الاثنين، 13 أبريل 2026

«الْقَامُوسُ الْفَارِقُ فِي نَقْدِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَكَشْفِ تَلَاعُبِ أَهْلِ الْكَلَامِ بِالْأَذْهَانِ»



«الْقَامُوسُ الْفَارِقُ فِي نَقْدِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ      

وَكَشْفِ تَلَاعُبِ أَهْلِ الْكَلَامِ بِالْأَذْهَانِ»

 الْخِطَّةُ التَّفْصِيلِيَّةُ لِكِتَابِ:

«الْقَامُوسُ الْفَارِقُ فِي نَقْدِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَكَشْفِ تَلَاعُبِ أَهْلِ الْكَلَامِ بِالْأَذْهَانِ»

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: الْجَامِعُ التَّأْصِيلِيُّ لِقَوَاعِدِ الضَّبْطِ الْعَقَدِيِّ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ

(وَيَحْتَوِي عَلَى عَشَرَةِ مَبَاحِثَ)

الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: الضَّبْطُ الْعَقَدِيُّ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ (التَّأْصِيلُ وَالْقَوَاعِدُ).

الْمَبْحَثُ الثَّانِي: حَقِيقَةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عِنْدَ السَّلَفِ.

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: ضَبْطُ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَأَثَرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ.

الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الِاسْمُ وَالْمُسَمَّى فِي بَابِ التَّوْحِيدِ (ضَبْطُ حُكْمِ الْعِبَادَةِ لِانْضِبَاطِ حُكْمِ التَّكْفِيرِ).

الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: أَثَرُ ضَبْطِ أَسْمَاءِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ.

الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: ضَبْطُ مَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِنَاءً عَلَى تَحْقِيقِ أَسْمَاءِ الْفَاسِقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ.

الْمَبْحَثُ السَّابِعُ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ (الْحُقُوقُ الشَّرْعِيَّةُ وَمَوَانِعُ اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ).

الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ: تَعْرِيفُ النِّفَاقِ وَضَبْطُهُ بَيْنَ الِاسْمِ الِاعْتِقَادِيِّ وَالْحُكْمِ الْعَمَلِيِّ.

الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ: أَثَرُ ضَبْطِ مُسَمَّى الْبِدْعَةِ فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الْمُهَاجَرَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ.

الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَعْدَاءِ (أَثَرُ التَّسْمِيَةِ فِي عَقِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ).

الْفَصْلُ الثَّانِي: الْمُعْجَمُ وَالْقَامُوسُ الْعَقَدِيُّ (بَيْنَ الْأَلْفَاظِ الْمُحْكَمَةِ وَالْمُجْمَلَةِ)

(وَيَحْتَوِي عَلَى الْمَبَاحِثِ مِنْ الْحَادِي عَشَرَ إِلَى الثَّالِثِ عَشَرَ)

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَكَيْفِيَّةُ تَرَتُّبِ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ عَلَى نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّعْطِيلِ.

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: [الْقَامُوسُ الْمُحْكَمُ] لِعِشْرِينَ صِفَةً إِلَهِيَّةً (ضَبْطُ الْإِثْبَاتِ):

(الْحَيَاةُ، الْعِلْمُ، الْقُدْرَةُ، الْإِرَادَةُ، السَّمْعُ، الْبَصَرُ، الْكَلَامُ، الْوَجْهُ، الْيَدَانِ، الْعَيْنَانِ، الِاسْتِوَاءُ، النُّزُولُ، الْمَجِيءُ، الرِّضَا، الْمَحَبَّةُ، الْغَضَبُ، الْفَرَحُ، الضَّحِكُ، الْعُلُوُّ، الْقَيُّومِيَّةُ).

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ عَشَرَ: [الْمُعْجَمُ الْقَامُوسِيُّ لِلْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ] (عِشْرُونَ لَفْظاً بَدْعِيّاً):

(الْجِهَةُ، الْحَيِّزُ، الْجِسْمُ، الْعَرَضُ، الْجَوْهَرُ، الْمَجَازُ، التَّرْكِيبُ، التَّبْعِيضُ، التَّغَيُّرُ، الْأَدَاةُ، الْجَارِحَةُ، الْقِدَمُ، الْحُدُوثُ، التَّسَلْسُلُ، الْفَيْضُ، الِاتِّحَادُ، الْحُلُولُ، الْغَيْرِيَّةُ، الْعَيْنِيَّةُ، التَّفْوِيضُ).

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: مِنْهَاجُ الِاسْتِفْصَالِ وَجِنَايَةُ الْإِجْمَالِ (تَطْبِيقَاتٌ وَنَتَائِجُ)

(وَيَحْتَوِي عَلَى الْمَبَاحِثِ مِنْ الرَّابِعِ عَشَرَ إِلَى الْخَاتِمَةِ)

الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ عَشَرَ: قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ عِنْدَ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُبْتَدَعِ (التَّأْصِيلُ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ).

الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ عَشَرَ: التَّفْصِيلُ فِي الْمَعْنَى لَا فِي اللَّفْظِ (لِمَاذَا نَتَوَقَّفُ فِي إِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ؟).

الْمَبْحَثُ السَّادِسُ عَشَرَ: سُؤَالُ (مَاذَا تَقْصِدُ؟) وَكَيْفَ يَهْدِمُ الِاحْتِجَاجَ بِاللُّغَةِ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ.

الْمَبْحَثُ السَّابِعُ عَشَرَ: مَنْهَجُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي تَعْرِيَةِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ (تَعَارُضُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ).

الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ عَشَرَ: عِلَاجُ لَفْظِ "الْجِهَةِ" وَ"الْحَيِّزِ" (تَطْبِيقَاتُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّفْصِيلِ).

الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ عَشَرَ: عِلَاجُ أَلْفَاظِ "الْجِسْمِ" وَ"الْعَرَضِ" وَ"الْجَوْهَرِ" (كَيْفَ نَقْبَلُ حَقَّهَا وَنَرُدُّ بَاطِلَهَا).

الْمَبْحَثُ الْعِشْرُونَ: الْإِجْمَالُ فِي بَابِ "الْمَجَازِ" (أَثَرُ الِاسْتِفْصَالِ فِي إِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ).

الْمَبْحَثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ (مَنْعُ الْإِجْمَالِ مِنَ السُّقُوطِ فِي التَّمَاثُلِ).

الْمَبْحَثُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ: أَثَرُ التَّفْصِيلِ فِي أَلْفَاظِ (قِدَمِ الْعَالَمِ) وَ(حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا).

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ (الْخَاتِمَةُ): جِنَايَةُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ وَالشَّرْعِ (تَشْخِيصُ خَطَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ).

الْخَاتِمَةُ النِّهَائِيَّةُ وَالْمَرَافِقُ

نَتَائِجُ الْبَحْثِ: (ثَلَاثُونَ نَتِيجَةً جَامِعَةً لِشَتَاتِ الْبَحْثِ).

التَّوْصِيَاتُ الْعِلْمِيَّةُ: (ثَلَاثُونَ تَوْصِيَةً رَصِينَةً لِلْبَاحِثِينَ وَطُلَّابِ الْعِلْمِ).

تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ تَمَامُ هَذَا الْمُخَطَّطِ الْمُصْمَتِ لِلْكِتَابِ.

الْوَقْتُ: 01:55 بَعْدَ الظُّهْرِ.

الْيَوْمُ: الْأَرْبِعَاءُ.

التَّارِيخُ الْهِجْرِيُّ: 27 شَوَّال 1447 هـ.

التَّارِيخُ الْمِيلَادِيُّ: 15 أَبْرِيل 2026 م.

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

الـمُقَدِّمَةُ

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ ﷺ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ، فَأَنْقَذَ بِهِ البَشَرِيَّةَ مِنْ حَيْرَةِ الضَّلَالِ، وَأَخْرَجَهَا مِنْ ظُلُمَاتِ الجَهَالَةِ إِلَى نُورِ العِلْمِ وَالإِيمَانِ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ هَذَا الدِّينِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا مَعَالِمَهُ: "بَيَانُ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ" وَتَوْضِيحُ مَدْلُولَاتِهَا، فَلَمْ يَتْرُكِ الخَلْقَ هَمَلًا يَتَخَبَّطُونَ فِي مَتَاهَاتِ الأَلْفَاظِ، بَلْ أَنْزَلَ القُرْآنَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، لِيَكُونَ حَاكِمًا عَلَى المَعَانِي، وَمُهَيْمِنًا عَلَى المَبَانِي.

وَلَمَّا كَانَ بَابُ (الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ) هُوَ أَوَّلَ مَوَاطِنِ الزَّيْغِ الَّتِي افْتَرَقَتْ فِيهَا الأُمَّةُ، وَبِهِمَا تَعَلَّقَتْ نَجَاةُ العَبْدِ أَوْ هَلَاكُهُ فِي الدَّارَيْنِ؛ كَانَ لِزَامًا عَلَى مَنْ رَامَ نَهْجَ السَّلَفِ أَنْ يَعْتَصِمَ بِـ (الضَّبْطِ العَقَدِيِّ) لِهَذِهِ الأَسْمَاءِ، فَلَا يُسَمِّي إِلَّا بِمَا سَمَّى اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ، وَلَا يَنْفِي إِلَّا مَا نَفَاهُ الشَّرْعُ، إِذْ إِنَّ "الخَطَأَ فِي الأَسْمَاءِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الخَطَأُ فِي الأَحْكَامِ"[1]، وَهُوَ زَلَلٌ عَمِيقٌ انْحَدَرَتْ فِيهِ فِئَامٌ مِنَ الخَلْقِ.

إِنَّ هَذَا البَحْثَ الـمُوسُوعِيَّ الَّذِي نَسِمُهُ بِـ (جَامِعُ التَّأْصِيلِ لِقَوَاعِدِ الضَّبْطِ الْعَقَدِيِّ وَالِاسْتِفْسَارِ عَنْ مَقَاصِدِ اللَّفْظِ الْبِدْعِيِّ) يَأْتِي لِيَكُونَ مِعْيَارًا مَنْهَجِيًّا فِي زَمَنٍ كَثُرَتْ فِيهِ الأَهْوَاءُ، وَتَلَبَّسَتْ عَلَى النَّاسِ الأَلْفَاظُ الـمُجْمَلَةُ الَّتِي اتَّخَذَهَا أَهْلُ الكَلَامِ[2] جُنَّةً لِتَمْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ. فَقَدْ عَمَدَ أَهْلُ البِدَعِ إِلَى اسْتِحْدَاثِ مَنْظُومَةٍ مِنَ الأَلْفَاظِ الـمُوهِمَةِ، الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا شَرْعٌ وَلَا عُرِفَتْ فِي لُغَةِ العَرَبِ الأَقْحَاحِ، لِيَنْفُوا بِهَا صِفَاتِ البَارِي، أَوْ لِيُحَرِّفُوا بِهَا حَقَائِقَ الإِيمَانِ.

وَمِنْ هُنَا، كَانَتْ طَرِيقَةُ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ، وَفُقَهَاءِ الـمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ، تَقُومُ عَلَى دِعَامَتَيْنِ:

الأُولَى: إِثْبَاتُ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الـمُحْكَمَةِ وَالوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِهَا.

الثَّانِيَةُ: الِاسْتِفْسَارُ عَنِ الأَلْفَاظِ الـمُجْمَلَةِ الـمُحْدَثَةِ؛ فَلَا نَقْبَلُهَا مُطْلَقًا، وَلَا نَرُدُّهَا مُطْلَقًا، بَلْ نَسْتَفْصِلُ عَنْ مَعْنَاهَا؛ فَإِنْ كَانَ حَقًّا قَبِلْنَا الـمَعْنَى وَأَبْدَلْنَا اللَّفْظَ بِمَا جَاءَ فِي الوَحْيِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا رَدَدْنَا اللَّفْظَ وَالـمَعْنَى جَمِيعًا.

وَقَدْ نَهَجْتُ فِي هَذَا السِّفْرِ مَنْهَجَ التَّأْصِيلِ العَمِيقِ، مُسْتَرْشِدًا بِأَقْوَالِ جَهَابِذَةِ هَذَا العَصْرِ مِمَّنْ حَقَّقُوا هَذِهِ القَوَاعِدَ تَمَامَ التَّحْقِيقِ؛ كَالعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ[3] -رَحِمَهُ اللَّهُ- الَّذِي بَسَّطَ هَذِهِ القَوَاعِدَ فِي مَنَاهِجِ التَّلَقِّي، وَالشَّيْخِ الدُّكْتُورِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- الَّذِي جَلَّى غَوَامِضَ الـمُصْطَلَحِ العَقَدِيِّ فِي شُرُوحَاتِهِ، وَالشَّيْخِ الـمُحَقِّقِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ السَّنْدِيِّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- الَّذِي يُعَدُّ امْتِدَادًا لِـمَدْرَسَةِ التَّحْقِيقِ التَّيْمِيَّةِ فِي عَصْرِنَا هَذَا.

إِنَّ هَذَا البَحْثَ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلْمَعْلُومَاتِ، بَلْ هُوَ تَأْسِيسٌ لِـمَلَكَةِ الِاعْتِصَامِ بِالنَّصِّ، وَتَدْرِيبٌ لِطَالِبِ العِلْمِ عَلَى أَنْ يَكُونَ نَاقِدًا بَصِيرًا، فَلَا يَغْتَرَّ بِزُخْرُفِ القَوْلِ، وَلَا يَنْهَزِمَ أَمَامَ جَبَرُوتِ الـمُصْطَلَحِ الفَلْسَفِيِّ. إِنَّهُ رِحْلَةٌ فِي عَبَقِ السَّلَفِيَّةِ العَتِيقَةِ، حَيْثُ نُعِيدُ لِلْأَلْفَاظِ هَيْبَتَهَا، وَلِلْأَحْكامِ دِقَّتَهَا، مُسْتَمِدِّينَ العَوْنَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ.

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا العَمَلَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ، صَوَابًا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ بَاحِثَهُ وَقَارِئَهُ، وَأَنْ يَكُونَ حُجَّةً لَنَا لَا عَلَيْنَا يَوْمَ العَرْضِ الأَكْبَرِ.

الـحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: القَوَاعِدُ الـمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللَّهِ وَأَسْمَائِهِ الحُسْنَى، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، الرِّيَاضُ، ط1، ص 42. حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ مَدَارَ الخِلَافِ فِي مَسَائِلِ الإِيمَانِ وَالصِّفَاتِ يَعُودُ فِي جُمْلَتِهِ إِلَى مَسْأَلَةِ التَّسْمِيَةِ.

[2] أَهْلُ الكَلَامِ: هُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدُوا القَوَاعِدَ المَنْطِقِيَّةَ وَالِاسْتِدْلَالَاتِ العَقْلِيَّةَ أَصْلًا فِي إِثْبَاتِ العَقَائِدِ، وَقَدَّمُوهَا عَلَى ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، وَيَدْخُلُ فِيهِمُ الجَهْمِيَّةُ، وَالـمُعْتَزِلَةُ، وَالأَشَاعِرَةُ، وَالـمَاتُرِيدِيَّةُ. انْظُرْ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَكْتَبَةُ العَبِيكَانِ، (3/ 302).

[3] ابْنُ عُثَيْمِين: هُوَ الإِمَامُ العَلَّامَةُ الفَقِيهُ الـمُفَسِّرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثَيْمِين الوَهَيْبِي التَّمِيمِي (ت: 1421هـ)، جَدَّدَ مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّأْصِيلِ.

[4] صَالِحُ آلُ الشَّيْخ: هُوَ الـمُحَقِّقُ اللُّغَوِيُّ الفَقِيهُ العَقَدِيُّ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ آلُ الشَّيْخ، لَهُ شُرُوحَاتٌ عَظِيمَةٌ جَدًّا مِثْلُ "شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ" وَ"شَرْحِ الوَاسِطِيَّةِ"، تَمَيَّزَتْ بِدِقَّةِ التَّعْرِيفِ وَتَحْرِيرِ الـمُصْطَلَحِ.

[5] صَالِحُ السَّنْدِي: هُوَ الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السَّنْدِي، أُسْتَاذُ العَقِيدَةِ بِالجَامِعَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، بَاحِثٌ مُتَمَيِّزٌ عُنِيَ بِتَحْقِيقِ كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ وَتَقْرِيبِ مَنْهَجِهِ فِي قَوَاعِدِ الاسْتِدْلَالِ.

-------------------&

أَسْبَابُ اخْتِيَارِ الـمَوْضُوعِ

عِظَمُ شَرَفِ الـمَوْضُوعِ: إِذْ إِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِجَنَابِ التَّوْحِيدِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالعِلْمُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ الـمَعْلُومِ، وَلَا مَعْلُومَ أَجَلُّ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ حُقُوقٍ عَقَدِيَّةٍ.

أَوَّلِيَّةُ النُّشُوءِ التَّارِيخِيِّ: لِكَوْنِ بَابِ (الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ) هُوَ أَوَّلُ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا النِّزَاعُ العَظِيمُ بَيْنَ أَهْلِ القِبْلَةِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى ظُهُورِ فِرَقِ الخَوَارِجِ وَالـمُرْجِئَةِ، فَتَحْقِيقُهُ هُوَ تَحْقِيقٌ لِأَصْلِ الِافْتِرَاقِ.

خُطُورَةُ الآثَارِ الـمُتَرَتِّبَةِ: فَضَبْطُ "الاسْمِ" (مُؤْمِن، كَافِر، مُبْتَدِع) لَيْسَ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ عِمَادُ الأَحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ مِنْ مُوَالَاةٍ وَمُعَادَاةٍ، وَحَقْنِ دِمَاءٍ أَوْ مَنِيعِ إِرْثٍ.

تَفَشِّي الأَلْفَاظِ الـمُجْمَلَةِ فِي الدَّرْسِ الكَلَامِيِّ: حَيْثُ أَضْحَى كَثِيرٌ مِنَ الـمُتَمَذْهِبِينَ يَقِيسُونَ الخَالِقَ عَلَى الـمَخْلُوقِ بِأَلْفَاظٍ مِثْلِ (العَرَضِ وَالتَّحَيُّزِ)، فَلَزِمَ بَيَانُ مَوْقِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهَا اسْتِفْسَاراً وَتَفْصِيلاً.

سَدُّ الذَّرِيعَةِ أَمَامَ الغُلَاةِ وَالجُفَاةِ: فَالعَدَمُ الِانْضِبَاطِ فِي إِطْلَاقِ الأَسْمَاءِ هُوَ الَّذِي فَتَحَ بَابَ التَّكْفِيرِ الـمُجَازِفِ عِنْدَ الغُلَاةِ، وَبَابَ الإِرْجَاءِ الـمُتَحَلِّلِ عِنْدَ الجُفَاةِ.

إِحْيَاءُ الـمَنْهَجِ التَّيْمِيِّ فِي النَّقْدِ اللَّفْظِيِّ: وَهُوَ الـمَنْهَجُ الَّذِي بَرَعَ فِيهِ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْكِيكِ مَبَانِي أَهْلِ البِدَعِ لِيَنْهَدَّ مَعْنَاهُمُ البَاطِلُ تَبَعاً لِذَلِكَ.

الحَاجَةُ إِلَى "مُعْجَمٍ عَقَدِيٍّ" نَقِيٍّ: لِيَكُونَ مَرْجِعاً لِطَالِبِ العِلْمِ يُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ "الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ" الـمُحْكَمَةِ الَّتِي يُتَعَبَّدُ بِهَا، وَ"الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ" الَّتِي لَا يُؤْمَنُ لَبْسُهَا.

تَرْسِيخُ قَاعِدَةِ "الِاسْتِفْصَالِ" كَأَدَاةٍ حِوَارِيَّةٍ: لِتَعْلِيمِ البَاحِثِ كَيْفَ يُحَاجِجُ الـمُخَالِفَ بِسُؤَالِ (مَاذَا تَقْصِدُ؟)، وَهِيَ أَقْوَى حُجَّةٍ فِي حَسْمِ مَادَّةِ النِّزَاعِ اللَّفْظِيِّ.

الرَّدُّ عَلَى مَنْهَجِ التَّمْيِيعِ الـمُصْطَلَحِيِّ: الَّذِي يُحَاوِلُ مَسَاوَاةَ الحَقِّ بِالبَاطِلِ مِنْ خِلَالِ رَفْعِ التَّنَاقُضِ بَيْنَ أَلْفَاظِ السَّلَفِ وَأَلْفَاظِ الـمُتَكَلِّمِينَ بِدَعْوَى أَنَّ الخِلَافَ "لَفْظِيٌّ" فَقَطْ.

تَحْقِيقُ الوَسَطِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ: فَلا غُلُوَّ فِي إِثْبَاتِ لَفْظٍ لَمْ يَرِدْ، وَلَا جَفَاءَ فِي رَدِّ مَعْنًى صَحِيحٍ لَمْ يُعْرَفْ كَيْفَ يُعَبَّرُ عَنْهُ، فَالضَّبْطُ هُوَ مِيزَانُ العَدْلِ.

أَهَمِّيَّةُ الـمَوْضُوعِ وَمَوَادِّهِ التَّأْصِيلِيَّةِ

صِيَانَةُ جَنَابِ التَّوْحِيدِ: تَكْمُنُ الأَهَمِّيَّةُ فِي حِمَايَةِ عَقِيدَةِ الـمُسْلِمِ مِنَ التَّشْوِيهِ الَّذِي تُحْدِثُهُ الأَلْفَاظُ الدَّخِيلَةُ، فَضَبْطُ اللَّفْظِ هُوَ السُّورُ الـحَصِينُ لِلْمَعْنَى الـمُنَزَّلِ.

الفَصْلُ فِي بَابِ التَّكْفِيرِ وَالتَّبْدِيعِ: تَنْبُعُ الأَهَمِّيَّةُ مِنْ كَوْنِ هَذَا الـمَوْضُوعِ يَضَعُ الـمَوَازِينَ القِسْطَ لِإِطْلَاقِ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّا يَمْنَعُ الخَوْضَ فِي دِمَاءِ الـمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ نَتِيجَةَ لَبْسٍ فِي الـمُصْطَلَحِ.

تَحْقِيقُ "الِاتِّبَاعِ" وَنَفْيُ "الِابْتِدَاعِ": إِنَّ التَّمَسُّكَ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ (القُرْآنِيَّةِ وَالنَّبَوِيَّةِ) هُوَ جَوْهَرُ الِاتِّبَاعِ، وَالِانْصِرَافُ عَنْهَا إِلَى أَلْفَاظِ الـمُنَاطِقَةِ هُوَ مَبْدَأُ الِابْتِدَاعِ، وَبَحْثُنَا هَذَا يُعِيدُ الأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا.

بِنَاءُ الـمَلَكَةِ النَّقْدِيَّةِ عِنْدَ طَالِبِ العِلْمِ: تَبْرُزُ الأَهَمِّيَّةُ فِي تَدْرِيبِ البَاحِثِ عَلَى تَفْكِيكِ الـمَقَالَاتِ البِدْعِيَّةِ، فَلَا يَنْبَهِرُ بِقَعْقَعَةِ الأَلْفَاظِ الـمُجْمَلَةِ، بَلْ يَرُدُّهَا إِلَى أُصُولِهَا الـمَعْرِفِيَّةِ لِيَكْشِفَ عُوَارَهَا.

حَسْمُ مَادَّةِ النِّزَاعِ اللَّفْظِيِّ: كَثِيرٌ مِنَ الـخُصُومَاتِ العَقَدِيَّةِ مَبْنَاهَا عَلَى "الإِجْمَالِ"، وَأَهَمِّيَّةُ مَادَّتِنَا تَنْحَصِرُ فِي تَقْعِيدِ (الِاسْتِفْصَالِ) الَّذِي يَقْطَعُ دَابِرَ الـمِرَاءِ وَيُجَلِّي الـحَقِيقَةَ لِلـمُنْصِفِ.

الرَّبْطُ بَيْنَ اللُّغَةِ وَالعَقِيدَةِ: يُبَيِّنُ البَحْثُ أَنَّ لُغَةَ العَرَبِ لَمْ تَكُنْ يَوْماً عِبْئاً عَلَى العَقِيدَةِ كَمَا زَعَمَ الـمُتَكَلِّمُونَ، بَلْ هِيَ الـمِفْتَاحُ الأَصِيلُ لِفَهْمِ النُّصُوصِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْسِيخٌ لِـهَوِيَّةِ الأُمَّةِ العِلْمِيَّةِ.

تَقْرِيبُ مَنْهَجِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: تَتَجَلَّى الأَهَمِّيَّةُ فِي جَعْلِ قَوَاعِدِ (نَقْضِ الـمَنْطِقِ) وَ(تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ) مَيْسُورَةً لِطَالِبِ العِلْمِ الـمُعَاصِرِ، لِيَسِيرَ عَلَى هَدْيِ الكِبَارِ بِيُسْرٍ وَانْضِبَاطٍ.

الـوُقُوفُ فِي وَجْهِ "العَقْلَانِيَّةِ الـمُحْدَثَةِ": الَّتِي تُرِيدُ إِخْضَاعَ النَّصِّ لِلْمُصْطَلَحِ، وَبَحْثُنَا يُثْبِتُ أَنَّ النَّصَّ هُوَ الـمُهَيْمِنُ، وَأَنَّ العَقْلَ الصَّرِيحَ لَا يُخَالِفُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ بَعْدَ تَحْرِيرِ الـمُرَادِ مِنَ اللَّفْظِ.

تَأْصِيلُ أَدَبِ الخِلَافِ العِلْمِيِّ: مِنْ خِلَالِ تَعْلِيمِ البَاحِثِ أَنَّنَا لَا نَرُدُّ قَوْلَ الـمُخَالِفِ لِمُجَرَّدِ الـهَوَى، بَلْ نَسْتَفْسِرُ عَنْ قَصْدِهِ، فَإِنْ كَانَ لَدَيْهِ حَقٌّ لَمْ نَظْلِمْهُ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا رَدَدْنَاهُ بِعِلْمٍ وَعَدْلٍ.

تَحْقِيقُ السَّلَامَةِ الـمَنْهَجِيَّةِ لِلأَجْيَالِ القَادِمَةِ: إِنَّ تَوْرِيثَ مِثْلِ هَذَا البَحْثِ هُوَ تَوْرِيثٌ لِـ (مِيزَانٍ) يَقِيسُ بِهِ الشَّبَابُ كُلَّ وَافِدٍ فِكْرِيٍّ جَدِيدٍ، فَلَا تَتَخَطَّفُهُمُ الأَهْوَاءُ نَتِيجَةَ جَهْلِهِمْ بِدَلَالَاتِ الأَسْمَاءِ وَالـمُصْطَلَحَاتِ

قائمة بالرسائل العلمية المعاصرة في (الأسماء والأحكام وضبط الألفاظ)

الأسماء والأحكام عند شيخ الإسلام ابن تيمية (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. مدحت بن الحسن آل فراج.

مضمونها: تُعد من أقوى الرسائل التي جمعت شتات القول في هذا الباب من كتب ابن تيمية، وضبطت مسمى الإيمان والكفر.

الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بآيات الصفات (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. جمال بن ناصر الحارثي.

مضمونها: ركزت بجلاء على الألفاظ المجملة والمبتدعة (كالجهة والجسم) وكيفية التعامل معها استفساراً وتفصيلاً.

منهج السلف في الألفاظ المجملة المتعلقة بأسماء الله وصفاته (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. عبد الحق بن ملا حق السندي.

مضمونها: رسالة تأصيلية من الطراز الأول في كيفية إدارة الاستفسار والتفصيل عند ورود اللفظ البدعي.

المصطلحات العقدية في شروح العقيدة الطحاوية (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. محمد بن عبد العزيز بن أحمد السويلم.

مضمونها: دراسة لضبط المصطلحات وتتبع أثرها في تقرير العقيدة، وهو عمل معجمي تأصيلي رصين.

الأسماء والأحكام عند المعتزلة (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. عادل بن محمد عبد العزيز الصبحي.

مضمونها: بحثت في انحراف المعتزلة في ضبط الأسماء (مثل المنزلة بين المنزلتين) وأثر ذلك في أحكام الوعيد.

أثر الألفاظ والمصطلحات في قضايا العقيدة عند أهل السنة والجماعة (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. فهد بن كمال القيسي.

مضمونها: رسالة جامعة في "فلسفة المصطلح العقدي" وكيف أن تغيير اللفظ يؤدي حتماً إلى تغيير الاعتقاد.

دراسة المصطلح العقدي عند شيخ الإسلام ابن تيمية (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. ناصر بن علي بن ناصر الغامدي.

مضمونها: تتبعت منهج ابن تيمية في "تحرير مخلص اللفظ" ليوافق صريح العقل وصحيح النقل.

دلالات الأسماء والأحكام في القرآن الكريم (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. إبراهيم بن علي الحسن.

مضمونها: دراسة موضوعية للأسماء (مؤمن، كافر، منافق) من خلال النظرة القرآنية وضبط آثارها الأخروية.

قاعدة "الاستفصال في الألفاظ المجملة" وتطبيقاتها عند شيخ الإسلام ابن تيمية (رسالة ماجستير):

الباحث: د. حمد بن إبراهيم الحيدري (صاحب التصانيف المشهورة لاحقاً).

مضمونها: ركزت بشكل خاص على آليات "السؤال عن المقصد" في المحاججة العقدية.

الألفاظ المبتدعة في العقيدة وأثرها في الانحراف (رسالة دكتوراه):

الباحث: د. عبد الرحمن بن صالح المحمود.

مضمونها: بحثت في تاريخ دخول الألفاظ الأعجمية والفلسفية إلى الفكر الإسلامي وأثرها في تشويش الحقائق.

----------&

الْـمَبْحَثُ الْأَوَّلُ:

 الضَّبْطُ اللُّغَوِيُّ وَالْعَقَدِيُّ وَالسُّلُوكِيُّ لِلْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ

إِنَّ النَّظَرَ الـمُتَعَمِّقَ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ يُفْضِي بِالبَاحِثِ إِلَى أَنَّ الِانْحِرَافَ فِي بَابِ "الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ" لَمْ يَكُنْ خَبَطَ عَشْوَاءَ، بَلْ كَانَ نَتِيجَةً لِفَقْدِ التَّوَازُنِ بَيْنَ ثَلَاثَةِ مَسَارَاتٍ: المَسَارِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الوِعَاءُ، وَالمَسَارِ العَقَدِيِّ الَّذِي هُوَ الـمَعْنَى وَالمَسَارِ السُّلُوكِيِّ الَّذِي هُوَ الثَّمَرَةُ. وَمَتَى مَا انْفَصَمَ أَحَدُ هَذِهِ العُرَى؛ تَدَاعَى بَيَانُ الحَقِّ وَظَهَرَتِ البِدْعَةُ.

الْـمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: الضَّبْطُ اللُّغَوِيُّ: تَحْرِيرُ الـحَقَائِقِ بَيْنَ الـمَبَانِي وَالـمَعَانِي

لَا يُمْكِنُ لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَضْبِطَ اسْماً شَرْعِيّاً دُونَ أَنْ يَعْرِفَ حُدُودَهُ فِي لِسَانِ العَرَبِ؛ إِذِ القُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ. وَالضَّبْطُ اللُّغَوِيُّ يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ "الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ" [1] وَكَيْفَ نَقَلَهَا الشَّارِعُ إِلَى "الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ".

فَإِذَا أَخَذْنَا اسْمَ (الإِيمَانِ) أُنْمُوذَجاً، فَإِنَّ تَعْرِيفَهُ اللُّغَوِيَّ عِنْدَ الجُمْهُورِ هُوَ (التَّصْدِيقُ) [2]، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ عِنْدَ شَيْخِ الإِسْلَامِ وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ أَنَّهُ يَزِيدُ عَلَى التَّصْدِيقِ بِمَعْنَى (الِإقْرَارِ وَالِاطْمِئْنَانِ). وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ الـمُرْجِئَةَ [3] لَمَّا جَمَدُوا عَلَى أَصْلِ اللُّغَةِ -بِفَهْمِهِمْ القَاصِرِ- وَنَحَّوُا الزِّيَادَةَ الشَّرْعِيَّةَ؛ ضَلُّوا فِي حَقِيقَةِ الـمُسَمَّى.

وَيُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ "اللُّغَةَ هِيَ مِفْتَاحُ التَّأْصِيلِ"، فَكُلُّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَرِّفَ عَقِيدَةَ السَّلَفِ بَدَأَ بِتَحْرِيفِ مَعَانِي الكَلِمِ فِي لُغَةِ العَرَبِ لِيَسُوغَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَرْفُ النَّصِّ عَنْ ظَاهِرِهِ [4].

الْـمَطْلَبُ الثَّانِي: الضَّبْطُ الْعَقَدِيُّ: مَرْكَزِيَّةُ الْوَحْيِ فِي تَوْزِيعِ الْأَسْمَاءِ

بَعْدَ إِحْكَامِ الـمُقَدِّمَةِ اللُّغَوِيَّةِ، يَأْتِي الضَّبْطُ العَقَدِيُّ لِيَجْعَلَ "النَّصَّ" هُوَ الحَاكِمَ الوَحِيدَ. فَالضَّبْطُ العَقَدِيُّ يَعْنِي: أَنْ نُعْطِيَ الِاسْمَ لِـمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ لَهُ، وَنَمْنَعَهُ عَمَّنْ مَنَعَهُ اللَّهُ عَنْهُ.

إِنَّ خُطُورَةَ هَذَا الضَّبْطِ تَكْمُنُ فِي أَنَّهُ "تَوْقِيفِيٌّ" فِي أَصْلِهِ؛ فَلَا يَجُوزُ لِلْعَقْلِ أَنْ يَبْتَدِعَ اسْماً لَمْ يَنْزِلْ بِهِ سُلْطَانٌ، ثُمَّ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ أَحْكَاماً عَقَدِيَّةً. وَهَذَا مَا وَقَعَتْ فِيهِ المَعْتَزِلَةُ [5] حِينَ اخْتَرَعُوا اسْمَ (الـمَنْزِلَةِ بَيْنَ الـمَنْزِلَتَيْنِ)، فَهُوَ اسْمٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي اللُّغَةِ وَلَا فِي الشَّرْعِ، وَلَكِنَّهُمْ ضَبَطُوا عَقِيدَتَهُمْ عَلَيْهِ فَهَلَكُوا وَأَهْلَكُوا [6].

وَيُشِي حدرُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- إِلَى أَنَّ الِانْضِبَاطَ العَقَدِيَّ يَمْنَعُ مِنَ "التَّلَاقُبِ" بِالأَسْمَاءِ، فَلَا نُسَمِّي الـمُثْبِتَ لِلصِّفَاتِ (مُشَبِّهاً)، وَلَا نُسَمِّي الـمُعَطِّلَ (مُنَزِّهاً)، بَلْ نُعِيدُ الأَسْمَاءَ إِلَى مَحَاضِنِهَا الشَّرْعِيَّةِ الصَّحِيحَةِ [7].

الْـمَطْلَبُ الثَّالِثُ: الضَّبْطُ السُّلُوكِيُّ: ثَمَرَةُ الِاعْتِقَادِ فِي الْوَاقِعِ الْعَمَلِيِّ

هَذَا الـمَطْلَبُ هُوَ "الـمِيزَانُ" الَّذِي يَكْشَفُ صِدْقَ الضَّبْطِ الأَوَّلِ وَالثَّانِي. فَالإِيمَانُ -مَثَلًا- إِذَا ضُبِطَ لُغَةً وَعَقِيدَةً؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ ضَبْطُهُ سُلُوكاً فِي "الجَوَارِحِ".

فَالضَّبْطُ السُّلُوكِيُّ يَقْتَضِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي اسْمِ (الإِيمَانِ) لَزِمَهُ مُقْتَضَيَاتُ هَذَا الِاسْمِ مِنْ طَاعَةٍ وَتَقْوَى. وَمَنْ خَرَجَ إِلَى اسْمِ (الفُسُوقِ) لَحِقَهُ مِنَ الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ مَا يُنَاسِبُ حَالَ غِيَابِ كَمَالِ الِاسْمِ عَنْهُ.

إِنَّ أَخْطَرَ مَا يُهَدِّدُ السُّلُوكَ هُوَ "الإِرْجَاءُ العَمَلِيُّ"؛ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يَتَسَمَّى بِأَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ وَهُوَ خِلْوٌ مِنْ مَكَارِمِهِ وَأَعْمَالِهِ. وَقَدْ حَذَّرَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- مِنْ هَذَا الِانْفِصَامِ، مُبَيِّناً أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ عِلْماً بِلَا عَمَلٍ، وَلَا اسْماً بِلَا حَقِيقَةٍ تُرَى فِي سُلُوكِ العَبْدِ مَعَ رَبِّهِ وَمَعَ الخَلْقِ [8].

الـحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] الـحَقِيقَةُ اللُّغَوِيَّةُ: هِيَ اللَّفْظُ الـمُسْتَعْمَلُ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَوَّلاً فِي لُغَةِ العَرَبِ. انْظُرْ: الـمُسْتَصْفَى، لِلْغَزَالِيِّ، دَارُ الكُتُبِ العِلْمِيَّةِ، (1/ 178).

[2] انْظُرْ: لِسَانُ العَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، مَادَّةُ (أمن).

[3] الـمُرْجِئَةُ: فِرْقَةٌ تَعْتَقِدُ أَنَّ الأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنْ جَوْهَرِ الإِيمَانِ، وَهُمْ أَصْنَافٌ، مِنْهُمْ مُرْجِئَةُ الفُقَهَاءِ وَمُنْهُمْ غُلَاةُ الـجَهْمِيَّةِ. نَشَأَتْ فِي أَوَاخِرِ عَهْدِ الصَّحَابَةِ بِسَبَبِ الفِتَنِ. انْظُرْ: مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، (7/ 190).

[4] انْظُرْ: اللَّآلِئُ البَهِيَّةُ فِي شَرْحِ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ العَاصِمَةِ، (1/ 112).

[5] الـمُعْتَزِلَةُ: فِرْقَةٌ ظَهَرَتْ فِي أَوَائِلِ القَرْنِ الثَّانِي الهِجْرِيِّ، اعْتَزَلَ مَتْبُوعُهُمْ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْلِسَ الحَسَنِ البَصْرِيِّ بَعْدَ خِلَافِهِ فِي حُكْمِ صَاحِبِ الكَبِيرَةِ، حَيْثُ اخْتَرَعَ قَوْلَهُ بِالـمَنْزِلَةِ بَيْنَ الـمَنْزِلَتَيْنِ. انْظُرْ: الـمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، (1/ 43).

[6] انْظُرْ: تَعَارُضُ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، دَارُ الكُنُوزِ الأَدَبِيَّةِ، (1/ 224).

[7] انْظُرْ: فَتْحُ رَبِّ البَرِيَّةِ بِتَلْخِيصِ الحَمَوِيَّةِ، لِابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ السَّنَةِ، ص 65.

[8] انْظُرْ: أَثَرُ العَقِيدَةِ فِي السُّلُوكِ (مُحَاضَرَةٌ مُفَرَّغَةٌ)، لِلشَّيْخِ صَالِحِ السَّنْدِيِّ، ص 5.

--------------&

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ:

 أَثَرُ الضَّبْطِ فِي سَلَامَةِ الْمَنْهَجِ الْعِلْمِيِّ

إِنَّ المَنْهَجَ العِلْمِيَّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يَقُومُ عَلَى "التَّسْلِيمِ لِلنَّصِّ" مَعَ "فَهْمِ الدَّلَالَةِ"، وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إِلَّا بِضَبْطِ الأَسْمَاءِ؛ فَإِنَّ العِلْمَ هُوَ مَعْرِفَةُ الـحَقِّ بِدَلِيلِهِ، وَالدَّلِيلُ لَا يُفْهَمُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَقَاصِدِ أَلْفَاظِهِ. وَيَتَجَلَّى أَثَرُ هَذَا الضَّبْطِ فِي سَلَامَةِ المَنْهَجِ مِنْ خِلَالِ رَكِائِزَ ثَلَاثٍ:

أَوَّلًا: الِاعْتِصَامُ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَتَرْكُ الـمُحْدَثَاتِ:

إِنَّ أَوَّلَ مَعَالِمِ سَلَامَةِ المَنْهَجِ أَنْ يَكُونَ قَامُوسُ طَالِبِ العِلْمِ مُسْتَمَدّاً مِنَ الوَحْيَيْنِ. فَالضَّبْطُ العِلْمِيُّ يَمْنَعُ البَاحِثَ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَصْطَلَحَاتِ أَهْلِ البِدَعِ [1] الَّتِي لَمْ يَأْذَنْ بِهَا اللَّهُ، لِأَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا لَوَازِمَ بَاطِلَةً.

وَيُقَرِّرُ العَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ مَنْ رَامَ سَلَامَةَ المَنْهَجِ فَعَلَيْهِ بِلُغَةِ القُرْآنِ؛ لِأَنَّهَا الأَدَلُّ عَلَى المَعْنَى الـمُرَادِ، وَالأَسْلَمُ مِنْ لَبْسِ أَهْلِ الكَلَامِ [2].

ثَانِيًا: تَقْعِيدُ قَاعِدَةِ "الِاسْتِفْصَالِ" عِنْدَ النِّزَاعِ:

مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ الضَّبْطِ فِي السَّلَامَةِ المَنْهَجِيَّةِ هُوَ عَدَمُ التَّعَجُّلِ فِي القَبُولِ أَوِ الرَّدِّ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الـمُرَادُ. وَهَذَا هُوَ "المِيزَانُ التَّيْمِيُّ" [3] فِي عِلَاجِ الأَلْفَاظِ الـمُجْمَلَةِ. فَالطَّالِبُ الـمُنْضَبِطُ مَنْهَجِيّاً لَا يَصْدُرُ حُكْماً عَقَدِيّاً عَلَى قَوْلٍ فِيهِ إِجْمَالٌ حَتَّى يَسْأَلَ: "مَاذَا تَقْصِدُ؟".

إِنَّ هَذَا المَسْلَكَ يَحْمِي البَاحِثَ مِنَ الوُقُوعِ فِي "الظَّلَمِ العِلْمِيِّ" لِلْـخُصُومِ، وَيَمْنَعُهُ مِنْ تَمْرِيرِ "البَاطِلِ الـمُغَلَّفِ" بِأَلْفَاظٍ بَرَّاقَةٍ. وَقَدْ جَلَّى هَذَا الـمَعْنَى الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- حِينَ بَيَّنَ أَنَّ الحَقَّ لَا يَخْشَى الِاسْتِفْصَالَ، وَإِنَّمَا يَخْشَاهُ صَاحِبُ البِدْعَةِ الَّذِي يَتَسَتَّرُ بِالإِجْمَالِ [4].

ثَالِثًا: رَبْطُ الأَحْكامِ بِأَوْصَافِهَا الـمُنْضَبِطَةِ لَا بِالأَهْوَاءِ:

السَّلَامَةُ المَنْهَجِيَّةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الـمُؤْمِنُ (مُؤْمِناً) بِمَا قَامَ فِيهِ مِنْ صِفَاتِ الإِيمَانِ، وَالكافِرُ (كَافِراً) بِمَا تَلَبَّسَ بِهِ مِنْ مَنَاقِضِهِ. فَالضَّبْطُ يَمْنَعُ طَالِبَ العِلْمِ مِنَ انْتِهَاجِ مَسْلَكِ الخَوَارِجِ [5] فِي التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ، أَوْ مَسْلَكِ الـمُرْجِئَةِ [6] فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ البَرِّ وَالفَاجِرِ.

إِنَّ هَذَا الِانْضِبَاطَ يُورِثُ سَلَامَةً فِي "الـصَّدْرِ" وَسَلَامَةً فِي "الـحُكْمِ"؛ فَلَا يُعَادِي إِلَّا مَنْ عَادَاهُ اللَّهُ، وَلَا يُوَالِي إِلَّا مَنْ وَالَاهُ اللَّهُ، وَذَلِكَ هُوَ عَيْنُ السَّلَامَةِ المَنْهَجِيَّةِ الَّتِي أَرَّقَتْ مَضَاجِعَ الـمُبْتَدِعَةِ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ سَلَامَةَ العَقِيدَةِ مَرْهُونَةٌ بِسَلَامَةِ الِاسْتِدْلَالِ، وَسَلَامَةُ الِاسْتِدْلَالِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِضَبْطِ الـمُصْطَلَحِ [7].

الْـحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] أَهْلُ البِدَعِ: هُمُ الَّذِينَ أَحْدَثُوا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، سَوَاءً كَانَ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ أَوِ العِبَادَةِ، وَخَرَجُوا عَنْ مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. انْظُرْ: الِاعْتِصَامُ، لِلشَّاطِبِيِّ، دَارُ ابْنِ عَفَّانَ، (1/ 37).

[2] انْظُرْ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الجَوْزِيِّ، (1/ 214).

[3] الـمِيزَانُ التَّيْمِيُّ: نِسْبَةً إِلَى شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ مَنْهَجُهُ فِي تَفْكِيكِ أَلْفَاظِ الـمُتَكَلِّمِينَ وَالِاسْتِفْصَالِ فِيهَا. انْظُرْ: دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، (1/ 225).

[4] انْظُرْ: مَنْهَجُ الـمُتَقَدِّمِينَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَلْفَاظِ الـمُجْمَلَةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ السَّنْدِيِّ، ص 18.

[5] الـخَوَارِجُ: هُمُ الَّذِينَ غَلَوْا فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ، فَسَمَّوُا المَعْصِيَةَ كُفْراً، وَاسْتَحَلُّوا الدِّمَاءَ بِذَلِكَ. انْظُرْ: الفَرْقُ بَيْنَ الفِرَقِ، لِلْبَغْدَادِيِّ، ص 73.

[6] الـمُرْجِئَةُ: هُمُ الَّذِينَ قَصَّرُوا فِي بَابِ الأَسْمَاءِ، فَجَعَلُوا كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِقَلْبِهِ مُؤْمِناً كَامِلَ الإِيمَانِ، مَهْمَا فَعَلَ مِنَ الـجَرَائِمِ. انْظُرْ: الـتَّبْصِيرُ فِي الدِّينِ، لِلإِسْفَرَايِينِيِّ، ص 105.

[7] انْظُرْ: شَرْحُ الفَتْوِيَّةِ الـحَمَوِيَّةِ الكُبْرَى، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ التَّوْحِيدِ، ص 142.

-------&

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ:

 الْخُلَاصَةُ وَالْقَوَاعِدُ الْجَامِعَةُ لِلْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ

بَعْدَ هَذَا التَّطْوَافِ فِي رِحَابِ الضَّبْطِ اللُّغَوِيِّ وَالعَقَدِيِّ وَالسُّلُوكِيِّ، نَخْلُصُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ القَوَاعِدِ النَّفِيسَةِ الَّتِي تُمَثِّلُ خُلَاصَةَ هَذَا الـمَبْحَثِ، وَالَّتِي يَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ:

أَوَّلاً: قَاعِدَةُ مَصْدَرِيَّةِ التَّسْمِيَةِ:

الأَسْمَاءُ الشَّرْعِيَّةُ (إِيمَان، كُفْر، نِفَاق، فِسْق) هِيَ حَقَائِقُ تَوْقِيفِيَّةٌ، مَرْجِعُهَا إِلَى الشَّارِعِ لَا إِلَى مُوَاضَعَاتِ البَشَرِ أَوْ خَيَالَاتِ الـمُنَاطِقَةِ. فَمَنْ سَمَّى بِغَيْرِ مَا سَمَّى اللَّهُ بِهِ؛ فَقَدْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [1].

ثَانِيًا: قَاعِدَةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ:

الضَّبْطُ السُّلُوكِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّبْطِ العَقَدِيِّ؛ فَلَا يَنْفَكُّ الإِيمَانُ فِي القَلْبِ عَنْ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ. وَمَتَى مَا وُجِدَ الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ بِحَقِيقَتِهِ؛ لَزِمَ ظُهُورُ ثَمَرَتِهِ فِي السَّمْتِ وَالهَدْيِ وَالعَمَلِ. وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- بِأَنَّ "الظَّاهِرَ عُنْوَانُ البَاطِنِ" [2].

ثَالِثًا: قَاعِدَةُ التَّفْصِيلِ عِنْدَ الإِجْمَالِ:

كُلُّ لَفْظٍ لَمْ يَرِدْ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَاسْتَعْمَلَهُ النَّاسُ فِي بَابِ العَقِيدَةِ نَفْياً أَوْ إِثْبَاتاً؛ فَإِنَّ المَنْهَجَ العِلْمِيَّ السَّلِيمَ فِيهِ هُوَ: "الِاسْتِفْصَالُ عَنِ الـمَعْنَى، وَالِاعْتِصَامُ بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ". وَهَذِهِ القَاعِدَةُ هِيَ الحِصْنُ الحَصِينُ مِنْ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ [3] وَأَشْبَاهِهِمْ.

رَابِعًا: قَاعِدَةُ الحُكْمِ تَبَعٌ لِلِاسْمِ:

إِذَا انْضَبَطَ الِاسْمُ انْضَبَطَ الحُكْمُ؛ فَلَا يُسْلَبُ عَنِ العَبْدِ اسْمُ الإِيمَانِ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ (خِلَافاً لِلْخَوَارِجِ)، وَلَا يُعْطَى كَمَالُ الِاسْمِ مَعَ تَرْكِ العَمَلِ (خِلَافاً لِلْمُرْجِئَةِ)، بَلْ هُوَ "مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ" [4].

خَامِسًا: قَاعِدَةُ سَلَامَةِ الـمَوْرِدِ:

سَلَامَةُ المَنْهجِ العِلْمِيِّ تَبْدَأُ مِنْ صِحَّةِ مَوْرِدِ التَّلَقِّي. فَمَنْ كَانَ مَوْرِدُهُ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ وَفَهْمَ السَّلَفِ؛ ضَبَطَ الأَسْمَاءَ. وَمَنْ كَانَ مَوْرِدُهُ مَنْطِقَ اليُونَانِ؛ ضَلَّ فِي الأَسْمَاءِ وَالـمَعَانِي. وَقَدْ شَدَّدَ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- عَلَى أَنَّ كُلَّ خَلَلٍ فِي العَقِيدَةِ مَنْشَؤُهُ دُخُولُ غَرِيبِ المَبَانِي عَلَى شَرِيفِ الـمَعَانِي [5].

الْـحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، لِشَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، تَحْقِيقُ د. مُحَمَّدٍ السَّعِيدِيِّ، ص 112.

[2] انْظُرْ: شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ العُثَيْمِينِ، مَدَارُ الوَطَنِ، (1/ 15).

[3] الـجَهْمِيَّةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ إِلَى الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: 128هـ)، تَقُولُ بِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ، وَتَزْعُمُ أَنَّ الإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ الـمَعْرِفَةِ، وَهُمْ شَرُّ طَوَائِفِ الـمُرْجِئَةِ. انْظُرْ: مَقَالَاتُ الإِسْلَامِيِّينَ، لِلأَشْعَرِيِّ، ص 132.

[4] هَذِهِ الكَلِمَةُ الـمَشْهُورَةُ هِيَ مَحْضُ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي أَصْحَابِ الكَبَائِرِ. انْظُرْ: العَقِيدَةُ الطَّحَاوِيَّةُ بِشَرْحِ ابْنِ أَبِي العِزِّ، دَارُ الرِّسَالَةِ، (2/ 512).

[5] انْظُرْ: الـمُهِمَّاتِ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ التَّدْمُرِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، ص 204.

بِهَذَا تَمَّ الـمَبْحَثُ الأَوَّلُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَمَنِّهِ، بِتَوْثِيقِهِ وَتَشْكِيلِهِ وَقَوَاعِدِهِ.

--------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي: حَقِيقَةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ وَالْحُكْمِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّلَفِ

إِنَّ الْأَصْلَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي عَلَّقَهَا الشَّارِعُ بِهَا، فَإِذَا وُجِدَ الِاسْمُ وُجِدَ الْحُكْمُ، وَإِذَا انْتَفَى الِاسْمُ انْتَفَى الْحُكْمُ. وَهَذَا التَّلَازُمُ لَيْسَ تَلَازُماً لَفْظِيّاً مَحْضاً، بَلْ هُوَ تَلَازُمٌ يَقُومُ عَلَى الْحَقَائِقِ الَّتِي وُضِعَتْ لَهَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: بَيَانُ رُكْنَيِ التَّلَازُمِ (الِاسْمِ وَالْحُكْمِ)

الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ: الْوَصْفُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَباً لِلْحُكْمِ (كَالْإِيمَانِ، وَالْكُفْرِ، وَالْفِسْقِ). وَالْحُكْمُ هُوَ: الْأَثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ الِاسْمِ (كَالْجَنَّةِ لِلْمُؤْمِنِ، وَالنَّارِ لِلْكَافِرِ، وَالْمُوَالَاةِ لِلْمُسْلِمِ).

وَعِنْدَ السَّلَفِ، لَا يَنْفَكُّ الْحُكْمُ عَنِ الِاسْمِ الْبَتَّةَ؛ فَمَنْ سَمَّاهُ اللَّهُ مُؤْمِناً فَلَهُ حُكْمُ الْمُؤْمِنِ دُنْيَا وَآخِرَةً، وَمَنْ سَمَّاهُ كَافِراً فَلَهُ حُكْمُ الْكَافِرِ. وَقَدْ قَرَّرَ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ مَدَارَ النِّزَاعِ بَيْنَ الْفِرَقِ كَانَ فِي هَذَا التَّلَازُمِ [1].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: التَّلَازُمُ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ

تَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ بِالظَّاهِرِ؛ فَمَنْ ثَبَتَ لَهُ اسْمُ الْإِسْلَامِ بِالظَّاهِرِ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَقْنِ الدَّمِ، وَجَوَازِ الْمُنَاكَحَةِ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ. وَيُقَرِّرُ السَّلَفُ أَنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ تَدُورُ مَعَ الِاسْمِ وُجُوداً وَعَدَماً، فَلَا يَجُوزُ سَلْبُ حُكْمِ الْمُسْلِمِ عَمَّنْ ثَبَتَ لَهُ الِاسْمُ إِلَّا بِيَقِينٍ يَنْقُضُهُ [2].

وَيُشِيرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- إِلَى أَنَّ بَابَ "الْمُعَامَلَاتِ الشَّرْعِيَّةِ" مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الضَّبْطِ، فَلَا يَحِلُّ مُعَامَلَةُ "الْمُسْلِمِ" بِأَحْكَامِ "الْمُشْرِكِ" بِدَعْوَى خَفَايَا الْقُلُوبِ [3].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: التَّلَازُمُ فِي الْأَحْكَامِ الْأُخْرَوِيَّةِ

هَذَا النَّوْعُ مِنَ التَّلَازُمِ يَتَعَلَّقُ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ. فَالْجَنَّةُ مُعَلَّقَةٌ بِاسْمِ (الْإِيمَانِ)، وَالْخُلُودُ فِي النَّارِ مُعَلَّقٌ بِاسْمِ (الْكُفْرِ). وَالسَّلَفُ يُثْبِتُونَ هَذَا التَّلَازُمَ بِيَقِينٍ، فَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ.

وَأَمَّا مَنْ تَلَبَّسَ بِاسْمِ (الْفِسْقِ) مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ (الْإِيمَانِ)، فَقَدْ ضَبَطَ السَّلَفُ حُكْمَهُ بِأَنَّهُ "تَحْتَ الْمَشِيئَةِ"، لِأَنَّ الِاسْمَ الْكُلِّيَّ (الْإِيمَانَ) لَمْ يَنْفَدْ عَنْهُ بِالْكُلِّيَّةِ [4].

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: جِنَايَةُ الْفِرَقِ عَلَى قَاعِدَةِ التَّلَازُمِ

انْقَسَمَتِ الْفِرَقُ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَى طَرَفَيْنِ وَوَسَطٍ:

الْوَعِيدِيَّةُ (الْخَوَارِجُ [5] وَالْمُعْتَزِلَةُ [6]): نَفَوْا عَنِ الْعَاصِي اسْمَ الْإِيمَانِ، فَرَتَّبُوا عَلَيْهِ حُكْمَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ، فَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ "مُطْلَقِ الِاسْمِ" وَ"الِاسْمِ الْمُطْلَقِ".

الْمُرْجِئَةُ [7]: أَثْبَتُوا الِاسْمَ كَامِلاً (مُؤْمِنٌ كَجِبْرِيلَ)، فَنَفَوْا حُكْمَ الْوَعِيدِ عَنِ الْفُسَّاقِ، فَفَكُّوا التَّلَازُمَ بَيْنَ الْعَمَلِ وَحَقِيقَةِ الِاسْمِ.

أَهْلُ السُّنَّةِ: هُمُ الْوَسَطُ، حَيْثُ ضَبَطُوا الِاسْمَ (مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ) فَتَبِعَهُ الْحُكْمُ (مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ غَيْرُ مُخَلَّدٍ فِي النَّارِ). وَقَدْ جَلَّى هَذَا التَّأْصِيلَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- فِي دُرُوسِهِ العَقَدِيَّةِ [8].

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: الْقَوَاعِدُ التَّطْبِيقِيَّةُ لِلتَّلَازُمِ عِنْدَ السَّلَفِ

قَاعِدَةُ: كُلُّ حُكْمٍ أُثْبِتَ لِغَيْرِ اسْمِهِ الشَّرْعِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ.

قَاعِدَةُ: الِاسْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ لَا الِاسْمُ اللُّغَوِيُّ الْمُجَرَّدُ.

قَاعِدَةُ: مَنْ ثَبَتَ إِسْلَامُهُ بِيَقِينٍ، لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ بِالشَّكِّ، وَلَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ إِلَّا بِتَغَيُّرِ اسْمِهِ (أَيْ بِالرِّدَّةِ).

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَّارِينِيَّةِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ، مَدَارُ الْوَطَنِ، الرِّيَاضُ، ط1، ص 412. حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْخَوَارِجَ جَعَلُوا الِاسْمَ وَاحِداً وَالْحُكْمَ وَاحِداً، وَالْمُرْجِئَةَ كَذَلِكَ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ فَرَّقُوا بَيْنَ مَرَاتِبِ الِاسْمِ.

[2] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَكْتَبَةُ الْعَبِيكَانِ، (12/ 466).

[3] انْظُرْ: شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 154.

[4] الْإِيمَانُ عِنْدَ السَّلَفِ: هُوَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْعِصْيَانِ.

[5] الْخَوَارِجُ: فِرْقَةٌ تَفْرُدُ بِتَكْفِيرِ صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ وَتَخْلِيدِهِ فِي النَّارِ، فَهُمْ أَهْلُ غُلُوٍّ فِي بَابِ الْوَعِيدِ. انْظُرْ: الْمَقَالَاتِ، لِلْأَشْعَرِيِّ، ص 167.

[6] الْمُعْتَزِلَةُ: وَافَقُوا الْخَوَارِجَ فِي حُكْمِ الْآخِرَةِ (الْخُلُودُ فِي النَّارِ)، وَخَالَفُوهُمْ فِي الِاسْمِ، فَقَالُوا: هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ. انْظُرْ: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، (1/ 45).

[7] الْمُرْجِئَةُ: نَحَّوُا الْعَمَلَ عَنِ اسْمِ الْإِيمَانِ، فَقَالُوا: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ ذَنْبٌ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لِأَحْكَامِ الْوَعِيدِ. انْظُرْ: الْفَصْلُ، لِابْنِ حَزْمٍ، (3/ 228).

[8] انْظُرْ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ أَكَّدَ عَلَى أَنَّ الْإِرْجَاءَ هُوَ أَخْطَرُ مَا يُهَدِّدُ ضَبْطَ الْأَسْمَاءِ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ.


------------------&

الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: ضَبْطُ مُسَمَّى الْإِيمَانِ وَأَثَرُهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ

إِنَّ تَحْرِيرَ قَوْلِ السَّلَفِ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ لَيْسَ تَرَفاً عِلْمِيّاً، بَلْ هُوَ الضَّابِطُ الْأَعْظَمُ لِدِيَانَةِ الْمُسْلِمِ؛ إِذْ بِهِ يُعْرَفُ حَقِيقَةُ مَا يَدْخُلُ بِهِ الْعَبْدُ فِي دَائِرَةِ الرِّضْوَانِ، وَبِهِ يَنْكَشِفُ زَيْغُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ قَصَّرُوا عَنْ حَقِيقَتِهِ أَوْ غَلَوْا فِيهَا. وَهَذَا الْمَبْحَثُ يَقُومُ عَلَى بَيَانِ الْأَرْكَانِ الْجَوْهَرِيَّةِ لِهَذَا الِاسْمِ الشَّرْعِيِّ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: حَقِيقَةُ الْإِيمَانِ عِنْدَ السَّلَفِ (قَوْلٌ وَعَمَلٌ)

الْإِيمَانُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ حَقِيقَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنْ خَمْسَةِ نُونٍ جَمَعَهَا الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ- [1]: اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، يَزِيدُ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَنْقُصُ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ.

وَهَذَا التَّعْرِيفُ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلْأَجْزَاءِ، بَلْ هُوَ ضَبْطٌ لِلْمَاهِيَّةِ؛ فَالْعَمَلُ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ ثَمَرَةً خَارِجَةً عَنْهُ كَمَا يَزْعُمُ الْمُخَالِفُونَ. وَقَدْ شَدَّدَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- عَلَى أَنَّ مَنْ أَخْرَجَ الْعَمَلَ عَنِ الْإِيمَانِ فَقَدْ فَتَحَ بَابَ الزَّنْدَقَةِ وَالتَّحَلُّلِ مِنَ التَّكَالِيفِ [2].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: أَثَرُ الضَّبْطِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ (بِأَصْنَافِهَا الـمُسْتَجِدَّةِ)

الْمُرْجِئَةُ -كَمَا سَبَقَ تَعْرِيفُهُمْ فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ [3]- ضَلُّوا حِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ شَيْئاً وَاحِداً لَا يَتَبَعَّضُ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ ضَبْطِ الْمُسَمَّى فِي الرَّدِّ عَلَى فِرْقَةِ "الْكَرَّامِيَّةِ" [4] الَّذِينَ جَعَلُوا الْإِيمَانَ هُوَ نُطْقَ اللِّسَانِ فَقَطْ، وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْإِيمَانِ لِلْمُنَافِقِينَ.

وَيُقَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ لَا يَكُونُ فَقَطْ بِإِثْبَاتِ الْعَمَلِ، بَلْ بِإِثْبَاتِ أَنَّ الْإِيمَانَ "يَزِيدُ وَيَنْقُصُ"؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ التَّفَاضُلِ هُوَ جِماعُ قَوْلِ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ [5].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ الضَّبْطِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ (خَوَارِجاً وَمُعْتَزِلَةً)

الْوَعِيدِيَّةُ -الَّذِينَ تَقَدَّمَ بَيَانُ أُصُولِهِمْ [6]- جَعَلُوا الْإِيمَانَ كَالشَّجَرَةِ الَّتِي مَتَى سَقَطَتْ مِنْهَا وَرَقَةٌ (أَيْ عَمَلٌ) سَقَطَ أَصْلُهَا. وَالضَّبْطُ السَّلَفِيُّ لِلْمُسَمَّى يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِقَاعِدَةِ "مُطْلَقِ الْإِيمَانِ"؛ فَإِنَّ الذَّنْبَ يَنْفِي الْكَمَالَ وَلَا يَنْفِي الْأَصْلَ.

وَمِنْ أَلْطَفِ مَا ذَكَرَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ الْوَعِيدِيَّةَ لَمْ يَفْهَمُوا دَلَالَةَ "النَّفْيِ" فِي النُّصُوصِ (مِثْلَ: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ)؛ فَظَنُّوهُ نَفْياً لِلْوُجُودِ، وَهُوَ عِنْدَ السَّلَفِ نَفْيٌ لِلْكَمَالِ الْوَاجِبِ، وَهَذَا هُوَ الضَّبْطُ الَّذِي يُغْلِقُ بَابَ التَّكْفِيرِ بِالذُّنُوبِ [7].

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: التَّلَازُمُ بَيْنَ قَوْلِ الْقَلْبِ وَعَمَلِ الْجَوَارِحِ

هَذَا الْمَطْلَبُ هُوَ قَلْبُ الْمَبْحَثِ؛ حَيْثُ نُثْبِتُ أَنَّ ثَمَّةَ "تَلَازُماً شَرْعِيّاً وَعَقْلِيّاً" بَيْنَ الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ. فَلَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ إِيمَانٍ كَامِلٍ فِي الْقَلْبِ مَعَ عَدَمِ انْقِيَادِ الْجَوَارِحِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ "الْجَهْمِيَّةِ" [8] الَّذِينَ حَصَرُوا الْإِيمَانَ فِي الْمَعْرِفَةِ.

إِنَّ مَنْ ضَبَطَ مسمى الْإِيمَانِ عَلِمَ أَنَّ انْتِفَاءَ "جِنْسِ الْعَمَلِ" بِالْكُلِّيَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالتَّمَكُّنِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ مَا فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا لَيْسَ قَوْلَ الْخَوَارِجِ، بَلْ هُوَ قَوْلُ أَئِمَّةِ الدِّينِ كَالْحُمَيْدِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ [9].

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ الضَّبْطِ فِي مَسَائِلِ الْإِيمَانِ

قَاعِدَةُ: الْإِيمَانُ كُلٌّ لَهُ أَجْزَاءٌ، يَنْفِي بَعْضُهَا كَمَالَهُ، وَبَعْضُهَا أَصْلَهُ.

قَاعِدَةُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ "الِاسْمِ الْمُطْلَقِ" نَفْيُ "مُطْلَقِ الِاسْمِ".

قَاعِدَةُ: الْعَمَلُ شَرْطُ صِحَّةٍ فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ (كَعَمَلِ الْقَلْبِ وَالنُّطْقِ)، وَشَرْطُ كَمَالٍ فِي فُرُوعِهِ.

قَاعِدَةُ: الْإِرْجَاءُ وَالتَّكْفِيرُ وَجْهَانِ لِعُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ "عَدَمُ الضَّبْطِ" لِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الْوَحْيُ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: نُونِيَّةُ ابْنِ الْقَيِّمِ (الْكَافِيَةُ الشَّافِيَةُ)، مَعَ شَرْحِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ عِيسَى، دَارُ ابْنِ الْقَيِّمِ، (2/ 144).

[2] انْظُرْ: التَّقْرِيرَاتُ الْعَقَدِيَّةُ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ (سِلْسِلَةُ مُحَاضَرَاتٍ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ بَيَّنَ تَهَافُتَ مَنْهَجِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ فِي عَصْرِنَا تَحْتَ مِسْمَيَاتٍ عَصْرِيَّةٍ.

[3] رَاجِعْ: الْحَاشِيَةَ رَقْمَ [5] فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، وَالْحَاشِيَةَ رَقْمَ [7] فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي.

[4] الْكَرَّامِيَّةُ: أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيِّ (ت: 255هـ)، طَائِفَةٌ تَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ فِي الصِّفَاتِ، وَتَزْعُمُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْبُ مُكَذِّباً، فَالْمُنَافِقُ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنٌ فِي الدُّنْيَا مَخْلَدٌ فِي النَّارِ فِي الْآخِرَةِ. انْظُرْ: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ، لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ، (1/ 108).

[5] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ التَّوْحِيدِ، ص 388.

[6] رَاجِعْ: الْحَوَاشِيَ [4، 5، 6] فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي.

[7] انْظُرْ: شَرْحُ كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص 56.

[8] الْجَهْمِيَّةُ: قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، وَهُمْ هُنَا "مُرْجِئَةُ الْجَهْمِيَّةِ" الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ، وَالْكُفْرُ جَهْلٌ، وَهُوَ أَخْبَثُ قَوْلٍ قِيلَ فِي الْإِيمَانِ. انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، (7/ 120).

[9] انْظُرْ: كِتَابُ الْإِيمَانِ، لِأَبِي عُبَيْدٍ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ، تَحْقِيقُ الْأَلْبَانِيِّ، ص 18.

----------------------&

الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: الِاسْمُ وَالْمُسَمَّى فِي بَابِ التَّوْحِيدِ: كَيْفَ يُضْبَطُ حُكْمُ الْعِبَادَةِ لِيَنْضَبِطَ حُكْمُ التَّكْفِيرِ؟

إِنَّ الْعَلَاقَةَ بَيْنَ "مُسَمَّى الْعِبَادَةِ" وَ"حُكْمِ التَّكْفِيرِ" عِدْلُ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ؛ فَالتَّكْفِيرُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِوُجُودِ سَبَبِهِ الشَّرْعِيِّ، وَهُوَ "صَرْفُ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ". وَمَتَى مَا اضْطَرَبَ الْبَاحِثُ فِي تَحْدِيدِ مَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ (الْعِبَادَةِ)، اضْطَرَبَ تَبَعاً لِذَلِكَ فِي إِنْزَالِ حُكْمِ (الشِّرْكِ) عَلَى الْفَاعِلِ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: ضَبْطُ حَقِيقَةِ (اسْمِ الْعِبَادَةِ) عِنْدَ السَّلَفِ

الْعِبَادَةُ فِي أَصْلِ الضَّبْطِ السَّلَفِيِّ هِيَ: "اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ" [1]. وَهَذَا الضَّبْطُ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوْ نَدْبٍ فَهُوَ عِبَادَةٌ.

وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ مَعْرِفَةَ "أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ" (كَالدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ، وَالِاسْتِغَاثَةِ) هِيَ الرَّكِيزَةُ الْأُولَى؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَلْبِسُ عَلَى النَّاسِ فَيُخْرِجُ هَذِهِ الْأَفْعَالَ عَنْ مَسَمَّاهَا الشَّرْعِيِّ (عِبَادَة) إِلَى مَسَمَّيَاتٍ مُحْدَثَةٍ (كَالتَّوَسُّلِ أَوْ الِاحْتِرَامِ)، لِيُسَوِّغَ صَرْفَهَا لِغَيْرِ اللَّهِ [2].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: حَقِيقَةُ التَّلَازُمِ بَيْنَ صَرْفِ الْعِبَادَةِ وَاسْمِ الشِّرْكِ

الْقَاعِدَةُ عِنْدَ السَّلَفِ أَنَّ كُلَّ مَنْ صَرَفَ "جِنْسَ الْعِبَادَةِ" لِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي (الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ). وَهَذَا التَّلَازُمُ لَا يَنْفَكُّ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ الْخَالِصَ هُوَ التَّوْحِيدُ. فَالضَّبْطُ هُنَا يَمْنَعُ مَا وَقَعَ فِيهِ "الْقُبُورِيَّةُ" [3] الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ دُعَاءَ الْأَمْوَاتِ لَيْسَ عِبَادَةً، فَنَفَوْا عَنْهُ اسْمَ الشِّرْكِ، فَعَطَّلُوا حُكْمَ التَّوْحِيدِ.

وَيُقَرِّرُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْأَسْمَاءِ بِـ "الْحَقَائِقِ وَالْمَعَانِي" لَا بِـ "الْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي"؛ فَسَمِّي مَا شِئْتَ "تَوَسُّلاً"، فَمَا دَامَ حَقِيقَتُهُ طَلَبَ الْحَاجَاتِ مِنَ الْمَيِّتِ فَهُوَ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ عِبَادَةٌ، وَصَرْفُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ [4].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: ضَبْطُ مَرَاتِبِ الْأَفْعَالِ لِتَحْقِيقِ التَّوَازُنِ فِي التَّكْفِيرِ

كَمَا أَنَّ الضَّبْطَ يَقْتَضِي تَسْمِيَةَ الشِّرْكِ شِرْكاً، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَيْضاً عَدَمَ إِدْخَالِ مَا لَيْسَ مِنْ شُعَبِ التَّكْفِيرِ فِيهِ. وَهُنَا يَبْرُزُ دَوْرُ "الضَّبْطِ الْمَنْهَجِيِّ" فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ:

الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ: وَهُوَ مَا نَقَضَ أَصْلَ التَّوْحِيدِ (كَسُجُودٍ لِصَنَمٍ).

الشِّرْكِ الْأَصْغَرِ: وَهُوَ مَا كَانَ ذَرِيعَةً لِلْأَكْبَرِ (كَالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَالرِّيَاءِ).

الْبِدْعَةِ: وَهِيَ مَا لَمْ يَصِلْ لِحَدِّ الشِّرْكِ وَلَكِنَّهُ مُحْدَثٌ (كَالتَّوَسُّلِ الْبِدْعِيِّ بِالْجَاهِ).

فَالضَّبْطُ الصَّحِيحُ لِهَذِهِ المَرَاتِبِ هُوَ الَّذِي عَصَمَ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْ مَسْلَكِ الْوَعِيدِيَّةِ [5] الَّذِينَ كَفَّرُوا بِكُلِّ ذَنْبٍ، وَمَسْلَكِ الْمُرْجِئَةِ [6] الَّذِينَ هَوَّنُوا مِنْ شَأْنِ الشِّرْكِيَّاتِ.

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ جَهْلِ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ عِنْدَ "الْأَشَاعِرَةِ" فِي ضَبْطِ الْأَسْمَاءِ

تَبْرُزُ جِنَايَةُ "الْأَشَاعِرَةِ" [7] فِي هَذَا الْبَابِ حِينَ حَصَرُوا "تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ" فِي "تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ"؛ فَقَالُوا: "الْإِلَهُ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ". فَبِنَاءً عَلَى هَذَا الضَّبْطِ الْفَاسِدِ لِلِاسْمِ، ظَنُّوا أَنَّ مَنْ دَعَا غَيْرَ اللَّهِ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ فَلَيْسَ بِمُشْرِكٍ!

وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ -كَمَا قَرَّرَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ- أَنَّ الْخَطَأَ فِي "تَعْرِيفِ الْإِلَهِ" أَدَّى بِهِمْ إِلَى الْخَطَأِ فِي "حُكْمِ الشِّرْكِ"، فَلَمْ يُكَفِّرُوا مَنْ كَفَّرَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ عُبَّادِ الْقُبُورِ [8].

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ الضَّبْطِ لِلِاسْمِ وَالْحُكْمِ فِي بَابِ الشِّرْكِ

قَاعِدَةُ: الْعِبَادَةُ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ، فَمَنْ صَرَفَهَا لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ اسْمُ الشِّرْكِ وَحُكْمُهُ.

قَاعِدَةُ: لَا عِبْرَةَ بَالْمَقَاصِدِ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جَعَلَهَا الشَّارِعُ شِرْكاً مَحْضاً (كَمَنْ ذَبَحَ لِقَبْرٍ وَهُوَ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ لِلَّهِ بِوَاسِطَةِ هَذَا الْوَلِيِّ).

قَاعِدَةُ: الضَّبْطُ يَقْتَضِي "قِيَامَ الْحُجَّةِ" لِإِنْزَالِ الْحُكْمِ عَلَى الْمُعَيَّنِ، فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ (الْفِعْلِ الشِّرْكِيِّ) وَ(تَكْفِيرِ الْفَاعِلِ) إِلَّا بَعْدَ انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ.

قَاعِدَةُ: السَّلَامَةُ فِي بَابِ التَّكْفِيرِ مَرْهُونَةٌ بِالسَّلَامَةِ فِي بَابِ "حُدُودِ الْعِبَادَةِ".

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] هَذَا تَعْرِيفُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الـمَشْهُورُ فِي: رِسَالَةُ الْعُبُودِيَّةِ، تَحْقِيقُ عَلِيِّ بْنِ حَسَنٍ الْحَلَبِيِّ، دَارُ عَمَّارٍ، ص 38.

[2] انْظُرْ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص 82.

[3] الْقُبُورِيَّةُ: هُمُ الَّذِينَ يَغْلُونَ فِي الْأَوْلِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ حَتَّى يَبْنُوا عَلَى قُبُورِهِمُ الْمَسَاجِدَ وَيَصْرِفُوا لَهُمْ شَيْئاً مِنَ الْعِبَادَاتِ. انْظُرْ: الرَّدُّ عَلَى الْإِخْنَائِيِّ، لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 44.

[4] انْظُرْ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/ 215).

[5] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْوَعِيدِيَّةِ) فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي، حَاشِيَة رَقْم [5، 6].

[6] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْمُرْجِئَةِ) فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، حَاشِيَة رَقْم [3].

[7] الْأَشَاعِرَةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ (قَبْلَ رُجُوعِهِ لِلْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ)، قَامَ مَنْهَجُهُمْ عَلَى تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ وَحَصْرِ التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَكَانَ لَهُمْ أَثَرٌ كَبِيرٌ فِي "تَمْيِيعِ" مَفْهُومِ الْعِبَادَةِ الشَّرْعِيِّ. انْظُرْ: تَارِيخُ الْمَذَاهِبِ الْإِسْلَامِيَّةِ، لِأَبِي زَهْرَةَ، (1/ 182).

[8] انْظُرْ: شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ دُخُولَ شُبْهَةِ "الْإِلَهُ هُوَ الْقَادِرُ" كَانَتْ أُمَّ الْبَلَايَا فِي بَابِ التَّوْحِيدِ.

بِهَذَا تَمَّ الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ يَا أَبَا أَنَسٍ، وَهُوَ مَبْحَثٌ جَلِيلٌ يَضْبِطُ حُدُودَ الدِّينِ.

------------------&

الْـمَبْحَثُ الْخَامِسُ: أَثَرُ ضَبْطِ أَسْمَاءِ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ قَوَاعِدِ الضَّبْطِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ التَّفْرِيقَ بَيْنَ "قِيَامِ الْوَصْفِ بِالْفِعْلِ" وَبَيْنَ "إِنْزَالِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاعِلِ". وَهَذَا الْمَبْحَثُ يُعْنَى بِتَحْرِيرِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الَّتِي زَلَّتْ فِيهَا أَقْدَامٌ، وَضَلَّتْ فِيهَا أَفْهَامٌ، بِسَبَبِ الْخَلَلِ فِي ضَبْطِ حَقِيقَةِ الِاسْمِ وَتَنْزِيلِهِ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقِ (الْحُكْمُ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ)

يُقْصَدُ بِالْمُطْلَقِ هُنَا: إِطْلَاقُ الْحُكْمِ عَلَى مَنْ فَعَلَ فِعْلاً أَوْ قَالَ قَوْلاً هُوَ فِي ذَاتِهِ كُفْرٌ أَوْ شِرْكٌ، دُونَ النَّظَرِ إِلَى عَيْنِ الْفَاعِلِ. فَنَقُولُ: "مَنْ سَبَّ اللَّهَ كَفَرَ"، وَ"مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ أَشْرَكَ".

وَهَذَا الضَّبْطُ ضَرُورِيٌّ لِحِفْظِ حُدُودِ الدِّينِ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ تَمْيِيعُ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَفْعَالِ بِحُجَّةِ عُذْرِ الْفَاعِلِينَ. وَقَدْ قَرَّرَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ الْقَوْلَ قَدْ يَكُونُ كُفْراً، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ كَافِراً [1].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: مَفْهُومُ التَّكْفِيرِ الْمُعَيَّنِ (إِنْزَالُ الْحُكْمِ عَلَى الشَّخْصِ)

تَنْزِيلُ اسْمِ (الْكُفْرِ) عَلَى شَخْصٍ بِعَيْنِهِ (فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ) لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ "تَحَقُّقِ الشُّرُوطِ" وَ"انْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ". وَهَذَا هُوَ الضَّبْطُ الَّذِي افْتَرَقَ فِيهِ السَّلَفُ عَنِ الْخَوَارِجِ [2].

فَالْمُعَيَّنُ قَدْ يَكُونُ جَاهِلاً، أَوْ مُتَأَوِّلاً، أَوْ مُكْرَهاً، أَوْ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ "الْحُكْمَ عَلَى الْأَعْيَانِ" مَقَامٌ مَهُولٌ، يَحْتَاجُ إِلَى رُسُوخٍ فِي الْعِلْمِ لِتَطْبِيقِ مَنَاطَاتِ الْأَحْكَامِ بِيَقِينٍ [3].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: شُرُوطُ وَمَوَانِعُ تَنْزِيلِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ (الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ)

لَا يَنْضَبِطُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَوَانِعِ التَّكْفِيرِ عِنْدَ السَّلَفِ، وَهِيَ:

الْجَهْلُ: فِيمَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْخَفِيَّةِ.

الْإِكْرَاهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.

التَّأْوِيلُ السَّائِغُ: الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ التَّكْفِيرِ حَتَّى تُبَيَّنَ لَهُ الْحُجَّةُ.

الْخَطَأُ: كَمَا فِي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ.

وَيُشِيرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- إِلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلسَّلَفِيَّةِ فِي عَصْرِنَا قد غَلَا فِي هَذَا الْبَابِ، فَجَعَلَ كُلَّ مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ مُشْرِكاً عَيْنِيّاً دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْمَوَانِعِ، وَهَذَا خِلَافُ مَنْهَجِ الِاعْتِدَالِ [4].

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: جِنَايَةُ الْفِرَقِ (الْجَهْمِيَّةِ [5] وَالْمُرْجِئَةِ [6]) فِي بَابِ الْأَعْيَانِ

إِذَا كَانَ الْخَوَارِجُ قَدْ جَنَوْا بِالتَّعَجُّلِ فِي التَّكْفِيرِ، فَإِنَّ "الْجَهْمِيَّةَ" وَالْمُرْجِئَةَ جَنَوْا بِتَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ بِالْكُلِّيَّةِ. فَهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ الْمُعَيَّنَ حَتَّى وَإِنْ صَرَّحَ بِالْكُفْرِ، بَلْ يَشْتَرِطُونَ "الِاسْتِحْلَالَ الْقَلْبِيَّ"، وَهَذَا ضَلَالٌ عَرِيضٌ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ أَحْكَامَ الرِّدَّةِ فِي الشَّرِيعَةِ لَغْواً لَا قِيمَةَ لَهُ.

وَالضَّبْطُ السَّلَفِيُّ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَانْتَفَتْ عَنْهُ الْمَوَانِعُ، وَصَمَّمَ عَلَى كُفْرِهِ؛ فَقَدْ وَجَبَ إِجْرَاءُ حُكْمِ اللَّهِ عَلَيْهِ عَيْنِيّاً لِحِمَايَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ [7].

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ الضَّبْطِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ

قَاعِدَةُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ كُفْرِ الْقَوْلِ كُفْرُ الْقَائِلِ.

قَاعِدَةُ: الْأَصْلُ فِي الْمُسْلِمِ بَقَاءُ إِسْلَامِهِ، فَلَا يُخْرَجُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ كَمَا دَخَلَ فِيهِ بِيَقِينٍ.

قَاعِدَةُ: إِقَامَةُ الْحُجَّةِ شَرْطٌ فِي تَعْيِينِ التَّكْفِيرِ، وَفَهْمُ الْحُجَّةِ لَيْسَ شَرْطاً (أَيْ بَيَانُهَا بِوُضُوحٍ).

قَاعِدَةُ: الضَّبْطُ فِي هَذَا الْبَابِ يُورِثُ الْوَرَعَ فِي الدِّمَاءِ وَالْأَعْرَاضِ مَعَ تَعْظِيمِ حُرُمَاتِ التَّوْحِيدِ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (2/ 256).

[2] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْخَوَارِجِ) فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي، حَاشِيَة رَقْم [5].

[3] انْظُرْ: اللَّآلِئُ الْبَهِيَّةُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ الْعَاصِمَةِ، (2/ 115).

[4] انْظُرْ: شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ حَذَّرَ مِنْ مَسْلَكِ مَنْ يَجْعَلُ بَابَ الْمُعَيَّنِ كَبَابِ الْمُطْلَقِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.

[5] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْجَهْمِيَّةِ) فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، حَاشِيَة رَقْم [3].

[6] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْمُرْجِئَةِ) فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، حَاشِيَة رَقْم [3].

[7] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، (35/ 165). حَيْثُ جَلَّى الْفَرْقَ بَيْنَ "مَقَالَةِ الْجَهْمِيَّةِ" وَ"حُكْمِ الْفُقَهَاءِ" عَلَى مَنْ ظَهَرَ كُفْرُهُ.

------------&

الْـمَبْحَثُ السَّادِسُ: ضَبْطُ مَسَائِلِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ بِنَاءً عَلَى تَحْقِيقِ أَسْمَاءِ الْفَاسِقِ وَأَهْلِ الْكَبَائِرِ

إِنَّ بَابَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ هُوَ الثَّمَرَةُ الْعَمَلِيَّةُ لِقَاعِدَةِ "الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ"؛ إِذْ عَلَيْهِ تَنْبَنِي مَسَائِلُ النَّجَاةِ وَالْهَلَاكِ فِي الْآخِرَةِ. وَمَدَارُ الضَّبْطِ فِي هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ فِي اسْمِ "الْفَاسِقِ الـمِلِّيِّ" وَ"مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ"، وَكَيْفَ رَتَّبَ السَّلَفُ عَلَى هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَحْكَامَ الْوَعِيدِ دُونَ الخُرُوجِ عَنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ.

الْـمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: تَحْقِيقُ اسْمِ (الْفَاسِقِ) وَ(صَاحِبِ الْكَبِيرَةِ) عِنْدَ السَّلَفِ

الْفِسْقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الـخُرُوجُ، وَفِي الشَّرْعِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: فِسْقٌ أَكْبَرُ (مُخْرِجٌ مِنَ الـمِلَّةِ)، وَفِسْقٌ أَصْغَرُ (لَا يُخْرِجُ مِنَ الـمِلَّةِ). وَالـمُرَادُ هُنَا هُوَ "الْفَاسِقُ الـمِلِّيُّ" وَهُوَ مُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ الَّذِي لَمْ يَسْتَحِلَّهَا.

وَالضَّبْطُ السَّلَفِيُّ لِهَذَا الِاسْمِ يَقْتَضِي أَنَّهُ "مُؤْمِنٌ بِمَا مَعَهُ مِنْ أَصْلِ الإِيمَانِ، فَاسِقٌ بِمَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْكَبِيرَةِ"، فَلَا يُسْلَبُ عَنْهُ مُطْلَقُ الِاسْمِ، وَلَا يُعْطَى الِاسْمَ الـمُطْلَقَ (الكَامِلَ). وَهَذَا مَا جَلَّاهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- حِينَ بَيَّنَ أَنَّ مَنْزِلَةَ هَذَا الضَّبْطِ تَقَعُ بَيْنَ طَرَفَيِ النَّقِيضِ [1].

الْـمَطْلَبُ الثَّانِي: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ

يَقُومُ مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ عَلَى "إِمْرَارِهَا كَمَا جَاءَتْ" مَعَ اعْتِقَادِ مُوجَبِهَا، وَلَكِنْ مَعَ ضَبْطِ التَّنْفِيذِ بِـ "الـمَشِيئَةِ الإِلَهِيَّةِ". فَالْوَعِيدُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، إِنْ شَاءَ أَنْفَذَهُ عَدْلاً، وَإِنْ شَاءَ عَفَا فَضْلاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 48].

وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللَّهُ- أَنَّ نُصُوصَ الْوَعِيدِ لَا تُعَارِضُ نُصُوصَ الْوَعْدِ بَلْ تُكَمِّلُهَا؛ فَالْوَعِيدُ سَائِقٌ لِلْخَوْفِ، وَالْوَعْدُ قَائِدٌ لِلرَّجَاءِ، وَالضَّبْطُ يَمْنَعُ مِنَ الـجُمُودِ عَلَى أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ [2].

الْـمَطْلَبُ الثَّالِثُ: الرَّدُّ عَلَى الْوَعِيدِيَّةِ فِي حُكْمِ الْفَاسِقِ

الْوَعِيدِيَّةُ -كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ [3]- سَلَبُوا عَنِ الْفَاسِقِ اسْمَ الإِيمَانِ، فَرَتَّبُوا عَلَيْهِ حُكْمَ الْـخُلُودِ فِي النَّارِ. وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ يَكُونُ بِتَحْقِيقِ أَنَّ الذَّنْبَ لَا يَنْقُضُ أَصْلَ التَّصْدِيقِ وَالِانْقِيَادِ الـمُجْمَلِ.

وَمِنْ أَدِلَّةِ السَّلَفِ الـجَلِيَّةِ حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ، الَّذِي يُبْطِلُ قَوْلَهُمْ بِالتَّخْلِيدِ. وَقَدْ شَدَّدَ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- عَلَى أَنَّ الْوَعِيدِيَّةَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ "الذَّنْبِ" وَ"الرِّدَّةِ"، فَعَامَلُوا الْعَاصِيَ مُعَامَلَةَ الكَافِرِ، وَهَذَا نَقْضٌ لِأُصُولِ الضَّبْطِ الشَّرْعِيِّ [4].

الْـمَطْلَبُ الرَّابِعُ: الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي إِهْدَارِ نُصُوصِ الْوَعِيدِ

عَلَى النَّقِيضِ مِنْ ذَلِكَ، جَاءَتِ الْـمُرْجِئَةُ [5] فَأَمَّنُوا الْفَاسِقَ مِنَ الْوَعِيدِ، وَزَعَمُوا أَنَّهُ كَامِلُ الإِيمَانِ. وَالضَّبْطُ السَّلَفِيُّ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ مَنْ سَمَّاهُ الشَّارِعُ (فَاسِقاً) وَتَوَعَّدَهُ بِالنَّارِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ مَنْ سَمَّاهُ (بَرّاً) وَوَعَدَهُ بِالـجَنَّةِ.

إِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ "لَا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ" هُوَ مَحْضُ تَعْطِيلٍ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ وَزَوَاجِرِهِ. وَقَدْ أَوْرَدَ العَلَّامَةُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُفْضِي إِلَى مَسَاوَاةِ أَفْجَرِ النَّاسِ بِأَتْقَاهُمْ، وَهُوَ مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ [6].

الْـمَطْلَبُ الْخَامِسُ: قَوَاعِدُ الضَّبْطِ فِي بَابِ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ

قَاعِدَةُ: الْفَاسِقُ الـمِلِّيُّ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الإِيمَانِ، يَجْتَمِعُ فِيهِ مُوجِبُ الثَّوَابِ وَمُوجِبُ العِقَابِ.

قَاعِدَةُ: نُصُوصُ الْوَعِيدِ تَنْزِلُ عَلَى الْفَاعِلِ مَعَ تَعْلِيقِهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، مَا لَمْ يَكُنِ الـمُوجِبُ شِرْكاً أَكْبَرَ.

قَاعِدَةُ: الإِكْرَاهُ مَانِعٌ مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 106].

قَاعِدَةُ: الضَّبْطُ فِي هَذَا الْبَابِ يَقْتَضِي الخَوْفَ مِنَ الذَّنْبِ مَعَ عَدَمِ اليَأْسِ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَّارِينِيَّةِ، لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينِ، مَدَارُ الْوَطَنِ، الرِّيَاضُ، ط1، ص 415. حَيْثُ يَقُولُ: "فَأَهْلُ السُّنَّةِ قَالُوا: هُوَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَأَعْطَوْهُ الِاسْمَيْنِ بِاعْتِبَارِ مَا مَعَهُ مِنَ الـجِهَتَيْنِ".

[2] انْظُرْ: شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، لِلشَّيْخِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، دَارُ التَّوْحِيدِ، ص 395.

[3] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْوَعِيدِيَّةِ) فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي، حَاشِيَة رَقْم [5، 6].

[4] انْظُرْ: تَسْهِيلُ العَقِيدَةِ لِلـمُبْتَدِئِينَ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ خَصَّصَ مَجْلِساً لِتَفْنِيدِ شُبُهَاتِ الخَوَارِجِ فِي نُصُوصِ الْوَعِيدِ.

[5] رَاجِعْ: مَفْهُومَ (الْمُرْجِئَةِ) فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ، حَاشِيَة رَقْم [3].

[6] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَكْتَبَةُ الْعَبِيكَانِ، (7/ 204).

[7] تَخْرِيجُ حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ (رَقْم 7439)، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (رَقْم 193) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الـخُدْرِيِّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَدْخُلُ أَهْلُ الْـجَنَّةِ الْـجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْـحَيَا، أَوْ الْـحَيَاةِ - شَكَّ مَالِكٌ - فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْـحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟».

-----------------------&

الْمَبْحَثُ السَّابِعُ:

 ضَبْطُ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَالْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَوَانِعِ اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ

إِنَّ تَحْرِيرَ مَسَمَّى "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" لَيْسَ تَرَفاً فِكْرِيّاً، بَلْ هُوَ السُّورُ الْعَاصِمُ لِدِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْرَاضِهِمْ؛ إِذِ الْخَلَلُ فِي هَذَا الضَّبْطِ هُوَ مَبْدَأُ ضَلَالِ "الْخَوَارِجِ" الَّذِينَ سَلَبُوا الِاسْمَ فَاسْتَبَاحُوا الدَّمَ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: التَّدْقِيقُ وَالِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ

أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

"أَهْلُ الْقِبْلَةِ" مُرَكَّبٌ إِضَافِيٌّ. (الْأَهْلُ): هُمُ الْأَخِصَّاءُ بِالشَّيْءِ، وَأَهْلُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ وَذَوُو قُرْبَاهُ. (الْقِبْلَةُ): بوزنِ فِعْلَة مِنَ الْقَبُولِ وَالْمُقَابَلَةِ، وَهِيَ مَا يُقَابِلُهُ الْإِنْسَانُ وَيَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ. وَسُمِّيَتْ قِبْلَةً لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقَابِلُهَا وَتُقَابِلُهُ [1]. فَأَهْلُ الْقِبْلَةِ لُغَةً: هُمُ الْمُتَوَجِّهُونَ لِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ فِي عِبَادَتِهِمْ.

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا:

هُمْ: (كُلُّ مَنْ نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَقَرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ جُمْلَةً، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي صَلَاتِهِ، وَلَمْ يَأْتِ بِنَاقِضٍ ظَاهِرٍ لَا يُعْذَرُ فِيهِ) [2].

ثَالِثًا: لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟

قَوْلُهُ (نَطَقَ بِالشَّهَادَتَيْنِ): هُوَ جَامِعٌ لِأَصْلِ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ، وَبِهِ تُعْصَمُ الدِّمَاءُ ابْتِدَاءً.

قَوْلُهُ (أَقَرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ جُمْلَةً): هُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِاللَّفْظِ وَيَجْحَدُونَ الرِّسَالَةَ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ رَبِّهِمْ، لَكِنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا لَهُمْ حُكْمُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ.

قَوْلُهُ (اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ): هُوَ عَلَامَةٌ ظَاهِرَةٌ تُمَيِّزُ هَذِهِ الْأُمَّةَ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَهِيَ مَنَاطُ التَّمْيِيزِ فِي أَحْكَامِ الظَّاهِرِ.

قَوْلُهُ (وَلَمْ يَأْتِ بِنَاقِضٍ ظَاهِرٍ): هُوَ مَانِعٌ لِدُخُولِ مَنْ تَلَبَّسَ بِالشِّرْكِ الْأَكْبَرِ الصَّرِيحِ بَعْدَ الْبَيَانِ، فَهَذَا يَسْلُبُ عَنْهُ اسْمَ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" حُكْمًا وَإِنْ صَلَّى إِلَيْهَا.

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: الْحُقُوقُ الشَّرْعِيَّةُ لِأَهْلِ الْقِبْلَةِ وَأَثَرُ الضَّبْطِ فِيهَا

إِنَّ ثُبُوتَ اسْمِ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" لِلْعَبْدِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُقُوقٌ لَا تَزُولُ بِمُجَرَّدِ الذَّنْبِ أَوِ الْبِدْعَةِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ:

عِصْمَةُ الدَّمِ وَالْمَالِ: لِقَوْلِهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ... فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» [3].

حَقُّ النُّصْرَةِ وَالْمُوَالَاةِ: فَأَهْلُ الْقِبْلَةِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ فِي أَصْلِ الدِّينِ.

إِجْرَاءُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ: مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَدَفْنِهِمْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّوَارُثِ بَيْنَهُمْ.

جِنَايَةُ الْخَلَلِ: مَنْ نَفَى عَنْ عَبْدٍ اسْمَ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ فَقَدْ جَنَى عَلَى الشَّرْعِ بِتَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَقَدْ قَرَّرَ السَّلَفُ أَنَّنَا "نُسَمِّي أَهْلَ قِبْلَتِنَا مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مُعْتَرِفِينَ" [4].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَوَانِعُ اسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ (الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْقَتْلِ)

لَا تُبَاحُ دِمَاءُ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إِلَّا بِيَقِينٍ يَنْقُضُ عِصْمَتَهُمْ، وَالضَّبْطُ يَقْتَضِي الِاعْتِدَالَ بَيْنَ مَنْ يَسْتَبِيحُ بِالْكَبِيرَةِ (الْخَوَارِجُ) وَمَنْ لَا يُكَفِّرُ بِنَاقِضٍ (الْمُرْجِئَةُ).

أَهَمُّ مَوَانِعِ الِاسْتِبَاحَةِ:

الْجَهْلُ وَالتَّأْوِيلُ: فَمَنْ وَقَعَ فِي مُكَفِّرٍ لَمْ يُكَفَّرْ حَتَّى تُقَامَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ.

الْإِكْرَاهُ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ}.

عَدَمُ الْبَيَانِ: فَالشَّارِعُ كَفَّ عَنِ الْمُنَافِقِينَ لِأَنَّهُمْ مَحْكُومُونَ بِظَاهِرِ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ".

تَأَلُّهُ الْمُكَفِّرِ: لَا يَجُوزُ لِلْفَرْدِ اسْتِبَاحَةُ الدَّمِ اجْتِهَاداً، بَلْ هَذَا مَوْكُولٌ لِأَهْلِ الْقَضَاءِ وَالْعِلْمِ بَعْدَ التَّبَيُّنِ [5].

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: لَوَازِمُ الِافْتِرَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ

الْمُسْتَبِيحُ لِدِمَاءِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِلَا حَقٍّ يَقَعُ فِي لَوَازِمَ بَاطِلَةٍ:

مُشَابَهَةُ الصَّحَابَةِ لِلْكُفَّارِ: حَيْثُ جَعَلَ مَا عَصَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ هَدَراً.

التَّقَوُّلُ عَلَى اللَّهِ: حَيْثُ حَكَمَ بِالْكُفْرِ فِيمَا لَمْ يُكَفِّرْ فِيهِ اللَّهُ.

تَمْزِيقُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ: وَهَذَا لَازِمُ فِعْلِ كُلِّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ خَارِجِيَّةٍ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، (11/ 531). وَيُنْظَرُ: تَاجُ الْعَرُوسِ، لِلزَّبِيدِيِّ، (30/ 223).

[2] هَذَا الْحَدُّ مُسْتَفَادٌ مِنْ نُصُوصِ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا قَرَّرَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي عَقِيدَتِهِ. انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (3/ 416). حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ "أَهْلَ الْقِبْلَةِ" اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرِ.

[3] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (25)، وَمُسْلِمٌ (22). وَفِي تَبْوِيبِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَبْطِ اسْمِ "الْإِيمَانِ" بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ حِقْناً لِلدَّمِ.

[4] انْظُرْ: مَتْنُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ مَعَ شَرْحِ ابْنِ أَبِي الْعِزِّ، تَحْقِيقُ الْأَلْبَانِيِّ، ص 331. وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أَوْضَحَ فِيهَا السَّلَفُ الْفَرْقَ بَيْنَ حُكْمِ الظَّاهِرِ وَخَفَايَا الْبَاطِنِ.

[5] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَّارِينِيَّةِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، ص 510. حَيْثُ نَبَّهَ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالرِّدَّةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ "الِاسْتِتَابَةِ" وَهِيَ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الِاسْتِبَاحَةِ الْفَوْرِيَّةِ.

[6] انْظُرْ: أُصُولُ الْإِيمَانِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ حَقَّ "أَهْلِ الْقِبْلَةِ" ثَابِتٌ بِيَقِينٍ فَلَا يَزُولُ بِشَكٍّ.

-----------&

الْمَبْحَثُ الثَّامِنُ:

 تَعْرِيفُ النِّفَاقِ وَضَبْطُهُ بَيْنَ الِاسْمِ الِاعْتِقَادِيِّ وَالْحُكْمِ الْعَمَلِيِّ

إِنَّ تَحْرِيرَ مَنَاطِ (النِّفَاقِ) يَسْتَلْزِمُ التَّفْرِيقَ الدَّقِيقَ بَيْنَ مَا يَسْلُبُ أَصْلَ الدِّينِ وَمَا يَقْدَحُ فِي كَمَالِهِ، لِأَنَّ الشَّارِعَ رَتَّبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَحْكَاماً تَخْتَلِفُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: التَّدْقِيقُ وَالِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ

أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

النِّفَاقُ مَأْخُوذٌ مِنْ "النَّافِقَاءِ"، وَهِيَ إِحْدَى جُحُورِ الْيَرْبُوعِ؛ حَيْثُ يَحْفِرُ فِي الْأَرْضِ نَفَقاً يَكْتُمُهُ وَيُظْهِرُ غَيْرَهُ، فَإِذَا طُلِبَ مِنْ مَكَانٍ خَرَجَ مِنْ آخَرَ. وَقِيلَ: هُوَ مِنَ "النَّفَقِ" وَهُوَ السَّرَبُ فِي الْأَرْضِ [1]. فَالتَّسْمِيَةُ لُغَةً تَدُورُ حَوْلَ: (الِاسْتِتَارِ، وَالْمُرَاوَغَةِ، وَإِظْهَارِ خِلَافِ الْبَاطِنِ).

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ شَرْعًا:

هُوَ: (إِظْهَارُ الْإِيمَانِ وَالْخَيْرِ، وَإِبْطَانُ الْكُفْرِ وَالشَّرِّ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ أَوْ فِي بَعْضِ شُعَبِ الْأَعْمَالِ) [2].

ثَالِثًا: لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟

قَوْلُهُ (إِظْهَارُ الْإِيمَانِ): هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ مَنْ يَدَّعِي الْإِسْلَامَ بِظَاهِرِهِ، وَمَانِعٌ لِلْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي يُجَاهِرُ بِكُفْرِهِ.

قَوْلُهُ (وَإِبْطَانُ الْكُفْرِ وَالشَّرِّ): هُوَ جَامِعٌ لِحَقِيقَةِ النِّفَاقِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْقَلْبِ.

قَوْلُهُ (فِي أَصْلِ الِاعْتِقَادِ أَوْ فِي بَعْضِ شُعَبِ الْأَعْمَالِ): هُوَ جَامِعٌ لِنَوْعَيِ النِّفَاقِ (الْأَكْبَرِ وَالْأَصْغَرِ)، وَبِهِ يَنْتَفِي قَوْلُ مَنْ حَصَرَ النِّفَاقَ فِي مَعْنًى وَاحِدٍ يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ بِالْإِطْلَاقِ.

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: أَنْوَاعُ النِّفَاقِ وَأَثَرُ الضَّبْطِ فِي تَنْزِيلِ الْأَحْكَامِ

يَنْقَسِمُ النِّفَاقُ حَسَبَ الضَّبْطِ الشَّرْعِيِّ إِلَى قِسْمَيْنِ، وَالْخَلَلُ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ:

أَوَّلاً: النِّفَاقُ الِاعْتِقَادِيُّ (النِّفَاقُ الْأَكْبَرُ):

حَدُّهُ: أَنْ يُبْطِنَ الْكُفْرَ الْمُخْرِجَ مِنَ الْمِلَّةِ مَعَ إِظْهَارِهِ الْإِسْلَامَ.

أَثَرُهُ فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ: صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ حَقْناً لِدَمِهِ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.

أَمْثِلَتُهُ: تَكْذِيبُ الرَّسُولِ، أَوْ كَرَاهِيَةُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، أَوْ الْمَسَرَّةُ بِانْخِفَاضِ دِينِ الْإِسْلَامِ [3].

ثَانِيًا: النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ (النِّفَاقُ الْأَصْغَرُ):

حَدُّهُ: أَنْ يَتَلَبَّسَ الْعَبْدُ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ النِّفَاقِ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ فِي قَلْبِهِ.

أَثَرُهُ فِي الِاسْمِ وَالْحُكْمِ: لَا يُسْلَبُ عَنْهُ اسْمُ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّهُ عَلَى شَفَا هَلَكَةٍ.

أَمْثِلَتُهُ: كَذِبُ الْحَدِيثِ، خِيَانَةُ الْأَمَانَةِ، وَإِخْلَافُ الْوَعْدِ [4].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: لَوَازِمُ النِّفَاقِ وَجِنَايَتُهُ عَلَى الْفَرْدِ وَالْأُمَّةِ

الْمُتَلَبِّسُ بِالنِّفَاقِ (بِنَوْعَيْهِ) يَقَعُ فِي لَوَازِمَ وَخِيمَةٍ تُبَيِّنُ خُطُورَةَ هَذَا الِاسْمِ:

مُخَادَعَةُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنِينَ: كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا}.

الِاسْتِهَانَةُ بِنَظَرِ الْخَالِقِ: حَيْثُ جَعَلَ رَبَّهُ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ بِإِظْهَارِ مَا يُخَالِفُ بَاطِنَهُ.

تَكْذِيبُ دَعْوَى الْإِيمَانِ: إِذْ إِنَّ حَقِيقَةَ الدِّينِ تَقُومُ عَلَى "التَّصْدِيقِ" وَ"الِانْقِيَادِ"، وَالنِّفَاقُ هُوَ نَقِيضُ الصِّدْقِ.

تَمْزِيقُ الصَّفِّ الدَّاخِلِيِّ: فَإِنَّ جِنَايَةَ النِّفَاقِ عَلَى الْأُمَّةِ أَعْظَمُ مِنْ جِنَايَةِ الْكُفْرِ الصَّرِيحِ؛ لِأَنَّ الْعَدُوَّ هُنَا يَعِيشُ بَيْنَ الظَّهْرَانِي لَا يُعْرَفُ حَالُهُ [5].

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: مَوَانِعُ تَنْزِيلِ اسْمِ (الْمُنَافِقِ) عَلَى الْمُعَيَّنِ

لَا يَجُوزُ وَصْمُ الْمُسْلِمِ بِالنِّفَاقِ (الْأَكْبَرِ) إِلَّا بِضَوَابِطَ مَانِعَةٍ لِلِاسْتِبَاحَةِ:

التَّحَقُّقُ مِنَ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ: فَلَا يُحْكَمُ بِمُجَرَّدِ الظَّنِّ وَالْحَدْسِ.

انْتِفَاءُ التَّأْوِيلِ: فَقَدْ يَقُولُ الْمُسْلِمُ مَا يُوهِمُ النِّفَاقَ وَهُوَ يَتَأَوَّلُ نُصْرَةَ الدِّينِ (كَمَا فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ).

تَفْوِيضُ السَّرَائِرِ إِلَى اللَّهِ: فَالنِّفَاقُ الْأَكْبَرُ لَا يَعْلَمُهُ عَلَى التَّعْيِينِ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنَّمَا نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّوَاهِرِ [6].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، لِابْنِ مَنْظُورٍ، دَارُ صَادِرٍ، (10/ 359). وَيُنْظَرُ: تَاجُ الْعَرُوسِ، لِلزَّبِيدِيِّ، (26/ 444).

[2] هَذَا التَّعْرِيفُ هُوَ مَا حَقَّقَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (7/ 523). حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ مَادَّةَ النِّفَاقِ هِيَ التَّلَوُّنُ وَالِاسْتِخْفَاءُ.

[3] انْظُرْ تَقْسِيمَ النِّفَاقِ فِي: الْإِيمَانُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 241. وَقَدْ أَوْضَحَ فِيهِ أَنَّ كُفْرَ النِّفَاقِ أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الْمُجَاهَرَةِ مِنْ جِهَةِ الْعُقُوبَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ.

[4] رَاجِعْ: فَتْحُ الْبَارِي لِابْنِ حَجَرٍ، (1/ 90). حَيْثُ نَاقَشَ حَدِيثَ «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ»، وَبَيَّنَ كَيْفَ ضَبَطَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الِاسْمَ حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ.

[5] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ عُثَيْمِينَ، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (2/ 340). حَيْثُ جَلَّى فِيهِ صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي سُورَةِ (بَرَاءَةٌ).

[6] انْظُرْ: أُصُولُ الْإِيمَانِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، الدَّرْسُ الثَّامِنُ؛ حَيْثُ حَذَّرَ مِنْ تَنْزِيلِ "النِّفَاقِ الْأَكْبَرِ" عَلَى الْمُخَالِفِينَ لِمُجَرَّدِ الِاخْتِلَافِ فِي مَوَاقِفَ سِيَاسِيَّةٍ أَوْ دُنْيَوِيَّةٍ.

[7] تَخْرِيجُ حَدِيثِ خِصَالِ النِّفَاقِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (34)، وَمُسْلِمٌ (58) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا...».

------------------------------&

تتمة[أ]الْمَبْحَثُ الثامن: 

ضَبْطُ أَسْمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْفِسْقِ وَالظُّلْمِ: دِرَاسَةٌ فِي تَوَارُدِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ

إِنَّ تَحْرِيرَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ يَقُومُ عَلَى قَاعِدَةِ "تَفَاوُتِ الْمَرَاتِبِ"؛ إِذْ إِنَّ الشَّارِعَ اسْتَعْمَلَ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ (كَالظُّلْمِ أَوِ الْفِسْقِ) لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى مَنَاطَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، وَالْآخَرُ دُون ذلكَ.

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: التَّدْقِيقُ وَالِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْجَاهِلِيَّةِ

أَوَّلاً: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:

الْجَاهِلِيَّةُ مَنْسُوبَةٌ إِلَى "الْجَهْلِ"، وَهُوَ: خِلَافُ الْعِلْمِ. وَيُقَالُ: جَهِلَ عَلَيْهِ أَيْ: سَفِهَ. وَالْجَاهِلِيَّةُ فِي اللُّغَةِ تَدُلُّ عَلَى: (الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَهْلُ الشِّرْكِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْجَهْلِ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَسَفَاهَةِ الْأَحْلَامِ) [1].

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْجَاهِلِيَّةِ شَرْعًا:

هِيَ: (كُلُّ مَا خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، سَوَاءً كَانَ ذَلِكَ خِلَافاً كُلِّياً فِي أَصْلِ الدِّينِ، أَوْ خِلَافاً جُزْئِيّاً فِي بَعْضِ الْخِصَالِ وَالْعَادَاتِ) [2].

ثَالِثًا: لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟

قَوْلُهُ (خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ): هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ انْحِرَافٍ، وَمَانِعٌ لِكُلِّ مَا هُوَ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ نَقِيضُ الْجَاهِلِيَّةِ.

قَوْلُهُ (خِلَافاً كُلِّياً): هُوَ جَامِعٌ لِوَصْفِ الْكُفْرِ الْأَصْلِيِّ قَبْلَ الْبِعْثَةِ.

قَوْلُهُ (أَوْ خِلَافاً جُزْئِيّاً): هُوَ مَانِعٌ لِقَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ "الْجَاهِلِيَّةَ" لَا تَقَعُ إِلَّا عَلَى الْكُفْرِ؛ فَالْمُسْلِمُ قَدْ تَبْقَى فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ [3].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْرِيرُ الِاسْمِ وَالْحُكْمِ فِي (الْفِسْقِ) وَ(الظُّلْمِ)

يَجِبُ التَّفْرِيقُ فِيهِمَا بَيْنَ "الْمُطْلَقِ" وَ"الْمُقَيَّدِ" لِضَبْطِ الْحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ:

أَوَّلاً: الْفِسْقُ (الِاشْتِقَاقُ وَالضَّبْطُ):

لُغَةً: مِنَ "الْفَسَقِ" وَهُوَ الْخُرُوجُ. يُقَالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ إِذَا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِهَا.

شَرْعاً: هُوَ الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ اللَّهِ. وَهُوَ نَوْعَانِ:

فِسْقٌ أَكْبَرُ: وَهُوَ الْخُرُوجُ الْكُلِّيُّ عَنِ الدِّينِ (الْكُفْرُ). كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

فِسْقٌ أَصْغَرُ: وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنِ الطَّاعَةِ بِارْتِكَابِ الْكَبَائِرِ دُونَ الْكُفْرِ.

ثَانِيًا: الظُّلْمُ (الِاشْتِقَاقُ وَالضَّبْطُ):

لُغَةً: هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

شَرْعاً: هُوَ التَّجَاوُزُ لِحُدُودِ اللَّهِ. وَهُوَ أَيْضاً:

ظُلْمٌ أَكْبَرُ: وَهُوَ الشِّرْكُ. {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

ظُلْمٌ أَصْغَرُ: وَهُوَ ظُلْمُ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ بِالْمَعَاصِي، أَوْ ظُلْمُهُ لِلْعِبَادِ بِمَا دُونَ الْكُفْرِ [4].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: لَوَازِمُ الْجَهْلِ بِتَوَارُدِ الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ

مَنْ لَمْ يَضْبِطِ الْفَرْقَ بَيْنَ "الْأَصْغَرِ" وَ"الْأَكْبَرِ" فِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَقَعَ فِي:

تَأَلُّهٍ عَلَى النُّصُوصِ: حَيْثُ يُنَزِّلُ وَعِيدَ الْكُفَّارِ عَلَى عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ.

تَجْهِيلِ الْفُقَهَاءِ: لِأَنَّ السَّلَفَ قَالُوا: "كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وَظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وَفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ" [5].

تَكْذِيبِ الْقُرْآنِ: فِي جَعْلِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِخْوَةً مَعَ وُقُوعِ الْقِتَالِ وَالْبَغْيِ بَيْنَهُمْ؛ فَالْبَاغِي "ظَالِمٌ" لَكِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ اسْمِ الْإِيمَانِ.

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: مَوَانِعُ تَنْزِيلِ (الْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ) عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ

الضَّبْطُ يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ بَيْنَ "الْجَاهِلِيَّةِ الْعَامَّةِ" وَ"الْجَاهِلِيَّةِ النِّسْبِيَّةِ":

الْجَاهِلِيَّةُ الْعَامَّةُ: انْتَهَتْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَا يَجُوزُ وَصْفُ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ بِأَنَّهُ جَاهِلِيٌّ جَاهِلِيَّةً مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَازِمُهُ ارْتِفَاعُ الْإِسْلَامِ.

الْجَاهِلِيَّةُ النِّسْبِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَقَعُ فِي بَعْضِ الْأَشْخَاصِ أَوْ بَعْضِ الْأَمْكِنَةِ، وَهِيَ لَا تَسْلُبُ عَنِ الْمُجْتَمَعِ صِفَةَ الْإِسْلَامِ.

الضَّابِطُ: هُوَ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ -حَفِظَهُ اللَّهُ- مِنْ أَنَّ تَعْمِيمَ لَفْظِ "الْجَاهِلِيَّةِ" عَلَى عُصُورِ الْإِسْلَامِ هُوَ مِنْ مَسَالِكِ التَّكْفِيرِ الْمُعَاصِرِ الَّذِي ضَلَّ عَنْ مَنْهَجِ السَّلَفِ [6].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ، (11/ 129). وَيُنْظَرُ: مُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ، ص 209.

[2] هَذَا الضَّبْطُ مَأْخُوذٌ مِنْ مَجْمُوعِ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي اِقْتِضَاءُ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ (1/ 225-230). حَيْثُ حَقَّقَ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ قَدْ تَكُونُ فِي فَرْدٍ دُونَ آخَرَ، وَفِي مَسْأَلَةٍ دُونَ أُخْرَى.

[3] لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ حِينَ قَالَ لَهُ ﷺ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ». أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (30). وَهَذَا أَصْلٌ فِي بَقَاءِ خِصَالِ الْجَاهِلِيَّةِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْإِيمَانِ.

[4] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص 320. حَيْثُ نَاقَشَ تَوَارُدَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَلَى الْمَعَانِي.

[5] هَذَا الْأَثَرُ مَشْهُورٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}. انْظُرْ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (10/ 355).

[6] انْظُرْ: التَّعْلِيقُ عَلَى كِتَابِ مَسَائِلِ الْجَاهِلِيَّةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، الدَّرْسُ الْأَوَّلُ؛ حَيْثُ حَذَّرَ مِنَ الْإِطْلَاقَاتِ الْعَصْرِيَّةِ لِهَذَا الْمُصْطَلَحِ.

[7] انْظُرْ: فَتْحُ الْمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، لِلشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ، دَارُ الصَّمِيعِيِّ، ص 412. حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الظُّلْمَ الْمُطْلَقَ هُوَ الشِّرْكُ.

-------------------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ (ب): 

تَحْرِيرُ الِاسْمِ الْمُطْلَقِ وَمُطْلَقِ الِاسْمِ وَلَوَازِمِ الْخَلَلِ فِيهِمَا

إِنَّ هَذَا التَّقْسِيمَ هُوَ "الْمِيزَانُ" الَّذِي اعْتَصَمَ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي بَابِ الْوَعِيدِ، وَبِهِ يَنْفَصِلُ النِّزَاعُ مَعَ الْخَوَارِجِ وَالْمُرْجِئَةِ.

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ وَالِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

الِاسْمُ الْمُطْلَقُ (اللَّفْظُ الْمُجَرَّدُ عَنِ الْقَيْدِ):

لُغَةً: مِنَ "الْإِطْلَاقِ" وَهُوَ الْإِرْسَالُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ (اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي يَنْصَرِفُ عِنْدَ إِطْلَاقِهِ إِلَى مَنْ كَمَلَ فِيهِ مَعْنَى الِاسْمِ وَتَمَّتْ فِيهِ صِفَاتُهُ).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكُلِّ مَنْ حَقَّقَ كَمَالَ الْإِيمَانِ (الْوَاجِبَ أَوِ الْمُسْتَحَبَّ)، وَمَانِعٌ لِدُخُولِ الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الْمَمْدُوحِ.

مُطْلَقُ الِاسْمِ (قَدْرُ الِاسْمِ الْمُشْتَرَكِ):

لُغَةً: هُوَ إِضَافَةُ "الْمُطْلَقِ" لِلِاسْمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الشَّيْءِ وَأَصْلُهُ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ (أَصْلُ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَبْقَى مَعَ الْعَبْدِ وَإِنْ نَقَصَ عَمَلُهُ، وَبِهِ يَتَمَيَّزُ عَنْ ضِدِّهِ الْكُلِّيِّ).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِأَصْلِ الْإِيمَانِ الَّذِي مَعَ الْفَاسِقِ وَالْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ، وَمَانِعٌ لِخُرُوجِ الْعَاصِي مِنَ الْمِلَّةِ، كَمَا أَنَّهُ مَانِعٌ لِدُخُولِ الْكَافِرِ فِيهِ [1].

ثَانِيًا: خَطَرُ عَدَمِ فَهْمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الِاسْمِ الْمُطْلَقِ" وَ"مُطْلَقِ الِاسْمِ":

يُؤَدِّي عَدَمُ الْفَهْمِ إِلَى:

تَسْوِيَةِ الْمُؤْمِنِ الْبَرِّ بِالْفَاجِرِ الْمِلِّيِّ فِي مَقَامِ الْمَدْحِ.

تَنَاقُضِ فَهْمِ نُصُوصِ الْوَعِيدِ الَّتِي تَنْفِي الْإِيمَانَ عَمَّنْ فَعَلَ بَعْضَ الْكَبَائِرِ.

فَتْحِ الْبَابِ لِتَكْفِيرِ الْعُصَاةِ عِنْدَ رُؤْيَةِ نَفْيِ "الِاسْمِ الْمُطْلَقِ" عَنْهُمْ.

الِاضْطِرَابِ فِي فَهْمِ قَوْلِهِ ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ».

الْعَجْزِ عَنْ رَدِّ شُبَهَاتِ الْوَعِيدِيَّةِ الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْإِطْلَاقَاتِ النَّفْيِيَّةِ.

تَمْيِيعِ مَفْهُومِ الْفِسْقِ وَجَعْلِهِ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ (مَسْلَكُ الْمُرْجِئَةِ).

الْغَلَطِ فِي مَسَائِلِ (الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ) فِي الْإِيمَانِ.

عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى تَنْزِيلِ الْأَحْكَامِ الْقَضَائِيَّةِ الَّتِي تُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُرْتَدِّ وَالْعَاصِي.

الْخَلَلِ فِي فَهْمِ مَرَاتِبِ الدِّينِ (إِسْلَام، إِيمَان، إِحْسَان).

نَفْيِ صِفَةِ "الِاصْطِفَاءِ" عَمَّنْ سَمَّاهُمُ اللَّهُ مُصْطَفَيْنَ وَهُمْ ظَالِمُونَ لِأَنْفُسِهِمْ [2].

ثَالِثًا: لَوَازِمُ عَدَمِ فَهْمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ:

يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى لَوَازِمَ بَاطِلَةٍ، مِنْهَا:

لَازِمُ الْخَوَارِجِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ نُفِيَ عَنْهُ كَمَالُ الْإِيمَانِ فَقَدْ كَفَرَ.

لَازِمُ الْمُرْجِئَةِ: أَنَّ "مُطْلَقَ الِاسْمِ" يُعْطِي صَاحِبَهُ كُلَّ مَحَامِدِ الدِّينِ بِلَا عَمَلٍ.

لَازِمُ الْمُعْتَزِلَةِ: اخْتِرَاعُ "الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ" لِعَجْزِهِمْ عَنْ تَوْصِيفِ الْفَاسِقِ.

تَعْطِيلُ بَعْضِ النُّصُوصِ: لِأَنَّهُمْ سَيَصْطَدِمُونَ بِنُصُوصٍ تُثْبِتُ الْإِيمَانَ وَأُخْرَى تَنْفِيهِ.

جَعْلُ الدِّينِ مَرْتَبَةً وَاحِدَةً: فَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مُقْتَصِدٍ وَسَابِقٍ بِالْخَيْرَاتِ.

اسْتِبَاحَةُ الدِّمَاءِ بِالشُّبْهَةِ: لِأَنَّ سَلْبَ الِاسْمِ عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ سَلْبَ الْعِصْمَةِ.

الْقَوْلُ بِتَخْلِيدِ الْعُصَاةِ فِي النَّارِ: وَهُوَ لَازِمُ قَوْلِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ الْأَسْمَاءِ.

تَجْهِيلُ السَّلَفِ فِي مَسْأَلَةِ "مُؤْمِنٌ عِنْدَ اللَّهِ": الَّتِي فَصَّلُوا فِيهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ.

هَدْمُ قَاعِدَةِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" الْمُرَكَّبِ: لِأَنَّهُمْ سَيُحِبُّونَ حُبًّا مُطْلَقًا أَوْ يُبْغِضُونَ بُغْضًا مُطْلَقًا.

الْقَدْحُ فِي عَدَالَةِ الصَّحَابَةِ: مَنْ وَقَعَ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ مَا نُفِيَ عَنْهُ الِاسْمُ الْمُطْلَقُ [3].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] هَذَا التَّحْرِيرُ هُوَ لُبُّ كِتَابِ الْإِيمَانِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 241. حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ الْفَاسِقَ يُسَمَّى "مُؤْمِنًا" بِمُطْلَقِ الِاسْمِ (أَيْ بِالْقَدْرِ الَّذِي مَعَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ)، وَلَا يُسَمَّى "مُؤْمِنًا" بِالِاسْمِ الْمُطْلَقِ (الَّذِي هُوَ عُنْوَانُ الْمَدْحِ وَالْوَلَايَةِ التَّامَّةِ).

[2] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص 340. حَيْثُ بَيَّنَ كَيْفَ ضَلَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِسَبَبِ "الِاسْمِ الْمُطْلَقِ".

[3] انْظُرْ: بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (8/ 422). حَيْثُ نَاقَشَ لَوَازِمَ الْخَلَلِ فِي الْأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ.

[4] انْظُرْ: أُصُولُ الِاسْتِدْلَالِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، الدَّرْسُ التَّاسِعُ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الِاسْمَ الْمُطْلَقَ" حَقٌّ لِلَّهِ فِي الثَّنَاءِ، وَ"مُطْلَقَ الِاسْمِ" حَقٌّ لِلْعَبْدِ فِي الْعِصْمَةِ.

--------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ (ج):

 أَثَرُ الضَّبْطِ فِي مَسَائِلِ الْوَلَايَةِ وَالتَّوَلِّي وَتَحْقِيقُ قِصَّةِ حَاطِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْوَلَايَةِ وَالتَّوَلِّي:

الْوَلَايَةُ (بِالْمَعْنَى الْعَامِّ):

لُغَةً: مِنَ الْوَلْيِ، وَهُوَ الدُّنُوُّ وَالْقُرْبُ وَالنُّصْرَةُ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ (مُطْلَقُ الْمَحَبَّةِ وَالنُّصْرَةِ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ أَوْ جُزْئِيٍّ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِ الْإِيمَانِ وَبُغْضِ دِينِ الْكُفَّارِ).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكُلِّ صُوَرِ الْمُدَاهَنَةِ وَالْمُصَانَعَةِ لِلْكُفَّارِ لِمَصْلَحَةٍ عَاجِلَةٍ، وَمَانِعٌ لِخُرُوجِ فَاعِلِهَا مِنَ الْمِلَّةِ لِوُجُودِ مَانِعِ "أَصْلِ الْإِيمَانِ".

التَّوَلِّي (بِالْمَعْنَى الْمُكَفِّرِ):

لُغَةً: هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ، أَوْ الِانْضِمَامُ الْكُلِّيُّ لِلشَّيْءِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ (نُصْرَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رَغْبَةً فِي دِينِهِمْ، أَوْ مَحَبَّةً لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِعِلَّةِ الرِّدَّةِ (وَهِيَ مُحَبَّةُ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ)، وَمَانِعٌ لِدُخُولِ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا نِيَّةَ لِصَاحِبِهَا فِي هَدْمِ الدِّينِ [1].

ثَانِيًا: أَثَرُ عَدَمِ الضَّبْطِ فِي بَابِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ:

يُؤَدِّي الِاضْطِرَابُ فِيهِ إِلَى عَشَرَةِ مَخَاطِرَ عَمَلِيَّةٍ:

الْخَلْطُ بَيْنَ (التَّوَلِّي) الْمُكَفِّرِ وَ(الْمُوَالَاةِ) الْمُحَرَّمَةِ.

تَكْفِيرُ مَنْ تَعَامَلَ مَعَ الْكُفَّارِ فِي الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُبَاحَةِ.

اسْتِبَاحَةُ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ وُجُودِ عَلَاقَاتٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ أَوْ تِجَارِيَّةٍ.

نَفْيُ اسْمِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ قَدَّمَ مَصْلَحَةً خَاصَّةً عَلَى مَصْلَحَةِ الْجَمَاعَةِ تَأَوُّلاً.

تَحْوِيلُ عَقِيدَةِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" مِنْ رَابِطَةٍ إِيمَانِيَّةٍ إِلَى أَدَاةٍ لِتَصْفِيَةِ الْخُصُومِ.

الْجَهْلُ بِمَرَاتِبِ (الْبَرَاءِ)؛ حَيْثُ يُجْعَلُ بَرَاءً كُلِّيّاً حَتَّى مِنَ الْمُؤْمِنِ الْعَاصِي.

إِسْقَاطُ حُقُوقِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِهِمْ فِي شُبْهَةِ مُوَالَاةٍ.

عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الْمُدَارَاةِ" الْمَشْرُوعَةِ وَ"الْمُدَاهَنَةِ" الْمَمْنُوعَةِ.

الْوُقُوعُ فِي مَسْلَكِ "الْخَوَارِجِ" الَّذِينَ اسْتَبَاحُوا بَيْضَةَ الْإِسْلَامِ بِدَعْوَى الردة لِأَدْنَى سَبَبٍ.

اضْطِرَابُ مَفْهُومِ (الْعَدَاوَةِ الشَّرْعِيَّةِ) وَجَعْلُهَا عَدَاوَةً شَخْصِيَّةً [2].

ثَالِثًا: التَّحْقِيقُ فِي قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

تُعَدُّ هَذِهِ الْقِصَّةُ "الْمِيزَانَ النَّبَوِيَّ" لِضَبْطِ اسْمِ الْمُوَالَاةِ:

الْوَاقِعَةُ: كَتَبَ حَاطِبٌ لِقُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذَا "جَاسُوسِيَّةٌ" لِصَالِحِ الْكُفَّارِ فِي الظَّاهِرِ.

الِاسْتِفْصَالُ النَّبَوِيُّ: لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ، بَلْ قَالَ: «مَا هَذَا يَا حَاطِبُ؟».

الْمَانِعُ مِنَ التَّكْفِيرِ: اعْتَذَرَ حَاطِبٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ "رِدَّةً عَنْ دِينِهِ وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ"، بَلْ لِيَحْمِيَ أَهْلَهُ [3].

الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ: قَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ عُذْرَهُ، وَصَدَّقَهُ فِي إِيمَانِهِ، وَمَنَعَ عُمَرَ مِنْ قَتْلِهِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّهُ شَهِدَ بَدْراً».

الِاسْتِشْهَادُ: دَلَّتِ الْقِصَّةُ عَلَى أَنَّ "جِنْسَ الْمُعَاوَنَةِ" لِلْكُفَّارِ قَدْ يَكُونُ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ لَكِنَّهُ لَا يَكُونُ "تَوَلِّياً مُكَفِّراً" إِلَّا إِذَا صَاحَبَهُ الرِّضَا بِدِينِهِمْ [4].

رَابِعًا: لَوَازِمُ عَدَمِ الضَّبْطِ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ:

تَكْفِيرُ الصَّحَابَةِ (لَازِمُ قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ مُجَرَّدَ الْفِعْلِ كُفْرٌ نَاقِلٌ).

إِبْطَالُ مَنْزِلَةِ (أَهْلِ بَدْرٍ) الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ لِعِصْمَةِ حَاطِبٍ.

تَكْذِيبُ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ حَيْثُ نَادَى اللَّهُ حَاطِباً بِاسْمِ "الْإِيمَانِ" مَعَ فِعْلِهِ هَذَا فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ} [5].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ:

[1] انْظُرْ: الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ، ص 885. وَيُنْظَرُ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (28/ 61). حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ "الْمُوَالَاةِ" لِلْقَرَابَةِ وَبَيْنَ "التَّوَلِّي" لِلنُّصْرَةِ عَلَى الدِّينِ.

[2] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ، (7/ 522). حَيْثُ جَلَّى قَاعِدَةَ "الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ" فِي قِصَّةِ حَاطِبٍ.

[3] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (4890)، وَمُسْلِمٌ (2494). وَهُوَ أَصْلٌ فِي بَابِ "الْمَوَانِعِ وَالْمُعْتَذِرَاتِ" فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ.

[4] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ، ص 335. حَيْثُ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ الذَّنْبَ لَا يَسْلُبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ.

[5] انْظُرْ: تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، الدَّرْسُ التَّاسِعُ؛ حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ "أَصْلَ الْإِيمَانِ" عَصَمَ حَاطِباً مِنَ الرِّدَّةِ رَغْمَ عِظَمِ فِعْلِهِ.

-------------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ (د): 

التَّفْصِيلُ الْأُصُولِيُّ لِمَرَاتِبِ الْعَلَاقَةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ

إِنَّ الضَّبْطَ فِي هَذَا الْبَابِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: (الْمُوَالَاةُ، التَّوَلِّي، الْبِرُّ)، وَكُلُّ رُكْنٍ لَهُ شُرُوطُهُ وَأَحْكَامُهُ.

أَوَّلاً: الْمُوَالَاةُ (الْمُرْتَبَةُ الْبَيْنِيَّةُ)

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

تَدُورُ مَادَّةُ "وَلِيَ" حَوْلَ الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ. وَالْمُوَالَاةُ فِعْلٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَهِيَ تَعْنِي التَّقَرُّبَ وَالْمَيْلَ [1].

2. شُرُوطُ الْمُوَالَاةِ (الَّتِي لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ):

١-أَنْ يَكُونَ مَنَاطُهَا "الدُّنْيَا" لَا "الدِّينَ".

٢-أَنْ يَبْقَى أَصْلُ الْبُغْضِ لِدِينِ الْكَافِرِ ثَابِتاً فِي الْقَلْبِ.

٣-أَنْ لَا تَكُونَ عَلَى سَبِيلِ النُّصْرَةِ الْكُلِّيَّةِ لِلْكُفْرِ عَلَى الْإِسْلَامِ.

3. أَنْوَاعُهَا وَصُوَرُهَا:

الْمُوَالَاةُ الْمُحَرَّمَةُ (كَبِيرَةٌ):

 وَهِيَ الْمَيْلُ الْقَلْبِيُّ لَهُمْ لِأَجْلِ قَرَابَةٍ أَوْ هَوًى، مَعَ الْإِقْرَارِ بِبُطْلَانِ كُفْرِهِمْ.

الْمُوَالَاةُ الْكُفْرِيَّةُ: 

إِذَا كَانَتْ مَحَبَّةً لِدِينِهِمْ، فَهَذِهِ تَنْتَقِلُ لِتَكُونَ "تَوَلِّياً" (كَمَا سَيَأْتِي).

ثَانِيًا: التَّوَلِّي (النَّاقِضُ الشَّرْعِيُّ)

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

التَّوَلِّي هُوَ الْإِقْبَالُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَمِنْهُ تَوْلِيَةُ الْوَجْهِ شَطْرَ الْمَسْجِدِ، فَهُوَ الِانْحِيَازُ الْكَامِلُ [2].

2. حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ:

هُوَ كُفْرٌ أَكْبَرُ مَخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ، وَهُوَ النَّاقِضُ الثَّامِنُ مِنْ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ.

3. أَسْبَابُ الْوُقُوعِ فِيهِ:

1-الرَّغْبَةُ فِي ظُهُورِ الْكُفْرِ عَلَى الدِّينِ.

2-الشَّكُّ فِي بَقَاءِ صَلَاحِيَّةِ الْإِسْلَامِ لِهَذَا الزَّمَانِ.

3-الِاعْتِقَادُ بِأَنَّ هَدْيَ الْكُفَّارِ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ.

4. مَتَى يَكُونُ التَّوَلِّي نَاقِضاً؟ (الشَّكْلُ وَالصُّورَةُ):

يُصْبِحُ التَّوَلِّي نَاقِضاً إِذَا اجْتَمَعَ فِيهِ:

1-نُصْرَةُ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فِعْلِيّاً أَوْ بَيَانِيّاً.

2-قَصْدُ إِعْلَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ: أَوْ الرِّضَا بِدِينِهِمْ.

3-انْتِفَاءُ الضَّرُورَةِ وَالْإِكْرَاهِ: فَمَنْ أُكْرِهَ فَلَا حُكْمَ عَلَيْهِ.

الْفَرْقُ الدَّقِيقُ: إِنْ كَانَتِ النُّصْرَةُ لِلدِّينِ فَهِيَ (تَوَلٍّ كُفْرِيٌّ)، وَإِنْ كَانَتِ النُّصْرَةُ لِلْمَالِ مَعَ كَرَاهِيَةِ الدِّينِ فَهِيَ (مُوَالَاةٌ مُحَرَّمَةٌ) [3].

ثَالِثًا: الْمُعَامَلَةُ الْقِسْطِيَّةُ (الْبِرُّ وَالْإِحْسَانُ)

هَذَا الْمَقَامُ هُوَ الَّذِي وَضَعَهُ الشَّارِعُ لِلْعَدْلِ مَعَ الْخَلْقِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي سَلْبِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ.

1. الِاسْتِشْهَادُ بِالْآيَاتِ:

قَالَ تَعَالَى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [سورة الممتحنة: 8].

2. تَخْرِيجُ الدَّلَالَةِ وَتَفْصِيلُ الْقُيُودِ:

الْبِرُّ: هُوَ الْإِحْسَانُ بِالْمَالِ وَالْخُلُقِ لِغَيْرِ الْمُحَارِبِ.

الْقِسْطُ: هُوَ الْعَدْلُ وَإِعْطَاءُ الْحُقُوقِ.

قَيْدُ (لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ): يَخْرُجُ بِهِ الْحَرْبِيُّ، فَلَا بِرَّ لَهُ وَلَا مُصَانَعَةَ بَلْ لَهُ الْقِتَالُ وَالْمُبَارَزَةُ.

قَيْدُ (لَمْ يُخْرِجُوكُمْ): مَنْ سَعَى فِي نَزْعِ سُلْطَانِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِيَارِهِمْ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْبِرِّ [4].

3. حُكْمُ مَنْ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ:

إِذَا كَانَ الْكَافِرُ "مُعَاهَداً" أَوْ "ذِمِّيّاً" لَكِنَّهُ يَطْعَنُ فِي الدِّينِ، فَهَذَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ فِي مَوَاضِعَ، وَتَجِبُ مُجَافَاتُهُ وَبُغْضُهُ، لَكِنْ لَا يُظْلَمُ فِي حَقِّهِ الْمَالِيِّ إِلَّا بِحُكْمِ الشَّرْعِ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُوَالَاةِ وَالتَّوَلِّي: يُرَاجَعُ كَلَامُ الشَّيْخِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي كِتَابِهِ "أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ"؛ حَيْثُ أَوْضَحَ أَنَّ الْمُسْلِمَ قَدْ يَقَعُ فِي بَعْضِ صُوَرِ الْمُوَالَاةِ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ، فَيَكُونُ عَاصِياً مُرْتَكِباً لِكَبِيرَةٍ، لَكِنَّ التَّوَلِّيَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يَنْقُضُ الْإِيمَانَ بِالْكُلِّيَّةِ.

[2] الْمَعْنَى اللُّغَوِيُّ الدَّقِيقُ لِلتَّوَلِّي: ذَكَرَ الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ فِي "الْمُفْرَدَاتِ" (ص 885) أَنَّ التَّوَلِّيَ قَدْ يَكُونُ بِالْجِسْمِ وَقَدْ يَكُونُ بِالرَّأْيِ وَالْعَقِيدَةِ، وَالتَّوَلِّي فِي الدِّينِ هُوَ انْتِحَالُ نِحْلَةِ الْغَيْرِ.

[3] الضَّابِطُ الْعَقَدِيُّ لِلنَّاقِضِ: حَرَّرَ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي "فَتَاوَى نُورٌ عَلَى الدَّرْبِ" أَنَّ مُجَرَّدَ "الِاسْتِعَانَةِ" لَيْسَتْ تَوَلِّياً، وَإِنَّمَا التَّوَلِّي هُوَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ بِيَدِهِ أَوْ لِسَانِهِ رَاضِياً بِكُفْرِهِمْ.

[4] تَفْسِيرُ آيَةِ الْمُمْتَحِنَةِ: يَقُولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: "أَيْ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الْإِحْسَانِ إِلَى الْكَفَرَةِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ فِي الدِّينِ... بَلْ أَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ وَاعْدِلُوا فِيهِمْ". وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُغْضَ الْعَقَدِيَّ لَا يَمْنَعُ الْإِحْسَانَ الْخُلُقِيَّ لِأَجْلِ التَّأْلِيفِ وَدَعْوَتِهِمْ لِلْإِسْلَامِ.

[5] قِصَّةُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: حِينَ قَدِمَتْ عَلَيْهَا أُمُّهَا وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَصِلَهَا. وَهَذَا "بِرٌّ" وَ"صِلَةٌ" وَلَيْسَ "تَوَلِّياً" لِأَنَّهُ لَا نُصْرَةَ فِيهِ لِلْكُفْرِ.

----------------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّامِنِ (و): تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ (الْمُوَالَاةِ وَالتَّوَلِّي) عِنْدَ خَمْسَةٍ مِنْ أَعْلَامِ الْعَصْرِ

​إِنَّ النَّظَرَ فِي تَقْرِيرَاتِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ يَكْشِفُ عَنْ "وِحْدَةِ الْمَنْهَجِ" مَعَ "تَنَوُّعِ الِاسْتِدْلَالِ" فِي ضَبْطِ مَنَاطَاتِ الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ:

​1. الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ (ت: 1421هـ):

​يُقَرِّرُ الشَّيْخُ أَنَّ "التَّوَلِّيَ" هُوَ مَحَبَّةُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، أَوْ نُصْرَتُهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ رَغْبَةً فِي دِينِهِمْ، وَهَذَا كُفْرٌ مَخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ قَوْلاً وَاحِداً. أَمَّا "الْمُوَالَاةُ" عِنْدَهُ فَهِيَ مَيْلٌ قَلْبِيٌّ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وَهِيَ لَا تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّهَا تَقْدَحُ فِي كَمَالِ التَّوْحِيدِ الْوَاجِبِ. وَيُدَقِّقُ الشَّيْخُ فِي فَهْمِ "الْمُصَانَعَةِ"؛ فَيَرَى أَنَّ مَنْ وَالَى الْكُفَّارَ لِحَاجَةٍ فِي نَفْسِهِ (كَمَالٍ أَوْ جَاهٍ) مَعَ يَقِينِهِ بِبُطْلَانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، فَهُوَ فَاسِقٌ ظَالِمٌ لَا كَافِرٌ، مُسْتَدِلّاً بِقِصَّةِ حَاطِبٍ الَّتِي جَعَلَهَا مِحْوَرَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ [1].

​2. الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

​يَمْتَازُ تَحْرِيرُ الشَّيْخِ الْفَوْزَانِ بِالصَّرَامَةِ فِي بَيَانِ "التَّوَلِّي" كَنَاقِضٍ، حَيْثُ يَعُدُّ مُظَاهَرَةَ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتَهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ رِدَّةً صَرِيحَةً سَوَاءً كَانَتْ بِالْمَالِ أَوْ السِّلَاحِ أَوْ الرَّأْيِ. وَيُحَذِّرُ الشَّيْخُ كَثِيراً فِي كُتُبِهِ مِنْ "الْمُوَالَاةِ" الَّتِي تَبْدَأُ بِالتَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فِي زِيِّهِمْ أَوْ كَلَامِهِمْ، مُعْتَبِراً إِيَّاهَا بَرِيداً لِلْكُفْرِ. وَيُؤَصِّلُ أَنَّ الْبَرَاءَ مِنَ الْكُفَّارِ أَصْلٌ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُبْغِضْهُمْ لِدِينِهِمْ لَمْ يَذُقْ طَعْمَ التَّوْحِيدِ، مَعَ ضَبْطِ الْبِرِّ بِغَيْرِ الْمُحَارِبِ ضِمْنَ الْقُيُودِ الشَّرْعِيَّةِ [2].

​3. الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

​يُحَرِّرُ الشَّيْخُ صَالِحٌ الْمَسْأَلَةَ "أُصُولِيّاً"؛ حَيْثُ يُفَرِّقُ بَيْنَ (التَّوَلِّي) كَفِعْلٍ يَنْقُضُ أَصْلَ الدِّينِ، وَبَيْنَ (الْمُوَالَاةِ) الَّتِي تَنْقُضُ كَمَالَهُ. وَيُدَقِّقُ فِي مَعْنَى "النُّصْرَةِ"، فَيَرَى أَنَّ النُّصْرَةَ الْمُكَفِّرَةَ هِيَ الَّتِي يَكُونُ الْبَاعِثُ عَلَيْهَا هُوَ "الدِّينُ"، أَيْ إِعْلَاءُ رَايَةِ الْكُفْرِ. أَمَّا النُّصْرَةُ لِأَجْلِ الْمَالِ أَوْ الْخَوْفِ مَعَ بُغْضِ الْكُفْرِ فَهِيَ مَعْصِيَةٌ. وَيَمْتَازُ تَقْرِيرُهُ بِالرَّبْطِ بَيْنَ أَسْمَاءِ الدِّينِ وَأَحْكَامِ الدُّنْيَا، مُحَذِّراً مِنْ مَسْلَكِ التَّكْفِيرِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُ فِي تَنْزِيلِ "التَّوَلِّي" عَلَى كُلِّ تَعَامُلٍ سِيَاسِيٍّ أَوْ دَوْلِيٍّ [3].

​4. الْعَلَّامَةُ الْمُحَدِّثُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

​يَقُومُ تَحْرِيرُ الشَّيْخِ رَبِيعٍ عَلَى "صِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ" مَعَ الْحَذَرِ الشَّدِيدِ مِنَ الْخَوَارِجِ. فَيُقَرِّرُ أَنَّ التَّوَلِّيَ الَّذِي هُوَ كُفْرٌ هُوَ الرِّضَا بِدِينِ الْكُفَّارِ أَوْ نُصْرَتُهُمْ لِيَهْدِمُوا الْإِسْلَامَ. وَيُنَبِّهُ الشَّيْخُ بِدِقَّةٍ إِلَى أَنَّ كَثِيراً مِنْ "الْمُدَّعِينَ" لِلْجِهَادِ وَقَعُوا فِي تَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الْعَلَاقَاتِ بَيْنَ الدُّوَلِ، وَهَذَا عِنْدَهُ جَهْلٌ بِقَوَاعِدِ السَّلَفِ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ حَاطِباً فَعَلَ أَعْظَمَ أَنْوَاعِ الْمُعَاوَنَةِ (الْجَاسُوسِيَّةِ) وَلَمْ يُكَفِّرْهُ النَّبِيُّ ﷺ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ "جِنْسَ الْفِعْلِ" فِي الْمُوَالَاةِ لَا يَسْتَلْزِمُ الرِّدَّةَ إِلَّا بِقَصْدِ الْقَلْبِ [4].

​5. الْدكتور الشيخ صَالِحُ بْنُ عبد العزيز السَّنْدِيُّ (حَفِظَهُ اللَّهُ):

​يُجَلِّي الشَّيْخُ السَّنْدِيُّ الْمَسْأَلَةَ بِبَيَانِ "الْمَنَاطَاتِ"؛ فَيُقَسِّمُ التَّوَلِّيَ إِلَى (تَوَلٍّ كُلِّيٍّ) وَهُوَ الرِّدَّةُ، وَ(تَوَلٍّ نِسْبِيٍّ) وَهُوَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ بَعْضُ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَيُدَقِّقُ فِي حَالِ "الْمُسْتَعِينِ" بِالْكَافِرِ، فَيَفْصِلُ بَيْنَ الْحُكْمِ الْفِقْهِيِّ (الْجَوَازِ وَالْمَنْعِ) وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْعَقَدِيِّ (الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ). وَيَرَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُسْلِمِ بَقَاءُ إِيمَانِهِ، فَلَا يُنْقَلُ عَنْهُ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَأَنَّ مَسْأَلَةَ "الْمُظَاهَرَةِ" فِيهَا دَقَائِقُ تَتَعَلَّقُ بِالْمَقَاصِدِ وَالنِّيَّاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، مِمَّا يُوجِبُ التَّأَنِّيَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْأَعْيَانِ [5].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ :

​[1] انْظُرْ: شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (2/ 330-335). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ الْوَلَاءَ قَدْ يَكُونُ "خَاصّاً" لَا يَقْتَضِي الرِّضَا بِالْكُفْرِ، كَمَحَبَّةِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ الْكِتَابِيَّةِ، فَهَذَا مَيْلٌ طَبِيعِيٌّ لَا عَقَدِيٌّ، وَبِهَذَا تَنْحَلُّ إِشْكَالاتٌ كَثِيرَةٌ فِي فَهْمِ مَعْنَى "الْمَحَبَّةِ".

​[2] انْظُرْ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ لِلْفَوْزَانِ (ص 85). وَيُرَاجَعُ شَرْحُهُ لِلنَّوَاقِضِ؛ حَيْثُ جَعَلَ "الْمُظَاهَرَةَ" عَمَلاً ظَاهِراً يُنْبِئُ عَنْ خَلَلٍ بَاطِنٍ، مَعَ ضَرُورَةِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ (الْمُدَارَاةِ) لِاتِّقَاءِ الشَّرِّ وَبَيْنَ (الْمُدَاهَنَةِ) لِتَحْصِيلِ الدُّنْيَا.

​[3] انْظُرْ: شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ لِصَالِحِ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ السَّادِسُ). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ "التَّوَلِّيَ" لُغَةً يَقْتَضِي التَّبِيعَةَ، فَمَنْ كَانَ تَابِعاً لَهُمْ فِي دِينِهِمْ فَهُوَ مُتَوَلٍّ، أَمَّا مَنْ كَانَ نَاصِراً لَهُمْ فِي مَعْرَكَةٍ لِمَصْلَحَةٍ فَهَذِهِ (مُعَاوَنَةٌ) لَهَا أَحْكَامُهَا فِي بَابِ الْبُغَاةِ أَوْ الْمُحَارِبِينَ.

​[4] انْظُرْ: مَجْمُوعُ كُتُبِ وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ رَبِيعٍ (1/ 412). حَيْثُ شَنَّ غَارَةً عِلْمِيَّةً عَلَى مَنْ يَسْتَخْدِمُونَ آيَاتِ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" فِي تَكْفِيرِ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ، مُبَيِّناً أَنَّ تَوْصِيفَ (الْمُظَاهَرَةِ) عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَضْيَقُ بِكَثِيرٍ مِمَّا يَفْهَمُهُ الْحَرَكِيُّونَ.

​[5] انْظُرْ: تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ (تَسْجِيلٌ صَوْتِيٌّ)، لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ، الدَّرْسُ الْعَاشِرُ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "مُجَرَّدَ الِاسْتِعَانَةِ" بِالْكَافِرِ لَيْسَ مِنَ الْمُظَاهَرَةِ الْمُكَفِّرَةِ، وَأَنَّ كَلَامَ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ فِيمَنْ "ظَاهَرَ" يَنْصَرِفُ لِمَنْ صَارَ فِي صَفِّهِمْ رِدَّةً عَنِ الْإِسْلَامِ.

​[6] فَائِدَةٌ فِي (الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاهَنَةِ): نَبَّهَ الْعُلَمَاءُ إِلَى أَنَّ "الْمُدَارَاةَ" هِيَ بَذْلُ الدُّنْيَا لِصِيَانَةِ الدِّينِ (وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ)، وَ"الْمُدَاهَنَةَ" هِيَ بَذْلُ الدِّينِ لِصِيَانَةِ الدُّنْيَا (وَهِيَ مَمْنُوعَةٌ).

​بِهَذَا تَمَّ التَّحْرِيرُ الدَّقِيقُ يَا أَبَا أَنَسٍ، وَسَكَنْتُ لَكَ أَقْوَالَ الْخَمْسَةِ الْأَكَابِرِ كَمَا أَمَرْتَ.

-----------------------&

الْمَبْحَثُ التَّاسِعُ:

 أَثَرُ ضَبْطِ مُسَمَّى الْبِدْعَةِ وَالْمُحْدَثَةِ فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الْمُهَاجَرَةِ وَالْمُقَاطَعَةِ

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ لِلْبِدْعَةِ وَالْمُحْدَثَةِ

أَوَّلاً: الْبِدْعَةُ (الِاشْتِقَاقُ وَالتَّدْقِيقُ):

الْبِدْعَةُ مِنَ الْجَذْرِ (بَ دَ عَ)، وَهُوَ يَدُلُّ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ عَلَى إِنْشَاءِ الشَّيْءِ وَاخْتِرَاعِهِ لَا عَلَى مِثَالٍ سَابِقٍ. يُقَالُ: بَدَعْتُ الرَّكِيَّةَ أَيْ اسْتَنْبَطْتُهَا وَأَحْدَثْتُهَا. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} أَيْ خَالِقُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَ [1].

ثَانِيًا: الْمُحْدَثَةُ (الِاشْتِقَاقُ وَالتَّدْقِيقُ):

مِنَ الْجَذْرِ (حَ دَ ثَ)، وَهُوَ نَقِيضُ الْقَدِيمِ. وَالْمُحْدَثُ: هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ ثُمَّ وُجِدَ. وَفِي الِاشْتِقَاقِ تَدُلُّ عَلَى إِيجَادِ أَمْرٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ وُجُودٌ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي [2].

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْبِدْعَةِ وَالْمُحْدَثَةِ

أَوَّلاً: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْبِدْعَةِ (شَرْعاً):

هِيَ: (طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ) [3].

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟

قَوْلُنَا (طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ): هُوَ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُتَدَيَّنُ بِهِ مِنَ الِاعْتِقَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ، وَمَانِعٌ لِمَا اخْتُرِعَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا الْمَحْضَةِ.

قَوْلُنَا (مُخْتَرَعَةٌ): هُوَ جَامِعٌ لِصِفَةِ الْإِحْدَاثِ، وَمَانِعٌ لِمَا لَهُ أَصْلٌ ثَابِتٌ فِي الشَّرْعِ.

قَوْلُنَا (تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ): هُوَ جَامِعٌ لِتَلْبِيسِ الْمُبْتَدِعِ، وَمَانِعٌ لِلْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا يَدَّعِي صَاحِبُهَا أَنَّهَا شَرْعٌ.

قَوْلُنَا (يُقْصَدُ بِهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ): هُوَ مَانِعٌ لِلْعَادَاتِ الَّتِي لَا يُقْصَدُ بِهَا التَّقَرُّبُ.

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمُحْدَثَةِ (شَرْعاً):

هِيَ: (كُلُّ مَا أُحْدِثَ مِمَّا لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَيُرَادُ بِهِ التَّدَيُّنُ) [4].

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِكُلِّ جَدِيدٍ فِي بَابِ الْعِبَادَةِ، وَمَانِعٌ لِمَا لَهُ شَاهِدٌ مِنَ الْأُصُولِ الْعَامَّةِ كَالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ.

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: الِاسْتِعْمَالَاتُ الشَّرْعِيَّةُ (الِاسْتِشْهَادُ النَّقْلِيُّ)

فِي الْبِدْعَةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

فِي الْمُحْدَثَةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ].

وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: رَبَطَ الشَّارِعُ بَيْنَ (الْإِحْدَاثِ) وَبَيْنَ (الرَّدِّ) وَ(الضَّلَالَةِ)، مِمَّا يَقْتَضِي أَنَّ الْبِدْعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَذْمُومَةً فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ.

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَقْسِيمُ الْبِدْعَةِ مِنَ حَيْثُ الْوَاقِعُ وَتَحْقِيقُ الْمَنَاطِ

يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَجَالَيْنِ لِأَنَّ الْخَلْطَ بَيْنَهُمَا أَصْلُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْفِرَقِ:

أَوَّلاً: الْبِدْعَةُ الدُّنْيَوِيَّةُ (الْمُخْتَرَعَاتُ الْمَادِّيَّةُ):

حُكْمُهَا: الْأَصْلُ فِيهَا الْإِبَاحَةُ.

قَاعِدَةُ (الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ): يَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا اخْتَرَعَهُ الْبَشَرُ مِنْ وَسَائِلِ الْعَيْشِ (طَائِرَات، أَدْوِيَة، تِكْنُولُوجْيَا) لَا يَدْخُلُ فِي ذَمِّ الْبِدْعَةِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ هُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ مَا لَمْ يَرِدْ نَصٌّ بِتَحْرِيمِهِ [5].

ثَانِيًا: الْبِدْعَةُ الدِّينِيَّةُ (الْمُخْتَرَعَاتُ التَّعَبُّدِيَّةُ):

حُكْمُهَا: الضَّلَالَةُ وَالرَّدُّ.

قَاعِدَةُ (الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوَقُّفُ): يَعْنِي أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ، فَكُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا دَلِيلٌ فَهِيَ مَمْنُوعَةٌ وَبِدْعَةٌ ضَالَّةٌ [6].

الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: أَنْوَاعُ الْبِدْعَةِ (الْحَقِيقِيَّةُ وَالْإِضَافِيَّةُ)

أَوَّلاً: الْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: هِيَ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا يَشُوبُهَا شَيْءٌ مِنَ الِاتِّبَاعِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ (الَّتِي لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهَا دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ، لَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ وَلَا اسْتِدْلَالٍ مُعْتَبَرٍ، بَلْ هِيَ مُخْتَرَعَةٌ مِنْ أَصْلِهَا).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِصُورَةِ الِابْتِدَاعِ الْكُلِّيِّ (كَالصَّلَاةِ لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ تَعَبُّداً)، وَمَانِعٌ لِمَا لَهُ دَلِيلٌ وَإِنْ خَفِيَ عَلَى الْبَعْضِ.

أَسْبَابُ الْوُقُوعِ فِيهَا: اتِّبَاعُ الْهَوَى، الْجَهْلُ بِأُصُولِ الِاسْتِدْلَالِ، تَعْظِيمُ الرَّأْيِ عَلَى النَّصِّ.

لَوَازِمُهَا: تَشْرِيعُ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، اتِّهَامُ الشَّرِيعَةِ بِالنُّقْصَانِ، تَفْرِيقُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

ثَانِيًا: الْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ:

الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: مَنْسُوبَةٌ إِلَى "الْإِضَافَةِ"؛ لِأَنَّ لَهَا شَائِبَتَيْنِ: شَائِبَةُ اتِّبَاعٍ وَشَائِبَةُ ابْتِدَاعٍ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ (الَّتِي لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ مِنْ وَجْهٍ، لَكِنَّهَا خَالَفَتْهُ مِنْ حَيْثُ الْهَيْئَةِ أَوِ الزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ أَوِ الْعَدَدِ) [7].

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِلذِّكْرِ الْجَمَاعِيِّ (الذِّكْرُ لَهُ أَصْلٌ، وَالْهَيْئَةُ مُبْتَدَعَةٌ)، وَمَانِعٌ لِلْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا بَتَاتاً.

أَسْبَابُ الْوُقُوعِ فِيهَا: التَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ لِلنُّصُوصِ الْعَامَّةِ، الِاسْتِحْسَانُ الْعَقْلِيُّ فِي مَقَامِ التَّشْرِيعِ.

لَوَازِمُهَا: مَسْخُ هَيْئَةِ الْعِبَادَاتِ، إِمَاتَةُ السُّنَنِ الصَّحِيحَةِ بِالزِّيَادَاتِ الْمُحْدَثَةِ.

الْمَطْلَبُ السَّادِسُ: لَوَازِمُ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ وَأَثَرُهَا (عَامَّةً)

أَوَّلاً: لَوَازِمُ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ (خَمْسَةُ لَوَازِمَ):

لَازِمُ الِاسْتِدْرَاكِ عَلَى الشَّارِعِ: وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُبَلِّغِ الدِّينَ كَامِلاً.

لَازِمُ مَشَابَهَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ: الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَهُمْ بِالتَّحْرِيفِ وَالِابْتِدَاعِ.

لَازِمُ سَدِّ بَابِ التَّوْبَةِ عَنِ الْمُبْتَدِعِ: لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ فَلَا يَتُوبُ.

لَازِمُ رَفْعِ السُّنَنِ: فَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا وَرُفِعَتْ قُبَالَتَهَا سُنَّةٌ.

لَازِمُ الْفُرْقَةِ: لِأَنَّ الْبِدَعَ تُقَسِّمُ النَّاسَ إِلَى شِيَعٍ وَأَحْزَابٍ كُلٌّ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.

ثَانِيًا: أَثَرُ الْبِدْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا وَالْمُجْتَمَعِ:

عَلَى الصَّاحِبِ: طَرْدٌ عَنِ الْحَوْضِ، وَرَدُّ الْعَمَلِ، وَاسْتِحْقَاقُ الْإِثْمِ.

عَلَى الْمُجْتَمَعِ: فَشْوُ الْجَهْلِ، وَظُهُورُ مَسَالِكِ الْغُلُوِّ أَوِ التَّفْرِيطِ، وَسُقُوطُ هَيْبَةِ النَّصِّ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (8/ 6)، وَمُفْرَدَاتُ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ لِلرَّاغِبِ (ص 112). وَيُنَبَّهُ الطَّالِبُ أَنَّ "الْإِبْدَاعَ" فِي مَقَامِ الْمَدْحِ اللُّغَوِيِّ يَخْتَلِفُ عَنِ "الِابْتِدَاعِ" فِي مَقَامِ الذَّمِّ الشَّرْعِيِّ.

[2] انْظُرْ: تَاجُ الْعَرُوسِ (5/ 120). وَفِي الْحَدِيثِ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ»، فَالْمُحْدَثُ هُنَا هُوَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فِي زَمَنِ النُّبُوَّةِ فِيمَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ.

[3] هَذَا التَّعْرِيفُ هُوَ لِلْإِمَامِ الشَّاطِبِيِّ فِي كِتَابِهِ الْعَظِيمِ "الِاعْتِصَامُ" (1/ 37). وَهُوَ أَحَدُ أَدَقِّ التَّعْرِيفَاتِ الَّتِي حَرَّرَتْ مَنَاطَ الذَّمِّ، وَقَدْ أَبْدَعَ فِي شَرْحِ كُلِّ جُزْئِيَّةٍ فِيهِ لِيُخْرِجَ مَا لَيْسَ بِبِدْعَةٍ.

[4] انْظُرْ: جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ لِابْنِ رَجَبٍ (2/ 128). حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْمُحْدَثَةَ الَّتِي هِيَ ضَلَالَةٌ هِيَ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا بَتَاتاً، أَمَّا مَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ كَجَمْعِ الْقُرْآنِ فَهُوَ لَيْسَ بِمُحْدَثَةٍ شَرْعِيَّةٍ.

[5] قَاعِدَةُ (الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْإِبَاحَةُ): هَذِهِ قَاعِدَةٌ أُصُولِيَّةٌ كُبْرَى، ذَكَرَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى" (21/ 535) وَقَالَ: "إِنَّ الْأَصْلَ فِي الْعَادَاتِ الْإِذْنُ فَلَا يُحْرَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، وَإِلَّا دَخَلْنَا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلَالاً}".

[6] قَاعِدَةُ (الْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ التَّوَقُّفُ): رَاجِعْ: "شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ" لِلسَّعْدِيِّ (ص 45). وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ الْجَوْهَرِيُّ؛ فَالْعِبَادَةُ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ، لَا يُقْبَلُ فِيهَا إِلَّا مَا سَنَّهُ، وَمَنْ زَادَ فِيهَا فَقَدْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ مَقَامَ الْمُشَرِّعِ.

[7] انْظُرْ: "الِاعْتِصَامُ" لِلشَّاطِبِيِّ (1/ 455). حَيْثُ حَقَّقَ مَسْأَلَةَ "الْبِدْعَةِ الْإِضَافِيَّةِ" وَأَنَّهَا أَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْخَلْقِ، لِأَنَّهُمْ يَتَمَسَّكُونَ بِأَصْلِ الْعِبَادَةِ (كَالدُّعَاءِ) وَيَنْسَوْنَ مُخَالَفَةَ الْهَيْئَةِ.

---------------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ التَّاسِعِ (أ): 

التَّطْبِيقَاتُ الْعَمَلِيَّةُ لِلْبِدْعَةِ (الْحَقِيقِيَّةِ وَالْإِضَافِيَّةِ) وَلَوَازِمُهَا

أَوَّلاً: صُوَرٌ وَتَطْبِيقَاتٌ عَلَى الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ

هِيَ الَّتِي لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرْعِ بَتَاتاً، وَتُسَمَّى "الْبِدْعَةَ الْمَحْضَةَ":

بِدْعَةُ التَّرَهُّبِ وَالتَّبَتُّلِ: الِانْقِطَاعُ عَنِ النِّكَاحِ أَوْ طَيِّبَاتِ الرِّزْقِ (كَاللَّحْمِ) تَدَيُّناً وَتَقَرُّباً، كَمَا فَعَلَ الرَّهَابِنَةُ، وَكَمَا هَمَّ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ [1].

بِدْعَةُ التَّقَرُّبِ بِالْمُحَرَّمَاتِ أَوِ الْمُبَاحَاتِ الْمَحْضَةِ: كَمَنْ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللَّهِ بِالْوُقُوفِ فِي الشَّمْسِ، أَوْ تَرْكِ الْكَلَامِ (صَوْمُ الصَّمْتِ)، أَوْ الرَّقْصِ وَالتَّصْفِيقِ فِي الْمَسَاجِدِ بِدَعْوَى الْوَجْدِ وَالْمَحَبَّةِ [2].

بِدْعَةُ التَّشْرِيعِ فِي الِاعْتِقَادِ: كَقَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ بِنَفْيِ الْقَدَرِ، أَوْ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ؛ فَهَذِهِ أَقْوَالٌ مُخْتَرَعَةٌ لَيْسَ لَهَا أَثَارَةٌ مِنْ عِلْمٍ.

*** لَوَازِمُ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ (مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصُّورِ):**

لَازِمُ مُضَاهَاةِ خَالِقِ الشَّرْعِ: لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ هُنَا أَنْشَأَ عِبَادَةً مِنْ "الْعَدَمِ الشَّرْعِيِّ"، فَكَأَنَّهُ نَصَّبَ نَفْسَهُ شَرِيكاً فِي التَّشْرِيعِ.

لَازِمُ الْغُلُوِّ الْمُهْلِكِ: لِأَنَّ مَنْ شَرَعَ لِنَفْسِهِ لَا يَقِفُ عِنْدَ حَدٍّ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ التَّبَتُّلِ إِلَى تَعْذِيبِ النَّفْسِ.

لَازِمُ تَبْدِيلِ الدِّينِ: كَمَا فَعَلَتِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ حَتَّى ضَاعَ أَصْلُ دِينِهِمْ بَيْنَ رُكَامِ الْمُخْتَرَعَاتِ.

ثَانِيًا: صُوَرٌ وَتَطْبِيقَاتٌ عَلَى الْبِدْعَةِ الْإِضَافِيَّةِ

هِيَ الَّتِي لَهَا أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّ التَّحْرِيفَ دَخَلَهَا مِنْ جِهَةِ (الْكَيْفِ، أَوِ الْكَمِّ، أَوِ الزَّمَانِ، أَوِ الْمَكَانِ):

الذِّكْرُ الْجَمَاعِيُّ بِصَوْتٍ وَاحِدٍ: أَصْلُ الذِّكْرِ سُنَّةٌ، لَكِنَّ تَقْيِيدَهُ بِهَيْئَةِ الِاجْتِمَاعِ وَالْتِزَامِ نَغْمَةٍ وَاحِدَةٍ بِدْعَةٌ إِضَافِيَّةٌ لَمْ يَفْعَلْهَا السَّلَفُ [3].

تَخْصِيصُ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ بِقِيَامٍ أَوْ يَوْمِهَا بِصِيَامٍ: أَصْلُ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مَشْرُوعٌ، لَكِنَّ "تَخْصِيصَ" هَذَا الزَّمَانِ بِعِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَحِيحٌ هُوَ الِابْتِدَاعُ [4].

الصَّلَاةُ الْأَلْفِيَّةُ أَوْ صِيَغُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَرَعَةِ: أَصْلُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَجَلِّ الْقُرُبَاتِ، لَكِنَّ اخْتِرَاعَ صِيَغٍ بِأَعْدَادٍ مُعَيَّنَةٍ (كَمِائَةِ مَرَّةٍ بِصِيغَةٍ كَذَا لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ) هُوَ زِيَادَةٌ فِي الدِّينِ.

*** لَوَازِمُ الْوُقُوعِ فِي الْبِدْعَةِ الْإِضَافِيَّةِ (مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصُّورِ):**

لَازِمُ نِسْبَةِ الْقُصُورِ لِلْبَيَانِ النَّبَوِيِّ: فَكَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلِمَ هَذَا الْفَضْلَ فِي هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَكَتَمَهُ، أَوْ جَهِلَهُ وَعَلِمَهُ الْمُبْتَدِعُ.

لَازِمُ تَقْيِيدِ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ: فَالشَّرْعُ نَدَبَ لِلذِّكْرِ مُطْلَقاً، فَتَقْيِيدُهُ بِعَدَدٍ أَوْ هَيْئَةٍ هُوَ تَحَكُّمٌ فِي الشَّرِيعَةِ بِلَا دَلِيلٍ.

لَازِمُ انْشِغَالِ النَّاسِ بِالْمَفْضُولِ (أَوِ الْبَاطِلِ) عَنِ الْفَاضِلِ (السُّنَّةِ): فَالْمُبْتَدِعُ يَجْتَهِدُ فِي الْبِدْعَةِ الْإِضَافِيَّةِ بِحَمَاسٍ يَفُوقُ حَمَاسَهُ لِلسُّنَنِ الرَّاتِبَةِ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] انْظُرْ: صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (5063)، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ الرَّهْطِ الثَّلَاثَةِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». وَهَذَا أَصْلٌ فِي ذَمِّ "الْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ" وَإِنْ كَانَ قَصْدُ صَاحِبِهَا الْخَيْرَ.

[2] انْظُرْ: "الِاعْتِصَامُ" لِلشَّاطِبِيِّ (1/ 46). وَقَدْ مَثَّلَ لِلْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ بِمَنْ يُحَرِّمُ عَلَى نَفْسِهِ مَشْرُوعاً تَدَيُّناً، فَالْتِحَاقُهَا بِالتَّشْرِيعِ الْجَاهِلِيِّ (بَحِيرَةٍ وَسَائِبَةٍ) ظَاهِرٌ.

[3] انْظُرْ: "السُّنَنُ وَالْمُبْتَدَعَاتُ" لِلشُّقَيْرِيِّ (ص 22). وَقَدْ أَنْكَرَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَصْحَابِ الْحَلَقِ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ بِالْحَصَى تَكْبِيراً جَمَاعِيّاً، وَقَالَ لَهُمْ: «أَنْتُمْ أَهْدَى مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ أَوْ مَفْتَتِحُو بَابِ ضَلَالَةٍ؟». وَهَذِهِ أَعْظَمُ صُورَةٍ لِلْبِدْعَةِ "الْإِضَافِيَّةِ".

[4] انْظُرْ: "لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ" لِابْنِ رَجَبٍ (ص 263). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ تَعْظِيمَ لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ شَيْءٌ، وَأَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحِجَازِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ.

[5] قَاعِدَةٌ نَفِيسَةٌ: كُلُّ عِبَادَةٍ وُجِدَ سَبَبُهَا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلْهَا، فَفِعْلُهَا بَعْدَهُ بِدْعَةٌ. (مَثَلُ ذَلِكَ: الِاحْتِفَالُ بِالْمَوْلِدِ؛ فَالْمُوجِبُ لَهُ وَهُوَ مَحَبَّةُ النَّبِيِّ مَوْجُودٌ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَفْعَلُوهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاحْتِفَالَ لَيْسَ مَشْرُوعاً).

---------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ التَّاسِعِ (ج): 

تَحْرِيرُ الْفَرْقِ بَيْنَ "الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ" وَ"الْبِدَعِ الدِّينِيَّةِ"

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ

اشْتِقَاقُ (الْمَصْلَحَةِ): هِيَ مَصْدَرٌ عَلَى وَزْنِ (مَفْعَلَة) مِنَ الصَّلَاحِ، وَالصَّلَاحُ نَقِيضُ الْفَسَادِ، وَيُرَادُ بِهَا لُغَةً: كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْإِنْسَانِ أَوْ جَلْبٌ لِلْخَيْرِ وَدَفْعٌ لِلضَّرَرِ.

اشْتِقَاقُ (الْمُرْسَلَةِ): مِنَ (الْإِرْسَالِ)، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: "نَاقَةٌ مُرْسَلَةٌ" أَيْ لَيْسَ لَهَا عِقَالٌ يَشُدُّهَا، فَهِيَ مَصْلَحَةٌ أُرْسِلَتْ عَنِ التَّقْيِيدِ بِدَلِيلٍ نَقْلِيٍّ خَاصٍّ (إِثْبَاتاً أَوْ نَفْياً) [1].

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ (فِي نِقَاطٍ)

هِيَ: (وَصْفٌ مُنَاسِبٌ شَرْعِيٌّ، لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ بِالِاعْتِبَارِ وَلَا بِالْإِلْغَاءِ، وَيَحْصُلُ مِنْ بِنَاءِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعُ مَضَرَّةٍ عَنِ الدِّينِ أَوِ الْخَلْقِ).

لِمَاذَا هُوَ حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ؟ (بَيَانُ الْقُيُودِ):

قَوْلُنَا (وَصْفٌ مُنَاسِبٌ شَرْعِيٌّ): جَامِعٌ لِكُلِّ مَا تَقْتَضِيهِ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ مِمَّا يُلَائِمُ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ، وَمَانِعٌ لِلْأَوْصَافِ الطَّرْدِيَّةِ أَوْ الْوَاهِيَةِ.

قَوْلُنَا (لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ بِالِاعْتِبَارِ): مَانِعٌ لِلْمَقِيِسِ عَلَى نَصٍّ (قِيَاسُ الْعِلَّةِ)، فَالْمَصْلَحَةُ هُنَا "مُرْسَلَةٌ" لَا "مُقَيَّدَةٌ".

قَوْلُنَا (وَلَا بِالْإِلْغَاءِ): مَانِعٌ لِلْمَصَالِحِ الَّتِي أَلْغَاهَا الشَّرْعُ (كَمَصْلَحَةِ نَمَاءِ الْمَالِ بِالرِّبَا، أَوْ مَصْلَحَةِ التَّسْوِيَةِ فِي الْمِيرَاثِ)، فَهَذِهِ مَصَالِحُ مَلْغَاةٌ بِنَصٍّ.

قَوْلُنَا (جَلْبُ مَنْفَعَةٍ أَوْ دَفْعُ مَضَرَّةٍ): جَامِعٌ لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ (الدِّينِ، النَّفْسِ، الْعَقْلِ، النَّسْلِ، الْمَالِ).

ثَالِثًا: الْفُرُوقُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَ الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ وَالْبِدْعَةِ فِي الدِّينِ

مِنْ حَيْثُ "الْمَحَلُّ": الْمَصْلَحَةُ مَحَلُّهَا أُمُورُ الْعَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَالْوَسَائِلِ، أَمَّا الْبِدْعَةُ فَمَحَلُّهَا الْعِبَادَاتُ الْمَحْضَةُ الَّتِي لَا تُعْقَلُ مَعَانِيهَا تَفْصِيلاً.

مِنْ حَيْثُ "الْقَصْدُ": الْمَصْلَحَةُ يُقْصَدُ بِهَا "تَحْصِيلُ نَفْعٍ دُنْيَوِيٍّ يَخْدِمُ الدِّينَ"، بَيْنَمَا الْبِدْعَةُ يُقْصَدُ بِهَا "التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ بِذَاتِ الْفِعْلِ الْمُخْتَرَعِ".

مِنْ حَيْثُ "الِاعْتِبَارُ": الْمَصْلَحَةُ تَجْرِي عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرْعِ كُلِّيَّةً فَلَا تُصَادِمُ نَصّاً، أَمَّا الْبِدْعَةُ فَهِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّشْرِيعِ الزَّائِدِ الَّذِي يُعَارِضُ كَمَالَ الشَّرِيعَةِ.

مِنْ حَيْثُ "الْهَيْئَةُ": الْمَصْلَحَةُ لَا تَتَّخِذُ صُورَةَ "التَّعَبُّدِ" الَّذِي يُضَاهِي شَعَائِرَ الدِّينِ، بَيْنَمَا الْبِدْعَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مُضَاهَاةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي صُورَتِهَا [2].

رَابِعًا: صُوَرٌ وَتَطْبِيقَاتٌ عَلَى الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ

جَمْعُ الْقُرْآنِ فِي الْمُصْحَفِ: لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَدَمِ دَاعِيهِ (وَهُوَ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ)، فَلَمَّا وُجِدَ الدَّاعِي (مَوْتُ الْقُرَّاءِ) جَمَعَهُ الصَّحَابَةُ مَصْلَحَةً لِحِفْظِ الدِّينِ.

تَدْوِينُ عُلُومِ الْآلَةِ (النَّحْو، الْأُصُول، الْمُصْطَلَح): وَسَائِلُ لِفَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهِيَ مَصَالِحُ مُرْسَلَةٌ خَادِمَةٌ لِأَصْلٍ شَرْعِيٍّ.

الْأَنْظِمَةُ الْإِدَارِيَّةُ (الْمُرُور، الْبِطَاقَات، السِّجِلَّات): لَا يَقْصِدُ بِهَا النَّاسُ "التَّعَبُّدَ" لَكِنَّ فِيهَا صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ، فَهِيَ مَصَالِحُ شَرْعِيَّةٌ.

بِنَاءُ الْمَنَارَاتِ وَطِبَاعَةُ الْمَصَاحِفِ: وَسَائِلُ إِبْلَاغٍ وَتَيْسِيرٍ لَا زِيَادَةَ فِيهَا فِي ذَاتِ الصَّلَاةِ أَوْ الْقُرْآنِ.

خَامِسًا: تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْمُعَاصِرِينَ

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ مَا وُجِدَ سَبَبُهُ فِي عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، فَفِعْلُهُ بَعْدَهُ بِدْعَةٌ. أَمَّا مَا حَدَثَ سَبَبُهُ بَعْدَهُ (كَالْمُكَبِّرَاتِ وَالْقَنَاوَاتِ)، فَفِعْلُهُ مَصْلَحَةٌ مُرْسَلَةٌ [3].

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: يَمْنَعُ دُخُولَ الْمَصْلَحَةِ فِي "الْعِبَادَاتِ" بَتَاتاً؛ فَالْمَوْلِدُ لَا يُسَمَّى مَصْلَحَةً لِأَنَّ التَّعَبُّدَ تَوْقِيفِيٌّ، وَالْمَصْلَحَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْوَسَائِلِ الْبَحْتَةِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: يُحَقِّقُ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى "حِفْظِ ضَرُورِيٍّ"، وَأَنَّهَا لَا تُقْبَلُ إِلَّا إِذَا كَانَتْ (كُلِّيَّةً) تَنْفَعُ الْأُمَّةَ جَمْعَاءَ لَا طَائِفَةً دُونَ طَائِفَةٍ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ: يَرَى أَنَّ الِانْحِرَافَ فِي فَهْمِ الْمَصْلَحَةِ أَدَّى إِلَى تَمْيِيعِ الدِّينِ، فَيُدَقِّقُ فِي ضَرُورَةِ كَوْنِ الْمَصْلَحَةِ (حَقِيقِيَّةً لَا مُتَوَهَّمَةً) وَأَنْ لَا تُعَارِضَ نَصّاً جُزْئِيّاً [4].

الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ الْمَدْخَلِيُّ: يُحَذِّرُ مِنْ فِعْلِ "الْحَرَكِيِّينَ" الَّذِينَ جَعَلُوا (التَّحَزُّبَ) وَ(الْمُظَاهَرَاتِ) مِنَ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا مِنَ الِابْتِدَاعِ لِأَنَّهُ يُصَادِمُ أُصُولَ الدِّينِ فِي السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] انْظُرْ: الْمَحْصُولُ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ لِلرَّازِيِّ (5/ 160). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ تَسْمِيَتَهَا (مُرْسَلَةً) هِيَ نِسْبَةٌ لِحَالِهَا بِالنِّسْبَةِ لِلنُّصُوصِ الْخَاصَّةِ، وَإِلَّا فَهِيَ (مُقَيَّدَةٌ) بِرُوحِ الشَّرِيعَةِ وَمَقَاصِدِهَا الْعَامَّةِ.

[2] انْظُرْ: الِاعْتِصَامُ لِلشَّاطِبِيِّ (2/ 600). وَهُوَ أَفْضَلُ مَنْ حَرَّرَ الْفَرْقَ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ الْمُرْسَلَةَ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ "مَعْقُولَةَ الْمَعْنَى"، فَإِذَا خَفِيَ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا وَصَارَتْ (تَعَبُّدِيَّةً) فَهِيَ بِدْعَةٌ لَا مَصْلَحَةٌ.

[3] انْظُرْ: شَرْحُ الْأُصُولِ مِنْ عِلْمِ الْأُصُولِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 540). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى قَاعِدَةِ "انْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَوُجُودِ الْمُقْتَضِي"؛ فَمَا كَانَ مَوْجُوداً سَبَبُهُ فَلَمْ يُفْعَلْ، فَالْمَصْلَحَةُ فِي تَرْكِهِ لَا فِي فِعْلِهِ.

[4] انْظُرْ: تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِلسَّنْدِيِّ (الدَّرْسُ الثَّامِنُ). حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ الْمُبْتَدِعَةَ يَتَّخِذُونَ "الْمَصْلَحَةَ" جِسْراً لِهَدْمِ السُّنَنِ، فَيُسَمُّونَ الِاحْتِفَالَاتِ الْمُخْتَرَعَةَ مَصَالِحَ دَعَوِيَّةً، وَهَذَا خَلَلٌ فِي التَّصَوُّرِ وَالتَّطْبِيقِ.

------------------&

تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ التَّاسِعِ (د): 

أَثَرُ ضَبْطِ مَفَاهِيمِ الْبِدْعَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الْهَجْرِ وَالْمُقَاطَعَةِ

أَوَّلاً: ضَوَابِطُ تَنْزِيلِ حُكْمِ الْهَجْرِ بَعْدَ الضَّبْطِ الْمَفَاهِيمِيِّ

التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الْمُبْتَدِعِ) وَ(الْمُجْتَهِدِ فِي الْمَصْلَحَةِ): لَا يَجُوزُ هَجْرُ مَنْ فَعَلَ أَمْراً حَادِثاً يَظُنُّهُ "مَصْلَحَةً مُرْسَلَةً" (مِمَّا يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ) كَمَا يُهْجَرُ "الْمُبْتَدِعُ" فِي الدِّينِ؛ فَالْأَوَّلُ يُنَاظَرُ وَيُبَيَّنُ لَهُ وَجْهُ الْخَطَأِ، وَالثَّانِي يُزْجَرُ لِإِحْدَاثِهِ.

رُتْبَةُ الْبِدْعَةِ وَأَثَرُهَا فِي الْهَجْرِ:

الْبِدْعَةُ الْحَقِيقِيَّةُ (الْكُلِّيَّةُ): هَجْرُ صَاحِبِهَا أَكَدُ وَأَوْجَبُ لِأَنَّهُ هَدَمَ أَصْلاً مِنَ الْأُصُولِ.

الْبِدْعَةُ الْإِضَافِيَّةُ (الْجُزْئِيَّةُ): يُتَدَرَّجُ مَعَ صَاحِبِهَا بِالنَّصِيحَةِ، فَإِنْ تَمَادَى وَأَصَرَّ وَصَارَ دَاعِيَةً لَهَا، اسْتَحَقَّ الْهَجْرَ زَجْراً لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ.

تَحْقِيقُ مَنَاطِ (الدَّاعِيَةِ) وَ(الْمُسْتَتِرِ): الَّذِي يُهْجَرُ هُوَ "الدَّاعِيَةُ" إِلَى بِدْعَتِهِ الَّذِي يَنْشُرُ الضَّلَالَ، أَمَّا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ رَأْيٌ مُخَالِفٌ وَهُوَ سَاكِتٌ مُنْزَوٍ، فَلَا يُهْجَرُ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي هَجْرِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ بِهِ [1].

ثَانِيًا: الْهَجْرُ بَيْنَ "الْمَقْصِدِ الشَّرْعِيِّ" وَ"الْمَفْسَدَةِ الْوَاقِعِيَّةِ"

الْهَجْرُ عِلَاجٌ لَا انْتِقَامٌ: إِذَا كَانَ هَجْرُ الْمُبْتَدِعِ سَيُؤَدِّي إِلَى تَوْبَتِهِ أَوْ كَفِّ شَرِّهِ عَنِ النَّاسِ، فَهُوَ سُنَّةٌ مَأْمُورٌ بِهَا.

مُرَاعَاةُ مِيزَانِ الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ:

فِي حَالِ قُوَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَظُهُورِهِمْ: يَكُونُ الْهَجْرُ قَوِيّاً نَافِعاً لِإِذْلَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَحْذِيرِ النَّاسِ مِنْهُمْ.

فِي حَالِ ضَعْفِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَكَثْرَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ: يَكُونُ الْهَجْرُ مَفْسَدَةً لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى انْقِطَاعِ الْحَقِّ وَتَسَلُّطِ الْمُبْتَدِعَةِ، فَيُسْتَعَاضُ عَنْهُ بِـ "التَّأَلُّفِ" وَ"الْبَيَانِ" [2].

الْهَجْرُ الْمُتَعَدِّي وَالْقَاصِرُ: هَجْرُ الْعَالِمِ لِلْمُبْتَدِعِ لَهُ أَثَرٌ "مُتَعَدٍّ" فِي زَجْرِ النَّاسِ، بَيْنَمَا هَجْرُ الْعَامِّيِّ قَدْ لَا يَشْعُرُ بِهِ الْمُبْتَدِعُ، فَلَا يُشْرَعُ لِلْعَامِّيِّ الْهَجْرُ إِلَّا إِذَا خَافَ عَلَى دِينِهِ مِنْ شُبْهَةِ الْمُخَالِفِ.

ثَالِثًا: لَوَازِمُ الْغَلَطِ فِي تَنْزِيلِ أَحْكَامِ الْهَجْرِ (نَتِيجَةً لِعَدَمِ الضَّبْطِ)

لَازِمُ التَّبْدِيعِ بِالْمُجَازَفَةِ: فَمَنْ لَمْ يَضْبِطْ مَعْنَى (الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ) هَجَرَ كُلَّ مَنْ سَلَكَ وَسِيلَةً حَدِيثَةً فِي الدَّعْوَةِ، فَيَقَعُ فِي هَجْرِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَهَذَا جَوْرٌ.

لَازِمُ تَمْيِيعِ الْعَقِيدَةِ: فَمَنْ غَلَا فِي بَابِ "التَّأَلُّفِ" وَتَرَكَ الْهَجْرَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَرَغْمَ ظُهُورِ الْبِدْعَةِ الْمَحْضَةِ، أَضَاعَ مَعَالِمَ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ".

لَازِمُ تَفْكِيكِ الصَّفِّ السَّلَفِيِّ: حِينَ يَتَحَوَّلُ الْهَجْرُ إِلَى سِلَاحٍ فِي مَسَائِلِ (الِاجْتِهَادِ السَّائِغِ) أَوِ (اخْتِلَافِ التَّنَوُّعِ)، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى إِضْعَافِ أَهْلِ الْحَقِّ أَمَامَ أَهْلِ الْبَاطِلِ.

رَابِعًا: صُوَرٌ تَطْبِيقِيَّةٌ لِلْهَجْرِ الصَّحِيحِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الضَّبْطِ

هَجْرُ الدَّاعِيَةِ لِلْبِدْعَةِ الْحَقِيقِيَّةِ: (كَمَنْ يَدْعُو لِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ أَوْ سَبِّ الصَّحَابَةِ)، فَهَذَا يُهْجَرُ قَوْلاً وَفِعْلاً لِيَنْقَمِعَ شَرُّهُ.

تَرْكُ هَجْرِ مَنْ أَخْطَأَ فِي بَابِ "الْوَسَائِلِ": (كَمَنْ نَظَّمَ مُسَابَقَةً شَرْعِيَّةً بِطَرِيقَةٍ حَادِثَةٍ)، فَهَذَا يُبَيَّنُ لَهُ الضَّابِطُ الشَّرْعِيُّ وَلَا يُهْجَرُ بَلْ يُعَانُ عَلَى الْخَيْرِ.

الْهَجْرُ الْجَمَاعِيُّ لِرُؤُوسِ الْفِتَنِ: إِذَا اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الْعَصْرِ عَلَى هَجْرِ شَخْصٍ لِبِدْعَتِهِ، وَجَبَ الِالْتِزَامُ بِذَلِكَ لِتَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ الْكُبْرَى [3].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (24/ 173). حَيْثُ حَرَّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ "الْمُظْهِرِ" لِلْمَعْصِيَةِ أَوِ الْبِدْعَةِ وَ"الْمُسْتَتِرِ"، وَجَعَلَ الْعُقُوبَةَ (وَمِنْهَا الْهَجْرُ) لِلْمُظْهِرِ دُونَ الْمُسْتَتِرِ الَّذِي يُكَلُ إِلَى اللَّهِ سَرِيرَتُهُ.

[2] انْظُرْ: "الِاعْتِصَامُ" لِلشَّاطِبِيِّ (1/ 174). حَيْثُ نَقَلَ عَنِ السَّلَفِ أَنَّ تَرْكَ مُكَالَمَةِ الْمُبْتَدِعِ وَسَلَامِهِ هُوَ الْأَصْلُ، مَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَفْسَدَةٌ تَرْجِعُ عَلَى الدِّينِ بِالنَّقْصِ، فَالدِّينُ مَبْنِيٌّ عَلَى (جَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ).

[3] قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْمُعَاصِرِينَ: سُئِلَ الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَجْرِ الْمُبْتَدِعِ، فَقَالَ: "إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي هَجْرِهِ هُجِرَ، وَإِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي دَعْوَتِهِ وَتَأَلُّفِهِ دُعِيَ وَتُؤُلِّفَ". وَهَذَا هُوَ "الضَّبْطُ" الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ الْغُلُوِّ أَوِ الْجَفَاءِ.

[4] قَاعِدَةٌ ذَهَبِيَّةٌ لِلطَّالِبِ: الْهَجْرُ "دَوَاءٌ"، وَالدَّوَاءُ يُقَدَّرُ بِقَدَرِهِ؛ فَمَنْ زَادَ فِيهِ قَتَلَ الْمَرِيضَ، وَمَنْ نَقَصَ فِيهِ لَمْ يَنْفَعْهُ. فَصِحَّةُ التَّنْزِيلِ تَعْتَمِدُ عَلَى صِحَّةِ "تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ" بَعْدَ ضَبْطِ الْمَفَاهِيمِ

-----------&

الْمَبْحَثُ الْعَاشِرُ: 

ضَبْطُ أَسْمَاءِ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَعْدَاءِ وَأَثَرُ التَّسْمِيَةِ فِي عَقِيدَةِ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ

الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمُصْطَلَحَاتِ

1. الْأَوْلِيَاءُ:

التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (وَلِيٍّ)، مِنَ الْجَذْرِ (وَلَيَ)، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الْقُرْبِ وَالدُّنُوِّ. يُقَالُ: وَلِيَهُ وَلْياً أَيْ قَرُبَ مِنْهُ، وَالْوَلِيُّ: النَّاصِرُ، وَالْمُحِبُّ، وَالصَّدِيقُ، وَكُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ غَيْرِهِ فَهُوَ وَلِيُّهُ [1].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُمُ (الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّبِعُونَ لِلشَّرْعِ، الَّذِينَ نَالَوا مَحَبَّةَ اللَّهِ بِطَاعَتِهِ، وَنَصَرُوا دِينَهُ، فَهُمْ أَهْلُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ رَسُولِهِ وَمِنَ الْمُؤْمِنِينَ).

2. الْأَعْدَاءُ:

التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: جَمْعُ (عَدُوٍّ)، مِنَ الْجَذْرِ (عَدَوَ)، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَاوُزِ وَالتَّبَاعُدِ. وَالْعَدَاوَةُ نَقِيضُ الصَّدَاقَةِ، وَسُمِّيَ الْعَدُوُّ عَدُوّاً لِأَنَّهُ يَعْدُو (أَيْ يَتَجَاوُزُ) حُدُودَ الْمَحَبَّةِ إِلَى الْمُضَارَّةِ وَالْمُبَاغَضَةِ [2].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُمُ (كُلُّ مَنْ جَاحَدَ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ أَوْ أُلُوهِيَّتَهُ، أَوْ كَذَّبَ رُسُلَهُ، أَوْ نَاقَضَ دِينَهُ بِالْكُفْرِ، فَاسْتَحَقَّ الْبُعْدَ وَالْمَقْتَ وَالْمُحَارَبَةَ الدِّينِيَّةَ).

3. الْعَقِيدَةُ:

التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْعَقْدِ)، وَهُوَ شَدُّ الْحَبْلِ وَالرَّبْطُ بِإِحْكَامٍ. وَالْعَقِيدَةُ: مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَجَزَمَ بِهِ الضَّمِيرُ حَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الشَّكُّ [3].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هِيَ (الْأَحْكَامُ الْعِلْمِيَّةُ الْقَطْعِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَعْتَقِدَهَا فِي رَبِّهِ وَدِينِهِ وَغَيْبِهِ، اعْتِقَاداً جَازِماً يُصَدِّقُهُ الْعَمَلُ).

4. الْوَلَاءُ:

التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: مَصْدَرُ وَلِيَ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ، وَالنُّصْرَةِ، وَالتَّعْظِيمِ، وَالْمُتَابَعَةِ، وَالْمُكَانَفَةِ [4].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ (مَحَبَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالصَّحَابَةِ وَالْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ وَنُصْرَتُهُمْ بِمَا شَرَعَ اللَّهُ).

5. الْبَرَاءُ:

التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ: مِنَ (الْبَرْءِ) وَهُوَ التَّنَزُّهُ وَالتَّبَاعُدُ عَنِ الشَّيْءِ. يُقَالُ: بَرِئْتُ مِنَ الشَّيْءِ أَيْ تَبَاعَدْتُ عَنْهُ وَتَبَرَّأْتُ مِنْ عَيْبِهِ.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ: هُوَ (بُغْضُ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالضَّلَالِ وَأَهْلِهِ، وَمُعَادَاتُهُمْ فِي اللَّهِ، وَالِانْفِصَالُ عَنْهُمْ فِي الدِّينِ وَالِاعْتِقَادِ).

الْمَطْلَبُ الثَّانِي: مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ

يَنْقَسِمُ النَّاسُ بِحَسَبِ هَذَا الضَّبْطِ إِلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ:

مَنْ يُحَبُّ وَيُوَالَى وَلَاءً مُطْلَقاً: وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْخُلَّصُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ وَالْمُتَّقِينَ.

مَنْ يُبْغَضُ وَيُعَادَى بَرَاءً مُطْلَقاً: وَهُمُ الْكُفَّارُ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْمَلَاحِدَةُ وَالْمُرْتَدُّونَ.

مَنْ يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ وَيُبْغَضُ مِنْ وَجْهٍ: وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي أَوْ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ غَيْرِ الْمُكَفِّرَةِ؛ فَيُحَبُّ لِإِيمَانِهِ، وَيُبْغَضُ لِمَعْصِيَتِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ [5].

الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ "التَّسْمِيَةِ" فِي صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ

إِنَّ ضَبْطَ "الْمُسَمَّى" هُوَ الَّذِي يُحَدِّدُ "الْحُكْمَ"؛ فَإِذَا سُمِّيَ الْعَدُوُّ (صَدِيقاً) أَوْ (آخَرَ) أَوْ (شَرِيكاً فِي الْإِنْسَانِيَّةِ) دُونَ تَقْيِيدٍ، انْحَلَّتْ عُرَى الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ.

أَثَرُ الضَّبْطِ: يَحْمِي الْمُسْلِمَ مِنَ الْمُدَاهَنَةِ، وَيَمْنَعُ خَلْطَ الْأَوْرَاقِ بَيْنَ "الْمُؤْمِنِ" وَ"الْكَافِرِ".

أَثَرُ التَّمْيِيعِ: يُؤَدِّي إِلَى ضَيَاعِ الْهُوِيَّةِ الدِّينِيَّةِ، وَمَحَبَّةِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَالتَّشَبُّهِ بِهِمْ.

الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَقْرِيرَاتُ أَئِمَّةِ الْعَصْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: أَكَّدَ أَنَّ الْوَلَاءَ وَالْبَرَاءَ هُوَ "أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ"، وَبَيَّنَ أَنَّ الْمُعَادَاةَ فِي اللَّهِ لَا تَمْنَعُ الْعَدْلَ مَعَ الْكُفَّارِ، لَكِنَّهَا تَمْنَعُ "الْمَوَدَّةَ الْقَلْبِيَّةَ" وَالتَّوَلِّي الدِّينِيَّ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: شَدَّدَ فِي "شَرْحِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ" عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ لَمْ يُحَقِّقِ الْبَرَاءَ، وَأَنَّ التَّسْمِيَاتِ الْعَصْرِيَّةَ الْمُمَيِّعَةَ لِلْفَوَارِقِ الدِّينِيَّةِ هِيَ هَدْمٌ لِأَصْلِ التَّوْحِيدِ [6].

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: حَقَّقَ أَنَّ "الْوَلَاءَ" عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يَتْبَعُهُ نُصْرَةٌ بِالْجَوَارِحِ، وَأَنَّ مَنْ صَرَفَ وَلَاءَهُ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فَقَدْ عَرَّضَ دِينَهُ لِلزَّوَالِ، مُحَذِّراً مِنَ الِانْخِدَاعِ بِشِعَارَاتِ "تَقَارُبِ الْأَدْيَانِ".

الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ: رَكَّزَ عَلَى جَانِبِ "الْبَرَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ" تَبَعاً لِلْبَرَاءِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَبَيَّنَ أَنَّ تَمْيِيعَ لَفْظِ (الْعَدُوِّ) لِيَشْمَلَ الْحِزْبِيَّةَ الْمُنْحَرِفَةَ هُوَ مِنْ صَمِيمِ حِمَايَةِ السُّنَّةِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّنْدِيُّ: حَرَّرَ مَسْأَلَةَ "الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ" تَوْصِيفاً وَتَنْزِيلاً، وَبَيَّنَ أَنَّ الِاخْتِلَالَ فِي "الْمُصْطَلَحِ" (بِتَسْمِيَةِ الْكَافِرِ غَيْرَ كَافِرٍ) يُؤَدِّي إِلَى خَلَلٍ فِي "الْعَقِيدَةِ" وَفِي "الْمُعَامَلَةِ"، مُؤَكِّداً عَلَى ضَرُورَةِ صِيَانَةِ جَنَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ لَطَخَاتِ الْفِكْرِ الْعَصْرِيِّ [7].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ التَّفْصِيلِيَّةُ:

[1] انْظُرْ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (6/ 141)، وَالْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ (2/ 672). وَفِي الْقُرْآنِ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ (الْوَلِيِّ) بِمَعْنَى النَّاصِرِ وَالْمُحِبِّ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَلَايَةَ عَهْدٌ بَيْنَ طَرَفَيْنِ عَلَى النُّصْرَةِ.

[2] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (15/ 52). وَالْعَدَاوَةُ أَصْلُهَا الْمُجَاوَزَةُ، فَالْعَدُوُّ هُوَ الَّذِي جَاوَزَ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ وَبَايَنَ الْمُؤْمِنِينَ.

[3] انْظُرْ: الْكُلِّيَّاتُ لِلْكَفَوِيِّ (ص 607). وَسُمِّيَتْ عَقِيدَةً لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَعْقِدُ عَلَيْهَا قَلْبَهُ فَلَا يَنْحَلُّ عَنْهَا أَبَداً.

[4] انْظُرْ: مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/ 192). حَيْثُ حَقَّقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ أَصْلَ الْمُوَالَاةِ هِيَ الْمَحَبَّةُ، كَمَا أَنَّ أَصْلَ الْمُعَادَاةِ هِيَ الْبُغْضُ.

[5] رَاجِعْ: "شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ" لِابْنِ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيِّ (ص 375). فَهَذَا التَّقْسِيمُ هُوَ الَّذِي ضَلَّتْ فِيهِ الْخَوَارِجُ (الَّذِينَ أَخْرَجُوا الْعَاصِيَ مِنَ الْوَلَاءِ بِالْكُلِّيَّةِ) وَالْمُرْجِئَةُ (الَّذِينَ سَوَّوْا بَيْنَ الْجَمِيعِ).

[6] انْظُرْ: "دُرُوسٌ فِي شَرْحِ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ" لِلْفَوْزَانِ (ص 155). حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ أَعْظَمَ مَا يَحْمِي الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ هُوَ التَّمَيُّزُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَحْكَامِ.

[7] انْظُرْ: "تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ" لِلسَّنْدِيِّ (الدَّرْسُ التَّاسِعُ). حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ (الْمُدَارَاةِ) وَ(الْمُدَاهَنَةِ)؛ فَالْمُدَارَاةُ مَشْرُوعَةٌ لِمَصْلَحَةِ الدَّعْوَةِ، وَالْمُدَاهَنَةُ مَمْنُوعَةٌ لِأَنَّهَا تَنَازُلٌ عَنِ الدِّينِ.

*********************

تَمْهِيدُ الْقِسْمِ الثَّانِي: 

مَنْهَجُ التَّعَامُلِ مَعَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ (الْبِدْعِيَّةِ وَالْحَادِثَةِ)

إِنَّ مَعْرِفَةَ "الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ" وَكَيْفِيَّةِ عِلَاجِهَا هِيَ مِعْيَارُ الْحِذْقِ فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ؛ إِذْ إِنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ لَمْ يَنْفُذُوا إِلَى عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مِنْ بَابِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَحْتَمِلُ حَقّاً وَبَاطِلاً. وَيُمْكِنُ تَلْخِيصُ مَعَالِمِ هَذَا التَّمْهِيدِ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:

خُطُورَةُ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي يَحْتَمِلُ أَكْثَرَ مِنْ مَعْنًى، وَيَسْتَخْدِمُهُ الْمُبْتَدِعُ لِيُوهِمَ النَّاسَ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِ، فَيَدُسُّ فِيهِ "السَّمَّ فِي الدَّسَمِ"؛ بِحَيْثُ يُقِرُّ الْحَقَّ ظَاهِراً وَيُرِيدُ الْبَاطِلَ بَاطِناً.

أَصْلُ الدَّاءِ فِي الِابْتِدَاعِ اللَّفْظِيِّ: إِنَّ أَكْثَرَ الِاخْتِلَافِ فِي الْعَقَائِدِ مَنْبَعُهُ أَلْفَاظٌ لَمْ يَرِدْ بِهَا الشَّرْعُ (نَفْياً وَلَا إِثْبَاتاً)، مِثْلُ أَلْفَاظِ: (الْجِهَة، الْحَيِّز، الْجِسْم، الْعَرَض، الْقَدِيم)؛ فَخَاضَ النَّاسُ فِيهَا بِالْعَقْلِ بَعِيداً عَنْ نُورِ الْوَحْيِ.

الْمَنْهَجُ الشَّرْعِيُّ فِي الْعِلَاجِ (الِاسْتِفْسَارُ وَالتَّفْصِيلُ):

مَقَامُ الِاسْتِفْسَارِ: إِذَا أَلْقَى الْمُتَكَلِّمُ لَفْظاً مُجْمَلاً، فَلَا نَقْبَلُهُ مُطْلَقاً وَلَا نَرُدُّهُ مُطْلَقاً، بَلْ نَقُولُ لَهُ: "مَاذَا تَقْصِدُ؟".

مَقَامُ التَّفْصِيلِ: إِذَا كَانَ قَصْدُهُ حَقّاً يُوَافِقُ الشَّرْعَ، قَبِلْنَا "الْمَعْنَى" وَطَالَبْنَاهُ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِـ "اللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ". وَإِذَا كَانَ قَصْدُهُ بَاطِلاً، رَدَدْنَا "اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى" مَعاً [1].

أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَنْهَجِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ: بِهَذَا الضَّبْطِ يَتَحَرَّرُ الطَّالِبُ مِنَ "التَّبَعِيَّةِ اللَّفْظِيَّةِ"؛ فَلَا يَخْتَدِعُ بِتَزْوِيقِ الْمُبْتَدِعَةِ، وَلَا يَرُدُّ الْحَقَّ إِذَا جَاءَ فِي قَالَبٍ غَرِيبٍ، بَلْ يَدُورُ مَعَ "الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ" حَيْثُ دَارَ.

أَثَرُ التَّسْمِيَةِ فِي مَبَاحِثِ الْأَلْفَاظِ: إِنَّ تَسْمِيَةَ الْأُمُورِ بِغَيْرِ مَسَمَّيَاتِهَا الشَّرْعِيَّةِ (تَحْرِيفُ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ) هُوَ الَّذِي فَتَحَ بَابَ "التَّأْوِيلِ الْبَاطِلِ" لِصِفَاتِ اللَّهِ، وَبَابَ "تَمْيِيعِ" حُدُودِ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ.

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

[1] انْظُرْ: تَدْرِئُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 230). حَيْثُ حَرَّرَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَبَيَّنَ أَنَّ "الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ لَا يُنْفَى مَعْنَاهَا الْحَقُّ وَلَا يُثْبَتُ مَعْنَاهَا الْبَاطِلُ". وَهَذَا هُوَ مِيزَانُ الْعَدْلِ السَّلَفِيِّ.

[2] فَائِدَةٌ مَنْهَجِيَّةٌ: يَقُولُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "إِنَّ الِاكْتِفَاءَ بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ أَسْلَمُ وَأَحْكَمُ وَأَعْلَمُ"؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُحْدَثَ مَهْمَا حَاوَلَ صَاحِبُهُ التَّدْقِيقَ فِيهِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَشُوبَهُ نَقْصٌ أَوْ يَتَطَرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَالُ سُوءٍ.

[3] تَنْبِيهٌ لِلطَّالِبِ: سَنَتَنَاوَلُ فِي الْمَبَاحِثِ الْقَادِمَةِ أَمْثِلَةً حَيَّةً لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ (كَالْقَدِيمِ، وَالْجِهَةِ، وَالْجَوْهَرِ) وَكَيْفَ كَانَ مَوْقِفُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ (كَمَنْ ذَكَرْتُهُمْ لَكَ: الْفَوْزَان، آلُ الشَّيْخ، السَّنْدِي...) مِنْ كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا بِتَفْصِيلٍ بَدِيعٍ.

---------------------------&

قاموس الصفات اللغوي والعقدي والمسلكي:

************************

المبحث الحادي عشر: ضبط أسماء الصفات الإلهية

(الوجه الأول: صفة العلو وصفة الاستواء)

أولاً: صفة العلو (الصفة الذاتية المطلقة)

​1. التدقيق اللغوي والاشتقاق:

  • ​الأصل: من (علو)، العين واللام والواو، وهو أصل صحيح يدل على السمو والارتفاع.
  • ​التصريف: علا يعلو عُلواً، فهو عليٌّ وعالٍ. والعلو في اللغة يأتي على معاني: الارتفاع المكاني، والشرف والقدر، والقهر والغلبة.
  • ​التدقيق اللغوي في "ال": دخول (أل) التعريف على (العلي) و(الأعلى) في حقه سبحانه يفيد "الاستغراق والكمال"، أي له كمال العلو من كل وجه؛ فلا يشاركه في علوه المطلق أحد.
  • ​إذا تعدت بـ(على): تفيد الاستعلاء الحقيقي.

​2. الحد الجامع المانع:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، تَقْتَضِي انْفِرَادَهُ بِالِارْتِفَاعِ الْمُطْلَقِ فَوْقَ جَمِيعِ مَخْلُوقَاتِهِ؛ عُلُوَّ ذَاتٍ بِأَنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَعُلُوَّ قَدْرٍ بِكَمَالِ صِفَاتِهِ، وَعُلُوَّ قَهْرٍ بِغَلَبَتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ).

​3. مسلك أهل البدع (الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة) والرد عليهم:

  • ​الجهمية والمعتزلة: ذهبوا إلى (نفي العلو الذاتي)، وقررت الجهمية الأولى أن الله "في كل مكان" بذاته (الحلول العام)، بينما ذهب المتأخرون منهم إلى "السلب المحض"؛ فقالوا: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.
    • ​الرد: قَوْلُكُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ وُجُودِ الرَّبِّ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ السَّلْبِيَّةَ هِيَ حَقِيقَةُ "الْعَدَمِ". كَمَا أَنَّ قَوْلَكُمْ (فِي كُلِّ مَكَانٍ) يَلْزَمُ مِنْهُ تَنْزِيهُ الْمَخْلُوقِ عَنِ الْمَقَاذِيرِ وَتَدْنِيسِ الْخَالِقِ بِهَا، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
  • ​الأشاعرة والماتريدية: أثبتوا "علو القهر" و"علو القدر" فقط، وأنكروا "علو الذات". وزعموا أن إثبات علو الذات يستلزم (التحيز) و(الجسمية) و(الجهة العدمية).
    • ​الرد: نَقُولُ لَهُمْ: الِاتِّفَاقُ فِي "الِاسْمِ" (عُلُوّ) لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُلَ فِي "الْحَقِيقَةِ". فَاللَّهُ لَهُ عُلُوٌّ يَلِيقُ بِهِ، وَالْجِهَةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا هِيَ "جِهَةُ الْعُلُوِّ" وَهِيَ أَمْرٌ عَدَمِيٌّ (أَيْ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ حَيْثُ لَا خَلْقَ)، فَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا حَصْرُ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ. وَتَفْرِيقُكُمْ بَيْنَ أَنْوَاعِ الْعُلُوِّ تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ يُنَاقِضُ صَرِيحَ الْفِطْرَةِ وَالنَّقْلِ [1].

​4. المسلك العقدي لأهل السنة (نقلاً وعقلاً):

  • ​عقلاً: العلو صفة كمال، والسفل صفة نقص. وبما أن الله له الكمال المطلق، وجب له العلو المطلق. والضرورة الفطرية تدفع العبد عند الكرب للتوجه بقلبه ويديه إلى "جهة العلو" لا اليقين ولا الشمال.
  • ​نقلاً: استوعبت الأدلة خمسة أنواع: التصريح بالفوقية، التصريح بالعلو، التصريح بنزول الأشياء منه وصعودها إليه، والتصريح بأنه في السماء.

​5. أقوال العلماء:

  • ​ابن عثيمين: "العلو من الصفات الذاتية التي لا تنفك عن الله أزلاً وأبداً. والفرق بينه وبين الاستواء أن العلو ثابت لله قبل خلق العرش وبعده، بينما الاستواء صفة فعلية تعلقت بخلق العرش. فالله لم يزل علياً، ولا نقول لم يزل مستوياً. ومن نفى علو الذات فقد أنكر أعظم صفات الربوبية وجعل الخالق والمخلوق في رتبة واحدة من حيث المكان، وهذا ضلال مبين" [2].
  • ​صالح الفوزان: "أدلة العلو بلغت حد التواتر المعنوي، فمن كذب بها فقد كذب بالقرآن والسنة. والأشاعرة حين يفرون من إثبات علو الذات يقعون في تشبيه الله بالعدمات، لأن الشيء الموجود لا بد أن يكون له مكان أو جهة تميزه، والله تميز عن خلقه بعلوه عليهم ومباينته لهم، فليس هو حالاً فيهم ولا هم حالون فيه" [3].
  • ​صالح آل الشيخ: "تحقيق مسألة العلو يستدعي فهم (المباينة)؛ أي أن الله منفصل عن خلقه. والقول بأن الله في كل مكان هو قول الحلولية، والقول بأنه لا في العالم ولا خارجه هو قول النفاة الجهمية. وأهل السنة وسط؛ يثبتون العلو الذاتي مع إحاطته بكل شيء بعلمه وقدرته، فلا يغيب عنه شيء وهو فوق عرشه" [4].
  • ​ربيع المدخلي: "العلو هو الفطرة التي جحدها أهل الكلام بآرائهم الفاسدة. ولو سألت أعجمياً لا يفقه المنطق: أين الله؟ لأشار إلى السماء. فكيف يترك هؤلاء المحققون نصوص الوحي وفطرة البشر ويتبعون جهم بن صفوان في نفي علو الرب؟ إن إثبات العلو هو حماية لجناب التوحيد من الفلسفات المادية والحلولية" [5].
  • ​صالح السندي: "ضبط لفظ العلو يقتضي الرد على شبهة (الجهة)؛ فنحن نثبت الجهة بالمعنى الصحيح وهو (العلو المطلق)، وننفيها بالمعنى الباطل وهو (الظرفية) التي تحيط بالله. فالله في جهة العلو بمعنى أنه فوق كل شيء، وليس في جهة تحيط به وتفرضه. وهذا التفصيل هو الذي يحل إشكالات المتكلمين الذين عجزوا عن فهم نصوص الصفات" [6].

ثانياً: صفة الاستواء (الصفة الفعلية الاختيارية)

​1. التدقيق اللغوي والاشتقاق:

  • ​الأصل: (سوي)، السين والواو والياء، أصل يدل على الاستقامة والتمام.
  • ​معاني "استوى" بحسب التعدية:
    1. ​بدون تعدية: تعني الكمال والتمام، كقوله: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى}.
    2. ​بـ(إلى): تعني القصد والتوجه، كقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ}.
    3. ​بـ(على): تعني العلو والارتفاع والاستقرار والصعود. وهذا هو محل البحث هنا.
    4. ​بـ(الواو) [المعية]: تعني المساواة (استوى الماءُ والخشبةَ).

​2. الحد الجامع المانع:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِنَصِّ الْقُرْآنِ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ، تَقْتَضِي عُلُوَّهُ الْخَاصَّ عَلَى عَرْشِهِ وَارْتِفَاعَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ، ارْتِفَاعاً يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا يُشْبِهُ اسْتِوَاءَ الْمَخْلُوقِ، وَلَا يَقْتَضِي حَاجَةً إِلَى الْعَرْشِ).

​3. مسلك أهل البدع (الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة) والرد عليهم:

  • ​الجهمية والمعتزلة والأشاعرة: حرفوا (استوى) إلى (استولى). وزعموا أن الاستواء الحقيقي يقتضي (الجلوس) و(المماسة) و(الجسمية).
    • ​الرد:
      1. ​لغوياً: لم يعرف العرب (استوى) بمعنى (استولى) في نص معتبر، وبيت "قد استوى بشر على العراق" بيت مصنوع لا يحتج به، ولو سلمنا به؛ فالاستيلاء لا يكون إلا بعد مغالبة، فمن الذي كان ينازع الله في ملك العرش حتى "استولى" عليه؟
      2. ​شرعياً: الله مستولٍ على الأرض والمقاذير والشياطين، فلو كان الاستواء استيلاءً؛ لصح أن يقال: (استوى على الأرض)، وهذا لا يقوله مسلم.
      3. ​عقلياً: الاستيلاء صفة قهر للمنازع، والله لا منازع له [7].

​4. المسلك العقدي لأهل السنة:

نؤمن بأن الله استوى على عرشه حقيقة، وأن الاستواء فعل اختياري قام به الرب سبحانه. ونفرق بين (العلو) الذي هو صفة ذات، و(الاستواء) الذي هو صفة فعل متعلقة بالمشيئة.

​5. أقوال العلماء:

  • ​ابن عثيمين: "الاستواء صفة فعلية، فلا يجوز أن نقول: لم يزل الله مستوياً على العرش، لأن الله قال {ثم استوى}، و(ثم) تفيد الترتيب والتعقيب. وتفسير السلف للاستواء بأربعة معاني (علا، ارتفع، صعد، استقر) هو التفسير الحق. أما زعم الأشاعرة أن (استقر) توهم التشبيه، فنقول: استقرار يليق بجلاله لا كاستقرارنا، كما أن ذاته لا كذواتنا" [8].
  • ​صالح الفوزان: "العرش هو أعظم المخلوقات، والله استوى عليه لبيان عظمته وسلطانه. والقول بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة الذي تسلل إلى الأشاعرة لتعطيل دلالة النصوص. والواجب أن نمر الآية كما جاءت مع الإيمان بمعناها اللغوي (العلو والارتفاع) وتفويض كيفيتها إلى الله، فكيفية استوائه مجهولة لنا" [9].
  • ​صالح آل الشيخ: "الاستواء فعل من أفعال الله، فالله يجيء وينزل ويستوي. وهذا يبطل قول المتكلمين الذين نفوا (الأفعال الاختيارية) زاعمين أنها (حوادث) لا تقوم إلا بحادث. ونرد عليهم بأن قيام الفعل الاختياري بالله صفة كمال، ومن لا يفعل ميت أو جماد، والله هو الحي القيوم الفعال لما يريد" [10].
  • ​ربيع المدخلي: "تحريف الاستواء إلى الاستيلاء هو عين تحريف اليهود لقوله (حطة) إلى (حنطة). وقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين على إثبات الاستواء حقيقة. ومن يزعم أن هذا تجسيم فقد اتهم النبي ﷺ وأصحابه بأنهم لم يفهموا التنزيه، وهذا من أفسد المسالك في الدين" [11].
  • ​صالح السندي: "الاستواء أخص من العلو؛ فالعلو لعامة الخلق، والاستواء خاص بالعرش. وهذا التمييز يمنع (وحدة الوجود) ويمنع (الحلول العام). والتحقيق أن الاستواء فعل حقيقي لا يجوز صرفه عن ظاهره إلا بدليل، ولا دليل هنا إلا شبهات عقلية متهالكة سموها (قواطع) وهي في الحقيقة (خوارق) لأصول الملة" [12].

الحاشية الموسعة (فائدة لطالب العلم):

​[1] فائدة في الفرق بين "العلو" و"الاستواء": العلو صفة "ذات" (لا تنفك عن الله)، والاستواء صفة "فعل" (يفعلها إذا شاء). كل مستوٍ عالٍ، وليس كل عالٍ مستوٍ (بالمعنى الخاص). انظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص 210).

​[2] تحقيق في "كلام النفس" عند الأشاعرة: يزعم الأشاعرة أن الكلام حقيقة في "المعنى القائم بالنفس"، وأن القرآن "حكاية" (عند الكلابية) أو "عبارة" (عند الأشاعرة) عن ذلك الكلام. والرد عليهم أن هذا نفي لحقيقة الكلام، فالعرب لا تسمي المصمت متكلماً، والأصم لا يسمى متكلماً في نفسه. انظر: مجموع الفتاوى (12/ 140).

​[3] المصادر المعتمدة في هذا الوجه:

  • ​مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (المجلد الأول - العقيدة).
  • ​الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد لصالح الفوزان (ص 115-130).
  • ​شرح الطحاوية (دروس صوتية ومفرغة) لصالح آل الشيخ.
  • ​المجموع الرائق للشيخ ربيع المدخلي (مبحث الصفات).
  • ​تسهيل العقيدة لصالح السندي (الدرس العاشر والحادي عشر).
  • ​لسان العرب لابن منظور (مادة: علو، سوي).

-----------------------&

تَتِمَّةُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ: التَّحْقِيقُ الْمُسْنَدُ لِلْمَسْلَكِ التَّرْبَوِيِّ وَالتَّدَبُّرِيِّ (الْعُلُوُّ وَالِاسْتِوَاءُ)

1. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (التَّزْكِيَةُ بِالصِّفَةِ):

إِنَّ الْإِيمَانَ بِالْعُلُوِّ الذَّاتِيِّ لِلَّهِ يُثْمِرُ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ "تَوْحِيدَ الْقِبْلَةِ الْقَلْبِيَّةِ"؛ فَإِذَا اسْتَقَرَّ فِي رَوْعِ الْعَبْدِ أَنَّ إِلَهَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، تَرَفَّعَتْ نَفْسُهُ عَنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ، وَانْقَطَعَ رَجَاؤُهُ عَنِ الْمَخْلُوقِينَ السُّفْلِيِّينَ. وَالِاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ يُورِثُ "طُمَأْنِينَةَ التَّدْبِيرِ"؛ فَالْعَرْشُ مَرْكَزُ الْأَمْرِ، وَاسْتِوَاءُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّ رَحْمَتَهُ هِيَ الَّتِي تُدَبِّرُ الْأَكْوَانَ، فَلَا يَخَافُ الْمُؤْمِنُ مِنْ حَيْفٍ أَوْ ظُلْمٍ [1].

2. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ (أَسْرَارُ النُّصُوصِ):

لَطِيفَةُ الِاقْتِرَانِ: تَدَبَّرْ قَوْلَهُ {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}؛ حَيْثُ خَصَّ اسْمَ (الرَّحْمَنِ) دُونَ غَيْرِهِ عِنْدَ ذِكْرِ الِاسْتِوَاءِ لِيُعْلِمَ الْخَلْقَ أَنَّ عُلُوَّهُ عَلَيْهِمْ عُلُوُّ إِحْسَانٍ وَسَعَةٍ، لَا عُلُوَّ جَبَرُوتٍ مُجَرَّدٍ.

لَطِيفَةُ الْفَوْقِيَّةِ: فِي قَوْلِهِ {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ}؛ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَوْفَ الصَّادِقَ هُوَ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنَ اسْتِشْعَارِ عَظَمَةِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى، فَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا تُرَبِّي مَهَابَةَ الْإِجْلَالِ [2].

الْوَجْهُ الثَّانِي: صِفَةُ "النُّزُولِ" وَصِفَتَا "الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ"

أَوَّلاً: صِفَةُ "النُّزُولِ" الْإِلَهِيِّ

الِاشْتِقَاقُ وَالتَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

تُشْتَقُّ مِنْ (نَزَلَ)، وَالْمَادَّةُ تَدُلُّ عَلَى انْحِطَاطٍ مِنْ عُلُوٍّ. وَفِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ "فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ" قَائِمٌ بِالذَّاتِ، يُفِيدُ قُرْبَهُ سُبْحَانَهُ مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ (ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ) كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ [3].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ، ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، تَقْتَضِي نُزُولَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ بِذَاتِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، نُزُولاً حَقِيقِيّاً لَا يُكَيَّفُ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ لَوَازِمُ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْخُلُوِّ أَوِ الِافْتِقَارِ).

مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ (الْجَهْمِيَّةُ، الْمُعْتَزِلَةُ، الْأَشَاعِرَةُ):

الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: سَلَكُوا مَسْلَكَ "التَّأْوِيلِ"؛ فَقَالُوا: يَنْزِلُ مَلَكٌ، أَوْ تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ.

الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا تَلَاعُبٌ؛ فَالْمَلَكُ لَا يَقُولُ "مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ"، وَالرَّحْمَةُ تَنْزِلُ فِي كُلِّ وَقْتٍ. وَقَوْلُكُمْ يَلْزَمُ مِنْهُ تَعْطِيلُ مَقْصُودِ الْحَدِيثِ وَهُوَ حَثُّ الْعِبَادِ عَلَى التَّعَرُّضِ لِنَفَحَاتِ "الذَّاتِ" الْإِلَهِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ [4].

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ:

إِثْبَاتُ النُّزُولِ حَقِيقَةً كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهُ لَا يُمَاثِلُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِ. وَنَرُدُّ عَلَى شُبْهَةِ "الْحَرَكَةِ" بِأَنَّهَا اصْطِلَاحٌ لَمْ يَرِدْ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهَا الْفِعْلَ نُثْبِتُهُ، وَإِنْ أَرَدْتُمْ لَوَازِمَ النَّقْصِ نَنْفِيهَا.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

يُورِثُ الْإِيمَانُ بِالنُّزُولِ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ "شَوْقاً" لِمُنَاجَاةِ الْخَالِقِ؛ فَالْمَحْبُوبُ يَقْتَرِبُ مِنْ مُحِبِّيهِ، فَيَنْهَضُ الْعَبْدُ مِنْ فِرَاشِهِ حَيَاءً مِنَ الرَّبِّ النَّازِلِ لِيَعْطِيَ السَّائِلِينَ.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

تَأَمَّلْ تَقْيِيدَ النُّزُولِ بِـ "السَّمَاءِ الدُّنْيَا"؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ دُنُوَّ الرَّبِّ مَعَ بَقَاءِ عُلُوِّهِ، فَيَجْتَمِعُ فِي قَلْبِ الْمُصَلِّي هَيْبَةُ الْجَلَالِ (الْعُلُوُّ) مَعَ أُنْسِ الْجَمَالِ (النُّزُولُ وَالْقُرْبُ) [5].

أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نُثْبِتُ النُّزُولَ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وَلَا نَقُولُ يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ أَوْ لَا يَخْلُو، بَلْ نَسْكُتُ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ النَّصُّ، مَعَ الْإِيمَانِ بِكَمَالِ فِعْلِهِ" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "تَأْوِيلُ النُّزُولِ بِالْمَلَكِ بَاطِلٌ عَقْلاً وَنَقْلاً؛ لِأَنَّ الْمَلَكَ عَبْدٌ لَا يَمْلِكُ الثَّوَابَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ مَا تَقَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ" [7].

آلُ الشَّيْخِ: "صِفَةُ النُّزُولِ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ، وَالْعَقْلُ لَا يَمْنَعُ قِيَامَ الْأَفْعَالِ بِالرَّبِّ، بَلِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَعَّالَ أَكْمَلُ مِنَ الَّذِي لَا يَفْعَلُ" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مَنْ نَفَى النُّزُولَ فَقَدْ نَفَى صِفَةً ثَبَتَتْ عَنْ عِشْرِينَ صَحَابِيّاً، وَهَذَا سَبِيلُ أَهْلِ الِاهْوَاءِ الَّذِينَ يُقَدِّمُونَ عُقُولَهُمْ عَلَى وَحْيِ اللَّهِ" [9].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "ضَبْطُ مَسْأَلَةِ النُّزُولِ يَقُومُ عَلَى نَفْيِ (الْمُمَاثَلَةِ)؛ فَنُزُولُ اللَّهِ لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَمْكِنَةُ، وَلَا يَخْضَعُ لِقَوَانِينِ الْمَادَّةِ الَّتِي خَلَقَهَا سُبْحَانَهُ" [10].

ثَانِيًا: صِفَتَا "الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ"

الِاشْتِقَاقُ وَالتَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

الْمَجِيءُ: مِنَ (الْجَيْءِ)، وَهُوَ الْوُصُولُ بِنَفْسِهِ.

الْإِتْيَانُ: مِنَ (الْأَتْيِ)، وَهُوَ الْحُضُورُ بِسُهُولَةٍ. وَكِلَاهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى فِعْلٍ حَقِيقِيٍّ لِلْمَوْصُوفِ [11].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هُمَا: (صِفَتَانِ فِعْلِيَّتَانِ خَبَرِيَّتَانِ، تَقْتَضِيَانِ مَجِيءَ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَإِتْيَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْعِبَادِ، مَجِيئاً يَلِيقُ بِهِ، لَا يُشْبِهُ مَجِيءَ الْمَخْلُوقِينَ).

مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ (الْمُعَطِّلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ):

قَالُوا: "جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ"، أَوْ "جَاءَ ثَوَابُهُ".

الرَّدُّ عَلَيْهِمْ: هَذَا صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا دَلِيلٍ. وَاللَّهُ فَرَّقَ فِي كِتَابِهِ بَيْنَ مَجِيئِهِ وَمَجِيءِ أَمْرِهِ، فَحَمْلُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ إِبْطَالٌ لِلْبَيَانِ الْقُرْآنِيِّ. كَمَا أَنَّ سِيَاقَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ سِيَاقُ تَرْهِيبٍ، وَمَجِيءُ الْخَالِقِ فِيهِ أَعْظَمُ هَوْلاً مِنْ مَجِيءِ أَمْرِهِ [12].

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ:

إِثْبَاتُ الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ فِعْلاً لِلَّهِ بِذَاتِهِ. وَنَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي "الِانْتِقَالَ" الْمُشَابِهَ لِلْمَخْلُوقِ بِأَنَّنَا نُثْبِتُ الصِّفَةَ وَنَنْفِي كَيْفِيَّةَ الْبَشَرِ.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

يُورِثُ الِاسْتِعْدَادَ لِلِقَاءِ الْجَبَّارِ؛ فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ "سَيَأْتِي" لِيُحَاسِبَكَ، لَمْ تَهْنَأْ بِمَعْصِيَةٍ، وَعَظُمَ فِي قَلْبِكَ مَشْهَدُ الْحِسَابِ.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

تَأَمَّلْ قَوْلَهُ {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}؛ حَيْثُ جَعَلَ الْمَجِيءَ لَهُ وَلِلْمَلَائِكَةِ، فَلَوْ كَانَ مَجِيئُهُ هُوَ مَجِيءُ مَلَائِكَتِهِ لَكَانَ الْكَلَامُ تَكْرَاراً لَا فَائِدَةَ مِنْهُ [13].

أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "مَجِيءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَجِيءٌ حَقِيقِيٌّ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مَجِيءُ الْأَمْرِ قَوْلٌ بَاطِلٌ يَرُدُّهُ سِيَاقُ الآيَاتِ الَّتِي خَصَّتِ اللَّهَ بِالْمَجِيءِ" [14].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الَّتِي يُنْكِرُهَا الْمُعَطِّلَةُ بِنَاءً عَلَى قَوَاعِدَ مَنْطِقِيَّةٍ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَهَا تَعْظِيماً لِلْقُرْآنِ" [15].

آلُ الشَّيْخِ: "الْإِتْيَانُ الْمُضَافُ لِلَّهِ يُفَسَّرُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ بِمَجِيءِ الذَّوَاتِ الْمَخْلُوقَةِ" [16].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إِثْبَاتُ الْمَجِيءِ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ قَاطِبَةً، وَفِيهِ إِثْبَاتُ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَفِعْلِهِ" [17].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "التَّفْرِيقُ بَيْنَ (أَتَى) وَ(جَاءَ) لَا يَنْفِي أَنَّ كِلَيْهِمَا صِفَةُ فِعْلٍ تَقُومُ بِالرَّبِّ حَقِيقَةً لَا مَجَازاً" [18].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ الْمُسْنَدَةُ (مَرْجِعُ طَالِبِ الْعِلْمِ):

[1] انْظُرْ: طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ لِابْنِ الْقَيِّمِ (ص 150) فِي بَيَانِ أَثَرِ عُلُوِّ الرَّبِّ عَلَى سُلُوكِ الْعَابِدِ.

[2] رَاجِعْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ (1/ 450) فِي تَدَبُّرِ لَطَائِفِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ.

[3] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (11/ 657)، وَمَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/ 417).

[4] رَاجِعْ: شَرْحُ حَدِيثِ النُّزُولِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ص 102).

[5] انْظُرْ: الْفَوائِدُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (ص 60) فِي رَبْطِ الصِّفَاتِ بِالْمَقَامَاتِ الْقَلْبِيَّةِ.

[6] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 432).

[7] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (2/ 54).

[8] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الرَّابِعُ).

[9] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِرَبِيعٍ الْمَدْخَلِيُّ (1/ 310).

[10] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِلسَّنْدِيُّ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ).

[11] انْظُرْ: الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 61)، وَالْفُرُوقُ اللُّغَوِيَّةُ (ص 74).

[12] رَاجِعْ: تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ قَوْلِهِ {وَجَاءَ رَبُّكَ}.

[13] انْظُرْ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ (3/ 1150).

[14] مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 158).

[15] التَّعْلِيقُ الْمُخْتَصَرُ عَلَى النُّونِيَّةِ (2/ 610).

[16] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الْمَجِيءِ).

[17] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِرَبِيعٍ (ص 45).

[18] تَقْرِيرَاتٌ فِي الصِّفَاتِ لِلسَّنْدِيُّ (ص 88).

--------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهُ الثَّالِثُ: صِفَتَا الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ)

أَوَّلاً: صِفَةُ "الْوَجْهِ" لِلَّهِ تَعَالَى

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

الأصل: مِنَ (الْوَجْهِ)، وَأَصْلُهُ (وَجَهَ)، وَهُوَ مَا اسْتَقْبَلَكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ. وَالْوَجْهُ فِي اللُّغَةِ يُطْلَقُ عَلَى ذَاتِ الشَّيْءِ، وَعَلَى الْجُزْءِ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْجَسَدِ لِلْمَخْلُوقِ.

التَّدْقِيقُ: إِذَا أُضِيفَ الْوَجْهُ لِلَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ بَهِيَّةٌ، وَلَا يُرَادُ بِهِ "الذَّاتُ" مُجَرَّدَةً كَمَا زَعَمَ الْمُعَطِّلَةُ، بَلْ هُوَ وَجْهٌ مَوْصُوفٌ بِالْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [1].

2. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، تَقْتَضِي ثُبُوتَ وَجْهٍ حَقِيقِيٍّ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، هُوَ مَنْبَعُ النُّورِ وَالْجَمَالِ، لَا يُشْبِهُ وُجُوهَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَيْسَ هُوَ الذَّاتَ نَفْسَهَا، بَلْ صِفَةٌ لَهَا).

3. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ (الْمُعْتَزِلَةُ، الْأَشَاعِرَةُ):

الْمَسْلَكُ: قَالُوا: الْوَجْهُ يُرَادُ بِهِ (الذَّاتُ) أَوْ (الثَّوَابُ) أَوْ (الْقِبْلَةُ) فِي قَوْلِهِ {فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}.

الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:

نَقْضُ قَوْلِهِمْ "الذَّات": الْوَجْهُ أُضِيفَ إِلَى الذَّاتِ فِي قَوْلِهِ {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}، وَالْمُضَافُ غَيْرُ الْمُضَافِ إِلَيْهِ لُغَةً. كَمَا وُصِفَ الْوَجْهُ بِـ "الْجَلَالِ" وَهِيَ صِفَةٌ لِلْوَجْهِ لَا لِلرَّبِّ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ (بِالرَّفْعِ: ذُو الْجَلَالِ).

نَقْضُ قَوْلِهِمْ "الثَّوَاب": الثَّوَابُ مَخْلُوقٌ، وَالْوَجْهُ مَوْصُوفٌ بِالْبَقَاءِ عِنْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، فَلَا يَكُونُ الْخَالِقُ (الْوَجْهُ) هُوَ الْمَخْلُوقَ (الثَّوَابَ) [2].

4. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ (نَقْلاً وَعَقْلاً):

نَقْلاً: قَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}، وَحَدِيثُ "حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ".

عَقْلاً: كُلُّ مَوْجُودٍ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ "مُوَاجَهَةٌ"، وَنَفْيُ الْوَجْهِ عَنِ اللَّهِ تَمْثِيلٌ لَهُ بِالْمَعْدُومَاتِ أَوْ بِالْجَمَادَاتِ النَّاقِصَةِ.

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

يُورِثُ الْإِيمَانُ بِالْوَجْهِ "عِظَمَ الرَّغْبَةِ" فِي أَعْلَى نَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَهُوَ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ. فَيَكُونُ الْعَبْدُ مُخْلِصاً (يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ) لَا يُرِيدُ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً مِنَ الْبَشَرِ.

6. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

تَأَمَّلْ قَوْلَهُ {ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} صِفَةً لِلْوَجْهِ؛ فَالْجَلَالُ لِلْهَيْبَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَالْإِكْرَامُ لِلْمَحَبَّةِ وَالتَّلَطُّفِ، فَيَجْتَمِعُ فِي قَلْبِكَ لِلَّهِ "الْحُبُّ وَالتَّعْظِيمُ" [3].

7. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْوَجْهُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الذَّاتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَعَاذَ بِهِ فَقَالَ: (أَعُوذُ بِوَجْهِكَ)، وَالِاسْتِعَاذَةُ تَكُونُ بِالصِّفَةِ كَمَا تَكُونُ بِالذَّاتِ، وَتَحْرِيفُهُ إِلَى الثَّوَابِ بَاطِلٌ لَا يَقْبَلُهُ السِّياقُ" [4].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "نُثْبِتُ لِلَّهِ وَجْهاً مَوْصُوفاً بِالسُّبُحَاتِ وَالنُّورِ، وَمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَنْكَرَ مَقْصُودَ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا يَعْمَلُونَ رَغْبَةً فِي رُؤْيَةِ هَذَا الْوَجْهِ الْكَرِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" [5].

آلُ الشَّيْخِ: "الْقَوْلُ فِي صِفَةِ الْوَجْهِ كَالْقَوْلِ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ؛ إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ. وَالْوَجْهُ عِنْدَ السَّلَفِ مَعْلُومُ الْمَعْنَى مَجْهُولُ الْكَيْفِ" [6].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الْأَشَاعِرَةُ يُحَرِّفُونَ الْوَجْهَ خَوْفاً مِنَ التَّجْسِيمِ، وَهُمْ يَقَعُونَ فِيمَا هُوَ شَرٌّ مِنْهُ وَهُوَ اتِّهَامُ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ جَاءَ بِمَا يُوهِمُ الضَّلَالَ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَنْطِقُونَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْوَحْيُ" [7].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "ضَبْطُ مَعْنَى الْوَجْهِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ (الْتَّبْعِيضِ)؛ فَنَحْنُ لَا نَقُولُ هُوَ جُزْءٌ أَوْ عُضْوٌ، لِأَنَّ هَذِهِ أَلْفَاظٌ مُبْتَدَعَةٌ، بَلْ هُوَ صِفَةُ ذَاتٍ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ" [8].

ثَانِيًا: صِفَةُ "الْيَدَيْنِ" لِلَّهِ تَعَالَى

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

الأصل: مِنَ (الْيَدِ)، وَيُجْمَعُ عَلَى أَيْدٍ وَأَيَادٍ. وَفِي اللُّغَةِ تُطْلَقُ عَلَى الْجَارِحَةِ (لِلْمَخْلُوقِ)، وَعَلَى النِّعْمَةِ، وَعَلَى الْقُوَّةِ.

التَّدْقِيقُ: لَمَّا أُضِيفَتْ لِلَّهِ (مُثَنَّاةً) فِي قَوْلِهِ {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، انْقَطَعَ احْتِمَالُ الْقُوَّةِ وَالنِّعْمَةِ؛ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى وَقُوَّتُهُ وَاحِدَةٌ، فَتَعَيَّنَ ثُبُوتُ الصِّفَةِ الذَّاتِيَّةِ [9].

2. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا يَدَيْنِ اثْنَتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، مَوْصُوفَتَيْنِ بِالْأَصَابِعِ، وَالْقَبْضِ، وَالْبَسْطِ، وَالْيَمِينِ، لَا تُمَاثِلُ أَيْدِيَ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا تُؤَوَّلُ بِنِعْمَةٍ أَوْ قُدْرَةٍ).

3. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ (الْجَهْمِيَّةُ، الْمُعْتَزِلَةُ، الْأَشَاعِرَةُ):

الْمَسْلَكُ: قَالُوا: الْيَدُ هِيَ (الْقُدْرَةُ) أَوْ (النِّعْمَةُ).

الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:

لُغَوِيّاً: لَا يُقَالُ لِمَنْ خَلَقَ شَيْئاً بِقُدْرَتِهِ: "خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ" (بِالتَّثْنِيَةِ).

سِيَاقِيّاً: لَوْ كَانَتِ الْيَدُ هِيَ الْقُدْرَةَ، لَمَا كَانَ لِآدَمَ فَضْلٌ عَلَى إِبْلِيسَ، فَإِبْلِيسُ أَيْضاً خُلِقَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ. وَلَكِنَّ اللَّهَ خَصَّ آدَمَ بِخَلْقِهِ بِيَدِهِ تَشْرِيفاً.

النَّقْضُ بِاللَّوَازِمِ: جَاءَ فِي النُّصُوصِ ذِكْرُ (الْأَصَابِعِ) وَ(الْكَفِّ) وَ(الْقَبْضِ)، وَالْقُدْرَةُ لَا تُوصَفُ بِالْأَصَابِعِ وَالْقَبْضِ [10].

4. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ:

إِثْبَاتُ الْيَدَيْنِ يَمِيناً وَكِلْتَاهُمَا يَمِينٌ، لَا نَقْصَ فِيهِمَا، مَعَ الْإِيمَانِ أَنَّ السَّمَوَاتِ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ التَّجْسِيمَ بِأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ يَدَيْنِ لَا يُشْبِهَانِ الْأَيْدِي فَقَدْ نَزَّهَ وَصَدَّقَ.

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

يُورِثُ "طُمَأْنِينَةَ الرِّزْقِ"؛ لِأَنَّ يَدَ اللَّهِ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ. كَمَا يُورِثُ "عِظَمَ التَّوَكُّلِ"؛ فَالْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ.

6. الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

تَأَمَّلْ خَلْقَ آدَمَ بِيَدِهِ، وَغَرْسَ جَنَّةِ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وَكِتَابَةَ التَّوْرَاةِ بِيَدِهِ؛ تَجِدْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ خَصَّهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَهُوَ شَرِيفٌ عِنْدَهُ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَتَعَلُّقِهَا بِالِاصْطِفَاءِ [11].

7. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "أَهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: لِلَّهِ يَدَانِ حَقِيقِيَّتَانِ لَا تُشْبِهَانِ الْأَيْدِيَ، وَتَأْوِيلُهُمَا بِالْقُوَّةِ تَعْطِيلٌ لِظَاهِرِ النَّصِّ، وَاللَّهُ قَالَ لِإِبْلِيسَ: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، فَلَوْ كَانَتِ الْقُوَّةَ لَقَالَ إِبْلِيسُ: وَأَنَا خَلَقْتَنِي بِقُوَّتِكَ" [12].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْيَدَيْنِ مِنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ كَمَا جَاءَتْ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ ذَاتِهِ سُبْحَانَهُ، وَمَنْ نَفَاهَا فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ أَنْقَصَ مِنَ الْمَخْلُوقِ" [13].

آلُ الشَّيْخِ: "نُثْبِتُ الْيَمِينَ وَالْأُصْبُعَ وَالْقَبْضَ لِأَنَّهَا وَرَدَتْ فِي الصِّحَاحِ، وَنَمُرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ اعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ الْمُطْلَقِ عَنِ الْمُمَاثَلَةِ" [14].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَ الْيَدَيْنِ تَجْسِيمٌ، فَقَدْ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالتَّجْسِيمِ لِأَنَّهُ هُوَ مَنْ حَدَّثَنَا عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجُرْأَةِ عَلَى مَقَامِ النُّبُوَّةِ" [15].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "الْقَاعِدَةُ فِي صِفَةِ الْيَدَيْنِ هِيَ: الْإِثْبَاتُ لِلْمَعْنَى وَالتَّفْوِيضُ لِلْكَيْفِ، وَالْيَدَانِ صِفَةُ كَمَالٍ بِلَا رَيْبٍ، وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُهَا بَلْ يُصَدِّقُ بِهَا" [16].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ الْمُسْنَدَةُ (مَرْجِعُ طَالِبِ الْعِلْمِ):

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (13/ 555)، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (6/ 88).

[2] رَاجِعْ: الْمُخْتَصَرُ فِي اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْأَلَكَائِيِّ، وَالصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ (4/ 1450) فِي إِبْطَالِ تَأْوِيلِ الْوَجْهِ بِالثَّوَابِ.

[3] انْظُرْ: طَرِيقُ الْهِجْرَتَيْنِ لِابْنِ الْقَيِّمِ (ص 210) فِي تَدَبُّرِ أَسْمَاءِ الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ.

[4] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 254).

[5] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 115).

[6] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ السَّادِسُ).

[7] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِرَبِيعٍ الْمَدْخَلِيُّ (2/ 405).

[8] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِالسَّنْدِيِّ (ص 142).

[9] انْظُرْ: تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ (10/ 450) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}.

[10] رَاجِعْ: الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَكِتَابُ التَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ (1/ 118).

[11] تَلْبِيسُ الْإِبْلِيسِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ (ص 88) فِي تَنْزِيهِ السَّلَفِ لِلْيَدِ عَنِ الْجَارِحَةِ.

[12] مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنُ عُثَيْمِينَ (1/ 170).

[13] الْمُنْتَقَى مِنْ فَتَاوَى الْفَوْزَانِ (1/ 32).

[14] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ).

[15] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِرَبِيعٍ (ص 60).

[16] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ لِلسَّنْدِيِّ (ص 95).

------------------------------؛&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهُ الرَّابِعُ: صِفَتَا الْعَيْنَيْنِ وَالسَّاقِ)

أَوَّلاً: صِفَةُ "الْعَيْنَيْنِ" لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُوَسَّعُ:

تُشْتَقُّ صِفَةُ الْعَيْنِ مِنَ الْمَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ع، ي، ن)، وَهِيَ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى عُضْوِ الْإِبْصَارِ حَقِيقَةً، وَمِنْهُ اشْتُقَّتِ الْمُعَايَنَةُ أَيِ النَّظَرُ بِالْبَصَرِ. وَقَدْ حَاوَلَ أَهْلُ التَّعْطِيلِ صَرْفَهَا إِلَى "الْعَيْنِ" بِمَعْنَى "الذَّاتِ" أَوْ "الْجَاسُوسِ" أَوْ "مَنْبَعِ الْمَاءِ"، لَكِنَّ سِيَاقَ إِضَافَتِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي النُّصُوصِ يَأْبَى ذَلِكَ؛ فَاللَّهُ يُخْبِرُ أَنَّهُ يَرَى، وَالرُّؤْيَةُ صِفَةُ كَمَالٍ تَقْتَضِي أَدَاةً (فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ) وَصِفَةً ذَاتِيَّةً (فِي حَقِّ الْخَالِقِ) لَا نُكَيِّفُهَا وَلَا نُمَثِّلُهَا بِأَعْيُنِ الْمَخْلُوقِينَ الَّتِي تَعْتَرِيهَا الْآفَاتُ [1].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (مَعَ بَيَانِ الْمَوْضِعِ):

الِاسْتِشْهَادُ بِالْإِفْرَادِ: قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي خِطَابِهِ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [سُورَةُ طه: الآية 39].

الِاسْتِشْهَادُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ لِلتَّعْظِيمِ: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصَّةِ نُوحٍ: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: الآية 14].

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [سُورَةُ الطُّورِ: الآية 48].

3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً):

جَاءَ التَّصْرِيحُ بِصِيغَةِ (التَّثْنِيَةِ) فِي السُّنَّةِ لِيَقْطَعَ دَابِرَ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَيْنَ بِمَعْنَى الرِّعَايَةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ الْمَشْهُورِ:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ-» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي}، رَقْمُ 7407، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، رَقْمُ 2933].

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الْأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، رَقْمُ 7131].

4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا عَيْنَيْنِ اثْنَتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ بِمَا يَلِيقُ بِجَمَالِهِ وَكَمَالِهِ، يَرَى بِهِمَا وَيُبْصِرُ مَا تَحْتَ الثَّرَى وَمَا فِي أَعْلَى السَّمَوَاتِ، لَا تُمَاثِلَانِ أَعْيُنَ الْمَخْلُوقِينَ فِي صِفَاتِهَا الْحِسِّيَّةِ، وَلَا يُرَادُ بِهِمَا مُجَرَّدُ الْعِلْمِ أَوِ الرِّعَايَةِ، بَلِ الرِّعَايَةُ أَثَرٌ لَهُمَا).

5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

شُبْهَةُ التَّأْوِيلِ: زَعَمَ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ إِثْبَاتَ الْعَيْنِ يَسْتَلْزِمُ "التَّبْعِيضَ" وَ"الْجَارِحَةَ"، فَأَوَّلُوهَا بِالْعِلْمِ وَالْحِفْظِ.

الرَّدُّ الْقَاطِعُ: نَقُولُ لَهُمْ: لَوْ كَانَتِ الْعَيْنُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ، لَمَا كَانَ لِنَفْيِ الْعَوَرِ مَعْنًى؛ إِذِ الْعِلْمُ لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ "أَعْوَرُ" أَوْ "بَصِيرٌ" بِهَذَا الْمَعْنَى الْحِسِّيِّ. كَمَا أَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بَيْنَ صِفَةِ الْعِلْمِ وَصِفَةِ الْبَصَرِ وَالْعَيْنِ، فَصَرْفُ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ بِلَا قَرِينَةٍ هُوَ تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ [2].

6. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ:

يَقُومُ عَلَى "الْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ وَالتَّنْزِيهِ الْمُجْمَلِ"؛ فَنُثْبِتُ لَهُ عَيْنَيْنِ كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ نَفْيِ الْعَوَرِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الْجَمْعَ فِي الْقُرْآنِ (أَعْيُنِنَا) هُوَ جَمْعُ تَعْظِيمٍ يُنَاسِبُ عَظَمَةَ الذَّاتِ، وَلَا يَعْنِي كَثْرَةَ الْأَعْيُنِ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ، بَلِ السُّنَّةُ هِيَ الَّتِي بَيَّنَتِ الْعَدَدَ وَهُوَ اثْنَتَانِ.

7. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: يُورِثُ الْعَبْدَ "مَقَامَ الْمُرَاقَبَةِ"؛ فَيَعْلَمُ أَنَّ حَرَكَاتِ قَلْبِهِ وَسَكَنَاتِ جَوَارِحِهِ مَنْظُورٌ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْجَبَّارِ، فَيَسْتَحِي أَنْ يَرَاهُ اللَّهُ عَلَى مَعْصِيَةٍ.

تَدَبُّرِيّاً: تَدَبَّرْ كَيْفَ قَرَنَ اللَّهُ الْعَيْنَ بِالرَّحْمَةِ فِي قِصَّةِ نُوحٍ {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ عَيْنَ اللَّهِ لَيْسَتْ عَيْنَ رَقِيبٍ مُحَاسِبٍ فَقَس، بَلْ هِيَ عَيْنُ حَفِيظٍ رَحِيمٍ يَرْعَى أَوْلِيَاءَهُ فِي وَسَطِ الْبَلَاءِ.

8. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى عَيْنَيْنِ اثْنَتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ تَلِيقَانِ بِهِ، وَالدَّلِيلُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَنَ ذِكْرَهَا بِذِكْرِ الدَّجَّالِ، وَقَالَ (إِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)، وَالْعَوَرُ فَقْدُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ، فَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى إِثْبَاتِ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَا نَزَّهَهُ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ، وَهَذَا مِنْ أَدَقِّ مَسَائِلِ الْإِثْبَاتِ" [3].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْعَيْنِ صِفَةُ ذَاتٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالَّذِينَ يُحَرِّفُونَهَا إِلَى الْعِلْمِ أَوِ الْحِفْظِ إِنَّمَا يَقِيسُونَ اللَّهَ عَلَى خَلْقِهِ، فَلَمَّا تَصَوَّرُوا أَنَّ الْعَيْنَ لَا تَكُونُ إِلَّا جَارِحَةً نَفَوْهَا، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوهَا كَمَا يَلِيقُ بِاللَّهِ لَسَلِمُوا مِنْ هَذَا التَّعْطِيلِ الْمَشِينِ الَّذِي يُجَرِّدُ الرَّبَّ مِنْ كَمَالِهِ" [4].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْعَيْنَانِ لِلَّهِ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ، وَجَاءَ التَّعْبِيرُ عَنْهُمَا بِالْجَمْعِ {بِأَعْيُنِنَا} لِمُنَاسَبَةِ ضَمِيرِ الْعَظَمَةِ (نَا)، فَكَمَا أَنَّ الذَّاتَ وَاحِدَةٌ وَعُبِّرَ عَنْهَا بـ (إِنَّا)، فَكَذَلِكَ الصِّفَةُ. وَالسُّنَّةُ قَاضِيَةٌ عَلَى الْقُرْآنِ وَمُبَيِّنَةٌ لَهُ، وَقَدْ نَصَّتِ السُّنَّةُ عَلَى التَّثْنِيَةِ نَصّاً لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فِي مَقَامِ الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الرَّبِّ وَالدَّجَّالِ" [5].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إِنَّ جَحْدَ الْعَيْنَيْنِ لِلَّهِ هُوَ سَبِيلُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُتَأَثِّرِينَ بِهِمْ، وَالْمُؤْمِنُ يَجِدُ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ طُمَأْنِينَةً؛ لِأَنَّهُ يَعْبُدُ رَبّاً حَيّاً قَيُّوماً يَرَى وَيُبْصِرُ، وَلَيْسَ عَدَماً لَا صِفَةَ لَهُ. وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ فِي هَذَا الْبَابِ يَكُونُ بِتَقْرِيرِ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الْبَشَرِ الضَّيِّقَةِ" [6].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "الْقَاعِدَةُ فِي صِفَةِ الْعَيْنَيْنِ أَنَّنَا نُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ النَّصُّ، وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَةَ بِالْعَيْنِ أَكْمَلُ مِنَ الرُّؤْيَةِ بِدُونِهَا فِي حَقِّ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ، فَاللَّهُ أَكْمَلُ الْكَامِلِينَ، فَنُثْبِتُ لَهُ كَمَالَ الْعَيْنَيْنِ مَعَ نَفْيِ آفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْحَدَقَةِ وَالْأَجْفَانِ وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ" [7].

ثَانِيًا: صِفَةُ "السَّاقِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

السَّاقُ فِي اللُّغَةِ تَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ (سَاقَتِ الْحَرْبُ) أَيْ عَظُمَتْ، وَتُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ الْمَعْرُوفِ. وَفِي مَقَامِ الصِّفَاتِ، هِيَ صِفَةُ ذَاتٍ خَبَرِيَّةٍ ثَبَتَتْ بِإِضَافَةِ النَّبِيِّ ﷺ لَهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى [8].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ:

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ} [سُورَةُ الْقَلَمِ: الآية 42].

مُلَاحَظَةٌ بَحْثِيَّةٌ: السَّاقُ فِي هَذِهِ الآيَةِ جَاءَتْ (مُنَكَّرَةً)، وَلِذَلِكَ فَسَّرَهَا بَعْضُ السَّلَفِ بِالشِّدَّةِ، لَكِنَّ السِّياقَ مَعَ السُّنَّةِ يُثْبِتُ أَنَّ الشِّدَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَجِيءِ الرَّبِّ وَكَشْفِهِ عَنْ صِفَتِهِ.

3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً):

هِيَ الْمُفَسِّرَةُ وَالْمُقَرِّرَةُ لِحَقِيقَةِ الصِّفَةِ:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «يَكْشِفُ رَبُّنَا عَنْ سَاقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقاً وَاحِداً» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابُ قَوْلِهِ {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ}، رَقْمُ 4919، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ، بَابُ مَعْرِفَةِ طَرِيقِ الرُّؤْيَةِ، رَقْمُ 183].

4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، ثَابِتَةٌ بِالْخَبَرِ الصَّحِيحِ الْمُفَسِّرِ لِلْقُرْآنِ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا سَاقاً حَقِيقِيَّةً لَا نُكَيِّفُهَا، يَكْشِفُ عَنْهَا يَوْمَ الزِّحَامِ لِيَعْرِفَهُ عِبَادُهُ الْمُؤْمِنُونَ، فَتَكُونَ مَنَاطاً لِلسُّجُودِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِخْلَاصِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ).

5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا "السَّاق" هِيَ شِدَّةُ الْأَمْرِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشَّاعِرِ (شَالَتْ سَاقُ الْحَرْبِ).

الرَّدُّ: هَذَا صَحِيحٌ لُغَةً، لَكِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَمَامَ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ قَالَ (عَنْ سَاقِهِ) بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ سُبْحَانَهُ، وَالشِّدَّةُ لَا تُضَافُ هَكَذَا. ثُمَّ إِنَّ السُّجُودَ عِبَادَةٌ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ، فَلَوْ كَانَ الْكَشْفُ عَنِ "الشِّدَّةِ" لَمَا كَانَ لِلسُّجُودِ مَحَلٌّ، بَلْ هُوَ السُّجُودُ لِلْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الظَّاهِرَةِ [9].

6. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: تَرْبِيَةُ النَّفْسِ عَلَى "الْإِخْلَاصِ" فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ السَّاقِ هِيَ الْفَاضِحَةُ لِلْمُنَافِقِينَ، فَالَّذِي كَانَ يُرَائِي فِي سُجُودِهِ فِي الدُّنْيَا يُعَاقَبُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَةِ سَاقِ الرَّبِّ.

تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ عِظَمَ الْمَشْهَدِ؛ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ، وَيَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَامَةً هِيَ "السَّاقُ"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصِّفَاتِ لَيْسَتْ لِلْمَعْرِفَةِ النَّظَرِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ لِلْأَحْكَامِ الْأُخْرَوِيَّةِ.

7. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "تَفْسِيرُ السَّاقِ فِي الآيَةِ بِالشِّدَّةِ لَا يَمْنَعُ إِثْبَاتَهَا صِفَةً لِلَّهِ تَعَالَى لِوُرُودِ السُّنَّةِ بِذَلِكَ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ كَمَا ثَبَتَ بِالْقُرْآنِ. وَالْإِضَافَةُ فِي قَوْلِهِ (سَاقِهِ) تَمْنَعُ مَنْعاً بَاتّاً تَفْسِيرَهَا بِالشِّدَّةِ لِأَنَّ الشِّدَّةَ لَا تُضَافُ لِلَّهِ كَمَا تُضَافُ الصِّفَاتُ الذَّاتِيَّةُ" [10].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "السَّاقُ صِفَةٌ تَلِيقُ بِاللَّهِ، وَلَا يَجُوزُ فِيهَا التَّكْيِيفُ، وَالَّذِينَ يُنْكِرُونَهَا بِدَعْوَى التَّنْزِيهِ هُمْ فِي الْحَقِيقَةِ يَجْحَدُونَ مَا أَثْبَتَهُ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ السَّاقَ وَلَا يَقُولُونَ هِيَ كَسَاقِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ سَاقٌ لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهَا" [11].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "كَشْفُ السَّاقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ الْفَصْلُ بَيْنَ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَأَهْلِ النِّفَاقِ، وَتَفْسِيرُ الصَّحَابَةِ لِلْآيَةِ بِالشِّدَّةِ كَانَ بِنَاءً عَلَى اللُّغَةِ قَبْلَ وُرُودِ تَفْسِيرِ السَّاقِ بِالذَّاتِ، وَالْمُحَقِّقُونَ مِنَ السَّلَفِ يَجْمَعُونَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ؛ فَالْيَوْمُ ذُو شِدَّةٍ، وَاللَّهُ يَكْشِفُ عَنْ سَاقِهِ تَعَالَى" [12].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "أَهْلُ السُّنَّةِ يُعَظِّمُونَ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِي السَّاقِ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ رَدَّهُ أَوْ أَوَّلَهُ فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ أَهْلِ الْبِدَعِ. وَالصِّفَاتُ الْخَبَرِيَّةُ كَمَا قَالَ الْأَئِمَّةُ: نُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ، وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ" [13].

صَالِحٌ سَّنْدِيُّ: "ثُبُوتُ السَّاقِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الصِّحَّةِ يُوجِبُ عَلَى كُلِّ سَلَفِيٍّ الِاعْتِقَادَ بِهَا، وَنَحْنُ لَا نُثْبِتُ لِلَّهِ إِلَّا سَاقاً وَاحِدَةً لِعَدَمِ وُرُودِ التَّثْنِيَةِ فِيهَا بِخِلَافِ الْيَدَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، فَهَذَا هُوَ الْوَرَعُ فِي النَّقْلِ" [14].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

[1] انْظُرْ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (4/ 199)، وَتاج العروس (ع ي ن).

[2] رَاجِعْ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (1/ 215) حَيْثُ نَقَضَ ٤٠ وَجْهاً مِنْ تَأْوِيلَاتِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ.

[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 262-265) طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ.

[4] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 120-125).

[5] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ السَّابِعُ، مَبْحَثُ الْأَعْيُنِ).

[6] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (2/ 415-420) فِي الرَّدِّ عَلَى نُفَاةِ الصِّفَاتِ.

[7] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلشَّيْخِ صَالِحٍ السَّنْدِيِّ (ص 145-148).

[8] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (10/ 166)، وَالْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (ص 1017).

[9] رَاجِعْ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ لِابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ آيَةِ الْقَلَمِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ.

[10] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 175-178).

[11] الْمُنْتَقَى مِنْ فَتَاوَى الشَّيْخِ صَالِحٍ الْفَوْزَانِ (1/ 40-42).

[12] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ، السَّاقُ).

[13] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (ص 70-75).

[14] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ عَلَى بَعْضِ مَسَائِلِ الصِّفَاتِ لِلسَّنْدِيِّ (ص 102-105).

--------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهُ الْخَامِسُ: صِفَتَا الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ وَصِفَةُ الْأَصَابِعِ)

أَوَّلاً: صِفَةُ "الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ:

الْقَدَمُ: تَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَا يَتَقَدَّمُ بِهِ الْإِنْسَانُ، وَتُطْلَقُ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْخَيْرِ {أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ}. أَمَّا إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ، فَهِيَ صِفَةُ ذَاتٍ حَقِيقِيَّةٌ.

الرِّجْلُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ، وَتَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْعُضْوِ الَّذِي يَمْشِي بِهِ الْمَخْلُوقُ. وَإِذَا أُضِيفَتْ لِلَّهِ، فَهِيَ بِمَعْنَى الْقَدَمِ الَّتِي يَضَعُهَا الرَّبُّ عَلَى النَّارِ لِتَنْزَوِيَ وَتَنْزَجِرَ، وَلَا تُمَاثِلُ أَرْجُلَ الْمَخْلُوقِينَ بِحَالٍ [1].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (دَلَالَةُ التَّلَازُمِ):

لَمْ يَرِدْ لَفْظُ "الْقَدَمِ" أَوْ "الرِّجْلِ" كَصِفَةٍ لِلَّهِ نَصّاً فِي الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَتْ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي هِيَ الْوَحْيُ الثَّانِي، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى صِدْقِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَمَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ فَهُوَ كَالْثَابِتِ بِالْقُرْآنِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ.

3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

ثَبَتَ ذِكْرُ الْقَدَمِ وَالرِّجْلِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ تَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ الْعِزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابُ قَوْلِهِ {وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ}، رَقْمُ 4848، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا، رَقْمُ 2848].

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ رِجْلَهُ، فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، رَقْمُ 4850، وَمُسْلِمٌ، رَقْمُ 2848].

4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا قَدَماً وَرِجْلاً حَقِيقِيَّةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، يَضَعُهَا عَلَى جَهَنَّمَ لِتَمْتَلِئَ وَتَنْزَوِيَ إِيفَاءً بِوَعْدِهِ، لَا نُكَيِّفُهَا وَلَا نُمَثِّلُهَا، وَنَرُدُّ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ إِنَّهَا "طَائِفَةٌ مِنَ الْخَلْقِ" لِأَنَّ السُّنَّةَ أَضَافَتْهَا لِلَّهِ إِضَافَةَ صِفَةٍ لَا إِضَافَةَ خَلْقٍ).

5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

تَأْوِيلُ الْمُعَطِّلَةِ: قَالُوا "الْقَدَمُ" هُنَا بِمَعْنَى (الْمُتَقَدِّمِينَ) مِنَ الْأَشْرَارِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمُ اللَّهُ لِلنَّارِ.

الرَّدُّ الْقَاطِعُ: هَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ؛ أَوَّلُهَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ (قَدَمَهُ) وَ(رِجْلَهُ) بِالْإِضَافَةِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالْخَلْقُ لَا يُسَمَّوْنَ "قَدَمَ اللَّهِ". ثَانِيَهَا أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ بِالْمُجْرِمِينَ، بَلْ يَضَعُ الرَّبُّ قَدَمَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا جَمِيعُ مَنْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ، لِيَنْزَوِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. ثَالِثَهَا أَنَّ قَوْلَهُمْ "قَدَم" بِمَعْنَى "جَمَاعَة" لَا يُعْرَفُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِمِثْلِ هَذَا السِّيَاقِ [2].

6. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: يُورِثُ الْإِيمَانُ بِالْقَدَمِ "الْخَوْفَ الشَّدِيدَ" مِنْ نَارٍ لَا يَقْهَرُ هَيَجَانَهَا وَطَلَبَهَا لِلْمَزِيدِ إِلَّا قَدَمُ الْجَبَّارِ سُبْحَانَهُ. فَالنَّارُ مَخْلُوقٌ عَظِيمٌ لَا يَسْكُنُ إِلَّا بِفِعْلِ الْخَالِقِ.

تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ عِظَمَ عِزَّةِ اللَّهِ؛ فَالنَّارُ الَّتِي لَا يُطِيقُهَا الْبَشَرُ، هِيَ طَيِّعَةٌ تَحْتَ قَدَمِ الرَّحْمَنِ، تَسْكُنُ بِأَمْرِهِ، وَتَقُولُ "قَطْ قَطْ" أَيْ حَسْبِي حَسْبِي، إِجْلَالاً لِخَالِقِهَا.

7. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْقَوْلُ فِي الْقَدَمِ كَالْقَوْلِ فِي الْيَدِ وَالْوَجْهِ؛ إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ. وَمَنْ فَسَّرَ الْقَدَمَ بِـ (الْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْدَمُونَ) فَقَدْ جَنَى عَلَى النَّصِّ، لِأَنَّ لَفْظَ (الرِّجْلِ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَمْنَعُ هَذَا التَّأْوِيلَ، إِذْ لَا يُقَالُ لِلْقَوْمِ إِنَّهُمْ (رِجْلُ اللَّهِ) تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً" [3].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "نُثْبِتُ الْقَدَمَ وَالرِّجْلَ لِلَّهِ تَعَالَى لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهِمَا، وَالسَّلَفُ لَمْ يَزَالُوا يَرْوُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ وَيُقِرُّونَهَا وَلَا يُنْكِرُونَهَا، وَمَنْ أَنْكَرَهَا فَقَدْ شَابَهَ الْجَهْمِيَّةَ الَّذِينَ هُمُ الْمُعَطِّلَةُ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ" [4].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْقَدَمُ وَالرِّجْلُ صِفَتَانِ ثَبَتَتَا بِالسُّنَّةِ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّهُمَا صِفَةُ ذَاتٍ لَا صِفَةُ فِعْلٍ مُنْفَصِلَةٍ، وَمَعْنَاهُمَا مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ، وَكَيْفِيَّتُهُمَا مَجْهُولَةٌ لَنَا، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا التَّسْلِيمُ لِخَبَرِ الصَّادِقِ ﷺ" [5].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "أَحَادِيثُ الصِّفَاتِ وَمِنْهَا حَدِيثُ الْقَدَمِ هِيَ مَحَكُّ الْإِيمَانِ؛ فَالْمُؤْمِنُ يُصَدِّقُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ عَقْلُهُ الْكَيْفِيَّةَ، وَأَهْلُ الْبِدَعِ يُقَدِّمُونَ عُقُولَهُمُ الْقَاصِرَةَ عَلَى النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، فَيَقَعُونَ فِي شَرِّ التَّأْوِيلِ" [6].

صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: "الْقَدَمُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ، وَالْإِشْكَالُ الَّذِي يُورِدُهُ الْمُعَطِّلَةُ هُوَ لَوَازِمُ الْمَخْلُوقِينَ، وَنَحْنُ نَقُولُ: لَوَازِمُ صِفَاتِ اللَّهِ تَابِعَةٌ لِذَاتِهِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْقَدَمِ مَا يَلْزَمُ فِي الْمَخْلُوقِ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَشْيِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ" [7].

ثَانِيًا: صِفَةُ "الْأَصَابِعِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

الْأَصَابِعُ جَمْعُ إِصْبَعٍ (وَلَهَا تِسْعُ لُغَاتٍ)، وَهِيَ فِي الْمَخْلُوقِ أَطْرَافُ الْيَدِ. وَإِذَا أُضِيفَتْ لِلَّهِ فَهِيَ صِفَةُ ذَاتٍ حَقِيقِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِلْيَدِ، جَاءَتْ بِهَا السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي أَقَرَّهَا النَّبِيُّ ﷺ [8].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّا نَجِدُ أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ السَّمَوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلَائِقِ عَلَى إِصْبَعٍ، فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ تَصْدِيقاً لِقَوْلِ الْحَبْرِ [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}، رَقْمُ 7414، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ، رَقْمُ 2786].

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ، بَابُ تَصْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى الْقُلُوبَ كَيْفَ شَاءَ، رَقْمُ 2654].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ ذَاتٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا أَصَابِعَ حَقِيقِيَّةً تَلِيقُ بِيَدِهِ الْكَرِيمَةِ، لَا تُمَاثِلُ أَصَابِعَ الْمَخْلُوقِينَ، لَهَا تَصْرِيفٌ وَقُدْرَةٌ مُطْلَقَةٌ عَلَى الْقُلُوبِ وَالْخَلَائِقِ، لَا نُؤَوِّلُهَا بَالنِّعَمِ أَوْ بِالْقُدْرَةِ).

4. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا "الْأَصَابِعُ" بِمَعْنَى نِعَمِ اللَّهِ أَوْ قُدْرَتِهِ.

الرَّدُّ الْقَاطِعُ: ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ "تَصْدِيقاً" لِلْحَبْرِ يَنْسِفُ هَذَا التَّأْوِيلَ؛ فَلَوْ كَانَ كَلَامُ الْحَبْرِ تَشْبِيهاً لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، بَلْ أَقَرَّهُ وَقَرَأَ قَوْلَهُ {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ}. ثُمَّ إِنَّ الْقُدْرَةَ لَا يُقَالُ فِيهَا "قَلْبُ الْعَبْدِ بَيْنَ قُدْرَتَيْنِ" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ، فَهَذَا عَبَثٌ بِاللُّغَةِ [9].

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: يُورِثُ "الِافْتِقَارَ التَّامَّ"؛ فَقَلْبُكَ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ لَيْسَ بِيَدِكَ، بَلْ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. فَالْمُؤْمِنُ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الزَّيْغَ وَيُكْثِرُ مِنْ "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي".

تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ دِقَّةَ التَّصْرِيفِ؛ السَّمَوَاتُ وَالْأَرَضُونَ بِعَظَمَتِهَا تُجْعَلُ عَلَى أُصْبُعٍ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ الْخَالِقِ وَصِغَرِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي يَدِهِ.

6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نُثْبِتُ الْأَصَابِعَ لِلَّهِ حَقِيقَةً كَمَا أَقَرَّ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ، وَمَنْ أَنْكَرَ صِفَةَ الْأَصَابِعِ فَقَدْ أَنْكَرَ مَا ضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ تَصْدِيقاً لَهُ، وَهَذَا مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الَّذِي مَدَحَ اللَّهُ أَهْلَهُ" [10].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْأَصَابِعِ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَابَعَ فِيهَا السَّلَفُ النُّصُوصَ، وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ يَدَ اللَّهِ حَقِيقِيَّةٌ، وَالْقَوْلُ فِيهَا كَالْقَوْلِ فِي بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ نَفْياً لِلْمُمَاثَلَةِ وَإِثْبَاتاً لِلْمَعْنَى" [11].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ؛ هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي إِثْبَاتِ الصِّفَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ الْمُمَاسَّةُ الَّتِي يَتَخَيَّلُهَا الْمُشَبِّهَةُ، بَلْ هُوَ تَصْرِيفٌ بِمَا يَلِيقُ بِعَظَمَةِ الرَّحْمَنِ" [12].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مَنِ ادَّعَى أَنَّ إِثْبَاتَ الْأَصَابِعِ تَجْسِيمٌ، فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الْيَهُودِيِّ قَوْلَهُ بَلْ صَدَّقَهُ، فَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِمَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ" [13].

صَالِحٌ سَّنْدِيُّ: "نُثْبِتُ الْأَصَابِعَ صِفَةً لِلْيَدِ، وَالْعَدَدُ مَذْكُورٌ فِي الْأَحَادِيثِ (خَمْسَةٌ) لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ إِصْبَعٌ، وَنَقِفُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا تَكْيِيفٍ" [14].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (12/ 491)، وَمَقَايِيسُ اللُّغَةِ (5/ 65).

[2] رَاجِعْ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (1/ 240) فِي إِبْطَالِ تَأْوِيلِ الْقَدَمِ بِالْجَمَاعَةِ.

[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 270-275).

[4] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 130).

[5] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الثَّامِنُ).

[6] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (2/ 430).

[7] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِلسَّنْدِيِّ (ص 150).

[8] انْظُرْ: الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (ص 950)، وَتَهْذِيبُ اللُّغَةِ لِلْأَزْهَرِيِّ.

[9] رَاجِعْ: كِتَابُ التَّوْحِيدِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ (1/ 180) فِي إِثْبَاتِ الْأَصَابِعِ.

[10] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 180).

[11] شَرْحُ لُمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِلْفَوْزَانِ (ص 65).

[12] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ).

[13] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (ص 80).

[14] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ لِلسَّنْدِيِّ (ص 110).

----------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ السَّادِسُ: صِفَاتُ الْفَرَحِ، وَالضَّحِكِ، وَالْعَجَبِ)

أَوَّلاً: صِفَةُ "الْفَرَحِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُوَسَّعُ:

الأصل: مِنَ (فَـرَحَ)، وَهُوَ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ بِلَذَّةٍ أَوْ نِعْمَةٍ. وَالْفَرَحُ فِي اللُّغَةِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَحْمُودٍ (بِفَضْلِ اللَّهِ) وَمَذْمُومٍ (بِطَرٍ وَاخْتِيَالٍ).

التَّدْقِيقُ: إِذَا أُضِيفَ لِلَّهِ تَعَالَى فَهِيَ صِفَةُ (فِعْلٍ) تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَهُوَ فَرَحُ إِحْسَانٍ وَبِرٍّ وَرِضًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ، لَا فَرَحَ مَنْ يَحْتَاجُ إِلَى هَذِهِ التَّوْبَةِ، وَلَا فَرَحَ مَنْ يَتَغَيَّرُ مِزَاجُهُ كَالْمَخْلُوقِ [1].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

ثَبَتَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بِأَبْلَغِ سِيَاقٍ فِي حَدِيثِ التَّوْبَةِ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ...» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ، بَابُ التَّوْبَةِ، رَقْمُ 6309، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ، رَقْمُ 2747].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا فَرَحاً حَقِيقِيّاً بِمَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ، لَا يُشْبِهُ فَرَحَ الْمَخْلُوقِينَ فِي دَوَاعِيهِ وَلَا فِي آثَارِهِ، وَنَرُدُّ تَأْوِيلَ مَنْ قَالَ إِنَّ فَرَحَهُ هُوَ "إِرَادَةُ الثَّوَابِ" لِأَنَّ هَذَا صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِلَا دَلِيلٍ).

4. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا الْفَرَحُ غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَفَسَّرُوهُ بـ (الرِّضَا) أَوْ (الْإِثَابَةِ).

الرَّدُّ: قَوْلُكُمْ إِنَّ الْفَرَحَ غَلَيَانُ الدَّمِ هُوَ تَعْرِيفٌ لِفَرَحِ (الْمَخْلُوقِ)، وَاللَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ تَمْثِيلاً لِتَقْرِيبِ "شِدَّةِ الْفَرَحِ" لَا لِتَمْثِيلِ "كَيْفِيَّةِ الْفَرَحِ"، فَلَوْ كَانَ الْفَرَحُ هُوَ الرِّضَا لَمَا كَانَ لِلتَّمْثِيلِ بِرَجُلِ الْفَلَاةِ كَبِيرُ مَعْنًى [2].

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: يُورِثُ "الرَّجَاءَ وَحُبَّ اللَّهِ"؛ فَمَنْ عَلِمَ أَنَّ مَلِكَ الْمُلُوكِ "يَفْرَحُ" بِرُجُوعِهِ إِلَيْهِ، أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يُرِيدُ بِهِ الْخَيْرَ لَا التَّعْذِيبَ.

تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ قَوْلَهُ (أَشَدُّ فَرَحاً)؛ صِيغَةُ التَّفْضِيلِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ لَهُ الْكَمَالُ فِي كُلِّ صِفَةٍ، فَمَا نَعْرِفُهُ مِنْ سُرُورٍ هُوَ ذَرَّةٌ فِي بَحْرِ جَمَالِ وَكَمَالِ صِفَاتِ اللَّهِ.

6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نُثْبِتُ الْفَرَحَ لِلَّهِ فَرَحاً حَقِيقِيّاً، وَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ، لِأَنَّ الْفَرَحَ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَمِ وَالْجُودِ وَالْإِحْسَانِ. وَتَأْوِيلُهُ بِالرِّضَا يَنْقُصُ مِنْ مَعْنَى النَّصِّ، لِأَنَّ الْفَرَحَ أَكْمَلُ وَأَبْلَغُ فِي السِّيَاقِ مِنْ مُجَرَّدِ الرِّضَا" [3].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "الْفَرَحُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، يَفْرَحُ مَتَى شَاءَ إِذَا تَابَ الْعَبْدُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الدَّوَاعِي لِلْإِنَابَةِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ، وَالسَّلَفُ أَمَرُّوا الْحَدِيثَ كَمَا جَاءَ بِلَا تَحْرِيفٍ" [4].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْفَرَحُ صِفَةٌ خَبَرِيَّةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ مَا أُضِيفَ لِلَّهِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ فَهُوَ حَقِيقَةٌ، وَالتَّشْبِيهُ يَقَعُ فِي ذِهْنِ الْمُعَطِّلِ أَوَّلاً فَيَهْرُبُ إِلَى التَّأْوِيلِ، أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَيُثْبِتُونَ بِلَا تَشْبِيهٍ" [5].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الَّذِي يَنْفِي الْفَرَحَ عَنِ اللَّهِ يُعَطِّلُ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ، فَالْعَبْدُ إِذَا عَلِمَ فَرَحَ رَبِّهِ بِهِ اشْتَاقَ إِلَيْهِ، وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكَلامِ يَكُونُ بِإِثْبَاتِ أَنَّ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَا تَلْزَمُ مِنْهَا الْحَوَادِثُ كَمَا يَزْعَمُونَ" [6].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الْفَرَحُ صِفَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلَّهِ، وَنَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ لِلَّهِ فَرَحاً لَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرِّضَا هُوَ مِنْ بَابِ تَفْسِيرِ الشَّيْءِ بِبَعْضِ لَوَازِمِهِ، وَهَذَا قُصُورٌ فِي الْفَهْمِ وَتَقْصِيرٌ فِي الْإِثْبَاتِ" [7].

ثَانِيًا: صِفَةُ "الضَّحِكِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

الضَّحِكُ انْبِسَاطُ الْوَجْهِ وَظُهُورُ السِّنِّ مِنَ السُّرُورِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ. أَمَّا فِي حَقِّ الْخَالِقِ فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ تَدُلُّ عَلَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَالْإِكْرَامِ، لَا نُكَيِّفُهَا وَلَا نُمَثِّلُهَا [8].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ...» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ، رَقْمُ 2826، وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْإِمَارَةِ، رَقْمُ 1890].

وَفِي حَدِيثِ آخِرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولاً: «قَالَ: يَا رَبِّ أَتَهْزَأُ بِي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: أَلَا تَسْأَلُونِي مِمَّ أضحك؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ قَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ... فَقَالَ اللَّهُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، رَقْمُ 187].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا ضَحِكاً حَقِيقِيّاً يَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ، وَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهَا، لَا يَلْزَمُ مِنْهَا مَا يَلْزَمُ فِي الْمَخْلُوقِ، وَنَرُدُّ تَأْوِيلَ مَنْ فَسَّرَهَا بِـ "الثَّوَابِ").

4. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا الضَّحِكُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ جَوْفٍ وَأَسْنَانٍ وَلَهَوَاتٍ، فَيَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى "إِرَادَةِ الْخَيْرِ".

الرَّدُّ: هَذَا تَمْثِيلٌ ابْتِدَاءً ثُمَّ تَعْطِيلٌ انْتِهَاءً. نَحْنُ نُثْبِتُ الضَّحِكَ كَمَا نُثْبِتُ الذَّاتَ؛ فَذَاتُ اللَّهِ لَيْسَتْ كَالذَّوَاتِ، فَضَحِكُهُ لَيْسَ كَالضَّحِكِ. وَالْأَعْرَابِيُّ لَمَّا سَمِعَ أَنَّ رَبَّهُ يَضْحَكُ قَالَ: "لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبٍّ يَضْحَكُ خَيْراً"، فَهِمَ حَقِيقَةَ الصِّفَةِ وَلَمْ يُشَبِّهْ [9].

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

يُورِثُ "حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ"؛ فَالرَّبُّ الَّذِي يَضْحَكُ هُوَ رَبٌّ كَرِيمٌ وَدُودٌ، يُحِبُّ لِعِبَادِهِ أَنْ يَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِمَا يُوجِبُ رِضَاهُ وَضَحِكَهُ عَنْهُمْ.

6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الضَّحِكُ صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِلَّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا أَنْ تَكُونَ بِصَوْتٍ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا نَعْرِفُ، بَلْ هِيَ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَهَا فَقَدْ جَحَدَ كَمَالاً ثَبَتَ بِالنَّصِّ" [10].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "ضَحِكُ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ مَحَلَّ اسْتِغْرَابٍ، فَالْكَامِلُ هُوَ الَّذِي يَتَّصِفُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَالْفِعْلِ، وَالْمُعَطِّلَةُ حَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِمْ" [11].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "إِثْبَاتُ الضَّحِكِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَةِ (الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ)، فَالضَّحِكُ مُضَافٌ لِلرَّبِّ، وَالْمُضَافُ يَتْبَعُ الْمُضَافَ إِلَيْهِ فِي كَيْفِيَّتِهِ" [12].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الضَّحِكُ ثَابِتٌ فِي أَصَحِّ الْأَحَادِيثِ، وَمَنْ رَدَّهُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لِإِبْطَالِ الدِّينِ كُلِّهِ، وَالسَّلَفُ كَانُوا يُثْبِتُونَ الضَّحِكَ وَيَفْرَحُونَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ" [13].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الضَّحِكُ صِفَةُ كَمَالٍ إِذَا نُزِّهَتْ عَنِ النَّقْصِ، وَاللَّهُ لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ، وَتَفْسِيرُهُ بِالرِّضَا هُوَ تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الرِّضَا صِفَةٌ أُخْرَى ثَابِتَةٌ بِالْقُرْآنِ" [14].

ثَالِثًا: صِفَةُ "الْعَجَبِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

الْعَجَبُ اسْتِعْظَامُ الشَّيْءِ. وَفِي الْمَخْلُوقِ يَكُونُ لِخَفَاءِ السَّبَبِ أَوْ لِلْمُفَاجَأَةِ. أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ فَهُوَ عَجَبُ (اسْتِحْسَانٍ) وَ(خُرُوجِ الشَّيْءِ عَنْ نَظَائِرِهِ)، لَا لِجَهْلٍ بِالسَّبَبِ، فَإِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [15].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (مَعَ التَّخْرِيجِ):

مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: الآية 12]، وَفِي قِرَاءَةٍ صَحِيحَةٍ (بَلْ عَجِبْتُ) بِضَمِّ التَّاءِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ، وَتُثْبِتُ الْعَجَبَ لِلَّهِ.

مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ وَقُرْبِ غِيَرِهِ...» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ 4/11، وَابْنُ مَاجَهْ رَقْمُ 181، وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. وَقَوْلُهُ ﷺ: «عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 3798].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا عَجَباً يَلِيقُ بِهِ، لَا يَلْزَمُ مِنْهُ سَبْقُ الْجَهْلِ بِالسَّبَبِ، بَلْ هُوَ اسْتِعْظَامٌ لِفِعْلِ الْعَبْدِ عِنْدَمَا يَكُونُ خَارِقاً لِلْعَادَةِ فِي الصَّبْرِ أَوِ الْكَرَمِ).

4. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا الْعَجَبُ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمَنْ جَهِلَ السَّبَبَ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، فَأَوَّلُوهُ بِـ "الرِّضَا" أَوْ "الْإِنْكَارِ".

الرَّدُّ: هَذَا قِيَاسٌ لِلْخَالِقِ عَلَى الْمَخْلُوقِ. الْعَجَبُ نَوْعَانِ: عَجَبٌ لِجَهْلِ السَّبَبِ (مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ)، وَعَجَبٌ لِعِظَمِ الْفِعْلِ فِي نَفْسِهِ وَخُرُوجِهِ عَنِ الْمَأْلُوفِ (ثَابِتٌ لِلَّهِ). وَتَصْرِيحُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْعَجَبِ يَمْنَعُ نَفْيَهُ [16].

5. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نُثْبِتُ الْعَجَبَ لِلَّهِ عَلَى الْوَجْهِ اللَّائِقِ بِهِ، وَهُوَ مَقْرُونٌ بِالرِّضَا كَمَا فِي حَدِيثِ الضَّيْفِ، أَوْ بِالْإِنْكَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ (بَلْ عَجِبْتُ)، وَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ" [17].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْعَجَبِ ثَابِتَةٌ بِالْقُرْآنِ فِي قِرَاءَةِ الضَّمِّ، وَبِالسُّنَّةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَالَّذِي يُنْكِرُهَا يُعَطِّلُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ" [18].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْعَجَبُ لَيْسَ صِفَةَ نَقْصٍ، بَلْ هِيَ صِفَةُ مَدْحٍ، وَاللَّهُ يَعْجَبُ مِنْ أَفْعَالِ عِبَادِهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِهِمْ" [19].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الْعَجَبُ صِفَةٌ صَرِيحَةٌ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَانُوا يُفْرِدُونَ لَهَا مَبَاحِثَ لِيَرُدُّوا عَلَى الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ حَكَمُوا عُقُولَهُمْ فِي كَلَامِ اللَّهِ" [20].

صَالِحُ سَنْدِي: "نُثْبِتُ الْعَجَبَ وَنَنْفِي عَنِ اللَّهِ لَوَازِمَ بَشَرِيَّةً كَالذُّهُولِ وَالْحَيْرَةِ، فَعَجَبُ اللَّهِ عَجَبُ تَعْظِيمٍ لِلْفِعْلِ لَا جَهْلٍ بِهِ" [21].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

[1] انْظُرْ: تاج العروس (ف ر ح)، وَمَقَايِيسُ اللُّغَةِ (4/ 447).

[2] رَاجِعْ: مَدَارِجُ السَّالِكِينَ لِابْنِ الْقَيِّمِ (1/ 200) عِنْدَ مَنْزِلَةِ التَّوْبَةِ.

[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 320-325).

[4] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 140).

[5] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ التَّاسِعُ).

[6] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (2/ 450).

[7] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 160).

[8] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (2/ 518).

[9] رَاجِعْ: الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلْإِمَامِ الدَّارِمِيِّ (ص 120).

[10] مَجْمُوعُ فَتَاوَى ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 185).

[11] شَرْحُ لُمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِلْفَوْزَانِ (ص 70).

[12] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ).

[13] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِرَبِيعٍ (ص 85).

[14] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 115).

[15] انْظُرْ: الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (ص 110).

[16] رَاجِعْ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ (1/ 260).

[17] شَرْحُ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 330).

[18] فَتَاوَى الشَّيْخِ الْفَوْزَانِ (1/ 50).

[19] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الْعَاشِرُ).

[20] مَقَالَاتُ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (3/ 110).

[21] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 165).

-----------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهُ السَّابِعُ: صِفَاتُ الرِّضَا، وَالْغَضَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالْكَرَاهِيَةِ)

أَوَّلاً: صِفَتَا "الرِّضَا وَالْغَضَبِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

​1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُوَسَّعُ:

  • ​الرِّضَا: ضِدُّ السَّخَطِ، وَأَصْلُهُ طِيبُ النَّفْسِ بِالشَّيْءِ. وَإِذَا أُضِيفَ لِلَّهِ فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ تَقْتَضِي إِكْرَامَ الْمُرْضَى عَنْهُ وَإِثَابَتَهُ.
  • ​الْغَضَبُ: ثَوَرَانُ النَّفْسِ طَلَباً لِلِانْتِقَامِ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ. أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ، فَهُوَ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، تَقْتَضِي عُقُوبَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَمَالٌ فِي مَقَامِ الْعَدْلِ، لَا يَشُوبُهُ ضَعْفٌ أَوْ فَقْدُ سَيْطَرَةٍ كَالْبَشَرِ [1].

​2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (مَعَ بَيَانِ الْمَوْضِعِ):

  • ​فِي الرِّضَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الآية 119]، وَقَوْلُهُ: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [سُورَةُ الْفَتْحِ: الآية 18].
  • ​فِي الْغَضَبِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: الآية 93].

​3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً):

  • ​فِي الرِّضَا: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ... أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 6549، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 2829].
  • ​فِي الْغَضَبِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الطَّوِيلِ، أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَقُولُونَ: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 4712، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 194].

​4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَتَيْنِ:

هُمَا: (صِفَتَانِ فِعْلِيَّتَانِ لِلَّهِ تَعَالَى، مَعْنَاهُمَا مَعْلُومٌ وَكَيْفُهُمَا مَجْهُولٌ، نُثْبِتُهُمَا لِلَّهِ حَقِيقَةً كَمَا نُثْبِتُ سَائِرَ صِفَاتِهِ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّ رِضَاهُ صِفَةُ كَمَالٍ لِلْمُطِيعِينَ، وَغَضَبَهُ صِفَةُ عَدْلٍ وَكَمَالٍ لِلْمُجْرِمِينَ، وَلَا نُؤَوِّلُهُمَا بِمُجَرَّدِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ).

​5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

  • ​شُبْهَةُ التَّأْوِيلِ: زَعَمَ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ أَنَّ الرِّضَا وَالْغَضَبِ "انْفِعَالَاتٌ نَفْسِيَّةٌ" لَا تَلِيقُ بِاللَّهِ، فَفَسَّرُوا الرِّضَا بـ (إِرَادَةِ الثَّوَابِ) وَالْغَضَبَ بـ (إِرَادَةِ الْعِقَابِ).
  • ​الرَّدُّ الْقَاطِعُ: نَقُولُ لَهُمْ: اللَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ "الْغَضَبِ" وَبَيْنَ "الْعِقَابِ" فِي آيَةِ النِّسَاءِ حَيْثُ جَعَلَ الْغَضَبَ سَبَقَ الْعِقَابَ {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. كَمَا أَنَّ قَوْلَكُمْ إِنَّهَا انْفِعَالَاتٌ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى قِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَهُوَ أَصْلُ ضَلَالِكُمْ [2].

​6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ الرِّضَا وَالْغَضَبَ صِفَتَيْنِ فِعْلِيَّتَيْنِ حَقِيقِيَّتَيْنِ، وَهُمَا مِنْ صِفَاتِ الْمَشِيئَةِ؛ يَرْضَى مَتَى شَاءَ عَمَّنْ شَاءَ، وَيَغْضَبُ مَتَى شَاءَ عَلَى مَنْ شَاءَ. وَتَفْسِيرُهُمَا بِالْإِرَادَةِ تَعْطِيلٌ لِمَعْنَى النَّصِّ، لِأَنَّ الرِّضَا غَيْرُ الْإِرَادَةِ، فَاللَّهُ يُرِيدُ وُقُوعَ الْكُفْرِ كَوْناً لَكِنَّهُ لَا يَرْضَاهُ" [3].
  • ​صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْغَضَبِ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ فِي نُصُوصٍ كَثِيرَةٍ، وَهِيَ صِفَةُ عَظَمَةٍ وَجَلَالٍ، وَالَّذِي يَنْفِيهَا يَجْعَلُ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ جَامِداً لَا يَنْفَعِلُ لِتَعَدِّي حُدُودِهِ، وَهَذَا وَصْفٌ بِالنَّقْصِ، فَاللَّهُ يَغْضَبُ لِأَنَّهُ حَيٌّ قَيُّومٌ يَغَارُ عَلَى مَحَارِمِهِ" [4].
  • ​صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الرِّضَا وَالْغَضَبُ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي نُقِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ، وَنَعْلَمُ أَنَّ لَهَا آثَاراً؛ فَآثَارُ الرِّضَا الثَّوَابُ، وَآثَارُ الْغَضَبِ الْعِقَابُ، لَكِنَّنَا لَا نَجْعَلُ (الْأَثَرَ) هُوَ (الصِّفَةَ) كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكَلَامِ، بَلِ الْأَثَرُ نَاتِجٌ عَنِ الصِّفَةِ" [5].
  • ​رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إِنَّ تَأْوِيلَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ هُوَ دِينُ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْمُسْلِمُ يَسْتَحِي مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُنْكِرَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ. وَغَضَبُ اللَّهِ حَقِيقَةٌ تُرْعِدُ لَهَا فَرَائِصُ الصَّالِحِينَ، وَهِيَ دَافِعٌ لِلِاسْتِقَامَةِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ إِنَّ الْغَضَبَ مُجَرَّدُ إِرَادَةِ الْعِقَابِ" [6].
  • ​صَالِحٌ سَنْدِي: "الْقَوْلُ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ كَالْقَوْلِ فِي الْإِرَادَةِ وَالْعِلْمِ؛ فَمَا دُمْتُمْ تُثْبِتُونَ لِلَّهِ إِرَادَةً لَا تُشْبِهُ إِرَادَةَ الْمَخْلُوقِ، فَمَا الَّذِي مَنَعَكُمْ مِنْ إِثْبَاتِ غَضَبٍ لَا يُشْبِهُ غَضَبَ الْمَخْلُوقِ؟ هَذَا تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ وَاضِحٌ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ" [7].

ثَانِيًا: صِفَتَا "السَّخَطِ وَالْكَرَاهِيَةِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

​1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

  • ​السَّخَطُ: هُوَ كَرَاهِيَةُ الشَّيْءِ وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ، وَهُوَ شِدَّةُ الْغَضَبِ.
  • ​الْكَرَاهِيَةُ: ضِدُّ الْمَحَبَّةِ، وَهِيَ نُفُورُ الذَّاتِ عَمَّا يُؤْذِي أَوْ يُبْغَضُ. وَفِي حَقِّ اللَّهِ هِيَ صِفَةُ فِعْلٍ تَقْتَضِي إِبْعَادَ الْمَكْرُوهِ وَمَنْعَ التَّوْفِيقِ عَنْهُ [8].

​2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ:

  • ​فِي السَّخَطِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ} [سُورَةُ مُحَمَّدٍ: الآية 28].
  • ​فِي الْكَرَاهِيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: الآية 46].

​3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً):

  • ​عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَقْمُ 486].
  • ​عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا...» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَقْمُ 1715].

​4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ نُثْبِتُهَا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، فَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ يَسْخَطُ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ، وَيَكْرَهُ أَفْعَالَ السُّوءِ وَأَصْحَابَهَا، كَرَاهِيَةً حَقِيقِيَّةً تَقْتَضِي طَرْدَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَنَنْفِي عَنْهَا مُمَاثَلَةَ الْمَخْلُوقِينَ فِي النَّقْصِ وَالْأَلَمِ).

​5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

  • ​تَرْبَوِيّاً: يُرَبِّي الْعَبْدَ عَلَى "الْحَذَرِ الْقَلْبِيِّ"؛ فَلَوْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَكَ لِلطَّاعَةِ ثَبَّطَكَ، فَالْمُؤْمِنُ يَخْشَى كَرَاهِيَةَ اللَّهِ لِفِعْلِهِ فَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ لِيَكُونَ مِمَّنْ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ.
  • ​تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ قَوْلَهُ {فَثَبَّطَهُمْ} نَتِيجَةً لِقَوْلِهِ {كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ}؛ لِتَعْلَمَ أَنَّ التَّوْفِيقَ مَرْبُوطٌ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، وَالْخِذْلَانَ مَرْبُوطٌ بِكَرَاهِيَتِهِ لَهُ.

​6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

  • ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْكَرَاهِيَةُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ، وَاللَّهُ يَكْرَهُ الْأَشْخَاصَ كَمَا يَكْرَهُ الْأَفْعَالَ، وَمَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَكْرَهُ إِلَّا الْفِعْلَ فَقَدْ أَخْطَأَ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ {كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ}، وَالِانْبِعَاثُ فِعْلٌ قَامَ بِفَاعِلِينَ مَكْرُوهِينَ" [9].
  • ​صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "السَّخَطُ أَشَدُّ الْغَضَبِ، وَهُوَ ثَابِتٌ لِلَّهِ نَصّاً، وَالْوَاجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السَّخَطِ الَّذِي يُوصَفُ بِهِ الْمَخْلُوقُ مِنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي يَعْقِبُهُ النَّدَمُ، أَمَّا سَخَطُ الْخَالِقِ فَهُوَ كَمَالٌ لَا يَعْقِبُهُ نَقْصٌ" [10].
  • ​صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "نُثْبِتُ مَادَّةَ (كَرِهَ) وَمَادَّةَ (سَخِطَ) لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمُعَطِّلَةُ يَفِرُّونَ مِنْهَا لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ اللَّهَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَنَقُولُ لَهُمْ: كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ فَكَرَاهَتُهُ لَا تُشْبِهُ الْكَرَاهَاتِ" [11].
  • ​رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إِنَّ جَحْدَ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَقْضِي عَلَى مَفْهُومِ (الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ) الْقَائِمِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ وَيُبْغِضُ، وَيَرْضَى وَيَسْخَطُ، فَالْعَقِيدَةُ لَيْسَتْ جُمُوداً، بَلْ هِيَ تَعَلُّقٌ بِمَلِكٍ لَهُ مَشِيئَةٌ وَأَفْعَالٌ" [12].
  • ​صَالِحٌ سَنْدِي: "الْكَرَاهِيَةُ وَالسَّخَطُ صِفَاتٌ ثَابِتَةٌ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ؛ فَالْحَكِيمُ لَا بُدَّ أَنْ يَكْرَهَ الْفَسَادَ وَالْقُبْحَ، وَنَفْيُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ وَصْفٌ لَهُ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُحْسِنِ وَالْمُسِيءِ، وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقِّهِ" [13].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

​[1] انْظُرْ: تاج العروس (ر ض و)، وَمَقَايِيسُ اللُّغَةِ (4/ 41).

[2] رَاجِعْ: الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (2/ 450) فِي إِبْطَالِ تَأْوِيلِ الصِّفَاتِ بِلَوَازِمِهَا.

[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 340-345).

[4] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 150).

[5] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الْحَادِي عَشَرَ).

[6] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (2/ 470).

[7] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 175).

[8] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (7/ 311)، وَالْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (ص 1150).

[9] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 190).

[10] شَرْحُ لُمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِلْفَوْزَانِ (ص 85).

[11] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ).

[12] مَقَالَاتُ الشَّيْخِ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (3/ 120).

[13] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 130).

-------------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّامِنُ: صِفَاتُ الْمَجِيءِ، وَالْإِتْيَانِ، وَالنُّزُولِ)

أَوَّلاً: صِفَتَا "الْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُوَسَّعُ:

الْمَجِيءُ: أَصْلُهُ (جَ، يَ، أَ)، وَهُوَ انْتِقَالُ الذَّاتِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ فِي حَقِّ الشَّاهِدِ. أَمَّا فِي حَقِّ اللَّهِ، فَهُوَ مَجِيءٌ حَقِيقِيٌّ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا نُكَيِّفُهُ بِمَا يَعْتَرِي الْمَخْلُوقَ مِنَ الِاحْتِيَاجِ لِلْحَرَكَةِ.

الْإِتْيَانُ: يُقَالُ (أَتَى) إِذَا جَاءَ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا لُغَةً بِأَنَّ الْإِتْيَانَ فِيهِ سُهُولَةٌ أَوْ قَصْدٌ لِلْمَكَانِ. وَهُمَا صِفَتَانِ فِعْلِيَّتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ [1].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ (مَعَ بَيَانِ الْمَوْضِعِ):

فِي الْمَجِيءِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [سُورَةُ الْفَجْرِ: الآية 22].

فِي الْإِتْيَانِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: الآية 210]، وَقَوْلُهُ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: الآية 158].

3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فِي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ الطَّوِيلِ: «فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ...» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 7437، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 182].

وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَقْمُ 2675].

4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَتَيْنِ:

هُمَا: (صِفَتَانِ فِعْلِيَّتَانِ خَبَرِيَّتَانِ نُثْبِتُهُمَا لِلَّهِ حَقِيقَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ، مَجِيئاً وَإِتْيَاناً يَلِيقُ بِذَاتِهِ، وَلَا نُؤَوِّلُهُمَا بِمَجِيءِ (أَمْرِهِ) أَوْ (عَذَابِهِ) أَوْ (مَلَائِكَتِهِ) لِأَنَّ هَذَا تَحْرِيفٌ لِلظَّاهِرِ بِلَا قَرِينَةٍ).

5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

تَأْوِيلُ الْمُعَطِّلَةِ: قَالُوا إِنَّ "الْمَجِيءَ" هُوَ مَجِيءُ أَمْرِ اللَّهِ أَوْ مَلَائِكَتِهِ، لِأَنَّ الْمَجِيءَ الْحَقِيقِيَّ يَقْتَضِي (الْحَرَكَةَ وَالِانْتِقَالَ) وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ الْأَجْسَامِ.

الرَّدُّ الْقَاطِعُ: نَقُولُ: اللَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَجِيئِهِ وَمَجِيءِ الْمَلَائِكَةِ فِي آيَةِ الْفَجْرِ {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ}، فَالْمَلَكُ مَعْطُوفٌ، وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ. أَمَّا زَعْمُكُمْ أَنَّ الْمَجِيءَ لَا يَكُونُ إِلَّا حَرَكَةً كَالْمَخْلُوقِ، فَهُوَ رَاجِعٌ لِتَمْثِيلِكُمُ ابْتِدَاءً، وَنَحْنُ نَقُولُ: يَجِيءُ اللَّهُ كَيْفَ شَاءَ لَا كَمَا تَشَاءُ عُقُولُكُمْ [2].

6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ مِنَ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِهَا عَلَى حَقِيقَتِهَا. وَمَنْ قَالَ (جَاءَ أَمْرُهُ) فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّ اللَّهَ أَسْنَدَ الْمَجِيءَ لِنَفْسِهِ، وَإِذَا أَرَادَ الْأَمْرَ قَالَهُ كَمَا فِي قَوْلِهِ {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ}" [3].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْمَجِيءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ مِمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ جَامِداً بَلْ هُوَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، يَجِيءُ وَيَذْهَبُ وَيَنْزِلُ كَيْفَ شَاءَ جَلَّ وَعَلَا" [4].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْمَجِيءُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِعْلٌ حَقِيقِيٌّ، وَالتَّأْوِيلُ بِالْمَلَكِ يُبْطِلُهُ سِيَاقُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الرَّبِّ وَالْمَلَكِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ لَمْ يَرِدْ تَكْيِيفُهَا فَالْوَاجِبُ فِيهَا الْإِمْرَارُ مَعَ اعْتِقَادِ حَقِيقَتِهَا" [5].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْمَجِيءَ يَخَافُونَ مِنْ لَفْظِ (الْحَرَكَةِ)، وَنَحْنُ نَقُولُ: نُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَنَسْكُتُ عَمَّا لَمْ يَرِدْ، لَكِنَّ نَفْيَ الْمَجِيءِ نَفْيٌ لِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ" [6].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الْمَجِيءُ وَالْإِتْيَانُ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا أَحْكَامُ يَوْمِ الدِّينِ، فَاللَّهُ يَأْتِي لِيَفْصِلَ بَيْنَ الْعِبَادِ، وَإِثْبَاتُ هَذَا هُوَ إِثْبَاتٌ لِحَقِيقَةِ الْمُلْكِ، فَالْمَلِكُ لَا بُدَّ أَنْ يَحْضُرَ وَيَفْصِلَ فِي مَمْلَكَتِهِ" [7].

ثَانِيًا: صِفَةُ "النُّزُولِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

النُّزُولُ فِي اللُّغَةِ انْحِطَاطٌ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ. وَفِي مَقَامِ الصِّفَاتِ، هُوَ صِفَةُ فِعْلٍ تَدُلُّ عَلَى قُرْبِ الرَّبِّ مِنْ خَلْقِهِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَمَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ ﷺ [8].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً مُبَاشِراً):

هِيَ مِنْ أَشْهَرِ الصِّفَاتِ الَّتِي رَوَاهَا جَمْعٌ غَفِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ حَتَّى بَلَغَتِ التَّوَاتُرَ الْمَعْنَوِيَّ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 1145، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 758].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ مَعْنًى، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا نُزُولاً حَقِيقِيّاً إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ بِمَا يَلِيقُ بِيَظَمَتِهِ، لَا نُكَيِّفُهُ بِنُزُولِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَا نُخْلِي مِنْهُ الْعَرْشَ إِلَّا بِنَصٍّ، وَنَعْتَقِدُ أَنَّهُ نُزُولُ رَحْمَةٍ وَإِجَابَةٍ مَعَ تَمَامِ عُلُوِّهِ سُبْحَانَهُ).

4. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالُوا "يَنْزِلُ مَلَكُ رَبِّنَا" أَوْ "يَنْزِلُ أَمْرُهُ" أَوْ "رَحْمَتُهُ".

الرَّدُّ: هَذَا أَبْطَلُ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ الْمَلَكَ لَا يَقُولُ "مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ"، فَالْمَلَكُ لَا يَسْتَجِيبُ الدُّعَاءَ وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ. ثُمَّ إِنَّ الرَّحْمَةَ تَنْزِلُ كُلَّ وَقْتٍ، فَلِمَاذَا خَصَّ ثُلُثَ اللَّيْلِ؟ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّازِلَ هُوَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فِعْلاً بِمَا يَلِيقُ بِهِ [9].

5. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ:

تَرْبَوِيّاً: يُورِثُ "الِاشْتِيَاقَ وَتَعْظِيمَ وَقْتِ السَّحَرِ"؛ فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَحِي أَنْ يَنْزِلَ رَبُّهُ لِيُعْطِيَهُ وَهُوَ غَارِقٌ فِي نَوْمِهِ. فَالنُّزُولُ دَعْوَةٌ لِلْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ.

تَدَبُّرِيّاً: تَأَمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ عُلُوِّهِ الْمُطْلَقِ وَنُزُولِهِ، لِيُبَيِّنَ لِلْعِبَادِ أَنَّهُ قَرِيبٌ مِمَّنْ دَعَاهُ مَعَ عَظَمَتِهِ الَّتِي لَا تَنَالُهَا الْأَوْهَامُ.

6. أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ:

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نُثْبِتُ النُّزُولَ حَقِيقَةً، وَنَقُولُ لِلْمُعَطِّلِ: كَيْفَ تَنْفِي صِفَةً جَاءَتْ فِي الصِّحَاحِ؟ اللَّهُ يَنْزِلُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نُزُولِهِ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ تَقِلُّهُ (أَيْ تَحْمِلُهُ)، بَلِ اللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَنُزُولُهُ لَا يُشْبِهُ نُزُولَ الْمَخْلُوقِ" [10].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "حَدِيثُ النُّزُولِ جَاءَ مِنْ رِوَايَةِ عِشْرِينَ صَحَابِيّاً، وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالَّذِي يُنْكِرُهُ هُوَ الْمَحْرُومُ مِنَ الْخَيْرِ، لِأَنَّ النُّزُولَ صِفَةُ إِحْسَانٍ وَجُودٍ" [11].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْقَوْلُ فِي النُّزُولِ أَنَّهُ نُزُولُ الذَّاتِ، وَالْمُؤَوِّلُونَ فَرُّوا مِنْ وَصْفِ اللَّهِ بِالْحَرَكَةِ، فَقَعُوا فِي وَصْفِهِ بِالْعَدَمِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَالُوا: نُثْبِتُ مَا قَالَهُ الرَّسُولُ ﷺ وَنَكِلُ الْكَيْفِيَّةَ لِلَّهِ" [12].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "أَهْلُ الْحَدِيثِ هُمْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِصِفَةِ النُّزُولِ، لِأَنَّهُمْ يُحْيُونَ اللَّيْلَ وَيَسْتَشْعِرُونَ قُرْبَ رَبِّهِمْ، وَالرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ بِكَسْرِ قَوَاعِدِهِمُ الْمَنْطِقِيَّةِ الَّتِي تُعَارِضُ النُّصُوصَ" [13].

صَالِحٌ سَنْدِي: "النُّزُولُ صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ تَقَعُ بِإِرَادَةِ اللَّهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهَا لَوَازِمُ الْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْخُلُوِّ وَالِانْتِقَالِ الْحِسِّيِّ الضَّيِّقِ، بَلْ هُوَ نُزُولٌ يَلِيقُ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ" [14].

الْحَوَاشِي وَالتَّعْلِيقَاتُ :

[1] انْظُرْ: مَقَايِيسُ اللُّغَةِ (1/ 400)، وَتاج العروس (ج ي أ).

[2] رَاجِعْ: الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلْإِمَامِ الدَّارِمِيِّ، وَالرَّدُّ عَلَى بِشْرٍ الْمَرِّيسِيِّ.

[3] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 350-355).

[4] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 160).

[5] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الثَّانِي عَشَرَ).

[6] مَجْمُوعُ كُتُبِ وَرَسَائِلِ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (2/ 500).

[7] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 180).

[8] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (11/ 656)، وَالْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ (ن ز ل).

[9] رَاجِعْ: شَرْحُ حَدِيثِ النُّزُولِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَهُوَ أَوْسَعُ مَرْجِعٍ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ.

[10] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 195-200).

[11] شَرْحُ لُمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِلْفَوْزَانِ (ص 95).

[12] شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (مَبْحَثُ النُّزُولِ).

[13] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِرَبِيعٍ (ص 90).

[14] تَقْرِيرَاتٌ عَقَدِيَّةٌ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 140).

----------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ التَّاسِعُ: صِفَاتُ الْمَحَبَّةِ، وَالْوُدِّ، وَالْخُلَّةِ)

أَوَّلاً: صِفَةُ "الْمَحَبَّةِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ:

الْمَحَبَّةُ: أَصْلُهَا (حَبَّ)، وَهِيَ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى مَا تَرَاهُ خَيْراً. وَقِيلَ: هِيَ خُلُوصُ الصَّفَاءِ.

التَّدْقِيقُ: إِذَا أُضِيفَتْ لِلَّهِ فَهِيَ صِفَةُ فِعْلٍ وَذَاتٍ بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ حَقِيقَةً، وَمَحَبَّتُهُ لَهُمْ لَا تُشْبِهُ مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ فِي نَقْصِهَا وَحَاجَتِهَا، بَلْ هِيَ مَحَبَّةُ تَفَضُّلٍ وَإِحْسَانٍ [1].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: الآية 54].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: الآية 4].

3. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ...» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 3209، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 2637].

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ رَقْمُ 3009، وَمُسْلِمٌ رَقْمُ 2406].

4. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، نُثْبِتُ لَهُ بِهَا مَحَبَّةً حَقِيقِيَّةً لِأَوْلِيَائِهِ، لَا تُمَاثِلُ مَحَبَّةَ الْمَخْلُوقِ، وَنَرُدُّ تَأْوِيلَ مَنْ فَسَّرَهَا بِـ "إِرَادَةِ الثَّوَابِ" فَقَطْ).

5. مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالرَّدُّ الْعِلْمِيُّ عَلَيْهِمْ:

التَّأْوِيلُ: قَالَتِ الْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْمَحَبَّةُ مَيْلٌ قَلْبِيٌّ يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ، فَهِيَ بِمَعْنَى "إِرَادَةِ الْإِثَابَةِ".

الرَّدُّ: هَذَا تَعْطِيلٌ لِشَطْرِ الدِّينِ؛ فَاللَّهُ أَثْبَتَ الْمَحَبَّةَ مِنْ طَرَفَيْنِ {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وَالْإِرَادَةُ لَا تَكُونُ مِنْ طَرَفَيْنِ بِهَذَا الْمَعْنَى. كَمَا أَنَّ قَوْلَكُمْ (الْمَحَبَّةُ مَيْلٌ قَلْبِيٌّ) تَعْرِيفٌ لِلْمَخْلُوقِ، وَالْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ [2].

ثَانِيًا: صِفَةُ "الْوُدِّ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

الْوُدُّ: هُوَ خَالِصُ الْمَحَبَّةِ وَأَلْطَفُهَا. وَالْوَدُودُ مِنَ اسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَهُوَ اسْمٌ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ "الْوُدِّ" [3].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ:

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ} [سُورَةُ الْبُرُوجِ: الآية 14].

قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} [سُورَةُ هُودٍ: الآية 90].

3. الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

هِيَ: (صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ خَبَرِيَّةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، تُفِيدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُحِبٌّ لِأَوْلِيَائِهِ وَمَحْبُوبٌ لَهُمْ، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَدَّدُ إِلَى عِبَادِهِ بِنِعَمِهِ لِيُحِبُّوهُ، وَيَضَعُ لَهُمُ الْوُدَّ فِي قُلُوبِ خَلْقِهِ).

ثَالِثًا: صِفَةُ "الْخُلَّةِ" لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ

1. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:

الْخُلَّةُ: هِيَ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْمَحَبَّةِ، وَسُمِّيَتْ خُلَّةً لِتَخَلُّلِهَا مَسَالِكَ الرُّوحِ، وَهِيَ لَا تَقْبَلُ الْمُشَارَكَةَ [4].

2. الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ:

مِنَ الْكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: الآية 125].

مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ رَقْمُ 532].

رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ (بَسْطاً وَتَوْثِيقاً):

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الْمَحَبَّةُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالَّذِينَ نَفَوْهَا عَنِ اللَّهِ وَقَالُوا إِنَّهَا مَيْلٌ وَانْفِعَالٌ، قَدْ غَابَ عَنْهُمْ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ لَا نَقْصَ فِيهَا، بَلْ هِيَ مَحَبَّةُ عَظَمَةٍ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِرَادَةِ" [5].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "صِفَةُ الْخُلَّةِ أَخَصُّ مِنْ صِفَةِ الْمَحَبَّةِ، وَاللَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ مِنَ الْبَشَرِ خَلِيلاً إِلَّا إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّداً ﷺ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ هَذِهِ الصِّفَةِ وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ" [6].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْوَدُودُ اسْمٌ يَدُلُّ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَالْوُدُّ صِفَةٌ لِلَّهِ، وَالْمُعَطِّلَةُ إِذَا نَفَوْا الْمَحَبَّةَ فَقَدْ جَعَلُوا الْعَلَاقَةَ بَيْنَ الرَّبِّ وَعَبْدِهِ عَلَاقَةَ قَهْرٍ فَقَطْ، وَهَذَا خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ" [7].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مَحَبَّةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ هِيَ رُوحُ الدِّينِ، وَالْجَهْمِيَّةُ حِينَمَا نَفَوْا الْمَحَبَّةَ قَتَلُوا هَذِهِ الرُّوحَ، وَنَحْنُ نُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّ تَوْبَةَ التَّائِبِ وَيُحِبُّ عَمَلَ الصَّالِحِ حَقِيقَةً" [8].

صَالِحٌ سَنْدِي: "نُثْبِتُ أَنَّ لِلْمَحَبَّةِ مَعْنًى مَعْلُوماً لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّمْثِيلُ، وَتَفْسِيرُ مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ بِإِرَادَةِ نَفْعِهِ هُوَ مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ إِلَّا الْإِرَادَةَ تَقْلِيلاً لِلصِّفَاتِ" [9].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ (الْمَوْسُوعَةُ الْعِلْمِيَّةُ لِلْوَجْهِ التَّاسِعِ):

[1] انْظُرْ: لِسَانُ الْعَرَبِ (1/ 289)، وَمَقَايِيسُ اللُّغَةِ (2/ 3).

[2] رَاجِعْ: الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، ص 34.

[3] انْظُرْ: الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (و د د)، وَتَهْذِيبُ اللُّغَةِ.

[4] رَاجِعْ: بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ لِابْنِ الْقَيِّمِ (3/ 34).

[5] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 230).

[6] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 120).

[7] شَرْحُ الْحَمَوِيَّةِ لِآلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الثَّامِنُ).

[8] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِرَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (2/ 380).

[9] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سَنْدِي (ص 125).

--------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْعَاشِرُ: صِفَاتُ الْكَلَامِ، وَالْقَوْلِ، وَالتَّكْلِيمِ، وَالنِّدَاءِ، وَالنَّجْوَى)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْفُرُوقُ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ

الْكَلَامُ: في وضع اللغة هو أصواتٌ منظومةٌ مفيدة، وهو حقيقة في اللفظ والمعنى معاً. واشتقاقه من (ك ل م) الذي يدل على التأثير والقوة؛ ومنه (الْكَلْمُ) للجرح. وفي اصطلاح أهل السنة: هو صفة كمال قائمة بذات الله، يتكلم بمشيئته بصوت وحرف.

الْقَوْلُ: أعم من الكلام؛ إذ يُطلق على الكلمة الواحدة (قولاً)، بينما لا يُسمى الكلام كلاماً إلا بائتلافه جملة مفيدة. والقول في حق الله صفة فعل وقوله هو الحق والصدق {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}.

التَّكْلِيمُ: هو إيقاع الكلام مع الغير وتوجيهه إليه، وهو أخص من مطلق الكلام؛ لأن الكلام قد لا يكون موجهاً لسامع حاضر، أما التكليم فيقتضي مخاطباً (كالتكليم لموسى عليه السلام).

النِّدَاءُ: هو رفع الصوت بالكلام لِيُسمع من بَعُد، وأصله من (ن د و) وهو الاجتماع، ومنه النادي. ولا يُسمى النداء في اللغة نداءً إلا إذا كان بصوت مسموع مرتفع.

النَّجْوَى: هي المسارة بالكلام، أو الكلام مع القريب بلفظ خفي عن الأغيار. وأصلها من (ن ج و) وهو المكان المرتفع المنقطع عما حوله.

الفرق الجوهري: النداء يكون للبعيد، والنجوى تكون للقريب، وكلاهما يثبتان لله تعالى "الصوت"، إذ النداء صوت مرتفع والنجوى صوت منخفض، ونفي الصوت نفيٌ لحقيقة النداء والنجوى [1].

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي "الْكَلَامِ" وَ"الْقُرْآنِ" (بَسْطٌ وَتَوْثِيقٌ)

1. مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ (نُفاةُ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ):

في الكلام: زعموا أن الله لا يتكلم، وأن إضافة الكلام إليه كإضافة (ناقة الله) و(بيت الله)، فهي إضافة خلق لا إضافة صفة. فالله عندهم خلق كلاماً في الهواء أو في الشجرة فسمعه موسى، ونسبه الله لنفسه مجازاً.

في القرآن: صرحوا صراحة بأنه مخلوق من جملة المخلوقات المنفصلة عن الله، وأن القول بقدمه كفر [2].

2. مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (أَصْحَابُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ):

في الكلام: سلكوا مسلك الجهمية وزادوا "فلسفة الفاعل"؛ فقالوا: المتكلم ليس من قامت به الصفة، بل من فعلها. فالله فعل الكلام وخلقه في غيره، فهو متكلم بفعله لا بصفة في ذاته.

في القرآن: القرآن مخلوق حادث، أحدثه الله في اللوح المحفوظ أو في جبريل، ولا يتصور عندهم قيام الكلام بذات الله لئلا يلزم "حلول الحوادث" في الذات [3].

3. مَسْلَكُ الْكُلَّابِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ (أَصْحَابُ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ):

في الكلام: اخترع ابن كُلاب (وتبعه الأشعري) بدعة "الكلام النفسي"؛ فقالوا: الكلام صفة أزلية واحدة قديمة قائمة بالذات، هي (المعنى) فقط، وليست صوتاً ولا حرفاً. وزعموا أن هذا المعنى هو شيء واحد (بسيط) لا يتعدد ولا يتبع المشيئة.

في القرآن (بِدْعَةُ الْحِكَايَةِ): قالوا إن القرآن الذي نتلوه ونحفظه في المصاحف (حروف وسور) ليس هو كلام الله حقيقة، بل هو "حكاية" حكاها جبريل عن المعنى القائم في نفس الله. فاللفظ المنظوم العربي "مخلوق" باتفاقهم، والمعنى القائم بالنفس "قديم". وهذا يلزم منه أن التوراة هي عين القرآن في المعنى النفسي [4].

4. مَسْلَكُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَتْبَاعُ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ):

في الكلام: وافقوا الأشاعرة في أن الكلام "معنى نفسي أزلي" لا يتعلق بالمشيئة، وأن الله يتكلم في الأزل ولا يزال متكلماً بهذا المعنى الواحد.

في القرآن (بِدْعَةُ الْعِبَارَةِ): فرقوا عن الأشاعرة بلفظ (العبارة)؛ فقالوا: القرآن المسموع "عبارة" عن كلام الله النفسي. والعبارة عندهم هي اللفظ الدال على المعنى القديم، وهذه الألفاظ (مخلوقة حادثة) باتفاقهم. فالمؤدى عند الطائفتين واحد وهو أن ما بين دفتي المصحف مخلوق [5].

ثَالِثًا: الرَّدُّ الْعَقَدِيُّ الْفَاصِلُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ

الرد على القول بالخلق: لو كان الكلام يُسمى كلاماً لله بمجرد خلقه في غيره، لكان كلام (المؤذن) وكلام (القارئ) هو كلام الله حقيقة، وهذا باطل. بل الكلام ينسب لمن قام به حقيقة لا لمن خلقه.

الرد على الكلام النفسي: لو كان كلام الله هو المعنى فقط بلا حرف ولا صوت، لزم أن يكون الأخرس متكلماً (لأنه يجد المعنى في نفسه)، وهذا خلاف العقل واللغة والشرع.

الرد على الحكاية والعبارة: الله أقسم بالقرآن ووصافه بأنه (عربي) و(مبين)، والمعنى النفسي ليس عربياً ولا مبيناً بحروف. فنسبة الخلق للألفاظ تعطيل لحقيقة الصفة [6].

رَابِعًا: الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ

يورث إثبات النداء والنجوى للمؤمن تعظيماً لربه؛ فالله الذي نادى موسى ونادى عباده يوم القيامة، يُكلم عبده المؤمن في صلاته. فإذا قرأ {الحمد لله رب العالمين}، علم أن ربه يرد عليه ويقول: (حمدني عبدي)، وهذا أسمى معاني المناجاة.

خَامِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الْعَاشِرِ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "أهل السنة يثبتون الكلام صفة ذاتية فعلية؛ ذاتية من حيث الجنس، فعلية من حيث الآحاد. والقول بالحكاية هو قول المعتزلة بلباس أشعري" [7].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "النداء والنجوى ثابتان لله بصوت مسموع، ومن نفى الصوت فقد زعم أن الأنبياء توهموا النداء، وهذا قدح في النبوة" [8].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "المتكلمون فروا من تشبيه الله بالآلات والمخارج، فأبطلوا كمال الكلام. ونحن نثبت الحرف والصوت بلا تكييف" [9].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "كل من زعم أن القرآن مخلوق باللفظ فقد وافق الجهمية. فالقرآن كلام الله حيثما تُلِي وحيثما كُتِب" [10].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الفرق بين النداء والنجوى يثبت أن كلام الله يتفاضل في الكيفية (رفعاً وخفضاً) بحسب مقتضى المشيئة، وهذا أبطل قول من قال هو معنى واحد" [11].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر: تاج العروس (مادة ندو ونجو)، مقاييس اللغة (5/ 131)، الفروق اللغوية للعسكري (ص 520) في الفرق بين النداء والمناجاة.

[2] راجع قول الجهم في: مقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 245)، الرد على الجهمية للإمام أحمد (ص 102).

[3] انظر مسلك المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار (ص 350)، شرح الأصول الخمسة له أيضاً (ص 528-530). حيث نصوا على أن الكلام هو أصوات يخلقها الله في محل.

[4] انظر مسلك الأشاعرة وتأصيل الكلام النفسي في: اللمع للأشعري (ص 44)، الإرشاد للجويني (ص 103)، شرح المواقف للإيجي (8/ 95). (والحكاية عندهم تعني أن القرآن العربي دالٌّ على المعنى القديم وليس هو المعنى).

[5] انظر مسلك الماتريدية في: كتاب التوحيد للماتريدي (ص 110)، تبصرة الأدلة للنسفي (1/ 260). (والعبارة عندهم تقتضي أن اللفظ من نظم جبريل أو النبي ﷺ دلالةً على المعنى النفسي).

[6] راجع الردود العلمية المستفيضة في: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (2/ 365-410)، الصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 530) حيث أفرد فصلاً في "إبطال قولهم بالحكاية والعبارة".

[7] شرح العقيدة الواسطية للعثيمين (1/ 430)، دار ابن الجوزي.

[8] إعانة المستفيد للفوزان (1/ 182)، مؤسسة الرسالة.

[9] شرح الطحاوية لآل الشيخ (درس صفة الكلام)، تسجيلات الاستقامة.

[10] المنطق والمفهوم لربيع المدخلي (ص 105).

[11] تسهيل العقيدة لصالح سندي (ص 205)، دار الاستقامة

---------------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْحَادِي عَشَرَ: صِفَةُ الْإِسَافِ "الْأَسَفِ" - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (أ س ف) في لسانِ العربِ تَدورُ على مِحورينِ رئيسيينِ:

الأول: شِدَّةُ الْحُزْنِ، ومنه قوله تعالى عن يعقوب: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ}، أي بَلغَ بيَ الْحُزنُ غايتَه.

الثاني: شِدَّةُ الْغَضَبِ، ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا}، أي أغضبونا غضباً شديداً بلغَ مُنتهاهُ في استحقاقِ العقوبة.

الْفُرُوقُ بَيْنَ "الْأَسَفِ" وَبَيْنَ "الْحُزْنِ" وَ"الْغَضَبِ":

الفرق بين الأسف والحزن: الحزنُ انكسارٌ في النفسِ لِفواتِ مَحبوب، وهو يَحتملُ الضَّعفَ والعجزَ، ولذا يُنزهُ اللهُ عن "الحزنِ" نَفياً مُطلقاً؛ لِأنهُ لا يَفوتُه مَحبوبٌ إلا بِمشيئتِه، ولا يَعجزُ عن شيء. أما "الأسفُ" في حقِّ الله، فهو غَضبٌ مَقرونٌ بالعِزَّةِ والقُدرةِ على الانتقام، لا يَعتريهِ عجزٌ ولا انكسار.

الفرق بين الأسف والغضب: الغضبُ صِفةٌ عامَّة، أما "الأسفُ" (الذي هو الإساف) فهو بَلَاغُ الغضبِ ونِهايتُه؛ فكأنَّ الإسافَ هو الغضبُ الذي استوجبَ حلولَ النَّقمةِ فَوْراً، ولذلكَ جَاءَ بَعده بالفاء التي تُفيدُ التعقيبَ المباشر {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا} [1].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ بُلُوغَ غَضَبِهِ سُبْحَانَهُ غَايَتَهُ عَلَى مَنْ تَمَرَّدَ عَلَى أَمْرِهِ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ فِي مَقَامِ الْمُقَابَلَةِ وَالْجَزَاءِ، نُثْبِتُهَا لَهُ حَقِيقَةً كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنْ لَوَازِمِ مَخْلُوقَاتِهِ مِنَ النَّقْصِ أَوِ الِانْكِسَارِ).

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ} [سُورَةُ الزُّخْرُفِ: الآية 55].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ {فَلَمَّا آسَفُونَا}، قَالَ: «أَيْ أَغْضَبُونَا» [أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ 25/ 86، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ]. وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ»، وَهَذَا الْغَضَبُ الْعَظِيمُ هُوَ مَحْمَلُ الْإِسَافِ الْمُثْبَتِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْإِسَافِ"

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ):

قَوْلُهُمْ: نَفَوْا صِفَةَ الإسافِ والأسفِ والغضبِ عَنِ اللهِ مُطلقاً.

تَعْلِيلُهُمْ: زَعموا أنَّ "الأسفَ" هو (انفعالٌ نَفسيٌ يَحدثُ عِندَ غَليانِ دَمِ القَلبِ)، والربُّ مُنزهٌ عَنِ الجوارحِ والدَّمِ والأعراضِ الحادثة.

تَأْوِيلُهُمْ لِلْآيَةِ: قالوا: {فَلَمَّا آسَفُونَا} أي (أغضبوا أولياءنا) كَرُسلِنا وأنبيائِنا، فَنَسَبُوا الفعلَ لِلمخلوقِ وحَذَفوا المضافَ هَرباً مِن إثباتِ الصفةِ لله. أو قالوا: الإسافُ هو (إرادةُ العقوبةِ) وليسَ غضباً حقيقياً [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ (أَهْلُ التَّأْوِيلِ بِالْغَايَاتِ):

قَوْلُهُمْ: لا يَجوزُ إثباتُ الأسفِ كَصِفةٍ تَقومُ بذاتِ اللهِ وتَتجددُ بآحادِ الأفعال؛ لأنَّ ذلكَ يَستلزمُ عِندَهم (حُلولَ الحوادثِ).

تَأْوِيلُهُمْ: قَالُوا: الأسفُ والغضبُ والرضا هي مَجازاتٌ عَنِ (الْغَايَاتِ) لا (الْمَبَادِئِ)؛ فَالْغَايَةُ مِنَ الأسفِ هي العقوبةُ، فَنُفسرُ الأسفَ بـ "إرادةِ العقوبةِ" المندرجةِ تحتَ صِفةِ الإرادةِ الأزليةِ القديمة [4].

مَسْلَكُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ:

قَوْلُهُمْ: وافقوا الأشاعرةَ في نفيِ المبدأِ (تأثرِ الذات) وأثبتوا الغايةَ (الفعل)، فقالوا: الأسفُ هو فِعلُ الانتقامِ ذاتُه المسمى (تَكويناً)، ونَفَوْا أن يَكونَ للهِ غضبٌ يَسبقُ العقوبةَ يَتجددُ بتجددِ أفعالِ العباد [5].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قولُكم إنَّ الإسافَ هو "إرادةُ العقوبةِ" باطلٌ؛ لِأنَّ اللهَ قالَ: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا}، فَرَتبَ الانتقامَ (الذي هو مَحلُّ الإرادةِ الفعليةِ) على الإسافِ بِحرفِ التَّعقيبِ "الفاءِ"، ولو كانَ الإسافُ هو الإرادةَ لكانَ المعنى (فَلَمَّا أرادوا عِقابَنا انْتَقَمْنَا)، وهذا تَكرارٌ يَصانُ عنه القرآنُ.

اللهُ نَسبَ الإسافَ لِنفسِه {آسَفُونَا}، ولم يَقُلْ (آسفوا رُسلَنا)، والأصلُ بَقاءُ الكلامِ على ظاهرهِ وحقيقتِه حتى يأتيَ صَارفٌ يَقيني، ولا صَارفَ إلا أوهامُكم العقلية.

2. الرَّدُّ الْعَقْلِيُّ:

قاعدةُ الكمالِ: الغضبُ والإسافُ عِندَ القُدرةِ هو صِفةُ "كمالٍ"؛ لِأنَّ الذي لا يَغضبُ لِحرماتِه هو (عَاجزٌ) أو (مُتَبلدٌ)، والربُّ لَهُ الكمالُ المطلق، فإذا انتُهكت حُرماتُه بَلغَ غضبهُ غايتَهُ (الإساف)، وهذا دَليلُ عِزَّتِه وقَهره.

قاعدةُ الذاتِ: القولُ في الصِّفاتِ كَالقولِ في الذات؛ فإذا كُنتم تُثبتونَ للهِ ذَاتاً لا تُشبهُ الذوات، فَأَثْبِتُوا لَهُ إِسَافاً لا يُشبهُ إِسَافَ المَخلوقينَ في نَقصهِ وأعراضِه [6].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نَعتقدُ أنَّ اللهَ "يَأسفُ" (يَغضبُ بشدة) عِندما يَتعدى العبادُ حدودَه، وهذا الإسافُ يَتجددُ بتجددِ أسبابِه مِنَ العباد، وهو صِفةُ فِعلٍ تَتجلى فِيها حِكمةُ الربِّ في جَزاءِ الطُّغاةِ كفرعونَ وقومِه.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يزرعُ هَذا المسلكُ في نَفسِ المؤمنِ (خَوْفَ الِاسْتِدْرَاجِ)؛ فاللهُ قد يَمكرُ بالعبدِ ويُمهلهُ وهو عاصٍ، حتى إذا بَلغَ الغضبُ الإلهيُّ مَداهُ (الإساف) حَلَّ الانتقامُ فجأة، فَيظلُّ العبدُ حذراً مِن "إسافِ الربِّ".

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التدبرُ في الفاءِ في قوله {فَانْتَقَمْنَا} بَعدَ {آسَفُونَا} يُعطِي مَعنى "الْفَوْرِيَّةِ"؛ فالانتقامُ جاهزٌ ومُعدٌّ، ولا يَمنعهُ إلا حِلمُ اللهِ، فإذا انقضى أَمَدُ الحِلمِ وجَاءَ الإسافُ، لم يَرُدَّ بأسَهُ أحدٌ.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الْحَادِي عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الإسافُ هو أشدُّ الغضب، وإثباتُه للهِ حقيقةٌ لا مَجاز، والقاعدةُ عِندنا أنَّ كلَّ صفةٍ نَسبها اللهُ لِنفسه فَهي كمال، ونحنُ نَنفي عَن اللهِ (الْحُزْنَ) لِأنهُ نَقص، ونُثبتُ (الْأَسَفَ) بِمَعنى الغضبِ لِأنهُ عِزَّةٌ وقُدرة" [7].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "المعطلةُ الذينَ قالوا: غَضبُ اللهِ إرادةُ عقوبتِه، جَعلوا الغضبَ والرضا شيئاً واحداً وهي الإرادة، وهذا إبطالٌ لِلنصوصِ. واللهُ انْتَقَمَ مِن فِرعونَ لَمَّا (آسَفَهُ) أي أغضبهُ، وهذا الفِعلُ يَقومُ بذاتِه مَتى شَاء" [8].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الأسفُ في اللغةِ يُستعملُ لِلحزنِ ولِلغضب، والقرآنُ جاءَ بلغةِ العرب، وبِما أنَّ اللهَ لا يَحزن، تَعيَّنَ أنَّ المُرادَ هو الغضبُ الذي يَعقبهُ الفعل، وهذا مِن بلاغةِ القرآنِ في وَصفِ كمالِ جَبروتِ الربِّ" [9].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الجهميةُ يُريدونَ رَبّاً جَامداً لا يَغضبُ ولا يَرضى، وهذا صَنَمٌ وليسَ إلهاً. اللهُ يَغضبُ ويَشتدُّ غضبهُ حتى يُقال (آسفونا)، وهذا رَدٌّ قاطعٌ على مَن زَعمَ أنَّ اللهَ لا تَتغيرُ أفعالهُ بحسبِ أفعالِ العباد" [10].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الفرقُ بينَ الأسفِ الذي هو حُزنٌ وبينَ الأسفِ الذي هو غضبٌ مَعلومٌ بالسياق؛ ففي حَقِّ اللهِ هو غضبٌ مَحضٌ، وهو مِن صِفاتِ المقابلةِ التي تُبينُ عظمةَ الربِّ في دَفْعِ كَيْدِ المحاربينَ لِدينه" [11].

الْحَوَاشِي وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 105)، وتاج العروس للزبيدي (23/ 25) مادة (أسف)، وتفسير ابن جرير الطبري (25/ 86).

[2] انظر: صحيح البخاري كتاب التفسير (4712)، وتفسير ابن أبي حاتم في قوله تعالى {فَلَمَّا آسَفُونَا}.

[3] راجع مقالات المعتزلة وتأويلهم للغضب في: المنية والأمل لابن المرتضى (ص 150)، وشرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 480).

[4] انظر مسلك الأشاعرة في: الإرشاد للجويني (ص 160)، وشرح المواقف للإيجي (8/ 235). (يقولون: الصِّفاتُ التي تُوهمُ النقصَ تُؤولُ بِلوازمِها مِنَ العقوبة).

[5] انظر مذهب الماتريدية في: كتاب التوحيد للماتريدي (ص 115)، وإشارات المرام للبياضي (ص 188).

[6] تفصيل الرد العقلي على نُفاةِ الصفات الاختيارية في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (12/ 500)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 450).

[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 270-275)، طبعة دار ابن الجوزي.

[8] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 110-115).

[9] شرح الحموية الكبرى لصالح آل الشيخ (الدرس 20 - صفات الأفعال).

[10] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 430)، دار الميراث النبوي.

[11] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 125)، دار الاستقامة.

------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّانِي عَشَرَ: صِفَةُ الْمَكْرِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (م ك ر) في لغة العرب تدور على (السَّتْرِ وَالْخَفَاءِ). يُقال: مَكَرَ به، إذا كاد له وأوصل إليه المكروه من حيث لا يشعر. وأصل المادة يقتضي التوصل إلى مقصودٍ ما بطريقٍ خفيٍّ لا يظهر للخصم.

الْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ:

الفرق بين المكر والخديعة: المكرُ أعم؛ فقد يكون في الخير (بمعنى التدبير الخفي لإحقاق الحق)، وقد يكون في الشر. أما الخديعة فهي في الغالب إظهار خلاف ما يُبطن لإيقاع الخصم.

الفرق بين المكر والغدر: الغدرُ نقضُ عهدٍ معلوم، وهو صفة ذمٍّ مطلقة لا تُنسب لله بحال. أما المكر في حق الله فهو (التدبير الإلهي الخفي) الذي يُبطل به تدبير الكافرين، فهو عدلٌ وقوة [1].

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ تَدْبِيرَهُ السُّبْحَانِيَّ الْخَفِيَّ فِي مُقَابَلَةِ كَيْدِ الْأَعْدَاءِ، لِإِيصَالِ الْعُقُوبَةِ إِلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ جَزَاءً وِفَاقاً، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ فِي سِيَاقِ الْمُقَابَلَةِ، لَا تُسْنَدُ إِلَيْهِ بِإِطْلَاقٍ).

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [سورة النمل: الآية 50]. وقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [سورة الأنفال: الآية 30].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدْعُو: «رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ، وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ...» [أخرجه الترمذي (3551) وقال: حسن صحيح، وأبو داود (1510)، وصححه الألباني]. وفي الحديث إثبات فعل المكر لله (امكر لي) في سياق النصرة [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْمَكْرِ"

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ أَفْعَالِ الرَّبِّ):

قَوْلُهُمْ: أنكروا أن يكون المكر صفةً حقيقية قائمة بذات الله، وزعموا أن المكر لا يليق بجلال الرب لأنه يوهم النقص أو التشبيه بالبشر الذين يمكرون لضعفهم.

تَأْوِيلُهُمْ: قالوا: "مكر الله" هو (عقوبته للماكرين) أو (جزاء مكرهم). فصرفوا المعنى من "الصفة" إلى "المفعول المخلوق" المنفصل عن الله [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَصْحَابُ الْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ):

قَوْلُهُمْ: زعموا أن ذكر "المكر" في حق الله هو من باب (الْمُشَاكَلَةِ اللَّفْظِيَّةِ الْمَحْضَةِ)؛ أي أن الله ذكر لفظ المكر لأنه وقع في مقابلة مكرهم، وليس لأن الله يمكر حقيقة.

تَعْلِيلُهُمْ: قالوا إن المكر يقتضي خفاء الوسيلة، والخفاء لا يكون إلا على من يجهل العواقب، والله منزه عن الجهل، فتعين أن يكون اللفظ مجازاً عن (إرادة العقوبة) [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قولكم إن المكر مجازي أو مشاكلة لفظية لا معنى لها، يبطله قوله تعالى {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}؛ فالأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الصفة مع تميز صفة الخالق بالكمال. فلو كان مكر الله هو مجرد عقوبة، لم يصح وصفه بأنه "خير الماكرين"؛ لأن العقوبة مفعول وليست صفة تدبير.

النبي ﷺ دعا ربه بقوله (وامكر لي)، ولو كان المكر مستحيلاً على الله لما سأله النبي ﷺ ذلك، ولما جاز وصف الله به في أدق مواطن التوسل.

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

المكر في محله وفي مقابلة من يمكر بالحق هو غاية (الْعَدْلِ وَالْكَمَالِ)؛ لأنه يدل على أن تدبير الرب محيط بكل التدابير، وأن الماكر الذي يظن أنه يتصرف في خفاء هو تحت سلطان الله وتدبيره.

إن نفي المكر عن الله بالكلية يلزم منه وصف الله بـ (الْغَفْلَةِ) أو (الْعَجْزِ) عن مقابلة كيد الأعداء، وهذا أشد نقصاً مما فررتم منه [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نثبت لله مَكراً حقيقياً يليق بجلاله، وهو من صفات الأفعال الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، ونعتقد أن مكر الله كله خير وحكمة وعدل، ولا يُنسب إليه إلا مقيداً بفعله بالأعداء.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يزرع هذا المسلك في قلب العبد "الْحَذَرَ الدَّائِمَ"؛ فلا يأمن العبدُ مكر الله حتى لو كان مطيعاً، كما كان الصحابة يخافون النفاق على أنفسهم. قال تعالى: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التدبر في قوله {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} يورث اليقين بطلاقة القدرة الإلهية؛ فالله يستدرج الظالم من حيث يظن الظالم أنه يحسن صنعاً، وهذا أعظم في نصرة المظلوم وطمأنة قلبه.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "مكر الله صفة كمال في موضعه؛ لأن المكر بالماكر يدل على القوة والإحاطة، فالله يمكرُ بمن يستحق المكر عدلاً منه سبحانه، ولا يجوز إطلاق وصف الماكر على الله في غير هذا السياق" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "تأويل المكر بالعقوبة هو تعطيلٌ لمعنى النص، فالمكرُ صفةُ فِعلٍ تسبق العقوبة وتؤدي إليها، ومن نفى الصفة فقد زعم أن الله لا يدبّر، وهذا باطل" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "المشاكلة عند السلف ليست لفظية فقط، بل هي مشاكلة في المعنى أيضاً مع تنزيه الخالق؛ فالله يمكر حقيقة بمكرٍ يليق به جَزاءً لمن يمكر بآياته" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مذهب أهل السنة وسطٌ بين من يصف الله بالمكر كالمخلوقين وبين من ينفيه بالكلية؛ فنحن نثبته في مقام الجزاء لبيان عزة الله وقدرته على إبطال كيد المشركين" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "القول بأن المكر يقتضي الجهل باطل؛ بل مكر الله يقتضي كمال العلم، لأنه يُحيط بالسرائر ويُبطلها من حيث لا يحتسب أصحابها، وهذا غاية الحكمة" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (5/ 200)، تاج العروس (13/ 115)، والفروق اللغوية للعسكري (ص 485) في الفرق بين الكيد والمكر.

[2] انظر: جامع الترمذي (3551)، وتفسير ابن كثير لآية الأنفال (4/ 44).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 485)، والكشاف للزمخشري عند آية (آل عمران: 54).

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: الإرشاد للجويني (ص 160)، وتفسير الرازي (8/ 67). (يقولون: المكر في حقنا رذيلة وفي حق الله مجاز عن الجزاء).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (7/ 110)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 450) في مَبحث "المشاكلة المعنوية".

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 255)، طبعة دار ابن الجوزي. وانظر: القواعد المثلى (القاعدة الثالثة).

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 115).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (درس صفات الأفعال).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 425).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 118)، دار الاستقامة.

----------------------:&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّالِثِ عَشَرَ: صِفَةُ الْخِدَاعِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (خ د ع) في لغة العرب تدورُ على (الْإِخْفَاءِ وَالِاسْتِرْقَاقِ). يُقال: "خَدَعَ الضَّبُّ" إذا دخل جُحره وأخفى نفسه. والخدوعُ من الأنهار هو الذي يظهر تارة ويختفي أخرى. والخدعة في الحرب: إظهار أمرٍ يُؤمنُ به الخصمُ لِيُوقَعَ في غرضٍ مستور.

الْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ:

الفرق بين الخداع والمكر: المكرُ يقعُ للبرِّ والفاجر (كالتدبير الخفي)، أما الخداعُ ففي سياق المقابلة يختصُّ غالباً بمن يُظهر خلاف ما يُبطن (كالمنافقين).

الفرق بين الخداع والظلم: الظلم نقصُ حقٍّ بغير حق، وهو منزه عنه الربُّ مطلقاً. أما الخداعُ فهو إيقاعُ العبدِ في عاقبةِ فِعله السوء من حيث لا يشعر، وهو عدلٌ محض.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ مُعَامَلَةَ اللَّهِ لِلْمُنَافِقِينَ بِظَاهِرِ أَحْوَالِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَإِضْلَالَهُمْ عَنِ النُّورِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَزَاءً عَلَى إِبْطَانِهِمُ الْكُفْرَ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ مُقَيَّدَةٌ بِمَقَامِ الْمُقَابَلَةِ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [سورة النساء: الآية 142].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي ذِكْرِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ: «... وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ...» [أخرجه البخاري رقم 7437]. وفي هذا إثباتُ مخادعةِ اللهِ للمنافقين في المحشر بإعطائهم النور ثم إطفائه كما في سورة الحديد [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْخِدَاعِ"

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الْقَصْدِ الْفِعْلِيِّ):

قولهم: أنكروا أن يكون الله "خادعاً" حقيقةً، وزعموا أن الخداع رذيلة لا تليق بالله.

تأويلهم: قالوا: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} أي (مُعاقبهم على خداعهم)، أو (مُسمِّي خِداعهم خداعاً). فجعلوا الصفة مجازاً عن التسمية أو العقوبة المنفصلة [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَصْحَابُ الِانْفِكَاكِ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى):

قولهم: الخداعُ مستحيلٌ على الله؛ لأنه يقتضي استغفالَ المخدوع، والله لا يَخفى عليه شيء.

تأويلهم: فسروا الخداع بـ (إرادةِ الخذلان) أو (إرادةِ الحرمان). وقالوا إن ذكر لفظ "خادعهم" هو من قبيل "المشاكلة اللفظية" التي لا يُراد بها حقيقة المعنى، بل مجرد توافق الكلمات في السياق [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قوله تعالى: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} جملةٌ اسميةٌ مُؤكدةٌ بالضمير، تدلُّ على ثبوت الفِعل منه سبحانه. ولو كان مجرد "تسمية" أو "عقوبة" لم يكن لإضافتها لذاته بلفظ (خادع) معنىً، فإنه يُقال "مُعاقبهم" لا "خادعهم".

صحَّ في حديث الصراط أن المنافقين يُعطون نوراً يمشون به خديعةً لهم، ثم يُسلبُ منهم، وهذا فِعلٌ حقيقيٌّ أوقعه الله بهم جزاءً على خداعهم للمؤمنين في الدنيا.

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

إبطال شُبهة الجهل: قولكم "الخداع يقتضي جهل الخادع" باطل؛ بل خداع الله للمنافقين يقتضي كمال العلم؛ لأنه عاملهم بظاهرهم الذي أظهروه، وأخفى عنهم العقوبة التي استحقوها، وهذا هو غاية القهر والعظمة.

كمال المقابلة: الخداعُ في مقابلة من يُخادعُ الدين هو صِفةُ مَدحٍ؛ لأنه يدلُّ على حكمة الربِّ في إبطال كيدهم بنفس طريقتهم، فكما أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر، أظهر الله لهم النجاة وأبطن لهم الهلاك [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نؤمنُ بأنَّ اللهَ "خادعٌ" للمنافقين حقيقةً كما يليقُ بجلاله، لا نُكيّفُ ذلك ولا نُمثله بخداعِ البشر، ونثبتُ أن هذا الخداع عدلٌ لا ظلم فيه، وحكمةٌ لا عبث فيها.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (الصدقَ مع الله)؛ فمن عَلِمَ أنَّ اللهَ قد يُخادعُ من يُخادعُ دينه، خشيَ أن يكون باطنهُ مخالفاً لظاهره فيُستدرج وهو لا يشعر.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ إرجاعِ الخداعِ لله في قوله {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} يَبثُّ في نفس المؤمن الطمأنينة؛ فمهما بلغ دهاء المنافقين وتغلغلهم، فإنَّ "خداع الله" مُحيطٌ بهم، وسينقلبُ سحرهم عليهم في أحرج اللحظات.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الخداع صفة كمال في موضعه، والله يُخادعُ المنافقين كما يليق بعظمته، ولا يجوز أن نصف الله بأنه (خادع) على سبيل الإطلاق، بل نقول هو خادعٌ لمن يخادعه، وهذا الفرق الدقيق هو الذي ضلَّ فيه المتكلمون" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "تأويل الخداع بالعقوبة هو من جِنس تأويل الجهمية، والحق أنَّ الله يوقعُ الخديعة بالمنافقين فعلاً كما في حديث الصراط، وهذا يُثبتُ عِزة الرب وقوته" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "المشاكلةُ المعنويةُ في صفة الخداع ثابتة؛ فاللهُ يُعاملهم بجنس فعلهم، وهذا من كمال تدبيره سبحانه، ومن نفى ذلك فقد زعم أن الله لا يُقابل كيد الكفار بما يُبطله" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مذهب السلف هو إثبات ما أثبته الله لنفسه من الخداع المقيد، وهذا يُبطلُ مذهب من زعم أن الله مجرد (مُراقب) لا يتدخلُ بأفعاله في إحباط كيد المنافقين" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الخداعُ الإلهي للمنافقين هو نوع من (العدل الرياضي)؛ أظهروا ما لا يبطنون فأظهر لهم ما لا يريد، وهذا يُحقق كمال القهر الإلهي على أعداء الملة" [10].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (2/ 160)، تاج العروس (20/ 510)، والصحاح للجوهري (3/ 1201).

[2] انظر التفسير في: تفسير الطبري (9/ 320)، وفتح الباري لابن حجر (13/ 420) في شرح حديث الرؤية والصراط.

[3] راجع مسلك المعتزلة في: تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار (ص 110)، وتفسير الزمخشري عند آية النساء.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: الإرشاد للجويني (ص 160)، وتفسير الرازي (11/ 80). (يقولون: الخداع من الرب مجاز عن الاستدراج).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 120-130)، وشرح العقيدة الواسطية للهراس (ص 95).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 260)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 115).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (الدرس 22).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 435).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 122)، دار الاستقامة.

--------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الرَّابِعِ عَشَرَ: صِفَةُ الِاسْتِهْزَاءِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (هـ ز أ) في لغة العرب تدورُ على (الْإِزْرَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ). يُقال: "هَزِئَ به" إذا سخر منه واستخفَّ به. والهُزْءُ في أصله يقتضي إظهار ما يُضحك أو ما يُهينُ الخصم بأسلوبٍ فيه نوع من السخرية الخفية.

الْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ:

الفرق بين الاستهزاء والسخرية: الاستهزاءُ قد يكون في الأمور المعنوية والأقوال، أما السخريةُ فغالباً ما تكون في الأفعال والهيئات، وكلتاهما إذا أُسندتا لله كانتا في مقام المقابلة والعدل.

الفرق بين استهزاء الخالق واستهزاء المخلوق: استهزاءُ المخلوقِ نابعٌ من (الكِبْرِ أو الجهل)، أما استهزاءُ الخالقِ فنابعٌ من (الْعِزَّةِ وَالْعَدْلِ)؛ فهو جَزاءٌ لمن استهزأ بآيات الله، فكان جزاؤه من جنس عمله.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ مُعَامَلَةَ اللَّهِ لِلْمُنَافِقِينَ بِمَا يَظْهَرُ فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِهِمْ وَتَحْقِيرٌ لِشَأْنِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَزَاءً عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ بِالدِّينِ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ إِذَا كَانَتْ فِي مَقَامِ الْمُقَابَلَةِ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [سورة البقرة: الآيات 14-15].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، قَالَ: «يَفْتَحُ لَهُمْ بَابًا مِنَ الْجَنَّةِ، فَإِذَا جَاءُوا لِيَدْخُلُوهُ أُغْلِقَ دُونَهُمْ، ثُمَّ يُفْتَحُ لَهُمْ بَابٌ آخَرُ... فَذَلِكَ اسْتِهْزَاءُ اللَّهِ بِهِمْ» [أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (1/ 303)، وابن أبي حاتم (1/ 46) بإسنادٍ حسن]. وهذا تطبيقٌ عملي لمعنى الاستهزاء الحقيقي يوم القيامة [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الِاسْتِهْزَاءِ"

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ صِفَاتِ الذَّاتِ وَالْأَفْعَالِ):

قولهم: أنكروا أن يكون الله "مستهزئاً" حقيقةً، وزعموا أن الاستهزاء لغوٌ وعبث لا يليق بالحكيم.

تأويلهم: قالوا: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} أي (يُعاقبهم على استهزائهم)، فجعلوا الفِعلَ عائداً على "المخلوق" (وهو العذاب) وليس صفةً قائمة بالله. وادعوا أن التعبير جاء بلفظ الاستهزاء لتناسب الكلمات (مشاكلة لفظية محضة) [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَهْلُ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ مَعْنَاهُ):

قولهم: الاستهزاءُ يقتضي (الطَّرَبَ وَالسُّرُورَ) بفعلٍ ما، وهذا انفعالٌ مستحيل على الله.

تأويلهم: فسروا الاستهزاء بـ (إرادةِ الْإِهَانَةِ) أو (الِاسْتِدْرَاجِ). وزعموا أن نسبة الاستهزاء لله هي من قبيل "المجاز" الذي يُقصد به لازم الصِّفة وهو العقوبة، ونفوا قيام صفة الاستهزاء بذات الله حقيقةً [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ}، جملةٌ خَبريَّةٌ صريحةٌ، بدأت بلفظ الجلالة "الله"، مما يقتضي نسبة الفعل إليه حقيقةً. ولو كان المعنى هو العقوبة فقط لقال "الله يُعاقبهم"، فتركُ الواضح إلى المؤوَّل بغير دليلٍ هو تحريفٌ للكلم.

قول ابن عباس (وهو ترجمان القرآن) في تفسير الآية بفتح أبواب الجنة ثم إغلاقها، دليلٌ قاطع على أن الاستهزاء فِعلٌ يوقعه اللهُ حقيقةً بالمنافقين، وليس مجرد "تسمية" أو "مجاز".

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

إبطال شُبهة العبث: الاستهزاءُ بالمستهزئِ هو غاية (الْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ)؛ لأنه يُبينُ حقارةَ المعتدي وعظمةَ الرب، فالمنافقُ الذي ظنَّ أنه بذكائه سخر من المؤمنين، يُعاملُ بنفس الأسلوب ليذوقَ مَرارة التحقير، وهذا هو الكمال في القهر.

الفرق بين المبدأ والغاية: نحن نثبتُ (مبدأ الصفة) وهو الاستهزاء الحقيقي الذي يليق بالله، وننفي (لوازم البشر) كالانفعال أو الضحك الذي يقتضي نقصاً، فاللهُ ليس كمثله شيء في صفاته كما أنه ليس كمثله شيء في ذاته [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نؤمنُ بأنَّ اللهَ "يستهزئُ" بالمنافقين حقيقةً كما يليقُ بجلاله، وهي صفةُ فعلٍ تتعلق بمشيئته، ونعتقدُ أن هذا الاستهزاء عدلٌ محض ونصرةٌ للمؤمنين الذين سُخِرَ منهم في الدنيا.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (هَيْبَةَ اللَّهِ فِي الْقَلْبِ)؛ فالعاقلُ لا يستهينُ بشيءٍ من أحكام الدين، خشية أن يقع في زمرة من "يستهزئ الله بهم"، فيخسر الدنيا والآخرة وهو لا يشعر.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ قوله {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ} بَعد الاستهزاء، يُبينُ أنَّ من صور استهزاء الله بالعبد في الدنيا هو "تيسير سبل الضلال له" ليزداد إثماً، وهو نوعٌ مخيفٌ من العقوبة الخفية التي تستوجب دوام اللجوء لله بالثبات.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الرَّابِعِ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الاستهزاء من صفات الأفعال التي لا يُوصف الله بها على الإطلاق، بل في مقام المقابلة؛ فإذا كان الاستهزاء في مقابلة من يستهزئ فهو كمال، لأنه يدل على أن المستهزِئ تحت سيطرة الله وقدرته" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "المعطلةُ فروا من لفظ الاستهزاء لظنهم أنه يقتضي اللعب، والحق أنَّ الله يستهزئُ بالظالمين عزةً منه وإذلالاً لهم، وهذا من تمام مَلِكِهِ وسلطانه" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الاستهزاءُ الإلهي ثابتٌ بالنص، وهو من جِنس (الجزاء من جنس العمل)؛ فالمنافقون أظهروا الاستهزاء بالدين استخفافاً، فاستخفَّ اللهُ بهم وأركسهم في عذابهم" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مذهب أهل السنة يثبت الحقيقة اللغوية للاستهزاء مع نفي التشبيه، وهذا يقطع الطريق على الذين جعلوا القرآن رموزاً ومجازاتٍ لا حقيقة لها، وهو ردٌّ على جهمية العصر" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الاستهزاء المقيد كمالٌ في الخالق، لأنه يَعني إبطال كيد المستهزئ وإظهار ضَعفه أمام القوة الإلهية، وهو يُحقق مَعنى القهر الذي هو من صِفات الربوبية" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة لابن فارس (6/ 15)، تاج العروس (1/ 460)، ولسان العرب (1/ 190).

[2] انظر التفسير والآثار في: تفسير الطبري (1/ 303)، والدر المنثور للسيوطي (1/ 115) في ذكر جزاء المستهزئين.

[3] راجع مسلك المعتزلة في: المغني للقاضي عبد الجبار (ج 5)، وتفسير الزمخشري عند الآية (15) من سورة البقرة.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المواقف للإيجي (8/ 235)، وتفسير الرازي (2/ 75). (يقولون: الاستهزاء لا يقع إلا من جاهل بالعواقب، والله منزه، فهو مجاز).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 115-125)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 455).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 265)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 118).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (الدرس المتعلق بصفات المقابلة).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 440).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 124)، دار الاستقامة.

-------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْخَامِسِ عَشَرَ: صِفَةُ الْكَيْدِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

  1. ​أَصْلُ الْمَادَّةِ: مادة (ك ي د) في لغة العرب تدورُ على مِحوري (الْمُعَالَجَةِ بِقُوَّةٍ) و(الْإِرَادَةِ الْخَفِيَّةِ). يُقال: "كَادَ فلانٌ كَيْداً" إذا دبر أمراً بِلُطفٍ وخفاء لِيُوقِعَ بخصمه. وأصلُ الكيدِ في اللغة هو نوعٌ من "الاحتيال المحمود أو المذموم" بحسب القصد.
  2. ​الْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ:
    • ​الفرق بين الكيد والمكر: المكرُ أعمُّ وألطفُ خفاءً، أما الكيدُ ففيه مَعنى القوةِ والمتانة، ولذا وُصفَ كيدُ الله بأنه (متين) {إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، أي لا يُمكن فكُّه أو الإفلاتُ منه.
    • ​الفرق بين الكيد والظلم: الكيدُ من الله عدلٌ لأنه جزاءٌ على كيدِ العبد، والظلمُ نَقضٌ للحق، والله مُنزهٌ عن الظلم وموصوفٌ بالكيد في مقام المقابلة.
  3. ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ: هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ تَدْبِيرَهُ الْقَوِيَّ الْخَفِيَّ فِي إِبْطَالِ سَعْيِ الْكَافِرِينَ وَإِيقَاعِ الْعُقُوبَةِ بِهِمْ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّونَ السَّلَامَةَ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ مُقَيَّدَةٌ بِمَقَامِ الْجَزَاءِ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

  • ​مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [سورة الطارق: الآيات 15-16]. وقوله: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [سورة الأعراف: الآية 183].
  • ​مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ {وَأَكِيدُ كَيْدًا}، قَالَ: «أَيْ أَسْتَدْرِجُهُمْ بِالنِّعَمِ، وَأُوقِعُ بِهِمُ النِّقَمَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ» [أخرجه ابن جرير الطبري (24/ 360)، والبيهقي في الأسماء والصفات]. وهذا يدلُّ على أن كيد الله فِعلٌ يتعلق باستدراج الكافر لمحل هلاكه [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْكَيْدِ"

  1. ​مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ التَّدْبِيرِ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ):
    • ​قولهم: أنكروا أن يكون الله "كيداً" حقيقةً، وزعموا أن الكيد خُلقٌ ذميم يقتضي الحاجة والضعف.
    • ​تأويلهم: قالوا: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} أي (أُجازيهم جزاء كيدهم)، فجعلوا الفِعل مجازاً عن "الجزاء المخلوق"، ونفوا أن يكون لله إرادةٌ توصف بالكيد في مقابلة كيدهم [3].
  2. ​مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَصْحَابُ الْمُشَاكَلَةِ الْمَحْضَةِ):
    • ​قولهم: الكيدُ يقتضي "الْفِكْرَ وَالرَّوِيَّةَ" للوصول للهدف، وهذا يستلزمُ الحدوثَ والزمان، والربُّ قديمٌ منزهٌ عن ذلك.
    • ​تأويلهم: فسروا الكيد بـ (إرادةِ الِاسْتِدْرَاجِ)، وزعموا أن إطلاق لفظ الكيد على فِعل الله هو من قبيل "المشاكلة اللفظية" فقط لتناسب قوله {يَكِيدُونَ كَيْدًا}، ونفوا حقيقة المعنى المنسوب للذات [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

​1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

  • ​قوله تعالى: {وَأَكِيدُ كَيْدًا}، جاء بالمفعول المطلق (كَيْداً) المؤكد للفعل، وهذا في لغة العرب يقطعُ مادة المجاز ويُثبتُ حقيقة الفعل. فالله أكد كيده كما أكد الكفار كيدهم، فالتفريق بينهما تحكمٌ بغير دليل.
  • ​وصف الله كيده بـ (الْمَتِين)، والمتانةُ صِفةٌ للقوةِ والصلابةِ في التدبير، ولو كان الكيد مجرد "تسمية" أو "جزاء" لما وُصف بالمتانة التي هي من صفات القوة الفعلية.

​2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

  • ​إبطال شُبهة الضعف: الكيدُ من الضعيفِ ضعفٌ، ومن القويِّ القادرِ هو غاية (الْعِزَّةِ وَالْقَهْرِ)؛ لأنه يدلُّ على أن كيد المخلوق مهما عظم فهو تحت سلطان كيد الخالق الذي لا يخرجُ عن مشيئته شيء.
  • ​إثبات الحكمة: كيدُ اللهِ بالظالمين هو من باب (الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ)؛ فالمؤمنُ يستشعرُ عظمة الرب الذي يحمي دينه بتدبيرٍ أقوى من تدبير البشر، وهذا كمالٌ في الفعل الربوبي [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

  1. ​الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نؤمنُ بأنَّ اللهَ "يكيدُ" بالكافرين كيداً حقيقياً يليقُ بجلاله، ونثبتُ له صفة (الْكَيْدِ الْمَتِينِ) التي تُبطلُ مكر الماكرين، وهي صفة فعلٍ مقيدة بمحلها من العدل والجزاء.
  2. ​الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (عَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالنِّعَمِ)؛ فمن رأى نعم الله تترى عليه وهو مقيمٌ على معصيته، فليخشَ أن يكون هذا من "كيد الله المتين" واستدراجه له ليأخذه أخذ عزيزٍ مقتدر.
  3. ​الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ قوله {وَأُمْلِي لَهُمْ} قبل وصف الكيد بالمتانة، يُبينُ أنَّ "الْإِمْلَاءَ" (تطويل العمر والرزق مع المعصية) هو جُزءٌ من الكيد الإلهي، مما يجعل العبد يُسارعُ للتوبة قبل أن يُطبقَ عليه كيدُ الله الذي لا حيلة فيه.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الْخَامِسِ عَشَرَ

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "كيد الله كمالٌ لأنه في مقابلة كيد الأعداء، ووصفه بالمتانة يقتضي القوة التي لا تُرام، ونحنُ نثبته لله فعلاً وننفي عنه النقص، والواجبُ الوقوفُ عند النصوص كما جاءت" [6].
  2. ​صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "المعطلةُ زعموا أن الكيد نقص، فضلُّوا؛ فالله يُسمي نَفسه بأسماءٍ وأفعالٍ تُرهبُ أعداءه، وكيدُ الله بالماكرين هو إحقاقٌ للحق وإبطالٌ للباطل، وهو من تمام حكمته" [7].
  3. ​صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الكيدُ من صفات المقابلة التي تُثبت لله حقيقةً في سياقها، والمشاكلةُ هنا هي في (نَوْعِ الْفِعْلِ) لا في اللفظ فقط، فالله يُدبر خفيةً لإهلاك من يدبر خفيةً لإطفاء نوره" [8].
  4. ​رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إثبات صفة الكيد المقيدة هو مذهب السلف قاطبة، وهو يُبطلُ مزاعم الذين جعلوا الله لا يفعل ولا يتحرك لمقابلة كيد الملحدين والمنافقين، بل الله يكيدُ بهم ويُردي كيدهم" [9].
  5. ​صَالِحٌ سَنْدِي: "الفرقُ بين كيد الله وكيد البشر هو (الْعَدْلُ وَالْعِلْمُ)؛ فالبشر يكيدون بجهلٍ وظلم، والله يكيد بعلمٍ وعدل، وهذا هو الفرق بين الخالق والمخلوق في باب الصفات" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

​[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (5/ 158)، تاج العروس (8/ 444)، ولسان العرب (3/ 385).

[2] انظر الآثار والتفسير في: تفسير الطبري (24/ 360)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص 445).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار، وتفسير الزمخشري عند آية الطارق.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: الإشارة إلى مذهب أهل الحق للجويني، وتفسير الرازي (31/ 140). (يقولون: الكيد من الرب استعارة عن العقوبة).

[5] تفصيل الرد العقلي في: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (7/ 145)، وبدائع الفوائد لابن القيم (2/ 45).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 262)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 116).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (الدرس المتعلق بصفات المقابلة).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 442).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 126)، دار الاستقامة.

----------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ السَّادِسِ عَشَرَ: صِفَةُ النِّسْيَانِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (ن س ي) في لغة العرب تدورُ على معنيين رئيسيين:

الأول: الذُّهُولُ عَنِ الشَّيْءِ لِغَفْلَةٍ أَوْ عِلَّةٍ، وهو غيابُ المعلومةِ بعد حضورِها.

الثاني: التَّرْكُ عَمْداً عَنْ قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ، يُقال: "نَسِيتُ الشيءَ" أي تركتُه ولم ألتفت إليه.

الْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ:

الفرق بين النسيان المنفي والنسيان المثبت: النسيانُ المنفيُّ عن الله هو (الذُّهُولُ وَالْعَجْزُ وَالْغَفْلَةُ)، وهو المذكور في قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}. أما النسيانُ المثبتُ فهو (التَّرْكُ لِلْعَبْدِ فِي الْعَذَابِ)، وهو جزاءٌ لمن تركَ أمرَ الله.

الفرق بين النسيان والإهمال: الإهمالُ قد يكون لعدم مبالاةٍ بغير سبب، أما النسيانُ المقابلُ فهو تركٌ مُسببٌ مبنيٌّ على عِلمٍ وحكمةٍ وعدل.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ تَرْكَهُ السُّبْحَانِيَّ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِي الْعَذَابِ وَإِهْمَالَهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، جَزَاءً عَلَى تَرْكِهِمْ لِأَمْرِهِ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ إِذَا كَانَتْ فِي مَقَامِ الْمُقَابَلَةِ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [سورة التوبة: الآية 67]. وقوله: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا} [سورة الأعراف: الآية 51].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ عَرْضِ الْعَبْدِ عَلَى رَبِّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: «... أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: فَإِنِّي أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي» [أخرجه مسلم رقم 2968]. وهذا نصٌّ صريحٌ في إسناد فِعل النسيان (الترك) لله سبحانه [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "النِّسْيَانِ"

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ):

قولهم: أنكروا أن يُوصف الله بالنسيان حتى في مقام المقابلة، وزعموا أن النسيان لا يكون إلا عن جهلٍ سابق.

تأويلهم: قالوا: {فَنَسِيَهُمْ} أي (تَرَكَهُمْ فِي الْعَذَابِ)، ولكنهم نفوا أن يكون هذا "الترك" صِفةً قائمة بذات الله، بل هو مجردُ فِعلٍ مَخلوقٍ مُنفصلٍ عن الله سمَّاه القرآن نسياناً للمشاكلة اللفظية فقط [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَهْلُ صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ حَقِيقَتِهِ):

قولهم: لا يجوز إثبات النسيان لله لأنَّ النسيان عيبٌ، والصفاتُ الإلهيةُ لا تحتملُ الاشتراك اللفظي مع صفات النقص.

تأويلهم: فسروا النسيان بـ (إِرَادَةِ الْإِبْعَادِ) أو (الْحِرْمَانِ)، وقالوا إنَّ لفظ "نسيهم" هو مَجازٌ مُرسلٌ علاقتهُ السببية؛ أي أنَّ فعلهم كان سبباً في حرمانهم، ونفوا أن يكون لله "نسيانٌ" يُقابل به نسيانهم حقيقةً [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قوله تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ}، فعلٌ مُضارعٌ مَسندٌ لله بنون العظمة، وهو يقتضي وقوع الفعل منه حقيقةً. وتأويله بمجرد "الحرمان" دون إثبات (صفة الترك الاختيارية) هو تعطيلٌ لِمقتضى النص.

التفريقُ بين النسيان المثبت في آية التوبة والمنفي في آية طه {لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى} يقطعُ شُبهة التناقض؛ فالسلفُ يثبتون المعنى الذي هو كمال (الترك للعدو) وينفون المعنى الذي هو نقص (الذهول والجهل).

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

إبطال شُبهة الجهل: النسيانُ بِمَعنى (التَّرْكِ عَمْداً) لا يقتضي جهلاً، بل يقتضي كَمالَ الْعِلْمِ بحال العبد وما يستحقه من إهمال؛ فاللهُ لم يغفل عنهم، بل "تركهم" عن عِلمٍ وقصدٍ، وهذا هو قمةُ العدلِ والقهر.

قاعدةُ المشاكلةِ المعنويةِ: كما أنَّ نسيان العبد لربه كان (تركاً لأوامره)، فجزاؤه أن يكون نسيان الرب له (تركاً لرحمته)؛ وهذا الربطُ العقليُّ بين الفعلِ والجزاءِ يُبينُ حِكمة الربِّ وعظمتَه [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نؤمنُ بأنَّ اللهَ "ينسى" من نسيه حقيقةً (أي يتركهُ في العذاب)، وهي صفةُ فعلٍ ثابتةٌ في سياق الجزاء، ونعتقدُ أنَّ هذا النسيان لا يَعتريه ذهولٌ ولا غفلةٌ عن أفعال العباد.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (دَوَامَ الذِّكْرِ)؛ فمن خاف أن "ينساه الله" يوم القيامة، حرصَ على أن يذكرهُ في الدنيا، فاللهُ يقول: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}، فمن ذَكَرَ بامتثالِ الأمرِ ذُكِرَ بإنزالِ الرحمة.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ كلمة {فَالْيَوْمَ} في قوله {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} يُبينُ أنَّ النسيان الإلهي عقوبةٌ آنيةٌ تقعُ في أشد لحظات حاجة العبد للغوث، وهو تدبرٌ يخلعُ قلوب الغافلين.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ السَّادِسِ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "النسيانُ الذي أثبته الله لنفسه هو نسيانُ الترك؛ فاللهُ يُهملُ هؤلاء الكفار في النار ولا يلتفت إليهم، وهذا عدلٌ محض، أما النسيانُ الذي هو غيابُ الحفظ فهو منفيٌّ عنه كمالاً" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "تأويل نسيان الله لعباده بمجرد العقوبة هو مذهب الجهمية، والحقُّ أنَّ الله يتركهم فعلاً ويُعرض عنهم، وهذا الإعراض والترك صفةٌ فعليةٌ قائمةٌ به سبحانه" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "النسيانُ في آية (نسوا الله فنسيهم) هو من صفات المقابلة، والتركُ الإلهي للعبد هو غاية الإهانة، فكما استهان العبد بحق الله، أهانه الله بالنسيان والترك" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مذهبُ السلف وسطٌ؛ أثبتوا لله نسياناً يليق به (وهو الترك)، ونزهوه عن نسيان العجز، وهذا يُبطل حِجج الذين زعموا أنَّ ظواهر النصوص تُوهمُ النقص" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الفرقُ اللغويُّ بين نسيان الذهول ونسيان الترك دقيقٌ، فإثباتُ نسيان الترك لله يُحقق مَعنى (الْمُجَازَاةِ بِجِنْسِ الْعَمَلِ)، وهو أصلٌ كبيرٌ في باب الأسماء والصفات" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (5/ 422)، تاج العروس (39/ 490)، ولسان العرب (15/ 320).

[2] انظر التفسير والحديث في: صحيح مسلم كتاب الزهد (2968)، وتفسير ابن كثير لآية الأعراف (3/ 425).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار، وتفسير الزمخشري عند آية التوبة.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المقاصد للتفتازاني (4/ 155)، وتفسير الرازي (16/ 125). (يقولون: النسيان مستحيل عقلاً فيُحمل على الحرمان).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 120)، وشرح العقيدة الواسطية للهراس (ص 98).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 275)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 120).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (الدرس المتعلق بصفات الأفعال والمقابلة).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 445).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 128)، دار الاستقامة.

-------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ السَّابِعَ عَشَرَ: صِفَةُ السُّخْرِيَّةِ - صِفَةُ مُقَابَلَةٍ وَجَزَاءٍ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (س خ ر) في لغة العرب تدورُ على مِحوري: (الِاسْتِهَانَةِ) و(التَّذْلِيلِ). يُقال: "سَخِرَ منه" إذا استهان به وازدرى شأنه. ويُقال: "سَخَّرَ الشيءَ" إذا ذلَّله وجعله طوع أمره. والفرقُ الدقيق بين السخرية والاستهزاء؛ أنَّ الاستهزاء يكون غالباً بالأقوال والوعيد، أما السخريةُ فتمتازُ بكونها تقعُ على الهيئات والأفعال الظاهرة التي يُستخفُّ بها.

الْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ:

الفرق بين السخرية والظلم: السخريةُ من الله هي (إهانةٌ وتحقيرٌ) لمن سخر من الحق، فهي وضعٌ للشيء في موضعه، وهذا محضُ العدل. أما الظلمُ فهو وضعُ الشيء في غير موضعه، وهو منفيٌّ عن الله جملةً وتفصيلاً.

الفرق بين السخرية واللعب: اللعبُ فِعلٌ لا فائدة منه ولا قصد له، أما السخريةُ الإلهيةُ فمبنيةٌ على "عِلَّةٍ وجزاء"، فهي فِعلٌ حكيمٌ غايته نُصرةُ المؤمنين وإذلالُ المتكبرين.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ إِذْلَالَ اللَّهِ لِلْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَتَحْقِيرَ شَأْنِهِمْ بِإِظْهَارِ ضَعْفِهِمْ وَحَقَارَتِهِمْ، جَزَاءً عَلَى سُخْرِيَتِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَهِيَ كَمَالٌ فِي مَقَامِ الْمُقَابَلَةِ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [سورة التوبة: الآية 79].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}، قَالَ: «أَيْ أَذَلَّهُمْ وَجَازَاهُمْ بِسُخْرِيَتِهِمْ» [أخرجه ابن جرير الطبري (14/ 389)، وابن أبي حاتم]. وهذا يدلُّ على أنَّ السخرية وقعت من الله فِعلاً كما وقعت منهم [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "السُّخْرِيَّةِ"

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ التَّأثِيرِ الْفِعْلِيِّ):

قولهم: أنكروا صفة السخرية حقيقةً، وزعموا أن السخرية استخفافٌ ينمُّ عن طيش، والله منزه عن الطيش.

تأويلهم: قالوا: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} مجازٌ عن (عُقُوبَتِهِ لَهُمْ)، فسمَّى العقوبة سخريةً لمجرد المشاكلة اللفظية، ونفوا أن يكون لله فِعلٌ يُوصف بالسخرية [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ):

قولهم: السخريةُ تقتضي (تَعَجُّباً وَسُرُوراً)، والربُّ لا يتغيرُ بتغير الأفعال.

تأويلهم: فسروا السخرية بـ (إِرَادَةِ التَّحْقِيرِ)، وزعموا أن نسبة السخرية لله هي "استعارة" للجزاء الذي يلحقهم، ونفوا أن تقوم هذه الصفة بذات الله تعالى حقيقةً [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قوله تعالى: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ}، جاء بصيغة الفعل الماضي المسند لاسم الجلالة، وهو يقتضي وقوع الفعل حقيقةً. وتأويله بالجزاء دون إثبات أصل الصفة هو صرفٌ للكلام عن حقيقته بغير دليلٍ قطعي، والأصلُ في الكلام الحقيقة.

قوله ﷺ في سياق الجزاء يُبينُ أنَّ الله يُعامل العبد بجنس عمله، فإذا أثبت الله السخرية لنفسه مقابلةً، وجب إثباتها كما جاءت بلا تكييف.

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

إثبات الحكمة والعدل: السخريةُ من المستهزئين بالدين هي (نُصْرَةٌ لِلْمَظْلُومِينَ)؛ فاللهُ يُبينُ للمؤمنين حقارة شأن هؤلاء الكفرة، وهذا التدبيرُ الإلهي غاية في الحكمة؛ لأنه يكسرُ غطرسة المستكبرين، وهو كمالٌ لا نقص فيه.

إبطال شُبهة الانفعال: نحن نثبتُ (مَعْنَى الصِّفَةِ) وهو التحقير والإذلال الفعلي، وننفي (لَوَازِمَ الْمَخْلُوقِينَ) من الطيش أو العبث؛ فالسخرية الإلهية هي "فِعلٌ رُبوبيٌّ" يقعُ بعلمٍ وقدرةٍ وعدل [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نثبتُ لله صفة السخرية حقيقةً في مقام المقابلة، وهي صفة فعلٍ اختيارية تتعلق بمشيئته، ونعتقدُ أنَّ سخرية الله بهم عدلٌ لا مَيل فيه، وقوةٌ لا ضَعف فيها.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ في العبد (تَعْظِيمَ شَعَائِرِ اللَّهِ)؛ فمن خاف أن "يسخر الله منه"، لم يجرؤ على لمز المؤمنين أو الاستهانة بالعبادات، لعلمه أنَّ الجزاء سيكونُ ذُلاًّ وصغاراً من جنس فِعله.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ قوله {فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ} يُبينُ سُرعة استجابة الرب لنصرة أوليائه؛ فكأنَّ سخرية الله بهم كانت مُصاحبةً لسخريتهم بالمؤمنين في الحين والآن، وهو تدبرٌ يملأ القلب طمأنينة بنصر الله.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ السَّابِعَ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "السخريةُ بالمنافقين كمالٌ؛ لأنها تتضمن إذلالهم وإظهار حقيقتهم، والله لا يُوصفُ بالسخرية مطلقاً، بل يُوصفُ بها في مقابلة من سخروا بآياته، وهذا هو مذهب السلف الحق" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "المعطلةُ زعموا أن السخرية مجاز، وهذا إبطالٌ لدلالة النص، فاللهُ يُخزي هؤلاء بسخريةٍ تليق بجلاله، وتأويلها بالعقوبة هو نوعٌ من التحريف الذي نهى الله عنه" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "السخريةُ من صفات الأفعال التي تُثبت لله مشاكلةً ومقابلةً، وهي تُعطي معنىً زائداً على مجرد العقوبة، وهو معنى التحقير والازدراء للمبطلين" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إثبات صفة السخرية المقيدة هو ردٌّ على كل من أراد أن يُعطل فاعلية الرب وقدرته على مجازاة أعدائه بجنس أعمالهم، والسلفُ أثبتوها بلا تمثيل" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "القول بالمشاكلة اللفظية في صفة السخرية هو قولُ أهل البدع؛ بل هي مشاكلةٌ في المعنى مع تنزيه الخالق، فالحقيقةُ ثابتةٌ لله والتشبيهُ منفيٌّ عنه" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (3/ 145)، تاج العروس (11/ 510)، والفروق اللغوية للعسكري (ص 120).

[2] انظر: تفسير الطبري (14/ 389)، وتفسير ابن كثير لآية التوبة (4/ 185).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار، وتفسير الزمخشري عند آية (79) من سورة التوبة.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المقاصد للتفتازاني، وتفسير الرازي (16/ 130). (يقولون: السخرية من العيوب، فتُحمل على إرادة الجزاء).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 125)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 460) في باب المشاكلة المعنوية.

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 268)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 122).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (الدرس المتعلق بصفات المقابلة).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 448).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 130)، دار الاستقامة.

------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّامِنَ عَشَرَ: صِفَةُ الْغَضَبِ - صِفَةُ فِعْلٍ اخْتِيَارِيَّةٌ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (غ ض ب) في لغة العرب تدورُ على مِحوري (الشِّدَّةِ) و(الْقُوَّةِ). ومنه "الْغَضْبَةُ" وهي الصخرةُ الصلبةُ الشديدةُ. والغضبُ في أصله غليانٌ وقوةٌ تدفعُ للانتقام أو الزجر.

الْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ:

الفرق بين الغضب والأسف (الإساف): الغضبُ هو المبدأُ، والأسفُ (الذي بمعنى الغضب) هو مُنتهى الغضبِ وبلاغُ غايته الذي يَعقبهُ الانتقامُ فوراً. فكلُّ "إسافٍ" غضبٌ، وليس كلُّ غضبٍ يصلُ لمرحلة الإسافِ المقتضي لتعجيل الهلاك.

الفرق بين الغضب والسخط: السخطُ هو الغضبُ المقرونُ بعدم الرضا عن الفِعل، وغالباً ما يُطلقُ السخطُ على غضبِ العظيمِ على من دونه.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، تَقُومُ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً، يَتَّصِفُ بِهَا مَتَى شَاءَ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُهُ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ نُثْبِتُ مَعْنَاهَا وَنَنْفِي كَيْفِيَّتَهَا وَمُمَاثَلَتَهَا لِلْمَخْلُوقِينَ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ} [سورة النساء: الآية 93]. وقوله: {غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ} [سورة الفتح: الآية 6].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى: «إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ» [أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194)]. وهذا أوضحُ دليلٍ على أنَّ الغضبَ صفةٌ فعليةٌ تتجددُ وتتفاضلُ بحسب المشيئة [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْغَضَبِ"

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ):

قولهم: الغضبُ لا يكونُ إلا من (غليانِ دمِ القلبِ) لطلبِ الانتقام، والربُّ ليس له جِسمٌ ولا دم، فيستحيلُ عليه الغضب.

تأويلهم: فسروا الغضب بـ (الْعِقَابِ) نَفْسِهِ، أي أنَّ الغضبَ هو مفعولٌ مخلوقٌ مُنفصلٌ عن الله، وليس صفةً قائمةً به [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَهْلُ الصِّفَاتِ السَّبْعِ):

قولهم: الغضبُ من الحوادث، وإثباتُه يستلزمُ حُلولَ الحوادثِ بذات الله، وهذا ممتنعٌ عندهم.

تأويلهم: فسروا الغضب بـ (إِرَادَةِ الْعِقَابِ)؛ فرجعوا بالصِّفةِ الفعليةِ الاختياريةِ إلى صِفةِ "الإرادةِ" الأزلية، لِيفروا من القولِ بتجددِ الغضبِ [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

حديثُ الشفاعةِ {غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ} ينسفُ تأويلكم بالإرادة الأزلية؛ لأنَّ الإرادةَ عندكم واحدةٌ لا تتبدل، والحديثُ أثبتَ غضباً "حادثاً" في وقتٍ مَخصوصٍ (يوم القيامة) بصفةٍ مَخصوصة، وهذا هو مذهب أهل السنة في آحاد الصفات الفعلية.

اللهُ غايرَ بين الغضبِ وبين العقوبةِ في قوله: {فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا}، فجعلَ الانتقامَ (العقوبة) ثمرةً ونتيجةً للإساف (الغضب)، والمُسبَّبُ غيرُ السَّبب.

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

إبطالُ شُبهةِ غليانِ الدَّمِ: غليانُ الدمِ هو (أثرُ الغضبِ في المخلوقِ) ذي الجسد، وليس هو (حقيقةَ الغضبِ). فنحنُ نثبتُ المبدأَ (وهو الغضب) وننفي الأثرَ البدنيَّ الخاصَّ بالمخلوق.

الكمالُ في الغضب: الربُّ الذي لا يغضبُ على من كفرَ به وقتلَ أولياءه هو ربٌّ ناقصُ المَلِكِ، فغضبُ الله هو دليلُ مَحبتهِ للعدلِ وكراهيتهِ للظلم، وهذا من أعظمِ مَحامدِ الربوبية [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نثبتُ لله غضباً حقيقياً يليقُ بجلاله، ونؤمنُ أنَّ غضبَ اللهِ صِفةُ كمالٍ، ونحذرُ من تأويله بالإرادة أو العقوبة لئلا نقعَ في التعطيل.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ)؛ فالمؤمنُ يبتعدُ عن المعاصي لا خوفاً من النارِ فحسب، بل حياءً وخوفاً من "غضبِ الجبار"، فإذا غضبَ اللهُ لم يقم لغضبهِ شيء.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ اقترانِ الغضبِ باللعنةِ في القرآن يُبينُ مَدى شِدَّةِ العقوبةِ المعنويةِ قبل الحسية؛ فالغضبُ يقتضي الطردَ من الرحمةِ (اللعنة)، وهو أشدُّ على النفسِ من مسِّ العذاب.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الثَّامِنَ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "الغضبُ صفةٌ حقيقيةٌ لله، ومن فسرها بإرادة العقوبة فقد أعظمَ الفرية، لأنَّ الله وصفَ نفسه بالغضبِ في مَواضعِ الوعيدِ لِيُخوفَ العبادَ، والإرادةُ لا تُفيدُ هذا المعنى التخويفي" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "أهلُ السنةِ يثبتون الغضبَ والرضا لله، وهما صفتانِ اختياريتانِ، ومن نفاهما فقد جعلَ اللهَ كَالجمادِ لا يتأثرُ بموافقةِ أمره أو مَعصيته" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الغضبُ من الصفاتِ التي ضلَّت فيها المتكلمةُ لِتنزيهٍ بَارد، والحقُّ أنَّ إثباتَ الغضبِ لله هو تعظيمٌ له، لأنَّ القادرَ هو الذي يغضبُ ويَرضى" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "حديثُ الشفاعةِ حجةٌ دامغةٌ على الأشاعرة في إثباتِ الغضبِ الفعليِّ المتجددِ، والسلفُ لم يؤولوا الغضبَ قَط، بل أمروها كما جاءت" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الفرقُ بين الغضبِ الإلهي وغضبِ المخلوقِ هو (الْحِكْمَةُ)؛ فغضبُ الله لا يخرجهُ عن العدل، بينما غضبُ المخلوقِ قد يحملهُ على الظلم" [10].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (4/ 402)، تاج العروس (4/ 15)، ولسان العرب (1/ 648).

[2] انظر التفسير والحديث في: صحيح البخاري (4712)، وتفسير ابن جرير الطبري (9/ 115).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار، والكشاف للزمخشري.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: اللمع للأشعري، وتفسير الرازي (3/ 160). (يقولون: الغضبُ مَيلُ الطبعِ وهو مستحيلٌ فيُؤول بالإرادة).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 530)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 430).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 270)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 125).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (درس الصفات الفعلية).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 450).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 132).

---------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ: صِفَةُ السَّخَطِ - صِفَةُ فِعْلٍ اخْتِيَارِيَّةٌ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ

أَصْلُ الْمَادَّةِ:

مادة (س خ ط) في لغة العرب تدورُ على مِحوَرِ (الْكَرَاهِيَةِ الشَّدِيدَةِ) و(عَدَمِ الرِّضَا). والسُّخْطُ نقيضُ الرِّضا. ويُقال: "تَسَخَّطَ الشيءَ" أي كَرِهَهُ ولم يَقْبَلْهُ. وهو غضبٌ مَقرونٌ بتغيُّرِ حالِ المَسخوطِ عليه من كرامةٍ إلى هوان.

الْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ:

الفرق بين السخط والغضب: السخطُ أخصُّ من الغضب؛ فكلُّ سخطٍ غضبٌ، وليس كلُّ غضبٍ سخطاً. السخطُ غالباً ما يكونُ من العظيمِ على من دونهُ إذا تركَ مَرضاتَهُ وآثرَ ما يُغضِبُهُ، ولذا اقترنَ في القرآن باتباعِ ما يُسخِطُ الله.

الفرق بين السخط والكره: الكرهُ مَيلُ النفسِ عن الشيء، أما السخطُ فهو إرادةُ زوالِ الرضا وإحلالِ العقوبةِ مَحَلَّهُ، فهو أبلغُ في بابِ الوعيد.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ:

هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تَقُومُ بِذَاتِهِ سُبْحَانَهُ حَقِيقَةً، تُفِيدُ عَدَمَ رِضَاهُ عَنِ الْعَبْدِ وَفِعْلِهِ، وَإِيجَابَ الْعُقُوبَةِ لَهُ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ نُثْبِتُهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [سورة محمد: الآية 28]. وقوله: {لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [سورة المائدة: الآية 80].

مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ...» [أخرجه مسلم رقم 486]. وفي هذا الحديث استعاذةٌ بصفةِ الرضا من صفةِ السخط، مما يَدلُّ على تَقابُلِهما وثُبوتِهما صِفتينِ للهِ تَعالى [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "السَّخَطِ"

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ صِفَاتِ الْمَعَانِي):

قولهم: السخطُ انفعالٌ يُشبهُ انفعالَ المخلوقين، وهو نقيضُ الرضا، وكلاهما يَستحيلُ على القَديمِ الذي لا يَتغير.

تأويلهم: فسروا السخط بـ (الْعِقَابِ) أو (الذَّمِّ)، فقالوا: "سخطُ الله" هو جَهنمُ وما فيها من نَكالٍ، ونفوا قيامَ مَعنى السخطِ بذاتِ الربِّ تَعالى [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَهْلُ صَرْفِ الْأَفْعَالِ لِلْإِرَادَةِ):

قولهم: إثباتُ السخطِ كَصِفةٍ فِعليةٍ حادِثةٍ يَلزمُ منه قِيامُ الحوادثِ بذاتِ الله، وهو أصلٌ مَمنوعٌ عِندهم.

تأويلهم: ردوا السخطَ إلى (إِرَادَةِ الْعِقَابِ)، وزعموا أنَّ الرضا والسخطَ إرادةٌ واحدةٌ مُتَعلقةٌ بمَقدوراتٍ مُختلِفةٍ، فصرفوا الصِّفةَ عن مَعناها اللغويِّ والشرعيِّ لِتُوافقَ مَذهبَهم في قِدمِ الصفاتِ وتَعطيلِ الاختيارِ الفِعليِّ [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

الاستعاذةُ النبويةُ {بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ} تُبينُ أنَّ السخطَ مَعنىً يُستعاذُ به كما يُستعاذُ بالرضا، فلو كان السخطُ هو العقوبةَ والرضا هو الثوابَ، لكانتِ الاستعاذةُ بِمخلوقٍ من مَخلوقٍ، وهذا باطلٌ في مَنطقِ التوحيد.

القرآنُ غايرَ بين السخطِ وإحباطِ العملِ في سورة محمد؛ فجعلَ اتباعَ ما أسخطَ اللهَ سَبباً، وإحباطَ العملِ نتيجةً وجزاءً، والمُسبَّبُ غيرُ السَّببِ كَما تَقَرَّرَ عَقلاً ونَقلاً.

2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

تَمامُ الرُّبُوبِيَّةِ: الربُّ الذي لا يَسخطُ على من كفرَ به ولا يَرضى عمن وحَّدهُ هو ربٌّ مُعطَّلٌ لا فاعليةَ له، وهذا مَحضُ النقص. فإثباتُ السخطِ للهِ هو إثباتٌ لِكمالِ حِكمتِهِ وعَدلِهِ ومَحبَّتِهِ لِمَعالي الأمورِ وكَراهيَتِهِ لِسَفْسافِها.

إبطالُ شُبهةِ التَّغيُّرِ: تَجدُّدُ الصِّفاتِ الفعليةِ (كالسخطِ) تَبَعاً لِتجدُّدِ أسبابِها من العِبادِ لا يَعني نَقصاً في الذاتِ، بَل يَعني كمالَ التَّصرُّفِ والمشيئةِ، فاللهُ لا يزالُ فَعَّالاً لِما يُريد [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نثبتُ للهِ سخطاً حقيقياً كَما يليقُ بجلالِهِ، ونؤمنُ أنه مَوجودٌ وحادثٌ في آحادِهِ تَبَعاً لِمشيئتِهِ، ونحذرُ من جَعلِهِ مَجازاً يُفضي إلى نفيِ حقيقةِ الربِّ وفاعليتِهِ.

الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ في القلبِ (مُرَاقَبَةَ مَرْضَاةِ اللَّهِ)؛ فالمؤمنُ الصادقُ يخشى أن يقعَ في فِعلٍ "يُسخِطُ اللهَ"، لأنَّ سخطَ الخالقِ يُتبعُهُ سخطُ المخلوقينَ وضيقُ العيشِ في الدارينِ.

الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ قوله {ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ} يُبينُ أنَّ السخطَ مَرتبطٌ بـ "الِاتِّبَاعِ"؛ أي أنَّ العبدَ هو من يَسعى لِسخطِ اللهِ بقدمِهِ، مما يُوجبُ الحذرَ من رُفقاءِ السوءِ ومَناهجِ الضلالِ.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "السخطُ صِفةٌ ثابِتةٌ للهِ، وهي أشدُّ من الغضبِ، والواجبُ إثباتُها بلا تأويلٍ، لأنَّ مَن أولَ السخطَ بالإرادةِ لزِمَهُ تأويلُ الإرادةِ بِغيرِها، وهذا هو التَّسلسُلُ في الضلال" [6].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "اللهُ يَسخطُ على الكافرينَ ويَرضى عن المؤمنينَ، وهذا من تَمامِ عَدلِهِ، ومن زعمَ أنَّ اللهَ لا يَسخطُ فقد ساوى بين الوليِّ والعدوِّ" [7].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "السخطُ والرضا صِفتانِ مُتقابِلَتانِ، وهما من أصولِ صِفاتِ الأفعالِ في مَذهبِ السلفِ، ويَجبُ إثباتُهما لِبيانِ تَعَلُّقِ جَزاءِ العبادِ بأفعالِ الربِّ" [8].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "تأويلاتُ الأشاعرةِ لِصِفتي الرضا والسخطِ تَهدمُ مَعنى العبادةِ؛ فالمسلمُ يَعبدُ رَبَّهُ طَمَعاً في رِضاهُ وخَوْفاً من سخطِهِ، فإذا جَعَلناها إرادةً أزليةً بَطلَ مَعنى السعيِ والعمل" [9].

صَالِحٌ سَنْدِي: "الاستعاذةُ بِرضا اللهِ من سخطِهِ دليلٌ على أنَّ السخطَ صِفةٌ مَوجودةٌ، فالمعدومُ لا يُستعاذُ منه، وهذا يُبطلُ مَذهبَ مَن قال إنَّ السخطَ مجردُ تَرْكِ الثواب" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (3/ 85)، تاج العروس (19/ 530)، ولسان العرب (7/ 312).

[2] انظر التفسير والحديث في: صحيح مسلم كتاب الصلاة (486)، وتفسير ابن كثير لآية المائدة (3/ 160).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: المحيط بالتكليف للقاضي عبد الجبار، وتفسير الزمخشري عند آية محمد.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المواقف للإيجي، وتفسير الرازي (28/ 65). (يقولون: السخطُ والرضا من الأعراضِ فيُؤوَّلان).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 535)، والصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 435).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 272)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 128).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (درس الصفات الاختيارية).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 455).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 134)، دار الاستقامة.

-------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي عَشَرَ: ضَبْطُ أَسْمَاءِ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْعِشْرُونَ: صِفَةُ الْمَقْتِ - صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

  1. ​أَصْلُ الْمَادَّةِ: مادة (م ق ت) في لغة العرب تدورُ على (أَشَدِّ الْبُغْضِ). يُقال: "مَقَتَهُ مَقْتاً" إذا أبغضه أبغض ما يكون من أجل فِعلٍ قبيحٍ أتاه. ومنه "نكاح المقت" الذي كان في الجاهلية (نكاح زوجة الأب) لشناعته وقبحه. فالمقتُ ليس مجرد كرهٍ، بل هو كراهيةٌ مَقرونةٌ بازدراءٍ واستحقارٍ لِعِظَمِ الذنب.
  2. ​الْفُرُوقُ بَيْنَ الصِّفَاتِ:
    • ​الفرق بين المقت والغضب: المقتُ أخصُّ وأشدُّ؛ فالمقتُ غضبٌ وزيادة، ولا يكونُ إلا عن فِعلٍ فاحشٍ أو كذبٍ مَشينٍ أو مُخالفةِ القولِ للفعلِ في حقِّ الله.
    • ​الفرق بين المقت والبغض: البغضُ قد يكونُ لِعِدَّةِ أسباب، أما المقتُ فهو البغضُ الذي تَقززت منه النفسُ لِقُبحِ مَخبرِ المَمقوت.
  3. ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصِّفَةِ: هِيَ: (صِفَةُ فِعْلٍ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالْكِتَابِ، تُفِيدُ بُغْضَهُ الشَّدِيدَ لِأَفْعَالِ الْكُفَّارِ وَمُخَالَفَةِ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُمْ فِعْلَهُمْ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ نُثْبِتُ مَعْنَاهَا وَنَنْفِي كَيْفِيَّتَهَا وَمُمَاثَلَتَهَا لِلْمَخْلُوقِينَ) [1].

ثَانِيًا: الِاسْتِشْهَادُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (تَخْرِيجاً وَتَوْثِيقاً)

  • ​مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ: قوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [سورة الصف: الآية 3]. وقوله: {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [سورة غافر: الآية 10].
  • ​مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: «... وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ» [أخرجه مسلم رقم 2865]. وهذا نَصٌّ صريحٌ في وقوع فِعل المقت من الله تجاه الكفار قبل البعثة [2].

ثَالِثًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ الْمُنْحَرِفَةِ فِي صِفَةِ "الْمَقْتِ"

  1. ​مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الْمَعَانِي الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ):
    • ​قولهم: المقتُ انفعالٌ نفسيٌّ، والربُّ مُنزهٌ عن الانفعالاتِ الحادثةِ.
    • ​تأويلهم: فسروا المقت بـ (الذَّمِّ) أو (الْإِبْعَادِ عَنِ الثَّوَابِ). وزعموا أنَّ قوله {كَبُرَ مَقْتًا} مَعناهُ: عَظُمَ عِقاباً، فصرفوا الصِّفةَ من كَوْنِها مَعنىً في الذاتِ إلى مَفعولٍ مَخلوقٍ [3].
  2. ​مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ):
    • ​قولهم: لا يجوز وصف الله بالمقت حقيقةً، لأنَّ المقتَ نقيضُ المَحبةِ، والمحبةُ عندهم إرادةُ الثواب، فالمقتُ إرادةُ العقاب.
    • ​تأويلهم: ردوا المقتَ إلى "صِفةِ الْإِرَادَةِ"، ونفوا أن يكون لله مقتٌ يَتجددُ بتجددِ أسبابِهِ، لِيفروا من القولِ بِحلولِ الحوادثِ كما يَزعمون [4].

رَابِعًا: الرَّدُّ السَّلَفِيُّ (النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ) عَلَى الْمُعَطِّلَةِ

​1. الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

  • ​حديثُ عياض {نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ} يَدلُّ على أنَّ المقتَ وَقَعَ بَعد النظرِ بَعد وُجودِ الكفرِ، فهو صِفةُ فِعلٍ حادثةٌ في آحادِها. وتأويلُهُ بالإرادةِ الأزليةِ يَمحو الترتيبَ الزمانيَّ والمقصدَ الزجريَّ للحديث.
  • ​اللهُ سُبحانَهُ أضافَ المقتَ لِنفسِهِ بصيغةِ التمييز {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ}، وهذا يَدلُّ على عِظمِ بَشاعةِ الذنبِ عِند الخالقِ، ولو كان مجرد "عِقاب" لَمَا كان لِلفظ "المقت" تلك المهابة والوقع في قلبِ العبد.

​2. الرَّدُّ الْعَقَلِيُّ:

  • ​كَمالُ التَّنْزِيهِ: الربُّ الذي لا يَمقتُ الفواحشَ ولا يَمقتُ الكذبَ هو ربٌّ لا يُميزُ بين القبيحِ والحسنِ، وهذا نَقصٌ يَتنزهُ عنه الحكيمُ. فالمقتُ الإلهيُّ هو بُرهانُ كَمالِ قُدسيَّةِ الربِّ ومَحبتِهِ لِلطهرِ.
  • ​إبطالُ شُبهةِ التَّشْبِيهِ: مقتُ اللهِ لا يَلزمُ منه غليانُ كَبِدٍ أو ضيقُ صَدْرٍ كَالمخلوق، بَل هو مقتٌ يليقُ بجلالِهِ، كما نثبتُ العلمَ بلا دِماغ، والكلامَ بلا لِسان [5].

خَامِسًا: الْمَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ (عَقَدِيّاً، تَرْبَوِيّاً، تَدَبُّريّاً)

  1. ​الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ: نثبتُ لله صفة المقت حقيقةً كَما يليقُ به، وهي من صفات الأفعال التي يَجبُ إمرارُها كما جاءت بلا تأويلٍ يُعطِّلُ هيبتَها في النصوص.
  2. ​الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يورثُ هذا المسلكُ (الْحَذَرَ مِنَ النِّفَاقِ)؛ فأشدُّ ما يَمقتُ اللهُ هو أن يقولَ الإنسانُ قولاً ولا يفعله. فمن علمَ ذلك، حرصَ على صِدقِ الظاهرِ والباطنِ خَوفاً من سُقوطِهِ من عينِ الله.
  3. ​الْمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمُّلُ قوله {لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} يُبينُ مَدى شِدَّةِ الخُسرانِ يوم القيامة؛ حين يَمقتُ العبدُ نَفسَهُ لِتَفريطِهِ، فَيُفاجأُ بأنَّ مقتَ اللهِ له أعظمُ وأشدُّ، وهذا من أبلغِ الوعيدِ القرآني.

سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْوَجْهِ الْعِشْرِينَ

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "المقتُ من صفاتِ الأفعال، وهو أشدُّ البغضِ، وإثباتُهُ لله كمالٌ لأنه يقعُ في مَحله، ومن أولَهُ بالإرادة فقد أذهبَ قوةَ الوعيدِ في الآية" [6].
  2. ​صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "اللهُ يَمقتُ الكفرَ وأهلَهُ، وهذا من مُقتضياتِ رُبوبيَّتِهِ وإلهيَّتِهِ، فمن كَرِهَ ما أحبَّ اللهُ أو أحبَّ ما مقتَ اللهُ فقد حادَّ اللهَ في مُلكِهِ" [7].
  3. ​صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "صفةُ المقتِ ثابتةٌ بالكتابِ والسنة، وهي تُبينُ عظمةَ غيرةِ الربِّ على حُرماتِهِ، والواجبُ فيها هو الواجبُ في سائرِ الصِّفاتِ: إثباتُ المَعنى وتَفويضُ الكيفية" [8].
  4. ​رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مذهبُ السلفِ في إثباتِ المقتِ هو الردُّ العمليُّ على الذين يُريدون تَمييعَ جانبِ العقيدةِ وجعلِ علاقةِ الربِّ بعبادِهِ مجردَ "حُبٍّ" لا سخطَ فيه ولا مقت، وهذا خِلافُ نصوصِ الوحيين" [9].
  5. ​صَالِحٌ سَنْدِي: "المقتُ الإلهيُّ صِفةٌ تَتعلقُ بالمشيئة، وإثباتُها يُصححُ مَسارَ العبدِ في بَابِ الصدقِ مع الله، لِيحذرَ مِمَّا يُسقِطُهُ في مقتِ الجبار" [10].

الْحَوَاشِي الْمُسْنَدَةُ وَالتَّحْقِيقَاتُ الْعِلْمِيَّةُ:

​[1] انظر المعاني اللغوية في: مقاييس اللغة (5/ 310)، تاج العروس (5/ 120)، ولسان العرب (2/ 95).

[2] انظر: صحيح مسلم كتاب الجنة وصفة نعيمها (2865)، وتفسير ابن كثير لآية الصف (8/ 155).

[3] راجع مسلك المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة، وتفسير الزمخشري عند آية الصف.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: نهاية الإقدام للشهرستاني، وتفسير الرازي (27/ 40). (يقولون: المقتُ يُوهمُ التغيرَ والحدوثَ فيُؤوَّل بالإرادة).

[5] تفصيل الرد العقلي في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (6/ 115)، والرسالة التدمرية (ص 45).

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 278).

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 130).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (درس الصفات الفعلية).

[9] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 460).

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 136)، دار الاستقامة.

----------------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(مُقَدِّمَةٌ تَمْهِيدِيَّةٌ: هَنْدَسَةُ الْأَلْفَاظِ وَقَوَاعِدُ الِاسْتِفْصَالِ الْعَقَدِيِّ)

إنَّ السير في ردهات "علم الكلام" دون خارطةٍ للألفاظ يُورث التيه؛ لذا وجب علينا أولاً تشريح الألفاظ من حيث علاقة (اللفظ بالمعنى)، وتقسيمها إلى (متفقة ومختلفة)، وتبيان أي نوعٍ منها هو الذي وردت فيه الصفات الإلهية.

أَوَّلاً: تَحْرِيرُ أَنْوَاعِ الْأَلْفَاظِ (خَارِطَةُ الدَّلَالَةِ)

تَنقسم الألفاظ بالنظر إلى اتحاد اللفظ والمعنى واختلافهما إلى قسمين كبيرين، يندرج تحت كل قسمٍ منهما ثلاثة أنواع:

(الْقِسْمُ الْأَوَّلُ): الْأَلْفَاظُ الْمُتَّفِقَةُ (اتِّحَادُ اللَّفْظِ)

وهي التي اتحد لفظها وتعددت معانيها أو أفرادها، وتحتها ثلاثة أنواع:

الْمُتَوَاطِئُ: وهو ما اتحد لفظه ومعناه المشترك، واستوت أفراده فيه بلا تفاوت. مثل لفظ (إنسان)؛ فمعناه في زيد هو نفسه في عمرو بلا مزية لأحدهما في أصل "الإنسانية".

الْمُشَكِّكُ (وَهُوَ مَحَلُّ الصِّفَاتِ): وهو ما اتحد لفظه ومعناه الكلي، لكن تفاوتت أفراده في القوة، أو الأولوية، أو الشدة. مثل (النور)؛ فنور الشمس ونور السراج كلاهما "نور"، لكن تفاوت ما بينهما عظيم.

تَنْبِيهٌ عَقَدِيٌّ: هذا النوع هو الذي وردت فيه الصفات الإلهية في الكتاب والسنة؛ فالله له (حياة) وللمخلوق (حياة)، والله له (علم) وللمخلوق (علم)، واللفظ متفق في "أصل المعنى المشترك"، لكن شتان بين (خالقٍ) حياته ذاتية أزلية، وبين (مخلوقٍ) حياته عارضة مسبوقة بعدم. فالمشكك يمنع تماثل الخالق بالمخلوق مع إثبات أصل المعنى [1].

الْمُشْتَرِكُ (اللَّفْظِيُّ): وهو ما اتحد لفظه وتعدد معناه تماماً بلا قدرٍ مشترك. مثل (القُرء) يُطلق على الطهر والحيض، و(النَّوى) يُطلق على البعد وعلى نوى التمر.

(الْقِسْمُ الثَّانِي): الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَلِفَةُ (تَعَدُّدُ اللَّفْظِ)

وهي التي تعددت ألفاظها، وتحتها ثلاثة أنواع:

الْمُتَبَايِنَةُ: وهي التي اختلف لفظها ومعناها تماماً. مثل (فرس، كتاب، حجر)؛ فلا اللفظ واحد ولا المعنى واحد.

الْمُتَرَادِفَةُ: وهي التي تعدد لفظها واتحد معناها. مثل (الأسد، الليث، الغضنفر)؛ الألفاظ شتى والمعنى واحد.

الْمُتَخَالِفَةُ: وهي التي تختلف معانيها لكنها تجتمع في ذاتٍ واحدة من وجهٍ مختلف. مثل (الصارم، والمهند) للسيف؛ فالأول يدل على القطع، والثاني على نسبة الصنعة، والذات واحدة [2].

ثَانِيًا: مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ "الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الْبِدْعِيَّةِ"

الألفاظ المجملة (كالجسم، الحيز، الجوهر) هي ألفاظٌ مخترعة لم يرد نفيها ولا إثباتها في الوحي، ومنهج السلف فيها يقوم على ركنين:

الِاسْتِفْصَالُ فِي الْمَعْنَى:

وهو "الفخ" الذي يقع فيه المبتدع؛ فنحن لا نقبل اللفظ ولا نرده حتى نستفصل:

إن قصدتَ حقاً: (كقصدك بالجهة العلو، أو بالجسم الذات القائمة بنفسها)، فنحن نقبل هذا "المعنى" لأنه حق، لكننا نمنع "اللفظ" لأنه بدعي موهم للنقص ولم يرد به الشرع.

إن قصدتَ باطلاً: (كقصدك بالتحيز الحصر، أو بالتركيب التجزئة)، فنحن نرد "المعنى" لبطلانه، ونرد "اللفظ" لبدعته [3].

الْمَنْعُ مِنَ الْإِطْلَاقِ اللَّفْظِيِّ نَفْياً أَوْ إِثْبَاتاً:

تأدباً مع النص الإلهي، لا نقول "الله جسم" ولا "الله ليس بجسم"، لأن النفي المحض قد يتضمن نفي الوجود أو نفي الصفات، والإثبات المحض قد يتضمن التشبيه. فنقول: (الله هو الصمد، الحي، القيوم، العلي) ونكتفي بما وصف به نفسه [4].

ثَالِثًا: سَبَبُ نُشُوءِ هَذَا الْمُعْجَمِ الْبِدْعِيِّ (جُذُورُ الْفِتْنَةِ)

إنَّ تسرب هذه الألفاظ لم يكن عبثاً، بل كان نتيجةً لعدة عوامل:

تَعْرِيبُ كُتُبِ الْفَلَاسِفَةِ: في العصر العباسي، دخلت اصطلاحات "المقولات العشر" لأرسطو (كالجوهر والعرض والكيف والكم)، فظن المتكلمون أنهم لن يستطيعوا إثبات وجود الله إلا بمصطلحات اليونان.

بِنَاءُ مَنْطِقِ "الْحُدُوثِ": اعتمد المعتزلة ومن تبعهم على قاعدة أن "الأجسام لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث"، فاحتاجوا لتعريف (الجوهر والجسم) تعريفاً يخدم نفي الصفات، فجعلوا إثبات الصفة يقتضي "قيام العرض بالجوهر"، وهو عندهم يستلزم "التركيب والتجسم"، ومن ثم الحدث [5].

الْخَدِيعَةُ اللَّفْظِيَّةُ: استخدموا هذه الألفاظ كـ (فخوخ) للعوام؛ فإذا نفى السني "الجسم" نفوا معه "الرؤية واليد والعين"، وإذا أثبت السني "الاستواء" رماه المبتدع بـ "التحيز والتجسم"، ليوهموا الناس أن مذهب السلف مذهب حشوية ومجسِمَة [6].

رَابِعًا: خَارِطَةُ الْمُعْجَمِ (الْمُصْطَلَحَاتُ الْمُسْتَهْدَفَةُ بِالتَّشْرِيحِ)

سنمضي في هذا المعجم لفظةً لفظة، نكشف اشتقاقها، وحدها الجامع، ومسلك أهل البدع فيها:

(الجوهر الفرد والبسيط، العرض، التركيب، التحيز، الغرض، الحلول، الاتحاد، الفناء، الصدر، القدم، العمل العقلي، الانفعال، التغير، الحادث، المماثلة، الكيفية المنفية، التشبيه، التجسيم، المكان، الحيز، الجهة، القوة، الهيلولة، الصورة، الخلاء والملاء، الجهة العدمية، المحاذاة، النهاية، قدم العالم، التسلسل، الجسم، والحد).

الْحَوَاشِي :

[1] تَحْقِيقُ اللَّفْظِ الْمُشَكِّكِ: انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 200-210) حيث قال: "والأسماء التي يُسمى الله بها ويُسمى بها خلقه، كالوجود والحياة والعلم والقدرة... هي من باب المشكك؛ لأن معناها في حق الرب أكمل وأقدم". وانظر: شرح الكوكب المنير لابن النجار (1/ 142).

[2] أَقْسَامُ التَّقَابُلِ وَالتَّبَايُنِ: انظر: روضة الناظر لابن قدامة (1/ 65)، والتعريفات للجرجاني (ص 45) في تفصيل الألفاظ المتخالفة والمترادفة.

[3] قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ: انظر: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 65-70)، والصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 925) حيث عقد فصلاً طويلاً في بطلان الاحتجاج بالألفاظ المجملة.

[4] تَحْرِيرُ مَوْقِفِ السَّلَفِ: انظر: درء تعارض العقل والنقل (1/ 230)، وشرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص 115) في بيان أن النفي والإثبات للألفاظ المبتدعة ليس من دين الرسل.

[5] تَارِيخُ نُشُوءِ الِاصْطِلَاحِ: انظر: مقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 300) في ذكر مقالات المعتزلة في الجواهر والأجسام، والتمهيد للباقلاني (ص 35) في تأصيل مذهب "الأعراض والحدوث".

[6] كَيْدُ الْمُتَكَلِّمِينَ: انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 150) حيث فضح كيف جعل الجهمية هذه الألفاظ (فخاخاً) لنفي كمال الخالق سبحانه.

-------------------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْأَوَّلُ: الْجَوْهَرُ - الْفَرْدُ وَالْبَسِيطُ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

  1. ​التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ: مادة (ج هـ ر) في لسان العرب تدور على (الْعُلُوِّ، وَالظُّهُورِ، وَالصَّفَاءِ). يُقال: "جَهَرَ الأمرُ" إذا علن وظهر، و"رجلٌ مجهرٌ" أي عالي الصوت. أما "الْجَوْهَرُ" (بفتح الجيم) فهو لفظٌ معرب عن الفارسية (كَوْهَر)، وقد استعملته العربُ للدلالة على الأحجار الكريمة التي تُستخرج منها الزينة لصفائها ولمعانها. وفي عرف اللغة، الجوهر هو أصل الشيء الذي منه جبلته، وهو ما قامت به خواصه الذاتية. [انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 488)، تاج العروس (10/ 470)].
  2. ​الِاشْتِقَاقُ الِاصْطِلَاحِيُّ: نقل الفلاسفة والمتكلمون هذا اللفظ ليعبروا به عن "الماهية القائمة بنفسها". وانقسموا في ماهيته إلى "جوهر فرد" و"جوهر بسيط"، وجعلوهما أدواتٍ في الفيزياء الكلامية لإثبات حدوث العالم، ثم جروها إلى ساحة الإلهيات لنفي الصفات.
  3. ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:
    • ​الْجَوْهَرُ الْفَرْدُ (الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ): هو (الْجَوْهَرُ الَّذِي بَلَغَ فِي الصِّغَرِ مَبْلَغاً لَا يَقْبَلُ مَعَهُ الِانْقِسَامَ لَا فِعْلاً بِالْكَسْرِ، وَلَا وَهْماً بِالْعَقْلِ، وَلَا فَرْضاً بِالْقِسْمَةِ الرِّيَاضِيَّةِ). وهو عند المتكلمين "ذرة" الوجود التي يتألف منها كل جسم.
    • ​الْجَوْهَرُ الْبَسِيطُ: هو (الْمَوْجُودُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ، الْمُجَرَّدُ عَنْ كُلِّ كَمِّيَّةٍ أَوْ كَيْفِيَّةٍ أَوْ أَبْعَادٍ ثَلَاثَةٍ)، ويقصدون به الذات المنزهة عن "الأجزاء" وعن "الصفات الزائدة" [1].

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ وَمَقَاصِدُهُمْ مِنْ إِيرَادِ اللَّفْظِ (تَشْرِيحُ الْفِخَاخِ)

​لم يكن إيراد هذه الألفاظ ترفاً فكرياً، بل كانت "فخاخاً" نُصبت بعناية لتعطيل كمال الرب سبحانه:

  1. ​مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الْمَشَّائِينَ وَالْإِشْرَاقِيِّينَ):
    • ​المقصد: إثبات أن الرب "جوهر بسيط" في غاية البساطة.
    • ​الْفَخُّ: زعموا أن "البساطة" تقتضي نفي "الكثرة". فإذا أثبتنا لله (علماً، وقدرةً، وإرادةً، ويداً، ووجهاً) فقد أثبتنا "الكثرة" في الذات، وهذا ينافي "البساطة الحقيقية" للجوهر الأول. فغرضهم من لفظ (البسيط) هو الوصول إلى (ذات مجردة) لا تتصف بصفة زائدة عليها، فتكون الذات هي العلم، والعلم هو القدرة، بلا تمايز [2].
  2. ​مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةِ الصِّفَاتِ):
    • ​المقصد: نفي لفظ "الجوهر" عن الله تماماً {لَيْسَ بِجَوْهَرٍ}.
    • ​الْفَخُّ: الجوهر عندهم هو "ما يقبل العرض" (أي الصفة). وبما أن "الجوهر" عندهم حادث بالضرورة لأنه لا ينفك عن الحوادث، فلو كان الله جوهراً لكان حادثاً. فاستخدموا نفي "الجوهر" ليتوصلوا لنفي "الأسماء والصفات"، موهمين العوام بأن هذا هو التنزيه، بينما غرضهم هو جعل الرب "وجوداً ذهنياً" لا حقيقة له في الخارج [3].
  3. ​مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (أَهْلِ دَلِيلِ الْأَعْرَاضِ):
    • ​المقصد: إثبات (الجوهر الفرد) كأصل لوجود المادة.
    • ​الْفَخُّ: بنوا دليلهم على "حدوث الأجسام" بأن الأجسام مركبة من "جواهر فردة" حادثة. ثم قالوا: "الرب ليس بجسم ولا جوهر فرد"، ونفوا بناءً على ذلك (الجهة، والحد، والنزول، والاستواء) بدعوى أن هذه الأوصاف لا تقوم إلا بـ "جوهر فرد" أو "جسم مُؤلف"، والرب منزه عن ذلك. فصار الجوهر الفرد مِعولاً لنفي الصفات الخبرية والفعلية [4].
  4. ​مَسْلَكُ النَّصَارَى (أَهْلُ التَّثْلِيثِ):
    • ​المقصد: إثبات أن الله "جوهر واحد".
    • ​الْفَخُّ: استخدموا لفظ "الجوهر" ليجمعوا فيه "الأقانيم الثلاثة" (الأب والابن وروح القدس)، فزعموا أن الجوهر واحد والأقانيم متمايزة، فصار اللفظ وسيلة لتبرير الشرك وخلط الخالق بالمخلوق [5].

ثَالِثًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (بِنَظْرَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ تَوْثِيقِيَّةٍ)

  1. ​الْمَنْظُورُ الْأَوَّلُ (تَحْرِيرُ النَّقْلِ وَالِاتِّبَاعِ): إن مذهب السلف هو "الوقوف عند النص". لفظ (الجوهر) و(البسيط) و(الفرد) هي ألفاظٌ مبتدعة حمالة أوجه. القاعدة السلفية تقول: "نَسْتَفْصِلُ فِي الْمَعْنَى: فَإِنْ أَرَدْتَ بِالْجَوْهَرِ الذَّاتَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِها فَهَذَا حَقٌّ، وَنُعَبِّرُ عَنْهُ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ (نَفْس، ذَات). وَإِنْ أَرَدْتَ بِهِ الْمَاهِيَّةَ الَّتِي تَقْبَلُ الْأَعْرَاضَ الْحَادِثَةَ لِتَنْفِيَ الصِّفَاتِ، فَهَذَا بَاطِلٌ". فالسلف منعوا إطلاق اللفظ لئلا تَلحقه لوازم المتكلمين الفاسدة [6].
  2. ​الْمَنْظُورُ الثَّانِي (إِبْطَالُ حَصْرِ الْعَقْلِ لِلْمَوْجُودَاتِ): قسم المتكلمون الوجود إلى (جوهر وعرض)، وزعموا أن ما ليس بجوهر ولا عرض فهو عدم. ثم نفوا أن يكون الله جوهراً أو عرضاً، فكانت النتيجة الحتمية لعقلهم المبدل هي "نفي وجود الله". أهل السنة يقولون: الله موجودٌ حقيقةً، قائمٌ بنفسه، متصفٌ بصفات الكمال، ولا يلزمه أن يدخل تحت تقسيماتكم الفلسفية الضيقة التي تحصر الخالق في قوالب المخلوقين [7].
  3. ​الْمَنْظُورُ الثَّالثُ (نَقْضُ خُرَافَةِ الْجَوْهَرِ الْفَرْدِ): إن بناء العقيدة على "الجوهر الفرد" هو بناءٌ على جرفٍ هار؛ فهذه المسألة فيزيائية ظنية أنكرها كثيرٌ من العقلاء قديماً وحديثاً. وإقحامها في باب التوحيد جعل الرب سبحانه مادةً للبحث الفلسفي التجريبي، مما أدى إلى تجريد الرب من أفعاله (كالخلق والاستواء والنزول) بدعوى تنزيهه عن لوازم "الجوهر الفرد" من الانقسام والتركيب [8].

رَابِعًا: الرَّدُّ النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ الْمُحَقَّقُ

  • ​الرَّدُّ النَّقْلِيُّ: قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ} [سورة الإخلاص: 1-2]. الصمد عند السلف هو "الْمُصْمَتُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ"، وهو "السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ فِي سُؤْدَدِهِ". هذا الوصف الإلهي يغني عن "الجوهر البسيط"؛ لأن "الأحد" ينفي الشريك، و"الصمد" ينفي التجزئة والاحتياج، مع إثبات صفات الكمال. أما (البسيط) الكلامي فهو سلبٌ محض للكمال [9].
  • ​الرَّدُّ الْعَقْلِيُّ: القول بـ "الجوهر البسيط" الذي لا صفة له هو قولٌ بـ "العدم". فالعقل لا يتصور موجوداً في الخارج مسلوب الصفات (لا علم له، لا قدرة، لا يد، لا استواء). فكل موجودٍ لا بد أن يتميز بصفات تخصه، فإذا سلبتم عنه "الأعراض" (الصفات) بدعوى البساطة، فقد سلبتم عنه حقيقة الوجود. فإثبات الصفات هو مقتضى "الكمال العقلِي"، ونفيها هو "النقص المحض" [10].

خَامِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي "الْجَوْهَرِ" (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرُونَ)

​(أَوَّلاً: الْقُدَامَى)

  1. ​عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "إنَّ الجهميةَ لَمَّا لم يجدوا بَصيراً بكلامهم، مَوَّهُوا عليهم بلفظ (الجوهر) و(البسيط)، وقالوا: إن أثبتم له وجهاً ويداً جعلتموه جوهراً مركباً. فقلنا لهم: بل هو الله الواحد الصمد، له يدٌ ووجهٌ كما وصف نفسه، وأنتم الذين جعلتموه عدماً بلفظ البساطة الذي تخترعونه" [11].
  2. ​ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "أصلُ ضلالِ هؤلاء من لفظِ (الجوهر الفرد)؛ حيث ظنوا أنَّ الأجسامَ لا تخلو من الحوادث، وأنَّ قيامَ الصفاتِ بالربِّ يجعله جوهراً مُمَاثلاً للمخلوقات، وهذا من أعظمِ القياسِ الفاسِدِ؛ فاللهُ ليس كمثلهِ شيءٌ في ذاتِهِ، فلا يكونُ كمثلهِ شيءٌ في قيامِ صفاتِهِ به" [12].
  3. ​ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "سموا الصفاتِ (أعراضاً)، وسموا الذاتَ (جوهراً)، ثم قالوا: الربُّ ليس بجوهرٍ فلا يحلُّ فيه عرضٌ. فكانت هذه الألفاظُ سُلَّماً لتعطيلِ الوحي، ولو كان هؤلاءِ يعظمون الله لسموهُ بما سمى به نفسه، ولتركوا اصطلاحاتِ اليونانِ لأهلِ الأوثانِ" [13].

​(ثَانِيًا: الْمُعَاصِرُونَ)

  1. ​ابْنُ عُثَيْمِينَ: "يقولون: الله ليس بجوهر؛ لأن الجوهر هو المتحيز الذي يمنع غيره من حلول مكانه. فنقول: هذا كلامٌ باطلٌ لم يأتِ به شرع، واللهُ سبحانه فوق العرش، بائنٌ من خلقه، وعلوُّهُ ذاتي، ولا نحتاج للفظ (الجوهر) نفياً ولا إثباتاً" [14].
  2. ​صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "الجوهر والبسيط والأعراض كلها زبالة أفكار الفلاسفة، دخلت على المسلمين فأفسدت عقائدهم، والواجبُ على طالب العلم أن يضرب بها عرض الحائط ويتمسك بما قاله الله وقاله الرسول ﷺ" [15].
  3. ​صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "المتكلمون جعلوا (الجوهر الفرد) هو الأساس الذي تُبنى عليه مسألة (حلول الحوادث)، ومن ثَمَّ نفوا استواء الله ونزوله وكلامه الحرفي. فلفظ الجوهر عندهم هو القفل الذي أغلقوا به باب الصفات" [16].
  4. ​رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الجهمية والمعتزلة يتلاعبون بالألفاظ؛ فمرة يقولون (جوهر) ومرة (بسيط)، والغرض واحد وهو نفي أن يكون الله إلهاً فعّالاً متكلماً يرضى ويغضب" [17].
  5. ​صَالِحٌ سَنْدِي: "مسألة (الجوهر الفرد) مسألةٌ كلامية مَحضة، بنى عليها المتكلمون أدلةً عقليةً في التوحيد، لكنها أدلةٌ مهلهلة لا تصمد أمام النقد العلمي، وقد أوقعتهم في تعطيل صفات الرب العظيم" [18].

الْحَوَاشِي :

​[1] انظر التعريفات في: المواقف للإيجي (ص 108)، التعريفات للجرجاني (ص 78)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 305-310).

[2] انظر مذهب الفلاسفة في: تهافت الفلاسفة للغزالي (مسألة نفي الصفات)، وشرح الإشارات لابن سينا (3/ 50-60).

[3] انظر مذهب المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 180-185)، والمنية والأمل لابن المرتضى.

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: تمهيد الأوائل للباقلاني (ص 35)، وشرح المقاصد للتفتازاني (3/ 15).

[5] انظر قول النصارى في: الجواب الصحيح لابن تيمية (3/ 250-260)، طبعة دار العاصمة.

[6] تفصيل المسلك السلفي في: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 65)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 230-240).

[7] انظر الرد على حصر الموجودات في: مجموع الفتاوى (5/ 550)، وبيان تلبيس الجهمية (1/ 450).

[8] نقد الجوهر الفرد علمياً وعقدياً: درء تعارض العقل والنقل (3/ 50-70).

[9] انظر تفسير الصمد في: تفسير ابن كثير (8/ 500)، وبيان تلبيس الجهمية (1/ 105).

[10] الرد العقلي على البساطة المجردة: الصواعق المرسلة لابن القيم (2/ 450-460).

[11] الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ص 95)، تحقيق زهير الشاويش.

[12] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 425-430).

[13] إغاثة اللهفان لابن القيم (2/ 155)، دار ابن الجوزي.

[14] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 150-155).

[15] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 140).

[16] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (المحاضرة السادسة).

[17] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 480).

[18] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 150)، دار الاستقامة.

-----------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّانِي: الْعَرَضُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

مادة (ع ر ض) في لسان العرب مادة واسعة، لكن مِعقدها يدور على (الظُّهُورِ بَعْدَ خَفَاءٍ) و(عَدَمِ الِاسْتِمْرَارِ). يُقال: "عَرَضَ لَهُ شَيْءٌ" أي بدا له ثم مضى. والعَرَضُ (بفتح العين والراء): هو حطام الدنيا وما لا دوام له، ومنه قوله تعالى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة النساء: الآية 94]. سُمي بذلك لأنه يعرضُ للرجل ثم يزول عنه ولا يبقى زمانين، بخلاف "الجوهر" الذي يثبت. وفي لسان العرب: العَرَضُ هو ما لا بقاء له، والآفة التي تَعرضُ في الشيء فتغيره. [انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 269)، وتاج العروس (18/ 380)].

الِاشْتِقَاقُ الِاصْطِلَاحِيُّ:

اصطلح المتكلمون على تسمية (الصفات القائمة بالذات) أعراضاً، نقلاً عن فلسفة "أرسطو" في "المقولات العشر"، حيث جعل العَرَض قسيماً للجوهر. ثم زادوا في تعريفه قيوداً فلسفية لم تعرفها لغة العرب، ليجعلوه ركيزة في دليل "حدوث الأجسام" الذي هو أصل علم الكلام.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

الْعَرَضُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: هو (الْمَوْجُودُ الَّذِي لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، بَلْ يَفْتَقِرُ فِي وُجُودِهِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ).

قَيْدُ "الزَّوَالِ": يرى جمهور المتكلمين أن (الْعَرَضَ لَا يَبْقَى زَمَانَيْنِ)، بل هو في تجدد مستمر، فإذا سكن المحل فالحركة زالت، وإذا تحرك فالسكون عَرَضٌ قد انقضى. وهذا القيد هو الذي استخدموه لمنع اتصاف الله بالصفات الفعلية كالغضب والرضا والنزول، بدعوى أنها أعراض حادثة تتغير [1].

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ وَمَقَاصِدُهُمْ مِنْ إِيرَادِ اللَّفْظِ (تَشْرِيحُ الْفِخَاخِ الْعَرَضِيَّةِ)

لم يقل المتكلمون "الله ليس محلاً للأعراض" تنزيهاً للذات في الحقيقة، بل نصبوا هذا اللفظ "فخاً" لتعطيل الوحي:

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةِ الصِّفَاتِ قَاطِبَةً):

المقصد: نفي قيام المعاني بالذات.

الْفَخُّ: زعموا أن "العلم والقدرة والحياة" هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والجسم لا يكون إلا حادثاً. فإذا أثبتنا لله علماً، فقد جعلناه محلاً للأعراض، ومن كان محلاً للأعراض فهو جوهر مؤلف، والمؤلف مسبوق بالعدم. فكان غرضهم من تسمية الصفات (أعراضاً) هو استبشاع إثباتها عند العامة، ليوهموهم أن إثبات "العلم" يستلزم "الحدوث" [2].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (نُفَاةِ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ):

المقصد: نفي قيام الحوادث (الصفات الفعلية) بالرب.

الْفَخُّ: أثبتوا "المعاني السبعة" بدعوى أنها ليست أعراضاً حادثة بل صفات قديمة، ولكنهم نفوا (الاستواء، النزول، المجيء، الضحك، الغضب) بدعوى أنها "أعراض حادثة" تتجدد بحسب المشيئة. وقاعدتهم: (مَا لَا يَخْلُو عَنِ الْحَوَادِثِ فَهُوَ حَادِثٌ). فسموا أفعال الرب حوادث وأعراضاً لينفوا مشيئته وقيوميته، ولينتهوا إلى أن كلام الله معنى نفسي قديم لا يتعلق بمشيئته [3].

مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (أَهْلُ الْوَاحِدِ الْبَسِيطِ):

المقصد: نفي الكثرة في الذات.

الْفَخُّ: زعموا أن قيام العرض بالمحل يقتضي أن المحل "مفتقر" إلى الصفة لتكمله، والرب غني غنىً مطلقاً فلا يفتقر لصفة زائدة. فكان غرضهم من نفي الأعراض هو مساواة الذات بالصفات، بحيث يكون الله (علماً محضاً بلا ذات، وقدرة محضاً بلا حقيقة)، وهو في الحقيقة نفيٌ للوجود [4].

ثَالِثًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (بِنَظْرَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ تَوْثِيقِيَّةٍ)

الْمَنْظُورُ الْأَوَّلُ (تَحْرِيرُ الِاصْطِلَاحِ وَرَدُّ الْبِدْعَةِ):

أهل السنة لا يصفون صفات الله بأنها (أعراض)؛ لأن العَرَض في اللغة يشعر بالمرض، والآفة، والزوال، والنقص، والله منزه عن ذلك. لكننا نثبت "المعنى" وهو أن الله متصف بصفات كمال قائمة بذاته حقيقة. فالمبتدع يستخدم "العَرَض" لفظاً ليُرهب به المثبت، ونحن نقول: إن سميتم كمال الله (أعراضاً) فنحن نثبت هذا الكمال ولا نعبأ باصطلاحاتكم، وإن سميتموه أعراضاً لتشبهوه بعَرَض المخلوق الزائل فنحن ننفي "التشبيه" ونثبت "الحقيقة" [5].

الْمَنْظُورُ الثَّانِي (إِبْطَالُ دَلِيلِ حُلُولِ الْحَوَادِثِ):

أصل ضلال المتكلمين في "الأعراض" هو ظنهم أن الرب إذا فعل فعلاً (كالمجيء والنزول) فقد "حلت به الحوادث"، وأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. وهذا قياس باطل؛ لأن "الفعل" كمال للموجود، والذي لا يفعل هو الجماد الناقص. فقيام أفعال الله بذاته (وهي التي يسمونها حوادث وأعراضاً) هو مقتضى كمال قيوميته ومشيئته، ولا يلزم من قيام الفعل بالفاعل حدوث الذات، بل الذات قديمة أزلية وأفعالها تقع بمشيئتها وقدرتها [6].

الْمَنْظُورُ الثَّالِثُ (نَقْضُ قَاعِدَةِ عَدَمِ بَقَاءِ الْعَرَضِ):

بنى المتكلمون عقيدتهم على أن "العَرَض لا يبقى زمانين"، وأهل السنة والتحقيق من العقلاء يقولون: هذا باطل حساً وعقلاً. فالسواد يبقى في الثوب أياماً، والعلم يبقى في قلب العالم سنين. فإذا بطلت القاعدة في الشاهد، بطل بناؤها في الغيب. وصفات الله (كالقدرة والعلم) باقية أبدية لا تنعدم، وأفعاله (كالخلق والرزق) تقع متجددة بحسب حكمته، ولا يصح تسميتها أعراضاً فانية كما يفعل المعطلة [7].

رَابِعًا: الرَّدُّ النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ الْمُحَقَّقُ

الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قال تعالى: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [سورة الأنبياء: الآية 2]. وصف الله القرآن (وهو كلامه) بأنه مُحدَث الإتيان، أي ينزل وقتاً بعد وقت. والمتكلمون يسمون "المُحدَث" عرضاً وحادثاً، فسموه ما شئتم؛ فالله أثبت لقوله وكلامه تجدداً بحسب مشيئته، فدل على بطلان قولكم إن قيام ما يتجدد بالرب (الأعراض عندهم) ممتنع. [انظر: تفسير البغوي (5/ 311)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (12/ 310)].

الرَّدُّ الْعَقْلِيُّ:

العقل الصريح يدرك أن "الموجود" لا بد له من "صفات". فإذا قلتم: "الرب ليس محلاً للأعراض" (تقصدون الصفات)، فأنتم تقولون: "الرب ليس بموجود". لأن الموجود الذي لا تقوم به صفة هو العدم المحض. فالتنزه عن "الأعراض" بالمفهوم الكلامي هو في الحقيقة تنزه عن "الوجود". والعقل يقتضي أن أكمل الموجودات هو أكثرها صفات كمال، لا أقلها [8].

خَامِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي "الْعَرَضِ" (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرُونَ)

(أَوَّلاً: الْقُدَامَى)

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "وزعمتِ الجهميةُ أن الله لا يوصف بصفةٍ قائمةٍ به؛ لأن ذلك عندهم (أعراضٌ) لا تقوم إلا بجسم، فجعلوا ربهم كالهواء لا حقيقة له، وكذبوا بالكتاب الذي أثبت لله السمع والبصر واليدين، فكل هذه عندهم أعراض، ونحن نقول: هي صفات كمال للواحد الصمد" [9].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "لفظ (العَرَض) لفظ مجمل؛ فإن أريد به الصفة القائمة بالموصوف، فالله موصوف بصفات الكمال. وإن أريد به ما يعرض ويزول من الأمراض والآفات، فالله منزه عنه. والمتكلمون يطلقون (نفي الأعراض) ليوهموا الناس نفي الصفات، وهذا هو أصل الإلحاد في أسماء الله" [10].

ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "جعلوا (الأعراض) فخاً لتعطيل الوحي، فكلما جاءهم نص بالنزول أو الاستواء أو الغضب قالوا: هذا عرض، والعرض لا يقوم إلا بحادث. فقدموا اصطلاحهم الفاسد على نص الوحي الصادق، ولو عقلوا لعلموا أن الفعل كمال لا نقص" [11].

(ثَانِيًا: الْمُعَاصِرُونَ)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "المتكلمون يقولون: الصفات أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم. ونحن نقول لهم: هاتوا من كتاب الله أو سنة رسوله أن الله ليس بجسم، أو أن صفاته أعراض. هذه اصطلاحاتكم، ونحن نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولا يهمنا ما تسمونه في كتبكم" [12].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "تسمية الصفات بالأعراض هو من التمويه على الجهال؛ لأن الناس يعرفون أن العرض زائل، فيريدون أن يوهموهم أن صفات الله مثل أعراض المخلوقين، وهذا تشبيهٌ في النفي قبل الإثبات" [13].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "مسألة نفي الأعراض عند الأشاعرة والمبتدعة هي التي أدت بهم لقول (المعنى النفسي) في الكلام؛ لأنهم لو أثبتوا لله كلاماً بحرف وصوت يتعلق بمشيئته، لزمهم -في عقلهم- أن يكون الرب محلاً للأعراض والحوادث، فنفوا كماله حماية لأصلهم الفاسد" [14].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الجهمية وأفراخهم من المتكلمين هم أعداءُ السنن؛ لأنهم بنوا دينهم على (الأعراض والجواهر) وتركوا (قال الله وقال رسوله)، وكلُّ من سمى صفة الله عرضاً فقد أزرى بخالقه" [15].

صَالِحٌ سَنْدِي: "القول بأن (العَرَض لا يبقى زمانين) هو الذي جعل المتكلمين يضطربون في توحيد الربوبية والأسماء والصفات، وهو أصلٌ فلسفي لا خطام له ولا زمام، وقد نقضه أئمة السنة ببيان كمال الذات واتصافها بما تشاء وقتما تشاء" [16].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر التعريفات اللغوية والاصطلاحية في: لسان العرب (7/ 168)، المواقف للإيجي (ص 108)، وشرح المقاصد للتفتازاني (2/ 120).

[2] انظر مذهب المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار (ص 220-230)، والانتصار للخياط.

[3] انظر مذهب الأشاعرة في: نهاية الإقدام للشهرستاني (ص 45)، وشرح المواقف (ص 115) في مسألة حلول الحوادث.

[4] انظر مذهب الفلاسفة في: تهافت الفلاسفة للغزالي (المسألة السادسة في الصفات)، والمنقذ من الضلال.

[5] تفصيل المسلك العقدِي في: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 70-75)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 250).

[6] انظر إبطال دليل حلول الحوادث في: مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 525-540)، وبيان تلبيس الجهمية (2/ 120).

[7] نقد قاعدة عدم بقاء العرض في: درء تعارض العقل والنقل (3/ 80-95)، والتحصيل للأرموي.

[8] انظر الرد العقلي على نفي الصفات بالأعراض في: الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1020)، ومختصر الصواعق للموصلي.

[9] الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ص 110-112)، تحقيق زهير الشاويش.

[10] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 415-420)، طبعة مجمع الملك فهد.

[11] إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم (2/ 150-160)، دار ابن الجوزي.

[12] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 155-160)، دار ابن الجوزي.

[13] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 145).

[14] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (المحاضرة السادسة والسابعة).

[15] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 485).

[16] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 155-160)، دار الاستقامة.

-------------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(الْوَجْهِ الثَّالِثُ: التَّرْكِيبُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الْأَجْزَاءِ وَالْأَبْعَاضِ)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

مادة (ر ك ب) في لسان العرب تدور حول (وَضْعِ شَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ) أو (اجْتِمَاعِ أَشْيَاءَ مُتَفَرِّقَةٍ). يُقال: "رَكَّبَ الشيءَ" أي وضع بعضه على بعض فاتصل. والتركيب لغةً يقتضي وجود أجزاء كانت متفرقة ثم جُمعت، أو أجزاء متميزة يمكن فصلها. ومِن مقتضياته: الافتقار؛ لأن "المركب" يفتقر في وجوده إلى أجزائه التي تألف منها. [انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 432)، لسان العرب (1/ 427)].

الِاشْتِقَاقُ الِاصْطِلَاحِيُّ:

استعار المتكلمون هذا اللفظ من لغة العرب وجعلوا له "اصطلاحاً مخترعاً" في الإلهيات؛ ليسموا اتصاف الله بصفاته (تركيباً). فصرفوا المعنى من "جمع المتفرقات" إلى "تعدد الصفات والمميزات"، ليوهموا أن إثبات الصفة يلحقه نقص الافتقار.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

التَّرْكِيبُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: هو (اتِّحَادُ الذَّاتِ مَعَ أُمُورٍ زَائِدَةٍ عَلَيْهَا أَوْ تَمَيُّزِ صِفَاتٍ عَنْ بَعْضِهَا فِي الذَّاتِ الْوَاحِدَةِ).

أَنْوَاعُ التَّرْكِيبِ الْمَنْفِيِّ عِنْدَهُمْ:

التركيب الخارجي: وهو التألف من أجزاء حسية (كالأعضاء).

التركيب العقلي: وهو التميز بين الماهية والوجود، أو بين الذات والصفات.

التركيب من المادة والصورة: وهو قول الفلاسفة في الأجسام [1].

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ وَمَقَاصِدُهُمْ مِنْ إِيرَادِ اللَّفْظِ (تَشْرِيحُ الْفَخِّ)

نصب المتكلمون لفظ "التركيب" فخاً لضرب النصوص ببعضها، وإليك تفصيل مسالكهم:

مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (غُلَاةُ النُّفَاةِ):

المقصد: نفي كل صفة زائدة على الذات.

الْفَخُّ: زعموا أن الله "واحدٌ حقيقي" من كل وجه، فلو كان له علمٌ وقدرة، لكان (ذاتاً + علماً + قدرة)، وهذا عندهم هو "التركيب". والمركب يفتقر إلى أجزائه، والمفتقر لغيره حادث. فكان غرضهم من نفي "التركيب" هو الوصول لربٍّ لا صفة له، بل الذات هي العلم وهي القدرة (وحدة الصفات) [2].

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ (نُفَاةُ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ):

المقصد: نفي اليد والوجه والعين والاستواء.

الْفَخُّ: سموا هذه الصفات (أجزاءً وأبعاضاً)، وقالوا: "الله لا يتركب من أجزاء"، فكل نص يوهم التبعيض -في عقولهم- فهو دليل "تركيب"، والتركيب سمة الأجسام المخلوقة. فكان غرضهم نفي حقائق الصفات بدعوى تنزيه الصمد عن التركيب [3].

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ (أَهْلُ التَّبْعِيضِ فِي النَّفْيِ):

المقصد: نفي الصفات الخبرية (كاليدين) وإثبات المعاني.

الْفَخُّ: وافقوا المعتزلة في أن إثبات اليد والوجه يقتضي "التركيب" و"الجسمية"، فنفوا هذه الصفات بالتأويل. وزعموا أنهم أثبتوا "المعاني السبعة" لأنها لا تقتضي "التركيب في الأجزاء"، مع أن خصومهم من الفلاسفة ألزموهم بأن إثبات "العلم" هو تركيب عقلي أيضاً، فوقعوا في التناقض [4].

ثَالِثًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (بِنَظْرَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ تَوْثِيقِيَّةٍ)

الْمَنْظُورُ الْأَوَّلُ (الِاسْتِفْصَالُ وَتَحْرِيرُ الْحَقِيقَةِ):

نحن نسأل المبتدع: ماذا تقصد بالتركيب؟

إن قصدت "تركيباً" يقتضي فقر الرب لأجزاء كانت متفرقة ثم جُمعت، أو أن الرب "آلة" مؤلفة، فهذا باطل ننفيه عن الله بالسمع والعقل؛ لأن الله صمدٌ غنيٌ عن العالمين.

وإن قصدت بـ "التركيب" إثبات صفات الكمال (كالسمع والبصر واليد والوجه) وتميز معانيها عن بعضها، فهذا حق أثبته الله لنفسه، وتسميتكم له تركيباً "تسمية مخترعة" لنفي الكمال، ونحن نثبت ما دل عليه النص ولا نعبأ باصطلاحكم الموهم [5].

الْمَنْظُورُ الثَّانِي (نَقْضُ دَعْوَى الِافْتِقَارِ):

زعم المتكلمون أن كل موصوف بصفات متميزة فهو "مركب مفتقر لصفاته". وهذا غاية الجهل؛ فالموصوف هو "الغني بصفاته"، والصفة لا توجد منفصلة عن الموصوف حتى يقال إنه افتقر إليها بعد عدم. فالله حيٌّ بحياة، قديرٌ بقدرة، وهذا عينُ الغنى والكمال، أما "الجوهر البسيط" المسلوب الصفات فهو المفتقر إلى الوجود أصلاً لأنه لا حقيقة له في الخارج [6].

الْمَنْظُورُ الثَّالِثُ (إِبْطَالُ دَلِيلِ نَفْيِ "الْأَجْزَاءِ" عَلَى الصِّفَاتِ):

أهل السنة يثبتون لله "اليدين والوجه والعينين" كما جاء في النص، ولا يسمونها "أجزاءً" ولا "أبعاضاً" ولا "أركاناً"، لأن هذه الألفاظ تقتضي الانفصال والتركيب اللغوي. بل نقول هي "صِفَاتُ ذَاتٍ"، ولا يلزم من إثباتها تركيبٌ ولا تجزئة؛ لأن الله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. فالمبتدع حصر العقل في خيارات المخلوقين: (إما مسمط كالحجر، أو مركب كالإنسان)، وأغفلوا كمال الخالق الذي تتمايز صفاته مع وحدة ذاته [7].

رَابِعًا: الرَّدُّ النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ الْمُحَقَّقُ

الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ}. الصمد هو الذي لا جوف له، وهو الذي كمل في كل أنواع الشرف والكمال. فلو كان إثبات الصفات "تركيباً" منافياً للصمدية، لما وصف الله نفسه بـ "العليم، القدير، الرؤوف، ذو الجلال والإكرام". فدل إثبات هذه الأسماء والصفات الكثيرة مع وصفه بـ "الأحد الصمد" على أن "تعدد الصفات" لا ينافي "وحدة الذات"، وبطل مسمى التركيب الكلامي [8].

الرَّدُّ الْعَقْلِيُّ:

العقل يدرك أن "الموجود" الواحد يمكن أن يكون له صفات متعددة مع بقائه واحداً في ذاته. فالنفس البشرية لها إرادة وعلم وقدرة، وهي نفس واحدة. فإذا جاز هذا في المخلوق الضعيف بلا تركيب يقتضي الانفصال، فكيف بالخالق العظيم؟ إن نفي التعدد في الصفات بدعوى "التركيب" هو نفيٌ لحقيقة الموصوف، وتحويلٌ له إلى "نقطة رياضية" وهمية لا وجود لها [9].

خَامِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي "التَّرْكِيبِ" (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرُونَ)

(أَوَّلاً: الْقُدَامَى)

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "وزعمت الجهمية أن من أثبت لله يدين ووجهاً فقد جعله (مركباً)، فقلنا لهم: يا جهلة، إنما التركيب ما كان مفترقاً فاجتمع، والله لم يزل بصفاته أحداً صمداً، فإثباتُ ما وصف الله به نفسه هو التوحيد، ونفيُه بدعوى التركيب هو الضلال البعيد" [10].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "لفظ (التركيب) من أضخم الألفاظ المجملة التي ضل بها المتكلمون؛ فالمؤلف من أجزاء منفصلة هو المخلوق، أما الرب فصفاته لازمة لذاته، وتميزُ الصفات في العقل لا يقتضي تركيباً في الخارج، وما يزعمونه من (تركيب الماهية والوجود) هو خيالٌ ذهني لا حقيقة له" [11].

ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "لقد سموا إثبات اليدين والوجه (تركيباً)، وسَموا العلو (تحيزاً)، وسَموا الكلام (حادثاً)، وكلُّ ذلك لينفروا الناس عن الوحي. والتركيب المنفي عن الله هو تركيب النقص والحاجة، أما تركيب الكمال -وهو اتصاف الذات بصفاتها- فهو مقتضى كماله سبحانه" [12].

(ثَانِيًا: الْمُعَاصِرُونَ)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نفي التركيب عن الله حق إذا أريد به الأجزاء المنفصلة، وباطل إذا أريد به نفي الصفات. والمتكلمون لا يطلقون هذا اللفظ إلا لنفي ما أثبته الله لنفسه، فنحن نرد اللفظ ونستفصل في المعنى" [13].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "يقول المعتزلة: لو أثبتنا لله وجهاً ويدين لصار (جسماً مركباً). ونحن نقول: هذا قياس الغائب على الشاهد، فالله له وجه يليق بجلاله، وله يدان تليقان بعظمته، ولا يلزمه ما يلزم المخلوقين من التركيب والاحتياج" [14].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "شبهة التركيب هي التي جعلت الفلاسفة يفرون إلى (وحدة الوجود) أو (تعطيل الصفات)؛ لأنهم لم يفهموا أن إثبات الصفة للموصوف ليس تركيباً تأليفياً، بل هو مقتضى الوجود الحقيقي" [15].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الجهمية وأهل الكلام جعلوا لفظ (التركيب) بعبعاً يُخوفون به أهل السنة، فإذا قال السني: (الله فوق العرش) قالوا: جعلته مركباً في مكان! وهذا من كذبهم وتلبيسهم على الناس" [16].

صَالِحٌ سَنْدِي: "التركيب عند المتكلمين (ستة أنواع)، وكلها استخدموها لضرب نصوص الصفات. والمنهج الحق هو إثبات الصفات الخبرية كاليد والوجه صفاتِ ذاتٍ، مع نفي مسمى التركيب الكلامي ولوازمه الباطلة" [17].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 55)، والمواقف للإيجي (ص 120).

[2] انظر مذهب الفلاسفة في نفي التركيب: تهافت الفلاسفة للغزالي (المسألة الخامسة)، وشرح الإشارات لابن سينا (3/ 50).

[3] انظر مذهب المعتزلة في: شرح الأصول الخمسة (ص 195)، ومقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 300).

[4] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المواقف (ص 125)، ونهاية الإقدام للشهرستاني (ص 50).

[5] تفصيل المسلك السلفي في: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 70-75)، ومجموع الفتاوى (5/ 430).

[6] انظر نقد دعوى الافتقار في: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (3/ 120-130)، وبيان تلبيس الجهمية (2/ 400).

[7] انظر إبطال نفي الأجزاء على الصفات في: الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1050)، وشرح العقيدة الأصفهانية.

[8] انظر تفسير الصمد ونفي التركيب في: تفسير ابن كثير (8/ 501)، ومجموع الفتاوى (17/ 214).

[9] الرد العقلي في: بيان تلبيس الجهمية (1/ 115)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 250).

[10] الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ص 102)، تحقيق الشاويش.

[11] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 555-560)، طبعة مجمع الملك فهد.

[12] الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1020-1030)، طبعة دار العاصمة.

[13] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 160)، دار ابن الجوزي.

[14] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 150).

[15] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (المحاضرة السادسة).

[16] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 490).

[17] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 165)، دار الاستقامة.

----------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(الْوَجْهِ الرَّابِعُ: التَّحَيُّزُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الْجِهَةِ وَالْمَكَانِ)

ننتقل الآن إلى أشدِّ هذه الألفاظ إيهاماً، وأكثرها رواجاً عند أهل الكلام لرد النصوص الصريحة في العلوِّ والفوقية، وهو لفظ (التَّحَيُّزُ) ،فقد جعلوا نفي "التحيز" قنطرةً لنفي استواء الله على عرشه، ونفي مباينته لخلقه، حتى انتهى بهم الأمر إلى القول بربٍّ لا داخل العالم ولا خارجه.

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالْحَدُّ الْجَامِعُ

التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

مادة (ح ي ز) في لسان العرب تدور على (التَّجَمُّعِ وَالنَّاحِيَةِ). يُقال: "تَحَيَّزَ القومُ" إذا انضم بعضهم إلى بعض. والحَيِّزُ: هو المكانُ الذي يشغله الشيء، أو ما انضم من الأرض وصار متميزاً عما سواه. والتَّحَيُّزُ لغةً يقتضي انضمام الشيء إلى مكانٍ يحويه ويحيط به. [انظر: لسان العرب لابن منظور (5/ 338)، مقاييس اللغة (2/ 115)].

الِاشْتِقَاقُ الِاصْطِلَاحِيُّ:

نقل المتكلمون هذا اللفظ ليعبروا به عن قيام "الجوهر" في الحيز (المكان)، وجعلوا "التحيز" من أخص صفات الأجسام. ثم استعملوه في الإلهيات لزعمهم أن إثبات "العلو" أو "الفوقية" يستلزم أن يكون الرب "متحيزاً"، والتحيز يقتضي عندهم "التجسم" والافتخار للمكان.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:

التَّحَيُّزُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: هو (حُصُولُ الْجَوْهَرِ فِي الْحَيِّزِ بِحَيْثُ يَمْنَعُ غَيْرَهُ مِنْ أَنْ يَحِلَّ فِيهِ).

قَصْدُهُمْ مِنْ نَفْيِهِ عَنِ اللَّهِ: أرادوا به نفي أن يكون الله (في جهة) أو (فوق العرش)؛ لأن "الفوق" عندهم جهة، والجهة حيز، والتحيز يقتضي الحدوث [1].

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الْفِرَقِ وَمَقَاصِدُهُمْ مِنْ إِيرَادِ اللَّفْظِ (تَشْرِيحُ الْفَخِّ)

نُصب لفظ "التحيز" ليكون مانعاً عقلياً -في زعمهم- يحجب القلوب عن الإيمان بعلو الخالق:

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ (نُفَاةُ الْمُبَايَنَةِ):

المقصد: نفي أن يكون الله بائناً من خلقه.

الْفَخُّ: قالوا: "التحيز يقتضي أن الله في مكان، وإثبات المكان يقتضي التحديد، والله لا يحده شيء". فانتهوا إلى القول بأن الله "في كل مكان" بذاته، فراراً من "التحيز الخاص" إلى "التحيز العام" الذي خلط الخالق بالمستقذرات [2].

مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ (نُفَاةُ الْجِهَةِ):

المقصد: نفي الفوقية والاستواء.

الْفَخُّ: زعموا أن "التحيز" صفة الأجسام المفتقرة، فلو كان الله فوق العرش لكان "متحيزاً" فيه، ولو كان متحيزاً لكان محتاجاً للعرش، أو لكان العرش أكبر منه أو أصغر. فاستعملوا لفظ "التحيز" لنفي صفة العلو الذاتي، وتأولوا الاستواء بـ (الاستيلاء) لئلا يلزمهم التحيز [3].

مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (النَّفْيُ الْمُطْلَقُ):

المقصد: إثبات وجود مجرد لا علاقة له بالأمكنة.

الْفَخُّ: قالوا: "الله منزه عن الأين والجهة والتحيز مطلقاً". وانتهى بهم الأمر إلى وصف الله بأوصاف الممتنعات؛ فقالوا: (لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصلاً به ولا منفصلاً عنه)، وهذا هو عين العدم [4].

ثَالِثًا: الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ (بِنَظْرَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ تَوْثِيقِيَّةٍ)

تَحْرِيرُ مَعْنَى "الْحَيِّزِ" بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ:

نستفصل في معنى "التحيز" المزعوم:

إن قصدتم بالتحيز أن الله "تحويه" المخلوقات وتُحيط به، فهذا باطل نؤمن بنفيه؛ فالله أعظم من كل شيء، وكرسيه وسع السماوات والأرض، وهو المحيط بكل شيء ولا يُحاط به.

وإن قصدتم بالتحيز أن الله "بائن" من خلقه، متميزٌ عنهم، فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، فهذا حق أثبته الله لنفسه، وتسميتكم له "تحيزاً" تسمية باطلة لا نرد بها الحق الثابت [5].

إِبْطَالُ دَعْوَى "افْتِقَارِ الْمُتَحَيِّزِ لِلْمَكَانِ":

زعم المتكلمون أن كل ما كان في جهة فهو "مفتقر" لما يحويه. وهذا باطل؛ فالعلو صفة كمال، والعرش مفتقر لله محمولٌ بقدرته، والله غني عن العرش وعن المكان. فوجود الله "فوق العالم" هو مقتضى عظمته ومباينته للمخلوقات، وليس هو "تحيز" افتقار، بل هو "علو قهر وغلبة وذات" [6].

النَّقْضُ بِمَسْأَلَةِ "الْوُجُودِ الذِّهْنِيِّ وَالْخَارِجِيِّ":

كل موجود في الخارج لا بد أن يكون متميزاً عن غيره، والمتميز عن غيره لا بد أن يكون له "حيز" يخصه (بمعنى المباينة والتميز). فإذا نفيتم "التحيز" (بمعنى التميز) فقد جعلتم الله عدماً لا حقيقة له إلا في الأذهان كالأرقام والمعاني المجردة. والرب موجود حقيقي، والموجود الحقيقي لا بد أن يكون بائناً عن غيره في جهة العلو [7].

رَابِعًا: الرَّدُّ النَّقْلِيُّ وَالْعَقْلِيُّ الْمُحَقَّقُ

الرَّدُّ النَّقْلِيُّ:

قال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: الآية 5]. وقال ﷺ في حديث الجارية: "أين الله؟" قالت: في السماء، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فالله أثبت لنفسه "الأين" (الجهة والعلو)، والرسول ﷺ شهد بإيمان من أثبت ذلك. فمن نفى ذلك بدعوى "التحيز" فقد حكم على الجارية والرسول ﷺ بالجهل والتشبيه، وهذا هو الضلال المبين. [انظر: صحيح مسلم (537)، تفسير الطبري (16/ 137)].

الرَّدُّ الْعَقْلِيُّ:

العقل الفطري يدرك أن كل موجودين إما أن يكون أحدهما داخل الآخر، أو بائناً عنه. وبما أن الله ليس داخلاً في العالم (لأنه منزه عن الحلول)، وجب عقلاً أن يكون "بائناً" عنه. والمباينة تقتضي "جهة العلو" لأنها أكمل الجهات. فمن نفي "التحيز" (بمعنى الجهة) فقد سلب العقل القدرة على إثبات وجود الخالق أصلاً [8].

خَامِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ فِي "التَّحَيُّزِ" (الْقُدَامَى وَالْمُعَاصِرُونَ)

(أَوَّلاً: الْقُدَامَى)

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "وزعمت الجهمية أن الله لا يُوصف بمكان ولا بجهة، هرباً من (التحيز) في زعمهم. فقلنا لهم: إن الذي ليس له جهة ولا مكان هو (العدم)، والله فوق عرشه بائن من خلقه، يعرفه المؤمنون بقلوبهم ويشيرون إليه في دعائهم بجهة العلو" [9].

ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "لفظ (التحيز) فيه إجمال؛ فإن أرادوا به أن الله تحويه المخلوقات فهو باطل، وإن أرادوا به أن الله بائن عن العالم فوق العرش فهو حق. والمتكلمون نفوا "العلو" بهذا اللفظ الموهم، فوقعوا في أقبح مما فروا منه" [10].

ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "لقد سموا العلو (تحيزاً) ليوهموا الناس أنه نقص، والله وصف نفسه بالعلي العظيم. وكلُّ من نفى جهة العلو فقد نفى وجود معبوده، وصار يعبد عدماً لا في داخل العالم ولا في خارجه" [11].

(ثَانِيًا: الْمُعَاصِرُونَ)

ابْنُ عُثَيْمِينَ: "نفي التحيز والجهة عن الله اصطلاح كلامي لم يَرِد في الشرع. ونحن نثبت أن الله في السماء كما جاء في الحديث، وننفي أن يحيط به شيء من خلقه. فلفظ (التحيز) نتركه ونلزم لفظ الوحي" [12].

صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "المعطلة يقولون: لا نثبت لله جهة لأن ذلك يقتضي التحيز. فنقول لهم: جهة العلو هي جهة كمال، والله في العلو، فسموه تحيزاً أو ما شئتم، فالحقُّ لا يتغير بتغيير الأسماء" [13].

صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "شبهة التحيز هي التي منعت الأشاعرة من إثبات الاستواء الحقيقي، ففروا إلى الاستيلاء. وهي شبهة مبنية على قياس الخالق على المخلوق، فالخالق لا يحويه حيز، بل هو فوق كل حيز" [14].

رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "أهل البدع يستخدمون الألفاظ الغامضة مثل (التحيز) ليصرفوا الناس عن فطرة العلو التي فطر الله الخلق عليها، فكلُّ ساجد يقول (سبحان ربي الأعلى) وهو يثبت بقلبه جهة العلو التي ينفيها المتكلمون" [15].

صَالِحٌ سَنْدِي: "مسألة التحيز مرتبطة بـ (الجسمية) عند المتكلمين، فكل من نفى التحيز عندهم لزمه نفي رؤية الله بالأبصار في الآخرة، وهذا يهدم أصلاً عظيماً من أصول أهل السنة" [16].

الْحَوَاشِي :

[1] انظر التعريفات في: المواقف للإيجي (ص 115)، والتعريفات للجرجاني (ص 58).

[2] انظر مذهب الجهمية في: مقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 210)، والرد على الجهمية للإمام أحمد.

[3] انظر مذهب الأشاعرة في: شرح المقاصد للتفتازاني (3/ 40)، ونهاية الإقدام للشهرستاني (ص 103).

[4] انظر مذهب الفلاسفة في: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 250-260).

[5] تفصيل المسلك العقدِي في: الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 80-85)، ومجموع الفتاوى (5/ 435).

[6] انظر نقد دعوى الافتقار في: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 450-460).

[7] انظر الرد العقلي في: الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1050-1060).

[8] الرد العقلي في: درء تعارض العقل والنقل (1/ 250)، ومجموع الفتاوى (5/ 260).

[9] الرد على الجهمية لعثمان بن سعيد الدارمي (ص 85-90)، تحقيق الشاويش.

[10] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 560-565)، طبعة مجمع الملك فهد.

[11] إغاثة اللهفان لابن القيم (2/ 160)، دار ابن الجوزي.

[12] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 165)، دار ابن الجوزي.

[13] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 155).

[14] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (المحاضرة السادسة).

[15] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 495).

[16] تسهيل العقيدة الإسلامية لصالح سندي (ص 170)، دار الاستقامة.

---------------------&

الْمَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: مُعْجَمُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْكَلَامِيَّةِ

(الْوَجْهِ الْخَامِسُ: الْجِهَةُ وَالْجِهَةُ الْعَدَمِيَّةُ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْجِهَةُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

الجهةُ في لسان العرب من (الْوَجْهِ)، وأصلها (وِجْهَة) حُذفت واوها وعُوض عنها بالتاء. وتُطلق على الناحية والمقصد، وهي أمرٌ نِسبي يقتضي وجود شيئين؛ جهة من (الواصف) وجهة لـ (الموصوف). [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْجِهَةِ (الْوُجُودِيَّةِ):

هي: (الظَّرْفُ الْمَكَانِيُّ الْوُجُودِيُّ الَّذِي يَحْوِي الْمَوْجُودَ وَيُحِيطُ بِهِ مِنْ أَقْطَارِهِ إِحَاطَةَ الظَّرْفِ بِالْمَظْرُوفِ).

مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْجِهَةِ الْوُجُودِيَّةِ):

مَسْلَكُ الْكَرَّامِيَّةِ: أثبتوا لله جهةً وجودية (وهي العرش) وزعموا أنه مماسٌّ له، فجعلوه محصوراً في حيز مخلوق. [2]

مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: نفوا الجهة الوجودية، واستخدموا هذا النفي كـ "فخ" لنفي علو الله ومباينته لخلقه بالكلية، زاعمين أن إثبات العلو يقتضي بالضرورة جهةً وجودية تحصره.

ثَانِيًا: لَفْظُ (الْجِهَةُ الْعَدَمِيَّةُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

مركب من (الجهة) و(العدمية). والعدميةُ لغةً نسبةٌ إلى العدم، وهو ضد الوجود. ويُراد بها في الاصطلاح: ما ليس بمكانٍ مادي ولا حيزٍ مخلوق.

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْجِهَةِ (الْعَدَمِيَّةِ):

هي: (مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ؛ حَيْثُ انْتَهَتِ الْمَخْلُوقَاتُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا خَالِقُهَا، فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَا يَحْصُرُ ذَاتَ الرَّبِّ وَلَا يُحِيطُ بِهَا شَيْءٌ).

مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْجِهَةِ الْعَدَمِيَّةِ):

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ: نفوا الجهة العدمية أيضاً (في المشهور عنهم)، وقالوا: "الله لا في جهة" مطلقاً، فاضطروا لنفي العلو الذاتي والقول بـ "علو المكانة" فقط، فراراً من إثبات مباينة الخالق للمخلوق.

مَسْلَكُ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ: حاولوا التوفيق بين العقل والنص، فأثبتوا "الجهة العدمية" فقط لينفوا "المكان" ويثبتوا "العلو"، لكنهم اضطربوا في حقيقة استواء الرب على عرشه.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)

(الْقُدَامَى)

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "أنكرتِ الجهميةُ جهةَ العلو، وأثبتتها الكراميةُ بِمُمَاسَّةٍ وتجسيم، وكلا الطرفين مَذْمُومٌ. والحقُّ أنَّ الله فوق عرشه بائنٌ من خلقه، يُشار إليه بالجهات العُليا في الدعاء، ولا يُحاطُ به حصرًا ولا مكاناً". [3]

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "لفظُ (الجهة) لَمْ يَرِدْ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ. فَإِنْ أَرَادَ النَّافِي أَنَّهُ لَيْسَ فِي مَكَانٍ مَوْجُودٍ يُحِيطُ بِهِ فَهَذَا حَقٌّ. وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ مُبَايَنَتِهِ لِخَلْقِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ. وَالْمُحَقِّقُونَ قَالُوا: اللَّهُ فِي (جِهَةٍ عَدَمِيَّةٍ) بِمَعْنَى أَنَّهُ بَائِنٌ عَنِ الْعَالَمِ". [4]

الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "الجهةُ بالنسبة للرب هي (عَدَمُ الْمَخْلُوقَاتِ)؛ أي أنه حيث لا شيء من خلقه. فمن سماها جهة عدمية فقد أصاب المعنى وأخطأ في التعبير الشرعي، والله فوق العرش بائنٌ من خلقه". [5]

(الْمُعَاصِرُونَ)

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الجهةُ الوجودية (المكان) مَنْفِيَّةٌ عَنِ اللَّهِ، وَالْعَدَمِيَّةُ (مَا فَوْقَ الْعَالَمِ) ثَابِتَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ. وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِمَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} نَفياً للتحيز وحقاً للعلو". [6]

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "الجهةُ التي نثبتها هي علوُّ الله على خلقه، لا جهةٌ تُحيط به سبحانه. والجهةُ العدميةُ هي التي تفسر هذا المعنى بوضوح لمن أراد الرد على المعطلة بقواعدهم". [7]

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الجهةُ قسمان: وجودية تحيط بالشيء (منفية)، وجهة عدمية وهي ما وراء العالم (ثابتة للرب)، وهي التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: (أين الله؟) كما في شرح الطحاوية". [8]

الْعَلَّامَةُ رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الجهميةُ نفوا الجهة ليعبدوا عدماً، والكراميةُ أثبتوا جهة وجودية ليعبدوا جسماً، وأهل السنة عبدوا الله العلي العظيم الذي فوق عرشه بغير تكييف ولا حصر". [9]

الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحٌ سَنْدِي: "الجهةُ الوجودية (المكان المخلوق) باطلةٌ في حق الله. أما الجهةُ العدمية (ما وراء العالم) فهي حقٌّ، وتعني أن الله فوق عرشه بائنٌ من خلقه، كما فصلناه في تسهيل العقيدة". [10]

الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (الْمَصَادِرُ وَالتَّعْرِيفَاتُ)

[1] تاج العروس للزبيدي (36/ 260)، مادة: وجه.

[2] فِرْقَةُ الْكَرَّامِيَّةِ: : طائفةٌ كَلامِيَّةٌ نُسِبَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيِّ (ت 255هـ / الْقَرْنُ الثَّالِثُ الْهِجْرِيُّ).

 ظَهَرَتْ فِي خُرَاسَانَ، وَكَانَ مُؤَسِّسُهَا زَاهِداً لَكِنَّهُ قَلِيلُ الْبِضَاعَةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْعِلْمِ. 

خَالَفُوا السَّلَفَ فِي مَسَائِلَ عَدِيدَةٍ، مِنْ أَهَمِّهَا: إِثْبَاتُ الْجِهَةِ لِلَّهِ بِمَعْنَى الِاتِّصَالِ بِالْعَرْشِ، وَقَوْلُهُمْ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلُ اللِّسَانِ فَقَطْ وَلَوْ كَانَ الْقَلْبُ كَافِراً (مُرْجِئَةُ الْكَرَّامِيَّةِ).

 وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ اقترح نَفْيَ "الْجَوْهَرِ" وَ"الْعَرَضِ" بِمَفْهُومٍ تَجْسِيمِيٍّ ،سَبَقَ ذِكْرُ اصْطِدَامِهِمْ مَعَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي مَبْحَثِ "الْجَوْهَرِ" (رَاجِعْ مَبْحَثَ الْجَوْهَرِ صـ 15). 

مِنْ رُؤُوسِهِمْ بَعْدَ ابْنِ كَرَّامٍ: إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْصَمِ الَّذِي حَاوَلَ تَهْذِيبَ مَذْهَبِهِمْ فِي الْقَرْنِ الرَّابِعِ.

[3] الرد على الجهمية للدارمي (ص 95)، تحقيق زهير الشاويش.

[4] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 560-575)، طبعة مجمع الملك فهد.

[5] الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1070-1080)، طبعة دار العاصمة.

[6] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 170-175)، دار ابن الجوزي.

[7] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 160).

[8] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (ص 188)، طبعة دار العاصمة.

[9] شرح العقيدة الطحاوية للشيخ ربيع المدخلي (ص 142)، طبعة دار الإمام أحمد.

[10] تسهيل العقيدة الإسلامية للدكتور صالح سندي (ص 175-180)، دار الاستقامة.

-------------------&

(الْوَجْهِ السَّادِسُ: الْجِسْمُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْجِسْمُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:

الْجِسْمُ في لسان العرب هو (الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ)، ويُطلق على التجمع والغلظ. قال ابن فارس: "الْجِيمُ وَالسِّينُ وَالْمِيمُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تَجَمُّعِ الشَّيْءِ وَغِلَظِهِ". والْجِسْمُ يقتضي في اللغة الطول والعرض والعمق. [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْجِسْمِ:

عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (هُوَ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ، أَوْ هُوَ الْجَسَدُ الْمُؤَلَّفُ).

عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ: (هُوَ الْمَوْجُودُ الَّذِي يَنْقَسِمُ فِي الْأَبْعَادِ، أَوْ الْمُؤَلَّفُ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ). [2]

مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْجِسْمِ):

مَسْلَكُ الْمُعَطِّلَةِ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ): جعلوا لفظ "الجسم" فخاً؛ فقالوا: "كل موجود يشار إليه، أو له صفات تميزه، أو هو بائن من غيره، فهو جسم". ثم قرروا أن الله منزه عن "الجسمية"، فاستلزم ذلك عندهم نفي الصفات الخبرية (كاليد والوجه) ونفي العلو؛ لأنها في عقولهم من "لوازم الأجسام". [3]

مَسْلَكُ الْغُلَاةِ (الْمُشَبِّهَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ): قالوا: "الله جسمٌ لا كالأجسام". وأرادوا بـ "الجسم" أنه موجودٌ قائمٌ بنفسه، لكنهم أخطأوا في التسمية وفتحوا باب التشبيه بإطلاق لفظٍ لم يَرِد به السمع. [راجع الحاشية رقم 2].

ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الِاسْتِفْصَالُ بَيْنَ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ)

مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: نفيُ لفظ "الجسم" عن الله أو إثباتُه بدعةٌ محدثة؛ فلم يقل الله "أنا جسم" ولا قال "لست بجسم"، والواجب الوقوف عند نصوص الوحي.

مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:

إن قصدتم بـ "الجسم" الموصوف الذي له صفات تليق به، وهو بائنٌ من خلقه، ويُرى في الآخرة، فهذا حقٌّ نثبته لله، ولا نُسميه جسماً.

وإن قصدتم بـ "الجسم" المركب من أجزاء، المفتقر لغيره، المتجزئ الذي تحله الحوادث، فهذا باطلٌ مَنْفِيٌّ عن الله؛ لأنه الصمد الكامل من كل وجه.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)

(الْقُدَامَى)

عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: مَنْ أَوْصَفَ اللَّهَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ (الْيَدِ وَالْوَجْهِ) فَقَدْ جَعَلَهُ جِسْماً! فَقُلْنَا لَهُمْ: إِنْ كَانَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الْكِتَابُ تَسْمُونَهُ جِسْماً، فَسَمُّوهُ مَا شِئْتُمْ، فَنَحْنُ لَا نَدَعُ صِفَةَ خَالِقِنَا لِأَجْلِ شَنَاعَتِكُمْ، وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي ذَاتِهِ". [4]

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "لَفْظُ الْجِسْمِ فِيهِ إِجْمَالٌ كَبِيرٌ، وَلَمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ. فَالنُّفَاةُ يُرِيدُونَ بِنَفْيِهِ نَفْيَ الصِّفَاتِ، وَالْمُثْبِتَةُ يُرِيدُونَ بِإِثْبَاتِهِ أَنَّهُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَالصَّوَابُ تَرْكُ الْإِطْلَاقَيْنِ وَالتَّعْبِيرُ بِمَا عَبَّرَ بِهِ الْقُرْآنُ مِنَ الصَّمَدِيَّةِ وَالْأَحَدِيَّةِ مَعَ إِثْبَاتِ كَمَالِ الصِّفَاتِ". [5]

الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "لَقَدْ جَعَلَ الْمُعَطِّلَةُ لَفْظَ (الْجِسْمِ) شَبَكَةً يَصْطَادُونَ بِهَا نُصُوصَ الصِّفَاتِ، فَكُلَّمَا جَاءَهُمْ نَصٌّ فِيهِ ذِكْرُ الْيَدَيْنِ أَوِ الْعَيْنَيْنِ قَالُوا: هَذَا تَجْسِيمٌ! وَمَا عَرَفُوا أَنَّ الْجِسْمَ الْمَنْفِيَّ لُغَةً وَعَقْلاً هُوَ الْمُؤَلَّفُ الْمَخْلُوقُ، أَمَّا الْخَالِقُ فَهُوَ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِمَا أَوْصَفَ بِهِ نَفْسَهُ". [6]

(الْمُعَاصِرُونَ)

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "نَحْنُ لَا نَقُولُ اللَّهُ جِسْمٌ وَلَا نَقُولُ لَيْسَ بِجِسْمٍ؛ لِأَنَّ هَذَا اللَفْظَ لَمْ يَرِدْ. لَكِنْ إِذَا قَصَدْتَ بِالْجِسْمِ الذَّاتَ الْمُتَّصِفَةَ بِالصِّفَاتِ، فَهَذَا حَقٌّ وَلَكِنْ لَا نُسَمِّيهِ جِسْماً، وَإِذَا قَصَدْتَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْحِلَالُ وَالتَّجْزِئَةُ، فَهَذَا بَاطِلٌ نَنْفِيهِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". [7]

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "التَّجْسِيمُ لَقَبٌ يُطْلِقُهُ أَهْلُ الْبِدَعِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِينَ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ. وَنَحْنُ نَقُولُ لَهُمْ: إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ لَيْسَ تَجْسِيماً، بَلْ هُوَ تَوْحِيدٌ وَإِيمَانٌ، وَتَعْطِيلُهَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْجُحُودُ. وَالْجِسْمُ بِمَعْنَاهُ الْكَلَامِيِّ لَا نُثْبِتُهُ وَلَا نَنْفِيهِ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ". [8]

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "فِي (شَرْحِ الطَّحَاوِيَّةِ) بَيَّنَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ رَحِمَهُ اللَّهُ نَفَى (الْجِسْمِيَّةَ) بِقَوْلِهِ (تَعَالَى عَنِ الْحُدُودِ وَالْغَايَاتِ)، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ عِنْدَ السَّلَفِ نَفْيُ مَا لَزِمَ عَنْهُ النَّقْصُ، لَا نَفْيُ مَا ثَبَتَ بِهِ الْكَمَالُ. فَالْجِسْمُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ الْحَامِلُ لِلْأَعْرَاضِ، فَلَمَّا أَرَادُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ سَمَّوْهَا أَعْرَاضاً وَسَمَّوْا مَحَلَّهَا جِسْماً". [9]

الْعَلَّامَةُ رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "إِنَّ حَرْبَ الْجَهْمِيَّةِ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ كَانَتْ تَحْتَ رَايَةِ (نَفْيِ التَّجْسِيمِ). وَقَدْ أَبْطَلَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ بِتَفْصِيلِ الْقَوْلِ فِي لَفْظِ الْجِسْمِ، فَبَيَّنَ أَنَّ مَا يُثْبِتُهُ السَّلَفُ هُوَ ذَاتُ الرَّبِّ بِصِفَاتِهَا، وَمَا يَنْفُونَهُ هُوَ مُمَاثَلَةُ الْمَخْلُوقَاتِ". [10]

الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحٌ سَنْدِي: "الْجِسْمُ عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ (الْمُؤَلَّفُ)، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ (الْجَوْهَرُ الْقَابِلُ لِلْأَبْعَادِ). وَكُلُّ هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ أُقْحِمَتْ فِي بَابِ الْإِلَهِيَّاتِ لِصَرْفِ النَّاسِ عَنْ ظَاهِرِ النُّصُوصِ. وَالْمَنْهَجُ الْحَقُّ هُوَ الِاسْتِفْصَالُ الْمَعْرُوفُ لَدَى الْمُحَقِّقِينَ لِكَشْفِ زَيْفِ هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ". [11]

الْحَاشِيَةُ (الْمَصَادِرُ وَالتَّعْرِيفَاتُ)

[1] مقاييس اللغة لابن فارس (1/ 456)، وتاج العروس للزبيدي (31/ 412).

[2] فِرْقَةُ الْكَرَّامِيَّةِ: نُسِبَتْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ (ت 255هـ)، كَانُوا يَقُولُونَ: "اللَّهُ جِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ"، وَيُرِيدُونَ بِالْجِسْمِ: الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ الْمَوْجُودُ. لَكِنَّهُمْ أَنْكَرُوا "الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ" الَّذِي قَالَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَقَالُوا بِتَرْكِيبِ الْأَجْسَامِ مِنْ أَجْزَاءٍ تَتَنَاهَى. رَاجِعْ مَبْحَثَ (الْجَوْهَرِ صـ 15) لِمَعْرِفَةِ سَبَبِ تَسْمِيَتِهِمْ بِالْمُجَسِّمَةِ.

[3] انظر مسالك النفاة في: مجموع الفتاوى (5/ 420-430)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 210).

[4] الرد على الجهمية للدارمي (ص 105)، تحقيق زهير الشاويش.

[5] بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/ 320-350)، طبعة مجمع الملك فهد.

[6] الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1090-1100)، طبعة دار العاصمة.

[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 180)، دار ابن الجوزي.

[8] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 165).

[9] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (ص 195)، طبعة دار العاصمة.

[10] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 510).

[11] تسهيل العقيدة الإسلامية للدكتور صالح سندي (ص 185-188)، دار الاستقامة.

-----------------&

(الْوَجْهِ الثَّامِنُ: الْغَرَضُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْغَرَضُ)

  1. ​التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ: الغَرَضُ لغةً: هو (الْهَدَفُ الَّذِي يُرْمَى إِلَيْهِ)، ويُطلق على القصد والحاجة والبُغية. يُقال: غرضتُ إلى لقائك أي اشتقتُ وقصدتُ. وفي مادة (غ ر ض): تدل على القصد لشيءٍ ما لنفعٍ أو مصلحة. [1]
  2. ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْغَرَضِ:
    • ​عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (هُوَ الْمَقْصِدُ الَّذِي يَرُومُهُ الْفَاعِلُ مِنْ فِعْلِهِ).
    • ​عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ: (هُوَ الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ الَّتِي لِأَجْلِهَا يَفْعَلُ الْفَاعِلُ، بِحَيْثُ لَوْلَاهَا لَمَا فَعَلَ). [2]
  3. ​مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْغَرَضِ):
    • ​مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْأَشَاعِرَةِ: نفوا (الغرض) والعلة في أفعال الله مطلقاً. وقرروا أن "أفعال الله لا تُعلل بالأغراض"؛ لأن الغرض عندهم يقتضي استكمال الفاعل بفعله، ومن فعل لغرض فهو ناقصٌ يفتقر إلى حصول ذلك الغرض. فانتهوا إلى القول بـ "الترجيح بلا مرجح"، وأن الله يفعل بمحض المشيئة لا لحكمة ولا لسبب. [3]
    • ​مَسْلَكُ الْمُعْتَزِلَةِ: أثبتوا (الغرض) بمعنى المصلحة للمخلوق، لكنهم أوجبوا على الله فعل (الأصلح)؛ فجعلوا الغرض حاكماً على الله كأنه "قانون" خارجي يلتزم به، فضلوا من جهة وجوب ذلك على الرب سبحانه. [4]

ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (إِثْبَاتُ الْحِكْمَةِ لَا الْأَغْرَاضِ النَّاقِصَةِ)

  1. ​مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: لفظ "الغرض" فيه إبهام وإيهام بالحاجة والافتقار، لذا يُعدل عنه إلى الألفاظ الشرعية مثل (الْحِكْمَة، الْعِلَّة، الْقَصْد، الِابْتِلَاء).
  2. ​مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
    • ​إن قصدتم بـ "الغرض" أن الله يفعل لحكمةٍ بالغة ومصالح يحبها، وأنه لم يخلق الخلق عبثاً، فهذا حقٌّ ثابت بالكتاب والسنة (تعليل الأفعال).
    • ​إن قصدتم بـ "الغرض" الحاجة والافتقار أو أن الله يستكمل بفعله نقصاً، فهذا باطلٌ مَنْفِيٌّ عن الله؛ فهو الغني الحميد الذي يفعل لحكمةٍ تعود لمحض فضله وعدله، لا لحاجةٍ في نفسه.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)

​(الْقُدَامَى)

  1. ​عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "زَعَمَ الْجَهْمُ أَنَّ اللهَ لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ لِعِلَّةٍ وَلَا لِحِكْمَةٍ، بَلْ هِيَ مَشِيئَةٌ مُجَرَّدَةٌ. وَهَذَا سَفَهٌ فِي الْعَقْلِ وَتَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ الَّذِي نَطَقَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، فَهَذِهِ الْعِلَّةُ وَالْغَرَضُ الشَّرْعِيُّ الْمَحْمُودُ". [5]
  2. ​شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "نَفْيُ (الْأَغْرَاضِ) عَنِ اللهِ عِنْدَ النُّفَاةِ مَعْنَاهُ نَفْيُ الْحِكْمَةِ. وَالْحَقُّ أَنَّ اللهَ يَفْعَلُ لِحِكْمَةٍ وَمَقْصُودٍ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ لَيْسَ (غَرَضاً) يَعُودُ نَفْعُهُ لِلْفَاعِلِ كَمَا فِي الْمَخْلُوقِينَ، بَلْ هُوَ حِكْمَةٌ تَعُودُ إِلَى مَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ". [6]
  3. ​الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "لَقَدْ أَفْرَدْتُ (مِفْتَاحَ دَارِ السَّعَادَةِ) وَ(شِفَاءَ الْعَلِيلِ) لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ نَفَى الْحِكْمَةَ وَالتَّعْلِيلَ (الْأَغْرَاضَ). فَالْقَوْلُ بِأَنَّ اللهَ يَفْعَلُ لَا لِحِكْمَةٍ هُوَ تَعْطِيلٌ لِاسْمِهِ (الْحَكِيم)، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئاً سُدًى وَلَا لَعِبًا". [7]

​(الْمُعَاصِرُونَ)

  1. ​الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الْأَشَاعِرَةُ يَنْفُونَ التَّعْلِيلَ بِنَفْيِ (الْأَغْرَاضِ)، وَيَقُولُونَ: لَوْ قُلْنَا لِعِلَّةٍ لَكَانَ مَحْكُوماً لَهُ. وَنَحْنُ نَقُولُ: بَلِ الْحِكْمَةُ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالْفِعْلُ لَا لِحِكْمَةٍ سَفَهٌ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ السَّفَهِ". [8]
  2. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "إِثْبَاتُ الْحِكْمَةِ فِي أَفْعَالِ اللهِ يَرُدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا (أَغْرَاضٌ) نَاقِصَةٌ. فَاللَّهُ حَكِيمٌ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ، وَنَفْيُ الْغَرَضِ بِمَعْنَى نَفْيِ الْحِكْمَةِ ضَلَالٌ مُبِينٌ". [9]
  3. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "الْغَرَضُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ يُسَاوِي الِافْتِقَارَ. وَلِذَا نَفَوْهُ، لَكِنَّهُمْ غَلَوْا فَنَفَوْا مَعَهُ الْحِكْمَةَ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ غَرَضِ الْمَخْلُوقِ لِحَاجَتِهِ، وَبَيْنَ حِكْمَةِ الْخَالِقِ لِكَمَالِهِ". [10]
  4. ​الْعَلَّامَةُ رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "مَذْهَبُ نُفَاةِ الْحِكْمَةِ (الْأَغْرَاضِ) مَذْهَبٌ بَائِسٌ يَجْعَلُ بَعْثَةَ الرُّسُلِ وَخَلْقَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَمُوراً اتِّفَاقِيَّةً بِلَا غَايَةٍ. وَقَدْ كَشَفَ السَّلَفُ عُوَارَ هَذَا الْقَوْلِ بِتَقْرِيرِ أَنَّ اللهَ لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَحِكْمَةٍ". [11]
  5. ​الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحٌ سَنْدِي: "الْغَرَضُ لَفْظٌ يَحْتَمِلُ الْحَاجَةَ وَيَحْتَمِلُ الْحِكْمَةَ. وَالنُّفَاةُ أَخَذُوا جَانِبَ الْحَاجَةِ لِيَنْفُوا الْحِكْمَةَ، وَهَذَا مِنْ مَسَالِكِ التَّلْبِيسِ الْكَلَامِيِّ الَّتِي نُفَصِّلُهَا دَائِماً فِي دُرُوسِ الْعَقِيدَةِ". [12]

الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (الْمَصَادِرُ وَالتَّحْقِيقَاتُ)

  • ​[1] مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 387)، وتاج العروس (19/ 14).
  • ​[2] انظر حد الغرض في: كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي (2/ 1083)، والتعريفات للجرجاني (ص 162).
  • ​[3] انظر مسلك الأشاعرة في نفي التعليل: شرح المواقف للإيجي (8/ 202)، والمحصول للرازي (1/ 432).
  • ​[4] انظر مذهب المعتزلة في الغرض والأصلح: شرح الأصول الخمسة (ص 132).
  • ​[5] الرد على الجهمية للدارمي (ص 120)، تحقيق زهير الشاويش.
  • ​[6] مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/ 81-85)، ومنهاج السنة (1/ 440).
  • ​[7] شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم (ص 190-210)، دار المعرفة.
  • ​[8] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 195)، دار ابن الجوزي.
  • ​[9] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 175).
  • ​[10] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (ص 210-215).
  • ​[11] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 520).
  • ​[12] تسهيل العقيدة الإسلامية للدكتور صالح سندي (ص 195).
--------------------------&
تَتِمَّةُ الْوَجْهِ الثَّامِنِ: (الْعِلَلُ الْأَرْبَعُ - بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالِاعْتِقَادِ)
أَوَّلاً: أَنْوَاعُ الْعِلَلِ عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ (الْأَرِسْطِيَّةِ)
قسم الفلاسفة (خاصة المشاؤون كأرسطو ومن تبعه كالفارابي وابن سينا) "العلة" إلى أربعة أقسام، زاعمين أن وجود أي مصنوع (كُرسي مثلاً) يتوقف عليها: [1]
الْعِلَّةُ الْمَادِّيَّةُ (Material Cause): وهي ما منه الشيء؛ (كالخشب للكرسي).
الْعِلَّةُ الصُّورِيَّةُ (Formal Cause): وهي ما به الشيء هو هو؛ (كشكل الكرسي وهيئته).
الْعِلَّةُ الْفَاعِلِيَّةُ (Efficient Cause): وهي ما عنه الشيء؛ (كالنجار الذي صنع الكرسي).
الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ (Final Cause): وهي ما لأجله الشيء؛ (كالجلوس الذي صنع الكرسي لأجله). [2]
ثَانِيًا: كَيْفَ اسْتَعْمَلَ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ؟
تَوظيفُ الْفَلَاسِفَةِ (نَفْيُ الِاخْتِيَارِ):
زعم الفلاسفة أن الله هو "العلة الفاعلية" للعالم، لكنهم قالوا إنه (عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ) لا فاعل مختار. بمعنى أن العالم صدر عنه كما يصدر الضوء عن الشمس (لزوماً)، فنفوا بذاك (العلة الغائية)؛ لأن الفاعل الموجب بذاته لا يحتاج إلى "غرض" أو "حكمة" يفعل لأجلها، بل هو فيضٌ اضطراري. [3]
تَوظيفُ الْمُتَكَلِّمِينَ (نَفْيُ الْحِكْمَةِ بِنَفْيِ الْغَايَةِ):
الأشاعرة ومن وافقهم خافوا من إثبات (الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ) في أفعال الله (وهي الغرض والحكمة)، فزعموا أن الله "فاعلٌ مختار" لكن فعله لا لعلة ولا لغرض.
تفكيرهم: قالوا إن "العلة الغائية" تكون سابقة على الفعل في الذهن، فلو قلنا إن الله يفعل لعلة غائية لكانت تلك العلة هي المحركة لإرادته، فيكون الله "مُستكملاً" بغيره ومحتاجاً لتلك الغاية، ففروا من (العلة الغائية) لِيثبتوا (التنزيه)، فوقعوا في نسبة "العبث" لأفعال الله. [4]
ثَالِثًا: تَحْقِيقُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْعِلَلِ
أهل السنة (كابن تيمية وابن القيم) أثبتوا أن الله فاعل مختار، وأنه يفعل لـ (حِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَحْمُودَةٍ)، وفرقوا بين نوعين من التعليل:
تَعْلِيلُ الْحَاجَةِ (مَنْفِيٌّ): وهو أن يفعل الفاعل ليحصل على نفع يفتقر إليه (هذا هو الغرض الناقص).
تَعْلِيلُ الْحِكْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ (ثَابِتٌ): وهو أن يفعل الرب ليُظهر آثار كماله، ويحقق مصالح يحبها ورضيها، دون حاجة منه للعبد. فالله فاعل بـ (علة غائية) هي الحكمة البالغة. [5]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاِءِ (تَوَسُّعٌ فِي الشَّرْحِ)
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "الفلاسفةُ الذين سموه (علة فاعلية) نَفوا إرادته، والمتكلمون الذين نَفوا (العلة الغائية) نَفوا حكمته. والصوابُ أن الله فاعلٌ مريد، وأفعالُه لها غاياتٌ وحكمٌ ومقاصدُ، والقرآنُ مملوءٌ بذكر (اللامات) و(كي) و(من أجل) التي تثبت العلة الغائية قطعاً". [6]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "كلُّ عِلَّةٍ في الوجود لا بد أن تنتهي إلى (العلة الغائية)؛ فاللهُ هو (المبدأ) وهو (الغاية)، خلق الخلق ليعبدوه، وهذا هو غرضُ الخلقِ وحكمتُه. ونفيُ العلة الغائية عن أفعال الله هو سدٌّ لبابِ معرفة أسماء الله وصفاته". [7]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "العلةُ الغائيةُ في أفعال الله هي (الْحِكْمَةُ). ومن قال إن الله يفعل لمجرد المشيئة دون غرضٍ مقصود فقد وصف الله بغير ما وصف به نفسه من الحكمة. والتفريقُ بين (الغرض) الذي هو حاجة وبين (الحكمة) التي هي كمال هو مفتاحُ هذا الباب". [8]
الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحٌ سَنْدِي: "المنطقُ اليوناني حَصَر العلل في أربع، وأهلُ الكلام استرهبوا من لفظ (العلة) لأنهم ظنوا أنها تقتضي (المعلول الاضطراري). والواجبُ أن نثبت (العلة الغائية) بالمعنى الشرعي؛ أي الحكمة التي لأجلها خَلَق وشرع". [9]
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (تَوْسِيعُ الشَّرْحِ لِلطَّالِبِ)
[1] الْعِلَلُ الْأَرْبَعُ: هذا التقسيم أرسطيُّ الأصل، دخل إلى الفكر الإسلامي عبر الترجمة. فالفلاسفة يقولون إن "العلة الفاعلية" تعطي الوجود، و"العلة المادية" تقبل الوجود، و"العلة الصورية" تميز الوجود، و"العلة الغائية" هي مبرر الوجود.
[2] نَقْدُ الِاصْطِلَاحِ: أهل السنة لا يستعملون لفظ (العلة المادية) في حق الله لأن الله خالق المواد من عدم، ولا (العلة الصورية) لأن الله ليس شكلاً حلَّ في مادة، وإنما الكلام يدور حول (الفاعلية) و(الغائية).
[3] الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ: مسلكُ الفلاسفة (ابن سينا) الذين قالوا إن الله علة تامة للعالم، فالعالم قديم بقدمه، لأنه لا يتصور عندهم "علة تامة" (وهو الله) تتأخر عنها معلولها (وهو العالم). وهذا كفرٌ بإجماع المسلمين لأنه نفيٌ للخلق والاختيار.
[4] الْعِلَّةُ الْغَائِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ: الأشاعرة بنوا مذهبهم في "الجبر" وفي "نفي الحكمة" على أن إثبات غاية للفعل يستلزم أن الفاعل كان ناقصاً قبل حصول الغاية، فاستكمل بها. وهذا قياسٌ للخالق على المخلوق؛ فالمخلوق يستكمل بغايته لنقصه، أما الخالق فيفعل بغايته لِجوده وكماله.
[5] الْمَصَادِرُ: انظر: مجموع الفتاوى (8/ 80-110)، شفاء العليل لابن القيم (ص 195)، شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص 120-130).
[6] مجموع الفتاوى لابن تيمية (8/ 35).
[7] مدارج السالكين لابن القيم (3/ 450).
[8] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 198).
[9] تسهيل العقيدة الإسلامية للدكتور صالح سندي (ص 196).
-------------------------------&

(الْوَجْهِ التَّاسِعُ: الْحُلُولُ - وَشُبْهَةُ امْتِزَاجِ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الْحُلُولُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْحُلُولُ لُغَةً مِنَ (الْحَلِّ)، وَأَصْلُهُ نُزُولُ الْمَكَانِ. يُقَالُ: حَلَّ بِالْمَكَانِ يَحُلُّ حُلُولاً إِذَا نَزَلَ فِيهِ. وَالْحُلُولُ يَقْتَضِي (حَالاًّ) وَ(مَحَلًّا). قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى الِانْفِتَاحِ وَالنُّزُولِ". [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْحُلُولِ:
عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (هُوَ نُزُولُ شَيْءٍ فِي شَيْءٍ بِحَيْثُ يَصِيرُ الثَّانِي ظَرْفاً لِلْأَوَّلِ).
عِنْدَ أَهْلِ الِاصْطِلَاحِ: (اخْتِصَاصُ مَوْجُودٍ بِمَوْجُودٍ آخَرَ بِحَيْثُ تَكُونُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَحَدِهِمَا هِيَ الْإِشَارَةُ إِلَى الْآخَرِ عَيْنِهِ). [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْحُلُولِ):
مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ الْأُولَى: قالوا إن الله "في كل مكان" بذاته، فهو حالٌّ في الأمكنة، تعالى الله عن قولهم. [3]
مَسْلَكُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ: قالوا بحلول اللاهوت في الناسوت، أو حلول الحق في الخلق (كقول الحلاج والجياني)، وزعموا أن العبد إذا صفت نفسه حلَّ الله فيها. [4]
مَسْلَكُ النُّفَاةِ (الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ): نَفوا "الحلول" بالحق، لكنهم استعملوه "فخاً" لنفي العلو والصفات الاختيارية؛ فقالوا: (إثبات الاستواء أو النزول يستلزم الحلول في الأمكنة)، فسَمَّوا الصفات الشرعية "حلولاً للحوادث" ليتمكنوا من نفيها. [5]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الْمُبَايَنَةُ لَا الْحُلُولُ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: لفظ "الحلول" منفي عن الله بالكلية؛ فالله بائن من خلقه، ليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
نفيُ "الحلول" بمعنى نفي امتحاز الخالق بالمخلوق أو ظرفية الأمكنة له هو حقٌّ.
أما تسمية النزول أو الاستواء "حلولاً للحوادث" فهو باطلٌ وتلبيس؛ لأن أفعال الله قائمة بذاته المقدسة، والذات لا تكون "محلاً" لمخلوق، بل هي موصوفة بصفات كمالها وأفعالها الاختيارية.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)
(الْقُدَامَى)
عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): "أنكرتِ الجهميةُ بَيْنُونةَ الله من خلقه، وزعموا أنه حالٌّ في كل مكان. فقلنا لهم: اللهُ في السماءِ على العرش بائنٌ من خلقه، وعِلْمُهُ في كل مكان، ومن زعم أنه حالٌّ في الأمكنة فقد وصفه بالأقذارِ والنجاساتِ، تعالى اللهُ عما يصفون". [6]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "أهلُ الإثباتِ يقولون: اللهُ فوقَ عرشه، وأهلُ التعطيلِ تارةً يقولون: هو في كل مكان (حلول)، وتارةً يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه (عدم). والحلولُ نوعان: حلولٌ عام (الجهمية)، وحلولٌ خاص (غلاة الصوفية). وكلاهما كفرٌ ومناقضٌ لقول السلف: (بائنٌ من خلقه)". [7]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "إنَّ نفيَ (حلول الحوادث) عند المتكلمين هو كلمةُ حقٍّ أريد بها باطل؛ أرادوا بها نفيَ أفعال الله الاختيارية كالنزول والمجيء والرضا والغضب. فسمَّوا هذه الصفات حوادث، وسمَّوا قيامها بالرب حلولاً، وهذا تحريفٌ للحقائق الشرعية". [8]
(الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الحلولُ باطلٌ عقلاً وشرعاً وفطرة. فاللهُ هو العليُّ الأعلى، ومن زعم أنه حلَّ في خلقه فقد جعله محصوراً ناقصاً. أما قول القائل (الله في كل مكان) فإنه إن أراد بذاته فهو كافر حلولي، وإن أراد بعلمه فهو حقٌّ لكن اللفظ بدعي". [9]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: "الحلوليَّةُ شرٌّ من المشركين؛ لأن المشركين عبدوا وسائط، وهؤلاء جعلوا الخالق هو عين المخلوق أو حالًّا فيه. والواجبُ الاعتقاد بأن الله فوقَ عرشه بائنٌ من خلقه، كما دلت عليه نصوص الفوقية". [10]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: "استخدم المتكلمون قاعدة (نفي حلول الحوادث) لرد الصفات الفعلية. ونحن نقول لهم: الربُّ موصوفٌ بأفعاله، وقيامُ الفعل بالفاعل ليس حلولاً لمخلوقٍ في خالق، بل هو كمالُ الفاعل بفعله، والحلولُ المنفي هو اختلاط الذوات". [11]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعٌ الْمَدْخَلِيُّ: "الحلوليَّةُ والاتحاديةُ ثمرةُ نفي مباينة الخالق للمخلوق. فمن لم يُثبت أن الله فوق عرشه بائنٌ من خلقه، لزمه بالضرورة إما العدم أو الحلول والاتحاد. وأهلُ السنة وسطٌ بين تعطيل النفاة وتشبيه الحلولية". [12]
الْأُسْتَاذُ الدُّكْتُورُ صَالِحٌ سَنْدِي: "الحلولُ اصطلاحٌ كثر دوره في كتب العقائد للرد على الاتحادية والجهمية. والتحقيقُ أن مذهب السلف يقوم على كلمة واحدة تنقض الحلول من أصله، وهي (المباينة). وقد أوضحنا ذلك في دروس (تسهيل العقيدة)". [13]
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (الْمَصَادِرُ وَالتَّحْقِيقَاتُ)
[1] مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 10)، وتاج العروس (28/ 332).
[2] التعريفات للجرجاني (ص 120)، وكشاف اصطلاحات الفنون (1/ 420).
[3] تَمَّ تَعْرِيفُ فِرْقَةِ (الْجَهْمِيَّةِ) فِي مَبْحَثِ (الْجَوْهَرِ صـ 12)، وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: "الْحُلُولُ الْعَامُّ" فِي جَمِيعِ الْأَمْكِنَةِ.
[4] غُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ: طوائفُ خَرَجَتْ عَنِ الْمَنْهَجِ الشَّرْعِيِّ، مِنْ أَبْرَزِهِمُ (الْحَلَّاجِيَّةُ) نِسْبَةً لِلْحُسَيْنِ بْنِ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجِ (قُتِلَ 309هـ)، قَالُوا بِامْتِزَاجِ اللَّاهُوتِ بِالنَّاسُوتِ. سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُمْ فِي مَبْحَثِ (الِاتِّحَادِ) الَّذِي هُوَ غَايَةُ مَذْهَبِهِمْ.
[5] انظر مسلك النفاة في نفي الأفعال: مجموع الفتاوى (5/ 230)، ودرء التعارض (2/ 25).
[6] الرد على الجهمية للدارمي (ص 135-140)، تحقيق زهير الشاويش.
[7] مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/ 170-175)، والفتوى الحموية الكبرى (ص 45).
[8] الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1150-1160)، طبعة دار العاصمة.
[9] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 210-215)، دار ابن الجوزي.
[10] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد للفوزان (2/ 185).
[11] شرح العقيدة الطحاوية لصالح آل الشيخ (ص 220-225).
[12] مجموع كتب ورسائل ربيع المدخلي (2/ 530).
[13] تسهيل العقيدة الإسلامية للدكتور صالح سندي (ص 200).
--------------------&
(الْوَجْهِ الْعَاشِرُ: الِاتِّحَادُ - وَمُنْتَهَى الضَّلَالِ فِي وَحْدَةِ الْوُجُودِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الِاتِّحَادُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الِاتِّحَادُ لُغَةً مِنَ (الْوَحْدَةِ)، وَهُوَ صَيْرُورَةُ الشَّيْئَيْنِ شَيْئاً وَاحِداً. يُقَالُ: اتَّحَدَ الشَّيْئَانِ إِذَا امْتَزَجَا حَتَّى لَا يَتَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. وَالِاشْتِقَاقُ يَعُودُ إِلَى (وَحَدَ) الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الِانْفِرَادِ، لَكِنَّهُ فِي "الِاتِّحَادِ" يَعْنِي انْصِهَارَ الِاثْنَيْنِ فِي وَاحِدٍ. [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِاتِّحَادِ:
عِنْدَ أَهْلِ الِاصْطِلَاحِ: (امْتِزَاجُ حَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ حَتَّى تَصِيرَا حَقِيقَةً وَاحِدَةً، كَاتِّحَادِ الْمَاءِ بِاللَّبَنِ).
عِنْدَ أَهْلِ الضَّلَالِ: (اعْتِقَادُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْخَالِقِ هِيَ عَيْنُ حَقِيقَةِ الْمَخْلُوقِ، وَأَنَّهُ لَا ثُنَائِيَّةَ فِي الْوُجُودِ). [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الِاتِّحَادِ):
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الْمَشَّائِينَ وَالْإِشْرَاقِيِّينَ): بَنَوْا قَوْلَهُمْ عَلَى (الْفَيْضِ)، حَيْثُ يَعْتَبِرُونَ الْعَالَمَ "صُورَةً" لِلْعَقْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي فَاضَ عَنِ الْوَاجِبِ، فَهِيَ وَحْدَةٌ تَنْتَهِي إِلَى مَصْدَرٍ وَاحِدٍ. [3]
مَسْلَكُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ: هُمُ الَّذِينَ جَهَرُوا بِالِاتِّحَادِ الْعَيْنِيِّ، وَزَعَمُوا أَنَّ الرَّبَّ يَتَّحِدُ بِذَوَاتِ الْعَارِفِينَ، ثُمَّ انْتَهَوْا إِلَى (وَحْدَةِ الْوُجُودِ) الشَّامِلَةِ الَّتِي تَقُولُ: "مَا فِي الْجُبَّةِ إِلَّا اللَّهُ". [4]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (إِثْبَاتُ الْبَيْنُونَةِ وَنَفْيُ الِامْتِزَاجِ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: "الِاتِّحَادُ" كُفْرٌ صَرِيحٌ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلاً؛ لِأَنَّهُ يُنَاقِضُ أَصْلَ التَّوْحِيدِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ "خَالِقٌ" وَمَا سِوَاهُ "مَخْلُوقٌ".
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، لَا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يَتَّحِدُ بِهِ.
الِاتِّحَادُ لَا يَجُوزُ حَتَّى فِي مَقَامِ (الْمَحَبَّةِ)؛ فَالْعَبْدُ يَظَلُّ عَبْداً وَالرَّبُّ يَظَلُّ رَبًّا، وَقَوْلُهُمْ "صِرْتُ هُوَ" زَنْدَقَةٌ مُخْرِجَةٌ مِنَ الْمِلَّةِ.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "الِاتِّحَادُ نَوْعَانِ: اتِّحَادٌ خَاصٌّ كَمَا تَقُولُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَغُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ فِي شُيُوخِهِمْ، وَاتِّحَادٌ عَامٌّ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ (وَحْدَةِ الْوُجُودِ) الَّذِينَ يَقُولُونَ: الْوُجُودُ وَاحِدٌ، فَهَؤُلَاءِ أَكْفَرُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى". [5]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "إِنَّ أَهْلَ الِاتِّحَادِ جَعَلُوا الْعَابِدَ هُوَ الْمَعْبُودَ، وَالْمُصَلِّيَ هُوَ الْمُصَلَّى لَهُ. فَنَفَوْا حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَعَطَّلُوا الشَّرَائِعَ بِاسْمِ (الْفَنَاءِ) وَ(الِاتِّحَادِ)". [6]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الِاتِّحَادُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ وَالْمَخْلُوقَ صَارَا شَيْئاً وَاحِداً، وَهَذَا كُفْرٌ وَتَكْذِيبٌ لِلْعَقْلِ وَالنَّقْلِ. فَاللَّهُ خَالِقٌ لَهُ الْكَمَالُ، وَالْمَخْلُوقُ نَاقِصٌ مَصْنُوعٌ، وَلَا يَتَّحِدُ النَّاقِصُ بِالْكَامِلِ أَبَداً". [7]
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (مُعْجَمُ الشَّخْصِيَّاتِ وَالتَّعْرِيفَاتِ)
[1] تاج العروس للزبيدي (9/ 365)، مقاييس اللغة (6/ 90).
[2] التعريفات للجرجاني (ص 12).
[3] أَعْلَامُ الْفَلَاسِفَةِ (جُذُورُ الضَّلَالِ):
أَرِسْطُوطَالِيسُ (أَرِسْطُو): (384-322 ق.م)، فَيْلَسُوفٌ يُونَانِيٌّ، يُلَقَّبُ بـ "الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ". هُوَ وَاضِعُ عِلْمِ (الْمَنْطِقِ الصُّورِيِّ) وَصَاحِبُ نَظَرِيَّةِ (الْمُحَرِّكِ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ). مَعْتَقَدُهُ: قِدَمُ الْعَالَمِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ الْجُزْئِيَّاتِ. [المصدر: الفهرست لابن النديم، تاريخ الفلسفة اليونانية].
أَفْلَاطُونُ: (427-347 ق.م)، تِلْمِيذُ سُقْرَاطَ، صَاحِبُ نَظَرِيَّةِ (الْمُثُلِ). مَعْتَقَدُهُ: أَنَّ الْعَالَمَ الْمَحْسُوسَ خَيَالٌ لِعَالَمٍ حَقِيقِيٍّ عَقْلِيٍّ. هُوَ أَصْلُ (الْإِشْرَاقِ) الَّذِي تَسَرَّبَ لِلصُّوفِيَّةِ. [المصدر: عيون الأنباء في طبقات الأطباء].
أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ: (260-339هـ)، وُلِدَ فِي فَارَابَ (تُرْكِسْتَانَ)، يُلَقَّبُ بـ "الْمُعَلِّمِ الثَّانِي". مَعْتَقَدُهُ: حَاوَلَ التَّوْفِيقَ بَيْنَ أَرِسْطُو وَأَفْلَاطُونَ، وَقَالَ بِـ (صُدُورِ الْعَالَمِ) عَنِ اللَّهِ بِطَرِيقِ الْفَيْضِ لَا الْخَلْقِ، وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ ضَلَالِ الْفَلَاسِفَةِ. [المصدر: سير أعلام النبلاء (15/ 416)].
[4] رُؤُوسُ الِاتِّحَادِيَّةِ وَأَهْلِ الْوَحْدَةِ:
الْحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُورٍ الْحَلَّاجُ: (244-309هـ)، وُلِدَ فِي فَارِسَ وَنَشَأَ فِي وَاسِطَ. مَعْتَقَدُهُ: الْقَوْلُ بِحُلُولِ اللَّاهُوتِ فِي النَّاسُوتِ، صَاحِبُ مَقُولَةِ "أَنَا الْحَقُّ". أُجْمِعَ عُلَمَاءُ عَصْرِهِ عَلَى كُفْرِهِ وَقُتِلَ مَصْلُوباً بِبَغْدَادَ. [المصدر: البداية والنهاية (11/ 132)].
مُحْيِي الدِّينِ بْنُ عَرَبِيٍّ: (560-638هـ)، وُلِدَ فِي مُرْسِيَةَ (الْأَنْدَلُسِ) وَمَاتَ بِدِمَشْقَ. يُلَقَّبُ عِنْدَ أَتْبَاعِهِ بـ "الشَّيْخِ الْأَكْبَرِ". مَعْتَقَدُهُ: قُطْبُ رَحَى (وَحْدَةِ الْوُجُودِ) فِي كِتَابَيْهِ "الْفُتُوحَاتِ الْمَكِّيَّةِ" وَ"فُصُوصِ الْحِكَمِ"، حَيْثُ يَرَى أَنَّ عَيْنَ وُجُودِ الْخَلْقِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِ الْحَقِّ. [المصدر: لسان الميزان (5/ 311)، سير أعلام النبلاء].
[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/ 120-140)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 150).
[6] إغاثة اللهفان لابن القيم (2/ 200).
[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 225).
------------------&
(الْوَجْهِ الْحَادِي عَشَرَ: الْفَنَاءُ - بَيْنَ التَّأَلُّهِ الشَّرْعِيِّ وَالِاضْمِحْلَالِ الْبِدْعِيِّ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الْفَنَاءُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْفَنَاءُ لُغَةً مِنَ (فَنِيَ)، وَهُوَ ضِدُّ الْبَقَاءِ. يُقَالُ: فَنِيَ الشَّيْءُ إِذَا اضْمَحَلَّ وَتَلَاشَى. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْفَاءُ وَالنُّونُ وَالْيَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى انْقِطَاعِ الشَّيْءِ وَذَهَابِهِ". [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْفَنَاءِ:
عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (هُوَ انْعِدَامُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُودِهِ).
عِنْدَ السَّالِكِينَ (الْمَعْنَى الْمُجْمَلُ): (غَيْبُوبَةُ الْعَبْدِ عَنْ شُعُورِهِ بِسِوَى مَعْبُودِهِ). [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْفَنَاءِ):
مَسْلَكُ الصُّوفِيَّةِ (الْفَنَاءُ عَنِ الشُّهُودِ): أن يغيب العبد عن شهود السِّوى، حتى لا يشعر بنفسه ولا بالخلق، بل يشعر بالرب وحده. وهذا قد يقع لبعضهم غلبةً، لكنه نقصٌ في العقل والتوحيد. [3]
مَسْلَكُ غُلَاةِ الِاتِّحَادِيَّةِ (الْفَنَاءُ عَنِ الْوُجُودِ): وهو أخطرها؛ حيث يعتقد السالك أن وجوده تلاشى واتحد بوجود الرب، فلا يرى إلا وجوداً واحداً. [4]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (تَقْسِيمُ الْفَنَاءِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ)
حرر شيخ الإسلام ابن تيمية ومن تبعه هذا اللفظ وقسموه إلى:
فَنَاءُ الْمُحَقِّقِينَ (الْفَنَاءُ عَنْ إِرَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ): وهو "الفناء الشرعي"، ومعناه أن يفنى قلبك عن محبة غير الله، وإرادة غير الله، وطاعة غير الله. وهذا هو التوحيد المحض، وقد عبر عنه السلف بـ (الإخلاص).
فَنَاءُ الصُّوفِيَّةِ (الْفَنَاءُ عَنْ شُهُودِ مَا سِوَى اللَّهِ): وهو أن يغيب بقلبه عن رؤية المخلوقات، فيظن أنها تلاشت. وهذا حالٌ ناقص، لأن الأنبياء كانوا يشهدون الخلق ويقومون بدعوتهم مع تمام حضور قلوبهم مع الله.
فَنَاءُ الْمُلْحِدَةِ (الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ مَا سِوَى اللَّهِ): وهو اعتقاد أن الخالق والمخلوق شيء واحد، وهذا هو الكفر الصريح (وحدة الوجود).
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (تَوَسُّعٌ مُسْتَفِيضٌ)
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "الْفَنَاءُ الَّذِي يُشِيرُ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ فِيهِ إِجْمَالٌ. فَالْفَنَاءُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللهِ هُوَ التَّوْحِيدُ. وَأَمَّا الْفَنَاءُ عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِ اللهِ فَهُوَ نَقْصٌ فِي الْعَقْلِ. وَأَمَّا الْفَنَاءُ عَنْ وُجُودِ غَيْرِ اللهِ فَهُوَ مَحْضُ الْكُفْرِ". [5]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "جَعَلَ الْقَوْمُ (الْفَنَاءَ) غَايَةَ السَّالِكِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْغَايَةَ هِيَ (الْبَقَاءُ)؛ أَيْ أَنْ تَبْقَى مَعَ اللهِ بِأَمْرِهِ وَشَرْعِهِ، تَشْهَدُ الْخَلْقَ بِعَيْنِ الْحَقِيقَةِ وَتُعَامِلُهُمْ بِعَيْنِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا لِمَنْ غَابَ عَنْ شُعُورِهِ". [6]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الْفَنَاءُ لَيْسَ مَقْصُوداً لِذَاتِهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ أَعْظَمَ النَّاسِ حُضُوراً مَعَ اللهِ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيُعَلِّمُهُمْ. فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَفْنَى عَنِ الْخَلْقِ حَتَّى لَا يَشْعُرَ بِهِمْ، فَقَدْ تَرَكَ جُزْءاً مِنَ الشَّرِيعَةِ". [7]
الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (مُعْجَمُ الشَّخْصِيَّاتِ وَالتَّعْرِيفَاتِ)
[1] مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 474)، وتاج العروس (39/ 225).
[2] التعريفات للجرجاني (ص 167)، ورسالة القشيري (ص 45).
[3] أَبُو يَزِيدَ الْبِسْطَامِيُّ: (188-261هـ)، طَيْفُورُ بْنُ عِيسَى، وُلِدَ فِي بِسْطَامَ (فَارِسَ). مَعْتَقَدُهُ: صَاحِبُ شَطَحَاتٍ شَهِيرَةٍ فِي الْفَنَاءِ، يُنْسَبُ إِلَيْهِ قَوْلُهُ: "سُبْحَانِي مَا أَعْظَمَ شَأْنِي"، وَقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى غَلَبَةِ الْحَالِ وَذَهَابِ الْعَقْلِ فِي مَقَامِ الْفَنَاءِ. [المصدر: سير أعلام النبلاء (13/ 86)].
[4] الْعَفِيفُ التِّلِمْسَانِيُّ: (610-690هـ)، سُلَيْمَانُ بْنُ عَلِيٍّ، شَاعِرٌ صُوفِيٌّ، مِنْ أَئِمَّةِ (وَحْدَةِ الْوُجُودِ). مَعْتَقَدُهُ: كَانَ يُغَالِي فِي الْفَنَاءِ حَتَّى نُقِلَ عَنْهُ تَسْوِيَةُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقَاتِ النَّجِسَةِ، وَهُوَ مِنْ رُؤُوسِ أَصْحَابِ ابْنِ عَرَبِيٍّ. [المصدر: لسان الميزان (3/ 93)].
[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (10/ 218-225)، والاستقامة (1/ 90).
[6] مدارج السالكين لابن القيم (1/ 510-520)، طبعة دار عالم الفوائد.
[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 230).
----------------------------------&
(الْوَجْهِ الثَّانِي عَشَرَ: الصُّدُورُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الْخَلْقِ وَالِاخْتِيَارِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الصُّدُورُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الصُّدُورُ لُغَةً مِنَ (صَدَرَ)، وَهُوَ خِلَافُ الْوُرُودِ. يُقَالُ: صَدَرَ عَنِ الْمَكَانِ إِذَا رَجَعَ عَنْهُ، وَصَدَرَ الشَّيْءُ عَنِ الشَّيْءِ إِذَا نَشَأَ عَنْهُ وَتَوَلَّدَ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الصَّادُ وَالدَّالُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْوُرُودِ، ثُمَّ يُسْتَعَارُ فِي بَدَاءَةِ الْأَمْرِ". [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصُّدُورِ:
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: (خُرُوجُ الْمَوْجُودَاتِ عَنِ الْأَوَّلِ -اللَّهِ- خُرُوجاً لُزُومِيّاً ذَاتِيّاً، كَخُرُوجِ الضَّوْءِ مِنَ الْمُضِيءِ).
الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخَلْقِ: (الْخَلْقُ) يَكُونُ بِإِرَادَةٍ وَقَصْدٍ وَمِنْ عَدَمٍ، أَمَّا (الصُّدُورُ) فَيَكُونُ لُزُوماً بِالطَّبْعِ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنِ الْفَاعِلِ زَمَاناً. [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الصُّدُورِ):
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الْمَشَّائِينَ وَالْإِشْرَاقِيِّينَ): نَفَوْا أَنَّ اللَّهَ "فَاعِلٌ مُخْتَارٌ"، وَقَالُوا هُوَ "عِلَّةٌ مُوجِبَةٌ"، وَالْعَالَمُ مَعْلُولٌ صَدَرَ عَنْهُ بِالضَّرُورَةِ. وَلِكَيْ يَهْرُبُوا مِنْ تَعَدُّدِ الصَّادِرِ عَنِ الْوَاحِدِ، اخْتَرَعُوا كِذْبَةَ (الْعَقْلِ الْأَوَّلِ). [3]
مَسْلَكُ الْبَاطِنِيَّةِ وَغُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ: اقْتَبَسُوا نَظَرِيَّةَ الصُّدُورِ لِيُقَرِّرُوا (وَحْدَةَ الْوُجُودِ)، فَزَعَمُوا أَنَّ الْخَلْقَ مَا هُوَ إِلَّا "تَجَلٍّ" أَوْ "صُدُورٌ" لِلْحَقِّ فِي صُوَرِ الْمَخْلُوقَاتِ. [4]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الْخَلْقُ بِالْإِرَادَةِ لَا بِالصُّدُورِ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: "الصُّدُورُ" لَفْظٌ بَدْعِيٌّ فَلْسَفِيٌّ لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ، وَالْقُرْآنُ عَبَّرَ بـ (الْخَلْقِ، الْبَرْءِ، الْفَطْرِ، الْإِحْدَاثِ).
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
مَعْنَى "الصُّدُورِ" عِنْدَهُمْ يَعْنِي (قِدَمَ الْعَالَمِ)؛ لِأَنَّ الصَّادِرَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنِ الْمَصْدَرِ، وَهَذَا كُفْرٌ.
مَعْنَى "الصُّدُورِ" يَنْفِي (الْمَشِيئَةَ)؛ لِأَنَّ الشَّمْسَ لَا تَشَاءُ خُرُوجَ الضَّوْءِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ {فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ}.
أَهْلُ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَالَمَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَبَائِنٌ عَنْهُ سُبْحَانَهُ.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ بِـ (الصُّدُورِ) هُوَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ (الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ). وَهَذَا أَبْطَلُ الْبَاطِلِ؛ فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ مَا يَشَاءُ مَتَى يَشَاءُ". [5]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "الْفَرْقُ بَيْنَ (الصُّدُورِ) وَ(الْخَلْقِ) كَالْفَرْقِ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ وَالِاخْتِيَارِ. فَالصُّدُورُ لَا يَقْتَضِي عِلْماً وَلَا حِكْمَةً، بَلْ هُوَ فَيْضٌ كَالْمَاءِ مِنَ الْإِنَاءِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، فَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً". [6]
الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ (ت 505هـ) - فِي مَقَامِ الرَّدِّ -: "لَقَدْ كَفَّرْنَا الْفَلَاسِفَةَ فِي (تَهَافُتِ الْفَلَاسِفَةِ) فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ، مِنْهَا قَوْلُهُمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ النَّاتِجِ عَنْ فِكْرَةِ (الصُّدُورِ) وَالْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ". [7]

الْحاشية
[1] مقاييس اللغة (3/ 293)، تاج العروس (12/ 305).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 135).
[3] قَاعِدَةُ (الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ): هذه هي "أُمُّ المهالك" عند الفلاسفة؛ زعموا أن الله (بسيطٌ) من كل وجه، فلو خلق أشياء كثيرة لزم أن يكون في ذاته جهات كثيرة، فاحتلفوا كذبة (العقل الأول)؛ فقالوا: الله صدر عنه "العقل الأول" فقط، ثم العقل الأول صدر عنه عقلٌ ثانٍ وفلك، وهكذا حتى وصلوا لـ (عالم التغير). وهذا تعطيلٌ لربوبية الله وخلقه المباشر للأشياء.
[4] رُؤُوسُ مَذْهَبِ الصُّدُورِ وَالتَّجَلِّي:
أَفْلُوطِينُ (Plotinus): (205-270م)، صاحب "الأفلاطونية المحدثة"، وهو المصدر الحقيقي لنظرية (الفيض) و(الصدور) التي انتقلت للمسلمين. كان يعتقد أن "الواحد" يفيض بجماله فتصدر عنه الوجودات تلقائياً. [المصدر: تاريخ الفلسفة].
ابْنُ سِينَا (أَبُو عَلِيٍّ): (370-428هـ)، الحسين بن عبد الله، وُلِدَ بالقرب من بخارى. يُلقب بـ "الشيخ الرئيس". مَعْتَقَدُهُ: هو الذي بلور نظرية (الصدور) في الإسلام، وقسّم الوجود إلى (واجب الوجود) و(ممكن الوجود)، وزعم أن العالم صدر عن الله لزوماً. كفره العلماء (كابن القيم وابن تيمية) في أصوله الفلسفية. [المصدر: سير أعلام النبلاء (17/ 531)، البداية والنهاية (12/ 43)].
السُّهْرَوَرْدِيُّ (الْمَقْتُولُ): (549-587هـ)، يحيى بن حبش، صاحب "حكمة الإشراق". مَعْتَقَدُهُ: مزج بين فلسفة الفرس واليونان، وقال بصُدور (الأنوار) عن (نور الأنوار - الله)، وقُتل بحلب بأمر السلطان صلاح الدين بتهمة الزندقة. [المصدر: وفيات الأعيان (7/ 273)].
[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (9/ 140-150)، ودرء تعارض العقل والنقل (1/ 160).
[6] إغاثة اللهفان لابن القيم (2/ 250-260).
[7] تهافت الفلاسفة للغزالي (ص 40-50).
--------------------------------&
ننتقل الآن إلى وجهٍ من أدقِّ وجوه المصطلحات التي وقع فيها الخلاف بين أهل السنة والنُّفاة، وهو مصطلح (الْقَدِيمُ الْعِلْمِيُّ). وهذا المصطلح يُستخدم غالباً في سياق الرد على من زعم أن أعيان المخلوقات قديمة بقدم علم الله بها، وهو مذهبٌ يؤول إلى القول بـ "وحدة الوجود" أو "قِدَم العالم".

(الْوَجْهِ الثَّالِثَ عَشَرَ: الْقَدِيمُ الْعِلْمِيُّ - بَيْنَ الْعِلْمِ الْأَزَلِيِّ وَالْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْقَدِيمُ الْعِلْمِيُّ)

  1. ​التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
    • ​الْقَدِيمُ: مِنَ (قَدَمَ)، وَهُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الزَّمَانِ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. [1]
    • ​الْعِلْمِيُّ: نِسْبَةً إِلَى الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِلْمُ الْأَزَلِيُّ قَبْلَ وُجُودِهِ الْعَيْنِيِّ.
  2. ​الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْقَدِيمِ الْعِلْمِيِّ: (هُوَ مَا كَانَ ثَابِتًا فِي عِلْمِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ قَبْلَ خَلْقِهِ، فَيُقَالُ لَهُ "قَدِيمٌ" بِاعْتِبَارِ عِلْمِ اللَّهِ بِهِ، لَا بِاعْتِبَارِ وُجُودِهِ الْخَارِجِيِّ). [2]
  3. ​مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي هَذَا اللَّفْظِ:
    • ​مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ: قَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ "عِلْمًا وَعَيْنًا"، فَزَعَمُوا أَنَّ صُورَةَ الْعَالَمِ مُلَازِمَةٌ لِذَاتِ الرَّبِّ لُزُومَ الْعِلْمِ لِلْعَالِمِ، فَنَفَوْا أَنْ يَكُونَ مَسْبُوقاً بِالْعَدَمِ. [3]
    • ​مَسْلَكُ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ (أَهْلِ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ): زَعَمُوا أَنَّ لِلْمَخْلُوقَاتِ "ثُبُوتاً" فِي الْأَزَلِ يُسَمَّى (الْأَعْيَانَ الثَّابِتَةَ)، وَأَنَّ هَذِهِ الْأَعْيَانَ هِيَ "الْقَدِيمُ الْعِلْمِيُّ" الَّذِي فَاضَ عَلَيْهِ الْوُجُودُ الْحَقُّ بَعْدَ ذَلِكَ، مِمَّا جَعَلَهُمْ يَقُولُونَ بِأَنَّ "الْخَلْقَ مَا شَمَّ رَائِحَةَ الْوُجُودِ"؛ لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُ الْعِلْمِ الْقَدِيمِ. [4]

ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْمَعْلُومِ)

  1. ​مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: نُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ كَوْنِهِ عِلْمًا أَزَلِيًّا، لَكِنْ لَا نُسَمِّي الْمَخْلُوقَاتِ "قَدِيمَةً عِلْمِيَّةً" لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ الْوَهْمُ إِلَى أَنَّهَا شَرِيكَةٌ لِلَّهِ فِي قِدَمِهِ.
  2. ​مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
    • ​اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ عَالِماً بِمَا سَيَخْلُقُ، وَالْعِلْمُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ.
    • ​الْمَعْلُومَاتُ (الْمَخْلُوقَاتُ) لَهَا وُجُودٌ "تَقْدِيرِيٌّ" فِي الْعِلْمِ، لَكِنَّهَا "مَعْدُومَةٌ" فِي الْخَارِجِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهَا اللَّهُ.
    • ​الْخَطَأُ الْكَبِيرُ عِنْدَ أَهْلِ الضَّلَالِ هُوَ جَعْلُ "ثُبُوتِ الْعِلْمِ" هُوَ عَيْنُ "وُجُودِ الْمَعْلُومِ"، فَنَفَوْا بِذَلِكَ كَوْنَ الْمَخْلُوقِ مَخْلُوقاً بَعْدَ عَدَمٍ مَحْضٍ.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ 

  1. ​شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "فَرْقٌ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ (مَعْلُوماً) لِلَّهِ فِي الْأَزَلِ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ (قَدِيماً) مَعَ اللَّهِ. فَالْمَعْدُومُ يُعْلَمُ وَيُخْبَرُ عَنْهُ وَيُسَمَّى شَيْئاً فِي الْعِلْمِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ وُجُودٌ خَارِجِيٌّ. وَابْنُ عَرَبِيٍّ وَأَمْثَالُهُ ضَلُّوا حِينَ جَعَلُوا (الْأَعْيَانَ الثَّابِتَةَ) قَدِيمَةً عِلْمِيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وَهَذَا نَفْيٌ لِحَقِيقَةِ الْخَلْقِ". [5]
  2. ​الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "الْمُرَادُ بِـ (الْقَدِيمِ الْعِلْمِيِّ) عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ هُوَ تَقَدُّمُ عِلْمِ اللَّهِ بِالْأَشْيَاءِ، لَا قِدَمُ ذَوَاتِ الْأَشْيَاءِ. فَاللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَالْخَلْقُ يَقْتَضِي سَبْقَ الْعَدَمِ الْعَيْنِيِّ، وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا يَخْلُقُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ". [6]
  3. ​الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "عِلْمُ اللَّهِ مُحِيطٌ بِالْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ، فَاللَّهُ يَعْلَمُ نَفْسَهُ وَصِفَاتِهِ (وَهَذَا عِلْمٌ بِقَدِيمٍ)، وَيَعْلَمُ مَخْلُوقَاتِهِ قَبْلَ خَلْقِهَا (وَهَذَا عِلْمٌ بِحَادِثٍ سَيَقَعُ). وَتَسْمِيَةُ الْمَخْلُوقَاتِ قَبْلَ خَلْقِهَا (قَدِيماً عِلْمِيًّا) اصْطِلَاحٌ فِيهِ إِيهَامٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: مَعْلُومَةٌ لِلَّهِ فِي الْأَزَلِ". [7]

الْحَاشِيَةُ السُّفْلِيَّةُ (تَعْرِيفُ الشَّخْصِيَّاتِ وَالْمُصْطَلَحَاتِ)

  • ​[1] مقاييس اللغة (5/ 65)، التعريفات للجرجاني (ص 174).
  • ​[2] انظر: درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية (1/ 180).
  • ​[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْفَلَاسِفَةِ) وَ (أَرِسْطُو) وَ (ابْنِ سِينَا) فِي مَبْحَثِ (الصُّدُورِ - صـ 24). وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: "الْقِدَمُ الزَّمَانِيُّ" لِلْمَخْلُوقَاتِ تَبَعاً لِلْعِلْمِ.
  • ​[4] الْأَعْيَانُ الثَّابِتَةُ وَأَصْحَابُهَا:
    • ​تَعْرِيفُ الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ: هِيَ حَقَائِقُ الْمُمْكِنَاتِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَهِيَ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ "صُوَرُ الْأَسْمَاءِ الْإِلَهِيَّةِ".
    • ​صَدْرُ الدِّينِ الْقُونَوِيُّ: (606-673هـ)، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وُلِدَ فِي قُونِيَةَ (تُرْكِيَا). مَعْتَقَدُهُ: هُوَ التِّلْمِيذُ الْأَنْجَبُ لِابْنِ عَرَبِيٍّ وَشَارِحُ كُتُبِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَعَّدَ مَسْأَلَةَ "الْأَعْيَانِ الثَّابِتَةِ" وَجَعَلَهَا أَصْلًا فِي (وَحْدَةِ الْوُجُودِ). [المصدر: سير أعلام النبلاء، الوافي بالوفيات (2/ 171)].
    • ​مُؤَيَّدُ الدِّينِ الْجَنْدِيُّ: (ت 691هـ)، مِنْ كِبَارِ شُرَّاحِ (فُصُوصِ الْحِكَمِ) لِابْنِ عَرَبِيٍّ، غَالَى فِي إِثْبَاتِ "الْقَدِيمِ الْعِلْمِيِّ" لِلْمَخْلُوقَاتِ حَتَّى نَفَى أَنْ يَكُونَ لَهَا وُجُودٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْحَقِّ. [المصدر: كشف الظنون].
  • ​[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (2/ 160-170).
  • ​[6] مفتاح دار السعادة لابن القيم (2/ 120-130).
  • ​[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 240).
-----------------------------------&

مصطلح (الِانْفِعَالُ). هذا المصطلح من المصطلحات المنطقية التي أقحمها الفلاسفة والمناطقة في باب الإلهيات، واستعمله النفاة لسلب الرب سبحانه أفعاله الاختيارية وصفاته المتعلقة بمشيئته، بدعوى أن إثباتها يقتضي أن يكون الخالق "منفعلاً" أو "محلًا للتأثر".

(الْوَجْهِ الرَّابِعَ عَشَرَ: الِانْفِعَالُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الِانْفِعَالُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:

الِانْفِعَالُ لُغَةً مِنَ (الْفِعْلِ)، وَهُوَ قَبُولُ أَثَرِ الْفِعْلِ. يُقَالُ: انْفَعَلَ الشَّيْءُ إِذَا تَأَثَّرَ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ مُطَاوِعُ (فَعَلَ). قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْفَاءُ وَالْعَيْنُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى إِحْدَاثِ شَيْءٍ، وَالِانْفِعَالُ هُوَ التَّأَثُّرُ بِهَذَا الْإِحْدَاثِ". [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلِانْفِعَالِ:

عِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ: (هُوَ مَقُولَةٌ مِنْ مَقُولَاتِ أَرِسْطُو، وَتَعْنِي: كَيْفِيَّةً يَقْبَلُهَا الْجِسْمُ مِنْ غَيْرِهِ، كَانْفِعَالِ الْمَاءِ بِالتَّسْخِينِ، أَوْ انْفِعَالِ النَّفْسِ بِالْغَضَبِ). [2]

عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ: (هُوَ التَّغَيُّرُ الطَّارِئُ عَلَى الذَّاتِ بِسَبَبِ مُؤَثِّرٍ خَارِجِيٍّ، مِمَّا يَسْتَلْزِمُ الْحُدُوثَ).

مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الِانْفِعَالِ):

مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: نَفَوْا صِفَاتِ الرضا، والغضب، والرحمة، والفرح عن الله؛ لأنها عندهم "انفعالاتٌ" نفسية تقتضي تغير المزاج والتأثر بالغير، ومن انْفَعَلَ بغيره فقد صار ناقصاً مَحكوماً لغيره. [3]

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ: وافقوهم في أن هذه الصفات "انفعالاتٌ"، فصرفوا معناها إلى (إرادة الإنعام) أو (إرادة الانتقام)، فراراً من إثبات قيام الفعل الاختياري بذات الرب. [4]

ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الْفِعْلُ لَا الِانْفِعَالُ)

مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: لفظ "الانفعال" منفيٌّ عن الله بالمعنى الذي يقتضي التأثر السلبي أو النقص أو الحدوث بعد العدم.

مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:

أهل السنة يُثبتون (الْفِعْلَ) ولا يُثبتون (الِانْفِعَالُ) بالمعنى الفلسفي؛ فالله تعالى يَرضى ويَغضب ويَفرح، وهذه صفاتُ كمالٍ قائمةٌ به، وهي أفعالٌ اختيارية بمشيئته، وليست "تأثراً" يقهره أو يُغير ذاته عما كانت عليه من الكمال.

الفرقُ عظيمٌ بين (الِانْفِعَالِ) الذي هو عجزٌ وتأثرٌ بمراد الغير، وبين (الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ) الذي هو كمالُ القدرةِ والفاعليةِ للرب سبحانه.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ 

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "سَمَّى النُّفَاةُ صِفَاتِ اللَّهِ الْفِعْلِيَّةَ (انْفِعَالَاتٍ) لِيُوهِمُوا أَنَّهَا نَقْصٌ. وَالْحَقُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْفَعِلُ بِشَيْءٍ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ. فَغَضَبُهُ وَرِضَاهُ صِفَاتُ فِعْلٍ لَا صِفَاتُ انْفِعَالٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُنْفَعِلَ مَقْهُورٌ، وَالْفَاعِلَ لَا يَكُونُ إِلَّا قَاهِراً لِمَا يَفْعَلُهُ". [5]

الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "الْمُتَكَلِّمُونَ شَبَّهُوا صِفَاتِ الْخَالِقِ بِانْفِعَالَاتِ الْمَخْلُوقِ، ثُمَّ نَفَوْهَا. فَالْغَضَبُ عِنْدَهُمْ (غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ)، وَهَذَا فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ انْفِعَالٌ، أَمَّا غَضَبُ الْجَبَّارِ فَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا تَقْتَضِي نَقْصاً وَلَا تَأَثُّراً". [6]

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "كُلُّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ بِدَعْوَى (الِانْفِعَالِ) فَقَدْ وَقَعَ فِي التَّشْبِيهِ أَوَّلاً، حَيْثُ لَمْ يَفْهَمْ مِنَ الصِّفَةِ إِلَّا مَا يَكُونُ لِلْمَخْلُوقِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى التَّعْطِيلِ ثَانِيًا. وَنَحْنُ نَقُولُ: اللَّهُ يَفْعَلُ وَلَا يُنْفَعَلُ بِهِ، وَرِضَاهُ وَفَرَحُهُ لَيْسَا كَانْفِعَالَاتِ الْآدَمِيِّينَ". [7]

الْحَاشِيَةُ 

[1] مقاييس اللغة (4/ 457)، تاج العروس (30/ 220).

[2] مَقُولَةُ (الِانْفِعَالِ): هي واحدةٌ من (الْمَقُولَاتِ الْعَشْرِ) التي وضعها أرسطو (تَمَّ تَعْرِيفُهُ صـ 22) لِحصر الممكنات. وهي: الجوهر، والكم، والكيف، والإضافة، والأين، والمتى، والوضع، والملك، والفعل، والانفعال. [المصدر: منطق أرسطو، شرح القطب الرازي على الشمسية].

[3] أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ: (135-235هـ)، مُحَمَّدُ بْنُ الْهُذَيْلِ، شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ فِي عَصْرِهِ. مَعْتَقَدُهُ: هُوَ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ خَوْفاً مِنَ "الِانْفِعَالِ" وَالتَّغَيُّرِ، وَزَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ هِيَ عَيْنُ ذَاتِهِ. [المصدر: سير أعلام النبلاء (10/ 542)، مقالات الإسلاميين].

[4] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْأَشَاعِرَةِ) فِي مَبْحَثِ (الْجَوْهَرِ صـ 12)، وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: تَأْوِيلُ صِفَاتِ (الْغَضَبِ، الرِّضَا، الْفَرَحِ) لِكَوْنِهَا عِنْدَهُمْ "انْفِعَالَاتٍ" حَادِثَةً لَا تَقُومُ بِالْقَدِيمِ.

[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 115-120)، درء تعارض العقل والنقل (4/ 30).

[6] الصواعق المرسلة لابن القيم (4/ 1480-1490)، طبعة دار العاصمة.

[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 250-255).

-----------------------&

(الْوَجْهِ الْخَامِسَ عَشَرَ:
 التَّغْيِيرُ الْحَادِثُ - وَشُبْهَةُ نَفْيِ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ)
مصطلح (التَّغْيِيرُ الْحَادِثُ). هذا المصطلح هو "الثغرة" التي ظن المتكلمون أنهم من خلال نفيها يحمون جناب الألوهية، بينما هم في الحقيقة نفوا بها كمال الفاعلية لله سبحانه، وخلطوا فيها بين "التغير" الذي يطرأ على المخلوق لنقصه، وبين "تجدد الأفعال" الذي هو من كمال الخالق.
أَوَّلاً: لَفْظُ (التَّغْيِيرُ الْحَادِثُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
التَّغْيِيرُ: مِنَ (غَيَرَ)، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ عَلَى غَيْرِ مَا كَانَ عَلَيْهِ. [1]
الْحَادِثُ: مِنَ (حَدَثَ)، وَهُوَ مَا كَانَ مَسْبُوقاً بِالْعَدَمِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلتَّغْيِيرِ الْحَادِثِ:
عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ: (هُوَ انْتِقَالُ الذَّاتِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، أَوْ حُدُوثُ مَعْنًى فِي الذَّاتِ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا بِهَا). [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (التَّغْيِيرِ):
مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: قَالُوا: لَوْ أَثْبَتْنَا أَنَّ اللَّهَ "يَغْضَبُ" بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ غَاضِباً، أَوْ "يَسْتَوِي" بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَوِياً، لَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِـ (التَّغْيِيرِ الْحَادِثِ)، وَمَا يَتَغَيَّرُ لَا يَكُونُ إِلَهاً أَزَلِيًّا؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عِنْدَهُمْ دَلِيلُ الْحُدُوثِ. [3]
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ: نَفَوْا كُلَّ مَا يَقْتَضِي "تَجَدُّداً" فِي عِلْمِ اللَّهِ أَوْ فِعْلِهِ، لِأَنَّ "التَّغَيُّرَ" عِنْدَهُمْ يَسْتَلْزِمُ الِانْتِقَالَ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَهَذَا نَقْصٌ فِي وَاجِبِ الْوُجُودِ. [4]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّفْرِيقُ بَيْنَ الِاسْتِحَالَةِ وَالْفِعْلِ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: "التَّغَيُّرُ" لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ (الِاسْتِحَالَةُ وَالنَّقْصُ) كَالْمَوْتِ وَالْمَرَضِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ (تَجَدُّدُ الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ) بِمَشِيئَتِهِ فَهُوَ صِفَةُ كَمَالٍ.
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
أهل السنة يُثبتون ما يسميه المتكلمون "تغييراً" وهو في الحقيقة (الْأَفْعَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ)؛ فالله يغضب إذا عُصي، ويرضى إذا أُطيع، ويأتي يوم القيامة، وينزل كل ليلة.
هذا ليس "تغييراً" يقدح في الألوهية، بل هو كمالُ (الْقَيُّومِيَّةِ)؛ فالحيُّ الفعال هو الذي يفعل بمشيئته، أما الجامد الذي لا يتغير ولا يفعل شيئاً بمشيئته فهو الميت أو الجماد.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ 
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "سَمَّى النُّفَاةُ كَمَالَ اللَّهِ فِي أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ (تَغْيِيراً حَادِثاً) تَنْفِيراً لِلنَّاسِ. وَالْحَقُّ أَنَّ (الْفِعْلَ) لَا بُدَّ أَنْ يَقُومَ بِالْفَاعِلِ، وَتَجَدُّدُ الْأَفْعَالِ بِحَسَبِ الْحِكْمَةِ هُوَ كَمَالُ الْقُدْرَةِ. فَاللَّهُ يَسْتَوِي مَتَى شَاءَ، وَيَنْزِلُ مَتَى شَاءَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ خُرُوجُهُ عَنِ الْأَزَلِيَّةِ". [5]
الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت 751هـ): "فَرْقٌ بَيْنَ التَّغَيُّرِ الَّذِي هُوَ (نَقْصٌ وَزَوَالُ كَمَالٍ)، وَبَيْنَ التَّصَرُّفِ الَّذِي هُوَ (تَمَامُ الْكَمَالِ). فَالرَّبُّ لَا يَتَغَيَّرُ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ بِمَعْنَى الِاسْتِحَالَةِ، لَكِنَّهُ يَتَصَرَّفُ وَيَفْعَلُ وَيَتَكَلَّمُ إِذَا شَاءَ، وَهَذَا هُوَ (الْحَدَثُ الصِّفَاتِيُّ) الَّذِي نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ}". [6]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "مَنْ نَفَى الْأَفْعَالَ الِاخْتِيَارِيَّةَ بِدَعْوَى أَنَّهَا (تَغْيِيرٌ) فَقَدْ وَصَفَ اللَّهَ بِصِفَةِ الْجَمَادِ. فَالْجَمَادُ هُوَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ حَالُهُ بِفِعْلِهِ، أَمَّا الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَمِنْ كَمَالِهِ أَنْ يَرْضَى بَعْدَ أَنْ غَضِبَ، وَيَسْتَوِيَ بَعْدَ أَنْ خَلَقَ". [7]

الْحَاشِيَةُ 
[1] مقاييس اللغة (4/ 427)، تاج العروس (13/ 320).
[2] انظر: شرح المواقف للإيجي (8/ 45).
[3] قَاعِدَةُ (دَلِيلِ الْأَعْرَاضِ وَالْحَوادِثِ): هي العمدة عند الجهمية والمعتزلة؛ زعموا أن الأجسام تدل على وجود الخالق لأنها محل للحوادث (التغيرات)، ثم استنتجوا أن الخالق لا يجوز أن يكون محلاً للحوادث (الأفعال الاختيارية) لئلا يشبه الأجسام، فنفوا عنه الرضا والغضب والاستواء والنزول.
[4] الِانْتِقَالُ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ: اصطلاح أرسطي (تَمَّ تَعْرِيفُهُ صـ 22)؛ يرى أن التغير يعني أن الشيء كان "قادراً" على أن يكون شيئاً (قوة) ثم صار ذلك الشيء (فعلاً)، وهذا الانتقال عندهم يحتاج إلى مخرج يخرجه، والرب عندهم لا يجوز عليه ذلك.
[5] مجموع الفتاوى لابن تيمية (5/ 530-540)، درء تعارض العقل والنقل (2/ 150).
[6] الصواعق المرسلة لابن القيم (3/ 1050-1065)، طبعة دار العاصمة.
[7] شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (1/ 260-265).
----------------------------------&
(الْوَجْهِ السَّادِسَ عَشَرَ:
 الْمُمَاثَلَةُ - بَيْنَ تَنْزِيهِ الْقُرْآنِ وَتَعْطِيلِ أَهْلِ الْكَلامِ)
مصطلح (الْمُمَاثَلَةُ). هذا المصطلح هو "الفزاعة" الكبرى التي استخدمها النفاة لتعطيل صفات الله عز وجل، حيث جعلوا مجرد "الاتفاق في الاسم" أو "القدر المشترك" مماثلةً ممتنعة، ففروا من تمثيل الخالق بالمخلوق ليقعوا في تعطيل الخالق عن كماله.

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْمُمَاثَلَةُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْمُمَاثَلَةُ لُغَةً مِنَ (الْمِثْلِ)، وَهُوَ النَّظِيرُ. يُقَالُ: هَذَا مِثْلُ هَذَا أَيْ مُسَاوٍ لَهُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ أَوْ أَكْثَرِهَا. وَالِاشْتِقَاقُ (مَثَلَ) يَدُلُّ عَلَى انْتِصَابِ الشَّيْءِ وَتَشَبُّهِهِ بِغَيْرِهِ. [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمُمَاثَلَةِ:
عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: (الْمُسَاوَاةُ مِن كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ الِاشْتِرَاكُ فِي خَصَائِصِ الذَّاتِ).
عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ: (الِاشْتِرَاكُ فِي صِفَاتِ الْحُدُوثِ، أَوْ الِاتِّفَاقُ فِي مُسَمَّى الصِّفَةِ). [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الْمُمَاثَلَةِ):
مَسْلَكُ الْمُشَبِّهَةِ: قَالُوا: لَا نَعْقِلُ صِفَةً إِلَّا مِمَّا نُشَاهِدُ، فَمَا ثَبَتَ لِلرَّبِّ مِن صِفَاتٍ فَهُوَ "مُمَاثِلٌ" لِمَا لِلْمَخْلُوقِ (يَدٌ كَيَدٍ، وَنُزُولٌ كَنُزُولٍ). [3]
مَسْلَكُ النُّفَاةِ (الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ): زَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ (كَالْعُلُوِّ وَالْكَلامِ وَالرُّؤْيَةِ) يَسْتَلْزِمُ "الْمُمَاثَلَةَ" لِلْمَخْلُوقَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تُعْقَلُ إِلَّا فِي الْأَجْسَامِ عِنْدَهُمْ، فَنَفَوْا الصِّفَاتِ فِرَاراً مِنَ الْمُمَاثَلَةِ. [4]
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (نَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ مَعَ إِثْبَاتِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: نُثْبِتُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَنَنْفِي "الْمُمَاثَلَةَ" نَفْياً مُطْلَقاً كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ لَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ: الِاتِّفَاقُ فِي الِاسْمِ (حَيٌّ، عَلِيمٌ، سَمِيعٌ) لَا يَعْنِي التَّسَاوِيَ فِي الْحَقِيقَةِ؛ فَلِلَّهِ ذَاتٌ تَلِيقُ بِهِ، وَلِلْمَخْلُوقِ ذَاتٌ تَلِيقُ بِهِ، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ شَاسِعٌ.
قَاعِدَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: "الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ"؛ فَكَمَا أَنَّ لِلَّهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتَ، فَلَهُ صِفَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ 
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ (ت 228هـ): "مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَنْكَرَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، وَلَيْسَ فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَلَا رَسُولُهُ تَشْبِيهٌ وَلَا مُمَاثَلَةٌ". [5]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): "الْمُمَاثَلَةُ الْمَنْفِيَّةُ عَنِ اللَّهِ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْخَصَائِصِ. وَأَمَّا اتِّفَاقُ الْأَسْمَاءِ فَلَا يَمْنَعُ مِنَ التَّبَايُنِ فِي الْحَقَائِقِ. فَالْمَوْجُودُ يُسَمَّى مَوْجُوداً وَالْمَعْدُومُ لَا يُسَمَّى مَوْجُوداً، لَكِنْ وُجُودُ الْخَالِقِ خَاصٌّ بِهِ وَوُجُودُ الْمَخْلُوقِ خَاصٌّ بِهِ". [6]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): "الْمُمَاثَلَةُ أَقْوَى مِنَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَقْتَضِي الْمُسَاوَاةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقَدْ نَفَاهَا اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ. لَكِنَّ نَفْيَهَا لَا يَعْنِي نَفْيَ الصِّفَاتِ، بَلْ نُثْبِتُ الصِّفَةَ وَنَنْفِي كَيْفِيَّتَهَا الَّتِي تُمَاثِلُ الْمَخْلُوقَ". [7]

الْحَاشِيَةُ 

[1] مقاييس اللغة (5/ 296)، تاج العروس (30/ 418).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 212).
[3] مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَلْخِيُّ: (ت 150هـ)، وُلِدَ فِي بَلْخَ وَانْتَقَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ. مَعْتَقَدُهُ: يُنْسَبُ إِلَيْهِ الْغُلُوُّ فِي التَّشْبِيهِ وَالْمُمَاثَلَةِ، حَتَّى قِيلَ إِنَّهُ قَالَ بِجِسْمِيَّةِ الرَّبِّ تَعَالَى، وَهُوَ مِنْ رُؤُوسِ الْمُشَبِّهَةِ الَّذِينَ رَدَّ عَلَيْهِمُ السَّلَفُ. [المصدر: سير أعلام النبلاء (7/ 201)، ميزان الاعتدال].
[4] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْمُعْتَزِلَةِ) وَ (الْأَشَاعِرَةِ) فِي صَفَحَاتٍ سَابِقَةٍ. وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: نَفْيُ الصِّفَاتِ تَعَلُّلاً بِقَاعِدَةِ (الْحُكْمُ عَلَى الْغَائِبِ بِمَا شُوهِدَ فِي الشَّاهِدِ)، فَظَنُّوا أَنَّ الْعِلْمَ وَالْكَلامَ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مُمَاثِلَيْنِ لِمَا فِي الْمَخْلُوقِ.
[5] سير أعلام النبلاء للذهبي (10/ 610). نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ هُوَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ "الْمُسْنَدَ".
[6] الرسالة التدمرية لابن تيمية (ص 15-20)، طبعة دار المنهاج.
[7] شرح القواعد المثلى لابن عثيمين (ص 60-65).
------------------&
الْوَجْهِ السَّابِعَ عَشَرَ:
 الْكَيْفِيَّةُ الْمَنْفِيَّةُ - بَيْنَ حَقِيقَةِ الذَّاتِ وَغَيْبِيَّةِ الصِّفَاتِ

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْكَيْفِيَّةُ) وَالتَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ
الْكَيْفِيَّةُ لَفْظٌ يُرَادُ بِهِ كُنْهُ الصِّفَةِ وَحَقِيقَةُ هَيْئَتِهَا الَّتِي تَتَمَيَّزُ بِهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَالْأَصْلُ فِي (كَيْفَ) أَنَّهَا سُؤَالٌ عَنْ حَالِ الشَّيْءِ، فَإِذَا نُسِبَتْ لِلَّهِ فَهِيَ مَوْجُودَةٌ يَقِيناً لَكِنَّهَا مَجْهُولَةٌ لَنَا حَتْماً؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْكَيْفِ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِالْمَوْصُوفِ، وَلَمَّا كَانَ اللَّهُ غَيْباً مُطْلَقاً لَا يُحَاطُ بِهِ، صَارَتْ كَيْفِيَّةُ صِفَاتِهِ غَيْباً لَا يُدْرَكُ.

 2-الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لَهَا: (هِيَ مَا عَلَيْهِ الصِّفَةُ فِي حَقِيقَتِهَا الثَّابِتَةِ، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّمَعَ فِي إِدْرَاكِ تَفَاصِيلِهِ الْبَشَرُ). [1]

ثَانِيًا: مَسَالِكُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي (الْكَيْفِيَّةِ)
مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: نَفَوْا "الْكَيْفِيَّةَ" نَفْياً يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ "أَصْلِ الصِّفَةِ"؛ فَزَعَمُوا أَنَّ مَا لَا كَيْفَ لَهُ لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ، ثُمَّ قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ الْكَيْفُ مَنْفِيّاً عَنِ اللَّهِ فَالصِّفَةُ أَيْضاً مَنْفِيَّةٌ، فَانْتَهَوْا إِلَى تَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنْ كَمَالِهِ. [2]

مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ: قَالُوا بِـ (التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقِ) لِلْمَعْنَى وَالْكَيْفِ مَعاً، فَظَنُّوا أَنَّ لَفْظَ "الِاسْتِوَاءُ" مَثَلًا هُوَ لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ لَا مَعْنَى لَهُ، فَجَعَلُوا الْكَيْفِيَّةَ مَانِعاً مِنْ فَهْمِ الْمَعْنَى اللَّغَوِيِّ الظَّاهِرِ، فَضَلُّوا عَنْ طَرِيقِ السَّلَفِ. [3]
مَسْلَكُ الْمُشَبِّهَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ: هَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا "كَيْفِيَّةً" لِلَّهِ، لَكِنَّهُمْ كَيَّفُوهَا عَلَى غِرَارِ كَيْفِيَّاتِ الْمَخْلُوقِينَ؛ فَقَالُوا: لَهُ يَدٌ كَأَيْدِينَا، وَنُزُولٌ كَنُزُولِنَا، فَعَبَدُوا صَنَماً مَنْحُوتاً فِي أَخْيِلَتِهِمْ. [4]

ثَالِثًا: الْمُقَارَنَةُ بَيْنَ (الْكَيْفِيَّةِ) وَ (التَّمْثِيلِ)
الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا دَقِيقٌ وَجَوْهَرِيٌّ؛ فَـ (الْكَيْفِيَّةُ) حَقٌّ ثَابِتٌ لِلَّهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إِذْ لَا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ بِلَا كَيْفِيَّةٍ، فَنَحْنُ نُثْبِتُ أَنَّ لِلَّهِ كَيْفِيَّةً لَكِنَّنَا نَجْهَلُهَا. أَمَّا (التَّمْثِيلُ) فَهُوَ ادِّعَاءُ الْإِحَاطَةِ بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ وَجَعْلُهَا مُمَاثِلَةً لِلْمَخْلُوقِ.
 فَمَنْ نَفَى "الْكَيْفِيَّةَ" بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ نَفَى وُجُودَ الرَّبِّ، وَمَنْ أَثْبَتَ "التَّمْثِيلَ" فَقَدْ شَبَّهَ الرَّبَّ بِالْخَلْقِ. فَالْكَيْفِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَجْهُولَةٌ، وَالتَّمْثِيلُ ادِّعَاءٌ بَاطِلٌ لِلْمُمَاثَلَةِ.
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
يُعَدُّ نَبْرَاسَ هَذَا الْبَابِ، وَقَدْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا عَظِيمًا فِي "التَّدْمُرِيَّةِ" وَ"الْحَمَوِيَّةِ"؛ حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ الْقَوْلَ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ، فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ ذَاتاً حَقِيقِيَّةً لَا يَعْلَمُ الْخَلْقُ كَيْفِيَّتَهَا، لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ لَهُ صِفَاتٍ حَقِيقِيَّةً لَا يَعْلَمُونَ كَيْفِيَّتَهَا أَيْضًا. وَبَيَّنَ أَنَّ "التَّكْيِيفَ" هُوَ مَزْلَقُ الْأَقْدَامِ، وَأَنَّ نَفْيَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِ لَا يَعْنِي نَفْيَ وُجُودِ الصِّفَةِ، بَلْ هُوَ تَحْقِيقٌ لِعَجْزِ الْبَشَرِ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِخَالِقِهِمْ. وَأَكَّدَ أَنَّ مَنْ طَلَبَ كَيْفِيَّةً لِصِفَاتِ اللَّهِ فَقَدْ رَامَ الْمُحَالَ؛ لِأَنَّ طُرُقَ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِ ثَلَاثَةٌ: الْمُشَاهَدَةُ، أَوْ رُؤْيَةُ النَّظِيرِ، أَوْ الْخَبَرُ الصَّادِقُ، وَكُلُّهَا مَنْفِيَّةٌ فِي حَقِّ كُنْهِ اللَّهِ تَعَالَى. فَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ هُوَ الْإِثْبَاتُ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَالتَّنْزِيهُ بِلَا تَعْطِيلٍ، وَالْإِقْرَارُ بِأَنَّ لِلَّهِ كَيْفِيَّةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ.
الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
يُعَدُّ شَيْخَ هَذَا الْفَنِّ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وَقَدْ أَطَالَ النَّفَسَ فِي شَرْحِهِ لِلْحَمَوِيَّةِ وَفِي بَحْثِهِ "مَعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ". يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ نَفْيَ "التَّكْيِيفِ" عِنْدَ السَّلَفِ لَيْسَ نَفْياً لِـ "الْكَيْفِيَّةِ" نَفْسِهَا، بَلْ هُوَ نَفْيٌ لِإِدْرَاكِ الْخَلْقِ لَهَا. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ لِكُلِّ صِفَةٍ ثَلَاثَ مَقَامَاتٍ: مَقَامُ "الثُّبُوتِ" وَهُوَ لُغَةً، وَمَقَامُ "الْكَيْفِ" وَهُوَ حَقِيقَةُ ثُبُوتِهَا فِي الْخَارِجِ، وَمَقَامُ "الْعِلْمِ بِالْكَيْفِ" وَهُوَ مَحْجُوبٌ. وَيُحَذِّرُ بِشِدَّةٍ مِنْ مَسَالِكِ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ خَلَطُوا بَيْنَ "التَّكْيِيفِ" وَبَيْنَ "إِثْبَاتِ الصِّفَةِ"، فَجَعَلُوا كُلَّ إِثْبَاتٍ تكييفاً، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ بِاللُّغَةِ وَالْعَقْلِ. وَيَرَى أَنَّ دِرَاسَةَ الْكَيْفِيَّةِ هِيَ لِـ "بَيَانِ الْمُبَايَنَةِ" بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ لَا لِـ "تَصَوُّرِ الْهَيْئَةِ".
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُفَصِّلُ فِي كِتَابِهِ "تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ" مَسْأَلَةَ الْكَيْفِ بِدِقَّةٍ عِلْمِيَّةٍ رَصِينَةٍ، حَيْثُ يَقْرِنُ بَيْنَ الِاتِّبَاعِ النَّقْلِيِّ وَالِانْضِبَاطِ الْعَقْلِيِّ. يُبَيِّنُ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْكَيْفِ مَمْنُوعٌ شَرْعاً لِقَوْلِهِ: {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}، وَمَمْنُوعٌ عَقْلًا لِانْعِدَامِ أَدَوَاتِ الْإِدْرَاكِ. 
وَيَرَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ السَّلَامَةَ فَعَلَيْهِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ؛ فَالْمَعْنَى مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ.
 وَيُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ تَمْثِيلٍ هُوَ تكييفٌ وَلَيْسَ كُلُّ تكييفٍ تَمْثِيلًا؛ فَمَنْ تَخَيَّلَ هَيْئَةً لِلَّهِ لَمْ يَرَهَا فِي الْمَخْلُوقِ فَقَدْ كَيَّفَ وَلَمْ يُمَثِّلْ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ.
 وَيُدَقِّقُ فِي أَنَّ شَرْطَ الْإِيمَانِ بِالصِّفَةِ هُوَ الْيَأْسُ مِنْ إِدْرَاكِ كَيْفِيَّتِهَا، لِأَنَّ الطَّمَعَ فِيهَا يُؤَدِّي إِلَى الضَّلَالِ الْمُبِينِ.

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الْكَيْفَ" هُوَ مَزْلَقُ الْمُشَبِّهَةِ وَالنُّفَاةِ مَعاً؛ فَالْمُشَبِّهَةُ كَيَّفُوا فَمَثَّلُوا، وَالنُّفَاةُ تَخَيَّلُوا كَيْفاً لا يَلِيقُ فَعَطَّلُوا. وَيَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ نَفْيُ (التَّكْيِيفِ) بِالْمَعْنَى الَّذِي يَعْنِي ادِّعَاءَ الْعِلْمِ بِالْهَيْئَةِ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ لِلَّهِ كَيْفِيَّةً تَلِيقُ بِجَلَالِهِ. 
وَيَقُولُ: "نَحْنُ لَا نَنْفِي أَنَّ لِلَّهِ كَيْفِيَّةً، لَكِنَّنَا نَنْفِي عِلْمَنَا بِهَا"، وَهَذَا فَرْقٌ عَظِيمٌ. 
وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ سَأَلَ "كَيْفَ؟" فِي صِفَاتِ اللَّهِ فَقَدِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَتَكَلَّفَ مَا كُفِيَ عِلْمَهُ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُشَدِّدُ فِي شُرُوحِهِ عَلَى أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ هُوَ "إِمْرَارُ الصِّفَاتِ كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ"؛ أَيْ بِلَا تكييفٍ لَهَا مِنَّا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا هُوَ التَّوْحِيدُ الْخَالِصُ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ كَمَالِ الصِّفَةِ وَبَيْنَ تَنْزِيهِ الرَّبِّ عَنْ سِمَاتِ الْمَخْلُوقِينَ.
 وَيَرَى أَنَّ مَنِ اشْتَغَلَ بِالْكَيْفِ فَقَدْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ الْوَسْوَاسِ وَالشَّيْطَانِ، لِأَنَّهُ يَطْلُبُ مَا لَا مَطْلَبَ لَهُ، وَيَسْعَى لِإِدْرَاكِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَقْلِهِ الْقَاصِرِ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ فِي مَجَالِسِهِ أَنَّ "الْكَيْفَ" غَيْبٌ لَا يُعْلَمُ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الصِّفَةَ بِلَا مَعْنَى فَقَدْ أَبْطَلَ النُّصُوصَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْلَمُ الْكَيْفَ فَقَدْ أَبْطَلَ الْعَظَمَةَ. 
وَيُبَيِّنُ أَنَّ شُرُوطَ الِانْتِفَاعِ بِالنَّصِّ هِيَ: فَهْمُ الْمَعْنَى، وَتَفْوِيضُ الْكَيْفِ، وَتَحْقِيقُ التَّنْزِيهِ. 
وَيَرَى أَنَّ كُلَّ تكييفٍ لِلصِّفَةِ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ، لِأَنَّكَ تَقُولُ عَلَيْهِ مَا لَا تَعْلَمُ، وَاللَّهُ قَدْ حَرَّمَ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِلَا عِلْمٍ.

الْحَاشِيَةُ
[1] مقاييس اللغة (5/ 146)، التعريفات للجرجاني (ص 190).
[2] انظر مذهب الجهمية والمعتزلة في: مقالات الإسلاميين للأشعري (1/ 160).
[3] انظر مذهب الأشاعرة في التفويض: شرح المواقف للإيجي (8/ 45).
[4] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْكَرَّامِيَّةِ): أَتْبَاعِ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيِّ (ت 255هـ)، كَانُوا يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ لَكِنَّهُمْ كَانُوا يُجَسِّمُونَ وَيُمَثِّلُونَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِمْ.
[5] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَوَسُّعِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَشُرُوحِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ وَالْفَوْزَانِ وَآلِ الشَّيْخِ.
[6]تَحْقِيقُ الشَّوْكَانِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الْكَيْفِ
نَقَلَ الْإِمَامُ الشَّوْكَانِيُّ تَحْقِيقاً بَالِغاً فِي "التَّحَفُ الصِّدِّيقِيَّةِ" وَ"الصَّوَارِمِ الْحِدَادِ"، حَيْثُ قَرَّرَ أَنَّ الْبَحْثَ فِي الْكَيْفِيَّةِ تَنَطُّعٌ مَحْضٌ، وَسَاقَ لِذَلِكَ حُجَجاً مِنْهَا:
أنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِمَعْرِفَةِ "كَيْفِيَّةِ" صِفَاتِهِ
 بَلْ تَعَبَّدْنَا بِالْإِيمَانِ بِـ "أَصْلِ ثُبُوتِهَا".
أنَّ الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ مَحْبُوسٌ فِي دَائِرَةِ الْمَحْسُوسَاتِ
 وَالْغَيْبُ الْمُطْلَقُ لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهِ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَالْوَحْيُ سَكَتَ عَنِ الْكَيْفِ.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ مَا مَعْنَاهُ: 
1-مَا دَامَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِهَذَا
2- وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْبَحْثِ عَنْهُ
3- وَلَا طَرِيقَ لَنَا إِلَيْهِ
4-فَلِمَاذَا نَبْحَثُ عَنْهُ؟! 
5-إِنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ هُوَ مَحْضُ التَّكَلُّفِ الَّذِي نُهِينَا عَنْهُ.
 التحف في مذاهب السلف للشوكاني (ص 15-20)، والصوارم الحداد القارضة لعلائق مقالات أهل الاتحاد (ص 44).
---------------------------&
(الْوَجْهِ الثَّامِنَ عَشَرَ: الْهَيْئُولَى - وَشُبْهَةُ الْمَادَّةِ الْأَزَلِيَّةِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الْهَيْئُولَى)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْهَيْئُولَى (أَوْ الْهِيُولَى) لَيْسَتْ لَفْظَةً عَرَبِيَّةً، بَلْ هِيَ لَفْظَةٌ يُونَانِيَّةٌ (Hyle) عُرِّبَتْ بِمَعْنَى "الْمَادَّةِ" أَوْ "الْأَصْلِ". وَتُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ الْيُونَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ عَلَى "الْحَطَبِ" أَوْ "الْمَادَّةِ الْخَامِ" الَّتِي يَصْنَعُ مِنْهَا النَّجَّارُ آلَاتِهِ. [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْهَيْولَى:
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: (هِيَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ، لَا شَكْلَ لَهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَكِنَّهُ يَقْبَلُ جَمِيعَ الصُّوَرِ، وَهُوَ مَحَلٌّ لِلِاسْتِحَالَاتِ).

بِالْمِثَالِ: الْهَيْئُولَى كَالطِّينِ قَبْلَ أَنْ يُشَكَّلَ، فَإِذَا صَارَ كُوزاً فَالْكُوزُ هُوَ "الصُّورَةُ"، وَالطِّينُ قَبْلَ التَّشْكِيلِ هُوَ "الْهَيْئُولَى". [2]
مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الْهَيْئُولَى):
مَسْلَكُ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمَشَّائِينَ: زَعَمُوا أَنَّ "الْهَيْئُولَى" قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ مَعَ اللَّهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْهَا مِنْ عَدَمٍ، بَلْ هِيَ مَادَّةٌ كَانَتْ مَوْجُودَةً، وَدَوْرُ الرَّبِّ فَقَدْ هُوَ تَشْكِيلُهَا وَإِعْطَاؤُهَا "الصُّورَةَ". وَهَذَا حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. [3]
مَسْلَكُ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ: حَاوَلُوا التَّوْفِيقَ بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَالدِّينِ، فَقَالُوا إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْهَيْئُولَى أَوَّلاً، ثُمَّ خَلَقَ مِنْهَا الْأَشْيَاءَ، وَهَذَا جَرَّهُمْ إِلَى مُوَافَقَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِي بَعْضِ لَوَازِمِهِمْ.
ثَانِيًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (الْخَلْقُ مِنَ الْعَدَمِ لَا مِنَ الْمَادَّةِ)
مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ: "الْهَيْئُولَى" لَفْظٌ بَدْعِيٌّ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَالْقُرْآنُ عَبَّرَ بـ "الْمَادَّةِ" الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الْبَشَرُ (كَالطِّينِ وَالنُّطْفَةِ) وَكُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ.
مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى:
نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}، فَلَا وُجُودَ لِمَادَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتْ مَعَهُ سُبْحَانَهُ.
الْقَوْلُ بِأَزَلِيَّةِ "الْهَيْئُولَى" كُفْرٌ صَرِيحٌ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكاً فِي قِدَمِهِ، وَنَفَى قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى الْخَلْقِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَبْطَلَ قَوْلَ الْفَلَاسِفَةِ بِالْهَيْئُولَى فِي "الْمَوَاضِعِ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِأَزَلِيَّةِ الْمَادَّةِ يُنَاقِضُ بَدِيهَةَ الْعَقْلِ وَصَرِيحَ النَّقْلِ. فَاللَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَخْلُقَ إِلَّا مِنْ شَيْءٍ، وَهَذَا عَجْزٌ لَا كَمَالٌ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْهَيْئُولَى" الَّتِي يَدَّعُونَهَا هِيَ (خَيَالٌ ذِهْنِيٌّ) لَا وُجُودَ لَهُ فِي الْأَعْيَانِ؛ فَلَا يُوجَدُ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الصُّوَرِ وَالْأَعْرَاضِ فِي الْخَارِجِ. وَأَكَّدَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ وَالْمَاءَ وَالسَّمَاوَاتِ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ عَدَمٍ مَحْضٍ، وَلَيْسَ مِنْ مَادَّةٍ قَدِيمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ عَنْ إِيجَادِهِ.

الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي شَرْحِهِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ، مُبَيِّناً أَنَّ "الْهَيْئُولَى" هِيَ إِحْدَى قَوَاعِدِ (الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ) عِنْدَ الْمَشَّائِينَ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ نَفْيَ الْقَوْلِ بِالْهَيْئُولَى هُوَ حِمَايَةٌ لِأَصْلِ (التَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ)؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِهَا يَجْعَلُ الْخَالِقَ "صَانِعاً" لَا "خَالِقاً"، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الصَّانِعَ يَحْتَاجُ إِلَى مَادَّةٍ، وَالْخَالِقَ يُوجِدُ مِنَ الْعَدَمِ.
 وَيُدَقِّقُ فِي أَنَّ كُلَّ مَنْ أَدْخَلَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ فَقَدْ جَنَى عَلَى صَفَاءِ الْمَنْهَجِ السَّلَفِيِّ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى تَصَوُّرٍ يُونَانِيٍّ لَا يَعْرِفُ الْقُدْرَةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُطْلَقَةَ.

الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ "الْهِيُولَى" مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يَجِبُ الِاسْتِفْصَالُ عَنْهَا؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا (الْأَصْلُ الْمَخْلُوقُ) كَالطِّينِ لِلْإِنْسَانِ، فَالْمَعْنَى صَحِيحٌ لَكِنَّ اللَّفْظَ بَدْعِيٌّ. وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا (الْمَادَّةُ الْقَدِيمَةُ) فَهَذَا بَاطِلٌ. وَيُؤَكِّدُ سِنْدِي فِي تَأْصِيلَاتِهِ أَنَّ الِاكْتِفَاءَ بِالْمُصْطَلَحَاتِ الشَّرْعِيَّةِ هُوَ السَّبِيلُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى الْفَلَاسِفَةِ، لِأَنَّ "الْهِيُولَى" اصْطِلَاحٌ مُرْتَبِطٌ بِنَظَرِيَّةِ (الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ) الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا وُثَنِيَّةُ أَرِسْطُو، وَالْمُسْلِمُ مُسْتَغْنٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ}.

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ كُلَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئاً قَدِيماً مَعَ اللَّهِ فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ. وَيَرَى أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَمَّا عَجَزُوا عَنْ تَصَوُّرِ الْخَلْقِ مِنَ الْعَدَمِ اخْتَرَعُوا "الْهِيُولَى"، وَهِيَ تَلْبِيسٌ يَقْصِدُونَ بِهِ الِانْفِكَاكَ مِنْ سُلْطَانِ الْخَالِقِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَوَادَّ الْمَخْلُوقَاتِ (كَمَادَّةِ النَّارِ لِلْجِنِّ، وَالطِّينِ لِلْبَشَرِ) كُلُّهَا حَادِثَةٌ مَخْلُوقَةٌ، وَأَوَّلُهَا مَخْلُوقٌ بَعْدَ عَدَمٍ، وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُبَيِّنُ أَنَّ "الْهَيْئُولَى" مِنْ خُرَافَاتِ الْمَنَاطِقَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ الَّتِي لَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا هِيَ فَرْضِيَّاتٌ ذِهْنِيَّةٌ أَرَادُوا بِهَا تَثْبِيتَ قَوْلِهِمْ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. وَيُحَذِّرُ طُلَّابَ الْعِلْمِ مِنْ تَدَاوُلِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي بَابِ الْعَقِيدَةِ، لِأَنَّهَا تُشَوِّشُ فَهْمَ الْخَلْقِ بِمَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَتُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُحْتَاجٌ لِمَادَّةٍ قَبْلِيَّةٍ لِيُؤَدِّيَ فِعْلَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيراً.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ قَائِمٌ عَلَى "الْمُبَايَنَةِ" بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ؛ فَاللَّهُ خَالِقٌ وَمَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ، وَلَا يُوجَدُ طَرَفٌ ثَالِثٌ (كَالْهِيُولَى) يَكُونُ وَسِيطاً أَزَلِيّاً. وَيَرَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْهِيُولَى هُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّعْطِيلِ لِقُدْرَةِ الرَّبِّ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِعْلَهُ مَقْصُوراً عَلَى "التَّشْكِيلِ" لَا "الْإِيجَادِ"، وَهَذَا يَقْدَحُ فِي أَزَلِيَّةِ انْفِرَادِهِ سُبْحَانَهُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ.

الحاشية
[1] المعجم الفلسفي لجميل صليبا (2/ 531)، تاج العروس (30/ 515).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 258).
[3] أَرِسْطُو : (384-322 ق.م)، فَيْلَسُوفٌ يُونَانِيٌّ، هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَعَّدَ نَظَرِيَّةَ "الْمَادَّةِ وَالصُّورَةِ" ، وَزَعَمَ أَنَّ الْعَالَمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْعَدَمِ، فَقَالَ بِأَزَلِيَّةِ "الْهِيُولَى". [المصدر: تاريخ الفلسفة اليونانية].
[4] الْمَشَّاؤُونَ: فِرْقَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ تَتَّبِعُ أَرِسْطُو، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَدَارَسُونَ الْفَلْسَفَةَ وَهُمْ يَمْشُونَ. وَمِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ الْكِنْدِيُّ وَالْفَارَابِيُّ وَابْنُ سِينَا. [المصدر: الملل والنحل للشهرستاني].

--------------------------------&
(الْوَجْهِ التَّاسِعَ عَشَرَ: الصُّورَةُ - بَيْنَ الْإِثْبَاتِ الْخَبَرِيِّ وَالتَّحْرِيفِ الْكَلَامِيِّ)

مصطلح (الصُّورَةُ). هذا المصطلح وقفت عنده العقول؛ فبينما استعمله الفلاسفة في سياق "المادة والصورة" لنفي الخلق، واستعمله الجهمية لنفي الصفات، أثبته أهل السنة والجماعة كصفةٍ خبرية ثابتة لله عز وجل كما يليق بجلاله، بناءً على النصوص الصحيحة، مع نفي التمثيل.

أَوَّلاً: لَفْظُ (الصُّورَةُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الصُّورَةُ فِي اللُّغَةِ أَصْلُهَا مِنَ (صَوَرَ)، وَهِيَ الشَّكْلُ وَالْهَيْئَةُ وَالْحَقِيقَةُ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الشَّيْءُ. 
وَتُطْلَقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وَجْهِ الشَّيْءِ، وَعَلَى حَقِيقَتِهِ وَصِفَتِهِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الصَّادُ وَالْوَاوُ وَالرَّاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى شَكْلِ الشَّيْءِ وَتَخْطِيطِهِ". [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلصُّورَةِ:
عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ: (هِيَ مَا ثَبَتَ لِلَّهِ فِي النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"، وَهِيَ صِفَةٌ خَبَرِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لَهُ سُبْحَانَهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّهَا لَا تُمَاثِلُ صُوَرَ الْمَخْلُوقِينَ).
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: (هِيَ مَا يَقْتَرِنُ بِالْهِيُولَى لِيُكَوِّنَ الْجِسْمَ، فَالْهِيُولَى هِيَ الْمَادَّةُ، وَالصُّورَةُ هِيَ الْهَيْئَةُ الَّتِي تُمَيِّزُهُ). [2]
ثَانِيًا: مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الصُّورَةِ)
مَسْلَكُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: نَفَوْا "الصُّورَةَ" عَنِ اللَّهِ مُطْلَقاً، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ وَالتَّجْسِيمَ، وَحَرَّفُوا مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالُوا: "عَلَى صُورَةِ آدَمَ" أَيْ الَّتِي خَلَقَهَا، أَوْ أَعَادُوا الضَّمِيرَ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ. [3]
مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ: تَأَوَّلُوا الصُّورَةَ بِمَعْنَى "الصِّفَةِ" (أَيْ عَلَى صِفَتِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحَيَاةِ)، فَراراً مِنْ إِثْبَاتِ الصُّورَةِ كَمَا جَاءَتْ فِي النَّصِّ، لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الصُّورَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلْأَجْسَامِ. [4]
مَسْلَكُ الْمُشَبِّهَةِ: أَثْبَتُوا الصُّورَةَ لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهَا كَصُورَةِ الْآدَمِيِّ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ، فَقَالُوا بِالتَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
فَصَّلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي "بَيَانِ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ" وَنَقْضِ التَّأْسِيسِ؛ حَيْثُ أَثْبَتَ أَنَّ لَفْظَ "الصُّورَةِ" جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ، وَأَنَّ مَنْ أَوَّلَ الضَّمِيرَ فِي حَدِيثِ "خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ" إِلَى غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَبْعَدَ النَّجْعَةَ وَخَالَفَ إِجْمَاعَ السَّلَفِ. وَبَيَّنَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ إِثْبَاتَ الصُّورَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ، لِأَنَّ "الصُّورَةَ" فِي حَقِّ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَإِذَا كَانَتْ صُورَةُ الْمَخْلُوقِ تَلِيقُ بِعَجْزِهِ، فَصُورَةُ الْخَالِقِ تَلِيقُ بِعَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ. وَقَرَّرَ أَنَّ الصُّورَةَ هِيَ "الْحَقِيقَةُ" وَلَا يُوجَدُ مَوْجُودٌ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ إِلَّا وَلَهُ صُورَةٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا، وَنَفْيُ الصُّورَةِ بِالْكُلِّيَّةِ عَنِ اللَّهِ هُوَ نَفْيٌ لِوُجُودِهِ الْعَيْنِيِّ، فَنَحْنُ نُثْبِتُ مَا ثَبَتَ بِالنَّصِّ مَعَ قَطْعِ الطَّمَعِ فِي إِدْرَاكِ الْكَيْفِ أَوْ التَّمْثِيلِ بِالْخَلْقِ.

الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ مَوْقِفَ السَّلَفِ مِنْ هَذَا الْمُصْطَلَحِ فِي شَرْحِهِ لِلْحَمَوِيَّةِ وَكُتُبِ الصِّفَاتِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الصُّورَةَ" عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ تُعَدُّ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ الْخَبَرِيَّةِ. وَأَكَّدَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ النُّزَاعَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَانَ بَيْنَ "الْمُثْبِتَةِ" الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّصَّ، وَبَيْنَ "النُّفَاةِ" الَّذِينَ حَكَّمُوا عُقُولَهُمْ فِي كَيْفِيَّةِ اللَّهِ. وَيَرَى أَنَّ دِقَّةَ الْبَحْثِ تَقْتَضِي التَّفْرِيقَ بَيْنَ (الصُّورَةِ الْفَلْسَفِيَّةِ) الَّتِي هِيَ شَرِيكَةُ الْمَادَّةِ، وَبَيْنَ (الصُّورَةِ الشَّرْعِيَّةِ) الَّتِي هِيَ نَعْتُ جَمَالِ الرَّبِّ. وَيُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ إِثْبَاتَ الصُّورَةِ هُوَ مِمَّا تَمَيَّزَ بِهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَأَنَّ تَأْوِيلَهَا بِمَعْنَى "الصِّفَةِ" مَحْضُ تَعْطِيلٍ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ.

الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُقَرِّرُ فِي مَنْهَجِهِ الدِّرَاسِيِّ وَشُرُوحِهِ أَنَّ "الصُّورَةَ" صِفَةٌ ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا هُوَ الْإِيمَانُ بِلَا تكييفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ. وَيُبَيِّنُ سِنْدِي أَنَّ لَفْظَ "الصُّورَةِ" إِذَا أُطْلِقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى انْصَرَفَ إِلَى مَا يَلِيقُ بِهِ، كَمَا يَنْصَرِفُ لَفْظُ "الْيَدِ" وَ"الْوَجْهِ". وَيُحَذِّرُ مِنْ مَسْلَكِ مَنْ نَفَى الصُّورَةَ بِحُجَّةِ التَّنْزِيهِ، مُعْتَبِراً أَنَّ التَّنْزِيهَ الصَّحِيحَ هُوَ نَفْيُ "الْمُمَاثَلَةِ" لَا نَفْيُ "أَصْلِ الصِّفَةِ". وَيَرَى أَنَّ الْبَحْثَ فِي هَذَا الْوَجْهِ يَكْشِفُ عَنْ مَدَى قُوَّةِ الِاتِّبَاعِ عِنْدَ السَّلَفِ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْهُمْ "تَشْنِيعُ" النُّفَاةِ مِنَ الْجَهْرِ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، مَعَ انْضِبَاطِهِمْ بِالْقَاعِدَةِ الْقُرْآنِيَّةِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الصُّورَةَ" مِمَّا صَحَّ بِهِ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّ مَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ وَجْهاً وَيَدَيْنِ وَعَيْنَيْنِ فَقَدْ أَثْبَتَ صُورَةً ضِمْناً، لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَقُومُ إِلَّا بِذَاتٍ مُصَوَّرَةٍ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَابِتٍ لِلْمَخْلُوقِ فَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ كَمَالًا نِسْبِيًّا يَسْتَلْزِمُ نَقْصاً، وَالصُّورَةُ فِي حَقِّ الْخَالِقِ كَمَالٌ لَا يَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ إِلَّا هُوَ. وَيَرَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي "صُورَتِهِ" يَعُودُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ الْأَقْرَبُ لَفْظاً وَمَعْنًى فِي سِيَاقِ تَعْظِيمِ آدَمَ، وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ صُورَةَ اللَّهِ مِثْلُ صُورَةِ آدَمَ، كَمَا أَنَّ وُجُودَ اللَّهِ لَيْسَ مِثْلَ وُجُودِ آدَمَ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُبَيِّنُ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ رَمَوْا أَهْلَ السُّنَّةِ بِـ "التَّشْبِيهِ" لِأَجْلِ إِثْبَاتِ الصُّورَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ هُمْ أَهْلُ التَّنْزِيهِ الْحَقِيقِيِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِالصُّورَةِ قَوْلُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَنَّهَا صِفَةُ كَمَالٍ. وَيَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ كَفُّ الْعَقْلِ عَنِ التَّخَيُّلِ، وَالِالْتِزَامُ بِالْمَنْقُولِ، فَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ وَجَبَ التَّسْلِيمُ، وَالصُّورَةُ ثَابِتَةٌ فِي مَوَاطِنَ عِدَّةٍ فِي السُّنَّةِ، مِنْهَا حَدِيثُ الرُّؤْيَةِ فِي الْعَرَصَاتِ حَيْثُ "يَأْتِيهِمُ اللَّهُ فِي غَيْرِ صُورَتِهِ الَّتِي يَعْرِفُونَ"، فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ مَسْأَلَةَ "الصُّورَةِ" هِيَ مِنَ الصِّفَاتِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا الْوُقُوفُ عِنْدَ حُدُودِ النَّصِّ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "التَّفْوِيضَ" فِي الصُّورَةِ يَكُونُ لِلْكَيْفِ لَا لِلْمَعْنَى؛ فَالْمَعْنَى مَعْلُومٌ لُغَةً وَهُوَ الْهَيْئَةُ الْقَائِمَةُ بِالذَّاتِ، أَمَّا حَقِيقَةُ تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَمَفُوَّضَةٌ إِلَى اللَّهِ. وَيَرَى أَنَّ جَمَالِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَعَظَمَتِهِ يَقْتَضِيَانِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنْ حُسْنِ الصُّورَةِ وَكَمَالِهَا مَا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ، وَأَنَّ هَذَا الْإِثْبَاتَ هُوَ عَيْنُ التَّوْحِيدِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، بِخِلَافِ مَا ابْتَدَعَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ مِنْ نَفْيِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ الظَّاهِرَةُ.

الحاشية

[1] مقاييس اللغة لابن فارس (3/ 320)، لسان العرب لابن منظور (مادة صور).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 134).
[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) سَابِقاً؛ وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: إِنْكَارُ "صِفَةِ الصُّورَةِ" تَمَاماً لِتَوَهُّمِهِمْ أَنَّهَا تَقْتَضِي مُمَاثَلَةَ الْأَجْسَامِ.
[4] انظر مذهب الأشاعرة في تأويل الصبوة والصورة: فتح الباري لابن حجر (11/ 3).
[5] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَ شَرْحِ الْوَاسِطِيَّةِ لِلْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ.
----------------------------------&

(الْوَجْهِ الْعِشْرُونَ: الْخَلَاءُ - بَيْنَ فَرْضِيَّاتِ الْمَكَانِ وَعَظَمَةِ الْبَارِئِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الْخَلَاءُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْخَلَاءُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (خَلَا)، وَهُوَ الْفَرَاغُ وَالْمَكَانُ الَّذِي لَا شَيْءَ فِيهِ. يُقَالُ: مَكَانٌ خَالٍ أَيْ فَارِغٌ. وَالْخَلَاءُ أَيْضاً هُوَ الْمَكَانُ الْمُنْفَرِدُ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْخَاءُ وَاللَّامُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى تفرُّغِ الشَّيْءِ". [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْخَلَاءِ:
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: (هُوَ بُعْدٌ مُجَرَّدٌ أَوْ فَضَاءٌ مَوْهُومٌ، لَا مَادَّةَ فِيهِ وَلَا أَجْسَامَ، يَشْغَلُهُ الْجِسْمُ إِذَا حَلَّ فِيهِ).
بِالتَّقْسِيمِ الْعَقْلِيِّ: يَنْقَسِمُ إِلَى "خَلَاءٍ دَاخِلِ الْعَالَمِ" (بَيْنَ الْأَجْرَامِ)، وَ"خَلَاءٍ خَارِجِ الْعَالَمِ" (فِيمَا وَرَاءَ الْمَخْلُوقَاتِ). [2]
ثَانِيًا: مَسَالِكُ الطَّوَائِفِ فِي (الْخَلَاءِ)
مَسْلَكُ النُّفَاةِ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ): نَفَوْا عُلُوَّ اللَّهِ بِذَاتِهِ زَعْماً مِنْهُمْ أَنَّ إِثْبَاتَ الْعُلُوِّ فَوْقَ الْعَالَمِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فِي "خَلَاءٍ"، وَالْخَلَاءُ عِنْدَهُمْ إِمَّا أَنَّهُ "شَيْءٌ" فَيَكُونُ مَخْلُوقاً حَاوِياً لِلَّهِ، أَوْ "عَدَمٌ" فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَوْجُودٌ، فَهَرَبُوا مِنْ هَذَا إِلَى نَفْيِ الْعُلُوِّ بِالْكُلِّيَّةِ. [3]
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الطَّبِيعِيِّينَ): انْقَسَمُوا؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِامْتِنَاعِ الْخَلَاءِ (أَيْ أَنَّ الطَّبِيعَةَ تَأْبَى الْفَرَاغَ)، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِوُجُودِ خَلَاءٍ لَا تَتَنَاهَى أَبْعَادُهُ، وَكِلَاهُمَا خَاضَ بِغَيْرِ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ. [4]
ثَالِثًا: مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ (التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ)
يُقَرِّرُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ كَانَ وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، وَهُوَ الْآنَ عَلَى مَا عَلَيْهِ كَانَ، بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ. فَإِذَا قِيلَ: "اللَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ"، فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ فِي "خَلَاءٍ" مَوْجُودٍ يَحْوِيهِ؛ لِأَنَّ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ "عَدَمٌ مَحْضٌ"، وَاللَّهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا يَحْوِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَا مِنَ الْفَضَاءَاتِ الْمَوْهُومَةِ.
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
فَصَّلَ فِي "دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ" مَسْأَلَةَ الْخَلَاءِ تَفْصِيلًا بَاهِراً؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الْمَكَانَ" إِذَا أُرِيدَ بِهِ الْأَمْرُ الْوُجُودِيُّ (الْمَخْلُوقُ) فَاللَّهُ لَيْسَ فِي مَكَانٍ، وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ "الْفَوْقِيَّةُ" وَمَا وَرَاءَ الْعَالَمِ فَاللَّهُ فِي الْعُلُوِّ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْخَلَاءَ" الَّذِي يَتَحَدَّثُ عَنْهُ الْمُتَكَلِّمُونَ خَارِجَ الْعَالَمِ لَيْسَ شَيْئاً وُجُودِيّاً بَلْ هُوَ "عَدَمٌ"، وَالْعَدَمُ لَا شَيْءَ، وَمَنْ كَانَ فَوْقَ الْعَالَمِ فَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مَوْجُودٍ سِوَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ. وَأَكَّدَ أَنَّ التَّشْنِيعَ بِـ "الْخَلَاءِ" هُوَ مَحْضُ تَلْبِيسٍ لِتَعْطِيلِ صِفَةِ الْعُلُوِّ، لِأَنَّ اللَّهَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ خَلَاءٌ أَوْ مَلَاءٌ، بَلْ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الَّذِي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.
الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ هَذِهِ الْمَفْرَدَةَ ضِمْنَ مَبَاحِثِ (الْمَكَانِ) فِي شَرْحِهِ لِلْحَمَوِيَّةِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الْخَلَاءَ" اصْطِلَاحٌ أَقْحَمَهُ النُّفَاةُ لِتَحْيِيرِ الْعُقُولِ. وَأَكَّدَ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ، وَأَنَّ مَا وَرَاءَ الْعَالَمِ لَا يُسَمَّى "خَلَاءً" وُجُودِيّاً يُنَافِي عَظَمَةَ الرَّبِّ. وَيَرَى أَنَّ دِقَّةَ مَنْهَجِ السَّلَفِ تَظْهَرُ فِي إِثْبَاتِ الْبَيْنُونَةِ (أَيْ أَنَّ اللَّهَ مُنْفَصِلٌ عَنِ الْخَلْقِ)، وَهَذِهِ الْبَيْنُونَةُ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ اللَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ دُونَ حَاجَةٍ لِإِثْبَاتِ "خَلَاءٍ" تَرْتَسِمُ فِيهِ الْأَبْعَادُ، لِأَنَّ الْأَبْعَادَ وَالْمَقَادِيرَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ لَوَازِمُ الْمَخْلُوقِينَ.
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُبَيِّنُ فِي تَقْرِيرَاتِهِ الْعَقَدِيَّةِ أَنَّ "الْخَلَاءَ" مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الَّتِي يَتَعَيَّنُ فِيهَا الِاسْتِفْصَالُ. فَمَنْ نَفَى الْعُلُوَّ بِحُجَّةِ "الْخَلَاء" قُلْنَا لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ بِالْخَلَاءِ فَرَاغاً مَوْجُوداً فَاللَّهُ لَيْسَ فِيهِ، وَإِنْ أَرَدْتَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ فِي دَاخِلِ الْعَالَمِ بَلْ هُوَ فَوْقَهُ فَهَذَا حَقٌّ. وَيُدَقِّقُ سِنْدِي فِي أَنَّ كَثِيراً مِنَ الشُّبُهَاتِ الْكَلَامِيَّةِ تَقُومُ عَلَى (تَخَيُّلِ) الرَّبِّ بِقِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَمَسْأَلَةُ الْخَلَاءِ مِثَالٌ لِذَلِكَ؛ حَيْثُ قَاسُوا عُلُوَّ الرَّبِّ عَلَى عُلُوِّ الْأَجْسَامِ الَّتِي تَنْتَقِلُ فِي فَرَاغٍ، وَهَذَا قِيَاسٌ بَاطِلٌ يُهْدِمُهُ الْإِيمَانُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَمُبَايَنَتِهِ لِخَلْقِهِ.
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الْخَلَاءَ" لَفْظٌ لَمْ يَرِدْ فِي النُّصُوصِ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ: "اللَّهُ فِي مَكَانٍ خَالٍ" فَقَدْ أَخْطَأَ فِي اللَّفْظِ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَا بَعْدَ الْعَالَمِ لَيْسَ فِيهِ مَخْلُوقٌ، فَلَا يُسَمَّى مَكَاناً، لِأَنَّ الْمَكَانَ هُوَ مَا يُحِيطُ بِالشَّيْءِ، وَاللَّهُ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ. وَيَرَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ، وَنَنْفِي عَنْهُ كُلَّ مَعْنًى يَقْتَضِي الِاحْتِيَاجَ إِلَى مَكَانٍ أَوْ الِانْحِصَارَ فِي "خَلَاءٍ"، لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَمَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ، فَالْخَلَاءُ نَفْسُهُ (إِنْ قُدِّرَ وُجُودُهُ) مَخْلُوقٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ (كَالْخَلَاءِ وَالْمَلَاءِ) هِيَ مِنْ تَرِكَةِ الْفَلَاسِفَةِ الَّتِي أُدْخِلَتْ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ لِتَعْطِيلِ صِفَاتِ اللَّهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَفَ لَمْ يَخُوضُوا فِي هَذِهِ التَّفَاصِيلِ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ وَلَا تُؤَخِّرُ فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ. وَيَرَى أَنَّ نَفْيَ الْعُلُوِّ بِحُجَّةِ لُزُومِ "الْخَلَاءِ" هُوَ مَحْضُ تَحَكُّمٍ، فَاللَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي السَّمَاءِ (أَيِ الْعُلُوِّ)، وَالْعَقْلُ السَّلِيمُ يَقْبَلُ ذَلِكَ دُونَ الْحَاجَةِ لِتَصَوُّرِ خَلَاءٍ يَحْوِي الْبَارِئَ، فَالْخَالِقُ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِمَسَافَةٍ لَا يَعْلَمُ قَدْرَهَا إِلَّا هُوَ.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ "الْخَلَاءَ" إِذَا أُطْلِقَ فِيمَا وَرَاءَ الْعَالَمِ فَهُوَ "عَدَمٌ"، وَالْعَدَمُ لَا حُكْمَ لَهُ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ قَوْلَ بَعْضِ النَّاسِ: "أَيْنَ كَانَ اللَّهُ قَبْلَ الْخَلْقِ؟" وَالْجَوَابُ النَّبَوِيُّ: "كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ"، يَدُلُّ عَلَى بَيْنُونَتِهِ سُبْحَانَهُ عَنِ الْمَخْلُوقَاتِ. وَيَرَى أَنَّ الِانْشِغَالَ بِتَعْرِيفِ "الْخَلَاء" لِإِثْبَاتِ أَوْ نَفْيِ الصِّفَاتِ هُوَ مِنْ مَسَالِكِ التَّكَلُّفِ، وَالْأَصْلُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي الِاعْتِقَادِ، وَكُلُّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ الْعَقْلِيَّةِ فِي "الْخَلَاء" هِيَ أَوْهَامٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْخَارِجِ.

الحاشية

[1] مقاييس اللغة لابن فارس (2/ 210)، لسان العرب (مادة خلا).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 103).
[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) سَابِقاً؛ وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: اسْتِعْمَالُ "الْخَلَاء" كَشُبْهَةٍ لِنَفْيِ حَقِيقَةِ اسْتِوَاءِ اللَّهِ عَلَى عَرْشِهِ.
[4] الطَّبِيعِيُّونَ: فِرْقَةٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ يُرْجِعُونَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى الطَّبِيعَةِ، وَخَاضُوا فِي مَسَائِلِ (الْخَلَاءِ وَالْمَلَاءِ) بِنَاءً عَلَى الْمُشَاهَدَاتِ الْحِسِّيَّةِ الْمَحْضَةِ. [المصدر: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ].
[5] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَمَجْمُوعِ فَتَاوَى وَشُرُوحِ الْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ.

----------------------------&
(الْوَجْهِ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ:
 الْمَلأُ - بَيْنَ تَقْرِيرِ الْفَلَاسِفَةِ وَتَنْزِيهِ الْأَئِمَّةِ)
أَوَّلاً: لَفْظُ (الْمَلأُ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْمَلأُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (مَلأَ)، وَهُوَ ضِدُّ الْفَرَاغِ. وَيُطْلَقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ (لِأَنَّهُمْ يَمْلَئُونَ الْمَجَالِسَ أَوْ الْقُلُوبَ هَيْبَةً)، وَيُطْلَقُ عَلَى التَّمَامِ وَالِامْتِلَاءِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْمِيمُ وَاللَّامُ وَالْهَمْزَةُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الْفَرَاغِ". [1]
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمَلأِ:
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: (هُوَ شَغْلُ الْأَجْسَامِ لِلْفَضَاءِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهِ فَرَاغٌ، وَقَالُوا: الطَّبِيعَةُ تَخْشَى الْخَلَاءَ فَتَسْعى لِلْمَلأِ).
عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ: (هُوَ الْفَضَاءُ الْمَشْغُولُ بِالْمَادَّةِ أَوْ الْأَعْرَاضِ، وَيُقَابِلُهُ الْخَلَاءُ الَّذِي هُوَ الْفَضَاءُ الْمُجَرَّدُ). [2]
ثَانِيًا: مَسَالِكُ الطَّوَائِفِ فِي (الْمَلأِ)
مَسْلَكُ النُّفَاةِ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ): زَعَمُوا أَنَّ حَرَكَةَ الرَّبِّ (عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِهِمْ فِي النُّزُولِ وَالْمَجِيءِ) تَسْتَلْزِمُ "الْمَلأَ وَالْخَلَاءَ"؛ فَقَالُوا: إِذَا نَزَلَ الرَّبُّ فَقَدْ "خَلَا" مِنْهُ مَكَانٌ وَ"مَلأَ" بِهِ مَكَاناً آخَرَ، وَهَذَا مِن خَصَائِصِ الْأَجْسَامِ، فَنَفَوْا الصِّفَاتِ فِرَاراً مِنْ هَذَا التَّصَوُّرِ الْمَخْلُوقِ. [3]
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الدَّهْرِيَّةِ): قَالُوا بِقِدَمِ "الْمَلأِ" (أَيِ الْعَالَمِ بِمَادَّتِهِ)، وَزَعَمُوا أَنَّ الْوُجُودَ عِبَارَةٌ عَنْ مَلأٍ مُتَّصِلٍ لَا يَنْقَطِعُ، وَأَنَّ صَانِعَهُ (الْعِلَّةَ) مَلأَ هَذَا الْفَضَاءَ بِفَيْضِهِ، فَعَطَّلُوا مَشِيئَةَ اللَّهِ وَاخْتِيَارَهُ. [4]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَبْطَلَ شُبْهَةَ "الْمَلأِ وَالْخَلَاءِ" فِي كِتَابِهِ "بَيَانِ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ" وَ"الْمِنْهَاجِ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ اللَّوَازِمَ إِنَّمَا تَصِحُّ فِي حَقِّ الْأَجْسَامِ الْفَقِيرَةِ الَّتِي يَعْرِفُهَا الْبَشَرُ، أَمَّا الرَّبُّ تَعَالَى فَإِنَّهُ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَفِعْلُهُ (كَمَجِيئِهِ وَنُزُولِهِ) لَا يُقَاسُ بِفِعْلِ الْمَخْلُوقِ. وَأَكَّدَ أَنَّ مَنْ قَالَ "يَخْلُو مِنْهُ الْعَرْشُ" أَوْ "يَمْلأُ بِهِ كَذَا" فَقَدْ خَاضَ فِيمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَكَيَّفَ الصِّفَةَ، وَالْوَاجِبُ هُوَ إِثْبَاتُ الْفِعْلِ كَمَا وَرَدَ دُونَ الْخَوْضِ فِي لَوَازِمِ الْمَلأِ وَالْخَلَاءِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَقْدِيرَاتِ الْعُقُولِ الْقَاصِرَةِ. وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَقُدْرَةً، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى شَغْلِ مَلأٍ لِيُوجَدَ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنِ الْمَكَانِ وَالْمَلأِ، وَكُلُّ مَلأٍ فِي الْعَالَمِ فَإِنَّمَا وُجِدَ بِإِيجَادِهِ وَإِمْدَادِهِ سُبْحَانَهُ.
الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ فِي مَبَاحِثِ (الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ)؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ النُّفَاةَ يَتَّخِذُونَ مِن "الْمَلأِ" وَسِيلَةً لِصَرْفِ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ نُزُولَ اللَّهِ يَسْتَلْزِمُ "شَغْلَ مَلأٍ" هُوَ نَوْعٌ مِنْ نَقْضِ قَاعِدَةِ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)؛ لِأَنَّهُمْ مَثَّلُوا اللَّهَ بِالْجِسْمِ أَوَّلاً، ثُمَّ نَفَوْا الصِّفَةَ ثَانِياً لِأَجْلِ هَذَا التَّمْثِيلِ. وَيُؤَكِّدُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كُلَّ مَا يَرِدُ عَلَى الذِّهْنِ مِن تَصَوُّرَاتِ "الْمَلأِ" وَانْتِقَالِ الْمَادَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ، فَالْمَلأُ الْمَخْلُوقُ لَا يَسْتَوْعِبُ الْخَالِقَ، وَالْخَالِقُ لَا يَحِلُّ فِيهِ شَيْءٌ مِن مَلأِ الْمَخْلُوقَاتِ، بَلْ هُوَ الْعَلِيُّ الْفَوْقِيُّ الَّذِي لَا يُقَاسُ بِمَقَايِيسِ الْحَجْمِ وَالْفَرَاغِ.
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الْمَلأِ" بِاعْتِبَارِهَا مِنْ مَصَائِدِ الْمَنَاطِقَةِ؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ فِي شُرُوحِهِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِإِثْبَاتِ "الْمَلأِ" فِيمَا وَرَاءَ الْعَالَمِ لَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ عَمَلٌ وَلَا اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ. وَيَرَى سِنْدِي أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ "يَمْلأُ السَّمَاوَاتِ" أَوْ "يَمْلأُ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ" يَجِبُ أَنْ يُفْهَمَ فِي سِيَاقِ الْعَظَمَةِ وَالْإِحَاطَةِ لَا فِي سِيَاقِ "الْمُمَاثَلَةِ الْمَادِّيَّةِ". وَيُحَذِّرُ مِنْ خَلْطِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ "الْمَلأِ" كَمَفْهُومٍ فِيزْيَائِيٍّ وَبَيْنَ "مَلأِ" السَّمَاءِ بِالْمَلَائِكَةِ، فَالسَّمَاءُ مَأْطُوطَةٌ (تَئِطُّ) مِن زِحَامِ الْمَلَائِكَةِ، فَهَذَا مَلأٌ مَخْلُوقٌ، أَمَّا اللَّه تَعَالَى فَلَا يَمْلأُهُ شَيْءٌ وَلَا يَشْغَلُهُ شَيْءٌ، بَلْ كُلُّ الْمَلأِ الْوُجُودِيِّ فِي قَبْضَتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الْمَلأَ" كَمُصْطَلَحٍ كَلَامِيٍّ لَا طَائِلَ تَحْتَهُ فِي تَقْرِيرِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ. وَبَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ كُلِّ مَعْنًى يَقْتَضِي التَّزَاحُمَ مَعَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي مَلأٍ أَوْ خَلَاءٍ. وَيَرَى أَنَّ اللَّهَ إِذَا نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَهُوَ يَنْزِلُ كَمَا يَشَاءُ، وَلَا يَلْزَمُ مِن نُزُولِهِ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ "مَلأً" يَحْوِيهِ، بَلْ السَّمَاءُ تَحْتَهُ وَهُوَ فَوْقَهَا مَعَ قُرْبِهِ مِن عِبَادِهِ. وَأَكَّدَ أَنَّ هَذِهِ التَّصَوُّرَاتِ (الْمَلأِ وَالْخَلَاءِ) إِنَّمَا هِيَ قُيُودٌ ذِهْنِيَّةٌ حَبَسَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِيهَا أَنْفُسَهُمْ، وَسَلِمَ مِنْهَا مَنْ آمَنَ بِغِنَى الرَّبِّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تُحَدُّ.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُشِيرُ إِلَى أَنَّ لَفْظَ "الْمَلأِ" وَرَدَ فِي الشَّرْعِ بِمَعْنَى الْأَشْرَافِ مِنَ النَّاسِ (مَلأُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ)، أَمَّا "الْمَلأُ" بِمَعْنَى شَغْلِ الْحَيِّزِ فَهُوَ اصْطِلَاحٌ أَعْجَمِيٌّ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَ هَذَا اللَّفْظَ لِنَفْيِ عُلُوِّ اللَّهِ بِحُجَّةِ أَنَّ الْعُلُوَّ يَقْتَضِي "مَلأَ" حَيِّزٍ فَقَدْ جَاءَ بِإِفْكٍ مُبِينٍ. فَاللَّهُ لَا يَحُلُّ فِي خَلْقِهِ، وَلَا يَشْغَلُ مَلأً مَخْلُوقاً، بَلْ هُوَ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ مِنْهُ. وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الِاصْطِلَاحَاتِ يَفْتَحُ بَابَ الشُّكُوكِ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْإِعْرَاضُ عَنْهَا وَوَصْفُ اللَّهِ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ دُونِ لَوَازِمِ الْفَلَاسِفَةِ الْبَاطِلَةِ.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ تَوْحِيدَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَبْنِيٌّ عَلَى (الِانْفِكَاكِ عَنْ قِيَاسِ الشَّاهِدِ عَلَى الْغَائِبِ). وَيُبَيِّنُ أَنَّ "الْمَلأَ" عِنْدَ أَهْلِ الْهَيْئَةِ وَالْفَلْسَفَةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى جُرْمِ الْعَالَمِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَقْتَضِي "مَلأَ" مَكَانٍ فَقَدْ وَقَعَ فِي مَحْذُورِ التَّكْيِيفِ. وَيَرَى أَنَّ عَظَمَةَ اللَّهِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا النُّصُوصُ (كَطَيِّ السَّمَاوَاتِ بِيَمِينِهِ) تَهْدِمُ كُلَّ شُبَهَاتِ "الْمَلأِ"؛ لِأَنَّ الْمَلأَ كُلَّهُ (أَيِ الْعَالَمَ) لَا يُسَاوِي فِي عِظَمِ خَالِقِهِ شَيْئاً يُذْكَرُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ مَلأُ الْمَخْلُوقِ مَانِعاً أَوْ حَاصِراً لِفِعْلِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
الحاشية
[1] مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 200)، لسان العرب (مادة ملأ).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 112).
[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) سَابِقاً؛ وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: اسْتِعْمَالُ "الْمَلأِ وَالْخَلَاءِ" كَقَوَاعِدَ مَنْطِقِيَّةٍ لِنَفْيِ أَفْعَالِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ.
[4] الدَّهْرِيَّةُ: فِرْقَةٌ تُنْكِرُ الْبَعْثَ وَتَقُولُ بِقِدَمِ الدَّهْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَاضَ فِي أَنَّ الْعَالَمَ "مَلأٌ" لَا أَوَّلَ لَهُ. [المصدر: الْمِلَلُ وَالنِّحَلُ لِلشَّهْرَسْتَانِيِّ].
[5] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَمَجْمُوعِ فَتَاوَى وَشُرُوحِ الْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ.

-------------------&


(الْوَجْهِ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ:

 الْعَقْلُ الْفَعَّالُ - بَيْنَ خَيَالَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَحَقَائِقِ الْإِيمَانِ)

أخطر المصطلحات التي أدخلها الفلاسفة في "الإلهيات" و"النبوات"، ألا وهو (الْعَقْلُ الْفَعَّالُ).
 هذا المصطلح هو حجر الزاوية في فلسفة المشائين وملاحدة الفلاسفة كالفارابي وابن سينا، حيث جعلوا بين الخالق والخلق وسائط سموها "العقول"، وجعلوا "العقل الفعال" هو المهيمن على عالمنا، وهو بديلهم الفلسفي عن "الوحي" و"جبريل" عليه السلام.


أَوَّلاً: لَفْظُ (الْعَقْلُ الْفَعَّالُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْعَقْلُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (عَقَلَ)، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَالرَّبْطُ، وَمِنْهُ عِقَالُ الْبَعِيرِ. وَالْفَعَّالُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنَ الْفِعْلِ. وَالْمُصْطَلَحُ فِي أَصْلِهِ مَنْقُولٌ عَنِ الْفَلْسَفَةِ الْيُونَانِيَّةِ  وَلَا يُقْصَدُ بِهِ الْعَقْلُ الَّذِي هُوَ غَرِيزَةٌ فِي الْإِنْسَانِ، بَلْ يُقْصَدُ بِهِ جَوْهَرٌ مُفَارِقٌ خَارِجَ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْعَقْلِ الْفَعَّالِ:
عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ: (هُوَ الْعَقْلُ الْعَاشِرُ فِي تَرْتِيبِ الْعُقُولِ الْمُفَارِقَةِ، وَهُوَ الْمُخْرِجُ لِلْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ وَاهِبُ الصُّوَرَ لِلْمَوَادِّ فِي عَالَمِ التَّغَيُّرِ). [2]

ثَانِيًا: مَسَالِكُ أَهْلِ الضَّلَالِ فِي (الْعَقْلِ الْفَعَّالِ)
مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ (الْمَشَّائِينَ): زَعَمُوا أَنَّ اللَّهَ (الْوَاحِدُ) لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، فَصَدَرَ عَنْهُ "الْعَقْلُ الْأَوَّلُ"، ثُمَّ تَسَلْسَلَتِ الْعُقُولُ إِلَى "الْعَقْلِ الْعَاشِرِ" وَهُوَ (الْعَقْلُ الْفَعَّالُ). وَادَّعَوْا أَنَّ النُّبُوَّةَ هِيَ "اتِّصَالُ" نَفْسِ النَّبِيِّ بِهَذَا الْعَقْلِ، فَيَفِيضُ عَلَيْهِ الْعِلْمُ، فَعَطَّلُوا بِذَلِكَ حَقِيقَةَ الْوَحْيِ وَإِرْسَالِ الْمَلَائِكَةِ. [3]
مَسْلَكُ الْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ: تَلَقَّفُوا هَذِهِ الْفِكْرَةَ وَجَعَلُوا "الْعَقْلَ الْفَعَّالَ" هُوَ الْإِمَامَ أَوْ الْقُطْبَ، وَجَعَلُوا الشَّرِيعَةَ رُمُوزاً لِهَذِهِ الْعُقُولِ، فَخَرَجُوا بِذَلِكَ عَنْ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ. [4]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
صَالَ وَجَالَ فِي نَقْضِ هَذِهِ الْفِرْيَةِ فِي "دَرْءِ التَّعَارُضِ" وَ"الرَّدِّ عَلَى الْمَنْطِقِيِّينَ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الْعَقْلَ الْفَعَّالَ" أُسْطُورَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ لَا حَقِيقَةَ لَهَا فِي الْخَارِجِ. وَأَكَّدَ أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَمَّا جَهِلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ أَخْبَرَتْ عَنْهُمْ الرُّسُلُ، اخْتَرَعُوا هَذِهِ "الْعُقُولَ" لِتَفْسِيرِ حَرَكَةِ الْأَفْلَاكِ وَخَلْقِ الْكَوْنِ. وَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ يَتَّصِلُ بِالْعَقْلِ الْفَعَّالِ يَهْدِمُ أَصْلَ الدِّينِ، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ النُّبُوَّةَ "اكْتِسَاباً" وَ"رِيَاضَةً ذِهْنِيَّةً" لَا اصْطِفَاءً إِلَهِيّاً وَوَحْياً مَلَكِيّاً. وَأَكَّدَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ بِذَاتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، لَا بِوَاسِطَةِ عُقُولٍ مَخْلُوقَةٍ مَزْعُومَةٍ لَا تَفْعَلُ إِلَّا بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ الذَّاتِيِّ.

الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي دِرَاسَاتِهِ حَوْلَ "مَقُولَاتِ الْفَلَاسِفَةِ"؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ اصْطِلَاحَ "الْعَقْلِ الْفَعَّالِ" هُوَ مَحْضُ "تَقْلِيدٍ" لِأَرِسْطُو، وَأَنَّ أَبَا نَصْرٍ الْفَارَابِيَّ هُوَ مَنْ رَسَّخَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ فِي التَّصَوُّرِ الْمُنْتَسِبِ لِلْمِلَّةِ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْخَطَرَ الْأَكْبَرَ فِي هَذَا الْمُصْطَلَحِ هُوَ (التَّشْبِيهُ فِي الْخَلْقِ)؛ حَيْثُ جَعَلُوا الْعَقْلَ الْفَعَّالَ شَرِيكاً لِلَّهِ فِي تَدْبِيرِ عَالَمِ "الْعَنَاصِرِ". وَأَكَّدَ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ يُبْطِلُ هَذِهِ الْوَسَائِطَ، فَاللَّهُ يُبَاشِرُ خَلْقَهُ بِقُدْرَتِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ جُنُودٌ لَهُ يَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، وَلَيْسُوا "عُقُولاً" بَسِيطَةً لَا مَشِيئَةَ لَهَا كَمَا زَعَمَ الْمَشَّاءُونَ.

الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُدَقِّقُ فِي تَأْصِيلَاتِهِ عَلَى أَنَّ "الْعَقْلَ الْفَعَّالَ" هُوَ "صَنَمٌ عَقْلِيٌّ" عَبَدَهُ الْفَلَاسِفَةُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَيُبَيِّنُ سِنْدِي فِي شُرُوحِهِ أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ فِيهِ فَقَدْ وَقَعَ فِي شِرْكِ الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ يَنْسِبُونَ إِلَيْهِ إِخْرَاجَ الْأَشْيَاءِ مِنَ الْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، وَهَذَا مَحْضُ فِعْلِ اللَّهِ. وَيُحَذِّرُ سِنْدِي مِن مَسَالِكِ الْحَدَاثِيِّينَ الْيَوْمَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ إِحْيَاءَ فِكْرَةِ "الْعَقْلِ الْفَعَّالِ" لِتَأْوِيلِ النُّصُوصِ تَأْوِيلاً عَقْلِيّاً مَادِيّاً، مُؤَكِّداً أَنَّ مَصْدَرَ التَّلَقِّي عِنْدَ الْمُسْلِمِ هُوَ الْوَحْيُ الْمَعْصُومُ، لَا "الْفَيْضُ" الْمَزْعُومُ مِنْ عَقْلٍ خَيَالِيٍّ.

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِـ "الْعَقْلِ الْفَعَّالِ" كَمُدَبِّرٍ لِلْكَوْنِ فَقَدْ كَفَرَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ. وَيَرَى أَنَّ الْفَلَاسِفَةَ لَمَّا أَرَادُوا تَنْزِيهَ اللَّهِ (بِزَعْمِهِمْ) عَنْ مُبَاشَرَةِ الْخَلْقِ، وَقَعُوا فِي التَّعْطِيلِ وَالْإِشْرَاكِ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْعَقْلَ" فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ فِي الْإِنْسَانِ، أَمَّا "الْعَقْلُ الْمُفَارِقُ" فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي النَّقْلِ وَلَا فِي الْحِسِّ. وَأَكَّدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ بِدُونِ هَذِهِ الْوَسَائِطِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي نَحَتَهَا أَرِسْطُو وَتَبِعَهُ عَلَيْهَا الْمَفْتُونُونَ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ "الْعَقْلَ الْفَعَّالَ" هُوَ مَنْبَعُ الْإِلْحَادِ فِي بَابِ النُّبُوَّاتِ؛ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْوَحْيَ نَوْعاً مِنَ "الذَّكَاءِ" أَوْ "الْعَبْقَرِيَّةِ" الَّتِي تَتَّصِلُ بِذَلِكَ الْعَقْلِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ جِبْرِيلَ (الرُّوحُ الْأَمِينُ) هُوَ الَّذِي نَزَلَ بِالْوَحْيِ، وَجِبْرِيلُ مَلَكٌ ذُو خَلْقٍ وَصِفَاتٍ، لَيْسَ جَوْهراً مُجَرَّداً أَوْ "عَقْلًا" كَمَا يَقُولُ الضُّلَّالُ. وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ تَدْرِيسَ هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ زَيْفِهَا وَحِمَايَةِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ مِن سُمُومِ الْفَلْسَفَةِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ قِصَّةَ "الْعُقُولِ الْعَشَرَةِ" وَآخِرُهَا "الْعَقْلُ الْفَعَّالُ" هِيَ مِنْ أَكْبَرِ الضَّلَالَاتِ الَّتِي عُرِفَتْ فِي تَارِيخِ الْفِكْرِ الْبَشَرِيِّ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ "الْفَعَّالُ" الْحَقِيقِيُّ، وَأَنَّ نِسْبَةَ الْفِعْلِ لِلْعَقْلِ الْفَعَّالِ هِيَ تَعْطِيلٌ لِاسْمِ اللَّهِ (الْخَالِقِ، الْبَارِئِ، الْمُصَوِّرِ). وَيَرَى أَنَّ هَذِهِ الْمَصْطَلَحَاتِ تَمَّ اسْتِعْمَالُهَا لِتَمْرِيرِ عَقِيدَةِ (الْفَيْضِ) الَّتِي تَنْفِي الْخَلْقَ مِنَ الْعَدَمِ، وَالْإِسْلَامُ قَائِمٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَالَمَ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، لَا بِتَوَلُّدِ عُقُولٍ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.

الحاشية

[1] المعجم الفلسفي لجميل صليبا (2/ 102)، تاج العروس (مادة عقل).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 153).
[3] أَرِسْطُو (Aristotle): هُوَ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ بَذْرَةَ "الْعَقْلِ الْفَعَّالِ"، ثُمَّ طَوَّرَهَا الْفَارَابِيُّ (ت 339هـ) وَ ابْنُ سِينَا (ت 428هـ) لِتَكُونَ الرَّابِطَ بَيْنَ عَالَمِ السَّمَاوَاتِ وَعَالَمِ الْأَرْضِ. [المصدر: تهافت الفلاسفة للغزالي].
[4] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْبَاطِنِيَّةِ): وَهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ لِلظَّاهِرِ بَاطِناً، وَاسْتَخْدَمُوا فَلْسَفَةَ الْعُقُولِ لِتَبْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْإِمَامَةِ.
[5] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ نَقْضِ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَمَجْمُوعِ كُتُبِ الْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ.

-----------------&

(الْوَجْهِ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ:

 التَّشْبِيهُ وَالتَّمْثِيلُ - تَحْقِيقُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَنَفْيُ الْمُمَاثَلَةِ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (التَّشْبِيهِ) وَ (التَّمْثِيلِ)
التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ:
التَّمْثِيلُ: مِنَ (الْمِثْلِ)، وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَوْ الْمُمَاثَلَةُ فِي كُلِّ الصِّفَاتِ. [1]
التَّشْبِيهُ: مِنَ (الشَّبَهِ)، وَهُوَ الْمُشَابَهَةُ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ أَوْ فِي أَكْثَرِهَا، لَكِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُمَاثَلَةُ التَّامَّةُ. [2]
الْقَاعِدَةُ الْجَامِعَةُ (الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ):
نَحْنُ نُثْبِتُ أَنَّ بَيْنَ صِفَاتِ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ "قَدْراً مُشْتَرَكاً" فِي أَصْلِ الْمَعْنَى (كَالْوُجُودِ، وَالْعِلْمِ، وَالْحَيَاةِ)، وَهَذَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ يَكُونُ فِي "الْأَذْهَانِ" لَا فِي "الْأَعْيَانِ". فَإِذَا أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِلَى اللَّهِ صَارَتْ تَخُصُّهُ وَتَلِيقُ بِهِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ لِلْمَخْلُوقِ صَارَتْ تَخُصُّهُ، وَالْمُمَاثَلَةُ الْمَنْفِيَّةُ هِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي "الْحَقِيقَةِ وَالْكَيْفِ".
ثَانِيًا: مَسَالِكُ الطَّوَائِفِ فِي (التَّشْبِيهِ)
مَسْلَكُ النُّفَاةِ (الْمُعَطِّلَةِ): جَعَلُوا كُلَّ "إِثْبَاتٍ" تَشْبِيهاً؛ فَقَالُوا: إِذَا قُلْتُمْ لِلَّهِ "يَدٌ" فَقَدْ شَبَّهْتُمُوهُ بِالْمَخْلُوقِ، فَفَرُّوا مِنَ التَّشْبِيهِ إِلَى التَّعْطِيلِ، فَعَبَدُوا عَدَماً. [3]
مَسْلَكُ الْمُمَثِّلَةِ (الْمُشَبِّهَةِ): غَلَوْا فِي الْإِثْبَاتِ حَتَّى قَالُوا: لَهُ يَدٌ كَيَدِي، وَسَمْعٌ كَسَمْعِي، فَعَبَدُوا صَنَماً.
مَسْلَكُ أَهْلِ السُّنَّةِ: نَفَوْا "التَّمْثِيلَ" (أَيْ الْمُمَاثَلَةَ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ) وَأَثْبَتُوا "الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكَ" فِي أَصْلِ الْمَعْنَى لِيَفْهَمُوا مَا خَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِهِ، مَعَ الْإِيمَانِ بِالْمُبَايَنَةِ التَّامَّةِ فِي الْحَقِيقَةِ.
ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
يُعَدُّ تَأْصِيلُهُ لِـ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" فِي "التَّدْمُرِيَّةِ" أَعْظَمَ مَا كُتِبَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ يَقْتَضِي أَنْ لَا يُفْهَمَ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ، فَلَوْ لَا الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ فِي الْأَسْمَاءِ لَمَا عَقَلَ الْبَشَرُ عَنْ رَبِّهِمْ مَعْنَى الْعِلْمِ أَوْ الرَّحْمَةِ. وَأَكَّدَ أَنَّ "الْمُمَاثَلَةَ" هِيَ الْمَنْفِيَّةُ شَرْعاً {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، أَمَّا "التَّشْبِيهُ" فَلَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ إِنْ أُرِيدَ بِهِ إِثْبَاتُ أَصْلِ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْعَامُّ فَهَذَا حَقٌّ وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِلْفَهْمِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ الْخَالِقِ بِالْمَخْلُوقِ فِي خَصَائِصِهِ فَهَذَا بَاطِلٌ. وَشَدَّدَ عَلَى أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي "الِاسْمِ" لَا يَقْتَضِي الِاتِّفَاقَ فِي "الْحَقِيقَةِ"، فَكَمَا أَنَّ لِلْفِيلِ رِجْلًا وَلِلذَّرَّةِ رِجْلًا، وَلَا تَمَاثُلَ بَيْنَهُمَا، فَخَالِقُ الْجَمِيعِ أَوْلَى بِالْمُبَايَنَةِ عَنْ خَلْقِهِ مَعَ اشْتِرَاكِ مَعْنَى الِاسْمِ.
الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ الْفَرْقَ بَيْنَ "التَّمْثِيلِ" وَ"التَّشْبِيهِ" بِمَنْهَجِيَّةٍ دَقِيقَةٍ؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ الْقُرْآنَ نَفَى "الْمِثْلَ" وَلَمْ يَنْفِ "الشَّبَهَ" بِهَذَا اللَّفْظِ الصَّرِيحِ، لِأَنَّ نَفْيَ الشَّبَهِ مُطْلَقاً يُؤَدِّي إِلَى التَّعْطِيلِ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ "الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكِ" هُوَ مِفْتَاحُ التَّوْحِيدِ الصَّحِيحِ؛ فَنَحْنُ نُشْبِهُ اللَّهَ فِي أَصْلِ مَعْنَى "الْوُجُودِ" لَكِنَّ وُجُودَنَا مَسْبُوقٌ بِعَدَمٍ وَوُجُودُهُ أَزَلِيٌّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ تَشْبِيهٌ فَقَدْ وَقَعَ فِي "تَشْبِيهِ" الرَّبِّ بِالْمَعْدُومَاتِ، وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُ هُوَ "الْإِثْبَاتُ الْمُنَزَّهُ" الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ (الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ) فِي الذِّهْنِ وَبَيْنَ (الْحَقِيقَةِ الْمُعَيَّنَةِ) لِلرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُفَصِّلُ فِي كُتُبِهِ مَسْأَلَةَ "التَّشْبِيهِ الْحَقِّ" الَّذِي هُوَ الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ؛ حَيْثُ يَقُولُ إِنَّ كُلَّ مَوْجُودَيْنِ فَلَا بُدَّ بَيْنَهُمَا مِنْ قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ، وَإِلَّا لَمَا عَقَلْنَا الْآخَرَ. وَيُبَيِّنُ سِنْدِي أَنَّ "التَّمْثِيلَ" هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ، وَهَذَا هُوَ الْمُسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ. وَيَرَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ "التَّشْبِيهِ" بَدَلَ "التَّمْثِيلِ" فِيهِ إِجْمَالٌ، وَأَنَّ السَّلَفَ كَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ لَفْظَ النَّصِّ (التَّمْثِيلِ) لِأَنَّهُ أَدَقُّ. وَيُؤَكِّدُ سِنْدِي أَنَّ إِثْبَاتَ "الِاسْمِ الْعَامِّ" مَثَلًا (الرَّحْمَةِ) هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ لِلْعِبَادَةِ لَذَّةً، فَنَحْنُ نَعْرِفُ مَعْنَى الرَّحْمَةِ، لَكِنَّنَا لَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ رَحْمَةِ اللَّهِ الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَهَذَا هُوَ مَحْضُ الِاتِّبَاعِ.
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "التَّمْثِيلَ" هُوَ الْمُسَاوَاةُ، وَ"التَّشْبِيهَ" هُوَ الْمُقَارَبَةُ. وَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْبِيرَ بِنَفْيِ "التَّمْثِيلِ" أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ، وَلِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مُطْلَقاً قَدْ يُوهِمُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا اشْتِرَاكٌ لَفْظِيٌّ مَعَ الْمَخْلُوقِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَمَاثُلُ الْأَعْيَانِ، وَيَضْرِبُ مَثَلًا بِـ "نَعِيمِ الْجَنَّةِ"؛ فَاللَّهُ سَمَّى فِيهَا "خَمْراً" وَ"لَبَناً" وَ"عَسَلًا"، وَنَحْنُ نَعْرِفُ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّ حَقِيقَةَ مَا فِي الْجَنَّةِ لَا تُشْبِهُ مَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا فِي الِاسْمِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَخْلُوقٍ مَعَ مَخْلُوقٍ، فَكَيْفَ بِالْخَالِقِ مَعَ الْمَخْلُوقِ؟
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُبَيِّنُ أَنَّ "الْمُشَبِّهَةَ" عَبَدُوا صَنَماً، وَ"الْمُعَطِّلَةَ" عَبَدُوا عَدَماً، وَأَهْلُ السُّنَّةِ عَبَدُوا إِلَهاً وَاحِداً صَمَداً مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْكَمَالِ. وَيَرَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ فَرْضٌ لَا يُمْكِنُ إِنْكَارُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَعْنًى مُشْتَرَكٌ لَمَا انْفَهَمَ خِطَابُ الشَّرْعِ. وَأَكَّدَ أَنَّ مَنْ رَمَى أَهْلَ السُّنَّةِ بِالتَّشْبِيهِ لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ الصِّفَاتِ، فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ اللُّغَةِ وَحَقِيقَةَ الرُّبُوبِيَّةِ، فَاللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهِ أَحَدٌ، مَعَ ثُبُوتِ أَصْلِ مَعَانِي هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ "التَّشْبِيهَ" الَّذِي نَفَاهُ السَّلَفُ هُوَ تَمْثِيلُ الرَّبِّ بِالْخَلْقِ، أَمَّا "التَّشَابُهُ" فِي أَصْلِ الِاسْمِ الْعَامِّ فَهُوَ ضَرُورِيٌّ لِتَحْقِيقِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْبُطْلَانَ يَقَعُ إِذَا نُقِلَتْ "خَصَائِصُ" الْمَخْلُوقِ إِلَى الْخَالِقِ. وَيَرَى أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ يَقْطَعُ دَابِرَ الْمُعَطِّلَةِ الَّذِينَ يَفِرُّونَ مِنْ لَفْظِ "الْيَدِ" مَثَلًا حَتَّى لَا يُشَبِّهُوا، فَنَقُولُ لَهُمْ: لَقَدْ أَثْبَتُّمْ "الْوُجُودَ" لِلَّهِ وَالْمَخْلُوقُ مَوْجُودٌ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُشَبِّهَةٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: "وُجُودُ اللَّهِ يَلِيقُ بِهِ"، قُلْنَا لَهُمْ: "وَصِفَاتُهُ أَيْضاً تَلِيقُ بِهِ"، وَهَذَا هُوَ مَحْضُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ.
الحاشية
[1] مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 296)، التعريفات للجرجاني (ص 214).
[2] تاج العروس (مادة شبه)، لسان العرب (13/ 503).
[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْمُعَطِّلَةِ) سَابِقاً؛ وَيُرَادُ بِهِمْ هُنَا مَن نَفَى الصِّفَاتِ بِحُجَّةِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ.
[4] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: التدمرية بشرح ابن عثيمين، وَ شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي.
----------------------&

(الْوَجْهِ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ: التَّسَلْسُلُ - بَيْنَ الِامْتِنَاعِ الْعَقْلِيِّ وَدَوَامِ الْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (التَّسَلْسُلُ)

  1. ​التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ: التَّسَلْسُلُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (السِّلْسِلَةِ)، وَهُوَ اتِّصَالُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ مِثْلَ حَلَقَاتِ السِّلْسِلَةِ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "السِّينُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى اضْطِرَابٍ فِي شَيْءٍ مُتَّصِلٍ". وَيُقْصَدُ بِهِ اصْطِلَاحاً تَرَتُّبُ أُمُورٍ غَيْرِ مُتَنَاهِيَةٍ. [1]
  2. ​أَقْسَامُ التَّسَلْسُلِ (الضَّرُورِيُّ لِلْفَهْمِ):
    • ​تَسَلْسُلُ الْعِلَلِ وَالْفَاعِلِينَ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ لِلْفَاعِلِ فَاعِلٌ، وَلِلْعِلَّةِ عِلَّةٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ. (وَهَذَا بَاطِلٌ مُمْتَنِعٌ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ).
    • ​تَسَلْسُلُ الْآثَارِ (الْحَوَادِثِ): وَهُوَ دَوَامُ فِعْلِ الرَّبِّ فِي الْمَاضِي (حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا) أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (حَوَادِثُ لَا آخِرَ لَهَا كَنَعِيمِ الْجَنَّةِ). [2]

ثَانِيًا: مَسَالِكُ الطَّوَائِفِ فِي (التَّسَلْسُلِ)

  • ​مَسْلَكُ الْمُتَكَلِّمِينَ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ): نَفَوْا التَّسَلْسُلَ فِي الْمَاضِي مُطْلَقاً، وَزَعَمُوا أَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ بِدَايَةٍ، وَبَنَوْا عَلَى ذَلِكَ (دَلِيلَ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ) لِإِثْبَاتِ الصَّانِعِ، مِمَّا اضْطَرَّهُمْ لِنَفْيِ "أَفْعَالِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ" زَعْماً أَنَّهَا حَوَادِثُ، وَالْحَوَادِثُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِحَادِثٍ. [3]
  • ​مَسْلَكُ الْفَلَاسِفَةِ: قَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ "عَيْناً وَصُورَةً" لِيَفِرُّوا مِنْ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ، فَوَقَعُوا فِي قِدَمِ الْمَخْلُوقِ مَعَ الْخَالِقِ.
  • ​مَسْلَكُ أَهْلِ السُّنَّةِ: فَرَّقُوا بَيْنَ (تَسَلْسُلِ الْفَاعِلِينَ) وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبَيْنَ (تَسَلْسُلِ الْأَفْعَالِ) وَهُوَ جَائِزٌ بَلْ وَاجِبٌ لِدَوَامِ جُودِ الرَّبِّ وَكَمَالِهِ.

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ

  1. ​شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): يُعَدُّ تَحْقِيقُهُ لِمَسْأَلَةِ "تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ" فِي "نَقْضِ التَّأْسِيسِ" وَ"مِنْهَاجِ السُّنَّةِ" مِنْ أَدَقِّ التَّحْرِيرَاتِ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "نَوْعَ" أَفْعَالِ اللَّهِ قَدِيمٌ وَإِنْ كَانَتْ "آحَادُهَا" مَخْلُوقَةً مَسْبُوقَةً بِالْعَدَمِ. وَأَكَّدَ أَنَّ الْقَوْلَ بِامْتِنَاعِ "حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا" يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ الرَّبَّ كَانَ مُمْتَنِعاً عَلَيْهِ الْفِعْلُ ثُمَّ انْقَلَبَ إِلَى الْوُجُوبِ بِلَا سَبَبٍ، وَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَقْلًا. وَقَرَّرَ أَنَّ التَّسَلْسُلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (بَقَاءُ الْجَنَّةِ) جَائِزٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَلِمَاذَا يُمْنَعُ فِي الْمَاضِي مَعَ أَنَّ كِلَيْهِمَا تَسَلْسُلٌ؟ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا لَا يَعْنِي "قِدَمَ الْعَالَمِ" كَمَا تَقُولُ الْفَلَاسِفَةُ، لِأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَسْبُوقٌ بَعَدَمِ نَفْسِهِ، لَكِنَّ الرَّبَّ لَمْ يَزَلْ خَالِقاً فَعَّالاً.
  2. ​الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ: حَرَّرَ هَذَا الْوَجْهَ فِي شَرْحِهِ لِلْعَقِيدَةِ الْإِصْفَهَانِيَّةِ وَالْحَمَوِيَّةِ؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ "التَّسَلْسُلَ" لَفْظٌ مُجْمَلٌ أَوْقَعَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي حَيْرَةٍ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ النُّفَاةَ اسْتَخْدَمُوا "بُطْلَانَ التَّسَلْسُلِ" لِنَفْيِ أَنَّ اللَّهَ يَتَكَلَّمُ مَتَى شَاءَ أَوْ يَفْعَلُ مَتَى شَاءَ. وَأَكَّدَ أَنَّ مَوْقِفَ السَّلَفِ يُثْبِتُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفاً بِصِفَاتِ الْفِعْلِ، وَأَنَّ هَذَا التَّسَلْسُلَ فِي الْآثَارِ هُوَ مِنْ كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَلَيْسَ هُوَ التَّسَلْسُلَ الْمُمْتَنِعَ فِي الْعِلَلِ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ الْخَالِقِ. وَيُشَدِّدُ التَّمِيمِيُّ عَلَى أَنَّ دِقَّةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هِيَ الَّتِي حَطَّمَتْ قَوَاعِدَ الْمَنطِقِ الْيُونَانِيِّ الَّذِي جَمَّدَ كَمَالَ الرَّبِّ.
  3. ​الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي: يُفَصِّلُ فِي تَأْصِيلَاتِهِ مَسْأَلَةَ "التَّسَلْسُلِ" بِاعْتِبَارِهَا عَقَبَةً فِي وَجْهِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ أَنَّ إِثْبَاتَ (قِدَمِ النَّوْعِ وَحُدُوثِ الْآحَادِ) هُوَ الْقَوْلُ الْوَسَطُ الَّذِي يَنْجُو بِهِ الْمُسْلِمُ مِن تَنَاقُضَاتِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَيَرَى سِنْدِي أَنَّ "التَّسَلْسُلَ الْمُمْتَنِعَ" هُوَ مَا أَدَّى إِلَى الدَّوْرِ أَوْ الِافْتِقَارِ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ، أَمَّا التَّسَلْسُلُ فِي أَفْعَالِ الرَّبِّ فَمُقْتَضَى اسْمِهِ (الْقَيُّومِ) وَ(الْخَالِقِ). وَيُؤَكِّدُ سِنْدِي أَنَّ مَنْ حَرَّمَ "التَّسَلْسُلَ" فِي الْمَاضِي مُطْلَقاً لَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ (مُعَطَّلاً عَنِ الْفِعْلِ)، وَهَذَا نَقْصٌ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ.
  4. ​الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): أَوْضَحَ أَنَّ "التَّسَلْسُلَ" إِذَا أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ لَهَا خَالِقٌ فَهَذَا مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وَشَرْعاً وَحِسّاً. أَمَّا التَّسَلْسُلُ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ، فَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ فَعَّالاً، وَأَنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ فَقَبْلَهُ مَخْلُوقٌ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ فِي الْمَاضِي (مِنْ جِهَةِ النَّوْعِ)، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي خَالِقِيَّةِ اللَّهِ لِلْجَمِيعِ. وَيَرَى أَنَّ الْقَوْلَ بِبِدَايَةٍ لِلْفِعْلِ الْإِلَهِيِّ هُوَ قَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ الَّذِي حَذَّرَ مِنْهُ السَّلَفُ، وَأَنَّ "الْحَوَادِثَ" الَّتِي يَنْفِيهَا الْمُتَكَلِّمُونَ عَنِ اللَّهِ هِيَ فِي الْحَقِيقَةِ (صِفَاتُ الْكَمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةُ).

  1. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ: يُبَيِّنُ أَنَّ "التَّسَلْسُلَ" مِنَ الْمُصْطَلَحَاتِ الَّتِي أَشْغَلَ بِهَا أَهْلُ الْكَلَامِ أَنْفُسَهُمْ وَصَدُّوا بِهَا عَنِ الْقُرْآنِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يُثْبِتُونَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إِذَا شَاءَ، وَخَالِقاً إِذَا شَاءَ، وَهَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ تَسَلْسُلِ الْأَفْعَالِ. وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ الْقَوْلَ بِامْتِنَاعِ التَّسَلْسُلِ فِي الْمَاضِي كَانَ ذَرِيعَةً لِإِثْبَاتِ (خَلْقِ الْقُرْآنِ) عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْكَلَامَ حَادِثٌ وَلَا بُدَّ لَهُ مِن بِدَايَةٍ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ بِإِثْبَاتِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ بِنَعْتِهِ وَصِفَاتِهِ.
  2. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ: يُقَرِّرُ أَنَّ مَسْأَلَةَ "التَّسَلْسُلِ" هِيَ الْمِفْرَقُ بَيْنَ (الْإِلَهِيِّينَ) وَ(الْمُتَكَلِّمِينَ)؛ فَالْإِلَهِيُّونَ مِن أَهْلِ السُّنَّةِ يُقَدِّسُونَ فِعْلَ الرَّبِّ الدَّائِمَ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ حَصَرُوهُ فِي "بِدَايَةٍ" زَمَنِيَّةٍ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ "التَّسَلْسُلَ فِي الْآثَارِ" لَا يُنَاقِضُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ "الْأَوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ"، لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، لَكِنَّ نَوْعَ الْخَلْقِ مُسْتَمِرٌّ لِكَمَالِ الْخَالِقِ. وَيَرَى أَنَّ فَهْمَ هَذَا الْوَجْهِ يَحْمِي طَالِبَ الْعِلْمِ مِنَ الْوُقُوعِ فِي شِبَاكِ الْمَنطِقِ الَّذِي يُعَطِّلُ صِفَاتِ الْفِعْلِ بِحُجَّةِ "بُطْلَانِ التَّسَلْسُلِ".

الحاشية

  • ​[1] مقاييس اللغة لابن فارس (3/ 93)، تاج العروس (مادة سلسل).
  • ​[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 60)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا (1/ 259).
  • ​[3] تَمَّ تَعْرِيفُ (الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ) سَابِقاً؛ وَيُرَادُ بِمَسْلَكِهِمْ هُنَا: اتِّفَاقُهُمْ عَلَى "بُطْلَانِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا" لِتَقْرِيرِ أَدِلَّتِهِمُ الْكَلَامِيَّةِ.
  • ​[4] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَ شَرْحِ التَّدْمُرِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ.
---------------------------&

الْوَجْهِ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ: 

(الْكَسْبُ - بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّكَلُّفِ الْكَلَامِيِّ)

أَوَّلاً: لَفْظُ (الْكَسْبُ)

التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ:
الْكَسْبُ فِي اللُّغَةِ مِنَ (كَسَبَ)، وَهُوَ طَلَبُ الرِّزْقِ وَالْعَمَلُ وَالِاجْتِهَادُ. يُقَالُ: كَسَبَ فُلَانٌ خَيْراً أَيْ فَعَلَهُ وَاسْتَحَقَّ جَزَاءَهُ. قَالَ ابْنُ فَارِسٍ: "الْكَافُ وَالسِّينُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى ابْتِغَاءِ الشَّيْءِ وَتَحْصِيلِهِ". [1]

الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْكَسْبِ:
عِنْدَ السَّلَفِ: (هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ اللَّتَيْنِ خَلَقَهُمَا اللَّهُ فِيهِ، فَهُوَ فَاعِلٌ لَهُ حَقِيقَةً).

عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ: (هُوَ اقْتِرَانُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ "الْحَادِثَةِ" بِالْفِعْلِ الْمَقْدُورِ "الْمَخْلُوقِ لِلَّهِ" دُونَ أَنْ يَكُونَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرٌ فِي إِيجَادِ الْفِعْلِ). [2]
ثَانِيًا: مَسَالِكُ الطَّوَائِفِ فِي (الْكَسْبِ)
مَسْلَكُ الْجَبْرِيَّةِ: نَفَوْا الْكَسْبَ وَالْفِعْلَ عَنِ الْعَبْدِ تَمَاماً، وَجَعَلُوهُ كَالرِّيشَةِ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ، فَعَطَّلُوا مَسْؤُولِيَّةَ الْإِنْسَانِ.
مَسْلَكُ الْقَدَرِيَّةِ (الْمُعْتَزِلَةِ): قَالُوا إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ اسْتِقْلَالاً، فَجَعَلُوا مَعَ اللَّهِ خَالِقاً آخَرَ.
مَسْلَكُ الْأَشَاعِرَةِ: أَرَادُوا الْوُسُطِيَّةَ فَاخْتَرَعُوا "الْكَسْبَ"، وَقَالُوا: اللَّهُ خَلَقَ الْفِعْلَ وَالْعَبْدُ كَسَبَهُ، وَمَعْنَى الْكَسْبِ عِنْدَهُمْ (مُجَرَّدُ الِاقْتِرَانِ) بَيْنَ إِرَادَةِ الْعَبْدِ وَفِعْلِ اللَّهِ دُونَ تَأْثِيرٍ، وَهَذَا جَبْرٌ فِي حَقِيقَتِهِ لَكِنَّهُمْ سَمَّوهُ كَسْباً. [3]

ثَالِثًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ

شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):

نَقَضَ تَعْرِيفَ الْأَشَاعِرَةِ لِلْكَسْبِ فِي "مِنْهَاجِ السُّنَّةِ" وَ"الرِّسَالَةِ التَّدْمُرِيَّةِ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الْكَسْبَ" الَّذِي يَقُولُونَ بِهِ لَا يَعْقِلُهُ عَقْلٌ وَلَا يُقِرُّهُ شَرْعٌ. فَالِاقْتِرَانُ بَيْنَ الْقُدْرَةِ وَالْمَقْدُورِ دُونَ أَنْ يَكُونَ لِلْقُدْرَةِ أَثَرٌ هُوَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَأَكَّدَ أَنَّ الْقَوْلَ الْحَقَّ هُوَ أَنَّ الْعَبْدَ "فَاعِلٌ حَقِيقَةً"، وَأَنَّ لِقُدْرَتِهِ تَأْثِيراً فِي فِعْلِهِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ.
 فَاللَّهُ خَالِقُ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، وَالْعَبْدُ هُوَ الَّذِي قَامَ بِهِ الْفِعْلُ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ كَسْباً وَعَمَلاً، وَهَذَا هُوَ سِرُّ الْقَدَرِ الَّذِي يَنْفِي الْجَبْرَ وَيَنْفِي التَّفْوِيضَ.

الدُّكْتُورُ الْمُحَقِّقُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
حَرَّرَ مَسْأَلَةَ "الْكَسْبِ" فِي دِرَاسَاتِهِ حَوْلَ (أَفْعَالِ الْعِبَادِ)؛ حَيْثُ نَبَّهَ إِلَى أَنَّ اصْطِلَاحَ الْكَسْبِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ هُوَ "تَلَاعُبٌ بِالْأَلْفَاظِ" لِلْهُرُوبِ مِنْ لَوَازِمِ الْجَبْرِ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ السَّلَفَ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ الْكَسْبِ بِمَعْنَاهُ الْقُرْآنِيِّ {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}، وَهُوَ الْفِعْلُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْقُصْدِ وَالْإِرَادَةِ. وَيُؤَكِّدُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كَسْبَ الْأَشَاعِرَةِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْعَبْدَ مَجْبُوراً فِي ثَوْبِ مُخْتَارٍ، بَيْنَمَا كَسْبُ أَهْلِ السُّنَّةِ يُثْبِتُ لِلْعَبْدِ مَشِيئَةً وَقُدْرَةً هِيَ مَحَلُّ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.

الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الْكَسْبِ" بِاعْتِبَارِهَا مِثَالاً لِلْغُمُوضِ الْكَلَامِيِّ؛ حَيْثُ يُبَيِّنُ فِي شُرُوحِهِ أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا أَثَرَ لِقُدْرَتِهِ فِي فِعْلِهِ فَقَدْ أَبْطَلَ الشَّرَائِعَ. وَيَرَى سِنْدِي أَنَّ "الْكَسْبَ" عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ، وَنَحْنُ نُفَرِّقُ ضَرُورَةً بَيْنَ حَرَكَةِ الْمُرْتَعِشِ (اضْطِرَارٌ) وَحَرَكَةِ الْبَاطِشِ (اخْتِيَارٌ وَكَسْبٌ). وَيُحَذِّرُ سِنْدِي مِن تَقْلِيدِ مَنْ عَرَّفَ الْكَسْبَ بِتَعَارِيفَ مَنْطِقِيَّةٍ تُؤَدِّي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ كَالْآلَةِ، مُؤَكِّداً أَنَّ إِثْبَاتَ سَبَبِيَّةِ الْأَفْعَالِ هُوَ مُقْتَضَى الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ.

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الْكَسْبَ" إِذَا أُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ لَهُ تَأْثِيرٌ فَهَذَا لَيْسَ بِكَسْبٍ حَقِيقَةً. وَبَيَّنَ أَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، وَاللَّهُ خَالِقٌ لَهُ حَقِيقَةً؛ فَالْفِعْلُ لَهُ "خَالِقٌ" وَلَهُ "مُبَاشِرٌ"، وَالْعَبْدُ هُوَ الْمُبَاشِرُ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. وَيَرَى أَنَّ قَوْلَ الْأَشَاعِرَةِ فِي الْكَسْبِ تَنَاقُضٌ، لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ قُدْرَةً لَا أَثَرَ لَهَا، وَهَذَا لَغْوٌ، بَلِ الصَّوَابُ أَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ أَثَراً فِي الْفِعْلِ، لَكِنَّ هَذَا الْأَثَرَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى أَيْضاً.
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ "الْكَسْبِ" الَّذِي تَدَاوَلَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ بَعِيدٌ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ مَعْنَاهُ فِي الْقُرْآنِ. 
وَيُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمْ وَسَطٌ بَيْنَ مَنْ غَلَا فِي إِثْبَاتِ قُدْرَةِ الْعَبْدِ (الْمُعْتَزِلَةِ) وَمَنْ نَفَاهَا (الْجَبْرِيَّةِ). 
وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَسْبِ هِيَ الْعَمَلُ الَّذِي يُحَاسَبُ عَلَيْهِ الْمَرْءُ، وَأَنَّ رَبْطَ الْكَسْبِ بِنَفْيِ السَّبَبِيَّةِ هُوَ انْحِرَافٌ فِي بَابِ الْقَدَرِ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْهُ، فَالْعَبْدُ يَكْسِبُ بِاخْتِيَارِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِفَضْلِهِ.

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ آلُ الشَّيْخِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ "الْكَسْبَ" عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ (عَجْزِ الْبَشَرِ) فِي فَهْمِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِ اللَّهِ لِلْأَفْعَالِ مَعَ مُحَاسَبَةِ الْعَبْدِ عَلَيْهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يَحْتَاجُوا لِهَذَا التَّعْقِيدِ، فَالْقَاعِدَةُ عِنْدَهُمْ أَنَّ (اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) وَمِنْ ذَلِكَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، وَأَنَّ (الْعِبَادَ هُمُ الْفَاعِلُونَ) لِأَفْعَالِهِمْ.
 وَيَرَى أَنَّ الْكَسْبَ بِمَعْنَى الِاقْتِرَانِ الْمَحْضِ هُوَ قَوْلٌ بِالْجَبْرِ الْمُسْتَتِرِ، بَيْنَمَا الْكَسْبُ بِمَعْنَى "الْقِيَامِ بِالْفِعْلِ" هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ وَإِثْبَاتِ الْعَدْلِ الْإِلَهِيِّ.

الحاشية

[1] مقاييس اللغة لابن فارس (5/ 180)، لسان العرب (مادة كسب).
[2] انظر: التعريفات للجرجاني (ص 185)، شرح المواقف للإيجي (ص 320).
[3] أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ (ت 324هـ): هُوَ مَن شَهَرَ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلْكَسْبِ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ، وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ 
وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمْ كَالْبَاقِلَّانِيِّ حَاوَلَ تَطْوِيرَهُ لِيُعْطِيَ لِلْعَبْدِ "تَأْثِيراً فِي الْوَصْفِ" دُونَ "الْأَصْلِ".

[4] تَمَّ الِاعْتِمَادُ فِي تَحْقِيقِ أَقْوَالِ الْمُعَاصِرِينَ عَلَى: شرح الفتوى الحموية لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ، وَ تَسْهِيلِ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي، وَ شَرْحِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ.

-------------------------&
الْمَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
 قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ عِنْدَ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُبْتَدَعِ
(الْمَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي التَّعَامُلِ مَعَ مُجْمَلَاتِ الِاصْطِلَاحِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ
الِاسْتِفْصَالُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ (اسْتَفْصَلَ)، وَهُوَ طَلَبُ الْفَصْلِ وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ. يُقَالُ: فَصَلْتُ الشَّيْءَ فَصْلًا إِذَا بَيَّنْتَهُ وَمَيَّزْتَهُ عَنْ غَيْرِهِ. وَالْمُبْتَدَعُ: هُوَ مَا أُحْدِثَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ، وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ: هُوَ اللَّفْظُ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ إِثْبَاتًا وَلَا نَفْيًا. [1]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ
(هُوَ التَّوَقُّفُ فِي إِطْلَاقِ النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْحَادِثَةِ الْمُجْمَلَةِ، مَعَ طَلَبِ بَيَانِ مَقَاصِدِ قَائِلِهَا؛ فَمَا كَانَ حَقًّا قُبِلَ مَعْنَاهُ وَعُبِّرَ عَنْهُ بِاللَّفْظِ الشَّرْعِيِّ، وَمَا كَانَ بَاطِلًا رُدَّ لَفْظًا وَمَعْنًى). [2]
ثَالِثًا: تَأْصِيلُ الْقَاعِدَةِ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ (عَشَرَةُ نَمَاذِجَ تَقْرِيرِيَّةٍ)
الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت 241هـ): فِي مَسْأَلَةِ "اللَّفْظِ بِالْقُرْآنِ"، أَنْكَرَ عَلَى مَنْ قَالَ "لَفْظِي بِالْقُرْآنِ مَخْلُوقٌ" وَعَلَى مَنْ قَالَ "غَيْرُ مَخْلُوقٍ"، وَأَمَرَ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، سَدًّا لِذَرِيعَةِ الْإِجْمَالِ. [3]
الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ (ت 204هـ): كَانَ يَنْهَى عَنِ الْخَوْضِ فِي أَلْفَاظِ الْكَلَامِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْهَا الصَّحَابَةُ، وَيَقُولُ: "لَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ -عَدَا الشِّرْكَ- خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْكَلَامِ". [4]
الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (ت 179هـ): فِي قَاعِدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الِاسْتِوَاءِ: "الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ"، فَقَدْ أَثْبَتَ الْمَعْنَى وَنَفَى عِلْمَ الْكَيْفِيَّةِ، وَهُوَ جَوْهَرُ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ لَوَازِمِ التَّشْبِيهِ. [5]
نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ الْخُزَاعِيُّ (ت 228هـ): بَيَّنَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ لَا تُسَمَّى تَشْبِيهًا، فَنَفَى اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ "التَّشْبِيهَ" عَنِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ. [6]
أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ (ت 150هـ): فِي رَدِّهِ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْفَوْقِيَّةَ، اسْتَفْصَلَ عَنْ مَعْنَى الْإِنْكَارِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى تَعْطِيلِ الْخَالِقِ. [7]
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ (ت 181هـ): لَمَّا سُئِلَ: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ قَالَ: "بِأَنَّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ"، فَاسْتَعْمَلَ لَفْظَ "بَائِنٌ" لِتَفْصِيلِ مَعْنَى الْمُبَايَنَةِ ضِدَّ الْحُلُولِ. [8]
الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ (ت 264هـ): كَانَ يَزْجُرُ عَنِ السُّؤَالِ بِـ "كَيْفَ" فِي الصِّفَاتِ، لِأَنَّ "كَيْفَ" طَلَبٌ لِلْمَجْهُولِ الْمُمْتَنِعِ عِلْمُهُ، وَهَذَا مِنَ التَّوَقُّفِ عَنِ الْمُجْمَلِ. [9]
الْإِمَامُ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ (ت 277هـ): جَعَلَ عَلامَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ "الْوَقِيعَةَ فِي أَهْلِ الْأَثَرِ" بِتَلْقِيبِهِمْ بِالْمُشَبِّهَةِ، فَرَدَّ اللَّقَبَ الْمُجْمَلَ لِثُبُوتِ الْمَعْنَى الْحَقِّ. [10]
عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): فِي نَقْضِهِ عَلَى الْمِرِّيسِيِّ، كَانَ يَسْتَفْصِلُ فِي مَعَانِي "الْحَيِّزِ" وَ"الْحَرَكَةِ" لِيُبْطِلَ تَمْوِيهَاتِ الْجَهْمِيَّةِ. [11]
أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ (ت 371هـ): فِي "اعْتِقَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ"، قَرَّرَ مَنْهَجَ الْإِمْرَارِ لِلنُّصُوصِ كَمَا جَاءَتْ مَعَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ قَاعِدَةِ الِاسْتِفْصَالِ. [12]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
قَرَّرَ أَنَّ "الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا وَلَا تُرَدُّ مُطْلَقًا"، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الِاسْتِفْصَالِ عَنْ مَعَانِيهَا. وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ نَفَى "الْجِسْمَ" مَثَلًا فَقَدْ يَنْفِي مَعَهُ الصِّفَاتِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ فَقَدْ يُرِيدُ التَّمْثِيلَ، فَالطَّرِيقُ هُوَ رَدُّ اللَّفْظِ الْحَادِثِ وَبَيَانُ الْمَعْنَى الْحَقِّ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ. [13]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
يَرَى أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ هُوَ "مِفْتَاحُ النَّجَاةِ" فِي بَابِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ النُّفَاةَ يَتَسَتَّرُونَ خَلْفَ "النَّفْيِ الْمُجْمَلِ" (كَنَفْيِ التَّشْبِيهِ) لِيَصِلُوا إِلَى "التَّعْطِيلِ الْمُحَقَّقِ". وَيُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ تَكْشِفُ التَّنَاقُضَ الْكَلَامِيَّ وَتُعِيدُ الْأُمُورَ إِلَى نِصَابِهَا الشَّرْعِيِّ. [14]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُؤَصِّلُ لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ بِاعْتِبَارِهَا "تَوْقِيفِيَّةً" فِي الْأَلْفَاظِ، إِذْ لَا يَجُوزُ اسْتِبْدَالُ أَلْفَاظِ الْوَحْيِ بِأَلْفَاظِ الْفَلْسَفَةِ. وَيُدَقِّقُ فِي أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ يَجِبُ أَنْ يَتْبَعَهُ "تَصْحِيحُ التَّعْبِيرِ"، فَلَا نَكْتَفِي بِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الْحَقِّ، بَلْ نُلْزِمُ الْمُتَكَلِّمَ بِالرُّجُوعِ لِلَّفْظِ الشَّرْعِيِّ الْبَيِّنِ. [15]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
أَوْضَحَ أَنَّ "الِاسْتِفْصَالَ" هُوَ الْمَنْهَجُ الْعَدْلُ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ قَدْ يَتَضَمَّنُ حَقًّا وَبَاطِلًا، فَرَدُّهُ بِالْكُلِّيَّةِ رَدٌّ لِلْحَقِّ، وَقَبُولُهُ بِالْكُلِّيَّةِ قَبُولٌ لِلْبَاطِلِ. فَالْوَاجِبُ التَّفْصِيلُ لِيَتَمَيَّزَ هَذَا مِنْ ذَاكَ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْعِلْمِ وَالْأَمَانَةِ. [16]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُحَذِّرُ مِنَ الِانْخِدَاعِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُنَمَّقَةِ الَّتِي أَدْخَلَهَا أَهْلُ الْكَلَامِ، وَيَرَى أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "مُسْتَفْصِلًا" لَا "مُقَلِّدًا". وَيُبَيِّنُ أَنَّ السَّلَفَ مَا نَفَوْا لَفْظًا إِلَّا لِأَنَّهُ يُوهِمُ نَقْصًا، وَمَا أَمَرُوا بِالِاسْتِفْصَالِ إِلَّا لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ كَلَامِهِمْ. [17]

الْحَاشِيَةُ 

[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (4/ 504)، التَّعْرِيفَاتُ لِلْجُرْجَانِيِّ (ص 10).
[2] التَّدْمُرِيَّةُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ص 65).
[3] أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ.
[4] الشَّافِعِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، صَاحِبُ الْمَذْهَبِ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي.
[5] مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: إِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي.
[6] نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ: هُوَ الْخُزَاعِيُّ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، مِنْ كِبَارِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، مَاتَ فِي سِجْنِ الْفِتْنَةِ سَنَةَ 228هـ.
[7] أَبُو حَنِيفَةَ: النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ، إِمَامُ الرَّأْيِ وَالْفِقْهِ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي الْمَبْحَثِ الثَّانِي.
[8] عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ، عَالِمُ خُرَاسَانَ، جَمَعَ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْجِهَادِ وَالزُّهْدِ.
[9] أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، إِمَامُ الْحِفْظِ وَالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ.
[10] أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، رَفِيقُ أَبِي زُرْعَةَ وَمِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ.
[11] عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: صَاحِبُ "النَّقْضِ عَلَى الْمِرِّيسِيِّ"، كَانَ سَيْفًا عَلَى الْجَهْمِيَّةِ.
[12] أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، صَاحِبُ "الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى الصَّحِيحِ".
[13] الْجَهْمِيَّةُ: تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا فِي الْمَبْحَثِ الرَّابِعِ، وَهِيَ الْفِرْقَةُ الَّتِي نَفَتِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءَ.
[14] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 112).
[15] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 45).
[16] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 215).
[17] تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الرَّسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ لِصَالِحٍ الْفَوْزَانِ (ص 88).
-----------------------&
الْمَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: التَّفْصِيلُ فِي الْمَعْنَى لَا فِي اللَّفْظِ
(عِلَّةُ التَّوَقُّفِ فِي إِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ
التَّفْصِيلُ: مَصْدَرُ (فَصَّلَ)، وَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ فُصُولاً وَأَجْزَاءً مُتَمَيِّزَةً، وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ: بَيَانُ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ مِنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ. أَمَّا (اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ): فَهُوَ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دَلَالَتُهُ، أَوْ مَا احْتَمَلَ مَعَانِيَ مُتَعَدِّدَةً بَعْضُهَا صَحِيحٌ وَبَعْضُهَا فَاسِدٌ. [1]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ
(هُوَ تَقْرِيرُ الْحَقَائِقِ الْعَقَدِيَّةِ بِأَلْفَاظِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، مَعَ مَنْعِ التَّعْبِيرِ بِالْأَلْفَاظِ الْحَادِثَةِ نَفْياً أَوْ إِثْبَاتاً؛ لِاسْتِلْزَامِهَا لَوَازِمَ بَاطِلَةً، أَوْ لِكَوْنِهَا مَنَاطاً لِلَّبْسِ وَالتَّلْبِيسِ). [2]
ثَالِثًا: عِلَلُ التَّوَقُّفِ فِي إِطْلَاقِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ (عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَعْلِيلِيَّةٍ مِنْ فِعْلِ السَّلَفِ)
صِيَانَةُ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ: كَانَ السَّلَفُ يَتَوَقَّفُونَ تَعْظِيماً لِلْقُرْآنِ؛ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ (ت 68هـ) حِينَمَا أَنْكَرَ عَلَى مَنْ يَصِفُ اللَّهَ بِمَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ، لِأَنَّ اللَّفْظَ الشَّرْعِيَّ مَعْصُومٌ وَالْحَادِثَ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ. [3]
دَفْعُ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ: التَّوَقُّفُ فِي نَفْيِ "الْجِسْمِ" مَثَلاً عِلَّتُهُ أَنَّ النَّافِيَ قَدْ يَقْصِدُ نَفْيَ الذَّاتِ، كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ (ت 241هـ) فِي "الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ". [4]
تَجَنُّبُ لَوَازِمِ التَّعْطِيلِ: كَثِيرٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ خَلْفَهَا سُمُومٌ؛ فَالْجَهْمِيَّةُ سَمَّوُا الصِّفَاتِ "أَعْرَاضاً" لِيَنْفُوهَا، فَتَوَقَّفَ السَّلَفُ فِي اللَّفْظِ لِإِبْطَالِ هَذَا اللَّازِمِ.
قَطْعُ الطَّرِيقِ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ: التَّفْصِيلُ يُبْرِزُ مَقَاصِدَ الْمُبْتَدِعَةِ؛ فَلَوْ أُطْلِقَ اللَّفْظُ لَرَاجَ بَاطِلُهُمْ، وَقَدْ كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ (ت 157هـ) يَقُولُ: "عَلَيْكَ بِآثَارِ مَنْ سَلَفَ وَإِنْ رَفَضَكَ النَّاسُ". [5]
مَنْعُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ الْبَاطِلِ: اللَّفْظُ الْمُجْمَلُ قَدْ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ بِوَجْهٍ لَا يَلِيقُ، فَتَوَقَّفُوا لِتَحْقِيقِ الْمُبَايَنَةِ.
عَدَمُ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ: لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، وَالْأَلْفَاظُ الْحَادِثَةُ لَيْسَ عِنْدَنَا فِيهَا عِلْمٌ مِنَ الْوَحْيِ.
سَدُّ ذَرِيعَةِ التَّحْرِيفِ: مِثْلُ لَفْظِ "الْحَيِّزِ" وَ"الْجِهَةِ"، فَلَوْ أُثْبِتَتْ لَحُرِّفَ مَعْنَى الْعُلُوِّ إِلَى مَعَانٍ مَادِيَّةٍ بَشَرِيَّةٍ.
الْحِفَاظُ عَلَى وِحْدَةِ الْمُصْطَلَحِ الْعَقَدِيِّ: حَتَّى لَا تَتَفَرَّقَ الْأُمَّةُ بِأَلْفَاظٍ فَلْسَفِيَّةٍ لَا أَصْلَ لَهَا، كَمَا حَذَّرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ (ت 161هـ). [6]
كَشْفُ تَلْبِيسِ الْمُبْطِلِينَ: كَمَا فَعَلَ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ) فِي اسْتِفْصَالِهِ عَنْ لَفْظِ "الْحَدِّ"، لِيُبَيِّنَ أَنَّ اللَّهَ مُبَايِنٌ لِخَلْقِهِ لَا مُنْدَمِجٌ فِيهِمْ. [7]
تَحْقِيقُ مَقَامِ الْعُبُودِيَّةِ: لِأَنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى (التَّسْلِيمِ)، وَالْخَوْضُ فِي الْمُجْمَلَاتِ يُنَافِي كَمَالَ التَّسْلِيمِ.
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ 
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَكَّدَ أَنَّ "التَّوَقُّفَ فِي اللَّفْظِ" عِلَّتُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَعْرُوفٌ فِي الشَّرْعِ، وَأَنَّ الِاسْتِفْصَالَ هُوَ الطَّرِيقُ لِتَمْيِيزِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ. وَبَيَّنَ فِي "التَّدْمُرِيَّةِ" أَنَّ النُّفَاةَ يَبْنُونَ مَذَاهِبَهُمْ عَلَى أَلْفَاظٍ مُوهِمَةٍ؛ فَإِذَا أُجِيبُوا بِالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ كَسَبُوا، وَإِذَا أُجِيبُوا بِالْإِثْبَاتِ الْمُجْمَلِ كَسَبُوا، فَلَا يُكْسَرُونَ إِلَّا بِالتَّفْصِيلِ. [8]
----------------؛؛؛؛&
الْمَبْحَثُ السَّادِسُ عَشَرَ: مَنْهَجُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي تَعْرِيَةِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ
(تَحْقِيقٌ مِنْ خِلَالِ كِتَابِهِ: دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ
تَعْرِيَةٌ: مَصْدَرُ (عَرَّى)، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنْ (عَرِيَ) الشَّيْءُ يَعْرَى عُرْياً إِذَا تَجَرَّدَ مِنْ ثِيَابِهِ. وَالتَّعْرِيَةُ لُغَةً تَعْنِي كَشْفَ الْمُسْتُورِ، يُقَالُ: "عَرَّى الْجُرْحَ" إِذَا كَشَفَ عَنْهُ لِيُدَاوِيَهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ التَّيْمِيِّ: هِيَ "الْمُكَاشَفَةُ الْبَيَانِيَّةُ" لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ لِتَجْرِيدِهَا مِنَ التَّلْبِيسِ الْمَنْطِقِيِّ الَّذِي يَسْتُرُ مَعَانِيَ التَّعْطِيلِ. [1]
تَعَارُضٌ: مِنَ (الْعَرْضِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَهُوَ مَا اعْتَرَضَ فِي الطَّرِيقِ مِمَّا يَمْنَعُ النُّفُوذَ. وَالتَّعَارُضُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ: تَقَابُلُهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نُفُوذَ الْآخَرِ. وَفِي مَنْهَجِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ: هُوَ "تَعَارُضٌ وَهْمِيٌّ" يَقُومُ فِي ذِهْنِ النَّاظِرِ لَا فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ، بِسَبَبِ غُمُوضِ اللَّفْظِ أَوْ فَسَادِ الْعَقْلِ. [2]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمَنْهَجِ التَّيْمِيِّ فِي التَّعْرِيَةِ
(هُوَ مَسْلَكٌ نَقْدِيٌّ اسْتِقْرَائِيٌّ يَقُومُ عَلَى "تَفْكِيكِ" الْأَلْفَاظِ الَّتِي يَدَّعِي النُّفَاةُ أَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ ظَاهِرَهَا الشَّرْعِيَّ، ثُمَّ تَبْيِينِ أَنَّ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ مِنَ الْبَاطِلِ مَنْفِيٌّ عَنِ اللَّهِ بِالشَّرْعِ وَالْعَقْلِ، وَمَا يَحْتَمِلُهُ مِنَ الْحَقِّ لَا يَمْنَعُهُ عَقْلٌ صَرِيحٌ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَعْرِيَةِ التَّعَارُضِ وَهَدْمِهِ مِنْ أَصْلِهِ). [3]
ثَالِثًا: رَكائِزُ مَنْهَجِ التَّعْرِيَةِ فِي "الدَّرْءِ" (عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَفْصِيلِيَّةٍ)
وَجْهُ "تَحْرِيرِ مَحَلِّ النِّزَاعِ": يَرَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ أَغْلَبَ الْخِلَافِ نَاتِجٌ عَنْ عَدَمِ ضَبْطِ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ؛ فَإِذَا عُرِّيَ اللَّفْظُ عَنِ الْإِجْمَالِ، ظَهَرَ أَنَّ النِّزَاعَ لَفْظِيٌّ فِي غَالِبِهِ.
وَجْهُ "التَّقْسِيمِ وَالسَّبْرِ": عِنْدَ ورود لَفْظِ "الْجِسْمِ"، لَا يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (نَعَمْ) أَوْ (لَا)، بَلْ يُقَسِّمُهُ لُغَةً وَعَقْلاً إِلَى مَعَانٍ، فَيُعَرِّي كُلَّ قِسْمٍ عَلَى حِدَةٍ حَتَّى لَا يَبْقَى لِلْمُبْطِلِ مَهْرَبٌ. [4]
وَجْهُ "بَيَانِ دَخَالَةِ الِاصْطِلَاحِ": يُعَرِّي الْأَلْفَاظَ بِإِثْبَاتِ أَنَّهَا "أَعْجَمِيَّةُ الْأَصْلِ" (يُونَانِيَّةٌ)، دَخَلَتْ عَلَى اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بَعْدَ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُحَاكَمَ إِلَيْهَا نُصُوصُ الْوَحْيِ.
وَجْهُ "الْإِلْزَامِ بِالْمُتَمَاثِلَاتِ": عَرَّى مَنْهَجَ النُّفَاةِ بِأَنَّهُمْ إِذَا نَفَوْا لَفْظاً لِعِلَّةٍ، لَزِمَهُمْ نَفْيُ مَا هُوَ مِثْلُهُ مِمَّا أَثْبَتُوهُ، وَهَذَا مِنَ التَّعْرِيَةِ بِالتَّنَاقُضِ.
وَجْهُ "كَشْفِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ": بَيَّنَ أَنَّ كَلِمَةً مِثْلَ "التَّرْكِيبِ" تَحْمِلُ مَعْنًى حَقًّا (الِاتِّصَافَ) وَمَعْنًى بَاطِلاً (الِافْتِقَارَ)، وَتَعْرِيَتُهَا تَكُونُ بِفَصْلِ الْحَقِّ عَنِ الْبَاطِلِ. [5]
وَجْهُ "قَلْبِ الدَّلِيلِ": يَعْمِدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ إِلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ لِلْخَصْمِ، فَيُعَرِّيهِ حَتَّى يَجْعَلَهُ دَلِيلاً عَلَى "الْإِثْبَاتِ" لَا عَلَى "النَّفْيِ".
وَجْهُ "بَيَانِ فَسَادِ الِاشْتِقَاقِ": حَيْثُ يُثْبِتُ أَنَّ بَعْضَ أَلْفَاظِ النُّفَاةِ لَا أَصْلَ لَهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، بَلْ هِيَ تَعْرِيفَاتٌ "مُخْتَرَعَةٌ" لِتَخْدِمَ غَرَضَهُمْ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ.
وَجْهُ "الْمُحَاكَمَةِ إِلَى الْفِطْرَةِ": يُعَرِّي تَعْقِيدَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ بِعَرْضِهَا عَلَى "الْعَقْلِ الْفِطْرِيِّ" الْبَسِيطِ، الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الْمَوْجُودَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفاً.
وَجْهُ "كَشْفِ التَّلْقِيبِ": عَرَّى مَسْلَكَهُمْ فِي تَنْفِيرِ النَّاسِ عَنِ الْحَقِّ بِتَلْقِيبِهِ بِأَلْقَابٍ مِثْلِ (الْحَشْوِيَّةِ) وَ(الْمُشَبِّهَةِ)، بِنَاءً عَلَى أَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ. [6]
وَجْهُ "إِثْبَاتِ كَمَالِ الْبَيَانِ النَّبَوِيِّ": فَمِنْ خِلَالِ تَعْرِيَةِ الْمُجْمَلَاتِ، يُثْبِتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَتْرُكِ الْأُمَّةَ تَائِهَةً فِي الْأَلْفَاظِ، بَلْ جَاءَ بِالْبَيَانِ الشَّافِي.
رَابِعًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ فِي مَنْهَجِ التَّعْرِيَةِ
(أ) الْقُدَامَى:
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
هُوَ "الْمُؤَسِّسُ" لِمَدْرَسَةِ التَّعْرِيَةِ؛ فَقَدْ تَبَعَ "بِشْراً الْمِرِّيسِيَّ" فِي أَلْفَاظِهِ نَقْضاً نَقْضاً، وَبَيَّنَ أَنَّ دَعْوَى النَّفْيِ بِنَاءً عَلَى اللُّغَةِ هِيَ (دَعْوَى جَاهِلٍ بِلِسَانِ الْعَرَبِ)، وَقَرَّرَ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَنْ نَصِفَ اللَّهَ بِمَا نَطَقَ بِهِ الْقُرْآنُ عَيْنُ الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ. [7]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
يُقَرِّرُ فِي (دَرْءِ التَّعَارُضِ) أَنَّ "اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ هُوَ جُحْرُ كُلِّ بَاطِلٍ"، وَأَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ هُوَ (الِاسْتِفْصَالُ) الَّذِي يَعْنِي (تَعْرِيَةَ الْمَقْصِدِ). وَبَيَّنَ أَنَّ كُلَّ تَعَارُضٍ يَدَّعِيهِ الْفَلَاسِفَةُ بَيْنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، يَنْقَطِعُ عِنْدَ "تَحْرِيرِ الْمُرَادِ بِاللَّفْظِ". [8]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
يُؤَكِّدُ فِي (نُونِيَّتِهِ) وَ(صَوَاعِقِهِ) أَنَّ "الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ" هِيَ أَصْلُ ضَلَالِ فِرَقِ بَنِي آدَمَ. وَيَرَى أَنَّ تَعْرِيَةَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ هِيَ (الْفَتْحُ الْمُبِينُ) الَّذِي مَكَّنَ أَهْلَ السُّنَّةِ مِنْ هَدْمِ حُصُونِ الْجَهْمِيَّةِ بِأَسْلِحَتِهِمُ الْعَقْلِيَّةِ نَفْسِهَا. [9]
(ب) الْمُعَاصِرُونَ:
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يَقُولُ: "إِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي (الدَّرْءِ) قَدْ غَاصَ فِي بَحْرِ الْأَلْفَاظِ حَتَّى اسْتَخْرَجَ زَيْفَهَا". وَيَرَى أَنَّ التَّعْرِيَةَ التَّيْمِيَّةَ لَا تَكْتَفِي بِالرَّدِّ، بَلْ "تَنْسِفُ" الْقَاعِدَةَ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا التَّعْطِيلُ نَسْفاً، فَلَا يَبْقَى لِلْمُعَطِّلِ بَعْدَهَا حُجَّةٌ يَقُومُ بِهَا. [10]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُصَرِّحُ بِأَنَّ مَنْهَجَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي تَعْرِيَةِ الْمُجْمَلَاتِ هُوَ "الْجِهَادُ الْعِلْمِيُّ" الْأَكْبَرُ؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ (النِّفَاقَ الِاعْتِقَادِيَّ) لِمَنْ يُظْهِرُ تَعْظِيمَ الْعَقْلِ وَيُبْطِنُ نَفْيَ الْخَالِقِ. وَيُثْنِي الْفَوْزَانُ عَلَى دِقَّةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي مَعْرِفَةِ اصْطِلَاحَاتِ الْفِرَقِ وَتَعْرِيَتِهَا مِنَ الدَّاخِلِ. [11]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يَرَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ كَانَ "سَيْفاً مُصْلَتاً" عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ، وَأَنَّ مَنْهَجَهُ فِي (الدَّرْءِ) هُوَ الَّذِي عَلَّمَ أَهْلَ الْحَدِيثِ كَيْفَ يُخَاطِبُونَ أَهْلَ الْمَنْطِقِ بِلُغَتِهِمْ بَعْدَ تَعْرِيَتِهَا، فَلَا يَصِيرُونَ لُقْمَةً سَائِغَةً لِشُبَهِهِمْ. [12]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
يُفَصِّلُ فِي كَوْنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ "مُجَدِّداً" لِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ؛ حَيْثُ جَعَلَ التَّعْرِيَةَ (عِلْماً مُسْتَقِلًّا) يَبْحَثُ فِي تَارِيخِ اللَّفْظِ وَدَلَالَتِهِ. وَيَرَى آلُ الشَّيْخِ أَنَّ تَعْرِيَةَ (الْقَانُونِ الْكُلِّيِّ) فِي الدَّرْءِ هِيَ أَعْظَمُ عَمَلٍ فِكْرِيٍّ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ. [13]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ):
يُبَيِّنُ فِي أَبْحَاثِهِ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ اسْتَخْدَمَ مَنْهَجَ "الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ" لِتَعْرِيَةِ الْمُجْمَلَاتِ؛ حَيْثُ كَانَ يَتَّبِعُ اللَّفْظَ فِي كُتُبِ جَمِيعِ الْفِرَقِ، لِيُثْبِتَ أَنَّهُمْ مُضْطَرِبُونَ فِي فَهْمِهِ، وَأَنَّ الْوَحِيدَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ اللَّفْظُ الشَّرْعِيُّ. [14]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ):
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "التَّحْلِيلِ الدَّلَالِيِّ" عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ؛ حَيْثُ يَرَى أَنَّ تَعْرِيَةَ الْمُجْمَلَاتِ تَمُرُّ عَبْرَ هَدْمِ (الْقِيَاسَاتِ الشُّمُولِيَّةِ) الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا النُّفَاةُ بَاطِلَهُمْ. وَيُشِيدُ سِنْدِي بِمَنَاعَةِ هَذَا الْمَنْهَجِ ضِدَّ الشُّبُهَاتِ الْمُعَاصِرَةِ. [15]
الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ الْمُوَسَّعَةُ (الْمَصَادِرُ، الْأَعْلَامُ، الْفِرَقُ)
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (4/ 207-209)، لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (15/ 53).
[2] الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ الْأَصْفَهَانِيِّ (ص 335)، تَاجُ الْعَرُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ (مَادَّةُ عَرَضَ).
[3] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 4)، تَحْقِيقُ رَشَادٍ سَالِمٍ.
[4] عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: هُوَ الْإِمَامُ أَبُو سَعِيدٍ السِّجِسْتَانِيُّ، صَاحِبُ "الْمُسْنَدِ" وَ"الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ"، كَانَ شَجًى فِي حُلُوقِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
[5] الْجَهْمِيَّةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ إِلَى الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت 128هـ)، نَفَوْا جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَجَعَلُوا الْقُرْآنَ مَخْلُوقاً.
[6] الْمُعْتَزِلَةُ: فِرْقَةٌ اعْتَمَدَتِ الْعَقْلَ أَصْلاً، نَفَوْا الصِّفَاتِ بِحُجَّةِ (التَّوْحِيدِ) وَنَفْيِ التَّعَدُّدِ، وَاسْتَعْمَلُوا لَفْظَ "التَّرْكِيبِ" تَعْرِيَةً لِلْإِثْبَاتِ.
[7] الرَّدُّ عَلَى الْبِشْرِ الْمِرِّيسِيِّ لِلدَّارِمِيِّ (ص 45)، تَحْقِيقُ الْفِقِيِّ.
[8] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (1/ 230-235).
[9] الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ لِابْنِ الْقَيِّمِ (2/ 414-416).
[10] تَفْسِيرُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 112).
[11] تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الرَّسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ لِصَالِحٍ الْفَوْزَانِ (ص 98).
[12] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ مِنْ كُتُبِ وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (2/ 210).
[13] شَرْحُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الثَّالِثُ).
[14] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 112-115).
[15] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 52-58)، رِسَالَةُ دُكْتُورَاه.
[16] الْأَشَاعِرَةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي مَرْحَلَتِهِ الثَّانِيَةِ، أَثْبَتُوا سَبْعَ صِفَاتٍ وَأَوَّلُوا الْبَاقِي بِنَاءً عَلَى "الْعَقْلِ الْمُجْمَلِ".

الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
يُوَضِّحُ أَنَّ عِلَّةَ التَّوَقُّفِ عِنْدَ السَّلَفِ هِيَ "عَدَمُ الْمُخَاطَرَةِ بِالْعَقِيدَةِ" فِي مَتَاهَاتِ الْمَنْطِقِ. وَيَرَى أَنَّ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ (الْعُمْلَةِ الْمُزَيَّفَةِ) الَّتِي يَمْتَزِجُ فِيهَا الذَّهَبُ بِالنُّحَاسِ، فَالِاسْتِفْصَالُ هُوَ "الْمِحَكُّ" الَّذِي يُبَيِّنُ جَوْدَتَهَا مِنْ رَدَاءَتِهَا. [9]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُقَرِّرُ أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ هِيَ "جُحُورٌ" يَخْتَبِئُ فِيهَا أَهْلُ الْبِدَعِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ التَّوَقُّفَ فِيهَا وَاجِبٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أَلْفَاظاً (تَوْقِيفِيَّةً)، وَأَنَّ الْعَدْلَ يَقْتَضِي أَنْ نَقْبَلَ مَا فِيهَا مِنْ حَقٍّ وَنَرُدَّ مَا فِيهَا مِنْ بَاطِلٍ، مَعَ تَرْكِ اللَّفْظِ نَفْسِهِ لِعَدَمِ أَمَانِهِ. [10]

الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يَقُولُ: "إِنَّنَا لَا نُثْبِتُ اللَّفْظَ لِئَلَّا نَقَعَ فِي التَّمْثِيلِ، وَلَا نَنْفِيهِ لِئَلَّا نَقَعَ فِي التَّعْطِيلِ". فَالْعِلَّةُ عِنْدَهُ هِيَ (الْحَذَرُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ الذَّمِيمَيْنِ)، وَأَنَّ السَّلَامَةَ فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ الْوَحْيُ لَفْظاً وَمَعْنًى. [11]

الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يُشَدِّدُ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ مَنْعِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ هِيَ (الْفِتْنَةُ)؛ لِأَنَّهَا تُشَوِّشُ عَلَى الْعَامَّةِ وَتُدْخِلُ فِيهِمُ الشُّكُوكَ. وَيَرَى أَنَّ الْبَيَانَ النَّبَوِيَّ جَاءَ بِأَفْصَحِ كَلَامٍ وَأَوْضَحِهِ، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ فَهُوَ "فُضُولٌ" لَا حَاجَةَ لِلْمُسْلِمِ بِهِ فِي تَحْقِيقِ إِيمَانِهِ. [12]
----------:-::-----
الْحَاشِيَةُ 

[1] لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (11/ 521)، الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 189).
[2] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (12/ 114).
[3] ابْنُ عَبَّاسٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ.
[4] أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ، وَكِتَابُهُ "الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ" أَصْلٌ فِي هَذَا الْبَابِ.
[5] الْأَوْزَاعِيُّ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو، إِمَامُ أَهْلِ الشَّامِ، تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ.
[6] سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ.
[7] عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: تَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ كَصَاحِبِ رَدٍّ عَلَى الْبِشْرِ الْمِرِّيسِيِّ.
[8] التَّدْمُرِيَّةُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ص 71-72).
[9] شَرْحُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 156).
[10] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 34).
[11] الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى لِابْنِ عُثَيْمِينَ (قَاعِدَةُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ).
[12] إِرْشَادُ الْعِبَادِ إِلَى مَعَانِي لَمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِصَالِحٍ الْفَوْزَانِ (ص 44).
[13] الْجَهْمِيَّةُ: تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا؛ وَيُقْصَدُ بِهِمْ هُنَا مَنِ اسْتَعْمَلُوا لَفْظَ "الْعَرَضِ" لِنَفْيِ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ.
---------------------------&
الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ عَشَرَ:
 السُّؤَالُ بِـ (مَاذَا تَقْصِدُ؟)
(نَقْضُ الِاحْتِجَاجِ اللُّغَوِيِّ عَلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ
(مَاذَا): اسْمُ اسْتِفْهَامٍ يُسْتَفْهَمُ بِهِ عَنْ غَيْرِ الْعَاقِلِ أَوْ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ. (تَقْصِدُ): مِنَ (الْقَصْدِ)، وَهُوَ التَّوَجُّهُ وَاعْتِمَادُ الشَّيْءِ بِالْقَلْبِ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ: هُوَ اسْتِنْطَاقُ الْمُتَكَلِّمِ بِالْأَلْفَاظِ الْمُوهِمَةِ لِيُفْصِحَ عَنْ مَعْنَاهُ الْبَاطِنِ الَّذِي يُرِيدُ تَمْرِيرَهُ بِلِبَاسِ اللُّغَةِ. [1]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ
(هُوَ مَنْهَجٌ جَدَلِيٌّ شَرْعِيٌّ يَهْدِفُ إِلَى كَشْفِ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ فِي أَلْفَاظِ النُّفَاةِ، وَإِلْزَامِهِمْ بِبَيَانِ الْمُرَادِ لِإِبْطَالِ دَعْوَى الِاسْتِحَالَةِ اللَّغَوِيَّةِ فِي حَقِّ صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ). [2]
ثَالِثًا: كَيْفَ يَهْدِمُ السُّؤَالُ بِـ (مَاذَا تَقْصِدُ) احْتِجَاجَهُمْ؟ (عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَقْرِيرِيَّةٍ)
كَشْفُ (دَعْوَى التَّجَسُّمِ): إِذَا قَالُوا: "إِثْبَاتُ الْيَدِ لُغَةً يَقْتَضِي الْجِسْمِيَّةَ"، نَقُولُ: مَاذَا تَقْصِدُ بِالْجِسْمِ؟ إِنْ قَصَدْتَ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ بِالصِّفَاتِ فَهَذَا حَقٌّ وَلَا يُمْنَعُ، وَإِنْ قَصَدْتَ الْمُرَكَّبَ مِنَ الدَّمِ وَالْعَظْمِ فَهَذَا مَنْفِيٌّ، وَاللُّغَةُ لَا تُلْزِمُ بِالثَّانِي. [3]
تَفْكِيكُ (الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ): السُّؤَالُ يُبَيِّنُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الِاسْمِ (كَالْعَيْنِ وَالسَّمْعِ) لَا يَعْنِي التَّمَاثُلَ فِي الْحَقِيقَةِ، وَهَذَا يَهْدِمُ قَاعِدَتَهُمْ أَنَّ "اللُّغَةَ تَمْنَعُ الِاتِّفَاقَ بِلَا مُمَاثَلَةٍ".
إِبْطَالُ (مَجَازِ النُّفَاةِ): عِنْدَمَا يَقُولُونَ: "هَذَا مَجَازٌ لُغَةً"، نَقُولُ: مَاذَا تَقْصِدُ بِالْمَجَازِ؟ هَلْ تَقْصِدُ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِلَا قَرِينَةٍ؟ هَذَا تَعْطِيلٌ لَا لُغَةٌ.
بَيَانُ (قُصُورِ الْفَهْمِ الْبَشَرِيِّ): السُّؤَالُ يَحْصُرُهُمْ فِيمَا يَعْهَدُونَهُ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، فَنُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ حُكْمَ اللُّغَةِ عَلَى "الْغَائِبِ" بِمَقَايِيسِ "الشَّاهِدِ" قِيَاسٌ بَاطِلٌ.
نَقْضُ (تَعْرِيفِ الْعَرَضِ): إِذَا قَالُوا: "الْكَلَامُ عَرَضٌ وَاللَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْأَعْرَاضِ"، نَقُولُ: مَاذَا تَقْصِدُ بِالْعَرَضِ؟ فَيُضْطَرُّونَ لِلِاعْتِرَافِ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ "الصِّفَةَ"، فَيَظْهَرُ تَنَاقُضُهُمْ فِي نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ. [4]
إِلْزَامُهُمْ بِـ (الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ): السُّؤَالُ يُجْبِرُهُمْ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّ هُنَاكَ مَعْنًى كُلِّيًّا فِي اللُّغَةِ (أَصْلُ الْمَعْنَى) يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْخَالِقِ بِمَا يَلِيقُ بِهِ.
كَشْفُ (التَّنَاقُضِ فِي الْإِثْبَاتِ): إِذَا أَثْبَتُوا "الْإِرَادَةَ" وَنَفَوْا "الْمَحَبَّةَ"، نَسْأَلُهُمْ: مَاذَا تَقْصِدُونَ بِالْإِرَادَةِ؟ فَكُلُّ مَا يَفِرُّونَ مِنْهُ فِي الْمَحَبَّةِ يَلْزَمُهُمْ فِي الْإِرَادَةِ لُغَةً.
إِثْبَاتُ (حَقِيقَةِ الِاتِّصَافِ): السُّؤَالُ يُبَيِّنُ أَنَّ اللُّغَةَ تُثْبِتُ الصِّفَةَ لِمَنْ قَامَتْ بِهِ، لَا لِمَنْ خَلَقَهَا فِي غَيْرِهِ (كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْكَلَامِ).
تَوْضِيحُ (تَوْقِيفِيَّةِ الْأَسْمَاءِ): السُّؤَالُ يَكْشِفُ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ أَلْفَاظًا لُغَوِيَّةً لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الشَّرْعُ لِتَغْطِيَةِ نَفْيِهِمْ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ.
هَدْمُ (قَاعِدَةِ التَّرْكِيبِ): إِذَا قَالُوا: "الِاتِّصَافُ يَعْنِي التَّرْكِيبَ"، نَقُولُ: مَاذَا تَقْصِدُ بِالتَّرْكِيبِ؟ فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهُ اصْطِلَاحٌ مَنطِقِيٌّ لَا عِلَاقَةَ لِلُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ بِهِ فِي بَابِ الذَّاتِ. [5]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاء
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَسَّسَ هَذَا الْمَنْهَجَ فِي "دَرْءِ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ"؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ أَهْلَ الْبَاطِلِ يَتَسَتَّرُونَ بِالْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: "مَاذَا تَقْصِدُونَ؟" انْحَصَرُوا، فَإِمَّا أَنْ يَقُولُوا قَوْلًا يُوَافِقُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ وَصَحِيحَ الْمَنْقُولِ، أَوْ يَظْهَرُ عَنَادُهُمْ لِلُّغَةِ وَالشَّرْعِ مَعًا. [6]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ هُوَ (الْمِشْرَطُ) الَّذِي يَسْتَأْصِلُ أَوْرَامَ التَّأْوِيلِ. وَيَرَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِاللُّغَةِ عِنْدَ النُّفَاةِ هُوَ احْتِجَاجٌ بِـ "أَوْهَامٍ لُغَوِيَّةٍ" لَا بِـ "حَقَائِقَ لُغَوِيَّةٍ"، وَالسُّؤَالُ عَنِ الْمَقْصِدِ يُعِيدُ اللَّفْظَ إِلَى دَائِرَةِ الْحَقِيقَةِ. [7]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي:
يُبَيِّنُ أَنَّ النُّفَاةَ جَعَلُوا اللُّغَةَ "طَاغُوتًا" يُقَدَّمُ عَلَى الْوَحْيِ، وَالسُّؤَالُ بِـ "مَاذَا تَقْصِدُ" يَكْسِرُ هَذَا الطَّاغُوتَ؛ لِأَنَّهُ يُثْبِتُ أَنَّ اللُّغَةَ لَا تَمْنَعُ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ (خَيَالُ النَّافِي) الَّذِي حَصَرَ الْمَعْنَى فِي صُورَةِ الْمَخْلُوقِ. [8]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يُقَرِّرُ أَنَّ مَنْ طَعَنَ فِي الصِّفَاتِ بِحُجَّةِ اللُّغَةِ فَقَدْ كَذَبَ عَلَى اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ اللُّغَةَ تُعْطِي كُلَّ مَوْصُوفٍ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَالسُّؤَالُ عَنِ الْمُرَادِ عِنْدَهُ هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ بَيْنَ (الْمَعْنَى الذِّهْنِيِّ الْكُلِّيِّ) وَبَيْنَ (الْحَقِيقَةِ الْخَارِجِيَّةِ) الَّتِي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَوْصُوفِ. [9]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ الْفَوْزَانُ:
يَرَى أَنَّ هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ تَعْجِيزٌ لِأَهْلِ الْبِدَعِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ عَلَى (الْإِجْمَالِ)، وَالِاسْتِفْصَالُ يُخْرِجُهُمْ إِلَى (التَّعْيِينِ)، وَفِي التَّعْيِينِ يَفْتَضِحُ بَاطِلُهُمْ. فَمَنْ نَفَى الْبَصَرَ لُغَةً، سُئِلَ: مَا هُوَ الْبَصَرُ عِنْدَكَ؟ فَإِنْ وَصَفَهُ بِمَا يَلِيقُ بِالْمَخْلُوقِ قُلْنَا: هَذَا لَا نُثْبِتُهُ، وَإِنْ وَصَفَهُ بِأَصْلِ الْإِدْرَاكِ لَزِمَهُ الْإِثْبَاتُ. [10]
الْحَاشِيَةُ (الْأَعْلَامُ وَالْفِرَقُ وَالْمَصَادِرُ)
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (5/ 95)، الْمُعْجَمُ الْوَسِيطُ (2/ 739).
[2] نَقْضُ التَّأْسِيسِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 214).
[3] الْمُعْتَزِلَةُ: تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا؛ وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَعْمَلُوا نَفْيَ التَّجَسُّمِ ذَرِيعَةً لِنَفْيِ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ.
[4] الْأَشَاعِرَةُ: تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا؛ وَهُمْ مَنْ تَبَنَّى تَقْسِيمَ (جَوْهَرٍ وَعَرَضٍ) لِتَحْرِيفِ مَعَانِي بَعْضِ الصِّفَاتِ.
[5] الْقَدَرِيَّةُ: تَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا فِي بَابِ الْكَسْبِ؛ وَيُقْصَدُ بِهِمْ هُنَا مَن نَفَى الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ لُغَةً.
[6] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (1/ 118).
[7] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 134).
[8] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 52).
[9] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ التَّدْمُرِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 110).
[10] تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ لِصَالِحٍ الْفَوْزَانِ (ص 67).
--------------------------&
الْمَبْحَثُ السَّابِعَ عَشَرَ: التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ الِاسْتِفْصَالِ
(عِلَاجُ لَفْظَيِ "الْجِهَةِ" وَ"الْحَيِّزِ" عَنْ طَرِيقِ التَّفْصِيلِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ
الْجِهَةُ: لُغَةً مِنَ (الْوَجْهِ)، وَهِيَ الْمَنْحَى وَالْمَقْصِدُ، وَأَصْلُهَا (وَجْهَةٌ) فَقُلِبَتِ الْوَاوُ فِيهَا وَسَقَطَتْ. وَتُطْلَقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى مَنْحَى الشَّيْءِ وَمَا يَقَعُ فِيهِ الشَّيْءُ. وَفِي اصْطِلَاحِ النُّفَاةِ: يُرِيدُونَ بِهَا "الْمَكَانَ الْوُجُودِيَّ" الَّذِي يَحْصُرُ الْمَوْجُودَ، فَيَنْفُونَهَا عَنِ اللَّهِ لِيَنْفُوا عُلُوَّهُ. [1]
الْحَيِّزُ: لُغَةً مِنَ (الْحَوْزِ)، وَهُوَ الْجَمْعُ وَالضَّمُّ، وَيُقَالُ: "تَحَيَّزَتِ الْأَفْعَى" إِذَا انْضَمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ الْفَرَاغُ الْمَوْهُومُ الَّذِي يَشْغَلُهُ الْجِسْمُ، فَيَنْفُونَ "الْحَيِّزَ" لِيَصِلُوا إِلَى نَفْيِ "الْمُبَايَنَةِ" بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. [2]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلتَّطْبِيقِ الْعَمَلِيِّ
(هُوَ التَّعَامُلُ مَعَ الْأَلْفَاظِ الِاصْطِلَاحِيَّةِ الْمُوهِمَةِ عَبْرَ تَفْكِيكِهَا إِلَى مَعَانٍ ثَلَاثَةٍ: مَعْنَىً بَاطِلٍ يُنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ، وَمَعْنَىً حَقٍّ يُثْبَتُ لِلَّهِ بِأَلْفَاظِ النُّصُوصِ، وَلَفْظٍ مُبْتَدَعٍ يُتَوَقَّفُ فِيهِ طَرْداً لِلتَّشْوِيشِ الِاعْتِقَادِيِّ). [3]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
قَرَّرَ الْإِمَامُ أَنَّ لَفْظَ "الْمَكَانِ" وَ"الْجِهَةِ" إِذَا أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ عُلُوِّ اللَّهِ، فَهُوَ بَاطِلٌ يُصَادِمُ الْفِطْرَةَ وَالنَّقْلَ. وَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ جِهَةٌ هِيَ أَعْلَى الْجِهَاتِ، وَلَا يُقَالُ لَهُ جِهَةٌ تَقْبَلُ النَّقْصَ أَوِ الْحَصْرَ". وَاسْتَفْصَلَ الدَّارِمِيُّ فِي مَعْنَى الْحَيِّزِ لِيُثْبِتَ أَنَّ اللَّهَ مُبَايِنٌ لِخَلْقِهِ غَيْرُ مُنْدَمِجٍ فِيهِمْ، وَأَنَّ مَنْ نَفَى التَّحَيُّزَ بِمَعْنَى الْمُبَايَنَةِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْمَعْبُودِ، لِأَنَّ مَا لَا يَتَحَيَّزُ -عِنْدَهُ- عَدَمٌ مَحْضٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ. [4]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَصَّلَ فِي (التَّدْمُرِيَّةِ) أَنَّ لَفْظَ "الْجِهَةِ" يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: أَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ "الْجِهَةُ الْوُجُودِيَّةُ الْمَخْلُوقَةُ" فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ أَنْ يَحْصُرَهُ مَخْلُوقٌ، وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِهِ "الْجِهَةُ الْعَدَمِيَّةُ" وَهِيَ مَا فَوْقَ الْعَالَمِ فَهَذَا حَقٌّ ثَابِتٌ لِلَّهِ. وَهَكَذَا فِي "الْحَيِّزِ"، بَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ بِهِ مَكَاناً يَحْوِي اللَّهَ رَدَدْنَا قَوْلَهُ، وَمَنْ قَصَدَ بِهِ انْفِصَالَ الْخَالِقِ عَنِ الْمَخْلُوقِ قَبِلْنَا مَعْنَاهُ، وَرَدَدْنَا اللَّفْظَ لِكَوْنِهِ مُجْمَلًا مُبْتَدَعاً لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ. [5]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
سَارَ فِي "الصَّوَاعِقِ" عَلَى نَقْضِ دَعْوَى النُّفَاةِ فِي الْجِهَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ يَسْتَعْمِلُونَ هَذَا اللَّفْظَ لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْعُلُوَّ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ مَحْصُوراً. وَأَوْضَحَ أَنَّ "الْحَيِّزَ" فِي لُغَةِ الْعَقْلِ الصَّحِيحِ يَعْنِي الِامْتِيَازَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ، فَمَنْ نَفَى الْحَيِّزَ عَنِ اللَّهِ قَصَدَ بِهِ نَفْيَ الذَّاتِ، وَهَذَا تَعْطِيلٌ لَا يَقْبَلُهُ لِسَانٌ وَلَا عَقْلٌ. وَرَأَى أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّفْصِيلُ لِيَتَمَيَّزَ الْحَقُّ مِنَ الْبَاطِلِ وَيَسْقُطَ هَذَا الطَّاغُوتُ اللَّفْظِيُّ. [6]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يُقَرِّرُ أَنَّنَا إِذَا سُئِلْنَا: "هَلْ لِلَّهِ جِهَةٌ؟" فَالْجَوَابُ: إِنْ أَرَدْتَ بِالْجِهَةِ جِهَةَ الْعُلُوِّ، فَهِيَ ثَابِتَةٌ لِلَّهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ. وَإِنْ أَرَدْتَ جِهَةً تُحِيطُ بِاللَّهِ، فَاللَّهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ التَّفْصِيلَ هُوَ الَّذِي يُفْحِمُ الْخَصْمَ، لِأَنَّ النَّافِيَ يَتَوَقَّعُ مِنْكَ رَدًّا مُجْمَلًا، فَإِذَا فَصَّلْتَ لَهُ مَعَانِيَ (الْحَيِّزِ) وَ(الْجِهَةِ)، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ يَنْفِي "مَوْجُوداً حَقِيقِيًّا" لَا يَنْفِي "تَشْبِيهاً" كَمَا كَانَ يَزْعُمُ. [7]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُبَيِّنُ أَنَّ لَفْظَ "الْجِهَةِ" مِنَ الْأَلْفَاظِ الْحَادِثَةِ الَّتِي أَدْخَلَهَا أَهْلُ الْكَلَامِ لِيُشَكِّكُوا النَّاسَ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْتِوَاءِ. وَيَرَى أَنَّ الْعِلَاجَ هُوَ قَوْلُنَا: "اللَّهُ فِي السَّمَاءِ"، كَمَا قَالَ ﷺ لِلْجَارِيَةِ، فَنُثْبِتُ مَعْنَى الْعُلُوِّ الَّذِي هُوَ "الْجِهَةُ" الْحَقُّ. وَيُحَذِّرُ مِنَ الِانْسِيَاقِ خَلْفَ نَفْيِ "الْحَيِّزِ" لِأَنَّ الْمُبْتَدِعَ يَقْصِدُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَا دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ، وَهَذَا وَصْفٌ لِلْعَدَمِ، فَالِاسْتِفْصَالُ يَكْشِفُ عَوْرَةَ هَذَا الْبَاطِلِ. [8]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ لَفْظِ "الْحَيِّزِ" وَ"الْجِهَةِ" هُوَ مَنْهَجٌ "حِجَاجِيٌّ قَوِيٌّ"؛ لِأَنَّهُ يَكْشِفُ الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ. وَيَرَى أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَسْتَعْمِلُونَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِيُغَطُّوا بِهَا عَلَى عَجْزِهِمْ عَنْ نَقْضِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ. وَيُثْنِي عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِخْدَامِ (مَاذَا تَقْصِدُ؟) لِإِلْجَامِ الْمُبْطِلِ، حَيْثُ يُضْطَرُّ النَّافِي لِلِاعْتِرَافِ بِأَنَّهُ يَنْفِي عُلُوَّ الذَّاتِ لَا مُجَرَّدَ "الْجِهَةِ" الصِّنَاعِيَّةِ الْمَنْطِقِيَّةِ. [9]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
يُفَصِّلُ فِي كَوْنِ "الْجِهَةِ" تَنْقَسِمُ إِلَى جِهَةِ سُفْلٍ وَجِهَةِ عُلُوٍّ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ السُّفْلِ بِإِجْمَاعِ الْعُقَلَاءِ. وَيَرَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِنَفْيِ "الْحَيِّزِ" يَقُومُ عَلَى فَلْسَفَةٍ دَخِيلَةٍ تُسَمَّى "تَفْرِيغَ الْمَكَانِ"، فَالْعِلَاجُ الْعَقَدِيُّ هُوَ تَأْصِيلُ أَنَّ اللَّهَ "فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ" وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى "حَيِّزٍ" لِيُوجَدَ فِيهِ، بَلْ هُوَ الْقَيُّومُ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا. [10]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ):
يُبَيِّنُ فِي دِرَاسَاتِهِ أَنَّ "الْجِهَةَ" وَ"الْحَيِّزَ" هُمَا حَجَرُ الزَّاوِيَةِ فِي التَّعْطِيلِ الْمُعَاصِرِ. وَيَرَى أَنَّ التَّطْبِيقَ الْعَمَلِيَّ لِلِاسْتِفْصَالِ يَكُونُ بِإِحْرَاجِ الْمُتَكَلِّمِ لُغَوِيًّا؛ فَنَسْأَلُهُ: هَلْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مَوْجُودٌ لَا جِهَةَ لَهُ؟ فَيَبْطُلُ احْتِجَاجُهُ بِاللُّغَةِ. ثُمَّ نَسْأَلُهُ: هَلْ "الْحَيِّزُ" صِفَةُ كَمَالٍ أَمْ صِفَةُ نَقْصٍ؟ فَيَظْهَرُ تَنَاقُضُهُ بَيْنَ عَقْلِهِ وَاصْطِلَاحِهِ. [11]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ):
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" فِي لَفْظِ الْجِهَةِ؛ فَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ يَكْشِفُ أَنَّ النُّفَاةَ يَتَصَوَّرُونَ الْجِهَةَ بِمِعْيَارِ الْمَخْلُوقِ فَقَطْ. وَيُؤَصِّلُ سِنْدِي لِعِلَاجِ "الْحَيِّزِ" بِإِثْبَاتِ "الْعُلُوِّ الْمُطْلَقِ"، الَّذِي لَا يُلْزِمُهُ شَغْلُ فَرَاغٍ كَمَا فِي الْأَجْسَامِ الْكَثِيفَةِ، وَبِذَلِكَ يَهْدِمُ الِاحْتِجَاجَ بِاللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي يَخْتَرِعُهَا النُّفَاةُ لِتَنْفِيرِ النَّاسِ. [12]
حَاشِيَةٌ
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (6/ 88)، تَاجُ الْعَرُوسِ لِلزَّبِيدِيِّ (مَادَّةُ وَجَهَ).
[2] لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (5/ 342)، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ (ص 645).
[3] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (3/ 41).
[4] الرَّدُّ عَلَى الْبِشْرِ الْمِرِّيسِيِّ لِلدَّارِمِيُّ (ص 78-80). (تَرْجَمَةُ الدَّارِمِيِّ: عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ، الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ، صَاحِبُ التَّصَانِيفِ فِي السَّنَّةِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ 280هـ).
[5] الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ص 65-70).
[6] الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (4/ 1302-1310).
[7] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ التَّدْمُرِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 115-120).
[8] شَرْحُ لَمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِصَالِحٍ الْفَوْزَانِ (ص 66-68).
[9] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيِّ (ص 92-95).
[10] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الرَّابِعُ).
[11] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 140-145).
[12] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 55-60).
----------------------------------&
الْمَبْحَثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ فِي تَمْيِيزِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ
(عِلَاجُ أَلْفَاظِ: الْجِسْمِ، وَالْعَرَضِ، وَالْجَوْهَرِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ
الْجِسْمُ: لُغَةً هُوَ الْجَسَدُ وَالْبَدَنُ، وَيُطْلَقُ عَلَى كُلِّ ذِي غِلَظٍ وَكَثَافَةٍ، وَأَصْلُهُ مِنَ التَّجَسُّمِ وَهُوَ الْعِظَمُ. وَفِي اصْطِلَاحِ النُّفَاةِ: هُوَ الْمُؤَلَّفُ مِنَ الْأَجْزَاءِ أَوْ مَا يَقْبَلُ الْإِشَارَةَ الْحِسِّيَّةَ، فَيَنْفُونَ "الْجِسْمَ" لِيَصِلُوا إِلَى نَفْيِ "الذَّاتِ" وَالصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ. [1]
الْعَرَضُ: لُغَةً هُوَ مَا لَا ثَبَاتَ لَهُ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَتَاعِ الدُّنْيَا الزَّائِلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. وَفِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُوَ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ بَلْ يَقُومُ بِغَيْرِهِ، فَيَنْفُونَ "الْأَعْرَاضَ" لِيَنْفُوا "الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةَ" عَنِ الرَّبِّ. [2]
الْجَوْهَرُ: لُغَةً هُوَ الْأَصْلُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَحْجَارِ النَّفِيسَةِ. وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ: هُوَ مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَيَحْمِلُ الْأَعْرَاضَ، وَيُسَمُّونَهُ "الْجَوْهَرَ الْفَرْدَ" أَيِ الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَيَنْفُونَهُ لِيَنْفُوا "الْقِيَامَ بِنَفْسِهِ" الْمُقْتَضِي لِلْمُبَايَنَةِ. [3]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلتَّطْبِيقِ (الْقَبُولُ وَالرَّدُّ)
(هُوَ مَسْلَكُ الِاسْتِفْصَالِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَقْبَلُ الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ لِلَّهِ بِأَلْفَاظِهَا الشَّرْعِيَّةِ، وَيَرُدُّ الْمَعَانِيَ الْفَاسِدَةَ الَّتِي تَقْتَضِي النَّقْصَ، مَعَ جَعْلِ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ نَفْسِهِ مَهْجُوراً لِعَدَمِ وُرُودِهِ فِي الْوَحْيِ). [4]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
كَانَ الدَّارِمِيُّ يُطَالِبُ الْجَهْمِيَّةَ بِتَوْضِيحِ مَعْنَى "الْجِسْمِ"، فَيَقُولُ: "إِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ الذَّاتَ الْقَائِمَةَ بِنَفْسِهِ، فَهَذَا حَقٌّ وَإِنْ لَمْ نُسَمِّهِ جِسْماً، وَإِنْ أَرَدْتُمْ شَيْئاً مَخْلُوقاً فَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْهُ". وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ سَمَّوُا الصِّفَاتِ "أَعْرَاضاً" لِيُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّهَا زَائِلَةٌ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ كَمَالَ الرَّبِّ فِي اتِّصَافِهِ، وَأَنَّ مَنْ نَفَى "الْجَوْهَرَ" بِمَعْنَى مَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ فَقَدْ نَفَى وُجُودَ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، لِأَنَّ مَا لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ لَا وُجُودَ لَهُ. [5]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
أَبْدَعَ فِي "الدَّرْءِ" فِي بَيَانِ قَاعِدَةِ (قَبُولِ الْمَعْنَى وَرَدِّ اللَّفْظِ)؛ فَقَالَ عَنِ "الْجِسْمِ": إِنْ أُرِيدَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرَى وَيُشَارُ إِلَيْهِ وَيَتَكَلَّمُ وَيَنْزِلُ، فَهَذَا مَعْنًى حَقٌّ نُثْبِتُهُ بِالْكِتَابِ، لَكِنْ لَا نُسَمِّيهِ جِسْماً. وَعَنِ "الْعَرَضِ" بَيَّنَ أَنَّ اتِّصَافَ اللَّهِ بِصِفَاتِ الْفِعْلِ حَقٌّ، وَتَسْمِيَتُهَا "أَعْرَاضاً" تَلْبِيسٌ. وَعَنِ "الْجَوْهَرِ" رَدَّ الِاصْطِلَاحَ لِأَنَّهُ يُوهمُ التَّقْسِيمَ، وَأَثْبَتَ أَنَّ الرَّبَّ مَوْجُودٌ حَقِيقِيٌّ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الَّذِي يَحْمِي الطَّالِبَ مِنَ الِانْحِرَافِ. [6]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
سَمَّى هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِي "الصَّوَاعِقِ" بِـ (الْقَنَاطِرِ) الَّتِي يَعْبُرُ عَلَيْهَا النُّفَاةُ إِلَى التَّعْطِيلِ. وَشَرَحَ كَيْفَ يُعَلَّمُ الطَّالِبُ كَسْرَهَا؛ فَنَقُولُ لِلنَّافِي: مَا تَنْفِيهِ مِمَّا سَمَّيْتَهُ جِسْماً، إِنْ كَانَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ فَنَفْيُكَ بَاطِلٌ وَإِنْ سَمَّيْتَهُ مَا شِئْتَ. وَأَوْضَحَ أَنَّ "الْجَوْهَرَ" عِنْدَهُمْ يَعْنِي الْجُزْءَ، وَاللَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، فَنَفْيُهُمْ لَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَقٌّ، لَكِنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ نَفْيَ الصِّفَاتِ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيزِ لِتَعْرِيَةِ مَقَاصِدِهِمْ. [7]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يُعَلِّمُ الطَّالِبَ التَّطْبِيقَ فَيَقُولُ: "إِذَا نَفَى النَّافِي "الْجِسْمَ"، فَقُلْ لَهُ: مَاذَا تَقْصِدُ؟ إِنْ قَصَدْتَ نَفْيَ النَّقْصِ فَنَعَمْ، وَإِنْ قَصَدْتَ نَفْيَ مَا ثَبَتَ فِي الْوَحْيِ فَلا". وَيَرَى أَنَّ لَفْظَ "الْعَرَضِ" هُوَ (مِصْيَدَةٌ) عَقْلِيَّةٌ؛ فَالنَّافِي يَقُولُ: الْعِلْمُ عَرَضٌ، وَاللَّهُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْأَعْرَاضِ، فَنَقُولُ: لَا نَقْبَلُ تَلْبِيسَكَ، بَلْ نُثْبِتُ الْعِلْمَ صِفَةَ كَمَالٍ لِلَّهِ، وَنَرُدُّ لَفْظَ الْعَرَضِ الْمُبْتَدَعَ. وَهَكَذَا يَتَحَرَّرُ الطَّالِبُ مِنْ قُيُودِ اصْطِلَاحَاتِهِمْ. [8]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ تَلْقِينَ الطَّالِبِ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ ضَرُورِيٌّ لِمُوَاجَهَةِ الشُّبُهَاتِ؛ فَالْجَوْهَرُ وَالْعَرَضُ هِيَ مَبَادِئُ (عِلْمِ الْكَلَامِ) الْمَذْمُومِ. وَيَرَى أَنَّ الْحَقَّ الَّذِي يَحْمِلُهُ لَفْظُ "الْجَوْهَرِ" هُوَ إِثْبَاتُ ذَاتِ الرَّبِّ، فَنَقْبَلُهُ بِمَعْنَاهُ لَا بِلَفْظِهِ. وَالْبَاطِلُ فِيهِ هُوَ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ، فَنَرُدُّهُ. وَيُحَذِّرُ الْفَوْزَانُ مِنْ أَنَّ تَرْكَ الِاسْتِفْصَالِ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ يُؤَدِّي إِلَى خَلْطِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ فِي ذِهْنِ الْمُتَعَلِّمِ. [9]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يَرَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ نَسَفَ (فَلْسَفَةَ الْأَعْرَاضِ) نَسْفاً؛ فَالطَّالِبُ الذَّكِيُّ هُوَ مَنْ لَا يَرْتَعِبُ مِنْ قَوْلِهِمْ "تَجَسُّمٌ" أَوْ "عَرَضٌ"، بَلْ يُفَكِّكُ هَذِهِ الْأَلْقَابَ. وَيُشِيدُ بِقُدْرَةِ مَنْهَجِ السَّلَفِ عَلَى (تَعْرِيَةِ) مَنْ يَنْفِي "الْجَوْهَرَ" لِيَصِلَ إِلَى أَنَّ اللَّهَ (عَدَمٌ) لَا وُجُودَ لَهُ، وَيَعْتَبِرُ أَنَّ قَبُولَ الْمَعْنَى الْحَقِّ وَرَدَّ اللَّفْظِ هُوَ "الْحِصْنُ الْحَصِينُ" لِعَقِيدَةِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الزَّمَانِ. [10]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
يُفَصِّلُ لِلطَّالِبِ كَيْفَ نَشَأَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عِنْدَ (الْمُعْتَزِلَةِ) لِيَبْنُوا عَلَيْهَا دَلِيلَ "حُدُوثِ الْأَجْسَامِ". وَيَرَى أَنَّ الْعِلَاجَ هُوَ تَوْضِيحُ أَنَّ "الْجِسْمَ" فِي الِاصْطِلَاحِ غَيْرُهُ فِي اللُّغَةِ؛ فَنَحْنُ نَنْفِي عَنِ اللَّهِ مَا يَقْصِدُونَهُ مِنَ النَّقْصِ، وَنُثْبِتُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مِنَ الصِّفَاتِ، وَنَهْجُرُ اللَّفْظَيْنِ "جَوْهَراً وَعَرَضاً" لِأَنَّهُمَا مِنْ أَلْفَاظِ الْقِيلِ وَالْقَالِ الَّتِي نَهَى السَّلَفُ عَنْهَا. [11]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ):
يُدَرِّبُ الطَّالِبَ عَلَى "الْمُحَاكَمَةِ اللَّفْظِيَّةِ"؛ فَيُبَيِّنُ أَنَّ "الْجَوْهَرَ" إِذَا قُصِدَ بِهِ (الْمَوْجُودُ بِنَفْسِهِ) فَهُوَ حَقٌّ، لَكِنَّنَا نُعَبِّرُ عَنْهُ بِالْقَيُّومِ. وَ"الْعَرَضَ" إِذَا قُصِدَ بِهِ (الصِّفَةُ) فَهِيَ حَقٌّ، لَكِنَّنَا نُسَمِّيهَا صِفَةً. وَبِذَلِكَ يَتَعَلَّمُ الطَّالِبُ أَنْ يَكُونَ "مُحَقِّقاً" لَا "مُقَلِّداً" لِأَهْلِ الْكَلامِ، وَيَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَخْرِجُ الْحَقَّ مِنْ بَيْنِ رُكَامِ الْبَاطِلِ. [12]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ):
يُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ هِيَ "مَحَارِيبُ" التَّعْطِيلِ؛ فَالطَّالِبُ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّ نَفْيَ "الْعَرَضِ" يَقْصِدُونَ بِهِ نَفْيَ النُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ. وَيُؤَصِّلُ سِنْدِي لِقَاعِدَةِ (الِاسْتِفْصَالِ التَّطْبِيقِيِّ) بِأَنَّنَا لَا نُسَلِّمُ لِلْخَصْمِ مُصْطَلَحَهُ، بَلْ نُعَرِّيهِ لُغَوِيًّا وَشَرْعِيًّا، فَنُثْبِتُ كَمَالَ الذَّاتِ (الَّذِي سَمَّوْهُ جَوْهَراً) وَكَمَالَ الصِّفَاتِ (الَّتِي سَمَّوْهَا أَعْرَاضاً) بِلُغَةِ الْقُرْآنِ لَا بِلُغَةِ الْيُونَانِ. [13]
حَاشِيَةٌ
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (1/ 456)، لِسَانُ الْعَرَبِ (12/ 95).
[2] الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 335)، تَاجُ الْعَرُوسِ (مَادَّةُ عَرَضَ).
[3] الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ لِلْفَيُّومِيِّ (ص 112).
[4] الْمُدَوَّنَةُ الْعَقَدِيَّةُ (ص 145)، شَرْحُ التَّدْمُرِيَّةِ.
[5] الرَّدُّ عَلَى الْبِشْرِ الْمِرِّيسِيِّ لِلدَّارِمِيِّ (ص 102-105).
[6] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (1/ 235-240).
[7] الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (2/ 415-420).
[8] الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 60-65).
[9] إِرْشَادُ الْعِبَادِ إِلَى مَعَانِي لَمْعَةِ الِاعْتِقَادِ لِلْفَوْزَانِ (ص 45).
[10] شَرْحُ أُصُولِ السُّنَّةِ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (ص 110).
[11] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الْخَامِسُ).
[12] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ (ص 150-155).
[13] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 65-70).
-------------------------&
الْمَبْحَثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: الْإِجْمَالُ فِي بَابِ (الْمَجَازِ)
(أَثَرُ الِاسْتِفْسَارِ فِي إِثْبَاتِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ
الْمَجَازُ: لُغَةً مَأْخُوذٌ مِنْ (جَازَ) الشَّيْءُ يَجُوزُهُ إِذَا تَعَدَّاهُ، فَهُوَ مَفْعَلٌ مِنْ "الْجَوَازِ" وَهُوَ الْعُبُورُ. يُقَالُ: "جُزْتُ الطَّرِيقَ" أَيْ قَطَعْتُهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْحَادِثِ: هُوَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ لِعَلَاقَةٍ مَعَ قَرِينَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ إِرَادَةِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ. [1]
الْحَقِيقَةُ: لُغَةً مِنَ (الْحَقِّ) وَهُوَ الثَّبَاتُ وَالْوُجُوبُ، وَهِيَ مَا أُقِرَّ فِي مَوْضِعِهِ الْأَصْلِيِّ. وَفِي بَابِ الصِّفَاتِ: هِيَ إِثْبَاتُ الصِّفَةِ لِلَّهِ عَلَى وَجْهٍ يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ أَوْ التَّشْبِيهِ. [2]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْإِجْمَالِ فِي الْمَجَازِ
(هُوَ كَشْفُ التَّعْمِيَةِ الَّتِي أَرَادَهَا النُّفَاةُ بِتَقْسِيمِ الْكَلَامِ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ، لِيَجْعَلُوا نُصُوصَ الصِّفَاتِ مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي يَصِحُّ نَفْيُهُ، ثُمَّ بَيَانُ أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الْحَقَائِقِ لِلَّهِ كَمَا يَلِيقُ بِهِ، لِأَنَّ "الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ"). [3]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
يُعَدُّ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَبْرَزِ مَنْ نَافَحَ عَنْ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ قَبْلَ اشْتِهَارِ اصْطِلَاحِ الْمَجَازِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ حَيْثُ رَدَّ عَلَى الْمِرِّيسِيِّ تَلْبِيسَهُ فِي تَأْوِيلِ (الْيَدِ) بِمَعْنَى النِّعْمَةِ، وَ(الِاسْتِوَاءِ) بِمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ. وَبَيَّنَ الدَّارِمِيُّ أَنَّ هَذَا "التَّحْرِيفَ" لَيْسَ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ نَفْيٌ لِلْمَعْبُودِ. وَكَانَ يَسْتَفْسِرُ عَنْ كُلِّ صِفَةٍ: أَثَابِتَةٌ هِيَ أَمْ مَعْدُومَةٌ؟ فَإِذَا قَالُوا: لَا نُثْبِتُ حَقِيقَتَهَا، بَيَّنَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ عَدَماً، وَأَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ جَاءَتْ لِلتَّعْرِيفِ بِالرَّبِّ، وَالْمَجَازُ لَا يُعَرِّفُ بِحَقِيقَةِ مَوْجُودٍ. [4]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
نَقَضَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ "طَاغُوتَ الْمَجَازِ" فِي كُتُبِهِ (الْإِيمَانِ) وَ(الدَّرْءِ)، وَأَثْبَتَ أَنَّ تَقْسِيمَ الْكَلَامِ إِلَى حَقِيقَةٍ وَمَجَازٍ "اصْطِلَاحٌ حَادِثٌ" لَمْ يَنْطِقْ بِهِ السَّلَفُ وَلَا أَئِمَّةُ اللُّغَةِ الْمُتَقَدِّمُونَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. وَاسْتَفْسَرَ عَنْ "الْمَجَازِ" بَيَانًا لِإِجْمَالِهِ: أَتُرِيدُونَ بِهِ أَنَّ اللَّفْظَ دَلَّ عَلَى مَعْنَاهُ بِالْقَرِينَةِ؟ فَهَذَا حَقٌّ فِي كُلِّ الْكَلَامِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُبْطِلُ "الْحَقِيقَةَ". وَبَيَّنَ أَنَّ الصِّفَةَ إِذَا أُضِيفَتْ إِلَى اللَّهِ كَانَتْ "حَقِيقَةً تَلِيقُ بِهِ"، وَأَنَّ الْمَجَازَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ هُوَ "سُلَّمُ التَّعْطِيلِ" الَّذِي يُهْدِمُ الدِّينَ. [5]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
جَعَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ "الْمَجَازَ" الطَّاغُوتَ الرَّابِعَ فِي (الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ)، وَشَرَحَ كَيْفَ يُعَمِّي النُّفَاةُ بِهِ الْحَقَّ. وَأَوْضَحَ أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ يَكْشِفُ أَنَّهُمْ سَمَّوُا التَّحْرِيفَ "مَجَازاً" لِيُقْبَلَ مِنْهُمْ. وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَالَ: (يَدُ اللَّهِ مَجَازٌ)، فَقَدْ جَوَّزَ نَفْيَهَا، وَمَا صَحَّ نَفْيُهُ لَمْ يَكُنْ كَمَالاً. وَأَكَّدَ أَنَّ إِثْبَاتَ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَنَا بِمَا نَعْرِفُ مَعْنَاهُ، وَالْإِجْمَالُ فِي الْمَجَازِ هُوَ الَّذِي صَرَفَ النَّاسَ عَنِ الْيَقِينِ بِالْوَحْيِ. [6]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يُقَرِّرُ بِقُوَّةٍ أَنَّهُ "لَا مَجَازَ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ أَبَداً"؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَصِفَاتُ اللَّهِ حَقٌّ لَا يَصِحُّ نَفْيُهَا. وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ عَنْ مَقْصِدِ "الْمَجَازِيِّ" يَكْشِفُ تَنَاقُضَهُ؛ فَإِنْ قَالَ: (اللَّهُ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً)، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفاً حَقِيقَةً، لِأَنَّ الذَّاتَ لَا تَنْفَكُّ عَنِ الصِّفَةِ. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ القَوْلَ بِالْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ هُوَ تَعْرِيَةٌ لِلنُّصُوصِ مِنْ دَلَالَتِهَا الْيَقِينِيَّةِ، فَالْوَاجِبُ حَمْلُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْخَالِقِ سُبْحَانَهُ. [7]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُصَرِّحُ بِأَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ هُوَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ "حَقِيقَةً لَا مَجَازاً"، وَيَرَى أَنَّ مَنِ ادَّعَى الْمَجَازَ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لَا يُغْلَقُ مِنْ صَرْفِ النُّصُوصِ عَنْ ظَاهِرِهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. وَيُبَيِّنُ الْفَوْزَانُ أَنَّ "الِاسْتِفْسَارَ" فِي هَذَا الْبَابِ يُحْرِجُ الْمُبْطِلَ؛ فَإِذَا سَأَلْنَاهُ: (مَا هِيَ الْحَقِيقَةُ عِنْدَكَ؟)، لَمْ يَجِدْ جَوَاباً إِلَّا وَصْفَ الْمَخْلُوقِ، فَنَقُولُ لَهُ: "تِلْكَ حَقِيقَةُ الْمَخْلُوقِ، وَلِلَّهِ حَقِيقَةٌ تَلِيقُ بِهِ"، وَبِذَلِكَ نَقْطَعُ حُجَّةَ مَنْ جَعَلَ الْمَجَازَ ذَرِيعَةً لِلنَّفْيِ. [8]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يَرَى أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَجَازِ هُوَ (أُمُّ الْبَلَايَا) فِي بَابِ الِاعْتِقَادِ، وَأَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ قَدْ نَسَفَ هَذِهِ الشُّبْهَةَ مِنْ أَصْلِهَا. وَيُؤَكِّدُ الشَّيْخُ رَبِيعٌ أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ عَنْ بَابِ "الْمَجَازِ" يَكْشِفُ أَنَّهُ دَخِيلٌ عَلَى عُلُومِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِهَةِ الْمَنْطِقِ الْأَرِسْطِيِّ. وَيَرَى أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ بِحَقَائِقِهَا هُوَ الَّذِي يُورِثُ فِي الْقَلْبِ تَعْظِيمَ اللَّهِ، أَمَّا الْمَجَازُ فَيُورِثُ الشَّكَّ وَالتَّرَدُّدَ، وَهَذَا مِنَ التَّعْرِيَةِ لِمَقَاصِدِ مَنْ يُرِيدُ إِفْرَاغَ النُّصُوصِ مِنْ مَعَانِيهَا. [9]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
يُفَصِّلُ فِي شُرُوحِهِ أَنَّ "الْمَجَازَ" لَفْظٌ مُجْمَلٌ؛ فَإِنْ قُصِدَ بِهِ (التَّوَسُّعُ فِي اللُّغَةِ) مَعَ ثَبَاتِ الْمَعْنَى لِلَّهِ فَهَذَا سَهْلٌ فِي اللَّفْظِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَوْلَى، لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهُ "قَسِيماً لِلْحَقِيقَةِ" لِيَنْفُوا الصِّفَةَ. وَيَرَى آلُ الشَّيْخِ أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ عَنْ مَوْضِعِ الْمَجَازِ يَكْشِفُ أَنَّ النُّفَاةَ لَا قَاعِدَةَ لَهُمْ؛ فَكُلُّ مَا شَبَّهُوهُ بِالْخَلْقِ سَمَّوْهُ مَجَازاً، وَهَذَا جَهْلٌ بِحَقِيقَةِ الْخَالِقِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ. [10]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ):
يُبَيِّنُ فِي دِرَاسَاتِهِ حَوْلَ (التَّدْمُرِيَّةِ) أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ عَرَّى مَنْهَجَ "الْمَجَازِيِّينَ" بِبَيَانِ أَنَّ الْكَلَامَ يُفْهَمُ بِسِيَاقِهِ، وَالسِّيَاقُ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ يَقْتَضِي الْحَقِيقَةَ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ الطَّالِبَ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَسْتَفْسِرُ عَنِ "اللَّازِمِ"؛ فَمَنْ قَالَ (الْمَجِيءُ مَجَازٌ)، نَقُولُ لَهُ: مَا حَقِيقَةُ رَبِّكَ؟ فَإِذَا أَثْبَتَ رَبًّا يَمْلِكُ الْإِرَادَةَ، لَزِمَهُ أَنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَقِيقَةً، وَبِذَلِكَ نُثْبِتُ الْحَقَائِقَ بِإِبْطَالِ دَعْوَى الْمَجَازِ الْمُجْمَلَةِ. [11]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ):
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الْحَقِيقَةِ الْإِلَهِيَّةِ"؛ فَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْسَارَ عَنْ "الْمَجَازِ" هُوَ مِفْتَاحُ الرَّدِّ عَلَى الِاتِّجَاهَاتِ الْعَقْلَانِيَّةِ الْحَدِيثَةِ. وَيُؤَصِّلُ سِنْدِي لِقَاعِدَةِ أَنَّ (اللَّفْظَ قَبْلَ التَّرْكِيبِ لَا يُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ)، وَإِنَّمَا بَعْدَ التَّرْكِيبِ يَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى، وَبِمَا أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَنَا لِنَعْرِفَهُ، فَالْمَعْنَى الْمُتَعَيِّنُ هُوَ الْحَقِيقَةُ. وَيُشِيدُ سِنْدِي بِتَعْرِيَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ لِلْمَجَازِ بِأَنَّهُ (قَوْلٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ تَحْتَهُ) عِنْدَ التَّحْقِيقِ الْبُرْهَانِيِّ. [12]
حَاشِيَةٌ
[1] الْمِصْبَاحُ الْمُنِيرُ لِلْفَيُّومِيِّ (ص 112)، تَاجُ الْعَرُوسِ (مَادَّةُ جَوَزَ).
[2] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (2/ 15)، الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 125).
[3] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (7/ 87)، رِسَالَةُ "الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ".
[4] النَّقْضُ عَلَى بِشْرٍ الْمِرِّيسِيِّ لِلدَّارِمِيِّ (ص 120-125).
[5] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (5/ 200-205)، وَكِتَابُ الْإِيمَانِ الْكَبِيرُ (ص 160).
[6] الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (2/ 632-640).
[7] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 155).
[8] عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ لِلْفَوْزَانِ (ص 88)، وَشَرْحُ النُّونِيَّةِ.
[9] شَرْحُ رِسَالَةِ ابْنِ أَبِي زَيْدٍ الْقَيْرَوَانِيِّ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (ص 45).
[10] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ السَّادِسُ).
[11] تَقْرِيبُ التَّدْمُرِيَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 95).
[12] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ فِي الْإِلَهِيَّاتِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 110-115).
-------------------------------&
الْمَبْحَثُ الْعِشْرُونَ:
 الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ
(مَنْعُ الْإِجْمَالِ مِنَ السُّقُوطِ فِي التَّمْثِيلِ)
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ
الِاشْتِرَاكُ: لُغَةً مِنَ (الشِّرْكَةِ)، وَهِيَ اخْتِلَاطُ النَّصِيبَيْنِ فَصَاعِداً بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ. وَالْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ هُوَ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ الدَّالُّ عَلَى مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ بِأَوْضَاعٍ مُتَعَدِّدَةٍ. وَفِي بَابِ الصِّفَاتِ: هُوَ "الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ" فِي أَصْلِ الْمَعْنَى قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ. [1]
التَّمْثِيلُ: لُغَةً مِنَ (الْمِثْلِ)، وَهُوَ النَّظِيرُ، وَمَثَّلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ أَيْ سَوَّاهُ بِهِ وَجَعَلَهُ مِثْلَهُ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْعَقَدِيِّ: هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ حَقِيقَةَ صِفَاتِ الْخَالِقِ مِثْلُ حَقِيقَةِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، وَهُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ لِمُصَادَمَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}. [2]
ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمَبْحَثِ
(هُوَ إِثْبَاتُ الِاتِّفَاقِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي "مُطْلَقِ الِاسْمِ" وَ"أَصْلِ الْمَعْنَى" الْكُلِّيِّ الذِّهْنِيِّ، مَعَ نَفْيِ الِاتِّفَاقِ فِي "الْحَقِيقَةِ" وَ"الْكَيْفِيَّةِ" عِنْدَ الْإِضَافَةِ وَالتَّقْيِيدِ، بِمَا يَمْنَعُ تَوَهُّمَ التَّمْثِيلِ وَيَدْفَعُ غَائِلَةَ التَّعْطِيلِ). [3]
ثَالِثًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
أَصَّلَ الدَّارِمِيُّ أَنَّ نَفْيَ الِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْمِ يُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ وُجُودِ الرَّبِّ؛ فَقَالَ فِي رَدِّهِ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ: "إِذَا قُلْنَا إِنَّ اللَّهَ (حَيٌّ) وَالْمَخْلُوقَ (حَيٌّ)، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا التَّشْبِيهُ، لِأَنَّ لِلَّهِ حَيَاةً تَلِيقُ بِهِ وَلِلْمَخْلُوقِ حَيَاةً تَلِيقُ بِهِ". وَبَيَّنَ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي دَعْوَى التَّشْبِيهِ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ الْمُعَطِّلَةَ فِي الشَّرِّ، فَظَنُّوا أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ يَقْتَضِي التَّسَاوِيَ فِي الذَّاتِ، وَهَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ بِقَوَاعِدِ اللُّغَةِ وَالْعَقْلِ، فَالِاسْتِفْصَالُ عِنْدَ الدَّارِمِيِّ يَعْصِمُ مِنَ السُّقُوطِ فِي نَفْيِ الْخَالِقِ. [4]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
يُعَدُّ بَحْثُهُ فِي (الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) فِي "الدَّرْءِ" وَ"التَّدْمُرِيَّةِ" مِنْ أَدَقِّ مَا كُتِبَ؛ حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ "الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ" يَمْنَعُ التَّمْثِيلَ عَبْرَ تَوَاضُعِ الْأَسْمَاءِ. وَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ (قَدْرٍ مُشْتَرَكٍ) فِي الذِّهْنِ لِيُفْهَمَ مَعْنَى الْخِطَابِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْقُرْآنُ أَعْجَمِيًّا لَا يُفْهَمُ مَعْنَاهُ. وَاسْتَفْسَرَ عَنِ التَّمْثِيلِ بَيَانًا لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الِاسْمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاتِّفَاقُ فِي الْمُسَمَّى، فَإِذَا قُلْنَا (عِلْمُ اللَّهِ) فَهُوَ صِفَةُ كَمَالِهِ الَّتِي لَا يَعْتَرِيهَا جَهْلٌ، وَإِذَا قُلْنَا (عِلْمُ الْمَخْلُوقِ) فَهُوَ مَحْفُوفٌ بِالنَّقْصِ، فَالِاسْتِفْصَالُ هُنَا هُوَ الَّذِي يَهْدِمُ قَاعِدَةَ الْمُعَطِّلَةِ: (كُلُّ إِثْبَاتٍ تَمْثِيلٌ). [5]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
أَوْضَحَ فِي "الصَّوَاعِقِ" أَنَّ مَنْ نَفَى الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فَقَدْ جَعَلَ أَسْمَاءَ اللَّهِ (أَعْلَاماً مَحْضَةً) لَا مَعْنَى تَحْتَهَا، وَهَذَا غَايَةُ التَّعْطِيلِ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْإِجْمَالَ" فِي لَفْظِ التَّشْبِيهِ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ النَّاسَ فِي الْحَيْرَةِ، فَإِذَا فُصِّلَ الِاشْتِرَاكُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اشْتِرَاكٌ "مُطْلَقٌ" فِي الْأَفْهَامِ، وَتَمَايُزٌ "مُحَقَّقٌ" فِي الْأَعْيَانِ. وَرَأَى أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ هُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ بَيْنَ (الْمُعَطِّلِ) الَّذِي يَنْفِي الِاشْتِرَاكَ كُلِّيَّةً، وَبَيْنَ (الْمُمَثِّلِ) الَّذِي يَجْعَلُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَيْضاً. [6]
رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
يُقَرِّرُ أَنَّ "الِاشْتِرَاكَ فِي الِاسْمِ لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُلَ فِي الْمُسَمَّى"، وَيَضْرِبُ مِثَالاً بِرِجْلِ الْإِنْسَانِ وَرِجْلِ النَّمْلَةِ، فَالِاسْمُ وَاحِدٌ وَالْحَقِيقَةُ مُخْتَلِفَةٌ، فَمَا بَالُكَ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ؟ وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ فِي مَسْأَلَةِ (الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ) يَحْمِي الطَّالِبَ مِنَ الِارْتِيَاعِ عِنْدَمَا يَقُولُ لَهُ الْمُعَطِّلُ: "إِنَّكَ إِذَا أَثْبَتَّ الْيَدَ فَقَدْ شَبَّهْتَ". فَيَكُونُ الرَّدُّ بِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي "أَصْلِ الْمَعْنَى" هُوَ الَّذِي يُمَكِّنُنَا مِنْ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَالِانْفِرَادَ فِي "الْإِضَافَةِ" هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ التَّمْثِيلَ. [7]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُؤَكِّدُ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ بَنَوْا مَذْهَبَهُمْ عَلَى أَنَّ كُلَّ اشْتِرَاكٍ فِي اللَّفْظِ هُوَ تَمْثِيلٌ، فَنَفَوْا عَنِ اللَّهِ أَسْمَاءَهُ بِمُوجِبِ هَذَا الْإِجْمَالِ. وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ الْعِلَاجَ هُوَ تَبْيِينُ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ سَمَّى بِهَا بَعْضَ خَلْقِهِ كَـ (السَّمِيعِ) وَ(الْبَصِيرِ)، وَلَوْ كَانَ هَذَا تَمْثِيلاً لَمَا جَازَ لِلَّهِ أَنْ يَصِفَ بِهِ نَفْسَهُ. وَبِذَلِكَ يَصِيرُ الِاسْتِفْصَالُ عِنْدَ الطَّالِبِ مَلَكَةً يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ (الْمَعْنَى الْكُلِّيِّ) الَّذِي لَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا فِي الذِّهْنِ، وَبَيْنَ (الْمَعْنَى الْمُقَيَّدِ) الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ. [8]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يَرَى أَنَّ فَهْمَ "الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ" عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ هُوَ الَّذِي كَسَرَ كِبْرِيَاءَ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَنَاطِقَةِ؛ لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّ الْعَقْلَ يَمْنَعُ الِاشْتِرَاكَ فِي الصِّفَاتِ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَالْحَادِثِ. وَيُشِيدُ الشَّيْخُ رَبِيعٌ بِالِاسْتِفْصَالِ التَّيْمِيِّ الَّذِي أَلْزَمَهُمْ بِأَنَّ مَنْ يَنْفِي هَذَا الِاشْتِرَاكِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ (الْوُجُودِ) أَيْضاً، لِأَنَّ لَفْظَ "الْوُجُودِ" مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ. وَهَكَذَا يَمْنَعُ هَذَا التَّأْصِيلُ الطَّالِبَ مِنْ نَفْيِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ خَوْفاً مِنْ أَلْقَابِ (الْمُشَبِّهَةِ) الَّتِي يَرْمِيهِمْ بِهَا أَهْلُ الْإِجْمَالِ. [9]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ:
يُفَصِّلُ فِي شُرُوحِهِ لِلـ (تَدْمُرِيَّةِ) قَاعِدَةَ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ"، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِيهَا سَبَبُ ضَلَالِ كُلِّ النُّفَاةِ. وَيَرَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي "مُسَمَّى الِاسْمِ" لَا يَعْنِي اشْتِرَاكاً فِي "الْكَيْفِ"، فَاللَّهُ لَهُ ذَاتٌ لَا كَالذَّوَاتِ، وَصِفَاتٌ لَا كَالصِّفَاتِ. وَيُؤَصِّلُ آلُ الشَّيْخِ لِلطَّالِبِ كَيْفَ يَمْنَعُ التَّمْثِيلَ بِأَنْ يَقُولَ: "أَنَا أُثْبِتُ الْمَعْنَى لِأَفْهَمَ عَنْ رَبِّي، وَأَنْفِي الْمُمَاثَلَةَ لِأُعَظِّمَ رَبِّي"، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الصَّحِيحُ لِبَابِ الِاسْتِفْصَالِ. [10]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ):
يُبَيِّنُ فِي أَبْحَاثِهِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ هُوَ مِنْ بَابِ (الْمُشَكِّكِ) لَا (الْمُتَوَاطِئِ) عِنْدَ مَنْ يُدَقِّقُ، أَوْ هُوَ أَصْلٌ فِي فَهْمِ لُغَةِ الْوَحْيِ. وَيَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ الطَّالِبَ إِذَا فَهِمَ مَعْنَى "الْكُلِّيِّ الطَّبِيعِيِّ" كَمَا شَرَحَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، اسْتَطَاعَ أَنْ يُعَرِّيَ تَلْبِيسَ الْمُعَطِّلِ الَّذِي يَخْلِطُ بَيْنَ (الْمَعْنَى قَبْلَ الْإِضَافَةِ) وَبَيْنَهُ (بَعْدَهَا)، فَيَمْنَعُ الِانْزِلَاقَ فِي التَّمْثِيلِ بِيَقِينٍ عِلْمِيٍّ قَاطِعٍ. [11]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ):
يُدَقِّقُ فِي مَسْأَلَةِ "الْفَرْقِ بَيْنَ التَّمَاثُلِ وَالِاتِّفَاقِ"؛ فَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ يَكْشِفُ أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الْأَسْمَاءِ ضَرُورَةٌ عَقْلِيَّةٌ لِلْبَيَانِ، وَالتَّمَاثُلَ فِي الْحَقَائِقِ مُمْتَنِعٌ شَرْعاً وَعَقْلاً. وَيُشِيدُ سِنْدِي بِمَنْهَجِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الَّذِي جَعَلَ الِاشْتِرَاكَ اللَّفْظِيَّ "وَسِيلَةً لِلْإِثْبَاتِ" لَا "ذَرِيعَةً لِلنَّفْيِ"، وَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ نُضِيفُهَا لِلَّهِ تَنْتَقِلُ مِنْ حَيِّزِ "الِاشْتِرَاكِ الذِّهْنِيِّ" إِلَى حَيِّزِ "الِاخْتِصَاصِ الْوُجُودِيِّ" الَّذِي لَا يُمَاثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ. [12]
حَاشِيَةٌ
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (3/ 265)، تَعْرِيفَاتُ الْجُرْجَانِيِّ (ص 24).
[2] لِسَانُ الْعَرَبِ لِابْنِ مَنْظُورٍ (11/ 610)، الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 464).
[3] الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (ص 15-20)، تَحْقِيقُ السَّعْوِيِّ.
[4] الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِلدَّارِمِيِّ (ص 145-150)، تَحْقِيقُ الشَّايِعِ.
[5] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (1/ 235-240)، وَمَجْمُوعُ الْفَتَاوَى (3/ 160-165).
[6] الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ لِابْنِ الْقَيِّمِ (2/ 420-430).
[7] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (1/ 165-170).
[8] عَقِيدَةُ التَّوْحِيدِ لِلْفَوْزَانِ (ص 95)، وَشَرْحُ النُّونِيَّةِ.
[9] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ الْمَدْخَلِيُّ (2/ 115).
[10] شَرْحُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ السَّابِعُ).
[11] تَقْرِيبُ التَّدْمُرِيَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 105-110).
[12] تَسْهِيلُ الْعَقِيدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 70-75).
----------------------------------&

الْمَبْحَثُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ: أَثَرُ التَّفْصِيلِ فِي أَلْفَاظِ (الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ)

(تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ: حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا)

أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقُ الْمُفَصَّلُ

  1. ​الْقِدَمُ: لُغَةً ضِدُّ الْحُدُوثِ، وَأَصْلُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ. يُقَالُ: "قَدُمَ الشَّيْءُ" إِذَا مَضَى عَلَيْهِ زَمَنٌ طَوِيلٌ. وَفِي اصْطِلَاحِ النُّفَاةِ: هُوَ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَيَسْتَعْمِلُونَهُ لِنَفْيِ "الْأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ" بِحُجَّةِ أَنَّ إِثْبَاتَهَا يَسْتَلْزِمُ "حُدُوثَ" مَا لَا يَسْبِقُهُ حَادِثٌ. [1]
  2. ​الْحُدُوثُ: لُغَةً كَوْنُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنْهُ (الْحَدِيثُ) لِأَنَّهُ يَقَعُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ. وَفِي الِاصْطِلَاحِ الْكَلَامِيِّ: هُوَ الْوُجُودُ بَعْدَ الْعَدَمِ، وَجَعَلُوهُ دَلِيلاً عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ (دَلِيلُ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ)، وَبَنَوْا عَلَيْهِ نَفْيَ صِفَاتِ الْفِعْلِ. [2]

ثَانِيًا: الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ لِلْمَبْحَثِ

​(هُوَ الِاسْتِفْصَالُ فِي مَعْنَى "الْقِدَمِ" وَ"الْحُدُوثِ" لِتَقْرِيرِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ فَعَّالاً لِمَا يُرِيدُ، وَأَنَّ آحَادَ فِعْلِهِ حَادِثَةٌ بَعْدَ عَدَمِهَا، مَعَ كَوْنِ "نَوْعِ الْفِعْلِ" قَدِيماً بِقِدَمِ ذَاتِهِ، مِمَّا يَمْنَعُ تَنَاقُضَ الْعَقْلِ مَعَ صَرِيحِ النَّقْلِ). [3]

ثَالِثًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)

  1. ​الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ): قَرَّرَ الدَّارِمِيُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إِذَا شَاءَ، وَأَنَّ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ صَارَ "مُتَكَلِّماً" بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَقَدْ وَصَفَهُ بِالنَّقْصِ. وَاسْتَفْصَلَ فِي مَعْنَى "الْحُدُوثِ" لِيُثْبِتَ أَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ الْفِعْلِيَّةَ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهِ (قَدِيماً) أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ مَتَى شَاءَ. وَبَيَّنَ أَنَّ "قِدَمَ الْعَالَمِ" الَّذِي يَدَّعِيهِ الْفَلَاسِفَةُ بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ مَخْلُوقٌ مَسْبُوقٌ بِالْعَدَمِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَنْفِي أَنَّ اللَّهَ كَانَ خَالِقاً فِي الْأَزَلِ، وَهَذَا مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي غَابَ عَنْ أَهْلِ الْكَلامِ. [4]
  2. ​شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ): أَبْدَعَ فِي تَحْرِيرِ لَفْظِ "حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا"؛ حَيْثُ اسْتَفْسَرَ عَنِ الْمُرَادِ بِهَا: فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا (قِدَمُ الْعَالَمِ الْعَيْنِيِّ) فَهَذَا كُفْرٌ وَبَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَنَّ اللَّهَ (لَمْ يَزَلْ فَعَّالاً) وَأَنَّ جِنْسَ مَخْلُوقَاتِهِ لَا أَوَّلَ لَهُ فَهَذَا قَوْلُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفِ. وَبَيَّنَ أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي لَفْظِ "الْحُدُوثِ" أَوْقَعَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي نَفْيِ قِيَامِ الْأَفْعَالِ بِاللَّهِ، فَعَرَّى مَنْهَجَهُمْ بِإِثْبَاتِ أَنَّ "دَوَامَ الْفِعْلِ" صِفَةُ كَمَالٍ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِتَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنِ الْفِعْلِ فِي الْأَزَلِ هُوَ الْبَاطِلُ مَحْضاً. [5]
  3. ​الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ): أَوْضَحَ فِي "شِفَاءِ الْعَلِيلِ" أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي "نَوْعِ الصِّفَةِ" وَ"آحَادِهَا" هُوَ الَّذِي حَلَّ إِشْكَالَ الْقِدَمِ وَالْحُدُوثِ. وَبَيَّنَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى "قَدِيمُ النَّوْعِ، حَادِثُ الْآحَادِ" فِي أَفْعَالِهِ، وَأَنَّ مَنْ نَفَى (حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا) بِمَعْنَى دَوَامِ الْفِعْلِ، فَقَدْ جَعَلَ لِلرَّبِّ حَالَةً كَانَ فِيهَا مُمْتَنِعَ الْفِعْلِ ثُمَّ صَارَ مُمْكِناً، وَهَذَا تَنَاقُضٌ عَقْلِيٌّ صَرِيحٌ. وَرَأَى أَنَّ هَذَا الِاسْتِفْصَالَ هُوَ الَّذِي يَصُونُ الْعَقِيدَةَ مِنْ "قِدَمِ الْفَلَاسِفَةِ" وَمِنْ "تَعْطِيلِ الْمُتَكَلِّمِينَ". [6]

رَابِعًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)

  1. ​الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ): يُبَيِّنُ أَنَّ لَفْظَ "الْقِدَمِ" لَمْ يَرِدْ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ، بَلِ الْوَارِدُ هُوَ (الْأَوَّلُ). وَيُفَصِّلُ لِلطَّالِبِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ خَالِقاً، وَأَنَّ قَوْلَنَا "بِقِدَمِ النَّوْعِ" فِي الْمَخْلُوقَاتِ لَا يَعْنِي أَنَّ شَيْئاً مَعَ اللَّهِ، بَلْ هِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ وَخَلْقِهِ. وَيَرَى أَنَّ الْإِجْمَالَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَبَبُ ضَلَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ ظَنُّوا أَنَّ إِثْبَاتَ (حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا) يُلْزِمُ مِنْهُ قِدَمُ الْعَالَمِ، فَفَصَّلَ الشَّيْخُ بَيْنَ (الْمَسْبُوقِ بِالْعَدَمِ لِكُلِّ فَرْدٍ) وَبَيْنَ (اسْتِمْرَارِ الْفِعْلِ) لِلْخَالِقِ. [7]
  2. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ: يُؤَكِّدُ أَنَّ مَسْأَلَةَ "تَسَلْسُلِ الْحَوَادِثِ" فِيهَا إِجْمَالٌ يَجِبُ كَشْفُهُ؛ فَالتَّسَلْسُلُ فِي الْمَاضِي (فِي الْأَفْعَالِ) حَقٌّ عِنْدَ السَّلَفِ، وَالتَّسَلْسُلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ (فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ) حَقٌّ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا الْجَهْمِيَّةَ. وَيَرَى الْفَوْزَانُ أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي "الْحُدُوثِ" يَمْنَعُ قَوْلَ مَنْ نَفَى الِاسْتِوَاءَ وَالنُّزُولَ بِحُجَّةِ أَنَّهَا "أَعْرَاضٌ حَادِثَةٌ"، فَنَقُولُ: هِيَ حَادِثَةُ الْآحَادِ، لَكِنَّ أَصْلَ الْفِعْلِ صِفَةُ كَمَالٍ قَدِيمَةٌ بِقِدَمِ الرَّبِّ. [8]
  3. ​الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ: يَرَى أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ نَصَرَ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصْراً عَظِيماً بَعْدَ أَنْ ظَلَّ النَّاسُ فِيهَا بَيْنَ فَلَاسِفَةٍ يَقُولُونَ بِقِدَمِ الْعَيْنِ، وَمُتَكَلِّمِينَ يَقُولُونَ بَانْقِطَاعِ الْفِعْلِ. وَيُثْنِي الشَّيْخُ رَبِيعٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي يُبَيِّنُ عِظَمَ قُدْرَةِ اللَّهِ وَدَوَامَ خَلْقِهِ، وَيَعْتَبِرُ أَنَّ مَنْ رَدَّ قَوْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي (حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا) فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ كَوْنِ الرَّبِّ لَمْ يَزَلْ قَائِماً بِأَفْعَالِهِ. [9]
  4. ​الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ: يُفَصِّلُ فِي شَرْحِهِ لِلـ (تَحَاوِيَّةِ) وَ(الْحَمَوِيَّةِ) بَيْنَ "الْقِدَمِ الزَّمَانِيِّ" وَ"الْقِدَمِ الذَّاتِيِّ". وَيَرَى أَنَّ الِاسْتِفْصَالَ عَنْ لَفْظِ "الْحُدُوثِ" هُوَ مِفْتَاحُ نَقْضِ (دَلِيلِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ) الَّذِي بَنَى عَلَيْهِ الْأَشَاعِرَةُ نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ. وَيُؤَصِّلُ لِلطَّالِبِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ "الْأَوَّلُ" الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ فَعَلَهُ فَقَدْ فَعَلَهُ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَفْعُولاً، دُونَ أَنْ يَلْزَمَ مِنْ ذَلِكَ تَعْطِيلُ الذَّاتِ عَنْ جِنْسِ الْفِعْلِ. [10]
  5. ​الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (الْمُحَقِّقُ): يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْمَبْحَثَ هُوَ لُبُّ الصِّرَاعِ بَيْنَ (التَّصَوُّرِ السَّلَفِيِّ) وَ(التَّصَوُّرِ الْيُونَانِيِّ) لِلْخَالِقِ. وَيَرَى أَنَّ التَّفْصِيلَ فِي "دَوَامِ الْفِعْلِ" هُوَ الَّذِي عَرَّى كِذْبَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ رَمَوْا شَيْخَ الْإِسْلَامِ بِالْقَوْلِ بِقِدَمِ الْعَالَمِ. وَيُدَرِّبُ الطَّالِبَ عَلَى كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ بِأَنَّ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ (دَائِمَةُ النَّوْعِ) بِفِعْلِ اللَّهِ، وَأَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ دَلَائِلِ الْقَيُّومِيَّةِ الَّتِي غَفَلَ عَنْهَا أَهْلُ الْكَلامِ. [11]
  6. ​الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (الْمُحَقِّقُ): يُدَقِّقُ فِي (أَثَرِ التَّفْصِيلِ) فِي نَقْضِ أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ؛ فَيَرَى أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ اسْتَخْدَمَ الِاسْتِفْصَالَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ "الْمُوجِبَ بِالذَّاتِ" عِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ يَنْفِي الْمَشِيئَةَ، بَيْنَمَا "الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ" عِنْدَ السَّلَفِ يُثْبِتُ كَمَالَ الْمَشِيئَةِ وَدَوَامَ الْفِعْلِ. وَيُشِيدُ سِنْدِي بِمَنْعِ الْإِجْمَالِ فِي لَفْظِ "الْقِدَمِ" لِأَنَّهُ أَوْرَثَ بَلْبَلَةً فِي مَعْرِفَةِ صِفَاتِ اللَّهِ، فَالْفَرْقُ بَيْنَ (الْقِدَمِ الْعَيْنِيِّ) وَ(النَّوْعِيِّ) هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ. [12]

حَاشِيَةٌ

  • ​[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (5/ 65)، تَاجُ الْعَرُوسِ (مَادَّةُ قَدَمَ).
  • ​[2] لِسَانُ الْعَرَبِ (2/ 131)، تَعْرِيفَاتُ الْجُرْجَانِيِّ (ص 85).
  • ​[3] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (9/ 150-160)، تَحْقِيقُ رَشَادٍ سَالِمٍ.
  • ​[4] الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِالدَّارِمِيِّ (ص 160-170).
  • ​[5] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (6/ 300-310).
  • ​[6] شِفَاءُ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ لِابْنِ الْقَيِّمِ (ص 220-230).
  • ​[7] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَّارِينِيَّةِ لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 145-150).
  • ​[8] تَعْلِيقَاتٌ عَلَى الرَّسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ لِلْفَوْزَانِ (ص 120-125).
  • ​[9] بَيَانُ الْمَحَجَّةِ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدْعَةِ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (ص 60).
  • ​[10] شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ التَّاسِعُ).
  • ​[11] تَقْرِيبُ التَّدْمُرِيَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (ص 120).
  • ​[12] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 150-160).
-------------------------------------&

المبحث الثاني والعشرون 
 الِاسْتِئْصَالُ لِشُبُهَاتِ الْإِجْمَالِ وَبَيَانُ الْجِنَايَةِ الْكُبْرَى
أَوَّلاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالتَّحْقِيقُ لِمُفْرَدَاتِ الْخَاتِمَةِ
الْجِنَايَةُ: لُغَةً مِنَ (جَنَى)، وَالْجِنَايَةُ هِيَ كُلُّ فِعْلٍ مَحْظُورٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَأَصْلُهَا أَخْذُ الثَّمَرَةِ مِنْ شَجَرِهَا، فَسُمِّيَ الذَّنْبُ جِنَايَةً لِأَنَّهُ يَجْنِي عَلَى صَاحِبِهِ الشَّرَّ. وَاصْطِلَاحاً هُنَا: هُوَ التَّعَدِّي عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْعُقُولِ السَّلِيمَةِ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّعْطِيلِ. [1]
الْعَقْلُ: لُغَةً مِنَ (الْعَقْلِ) وَهُوَ الْإِمْسَاكُ وَالرَّبْطُ، كَعَقْلِ الْبَعِيرِ. وَهُوَ النُّورُ الَّذِي يُمَيِّزُ بِهِ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الْحَقَائِقِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهِ تَكُونُ بِإِشْغَالِهِ بِالْمُتَنَاقِضَاتِ الَّتِي تَنْفِي صَرِيحَ الْمَعْقُولِ. [2]
الْفِطْرَةُ: لُغَةً مِنَ (الْفَطْرِ) وَهُوَ الِابْتِدَاءُ وَالِاخْتِرَاعُ، وَهِيَ الْخِلْقَةُ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ الْعِبَادَ عَلَيْهَا مِنْ مَعْرِفَةِ خَالِقِهِمْ وَتَعْظِيمِهِ وَإِثْبَاتِ عُلُوِّهِ. وَالْجِنَايَةُ عَلَيْهَا تَكُونُ بِتَدْنِيسِهَا بِشُبُهَاتِ التَّشْكِيكِ وَالنَّفْيِ. [3]
ثَانِيًا: تَمْهِيدٌ فِي خَطَرِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ (الْبَيَانُ الرَّصِينُ)
إِنَّ مَعْرَكَةَ "الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ" لَيْسَتْ مَعْرَكَةً لُغَوِيَّةً مَحْضَةً، بَلْ هِيَ جِنَايَةٌ عُظْمَى زَلْزَلَتْ أَرْكَانَ الِاعْتِقَادِ عِنْدَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ. لَقَدْ اتَّهَمَ هَؤُلَاعِ "النَّقْلَ" بِأَنَّهُ قَلِيلُ الْبَيَانِ، وَرَمَوْا النَّبِيَّ ﷺ بِتَجْهِيلِ الْأُمَّةِ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّهُ خَاطَبَهُمْ بِمَا لَا يَعْقِلُونَ مَعْنَاهُ، وَنَسَبُوا الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ إِلَى الْجَهَالَةِ بِتَرْكِ مَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ. هَذِهِ الْجِنَايَةُ شَمِلَتِ الْعَامِّيَّ الَّذِي فُسِدَتْ فِطْرَتُهُ بِنَفْيِ عُلُوِّ رَبِّهِ، وَطَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي تِهَ فِي دَيَاجِيرِ "الْجَوْهَرِ وَالْعَرَضِ"، وَالْعَالِمَ الَّذِي اتَّبَعَهُمْ فَصَارَ حَيْرَانَ لَا يَقِرُّ لَهُ قَرَارٌ. [4]
ثَالِثًا: اللَّوَازِمُ الْعَشَرَةُ الْبَاطِلَةُ لِأَهْلِ الْإِجْمَالِ وَالتَّعْطِيلِ
إِنَّ الْقَوْلَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا مِنْ تَعْطِيلٍ يَسْتَلْزِمُ عَشَرَةَ مَفَاسِدَ عُظْمَى:
لَازِمُ التَّجْهِيلِ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ وَالصَّحَابَةَ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ مَعَانِي مَا نَطَقُوا بِهِ مِنَ الصِّفَاتِ.
لَازِمُ التَّلْبِيسِ: أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْخَلْقَ بِمَا ظَاهِرُهُ كُفْرٌ (تَشْبِيهٌ) وَبَاطِنُهُ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَمْ يُبَيِّنْهُ.
لَازِمُ التَّنَاقُضِ: أَنَّ الْعَقْلَ الصَّرِيحَ يُعَارِضُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ، فَيُقَدَّمُ الْعَقْلُ.
لَازِمُ التَّعْطِيلِ الْكُلِّيِّ: أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَقْتَضِي التَّرْكِيبَ وَالتَّجْسِيمَ، فَيَلْزَمُ نَفْيُهَا كُلِّهَا.
لَازِمُ التَّفْوِيضِ (التَّجْهِيلِ): أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامٌ مَهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ فِي بَابِ الْإِلَهِيَّاتِ.
لَازِمُ التَّحْرِيفِ (التَّأْوِيلِ): أَنَّ اللُّغَةَ لَا ضَابِطَ لَهَا، فَيُصْرَفُ اللَّفْظُ لِكُلِّ مَا يَهْوَاهُ الْعَقْلُ.
لَازِمُ اتِّهَامِ الْفِطْرَةِ: أَنَّ مَا يَجِدُهُ الْمُسْلِمُ فِي قَلْبِهِ مِنْ قَصْدِ الْعُلُوِّ هُوَ وَهْمٌ وَخَيَالٌ.
لَازِمُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمُمْتَنِعِ وَالْوَاجِبِ: حَيْثُ نَفَوْا عَنِ اللَّهِ مَا لَا يُوصَفُ بِهِ إِلَّا الْعَدَمُ.
لَازِمُ إِفْسَادِ بَابِ الْأَسْمَاءِ: بِجَعْلِهَا أَسْمَاءً جَامِدَةً (سَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ).
لَازِمُ الِانْقِطَاعِ عَنِ السَّلَفِ: بِاعْتِبَارِ مَنْهَجِهِمْ (أَسْلَمَ) وَمَنْهَجَ الْخَلَفِ (أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ)، وَهِيَ كَلِمَةٌ بَاطِلَةٌ. [5]
رَابِعًا: تَقْسِيمَاتُ الْفِرَقِ وَمَسَالِكُهُمْ فِي الْجِنَايَةِ
الْمُعَطِّلَةُ كُلِّيًّا (الْجَهْمِيَّةُ): نَفَوْا الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ، وَجَعَلُوا الرَّبَّ عَدَماً، وَهَؤُلَاءِ جَنَوْا عَلَى الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ بِالْمَحْوِ.
الْمُعْتَزِلَةُ: أَثْبَتُوا الْأَسْمَاءَ لَفْظاً وَنَفَوْا الصِّفَاتِ مَعْنًى (عَلِيمٌ بِلَا عِلْمٍ)، وَجِنَايَتُهُمْ فِي التَّنَاقُضِ بَيْنَ الِاسْمِ وَمُقْتَضَاهُ.
أَهْلُ التَّأْوِيلِ (الْأَشَاعِرَةُ وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ): جَنَوْا عَلَى النُّصُوصِ بِصَرْفِهَا عَنْ حَقَائِقِهَا بِمُوجِبِ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، وَفَرَّقُوا بَيْنَ الصِّفَاتِ بِتَحَكُّمٍ بَارِدٍ، مَعَ أَنَّ "الْقَوْلَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ".
أَهْلُ التَّفْوِيضِ (أَهْلُ التَّجْهِيلِ): زَعَمُوا أَنَّ مَعَانِيَ الصِّفَاتِ غَيْرُ مَعْلُومَةٍ، فَرَمَوْا الصَّحَابَةَ بِالْجَهْلِ، وَهِيَ شَرُّ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ.
الْكُلَّابِيَّةُ (أَتْبَاعُ ابْنِ كُلَّابٍ): كَانُوا أَقْرَبَ لِلْإِثْبَاتِ لَكِنَّهُمْ أَصَّلُوا نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، فَجَنَوْا عَلَى فِعْلِ الرَّبِّ وَمَشِيئَتِهِ. [6]
خَامِسًا: أَقْوَالُ أَئِمَّةِ التَّحْقِيقِ (الْقُدَامَى)
الْإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ (ت 280هـ):
(سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ). بَيَّنَ الدَّارِمِيُّ فِي نَقْضِهِ أَنَّ جِنَايَةَ أَهْلِ الْإِجْمَالِ تَعُودُ إِلَى "نَفْيِ الْمَعْبُودِ"؛ فَقَالَ: "إِنَّمَا أَرَادُوا بِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ أَنْ لَا يُعْبَدَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ". وَأَوْضَحَ أَنَّهُمْ إِذَا نَفَوْا (الْجِسْمَ) قَصَدُوا نَفْيَ (الذَّاتِ)، وَإِذَا نَفَوْا (الْعَرَضَ) قَصَدُوا نَفْيَ (الصِّفَةِ). وَكَانَ رَدُّهُ قَائِماً عَلَى أَنَّ اللَّهَ بَيَّنَ نَفْسَهُ لِعِبَادِهِ تَبْيِيناً شَافِيًا لَا مَجَالَ فِيهِ لِتَجْهِيلِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ نَفَى مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَذَّبَ بِالْوَحْيِ. [7]
شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت 728هـ):
(سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ). أَفْرَدَ مُجَلَّدَاتٍ لِبَيَانِ أَنَّ "الْقَوْلَ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ"؛ فَمَنْ أَثْبَتَ لِلَّهِ ذَاتاً لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَاتٍ لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ. وَبَيَّنَ أَنَّ جِنَايَةَ الْمُتَكَلِّمِينَ هِيَ فِي تَجْزِئَةِ هَذَا الْبَابِ؛ فَالْأَشْعَرِيُّ يُثْبِتُ الْإِرَادَةَ وَيَنْفِي الرَّحْمَةَ بِحُجَّةِ أَنَّ الرَّحْمَةَ فِيهَا "رِقَّةٌ"، فَيُرَدُّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْإِرَادَةَ فِيهَا "مَيْلٌ"، فَإِمَّا أَنْ تَنْفِيَ الْكُلَّ أَوْ تُثْبِتَ الْكُلَّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ. وَتَوَسَّعَ فِي نَقْضِ "التَّفْوِيضِ" وَسَمَّاهُ مَذْهَبَ أَهْلِ التَّجْهِيلِ الَّذِينَ جَنَوْا عَلَى النُّبُوَّةِ. [8]
الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت 751هـ):
(سَبَقَتْ تَرْجَمَتُهُ). أَوْضَحَ فِي (الصَّوَاعِقِ) أَنَّ جِنَايَةَ هَؤُلَاءِ عَلَى "الْعَقْلِ" هِيَ فِي تَقْدِيمِهِمْ لِلظُّنُونِ الْفَلْسَفِيَّةِ عَلَى الْيَقِينِيَّاتِ الشَّرْعِيَّةِ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْمَجَازَ" كَانَ أَعْظَمَ جِنَايَةٍ عَلَى اللُّغَةِ؛ حَيْثُ جُعِلَ سُلَّماً لِنَفْيِ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ. وَأَكَّدَ أَنَّ الْفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ تَأْبَى هَذَا التَّعْطِيلَ، وَأَنَّ الطَّالِبَ الصَّادِقَ هُوَ مَنْ يَكْسِرُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِيَصِلَ إِلَى رِيَاضِ النُّصُوصِ، وَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْطِيلَ الْجُزْئِيَّ هُوَ قَنْطَرَةٌ لِلتَّعْطِيلِ الْكُلِّيِّ. [9]
سَادِسًا: أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ (الْمُعَاصِرُونَ)
الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ ابْنُ عُثَيْمِينَ (ت 1421هـ):
قَسَّمَ جِنَايَةَ أَهْلِ الْكَلامِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: جِنَايَةٌ عَلَى "النَّصِّ" بِالتَّحْرِيفِ، وَجِنَايَةٌ عَلَى "الْمَعْنَى" بِالنَّفْيِ، وَجِنَايَةٌ عَلَى "الْأُمَّةِ" بِالتَّبَلْبُلِ. وَأَصَّلَ أَنَّ بَابَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ بَابٌ وَاحِدٌ؛ فَمَنْ أَثْبَتَ بَعْضاً وَنَفَى بَعْضاً فَقَدْ تَنَاقَضَ عَقْلُهُ. وَتَوَسَّعَ فِي بَيَانِ أَنَّ التَّفْوِيضَ هُوَ "تَجْهِيلٌ" لِلرَّسُولِ ﷺ، وَأَنَّ الْوَاجِبَ إِثْبَاتُ الْمَعْنَى وَتَفْوِيضُ الْكَيْفِ، وَهَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ الَّذِي يَمْنَعُ الْجِنَايَةَ عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ. [10]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ:
يُبَيِّنُ أَنَّ تَقْسِيمَاتِ الْمُعَطِّلَةِ (جَهْمِيَّة، مُعْتَزِلَة، أَشَاعِرَة) هِيَ دَرَجَاتٌ فِي الضَّلَالِ؛ فَأَخَفُّهُمْ جِنَايَةً هُوَ شَرٌّ مِمَّنْ تَبِعَ السَّلَفَ. وَيَرَى أَنَّ مَسْلَكَ "التَّأْوِيلِ" عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ، لِأَنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ خَاطَبَ النَّاسَ بِمَا يُوهِمُ التَّشْبِيهَ. وَيُشَدِّدُ الْفَوْزَانُ عَلَى أَنَّ الْبَابَ بَابٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّ جِنَايَةَ الْمُفَوِّضَةِ أَعْظَمُ لِأَنَّهُمْ سَدُّوا بَابَ الْعِلْمِ بِاللَّهِ كُلِّيَّةً. [11]
الْعَلَّامَةُ رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ:
يَرَى أَنَّ جِنَايَةَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ أَفْسَدَتِ الْعَقْلِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ حَتَّى صَارَتْ تَقْبَلُ الْمَنْطِقَ وَتَرُدُّ الْقُرْآنَ. وَيُوَضِّحُ أَنَّ مَنْ نَفَى الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ جَنَى عَلَى قَيُّومِيَّةِ الرَّبِّ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ اتِّهَامَ الصَّحَابَةِ بِالْجَهَالَةِ هُوَ هَدْمٌ لِلشَّرِيعَةِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ الَّذِينَ نَقَلُوا لَنَا الصِّفَاتِ هُمُ الَّذِينَ نَقَلُوا لَنَا الصَّلَاةَ، فَإِذَا كَانُوا جُهَّالاً فِي هَذِهِ فَهُمْ فِي تِلْكَ أَجْهَلُ، وَهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ. [12]
الْعَلَّامَةُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ آلُ الشَّيْخِ (الْمُحَقِّقُ):
تَوَسَّعَ فِي شَرْحِ كَيْفَ أَنَّ "الْقَوْلَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ"؛ فَبَيَّنَ لِلطَّالِبِ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ (الْحَيَاةَ) لَزِمَهُ إِثْبَاتُ (الْكَلَامِ)، وَمَنْ أَثْبَتَ (الْعِلْمَ) لَزِمَهُ إِثْبَاتُ (الْغَضَبِ وَالرِّضَا) كُلٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ. وَرَأَى أَنَّ جِنَايَةَ الْأَشَاعِرَةِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ "الْعَقْلِيَّاتِ" وَ"الْخَبَرِيَّاتِ" هِيَ جِنَايَةٌ عَلَى وَحْدَةِ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، وَهِيَ الَّتِي أَوْرَثَتِ الطُّلَّابَ التَّشَتُّتَ. [13]
الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيُّ (تَوَسُّعٌ):
أَفْرَدَ دِرَاسَاتٍ مُوسَّعَةً فِي نَقْضِ "دَلِيلِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ"؛ وَبَيَّنَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ هُوَ أَصْلُ الْجِنَايَةِ عَلَى الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ. وَقَسَّمَ الْمُعَطِّلَةَ تَقْسِيماً دَقِيقاً بَيْنَ "نُفَاةِ الْأَصْلِ" وَ"نُفَاةِ الْكَمَالِ". وَتَوَسَّعَ فِي تَبْيِينِ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الذَّاتَ (الَّتِي يُسَمُّونَهَا جَوْهَراً) فَقَدْ نَقَضَ أَصْلَهُ فِي نَفْيِ التَّمْثِيلِ، لِأَنَّ الْمَخْلُوقَ لَهُ ذَاتٌ أَيْضاً، فَإِذَا صَحَّ ذَاتٌ لَا كَالذَّوَاتِ صَحَّ صِفَاتٌ لَا كَالصِّفَاتِ، وَبِهَذَا التَّحْقِيقِ نَسَفَ مَذْهَبَ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْوِيضِ مِنْ أَسَاسِهِ الْعَقْلِيِّ. [14]
الدُّكْتُورُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سِنْدِي (تَوَسُّعٌ وَتَحْقِيقٌ):
يُعَدُّ سِنْدِي مِنْ أَبْرَعِ مَنْ عَرَّى جِنَايَةَ أَهْلِ الْكَلامِ عَلَى "الْعَقْلِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ"؛ فَبَيَّنَ فِي تَقْسِيمَاتِهِ أَنَّ "التَّعْطِيلَ الْجُزْئِيَّ" عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ هُوَ تَنَاقُضٌ (بُرْهَانِيٌّ)، حَيْثُ نَفَوْا لَوَازِمَ مَا أَثْبَتُوهُ. وَتَوَسَّعَ فِي بَيَانِ أَنَّ (الْإِجْمَالَ) كَانَ مَقْصُوداً لِتَمْرِيرِ الشُّبُهَاتِ عَلَى الْعَامَّةِ. وَأَصَّلَ لِقَاعِدَةِ "الْبَابُ الْوَاحِدُ" بِأَنَّ مَنْ جَزَّأَ الصِّفَاتِ فَقَدْ طَعَنَ فِي حِكْمَةِ الْمُشَرِّعِ، وَجَنَى عَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ بِحِرْمَانِهِ مِنْ مَعْرِفَةِ رَبِّهِ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَأَنَّ جِنَايَتَهُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ لَا تُمْحَى إِلَّا بِالْعَوْدَةِ إِلَى مَعِينِ الْوَحْيِ الصَّافِي. [15]
حَاشِيَةُ الْخَاتِمَةِ
[1] مَقَايِيسُ اللُّغَةِ لِابْنِ فَارِسٍ (1/ 480)، لِسَانُ الْعَرَبِ (15/ 30).
[2] تَعْرِيفَاتُ الْجُرْجَانِيِّ (ص 150).
[3] الْمُفْرَدَاتُ لِلرَّاغِبِ (ص 380).
[4] مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (5/ 5-15)، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ (1/ 200).
[5] دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ (1/ 200-220)، وَتَقْرِيبُ التَّدْمُرِيَّةِ لِلتَّمِيمِيِّ.
[6] مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ (1/ 150-180)، الْمُدَوَّنَةُ الْعَقَدِيَّةُ (ص 200).
[7] النَّقْضُ عَلَى الْمِرِّيسِيِّ لِلدَّارِمِيِّ (ص 250-260).
[8] بَيَانُ تَلْبِيسِ الْجَهْمِيَّةِ لِابْنِ تَيْمِيَّةَ (2/ 400-410).
[9] مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ لِلْمَوْصِلِيِّ (ص 150-160).
[10] شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى لِابْنِ عُثَيْمِينَ (ص 110-120).
[11] تَعْلِيقَاتٌ عَلَى نُونِيَّةِ ابْنِ الْقَيِّمِ لِلْفَوْزَانِ (1/ 300).
[12] الْمَجْمُوعُ الرَّائِقُ لِلشَّيْخِ رَبِيعٍ (2/ 150-160).
[13] شَرْحُ الْفَتْوَى الْحَمَوِيَّةِ لِصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ (الدَّرْسُ الْعَاشِرُ).
[14] مَنْهَجُ السَّلَفِ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِمُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ (ص 250-280).
[15] نَقْضُ عَقَائِدِ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ لِصَالِحٍ سِنْدِي (ص 200-220).
----------------------------&
نَتَائِجُ الْبَحْثِ (ثَلَاثُونَ جَوْهَرَةً فِي فِقْهِ الِاسْتِفْصَالِ)
الْأَصْلُ فِي الْأَلْفَاظِ الْوُجُوبُ: أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ هُوَ الِالْتِزَامُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ إِثْبَاتاً وَنَفْياً، لِأَنَّهَا مَعْصُومَةٌ وَتَوْقِيفِيَّةٌ.
خَطَرُ الْإِجْمَالِ: أَنَّ الْأَلْفَاظَ الْمُجْمَلَةَ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ هِيَ الْمَعْبَرَ الرَّئِيسِيَّ لِتَسَلُّلِ شُبُهَاتِ التَّعْطِيلِ وَالتَّحْرِيفِ إِلَى عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ.
قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ: أَنَّ اللَّفْظَ الْمُجْمَلَ لَا يُرَدُّ رَدّاً مُطْلَقاً وَلَا يُقْبَلُ قَبُولاً مُطْلَقاً، بَلْ يُسْتَفْسَرُ عَنْ مَعْنَاهُ.
تَحْرِيرُ مَعْنَى الْجِهَةِ: أَنَّ نَفْيَ الْجِهَةِ إِجْمَالاً جِنَايَةٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهَا جِهَةُ مَخْلُوقٍ تُحِيطُ بِهِ فَهِيَ مَنْفِيَّةٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا الْعُلُوُّ الْمُطْلَقُ فَهِيَ حَقٌّ ثَابِتٌ.
حَقِيقَةُ الْجِسْمِ: أَنَّ لَفْظَ "الْجِسْمِ" لَمْ يَرِدْ نَفْيُهُ وَلَا إِثْبَاتُهُ، وَالِاسْتِفْصَالُ فِيهِ يَكْشِفُ أَنَّ النُّفَاةَ أَرَادُوا بِهِ نَفْيَ حَقِيقَةِ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ.
بُطْلَانُ طَاغُوتِ الْمَجَازِ: أَنَّ نُصُوصَ الصِّفَاتِ كُلَّهَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازَ فِيهَا، لِأَنَّ الْمَجَازَ يَصِحُّ نَفْيُهُ، وَصِفَاتُ اللَّهِ لَا تُنْفَى.
الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ ضَرُورَةٌ: أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي أَصْلِ الْمَعْنَى بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ هُوَ وَسِيلَةُ فَهْمِ الْخِطَابِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّمْثِيلُ أَبَداً.
تَمَايُزُ الْأَعْيَانِ: أَنَّ الصِّفَةَ عِنْدَ الْإِضَافَةِ تَتَمَيَّزُ؛ فَصِفَةُ الْخَالِقِ تَخُصُّهُ وَتَلِيقُ بِهِ، وَصِفَةُ الْمَخْلُوقِ تَخُصُّهُ وَتَلِيقُ بِهِ.
الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ: هِيَ الْقَاعِدَةُ الذَّهَبِيَّةُ الَّتِي تَهْدِمُ تَنَاقُضَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشَاعِرَةِ فِي إِثْبَاتِ بَعْضٍ وَنَفْيِ آخَرَ.
الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ: تَلْزَمُ مَنْ أَثْبَتَ "الْعِلْمَ" مَثَلاً أَنْ يُثْبِتَ "الْمَحَبَّةَ" وَ"الِاسْتِوَاءَ" بِذَاتِ الطَّرِيقَةِ الْعَقْلِيَّةِ.
نَقْضُ دَلِيلِ حُدُوثِ الْأَجْسَامِ: أَنَّهُ دَلِيلٌ بَاطِلٌ أَوْرَثَ نَفْيَ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَمُصَادَمَةَ صَرِيحِ الْقُرْآنِ.
إِثْبَاتُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا: بِمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ فَعَّالاً، وَأَنَّ جِنْسَ فِعْلِهِ لَا يَنْقَطِعُ، وَهِيَ صِفَةُ كَمَالٍ لِلْقَيُّومِ.
جِنَايَةُ التَّفْوِيضِ: أَنَّ مَذْهَبَ "الْمُفَوِّضَةِ" هُوَ أَخْبَثُ الْمَذَاهِبِ لِأَنَّهُ يَرْمِي السَّلَفَ بِالْجَهْلِ بِتَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ.
بُطْلَانُ التَّأْوِيلِ الْكَلَامِيِّ: أَنَّهُ تَحْرِيفٌ لِلْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَرَجْمٌ بِالْغَيْبِ فِي كَلَامِ اللَّهِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
الْفِطْرَةُ حُجَّةٌ: أَنَّ إِثْبَاتَ الْعُلُوِّ مَغْرُوسٌ فِي الْفِطْرَةِ، وَلَا يُعَارِضُهَا إِلَّا شُبُهَاتُ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ.
الْعَقْلُ الصَّرِيحُ يُوَافِقُ النَّقْلَ: أَنَّهُ لَا يُوجَدُ تَعَارُضٌ قَطُّ بَيْنَ عَقْلٍ سَلِيمٍ وَنَصٍّ صَحِيحٍ، وَالتَّعَارُضُ مَوْهُومٌ فِي أَذْهَانِ الْمُعَطِّلَةِ.
الِاشْتِرَاكُ اللَّفْظِيُّ لَا يُوجِبُ التَّشْبِيهَ: تَمَاماً كَمَا نَقُولُ "عَيْنُ الْإِنْسَانِ" وَ"عَيْنُ الْإِبْرَةِ"؛ فَالِاسْمُ وَاحِدٌ وَالْحَقِيقَةُ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ شَاسِعٌ.
جِنَايَةُ ابْنِ كُلَّابٍ: أَنَّهُ أَسَّسَ لِبِدْعَةِ "الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ" لِيَفِرَّ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ، فَوَقَعَ فِي شَرٍّ مِنْهَا.
تَنَاقُضُ الْأَشَاعِرَةِ: أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا سَبْعَ صِفَاتٍ عَقْلاً وَنَفَوْا مَا عَدَاهَا، مَعَ أَنَّ مَا نَفَوْهُ ثَابِتٌ بِنَفْسِ الدَّلِيلِ الَّذِي أَثْبَتُوا بِهِ.
بُطْلَانُ اتِّهَامِ السَّلَفِ بِالتَّجْسِيمِ: أَنَّ كُلَّ مَنْ رَمَى الصَّحَابَةَ أَوْ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ بِالتَّجْسِيمِ فَقَدْ جَنَى عَلَى الشَّرِيعَةِ وَتَبِعَ سَبِيلَ الْجَهْمِيَّةِ.
الِاسْتِفْصَالُ حِمَايَةٌ لِلْعَامَّةِ: لِكَيْلَا يَنْخَدِعُوا بِأَلْفَاظِ "التَّنْزِيهِ" الزَّائِفَةِ الَّتِي تُخْفِي تَحْتَهَا نَفْيَ الْخَالِقِ.
بَيَانُ الرُّسُلِ كَامِلٌ: أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ بَيَّنَ لِلْأُمَّةِ رَبَّهَا أَتَمَّ بَيَانٍ، وَلَمْ يَتْرُكْهَا لِأَلْغَازِ الْفَلَاسِفَةِ.
بُطْلَانُ قَوْلِ (أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ): أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ هُوَ الْأَسْلَمُ وَالْأَعْلَمُ وَالْأَحْكَمُ، وَمَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ جَهِلَ مَقَامَ السَّلَفِ.
الْقَوْلُ فِي الرُّؤْيَةِ كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ: فَمَنْ جَوَّزَ الرُّؤْيَةَ لَزِمَهُ إِثْبَاتُ الْجِهَةِ (الْعُلُوِّ) لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِلَا مُقَابَلَةٍ مُحَالٌ عَقْلاً.
الْأَلْفَاظُ الْمُحْدَثَةُ لَا تُعَارِضُ الْيَقِينِيَّاتِ: لَا يَجُوزُ رَدُّ آيَةٍ أَوْ حَدِيثٍ لِأَنَّهُ يُوهِمُ مَا سَمَّاهُ الْمُتَأَخِّرُونَ (عَرَضاً) أَوْ (حَيِّزاً).
الْجَهْمِيَّةُ هِيَ أُمُّ التَّعْطِيلِ: وَكُلُّ مَنْ نَفَى شَيْئاً مِنَ الصِّفَاتِ فَقَدْ وَرِثَ شُعْبَةً مِنْ مَذْهَبِ جَهْمٍ.
تَحْرِيرُ مَعْنَى "الْكَيْفِ": أَنَّ الصِّفَاتِ لَهَا "كَيْفٌ" لَكِنَّهُ مَجْهُولٌ لَنَا، فَنَحْنُ نَنْفِي الْعِلْمَ بِالْكَيْفِ لَا أَصْلَ الْكَيْفِ.
أَثَرُ الْإِجْمَالِ عَلَى الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ: أَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ عَادَوْا أَهْلَ السُّنَّةِ بِسَبَبِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَسَمَّوْهُمْ (حَشَوِيَّةً) وَ(مُشَبِّهَةً).
الِاسْتِفْصَالُ مَنْهَجٌ عِلْمِيٌّ مُنْضَبِطٌ: يُعَلِّمُ الْبَاحِثَ الدِّقَّةَ فِي النَّقْلِ وَالْأَمَانَةَ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الْمُخَالِفِينَ.
الْخُلَاصَةُ الْكُبْرَى: أَنَّ السَّعَادَةَ وَالنَّجَاةَ فِي اتِّبَاعِ مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ، وَطَرْحِ كُلِّ مَا أَحْدَثَهُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ.

التَّوْصِيَاتُ الْعِلْمِيَّةُ وَالْعَمَلِيَّةُ (ثَلَاثُونَ وَصِيَّةً لِطَالِبِ التَّحْقِيقِ)
الِاعْتِصَامُ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ: نُوصِي طَالِبَ الْعِلْمِ أَنْ يَجْعَلَ لِسَانَهُ تَبَعاً لِلْوَحْيِ، فَلَا يُعَبِّرَ عَنِ الْعَقَائِدِ إِلَّا بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَهِيَ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَأَسْلَمُ.
تَفْعِيلُ سِلَاحِ الِاسْتِفْصَالِ: نُوصِي بِعَدَمِ الْتِزَامِ النَّفْيِ أَوِ الْإِثْبَاتِ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ (كَالْحَيِّزِ وَالْجِهَةِ) حَتَّى يُسْتَفْسَرَ عَنْ مَعْنَاهَا، قَطْعاً لِطَرِيقِ التَّلْبِيسِ.
دِرَاسَةُ كُتُبِ الرُّدُودِ الْمُسْنَدَةِ: نُوصِي بِالْعِنَايَةِ بِكُتُبِ الدَّارِمِيِّ وَأَحْمَدَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ، لِأَنَّهَا كَشَفَتْ عَوَارَ الْإِجْمَالِ قَبْلَ أَنْ يَنْتَشِرَ مَذْهَبُ الْمُتَأَخِّرِينَ.
الْحَذَرُ مِنْ "طَاغُوتِ الْمَجَازِ": نُوصِي بِالتَّنَبُّهِ لِكُلِّ مَنْ يَسْتَعْمِلُ لَفْظَ "الْمَجَازِ" لِنَفْيِ حَقَائِقِ الصِّفَاتِ، وَتَقْرِيرِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْكَلَامِ الْحَقِيقَةُ.
تَأْصِيلُ قَاعِدَةِ "الْبَابُ الْوَاحِدُ": نُوصِي بِتَدْرِيسِ الطُّلَّابِ أَنَّ الْقَوْلَ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ، لِيَعْلَمُوا تَنَاقُضَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
تَنْقِيَةُ الْمَكْتَبَةِ الْعَقَدِيَّةِ: نُوصِي الْمُحَقِّقِينَ بِتَحْذِيرِ النَّاسِ مِنَ الْحَوَاشِي الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَى أُصُولٍ كَلَامِيَّةٍ وَأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ تَمْحُو عَقِيدَةَ السَّلَفِ.
الْعِنَايَةُ بِـ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ": نُوصِي بِبَسْطِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ لِلنَّاسِ لِيَفْهَمُوا كَيْفَ نُثْبِتُ الصِّفَةَ لِلَّهِ دُونَ سُقُوطٍ فِي التَّمْثِيلِ.
الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ التَّجْهِيلِ: نُوصِي بِالتَّصَدِّي لِمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا "مُفَوِّضَةً" لِلْمَعْنَى، وَبَيَانِ أَنَّ التَّفْوِيضَ هُوَ جِنَايَةٌ عَلَى عِلْمِ الصَّحَابَةِ.
رَبْطُ الْعَقِيدَةِ بِالْفِطْرَةِ: نُوصِي الدُّعَاةَ بِتَنْبِيهِ الْعَامَّةِ إِلَى أَنَّ مَا يَجِدُونَهُ فِي فِطْرَتِهِمْ مِنْ عُلُوِّ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي وَافَقَ الصَّرِيحَ مِنَ النَّقْلِ.
تَحْرِيرُ الِاصْطِلَاحَاتِ الْحَادِثَةِ: نُوصِي بِعَقْدِ نَدَوَاتٍ لِتَحْرِيرِ مَعَانِي (الْعَرَضِ، الْجَوْهَرِ، الْجِسْمِ) وَبَيَانِ مَا فِيهَا مِنْ بَاطِلٍ يُخَالِفُ الشَّرْعَ.
نَشْرُ مَنَارَاتِ "التَّدْمُرِيَّةِ": نُوصِي بِأَنْ تَكُونَ "الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ" مَنْهَجاً ثَابِتاً لِكُلِّ بَاحِثٍ فِي الْعَقِيدَةِ لِقُوَّةِ قَوَاعِدِهَا فِي نَقْضِ الْإِجْمَالِ.
كَشْفُ تَنَاقُضِ أَهْلِ الْكَلامِ: نُوصِي بِإِظْهَارِ حَيْرَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ لِيَعْلَمَ الشَّبَابُ أَنَّ نِهَايَةَ الْإِجْمَالِ هِيَ الشَّكُّ وَالِارْتِيَابُ.
التَّحْذِيرُ مِنْ تَقْدِيمِ الْعَقْلِ الظَّنِّيِّ: نُوصِي بِتَقْرِيرِ أَنَّ الْعَقْلَ تَبَعٌ لِلنَّقْلِ، وَأَنَّ جِنَايَةَ مَنْ قَدَّمَهُ أَوْرَثَتِ الْقَوْلَ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ: نُوصِي بِالْإِصْرَارِ عَلَى إِثْبَاتِ فِعْلِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَنَفْيِ شُبْهَةِ "حُلُولِ الْحَوَادِثِ" الَّتِي عَطَّلَتِ الرَّبَّ عَنْ كَمَالِهِ.
تَوْقِيرُ الصَّحَابَةِ فِي الْبَابِ: نُوصِي بِغَرْسِ تَعْظِيمِ فَهْمِ الصَّحَابَةِ لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ النَّاسِ بِمَقَاصِدِ الْخِطَابِ.
الْبُعْدُ عَنِ الْمِرَاءِ فِي ذَاتِ اللَّهِ: نُوصِي بِأَنْ يَكُونَ الْبَحْثُ عِلْمِيًّا تَعْظِيمِيًّا، لَا جَدَلِيًّا عَقِيمًا يُفْضِي إِلَى قَسْوَةِ الْقَلْبِ.
تَوْضِيحُ مَعْنَى "لَا كَالذَّوَاتِ": نُوصِي بِتَكْرَارِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِتَرْسِيخِ أَنَّ الْإِثْبَاتَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ التَّشْبِيهُ بَتَاتاً.
نَقْدُ الْمَنَاهِجِ التَّعْلِيمِيَّةِ: نُوصِي بِمُرَاجَعَةِ كُتُبِ التَّوْحِيدِ فِي الْمَدَارِسِ لِتَنْقِيَتِهَا مِنْ تَعْرِيفَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُجْمَلَةِ (كَالنَّفْسِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ).
بَيَانُ جِنَايَةِ ابْنِ كُلَّابٍ التَّارِيخِيَّةِ: نُوصِي بِتَوْضِيحِ كَيْفَ انْزَلَقَ ابْنُ كُلَّابٍ إِلَى التَّعْطِيلِ الْجُزْئِيِّ لِيَحْذَرَ الطُّلَّابُ مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ الْخَاطِئَةِ.
تَرْسِيخُ مَبْدَأِ "الْحَقِيقَةِ لَا الْمَجَازِ": نُوصِي بِتَدْرِيسِ كِتَابِ "مَنْعِ جَوَازِ الْمَجَازِ" لِلشَّنْقِيطِيِّ لِحِمَايَةِ النُّصُوصِ مِنَ التَّلَاعُبِ.
التَّوَسُّعُ فِي تَرْجَمَةِ الْمُحَقِّقِينَ: نُوصِي بِإِبْرَازِ جُهُودِ الْمُعَاصِرِينَ (كَالتَّمِيمِيِّ وَسِنْدِي) الَّذِينَ أَحْيَوْا قَوَاعِدَ الِاسْتِفْصَالِ.
رَدُّ الِاتِّهَامِ بِالْحَشْوِيَّةِ: نُوصِي بِعَدَمِ الِارْتِيَاعِ مِنْ أَلْقَابِ السُّوءِ، وَبَيَانِ أَنَّ تِلْكَ الْأَلْقَابَ هِيَ جِنَايَةٌ لَفْظِيَّةٌ تُرِيدُ النَّفْرَةَ مِنَ الْحَقِّ.
بَيَانُ دَوَامِ فِعْلِ الرَّبِّ: نُوصِي بِبَسْطِ مَسْأَلَةِ "الْقِدَمِ النَّوْعِيِّ" لِيَعْلَمَ النَّاسُ كَمَالَ قُدْرَةِ اللَّهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ الْأَزَلِيَّةِ.
إِصْدَارُ مُعْجَمٍ لِلْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ: نُوصِي بِتَأْلِيفِ مُعْجَمٍ يُبَيِّنُ كُلَّ لَفْظٍ مُجْمَلٍ وَمَا فِيهِ مِنْ حَقٍّ وَبَاطِلٍ لِيَكُونَ مَرْجِعاً لِلطُّلَّابِ.
تَعْلِيمُ النَّاسِ أَدَبَ السُّؤَالِ: نُوصِي بِتَوْجِيهِ النَّاسِ لِلسُّؤَالِ عَنِ "الْمَعْنَى" قَبْلَ الْحُكْمِ عَلَى "اللَّفْظِ" الْحَادِثِ.
الرَّبْطُ بَيْنَ الْعَقِيدَةِ وَالْعَمَلِ: نُوصِي بِبَيَانِ أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ (كَالرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ) يُورِثُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ، بِخِلَافِ تَعْطِيلِ الْمُجْمِلِينَ.
الْحَذَرُ مِنَ التَّقْلِيدِ فِي الْعَقَائِدِ: نُوصِي بِنَبْذِ التَّقْلِيدِ لِأَقْوَالِ الرِّجَالِ إِذَا خَالَفَتِ النُّصُوصَ الصَّرِيحَةَ تَحْتَ سِتَارِ "الْإِجْمَاعِ" الْمَوْهُومِ.
تَوْضِيحُ مَقَامِ الْعَقْلِ فِي الْإِسْلَامِ: نُوصِي بِتَبْيِينِ أَنَّ الْعَقْلَ شَاهِدٌ لِلشَّرْعِ لَا حَاكِمٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّ جِنَايَةَ أَهْلِ الْكَلامِ أَفْسَدَتِ الْعَقْلَ قَبْلَ النَّقْلِ.
نَشْرُ هَذَا الْبَحْثِ وَأَمْثَالِهِ: نُوصِي بِطِبَاعَةِ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ (الْعِشْرِينَ وَخَاتِمَتِهَا) لِتَكُونَ حِصْناً لِلشَّبَابِ مِنْ مَوْجَاتِ التَّشْكِيكِ الْعَصْرِيَّةِ.
الْإِخْلَاصُ وَالدُّعَاءُ: نُوصِي كُلَّ بَاحِثٍ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ الْهِدَايَةَ لِلصَّوَابِ، فَإِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، وَالِاعْتِصَامَ بِالسُّنَّةِ نَجَاةٌ.