً: من (ن، ب، أ)، وهو "النبأ" أي الخبر ذو الشأن، فالنبي هو المُخبَر من الله، والمُخبِر عن الله. وقيل من "النبوة" وهي الارتفاع.
  • ​حدُّها: إنسان، ذكر، حر، أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (على أحد الأقوال)، أو هو من أوحي إليه مطلقاً. والمقصود هنا خاتمهم محمد ﷺ.
  • ​إعرابها: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
  • ​العزو: تفسير ابن كثير، ج1، ص 34 (في الفرق بين النبي والرسول).

46. (أَكْمَلُ)

  • ​المفردة لغوياً: اسم تفضيل من (ك، م، ل)، والكمال هو تمام الشيء بحيث لا يحتاج إلى غيره.
  • ​حدُّها: الوصف بالتمام المطلق الذي لا يعتريه نقص. والاعتقاد بأن غير هدي النبي ﷺ "أكمل" هو طعن في كمال الرسالة وتمام النعمة.
  • ​إعرابها: خبر "أنَّ" مرفوع وعلامة رفع الضمة الظاهرة.
  • ​العزو: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 1047.

47. (حُكْمَ)

  • ​المفردة لغوياً: من (ح، ك، م)، والحكم أصله المنع. ومنه "حكمة الدابة" لأنها تمنعها من الجماح. والحاكم يمنع الظلم.
  • ​حدُّها: ما يقضي به الله ورسوله في مصالح العباد، أو فصل الخصومات وفق الشريعة.
  • ​إعرابها: اسم "أنَّ" (في الجملة المعطوفة) منصوب بالفتحة.
  • ​العزو: لسان العرب، ج12، ص 140.

48. (أَحْسَنُ)

  • ​المفردة لغوياً: اسم تفضيل من "الحسن" (ح، س، ن)، وهو كل مبهج مرغوب فيه، ويكون في القول والفعل والهيئة.
  • ​حدُّها: الأفضلية في العدل والمصلحة والجمال والتشريع.
  • ​إعرابها: خبر "أنَّ" مرفوع بالضمة.
  • ​العزو: مفردات ألفاظ القرآن، ص 235.

49. (يُفَضِّلُ)

  • ​المفردة لغوياً: من "الفضل" (ف، ض، ل)، وهو الزيادة في الشيء. والتفضيل هو إيثار الشيء على غيره لزيادة يراها فيه.
  • ​حدُّها: تقديم أحكام البشر وقوانينهم على حكم الله ورسوله، معتقداً أنها أصلح للزمان أو أحقق للعدل.
  • ​إعرابها: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول لـ "الذي".
  • ​العزو: الصحاح، الجوهري، ج5، ص 1800.

50. (الطَّوَاغِيتِ)

  • ​المفردة لغوياً: جمع (طاغوت)، من "الطغيان" (ط، غ، ي)، وهو مجاوزة الحد.
  • ​حدُّها: كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ، أو كل من تجاوز حده من متبوع أو مطاع أو معبود. والمقصود هنا تحديداً: من حكم بغير ما أنزل الله مستحلاً لذلك أو مفضلاً له.
  • ​إعرابها: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
  • ​العزو: الدرر السنية، ج1، ص 161 (تعريف الطاغوت للإمام محمد بن عبد الوهاب).

51. (فَهُوَ)

  • ​المفردة لغوياً: "الفاء" واقعة في جواب الشرط، و"هو" ضمير منفصل للمفرد الغائب.
  • ​إعرابها: الفاء رابطة، هو: ضمير مبني في محل رفع مبتدأ.

52. (كَافِرٌ)

  • ​المفردة لغوياً: (سلف تحليلها).
  • ​إعرابها: خبر المبتدأ "هو" مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط لـ "مَنْ".

الحاشية 

​[21] العزو للناقض الرابع: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 385 (طبعة جامعة الإمام)؛ والدرر السنية، ج10، ص 92.

[22] العزو لـ "تحكيم القوانين": رسالة "تحكيم القوانين"، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص 5 (بتمامها في تفصيل هذا الناقض).

[23] العزو لـ "الطاغوت": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 28، ص 200 (في بيان معنى الطاغوت لغة وشرعاً).

[24] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج4، ص 450 (في اقتران جواب الشرط بالفاء)؛ وإعراب القرآن، النحاس، ج1، ص 412.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض الخامس: (بُغض ما جاء به الرسول ﷺ)

نص المتن: «مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ؛ كَفَرَ».

53. (أَبْغَضَ)

المفردة لغوياً: من (ب، غ، ض)، والبُغْضُ: نقيض الحُبِّ، وهو كراهية الشيء ونفور النفس عنه. يُقال: بَغُضَ الرجلُ بَغاضةً فهو بغيض. والمادة تدل على ثقل الشيء على القلب وكراهيته.

حدُّها: قيام الكراهية والنفور في القلب لشيء من الدين، وهو عمل قلبي ينافي كمال المحبة الواجبة لله ولرسوله ولشرعه.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة في محل جزم فعل الشرط.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج2، ص 15؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج1، ص 271.

54. (شَيْئاً)

المفردة لغوياً: من (ش، ي، أ)، والشَّيءُ: هو الموجود الذي يُخبر عنه، وهو أعمُّ العامَّات.

حدُّها: جاءت هنا نكرة في سياق الشرط لتفيد "العموم"؛ أي سواء كان هذا المُبغَض حكماً تشريعياً، أو خلقاً نبوياً، أو حكماً عقدياً، وسواء كان من الفرائض أو السنن أو الأخبار.

إعرابها: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

العزو: الصحاح، الجوهري، ج1، ص 54؛ التعريفات، الجرجاني، ص 134.

55. (مِمَّا) وه

المفردة لغوياً: مركبة من (مِن) الجارة و(ما) الموصولية.

حدُّها: "مِن" هنا لبيان الجنس، أي من جنس الوحي والشرع الذي جاء به النبي ﷺ.

إعرابها: "من" حرف جر، "ما" اسم موصول مبني في محل جر بـ "من"، والجار والمجرور متعلقان بنعت محذوف لـ "شيئاً".

العزو: مغني اللبيب، ابن هشام، ج1، ص 320.

56. (جَاءَ)

المفردة لغوياً: من (ج، ي، أ)، والمجيء هو الإتيان من مكان أو حال إلى حال.

حدُّها: المجيء هنا مجيء معنوي وتشريعي، أي ما أُوحِيَ إليه وبلَّغه للأمة من الكتاب والحكمة (السنة).

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره (هو)، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.

العزو: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص 212.

57. (بِهِ)

المفردة لغوياً: "الباء" هنا للتعدية (باء المصاحبة أو الإلصاق).

إعرابها: الباء حرف جر، والهاء ضمير مبني في محل جر، والجار والمجرور متعلقان بالفعل "جاء".

58. (الرَّسُولُ)

المفردة لغوياً: من (ر، س، ل)، والرَّسَلُ: هو الانبعاث والامتداد. والرسول هو من بُعث برسالة ليؤديها.

حدُّها: إنسان، ذكر، حر، أوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه. والألف واللام هنا للعهد الذهني، والمقصود هو محمد بن عبد الله ﷺ.

إعرابها: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص 225.

59. (وَلَوْ)

المفردة لغوياً: "الواو" للحال، و"لو" حرف شرط غير جازم يفيد الامتناع للامتناع، وهي هنا "لو" الوصلية التي تفيد الغاية والتقليل من شأن الشرط بالنسبة للحكم.

إعرابها: الواو حالية، لو: حرف تقليل وغاية لا محل له من الإعراب.

العزو: رصف المباني في شرح حروف المعاني، المالقي، ص 362.

60. (عَمِلَ)

المفردة لغوياً: من (ع، م، ل)، والعَمَلُ: هو المهنة والفعل بعقل وفكر، وهو أخصُّ من "الفعل".

حدُّها: الجري على مقتضى الشريعة في الظاهر والجوارح (كأن يصلي أو يزكي)، مع بقاء البغض والكره في الباطن، وهذا حال المنافقين.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره (هو).

العزو: مقاييس اللغة، ج4، ص 145.

الحاشية (العزو الاستفاضي الدقيق)

[25] العزو للناقض الخامس: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 385؛ الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 10، ص 92.

[26] العزو لـ "بغض الرسول": الصارم المسلول على شاتم الرسول، شيخ الإسلام ابن تيمية، ج3، ص 1063 (حيث قرر أن من أبغض ما جاء به الرسول فهو مرتد إجماعاً).

[27] العزو لـ "العمل مع البغض": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 7، ص 522 (في سياق كلامه عن الإيمان الظاهر والباطن وحال المنافقين).

[28] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج4، ص 388 (في إعراب "لو" الوصلية)؛ وإعراب القرآن الكريم، محيي الدين درويش، ج9، ص 114.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض السادس: (الاستهزاء بالدين)

نص المتن: «مَنْ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ ثَوَابِهِ، أَوْ عِقَابِهِ؛ كَفَرَ».

61. (اسْتَهْزَأَ)

المفردة لغوياً: من المادة (هـ، ز، أ)، والهُزْءُ والهُزُؤُ: هو السخرية والمزاح في جِد، أو هو الانتقاص والازدراء. والسين والتاء للطلب أو للمبالغة في الفعل. يُقال: هَزِئَ به واستهزأ به؛ أي اتخذه سخرية.

حدُّها: الاستخفاف أو السخرية بالدين قاصداً ذمه أو التنقص منه، سواء كان ذلك بالقول الصريح، أو بالفعل (كالإيماء)، أو بالكتابة، وسواء كان هازلاً أو جاداً.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والجملة في محل جزم فعل الشرط.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج1، ص 184؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج6، ص 10.

62. (بِشَيْءٍ)

المفردة لغوياً: (سلف تحليل "شيء").

حدُّها: "الباء" حرف جر للإلصاق، و"شيء" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم المطلق؛ أي أيَّاً كان هذا الشيء، سواء كان حكماً قطعياً أو سنة مستحبة أو خبراً غيبياً.

إعرابها: الباء حرف جر، شيء: اسم مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلقان بالفعل "استهزأ".

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص 328.

63. (دِينِ)

المفردة لغوياً: من (د، ي، ن)، والدِّينُ في اللغة له معانٍ عدة: (الذُّل، الانقياد، القهر، الجزاء، الحساب). ويُطلق على الملة والطريقة.

حدُّها: هو ما شرعه الله لعباده من الأحكام والعقائد التي يدينون بها لله ويتقربون بها إليه.

إعرابها: اسم مجرور بـ "من" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.

العزو: مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص 323؛ معجم الفروق اللغوية، ص 244.

64. (ثَوَابِهِ)

المفردة لغوياً: من (ث، و، ب)، وأصل المادة "الرجوع". والثواب هو ما يرجع إلى العبد من جزاء عمله. ويُقال للمجازاة في الخير "ثواب".

حدُّها: ما أعده الله للمؤمنين الطائعين من النعيم المقيم في الجنة والكرامة في الدنيا والآخرة. والاستهزاء به تكذيب للوعد الإلهي.

إعرابها: اسم معطوف على "شيء" (أو على "دين") مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والهاء في محل جر مضاف إليه.

العزو: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 104؛ التعريفات، الجرجاني، ص 69.

65. (عِقَابِهِ)

المفردة لغوياً: من (ع، ق، ب)، والعقِبُ هو مؤخر الشيء. والعقاب هو الجزاء بالسوء، وسُمي عقاباً لأنه يَعْقُبُ الذنبَ (أي يأتي بعده).

حدُّها: ما أعده الله للعاصين والكافرين من العذاب والنكال في القبر أو في النار. والاستهزاء به استخفاف بوعيد الله وقدرته.

إعرابها: اسم معطوف مجرور وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه.

العزو: لسان العرب، ج1، ص 619؛ المفردات، ص 573.

(الحاشية )

[29] العزو للناقض السادس: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص 385؛ والدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 10، ص 92.

[30] العزو لـ "الاستهزاء بالدين": الصارم المسلول على شاتم الرسول، ابن تيمية، ج3، ص 956 (حيث عقد فصلاً في أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يخرج عن الملة).

[31] العزو لـ "ثواب الله وعقابه": الجامع لأحكام القرآن (تفسير القرطبي)، ج8، ص 196 (عند تفسير آية الاستهزاء في سورة التوبة).

[32] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج3، ص 412 (في أحكام العطف بـ "أو")؛ والجدول في إعراب القرآن، محمود صافي، المجلد 10، ص 450.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض السابع: (السِّحْر)

نص المتن: «السِّحْرُ، وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالعَطْفُ، فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ؛ كَفَرَ».

66. (السِّحْرُ)

المفردة لغوياً: من المادة (س، ح، ر)، وأصل السحر في لغة العرب: ما لَطُفَ ودَقَّ مأخذهُ وخفيَ سببهُ. ومنه سُمي "السَّحَرُ" (آخر الليل) لاستتاره وخفائه. وفي اللغة أيضاً: صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره.

حدُّها: عزائم ورُقى وعقود وأدوية وتدخينات تؤثر في القلوب والأبدان، فُتمرِض أو تقتل أو تفرق بين المرء وزوجه، وهو عمل شيطاني يعتمد على التقرب إلى الجن والشياطين.

إعرابها: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج4، ص348؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج3، ص138.

67. (الصَّرْفُ)

المفردة لغوياً: من (ص، ر، ف)، والصرف هو نقل الشيء من حالة إلى حالة، أو رده عن وجهه. يُقال: صرَفْتُ الشّيءَ؛ أي أَمَلْتُهُ.

حدُّها: عمل سحري يُراد به تفريق المرء عما يحبه، كصرف الزوج عن محبة زوجته إلى بغضها.

إعرابها: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة (في جملة "منه الصرف")، أو معطوف حسب السياق الإجمالي.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص337؛ المفردات، الراغب، ص483.

68. (العَطْفُ)

المفردة لغوياً: من (ع، ط، ف)، والعطف هو الإمالة والشفقة. يُقال: عطَفَ عليه؛ أي حنَّ ومال إليه.

حدُّها: عمل سحري يُراد به استمالة المسحور وتحبيبه في شيء أو شخص بطرق شيطانية مخالفة للفطرة والشرع.

إعرابها: اسم معطوف على "الصرف" مرفوع وعلامة رفعه الضمة.

العزو: الصحاح، الجوهري، ج4، ص1410؛ القاموس المحيط، ص1077.

69. (فَعَلَهُ)

المفردة لغوياً: من (ف، ع، ل)، والفعل هو إحداث الشيء وإيجاده.

حدُّها: مباشرة السحر بممارسة طقوسه أو كتابة طلاسمه أو مخاطبة الشياطين به، وهذا الفعل كفر لذاته لما يتضمنه من عبادة لغير الله.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره (هو)، والهاء ضمير مبني في محل نصب مفعول به.

العزو: التعريفات، الجرجاني، ص168.

70. (رَضِيَ)

المفردة لغوياً: من (ر، ض، ي)، والرِّضا هو خلاف السخط، وهو طمأنينة النفس للشيء والموافقة عليه.

حدُّها: إقرار السحر والقبول به أو طلبه من السحرة، فمن رضي بالكفر فهو كافر، لأن الرضا بالمعصية معصية، والرضا بالكفر كفر.

إعرابها: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر.

العزو: مقاييس اللغة، ج2، ص402.

(الحاشية )

[33] العزو للناقض السابع: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385؛ الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 2، ص361.

[34] العزو لـ "السحر": تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج1، ص350 (عند الآية 102 من سورة البقرة)؛ أحكام القرآن، الجصاص، ج1، ص51.

[35] العزو لـ "الصرف والعطف": فتح المجيد بشرح كتاب التوحيد، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص342 (باب ما جاء في السحر).

[36] العزو الإعرابي: النحو الوافي، ج1، ص450؛ وإعراب القرآن، محيي الدين درويش، ج1، ص160.

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض الثامن: (مُظاهرة المشركين)

نص المتن: 

«مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ».

71. (مُظَاهَرَةُ)

المفردة لغوياً: من المادة (ظ، هـ، ر)، وأصل الظهر هو القوة والظهور. والمظاهرة هي المعاونة والمساعدة، مأخوذة من "الظَّهير" وهو المعين الذي يشدُّ ظهْرَ مَن يعينه. قال تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ}.

حدُّها: نُصرة الكفار على المسلمين بالمال أو السلاح أو الرأي أو الإعلام، بقصد إعلاء كلمة الكفر أو كسر شوكة الإسلام وأهله.

إعرابها: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو مضاف.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج4، ص522؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج3، ص471.

72. (المُشْرِكِينَ)

المفردة لغوياً: (سلف تحليلها).

إعرابها: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص311.

73. (مُعَاوَنَتُهُمْ)

المفردة لغوياً: من (ع، و، ن)، والعون هو الظهير على الأمر. والمعاونة هي المساعدة والمؤازرة بين طرفين.

حدُّها: بذل الجهد والوسيلة والتمكين لغير المسلم في حربه أو كيده ضد المسلمين، وهي صورة من صور التولي الأكبر المخرج من الملة إذا اقترنت بنصرة دينهم.

إعرابها: اسم معطوف على "مظاهرة" مرفوع بالضمة، وهو مضاف، والهاء (ضمير) مضاف إليه، والميم للجمع.

العزو: الصحاح، الجوهري، ج6، ص2168؛ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص595.

74. (عَلَى)

المفردة لغوياً: حرف جر يفيد الاستعلاء.

حدُّها: تفيد هنا "الضدية" والمواجهة، أي أن المعاونة مصوبة "ضد" المسلمين.

إعرابها: حرف جر مبني على السكون.

العزو: رصف المباني، المالقي، ص322.

75. (المُسْلِمِينَ)

المفردة لغوياً: من (س، ل، م)، والمسلم هو من استسلم لله وانقاد له.

إعرابها: اسم مجرور بـ "على" وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.

العزو: لسان العرب، ج12، ص293.

(الحاشية )

[37] العزو للناقض الثامن: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385؛ الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 10، ص92.

[38] العزو لـ "المظاهرة": تيسير العزيز الحميد، الشيخ سليمان بن عبد الله، ص423 (في شرح باب من الشرك أن يستغيث بغير الله).

[39] العزو لـ "التولي": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 28، ص530 (في حكم من انضم إلى معسكر المشركين).

[40] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج1، ص245؛ الجدول في إعراب القرآن، محمود صافي، المجلد 6، ص415.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض التاسع: (اعتقاد جواز الخروج عن الشريعة)

نص المتن: «مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا وَسِعَ الخَضِرَ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ».

76. (بَعْضَ)

المفردة لغوياً: من المادة (ب، ع، ض)، والبَعْضُ هو جزء من الشيء، وهو نقيض الكل. يُقال: بعَّضْتُ الشيءَ؛ أي جزَّأته.

حدُّها: الإشارة إلى فئة مخصوصة (كغلاة الصوفية أو الباطنية) الذين يزعمون أن "الخواص" أو "الأولياء" قد يصلون إلى مرتبة تسقط عنهم فيها التكاليف.

إعرابها: اسم "أنَّ" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو مضاف.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج2، ص14؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج1، ص263.

77. (يَسَعُهُ)

المفردة لغوياً: من (و، س، ع)، والوُسْعُ والسَّعَةُ: هي الطاقة والقدرة، وضد الضيق. يُقال: وَسِعَ الشيءُ الشيءَ؛ أي لم يضق عنه.

حدُّها: الجواز الشرعي أو الإمكانية الدينية؛ أي يعتقد أن لديه "رخصة" أو "سعة" في ترك اتباع النبي ﷺ.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والهاء مفعول به مقدم مبني في محل نصب.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص661؛ مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، ص868.

78. (الخُرُوجُ)

المفردة لغوياً: من (خ، ر، ج)، والخروج نقيض الدخول، وهو البروز من مقر أو حالة إلى غيرها.

حدُّها: ترك الالتزام بأحكام الشريعة، أو اعتقاد عدم لزوم اتباع الرسول ﷺ في كل ما جاء به، وهو انخلاع من ربقة الإسلام.

إعرابها: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

العزو: لسان العرب، ج2، ص248؛ الصحاح، الجوهري، ج1، ص308.

79. (شَرِيعَةِ)

المفردة لغوياً: من (ش، ر، ع)، والشريعة في اللغة: هي مَوْرِدُ الشاربة (موضع الماء الذي يُقصد للشرب). ثم استُعيرت للدين والمنهاج الواضح.

حدُّها: ما شرعه الله لعباده من الأحكام والحدود والأوامر والنواهي التي جاء بها الوحي لتنظيم حياة العباد.

إعرابها: اسم مجرور بـ "عن" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.

العزو: مفردات ألفاظ القرآن، ص450؛ معجم الفروق اللغوية، ص301.

80. (الخَضِرَ)

المفردة لغوياً: لَقَبٌ لعبدٍ صالح عاصر موسى عليه السلام، سُمي بذلك لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء.

حدُّها: هو العبد الصالح الذي ذكره الله في سورة الكهف، والاستدلال بحاله هنا استدلال باطل؛ لأن شريعة موسى لم تكن عامة، بينما شريعة محمد ﷺ عامة للثقلين.

إعرابها: مفعول به مقدم للفعل "وسع" منصوب بالفتحة.

العزو: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج6، ص433؛ تفسير ابن كثير، ج5، ص180.

(الحاشية )

[41] العزو للناقض التاسع: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385؛ الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المجلد 10، ص92.

[42] العزو لـ "الخروج عن الشريعة": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 11، ص412 (في الرد على من زعم أن من الأولياء من يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ كما وسع الخضر).

[43] العزو لـ "قصة الخضر": البداية والنهاية، ابن كثير، المجلد 1، ص325 (في ذكر قصة موسى والخضر عليهما السلام).

[44] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج2، ص65 (في تقديم المفعول به على الفاعل)؛ وإعراب القرآن، محيي الدين درويش، ج6، ص30.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تشريح الناقض العاشر: (الإعراض عن دين الله)

نص المتن: «الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللهِ، لا يَتَعَلَّمُهُ وَلا يَعْمَلُ بِهِ».

81. (الإِعْرَاضُ)

المفردة لغوياً: مصدر "أَعْرَضَ"، من المادة (ع، ر، ض). وأصل "العَرْض" خلاف الطول، والأعراض هي الجوانب. والإعراض هو أن يُولي المرءُ الشيءَ عُرْضَهُ (أي جانبه) ويتركه. يُقال: أعرضَ عنه؛ أي صدَّ وصدفَ وتركَهُ وذهبَ عنه.

حدُّها: تركُ القلبِ والجوارحِ لدين الله بالكلية، بحيث لا يهتم بمعرفته ولا ينقاد لتشريعه، وهو صدودٌ تامٌ عن أصل الدين لا عن آحاده.

إعرابها: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.

العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج9، ص240؛ مقاييس اللغة، ابن فارس، ج4، ص272.

82. (عَنْ)

المفردة لغوياً: حرف جر يفيد "المجاوزة".

حدُّها: المجاوزة هنا معنوية، وهي البعد والترك لما أُمر بالبقاء عليه من الملة.

إعرابها: حرف جر مبني على السكون.

العزو: مغني اللبيب، ابن هشام، ج1، ص161.

83. (دِينِ)

المفردة لغوياً: (سلف تحليلها).

إعرابها: اسم مجرور بـ "عن" وعلامة جره الكسرة، وهو مضاف.

العزو: معجم الفروق اللغوية، ص244.

84. (يَتَعَلَّمُهُ)

المفردة لغوياً: من (ع، ل، م)، والتعلّم هو تكلف العلم وطلبه، والتاء هنا تفيد التدرج والتحصيل.

حدُّها: المقصود هنا ترك تعلم أصل الدين الذي يُعرف به المسلم من الكافر، وليس المقصود ترك العلم بالمسائل الدقيقة أو الفروع.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع، والفاعل ضمير مستتر تقديره (هو)، والهاء ضمير مبني في محل نصب مفعول به.

العزو: المصباح المنير، الفيومي، ص427؛ التعريفات، الجرجاني، ص155.

85. (يَعْمَلُ)

المفردة لغوياً: من (ع، م، ل). (سلف تحليلها).

حدُّها: الامتناع الكلي عن أداء الفرائض والانقياد للأوامر، وهو حال من أعرض بقلبه وجوارحه عن امتثال أوامر الله.

إعرابها: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر.

العزو: مقاييس اللغة، ج4، ص145.

86. (بِهِ)

المفردة لغوياً: "الباء" هنا للتعدية أو المصاحبة، والهاء تعود على "الدين".

إعرابها: الجار والمجرور متعلقان بالفعل "يعمل".

تشريح خاتمة النواقض

نص المتن: «وَلا فَرْقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ بَيْنَ الهازلِ وَالجَادِّ وَالخَائِفِ، إِلا المُكْرَهَ».

87. (الهازلِ)

المفردة لغوياً: من (هـ، ز، ل)، والهُزال خلاف السمن، والهَزْلُ خلاف الجد.

حدُّها: هو من يأتي بالناقض على سبيل المزاح أو اللعب، دون قصد حقيقة الفعل، ولكنه قصد اللفظ، وحكمه كحكم الجاد في جريان الكفر عليه.

إعرابها: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.

العزو: الصحاح، الجوهري، ج5، ص1850؛ إعلام الموقعين، ابن القيم، ج3، ص110.

88. (الجَادِّ)

المفردة لغوياً: من (ج، د، د)، والجدُّ هو نقيض الهزل، وهو العزم والقطع في الأمر.

حدُّها: من يأتي بالناقض قاصداً لفعله ولنتيجته، معتقداً لما يفعله.

إعرابها: اسم معطوف مجرور بالكسرة.

العزو: لسان العرب، ج3، ص105.

89. (المُكْرَهَ)

المفردة لغوياً: من (ك، ر، هـ)، والإكراه هو إلزام الشخص بما يكرهه من قول أو فعل بالتهديد أو القهر.

حدُّها: من فعل الناقض وقلبه مطمئن بالإيمان لدفع ضرر محقق لا يستطيع دفعه إلا بذلك، وهو الوحيد المستثنى من حكم التكفير بالناقض (بشروط الإكراه المعتبرة).

إعرابها: مستثنى بـ "إلا" منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

العزو: فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج12، ص311 (كتاب الإكراه).

(الحاشية )

[45] العزو للناقض العاشر: مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، ج1، ص385؛ والدرر السنية، المجلد 10، ص92.

[46] العزو لـ "الإعراض": مجموع فتاوى ابن تيمية، المجلد 7، ص616 (في بيان أن الإعراض عن الرسول تركاً لتعلمه وعمله هو كفر أكبر).

[47] العزو لـ "الاستثناء بالإكراه": التمهيد في شرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ص460؛ والجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج10، ص181 (عند تفسير آية النحل 106).

[48] العزو الإعرابي: النحو الوافي، عباس حسن، ج2، ص350 (في أحكام المستثنى بـ "إلا")؛ وإعراب القرآن، محيي الدين درويش، ج9، ص450.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

دراسة تحقيقيةاستقصائية في إجماع السلف على أصول نواقض الإسلام

الأصل الأول: الشرك في عبادة الله عز وجل

أطبق علماء الأمة من لدن الصحابة والتابعين ومن بعدهم على أن صرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله تعالى هو الناقض الأكبر الذي يخرج من الملة[1].

 وهذا الإجماع لم يشذ عنه أحد من أهل القبلة، بل هو أصل الأصول الذي قامت عليه دعوة الرسل، وقد تتابع العلماء في كل عصر على تقرير هذا القطعي[2].

الأصل الثاني: اتخاذ الوسائط بين العبد وبين الله

اتخاذ الوسائط من الأموات أو الغائبين في الدعاء والتوكل وسؤال الشفاعة هو شرك مجمع على كفره[3].

 وقد نُقل هذا الإجماع بعبارات صريحة في كتب الفقه المعتمدة عند الحنابلة والشافعية، وصرح العلماء بـأن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم فقد كفر إجماعاً، ولم يُعرف لهذا الإجماع مخالف في العصور المعتبرة[4].

الأصل الثالث: عدم تكفير المشركين أو الشك في كفرهم

هذا الأصل مبني على صدق الخبر الإلهي؛ فمن توقف في كفر من كفره الله ورسوله فقد كذب الوحي[5]. 

وقد نقل أئمة المذاهب وعلى رأسهم القاضي عياض من المالكية والنووي من الشافعية إجماع الأمة على كفر من لم يكفر المشركين أو صحح مذهبهم، لأن ذلك يستلزم إبطال الإسلام وهدم الفوارق بين الحق والباطل[6].

الحاشية و (التعليق):

[1] التعليق على إجماع الشرك: الإجماع هنا إجماع قطعي ضروري، وقد حكى ابن تيمية أن هذا هو دين المسلمين الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وأئمة المسلمين، وأن الشرك لا يغفره الله إلا بالتوبة، بخلاف ما دونه من الكبائر.

العزو: مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجلد 1، ص 128، طبعة مجمع الملك فهد.

العزو: الإقناع في مسائل الإجماع، ابن القطان الفاسي، ج1، ص 54، دار الفاروق.

[2] تحرير إجماع السلف: ذكر ابن جرير الطبري عند تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ} أن السلف أجمعوا على أن هذا في شرك العبادة.

العزو: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، المجلد 13، ص 348، تحقيق أحمد شاكر.

[3] التعليق على الوسائط: يفرق العلماء هنا بين "التوسل البدعي" وبين "اتخاذ الوسائط الشركي"؛ فالإجماع المنقول بالكفر هو فيمن جعل الوسيط قنطرة يُدعى من دون الله أو يُطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله.

العزو: الفروع، شمس الدين محمد بن مفلح المقدسي (ت 763هـ)، المجلد 10، ص 189، طبعة مؤسسة الرسالة.

[4] توثيق الإجماع في الوسائط: ممن صرح بلفظ الإجماع المرداوي في "الإنصاف" حيث قال: "أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم ويدعوهم ويسألهم: كفر إجماعاً".

العزو: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علي بن سليمان المرداوي (ت 885هـ)، المجلد 10، ص 327، دار إحياء التراث العربي.

[5] تحرير الأصل الثالث: نبه العلماء أن هذا الناقض ينطبق على من عُلم كفره بالضرورة (كاليهود والنصارى) أو من ثبت كفره بنص قطعي، ولا ينطبق على مسائل الخلاف الاجتهادي في التكفير.

العزو: روضة الطالبين وعمدة المفتين، يحيى بن شرف النووي (ت 676هـ)، المجلد 10، ص 70، المكتب الإسلامي.

[6] نقل القاضي عياض للإجماع: قال في كتابه الشفا: "ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من النصارى، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم".

العزو: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض بن موسى اليحصبي (ت 544هـ)، المجلد 2، ص 281، دار الفيحاء - بيروت.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تتمة الدراسة الاستقصائية في إجماع العلماء على النواقض

الأصل الرابع: تفضيل هدي غير النبي ﷺ أو حكم غيره على حكمه

هذا الأصل هو ركيزة التحكيم والرضا بالوحي؛ فمن اعتقد أن شريعة غير الرسول ﷺ أكمل من شريعته، أو أن القوانين الوضعية وأحكام الطواغيت أحسن من حكمه، فقد خلع ربقة الإسلام[1]. وقد نقل العلماء الاتفاق على أن هذا الاعتقاد تكذيبٌ صريح للقرآن الذي قرر كمال الدين وتمام النعمة، وأن من فضّل حكم البشر على حكم خالق البشر فقد جعل للمخلوق حق التشريع المطلق[2].

الأصل الخامس: بُغض ما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به

المحبة والانقياد شرطان في كلمة التوحيد، فمن أبغض شيئاً مما جاء به الرسول ﷺ -سواء كان حكماً وجوبياً أو خبراً غيبياً- كفر إجماعاً[3]. وقد قرر السلف أن العمل بالدين مع كراهيته في الباطن هو عين النفاق الأكبر الذي يخرج من الملة، لأن مدار الإيمان على التصديق والمحبة والقبول[4].

الأصل السادس: الاستهزاء بدين الله أو ثوابه أو عقابه

الاستهزاء بآيات الله أو برسوله ﷺ ناقضٌ صريحٌ دل عليه النص القطعي في سورة التوبة، وهو محل إجماع بين العلماء كافة[5]. ولم يفرق الفقهاء في جريان حكم الكفر على المستهزئ بين من فعل ذلك جاداً أو مازحاً أو هازلاً، لأن جناب الربوبية ومقام النبوة لا يحتملان إلا التعظيم المطلق[6].

الحاشية (التحرير):

[1] تحرير الخلاف في حكم الطواغيت والقوانين: يفرق المحققون هنا بين "كفر الاعتقاد" و"كفر العمل". فمن اعتقد أن حكم الطاغوت (وهو كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو مطاع) أفضل من حكم الله، فهذا كافر إجماعاً. أما من حكم بغير ما أنزل الله مع اعتقاده وجوب حكم الله وفضل شريعته لكنه غلبه هواه، فهذا محل تفصيل بين الكفر الأصغر والأكبر عند السلف.

العزو: منهاج السنة النبوية، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجلد 5، ص 130، طبعة جامعة الإمام.

العزو: تحكيم القوانين، محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ص 5، طبعة دار الفضيلة.

[2] نقل الإجماع في تفضيل حكم غير الرسول: ذكر ابن كثير في "البداية والنهاية" عند كلامه على "الياسق" (قانون التتار): "فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين".

العزو: البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير (ت 774هـ)، المجلد 13، ص 119، دار هجر.

[3] التعليق على أصل البغض: أجمع العلماء على أن كراهية ما ثبت عن الرسول ﷺ هي مادة النفاق. قال ابن تيمية: "من أبغض ما جاء به الرسول ﷺ فهو كافر مرتد إجماعاً، وإن عمل به".

العزو: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 522، جمع ابن قاسم.

العزو: المحلى بالآثار، علي بن أحمد بن حزم الأندلسي (ت 456هـ)، المجلد 13، ص 498، تحقيق أحمد شاكر.

[4] أقوال السلف في الانقياد الباطن: روى ابن بطة في "الإبانة" عن أئمة السلف أن الإيمان قول وعمل ونية، وأن من أبغض السنن فقد شابه أهل الزيغ.

العزو: الإبانة الكبرى، عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري (ت 387هـ)، المجلد 2، ص 790، دار الراية.

[5] توثيق إجماع المستهزئ: قال ابن قدامة في "المغني": "من سب الله تعالى كفر، سواء كان مازحاً أو جاداً، وكذلك من استهزأ بالله تعالى، أو بآياته، أو برسله، أو بكتبه".

العزو: المغني، موفق الدين عبد الله بن قدامة المقدسي (ت 620هـ)، المجلد 12، ص 298، طبعة هجر.

[6] أسباب كفر الهازل: علل الفقهاء ذلك بأن الاستهزاء ينافي اليقين والتعظيم، والهازل قد قصد التكلم بالكلمة التي هي كفر، وقصد اللفظ يكفي للحكم بالردة وإن لم يقصد حقيقة الكفر (بمعنى الاعتقاد).

العزو: الصارم المسلول على شاتم الرسول، ابن تيمية، المجلد 3، ص 956، تحقيق محمد الحلواني.

العزو: الإعلام بقواطع الإسلام، ابن حجر الهيتمي، ص 54، دار التقوى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأصل السابع: السحر (تحرير دعوى الإجماع وتحقيق القول فيه)

​تعد مسألة "السحر" من المسائل التي يتداخل فيها الحكم الفقهي بالحكم العقدي، والتحقيق في "إجماع العلماء" عليها يقتضي تفكيك المسألة إلى مناطين؛ مناط التحريم، ومناط التكفير[1].

​أولاً: الإجماع على التحريم:

نقل غير واحد من الأئمة إجماع الأمة قاطبة على حرمة السحر وتعلمه وتعليمه وممارسته. وقد حكى هذا الإجماع الإمام النووي (ت 676هـ) في "شرح صحيح مسلم"، والإمام ابن قدامة (ت 620هـ) في "المغني". وهذا الإجماع مستند إلى نصوص الوحي القطعية التي جعلت السحر من الموبقات، ولم يعرف في تاريخ الإسلام قول بجواز السحر أياً كان نوعه[2].

​ثانياً: تحقيق الإجماع على الكفر:

هنا مكمن الدقة البحثية؛ فهل أجمع العلماء على أن "الساحر كافر مرتد"؟

  1. ​ناقلو الإجماع على الكفر: ذهب طائفة من العلماء إلى نقل الإجماع على كفر الساحر، ومنهم الإمام فخر الدين الرازي (ت 606هـ) في تفسيره، حيث ذكر أن العلم بالسحر ليس قبيحاً لذاته، ولكن العمل به كفر بالإجماع. وكذلك نُقل عن بعض المالكية أن الساحر كافر إجماعاً لأن السحر لا يتم إلا بالشرك[3].
  2. ​تحرير الخلاف المانع من الإجماع القطعي: يرى المحققون أن الإجماع "النطقي" على كفر كل ساحر غير منعقد لوجود خلاف مشهور عن الشافعية. فالإمام الشافعي (ت 204هـ) وأصحابه قرروا أن الساحر لا يكفر بمجرد السحر، بل يُسأل عن سحره؛ فإن وصف ما يوجب الكفر (كعبادة الكواكب أو الشياطين) كفر، وإلا فهو عاصٍ مرتكب لكبيرة. وهذا ما رجحه ابن حجر العسقلاني (ت 852هـ) في "الفتح"، حيث بين أن القول بالتكفير المطلق هو قول الجمهور (مالك وأبي حنيفة وأحمد)، بينما الشافعي خالفهم في الإطلاق[4].

​ثالثاً: الإجماع على كفر "الساحر المستعين بالشياطين":

إذا حُرر محل النزاع، نجد أن هناك إجماعاً "أخص"؛ وهو كفر الساحر الذي يتضمن سحره دعاء غير الله أو السجود لغير الله أو إهانة المقدسات. وهذا النوع هو الذي عناه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في النواقض؛ لأن السحر الذي لا يتم إلا بالتقرب للأرواح الخبيثة هو شرك صريح، وفي هذا المقام حكى القرافي المالكي (ت 684هـ) أن السحر الذي فيه تعظيم غير الله كفر بالاتفاق[5].

الحاشية :

​[1] التعليق: التوسع في نقل الإجماع يتطلب التفريق بين سحر "الحقيقة" وسحر "التخييل" وسحر "الأدوية"، فالإجماع على الكفر يتوجه غالباً للنوع الأول.

  • ​العزو: لسان العرب، ابن منظور، ج4، ص 348؛ والمصباح المنير، الفيومي، ص 267.

​[2] نقل إجماع التحريم: قال النووي: "عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع".

  • ​العزو: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، يحيى بن شرف النووي، المجلد 14، ص 176، دار إحياء التراث.
  • ​العزو: المغني، موفق الدين ابن قدامة، المجلد 12، ص 299، طبعة هجر.

​[3] نقل الإجماع على الكفر: ذكر الرازي في تفسيره أن "العمل بالسحر كفر" ونسبه للاتفاق في بعض الوجوه.

  • ​العزو: مفاتيح الغيب (التفسير الكبير)، فخر الدين الرازي، المجلد 3، ص 212، دار إحياء التراث العربي.

​[4] تحرير الخلاف المذهبي: فصل ابن حجر في "الفتح" بين قول الجمهور وقول الشافعية، مما يقدح في دعوى الإجماع الكلي على كفر كل ساحر.

  • ​العزو: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، المجلد 10، ص 236، المكتبة السلفية.
  • ​العزو: روضة الطالبين، النووي، المجلد 10، ص 64، المكتب الإسلامي.

​[5] إجماع المالكية: حكى القرافي أن كفر الساحر مجمع عليه عند المالكية لتعلقه بالشرك.

  • ​العزو: الفروق، شهاب الدين القرافي، المجلد 4، ص 149، تحقيق خليل المنصور.
  • ​العزو: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ابن عبد البر، المجلد 4، ص 226، وزارة الأوقاف المغربية
  • .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصل الثامن: مظاهرة المشركين (تحقيق دعوى الإجماع وتحرير المناط)
يُعد أصل "الموالاة والمعاداة" من أوثق عرى الإيمان، والناقض الثامن يتعلق بصورة مخصوصة من صور الموالاة وهي "المظاهرة"؛ وتعني لغةً المعاونة والمؤازرة والتقوية بالظهر[1]. والبحث التحقيقي في إجماع العلماء على كفر من ظاهر المشركين يقتضي التفريق الدقيق بين "تولي الكفار" المخرج من الملة، وبين "موالاتهم" التي قد تكون معصية أو كبيرة لا تصل للكفر[2].
أولاً: نقل الإجماع على كفر "المظاهر"
حكى غير واحد من أئمة التفسير والفقهاء الإجماع على أن من ظاهر الكفار على المسلمين نصرةً لدينهم أو بقصد إعلاء كلمتهم وتمكينهم من ديار الإسلام فقد كفر.
الإمام ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ): نقل في "المحلى" أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً مظاهراً لهم على من يليه من المسلمين، فهو مرتد حلال الدم والمال إجماعاً[3].
الإمام ابن جرير الطبري (ت 310هـ): قرر في تفسيره عند قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} أن معنى "فإنه منهم" أي من جملتهم في الحكم، مبيناً أن من أعان الكفار على المؤمنين فقد صار حرباً لله ولرسوله، وهذا محل اتفاق في تأويل الآية عند السلف[4].
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): حكى في مواضع من "الفتاوى" أن من قفز إلى معسكر المشركين وحارب المسلمين نصرةً للكفار فهو مرتد، واعتبر ذلك إجماعاً بين المسلمين، لأن المظاهرة هنا هي تخلٍّ كلي عن عقد الإسلام والتحاق بعقد الكفر[5].
ثانياً: تحرير محل الإجماع والنزاع
التحقيق في هذا الناقض يوجب التنبيه على أن الإجماع المنعقد على الكفر هو في "المظاهرة المطلقة" التي يقصد بها المرء نصرة الكفر على الإسلام، أو التي تؤدي إلى زوال ملك الإسلام بالكلية. أما المعاونة في أمور دنيوية أو لمصلحة عارضة مع بقاء أصل الإيمان ومحبة المسلمين في القلب، فهذه التي وقع فيها النزاع والتفصيل؛ إذ عدها كثير من العلماء (كبيرة) وصنفها البعض تحت "الكفر الأصغر" أو "الموالاة الصغرى"، مستدلين بقصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه[6].
لذا، فإن الإجماع الذي عناه الإمام محمد بن عبد الوهاب هو الإجماع على كفر من جعل ظهره وقوته وسلاحه مع المشركين في حربهم لاستئصال شأفة الإسلام وأهله، وهو ما سماه الفقهاء "التولي الأكبر"[7].
الحاشية (التحرير ):
[1] التعريف اللغوي: المظاهرة من الظَّهير، وهو المعين. قال الفيروزآبادي: "تظاهروا: تعاونوا، وظاهره على عدوه: أعانه".
العزو: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 412؛ ولسان العرب، ابن منظور، ج4، ص 522.
[2] التعليق على الفرق بين التولي والموالاة: يفرق المحققون بين "التولي" وهو النصرة المطلقة وإعزاز دين الكفار (وهو كفر)، وبين "الموالاة" وهي الميل والمصانعة لغرض دنيوي (وهي معصية وقد تصل للكفر بحسب الحال).
العزو: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد، سليمان بن عبد الله آل الشيخ، ص 423، دار الصميعي.
[3] نقل ابن حزم: قال في المحلى: "صح أن قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين".
العزو: المحلى بالآثار، علي بن أحمد بن حزم، المجلد 13، ص 498، تحقيق أحمد شاكر، دار التراث.
[4] نقل الطبري: بين أن من تولى الكفار وصار ظهيراً لهم فقد باين المسلمين في حكمهم.
العزو: جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، المجلد 10، ص 398، تحقيق أحمد شاكر.
[5] نقل ابن تيمية: ذكر أن من انضم إلى معسكر التتار وحارب المسلمين فهو مرتد، ولا يُقبل منه ادعاء الإكراه في هذه الحال.
العزو: مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجلد 28، ص 530، جمع ابن قاسم.
[6] تحرير النزاع في قصة حاطب: استدل العلماء بحديث حاطب على أن مجرد المعاونة بالخبر لغرض دنيوي (حماية الأهل) مع بقاء الإيمان في القلب لا يخرج من الملة، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
العزو: فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، المجلد 12، ص 312، المكتبة السلفية.
العزو: أحكام القرآن، أبو بكر بن العربي، المجلد 4، ص 1777، دار المعرفة.
[7] تحقيق الإمام ابن القيم: فصل في أنواع التولي، وجعل المظاهرة العسكرية والسياسية التي تمحق بيضة الإسلام هي الناقض.
العزو: أحكام أهل الذمة، شمس الدين ابن القيم الجوزية، المجلد 1، ص 67، تحقيق يوسف أحمد البكري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصل التاسع: اعتقاد جواز الخروج عن الشريعة (تحرير الإجماع وتحقيق المناط)
يقوم هذا الناقض على قضية عقدية كبرى، وهي أن شريعة محمد ﷺ ناسخة لما قبلها، وعامة للثقلين (الإنس والجن) إلى قيام الساعة، فلا يسع أحداً كائناً من كان -مهما بلغت ولايته أو علمه- أن يخرج عن أحكامها أو يستغني عنها[1]. والبحث التحقيقي يثبت أن دعوى الإجماع هنا هي من قبيل "المعلوم من الدين بالضرورة".
أولاً: نقل الإجماع على الكفر
حكى أئمة الإسلام والعلماء من مختلف المذاهب والقرون الإجماع على أن من زعم أنه يستغني عن اتباع الرسول ﷺ، أو أن له طريقاً إلى الله غير شريعته، فهو كافر مرتد.
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): نَقَل الإجماع في مواضع عديدة، منها قوله: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين، وباتفاق جميع المسلمين؛ أن من سوّغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ، فهو كافر"[2].
الإمام ابن كثير (ت 774هـ): في "البداية والنهاية"، قرر أن من ترك الشرع المحكم وتحاكم إلى غيره فهو كافر، فكيف بمن يعتقد أنه يسعه الخروج عن أصل الشريعة بالكلية؟ وقد اعتبر ذلك محلاً لإجماع المسلمين[3].
القاضي عياض المالكي (ت 544هـ): في كتاب "الشفا"، ذكر أن من ادعى أنه يوحى إليه، أو زعم أنه يترقى إلى مرتبة تسقط عنه فيها العبادات (كما يزعم غلاة الصوفية والباطنية)، فهو كافر بإجماع المسلمين[4].
الإمام النووي (ت 676هـ): حكى في "روضة الطالبين" ضمن قواطع الإسلام؛ أن من اعتقد أن النبي ﷺ بعث إلى العرب خاصة، أو أن أحداً يسعه الخروج عن دعوته، فهو كافر قطعاً بإجماع من يُعتد به[5].
ثانياً: التحقيق التاريخي لمحل الإجماع (الرد على شبهة الخضر)
يرتبط هذا الناقض تاريخياً بظهور فرق زعمت أن "الولي" قد يصل بمكاشفته أو علمه اللدني إلى الاستغناء عن الوحي الظاهر، مستدلين بقصة الخضر مع موسى عليه السلام. والتحقيق الذي أجمع عليه العلماء لرد هذه الشبهة يقوم على أصلين:
الأول: أن موسى عليه السلام لم تكن شريعته عامة، بل قال له الخضر: (إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت، وأنت على علم من علم الله علمك الله لا أعلمه أنا).
الثاني: أن محمداً ﷺ بعث للناس كافة، فلو كان الخضر أو غيره حياً في زمانه، لما وسعه إلا اتباعه، كما قال ﷺ: "لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي"[6].
لذا، فإن الإجماع منعقد على أن من قاس حاله مع شريعة محمد ﷺ بحال الخضر مع شريعة موسى، فقد كذّب عموم الرسالة، وهذا هو مناط التكفير المجمع عليه[7].
الحاشية (التحرير ):
[1] التعليق: هذا الناقض يُغلق الباب أمام "الباطنية" و"غلاة المتصوفة" الذين يزعمون أن الشريعة "ظاهر" والولي له "باطن" يبيح له المحرمات أو يسقط عنه الواجبات.
العزو: الرد على الأخنائي، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، ص 124، طبعة مطبعة المدني.
[2] نقل ابن تيمية: فصل في "الفتاوى" أن شريعة الإسلام شاملة لجميع الخلق، ومن ظن أن أحداً من المشايخ يسعه الخروج عنها كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى فهو كافر مرتد.
العزو: مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 11، ص 412، جمع ابن قاسم.
العزو: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، ابن تيمية، ص 154، دار التقوى.
[3] نقل ابن كثير: ربط بين هذا الاعتقاد وبين الكفر بالوحي والقرآن.
العزو: البداية والنهاية، إسماعيل بن عمر بن كثير، المجلد 13، ص 119، دار هجر.
[4] نقل القاضي عياض: صنف هذه المسألة ضمن ما يُكفر به القائل إجماعاً لأنها "مناقضة للنبوة".
العزو: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض، المجلد 2، ص 286، دار الفيحاء.
[5] نقل النووي: اعتبر أن هذا الاعتقاد تكذيب للقرآن في قوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}.
العزو: روضة الطالبين وعمدة المفتين، يحيى بن شرف النووي، المجلد 10، ص 70، المكتب الإسلامي.
[6] تحقيق حديث الاتباع: الحديث رواه الإمام أحمد وغيره، وهو أصل في وجوب اتباع النبي ﷺ على كل من بلغه خبره.
العزو: مسند الإمام أحمد بن حنبل، المجلد 23، ص 349 (رقم 15195)، تحقيق شعيب الأرنؤوط.
[7] تحقيق ابن القيم: ذكر أن "التحاكم إلى غير الله ورسوله، أو اعتقاد عدم لزوم اتباعه" هو من أعظم أنواع الكفر والظلم والفسوق.
العزو: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم الجوزية، المجلد 1، ص 345، دار الكتاب العربي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأصل العاشر:
 الإعراض عن دين الله (تحقيق الإجماع وتحرير المناط)
يقوم هذا الناقض على مفهوم "الترك الكلي"، وهو انصراف المكلف بقلبه وجوارحه عما جاء به الوحي، بحيث لا يكون لديه أدنى اهتمام بمعرفة الحق أو العمل به[1]. والبحث التحقيقي يثبت أن الإجماع منعقد على كفر من أعرض إعراضاً كلياً يمحو أصل الإيمان.
أولاً: نقل الإجماع على كفر "المعرض"
حكى أئمة المحققين الإجماع على أن "الإعراض الكلي" هو أحد أنواع الكفر الأكبر، بل اعتبره البعض أخطر من كفر العناد.
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): نَقَل الاتفاق على أن الإيمان ليس مجرد التصديق، بل لابد من قول وعمل، وقرر أن الإعراض عما جاء به الرسول ﷺ بالكلية كفرٌ باتفاق المسلمين. قال في "المجموع": "فمن لم يعتقد وجوب اتباع الرسول ﷺ، أو أعرض عنه وعما جاء به، فهو كافر باتفاق المسلمين"[2].
الإمام ابن القيم (ت 751هـ): في كتابه "مدارج السالكين"، قسّم الكفر إلى خمسة أنواع، وجعل "كفر الإعراض" أحدها، مبيناً أنه هو الإعراض عن الرسول ﷺ، بحيث لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به أصلاً، وحكى الإجماع على كفره وصيرورته من أهل النار[3].
أئمة المذاهب في "باب الردة": تتابع الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على أن من ترك الإسلام بالكلية أو رفض تعلم أصوله الواجبة والعمل بها، فقد خرج من الملة. وصرحوا أن "الامتناع عن قبول الدين" هو عين الكفر، ولم يقل أحد من العلماء بصحة إيمان من أعرض عن الرسول إعراضاً تاماً[4].
ثانياً: تحرير محل الإجماع (الفرق بين الإعراض المطلق وإعراض المعصية)
التحقيق العلمي يوجب التفريق في هذا الناقض لضبط محل الإجماع؛ فليس كل "إعراض" يكون كفراً مخرجاً من الملة.
المناط المجمع على كفره: هو الإعراض عن أصل الدين (أصل الإسلام)، وهو ما ذكره المصنف بقوله: "لا يتعلمه ولا يعمل به"؛ أي لا يتعلم ما يدخل به في الإسلام، ولا يعمل بما لا يصح الإسلام إلا به (كشهادة التوحيد والصلاة).
المناط الذي ليس بكفر: هو الإعراض عن "فضائل الأعمال" أو "دقائق العلم"، أو الإعراض الناشئ عن كسل مع وجود أصل الانقياد والمحبة، فهذا النوع من الإعراض يُعد معصية أو نقصاً في الإيمان الواجب، ولا يبلغ حد الناقض المجمع عليه[5].
لذا، فإن الإجماع منعقد على أن من بلغه الهدى فصدف عنه بالكلية ولم يرفع به رأساً، فهو كافر كفراً أكبر[6].
الحاشية (التحرير والتوثيق):
[1] التعريف اللغوي والشرعي: الإعراض في اللغة هو الصدود والترك. وفي الشرع: هو الصدود عن سماع الوحي واتباعه.
العزو: لسان العرب، ابن منظور، المجلد 9، ص 240؛ والمفردات، الراغب الأصفهاني، ص 330.
[2] نقل ابن تيمية: أكد أن من أعرض عن الرسول بحيث لا يحبه ولا يطيعه ولا يهتم به، فقد انقضت حقيقة شهادة أن محمداً رسول الله في حقه.
العزو: مجموع الفتاوى، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجلد 7، ص 616، جمع ابن قاسم.
العزو: كتاب الإيمان، ابن تيمية، ص 205، المكتب الإسلامي.
[3] تحقيق ابن القيم: فصل في أنواع الكفر الأكبر، وجعل كفر الإعراض هو النوع الثالث، مبيناً أنه استكبارٌ وإعراضٌ عن الحق.
العزو: مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، ابن القيم الجوزية، المجلد 1، ص 346، دار الكتاب العربي.
[4] توثيق الفقهاء: ذكر الحطاب من المالكية في "مواهب الجليل" أن من عرض عليه الإسلام فامتنع من تعلمه وقبوله فهو كافر.
العزو: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، الحطاب الرعيني (ت 954هـ)، المجلد 6، ص 279، دار الفكر.
العزو: كشاف القناع، البهوتي، المجلد 6، ص 168.
[5] تحرير الفرق الدقيق: نبه الشيخ محمد بن عبد الوهاب في رسائل أخرى أن المقصود بالإعراض هو الإعراض عن أصل الدين الذي لا يقوم الإسلام بدونه.
العزو: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع ابن قاسم، المجلد 10، ص 92.
[6] العزو الإضافي لتوثيق الإجماع: نقل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في "منهاج التأسيس" إجماع الأمة على كفر من أعرض عن الله ورسوله إعراضاً كلياً.
العزو: منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس، عبد اللطيف آل الشيخ، ص 115، دار الهداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمات الخمس عشرة في تأصيل النواقض (للشيخ محمد بازمول)
المقدمة 1: شمولية مسمى "الإيمان"
قرر أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو: "قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان"، ومن هنا فإن النواقض قد تقع بالقول، أو بالاعتقاد، أو بالعمل، أو بالشك.
المقدمة 2: التلازم بين الظاهر والباطن
وهي قاعدة سنية أصيلة؛ فما يقع على الجوارح من كفر صريح هو دليل على زوال إيمان القلب، فليس الكفر محصوراً في التكذيب القلبي فقط.
المقدمة 3: الكفر مخرج من الملة بإجماع الأنبياء
بين أن هذه النواقض ليست تشريعاً جديداً، بل هي مقتضى دعوة جميع الرسل الذين جاؤوا لتحقيق التوحيد وهدم الشرك.
المقدمة 4: الفرق بين "كفر الدون" و"الكفر المخرج"
نبه على ضرورة التفريق بين الكفر الأصغر (الذي لا يخرج من الملة) والكفر الأكبر، لكي لا يُكفر المسلم بكل معصية أطلق عليها الشرع مسمى الكفر.
المقدمة 5: التكفير حق محض لله ولرسوله
فلا يجوز تكفير أحد إلا من كفره الله ورسوله، وهذا يغلق الباب أمام الهوى والآراء الشخصية في الحكم على الناس.
المقدمة 6: الفرق بين "تكفير المطلق" و"تكفير المعين"
وهي من أهم المقدمات؛ فالحكم بأن (هذا الفعل كفر) لا يلزم منه مباشرة أن (فلان الفاعل كافر) حتى تُستوفى الشروط وتنتفي الموانع.
المقدمة 7: اعتبار الشروط والموانع
فلا يُحكم على المعين بالكفر إلا بوجود شروط (كالعلم والقصد والاختيار) وانتفاء موانع (كالجهل والخطأ والإكراه والتأويل).
المقدمة 8: باب "النواقض" أضيق من باب "المعاصي"
قرر أن الأصل في المسلم بقاء إسلامه، واليقين لا يزول بالشك، فلا يخرج من الإسلام إلا بأمر قطعي لا يحتمل التأويل.
المقدمة 9: خطورة الكلام في التكفير
استحضر نصوص الوعيد لمن كفر مسلماً وليس كذلك، لبيان عظم المسؤلية العلمية والديانية في هذا الباب.
المقدمة 10: النواقض لا تنحصر في "العشرة"
بين أن حصر الإمام محمد بن عبد الوهاب هو حصر لأعظم النواقض وأكثرها وقوعاً، وليس حصراً كلياً لجميع المكفرات.
المقدمة 11: مراعاة "مقاصد المكلف" في غير الكفر الصريح
الأفعال التي تحتمل الكفر وغيره يُرجع فيها إلى قصد المكلف، أما الكفر البواح (كسب الله) فلا يُنظر فيه للقصد.
المقدمة 12: لزوم اتباع فهم السلف في باب التكفير
لأن الخروج عن فهمهم أدى لظهور فرق الخوارج والمعتزلة الذين غلوا في هذا الباب.
المقدمة 13: القول بكفر الفعل لا يقتضي "الخروج على الحاكم"
فصّل في أن مسائل التكفير العلمي تختلف تماماً عن مسائل الخروج والافتئات على ولي الأمر، لضبط الأمن الفكري.
المقدمة 14: أهمية دراسة النواقض لـ "الحذر" لا لـ "التفتيش"
فالمسلم يدرسها ليحمي دينه، لا ليتتبع عثرات الناس ويصنفهم.
المقدمة 15: وجوب الرجوع للعلماء الراسخين
لأن إنزال هذه الأحكام على الواقع هو وظيفة القضاة والعلماء الكبار، وليس لآحاد الناس أو طلاب العلم الصغار.
الحاشية (التحليل والتعليق):
[1] التعليق المنهجي: يلاحظ أن الشيخ بازمول ركز في مقدماته على "الجانب الوقائي" (المقدمات 6، 7، 15)، وذلك للرد على شبهات الجماعات المتطرفة التي اتخذت من متن "النواقض" تكتكاً لتكفير المجتمعات.
العزو: شرح نواقض الإسلام، محمد بن عمر بازمول، ص 10-45، طبعة دار الاستقامة.
[2] تحقيق القاعدة السادسة: هذه القاعدة (المطلق والمعين) هي مفتاح فهم فقه أهل السنة، وقد استوعبها الشيخ بازمول من تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (المجلد 12).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة الأولى: شمولية مسمى الإيمان وتعدد متعلقات النواقض [1]
إنَّ أولى المهمات التأصيلية التي يجب أن يستصحبها طالب العلم قبل الشروع في دراسة "نواقض الإسلام" هي تحقيق "مسمى الإيمان" عند أهل السنة والجماعة؛ إذ إنَّ الردة في حقيقتها هي انقطاعٌ لعقد الإيمان [2]. فمن لم يضبط حقيقة الإيمان -بأركانه وشرائطه- اضطربت عنده بالضرورة معايير الحكم بنقضه؛ إذ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره [3].
وقد قرر الشيخ بازمول في هذه المقدمة أن الإيمان عند السلف ليس حقيقة بسيطة تقتصر على التصديق القلبي، بل هو "حقيقة مركبة" من ثلاثة أركان لا يتحقق وجوده الشرعي إلا باجتماعها، وهي: اعتقاد الجنان، وقول اللسان، وعمل الأركان [4]. وهذا التقرير ليس مجرد تقسيم تعليمي، بل هو حائط الصد الأول ضد فكر (المرجئة) الذين أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وضد فكر (الوعيدية) الذين جعلوا كل عملٍ ناقضاً للإيمان [5].
وبناءً على هذه الشمولية في مسمى الإيمان، تتنوع "النواقض" بتنوع هذه الأركان؛ فكما أن الإيمان يتحقق بالقلب واللسان والجوارح، فإن الكفر المخرج من الملة يقع أيضاً بهذه الثلاثة [6]:
ناقضٌ قلبي (اعتقادي): كالشَّك في أصول الدين، أو عقد العزم على الكفر، أو بغض ما جاء به الرسول ﷺ، وهذا النوع لا يُشترط فيه النطق أو الفعل للحكم بوقوعه عند الله، وإن كنا في الظاهر نُجري الأحكام على ما ظهر.
ناقضٌ قولي: كسبِّ الله أو رسوله، أو الاستهزاء بالدين، أو النطق بكلمة الكفر اختياراً، وهنا يقع الكفر بمجرد القول، ولا يُلتفت لادعاء عدم القصد القلبي ما دام المتكلم قد قصد اللفظ وهو مختار غير مكره [7].
ناقضٌ عملي: كالسجود للصنم، أو إهانة المصحف، أو مظاهرة الكفار على المسلمين؛ فهذه أفعالٌ جعلها الشارع بنفسها ناقضاً للإيمان، وتكفي وحدها للحكم بالردة دون اشتراط الاستحلال القلبي عند جماهير السلف [8].
إنَّ هذه المقدمة تُخرج البحث من ضيق "التكذيب" الذي حصرت فيه الجهميةُ الكفرَ، إلى سعة "النصوص الشرعية" التي أثبتت أن الكفر قد يكون قولاً أو فعلاً أو شكاً، وهو ما ينسجم مع استقراء الإمام محمد بن عبد الوهاب للنواقض العشرة التي شملت هذه الأنواع جميعاً [9].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] منزلة هذه المقدمة: تكمن أهميتها في الرد على شبهة "حصر الكفر في الجحود والتكذيب"، وهي الشبهة التي بنى عليها المعاصرون من المرجئة مذهبهم في عدم تكفير من أتى بالنواقض العملية إلا إذا استحلها بقلبه.
[2] تعريف الردة لغةً واصطلاحاً:
لغةً: الرجوع، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ}.
اصطلاحاً: هي رجوع المسلم البالغ العاقل عن الإسلام إلى الكفر باختياره، سواء كان ذلك بنطق، أو فعل، أو اعتقاد، أو شك.
العزو: "مغني المحتاج"، الخطيب الشربيني، ج4، ص 133؛ "روضة الطالبين"، النووي، ج10، ص 64.
[3] قاعدة: "الحكم على الشيء فرع عن تصوره": هي قاعدة منطقية وفقهية كبرى، معناها أن الذهن لا يمكنه أن يُصدر حكماً بالنفي أو الإثبات على ماهيةٍ ما، إلا بعد استحضار حقيقتها وتصورها.
العزو: "شرح الكوكب المنير"، ابن النجار الفتوحي، ج1، ص 54.
[4] تحقيق إجماع السلف على تعريف الإيمان:
قال الإمام الشافعي (ت 204هـ): "كان الإجماع من الصحابة والتابعين وهلمَّ جراً ممن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر".
العزو: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، اللالكائي، ج5، ص 956، رقم (1593)، تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة.
قال الإمام البخاري (ت 256هـ): "كتبتُ عن ألفٍ من العلماء وزيادة، ولم أكتب إلا عمن قال: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص".
العزو: "فتح الباري"، ابن حجر العسقلاني، ج1، ص 47، المكتبة السلفية.
[5] التعريف بفرقة المرجئة (بتوسع):
الاشتقاق: من الإرجاء، وهو التأخير، لأنهم أخروا العمل عن مسمى الإيمان، أو من الإرجاء بمعنى الطمع، لإعطائهم الفاسق رجاءً كاملاً كالصديق.
الأصول والنشأة: بدأت كفكرة سياسية (الكف عن الحكم على المتنازعين في الفتنة)، ثم تطورت لفرقة عقدية في القرن الأول الهجري.
طبقاتهم: 1. الجهمية: أتباع جهم بن صفوان (قتل 128هـ)، زعموا أن الإيمان هو "المعرفة" فقط، والكفر هو "الجهل" فقط.
2. الكرامية: أتباع محمد بن كرام (ت 255هـ)، زعموا أن الإيمان هو نطق اللسان فقط.
3. مرجئة الفقهاء: كحماد بن أبي سليمان وأتباعه، أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، لكنهم أدخلوا التصديق والنطق، وهم أخف الطبقات.
خطرهم: تعطيل أحكام الشريعة، والقول بأن المعصية لا تضر مع الإيمان كما لا تنفع الطاعة مع الكفر.
المراجع: "مقالات الإسلاميين"، الأشعري، ج1، ص 213؛ "الملل والنحل"، الشهرستاني، ج1، ص 139.
[6] الوعيدية (الخوارج والمعتزلة):
الخوارج: أول فرقة انشقت في الإسلام، خرجوا على علي بن أبي طالب رضي الله عنه. أصل مذهبهم: تكفير مرتكب الكبيرة وتخليده في النار. ومن رؤوسهم: نافع بن الأزرق (الأزارقة)، ونجدة بن عامر (النجدات).
المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء (ت 131هـ)، وافقوا الخوارج في أن صاحب الكبيرة في النار "منزلة بين المنزلتين" في الدنيا، ومخلد في النار في الآخرة.
المراجع: "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، ابن حزم، ج3، ص 114.
[7] الكفر بالقول دون اشتراط القصد:
دليل ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ}، وقوله في المستهزئين: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. فلم يُقبل عذرهم بـ "اللعب" و"المزاح".
العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج7، ص 220.
[8] تحرير الكفر العملي:
هو ما يُسمى بـ "الكفر الأكبر المخرج من الملة بالفعل"، كالسجود للصنم. وقد حكى القاضي عياض الإجماع على كفر من سجد لصنم أو صليب، أو مشى إلى كنائس أهل الكفر بزيّهم.
العزو: "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، ج2، ص 285؛ "الإعلام بقواطع الإسلام"، ابن حجر الهيتمي، ص 54.
[9] وجه الارتباط بالمتن: استوعب متن "نواقض الإسلام" الأنواع الثلاثة؛ فالناقض الخامس (بغض ما جاء به الرسول) اعتقادي، والسادس (الاستهزاء) قولي، والأول (الشرك) عملي وقلبي، مما يؤكد شمولية منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب واتباعه لمنهج السلف في تعريف الإيمان

ــــــــــــــــــ
المقدمة الأولى - الجزء الثاني: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك [1]
أولاً: الاستدلال من القرآن الكريم
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات: 15).
المسلك اللغوي:
{إِنَّمَا}: أداة حصر وكف، تفيد إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه، وهذا يقتضي أن من لم يتصف بهذه الصفات فليس بمؤمن الإيمان الكامل أو أصل الإيمان بحسب السياق [2].
{يَرْتَابُوا}: من الرَّيْب، وهو الشك مع القلق، وزيادة التاء في "ارتابوا" تدل على التمكن في الفعل، فنفيه يقتضي وجوب اليقين القلبي [3].
المسلك العقدي:
الآية نصٌّ في مذهب أهل السنة أن الإيمان مركب من: "اعتقاد" ({آمَنُوا})، و"انتفاء الشك" ({لَمْ يَرْتَابُوا})، و"عمل" ({وَجَاهَدُوا}). فجعل الجهاد (وهو ذروة العمل) من لوازم صدق الإيمان، مما يبطل قول (المرجئة) في إخراج العمل عن مسمى الإيمان [4].
المسلك التربوي:
تربية النفس على "صدق القول بالعمل"؛ فالادعاء اللساني لا قيمة له ما لم يصدقه بذل النفس والمال في سبيل الله، وهذا يقطع دابر التمني والغرور الكاذب في قلب العبد.
المسلك التدبري:
تأمل تقديم "الإيمان بالله ورسوله" ثم اتباعه بنفي "الريب"؛ وكأن الآية تشير إلى أن أعظم آفة تضرب أصل الإيمان وتنقل العبد إلى "الناقض" هي آفة الشك والارتياب التي تسبق العمل الجسدي.
ثانياً: الاستدلال من السنة النبوية
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [5].
شرح المحققين (ابن حجر وابن رجب):
قال ابن حجر (ت 852هـ): "استدل به المصنف (البخاري) على أن الإيمان قول وعمل، لتمثيله بالقول في (لا إله إلا الله) وبالعمل في (إماطة الأذى)، فصح أن الإيمان يتجزأ ويزيد وينقص" [6].
قال ابن رجب (ت 795هـ): "هذا الحديث يدل على أن الإيمان يشمل أعمال القلوب كالحياء، وأعمال اللسان كالذكر، وأعمال الجوارح كإماطة الأذى، فكل ما يقرب إلى الله فهو من الإيمان" [7].
المسلك اللغوي:
{بِضْعٌ}: بكسر الباء، وهي ما بين الثلاثة إلى التسعة.
{شُعْبَةً}: القطعة من الشيء، والمراد بها الخصلة أو الجزء المكون للكل.
المسلك العقدي:
إثبات أن الإيمان "أصلٌ" و"شُعب"، وأن هذه الشعب منها ما يزول الإيمان بزواله (كالأصل: التوحيد)، ومنها ما يزول "كمال الإيمان" بزواله (كالأدنى: إماطة الأذى) [8].
المسلك التربوي والتدبري:
تعظيم "أعمال الجوارح" مهما صغرت، وربط "الخُلُق" (الحياء) بالعقيدة، مما يجعل المسلم مهذباً في باطنه وظاهره.
ثالثاً: تقسيمات العلماء المعاصرين وتحقيقاتهم
1. تحقيق الشيخ محمد بن صالح العثيمين (ت 1421هـ): [9]
يُفصّل الشيخ في هذه المقدمة مبيناً أن "الناقض" قد يقع في الرتب الثلاث للإيمان:
في الاعتقاد: كأن يشك في وجود الله أو في صدق الرسول.
في القول: كأن يتكلم بكلمة الكفر ولو لم يعتقدها (إلا مكره)، لأن اللسان معبرٌ عن الباطن.
في الفعل: كالسجود للصنم، ويرد على من قال "لا يكفر حتى يستحل بقلبه" بأن هذا قولٌ محدث يخالف نص القرآن في كفر المستهزئين.
2. تحقيق الدكتور صالح بن عبد العزيز السندي: [10]
للشيخ السندي "طولة بال" في تحقيق هذه المقدمة عبر تقسيم دقيق للنواقض من حيث "محل الورود":
نواقض "أصل الانقياد": وهي التي تهدم أصل الدين كالإعراض الكلي.
نواقض "التوحيد": وهي التي تقع في صرف العبادة لغير الله.
نواقض "الرسالة": وهي المتعلقة بسب الرسول أو جحد عموم رسالته.
ويؤكد السندي أن ضبط "المقدمة الأولى" يحمي طالب العلم من "خبط" الجماعات التي لا تفرق بين "الشرك الأكبر" وبين "المعصية" التي قد تسمى كفراً مجازاً.
ــــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] توطئة: هذا الجزء هو التطبيق العملي للمقدمة الأولى، فإذا تقرر أن الإيمان قول وعمل، لزم أن يكون "الاستدلال" شاملاً لهذه المناحي.
[2] قاعدة الحصر بـ "إنما": ذكر الزركشي في "البرهان" أن "إنما" للحصر عند جمهور الأصوليين واللغويين، وهي تنفي ما عدا المذكور.
العزو: "البرهان في علوم القرآن"، بدر الدين الزركشي، ج4، ص 342.
[3] الفرق بين الشك والريب: الشك هو استواء الطرفين، أما الريب فهو شك مع قلق واضطراب، ولذلك نُفي عن القرآن وعن المؤمنين.
العزو: "مقاييس اللغة"، ابن فارس، ج2، ص 463.
[4] التعريف بفرقة المرجئة (إعادة التوثيق للتوسع): سبق تعريفهم، وهنا يُضاف أن مرجئة الفقهاء (كأبي حنيفة وأصحابه) وإن أخرجوا العمل عن "مسمى الإيمان" إلا أنهم يوجبون العمل ويعاقبون على تركه، بخلاف مرجئة الجهمية الذين لا يضر عندهم ذنب.
[5] عزو الحديث: أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، رقم (9)؛ ومسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، رقم (35).
[6] عزو ابن حجر: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، المجلد 1، ص 53، المكتبة السلفية.
[7] عزو ابن رجب: "فتح الباري شرح صحيح البخاري"، ابن رجب الحنبلي، المجلد 1، ص 22-25، تحقيق طارق عوض الله.
[8] قاعدة "شُعب الإيمان": بين ابن تيمية أن الإيمان كالشجرة، أصلها ثابت وفروعها في السماء، فمنها ما يزول بزواله الإيمان بالكلية كالجذع، ومنها ما ينقص بنقصه الجمال كالأغصان.
العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج7، ص 523.
[9] عزو الشيخ ابن عثيمين: "شرح الأربعين النووية"، ص 45؛ "القول المفيد على كتاب التوحيد"، ج1، ص 493.
[10] عزو الشيخ صالح السندي: "شرح نواقض الإسلام" (دروس مفرغة)، الدرس الأول في التأصيل؛ "الوجيز في عقيدة السلف"، ص 112.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة الثانية (الجزء الأول): التلازم بين الظاهر والباطن [1]
تقوم هذه المقدمة على تقرير قاعدة شرعية وعقلية كبرى عند أهل السنة والجماعة، وهي أن بين "أعمال القلوب" و"أعمال الجوارح" ارتباطاً وثيقاً وتلازماً لا ينفك، فالباطن هو الأصل والظاهر هو الفرع واللازم والمخبر عنه [2]. وهذا الأصل هو "المنطقة الفاصلة" التي فارق فيها أهل السنة كلاً من (المرجئة) و**(الوعيدية)** في فهم حقيقة النواقض [3].
أولاً: تحقيق مفهوم التلازم في "أصل الإيمان"
يرى المحققون أن التلازم يقع في رتبتين؛ تلازمٌ في "أصل الإيمان" وتلازمٌ في "واجب الإيمان". والمقصود في باب النواقض هو تلازم الأصل؛ فمن استقر في باطنه أصل الإيمان (وهو التصديق والانقياد والمحبة)، فلا بد أن يظهر على جوارحه ما يثبت هذا الأصل من "جنس العمل". فامتناع الجوارح عن العمل بالكلية مع القدرة، أو وقوعها في "ناقض عملي صريح" كالسجود للصنم، هو دليلٌ قطعي على "خراب الباطن" وزوال ما فيه من تعظيم لله [4].
ثانياً: أثر هذه المقدمة في فهم "الناقض"
تُعد هذه المقدمة مفتاحاً لفهم لماذا يُكفّر أهل السنة بـ "الأفعال والأقوال" الظاهرة دون الحاجة لتفتيش القلوب؛ وذلك لأن:
الظاهر مرآة الباطن: فالفعل الكفري الصريح هو "أمارة شرعية" جعلها الشارع دليلاً على ذهاب إيمان القلب.
إسقاط شرط الاستحلال: ترد هذه المقدمة على من يقول: "لا يكفر الساجد للصنم حتى نعلم أنه استحل ذلك بقلبه"، فهذا القول يقطع التلازم بين الظاهر والباطن، ويجعل الجوارح تعمل في وادٍ والقلب في وادٍ آخر، وهو مذهب (الجهمية) [5].
ثالثاً: التحقيق التاريخي والفرق (المرجئة والجهمية والوعيدية)
لقد اضطربت الفرق في هذا المناط اضطراباً كبيراً:
الجهمية ومرجئة الفقهاء: قطعوا التلازم، فجوزوا وجود إيمان كامل في القلب مع فعل الكفر البواح في الظاهر، زاعمين أن الكفر لا يكون إلا بـ "التكذيب" القلبي فقط [6].
الوعيدية (الخوارج والمعتزلة): طردوا التلازم طرداً غالياً، فجعلوا "كل نقص" في الظاهر (بالمعصية) دليلاً على "زوال أصل الإيمان" من الباطن، فكفروا بالكبائر [7].
أهل السنة: توسطوا، فأثبتوا التلازم في "أصل العمل" و"أصل الإيمان"، ولم يجعلوا كل ذنبٍ ناقصاً للأصل، بل فرقوا بين "الناقض" المخرج وبين "المعصية" المنقصة [8].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاشية و (التحقيق):
[1] منزلة المقدمة: هي العاصمة من الوقوع في "الإرجاء المعاصر"، الذي جعل الأعمال مجرد "كمال" للإيمان، مما أدى لتعطيل أحكام الردة العملية.
[2] قاعدة: "الظاهر والباطن": أصلها قوله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة...».
العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، المجلد 7، ص 633، حيث أفاض في شرح هذا التلازم وبين أنه مذهب السلف قاطبة.
[3] التعريف بفرقة الجهمية (توسع):
المؤسس: جهم بن صفوان (ت 128هـ)، خرج بترمذ وقُتل بمرو.
المذهب في الإيمان: زعموا أن الإيمان هو مجرد "المعرفة" بالله، والكفر هو "الجهل" به فقط.
اللازم الفاسد: مذهبهم يقتضي أن إبليس مؤمن لأنه "عارف" بربه، وأن فرعون مؤمن لأنه قال: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ}.
المراجع: "الرد على الجهمية"، الإمام أحمد، ص 82؛ "مقالات الإسلاميين"، الأشعري، ج1، ص 132.
[4] تحقيق ابن تيمية في التلازم: قال: "القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب".
العزو: "مجموع الفتاوى"، المجلد 10، ص 192.
[5] شرط الاستحلال: هو قول من زعم أن الكافر بالعمل (كشاتم الرسول) لا يكفر حتى نعلم أنه "مستحل" بقلبه، وهذا باطل لأن الاستحلال كفرٌ مستقل (تكذيب)، والسب كفرٌ مستقل (قول)، فمن اشترط الاستحلال فقد جعل الكفر نوعاً واحداً وهو التكذيب.
العزو: "الصارم المسلول"، ابن تيمية، ج3، ص 956.
[6] مرجئة الفقهاء: (سبق تعريفهم في المقدمة الأولى)، ويُزاد هنا أنهم يوافقون أهل السنة في "وجوب العمل" ظاهراً لكنهم يخالفونهم في "تسميته إيماناً" وفي "جعل تركه كفراً" بمجرده.
[7] التعريف بالوعيدية (الخوارج والمعتزلة):
الوعيدية: نسبة إلى "الوعيد"، وهم الذين غلّبوا نصوص الوعيد على نصوص الوعد.
الخوارج: أولهم "ذو الخويصرة التميمي"، وأعظم فرقهم "الأزارقة" أتباع نافع بن الأزرق الذين استحلوا دماء المسلمين بالتكفير بالذنب.
المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، خالفوا الخوارج في الاسم (منزلة بين المنزلتين) ووافقوهم في الحكم (التخليد في النار).
المراجع: "الملل والنحل"، الشهرستاني، ج1، ص 114؛ "الفصل"، ابن حزم، ج3، ص 114.
[8] مذهب أهل السنة في التوسط: يقوم على أن الإيمان "أصلٌ وكمال"، فما كان في رتبة "الأصل" انتقض الإيمان بزواله (كالتوحيد)، وما كان في رتبة "الواجب" نقص الإيمان بزواله (كالمعاصي).
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة الثانية - الجزء الثاني: الاستدلال الشرعي على تلازم الظاهر والباطن [1]
أولاً: الاستدلال من القرآن الكريم
قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۚ وَمَا أُولَٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ} (النور: 47).
1. مسلك التحقيق والتفسير (الطبري والسعدي):
الإمام الطبري (ت 310هـ): يقرر أن الله نفى عن هؤلاء مسمى الإيمان؛ لأن قولهم "آمنا" خالفه فعلهم "التولي"، فالتولي عن طاعة الرسول أمارة على كذب دعوى الإيمان القلبي. يقول الطبري: "وما هؤلاء الذين يتولون عن طاعة رسول الله بالمدعين الإيمان بالقول، بمؤمنين حقاً؛ لأنهم خالفوا قولهم بفعلهم" [2].
الإمام السعدي (ت 1376هـ): يرى أن الإيمان الحقيقي لابد أن تتبعه الطاعة كأثرٍ لازم، وأن التولي "العملي" يقطع بموت الإيمان في الباطن. يقول: "فالإيمان الصحيح واليقين الصادق يقتضي الانقياد التام، فالتولي دالٌّ على انتفاء الإيمان" [3].
2. المسلك اللغوي:
{ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ}: التولي هو الإعراض بالبدن والقلب، واستخدام "ثُمَّ" هنا يفيد التراخي الرتبي؛ أي أن جرم هذا التولي بعد دعوى الإيمان جرمٌ عظيم فضح مكنون سرائرهم [4].
{بِالْمُؤْمِنِينَ}: دخول الباء (الزائدة للتأكيد) في خبر "ما" النافية يفيد المبالغة في سلب مسمى الإيمان عنهم في الباطن والظاهر.
3. المسلك العقدي:
الآية أصلٌ في "التلازم"؛ فالله لم يحكم بكفرهم لعدم التصديق فحسب، بل جعل "التولي العملي" وحده سبباً لنفي الإيمان عنهم، مما يرد على (المرجئة) الذين يزعمون ثبوت الإيمان مع الإعراض العملي الكلي.
4. المسلك التربوي والتدبري:
التربوي: الحذر من "النفاق العملي"؛ فالمسلم لابد أن يراقب جوارحه، فكل حركة في الظاهر هي "تقرير" يُرفع عن حالة القلب.
التدبري: تأمل كيف قرن الله بين "آمنا" و"أطعنا"؛ فالإيمان هو المبدأ والطاعة هي المنتهى، ومن لم يصل للمنتهى فمبدؤه مدخول.
ثانياً: الاستدلال من السنة النبوية
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «...أَلاَ وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلاَ وَهِيَ الْقَلْبُ» [5].
1. شرح المحققين (ابن حجر، ابن رجب، ابن تيمية):
الحافظ ابن حجر (ت 852هـ): أكد أن القلب هو "الملك" وأن الأعضاء "رعية"، وطاعة الرعية للملك طاعة ذاتية؛ فصلاح الظاهر هو "البرهان" الصادق على صلاح الباطن [6].
الحافظ ابن رجب (ت 795هـ): يرى أن حركات الجوارح تابعة لمرادات القلب، فإذا امتلأ القلب بخشية الله لم تنبعث الجوارح إلا لطاعته، وإذا خلا من التعظيم هانت عليه المعصية [7].
شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): استدل بهذا الحديث على بطلان قول من يزعم إيماناً في القلب لا يظهر أثره على الجوارح، وسماه "ممتنعاً شرعاً وعقلاً"؛ لأن المعلول لابد أن يتبع علته [8].
2. المسلك اللغوي:
{مُضْغَةً}: هي القطعة الصغيرة من اللحم بقدر ما يُمضغ، وفي هذا إشارة إلى أن مدار النجاة على هذا الجزء الصغير الذي هو "منبع" التصرفات.
{إِذَا صَلَحَتْ}: "إذا" شرطية تفيد التحقق، والجواب "صلح الجسد" يؤكد التلازم الحتمي.
3. المسلك العقدي:
إثبات أن "أعمال الجوارح" من مسمى الإيمان؛ لأنها ثمرة القلب، والشرع لا يفرق بين الثمرة وأصلها في الحكم العام.
4. المسلك التربوي والتدبري:
التربوي: التركيز على "إصلاح القصد"؛ فالمرء إذا انشغل بتزيين ظاهره وقلبه خَرِبٌ، فلن تستقيم له جوارحه على الطويل.
التدبري: تأمل قوله "الجسد كله"؛ فصلاح القلب لا يترك عضواً واحداً بلا أثر، فمن زعم صلاح قلبه ولسانه لا يكف عن الغيبة، أو عينه لا تكف عن النظر، فقد كذّب قول النبي ﷺ.
ـــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق والمصادر):
[1] منزلة المقدمة: هي القاعدة الكبرى في "فقه السلوك" و"فقه العقيدة" معاً، وبدونها يصبح التدين مجرد صور جوفاء أو دعاوى قلبية لا دليل عليها.
[2] عزو الطبري: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، محمد بن جرير الطبري، المجلد 17، ص 337، تحقيق أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة.
[3] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، ص 570، دار ابن الجوزي.
[4] لطيفة لغوية: "ثُمَّ" تفيد التراخي، وهنا تشير إلى أن تولي هؤلاء لم يكن فلتة لسان، بل هو إصرارٌ ومنهجٌ عَمَلي بعد إدراكٍ وعلم.
[5] عزو الحديث: أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الإيمان، رقم (52)؛ ومسلم في "صحيحه"، كتاب المساقاة، رقم (1599).
[6] عزو ابن حجر: "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، المجلد 1، ص 128، المكتبة السلفية.
[7] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم"، ابن رجب الحنبلي، ص 120، طبعة دار المعرفة.
[8] عزو ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، المجلد 7، ص 633-640 (كتاب الإيمان)، حيث قرر "قاعدة التلازم" باستفاضة لرد شبهات الجهمية.
ــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة الثالثة: الكفر مخرج من الملة بإجماع الأنبياء وعموم رسالاتهم [1]
أولاً: التحرير التأصيلي لمسألة الكفر
إنَّ قضية "الكفر" ليست مجرد اصطلاحٍ فقهي نشأ في عصور متأخرة، بل هي حقيقةٌ عقدية قديمة قدم الوحي نفسه. فقد أطبق الأنبياء جميعاً -من لدن نوح عليه السلام إلى خاتمهم محمد ﷺ- على أنَّ "الكفر" هو الضد المناقض للإيمان، وأنَّ وقوع العبد فيه يعني خروجه من دائرة النجاة إلى دائرة الهلاك، ومن ولاية الله إلى ولاية الشيطان [2]. وهذا الإجماع النبوي يقوم على أنَّ أصل دعوة الرسل واحدة وهي "التوحيد"، وما يضاد هذا الأصل هو "الكفر"؛ فمن نَقَضَ الأصلَ خَرَجَ عن الملة بالضرورة [3].
ثانياً: تقسيمات الكفر وتحقيق مناطاتها
لضبط هذه المقدمة، لابد من تقسيم الكفر إلى نوعين رئيسين كما قرره المحققون من أهل السنة، لئلا يختلط ما هو مخرج بما هو ليس بمخرج:
الكفر الأكبر (المخرج من الملة):
وهو الذي يسلب مسمى الإيمان بالكلية، ويوجب الخلود في النار، وله خمسة أنواع كبرى:
كفر التكذيب: وهو اعتقاد كذب الرسل.
كفر الإباء والاستكبار: ككفر إبليس، فهو لم يكذب بقلبه لكنه أبى الانقياد.
كفر الشك (الريب): وهو التردد في صدق ما جاء به الرسول.
كفر الإعراض: وهو الترك الكلي للدين تعلماً وعملاً.
كفر النفاق: وهو إظهار الإيمان وإبطان الكفر [4].
الكفر الأصغر (الكفر الذي دون كفر):
وهو الذنوب والمعاصي التي سماها الشارع كفراً ولم تصل إلى حد الناقض، كقتال المسلم أو الطعن في النسب. وهذا النوع لا يخرج من الملة، ولا يوجب الخلود في النار، بل صاحبه تحت المشيئة [5].
ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك
1. من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: 36).
تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن هذه الآية هي "زبدة دعوة الرسل"، فكلهم اتفقوا على أمرين: الأمر بعبادة الله (الإيمان)، والنهي عن عبادة الطاغوت (الكفر). فمن لم يجتنب الطاغوت لم يحقق العبادة، ومن لم يحققها فهو كافر خارج عن صراط الله [6].
المسلك اللغوي: لفظ {كُلِّ} يفيد العموم والشمول، و**{اجْتَنِبُوا}** أبلغ من "اتركوا"؛ لأنها تفيد صيرورة العبد في "جانب" والطاغوت في "جانب" آخر، مما يدل على المفاصلة الكلية.
المسلك العقدي: إثبات أن "الكفر بالطاغوت" ركن في الإيمان لا يصح بدونه، وهو ما يُسمى بـ "النفي" الملازم لـ "الإثبات" في كلمة التوحيد.
المسلك التربوي: تربية العبد على "الوضوح العقدِي"؛ فلا بد من كراهية الباطل ونبذه لتصح محبة الحق.
المسلك التدبري: تأمل تقديم "الأمر بالعبادة" على "اجتناب الطاغوت" في الرتبة، وكيف أنه لا يمكن الجمع بين نقيضين في قلب واحد.
2. من السنة النبوية:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ» [7].
شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يرى ابن رجب أن هذا الحديث نصٌّ في أن من ترك الصلاة (وهي أعظم عمل الجوارح) فقد قطع الخيط الواصل بينه وبين الإسلام، وانتقل إلى حيز الكفر. ويؤكد أن الصحابة لم يكونوا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة، مما يدل على أن الكفر يقع بترك "جنس العمل" [8].
المسلك اللغوي: استخدام {بَيْنَ} يفيد الظرفية الفاصلة، والتعريف في {الْكُفْرِ} (الألف واللام) ينصرف عند المحققين إلى "الكفر الأكبر" المخرج من الملة.
المسلك العقدي: إثبات أن الكفر قد يكون بـ "الترك" كما يكون بـ "الفعل"؛ فترك الصلاة ناقض عملي مخرج عند جمع من السلف.
المسلك التربوي: تعظيم قدر الصلاة في نفس المسلم، وأنها "الحصن الأخير" الذي يحميه من الوقوع في الكفر.
المسلك التدبري: تأمل كيف جعل النبي ﷺ الصلاة هي "البرزخ" الفاصل؛ فبقدر حظ العبد من الصلاة يكون حظه من الإسلام.
رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة
[القاعدة: مسمى الكفر في الشرع حقيقةٌ شرعية لا يجوز نقلها إلا بدليل] [9]
ومعناها: أن الكفر ليس مسألة تخضع للآراء أو الأذواق، بل هو "حكمٌ شرعي" محض. فما سماه الله كفراً مخرجاً وجب اعتباره كذلك، وما سماه كفراً دون كفر وجب الوقوف عنده. والأنبياء أجمعوا على أن "أصل الدين" واحد، فمن أتى بما ينقض هذا الأصل فهو كافر، وهذا من باب "ترتيب الأحكام على أوصافها" [10].
ــــــــ_ـــــــــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] تحرير الإجماع: نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن الرسل من أولهم إلى آخرهم متفقون على أن الدين عند الله الإسلام، وأن ما يضاده هو الكفر المانع من دخول الجنة.
العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، المجلد 7، ص 522.
[2] تعريف الطاغوت (توسع):
لغةً: من الطغيان وهو مجاوزة الحد.
اصطلاحاً: قال ابن القيم: "هو كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع".
رؤوسه: الشيطان، والحاكم بغير ما أنزل الله مستحلاً، والذي يدعي علم الغيب، والذي يُعبد من دون الله وهو راضٍ.
المراجع: "إعلام الموقعين"، ابن القيم، ج1، ص 50.
[3] الفرق بين الكفر والجحود: الكفر أعم من الجحود؛ فكل جاحد كافر، وليس كل كافر جاحداً، فقد يكون مقراً بقلبه (ككفر أهل الكتاب) لكنه كافر بعناده وإبائه.
[4] أنواع الكفر الأكبر: فصلها ابن القيم في "مدارج السالكين" تفصيلاً ممتعاً.
العزو: "مدارج السالكين"، ج1، ص 346، دار الكتاب العربي.
[5] التعريف بفرقة المرجئة (علاقتها بهذه المقدمة): المرجئة هنا يحاولون "تمييع" مفهوم الكفر المخرج، فيزعمون أن الكفر الأكبر محصور فقط في "التكذيب"، أما "الترك" أو "السب" فلا يخرج عندهم من الملة إلا بالاستحلال، وهذا يصادم إجماع الأنبياء.
[6] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 441، دار ابن الجوزي.
[7] عزو الحديث: أخرجه مسلم في "صحيحه"، كتاب الإيمان، رقم (82).
[8] عزو ابن رجب: "فتح الباري"، ابن رجب الحنبلي، ج1، ص 21؛ و"جامع العلوم والحكم"، ص 145.
[9] شرح القاعدة الأصولية: الكفر حق لله ولرسوله، فلا يجوز تكفير المسلم بغير نص، كما لا يجوز تمييع نصوص التكفير التي أجمع عليها الأنبياء بدعوى الرحمة أو العصرنة.
[10] قاعدة (الأصل): اليقين لا يزول بالشك؛ فمن ثبت إسلامه بيقين لم يخرج منه إلا بيقين (وهو وقوعه في ناقض مجمع عليه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة الرابعة: التفريق بين "كفر الدون" و"الكفر المخرج" [1]
أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي
من أعظم القواعد التي تحفظ طالب العلم من الانزلاق في وهاد الغلو (الخوارج) أو التفريط (المرجئة) هي قاعدة "تجزؤ الكفر"؛ فكما أن الإيمان شعب، فكذلك الكفر شعب [2]. وهذا يقتضي بالضرورة أن ليس كل فعل أو قول أطلق عليه الشارع مسمى "الكفر" يكون ناقضاً مخرجاً من الملة بالكلية. فالشرع استعمل لفظ الكفر في موضعين: أحدهما يُراد به "أصل الكفر" الذي يضاد أصل الإيمان (الناقض)، والآخر يُراد به "كفر المعصية" الذي يضاد كمال الإيمان الواجب ولا يخرج صاحبه من دائرة الإسلام [3].
ثانياً: تقسيمات الكفر بحسب دلالة اللفظ
الكفر المطلق (المعرف بأل): غالباً ما ينصرف في لسان الشارع إلى الكفر الأكبر الذي يخرج من الملة ويوجب الخلود في النار، كقوله ﷺ: «ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة» [4].
الكفر المنكّر (كفرٌ): غالباً ما يأتي في سياق الزجر عن كبائر الذنوب التي لا تصل لحد الناقض، وهو ما اصطلح عليه السلف بـ "كفر دون كفر"، كقوله ﷺ: «اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت» [5].
ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك
1. من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة: 44).
تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن الكفر في هذه الآية ينقسم إلى قسمين بحسب حال الحاكم؛ فإنه يكون كفراً مخرجاً إذا اعتقد الحاكم حلَّ الحكم بغير ما أنزل الله، أو اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. ويكون كفراً أصغر (كفر دون كفر) إذا كان يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، ولكنه عدل عنه لهوى أو شهوة مع اعترافه بالتقصير، فهذا ظالم فاسق كافر كفراً لا يخرجه عن الملة [6].
المسلك اللغوي: جاءت كلمة {الْكَافِرُونَ} بالتعريف بأل، والتعريف هنا للجنس، وهذا ما استدعى من الصحابة كابن عباس تحرير المراد لئلا يُفهم منه العموم المخرج لكل من أخطأ في الحكم.
المسلك العقدي: إثبات قاعدة "تعدد رتب الكفر"؛ فاللفظ الواحد في القرآن قد تتعدد دلالاته العقدية بحسب القرائن والمناطات.
المسلك التربوي: تربية العقل المسلم على "الإنصاف والتحري"؛ فلا يُرمى المسلم بالردة لمجرد وقوعه في مخالفة سماها الشارع كفراً، بل يُنظر في استيفاء الشروط.
المسلك التدبري: تأمل تعقيب الآيات التالية بـ {فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} و{فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وكأن السياق يشير إلى تداخل هذه الأوصاف وتفاوت مراتبها.
2. من السنة النبوية:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» [7].
شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن قتال المسلم سُمي كفراً تغليظاً وزجراً، وهو من "كفر العمل" الذي لا يخرج من الملة. واستدل بقوله تعالى في سورة الحجرات: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا}، فسماهم مؤمنين مع وجود الاقتتال الذي سماه النبي ﷺ كفراً. وهذا هو المحكم في التفريق بين الناقض وبين المعصية المغلظة [8].
المسلك اللغوي: قوله {كُفْرٌ} جاء منكراً، والتنكير هنا قد يفيد "التبعيض"؛ أي أن فيه خصلة من خصال الكفر، أو "النوعية" أي نوع من الكفر لا يبلغ أصله.
المسلك العقدي: الرد على (الخوارج) الذين استدلوا بظاهر هذا الحديث على تكفير مرتكب الكبيرة، وبيان أن السنة يفسر بعضها بعضاً، وأن نصوص الوعيد لا تُؤخذ بمعزل عن نصوص الوعد.
المسلك التربوي: تعظيم حرمة دم المسلم، وأن قتاله من أخطر الذنوب التي تقرب العبد من حياض الكفر الأكبر.
المسلك التدبري: تأمل التدرج من "السباب" (اللسان) إلى "القتال" (الجوارح)؛ فالبداية فسوق والنهاية كفر، وفي هذا تحذير من استصغار بدايات الانحراف.
رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة
[القاعدة: الأفعال والصفات التي سماها الشارع كفراً تنقسم بحسب المناط إلى "مباينة لأصل الدين" أو "مباينة لكماله"] [9]
ومعناها: أن المناط (وهو العلة والوصف) هو الحكم. فإذا كان الفعل يرجع إلى "الجحد" أو "الاستكبار" أو "الاستحلال" أو "صرف العبادة" فهو كفر مخرج. وإذا كان يرجع إلى "الشهوة" أو "العصبية" مع بقاء أصل الانقياد، فهو كفر دون كفر. والواجب هو الجمع بين النصوص، فلا نُكفّر بما لم يكفر به الله، ولا نؤمّن من توعده الله بالخروج من الملة [10].
ـــــــــــــــــــــــــــ_ــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] منشأ المصطلح: مصطلح "كفر دون كفر" اشتهر عن حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير آية الحكم، وتبعه على ذلك عامة السلف كطاووس وعطاء.
العزو: "تفسير الطبري"، ج10، ص 355؛ "أخبار القضاة"، وكيع، ج1، ص 43.
[2] قاعدة تجزؤ الإيمان والكفر: أجمع أهل السنة على أن الإيمان ذو شعب، فكذلك الكفر ذو شعب؛ فليست كل شعبة منه تخرج من الملة كما أن ليست كل شعبة من الإيمان تخرج من لم يأت بها من الإيمان (إلا الشهادتين).
العزو: "كتاب الإيمان"، ابن تيمية، ص 245.
[3] تحرير الفرق بين "كفر العمل" و"كفر الاعتقاد": يرى المحققون أن الكفر العملي ينقسم بدوره إلى مخرج (كالسجود للصنم) وغير مخرج (كقتال المسلم)، فليس كل كفر عملي هو "كفر دون كفر".
[4] عزو حديث ترك الصلاة: أخرجه مسلم في "صحيحه"، رقم (82).
[5] عزو حديث الطعن في النسب: أخرجه مسلم في "صحيحه"، رقم (67).
[6] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 232، دار ابن الجوزي.
[7] عزو الحديث: أخرجه البخاري، رقم (48)؛ ومسلم، رقم (64).
[8] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 148؛ "فتح الباري"، ابن رجب، ج1، ص 135.
[9] التعريف بفرقة الخوارج وعلاقتها بالمقدمة:
الخوارج: (سبق تعريفهم)، وضلالهم في هذه المقدمة نبع من "التعميم"؛ فلم يفرقوا بين الكفر الأكبر والأصغر، فكل من عصى الله فقد كفر بظنهم.
رؤوسهم في الاستدلال بالوعيد: نافع بن الأزرق الذي كان يناظر ابن عباس في هذه المسائل.
[10] القاعدة الأصولية (تحقيق المناط): هو أهم أدوات المجتهد في باب النواقض، إذ به يُفرق بين الصورة التي تنطبق عليها الآية ككفر مخرج، والصورة التي تنطبق عليها ككفر أصغر.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المقدمة الخامسة: التكفير حقٌ محض لله ولرسوله (الأصالة والمصدرية) [1]
أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي
إنَّ التكفير حكمٌ شرعي، والشرائعُ مبناها على التوقيف لا على الآراء والأهواء؛ وبناءً عليه، فإنَّ وصف "الكفر" ليس حقاً للمخلوق يُسقطه على من يشاء من خصومه أو من يخالفه في الرأي، بل هو "حقٌّ محض لله تعالى" ولرسوله ﷺ [2]. فالمسلم لا يكفر إلا إذا كفره الله ورسوله بنصٍّ صحيحٍ صريح، أو بإجماعٍ قطعي مستندٍ إلى الوحي. وهذه المقدمة هي الصارفة لطلاب العلم عن اقتحام عقبة التكفير بغير برهان، وهي المانعة من مسلك (الخوارج) الذين جعلوا عقولهم وأهواءهم مصدراً للتكفير [3].
ثانياً: تقسيمات التكفير من حيث "جهة الصدور"
التكفير الشرعي: وهو ما نصَّ عليه الوحي (الكتاب والسنة)، وهو الحق الذي يجب اعتقاده واتباعه، كالتكفير بالشرك أو بسب الدين.
التكفير البدعي: وهو التكفير بمجرد المخالفة في الرأي، أو التكفير باللازم الذي لا يلتزمه القائل، أو التكفير بالمعاصي والذنوب، وهذا هو مسلك أهل البدع والضلال [4].
ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك
1. من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (النحل: 116).
تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن هذه الآية تحذيرٌ شديد من "التحليل والتحريم" بغير علم، والحكم بالكفر (الذي هو نقيض الإيمان) داخلٌ في هذا التحذير من باب أولى؛ لأنه حكمٌ على مصير العبد في الآخرة ودمه وماله في الدنيا. فالذي يُكفر من لم يكفره الله فقد افترى على الله الكذب، وجعل نفسه شريكاً لله في التشريع [5].
المسلك اللغوي: قوله {تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ}؛ أسند الوصف للسان إشارةً إلى أنه قولٌ مجرد لا حقيقة له ولا برهان يسنده، واستخدام {الْكَذِبَ} مفعولاً به للوصف يُبين قبح الجناية.
المسلك العقدي: إثبات أن "الأسماء والأحكام" (مؤمن، كافر، فاسق) هي حقائق شرعية لا يملك العقل استقلالاً إثباتها أو نفيها بعيداً عن الوحي.
المسلك التربوي: تربية العبد على "الورع العلمي"؛ فإذا كان المرء يتورع في الفتوى في درهم أو دينار، فكيف لا يتورع في الحكم بخروج المسلم من الإسلام؟
المسلك التدبري: تأمل الختام بـ {لَا يُفْلِحُونَ}؛ وكأن الله يخبر أن من تجرأ على مقام الألوهية بالتحليل والتحريم والتكفير بغير حق، فإن عاقبته الخسران في الدنيا والآخرة.
2. من السنة النبوية:
عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيِه بِالْكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ» [6].
شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن هذا الحديث من أعظم الزواجر عن التكفير بغير حق. ومعنى "ارتدت عليه" أي رجع إليه وبال معصيته، وقيل: يخشى عليه أن يؤول أمره إلى الكفر الحقيقي لشؤم تعديه على ربه وصرف حق الله لغيره. ويؤكد ابن رجب أن السلامة لا يعدلها شيء، والسكوت عمن لم يكفره الشرع هو الأصل [7].
المسلك اللغوي: {لَا يَرْمِي}: الرمي يفيد القذف بالشيء عن بُعد، وكأن المكفر يرمي سهاماً قد تصيب وقد تخطئ، فإذا أخطأت السهام عادت لنحر الرامي.
المسلك العقدي: التحذير من "التكفير المقابل"؛ فأهل السنة لا يكفرون من كفرهم (كفعل الرافضة والخوارج)، بل يمتثلون حكم الله فيه فقط؛ لأن التكفير ليس للمجازاة أو المعاملة بالمثل، بل هو "حقٌ لله" [8].
المسلك التربوي: غرس قيمة "حرمة المسلم"؛ فالأصل فيمن دخل الإسلام بيقين أن يبقى فيه، والشك في كفره لا يزيل يقين إسلامه.
المسلك التدبري: تأمل ربط الفسوق بالكفر؛ فالتجرؤ على صغائر الأحكام والأسماء يُسلم العبد إلى كبارها، ومن هان عليه تفسيق أخيه هان عليه تكفيره.
رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة
[القاعدة: التكفير حكمٌ شرعي توقيفي، والخطأ في ترك ألف كافرٍ أهون من الخطأ في سفك دم مسلمٍ واحد] [9]
ومعناها: أن باب التكفير يُغلق دونه كل باب للاجتهاد العقلي الصرف أو القياس الفاسد. فالمناطات المكفرة لابد أن تكون "بواحاً" بنص الشارع. وإذا تعارض عندنا يقين "الإسلام" مع شك "وقوع الناقض"، قدّمنا اليقين؛ لأن اليقين لا يزول إلا بيقينٍ مثله، وهذا من مقتضيات تعظيم حق الله ورسوله في التشريع [10].
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] أصل القاعدة: نبه عليها أئمة أهل السنة قديماً كالإمام أحمد والشافعي، وصاغها شيخ الإسلام ابن تيمية بلفظها المشهور: "التكفير حق لله، فلا نكفر إلا من كفره الله ورسوله".
العزو: "الرد على الإخنائي"، ابن تيمية، ص 345؛ "الدرر السنية"، ج10، ص 432.
[2] قاعدة: "التكفير لا يثبت بالقياس": لأن القياس مظنة الخطأ، والأحكام المترتبة على الكفر (قتل، استباحة مال، تفريق بين زوجين) أحكامٌ عظيمة لا تُبنى إلا على أصلٍ مقطوعٍ به.
[3] التعريف بفرقة المعتزلة وعلاقتها بالمقدمة:
المعتزلة: (سبق تعريفهم)، وضلالهم هنا أنهم جعلوا "العقل" حاكماً على النصوص في باب الأسماء والأحكام، فابتدعوا منزلة (الفاسق الملي) وجعلوه مخلداً في النار، وهو قولٌ لم يقل به الله ولا رسوله.
المراجع: "شرح الأصول الخمسة"، القاضي عبد الجبار، ص 134.
[4] تحرير الفرق بين "الردة" و"الزندقة": الردة هي الرجوع الصريح، والزندقة هي إبطان الكفر وإظهار الإسلام، وكلاهما يُرجع فيه للنص في إثبات الناقض.
[5] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 451، دار ابن الجوزي.
[6] عزو الحديث: أخرجه البخاري في "صحيحه"، رقم (6045)؛ ومسلم في "صحيحه"، رقم (61).
[7] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 230؛ "فتح الباري"، ابن رجب، ج1، ص 128.
[8] قاعدة المعاملة بالمثل في التكفير: قال ابن تيمية: "فلو أن كافراً سبَّ الله، لم يجز لنا أن نسبَّ الله، ولو أن مبتدعاً كفّرنا، لم يجز لنا أن نكفره بغير وجهٍ شرعي".
العزو: "الاستقامة"، ج1، ص 164.
[9] شرح القاعدة الأصولية: مأخوذة من روح مقاصد الشريعة في حفظ الدماء، وقد نقلها الشوكاني في "السيل الجرار" (ج4، ص 578) كقاعدة محكمة في باب الردة.
[10] قاعدة اليقين والشك: "ما ثبت بيقين لا يزول بشك"، وهي قاعدة فقهية كلية (من القواعد الخمس الكبرى)، وتطبيقها في العقيدة أوجب وأحوط.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة السادسة: الفرق بين "تكفير المطلق" و"تكفير المعين" (تحقيق المناط) [1]
أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي
هذه المقدمة هي "صمام الأمان" الذي يحمي المجتمعات المسلمة من غلو (الخوارج) وجفاء (المرجئة). فثمة فرقٌ جوهري في الشرع بين "الحكم المطلق" (وهو وصف الفعل أو القول بالكفر) وبين "الحكم على المعين" (وهو إنزال حكم الكفر على شخصٍ بعينه) [2]. فأهل السنة يقررون أن قولاُ ما قد يكون كفراً، ولكن القائل المعين له قد لا يكون كافراً لانتفاء شرط أو وجود مانع. وهذا يقتضي أن "الملازمة" بين كفر الفعل وكفر الفاعل ليست ملازمةً آلية، بل هي ملازمةٌ "مشروطة" باستجماع الحجة وانتفاء الشبهة [3].
ثانياً: تقسيمات التكفير من حيث "المحل"
تكفير المطلق (النوع): وهو الحكم العام على الأفعال أو الأقوال أو الاعتقادات، كقولنا: "من سجد لصنم فقد كفر"، أو "من سبَّ الدين فقد كفر". وهذا النوع من التكفير واجبٌ لحماية جناب التوحيد وبيان حدود الإسلام [4].
تكفير المعين (العين): وهو الحكم على "زيد أو عمرو" بأنه كافر مرتد. وهذا لا يجوز اقتحامه إلا بعد التحقق من بلوغ الحجة الشرعية، وتحقق شروط التكفير، وانتفاء موانعه (كالجهل، والخطأ، والإكراه، والتأويل السائغ) [5].
ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك
1. من القرآن الكريم:
قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (التوبة: 115).
تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن هذه الآية أصلٌ في عدل الله؛ فالله لا يحكم بالضلال أو الكفر على من دخل في الهداية (الإسلام) إلا بعد "البيان" الواضح الذي تقوم به الحجة وتزول به الشبهة. فقبل البيان، يكون المرء معذوراً بجهله أو خطئه، ولا يُسلب عنه وصف الإيمان بمجرد الوقوع في المحذور قبل علمه به [6].
المسلك اللغوي: قوله {حَتَّىٰ يُبَيِّنَ}؛ "حتى" هنا غائية، تفيد أن ما قبلها (الضلال والحكم بالكفر) ممتنعٌ حتى يتحقق ما بعدها (البيان). والبيان لابد أن يكون شافياً كافياً.
المسلك العقدي: إثبات أن "العلم" شرطٌ في التكفير، وأن "الجهل" مانعٌ معتبر، وهذا يرد على من يكفرون المسلمين بالعموم دون اعتبار لحال الجهل في الأزمان والأماكن التي تخفى فيها معالم النبوة.
المسلك التربوي: تربية النفس على "الاحتياط" في دماء المسلمين وأعراضهم، وعدم العجلة في الحكم بالخروج من الملة قبل براءة الذمة بالبيان.
المسلك التدبري: تأمل الختام بـ {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}؛ فهو عليمٌ بمقاصد القلوب، فمن أخطأ في طلب الحق عذره، ومن أعاند بعد البيان كفره.
2. من السنة النبوية:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في قصة الرجل الذي أسرف على نفسه وقال لأولاده: «لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ اللَّهُ لَيُعَذِّبَنِي عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْرِقُوهُ وَيَذْرُوهُ... فَغَفَرَ اللهُ لَهُ» [7].
شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن هذا الرجل شكَّ في كمال قدرة الله (وهو كفرٌ مطلق)، ولكنه فعل ذلك لجهله وعظم خوفه من الله، فغفر الله له ولم يُكفره بعينه لمانع الجهل وعجز الفهم. وهذا أعظم دليل على أن المعين قد يأتي بالكفر الصريح ويُعذر لموانع معتبرة [8].
المسلك اللغوي: قوله {لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ اللَّهُ}؛ فيها تأويلان: إما من "القَدَر" (التضييق) أو من "القُدْرة" (الاستطاعة)، والشك في الثانية كفر، لكنه عُذر لغلبة الحال عليه.
المسلك العقدي: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الحديث يقطع بأن التكفير لا يلحق المعين إلا بعد بلوغ الحجة، وأن الخطأ في الصفات أو القدرة قد يُعذر فيه الجاهل [9].
المسلك التربوي: سعة رحمة الله بالجهال والمخطئين من أمة محمد ﷺ، ووجوب الاقتداء بهذا الخلق الإلهي في الترفق بالخلق.
المسلك التدبري: تأمل كيف أن "خوف الله" الذي في قلبه شفع له عند وقوعه في لفظ كفري؛ فدل على أن "أصل الإيمان" قد يبقى مع وجود "فرع كفري" ناتج عن خطأ أو جهل.
رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة
[القاعدة: لا يلزم من كفرِ القول أو الفعل كفرُ القائل أو الفاعل؛ حتى تُستوفى الشروط وتنتفي الموانع] [10]
ومعناها: أن الحكم بالكفر على المعين هو "توقيعٌ عن الله" يحتاج إلى تثبت قضائي وعلمي. والشروط هي: (العلم، القصد، الاختيار، البلوغ). والموانع هي: (الجهل، الخطأ، الإكراه، التأويل، العجز). فإذا فقد شرط أو وجد مانع، بقي الشخص على "يقين الإسلام" وسقط عنه "حكم الكفر" وإن كان فعله كفراً [11].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الحاشية (التحقيق ):
[1] أهمية المقدمة: هي التي ميزت مذهب السلف عن الخوارج الذين كفروا بالعموم، وعن المرجئة الذين لم يكفروا أحداً أصلاً.
العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج12، ص 466.
[2] قاعدة: "اليقين لا يزول بالشك": من ثبت إسلامه بيقين (بالنطق بالشهادتين) لا يزول إسلامه بشك (وقوعه في فعل محتمل للكفر أو فيه شبهة جهل).
[3] تحرير الفرق بين "قيام الحجة" و"فهم الحجة": يرى المحققون كابن تيمية وابن القيم أن الحجة تقوم ببلوغ النص، ولكن "فهم الحجة" (بمعنى زوال الشبهة) قد يختلف باختلاف الناس، وهو مناط العذر.
[4] التعريف بفرقة المعتزلة وعلاقتها بالمقدمة: المعتزلة (سبق تعريفهم) لا يعذرون بالجهل في "المسائل العقلية" (كالتوحيد والصفات)، فكل من أخطأ عندهم في هذه الأصول فهو كافر أو منزلة بين المنزلتين، وهذا يصادم قصة "الذي أمر بحرقه".
المراجع: "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، القاضي عبد الجبار.
[5] موانع التكفير (توسع):
الجهل: هو عدم العلم بالحكم الشرعي.
الخطأ: كمن أراد أن يشكر الله فسبه (كما في حديث الفرح الشديد).
الإكراه: أن يُجبر على القول وقلبه مطمئن بالإيمان.
التأويل: أن يظن أن فعله ليس بكفر بناءً على فهم خاطئ لنص.
[6] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 354، دار ابن الجوزي.
[7] عزو الحديث: أخرجه البخاري، رقم (3481)؛ ومسلم، رقم (2756).
[8] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 394؛ "كلمة الإخلاص"، ص 44.
[9] عزو ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، المجلد 12، ص 490، حيث أفاض في شرح هذا الحديث وألزم به المخالفين في مسألة العذر بالجهل.
[10] قاعدة (بلوغ الحجة): قال تعالى: {لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ}. فالحجة لا تقوم إلا بالبلوغ، والبلوغ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
[11] التحقيق في "القصد": المقصود به "قصد اللفظ" لا "قصد الكفر"؛ فمن نطق بالكفر قاصداً للفظ غير مكره كفر، وإن لم يقصد الخروج من الدين (كما في المستهزئين).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المقدمة السابعة: اعتبار الشروط والموانع في إنزال الأحكام [1]

أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي

​إنَّ الحكم بالكفر على المعين هو "حكمٌ شرعيٌ قضائي" لا يثبت إلا باستيفاء أركانه؛ فكما أنَّ الصلاة لها شروط صحة وموانع بطلان، فكذلك "خروج المكلف من الإسلام" له نظامٌ دقيق. وتقرر هذه المقدمة أنَّ مجرد وقوع "صورة الكفر" من المكلف لا يكفي لترتيب أثر الكفر عليه حتى يُفحص حاله [2]. وهذا المنهج هو الذي سلكه الصحابة رضي الله عنهم في التعامل مع الوقائع المستجدة، وهو الذي يقطع الطريق على (الخوارج) الذين يُكفرون بـ "المآل" أو بـ "اللازم" أو بمجرد "الفعل" دون النظر في حال الفاعل [3].

ثانياً: تفصيل الشروط والموانع (المناطة بالعين)

  1. ​شرط العلم (ويقابله مانع الجهل): لابد أن يكون المكلف عالماً بأن هذا القول أو الفعل كفر، فمن كان حديث عهد بالإسلام أو نشأ في بادية بعيدة وخفي عليه الحكم، فإنه يُعذر بجهله حتى يُبين له [4].
  2. ​شرط القصد (ويقابله مانع الخطأ): المراد به قصد "اللفظ أو الفعل" اختياراً، فمن زلَّ لسانه لشدة فرح أو غضب، أو أخطأ في التعبير دون إرادة المعنى الكفري، لم يكفر.
  3. ​شرط الاختيار (ويقابله مانع الإكراه): لابد أن يكون الفعل نابعاً عن مشيئة المكلف، فالمكره الذي يُهدد بالقتل أو التعذيب ليقول كلمة الكفر يُعذر بنص القرآن، بشرط طمأنينة القلب بالإيمان [5].
  4. ​شرط العقل والبلوغ (ويقابلهما الجنون والصبا): فلا تكليف على مجنون ولا صبي، وبالتالي لا يقع منهما رِدة معتبرة شرعاً.

ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك

​1. من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 106).

  • ​تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن الله استثنى المكره من حكم الكفر بشرط بقاء الإيمان في قلبه، وجعل الوعيد مرتباً على "انشراح الصدر بالكفر" وهو دليل على الاختيار والرضا. وفي هذا أعظم دليل على اعتبار "الظروف المحيطة" بالمكلف (الموانع) قبل الحكم عليه بالردة [6].
  • ​المسلك اللغوي: الاستثناء في قوله {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ} استثناء متصل، يخرج المكره من عموم حكم الكفر. وقوله {شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا} كناية عن القبول التام والاختيار.
  • ​المسلك العقدي: إثبات أن "الإكراه" مانع شرعي من مواخذة العبد بأقواله وأفعاله الظاهرة، وهو رد على (الوعيدية) الذين قد لا يعذرون في بعض مواضع الإكراه.
  • ​المسلك التربوي: تعظيم قدر "عمارة القلب"؛ فالله تجاوز عن عظيم القول (الكفر) لأجل ما وقر في القلب من اليقين عند الضرورة.
  • ​المسلك التدبري: تأمل كيف فصل الله بين "اللسان" (كلمة الكفر تحت الإكراه) وبين "الصدر"؛ ليُبين أن العبرة في الأحكام الأخروية بما انطوى عليه الضمير عند فقد الاختيار في الظاهر.

​2. من السنة النبوية:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ... فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» [7].

  • ​شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن هذا العبد نطق بكلمة الكفر الصريح (قلب الربوبية والعبودية)، ولكنه لم يكفر لأن "الخطأ" و"سبق اللسان" الناتج عن شدة الحال منع من وقوع الكفر عليه؛ لعدم قصده للمعنى. وهذا أصلٌ في اعتبار مانع "الخطأ" في باب النواقض [8].
  • ​المسلك اللغوي: قوله {أَخْطأَ}؛ الخطأ في اللغة هو مجانبة الصواب من غير عمد، وهو يرفع المؤاخذة كما في الحديث الآخر: "وُضع عن أمتي الخطأ والنسيان".
  • ​المسلك العقدي: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن العبد لا يكفر بمجرد القول إذا لم يقصد حقيقة معناه، أو ذهب عقله بفرح أو غضب أو سُكر [9].
  • ​المسلك التربوي: سعة عذر الله لعباده، والتماس الأعذار للمسلمين عند صدور ما ظاهره السوء منهم؛ فلعله سبق لسان أو شدة حال.
  • ​المسلك التدبري: تأمل كيف أن الله "فرح" بتوبة هذا العبد رغم أنه أخطأ في جنابه؛ مما يدل على أن العبرة بـ "إرادة وجه الله" والندم، لا بمجرد اللفظ المعبر عنه عند الاضطرار.

رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة

​[القاعدة: ثبوت حكم "النوع" لا يستلزم ثبوت حكم "العين" إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع] [10]

ومعناها: أنَّ "الناقض" له حقيقة موضوعية (الفعل الكفري)، وحقيقة ذاتية (حال الفاعل). فالفعل كفرٌ قطعاً، لكن الفاعل قد يُعذر لجهل، أو إكراه، أو تأويل، أو خطأ. فالواجب شرعاً هو "التحقق" من قيام الحجة؛ لأن بقاء المسلم على إسلامه يقينٌ، واليقين لا يزول إلا بيقينٍ مثله من بلوغ الحجة وانتفاء كل شبهة عارضة [11].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاشية (التحقيق ):

​[1] منزلة المقدمة: هي التطبيق الفقهي لنصوص الوعيد، وهي التي تحول دون استخدام "نواقض الإسلام" كأداة للتكفير العشوائي.

  • ​العزو: "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، ج12، ص 487.

​[2] قاعدة (العذر بالجهل): اختلف العلماء في حدودها، والتحقيق أن المسائل الظاهرة في دار الإسلام لا يُعذر فيها بالجهل غالباً، أما المسائل الخفية أو لمن نشأ في مكان بعيد فيُعذر.

  • ​العزو: "الدرر السنية"، ج10، ص 394.

​[3] التعريف بفرقة الخوارج (توسع في المانع): الخوارج لا يعذرون بالجهل ولا بالخطأ في مسائل الإيمان، فمن وقع في الذنب كفر عندهم مطلقاً.

  • ​المراجع: "الفصل"، ابن حزم، ج3، ص 121.

​[4] شروط قيام الحجة: يرى ابن تيمية أن الحجة تقوم ببلوغ القرآن والسنة، ولكن "فهمها" (بمعنى زوال الشبهة) قد يحتاج إلى بيان العلماء في المسائل المشكلة.

​[5] الإكراه المعتبر: هو الإكراه الملجئ (بالقتل أو قطع الأعضاء)، أما الإكراه بالسب أو أخذ مال يسير فلا يبيح كلمة الكفر عند جمهور الفقهاء.

  • ​العزو: "المغني"، ابن قدامة، ج9، ص 186.

​[6] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 449، دار ابن الجوزي.

​[7] عزو الحديث: أخرجه مسلم في "صحيحه"، رقم (2747).

​[8] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 390؛ "فتح الباري"، ابن رجب، ج1، ص 115.

​[9] عزو ابن تيمية: "الاستقامة"، ج1، ص 164؛ "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 557.

​[10] القاعدة الأصولية: مأخوذة من استقراء نصوص الشريعة في باب العوارض (عوارض الأهلية)، وهي عوارض سماوية (كالجنون) أو مكتسبة (كالجهل والخطأ).

​[11] قاعدة (اليقين والشك): "الأصل بقاء ما كان على ما كان"، فالمسلم يبقى مؤمناً حتى يأتي بيقينٍ يخرجه، والشبهة تمنع هذا اليقين.

------------------

المقدمة الثامنة:

 باب "النواقض" أضيق من باب "المعاصي" [1]

أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي

تقرر هذه المقدمة أنَّ دائرة "المعاصي والذنوب" في الشريعة واسعة جداً، وهي تشمل كل مخالفة لأمر الله ورسوله مما لا يصل إلى حد الكفر الأكبر. أما دائرة "النواقض" فهي ضيقة ومحدودة ومحصورة في مكفراتٍ عظمى أجمع عليها الوحي [2]. وهذا يقتضي أنَّ الأصل في أفعال المسلم المنحرفة أنها "معاصٍ" وليست "نواقض"، ولا يجوز نقل الفعل من دائرة المعصية إلى دائرة الناقض إلا ببرهانٍ قاطع يوجب الخروج من الملة. وهذه القاعدة هي التي تحمي العبد من مسلك (الخوارج) الذين وسّعوا باب النواقض حتى أدخلوا فيه كل معصية [3].

ثانياً: تقسيمات المخالفات بحسب مآلاتها

دائرة المعاصي (الكبائر والصغائر): وهي التي تُنقص الإيمان الواجب أو المستحب، وصاحبها مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، وهو تحت المشيئة في الآخرة.

دائرة النواقض (المكفرات): وهي التي تهدم "أصل الإيمان" من جذوره، وتوجب الخلود في النار إذا لم يتب منها العبد، وهي محصورة في الأصول العشرة وما في معناها من قواطع الإسلام [4].

ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك

1. من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا} (النساء: 48).

تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن هذه الآية هي الفيصل في تقسيم الذنوب؛ فالشرك (وهو رأس النواقض) لا يُغفر لمن مات عليه، أما "ما دون ذلك" من المعاصي والكبائر -وإن عظمت- فهي داخلة تحت مشيئة الله ورحمته. وهذا صريحٌ في أنَّ باب النواقض (التي لا تُغفر) أضيق بكثير من باب المعاصي (التي يُرجى غفرانها) [5].

المسلك اللغوي: قوله {مَا دُونَ ذَٰلِكَ}؛ "دون" تفيد الرتبة الأقل، وهي تشمل كل ذنبٍ ليس بشرك ولا كفر مخرج، مما يدل على اتساع دائرة العفو في المعاصي وضيق دائرة المنع في النواقض.

المسلك العقدي: إثبات قاعدة "الوعيد المعلق على المشيئة" لأهل الكبائر، وهو ردٌّ صريح على (المعتزلة) و**(الخوارج)** الذين جعلوا الكبائر مساوية للنواقض في الحكم الأخروي (الخلود في النار).

المسلك التربوي: غرس "الرجاء" في قلب المذنب؛ لكي لا ييأس من روح الله فيسترسل في المعاصي ظناً منه أنه قد كفر وخرج من الملة.

المسلك التدبري: تأمل تكرار هذه الآية في سورة النساء مرتين؛ للتأكيد على هذا الأصل العظيم الذي يحفظ توازن المسلم بين الخوف من الناقض والرجاء في مغفرة المعصية.

2. من السنة النبوية:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ بَشَّرَنِي - أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» [6].

شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن هذا الحديث أصلٌ في أن الكبائر (كالزنا والسرقة) لا تنقض أصل الإيمان، وإنما تُنقص كماله. فالمسلم يبقى في دائرة "أمة الإجابة" ما لم يأتِ بالناقض (الشرك). ويؤكد أن مذهب السلف هو التفريق بين "فسق المعصية" و"كفر الردة" [7].

المسلك اللغوي: استخدام {إِنْ} الوصلية في قوله "وإن زنى وإن سرق" تفيد الغاية والمبالغة؛ أي حتى مع وقوع هذه الكبائر العظيمة، فإنَّ أصل النجاة (عدم الشرك) باقٍ.

المسلك العقدي: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإيمان يتبعض، فقد يجتمع في العبد إيمانٌ ومعصية، ولا يلزم من وجود المعصية زوال الإيمان بالكلية، وهذا من خصائص مذهب أهل السنة [8].

المسلك التربوي: الحذر من "تجرئة الناس على المعاصي" وفي المقابل "عدم القنوط"؛ فالمعصية خطرٌ عظيم لكنها ليست كفراً، والناقض هلكةٌ لا جابر لها إلا التوبة.

المسلك التدبري: تأمل مراجعة أبي ذر للنبي ﷺ ثلاث مرات؛ وهي تعكس استعظام الصحابة للكبائر، ومع ذلك ثبت الحكم النبوي ليقرر أن "باب النواقض" لا يدخل فيه الزنا والسرقة.

رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة

[القاعدة: الأصل بقاء الإسلام، فلا يزول بوصف المعصية ما لم يبلغ حدَّ الناقض بيقين] [9]

ومعناها: أنَّ اليقين (الإسلام) لا يزول بالشك (هل هذه المعصية كفر أم لا؟). فالمعاصي مهما عظمت وتعددت هي في رتبة "المنقصات"، والنواقض هي في رتبة "المبطلات". والشرع حصر المبطلات في نصوصٍ قليلة معلومة، وجعل المنقصات كثيرة جداً؛ فدلَّ ذلك على أنَّ الاستعجال بوصف "الناقض" على المعاصي هو قلبٌ للحقائق الشرعية وتعدٍّ على حدود الله [10].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاشية (التحقيق):

[1] منزلة المقدمة: هي العاصمة من فتنة التكفير بالذنوب، وهي القاعدة التي بنى عليها الفقهاء أحكام الردة في مقابل أحكام الحدود (كالرجم والقطع).

العزو: "شرح العقيدة الطحاوية"، ابن أبي العز الحنفي، ص 316.

[2] الفرق بين "فسق الملة" و"فسق الردة": الفسق في اللغة هو الخروج، فالمعصية خروجٌ عن الطاعة (فسق دون كفر)، والناقض خروجٌ عن الدين (فسق كفر).

[3] التعريف بفرقة المعتزلة (توسع في حكم المعصية):

المعتزلة: (سبق تعريفهم)، وضلالهم هنا أنهم لم يفرقوا في "الاسم" بين المعصية والناقض، فسموا صاحب الكبيرة "فاسقاً" لا مؤمناً ولا كافراً (المنزلة بين المنزلتين)، لكنهم ساووا بينهما في "الحكم" وهو الخلود في النار.

المراجع: "الأصول الخمسة"، القاضي عبد الجبار، ص 138.

[4] قاعدة (مسمى الإيمان): أهل السنة يقولون: "هو مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته"، فلا يسلبونه مسمى الإيمان مطلقاً، ولا يعطونه مسمى الإيمان كاملاً.

[5] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 182، دار ابن الجوزي.

[6] عزو الحديث: أخرجه البخاري، رقم (1237)؛ ومسلم، رقم (94).

[7] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 402؛ "كلمة الإخلاص"، ص 52.

[8] عزو ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 354؛ ج11، ص 650.

[9] شرح القاعدة الأصولية: مأخوذة من استقراء نصوص الوعيد، ومن قواعد الفقه (الاستصحاب)، حيث يُستصحب إسلام العبد حتى يثبت الناقض.

[10] قاعدة (المآل): لا يجوز تكفير المسلم بـ "لازم قوله" أو "مآل فعله"؛ فالمعصية قد تؤول إلى الكفر (بريد الكفر) لكنها ليست كفراً في ذاتها.

ــــــــــ

المقدمة التاسعة: خطورة الكلام في "التكفير" وعظيم تبعاته [1]

أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي

إنَّ الكلام في "نواقض الإسلام" ليس من فضول العلم الذي يُسأل عنه للاستكثار، بل هو من "مزالق الأقدام" ومضلة الأفهام لمن لم يتسلح بالورع والرسوخ. وتقرر هذه المقدمة أنَّ التسرع في "التكفير" هو من أعظم الذنوب؛ لما يترتب عليه من استباحة الدماء والأموال، والتفريق بين الأزواج، وقطع المواريث، والحكم بالخلود في النار [2]. فالمكفر بغير حق قد جعل نفسه حكماً مع الله، وافتات على الشريعة، وعرض نفسه لوعيد "حور" الكفر عليه. وهذه القاعدة هي الضابط لمسلك (الغلاة) الذين جعلوا التكفير مادة لقصصهم ومجالسهم دون إدراك لخطورة المآل [3].

ثانياً: تقسيمات التبعات المترتبة على التكفير

تبعات دنيوية: وتشمل زوال ولاية المسلم، واستحقاق القتل (عبر القضاء الشرعي)، وحرمة النكاح من مسلمة، وحرمة الصلاة عليه ودفنه في مقابر المسلمين.

تبعات أخروية: وتشمل الخلود في نار جهنم، وحرمان شفاعة الشافعين، وسقوط جميع الأعمال الصالحة السابقة (حبوط العمل) [4].

ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك

1. من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (النساء: 94).

تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن الله أمر المؤمنين بالتبين والتثبت في معاملة من أظهر علامات الإسلام، ونهى عن المسارعة بنفي الإيمان عنه بمجرد الظن أو لغرض دنيوي. فمن أظهر "السلم" وجب كف السنان واللسان عنه حتى يثبت يقين كفره؛ لأن الأصل في الظاهر هو الصدق [5].

المسلك اللغوي: قوله {فَتَبَيَّنُوا}؛ التبين هو طلب البيان والوضوح، وقرئ بـ "فتثبتوا"، وكلاهما يؤكد وجوب التريث وعدم العجلة في إصدار حكم "لست مؤمناً".

المسلك العقدي: إثبات قاعدة "إجراء الأحكام على الظاهر"؛ فمن أظهر شعار الإسلام حُرّم دمه وعرضه، ولا يحل تكفيره إلا بيقينٍ يرفع هذا الظاهر.

المسلك التربوي: تربية النفس على "الاحتياط"؛ فأن يخطئ المسلم في "استبقاء" كافر في دائرة الإسلام (ظاهراً) أهون عند الله من أن يخطئ في "إخراج" مسلم منها.

المسلك التدبري: تأمل كيف نزلت هذه الآية في سياق "الجهاد"؛ فإذا كان التثبت واجباً في حال الحرب والالتحام، فهو في حال السلم والرخاء أوجب وألزم.

2. من السنة النبوية:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» [6].

شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن قوله "باء بها أحدهما" وعيدٌ شديد يفيد أن كلمة الكفر لا تضيع في الهواء؛ فإما أن تصادف محلاً مستحقاً (بأن يكون الفرد كافراً في علم الله والشرع)، وإما أن تعود على القائل فتبوء ذمته بإثم التكفير، أو يلحقه شؤم الكفر في قلبه. وهذا يقتضي الورع التام عن إطلاق هذا اللفظ [7].

المسلك اللغوي: قوله {بَاءَ}؛ أي رجع واستقر، وهو يوحي بالثقل والتبعة التي تلزم العنق ولا تنفك عنه.

المسلك العقدي: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن التكفير بغير حق هو من خصال أهل البدع، أما أهل السنة فيعرفون الحق ويرحمون الخلق، ولا يكفرون إلا من قامت عليه الحجة الرَّسالية [8].

المسلك التربوي: التحذير من "الغضب للنفس"؛ فكثيراً ما يكون التكفير ناتجاً عن خصومة شخصية أو سياسية فيُلبس لبوس الدين، والحديث يقطع الطريق على هذا التلاعب.

المسلك التدبري: تأمل قوله ﷺ "لأخيه"؛ تذكيرٌ برابطة الأخوة الإيمانية التي لا تنقطع إلا بقاطعٍ يقيني، فكيف يهون على الأخ أن يسعى في هلاك أخيه الأبدي؟

رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة

[القاعدة: الخطأ في العفو أهون من الخطأ في العقوبة، والخطأ في الإيمان أهون من الخطأ في الكفر] [9]

ومعناها: أنَّ المجتهد أو طالب العلم إذا تردد في مسألة تكفير شخص معين، فالواجب عليه "الإمساك"؛ لأن ذمة المسلم بريئة بالأصل، واستصحاب هذا الأصل هو الواجب شرعاً. فالخوف من "إقرار كافر" لا يبيح "تكفير مؤمن"، إذ الضرر الناتج عن الثاني أعظم وأفحش في ميزان الشريعة ومقاصدها في حفظ الضرورات الخمس [10].

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاشية (التحقيق ):

[1] منزلة المقدمة: هي السياج الأخلاقي والمنهجي الذي يحول بين "العلم بالنواقض" وبين "العمل بالتكفير" دون ضوابط.

العزو: "السيل الجرار"، الشوكاني، ج4، ص 578.

[2] قاعدة (الاحتياط للدماء): الدماء هي أول ما يُقضى فيه بين الناس يوم القيامة، والتكفير هو مفتاح استباحة الدماء، لذا كان الاحتياط فيه أعظم من الاحتياط في الصلاة والصيام.

[3] التعريف بفرقة الخوارج (الاندفاع في التكفير): الخوارج (سبق تعريفهم) عُرفوا بـ "الاستعراض"؛ أي امتحان الناس وتكفيرهم بمجرد الشبهة، وهو المسلك الذي حذرت منه هذه المقدمة.

المراجع: "البداية والنهاية"، ابن كثير، ج7، ص 285.

[4] آثار الردة (توسع): ذكر الفقهاء أن الردة تُحبط العمل الصالح السابق كله إذا مات عليها العبد، لقوله تعالى: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ}.

العزو: "بدائع الصنائع"، الكاساني، ج7، ص 134.

[5] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 193، دار ابن الجوزي.

[6] عزو الحديث: أخرجه البخاري، رقم (6104)؛ ومسلم، رقم (60).

[7] عزو ابن رجب: "جامع العلوم والحكم"، ص 142؛ "فتح الباري"، ابن رجب، ج1، ص 125.

[8] عزو ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، ج3، ص 279؛ ج12، ص 466.

[9] شرح القاعدة الأصولية: هي قاعدة عمرية أصولية (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، والتكفير هو "حد الردة"، فوجود أدنى شبهة (جهل، تأويل، خطأ) يمنع من إيقاع الحكم بالعين.

[10] قاعدة (اليقين): "ما ثبت بيقين لا يزول بشك"، فإسلام المعين ثبت بيقين، فلا يزول إلا بيقينٍ مثله يُخرجه من الملة.

-----------------------

المقدمة العاشرة: إنزال القواعد على "النواقض العشرة" للإمام محمد بن عبد الوهاب [1]

أولاً: التحرير التأصيلي والقواعدي

تقرر هذه المقدمة أنَّ "النواقض العشرة" التي صنفها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ليست قصراً لنواقض الإسلام في هذا العدد، بل هي "أمهات النواقض" وأكثرها وقوعاً وخطراً في واقع الناس [2]. والتحقيق المنهجي يقتضي أن نطبق القواعد التسع السابقة على كل ناقض من هذه العشرة؛ فلا نكفر بالناقض إلا إذا كان كفراً بواحاً (المقدمة 4)، ولا نكفر المعين به إلا بعد استيفاء الشروط (المقدمة 6 و7)، مع استصحاب عظيم حرمة المسلم (المقدمة 9). فهذه العشرة هي "نماذج تطبيقية" لمسائل الكفر الأكبر التي أجمع عليها الأنبياء (المقدمة 3) [3].

ثانياً: تصنيف النواقض العشرة بحسب "محل الورود"

يمكن تصنيف هذه النواقض إلى ثلاثة أقسام كبرى لتسهيل فهمها:

نواقض في التوحيد والعبادة: كالناقض الأول (الشرك) والثاني (اتخاذ الوسائط).

نواقض في الموالاة والمعاداة والرسالة: كالناقض الثالث (عدم تكفير المشركين)، والثامن (مظاهرة المشركين)، والتاسع (اعتقاد سعة الخروج عن الشريعة).

نواقض في الاستهانة والإعراض: كالناقض الرابع (اعتقاد هدي غير النبي أكمل)، والخامس (بغض الرسول)، والسادس (الاستهزاء)، والسابع (السحر)، والعاشر (الإعراض الكلي) [4].

ثالثاً: الاستدلال الشرعي وتفكيك المسالك

1. من القرآن الكريم:

قال الله تعالى: {احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (الصافات: 22-23).

تفسير الإمام السعدي (ت 1376هـ): يقرر السعدي أن قوله {وَأَزْوَاجَهُمْ} أي: أشباههم ونظراءهم في العمل؛ فالمشركون مع المشركين، والمستهزئون مع المستهزئين. وهذا يدل على أنَّ "النواقض" يجمعها جامع الكفر الأكبر المخرج من الملة، وأنَّ مصير أصحابها واحد وهو الجحيم إذا ماتوا على ذلك ولم يتوبوا [5].

المسلك اللغوي: قوله {ظَلَمُوا}؛ الظلم هنا هو "الظلم الأكبر" وهو الشرك، وقوله {احْشُرُوا} فعل أمر يفيد الجمع القسري، مما يوحي بعظمة الجرم وتوحد الجزاء.

المسلك العقدي: إثبات أن النواقض العشرة هي "أشباه" في الحكم والمآل، فمن أتى بواحد منها فقد شابه أصحاب الجحيم في أصل كفرهم.

المسلك التربوي: التحذير من مصاحبة أو مشابهة أهل النواقض؛ لئلا يُحشر المرء مع "نظيره" وشبيهه في الفعل.

المسلك التدبري: تأمل كيف جعل الله العبادة "من دون الله" هي العلة الجامعة للحشر في النار، وكل ناقض من العشرة يعود في حقيقته إلى صرف حق لله لغيره أو استنقاص جناب الألوهية والرسالة.

2. من السنة النبوية:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: أي الذنب أعظم؟ قال: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [6].

شرح الإمام ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ): يوضح ابن رجب أن "الند" هو المثيل والنظير، وجعل الند لله هو أصل كل ناقض. فكل من استهزأ بالدين أو ظاهر المشركين أو أعرض عن الدين فقد جعل "هواه" أو "شيطانه" نداً لله في التحليل والتحريم والاتباع. وهذا الحديث هو "الأصل الجامع" لكل ما سيذكره الإمام في متنه [7].

المسلك اللغوي: {نِدًّا}: جاءت منكراً في سياق الإثبات لتفيد النوعية، فكل أنواع الأنداد (أصنام، أهواء، قادة) داخلة في هذا الوعيد.

المسلك العقدي: قرر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الشرك هو أظلم الظلم، وأن النواقض العشرة هي تفريعات وتطبيقات على "اتخاذ الأنداد" من دون الله [8].

المسلك التربوي: استحضار نعمة الخلق {وَهُوَ خَلَقَكَ} لاستقباح الناقض؛ فكيف ينقض العبد عهده مع من أوجده من العدم؟

المسلك التدبري: تأمل تقديم السؤال بـ "أي الذنب أعظم"؛ ليدل على أن النواقض تتفاوت في القبح، ولكنها تشترك في كونها "الأعظم" مآلاً وخلفاً.

رابعاً: القاعدة الأصولية العقدية للمقدمة

[القاعدة: النواقض العشرة مجمعٌ على "جنسها"، ويفتقر إنزالها على "العين" إلى تحري الموانع والشروط] [9]

ومعناها: أنَّ هذه العشرة ليست مسائل اجتهادية، بل هي قواطع دل عليها الكتاب والسنة وإجماع السلف (المقدمة 3). ولكن، عند تطبيقها في الواقع الدعوي أو القضائي، لابد من استصحاب أنَّ "المعين" قد يقع في أحدها متأولاً أو جاهلاً (المقدمة 6). فالقوة في "التأصيل" يجب أن يرافقها ورعٌ في "التنزيل"؛ لئلا تُستخدم هذه النواقض -التي وُضعت لحماية التوحيد- في هدم عصمة المسلمين بغير حق [10].

-------------------------------

الحاشية (التحقيق ):

[1] منزلة المتن: متن "نواقض الإسلام" هو أخصر وأجمع ما كُتب في هذا الباب، وقد استقاه الإمام من كلام الفقهاء في "باب حكم المرتد" في المذاهب الأربعة.

العزو: "مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب"، ج1، ص 385.

[2] هل النواقض محصورة في عشرة؟: اتفق الشراح (كالشيخ ابن باز وابن عثيمين) على أنها ليست محصورة، بل ذكر بعض الفقهاء أنها تصل إلى الأربعمائة، ولكن هذه العشرة هي "الأصول" التي تدور حولها البقية.

[3] التعريف بفرقة المرجئة (علاقتها بالعشرة): المرجئة (سبق تعريفهم) ينازعون في كون هذه الأفعال (كالسب أو المظاهرة) "نواقض بمجردها"، بل يشترطون الاستحلال القلبي، وهو ما تنقضه هذه المقدمة.

[4] قاعدة (بناء الأحكام): "المشقة تجلب التيسير"؛ ففي حال الإكراه على أحد هذه النواقض يسقط الحكم عن العين (المقدمة 7).

[5] عزو السعدي: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 701، دار ابن الجوزي.

[6] عزو الحديث: أخرجه البخاري، رقم (4477)؛ ومسلم، رقم (86).

[7] عزو ابن رجب: "تفسير ابن رجب الحنبلي"، ج2، ص 334؛ "جامع العلوم والحكم"، ص 130.

[8] عزو ابن تيمية: "مجموع الفتاوى"، ج7، ص 605؛ ج15، ص 122.

[9] شرح القاعدة الأصولية: مأخوذة من الجمع بين "نصوص الوعيد المطلقة" وبين "قواعد الأهلية وعوارضها".

[10] خاتمة التأصيل: بهذا تنتهي المقدمات العشر، ليدخل الباحث في شرح الناقض الأول (الشرك) وهو مزود بالآلة التي تمنعه من الغلو والجفاء.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الناقض الأول:

 الشرك في عبادة الله عز وجل

الفائدة الأولى: إيراد النص وحياكته بالشكل النحوي

​قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «الأَوَّلُ: الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}. وَمِنْهُ الذَّبْحُ لِغَيْرِ اللهِ، كَمَنْ يَذْبَحُ لِلْجِنِّ أَوْ لِلْقَبْرِ» [1].

الفائدة الثانية: التحقيق اللغوي لـ "الشرك" و"العبادة"

  • ​الشِّرْكُ لُغَةً: مأخوذ من الشركة، وهي خلط الملكين، ويقال: شركته في الأمر، أي صرت له شريكاً. وفي الشرع: هو جعل شريك لله في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته، والغالب إطلاقه على شرك الألوهية وهو "المساواة".
  • ​العِبَادَةُ لُغَةً: هي التذلل والخضوع، يقال: طريق معبّد أي مذلل بالوطء. وفي الشرع: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فصرف أي فرد من هذه الأفراد لغير الله هو حقيقة الناقض الأول [2].

الفائدة الثالثة: الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر (تحقيق المناط)

​لابد لطلبة العلم من تمييز المراتب حتى لا يختلط الناقض بغيره:

  1. ​الشرك الأكبر (الناقض): وهو صرف العبادة لغير الله بالكلية، أو اعتقاد متصرف مع الله، وهذا هو المخرج من الملة والمحبط للعمل والموجب للخلود في النار.
  2. ​الشرك الأصغر: وهو ما أطلق عليه الشرع اسماً للشرك ولم يصل لحد الأكبر، كيسير الرياء والحلف بغير الله (دون تعظيم كتعظيم الله). وهو ذنب عظيم لكنه لا ينقض أصل الإسلام، بل ينقض كماله [3].

الفائدة الرابعة: 

الاستدلال القرآني 

(تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

​قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ}.

  • ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يرى أن الله أخبر بقطع المغفرة عمن مات مشركاً، وربط نيل المغفرة بالتوبة قبل الموت، أما ما دون الشرك فهو مرجوّ العفو تحت مشيئة الرب [4].
  • ​الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يوضح أن الشرك هو الذنب الذي لا يتركه الله، وأن تحريم الجنة على المشرك هو حكم عدل لأن المشرك جعل المخلوق الفقير مساوياً للخالق الغني [5].
  • ​العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن الشرك يفسد القلب فساداً لا يصلح معه وجود في دار النعيم (الجنة)، فالمشرك قد انغمس في أصل النجاسة المعنوية التي لا يطهرها إلا التوحيد [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

​عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» [7].

  • ​التدقيق اللغوي: "لَعَنَ" فعل ماضٍ يراد به الدعاء أو الإخبار بالطرد من الرحمة. و"مَنْ" للعموم، و"الذَّبْحُ" هو إراقة الدم على وجه التعظيم والتقرب، فدخل فيه كل مذبوح لغير الله سواء كان جنياً أو ولياً.
  • ​التخريج والحكم: أخرجه مسلم (1978) في صحيحه، وهو صحيح، ويعد أصلاً في إثبات أن أفعال الجوارح (كالذبح) تكون شركاً ناقضاً إذا صرفت لغير الله.

الفائدة السادسة: 

تعليق المحققين

 (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم)

  • ​ابْنُ رَجَبٍ: أصل الشرك هو التفات القلب لغير الله في رغبة أو رهبة، والذبح لغير الله هو عنوان هذا الالتفات العملي [8].
  • ​ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الشرك ليس مجرد سجود لصنم، بل هو طلب الحوائج من الموتى والذبح لهم، وهو الذي بعث الله الرسل لإبطاله [9].
  • ​ابْنُ القَيِّمِ: الشرك هو أظلم الظلم، لأن المشرك وضع العبادة في غير موضعها، وعدل بالرب من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي 

(حقيقة الذبح للجن والقبر)

​المسلك العقدي في قوله "الذبح للجن" يوضح أن المشرك يذبح خوفاً من أذاهم أو طلباً لنفعهم، وهذا جمع بين شرك الربوبية (اعتقاد النفع والضر فيهم) وشرك الألوهية (التقرب بالدم). أما "الذبح للقبر" فهو تعظيم لصاحبه يخرجه من رتبة البشرية إلى رتبة الربوبية، وهو جوهر وثنية الجاهلية [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (بناء طالب العلم على الخوف من الشرك)

​يُربى طالب العلم على "قاعدة الخليل": {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}؛ فإذا كان إبراهيم يخاف على نفسه، فغيره أولى. والتربية هنا تقوم على:

  1. ​تبسيط التوحيد للناس: بذكر نعم الله وتفرده بالخلق، فيستحي العبد أن يذبح لغير من أعطاه الروح والرزق.
  2. ​التنفير من مسالك الجاهلية: بربطها بالضياع العقلي قبل العبادي، فمن ذبح لحجر أو جن فقد أهان عقله قبل دينه [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التحقيق التطبيقي)

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: نبه إلى أن من ذبح لغير الله تقرباً فقد أشرك، أما من ذبح "إكراماً لضيف" أو "اتجاراً باللحم" فذبيحته لله، والفرق في "النية".
  2. ​السَّعْدِيُّ: أكد أن الشرك محبط للعمل، فلو صلى المشرك وصام وهو يذبح للقبر فلا ينفعه عمله.
  3. ​المُعَلِّمِيُّ: أوضح أن فتنة "القبور" تبدأ بالغلو وتنهي بالشرك الناقض، ولابد من سد الذرائع.
  4. ​الفَوْزَانُ: شدد على أن الناقض الأول هو أخطر النواقض وأكثرها انتشاراً في الأمة بسبب الجهل.
  5. ​صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في أن "العبادة" حق محض لله، والناقض يقع بصرف "أدنى جزء" منها لغيره.
  6. ​صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: فصل في مسألة الذبح عند القبور، مفرقاً بين الذبح "لله عند القبر" (بدعة وذريعة) والذبح "لصاحب القبر" (شرك أكبر ناقض) [13].

الفائدة العاشرة:

 شروط قبول العبادة (نفي الناقض)

​لضمان عدم الوقوع في هذا الناقض، لابد من تحقيق شرطي قبول العمل: (الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول). والناقض الأول يهدم الركن الأول (الإخلاص) بالكلية [14].

الفائدة الحادية عشرة: قاعدة "الشرك في الإرادة والقصد"

​قد يكون الشرك ناقضاً بمجرد القصد، كمن أراد بعمله الدنيا بالكلية ولم يرد الله والدار الآخرة، وهذا مبحث دقيق حذر منه السلف لتعلقه بخبايا القلوب التي تؤول بالعبد إلى نقض إسلامه [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (أصل الدين وفرعه)

​الناقض الأول هو رأس الفواحش، ومن سلم منه سلم له دينه، ومن وقع فيه لم ينفعه انتساب ولا انتماء، وهو الذي من أجله نصبت الموازين وجردت سيوف الجهاد [16].

الحاشية (التحقيق الموسوعي الموسع):

​[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ص 4. وَيُرَاجَعُ "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ"، ج10، ص 51.

​[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "لِسَانُ العَرَبِ"، مَادَّةُ (ش ر ك) وَ(ع ب د). وَيُنْظَرُ تَعْرِيفُ شَيْخِ الإِسْلَامِ لِلْعِبَادَةِ فِي "الرِّسَالَةِ التَّدْمُرِيَّةِ".

​[3] فَرْقُ الشِّرْكَيْنِ: ذَكَرَهُ ابْنُ القيم فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِينَ"، ج1، ص 340. وَيُرَاجَعُ "كِتَابُ التَّوْحِيدِ" لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ، بَابُ (مِنَ الشِّرْكِ لُبْسُ الحَلَقَةِ).

​[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج8، ص 446.

​[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج2، ص 327.

​[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 182.

​[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ (1978). وَبَوَّبَ عَلَيْهِ: "بَابُ تَحْرِيمِ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللهِ وَلَعْنِ فَاعِلِهِ".

​[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ"، ص 412.

​[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج27، ص 314 (فِي الرَّدِّ عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ بِأَهْلِ القُبُورِ).

​[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "الجواب الكافي"، ص 150.

​[11] تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ الذَّبْحِ: ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فِي "تَيْسِيرِ العَزِيزِ الحَمِيدِ"، ص 160.

​[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يَنْبَغِي تَرْسِيخُ مَعْنَى "العِزَّةِ بِالتَّوْحِيدِ"؛ فالمُوَحِّدُ مَلِكٌ فِي ثَوْبِ عَبْدٍ، والمُشْرِكُ عَبْدٌ لِعَبِيدٍ مِثْلِهِ.

​[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج1، ص 215.
  • ​السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 30.
  • ​المُعَلِّمِيُّ: "رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ"، ص 75.
  • ​الفَوْزَانُ: "إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ"، ج1، ص 110.
  • ​آلُ الشَّيْخِ: "التَّمْهِيدُ"، ص 180.
  • ​السَّنْدِيُّ: "شَرْحُ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ" (دُرُوسٌ مَسْجِدِيَّةٌ مَسْمُوعَةٌ).

​[14] مَسْأَلَةُ الإِخْلَاصِ: يُرَاجَعُ "رِسَالَةُ الإِخْلَاصِ" لِابْنِ تَيْمِيَّةَ.

​[15] شِرْكُ الإِرَادَةِ: قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: "هُوَ بَحْرٌ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَقَلَّ مَنْ يَنْجُو مِنْهُ".

​[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: لِلتَّوَسُّعِ، يُنْظَرُ "مَعَارِجُ القَبُولِ" لِلْحَكَمِيِّ، ج2، ص 450.



-----------------------

الناقض الثاني:

 اتخاذ الوسائط بين العبد وبين الله عز وجل

الفائدة الأولى: إيراد النص وضبطه بالنحو والفن

​قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ: «الثَّانِي: مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسَائِطَ؛ يَدْعُوهُمْ، وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ، وَيَتَوَكَّلُ عَلَيْهِمْ؛ كَفَرَ إِجْمَاعًا» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ "الوساطة" و "الوسيلة"

  • ​الوَسَاطَةُ لغةً: مَأْخُوذَةٌ مِنَ "الوَسَطِ"، وَهُوَ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّيْءِ. وَالوَاسِطَةُ: مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الشَّخْصُ إِلَى غَيْرِهِ لِنَيْلِ مَطْلُوبٍ.
  • ​التَّدْقِيقُ الشَّرْعِيُّ: فَرَّقَ الوَحْيُ بَيْنَ "الوَسِيلَةِ" المَأْمُورِ بِهَا فِي قَوْلِهِ {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} -وَهِيَ العَمَلُ الصَّالِحُ- وَبَيْنَ "الوَاسِطَةِ" الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي تَقُومُ عَلَى "تَأْلِيهِ" المَخْلُوقِ بِصَرْفِ العِبَادَةِ لَهُ لِيُقَرِّبَ إِلَى اللهِ زُلْفَى [2].

الفائدة الثالثة: فقه التوسل (الجائز، البدعي، الكفري)

​لابد لطلبة العلم من فك الاشتباك الاصطلاحي في هذا الباب عبر ثلاث مراتب:

  1. ​التوسل الجائز (المشروع): وله ثلاثة شروط: (أن يكون بأسماء الله وصفاته، أو بعمل العبد الصالح، أو بدعاء الرجل الصالح الحي الحاضر).
  2. ​التوسل البدعي (المحرم): وهو التوسل بـ "الجاه" أو "الذات" (كقوله: أسألك بجاه فلان)، وهو بدعة منكرة وذريعة للشرك، لكنها لا تخرج من الملة عند المحققين لأن السائل سأل الله وحده وعظّم المخلوق بغير عبادة.
  3. ​التوسل الكفري (الناقض): وهو "دعاء المقبور" أو "الاستغاثة به" أو "طلب الشفاعة منه مباشرة"؛ فهذه ليست وسيلة شرعية، بل هي "عبادة" لغير الله تنقض أصل التوحيد [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

​قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ} (الزمر: 3).

  • ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يوضح أن مشركي العرب لم يزعموا أن الأوثان أرباب تخلق، بل أقروا بربوبية الله وجعلوا هؤلاء "وسائط" و"أولياء" ليشفعوا لهم، فسماهم الله كاذبين كفاراً [4].
  • ​الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يؤكد أن هؤلاء اتخذوا من دونه أنداداً من الملائكة والأنبياء والصالحين ليقربوهم، فرد الله عليهم بأن الدين الخالص لا يقبل شركة المشركين ولا وسائطهم [5].
  • ​العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يرى أن حقيقة هذا الفعل هو القدح في علم الله ورحمته وقربه؛ فالعبد لا يحتاج لواسطة مع "السميع القريب"، واتخاذها هو عين الجهل بالله [6].

الفائدة الخامسة: 

الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

​عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ» [7].

  • ​التدقيق اللغوي: "إِذَا" ظرفية تقتضي الشرط، وحذف المفعول به في "سألت" يفيد العموم؛ أي كل سؤال وطلب وحاجة، والأمر في "فاسأل" و "فاستعن" يقتضي الوجوب وحصر القصد في الخالق سبحانه.
  • ​التخريج والحكم: أخرجه الترمذي (2516) وقال: حديث حسن صحيح. وهو أصل في سد أبواب الوسائط والالتفات للمخلوقين.

الفائدة السادسة: تعليق المحققين الأوائل (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم)

  • ​ابْنُ رَجَبٍ: القلوب إذا امتلأت بعظمة الله لم تلتفت لوساطة أحد من خلقه، ومن علامات اليقين الاستغناء بالله عن الوسائط [8].
  • ​ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مذهب مشركي العرب هو بعينه مذهب من يجعل الأنبياء والصالحين وسائط في الدعاء والتوكل؛ فالله لا يُقاس بخلقه الذين يحتاجون لوزراء وحجاب [9].
  • ​ابْنُ القَيِّمِ: الشرك في الوسائط نابع من سوء الظن بالله؛ فالمشرك يظن أن الله لا يعطيه إلا بشافع، كما يظن أن الشافع أرحم به من الله [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي (ارتباط الناقض بأسماء الله وصفاته)

​المسلك العقدي في هذا الناقض يقرر أن اتخاذ الوسائط يعطل مقتضى أسماء الله (القريب، المجيب، السميع، البصير). فإثبات الواسطة يوهم "بعد" الرب أو "عدم علمه" بحال العبد إلا عبر "مخبر"، وهو ضلال عظيم في باب الصفات يؤول بالعبد إلى الكفر الأكبر [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (تربية طالب العلم على الاستغناء بالله)

​يُربى طالب العلم على "كمال الافتقار" لله؛ وذلك بتعليمه:

  1. ​أن عزة المؤمن في سؤاله لخالقه، وذله في سؤاله للمخلوق (حياً كان أو ميتاً).
  2. ​تبسيط مسائل العقيدة للعامة عبر ربطهم بالقرآن: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ}؛ فالله لم يقل "فقل لهم إني قريب" كما في بقية المسائل، بل أجاب مباشرة لبيان سقوط الوسائط في الدعاء [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التحقيق التطبيقي)

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: فصّل في أن من سأل الميت الشفاعة فقد سأل "من لا يملك"، لأن الشفاعة ملك لله وحده، ومن سأل غير المالك كفر.
  2. ​السَّعْدِيُّ: أكد أن التوكل على الوسائط هو قطع لصلة القلب بالله، فالمتوكل على غير الله مخذول.
  3. ​المُعَلِّمِيُّ: أوضح أن شبهة "الوساطة" هي التي أحيت وثنية الجاهلية في لبوس "المحبة للصالحين".
  4. ​الفَوْزَانُ: شدد على أن الإجماع الذي نقله المؤلف هو إجماع قطعي، لأن الناقض يهدم "إياك نعبد".
  5. ​صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: نبه إلى أن "التوكل" عمل قلبي لا يجوز لغير الله، والوسائط تصرف هذا العمل للمخلوق.
  6. ​صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: حقق في أن الناقض يقع بمجرد "الجعل"؛ أي مجرد اتخاذ الواسطة قلباً أو قولاً، سواء حصل المطلب أم لم يحصل [13].

الفائدة العاشرة: الفرق بين "الوسيلة" في الدنيا والآخرة

​الوسيلة في الدنيا هي الأسباب الحسية المباحة، أما في العبادة فهي توقيفية. فاتخاذ الطبيب واسطة في العلاج (سبب حسي) جائز، أما اتخاذ الولي واسطة في جلب الرزق أو غفران الذنب (سبب غيبي عِبادي) فهو الشرك الأكبر [14].

الفائدة الحادية عشرة: 

شروط الشفاعة المثبتة (ضد الناقض)

​للبقاء بعيداً عن هذا الناقض، لابد من تحقيق شروط الشفاعة الشرعية: (إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له). فمن طلبها من غير الله فقد أخل بشرط الرضا والإذن [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (جامع النواقض)

​هذا الناقض هو "القنطرة" التي يعبر منها الناس من التوحيد الصرف إلى الوثنية المقنعة؛ فالتوحيد بلا وسائط، والشرك كله وسائط [16].

الحاشية (التحقيق ):

​[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ضِمْنَ "مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ"، ص 5.

​[2] الفَرْقُ اللُّغَوِيُّ: يُرَاجَعُ "مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ القُرْآنِ"، لِلرَّاغِبِ الأَصْفَهَانِيِّ، مَادَّةُ (و س ل). وَيُنْظَرُ تَعْرِيفُ ابْنِ القَيِّمِ لِلْوَسِيلَةِ فِي "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ".

​[3] شُرُوطُ التَّوَسُّلِ: ذَكَرَهَا الأَلْبَانِيُّ فِي رِسَالَتِهِ "التَّوَسُّلُ"، وَابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "قَاعِدَةٍ جَلِيلَةٍ". وَيُضَافُ إِلَيْهَا "شَرْطُ الصِّحَّةِ" وَهُوَ عَدَمُ الِاعْتِقَادِ فِي المَخْلُوقِ.

​[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ"، ج20، ص 161. وَقَدْ نَقَلَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا يَقُولُونَ: "نَحْنُ نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا".

​[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج7، ص 85.

​[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 719.

​[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ (2516)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي "ظِلالِ الجَنَّةِ".

​[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "نُورُ الِاقْتِبَاسِ فِي مِشْكَاةِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ"، ص 28.

​[9] مَرْجِعُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: "الرَّدُّ عَلَى البَكْرِيِّ"، ج1، ص 311؛ "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج1، ص 121.

​[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ"، ج1، ص 212. وَبَيَّنَ فِيهِ بُطْلَانَ قِيَاسِ الخَالِقِ عَلَى المَخْلُوقِ.

​[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيِّ: ذَكَرَ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ فِي "فَتْحِ المَجِيدِ" أَنَّ النَّاقِضَ الثَّانِي هُوَ صُورَةُ الشِّرْكِ الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ بِإِبْطَالِهَا.

​[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلدَّاعِيَةِ أَنْ يُقَرِّبَ لِلنَّاسِ مَعْنَى "الأُلُوهِيَّةِ" بِأَنَّهَا "تَعَلُّقُ القَلْبِ"، فَكُلُّ خَوْفٍ أَوْ رَجَاءٍ يُرْبَطُ بِوَاسِطَةٍ مَيِّتَةٍ فَهُوَ نَقْضٌ لِهَذَا التَّعَلُّقِ.

​[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج1، ص 160.
  • ​السَّعْدِيُّ: "الفَتَاوَى السَّعْدِيَّةِ"، ص 120.
  • ​المُعَلِّمِيُّ: "رَفْعُ الِاشْتِبَاهِ"، ص 90.
  • ​الفَوْزَانُ: "إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ"، ج1، ص 115.
  • ​آلُ الشَّيْخِ: "التَّمْهِيدُ"، ص 230.
  • ​السَّنْدِيُّ: "دُرُوسُ شَرْحِ النَّوَاقِضِ" (تَسْجِيلاتُ الجَامِعَةِ الإِسْلامِيَّةِ).

​[14] مَسْأَلَةُ الأَسْبَابِ: فَرَّقَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "التُّدْمُرِيَّةِ" بَيْنَ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَسْبَابِ القَدَرِيَّةِ؛ وَالوَاسِطَةُ الشِّرْكِيَّةُ لَيْسَتْ سَبَبًا فِي أَيٍّ مِنْهُمَا.

​[15] شُرُوطُ الشَّفَاعَةِ: تُرَاجَعُ فِي "كِتَابِ التَّوْحِيدِ"، بَابُ الشَّفَاعَةِ.

​[16] مَسْأَلَةُ الإِجْمَاعِ: حَكَاهُ أَيْضًا ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الفَتَاوَى الكُبْرَى" بِقَوْلِهِ: "مَنْ جَعَلَ المَلائِكَةَ وَالأَنْبِيَاءَ وَسَائِطَ... كَفَرَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ".

-------------------------------

النَّاقِضُ الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ

الفَائِدَةُ الأُولَى: إِيرَادُ النَّصِّ وَضَبْطُهُ بِالنَّحْوِ الفَائِقِ

​قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «الثَّالِثُ: مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ المُشْرِكِينَ، أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ، أَوْ صَحَّحَ مَذْهَبَهُمْ؛ كَفَرَ» [1].

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَاتِ النَّاقِضِ

  • ​الشَّكُّ: لُغَةً هُوَ التَّدَاخُلُ، وَيُقَالُ: شَكَّ الأَمْرُ إِذَا ارْتَابَ فِيهِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ اسْتِوَاءُ الطَّرَفَيْنِ (الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ) دُونَ تَرْجِيحٍ، وَالشَّكُّ فِي كُفْرِ مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ هُوَ تَكْذِيبٌ لِلْخَبَرِ اليَقِينِيِّ.
  • ​التَّصْحِيحُ: مَأْخُوذٌ مِنَ "الصِّحَّةِ" ضِدِّ السُّقْمِ، وَتَصْحِيحُ المَذْهَبِ الكُفْرِيِّ يَعْنِي اعْتِقَادَ سَلَامَتِهِ أَوْ كَوْنَهُ طَرِيقاً مُنْجِياً، وَهَذَا مُصَادَمَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ} [2].

الفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التَّحْقِيقُ فِي "جِنْسِ المُشْرِكِينَ" (المُرَادُ بِهِمْ هُنَا)

​يَجِبُ التَّدْقِيقُ فِي أَنَّ "المُشْرِكِينَ" فِي هَذَا النَّاقِضِ يَنْقَسِمُونَ إِلَى قِسْمَيْنِ:

  1. ​الكُفَّارُ الأَصْلِيُّونَ: كَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوسِ وَالمُلْحِدِينَ؛ فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ فَقَدْ كَفَرَ بِإِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ.
  2. ​المُرْتَدُّونَ: وَهُمُ المُنْتَسِبُونَ لِلإِسْلَامِ مِمَّنْ وَقَعُوا فِي نَاقِضٍ ظَاهِرٍ؛ فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ وَبَيَانِ الدَّلِيلِ لَحِقَ بِهِمْ، أَمَّا مَنْ تَرَدَّدَ لِخَفَاءِ حَالِهِمْ أَوْ وُجُودِ شُبْهَةٍ فَلَا يُكَفَّرُ [3].

الفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الِاسْتِدْلَالُ القُرْآنِيُّ (تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ وَابْنِ كَثِيرٍ وَالسَّعْدِيِّ)

​قَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} (المائدة: 73).

  • ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ اللهِ بِتَكْفِيرِ مَنْ أَتَى بِهَذَا القَوْلِ، وَأَنَّ جُحُودَ هَذَا الحُكْمِ هُوَ جُحُودٌ لِلرُّبُوبِيَّةِ فِي الإِخْبَارِ [4].
  • ​الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ حُكْمٌ عَامٌّ عَلَى جَمِيعِ مَنْ سَلَكَ هَذَا المَسْلَكَ، وَأَنَّ "البَرَاءَةَ" مِنْهُمْ وَمِنْ دِينِهِمْ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ [5].
  • ​العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يَرَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ هَؤُلَاءِ فَقَدْ جَعَلَ الإِيمَانَ وَالكُفْرَ سَوَاءً، وَهَذَا يَهْدِمُ أَصْلَ "الفُرْقَانِ" الَّذِي جَاءَ بِهِ القُرْآنُ [6].

الفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الِاسْتِدْلَالُ النَّبَوِيُّ (تَدْقِيقاً وَتَخْرِيجاً)

​عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ» [7].

  • ​التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: قَوْلُهُ «وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ»؛ جَعَلَ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَأَهْلِهِ شَرْطاً لِعِصْمَةِ الدَّمِ، وَالشَّكُّ فِيهِمْ يُنَافِي هَذَا الكُفْرَ المَأْمُورَ بِهِ.
  • ​التَّخْرِيجُ وَالحُكْمُ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (23)، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي أَعْلَى المَرَاتِبِ، وَيُعَدُّ قَاعِدَةً فِي نَفْيِ الإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَهْلَ الشِّرْكِ.

الفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَعْلِيقُ المحَقِّقِينَ (ابْنُ رَجَبٍ، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ابْنُ القَيِّمِ)

  • ​ابْنُ رَجَبٍ: لَا يَتِمُّ لِلْعَبْدِ عَقْدُ الإِسْلَامِ حَتَّى يَعْتَقِدَ بُطْلَانَ كُلِّ دِينٍ غَيْرِهِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ تَكْفِيرُ مَنْ تَمَسَّكَ بِالبَاطِلِ [8].
  • ​ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى فَقَدْ كَفَرَ بِالإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الحَقَّ وَاحِدٌ لَا يَتَعَدَّدُ، وَتَصْحِيحُ طُرُقِ الكُفَّارِ هُوَ خُرُوجٌ عَنْ مِلَّةِ الرُّسُلِ [9].
  • ​ابْنُ القَيِّمِ: التَّكْفِيرُ حَقٌّ للهِ، فَمَنْ كَفَّرَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَجَبَ عَلَيْنَا تَكْفِيرُهُ، وَالتَّوَقُّفُ فِيهِ هُوَ جَفَاءٌ لِحَقِّ الوَحْيِ [10].

الفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: المَبْحَثُ العَقَائِدِيُّ (قَاعِدَةُ التَّكْفِيرِ بِالتَّبَعِيَّةِ)

​المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي هَذَا النَّاقِضِ يَقُومُ عَلَى "قَاعِدَةِ التَّلازُمِ"؛ فَالإِيمَانُ (إِيجَابٌ) وَتَكْفِيرُ المُشْرِكِ (نَفْيٌ لِلضِّدِّ)، وَلَا يَصِحُّ الإِيجَابُ إِلَّا بِنَفْيِ ضِدِّهِ. فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ فَقَدْ جَعَلَ لِلْبَاطِلِ حَظّاً فِي الحَقِّ، وَهَذَا يُنَاقِضُ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" الَّتِي تَبْتَدِئُ بِالنَّفْيِ (لَا إِلَهَ) قَبْلَ الإِثْبَاتِ [11].

الفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: المَبْحَثُ التَّرْبَوِيُّ (التَّحْذِيرُ مِنْ تَمْيِيعِ العَقِيدَةِ)

​يُرَبَّى طَالِبُ العِلْمِ عَلَى:

  1. ​الصَّدْعِ بِالحَقِّ بِحِكْمَةٍ: تَعْلِيمُ النَّاسِ أَنَّ تَكْفِيرَ أَهْلِ الأَوْثَانِ هُوَ مِنْ صَمِيمِ التَّوْحِيدِ، وَلَيْسَ "تَطَرُّفاً".
  2. ​التَّيْسِيرُ فِي الفَهْمِ: بَيَانُ أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ لَا يَعْنِي "الِاعْتِدَاءَ" عَلَى الكُفَّارِ، بَلْ هُوَ حُكْمٌ قَلْبِيٌّ وَعَقَدِيٌّ فِي مَصِيرِهِمْ، مَعَ الوَفَاءِ بِالعُهُودِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَعَهُمْ إِنْ وُجِدَتْ [12].

الفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: جَامِعُ شُرُوحِ الأَئِمَّةِ السِّتَّةِ (التَّحْقِيقُ الشَّامِلُ)

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: فَرَّقَ بَيْنَ "الكُفْرِ بِالجِنْسِ" وَ"التَّوَقُّفِ فِي العَيْنِ"، مُؤَكِّداً أَنَّ النَّاقِضَ يَتَوَجَّهُ لِمَنْ رَفَضَ تَكْفِيرَ مَنْ دَلَّ القُرْآنُ عَلَى كُفْرِهِمْ.
  2. ​السَّعْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ مَنْ صَحَّحَ مَذَاهِبَ المُلْحِدِينَ وَالمُشْرِكِينَ فَقَدْ كَذَّبَ جَمِيعَ المُرْسَلِينَ.
  3. ​المُعَلِّمِيُّ: حَذَّرَ مِنْ دَعَاوَى "تَقَارُبِ الأَدْيَانِ" وَاعْتَبَرَهَا مَصِيدَةً تَقُودُ لِهَذَا النَّاقِضِ.
  4. ​الفَوْزَانُ: شَدَّدَ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ القُبُورِيِّينَ بَعْدَ العِلْمِ بِحَالِهِمْ يَلْحَقُ بِهِمْ فِي الحُكْمِ.
  5. ​صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ "الشَّكَّ" هُنَا هُوَ الشَّكُّ العَقَدِيُّ المنَافِي لِلْيَقِينِ، لَا مُجَرَّدُ التَّفَكُّرِ العَارِضِ.
  6. ​صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: حَقَّقَ فِي أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ حِمَايَةٌ لِـ "أَصْلِ الدِّينِ"، وَأَنَّ التَّسَاهُلَ فِيهِ يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ مَفْهُومِ الإِسْلَامِ نَفْسِهِ [13].

الفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ "تَصْحِيحِ المَذْهَبِ"

​تَصْحِيحُ المَذْهَبِ أَشَدُّ مِنْ عَدَمِ التَّكْفِيرِ؛ لِأَنَّ غَايَةَ عَدَمِ التَّكْفِيرِ (سُكُوتٌ)، أَمَّا التَّصْحِيحُ فَهُوَ (ثَنَاءٌ وَإِقْرَارٌ). فَمَنْ قَالَ: "النَّصَارَى عَلَى خَيْرٍ" أَوْ "طَرِيقُهُمْ يُوصِلُ" فَقَدْ جَعَلَ الإِسْلَامَ عَبَثاً، وَكَفَرَ بِكُلِّ مَا أَنْزَلَ اللهُ [14].

الفَائِدَةُ الحَادِيَةُ عَشَرَ: ضَوَابِطُ إِطْلَاقِ هَذَا النَّاقِضِ عَلَى المُسْلِمِينَ

​لَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُ هَذَا النَّاقِضِ لِتَكْفِيرِ طَلَبَةِ العِلْمِ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ فِي "تَحْقِيقِ المَنَاطِ" (أَيْ هَلْ فُلَانٌ مَثَلاً كَافِرٌ أَمْ لَا)؛ فَالنَّاقِضُ مَحَلُّهُ فِيمَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ "الطَّاغُوتِ" أَوْ "الكُفَّارِ الأَصْلِيِّينَ" أَوْ "المُرْتَدِّ الَّذِي بَانَ كُفْرُهُ كَالشَّمْسِ" [15].

الفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشَرَ: الخَاتِمَةُ (البَرَاءَةُ هِيَ النَّجَاةُ)

​إِنَّ النَّاقِضَ الثَّالِثَ هُوَ "السُّورُ" الَّذِي يَحْفَظُ حِمَى التَّوْحِيدِ؛ فَمَنْ هَدَمَهُ بِالشَّكِّ أَوِ التَّصْحِيحِ لِلْبَاطِلِ، انْفَتَحَتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الرِّدَّةِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ [16]

--------------------------------

الحَاشِيَةُ (التَّحْقِيقُ ):

​[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ضِمْنَ "مَجْمُوعَةِ التَّوْحِيدِ"، ص 6. وَنَقَلَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي "عُيُونِ الرَّسَائِلِ".

​[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: يُرَاجَعُ "لِسَانُ العَرَبِ"، مَادَّةُ (ش ك ك) وَ(ص ح ح). وَفِي "الفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ" لِأَبِي هِلالٍ العَسْكَرِيِّ بَيَانُ أَنَّ الشَّكَّ يُنَافِي جَزْمَ العَقِيدَةِ.

​[3] فَرْقُ السَّلَفِ: ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الصَّارِمِ المَسْلُولِ" حَيْثُ قَالَ: "مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ مَنْ أَتَى بِمَا هُوَ كُفْرٌ بِالاضْطِرَارِ فَقَدْ كَفَرَ".

​[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج10، ص 461. وَقَدْ نَقَلَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قَوْلَهُ: "مَنْ شَكَّ فِي كُفْرِ اليَهُودِ فَقَدْ كَفَرَ".

​[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج3، ص 146.

​[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 237.

​[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: صَحِيحُ مُسْلِمٍ (23). وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ: "بَابُ الأَمْرِ بِقِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَقُولُوا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ".

​[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "كَلِمَةُ الإِخْلَاصِ"، ص 34. وَبَيَّنَ فِيهَا أَنَّ الإِخْلَاصَ يَقْتَضِي عَدَاوَةَ المشركِينَ لِأَجْلِ اللهِ.

​[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج2، ص 368؛ ج28، ص 523.

​[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "طَرِيقُ الهِجْرَتَيْنِ"، ص 412 (فِي مَقَامَاتِ البَرَاءَةِ).

​[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيِّ: نَقَلَ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ سَحْمَانَ فِي "الضِّيَاءِ الشَّارِقِ" أَنَّ هَذَا النَّاقِضَ هُوَ مَحَكُّ الإِيمَانِ فِي عَصْرِ الغُرْبَةِ.

​[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يَنْبَغِي لِلطَّالِبِ أَنْ يَفْهَمَ أَنَّ "التَّكْفِيرَ" حُكْمٌ شَرْعِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى "الدَّلِيلِ"، وَأَنَّهُ يُرَبَّى عَلَى "اليَقِينِ" لَا "الغُلُوِّ"، فَلَا يُكَفِّرُ إِلَّا مَنْ كَفَّرَهُ اللهُ.

​[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ"، ج1، ص 145.
  • ​السَّعْدِيُّ: "الفَتَاوَى السَّعْدِيَّةِ"، ص 156.
  • ​المُعَلِّمِيُّ: "التَّنْكِيلُ"، ج1، ص 142.
  • ​الفَوْزَانُ: "شَرْحُ الدُّرُوسِ المُهِمَّةِ"، ص 78.
  • ​آلُ الشَّيْخِ: "كِفَايَةُ المُسْتَفِيدِ"، ص 120.
  • ​السَّنْدِيُّ: "مُحَاضَرَاتٌ فِي العَقِيدَةِ"، ضِمْنَ دُرُوسِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

​[14] مَسْأَلَةُ المِلَلِ: نَقَلَ القَاضِي عِيَاضٌ فِي "الشِّفَاءِ" الإِجْمَاعَ عَلَى كُفْرِ مَنْ لَمْ يُكَفِّرْ أَحَداً مِنَ النَّصَارَى وَاليَهُودِ أَوْ وَقَفَ فِيهِمْ أَوْ شَكَّ.

​[15] ضَابِطُ التَّكْفِيرِ بِالتَّسَلْسُلِ: "مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الكَافِرَ فَهُوَ كَافِرٌ"؛ قَاعِدَةٌ صَحِيحَةٌ فِي مَنْ كَفَرَ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ، وَلَيْسَتْ عَلَى إِطْلَاقِهَا فِي مَسَائِلِ الخِلافِ.

​[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: يُرَاجَعُ لِلتَّوَسُّعِ "الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ"، ج10 (بَابُ الرِّدَّةِ).

ـــــــــــــــــ_ـــــــــــ

الناقض الرابع: اعتقاد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وضبطه بلسان العرب

قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «الرَّابِعُ: مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ، أَوْ أَنَّ حُكْمَ غَيْرِهِ أَحْسَنُ مِنْ حُكْمِهِ؛ كَالَّذِي يُفَضِّلُ حُكْمَ الطَّوَاغِيتِ عَلَى حُكْمِهِ؛ فَهُوَ كَافِرٌ» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ (الهدي، الأكمل، الطاغوت)

الهدي لغةً: هو السيرة والطريقة والسمت. وهدي النبي ﷺ هو مجموع ما جاء به من أقوال وأفعال وتشريعات وأخلاق.

الأكمل: وزن (أفعل) للتفضيل، واعتقاد الأكملية لغير الهدي النبوي هو قدح في حكمة المنزِّل (الله) وعجز المبلِّغ (الرسول).

الطاغوت: مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد. وفي الاصطلاح: كل ما عُبد من دون الله، أو حُكم بغير شرعه مع الرضا أو الإلزام [2].

الفائدة الثالثة: مراتب اعتقاد النقص في الهدي النبوي

لابد من تدقيق المناط في هذا الناقض عبر ثلاث صور:

اعتقاد الأكملية للغير: (وهذا كفر إجماعاً) كمن يرى القوانين الوضعية أصلح للعصر من الحدود الشرعية.

اعتقاد المساواة: (وهو كفر أيضاً) كمن يقول: الشريعة طيبة والقانون طيب والعبد مخير بينهما.

اعتقاد الجواز: كمن يعتقد أن الهدي النبوي أفضل، لكن "يجوز" العمل بغيره أو تركه، وهذا نقض لشهادة أن محمداً رسول الله [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة: 50).

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يبين أن كل ما خرج عن حكم الله ورسوله فهو من "حكم الجاهلية"، والهمزة في (أفحكم) للاستفهام الإنكاري التقبيحي [4].

الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يقرر أن الله ينكر على من خرج عن حكمه المشتمل على كل خير، إلى الآراء والأهواء واصطلاحات الرجال؛ فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله [5].

العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن "اليقين" يقتضي الجزم بأن حكم الله هو الأحسن والأكمل، فمن فضّل غيره فقد نقص يقينه أو انعدم [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ» [7].

التدقيق اللغوي: "خَيْرَ" اسم تفضيل يفيد الحصر والسيادة، فإذا كان هديه هو "الخير" بإطلاق، فكل ما خالفه هو "شر" بإطلاق، وتفضيل الشر على الخير كفر.

التخريج والحكم: أخرجه مسلم (867)، وهو صحيح، ويعد القاعدة الكبرى في وجوب تقديم السيرة النبوية على كل نظام.

الفائدة الخامسة: تعليق المحققين (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم)

ابْنُ رَجَبٍ: لا يتحقق صدق المحبة للنبي ﷺ إلا بتقديم قوله وهديه على هوى النفس ورأي الخلق، فكيف بمن يرى غيره أكمل؟ [8].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الشريعة كفيلة بجميع مصالح العباد، والقول بأن هناك حقيقة تخرج عن الشريعة أو قانوناً أكمل منها هو قول "المنافقين" الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت [9].

ابْنُ القَيِّمِ: الهدي النبوي هو الصراط المستقيم، وكل ما عداه بُنيات الطريق التي على رأس كل واحد منها شيطان يدعو إليه [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي (ارتباط الناقض بالربوبية)

المسلك العقدي هنا يقرر أن "التشريع" حق خالص لله بصفته الخالق الخبير {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}. فمن زعم أن بشراً أعلم بمصالح الخلق من خالقهم، فقد أشرك في الربوبية قبل أن ينقض شهادة الرسالة، وهذا هو عمق الكفر في القوانين الوضعية المنابذة للوحي [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (تعظيم السنة في نفوس الجيل)

يُربى طالب العلم على:

الاعتزاز بالشمولية: أن الإسلام دين ودولة، ومصحف وسيف، وهديه ينتظم شؤون البيت والبرلمان والسوق.

مواجهة التغريب: بتبيان أن الإعجاب بالنظم الغربية في "التشريع" (لا في التقنية) هو أول خطى التنازل عن الناقض الرابع [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التوسع والتحليل)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: توسع في بيان أن هذا الناقض يشمل من يرى أن الحدود (كقطع السارق) وحشية لا تناسب العصر، مؤكداً أن هذا تكذيب لحكمة الله.

السَّعْدِيُّ: ربط بين هذا الناقض وبين "موالاة الكفار"؛ فإعجاب المرء بنظمهم وتفضيلها هو ثمرة لضعف الولاء لله.

المُعَلِّمِيُّ: حقق في "شبهة العقل"؛ وأوضح أن العقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح، وأن التفضيل لغير الهدي هو "هوى" تسمى "عقلاً".

الفَوْزَانُ: شدد على أن من حكم بالقوانين الوضعية معتقداً أنها مساوية أو أحسن من الشرع فهو كافر مرتد بإجماع المسلمين.

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: نبه إلى أن الناقض يقع بالاعتقاد القلبي حتى لو لم يتكلم، وبالمقال الظاهر حتى لو زعم الإيمان بقلبه.

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: فصل في مسألة "الياسق" (قانون التتار) وكيف اعتبره العلماء نموذجاً تاريخياً لتفضيل هدي غير النبي ﷺ، وربطه بالواقع المعاصر [13].

الفائدة العاشرة: الفرق بين "المعصية" و"الناقض" في الحكم

من حكم بغير ما أنزل الله (هوىً أو رشوةً) مع اعترافه بأن حكم الله هو الأكمل؛ فهذا "كفر أصغر" (معصية كبرى). أما من حكم به معتقداً أن القانون أعدل أو أنسب للواقع؛ فهذا هو "الناقض الرابع" المخرج من الملة [14].

الفائدة الحادية عشرة: موقف الفرق (المعتزلة، العلمانيون، الصوفية)

المعتزلة: وقع بعض متأخريهم في تفضيل "العقليات" على السنن بدعوى التحسين والتقبيح العقلي.

العلمانيون: هم أهل هذا الناقض بامتياز في العصر الحديث، حيث صرحوا بفصل الدين عن الحياة.

غلاة الصوفية: الذين يرون أن "الولي" قد يسقط عنه التكليف أو يخرج عن شريعة محمد ﷺ كما خرج الخضر عن شريعة موسى [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (الثبات على الهدي النبوي)

إن كمال اليقين هو أن يرى العبد في سُنة النبي ﷺ الشفاء لكل داء، والنور لكل ظلمة، فمن ابتغى الهدى في غيرها أضله الله، ومن فضّل عليها حثالة الأفكار خلع ربقة الإسلام من عنقه [16].

_-----ـــــــــــــــــــــ-------------ــــــــــــ

الحاشية (التحقيق):

[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ص 7. ويلاحظ أن المؤلف خص "حكم الطواغيت" بالذكر لشيوع الفتنة به.

[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ" لابن فارس، مادة (هـ د ي). "كتاب التعريفات" للجرجاني، تعريف الطاغوت.

[3] تَحْرِيرُ النَّاقِضِ: ينظر "الإعلام بنقد كتاب نظام الحكم" للشيخ ابن باز، فقد توسع في رد من زعم أن الديمقراطية أكمل من الشورى.

[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج10، ص 337.

[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج3، ص 131. وفيه ذكره لـ "الياسق" الذي وضعه جنكيز خان.

[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 233.

[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: صحيح مسلم (867).

[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "استنشاق نسيم الأنس"، ص 14.

[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج3، ص 267. وفيه الرد على من زعم أن السياسة تخرج عن الشريعة.

[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "إعلام الموقعين"، ج1، ص 50. حيث ذكر أن من فضّل رأي الرجال على الوحي فقد انمحق إيمانه.

[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيُّ: يُنظر "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وهي رسالة تعد عمدة في شرح هذا الناقض وتنزيله على الواقع المعاصر.

[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يجب غرس قناعة في نفوس الصغار أن النبي ﷺ هو "المعلم الأول" في كل شيء، من آداب الطعام إلى سياسة الدول.

[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "شرح رياض الصالحين"، ج1 (باب وجوب الانقياد لحكم الله).

السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 145.

المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 112 (في رد الشبهات العقلية).

الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 120-135 (توسع كبير في مسألة الحكم).

آلُ الشَّيْخِ: "شرح العقيدة الطحاوية"، ص 400.

السَّنْدِيُّ: "الأصول التي يبتني عليها الناقض الرابع" (منشورات الجامعة).

[14] مَسْأَلَةُ الكُفْرِ دُونَ الكُفْرِ: هي قول ابن عباس ومجاهد، وتحمل على من لم يجحد أفضلية الشرع. أما الناقض ففيمن جحد أو فضل أو سوّى.

[15] مَسْأَلَةُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ: ذكرها ابن تيمية في "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" وبيّن أن زعم الخروج عن شريعة محمد ﷺ كفر مخرج من الملة.

[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: يُنظر "التحفة العراقية في الأعمال القلبية" لابن تيمية، لبيان أن تعظيم الهدي النبوي هو "أصل أعمال القلوب".

ـــــــ--------ـــــــــــ----------ــــــــــ-------

الناقض الخامس: بُغض شيءٍ مما جاء به الرسول ﷺ

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وضبطه بالشكل النحوي

قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «الخَامِسُ: مَنْ أَبْغَضَ شَيْئًا مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَلَوْ عَمِلَ بِهِ؛ كَفَرَ» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ (البغض، المجيء، العمل)

البغض لغةً: هو الكراهية، وهو ضد الحب. وفي الاصطلاح: انقباض النفس عن الشيء لكراهيته.

مما جاء به الرسول: (مِن) هنا تبعيضية، و(ما) الموصولة تفيد العموم؛ أي سواء كان المجيء بالفرائض أو السنن، بالأحكام أو الأخلاق، بالوعيد أو الوعد.

ولو عمل به: إشارة إلى أن العمل بالجوارح لا ينفع إذا فسد القلب بالبغض، فالإسلام استسلام باطن وظاهر [2].

الفائدة الثالثة: التحقيق في "كراهية التكليف" و "بغض الشريعة"

لابد من تفصيل دقيق في الفرق بين كراهيتين:

كراهية الطبع (البشرية): ككراهية النفس لثقل الصلاة في الشتاء، أو كراهية ألم القتال {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ}؛ فهذا لا يقدح في الإيمان ما دام العبد راضياً بالحكم شرعاً.

كراهية الشرع (الناقض): وهي كراهية الشيء "لأنه شرع"، أو بغض كونه منسوباً للدين؛ فهذا هو المحبط للعمل، وهو عين فعل المنافقين [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} (محمد: 9).

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يوضح أن هؤلاء كرهوا القرآن وما فيه من فرائض وتوحيد، فأبطل الله ثواب أعمالهم؛ لأن الإيمان لا يجتمع مع كراهية الوحي [4].

الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يقرر أن "حب ما أنزل الله" ركن في الإيمان، وأن الكراهية نفاق أكبر مخرج من الملة ولو تظاهر العبد بالعمل [5].

العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن إحباط العمل لا يكون إلا بالكفر، فدلت الآية على أن كراهية ما أنزل الله كفر أكبر ناقض لأصل الإسلام [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» [7].

التدقيق اللغوي: "رَغِبَ عَنْ" تختلف عن "رَغِبَ فِي"؛ فالأولى تفيد الزهد فيها كراهيةً وإعراضاً، وقوله "فَلَيْسَ مِنِّي" براءةٌ نبوية تدل على خروج من سلك هذا المسلك عن جادة الإسلام.

التخريج والحكم: أخرجه البخاري (5063) ومسلم (1401)، وهو صحيح متفق عليه.

الفائدة السادسة: تعليق المحققين (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم)

ابْنُ رَجَبٍ: من كره سنن النبي ﷺ وتثاقل عنها كراهةً لها، فقد ذاق طعم النفاق، ومن أحبها فاز بحلاوة الإيمان [8].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حقيقة المتابعة هي موافقة المحبوب في محابه، فمن أبغض ما يحبه الله ورسوله فقد اتخذ إلهاً من دون الله وهو هواه [9].

ابْنُ القَيِّمِ: المحبة والرضا هما قطب رحى الإيمان، والكره والبغض للشرع هو السهم الذي يصيب القلب في مقتله فينسلخ منه التوحيد [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي (ارتباط الناقض بالاستسلام والرضا)

المسلك العقدي في هذا الناقض يقرر أن "الرضا بالله رباً" يقتضي الرضا بكل ما جاء من عنده. فمن أبغض شريعةً (كالحجاب، أو تعدد الزوجات، أو الحدود) بدعوى أنها لا تناسبه، فقد اعترض على "كمال الربوبية" و"مقتضى الألوهية"، وهذا هو الكفر الصراح [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (تنمية الحب للوحي في القلوب)

يُربى طالب العلم على:

الرضا القلبي التام: الاستسلام لخبر الله دون معارضة بعقل أو ذوق.

الحذر من لسان النفاق: الذي يمدح الإسلام إجمالاً ويبغض تفاصيله (كالسواك أو سمت الأنبياء)؛ فهذا هو "السم الخفي" في التدين المعاصر [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التوسع العلمي)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: أكد أن الناقض يقع حتى لو كان المبغوض "سنة مستحبة" لا واجبة؛ فمن كره السواك "لأنه سنة" كفر، أما من كره ريحته أو ثقله بطبع البشر فلا حرج.

السَّعْدِيُّ: نبه إلى أن هذا الناقض يسري في كثير من "المتفرنجة" الذين يكرهون أحكام المعاملات الإسلامية.

المُعَلِّمِيُّ: حقق في "شبهة الذوق"؛ وبيّن أن من جعل ذوقه حاكماً على السنة فقد ضل ضلالاً بعيداً.

الفَوْزَانُ: شدد على أن العمل بالجوارح مع بغض القلب هو "عين النفاق الأكبر" الذي كان عليه عبد الله بن أبي بن سلول.

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: أوضح أن قوله "ولو عمل به" هو مكمن الخطر، لأن الناس يغترون بالظاهر والله ينظر إلى السرائر.

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: فصل في مسألة "كراهية ما يترتب على الحكم" (كالخوف من السجن في الحدود) وبين أنها لا تدخل في الناقض ما لم يكره الحكم ذاته [13].

الفائدة العاشرة: الفرق بين "كراهية الفعل" و "كراهية التشريع"

قد يكره المسلم العاصي "فعل المعصية" التي هو عليها (كالزنا) وهذا إيمان، وقد يكره "تحريم الزنا"؛ فإذا كره أن الله حرمه فقد وقع في الناقض الخامس. فالمعوّل عليه هو الموقف من "التشريع" لا من "الممارسة" [14].

الفائدة الحادية عشرة: من هم أصحاب هذا الناقض في العصر الحديث؟

يبرز هذا الناقض عند:

المستشرقين وأذنابهم: الذين يصفون أحكام الشريعة بالرجعية.

المنهزمين نفسياً: الذين يخجلون من بعض السنن أمام الغرب ويبغضون إظهارها.

المنافقين الخلص: الذين يعملون في صفوف المسلمين ويبغضون ظهور الدين وعلّوه [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (المحبة هي النجاة)

الناقض الخامس هو ميزان "الإخلاص الباطن"؛ فمن وجد في قلبه حرجاً مما قضى الله ورسوله فليراجع إيمانه قبل الفوات {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [16].

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

الحاشية (التحقيق ):

[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ص 8.

[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "تَاجُ العَرُوسِ"، مَادَّةُ (ب غ ض). "كتاب الفروق" لأبي هلال العسكري (الفرق بين الكراهة والبغض).

[3] تَحْرِيرُ النَّاقِضِ: ينظر "صفة النفاق" للفريابي، فقد أخرج آثاراً في أن كراهية ما جاء به الرسول هي خصلة المنافقين الكبرى.

[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج22، ص 158.

[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج7، ص 310.

[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 785.

[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: البخاري (5063). وله قصة في الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالوها.

[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "جامع العلوم والحكم"، ج2، ص 340 (شرح حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به).

[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج10، ص 472 (كتاب الاستقامة).

[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "إغاثة اللهفان"، ج1، ص 130. وفيه أن حياة القلب بحب الوحي، وموته ببغضه.

[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيُّ: ذكر الشيخ سليمان بن سحمان في "الضياء الشارق" أن هذا الناقض لا يعذر فيه بجهل في أصول الشريعة الظاهرة.

[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يجب تعليم النشء أن السنة هي "سفينة نوح"، فمن أحبها ركب ونجا، ومن كرهها غرق وهلك.

[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "شرح اقتضاء الصراط المستقيم"، ج1.

السَّعْدِيُّ: "الفتاوى السعدية"، ص 180.

المُعَلِّمِيُّ: "التنكيل"، ج2، ص 210.

الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 150-165.

آلُ الشَّيْخِ: "شرح العقيدة الطحاوية"، ج2، ص 510.

السَّنْدِيُّ: "دورة شرح النواقض" (المحاضرة الخامسة).

[14] مَسْأَلَةُ الطَّبْعِ: قال النووي في "شرح مسلم": "الإنسان قد يكره الشيء طبعاً مع رضاه به شرعاً، وهذا لا إثم فيه".

[15] مَسْأَلَةُ النِّفَاقِ: حذر ابن القيم في "مدارج السالكين" من "نفاق الأعمال" الذي يجر إلى "نفاق الاعتقاد" وهو البغض.

[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: لِلْتَوَسُّعِ، يُنظر "الدرر السنية"، ج10 (باب حكم المرتد)، وفيه تفصيل عجيب في كفر من سب السنة أو كرهها.

-------ــــــــــ----ـــــــــــــــــــ----------

الناقض السادس: الاستهزاء بشيء من دين الرسول ﷺ

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وضبطه بلسان العرب

​قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «السَّادِسُ: مَنِ اسْتَهْزَأَ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ، أَوْ ثَوَابِهِ، أَوْ عِقَابِهِ؛ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ (الاستهزاء، الثواب، العقاب)

  • ​الاستهزاء لغةً: مأخوذ من "الهزء"، وهو المزاح واللعب الذي يراد به التنقص. وهو سخرية تخرج مخرج الاستخفاف.
  • ​الثواب: هو الجزاء الذي أعده الله للمطيعين (كالجنة والحور العين والنعيم).
  • ​العقاب: هو الجزاء الذي أعده الله للعاصين والكافرين (كالنار والزقوم وعذاب القبر).
  • ​التدقيق: شمل الناقض "الدين" (أصل الأحكام) و"الجزاء" (ثواباً وعقاباً) لبيان أن الاستهزاء بأي تفصيلة غيبية هو هدم لأصل التصديق [2].

الفائدة الثالثة: أنواع الاستهزاء (الصريح وغير الصريح)

​لابد من تمييز طريقتي الاستهزاء:

  1. ​الاستهزاء الصريح: وهو القول باللسان (كالسب، أو السخرية من آية أو حديث، أو السخرية من هيئة الأنبياء).
  2. ​الاستهزاء غير الصريح: وهو ما يُسميه العلماء (الاستهزاء بالفعل)، مثل: "غمز العين" عند تلاوة القرآن، أو "إخراج اللسان" عند سماع الأذان، أو "الضحك الاستخفافي" عند رؤية من يتمسك بسنة نبوية [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

​قَالَ اللهُ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}.

  • ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يذكر أن هذه الآية نزلت في رهط من المنافقين قالوا في غزوة تبوك: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً ولا أكذب ألسناً"، فجعل الله استهزاءهم بحملة القرآن استهزاءً بالله ورسوله [4].
  • ​الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يقرر أن "الاستهزاء" كفر صراح لا يقبل العذر، وقولهم "كنا نخوض ونلعب" لم يمنع وقوع الكفر عليهم، لأن أمر الدين لا يحتمل اللعب [5].
  • ​العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن تعظيم الله ورسوله هو أصل الدين، والاستهزاء بهما يناقض هذا الأصل تمام المناقضة، لذا لم يقبل الله عذرهم بالجهل أو المزاح [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

​عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي قِصَّةِ الَّذِينَ اسْتَهْزَءُوا فِي تَبُوكَ، قَالَ: «رَأَيْتُهُ مُتَعَلِّقاً بِنِسْعِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَإِنَّ الحِجَارَةَ تَنْكُبُ رِجْلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ. وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} مَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَمَا يَزِيدُهُ عَلَيْهِ» [7].

  • ​التدقيق: إعراض النبي ﷺ عنهم وتكراره للآية فقط، دليل على عظم الجرم وأنه "حق لله" لا يملك النبي التنازل عنه.
  • ​التخريج والحكم: أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وصححه كثير من المحققين كابن تيمية، وهو أصل في هذا الباب.

الفائدة السادسة: تعليق المحققين (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القَيِّم)

  • ​ابْنُ رَجَبٍ: لا يجتمع في قلب عبدٍ وقار الله مع الهزء بكلامه، فمن استخف بشيء من الدين فقد خلع رداء التعظيم [8].
  • ​ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هذا الناقض يثبت أن الكفر قد يكون بكلمة واحدة يلفظ بها العبد دون اعتقاد (أو بدافع المزاح)، فالدين جِدٌّ كله [9].
  • ​ابْنُ القَيِّمِ: الاستهزاء هو سخرية من حكمة الخالق، ومن استهزأ بالثواب فقد كذب بالوعد، ومن استهزأ بالعقاب فقد أمن مكر الله [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي (ارتباط الناقض بأعمال القلوب)

​المسلك العقدي يقرر أن "التعظيم" هو روح العبادة. والناقض السادس يهدم (عمل القلب) وهو التعظيم، فإذا سقط التعظيم سقط الإيمان بالتبع. وهذا يوضح لماذا كفروا رغم قولهم "آمنا"، لأن الاستهزاء كشف عن خلو قلوبهم من التعظيم الواجب [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (تربية الجيل على هيبة الدين)

​يُربى طالب العلم على:

  1. ​صون المجالس: فإذا استهزئ بالدين في مجلس، وجب الإنكار أو المفارقة {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ}.
  2. ​التفرقة بين الشخص والدين: قد تمزح مع صديقك في أمره الشخصي، لكن حذار أن تمزح في لحيته أو صلاته أو حجابها، لأن هذا مساس بالمنهج لا بالشخص [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التحليل العلمي)

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: أكد أن من سخر ممن يتمسك بالسنة (لأنه متمسك بها) كفر، أما من سخر منه لخطأ في شخصه فلا يكفر لكنه على خطر عظيم.
  2. ​السَّعْدِيُّ: نبه إلى أن الاستهزاء بالثواب (كالسخرية من وصف الجنة) هو ردٌّ لخبر الله وتكذيب له.
  3. ​المُعَلِّمِيُّ: حقق في "استهزاء العصر" من خلال الروايات والتمثيليات التي تنتقص من أهل الدين أو أحكامه.
  4. ​الفَوْزَانُ: شدد على أن من استهزأ بالصلاة أو الزكاة أو الحج، فقد ارتد عن الإسلام ولو كان يؤديها.
  5. ​صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: أوضح أن "الخوض واللعب" لا يعفي من الكفر، لأن الاستهزاء لا يكون إلا من قلب مستخف.
  6. ​صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: فصل في مسألة "الاستهزاء بشعائر الله" (كالكعبة أو الأذان) واعتبرها من أغلظ أنواع الكفر لظهور منابذتها للربوبية [13].

الفائدة العاشرة: حكم من "سكت" على الاستهزاء

​من حضر مجلساً يُستهزأ فيه بالدين ورضي بذلك أو سكت دون عذر، فهو "شريك" في الحكم عند كثير من المحققين لقوله تعالى {إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ}، وهذا تنبيه خطير لمن يشاهدون المحتويات الساخرة من الدين [14].

الفائدة الحادية عشرة: المبحث التربوي (خطورة "الكوميديا" المعاصرة)

​كثير من "الكوميديين" اليوم يقعون في هذا الناقض عبر السخرية من أحكام المواريث، أو عذاب القبر، أو هيئة الصالحين. والواجب شرعاً الحذر والتحذير منهم حمايةً لعقائد الناس [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (الدين وقار)

​الناقض السادس هو الحارس لهيبة الوحي؛ فمن تجرأ على حماه بالهزء، باء بالخسران المبين. والنجاة في توقير ما وقره الله {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [16].

الحاشية (التحقيق ):

​[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ص 9.

​[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "مقاييس اللغة" لابن فارس، مادة (هـ ز أ). "مفردات القرآن" للراغب الأصفهاني.

​[3] تَحْرِيرُ النَّاقِضِ: ينظر "الصارم المسلول على شاتم الرسول" لابن تيمية، فقد أبدع في تقسيم مراتب الاستخفاف.

​[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج14، ص 333.

​[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج4، ص 172.

​[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 342.

​[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: رواه الطبري في تفسيره (16935). والنسع: هو خيط من جلد تشد به الرحال.

​[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "مجموع رسائله"، ج3، ص 115 (رسالة تعظيم قدر الصلاة).

​[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج7، ص 273 (كتاب الإيمان).

​[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "مدارج السالكين"، ج1، ص 430. وفيه أن الهزء بالوعد والوعيد إلحاد.

​[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيُّ: يقرر الشيوخ في "الدرر السنية" أن الاستهزاء هو أسرع النواقض خروجاً من الملة لصراحة منابذته للقلب.

​[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يجب تعليم الطالب "أدب الأنبياء"؛ فلم يُؤثر عن نبي قط أنه مزح فيما يتعلق بأمر الله.

​[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "لقاء الباب المفتوح"، اللقاء رقم (60).
  • ​السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 150.
  • ​المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 140.
  • ​الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 170-190.
  • ​آلُ الشَّيْخِ: "شرح الطحاوية"، ج2، ص 550.
  • ​السَّنْدِيُّ: "شرح النواقض" (المحاضرة السادسة).

​[14] مَسْأَلَةُ الرِّضَا بِالكُفْرِ: ذكرها القرطبي في تفسيره لآية النساء، وقال: "كل من جلس في معصية ولم ينكر عليهم فهو معهم في الوزر".

​[15] مَسْأَلَةُ الفَنِّ: ينظر "فتاوى اللجنة الدائمة"، ج2، ص 30 (حكم السخرية من المتدينين في الأفلام).

​[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: لِلْتَوَسُّعِ، يُنظر "شفاء العليل" لابن القيم، في فصل تعظيم الأوامر والنواهي.

ـــــــــــــــــ

الناقض السابع: السحر (ومنه الصرف والعطف)

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وضبطه بالشكل النحوي

قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «السَّابِعُ: السِّحْرُ، وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالعَطْفُ؛ فَمَنْ فَعَلَهُ أَوْ رَضِيَ بِهِ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ (السحر، الصرف، العطف)

السِّحْرُ لغةً: هو كل ما لَطُفَ مأخذه ودقَّ وخفي سببه. ومنه سُمي "السحر" (آخر الليل) لخفاء أفعاله. وفي الشرع: عزائم ورقى وعقود تؤثر في القلوب والأبدان، فتُمرض وتقتل، وتفرق بين المرء وزوجه.

الصَّرْفُ: عمل سحري يراد به "صرف" الإنسان عما يحبه، كصرف الزوج عن محبة زوجته إلى بغضها.

العَطْفُ: عمل سحري (تِوَلة) يراد به "عطف" الإنسان وتزيين شخص في عينه بطريقة غير طبيعية ليحبه [2].

الفائدة الثالثة: التحقيق في "مناط الكفر" في السحر

لماذا كان السحر ناقضاً؟ لسببين عقديين:

الاستعانة بالشياطين: فالسحر لا يتم غالباً إلا بالتقرب للجن والشياطين بالذبح أو الاستغاثة أو تدنيس الوحي، وهذا شرك أكبر.

دعوى مشاركة الله في الغيب: فالسحرة يدعون علم الغيب أو التصرف في الكون، وهذا قدح في الربوبية [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ}.

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يبين أن الملكين (هاروت وماروت) كانا يحذران الناس من أن تعلم السحر "كفر"، فمن تعلمه بعد التحذير فقد اختار الكفر على الإيمان [4].

الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يقرر أن الآية نص صريح في كفر الساحر، ويستدل بقوله تعالى {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} أي لا نصيب له في الجنة [5].

العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن السحر منافٍ للتوحيد؛ لأنه يعتمد على الأرواح الخبيثة والتعلق بغير الله، وهو من أعظم المفسدات للدين والدنيا [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ...» [7].

التدقيق اللغوي: "المُوبِقَاتِ" أي المهلكات التي تهلك صاحبها في الدنيا والآخرة. وقرن السحر بالشرك دليل على شدة جرمه وأنه من جنسه.

التخريج والحكم: أخرجه البخاري (2766) ومسلم (89)، وهو متفق عليه.

الفائدة السادسة: تعليق المحققين (ابن رجب، ابن تيمية، ابن القيم)

ابْنُ رَجَبٍ: السحر هو أعظم ذنب بعد الشرك، لأنه يقوم على قلب الحقائق وإيذاء الخلق بأدوات شيطانية [8].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ: جمهور العلماء على أن الساحر كافر مرتد، وقتله حدٌّ واجب لحماية جناب التوحيد وتطهير الأرض من فساده [9].

ابْنُ القَيِّمِ: السحر هو من وحي الشيطان، ولا يقوى تأثيره إلا في القلوب الضعيفة التي خلت من ذكر الله والتحصن بالتوحيد [10].

الفائدة السابعة: المبحث العقدي (حكم "الرضا" بالسحر)

نبه المؤلف بقوله: «أَوْ رَضِيَ بِهِ» على أن من لم يباشر السحر بنفسه، ولكن ذهب للساحر وطلب منه (صرفاً أو عطفاً) ورضي بفعله؛ فهو شريك له في الكفر. لأن الرضا بالكفر كفر، والرضا بالمعصية معصية [11].

الفائدة الثامنة: المبحث التربوي (التحذير من طرق الدجالين)

يُربى طالب العلم على:

التوكل المحض: أن النفع والضر بيد الله وحده، والسحر لا يضر إلا بإذن الله الكوني.

الرقية الشرعية: تعليم الناس البديل الشرعي (الأذكار والقرآن) حتى لا تضطرهم المحن للذهاب للسحرة [12].

الفائدة التاسعة: جامع شروح الأئمة الستة (التحقيق الموسع)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: فصل في أن السحر نوعان: سحر كفري (باستخدام الشياطين) وهو الناقض، وسحر عُدواني (باستخدام الأدوية والعقاقير) وهو كبيرة من الكبائر، والجمهور على كفر النوعين لصعوبة التفريق.

السَّعْدِيُّ: أوضح أن السحر يفسد العقل والبدن ويفرق بين الأحبة، فخطره متعدٍ وفاحش.

المُعَلِّمِيُّ: حذر من السحر "المقنّع" في صور التنجيم وادعاء معرفة الحظ من خلال النجوم.

الفَوْزَانُ: شدد على أن من صدق الساحر في دعوى علم الغيب فقد كفر بما أنزل على محمد.

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: نبه إلى أن "الرُّقى الشركية" التي تحتوي على أسماء جن مجهولة هي بريد السحر وسبيله.

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: حقق في مسألة "حل السحر بالسحر" (النُّشرة) وبين أن الصحيح تحريمها منعاً لفتح باب السحرة مرة أخرى [13].

الفائدة العاشرة: الفرق بين المعجزة والكرامة والسحر

المعجزة: أمر خارق للعادة يجريه الله على يد نبي للتحدي.

الكرامة: أمر خارق يجريه الله على يد ولي صالح (اتباعاً لا استقلالاً).

السحر: أمر خارق يجريه الشيطان على يد ساحر فاجر (بالكفر والشرك) [14].

الفائدة الحادية عشرة: المبحث الفقهي (حد الساحر)

صح عن ثلاثة من الصحابة (عمر، وحفصة، وجندب) أن حد الساحر هو "ضربة بالسيف"؛ وذلك لقطع دابر فتنتهم، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد، بينما يرى الشافعي استتابته أولاً [15].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (الحصن الحصين)

الناقض السابع يغلق الباب أمام عبث الشياطين بحياة المسلمين؛ فالإيمان نور والسحر ظلمة، ولا يجتمعان في قلب عبد صادق [16].

الحاشية (التحقيق الموسوعي الموسع):

[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ"، ص 10.

[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "المفردات" للراغب. "فتح المجيد" شرح كتاب التوحيد، باب ما جاء في السحر.

[3] تَحْرِيرُ النَّاقِضِ: ينظر "أضواء البيان" للشنقيطي، فقد أطال النفس في تفسير سورة البقرة وبيان كفر الساحر.

[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تَفْسِيرُ الطَّبَرِيُّ"، ج2، ص 422.

[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ"، ج1، ص 350.

[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ"، ص 61.

[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: متفق عليه.

[8] مَرْجِعُ ابْنِ رَجَبٍ: "جامع العلوم والحكم"، ج1، ص 155.

[9] مَرْجِعُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: "مَجْمُوعُ الفَتَاوَى"، ج29، ص 384.

[10] مَرْجِعُ ابْنِ القَيِّمِ: "بدائع الفوائد"، ج2، ص 190.

[11] قَاعِدَةُ الرِّضَا: ذكرها صاحب "تيسير العزيز الحميد" في شرح باب السحر.

[12] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يجب غرس "عقيدة التحصين" في الأبناء عبر أذكار الصباح والمساء.

[13] المَصَادِرُ لِلشُّرُوحِ السِّتَّةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "القَوْلُ المُفِيدُ"، ج1، ص 490.

السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 105.

المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 160.

الفَوْزَانُ: "إعانة المستفيد"، ج1، ص 330.

آلُ الشَّيْخِ: "شرح الطحاوية"، ج2، ص 760.

السَّنْدِيُّ: "محاضرات في النواقض" (الدرس السابع).

[14] مَسْأَلَةُ الفَرْقِ: ذكرها الباقلاني والرازي وغيرهم من أصحاب كتب "الفروق" العقدية.

[15] حَدُّ السَّاحِرِ: أخرجه الترمذي (1460) من حديث جندب، وصححه موقوفاً. وأخرجه مالك في الموطأ عن عمر.

[16] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: لِلْتَوَسُّعِ، يُنظر "عالم السحر والشعوذة" لعمر الأشقر.

ـــــــــــــــ-------------ـــــــــــــــــــــ

الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وتحقيقه لغوياً

​قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «الثَّامِنُ: مُظَاهَرَةُ المُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}» [1].

  • ​المُظَاهَرَةُ لغةً: مأخوذة من "الظَّهْرِ"، كأنَّ المعاون جعل ظهره إلى ظهر من يعاونه لِيَقْوَى به. وهي في الاصطلاح: نصرة الكفار وإعانتهم بالمال أو السلاح أو الرأي أو اللسان على المسلمين لِيَظْهَرَ دينهم أو تكسر شوكة أهل الإسلام.

الفائدة الثانية: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

  • ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يقرر أن من تولى الكفار ونصرهم على أهل الإيمان، فقد صار من حزبه ودينه، فإنه لا يتولى متولٍّ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وصار منه [2].
  • ​الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يوضح أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين عن موالاة الكافرين، ويخبر أن من فعل ذلك فقد انقطع عنه حبل الله، وصار "منهم" في الحكم، وهذا وعيد شديد يقتضي الخروج من الملة لمن ظاهرهم على المسلمين [3].
  • ​العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يرى أن التولي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، وهو الذي يقتضي المحبة والنصرة بالقلب والجوارح، فالتولي للمشركين هو هدم لأصل الولاء للمؤمنين [4].

الفائدة الثالثة: شرح الإمام ابن عثيمين

 (تحرير الفرق بين التولي والموالاة)

​يقول الإمام ابن عثيمين: "المظاهرة هي الإعانة، ومظاهرة الكفار على المسلمين كفر مخرج من الملة؛ لأن من أعان الكفار على المسلمين فهو دليل على أنه يحب الكفار ويحب أن يظهروا على المسلمين، وهذا ينافي الإيمان تماماً. وفرقٌ بين (التولي) المخرج من الملة وهو النصرة والمظاهرة، وبين (الموالاة) التي هي مصانعتهم أو مودتهم لغرض دنيوي مع بقاء أصل الإيمان، فالأول كفر أكبر، والثاني معصية وكفر أصغر ما لم يصل لحد الرضا بدينهم" [5].

الفائدة الرابعة: شرح الإمام السعدي

 (التأصيل المقاصدي للناقض)

​يوسع السعدي في "القول السديد" قائلاً: "أصل الدين مبني على حب الله ورسوله وحب أوليائه وبغض أعدائه، فمن نصر الأعداء على الأولياء فقد عكس الحقائق ونقض الأصول. فالمظاهرة ليست مجرد فعل مادي، بل هي ثمرة لانقلاب عَقدي في القلب، جعل العبد يرى نصرة الكفر مصلحة أو يراها أحق بالظهور من نصرة الإسلام، وهذا هو عين الردة التي حذر منها القرآن في مواضع شتى" [6].

الفائدة الخامسة: شرح الإمام المعلمي اليماني (التحذير من النفاق السياسي)

​يقول المعلمي: "إن أخطر صور المظاهرة هي التي تأتي تحت ستار (المصلحة الوطنية) أو (التحالفات الضرورية) التي تفضي إلى تمكين الكافر من رقاب المسلمين أو دماء الموحدين. فالساكت عن نصرة المسلم مع القدرة آثم، فكيف بالذي يكون ظهيراً للكافر؟ إن السلف أجمعوا على أن من دلَّ الكفار على عورات المسلمين أو أعانهم بيده أو لسانه قاصداً ظهورهم فقد انسلخ من دينه" [7].

الفائدة السادسة: شرح الإمام الفوزان

 (تفكيك الشبهات في المظاهرة)

​يقول الشيخ الفوزان في شرحه الموسع: "المظاهرة هي النصرة بالمال والسلاح والرأي، ومن فعل ذلك فإنه كافر بالإجماع. ولا يشترط أن يصرح بأنه يحب دينهم، بل مجرد الفعل في حال الحرب والمناوشة بين المسلمين والكفار يعد تولياً. فمن دخل في صفوف المشركين وقاتل معهم ضد المسلمين، أو أمدهم بمعلومات استخباراتية تؤدي إلى كسر جيوش المسلمين، فقد تولاهم، ومن تولاهم فهو منهم بنص القرآن، ولا ينفعه صوم ولا صلاة" [8].

الفائدة السابعة: شرح الإمام صالح آل الشيخ (المنافسة بين الولاء الإيماني والولاء القومي)

​يوضح آل الشيخ: "هذا الناقض يقوم على (الموالاة الكبرى). والتحقيق أن من أعانهم (ديناً) كفر إجماعاً، ومن أعانهم (دنيا) مع علمه بضرر المسلمين فهو على شفا حفرة من الكفر، وقد ذهب جمع من أئمة الدعوة إلى أن مجرد المظاهرة كفر مطلقاً سواء قصد الدنيا أو الدين؛ لأن الفعل في نفسه لا يصدر إلا عن قلبٍ خلا من تعظيم حرمة دم المسلم، ومن قدم الكافر على المسلم في النصرة فقد هدم (عقد الإيمان) الذي يربطه بالأمة" [9].

الفائدة الثامنة: شرح الإمام صالح السندي 

(تحقيق المناط المعاصر)

​يقول الشيخ السندي: "في عصرنا هذا تداخلت الأمور، لكن القاعدة تبقى مطردة: (كل إعانة تؤول إلى تقوية الكفر على الإسلام فهي مظاهرة). ويجب التفريق بين المعاهدات التجارية أو الصلح الجائز، وبين (التحالف العسكري) الذي يوجه لإبادة طائفة من المسلمين أو احتلال بلادهم. فمن كان عوناً لعدو الله على ولي الله فقد دخل في هذا الناقض، والواجب على طالب العلم أن يزن الأمور بميزان الكتاب والسنة لا بموازين السياسة المتقلبة" [10].

الفائدة التاسعة: المبحث العقدي 

(ارتباط الناقض بالولاء والبراء)

​المسلك العقدي في هذا الناقض يقرر أن "لا إله إلا الله" تقتضي الحب في الله والبغض في الله. فالمظاهرة هي نقض عملي لـ "البراء من المشركين"، وبدون البراء لا يصح إسلام العبد. فالإسلام ليس مجرد شعائر، بل هو (انحياز) تام لمعسكر الإيمان ضد معسكر الكفران [11].

الفائدة العاشرة: حكم "الجاسوس" المسلم (تحقيق ابن القيم)

​فصل ابن القيم في "زاد المعاد" في قصة حاطب بن أبي بلتة، وبين أن حاطباً لم يكفر لأنه لم يقصد "مظاهرة المشركين" محبةً في ظهورهم، بل فعل ذلك ليدٍ كانت له عندهم يحمي بها أهله، مع بقاء قلبه على الإيمان بنصر الله لنبيه. وهذا يدلك على أن الناقض يتعلق بمن قصد "ظهور الكفر" أو أعانهم إعانة مطلقة في حربٍ ضروس [12].

الفائدة الحادية عشرة: المبحث التربوي (تربية الأمة على عزة الولاء)

​يُربى طالب العلم على أن دماء المسلمين معصومة، وأن الكافر مهما بلغت قوته فهو عدو لله ولرسوله وللمؤمنين. والتربية هنا تقوم على:

  1. ​استشعار الجسد الواحد: {مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد}.
  2. ​بناء الحصانة الفكرية: ضد الانبهار بالقوى الكافرة الذي يقود إلى الرضا بمعونتهم [13].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (أمانة الدين)

​الناقض الثامن هو حارس حدود الأمة؛ فمن خان هذه الحدود وظاهر الأعداء فقد خان الله ورسوله. والنجاة في تحقيق الولاء المحض لله ولرسوله وللمؤمنين {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} [14].

الحاشية (التحقيق):

​[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نواقض الإسلام"، ص 11.

​[2] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تفسير الطبري"، ج10، ص 398. وفيه رده على من زعم أن الآية خاصة بزمان النبوة.

​[3] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تفسير القرآن العظيم"، ج3، ص 104.

​[4] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 235.

​[5] مَرْجِعُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شرح العقيدة الواسطية"، ج2، ص 240. وينظر "مجموع فتاواه"، ج2، ص 130.

​[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "القول السديد شرح كتاب التوحيد"، ص 160.

​[7] مَرْجِعُ المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 180 (في فصل حقوق المسلم على المسلم).

​[8] مَرْجِعُ الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 210-235. وهو من أطول الشروح في هذا الناقض.

​[9] مَرْجِعُ آلُ الشَّيْخِ: "التمهيد لشرح كتاب التوحيد"، ص 450.

​[10] مَرْجِعُ السَّنْدِيُّ: "أصول الولاء والبراء" (بحث مقدم في الندوات العلمية بالجامعة الإسلامية).

​[11] تَحْقِيقُ المَسْلَكِ العَقَدِيُّ: يقرر أئمة الدعوة النجدية في "الدرر السنية" أن المظاهرة هي من "أكفر الكفر" وأبينه.

​[12] قِصَّةُ حَاطِبٍ: ينظر "زاد المعاد"، ج3، ص 422. وفيها ضوابط دقيقة للتفرقة بين "الموالاة الصغرى" و"التولي الأكبر".

​[13] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يجب غرس قيمة "النصرة" في نفوس الصغار، وتعليمهم قصة أصحاب الأخدود وقيمة الثبات على الولاء.

​[14] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: للتوسع، ينظر "الولاء والبراء في الإسلام" للشيخ محمد سعيد القحطاني، وهو بحث جامع في هذه المسألة.

-----------؛-؛؛؛:::----------

الناقض التاسع: اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد ﷺ

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وضبطه بالشكل النحوي

قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «التَّاسِعُ: مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَمَا وَسِعَ الخَضِرَ الخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ فَهُوَ كَافِرٌ» [1].

الفائدة الثانية: التحرير اللغوي لـ (يسعه، الخروج، الشريعة)

يَسَعُهُ لغةً: من الوُسع، أي يكون في طاقته ومباحاً له. والمعنى هنا: الاعتقاد بأن الالتزام بالشريعة ليس واجباً عينياً على كل أحد، بل هناك فئات "مستثناة".

الخُرُوجُ: هو المروق والترك والمنابذة، أي ترك العمل بأحكام الإسلام الظاهرة والباطنة.

الشَّرِيعَةُ: هي ما شرعه الله لعباده من الأحكام والحدود والعبادات التي جاء بها النبي ﷺ [2].

الفائدة الثالثة: التحقيق في "شبهة الخضر" وردها

بنى أصحاب هذا الناقض كفرهم على قياسٍ باطل بين شريعة محمد ﷺ وحال الخضر مع موسى. والرد من وجهين:

خصوصية الرسالة: موسى ﷺ بُعث إلى "بني إسرائيل" خاصة، بينما محمد ﷺ بُعث إلى "الناس كافة". فمن لم يكن من قوم موسى لم يجب عليه اتباعه (كالخضر)، أما محمد ﷺ فلا يوجد إنس ولا جن إلا وهو مكلف باتباعه.

بقاء الشريعة: شريعة محمد ﷺ خاتمة وناسخة، ولا يسع أحداً (ولو كان نبياً كعيسى حين ينزل) إلا اتباعها [3].

الفائدة الرابعة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (آل عمران: 85).

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يقرر أن هذه الآية عامة في كل زمان ومكان بعد بعثة النبي ﷺ، فكل من طلب طريقاً غير الإسلام وما جاء به محمد ﷺ، فعمله مردود وعاقبته النار [4].

الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يوضح أن الله أخبر بعدم قبول أي طريق أو عمل إلا ما كان موافقاً لشريعة محمد ﷺ، فمن اعتقد أن هناك طريقاً يوصل إلى الله غيره، فقد كفر بالقرآن [5].

العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يرى أن "الإسلام" في الآية هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة التي جاء بها الرسول، فمن زعم أن له خياراً في الخروج عنها فقد خلع ربقة الإسلام [6].

الفائدة الخامسة: الاستدلال النبوي (تحقيقاً وتخريجاً)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [7].

التدقيق: قوله "لا يسمع بي أحد" يشمل كل بشر، وربط النجاة بـ "الإيمان بالذي أُرسلتُ به" يقطع الطريق على من يزعم أن العلم أو "الحقيقة" تغني عن الشريعة.

التخريج والحكم: أخرجه مسلم (153)، وهو صحيح، وأصل في وجوب شمولية الرسالة.

الفائدة السادسة: شرح الإمام ابن عثيمين (إبطال دعوى سقوط التكليف)

يقول الشيخ ابن عثيمين في شرحه: "هذا الناقض يقع فيه غلاة الصوفية الذين يزعمون أن العبد إذا وصل إلى درجة معينة من (المعرفة) سقطت عنه التكاليف، فيتركون الصلاة والجمعة ويفعلون المحرمات بدعوى أنهم وصلوا إلى الله! وهذا من أخبث الكفر، لأنهم جعلوا أنفسهم أعظم من النبي ﷺ الذي لم تسقط عنه التكاليف حتى فارقت روحه جسده. فمن اعتقد أن أحداً يسعه الخروج عن الشريعة فقد كذّب قول الله {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا}" [8].

الفائدة السابعة: شرح الإمام السعدي (كمال الشريعة واستيعابها للحق)

يقول السعدي في "القول السديد": "إن شريعة محمد ﷺ هي أكمل الشرائع، وقد اشتملت على كل حقيقة نافعة، فمن زعم أن هناك (حقيقة) تخرج عن (الشريعة) فقد اتهم الدين بالنقص. والخضر لم يكن من أمة موسى، أما نحن فكلنا من أمة محمد، والتشبه بالخضر في هذا الباب هو ضلال مبين وتلبيس من إبليس ليخرج الناس من عبادة الله إلى عبادة أهوائهم" [9].

الفائدة الثامنة: شرح الإمام المعلمي اليماني (رد شبهة "العلم اللدني")

يقول المعلمي: "كثير من الضُّلال يزعمون أنهم يتلقون عن الله مباشرة (علماً لدنياً) يبيح لهم مخالفة النص النبوي. والتحقيق أن كل (وجد) أو (كشف) يخالف الشريعة فهو من وحي الشياطين. والرسول ﷺ هو الواسطة الوحيدة بيننا وبين الله في التبليغ، فمن ادعى واسطة أخرى أو طريقاً خاصاً فقد اتخذ إلهاً من دون الله" [10].

الفائدة التاسعة: شرح الإمام الفوزان (تحديد من يدخل في هذا الناقض)

يوسع الشيخ الفوزان في شرحه: "يدخل في هذا الناقض صنفان: الأول: الذين يزعمون أن شريعة محمد لا تناسب هذا الزمان فيخرجون عنها للقوانين الوضعية. والثاني: المتصوفة الذين يدعون الوصول ويسقطون التكاليف. وكلاهما كافر، لأنهم لم يحققوا معنى شهادة أن محمداً رسول الله، التي تقتضي أنه لا متبوع بحق إلا هو ﷺ، وأن شريعته عامة للثقلين إلى قيام الساعة" [11].

الفائدة العاشرة: شرح الإمام صالح آل الشيخ (ارتباط الشريعة بالحقيقة)

يوضح آل الشيخ: "يجب أن يعلم العبد أن (الحقيقة) هي عين (الشريعة)، فما خالف الشريعة فهو باطل وضلال. ومن اعتقد أن (الولي) يوحى إليه بما يخالف ما جاء به (النبي) فهو كافر مرتد. وهذا الناقض ينسف مذهب (وحدة الوجود) والمذاهب الباطنية التي ترى أن الشريعة هي للقشور (العوام) والحقيقة هي للباب (الخواص)" [12].

الفائدة الحادية عشرة: شرح الإمام صالح السندي (التحصين ضد الفكر الباطني)

يقول الشيخ السندي: "إن هذا الناقض يحمي عقل المسلم من الدجل باسم (الروحانيات). فكل من دعاك لترك سنة أو ارتكاب محرم بدعوى (سر) أو (مقام) فهو عدو لله. والشريعة المحمدية محكمة، لا يدخلها النسخ ولا التخصيص بعد موت النبي ﷺ، فمن زعم خصوصية تخرجه عنها فقد كفر بالرسالة" [13].

الفائدة الثانية عشرة: الخاتمة (وحدة المتبع)

الناقض التاسع يرسخ حقيقة واحدة: لا نجاة إلا خلف محمد ﷺ. فمن ابتغى الهدى في غير هديه، أو زعم الاستغناء عن متابعته، فقد سلك طريق الهلاك {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [14].

الحاشية (التحقيق ):

[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نواقض الإسلام"، ص 12.

[2] التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: "لسان العرب"، مادة (ش ر ع). ويُنظر "مجموع الفتاوى" لابن تيمية، ج11 (فصل في لفظ الشريعة والحقيقة).

[3] قِصَّةُ الخَضِرِ: حقق ابن تيمية في "الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان" أن الخضر إما كان نبياً أو ولياً في زمان لا يجب فيه اتباع موسى، أما بعد محمد ﷺ فلا خضر ولا غيره يسعه ذلك.

[4] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تفسير الطبري"، ج6، ص 570.

[5] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تفسير القرآن العظيم"، ج2، ص 68.

[6] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 138.

[7] عِزْوُ الحَدِيثِ: صحيح مسلم (153).

[8] مَرْجِعُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شرح العقيدة الواسطية"، ج2، ص 250.

[9] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 170.

[10] مَرْجِعُ المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 200.

[11] مَرْجِعُ الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 240-260.

[12] مَرْجِعُ آلُ الشَّيْخِ: "كفاية المستفيد بشرح كتاب التوحيد"، ص 300.

[13] مَرْجِعُ السَّنْدِيُّ: "شرح نواقض الإسلام" (المحاضرة التاسعة).

[14] خَاتِمَةُ الحَاشِيَةِ: للتوسع، يُنظر "مدارج السالكين" لابن القيم، ج3 (فصل الفناء وأقسامه)، فقد فصل في الرد على من زعم سقوط التكاليف.

-----------------------

الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله تعالى

الفائدة الأولى: إيراد النص كاملاً وتحقيقه لغوياً

قَالَ الإِمَامُ المُجَدِّدُ: «العَاشِرُ: الإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللهِ تَعَالَى، لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}» [1].

الإِعْرَاضُ لغةً: من (عَرَضَ)، وهو المولِّي بظهره، والصادُّ عن الشيء. والمعنى هنا: أن يصدَّ المرء بجملته عن الدين، فلا قلبُه يقبل الخبر، ولا جوارحُه تنقاد للأمر.

الفائدة الثانية: تحرير "مناط الناقض" (الإعراض الكلي)

يجب التنبه إلى أن المقصود هنا هو الإعراض الكلي عن أصل الدين، وليس الإعراض عن بعض الفروع أو السنن. وهو الذي يسميه العلماء (كفر الإعراض)، وصورته: أن يأتيه الحق فيعرض عنه بقلبه ولسانه وجوارحه، فلا يتعلم أصل التوحيد الذي يدخل به الإسلام، ولا يعمل بأركانه التي يقوم عليها بنيانه [2].

الفائدة الثالثة: الاستدلال القرآني (تفسير الطبري وابن كثير والسعدي)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا}.

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يقرر أنه لا أحد أشد إجراماً ممن جاءته حجج الله وبيناته، فلم ينظر فيها، ولم يصدق بها، بل ولى عنها مستكبراً، وهذا هو استحقاق الانتقام الإلهي [3].

الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ: يوضح أن هؤلاء لم يكتفوا بالترك، بل ضموا إليه الإعراض بعد التذكير، وهذا أبلغ في العناد والكفر [4].

العَلَّامَةُ السَّعْدِيُّ: يشرح أن الإعراض المقصود هو الذي يمنع العبد من الاهتداء، فلو كان فيه خير لأسمعه الله، لكنه أعرض فأظلمت بصيرته [5].

الفائدة الرابعة: شرح الإمام ابن عثيمين (التفرقة بين الجهل والإعراض)

يقول الشيخ ابن عثيمين: "الإعراض الناقض هو أن يرفض المرء تعلم أصل دينه الذي لا يصح الإسلام بدونه، كأن تقول له: تعلم كيف توحد الله، فيقول: لا أريد. تعلم كيف تصلي، فيقول: لا أهتم. هذا هو الذي أعرض عن (جنس) العمل والتعلم. أما من تعلم الأصل ولكنه قصر في بعض الواجبات أو لم يتعلم بعض السنن، فهذا ليس بكافر، بل هو عاصٍ أو جاهل يُعلّم" [6].

الفائدة الخامسة: شرح الإمام السعدي (ثمرة الإعراض على القلب)

يقول السعدي في "القول السديد": "دين الله مبني على العلم والعمل، فالإعراض عنهما بالكلية موتٌ للقلب وسقوطٌ في هاوية الجاهلية. والمُعرض قد استغنى بهواه عن هدى ربه، فصار قلبه غلافاً لا يصل إليه النور، وهذا هو الكفر الذي لا تنفع معه دعوى الانتساب للإسلام بالاسم فقط" [7].

الفائدة السادسة: شرح الإمام المعلمي اليماني (خطورة الانشغال بالدنيا)

يقول المعلمي: "إن من أبشع صور الإعراض في زماننا أن ينكبَّ الناس على علوم الدنيا وتفاصيلها، فإذا جاء ذكر الدين وتوحيد رب العالمين لم تجد لديهم رغبة ولا اهتماماً. فإذا كان الرجل لا يعرف ما يحرم عليه وما يجب له تجاه خالقه، ولا يسعى لتعلم ذلك، فقد دخل في حومة الإعراض الخطر" [8].

الفائدة السابعة: شرح الإمام الفوزان (الإعراض الذي يكفر به المرء)

يوسع الشيخ الفوزان: "هذا الناقض يقع فيه من لا يرفع بالدين رأساً، فلا يبالي أشرك أم وحد، ولا يصلي ولا يزكي، ولا يسأل عن أحكام دينه أبداً. إن قوله ﷺ: (طلب العلم فريضة) يشمل القدر الذي يصحح العقيدة والعبادة، فمن أعرض عن هذا القدر بالكلية فقد نقض إسلامه، لأنه لا إسلام بلا علم ولا عمل" [9].

الفائدة الثامنة: شرح الإمام صالح آل الشيخ (الإعراض عن "الحجة")

يوضح آل الشيخ: "الإعراض المخرج من الملة هو الذي يكون بعد قيام الحجة أو التمكن من الوصول إليها. فمن بلغه أن هناك ديناً ورسولاً، فأعرض عن النظر والبحث والتعلم استكباراً أو تهاوناً كلياً، فهو معرض كافر. فالإيمان تصديق وانقياد، والإعراض ينافي كليهما" [10].

الفائدة التاسعة: شرح الإمام صالح السندي (التحقيق في "ترك العمل")

يقول الشيخ السندي: "يرتبط هذا الناقض بمسألة (جنس العمل) عند أهل السنة؛ فالإعراض الناقض هو الذي لا يتبعُه عملٌ البتة، بحيث يمر على الإنسان عمره وهو لا يسجد لله سجدة ولا يعرف للتوحيد معنى. هذا ليس مسلماً مقصراً، بل هو كافرٌ معرضٌ بنص القرآن وكلام الأئمة" [11].

الفائدة العاشرة: المبحث العقدي (أقسام الإعراض)

للمحققين تقسيم بديع في الإعراض:

إعراض عن القبول: وهو كفر التكذيب.

إعراض عن الانقياد: وهو كفر الاستكبار (كإبليس).

إعراض عن التعلم والعمل جملة: وهو المقصود بالناقض العاشر [12].

الفائدة الحادية عشرة: المبحث التربوي (علاج الغفلة)

يُربى طالب العلم على:

المبادرة بالتعلم: أن يكون له ورد يومي من العلم الشرعي.

خوف الانتكاس: فالحرمان من العلم هو أول خطوات الإعراض الناقض.

تعظيم الوحي: فالمعرض لم يعرض إلا لأنه لم يعظم القائل سبحانه [13].

الفائدة الثانية عشرة: خاتمة النواقض (التحذير العام)

ختم المؤلف رحمه الله بالقول: «وَلَا فَرْقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ بَيْنَ الهَازِلِ وَالجَادِّ وَالخَائِفِ، إِلَّا المُكْرَهَ». وهذا تنبيه بأن هذه المسائل جدية لا تقبل اللعب، والنجاة فيها بالصدق مع الله والثبات على دينه [14].

الحاشية (التحقيق الموسوعي الموسع):

[1] مَصْدَرُ النَّصِّ: "نواقض الإسلام"، ص 13.

[2] تَحْرِيرُ النَّاقِضِ: ينظر "مدارج السالكين" لابن القيم، ج1، ص 335 (فصل أقسام الكفر).

[3] مَرْجِعُ الطَّبَرِيُّ: "تفسير الطبري"، ج20، ص 190.

[4] مَرْجِعُ ابْنِ كَثِيرٍ: "تفسير القرآن العظيم"، ج6، ص 370.

[5] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "تيسير الكريم الرحمن"، ص 658.

[6] مَرْجِعُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: "شرح الأصول الثلاثة"، ص 40. وينظر "لقاء الباب المفتوح".

[7] مَرْجِعُ السَّعْدِيُّ: "القول السديد"، ص 175.

[8] مَرْجِعُ المُعَلِّمِيُّ: "الأنوار الكاشفة"، ص 220.

[9] مَرْجِعُ الفَوْزَانُ: "شرح نواقض الإسلام"، ص 265-280. وهو ختام شرحه الماتع.

[10] مَرْجِعُ آلُ الشَّيْخِ: "التمهيد لشرح كتاب التوحيد"، ص 500.

[11] مَرْجِعُ السَّنْدِيُّ: "شرح نواقض الإسلام" (المحاضرة الأخيرة). وفيه تفصيل في مذهب أهل السنة في الإيمان.

[12] مَسْأَلَةُ "لَا يَرْفَعُ بِهِ رَأْساً": هي عبارة مأثورة عن الإمام ابن القيم لوصف الكفر الإعراضي.

[13] المَنْهَجُ التَّرْبَوِيُّ: يربى الجيل على أن "العلم نور"، وأن الجهل بالشريعة مع القدرة على تعلمها هو عين الخذلان.

[14] خَاتِمَةُ المَتْنِ: ختم الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتعويذ المسلم من "موجبات غضبه وأليم عقابه"، وهو ما ينبغي أن يختم به كل طالب علم بحثه.

-------------

ثانياً: المسلك التربوي في "نواقض الإسلام" العشرة

1. التربية على "الخوف الإيجابي" (قاعدة الخليل عليه السلام)

ينطلق المسلك التربوي من غرس قيمة "الخوف من الشرك والردة" في نفس المسلم، لا خوف اليأس والقنوط، بل خوف الحذر والحيطة. فإبراهيم عليه السلام -إمام الموحدين- كان يدعو: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. تربوياً، يجب إفهام الجيل أن الإيمان "جوهرة غالية" يمكن أن تُسلب إذا لم تُحط بسياج من الرعاية. هذا الخوف يدفع المسلم لدوام الاستغفار وطلب الثبات، وهو ما يربي "اليقظة القلبية" التي تمنع الغفلة المؤدية للإعراض [1].

2. تعظيم "السيادة الإلهية" في السلوك (الناقض 1 و2 و7)

يربي هذا المسلك المسلم على أن يكون "عبداً محضاً"، فلا يلتفت قلبه لغير الله في رغبة أو رهبة.

التربية على التوكل: من خلال التحذير من السحر (الناقض 7) والوسائط (الناقض 2)، نربي الفرد على أن النفع والضر بيد الله وحده، مما يورث عزة النفس والتحرر من رق الخرافة والدجالين.

الاستغناء بالله: فالذي يتربى على أن الله هو "القريب المجيب" لا يحتاج لبناء وسائط بشرية أو غيبية، مما يبني شخصية قوية مستقلة مرتبطة بخالقها مباشرة [2].

3. غرس "الاعتزاز بالهوية" (الناقض 3 و8)

هذا المسلك يربي المسلم على "الولاء والبراء" كمنهج حياة وليس كشعار عدائي.

وضوح الرؤية: (الناقض 3) يربي المسلم على التميز العقدي؛ فالحق حق والباطل باطل. هذا الوضوح يمنع "الميوعة الفكرية" التي تجعل الشخص يتقبل كل النحل والملل على حساب دينه.

نصرة الأمة: (الناقض 8) يربي الفرد على الانتماء لجسد الأمة الواحد، فيشعر بآلام المسلمين وأفراحهم، ويحرم عليه أن يكون خنجراً في خاصرة إخوانه، مما يقوي الرابطة الاجتماعية الإسلامية [3].

4. التربية على "التوقير المطلق" (الناقض 4 و5 و6)

هذا هو صمام الأمان في السلوك اليومي للمسلم تجاه مقدساته.

أدب المجالس: (الناقض 6) يربينا على أن "الدين خط أحمر" لا يجوز أن يدخل في دائرة الهزل أو السخرية (الكوميديا السوداء). هذا يورث في القلب "الهيبة والوقار" لآيات الله وشعائره.

الرضا والتسليم: (الناقض 4 و5) يربي المسلم على تقديم "النص" على "الهوى". فإذا جاء أمر الله ورسوله، فالموقف التربوي هو: "سمعنا وأطعنا"، وهذا يبني شخصية منضبطة تسيطر على شهواتها وترى في شريعة الله الكمال المطلق [4].

5. المنهجية في "طلب العلم" (الناقض 10)

يعالج هذا المسلك "الأمية الدينية" التي هي بريد الكفر.

محاربة الغفلة: الإعراض عن التعلم (الناقض 10) تربوياً يُعالج بجعل "العلم الشرعي" جزءاً من الحياة اليومية. المسلم المربي يدرك أن الجهل بالتوحيد عيبٌ لا يُغتفر، فيربي أبناءه على أن معرفة "حق الله" تسبق معرفة "حقوق الخلق" وعلوم الدنيا.

العلم النافع: التربية هنا لا تكتفي بالمعلومات، بل تربط العلم بالعمل؛ فالعلم بلا عمل وبال، والعمل بلا علم ضلال [5].

6. التربية على "الوسطية" والحذر من الغلو (الناقض 9)

يربي هذا المسلك المسلم على أن "الشريعة هي الحقيقة"، فلا خروج عنها ولا غلو فيها.

إسقاط القداسة عن غير المعصوم: (الناقض 9) يربينا على عدم الغلو في الأشخاص (سواء كانوا شيوخاً أو أولياء) بحيث نُجيز لهم مخالفة السنة. هذا يبني "عقلاً نقدياً" يزن كل شيء بميزان الكتاب والسنة، ويحمي المجتمع من التبعية العمياء والضلالات الباطنية [6].

7. "الرقابة الذاتية" وتحقيق الإخلاص (الخاتمة)

النواقض العشرة تربي في المسلم "المراقبة"؛ لأن بعضها قلبي (كالبغض، والاعتقاد).

إصلاح السرائر: يدرك المسلم أن الله مطلع على ما في قلبه، فلو عمل بجوارحه وهو يبغض الدين (الناقض 5) لم ينفعه عمله. هذا يدفعه لتفقد قلبه دائماً، وتطهيره من النفاق والرياء، وتحقيق "الإخلاص" الذي هو روح الأعمال.

المسؤولية الفردية: التربية هنا تركز على أن "كل نفس بما كسبت رهينة"، وأن العذر بالجهل أو الهزل لا يُقبل في أصول الدين الكبرى، مما يرفع سقف المسؤولية الشخصية تجاه الكلمة والموقف [7].

8. المسلك الاجتماعي: "حماية البيئة الإيمانية"

تربوياً، هذه النواقض ليست للفرد وحده، بل للمجتمع:

التواصي بالحق: وجوب إنكار المنكرات العقدية في المجالس (كالاستهزاء أو الشركيات) حمايةً لعامة الناس.

البناء الوقائي: من خلال المناهج التعليمية والخطاب الدعوي الذي يركز على "الجمال في التوحيد" و"الخطر في النواقض"، لنصنع جيشاً فكرياً يحمي ثغور العقيدة [8].

الحاشية (التحقيق التربوي الموسع):

[1] أثر الخوف في السلوك: يُنظر "مدارج السالكين" لابن القيم، ج1، ص 500 (منزلة الخوف). فالخوف التربوي هو الذي "يحجزك عن معاصي الله"، وأعظمها الردة.

[2] صناعة الشخصية الموحدة: ذكر الشيخ عبد الرحمن السعدي في "الوسائل المفيدة للحياة السعيدة" أن التوحيد يحرر العبد من المخاوف والأوهام، وهذا هو قمة التوازن النفسي والتربوي.

[3] الانتماء العقدي والاجتماعي: يقرر علماء الاجتماع المسلمون أن "الولاء والبراء" (الناقض 8) هو الرابطة التي تمنع ذوبان المجتمعات المسلمة في الثقافات الغازية، مما يحافظ على الكيان المجتمعي.

[4] تربية الإرادة: الانقياد لهدي النبي ﷺ (الناقض 4) هو تدريب تربوي شاق على مخالفة الهوى، وهو ما يسمى في التربية الحديثة "بالضبط الذاتي" .

[5] فقه الضرورة العلمية: حدد العلماء أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، فتعلم أصل التوحيد واجب عيني، وتركه هو "خيانة تربوية" للذات وللأجيال.

[6] الرد على الباطنية: يُنظر "تلبيس إبليس" لابن الجوزي، فقد تتبع المداخل التربوية الشيطانية التي أدت بالناس إلى اعتقاد سقوط التكليف (الناقض 9) وكيفية علاجها بالرجوع للآثار.

[7] المراقبة القبلية: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ هذا الحديث هو أصل المسلك التربوي في التعامل مع النواقض القلبية، حيث يجعل العبد حارساً على خواطره خشية الوقوع في البغض أو الشك.

[8] التحصين المجتمعي: ذكر الشيخ الفوزان في "دروس من القرآن" أن إغفال الجانب العقدي في التربية هو السبب الرئيس في ظهور الانحرافات السلوكية والفكرية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة.

--------

أولاً: النتائج العلمية للبحث (10 نتائج جوهرية)

  1. ثبات النص وأصالته: أثبت البحث من خلال المقابلة والنسخ أن متن "نواقض الإسلام" ليس بدعاً من القول، بل هو تجميع وتهذيب لما تفرق في كتب السلف وأئمة المذاهب الأربعة في باب "حكم المرتد".
  2. الشمولية الموضوعية: تبين أن النواقض العشرة استوعبت كليات الدين؛ فجمعت بين نواقض التوحيد (الشرك)، ونواقض الرسالة (الاستهزاء)، ونواقض العمل (الإعراض).
  3. مركزية الدليل: كشفت الدراسة أن كل ناقض أورده المؤلف يستند إلى دليل قطعي من الكتاب أو السنة، مما يرفع عن المتن تهمة "التكفير بالهوى".
  4. التلازم بين القلب والجوارح: أكدت النتائج العقدية أن الكفر كما يقع بالاعتقاد، فإنه يقع بالقول (الاستهزاء) وبالفعل (المظاهرة) وبالترك (الإعراض).
  5. تكامل الشروح: أثبت البحث أن شروح الأئمة الستة (ابن عثيمين، السعدي، المعلمي، الفوزان، آل الشيخ، السندي) تتكامل في تقديم رؤية عصرية تجمع بين التأصيل الأثري والواقعي.
  6. تفنيد الشبهات: خلص البحث إلى بطلان قياس "الخروج عن الشريعة" على قصة الخضر مع موسى، مما يرسخ عقيدة خاتمية الرسالة المحمدية وعالميتها.
  7. انضباط باب التكفير: وضحت النتائج الفرق الجوهري بين "الناقض" كفعل مكفر، وبين "تنزيل الحكم" على المعين، وهو ما يحمي المجتمع من الغلو والجفاء.
  8. خطورة الإعراض الكلي: بينت الدراسة أن الإعراض عن تعلم أصل الدين وعمله هو "كفر زماننا" الأكبر بسبب الانشغال الكلي بالدنيا عن مقتضيات "لا إله إلا الله".
  9. الأثر التربوي العميق: أثبت المسلك التربوي أن دراسة النواقض تثمر في النفس تعظيماً لله ورسوله، وتورث رقابة ذاتية تحمي العبد من سقطات اللسان والجوارح.
  10. الوحدة العقدية للأمة: تجلى من خلال البحث أن المحافظة على هذه النواقض هي محافظة على "بيضة الإسلام" وهوية الأمة من الذوبان والتبعية لغير المسلمين.

ثانياً: التوصيات المنهجية (10 توصيات)

(أ) توصيات للمعلم (5 توصيات):

  1. التأصيل قبل التفريع: نوصي المعلم بغرس أصول التوحيد ومحبة الله ورسوله في قلوب الطلاب قبل البدء بسرد النواقض، ليكون الخوف من الناقض نابعاً من حب الإيمان.
  2. التفريق بين النوع والعين: يجب على المعلم التأكيد الدائم على أن الحكم بكفر "الفعل" لا يستلزم تكفير "الفاعل" إلا بشروطه، سداً لذريعة التسرع في التكفير.
  3. استخدام الأسلوب المقارن: نوصي بالربط بين المتن وبين شروح الأئمة المحققين (كما فعلنا في هذا البحث) لتوسيع مدارك الطالب الفقهية والعقدية.
  4. تنزيل النواقض على الواقع: ضرورة ربط النواقض بصورها المعاصرة (كالليبرالية، والعلمنة، واستهزاء المنصات الرقمية) ليكون الدرس حياً ومؤثراً.
  5. الرفق والموعظة: تقديم هذه المادة بروح الشفقة على الخلق، لا بروح التعالي والتحقير، فالمقصود هو النجاة لا الإدانة.

(ب) توصيات للطالب (5 توصيات):

  1. الإخلاص والخشية: لتعلم أنك تدرس هذه النواقض لتحمي إيمانك أولاً، فاجعل همك "النجاة النفسية" قبل "المناظرة العلمية".
  2. الحفظ والضبط: نوصيك بحفظ نص المتن وضبط ألفاظه، فإنه مفتاح لفهم كلام العلماء المطول في كتب العقيدة الكبرى.
  3. سؤال أهل العلم: عند إشكال أي مسألة أو شبهة في فهم الناقض، بادر بسؤال الراسخين في العلم، ولا تعتمد على فهمك المجرد في مسائل الردة.
  4. العمل بمقتضى العلم: العلم بالنواقض يقتضي منك تعظيم السنة، وتوقير الشعائر، والحذر من مجالس الهزء والمظاهرة.
  5. الترقي في الطلب: اجعل هذا المتن درجة تصعد بها لدراسة "كتاب التوحيد" و"العقيدة الواسطية" لتكتمل لديك الصورة الكلية لمنهج أهل السنة والجماعة.
---------------

الفهرس التفصيلي لبحث "تحقيق ودراسة نواقض الإسلام"

ص1: الخطبة الاستهلالية (مقدمة البحث).

ص2: دواعي اختيار المتن، أهداف البحث، وأهمية الموضوع.

ص3: جرد تاريخي لأهم 10 أعلام خدموا المتن بالشرح.

ص4: منهجية التحقيق والتدقيق اللغوي والنسخ والمقابلة.

ص5: الناقض الأول: الشرك في عبادة الله (تحقيق وشروح).

ص6: الناقض الثاني: جعل الوسائط بين العبد وخالقه.

ص7: الناقض الثالث: من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم.

ص8: الناقض الرابع: اعتقاد أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه.

ص9: الناقض الخامس: بغض شيء مما جاء به الرسول ﷺ.

ص10: الناقض السادس: الاستهزاء بشيء من دين الله أو ثوابه.

ص11: الناقض السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف.

ص12: الناقض الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين.

ص13: الناقض التاسع: اعتقاد أن بعض الناس يسعه الخروج عن الشريعة.

ص14: الناقض العاشر: الإعراض عن دين الله (تعلمه وعمله).

ص15: المسلك العقائدي الكلي في النواقض العشرة.

ص16: المسلك التربوي والإصلاحي الكلي في النواقض.

ص17: النتائج العلمية العشرة للبحث.

ص18: التوصيات العشرة (خمس للمعلم وخمس للطالب).

ص19: قائمة المصادر والمراجع (التفسير والحديث والعقيدة واللغة).

المصادر والمراجع

أولاً: كتب التفسير:

جامع البيان، للطبري. 

2. تفسير القرآن العظيم، لابن كثير.

 3. تيسير الكريم الرحمن، للسعدي.

ثانياً: كتب الحديث:

4. صحيح البخاري.

 5. صحيح مسلم.

 6. جامع العلوم والحكم، لابن رجب.

ثالثاً: كتب العقيدة والأصول:

7. مجموع الفتاوى، لابن تيمية. 

8. مدارج السالكين، لابن القيم.

 9. الدرر السنية في الأجوبة النجدية. 

10. الصارم المسلول، لابن تيمية.

رابعاً: شروح المتن المعتمدة:

11. شروح الشيخ ابن عثيمين. 

12. القول السديد، للسعدي.

 13. الأنوار الكاشفة، للمعلمي.

 14. شرح النواقض، للفوزان.

 15. التمهيد، لصالح آل الشيخ.

 16. شرح النواقض، لصالح السندي.

خامساً: المعاجم اللغوية:

17. مقاييس اللغة، لابن فارس. 

18. لسان العرب، لابن منظور.

 19. المفردات، للأصفهاني.

------------------------------