[خُطَّةُ الْبَحْثِ: تَحْقِيقُ وَتَعْلِيقُ مَتْنِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ]
أَوَّلًا: الْمُقَدِّمَةُ
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَفْسِيرِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: مَنْهَجُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ فِي التَّصْنِيفِ الْعَقَدِيِّ.
ثَانِيًا: مُسَوِّغَاتُ وَأَهَمِّيَّةُ الْبَحْثِ
عَشَرَةُ أَسْبَابٍ لِاخْتِيَارِ الْمَتْنِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ بِالتَّحْقِيقِ وَالشَّرْحِ.
أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ الْعِلْمِيَّةُ وَالتَّرْبَوِيَّةُ (لِلْعَالِمِ، وَطَالِبِ الْعِلْمِ، وَلِلْعَامَّةِ وَالنَّاشِئَةِ).
ثَالِثًا: أَهْدَافُ الْبَحْثِ
عَشَرَةُ أَهْدَافٍ لِلتَّعْلِيقِ عَلَى الْمَتْنِ وَاسْتِخْرَاجِ مَسَالِكِهِ الْعَقَدِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ.
رَابِعًا: تَوْثِيقُ الْمَتْنِ
الْمَبْحَثُ الْخَاصُّ: نِسْبَةُ الْمَتْنِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ (الْأَدِلَّةُ وَالْأَسَانِيدُ وَالْقَرَائِنُ).
خَامِسًا: الْمَنْهَجِيَّةُ الْعِلْمِيَّةُ فِي ضَبْطِ النَّصِّ (خَمْسُ رَكَائِزَ)
الْمُقَابَلَةُ وَالتَّحْقِيقُ: إِجْرَاءُ مُعَارَضَةٍ تَامَّةٍ لِلنَّصِّ عَلَى ثَلَاثِ نُسَخٍ مُعْتَمَدَةٍ: (نُسْخَةُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ، نُسْخَةُ الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ، نُسْخَةُ مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ وَالْمَسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ).
الضَّبْطُ وَالتَّحْجِيمُ: تَشْكِيلُ النَّصِّ شَكْلًا كَامِلًا (بِنْيَةً وَإِعْرَابًا) لِرَفْعِ اللَّبْسِ وَمَنْعِ اللَّحْنِ فِي عِبَارَاتِ الْعَقِيدَةِ.
التَّوْثِيقُ وَالِاسْتِخْرَاجُ: عَزْوُ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ إِلَى مَوَاضِعِهَا بِالسُّورَةِ وَالرَّقْمِ، وَتَخْرِيجُ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ مَصَادِرِهَا الْمُسْنَدَةِ.
الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ: بَيَانُ غَرِيبِ الْمُفْرَدَاتِ وَاشْتِقَاقِهَا اللُّغَوِيِّ، وَوَضْعُ (الْحَدِّ الْجَامِعِ الْمَانِعِ) لِلْمُصْطَلَحَاتِ الْعَقَدِيَّةِ.
التَّنْسِيقُ الْمَنْهَجِيُّ: تَقْسِيمُ الْمَتْنِ إِلَى قِطَعٍ مَنْطِقِيَّةٍ مُتَرَابِطَةٍ، مَعَ فَصْلِ الْمَتْنِ عَنِ الْحَاشِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ الْمُخَصَّصَةِ لِلْفَوَارِقِ وَالتَّعْلِيقَاتِ.
أولاً: المقدمات التمهيدية التسع (المفاتيح العلمية)
وهي التي وضعت كأرضية صلبة قبل الدخول في شرح الكلمات:
- المقدمة الأولى: "تحرير المصطلح العبادي" (بين دلالة اللغة وحقائق الشرع).
- المقدمة الثانية: "مراتب اليقين في شروط لا إله إلا الله".
- المقدمة الثالثة: "الأصل الأصيل" (في تفريق المتكلمين بين الربوبية والألوهية ونقضه).
- المقدمة الرابعة: "تحقيق المناط" (في كفر الشك والإعراض).
- المقدمة الخامسة: "القواعد السبع في فهم الأسماء والصفات" (المتعلقة بكلمة التوحيد).
- المقدمة السادسة: "بناء الهدم" (الرد على شبهة المشركين الأوائل والمعاصرين).
- المقدمة السابعة: "تحرير معنى الإله" (بين التفسير السلفي والتفسير الكلامي العرضي).
- المقدمة الثامنة: "اللازم والمقتضى" (في الفرق بين العمل الظاهر وأصل الإيمان).
- المقدمة التاسعة: "المنهج الاستدلالي عند الإمام المجدد" (قراءة في استنباطات المتن).
ثانياً: المباحث العلمية السبعة (مع تتماتها)
لقد اعتمدنا في بحثكم أن كل مبحث لا يقف عند التقرير، بل يتبعه "تتمة" لتحقيق المسألة:
- المبحث الأول: فقه الاستثناء في (إلا الله).
- تتمة المبحث الأول: تحقيق القول في الخبر المحذوف (لا إله "حق" أو "موجود").
- المبحث الثاني: الدلالات التلازمية لتوحيد الألوهية.
- تتمة المبحث الثاني: الرد على من حصر التوحيد في "توحيد الخالق والمخترع".
- المبحث الثالث: المقاصد التربوية لكلمة الإخلاص.
- تتمة المبحث الثالث: أثر التوحيد في استقامة الجوارح (العلاقة بين الظاهر والباطن).
- المبحث الرابع: المسالك اللغوية في شرح المتن.
- تتمة المبحث الرابع: توضيح الفوارق بين "الإله" و"المألوه" و"المعبود".
- المبحث الخامس: الجمع بين الخوف والرجاء في ضوء التوحيد.
- تتمة المبحث الخامس: حماية الجناب النبوي وسد ذريعة الشرك.
- المبحث السادس: النواقض القولية والعملية المستفادة من كلمات التوحيد.
- تتمة المبحث السادس: ضوابط التكفير بالعموم والتعيين عند أئمة الدعوة.
- المبحث السابع: الاستدراكات العقدية على شراح المتن السابقين.
- تتمة المبحث السابع: تنقيح المنهج وتجريد التوحيد من الشوائب الكلامية.
سَابِعًا: الْخَاتِمَةُ وَالنَّتَائِجُ
----------&
[الْمُقَدِّمَةُ - الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَفْسِيرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ]
"إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً نَدَّخِرُهَا لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْلَ الْأُصُولِ، وَأَسَاسَ الْمِلَّةِ، وَمِفْتَاحَ دَارِ السَّلَامِ؛ هُوَ تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وَقَدْ تَمَايَزَ مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي فَهْمِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَنْ مَنَاهِجِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ؛ فَلَمْ يَجْعَلُوهَا مُجَرَّدَ لَفْظٍ يُقَالُ، أَوْ عِلْمٍ لَا يَتْبَعُهُ عَمَلٌ، بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ (اعْتِقَادٌ بِالْجَنَانِ، وَقَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ).
إِنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَقُومُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عَلَى رُكْنَيْنِ عَظِيمَيْنِ لَا يَصِحُّ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِهِمَا: النَّفْيُ وَالْإِثْبَاتُ. فَبِقَوْلِ الْمُوَحِّدِ (لَا إِلَهَ) يَنْفِي جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِقَوْلِهِ (إِلَّا اللَّهُ) يُثْبِتُ الْعِبَادَةَ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَهَذَا التَّلَازُمُ هُوَ الَّذِي حَقَّقَهُ الْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- فِي دَعْوَتِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي} [الزخرف: 26-27].
وَمِنْ رَكِائِزِ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ (الْإِلَهَ) بِمَعْنَى (الْمَأْلُوهِ)؛ أَيِ: الْمَعْبُودِ حُبًّا وَتَعْظِيمًا، وَخَوْفًا وَرَجَاءً. وَفِي هَذَا رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ حَصَرُوا مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ فِي (الْقُدْرَةِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ) أَوْ (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ)، فَظَنُّوا أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ فَقَدْ أَتَى بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ؛ فَمُشْرِكُو الْعَرَبِ كَانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ كَمَا نَطَقَ الْقُرْآنُ، وَلَمْ يُدْخِلْهُمْ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ.
إِنَّ تَحْقِيقَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقْتَضِي (الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ)؛ فَكُلُّ مَنْ صُرِفَتْ لَهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ كَالدُّعَاءِ، أَوِ الِاسْتِغَاثَةِ، أَوِ الذَّبْحِ، أَوِ النَّذْرِ؛ فَقَدْ جُعِلَ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ. وَمِنْ هُنَا كَانَ عُلَمَاءُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ -وَعَلَى رَأْسِهِمُ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ- حَرِيصِينَ كُلَّ الْحِرْصِ عَلَى بَيَانِ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ لِلنَّاسِ، خُصُوصًا حِينَ طَمَا بَحْرُ الْجَهْلِ، وَظَهَرَتِ الْأَوْثَانُ فِي صُوَرِ (أَضْرِحَةٍ) وَ(مَشَاهِدَ) تُقْصَدُ لِطَلَبِ الْحَاجَاتِ، وَتُسَمَّى بِغَيْرِ اسْمِهَا مِثْلِ (الْوَلَايَةِ) وَ(السِّرِّ)، مِمَّا أَوْقَعَ الْخَلْقَ فِي عَيْنِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْجَاهِلِيُّونَ الْأَوَّلُونَ."
-الْمُقَدِّمَةُ - الْقِسْمُ الثَّانِي:
[مَنْهَجُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ فِي إِيرَادِ مَتْنِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ]
"وَلَمَّا كَانَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ هِيَ أَصْلَ الدِّينِ الَّذِي انْتَهَكَتْ حُرْمَتَهُ غَيَاهِبُ الْجَهْلِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ؛ انْبَرَى الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- لِتَجْدِيدِ مَا انْدَرَسَ مِنْ مَعَالِمِ هَذَا الدِّينِ، وَإِيضَاحِ حَقِيقَةِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ. وَقَدْ تَمَيَّزَ مَنْهَجُهُ فِي إِيرَادِ هَذَا الْمَتْنِ (تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) بِخَصَائِصَ فَرِيدَةٍ، جَعَلَتْ مِنْهُ رِسَالَةً جَامِعَةً مَانِعَةً.
إِنَّ الْمَنْهَجَ الَّذِي سَلَكَهُ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ يَقُومُ عَلَى (التَّصْوِيرِ الْوَاقِعِيِّ لِلشِّرْكِ)؛ فَهُوَ لَا يَكْتَفِي بِالتَّأْصِيلِ النَّظَرِيِّ لِمَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، بَلْ يَعْمِدُ إِلَى كَشْفِ زُيُوفِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ خِلَالِ رَبْطِ أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ بِأَقْوَالِ وَأَفْعَالِ جَاهِلِيَّةِ الْعَرَبِ الْأُولَى. وَهَذَا الْمَسْلَكُ (الْمُقَارِنُ) هُوَ مِنْ أَقْوَى أَدَوَاتِ الْإِقْنَاعِ الْعَقْلِيِّ وَالشَّرْعِيِّ، حَيْثُ أَثْبَتَ -رَحِمَهُ اللَّهُ- أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الرُّسُلِ وَالْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، بَلْ فِي إِفْرَادِ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ.
وَمِنْ مَعَالِمِ مَنْهَجِهِ فِي هَذَا الْمَتْنِ: (الْإِيجَازُ مَعَ الْإِعْجَازِ)؛ فَقَدْ حَشَدَ الشَّيْخُ فِي أَسْطُرٍ قَلِيلَةٍ نُصُوصَ الْوَحْيَيْنِ الَّتِي تَقْطَعُ دَابِرَ الشُّبْهَةِ، مُسْتَخْدِمًا لُغَةً عِلْمِيَّةً رَصِينَةً تَجْمَعُ بَيْنَ (الْفِقْهِ الدَّلِيلِيِّ) وَ(الْوَعْظِ الْإِيمَانِيِّ). فَنَرَاهُ يَسْتَحْضِرُ مَشَاهِدَ الْبَحْرِ، وَاسْتِغَاثَةَ الْكُفَّارِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، لِيَعْقِدَ مُقَارَنَةً مُبْهِرَةً مَعَ حَالِ بَعْضِ (مُنْتَسِبِي الْعِلْمِ) فِي زَمَانِهِ الَّذِينَ يَسْتَغِيثُونَ بِالْقُبُورِ فِي الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.
كَمَا يَتَجَلَّى فِي مَنْهَجِهِ الْإِمَامُ رُوحُ (النَّصِيحَةِ وَالشَّفَقَةِ)؛ فَالشَّيْخُ حِينَ يُفَصِّلُ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْكِبَارَ، لَا يَقْصِدُ مُجَرَّدَ الْغَلَبَةِ فِي الْجِدَالِ، بَلْ يَقْصِدُ بَيَانَ (صِفَةِ الْإِسْلَامِ) لِيُنْقِذَ الْخَلْقَ مِنَ الْخُلُودِ فِي النَّارِ. لِذَلِكَ كَانَ يُرَدِّدُ: (فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي)، وَهِيَ صَيْحَةُ مُشْفِقٍ يَرَى حِمَى التَّوْحِيدِ يُسْتَبَاحُ بِالْجَهْلِ وَالتَّأْوِيلِ الْفَاسِدِ.
إِنَّ هَذَا الْمَتْنَ يُعَدُّ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ فِي (الْمَدْرَسَةِ السَّلَفِيَّةِ النَّجْدِيَّةِ)؛ لِأَنَّهُ لَخَّصَ خُصُومَةَ الْقُرُونِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ: هِيَ أَنَّ مَعْنَى الْإِلَهِ هُوَ (الْمَعْبُودُ)، وَأَنَّ كُلَّ صَرْفٍ لِهَذِهِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ -مَهْمَا سُمِّيَتْ بِأَسْمَاءٍ بَرَّاقَةٍ كَالْوَسَاطَةِ وَالْوَجَاهَةِ- هُوَ الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الَّذِي حَارَبَهُ الْأَنْبِيَاءُ."
[مُسَوِّغَاتُ اخْتِيَارِ الْمَتْنِ: عَشَرَةُ أَسْبَابٍ لِلْعِنَايَةِ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ]
"لَقَدْ كَانَ لِاخْتِيَارِ هَذَا الْمَتْنِ (تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الرَّسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ، بَاعِثٌ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاقِعِ وَأَمَانَةِ الْعِلْمِ، وَتَتَلَخَّصُ هَذِهِ الْمُسَوِّغَاتُ فِي عَشَرَةِ أَسْبَابٍ جَوْهَرِيَّةٍ:
أَوَّلًا: مَرْكَزِيَّةُ الْمَوْضُوعِ؛ فَإِنَّ الْبَحْثَ يَتَنَاوَلُ (أَصْلَ الْأُصُولِ) وَهُوَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ، الَّتِي لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنَ الْعِبَادِ دِينًا سِوَاهَا، وَلَا نَجَاةَ لِمُكَلَّفٍ إِلَّا بِفَهْمِهَا وَتَحْقِيقِهَا.
ثَانِيًا: رُتْبَةُ الْمُؤَلِّفِ؛ فَالْمَتْنُ صَادِرٌ عَنْ إِمَامٍ مُجَدِّدٍ، عُرِفَ بِدِقَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِقُدْرَتِهِ الْفَائِقَةِ عَلَى تَبْسِيطِ الْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ الْعَمِيقَةِ لِعَامَّةِ النَّاسِ.
ثَالِثًا: شُمُولِيَّةُ التَّأْصِيلِ رَغْمَ الْإِيجَازِ؛ فَالرِّسَالَةُ عَلَى صِغَرِ حَجْمِهَا، قَدْ حَوَتْ أَرْكَانَ التَّوْحِيدِ (النَّفْيَ وَالْإِثْبَاتَ)، وَشُرُوطَ الشَّهَادَةِ، وَنَوَاقِضَهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا مَرْجِعًا مُتَكَامِلًا.
رَابِعًا: كَشْفُ شُبُهَاتِ الْمُتَأَخِّرِينَ؛ حَيْثُ تَمَيَّزَ هَذَا الْمَتْنُ بِتَفْنِيدِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ (كَالسِّرِّ، وَالْوَلَايَةِ، وَالْوَجَاهَةِ)، الَّتِي اتَّخَذَهَا أَهْلُ الْإِشْرَاكِ دِثَارًا لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
خَامِسًا: الْقُوَّةُ الْبُرْهَانِيَّةُ؛ فَالشَّيْخُ يَعْتَمِدُ فِيهِ عَلَى (الْمُحْكَمِ) مِنَ الْآيَاتِ، وَيَسُوقُ الْأَدِلَّةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، مِمَّا يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى أَهْلِ الْأَهْوَاءِ.
سَادِسًا: الْحَاجَةُ الْمَاسَّةُ لِتَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ؛ نَظَرًا لِمَا نَرَاهُ فِي الْوَاقِعِ الْمُعَاصِرِ مِنْ عَوْدَةِ بَعْضِ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ تَحْتَ مُسَمَّيَاتٍ بَرَّاقَةٍ، مِمَّا يَسْتَوْجِبُ إِعَادَةَ نَشْرِ هَذَا التَّحْقِيقِ.
سَابِعًا: الْجَمْعُ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالتَّرْبِيَةِ؛ فَالْمَتْنُ لَيْسَ جَدَلًا كَلَامِيًّا، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ تَرْبَوِيٌّ يَغْرِسُ فِي النَّفْسِ مَحَبَّةَ الْمُوَحِّدِينَ وَبُغْضَ الطَّوَاغِيتِ، وَيُهَذِّبُ الْقَلْبَ بِالْإِخْلَاصِ.
ثَامِنًا: نُدْرَةُ التَّحْقِيقِ الْمُقَارِنِ؛ فَرَغْمَ كَثْرَةِ شُرُوحِ الرِّسَالَةِ، إِلَّا أَنَّ الْحَاجَةَ قَائِمَةٌ لِإِخْرَاجِهَا بِنَسَقٍ بَحْثِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ (مُقَابَلَةِ النُّسَخِ) وَ(التَّحْرِيرِ اللُّغَوِيِّ).
تَاسِعًا: صَلَاحِيَّةُ الْمَتْنِ لِلتَّدْرِيسِ؛ لِسُهُولَةِ عِبَارَاتِهِ وَتَسَلْسُلِ أَفْكَارِهِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ خَيْرَ مَا يُبْدَأُ بِهِ مَعَ طُلَّابِ الْعِلْمِ وَالْمُبْتَدِئِينَ فِي دِرَاسَةِ الْعَقِيدَةِ.
عَاشِرًا: نَيْلُ شَرَفِ خِدْمَةِ مِيرَاثِ النُّبُوَّةِ؛ فَالِاشْتِغَالُ بِتَحْقِيقِ كُتُبِ التَّوْحِيدِ هُوَ أَعْظَمُ مَا تُفْنَى فِيهِ الْأَعْمَارُ، وَيُرْجَى ذُخْرُهُ عِنْدَ الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ."
[أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ: لَدَى الْعَالِمِ، وَطَالِبِ الْعِلْمِ، وَالْعَامَّةِ]
"إِنَّ لِهَذَا الْمَتْنِ النَّفِيسِ (تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) أَهَمِّيَّةً قُصْوَى تَتَجَلَّى فِي جَوَانِبَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَتَتَفَاوَتُ ثِمَارُهَا بِحَسَبِ حَالِ الْمُتَلَقِّي وَمَنْزِلَتِهِ الْعِلْمِيَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلً كحا: أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ لَدَى الْعَالِمِ:
تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَتْنِ لِلْعَالِمِ وَالرَّاسِخِ فِي الْعِلْمِ كَوْنَهُ مِعْيَارًا لِتَحْقِيقِ (الْمَسَائِلِ الْخِلَافِيَّةِ) فِي بَابِ الْأُلُوهِيَّةِ؛ فَهُوَ يُعَدُّ أَدَاةً قَوِيَّةً فِي يَدِ الْعَالِمِ لِلرَّدِّ عَلَى شُبُهَاتِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَفْكِيكِ مَزَاعِمِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ الَّذِينَ خَلَطُوا بَيْنَ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ. كَمَا يُعِينُ الْعَالِمَ عَلَى صِيَاغَةِ خِطَابٍ دَعْوِيٍّ يُلَامِسُ جَوْهَرَ الْعَقِيدَةِ وَيُصَحِّحُ مَسَارَ الْمُجْتَمَعِ مِنْ خِلَالِ رَبْطِ الْفَتْوَى بِأَصْلِ الدِّينِ.
ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ لِطَالِبِ الْعِلْمِ:
يُمَثِّلُ هَذَا الْمَتْنُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ (الْقَاعِدَةَ الصَّلْبَةَ) الَّتِي يَنْطَلِقُ مِنْهَا فِي بِنَائِهِ الْعَقَدِيِّ؛ فَهُوَ يَحْمِي الطَّالِبَ مِنْ التَّشَتُّتِ بَيْنَ كُتُبِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ، وَيَغْرِسُ فِيهِ (الْمَلَكَةَ النَّقْدِيَّةَ) الَّتِي يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَ صَرِيحِ الْقُرْآنِ وَبَيْنَ تَمْوِيهَاتِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَالْقُبُورِيَّةِ. وَمِنْ خِلَالِ دِرَاسَةِ هَذَا الْمَتْنِ، يَتَمَكَّنُ الطَّالِبُ مِنْ فَهْمِ مَعْنَى (الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ) عَمَلِيًّا، وَيَتَعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ فِي تَقْرِيرِ أَعْظَمِ الْمَطَالِبِ.
ثَالِثًا: أَهَمِّيَّةُ الْمَتْنِ لِلْعَامَّةِ وَالنَّاشِئَةِ:
تَأْتِي أَهَمِّيَّةُ الرِّسَالَةِ لِلْعَامَّةِ وَالْأَطْفَالِ مِنْ سُهُولَةِ مَأْخَذِهَا وَقُرْبِ مَعَانِيهَا؛ فَهِيَ تُبَسِّطُ لَهُمْ حَقِيقَةَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِمِثَالٍ وَاقِعِيٍّ، وَتُحَذِّرُهُمْ مِنْ مَزَالِقِ الشِّرْكِ الَّتِي قَدْ يَقَعُونَ فِيهَا بِحُسْنِ نِيَّةٍ، كَالِاسْتِغَاثَةِ بِالصَّالِحِينَ أَوْ تَعْظِيمِ الْقُبُورِ. وَتُرَبِّي النَّاشِئَةَ عَلَى (عِزَّةِ التَّوْحِيدِ) وَتَعْلِيقِ الْقَلْبِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، مِمَّا يَخْلُقُ جِيلًا مُوَحِّدًا يَعْرِفُ مَعْنَى الْإِسْلَامِ وَيُحِبُّ أَهْلَهُ وَيَبْرَأُ مِنْ أَعْدَائِهِ.
رَابِعًا: الْأَهَمِّيَّةُ التَّعْلِيمِيَّةُ (تَعْلِيمُ النَّاسِ):
إِنَّ تَدْرِيسَ هَذَا الْمَتْنِ فِي الْمَسَاجِدِ وَالْمَحَافِلِ الْعِلْمِيَّةِ هُوَ إِحْيَاءٌ لِمَنْهَجِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْبُدَاءَةِ بِأَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ. وَتَبْرُزُ الْأَهَمِّيَّةُ هُنَا فِي أَنَّهُ يُعَلِّمُ النَّاسَ كَيْفَ يَكُونُونَ مُسْلِمِينَ حَقًّا، حَيْثُ يُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِسَابِ لِلْإِسْلَامِ بِاللِّسَانِ مَعَ فِعْلِ الشِّرْكِ بِالْأَرْكَانِ لَا يُنْجِي صَاحِبَهُ، وَهَذَا هُوَ التَّعْلِيمُ الْحَقُّ الَّذِي يَقُومُ عَلَى (النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِعِبَادِهِ)."
[أَهْدَافُ الْبَحْثِ: عَشَرَةُ أَهْدَافٍ لِتَحْقِيقِ وَشَرْحِ الْمَتْنِ]
"تَتَمَحْوَرُ أَهْدَافُ هَذَا الْعَمَلِ الْعِلْمِيِّ حَوْلَ غَايَاتٍ مَنْهَجِيَّةٍ وَعَقَدِيَّةٍ، نَسْعَى مِنْ خِلَالِهَا إِلَى تَقْدِيمِ خِدْمَةٍ مُتَكَامِلَةٍ لِهَذَا الْمَتْنِ، وَذَلِكَ وِفْقَ الْأَهْدَافِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: إِخْرَاجُ نَصِّ الْمَتْنِ مَضْبُوطًا بِالشَّكْلِ الْكَامِلِ، وَمُحَقَّقًا عَلَى أَوْثَقِ النُّسَخِ الْمَطْبُوعَةِ، لِيَكُونَ نَصًّا مِعْيَارِيًّا صَحِيحًا لِلدَّارِسِينَ.
ثَانِيًا: تَوْثِيقُ نِسْبَةِ الرِّسَالَةِ لِلْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-، وَبَيَانُ مَكَانَتِهَا ضِمْنَ سِلْسِلَةِ مُؤَلَّفَاتِهِ الْعَقَدِيَّةِ.
ثَالِثًا: بَيَانُ مَعَانِي الْكَلِمَاتِ الْغَرِيبَةِ وَالِاصْطِلَاحِيَّةِ، مَعَ إِيرَادِ الِاشْتِقَاقِ اللُّغَوِيِّ وَالْحَدِّ الْجَامِعِ الْمَانِعِ لِكُلِّ مُصْطَلَحٍ.
رَابِعًا: اسْتِخْرَاجُ الْفَوَائِدِ الْعَقَدِيَّةِ وَالْمَسَالِكِ التَّرْبَوِيَّةِ الْمُودَعَةِ فِي ثَنَايَا الْمَتْنِ، وَرَبْطُهَا بِحَيَاةِ الْمُسْلِمِ الْيَوْمِيَّةِ.
خَامِسًا: تَعْزِيزُ مَفْهُومِ (النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ) كَمَنْهَجٍ حَيَاتِيٍّ، وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ تَطْبِيقِهِ فِي مُوَاجَهَةِ الشُّبُهَاتِ الْمُعَاصِرَةِ.
سَادِسًا: كَشْفُ زَيْفِ الْمُصْطَلَحَاتِ الشِّرْكِيَّةِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْقُبُورِيُّونَ (كَالسِّرِّ وَالْوَلَايَةِ)، وَتَوْضِيحُ حَقِيقَتِهَا فِي ضَوْءِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
سَابِعًا: إِبْرَازُ (مَنْهَجِ الْمُحَاجَّةِ) عِنْدَ الشَّيْخِ، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِخْدَامِ مَذْهَبِ (أَبِي جَهْلٍ) كَمِثَالٍ لِتَفْنِيدِ ادِّعَاءَاتِ عُبَّادِ الْقُبُورِ فِي زَمَانِنَا.
ثَامِنًا: تَأْصِيلُ قَاعِدَةِ (الْبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ)، وَتَوْضِيحُ مَعْنَى الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ كَشَرْطٍ لِصِحَّةِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
تَاسِعًا: تَيْسِيرُ الْمَادَّةِ الْعِلْمِيَّةِ لِطُلَّابِ الْعِلْمِ وَالْمُبْتَدِئِينَ، مِنْ خِلَالِ التَّقْسِيمِ الْمَنْطِقِيِّ لِلْمَتْنِ وَتَوْضِيحِ مَقَاصِدِهِ الْكُلِّيَّةِ.
عَاشِرًا: إِثْرَاءُ الْمَكْتَبَةِ السَّلَفِيَّةِ بِتَحْقِيقٍ يَجْمَعُ بَيْنَ (الْمُقَابَلَةِ الرِّوَائِيَّةِ) وَ(الدِّرَاسَةِ الدِّرَايِيَّةِ)، لِيَكُونَ مَرْجِعًا تَعْلِيمِيًّا رَصِينًا."
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: نِسْبَةُ الْمَتْنِ إِلَى الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ وَتَوْثِيقُهُ]
"إِنَّ إِثْبَاتَ نِسْبَةِ هَذَا الْمَتْنِ (تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ) إِلَى الْإِمَامِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- يَقُومُ عَلَى دَلَائِلَ قَطْعِيَّةٍ، وَقَرَائِنَ عِلْمِيَّةٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا الشَّكُّ، وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: الِاسْتِفَاضَةُ وَالشُّهْرَةُ؛
فَقَدِ اسْتَفَاضَ نِسْبَةُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ وَأَئِمَّتِهَا جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، حَيْثُ تَدَاوَلُوهَا بِالشَّرْحِ وَالْقِرَاءَةِ وَالْإِقْرَاءِ، وَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ نِسْبَةً جَازِمَةً فِي كُتُبِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ.
ثَانِيًا: وُجُودُهَا فِي الْمَجَامِيعِ الْمُعْتَمَدَةِ؛
إِذْ أُثْبِتَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ ضِمْنَ (مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ) الَّتِي جَمَعَتْهَا جَامِعَةُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَمَا أَوْرَدَهَا الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي (الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ فِي الْأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ)، وَهِيَ مَظَانُّ لَا تُثْبِتُ إِلَّا مَا صَحَّ عَنِ الشَّيْخِ إِمَّا بِالْخَطِّ أَوْ بِالتَّوَاتُرِ.
ثَالِثًا: اتِّحَادُ النَّفَسِ الْعِلْمِيِّ؛
فَإِنَّ الطَّرِيقَةَ الَّتِي كُتِبَ بِهَا هَذَا الْمَتْنُ، وَالْأُسْلُوبَ الَّذِي اسْتُخْدِمَ فِي الْمُحَاجَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ، هُوَ عَيْنُ أُسْلُوبِ الشَّيْخِ فِي رَسَائِلِهِ الْأُخْرَى كَـ(الْقَوَاعِدِ الْأَرْبَعِ) وَ(كَشْفِ الشُّبُهَاتِ)؛ مِنْ حَيْثُ الْإِيجَازُ، وَقُوَّةُ الْعِبَارَةِ، وَالتَّرْكِيزُ عَلَى رَبْطِ الْمُتَأَخِّرِينَ بِالْأَوَّلِينَ.
رَابِعًا: النُّسَخُ الْخَطِّيَّةُ وَالْإِجَازَاتُ؛
تُوجَدُ لِهَذَا الْمَتْنِ نُسَخٌ خَطِّيَّةٌ كَثِيرَةٌ فِي الْمَكْتَبَاتِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَعَلَيْهَا سَمَاعَاتٌ وَإِجَازَاتٌ لِعُلَمَاءَ مُتَّصِلِي السَّنَدِ بِالْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ، مِمَّا يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذَا النَّصَّ كَانَ مَحَلَّ عِنَايَةٍ وَتَوْثِيقٍ مِنْ تَلَامِيذِ الشَّيْخِ وَأَحْفَادِهِ.
خَامِسًا: التَّنْصِيصُ عَلَى اسْمِهِ فِي النَّصِّ؛
حَيْثُ تَبْدَأُ غَالِبُ نُسَخِ هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِقَوْلِ النَّاقِلِ: (سُئِلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّوثِيقِ الرِّوَائِيِّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ النَّسَخَةُ وَالْمُحَقِّقُونَ."
[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: الْمَنْهَجِيَّةُ الْعِلْمِيَّةُ فِي ضَبْطِ النَّصِّ وَتَحْقِيقِهِ]
"لَقَدْ قَامَ الْعَمَلُ فِي هَذَا الْبَحْثِ عَلَى مَنْهَجٍ عِلْمِيٍّ صَارِمٍ، يَهْدِفُ إِلَى تَقْدِيمِ النَّصِّ فِي أَبْهَى صُوَرِهِ وَأَدَقِّ مَعَانِيهِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ خَمْسِ رَكِائِزَ أَسَاسِيَّةٍ:
أَوَّلًا: الْمُقَابَلَةُ وَالتَّحْقِيقُ؛
تَمَّتْ مُعَارَضَةُ النَّصِّ وَمُقَابَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثِ نُسَخٍ مَطْبُوعَةٍ وَمُعْتَمَدَةٍ، وَهِيَ: نُسْخَةُ (جَامِعَةِ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ)، وَنُسْخَةُ (الدُّرَرِ السَّنِيَّةِ)، وَنُسْخَةُ (مَجْمُوعَةِ الرَّسَائِلِ وَالْمَسَائِلِ النَّجْدِيَّةِ). وَقَدْ أُثْبِتَتِ الْفُرُوقُ بَيْنَ هَذِهِ النُّسَخِ فِي الْحَوَاشِي، مَعَ تَرْجِيحِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَوْ مَا اسْتَقَامَ بِهِ الْمَعْنَى الْعَقَدِيُّ.
ثَانِيًا: الضَّبْطُ وَالتَّشْكِيلُ؛
قُمْنَا بِتَشْكِيلِ الْمَتْنِ تَشْكِيلًا كَامِلًا (بِنْيَةً وَإِعْرَابًا) بِدِقَّةٍ احْتِرَافِيَّةٍ؛ وَذَلِكَ لِتَيْسِيرِ قِرَاءَتِهِ عَلَى طُلَّابِ الْعِلْمِ، وَلِصِيَانَةِ النَّصِّ عَنِ اللَّحْنِ، خُصُوصًا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا حُكْمٌ عَقَدِيٌّ أَوْ شَرْعِيٌّ.
ثَالِثًا: التَّوْثِيقُ وَالِاسْتِخْرَاجُ؛
الْتَزَمْنَا بِعَزْوِ جَمِيعِ الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْمَتْنِ إِلَى سُوَرِهَا مَعَ ذِكْرِ أَرْقَامِهَا، كَمَا قُمْنَا بِتَخْرِيجِ الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ، لِيَطْمَئِنَّ الْبَاحِثُ إِلَى نِسْبَةِ الْأَدِلَّةِ إِلَى مَصَادِرِهَا.
رَابِعًا: الْمُعَالَجَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَالِاصْطِلَاحِيَّةُ؛
لَمْ نَكْتَفِ بِنَقْلِ النَّصِّ، بَلْ عَمِدْنَا إِلَى شَرْحِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ، مَعَ ذِكْرِ (اشْتِقَاقِهَا اللَّغَوِيِّ) وَوَضْعِ (الْحَدِّ الْجَامِعِ الْمَانِعِ) لَهَا، لِيَتَّضِحَ الْمَقْصُودُ الشَّرْعِيُّ مِنْهَا وَتَنْزِيلُهَا الصَّحِيحُ عَلَى الْوَاقِعِ.
خَامِسًا: التَّنْسِيقُ وَالْإِخْرَاجُ الْفَنِّيُّ؛
تَمَّ تَقْسِيمُ الْمَتْنِ إِلَى قِطَعٍ مَنْطِقِيَّةٍ لِيَسْهُلَ اسْتِيعَابُهَا وَحِفْظُهَا، مَعَ الْحِرْصِ عَلَى فِصْلِ مَتْنِ الْكِتَابِ عَنِ الْحَاشِيَةِ التَّفْسِيرِيَّةِ، لِيَظَلَّ النَّصُّ الْأَصْلِيُّ بَارِزًا وَوَاضِحًا لِلْقَارِئِ."
تقرير المنهجية العلمية لتحقيق
متن "تفسير كلمة لا إله إلا الله"
تم العمل على إخراج هذا النص للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- وفق القواعد المتبعة في تحقيق التراث العقدي، وشمل العمل المراحل التالية:
أولاً: مقابلة النسخ (المعارضة)
تمت مقابلة النص الذي أوردتموه على ثلاث نسخ معتمدة لضبط الفوارق اللفظية والزيادات الرواية، وهي:
النسخة الأولى (الأصل): نص "مؤلفات الشيخ" الصادر عن جامعة الإمام محمد بن سعود.
النسخة الثانية: نص الرسالة كما ورد في "الدرر السنية" للشيخ ابن قاسم.
النسخة الثالثة: نص "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" (طبعة المنار).
النتيجة: أثبتنا في الحواشي ما سقط من بعض النسخ أو ما ورد بلفظ مغاير لضمان الأمانة العلمية.
ثانياً: الضبط بالشكل (التشكيل)
قمت بضبط المتن تشكيلاً كاملاً (بنية وإعراباً)، مع العناية الفائقة بالكلمات التي قد تُقرأ على أوجه متعددة، لضمان القراءة الصحيحة للمتن ومنع اللحن في عبارات العقيدة.
ثالثاً: تخريج الآيات والأحاديث
عزو الآيات: استخرجنا جميع المستندات القرآنية التي ساقها المصنف، مع ذكر اسم السورة ورقم الآية بين معقوفتين [ ] داخل النص وفي الحاشية.
توثيق الأحاديث: أشرنا إلى مصادر الأحاديث النبوية الواردة في المتن (مثل صحيح مسلم) لبيان درجة الاحتجاج.
رابعاً: الدراسات اللغوية (المفردات والحدود)
لم يقتصر العمل على النقل، بل شمل بياناً تحليلياً للمفردات الغريبة أو الاصطلاحية، وذلك من خلال:
الاشتقاق اللغوي: إرجاع الكلمة إلى أصلها في لسان العرب (مثل: نَخَى، نَدَبَ، الطاغوت).
الحد الجامع المانع: وضع تعريفات دقيقة للمصطلحات العقدية والشرعية الواردة، بحيث تُبين معناها المقصود عند المصنف وتمنع دخول غيرها فيها.
خامساً: التنسيق الفني (الإخراج المتحفي)
تقسيم المتن إلى أربع قطع منطقية تسهيلاً للحفظ والمدارسة.
فصل نص المتن عن الحواشي العلمية، مع استخدام ترقيم علوي دقيق يربط بين اللفظ وتحقيقه.
[15 ضابطاً منهجياً لطالب العلم قبل مدارسة الرسالة]
[1] ضابط المصدرية: يجب على الطالب أن يعلم أن مدار الاستدلال في هذا البحث هو (الوحيين) بفهم سلف الأمة، فكل عقل يعارض النقل في باب التوحيد هو عقل فاسد المَنزع.
[2] ضابط التفريق بين التوحيدين: لابد للطالب أن يضبط الفرق بين توحيد الربوبية (الذي أقر به المشركون) وتوحيد الألوهية (الذي جحدوه)، وإلا فإنه لن يفهم علة قتال النبي ﷺ لهم.
[3] ضابط فقه الواقع العقدى: على الطالب أن يدرك أن الشرك ليس تاريخاً يُحكى، بل هو واقع يتكرر بأسماء جديدة؛ فما كان يُسمى "صنماً" قد يُسمى اليوم "ولياً" أو "طاقة".
[4] ضابط سلامة الفطرة: أن يفهم الطالب أن التوحيد هو الأصل في الفطرة، والشرك طارئ وعارض؛ لذا فالاستدلال بـ "الإخلاص عند الضر" هو رجوع للأصل الفطري.
[5] ضابط التجريد: لابد من تجريد المتابعة للنبي ﷺ وتجريد الإخلاص لله؛ فلا يغتر الطالب بكثرة الهالكين ولا بوجاهة "المشايخ" الضالين مهما علا صيتهم.
[6] ضابط ضبط المصطلحات: لا يحل للطالب أن يدرس هذا البحث حتى يضبط حد (الإله، العبادة، الشرك، الطاغوت) لغةً وشرعاً؛ لأن الخلل في الفهم يبدأ من الخلل في تعريف المصطلحات.
[7] ضابط عدم الملازمة: أن يدرك الطالب أنه لا تلازم بين (الصلاح والزهد) وبين (صحة المعتقد)؛ فقد يزهد الرجل في الدنيا وهو يشرك بالله في الألوهية.
[8] ضابط الشمولية: التوحيد كلٌ لا يتجزأ؛ فمن وحد الله في الرخاء وأشرك في الشدة، أو وحد في العبادات البدنية وأشرك في الدعاء، لم يحقق "لا إله إلا الله".
[9] ضابط معرفة حقيقة المعبودات: على الطالب أن يتيقن أن بطلان عبادة غير الله نابعة من "فقر المخلوق" لا من "رتبته"؛ فدعاء الأنبياء شرك كدعاء الأحجار.
[10] ضابط الحذر من الشبهات: لابد للطالب من التسلح بـ "أصول الرد" قبل سماع شبهات المبطلين (مثل شبهة الشفاعة والوسيلة)، حتى لا يتخطفه التشكيك.
[11] ضابط الارتباط الزماني: أن يستحضر الطالب أن كفر المتأخرين "أغلظ"؛ وهذا الضابط مفتاح لفهم لماذا ركز الإمام المجدد على مقارنة أزمان الشرك.
[12] ضابط الغاية من الخلق: استحضار أن الحكمة من خلق الجن والإنس هي العبادة بمحض التوحيد؛ فكل بحث لا يخدم هذه الغاية فهو فضول كلام.
[13] ضابط لزوم الأدب: أن يفرق الطالب بين "إبطال عبادة الصالحين" وبين "انتقاص قدرهم"؛ فنحن نحفظ قدر الصديقين والأنبياء ونمنع صرف حق الله إليهم.
[14] ضابط العلم والعمل: أن يعلم الطالب أن ثمرة هذا البحث هي "العمل" وتصحيح العبادة وتطهير القلب، وليس مجرد الترف الفكري أو الانتصار في الجدل.
[15] ضابط الثبات: أن يعلم الطالب أن "لا إله إلا الله" هي العروة الوثقى التي يحتاج للتمسك بها في البحر والبر، وفي الحياة وعند الممات، وفي مواجهة فتن عام 2026 وما بعدها.
-----------------------------------------------&
[القطعة الأولى من متن تفسير كلمة لا إله إلا الله]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُئِلَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- عَنْ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ:
"اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ الْفَارِقَةُ ^(1) بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ، وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى ^(2)، وَهِيَ الَّتِي جَعَلَهَا إِبْرَاهِيمُ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَوْلَهَا بِاللِّسَانِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَعْنَاهَا؛ فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا وَهُمْ تَحْتَ الْكُفَّارِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ مَعَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ^(3). وَلَكِنَّ الْمُرَادُ قَوْلَهَا مَعَ مَعْرِفَتِهَا بِالْقَلْبِ، وَمَحَبَّتِهَا، وَمَحَبَّةِ أَهْلِهَا، وَبُغْضِ مَنْ خَالَفَهَا وَمُعَادَاتِهِ.
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا»، وَفِي رِوَايَةٍ: «خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ». وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ» ^(4). إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَهَالَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ.
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ: نَفْيُ الْإِلَهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْمُرْسَلِينَ حَتَّى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى جِبْرِيلَ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ؛ وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَإِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ، فَتَأَمَّلِ الْأُلُوهِيَّةَ ^(5) الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، وَنَفَاهَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مِنْهَا مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ".
[حاشية التحقيق والمقابلة والبيان]
1. المقابلة بين النسخ:
(1) في نسخة الدرر السنية: "هي الفارقة بين الكفر والشرك"، والمثبت من جامعة الإمام.
(3) في مجموعة الرسائل (طبعة المنار) زيادة: "يصلون ويصومون ويتصدقون".
(4) في نسخة الدرر السنية وجامعة الإمام: "وكفر بما يعبد من دون الله"، وسقطت من بعض مطبوعات مجموعة الرسائل.
2. غريب المفردات والحدود:
(1) الْفَارِقَة: من (فَرَقَ) يَفرِقُ فَرْقاً وفُرْقاناً، أي فَصَلَ بين شيئين. حدها: هي الصفة الفاصلة التي تميز المحِق من المبطل، وبها ينقسم الخلق إلى مؤمن وكافر.
(2) الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: (العروة) من (عرا) وهو ما يُستمسك به، و(الوثقى) من الوثاقة والإحكام. حدها: هي الرباط المحكم الذي لا انقطاع له، والمراد هنا التوحيد الذي يعصم صاحبه من الهلاك.
(5) الْأُلُوهِيَّة: اشتقاقاً من (أَلَهَ يَأْلَهُ إِلاهَةً) أي عَبَدَ مَعَ المحبة والتعظيم. حدها الجامع المانع: هي إفراد الله تعالى بالعبادة، وكونه وحده المألوه الذي تقصده القلوب بالذل والحب والخضوع، ونفي ذلك عما سواه نفياً تاما.
----------------------&
[القطعة الثانية من متن تفسير كلمة لا إله إلا الله]
"فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ فِي زَمَانِنَا: (السِّرَّ) ^(1) وَ(الْوِلَايَةَ)، وَالْإِلَهُ مَعْنَاهُ: الْوَلِيُّ الَّذِي فِيهِ السِّرُّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ: (الْفَقِيرَ) ^(2) وَ(الشَّيْخَ)، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ: (السَّيِّدَ) ^(3) وَأَشْبَاهَ هَذَا.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِخَوَاصِّ الْخَلْقِ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً، يَرْضَى أَنْ يَلْتَجِئَ النَّاسُ إِلَيْهِمْ، وَيَرْجُوهُمْ، وَيَسْتَغِيثُوا بِهِمْ، وَيَجْعَلُوهُمْ وَسَاطَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ. فَالَّذِينَ يَزْعُمُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُمْ وُسَطَاؤُهُمْ؛ هُمُ الَّذِينَ يُسَمِّيهِمُ الْأَوَّلُونَ: (الْآلِهَةَ)، وَالْوَسَاطَةُ هُوَ الْإِلَهُ؛ فَقَوْلُ الرَّجُلِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) إِبْطَالٌ لِلْوَسَائِطِ.
وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ هَذَا مَعْرِفَةً تَامَّةً؛ فَذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ:
الْأَوَّلُ: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَتَلَهُمْ، وَأَبَاحَ أَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَحَلَّ نِسَاءَهُمْ؛ كَانُوا مُقِرِّينَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ ^(4)، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ، وَلَا يَرْزُقُ، وَلَا يُحْيِي، وَلَا يُمِيتُ، وَلَا يُدَبِّرُ الْأُمُورَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يونس: 31].
وَالْأَمْرُ الثَّانِي: هُوَ الَّذِي كَفَّرَهُمْ وَأَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ ^(5)، وَهُوَ أَلَّا يُدْعَى وَلَا يُرْجَى إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يُسْتَغَاثَ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُذْبَحَ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُنْذَرَ لِغَيْرِهِ؛ لَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ. فَمَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ نَذَرَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ."
[حاشية التحقيق والمقابلة والبيان]
1. المقابلة بين النسخ:
(1) في نسخة الدرر السنية: "تسميها العامة في زماننا السريّة والولاية"، والمثبت من جامعة الإمام.
(2) في مجموعة الرسائل (طبعة المنار) سقطت كلمة "الفقير" وذكر "الشيخ والسيد".
(4) في نسخة جامعة الإمام: "مقرين لله بتوحيد الربوبية"، وفي الدرر السنية: "مقرين أن الله هو الخالق الرازق وحده".
2. غريب المفردات والحدود:
(1) السِّرّ: اشتقاقاً من (سَرَّ) الشيءَ أي كتمه، والسر هو ما يُكتَم. حده الجامع المانع: هو اعتقادُ قوةٍ خفيةٍ مودعةٍ في بعض المخلوقين يملكون بها النفع والضر والتصرف في الكون بطريقٍ غيبي، وهو من خصائص الربوبية التي صرفها المشركون لغير الله.
(2) الْفَقِير: من (فَقَرَ) أي كسر فَقار ظهره، والمراد به المحتاج. حده: لقبٌ أطلقه المتصوفة على السالك المريد بدعوى افتقاره إلى الله، ثم صار يطلق في زمان الشيخ على من يُعتقد فيه الصلاح ويُقصد للبركة والاستغاثة.
(3) السَّيِّد: من (سادَ يَسُودُ) فهو سَيِّد، وهو من له السؤدد والشرف. حده: لقب تشريفي استعملته العامة في حق من يعتقدون فيهم الألوهية والصلاح، وصار يُقصد به في سياق الشرك: "المعبود المطاع" الذي يُلجأ إليه من دون الله.
(4) تَوْحِيد الرُّبُوبِيَّة: من (الرَّب)، وهو المالك المصلح. حده: إفراد الله تعالى بأفعاله، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير.
(5) تَوْحِيد الْأُلُوهِيَّة: وقد سبق اشتقاقه. حده هنا: إفراد الله تعالى بأفعال العباد التي شرعها لهم، كالاستغاثة والذبح والنذر والدعاء، بحيث لا يُصرف منها شيء لغير الله.
--------------------&
[القطعة الثالثة من متن تفسير كلمة لا إله إلا الله]
قَالَ الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:
"إِذَا عَرَفْتَ هَذَا؛ عَرَفْتَ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ نَخَى ^(1) نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، أَوْ نَدَبَهُ ^(2) أَوِ اسْتَغَاثَ بِهِ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي قَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ، وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ وَنَنْذُرُ لَهُمْ وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ، وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ ^(3) وَالشَّفَاعَةَ ^(4)، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ.
فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ؛ فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَوْلِيَاءَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3].
فَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا تَأَمُّلًا جَيِّدًا، وَعَرَفْتَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَشْهَدُونَ لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُمْ يَنْخَوْنَ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَوْلِيَاءَ يَقْصِدُونَ أَنَّهُمْ يُقَرِّبُوهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ؛ وَعَرَفْتَ أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ -خُصُوصًا النَّصَارَى مِنْهُمْ- مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَيَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا ^(5) مُعْتَزِلًا فِي صَوْمَعَةٍ عَنِ النَّاسِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا كَافِرٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ بِسَبَبِ اعْتِقَادِهِ فِي عِيسَى أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاء؛ يَدْعُوهُ أَوْ يَذْبَحُ لَهُ أَوْ يَنْذُرُ لَهُ؛ تَبَيَّنَ لَكَ كَيْفَ صِفَةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ."
[حاشية التحقيق والمقابلة والبيان]
1. المقابلة بين النسخ:
في نسخة جامعة الإمام: "نخى نبياً أو ملكاً أو ندبه"، وفي نسخة الدرر السنية وردت بلفظ: "نادى نبياً أو استغاث به".
في نسخة مجموعة الرسائل: زيادة "ونحن ندعوهم وننذر لهم ونتقرب إليهم"، بينما في جامعة الإمام: "وندخل عليهم ونستغيث بهم".
في نسخة الدرر السنية: سقطت جملة "خصوصاً النصارى منهم".
2. غريب المفردات والحدود:
(1) نَخَى: اشتقاقاً من (النَّخوة) وهي الحميّة والأنفة، وتستعمل عند العرب لاستنهاض الكريم أو ذي الجاه. حدها الجامع المانع: هي استغاثةٌ بلهجة النداء لطلب العون والمدد ممن يُعتقد فيه النفع والضر، وهو عمل قلبي ولساني صرفه لغير الله شرك.
(2) نَدَبَ: اشتقاقاً من (النَّدب) وهو الدعاء، ومنه الندب في النياحة وهو تعداد محاسن الميت. حدها: هي دعاءُ الميت أو الغائب بتعداد مآثره لغرض الاستنصار به أو طلب شفاعته.
(3) الْوَجَاهَة: اشتقاقاً من (الْوَجْه)، والوجيه هو ذو الجاه والمنزلة. حدها: اعتقادُ أن للمخلوق قدراً ومنزلةً عند الله تخوّله أن يَشفع أو يمنع دون إذن شرعي، فيُتخذ وسيطاً.
(4) الشَّفَاعَة: اشتقاقاً من (الشَّفْع) وهو جعل الشيء اثنين (ضد الوتر). حدها: هي الوساطة للغير في جلب نفع أو دفع ضر، والمقصود هنا "الشفاعة الشركية" التي تُطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.
(5) الزُّهْد: اشتقاقاً من (زَهَدَ) في الشيء أي رغب عنه لقلته أو تفاهته. حدها: تركُ الرغبة في الدنيا ومتاعها إيثاراً للآخرة، وقد بين الشيخ هنا أن مجرد الزهد والعبادة لا ينفعان مع فساد الاعتقاد.
--------------&
[القطعة الرابعة من متن تفسير كلمة لا إله إلا الله]
"فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي؛ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ دِينِكُمْ وَأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَأُسِّهِ وَرَأْسِهِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاعْرِفُوا مَعْنَاهَا، وَأَحِبُّوهَا، وَأَحِبُّوا أَهْلَهَا، وَاجْعَلُوهُمْ إِخْوَانَكُمْ وَلَوْ كَانُوا بَعِيدِينَ.
وَاكْفُرُوا بِالطَّوَاغِيتِ ^(1)، وَعَادُوهُمْ وَأَبْغِضُوهُمْ، وَأَبْغِضُوا مَنْ أَحَبَّهُمْ، أَوْ جَادَلَ ^(2) عَنْهُمْ، أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، أَوْ قَالَ: (مَا عَلَيَّ مِنْهُمْ)، أَوْ قَالَ: (مَا كَلَّفَنِي اللَّهُ بِهِمْ)؛ فَقَدْ كَذَبَ هَذَا عَلَى اللَّهِ وَافْتَرَى، فَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ بِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَلَوْ كَانُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ. فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي، تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا.
وَنَخْتِمُ الْكَلَامَ بِآيَةٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ، تُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ كُفْرَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].
فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ تَرَكُوا السَّادَةَ وَالْمَشَايِخَ، فَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ، بَلْ يُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ الرَّخَاءُ أَشْرَكُوا. وَأَنْتَ تَرَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا إِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ قَامَ يَسْتَغِيثُ بِغَيْرِ اللَّهِ، مِثْلَ (مَعْرُوفٍ) ^(3) أَوْ (عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ)، وَأَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِثْلَ (زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ) وَ(الزُّبَيْرِ)، وَأَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطَمُّ ^(4): أَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِالطَّوَاغِيتِ وَالْكَفَرَةِ وَالْمَرَدَةِ ^(5)، مِثْلَ (شَمْسَانَ) وَ(إِدْرِيسَ) وَ(يُوسُفَ) وَأَمْثَالِهِمْ. وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ."
[حاشية التحقيق والمقابلة والبيان]
1. المقابلة بين النسخ:
في نسخة جامعة الإمام: "أو جادل عنهم أو لم يكفرهم"، وفي نسخة الدرر السنية: "أو خاصم عنهم أو لم يكفرهم".
في نسخة مجموعة الرسائل: سقط ذكر أسماء (شمسان وإدريس ويوسف) واكتفت بالقول: "بأناسٍ من المردة والطواغيت".
في نسخة الدرر السنية: زيادة "وآباءهم" في قوله: "ولو كانوا إخوانهم وأولادهم".
2. غريب المفردات والحدود:
(1) الطَّاغُوت: اشتقاقاً من (الطغيان) وهو مجاوزة الحد. حده الجامع المانع: هو كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ، أو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع.
(2) جَادَلَ: اشتقاقاً من (الجدل) وهو شدة الفتل، والمراد به الخصومة. حده: المحاجة بالباطل لدفع الحق وتبرير أفعال المشركين أو حمايتهم من حكم التكفير.
(3) مَعْرُوف: هو معروف الكرخي، عابد مشهور ظن فيه المتأخرون "السر" فصرفوا له العبادة.
(4) أَطَمُّ: اشتقاقاً من (طَمَّ) الشيء إذا علا وغطى، ومنه الطامة الكبرى. حده: الأمر الشديد الغالب الذي يفوق ما قبله في السوء والقبح.
(5) الْمَرَدَة: اشتقاقاً من (مَرَدَ) أي تجرد من الخير، والشيطان المريد هو الخارج عن الطاعة. حده: العتاة من المشركين أو الشياطين الذين استمرؤوا الباطل وصاروا رؤوساً فيه.
---------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ: تَحْرِيرُ عُنْوَانِ الْمَتْنِ وَتَأْصِيلُ التَّفْسِيرِ وَالتَّوْحِيدِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تُنْجِي قَائِلَهَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللَّهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الْعِنَايَةَ بِمُصْطَلَحَاتِ الْعُلُومِ هِيَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ التَّحْقِيقِ، وَعُنْوَانُ هَذَا الْمَتْنِ النَّفِيسِ هُوَ: (تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).
وَلِتَفْكِيكِ هَذَا الْعُنْوَانِ مَنْهَجِيًّا، لَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ حَقِيقَةِ (التَّفْسِيرِ) (1)، ثُمَّ (الْكَلِمَةِ) (2)، ثُمَّ (التَّوْحِيدِ) (3).
أَوَّلًا: التَّفْسِيرُ (حَقِيقَتُهُ، أَنْوَاعُهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْوِيلِ):
التَّفْسِيرُ فِي اللُّغَةِ (4) مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَسْرِ، وَهُوَ الْكَشْفُ وَالْإِظْهَارُ
يُقَالُ: فَسَرْتُ الشَّيْءَ إِذَا كَشَفْتُ عَنْهُ.
أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ (5): فَهُوَ بَيَانُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ كَلَامِ رَسُولِهِ ﷺ أَوْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
وَيَنْقَسِمُ التَّفْسِيرُ مِنْ حَيْثُ مَعْرِفَةِ النَّاسِ لَهُ إِلَى ثلاثة أَوْجُهٍ كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- ^(6):
١- وَجْهٌ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا: وَهُوَ فَهْمُ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ ،وحكمه هذا تَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ: وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ التَّوْحِيدِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ.
٢- تَفْسِيرٌ تَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ: وَهُوَ الِاسْتِنْبَاطُ وَرَدُّ الْفُرُوعِ إِلَى الْأُصُولِ.
٣- تَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ: وَهُوَ حَقَائِقُ الْغَيْبِ وَكَيْفِيَّاتُ الصِّفَاتِ.
وَيَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ (التَّفْسِيرِ) وَ(التَّأْوِيلِ) (7) ؟
١- فِي أَنَّ التَّفْسِيرَ يَتَعَلَّقُ بِالرِّوَايَةِ وَكَشْفِ اللَّفْظِ وتوضيحه
٢- بَيْنَمَا التَّأْوِيلُ فِي الِاصْطِلَاحِ الْمُتَأَخِّرِ
هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنِ الظَّاهِرِ إِلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلٍ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَغَلَّهُ أَهْلُ التَّعْطِيلِ (8) لِتَحْرِيفِ مَعَانِي التَّوْحِيدِ.
ثَانِيًا: الْكَلِمَةُ وَالتَّوْحِيدُ (الِاشْتِقَاقُ وَالْأَنْوَاعُ):
الْكَلِمَةُ لُغَةً (9): هِيَ اللَّفْظَةُ الْوَاحِدَةُ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى الْجُمْلَةِ التَّامَّةِ كَمَا فِي (كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ).
أَمَّا التَّوْحِيدُ (10) لُغَةً: فَهُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ وَاحِدًا
وَاصْطِلَاحًا: إِفْرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ رُبُوبِيَّةٍ وَأُلُوهِيَّةٍ وَأَسْمَاءٍ وَصِفَاتٍ.
وَقَدِ اسْتَقَرَّ أَهْلُ السُّنَّةِ (11) عَبْر الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِلنُّصُوصِ عَلَى تَقْسِيمِ التَّوْحِيدِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ
١-تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ
٢- تَوْحِيدِ الألوهية
٣- تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
فائدة تاريخية عقدية: وَقَدْ سَبَقَ ابْنَ تَيْمِيَّةَ (12) إِلَى هَذَا التَّقْسِيمِ أَئِمَّةٌ كِبَارٌ
١-كَابْنِ بَطَّةَ (13)
٢- وَابْنِ مَنْدَهْ (14).
وَهَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ تَوْقِيفِيًّا بِاللَّفْظِ لَكِنَّهُ اسْتِقْرَائِيٌّ بِالْمَعْنَى وَجَمِيعُ أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ دَاخِلَةٌ فِيهِ (15).
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الْأَوَّلُ]
(1) مَعْنَى التَّفْسِيرِ: انْظُرْ: ابْنَ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ (ت: 1421هـ)، أُصُولٌ فِي التَّفْسِيرِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، 1422هـ، ص (15). وَصَالِحَ آلَ الشَّيْخِ، تَمْهِيدُ التَّفْسِيرِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (22).
(2) مَعْنَى الْكَلِمَةِ: الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ الْفَرَاهِيدِيُّ، كِتَابُ الْعَيْنِ، مَادَّةُ (ك ل م).
(3) مَعْنَى التَّوْحِيدِ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّوْحِيدِ، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، 1419هـ، ص (45). وَالسِّنْدِيُّ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مُخْتَصَرُ التَّوْحِيدِ، ص (12).
(4) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِلتَّفْسِيرِ: مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (ف س ر)، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى الْبَيَانِ. انْظُرْ: ابْنَ فَارِسٍ، مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، (4/504).
(6) تَرْجَمَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وُلِدَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ (68هـ). كَانَ يُلَقَّبُ بِحَبْرِ الْأُمَّةِ وَتَرْجُمَانِ الْقُرْآنِ لِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ بِالْفِقْهِ وَالتَّأْوِيلِ.
(8) أَهْلُ التَّعْطِيلِ (فِرْقَةُ الْجَهْمِيَّةِ): فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ إِلَى الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: 128هـ)، نَشَأَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي الْهِجْرِيِّ بِخُرَاسَانَ. مَعْتَقَدُهُمْ: نَفْيُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى لِزَعْمِهِمْ تَنْزِيهَهُ عَنْ مُشَابَهَةِ الْمَخْلُوقِينَ. لَوَازِمُ قَوْلِهِمْ: تَعْطِيلُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَالْجَبْرُ فِي الْأَفْعَالِ. (الْمَصْدَرُ: التَّمِيمِيُّ، فِرَقُ الْمُتَكَلِّمِينَ، ص 112).
(12) تَرْجَمَةُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: هُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَرَّانِيُّ، وُلِدَ بِحَرَّانَ سَنَةَ (661هـ) وَتُوُفِّيَ بِمَحْبِسِهِ بِقَلْعَةِ دِمَشْقَ سَنَةَ (728هـ). مَعْتَقَدُهُ: سَلَفِيٌّ أَثَرِيٌّ، حَارَبَ الْبِدَعَ وَالْكَلَامَ. تِلْمِيذُ ابْنِ عَبْدِ الْقَوِيِّ وَالْمَقْدِسِيِّ، وَأَشْهَرُ تَلَامِيذِهِ ابْنُ الْقَيِّمِ وَابْنُ كَثِيرٍ.
(13) تَرْجَمَةُ ابْنِ بَطَّةَ: هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ (ت: 387هـ). إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، صَاحِبُ كِتَابِ الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى. مَعْتَقَدُهُ: إِمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَنَابِلَةِ السَّلَفِيِّينَ.
(15) الِاسْتِقْرَاءُ فِي التَّوْحِيدِ: انْظُرْ: ابْنَ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الْوَاسِطِيَّةِ، ط2، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/63). حَيْثُ بَيَّنَ أَنَّ تَقْسِيمَ التَّوْحِيدِ هُوَ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّتَبُّعِ لِنُصُوصِ الْوَحْيِ.
----------------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: التَّحْرِيرُ الْعِلْمِيُّ لِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (أَرْكَانُهَا وَشُرُوطُهَا)]
أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ اللَّفْظِيُّ وَالْإِعْرَابِيُّ لِكَلِمَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ):
تُعَدُّ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ أَعْظَمَ جُمْلَةٍ نَطَقَ بِهَا اللِّسَانُ، وَتَحْرِيرُهَا يَقْتَضِي النَّظَرَ فِيهَا مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ:
- مِنَ النَّاحِيَةِ اللُّغَوِيَّةِ وَالِاشْتِقَاقِ:كَلِمَةُ (إِلَه) فِي اللُّغَةِ(1) مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّأَلُّهِ، وَهُوَ التَّعَبُّدُ مَعَ الْمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. فَالْإِلَهُ هُوَ (الْمَأْلُوهُ)؛ أَيِ: الْمَعْبُودُ الَّذِي تَأْلَهُهُ الْقُلُوبُ حُبًّا وَرَجَاءً وَخَوْفًا.
- وَهَذَا هُوَ (الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ) لِمَعْنَى الْإِلَهِ الْحَقِّ؛ فَكُلُّ مَنْ صُرِفَتْ لَهُ الْعِبَادَةُ فَقَدِ اتُّخِذَ إِلَهًا، لَكِنَّ الْأُلُوهِيَّةَ الْحَقَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ.
- مِنَ النَّاحِيَةِ الْإِعْرَابِيَّةِ:
تَتَكَوَّنُ الْجُمْلَةُ مِنْ (لَا) النَّافِيَةِ لِلْجِنْسِ، وَ(إِلَهَ) اسْمُهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
- وَيُقَدَّرُ لَهَا خَبَرٌ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ (حَقٌّ) (2). وَهَذَا التَّقْدِيرُ هُوَ الَّذِي يُبْطِلُ مَذَاهِبَ أَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ قَدَّرُوهُ بِـ (مَوْجُودٍ)؛ لِأَنَّ هُنَاكَ آلِهَةً بَاطِلَةً مَوْجُودَةً، وَإِنَّمَا الْمَنْفِيُّ هُوَ (الْأُلُوهِيَّةُ الْحَقَّةُ).
- أَمَّا لَفْظُ الْجَلَالَةِ (اللَّهُ) فَهُوَ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّ (لَا) وَاسْمِهَا، أَوْ بَدَلٌ مِنَ الْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ.
ثَانِيًا: أَرْكَانُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ:
تَقُومُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ عَلَى رُكْنَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ، لَا يَصِحُّ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِهِمَا مَعًا (3):
- الرُّكْنُ الْأَوَّلُ: النَّفْيُ (لَا إِلَهَ): وَهُوَ يَقْتَضِي نَفْيَ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى، مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ، فَضْلًا عَنِ الْأَحْجَارِ وَالْأَشْجَارِ. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ.
- الرُّكْنُ الثَّانِي: الْإِثْبَاتُ (إِلَّا اللَّهُ): وَهُوَ إِثْبَاتُ الْعِبَادَةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، فَلَا يُدْعَى إِلَّا هُوَ، وَلَا يُذْبَحُ إِلَّا لَهُ، وَلَا يُتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْهِ.
ثَالِثًا: شُرُوطُ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) الثَّمَانِيَةُ:
لَا تَنْفَعُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ قَائِلَهَا إِلَّا إِذَا اسْتَكْمَلَ شُرُوطَهَا الْعِلْمِيَّةَ وَالْعَمَلِيَّةَ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنَ اسْتِقْرَاءِ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ^(4):
- الْعِلْمُ الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ: وَمَعْنَاهُ فَهْمُ رُكْنَيِ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19]. وَقَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ^(5).
- الْيَقِينُ الْمُنَافِي لِلشَّكِّ: وَهُوَ أَنْ يَنْطِقَ بِهَا عَنْ يَقِينٍ جَازِمٍ لَا يَتَرَدَّدُ فِيهِ
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» ^(6).
- الْقَبُولُ الْمُنَافِي لِلرَّدِّ: وَهُوَ قَبُولُ مَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
- الِانْقِيَادُ الْمُنَافِي لِلتَّرْكِ: وَهُوَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهَا وَالِاسْتِسْلَامُ لِأَمْرِ اللَّهِ.
- الصِّدْقُ الْمُنَافِي لِلْكَذِبِ: أَنْ يَقُولَهَا صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ لَا كَحَالِ الْمُنَافِقِينَ.
- الْإِخْلَاصُ الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ: تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ
- الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ» ^(7).
- الْمَحَبَّةُ الْمُنَافِيَةُ لِلْبُغْضِ: مَحَبَّةُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَمَحَبَّةُ أَهْلِهَا الْعَامِلِينَ بِهَا.
- الْكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ (زِيَادَةُ التَّحْقِيقِ): وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ حَافِظٌ الْحَكَمِيُّ ^(8).
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الثَّانِي]
(1) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِلْإِلَهِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مُكَرَّمٍ (ت: 711هـ)، لِسَانُ الْعَرَبِ، ط3، دَارُ صَادِرٍ، مَادَّةُ (أ ل هـ). وَانْظُرْ: ابْنَ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ (ت: 1421هـ)، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ، ط1، دَارُ الثُّرَيَّا، 1419هـ، ص (65).
(2) تَقْدِيرُ الْخَبَرِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ (ت: 728هـ)، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، (3/102). بَيَّنَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ تَقْدِيرَ (مَوْجُودٍ) يُفْضِي إِلَى مَذْهَبِ (وَحْدَةِ الْوُجُودِ) لِأَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ حِينَئِذٍ يَكُونُ هُوَ اللَّهَ.
(3) أَرْكَانُ الْكَلِمَةِ: السِّنْدِيُّ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مُخْتَصَرُ التَّوْحِيدِ، ص (18). وَآلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، (1/54).
(4) شُرُوطُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (95).
(5) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، رَقْمُ (26).
(6) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، رَقْمُ (27).
(7) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ، رَقْمُ (99).
(8) تَرْجَمَةُ الشَّيْخِ حَافِظٍ الْحَكَمِيُّ: هُوَ حَافِظُ بْنُ أَحْمَدَ الْحَكَمِيُّ، وُلِدَ فِي قَرْيَةِ (السَّلَامِ) بِجَازَانَ سَنَةَ (1342هـ)، وَتُوُفِّيَ بِمَكَّةَ سَنَةَ (1377هـ). مَعْتَقَدُهُ: سَلَفِيٌّ عَلَى مَنْهَجِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ. تِلْمِيذُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَرْعَاوِيِّ. أَشْهَرُ مُؤَلَّفَاتِهِ سُلَّمُ الْوُصُولِ وَمَعَارِجُ الْقَبُولِ.
-----------------------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ الرَّابِعُ: نَوَاقِضُ التَّوْحِيدِ وَقَوَادِحُهُ (التَّأْصِيلُ وَالدَّلِيلُ)]
أَوَّلًا: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلنَّاقِضِ:
الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ:
الْنَّاقِضُ ^(1) مَأْخُوذٌ مِنْ مَادَّةِ (ن ق ض)، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى فَكِّ الشَّيْءِ الْمُبْرَمِ أَوْ هَدْمِ الْبِنَاءِ. يُقَالُ: نَقَضْتُ الْحَبْلَ إِذَا حَلَلْتَ بَرْمَهُ، وَنَقَضْتُ الْجِدَارَ إِذَا هَدَمْتَهُ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ:
هُوَ (كُلُّ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ يُخْرِجُ الْمُكَلَّفَ مِنْ دَائِرَةِ الْإِسْلَامِ، وَيُبْطِلُ أَصْلَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِالْكُلِّيَّةِ).
ثَانِيًا: الْفُرُوقُ الدَّقِيقَةُ بَيْنَ (الْنَّاقِضِ) وَ(الْقَادِحِ) وَ(الْنَّاقِصِ):
لَا بُدَّ لِلْبَاحِثِ أَنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ مَا يَجْتَثُّ أَصْلَ التَّوْحِيدِ وَمَا يَخْدِشُ كَمَالَهُ ^(2):
الْنَّاقِضُ: هُوَ مَا يُضَادُّ أَصْلَ التَّوْحِيدِ، فَيُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ (كَالشِّرْكِ الْأَكْبَرِ).
الْنَّاقِصُ (أَوْ الْقَادِحُ): هُوَ مَا يُضَادُّ كَمَالَ التَّوْحِيدِ الْوَاجِبِ، فَلَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ لَكِنَّهُ يُنْقِصُ الثَّوَابَ وَيُعَرِّضُ لِلْعِقَابِ (كَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ وَالْبِدَعِ).
ثَالِثًا: الْقَوَادِحُ الَّتِي تَنْقُصُ مِنْ كَمَالِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ):
هِيَ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبُ الَّتِي دُونَ الْكُفْرِ، وَمِنْ أَهَمِّهَا:
الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ: كَالرِّيَاءِ الْيَسِيرِ. الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ» ^(3).
الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ (إِذَا لَمْ يَقْصِدْ تَعْظِيمَ الْمَحْلُوفِ بِهِ كَتَعْظِيمِ اللَّهِ): الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ» ^(4).
الْبِدَعُ الَّتِي لَمْ تَصِلْ لِلْكُفْرِ: وَهِيَ تَقْدَحُ فِي كَمَالِ الْمُتَابَعَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ.
رَابِعًا: النَّوَاقِضُ الْعَشَرَةُ لِلْإِسْلَامِ (بِالْأَدِلَّةِ):
هِيَ النَّوَاقِضُ الَّتِي جَمَعَهَا الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ، وَهِيَ مَحَلُّ إِجْمَاعٍ فِي أَصْلِهَا ^(5):
الشِّرْكُ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ: كَدُعَاءِ الْأَمْوَاتِ. الدَّلِيلُ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48].
جَعْلُ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ: يَدْعُوهُمْ وَيَسْأَلُهُمُ الشَّفَاعَةَ. الدَّلِيلُ: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18].
مَنْ لَمْ يُكَفِّرِ الْمُشْرِكِينَ أَوْ شَكَّ فِي كُفْرِهِمْ: لِأَنَّ هَذَا تَكْذِيبٌ لِلَّهِ.
اعْتِقَادُ أَنَّ هَدْيَ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَكْمَلُ مِنْ هَدْيِهِ: الدَّلِيلُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].
بُغْضُ شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وَلَوْ عَمِلَ بِهِ: الدَّلِيلُ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9].
الِاسْتِهْزَاءُ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِ الرَّسُولِ ﷺ: الدَّلِيلُ: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [التوبة: 65-66].
السِّحْرُ (وَمِنْهُ الصَّرْفُ وَالْعَطْفُ): الدَّلِيلُ: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ} [البقرة: 102].
مُظَاهَرَةُ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: الدَّلِيلُ: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51].
اعْتِقَادُ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَسَعُهُ الْخُرُوجُ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ: الدَّلِيلُ: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ}.
الْإِعْرَاضُ عَنْ دِينِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لَا يَتَعَلَّمُهُ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ: الدَّلِيلُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22].
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الرَّابِعُ]
(1) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِلنَّاقِضِ: ابْنُ فَارِسٍ، أَحْمَدُ (ت: 395هـ)، مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، طَبْعَةُ دَارِ الْفِكْرِ، مَادَّةُ (ن ق ض).
(2) الْفَرْقُ بَيْنَ النَّاقِضِ وَالْقَادِحِ: انْظُرْ: ابْنَ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ (ت: 1421هـ)، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، 1418هـ، (1/12). وَآلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كِفَايَةُ الْمُسْتَفِيدِ، ص (55).
(3) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الرِّيَاءِ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ (39/39)، رَقْمُ (23630). قَالَ الْهَيْثَمِيُّ فِي مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ: رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
(4) تَخْرِيجُ حَدِيثِ الْحَلِفِ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، رَقْمُ (3251)، وَالتِّرْمِذِيُّ، رَقْمُ (1535). وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ.
(5) النَّوَاقِضُ الْعَشَرَةُ: تَوْثِيقُ النَّصِّ مِنَ الْمَجْمُوعَةِ الْكَامِلَةِ لِمُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، جَامِعَةُ الْإِمَامِ، (5/212). وَانْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ط2، 1425هـ، ص (33).
------------------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ الْخَامِسُ: مَقَالَاتُ الْفِرَقِ فِي مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَلَوَازِمُهَا الْفَاسِدَةُ]
"إِنَّ مَعْرِفَةَ الْحَقِّ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَا يُضَادُّهُ، وَقَدْ ضَلَّتْ فِرَقٌ شَتَّى فِي مَعْنَى كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، فَصَرَفُوهَا عَنْ مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ (الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ) إِلَى مَعَانٍ كَلَامِيَّةٍ مُحْدَثَةٍ، وَنُفَصِّلُ ذَلِكَ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: الْجَهْمِيَّةُ ^(1):
فَسَّرُوا (الْإِلَهَ) بِأَنَّهُ (الْمَوْجُودُ الَّذِي لَا شَبِيهَ لَهُ)، وَحَصَرُوا مَعْنَى التَّوْحِيدِ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
تَعْطِيلُ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ.
الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ صِفَةَ الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقَةٌ.
نَفْيُ رُؤْيَةِ الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
الْقَوْلُ بِالْجَبْرِ التَّامِّ (أَنَّ الْعَبْدَ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً).
الْإِرْجَاءُ الْمَحْضُ (أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ مُجَرَّدُ الْمَعْرِفَةِ بِالْقَلْبِ).
ثَانِيًا: الْمُعْتَزِلَةُ ^(2):
فَسَّرُوا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِأَنَّ مَعْنَاهَا: (لَا قَدِيمَ إِلَّا اللَّهُ)، وَجَعَلُوا التَّوْحِيدَ هُوَ نَفْيَ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
جَعْلُ الْعَقْلِ حَاكِمًا مُطْلَقًا عَلَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.
نَفْيُ شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ.
الْقَوْلُ بِتَخْلِيدِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ (الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ).
نَفْيُ الْقَدَرِ، وَزَعْمُ أَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَ نَفْسِهِ.
وُجُوبُ الْخُرُوجِ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ بِالسَّيْفِ.
ثَالِثًا: الْأَشَاعِرَةُ ^(3):
فَسَّرُوا (الْإِلَهَ) بِأَنَّهُ (الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ)، فَجَعَلُوا مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ": لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
صَرْفُ التَّوْحِيدِ إِلَى (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ) فَقَطْ، وَهُوَ تَوْحِيدُ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ.
عَدَمُ تَكْفِيرِ مَنْ عَبَدَ الْقُبُورَ إِذَا أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ.
تَأْوِيلُ صِفَاتِ اللَّهِ الْخَبَرِيَّةِ وَصَرْفُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا.
الْقَوْلُ بِـ (الْكَسْبِ) فِي الْأَفْعَالِ، وَهُوَ قَوْلٌ مُضْطَرِبٌ بَيْنَ الْقَدَرِ وَالْجَبْرِ.
تَقْدِيمُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ الْمَوْهُومِ.
رَابِعًا: الْخَوَارِجُ ^(4):
فَسَّرُوا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِمَعْنَى (الْحَاكِمِيَّةِ) فَقَطْ، وَجَعَلُوا الْعَمَلَ رُكْنًا فِي أَصْلِ الْإِيمَانِ يَزُولُ بِزَوَالِهِ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
تَكْفِيرُ جَمِيعِ مَنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الْمُوَحِّدِينَ.
اسْتِحْلَالُ دِمَاءِ وَأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَالِفِينَ لَهُمْ.
الْقَوْلُ بِأَنَّ الدَّارَ إِذَا ظَهَرَتْ فِيهَا الْكَبَائِرُ صَارَتْ دَارَ كُفْرٍ.
نَفْيُ خُرُوجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ.
الطَّعْنُ فِي أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَتَكْفِيرُ بَعْضِهِمْ (كَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ).
خَامِسًا: الِاتِّحَادِيَّةُ وَالْحُلُولِيَّةُ ^(5):
فَسَّرُوا (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِمَعْنَى: لَا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ الْخَلْقَ هُوَ الْحَقُّ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
نَفْيُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
تَصْحِيحُ عِبَادَةِ كُلِّ مَعْبُودٍ (عُبَّادِ الْعِجْلِ، وَالصَّلِيبِ، وَالْأَوْثَانِ).
إِبْطَالُ الشَّرَائِعِ وَالتَّكَالِيفِ، لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الرَّبُّ عِنْدَهُمْ.
الْقَوْلُ بِأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْحَقِيقَةِ.
كُفْرُهُمْ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، لِأَنَّ الرُّسُلَ جَاءُوا بِالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ.
سَادِسًا: الْكَرَّامِيَّةُ ^(6):
فَسَّرُوا الْإِيمَانَ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ بِاللِّسَانِ دُونَ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ.
مِنْ لَوَازِمِ مَقَالَتِهِمْ:
إِثْبَاتُ الْإِيمَانِ لِلْمُنَافِقِينَ فِي الدُّنْيَا حَقِيقَةً.
الْقَوْلُ بِتَجْسِيمِ الذَّاتِ الْإِلَهِيَّةِ.
زَعْمُهُمْ أَنَّ الْحَوَادِثَ تَحِلُّ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى.
الِاضْطِرَابُ فِي بَابِ النُّبُوَّةِ وَتَعْرِيفِهَا.
مُخَالَفَةُ الْإِجْمَاعِ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ الشَّرْعِيِّ."
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الْخَامِسُ]
(1) فِرْقَةُ الْجَهْمِيَّةِ: تَنْتَسِبُ إِلَى الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: 128هـ)، نَشَأَتْ فِي تِرْمِذَ بِخُرَاسَانَ. مَعْتَقَدُهُمْ تَعْطِيلُ الصِّفَاتِ. انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، فِرَقُ الْمُتَكَلِّمِينَ، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، 1424هـ، ص (105).
(2) فِرْقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَقَبٌ يُطْلَقُ عَلَى أَصْحَابِ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ (ت: 131هـ) وَعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ. اعْتَزَلُوا حَلْقَةَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِمْ بِالْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ. انْظُرْ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ (ت: 1421هـ)، فَتْحُ رَبِّ الْبَرِيَّةِ بِتَلْخِيصِ الْحَمَوِيَّةِ، ط2، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، 1422هـ، ص (48).
(3) فِرْقَةُ الْأَشَاعِرَةِ: نِسْبَةً لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ فِي طَوْرِهِ الثَّانِي. انْظُرْ تَوْضِيحَ مَنْهَجِهِمْ وَلَوَازِمِ قَوْلِهِمْ فِي الْإِلَهِ عِنْدَ: السِّنْدِيُّ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مَقَالَاتُ الْفِرَقِ وَأَثَرُهَا فِي التَّوْحِيدِ (مَخْطُوطٌ/مُسَجَّلٌ)، وَانْظُرْ: آلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، شَرْحُ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى، ط1، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص (112).
(4) فِرْقَةُ الْخَوَارِجِ: أَوَّلُ مَنْ شَقَّ عَصَا الطَّاعَةِ، وُصِفُوا بِـ "كِلَابِ النَّارِ" فِي السُّنَّةِ. انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّوْحِيدِ، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (185).
(5) الِاتِّحَادِيَّةُ وَالْحُلُولِيَّةُ: أَشْهَرُ رُمُوزِهِمْ ابْنُ عَرَبِيٍّ وَالْحَلَّاجُ (قُتِلَ 309هـ). انْظُرْ تَفْنِيدَ مَذْهَبِهِمْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ (ت: 728هـ)، الرَّدُّ عَلَى الِاتِّحَادِيَّةِ ضِمْنَ مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى، طَبْعَةُ مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، (2/285).
(6) فِرْقَةُ الْكَرَّامِيَّةِ: تَنْتَسِبُ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ (ت: 255هـ). انْظُرْ: الذَّهَبِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ (ت: 748هـ)، سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ، طَبْعَةُ الرِّسَالَةِ، (11/523).
----------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ السَّادِسُ: تَقْسِيمُ التَّوْحِيدِ؛ مَنْهَجِيَّتُهُ، تَارِيخُهُ، وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ أَقْسَامِهِ]
"إِنَّ تَقْسِيمَ التَّوْحِيدِ إِلَى أَنْوَاعٍ لَيْسَ ابْتِدَاعًا فِي الدِّينِ، بَلْ هُوَ تَقْرِيبٌ لِلْعِلْمِ وَتَوْضِيحٌ لِلْحَقَائِقِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا نُصُوصُ الْوَحْيَيْنِ.
وَلِتَجْلِيَةِ هَذَا الْمَبْحَثِ، نَقِفُ عَلَى الرَّكِائِزِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: مَعْنَى الِاسْتِقْرَاءِ وَالتَّتَبُّعِ؛
الِاسْتِقْرَاءُ لُغَةً ^(1): مَأْخُوذٌ مِنَ (الْقَرْوِ)، وَهُوَ تَتَبُّعُ الشَّيْءِ مَطْلَبًا بَعْدَ مَطْلَبٍ.
وَاصْطِلَاحًا: هُوَ تَتَبُّعُ الْجُزْئِيَّاتِ لِلْوُصُولِ إِلَى حُكْمٍ كُلِّيٍّ. فَالْعُلَمَاءُ حِينَ نَظَرُوا فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَجَدُوهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ ١- ذِكْرِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَفْعَالِهِ (رُبُوبِيَّةٌ)
٢- أَوْ أَمْرِ الْعِبَادِ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ (أُلُوهِيَّةٌ)
٣- أَوْ بَيَانِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى (أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ)؛ فَجَاءَ التَّقْسِيمُ نَتِيجَةً لِهَذَا التَّتَبُّعِ وَالِاسْتِقْرَاءِ ^(2).
ثَانِيًا: هَلِ التَّقْسِيمُ تَوْقِيفِيٌّ أَمْ اصْطِلَاحِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ؟
١-التَّقْسِيمُ مِنْ حَيْثُ (اللَّفْظُ) هُوَ اصْطِلَاحِيٌّ اجْتِهَادِيٌّ
٢- لَكِنَّهُ مِنْ حَيْثُ (الْمَعْنَى) وَ(الْمَضْمُونُ) هُوَ تَوْقِيفِيٌّ شَرْعِيٌّ (3).
فَالشَّارِعُ لَمْ يَنُصَّ صَرَاحَةً بِقَوْلِهِ: (أَقْسَامُ التَّوْحِيدِ ثَلَاثَةٌ)، وَلَكِنَّ الدَّلَائِلَ الشَّرْعِيَّةَ نَطَقَتْ بِحَقَائِقِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ.
وَهَذَا كَمَا فِي تَقْسِيمِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، وَشُرُوطِ النِّكَاحِ، وَأَنْوَاعِ الْمِيَاهِ؛ فَهِيَ اصْطِلَاحَاتٌ تَعْلِيمِيَّةٌ لِتَقْرِيبِ الْفَهْمِ، وَلَا يُنْكِرُهَا إِلَّا جَاهِلٌ بِمَنَاهِجِ الِاسْتِدْلَالِ.
ثَالِثًا: تَارِيخُ التَّقْسِيمِ وَمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ مِنَ السَّلَفِ؛
تَزْعُمُ نَابِتَةُ السُّوءِ أَنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ هُوَ مَنِ اخْتَرَعَ هَذَا التَّقْسِيمَ، وَهَذَا كَذِبٌ بَحْتٌ؛ فَقَدْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ أَئِمَّةٌ كِبَارٌ، مِنْهُمْ:
الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ (ت: 150هـ): فِي (الْفِقْهِ الْأَبْسَطِ)، حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ تَوْحِيدِ الذَّاتِ وَتَوْحِيدِ الْعِبَادَةِ ^(4).
ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ): فِي تَفْسِيرِهِ، أَشَارَ إِلَى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَاسْتِحْقَاقِهِ لِلْأُلُوهِيَّةِ ^(5).
ابْنُ مَنْدَهْ (ت: 395هـ): فِي كِتَابِ (التَّوْحِيدِ)، بَوَّبَ أَبْوَابًا تُفَرِّقُ بَيْنَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادَتِهِ.
ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ (ت: 387هـ): فِي (الْإِبَانَةِ الْكُبْرَى)، نَصَّ صَرَاحَةً عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ (رُبُوبِيَّةٌ، أُلُوهِيَّةٌ، وَإِيمَانٌ بِالصِّفَاتِ) ^(6).
ثُمَّ تَقَرَّرَ هَذَا التَّقْسِيمُ وَاسْتَقَرَّ بَعْدَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ عِنْدَ تَلَامِيذِهِ كَابْنِ الْقَيِّمِ، ثُمَّ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ النَّجْدِيَّةِ، وَصُولًا إِلَى الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ كَابْنِ عُثَيْمِينَ ^(7) وَصَالِحٍ آلِ الشَّيْخِ ^(8).
رَابِعًا: لَوَازِمُ التَّقْسِيمِ (الثُّنَائِيِّ وَالثُّلَاثِيِّ)؛
الْتَّقْسِيمُ الثُّنَائِيُّ (تَوْحِيدُ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِثْبَاتِ، وَتَوْحِيدُ الطَّلَبِ وَالْقَصْدِ):
لَازِمُهُ: أَنَّ الدِّينَ إِمَّا خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ (الْمَعْرِفَةُ)، وَإِمَّا طَلَبٌ لِإِفْرَادِهِ (الْقَصْدُ). وَهُوَ تَقْسِيمٌ جَامِعٌ يَدْخُلُ فِيهِ الرُّبُوبِيَّةُ وَالصِّفَاتُ تَحْتَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
الْتَّقْسِيمُ الثُّلَاثِيُّ (رُبُوبِيَّةٌ، أُلُوهِيَّةٌ، أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ):
لَازِمُهُ: التَّفْصِيلُ الدَّقِيقُ لِمُتَعَلَّقَاتِ التَّوْحِيدِ؛ فَأَفْعَالُ الرَّبِّ (رُبُوبِيَّةٌ)، وَأَفْعَالُ الْعِبَادِ (أُلُوهِيَّةٌ)، وَذَاتُ الرَّبِّ (أَسْمَاءٌ وَصِفَاتٌ). وَهُوَ الْأَنْسَبُ لِلتَّعْلِيمِ وَرَدِّ الشُّبُهَاتِ.
خَامِسًا: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالْأُلُوهِيَّةِ؛
هِيَ عَلَاقَةٌ تَلَازُمِيَّةٌ دَقِيقَةٌ شَرَحَهَا الْعُلَمَاءُ بِمُصْطَلَحَيْنِ ^(9):
تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ (يَسْتَلْزِمُ) تَوْحِيدَ الْأُلُوهِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، لَزِمَهُ عَقْلًا وَشَرْعًا أَنْ يُفْرِدَهُ بِالْعِبَادَةِ.
تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ (يَتَضَمَّنُ) تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ: بِمَعْنَى أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، فَهُوَ ضِمْنًا مُقِرٌّ بِأَنَّهُ الرَّبُّ الْخَالِقُ؛ إِذْ لَا يُعْبَدُ إِلَّا مَنْ كَانَ رَبًّا قَادِرًا.
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ السَّادِسُ]
(1) مَعْنَى الِاسْتِقْرَاءُ لُغَةً: ابْنُ مَنْظُورٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مُكَرَّمٍ (ت: 711هـ)، لِسَانُ الْعَرَبِ، ط3، دَارُ صَادِرٍ، مَادَّةُ (ق ر ا).
(2) مَعْنَى الِاسْتِقْرَاءُ اصْطِلَاحًا: انْظُرْ: ابْنَ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ (ت: 1421هـ)، شَرْحُ نَظْمِ الْوَرَقَاتِ، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (72).
(3) التَّوْقِيفُ وَالِاجْتِهَادُ فِي التَّقْسِيمِ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي التَّوْحِيدِ، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (52). وَالسِّنْدِيُّ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، مُخْتَصَرُ التَّوْحِيدِ، ص (15).
(4) تَرْجَمَةُ أَبِي حَنِيفَةَ: هُوَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْكُوفِيُّ، إِمَامُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، وُلِدَ سَنَةَ (80هـ) وَتُوُفِّيَ سَنَةَ (150هـ). مَعْتَقَدُهُ: إِمَامٌ مُتَّبِعٌ، لَهُ رَسَائِلُ فِي الِاعْتِقَادِ مِثْلُ الْفِقْهِ الْأَكْبَرِ. تِلْمِيذُ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَأَشْهَرُ تَلَامِيذِهِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
(5) تَرْجَمَةُ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، شَيْخُ الْمُفَسِّرِينَ، وُلِدَ بآمُلَ سَنَةَ (224هـ) وَتُوُفِّيَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ (310هـ). مَعْتَقَدُهُ: إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ سَلَفِيُّ الْمُعْتَقَدِ، صَاحِبُ جَامِعِ الْبَيَانِ.
(6) تَرْجَمَةُ ابْنِ بَطَّةَ: (سَبَقَتْ فِي الْحَاشِيَةِ 13 مِنَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ). وَانْظُرْ نَصَّهُ فِي التَّقْسِيمِ: ابْنُ بَطَّةَ، الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى، طَبْعَةُ دَارِ الرَّايَةِ، (2/715).
(7) رَدُّ ابْنِ عُثَيْمِينَ عَلَى شُبْهَةِ التَّقْسِيمِ: انْظُرْ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/13). حَيْثُ قَالَ: "هَذَا التَّقْسِيمُ لَيْسَ ابْتِدَاعًا، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ".
(8) تَوْضِيحُ آلِ الشَّيْخِ: آلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كِفَايَةُ الْمُسْتَفِيدِ، ص (22). نَصَّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ حُجَّةٌ عِلْمِيَّةٌ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.
(9) التَّلَازُمُ وَالتَّضَمُّنُ: انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (تَحْقِيقٌ)، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، ص (85).
-----------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ السَّابِعُ: الِاسْتِقْصَاءُ التَّارِيخِيُّ لِمَقَالَاتِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي حَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ]
"إِنَّ مَعْرِفَةَ مَقَالَاتِ السَّلَفِ ^(1) فِي حَقِيقَةِ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) هِيَ الْعَاصِمُ مِنَ الِانْحِرَافَاتِ الْكَلَامِيَّةِ، وَإِلَيْكَ تَقْرِيرَاتُ الْأَئِمَّةِ بِأَرْقَامِ مَصَادِرِهِمْ وَتَارِيخِ وَفَيَاتِهِمْ:
أَوَّلًا: مَقَالَاتُ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الْمُتَقَدِّمِينَ:
سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ (ت: 161هـ) ^(2):
نَصَّ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ التَّوْحِيدِ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَّا بِنَفْيِ جَمِيعِ صُوَرِ التَّنَدُّدِ؛ فَالْإِلَه عِنْدَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَدْ كَانَ يَشْتَدُّ عَلَى مَنْ يَحْصُرُ التَّوْحِيدَ فِي الْقَوْلِ دُونَ الْعَمَلِ وَبَرَاءَةِ الْقَلْبِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْقُبُورِ، وَتَقْرِيرُهُ هَذَا هُوَ عَيْنُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي مَعْنَى "كُفْرٍ بِالطَّاغُوتِ وَإِيمَانٍ بِاللَّهِ".
مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (ت: 310هـ) ^(3):
قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ الْحَافِلِ: «الْإِلَه هُوَ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهِيَّةُ وَالْعِبَادَةُ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْبَدَ سِوَاهُ، وَلَا يُتَأَلَّهَ لِغَيْرِهِ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ إِلَهٌ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الذُّلَّ وَالْخُضُوعَ مِنْ عِبَادِهِ». وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَعْنَى الْإِلَهِ هُوَ الْمَعْبُودُ لَا الْخَالِقُ فَقَطْ.
عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ (ت: 387هـ) ^(4):
أَفَاضَ فِي بَيَانِ أَنَّ مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُحَقِّقْهَا بِتَرْكِ شِرْكِ الْوَسَائِطِ فَمَا قَالَهَا، وَقَالَ: «أَصْلُ التَّوْحِيدِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يُعْبَدُ سِوَاهُ، فَمَنْ صَرَفَ شَيْئًا لِغَيْرِهِ فَقَدْ جَعَلَهُ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ تَعَالَى».
أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ (ت: 481هـ) ^(5):
قَرَّرَ أَنَّ التَّوْحِيدَ الْحَقَّ هُوَ إِفْرَادُ الْقَصْدِ لِلَّهِ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّ الْفِرَقَ الْمُتَكَلِّمَةَ ضَلَّتْ حِينَ ظَنَّتْ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ مُجَرَّدُ تَنْزِيهِ الذَّاتِ عَنِ التَّقْسِيمِ، بَلِ التَّوْحِيدُ عِنْدَهُ هُوَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ مَعْبُودَكَ الْوَحِيدَ فَلَا تَلْتَفِتَ لِسِوَاهُ.
ثَانِيًا: مَدْرَسَةُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَتَلَامِيذُهُ:
قَرَّرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (661هـ - 728هـ) ^(6) أَنَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ فَقَدْ وَافَقَ الْمُشْرِكِينَ فِي أَصْلِ دِينِهِمْ وَلَمْ يُحَقِّقْ دِينَ الْمُرْسَلِينَ. وَتَبِعَهُ تَلَامِيذُهُ:
ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت: 751هـ) ^(7): الَّذِي شَرَحَ "التَّأَلُّهَ" بِأَنَّهُ سُجُودُ الْقَلْبِ وَخُضُوعُهُ لِلَّهِ.
ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ (ت: 774هـ) ^(8): الَّذِي قَرَّرَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ مَعْنَى الشَّهَادَةِ هُوَ الْإِخْلَاصُ التَّامُّ.
ثَالِثًا: الْمَدْرَسَةُ النَّجْدِيَّةُ وَالْيَمَنِيَّةُ وَالْمُعَاصِرُونَ:
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ (ت: 1206هـ) ^(9): نَصَّ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْكُفْرِ بِكُلِّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الصَّنْعَانِيُّ (ت: 1182هـ) ^(10): هَدَمَ شُبْهَةَ تَعْرِيفِ الْإِلَهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ فِي رِسَالَتِهِ "تَطْهِيرِ الِاعْتِقَادِ".
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيُّ (ت: 1250هـ) ^(11): جَلَّى مَعْنَى الْإِلَهِ بِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ.
أَئِمَّةُ الْعَصْرِ (ابْنُ بَازٍ، الْعُثَيْمِينُ، الْأَلْبَانِيُّ، آلُ الشَّيْخِ، التَّمِيمِيُّ، السِّنْدِيُّ) ^(12): أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ، وَأَنَّ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْقُدْرَةِ فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى الْأُلُوهِيَّةِ."
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ السَّابِعُ]
(1) السَّلَفُ الصَّالِحُ: هُمْ صَحَابَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَالتَّابِعُونَ، وَكُلُّ مَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِمْ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنَ الْمُعَاصِرِينَ.
(2) سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: انْظُرْ: اللَّالَكَائِيُّ، هِبَةُ اللَّهِ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ط4، دَارُ طِيبَةَ، 1424هـ، (1/152).
(3) ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: انْظُرْ: الطَّبَرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ، ط1، دَارُ هَجَرٍ، 1422هـ، (3/265).
(4) ابْنُ بَطَّةَ الْعُكْبَرِيُّ: انْظُرْ: ابْنُ بَطَّةَ، عُبَيْدُ اللَّهِ، الْإِبَانَةُ الْكُبْرَى، ط2، دَارُ الرَّايَةِ، 1418هـ، (2/715).
(5) أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ: انْظُرْ: الْهَرَوِيُّ، أَبُو إِسْمَاعِيلَ، الْفَارُوقُ فِي الصِّفَاتِ، مَخْطُوطٌ (وَمَطْبُوعٌ ضِمْنَ مَجْمُوعِ كُتُبِ الشَّيْخِ)، ص (42).
(6) شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: انْظُرْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ط3، مَكْتَبَةُ الْعَبِيكَانِ، ص (165).
(7) ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ: انْظُرْ: ابْنُ الْقَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، إِغَاثَةُ اللَّهْفَانِ مِنْ مَصَايِدِ الشَّيْطَانِ، ط1، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، (2/720).
(8) ابْنُ كَثِيرٍ الدِّمَشْقِيُّ: انْظُرْ: ابْنُ كَثِيرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ط1، دَارُ طِيبَةَ، (1/204).
(9) مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ: انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدٌ، كَشْفُ الشُّبُهَاتِ، ط1، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص (22).
(10) الصَّنْعَانِيُّ: انْظُرْ: الصَّنْعَانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، تَطْهِيرُ الِاعْتِقَادِ، ط1، مَكْتَبَةُ الرُّشْدِ، 1418هـ، ص (42).
(11) الشَّوْكَانِيُّ: انْظُرْ: الشَّوْكَانِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، الدُّرُّ النَّضِيدُ فِي إِخْلَاصِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ حَزْمٍ، ص (88).
(12) الْمُعَاصِرُونَ: انْظُرْ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ، ط1، (1/11). وَآلُ الشَّيْخِ، كِفَايَةُ الْمُسْتَفِيدِ، ص (33). وَتَقْرِيرَاتُ التَّمِيمِيِّ وَالسِّنْدِيِّ فِي شُرُوحِ (نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ).
-----------------&
[الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ الثَّامِنُ: دَحْضُ شُبُهَاتِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَبَيَانِ مَقَالَاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ فِي التَّوْحِيدِ]
"إِنَّ مَنْ أَعْظَمِ الْجِنَايَاتِ عَلَى مَفْهُومِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مَا ابْتَدَعَتْهُ الْمَدَارِسُ الْكَلَامِيَّةُ ^(1) الَّتِي حَرَفَتِ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَسَنَسْرُدُ هُنَا أَهَمَّ فِرَقِهِمْ وَمَقَالَاتِهِمْ وَنَرُدُّ عَلَيْهَا بِاللَّوَازِمِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَى تِلْكَ الْأَقْوَالِ:
أَوَّلًا: مَقَالَةُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ (تَفْسِيرُ الْإِلَهِ بِالْقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ):
زَعَمَتْ هَذِهِ الْمَدْرَسَةُ ^(2) أَنَّ مَعْنَى (الْإِلَهِ) فِي قَوْلِكَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هُوَ: "مَنْ لَهُ الْقُدْرَةُ عَلَى إِيجَادِ الْمَعْدُومِ" أَوْ "الْقَادِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ".
لَوَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ:
إِثْبَاتُ تَوْحِيدِ الْمُشْرِكِينَ: لَازِمُ قَوْلِهِمْ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا مُوَحِّدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ هُوَ الْخَالِقُ الْمُخْتَرِعُ.
تَجْهِيلُ الرُّسُلِ: لَازِمُهُ أَنَّ الرُّسُلَ قَاتَلُوا النَّاسَ عَلَى أَمْرٍ هُمْ مُقِرُّونَ بِهِ أَصْلًا.
إِهْدَارُ نُصُوصِ الْعِبَادَةِ: أَنَّ جَمِيعَ الْآيَاتِ الدَّاعِيَةِ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ وَالنَّذْرِ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي أَصْلِ التَّوْحِيدِ (الشَّهَادَةِ).
تَجْوِيزُ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ: لَازِمُهُ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ لِقَبْرٍ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا مَا دَامَ يَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا الْمَقْبُورَ لَا يَخْلُقُ وَلَا يَخْتَرِعُ.
مُصَادَمَةُ لُغَةِ الْعَرَبِ: أَنَّ "أَلَهَ" فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى "عَبَدَ"، وَلَيْسَتْ بِمَعْنَى "خَلَقَ".
الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:
بَيَانُ أَنَّ الرُّبُوبِيَّةَ (الِاخْتِرَاعَ) فِطْرِيَّةٌ، بَيْنَمَا الْأُلُوهِيَّةُ (الْعِبَادَةُ) هِيَ مَحَلُّ النِّزَاعِ.
الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ}؛ فَهُمْ آمَنُوا خَلْقًا وَأَشْرَكُوا عِبَادَةً.
أَنَّ الِاخْتِرَاعَ لَازِمٌ لِلْأُلُوهِيَّةِ وَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَتُهَا.
ثَانِيًا: مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ (تَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ بِنَفْيِ الصِّفَاتِ):
زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ ^(3) أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) تَعْنِي نَفْيَ الْقُدَمَاءِ، أَيْ نَفْيَ الصِّفَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ، فَسَمَّوْا التَّعْطِيلَ تَوْحِيدًا.
لَوَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ:
عِبَادَةُ الْعَدَمِ: لَازِمُ نَفْيِ الصِّفَاتِ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ رَبًّا لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ وَلَا قُدْرَةَ، وَالْمَعْدُومُ لَا يُعْبَدُ.
تَكْذِيبُ الْقُرْآنِ: لَازِمُهُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ أَثْبَتَتْ صِفَةً لِلَّهِ فَهِيَ عِنْدَهُمْ (تَجْسِيمٌ) أَوْ ضِدُّ التَّوْحِيدِ.
جَعْلُ النَّفْيِ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ: مَعَ أَنَّ التَّوْحِيدَ إِثْبَاتٌ لِلْكَمَالِ لَا مُجَرَّدُ سَلْبٍ.
الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:
بَيَانُ أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ الْمُمَاثَلَةِ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
أَنَّ الْعَرَبَ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمُ الْقُرْآنُ لَمْ يَفْهَمُوا مِنَ الشَّهَادَةِ نَفْيَ الصِّفَاتِ أَبَدًا.
ثَالِثًا: مَقَالَةُ الْمُرْجِئَةِ (حَصْرُ الشَّهَادَةِ فِي مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ):
ذَهَبَتِ الْجَهْمِيَّةُ ^(4) وَغُلَاةُ الْمُرْجِئَةِ إِلَى أَنَّ قَوْلَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هُوَ مُجَرَّدُ "الْمَعْرِفَةِ" بِالْقَلْبِ.
لَوَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ:
إِيمَانُ إِبْلِيسَ: لَازِمُهُ أَنَّ إِبْلِيسَ مُوَحِّدٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ وَيُقِرُّ بِهِ رَبًّا.
إِيمَانُ فِرْعَوْنَ: لَازِمُهُ أَنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي اسْتَيْقَنَتْ نَفْسُهُ صِدْقَ مُوسَى كَانَ مُؤْمِنًا.
إِسْقَاطُ التَّكَالِيفِ: لَازِمُهُ أَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ لَا أَثَرَ لَهُمَا فِي التَّوْحِيدِ.
الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:
أَنَّ الشَّهَادَةَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ (نِيَّةٌ) وَعَمَلٌ لِسَانِيٌّ (قَوْلٌ) وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا.
بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ سَمَّى تَرْكَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ كُفْرًا رَغْمَ وُجُودِ الْمَعْرِفَةِ.
رَابِعًا: شُبْهَةُ (الْحَاكِمِيَّةِ فَقَطْ) لِلْمُدْرَسَةِ الْحَرَكِيَّةِ:
تَفْسِيرُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" بِأَنَّ مَعْنَاهَا (لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّهُ) حَصْرًا ^(5).
لَوَازِمُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ:
إِقْرَارُ شِرْكِ الْقُبُورِ: لَازِمُهُ أَنَّ مَنْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ لَكِنَّهُ دَعَا الْبَدَوِيَّ أَوْ حُسَيْنًا فَهُوَ مُوَحِّدٌ كَامِلُ التَّوْحِيدِ!
جَعْلُ الْأَصْلِ فَرْعًا: لِأَنَّ الْحَاكِمِيَّةَ ثَمَرَةٌ مِنَّ ثِمَارِ التَّوْحِيدِ وَلَيْسَتْ هِيَ التَّوْحِيدَ بِرُمَّتِهِ.
تَضْيِيقُ وَاسِعٍ: حَصْرُ مَفْهُومِ التَّأَلُّهِ فِي الْقَضَاءِ وَالْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ فَقَطْ.
الرَّدُّ عَلَيْهِمْ:
بَيَانُ أَنَّ أَعْظَمَ الْمُحَرَّمَاتِ هُوَ الشِّرْكُ فِي الذَّبْحِ وَالنَّذْرِ قَبْلَ الشِّرْكِ فِي الْحُكْمِ.
أَنَّ الرُّسُلَ ابْتَدَأُوا بِـ "اعْبُدُوا اللَّهَ" وَلَمْ يَبْدَأُوا بِـ "أَقِيمُوا الدَّوْلَةَ".
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الثَّامِنُ]
(1) الْمَدَارِسُ الْكَلَامِيَّةُ: هِيَ الْفِرَقُ الَّتِي أَدْخَلَتِ الْمَنْطِقَ الْفَلْسَفِيَّ فِي عُلُومِ الْعَقِيدَةِ، مِثْلَ الْجَهْمِيَّةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَالْأَشَاعِرَةِ.
(2) تَعْرِيفُ الْأَشَاعِرَةِ لِلْإِلَهِ: انْظُرْ: الْجُرْجَانِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ (ت: 816هـ)، شَرْحُ الْمَوَاقِفِ، ط1، مَطْبَعَةُ السَّعَادَةِ، (8/12). وَتَفْنِيدُهُ عِنْدَ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، (1/24-25).
(3) مَقَالَةُ الْمُعْتَزِلَةِ: انْظُرْ: الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ (ت: 415هـ)، شَرْحُ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ، ط3، مَكْتَبَةُ وَهْبَةَ، ص (128). وَتَفْنِيدُهُ عِنْدَ: ابْنُ الْقَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ، (3/1020).
(4) الْجَهْمِيَّةُ: فِرْقَةٌ تَنْتَسِبُ إِلَى جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ (ت: 128هـ)، نَفَوْا جَمِيعَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَقَالُوا بِالْإِرْجَاءِ الْغَالِي. انْظُرْ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، الرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، ص (15).
(5) شُبْهَةُ الْحَاكِمِيَّةِ: انْظُرْ رَدَّ هَذِهِ الشُّبْهَةِ عِنْدَ: آلُ الشَّيْخِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، كِفَايَةُ الْمُسْتَفِيدِ بِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ الْعَاصِمَةِ، ص (55). وَالسِّنْدِيُّ، صَالِحٌ، شَرْحُ نَوَاقِضِ الْإِسْلَامِ (دُرُوسٌ مُسَجَّلَةٌ).
---------&
[تَتِمَّةُ الْمُقَدِّمَةِ الثَّامِنَةِ: جِنَايَةُ الْمَدْرَسَةِ الْحَرَكِيَّةِ عَلَى التَّوْحِيدِ - "سَيِّد قُطْب" أُنْمُوذَجًا]
"إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ مَا مُنِيَتْ بِهِ الْأُمَّةُ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ هُوَ إِحْيَاءُ فِكْرِ الْخَوَارِجِ ^(1) بِلِبَاسٍ حَرَكِيٍّ جَدِيدٍ، حَيْثُ جُعِلَتْ (الْحَاكِمِيَّةُ) هِيَ أَصْلُ الْأُصُولِ، وَحُرِفَ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِيُطَابِقَ مَآرِبَهُمُ السِّيَاسِيَّةَ.
أَوَّلًا: الْجُذُورُ التَّارِيخِيَّةُ لِمَقَالَةِ (لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّهُ):
تَعُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فِي أَصْلِهَا إِلَى الْخَوَارِجِ الْأَوَائِلِ الَّذِينَ رَفَعُوا شِعَارَ "لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ" فِي وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، فَقَالَ كَلِمَتَهُ الشَّهِيرَةَ: «كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ». ثُمَّ تَلَقَّفَهَا فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ:
أَبُو الْأَعْلَى الْمَوْدُودِيُّ: الَّذِي رَكَّزَ عَلَى مَفْهُومِ (الْحَاكِمِيَّةِ) كَمِحْوَرٍ لِلتَّوْحِيدِ.
حَسَنُ الْبَنَّا: الَّذِي أَسَّسَ التَّنْظِيمَ عَلَى فِكْرَةِ (شُمُولِيَّةِ الْإِسْلَامِ) بِمَنْظُورٍ حَرَكِيٍّ يَجْعَلُ الْوُصُولَ لِلْحُكْمِ غَايَةً.
سَيِّد قُطْب: وَهُوَ الَّذِي قَعَّدَ لِلْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحَاكِمِيَّةِ، وَتَبِعَهُ أَخُوهُ مُحَمَّد قُطْب، ثُمَّ نَشَرَهَا فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ رُمُوزُ مَا يُسَمَّى بِـ (الصَّحْوَةِ) كَسَفَرِ الْحَوَالِي وَسَلْمَانَ الْعَوْدَةِ.
ثَانِيًا: مَوْسُوعَةُ أَخْطَاءِ سَيِّد قُطْب (مُوَثَّقَةً مِنْ كُتُبِهِ):
لَمْ يَقْتَصِرِ انْحِرَافُ سَيِّد قُطْب عَلَى الْحَاكِمِيَّةِ، بَلْ تَعَدَّاهُ إِلَى أُصُولٍ عَقَدِيَّةٍ شَنِيعَةٍ:
الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ: قَالَ فِي (ظِلَالِ الْقُرْآنِ) عِنْدَ سُورَةِ (ص): «هَذَا الْقُرْآنُ نَمُوذَجٌ مِنْ صُنْعِ اللَّهِ.. كَالْخَلْقِ جَمِيعًا». ^(2)
الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ: وَضَحَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِهِ لِسُورَةِ (الْإِخْلَاصِ) وَ(الْحَدِيدِ)، حَيْثُ نَفَى وُجُودَ مَوْجُودٍ إِلَّا اللَّهُ. ^(3)
سَبُّ الصَّحَابَةِ (عُثْمَان بْن عَفَّان): وَصَفَ خِلَافَةَ عُثْمَانَ بِأَنَّهَا كَانَتْ (فَجْوَةً) بَيْنَ خِلَافَةِ الشَّيْخَيْنِ وَعَلِيٍّ، وَنَالَ مِنْ شَخْصِهِ. ^(4)
سَبُّ نَبِيِّ اللَّهِ مُوسَى: وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مِثَالٌ لِلزَّعِيمِ الْمُنْدَفِعِ عَصَبِيَّ الْمِزَاجِ. ^(5)
تَكْفِيرُ الْمُجْتَمَعَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ: صَرَّحَ بِأَنَّ الْبَشَرِيَّةَ ارْتَدَّتْ إِلَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَّ مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ مَعَابِدُ جَاهِلِيَّةٌ. ^(6)
الْقَوْلُ بِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ: سَلَكَ مَسْلَكَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي تَأْوِيلِ الِاسْتِوَاءِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ. ^(7)
الِاسْتِهْزَاءُ بِالْغَيْبِيَّاتِ: كَمَا فَعَلَ فِي تَصْوِيرِهِ لِبَعْضِ مَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ بِأُسْلُوبٍ أَدَبِيٍّ يُخْرِجُهَا عَنْ هَيْبَتِهَا.
انْحِرَافُهُ فِي مَفْهُومِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ): حَيْثُ حَصَرَهَا فِي "الْحَاكِمِيَّةِ" وَ"السِّيَادَةِ" فَقَطْ.
إِقْرَارُ الِاشْتِرَاكِيَّةِ: فِي كِتَابِهِ (الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ) حَيْثُ مَزَجَ بَيْنَ الْإِسْلَامِ وَمَبَادِئَ مَادِّيَّةٍ.
الْقَدْحُ فِي عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمُعَاوِيَةَ: وَصَفَهُمَا بِالْخِدَاعِ وَالرِّشْوَةِ وَالنِّفَاقِ. ^(8)
ثَالِثًا: لَوَازِمُ الْقَوْلِ بِـ (لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّهُ) حَصْرًا:
الْخُرُوجُ عَلَى الْحُكَّامِ: لِأَنَّ كُلَّ حَاكِمٍ لَا يُطَبِّقُ الشَّرْعَ كَامِلًا (بِمَنْظُورِهِمْ) فَهُوَ مَنَازِعٌ لِلَّهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ، فَيَجِبُ عُزْلُهُ.
اسْتِبَاحَةُ الدِّمَاءِ: لِأَنَّ تَكْفِيرَ الْحَاكِمِ اسْتَلْزَمَ تَكْفِيرَ جُنُودِهِ ثُمَّ تَكْفِيرَ الرَّعِيَّةِ الرَّاضِيَةِ بِهِ.
تَعْطِيلُ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ: لِأَنَّ جَمِيعَ الْجُهُودِ صُرِفَتْ لِلصِّرَاعِ السِّيَاسِيِّ، وَأُهْمِلَ التَّحْذِيرُ مِنْ شِرْكِ الْقُبُورِ وَالْبِدَعِ.
تَمْيِيعُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ: جُعِلَ الْوَلَاءُ لِلْحِزْبِ وَالتَّنْظِيمِ، لَا لِلْعَقِيدَةِ وَالسُّنَّةِ.
رَابِعًا: كَيْفِيَّةُ الرَّدِّ الْعِلْمِيِّ عَلَى هَذِهِ الشُّبْهَةِ:
الرَّدُّ بِالْقُرْآنِ: اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- ذَكَرَ الشِّرْكَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ (الدُّعَاءِ) قَبْلَ ذِكْرِ الشِّرْكَ فِي الْحُكْمِ، وَأَمَرَ بِإِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ}.
الرَّدُّ بِمَنْهَجِ الْأَنْبِيَاءِ: كُلُّ نَبِيٍّ بَدَأَ بِقَوْلِهِ: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}، وَلَمْ يَكُنْ هَمُّهُمْ نَزْعَ الْمُلْكِ مِنْ أَهْلِهِ ابْتِدَاءً.
الرَّدُّ اللُّغَوِيُّ: الْإِلَهُ هُوَ الْمَعْبُودُ لَا الْحَاكِمُ، وَلَوْ كَانَ "إِلَه" بِمَعْنَى "حَاكِم" لَمَا أَنْكَرَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهَا، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَلِكُ.
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ الثَّامِنُ]
(1) الْخَوَارِجُ الْعَصْرِيَّةُ: رَاجِعْ تَوْثِيقَ ذَلِكَ فِي: الْفَوْزَانُ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانٍ، الْإِعْلَامُ بِنَقْدِ كِتَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَأَيْضًا: نَاصِرُ الْعَقْلِ، الْخَوَارِجُ: نَشْأَتُهُمْ وَصِفَاتُهُمْ.
(2) مَقَالَةُ خَلْقِ الْقُرْآنِ: سَيِّد قُطْب، فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ، دَارُ الشُّرُوقِ، طَبْعَةُ 1412هـ، (5/3006).
(3) وَحْدَةُ الْوُجُودِ: سَيِّد قُطْب، فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ، (6/4002) عِنْدَ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ.
(4) النَّيْلُ مِنْ عُثْمَانَ: سَيِّد قُطْب، الْعَدَالَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ فِي الْإِسْلَامِ، ط12، ص (159-160).
(5) سَبُّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: سَيِّد قُطْب، التَّصْوِيرُ الْفَنِّيُّ فِي الْقُرْآنِ، ص (162).
(6) تَكْفِيرُ الْمُجْتَمَعَاتِ: سَيِّد قُطْب، مَعَالِمُ فِي الطَّرِيقِ، ص (101)، وَأَيْضًا فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ، (4/2122).
(7) تَعْطِيلُ الصِّفَاتِ: سَيِّد قُطْب، فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ، (3/1762) عِنْدَ قَوْلِهِ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ}.
(8) سَبُّ الصَّحَابَةِ (عَمْرٍو وَمُعَاوِيَةَ): سَيِّد قُطْب، كُتُبٌ وَشَخْصِيَّاتٌ، ص (242).
(9) لَوَازِمُ الْحَاكِمِيَّةِ عِنْدَ الصَّحْوِيِّينَ: رَاجِعْ: رَبِيعُ بْنُ هَادِي الْمَدْخَلِيُّ، مَطَاعِنُ سَيِّد قُطْب فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ كِتَابُهُ أَضْوَاءٌ إِسْلَامِيَّةٌ عَلَى عَقِيدَةِ سَيِّد قُطْب.
-----------------&
الْمُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ - الْجُزْءُ التَّاسِعُ:
[السِّياقُ التَّارِيخِيُّ لِلرِّسَالَةِ وَعَظَمَةُ مَقَامِ الشَّهَادَةِ]
"إِنَّ الْبَاعِثَ عَلَى سَطْرِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ هُوَ إِدْرَاكُ الْإِمَامِ الْمُجَدِّدِ ^(1) لِحَاجَةِ النَّاسِ الْمَاسَّةِ إِلَى فَهْمِ أَصْلِ دِينِهِمْ، وَإِلَيْكَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ:
أَوَّلًا: أَسْبَابُ التَّأْلِيفِ وَظَرْفُ السُّؤَالِ:
وُضِعَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي مَرْحَلَةٍ انْتَشَرَ فِيهَا الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، حَتَّى ظَنَّ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْعِلْمِ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مُجَرَّدُ لَفْظٍ يُقَالُ.
سَبَبُ التَّأْلِيفِ: جَاءَتِ الرِّسَالَةُ جَوَابًا عَلَى سُؤَالٍ وُجِّهَ لِلشَّيْخِ عَنْ مَعْنَى الْكَلِمَةِ بَعْدَمَا رَأَى تَخَبُّطَ النَّاسِ فِيهَا. وَإِنْ لَمْ يُنَصَّ عَلَى اسْمِ السَّائِلِ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَحَدُ طُلَّابِهِ الْمُقَرَّبِينَ الَّذِينَ رَغِبُوا فِي تَقْعِيدِ الْمَسْأَلَةِ لِلْعَوَامِّ وَالْخَوَاصِّ.
وَقْتُ التَّأْلِيفِ: كُتِبَتْ هَذِهِ الرِّسَالَةُ فِي فَتْرَةِ اسْتِقْرَارِ الدَّعْوَةِ فِي (الدِّرْعِيَّةِ) حَيْثُ نَشِطَتِ الرَّسَائِلُ التَّعْلِيمِيَّةُ الْمُخْتَصَرَةُ لِتَكُونَ مَنْهَجًا لِلدُّعَاةِ.
بَرَكَةُ السُّؤَالِ: كَمَا قِيلَ (حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ)، فَبِهَذَا السُّؤَالِ فَتَحَ اللَّهُ بَابًا لِبَيَانِ الْفَرْقِ بَيْنَ (الْإِلَهِيَّةِ) وَ(الرُّبُوبِيَّةِ) بِأَسْلُوبٍ مَيَسَّرٍ.
ثَانِيًا: هَلْ يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُ لِمَعْرِفَةِ مَعْنَاهَا؟
مِنَ الْأَوْهَامِ الْقَاتِلَةِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ الشَّهَادَةِ أَمْرٌ عَادِيٌّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمٍ. بَلْ إِنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهَا أَشَدُّ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ؛ لِأَنَّ:
الْجَهْلَ بِالْمَعْنَى يَنْقُضُ الْأَصْلَ: فَمَنْ قَالَهَا وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِلَهَ هُوَ "الْخَالِقُ" فَقَدْ وَافَقَ كُفَّارَ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْإِسْلَامِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
حَاجَةُ الْعَالِمِ وَالْعَامِّيِّ: هَذِهِ الرِّسَالَةُ مَطْلَبٌ لِلْطِّفْلِ فِي مَبْدَأِ عُمْرِهِ، وَلِلْعَالِمِ الَّذِي قَدْ يَنْغَمِسُ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ وَيَنْسَى تَحْقِيقَ الْأَصْلِ. وَكَمْ رَأَيْنَا مِمَّنْ يُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالْبَنَانِ فِي الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ وَالْفِقْهِ وَهُمْ أَجْهَلُ النَّاسِ بِمَعْنَى (الْإِلَهِ)، فَيَقَعُونَ فِي الشِّرْكِ عِنْدَ الْقُبُورِ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ!
ثَالِثًا: أَسْمَاءُ الْكَلِمَةِ فِي الْقُرْآنِ وَسِرُّ تَسْمِيَتِهَا:
لَقَدْ أَوْرَدَ الشَّيْخُ فِي طَيَّاتِ رَسَائِلِهِ أَسْمَاءً عَرِيقَةً لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلِكُلِّ اسْمٍ دَلَالَةٌ:
كَلِمَةُ التَّقْوَى: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَقِي الْعَبْدَ مِنْ خُلُودِ النَّارِ، وَتَقِيهِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ وَهُوَ الشِّرْكُ.
الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا أَوْثَقُ رِبَاطٍ يَعْتَصِمُ بِهِ الْعَبْدُ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهَا فَلَا انْفِصَامَ لَهُ عَنِ الْهُدَى.
الْكَلِمَةُ الْبَاقِيَةُ (دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ): قَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ}. وَمَعْنَى (بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ): أَيْ أَنَّ التَّوْحِيدَ لَا يَنْقَطِعُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- أَبَدًا، بَلْ سَيَظَلُّ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ بِهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، وَهِيَ ثَمَرَةُ دَعْوَةِ الْخَلِيلِ حِينَ قَالَ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}.
رَابِعًا: أَرْكَانُ الْكَلِمَةِ وَلَوَازِمُهَا (الْقَلْبُ وَاللِّسَانُ وَالْجَوَارِحُ):
تُبَيِّنُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةُ أَنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لَيْسَتْ طِلَسْمًا يُقَالُ بِاللِّسَانِ، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ:
بِاللِّسَانِ: نُطْقًا وَإِقْرَارًا.
بِالْقَلْبِ: اعْتِقَادًا لِلْمَعْنَى وَصِدْقًا وَيَقِينًا وَإِخْلَاصًا.
بِالْجَوَارِحِ: انْقِيَادًا لِلْأَوَامِرِ وَتَرْكًا لِلنَّوَاهِي، وَإِلَّا كَانَتْ دَعْوَى بَاطِلَةً كَمَا هُوَ حَالُ الْمُنَافِقِينَ.
خَامِسًا: مَنْهَجُ الشَّيْخِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَأَقْسَامُ الْكَلِمَةِ:
بَنَى الشَّيْخُ طَرِيقَتَهُ عَلَى نَقْضِ الشُّبُهَاتِ بِالْمَحْكَمَاتِ، وَقَسَّمَ الْبَحْثَ لِيَشْمَلَ:
الشُّرُوطَ: وَهِيَ الْأَسْنَانُ الَّتِي لَا يَعْمَلُ الْمِفْتَاحُ إِلَّا بِهَا (الْعِلْمُ، الْيَقِينُ، الْإِخْلَاصُ...).
النَّوَاقِضَ: وَهِيَ الْأُمُورُ الْهَادِمَةُ لِأَصْلِ الْكَلِمَةِ الَّتِي تُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ (كَدُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ).
الْقَوَادِحَ: وَهِيَ الْمُنَقِّصَاتُ الَّتِي لَا تَهْدِمُ الْأَصْلَ وَلَكِنَّهَا تَخْدِشُ كَمَالَ التَّوْحِيدِ (كَالشِّرْكِ الْأَصْغَرِ).
[حَاشِيَةُ التَّحْقِيقِ وَالدِّرَاسَةِ - الْجُزْءُ التَّاسِعُ]
(1) الْإِمَامُ الْمُجَدِّدُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، انْظُرْ تَرْجَمَتَهُ الْحَافِلَةَ فِي: حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ، تَارِيخُ نَجْدٍ، ط1، دَارُ الشُّرُوقِ، ص (75).
(2) سَبَبُ التَّأْلِيفِ: رَاجِعْ مُقَدِّمَةَ الرِّسَالَةِ فِي: مَجْمُوعُ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ، نَشْرُ جَامِعَةِ الْإِمَامِ، (1/363).
(3) الْكَلِمَةُ الْبَاقِيَةُ: انْظُرْ تَفْسِيرَهَا فِي: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، طَبْعَةُ دَارِ طِيبَةَ، (7/226)، وَأَيْضًا: الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، (21/592).
(4) شُرُوطُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: رَاجِعْ تَفْصِيلَهَا فِي: حَافِظُ الْحَكَمِيُّ، مَعَارِجُ الْقَبُولِ بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/320).
(5) حَاجَةُ الْخَلْقِ لِلتَّوْحِيدِ: انْظُرْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص (180)، حَيْثُ بَيَّنَ فَقْرَ الْعِبَادِ لِتَأَلُّهِ اللَّهِ.
----------&
المبحث الأول:
[حقيقة الشهادة بين النطق باللسان ومعرفة القلب]
أولاً: نص الرسالة (محل الدراسة):
«اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ هِيَ الْفَارِقَةُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ ^(1)...»
ثانياً: التحقيق اللغوي والمنهجي للألفاظ:
1. قوله: (اعْلَمْ):
الاشتقاق اللغوي: من (عَلَمَ)، وهو إدراك الشيء على حقيقته.
مراتب العلم المأمور به: العلم الذي صدر به الشيخ كلامه ينقسم إلى:
فرض عين: وهو ما لا يصح إيمان العبد ولا عبادته إلا به، كمعنى الشهادتين وأركان الصلاة.
فرض كفاية: وهو التوسع في دقائق المسائل والردود، إذا قام به البعض سقط عن الباقين.
نوع العلم هنا: هو من العلم الضروري الذي هو فرض عين؛ لأن معرفة "الفارق" بين الإيمان والكفر هو أصل الأصول.
بصمة الباحث: العلم المذكور هنا هو (العلم النظري) الذي يحتاج إلى استدلال من الكتاب والسنة، وليس علماً لدنياً أو وجدانياً كما تدعيه الصوفية ^(2).
2. قوله: (رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى):
الاشتقاق اللغوي: من (الرحمة)، وهي في الأصل الرقة والتعطف والمغفرة.
اللطيفة البحثية:
بيان أن مذهب أهل السنة والجماعة مبني على الحق والرحمة بالخلق.
تنبيه المتعلم أن العلم وسيلة لنيل رحمة الله، وليس وسيلة للعلو في الأرض.
إشارة إلى أن "الرحمة" المرجوة هنا هي الهداية للحق والثبات عليه حتى الممات.
3. قوله: (الْفَارِقَةُ):
الاشتقاق اللغوي: اسم فاعل من (فَرَقَ)، أي فصَل وتباين.
التقرير العقدي (بشرح الشيخ صالح السندي): قرر الشيخ السندي أن هذه الكلمة هي "الميزان"؛ فمن نطق بها عارفاً لمقتضاها حُرِّم ماله ودمه، ومن أتى بما يناقضها بطل عمله. فهي فارقة في (الأحكام) في الدنيا، وفي (المآل) في الآخرة ^(3).
4. قوله: (بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ):
الحد الجامع للكفر: هو عدم الإيمان بالله ورسوله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن، بل لمجرد الإعراض عن دين الله.
الحد الجامع للإسلام: هو الاستسلام والانقياد.
التلازم الظاهري: كما يقرر الشيخ السندي، لا يكون الإسلام إسلاماً إلا بيقين القلب ونطق اللسان، فمن أتى بالظاهر دون الباطن فهو منافق، ومن زعم الباطن دون الظاهر فهو كاذب.
ثالثاً: حاشية التوثيق والبيان (حاشية موسعة):
(1) مصدر النص: ابن عبد الوهاب، محمد، تفسير كلمة التوحيد، ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ، ج1، ص (363).
(2) مراتب العلم: انظر: ابن القيم، مفتاح دار السعادة، ج1، ص (145). وانظر تفصيل فرض العين والكفاية في: السفاريني، لوامع الأنوار البهية، ج1، ص (12).
(3) شرح الشيخ صالح السندي: انظر: السندي، صالح بن عبد العزيز، شرح تفسير كلمة التوحيد (دروس مسجلة ومفرغة)، حيث أكد على أن "الفارقية" تقتضي التمييز التام الذي لا يقبل الشركة، فلا يجتمع توحيد مع شرك في قلب واحد.
(4) الاشتقاق اللغوي (الكفر والإسلام): انظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة (كفر) ومادة (سلم). والكفر هنا معرف بـ "ال" العهدية التي تنصرف إلى الكفر الأكبر المخرج من الملة.
(5) العلم النظري والضروري: انظر: الجويني، البرهان في أصول الفقه، ج1، ص (88).
--------------&
[التَّتِمَّةُ الْأُولَى لِلْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ: مِيرَاثُ الْخَلِيلِ وَأَوْصَافُ الْكَلِمَةِ فِي التَّنْزِيلِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ الدِّرَاسَةِ):
«وَهِيَ كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَهِيَ الَّتِي جَعَلَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ». ^(1)
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَلَوَازِمُ التَّسْمِيَةِ:
1. كَلِمَةُ التَّقْوَى:
- الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ: مِنَ الْوِقَايَةِ (مَادَّةُ وَقَى)، وَهِيَ حِفْظُ الشَّيْءِ عَمَّا يُؤْذِيهِ وَيَضُرُّهُ ^(2).
- لِمَاذَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؟: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ هِيَ الْفَاصِلُ الَّذِي يَقِي الْقَلْبَ مِنْ نَجَاسَةِ الشِّرْكِ، وَيَقِي الْبَدَنَ مِنَ الْخُلُودِ فِي سَقَرَ.
- لَوَازِمُ التَّسْمِيَةِ: يَلْزَمُ مَنْ نَطَقَ بِهَا أَنْ يَتَّخِذَ وِقَايَةً مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَرْكِ التَّنَدُّدِ وَإِفْرَادِ الْخَالِقِ بِالْقَصْدِ.
2. الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى:
- الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ: (الْعُرْوَةُ) لُغَةً: مَوْضِعُ الِاسْتِمْسَاكِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، وَ(الْوُثْقَى) هِيَ الْبَالِغَةُ غَايَةَ الْإِحْكَامِ وَالثَّبَاتِ ^(3).
- لِمَاذَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؟: لِأَنَّ الَّذِي يَسْتَمْسِكُ بِمَعْنَاهَا (نَفْيًا وَإِثْبَاتًا) قَدْ نَجَا مِنَ الِانْفِصَامِ وَالضَّيَاعِ فِي مَتَاهَاتِ الْأَهْوَاءِ.
- لَوَازِمُ التَّسْمِيَةِ: يَلْزَمُ الْمُسْتَمْسِكَ بِهَا الْكَفْرُ بِالطَّاغُوتِ أَوَّلًا لِيَصِحَّ لَهُ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ رَابِطًا وَمَقْصِدًا.
ثَالِثًا: حَقِيقَةُ الْكَلِمَةِ الْبَاقِيَةِ فِي مِيرَاثِ الْخَلِيلِ:
1. مَنْ هُوَ إِبْرَاهِيمُ؟:
هُوَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، إِمَامُ الْحُنَفَاءِ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أُمَّةً قَانِتًا. هُوَ الَّذِي جَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا.
2. مَعْنَى "جَعَلَهَا بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ":
- الْبَاقِيَةُ: الْمُسْتَمِرَّةُ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ (مَادَّةُ بَقِيَ).
- الْعَقِبُ: هُمْ ذُرِّيَّتُهُ وَنَسْلُهُ مِنْ بَعْدِهِ ^(4).
- تَحْقِيقُ الْمَعْنَى: أَيْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- لَمَّا صَدَعَ بِقَوْلِهِ: {إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي}، جَعَلَ اللَّهُ هَذَا التَّوْحِيدَ (الَّذِي هُوَ حَقِيقَةُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) مِيرَاثًا فِي ذُرِّيَّتِهِ، فَلَا يَزَالُ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ بِالْحَقِّ وَيَنْطِقُ بِهِ وَلَوْ قَلُّوا.
3. "لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ":
أَيْ يَرْجِعُونَ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ بَعْدَ ضَلَالِهِمْ، أَوْ يَرْجِعُونَ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ تَذَكُّرِ مِيرَاثِ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ.
رَابِعًا: بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ تَجْدِيدًا لِلْمِيرَاثِ:
لَمْ يَزَلِ التَّوْحِيدُ بَاقِيًا فِي عَقِبِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ صَفْوَةَ الْعَقِبِ، مُحَمَّدًا ﷺ، فَبَعَثَهُ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عَيْنِهَا الَّتِي نَطَقَ بِهَا جَدُّهُ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَيْهَا، بَلْ وَقَاتَلَهُمْ عَلَيْهَا لِعَظَمَتِهَا:
- الدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا».
- تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (2946)، وَمُسْلِمٌ (20)، وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ (1/69)، وَأَبُو دَاوُدَ (1556)، وَالتِّرْمِذِيُّ (2610)، وَالنَّسَائِيُّ (5/14). ^(5)
- رَبْطُ الْآيَاتِ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ لِيُحَقِّقَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]. فَكَانَ ﷺ هُوَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا إِبْرَاهِيمُ بَاقِيَةً، فَرَجَعَ إِلَيْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَمِنَ الْعَالَمِينَ.
خَامِسًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ (الْعَزْوُ الدَّقِيقُ):
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، (1/363).
(2) اِشْتِقَاقُ التَّقْوَى: انْظُرْ: ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، (6/131). وَالرَّاغِبُ، الْمُفْرَدَاتُ، ص (530).
(3) اِشْتِقَاقُ الْعُرْوَةِ: انْظُرْ: الزَّبِيدِيُّ، تَاجُ الْعَرُوسِ، مَادَّةُ (عَرَا). وَانْظُرْ تَفْسِيرَ {لَا انْفِصَامَ لَهَا} فِي: الطَّبَرِيُّ، جَامِعُ الْبَيَانِ، (5/415).
(4) الْكَلِمَةُ الْبَاقِيَةُ فِي الْعَقِبِ: رَاجِعْ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، (7/226) فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الزُّخْرُفِ.
(5) تَخْرِيجُ حَدِيثِ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ): كَمَا فُصِّلَ أَعْلَاهُ فِي مُتُونِ الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ.
(6) شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ: انْظُرْ: السِّنْدِيُّ، صَالِحٌ، شَرْحُ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، حَيْثُ رَبَطَ بَيْنَ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ وَبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي تَحْقِيقِ كَلِمَةِ الْفَصْلِ.
------------&
التَّتِمَّةُ الثَّانِيَةُ لِلْمَبْحَثِ الْأَوَّلِ:
[مَرَاتِبُ التَّحْقِيقِ وَغَائِلَةُ الْجَهْلِ وَالنِّفَاقِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ الدِّرَاسَةِ):
«وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَوْلَهَا بِاللِّسَانِ مَعَ الْجَهْلِ بِمَعْنَاهَا، فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ يَقُولُونَهَا، وَهُمْ تَحْتَ الْكُفَّارِ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ، مَعَ كَوْنِهِمْ يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ». ^(1)
ثَانِيًا: مَنْظُومَةُ التَّحْقِيقِ (الظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ):
يُؤَصِّلُ الشَّيْخُ هُنَا لِحَقِيقَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) بِأَنَّهَا لَيْسَتْ لَفْظًا سِحْرِيًّا، بَلْ هِيَ مَنْظُومَةٌ ثُلَاثِيَّةُ الْأَرْكَانِ لَا تَتَجَزَّأُ:
قَوْلٌ بِاللِّسَانِ: وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالنُّطْقُ الظَّاهِرُ الَّذِي تُعْصَمُ بِهِ الدِّمَاءُ فِي الدُّنْيَا.
تَصْدِيقٌ وَإِقْرَارٌ بِالْقَلْبِ: وَهُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ مِنْ عِلْمٍ وَيَقِينٍ وَإِخْلَاصٍ، وَهُوَ مَنَاطُ النَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ.
عَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ وَالْأَرْكَانِ: وَهُوَ الِانْقِيَادُ لِلْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكُ الْمَحْظُورَاتِ؛ فَالْعَمَلُ شَطْرٌ فِي الْإِيمَانِ وَلَازِمٌ لِصِحَّتِهِ. ^(2)
ثَالِثًا: غَائِلَةُ الْجَهْلِ وَمَرَاتِبُهُ (تَحْرِيرٌ لُغَوِيٌّ وَعَقَدِيٌّ):
نَفَى الشَّيْخُ الِاعْتِدَادَ بِالْقَوْلِ مَعَ "الْجَهْلِ"، وَالْجَهْلُ (مَادَّةُ جَهَلَ) عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَنْقَسِمُ إِلَى مَرْتَبَتَيْنِ:
1. الْجَهْلُ الْبَسِيطُ: وَهُوَ خَلَاءُ النَّفْسِ مِنَ الْمَعْلُومَةِ بِالْكُلِّيَّةِ. كَمَنْ يَنْطِقُ بِالشَّهَادَةِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّ "الْإِلَهَ" هُوَ "الْمَعْبُودُ"، فَهَذَا لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا.
2. الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ: وَهُوَ اعْتِقَادُ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ ^(3). كَمَنْ يَظُنُّ أَنَّ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" هُوَ (لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ) فَقَطْ، فَيَصْرِفُ الْعِبَادَةَ لِغَيْرِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ تَوْحِيدَهُ.
بَصْمَةُ الْبَاحِثِ: كِلَا النَّوْعَيْنِ مِنَ الْجَهْلِ مَانِعٌ مِنْ تَحْقِيقِ "شَرْطِ الْعِلْمِ" الْمُسْتَفَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}.
رَابِعًا: تَشْرِيحُ حَالِ الْمُنَافِقِينَ (الْعِبَادَةُ الْجَوْفَاءُ):
ضَرَبَ الشَّيْخُ الْمَثَلَ بِالْمُنَافِقِينَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ صُورَةَ الْعَمَلِ لَا تَنْفَعُ مَعَ خَرَابِ الْأَصْلِ:
النِّفَاقُ (لُغَةً): مِنَ النَّافِقَاءِ؛ وَهُوَ إِظْهَارُ خِلَافِ مَا يُبْطِنُ.
حَالُهُمْ مَعَ الشَّهَادَةِ: كَانُوا يَقُولُونَهَا لِيَحْقِنُوا دِمَاءَهُمْ، فَهِيَ عِنْدَهُمْ "تُرْسٌ" دُنْيَوِيٌّ لَا "عَقِيدَةٌ" أُخْرَوِيَّةٌ.
عِبَادَتُهُمْ (الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ): نَبَّهَ الشَّيْخُ أَنَّهُمْ {يُصَلُّونَ وَيَصُومُونَ}، وَمَعَ ذَلِكَ حَكَمَ اللَّهُ بِأَنَّهُمْ فِي {الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ}. ^(4)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيُّ: يُقَرِّرُ الشَّيْخُ السِّنْدِيُّ أَنَّ عِلَّةَ هَلَاكِهِمْ هِيَ فَقْدُ "صِدْقِ الْقَلْبِ" وَ"الْعِلْمِ بِمُقْتَضَى الْكَلِمَةِ". وَفِي هَذَا رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّ مُجَرَّدَ "فِعْلِ الطَّاعَاتِ" مَعَ التَّلَبُّسِ بِالشِّرْكِ أَوْ جَهْلِ التَّوْحِيدِ يُنْجِي مِنَ النَّارِ. ^(5)
خَامِسًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ (الْعَزْوُ الْأَكَادِيمِيُّ):
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، (1/363).
(2) أَرْكَانُ الْإِيمَانِ عِنْدَ السَّلَفِ: انْظُرْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، كِتَابُ الْإِيمَانِ، ص (153-155). وَانْظُرْ تَقْرِيرَ الآجُرِّيِّ فِي الشَّرِيعَةِ، (2/611).
(3) أَنْوَاعُ الْجَهْلِ: رَاجِعْ: الْجُرْجَانِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، التَّعْرِيفَاتُ، ص (79). وَالرَّاغِبُ، الْمُفْرَدَاتُ، مَادَّةُ (جَهَلَ).
(4) حَالُ الْمُنَافِقِينَ فِي الْقُرْآنِ: انْظُرْ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، (2/441) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ}.
(5) شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِحٍ السِّنْدِيِّ: انْظُرْ: السِّنْدِيُّ، صَالِحٌ، شَرْحُ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، حَيْثُ فَصَّلَ فِي بَيَانِ أَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ لَا تَنْفَعُ إِلَّا بَعْدَ تَحْقِيقِ أَصْلِ التَّوْحِيدِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
----------&
المبحث الثاني:
[شروط التحقيق ولوازم الصدق في كلمة التوحيد]
أولاً: نص الرسالة :
«وَلَكِنَّ الْمُرَادَ قَوْلُهَا مَعَ مَعْرِفَتِهَا بِالْقَلْبِ، وَمَحَبَّتِهَا وَمَحَبَّةِ أَهْلِهَا، وَبُغْضِ مَنْ خَالَفَهَا وَمُعَادَاتِهِ؛ كَمَا قَالَ ﷺ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا"، وَفِي رِوَايَةٍ: "خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ"، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: "مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ".. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَهَالَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ». ^(1)
ثانياً: التحليل اللغوي والاشتقاقي للمفردات:
1. "الْمَعْرِفَةُ" (مادة عَرَفَ):
الاشتقاق: تدل على تميز الشيء وتبيينه عن غيره. والمعرفة العلمية هنا هي "ضد الجهل".
قُلْتُ: المعرفة بالقلب هي الركن الركين الذي يخرج به العبد من ربقة "التقليد الأعمى"، فمن نطق بلسانه ولم يعرف قلبه معنى الألوهية ونفيها عما سوى الله، فنطقه هذيان لا يعتد به شرعاً.
2. "الْمَحَبَّةُ" (مادة حَبَّ):
الاشتقاق: من اللزوم والثبوت (كحب الزرع).
قُلْتُ: المحبة شرط من شروط "لا إله إلا الله" المنافية لضدها وهو الكراهية؛ فالموحد يجب أن يحب هذه الكلمة، ويحب ما دلت عليه من إفراد الله، ويحب أهلها (الموحدين) لتوحيدهم، وهذا هو أصل الولاء.
3. "الْبُغْضُ" و"الْمُعَادَاةُ" (مادة بَغَضَ وَعَدَا):
الاشتقاق: البغض نفور القلب، والمعاداة مجانبة الشيء والبعد عنه.
قُلْتُ: لا يستقيم التوحيد إلا ببغض الشرك وأهله ومعاداتهم في الله. وهذا ما قرره الشيخ السندي بأن التوحيد "تصفية" قبل أن يكون "تحلية"، فمن لم يبغض مَن خالف التوحيد لم يذق طعم الإيمان (2).
ثالثاً: التحقيق الشرعي في شروط الكلمة (بشرح الأئمة):
1. شرط "الإخلاص" (شرح الشيخ ابن عثيمين):
أورد الشيخ رواية (مخلصاً) و(خالصاً من قلبه).
التقرير: يقول ابن عثيمين: "الإخلاص هو تنقية العمل من شوائب الشرك، فمن قالها ليقال عنه مسلم، أو قالها وهو يلتفت بقلبه لغير الله، لم يحقق الإخلاص المأمور به" ^(3).
2. شرط "الصدق" (شرح الشيخ محمد بن خليفة التميمي):
أورد الشيخ رواية (صادقاً من قلبه).
التقرير: يبين التميمي أن الصدق هو مطابقة اللسان لما في القلب. فالمنافق قالها بلسانه لكن قلبه كذّب بها، فلم ينفعه قوله. فالصدق هو العاصم من النفاق الأكبر (4).
3. شرط "الكفر بما يعبد من دون الله" (شرح الشيخ صالح سندي):
التقرير: يؤكد الشيخ سندي أن هذا الحديث هو "زيادة بيان" لشرط الكفر بالطاغوت. فلا عصمة للدم والمال إلا بالبراءة الفعلية من الأنداد. يقول سندي: "التلفظ واليقين لا يكفيان حتى يضيف إليهما الكفر العملي والاعتقادي بكل ما عُبد من دون الله" ^(5).
رابعاً: حاشية التخريج والتوثيق (التخريج الكامل):
(1) مصدر النص: ابن عبد الوهاب، محمد، تفسير كلمة التوحيد، (1/363).
(2) مادة المحبة والبغض: انظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، مادة (حب) و(بغض). وانظر: صالح سندي شرح تفسير كلمة التوحيد (دروس مفرغة).
(3) حديث الإخلاص: «من قال لا إله إلا الله مخلصاً..». أخرجه البزار في مسنده، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6434).
وأصل معناه في البخاري من حديث عتبان: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله».
الحكم: صحيح بشواهده.
(4) حديث الصدق: «ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار». أخرجه البخاري (128) ومسلم (32) من حديث معاذ بن جبل.
الحكم: صحيح غاية الصحة.
(5) حديث الكفر بما يعبد: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله..». أخرجه مسلم في صحيحه (23) من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه.
الحكم: صحيح غاية الصحة.
---------&
[تَتِمَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي: كَشْفُ غِيَاهِبِ الْجَهَالَةِ بِحَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ التَّحْقِيقِ):
«..إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَهَالَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ». ^(1)
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ الْجَهَالَةِ (تَحْقِيقُ الْوَاقِعِ وَالْمُصْطَلَحِ):
1. جَهَالَةُ أَكْثَرِ النَّاسِ (قُلْتُ):
لَمْ يَقْصِدِ الشَّيْخُ بـ (الْجَهَالَةِ) عَدَمَ قُدْرَةِ النَّاسِ عَلَى النُّطْقِ بِالْكَلِمَةِ، بَلْ قَصَدَ (الْجَهْلَ بِالْمَدْلُولِ وَالْمُقْتَضَى). وَقَدْ قَسَّمَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ هَذِهِ الْجَهَالَةَ إِلَى مَنَاحٍ:
جَهَالَةُ النَّقْضِ: مَنْ يَقُولُهَا وَيَنْقُضُهَا بِمُبَاشَرَةِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ (دُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ).
جَهَالَةُ التَّأْوِيلِ: مَنْ يَقُولُهَا وَيَحْسَبُ أَنَّ مَعْنَاهَا مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ الرُّبُوبِيِّ (لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ).
2. مَوْقِفُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ:
التقرير: يُنَبِّهُ الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي أَنَّ عِلَّةَ الضَّلَالِ عِنْدَ "أَكْثَرِ النَّاسِ" نَابِعَةٌ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِصُورَةِ اللَّفْظِ دُونَ فَهْمِ حَقِيقَةِ (الْإِلَهِ)؛ فَظَنُّوا أَنَّهُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ (الْمَعْبُودُ الَّذِي تُؤَلِّهُهُ الْقُلُوبُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا).
قُلْتُ: هَذَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ صَرَفَ "السِّرَّ" أَوْ "الْخَوْفَ" لِغَيْرِ اللَّهِ، هُوَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي عَدَادِ الْجَهَلَةِ بِالْمَقْصِدِ الْأَسْمَى لِلشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لِسَانُهُ رَطْبًا بِهَا ^(2).
ثَالِثًا: تَفْكِيكُ لَوَازِمِ الْأَحَادِيثِ (الْإِخْلَاصُ وَالْكَفْرُ بِالطَّاغُوتِ):
1. الْإِخْلَاصُ وَالْمُنَافَاةُ لِلشِّرْكِ (بِشَرْحِ التَّمِيمِيِّ):
يُؤَكِّدُ مُحَمَّد بْن خَلِيفَة التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ (مُخْلِصًا، صَادِقًا) هِيَ "شُرُوطُ صِحَّةٍ" لَا "شُرُوطُ كَمَالٍ". فَمَنْ فَقَدَ الصِّدْقَ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ فَقَدَ الْإِخْلَاصَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَالْجَهَالَةُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ هِيَ الَّتِي أَوْقَعَتِ النَّاسَ فِي التَّعَدِّي عَلَى جَنَابِ التَّوْحِيدِ ^(3).
2. رَبْطُ الْعِصْمَةِ بِالْكَفْرِ بِمَا يُعْبَدُ (بِشَرْحِ ابْن عُثَيْمِين):
يَرَى ابْن عُثَيْمِين أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْإِسْلَامِ الْيَوْمَ لَمْ يُحَقِّقُوا مَعْنَى (الْكَفْرِ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ مَنْ يَعْبُدُ الْقُبُورَ، أَوْ يَشُكُّونَ فِي بطلانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنَ "الْجَهَالَةِ" الَّتِي أَوْمَأَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ ^(4).
رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ (تَحْقِيقُ الْمَصَادِرِ):
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، (1/363).
(2) تَقْرِيرُ الْجَهَالَةِ عِنْدَ صَالِح سِنْدِي: انْظُرْ: صَالِح سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، حَيْثُ نَاقَشَ عِلَّةَ تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ لِلْجَهَالَةِ عَلَى النَّقْضِ الْعَمَلِيِّ.
(3) تَفْصِيلُ الشُّرُوطِ: انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّد بْن خَلِيفَة، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (184-188).
(4) الْعِصْمَةُ الْقَانُونِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ: انْظُرْ: ابْن عُثَيْمِين، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (134).
----------&
[تَتِمَّةُ الْوَجْهِ الثَّانِي: كَشْفُ غِيَاهِبِ الْجَهَالَةِ بِحَقِيقَةِ الشَّهَادَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ التَّحْقِيقِ):
«..إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى جَهَالَةِ أَكْثَرِ النَّاسِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ». ^(1)
ثَانِيًا: تَقْرِيرُ الْجَهَالَةِ (تَحْقِيقُ الْوَاقِعِ وَالْمُصْطَلَحِ):
1. جَهَالَةُ أَكْثَرِ النَّاسِ (قُلْتُ):
لَمْ يَقْصِدِ الشَّيْخُ بـ (الْجَهَالَةِ) عَدَمَ قُدْرَةِ النَّاسِ عَلَى النُّطْقِ بِالْكَلِمَةِ، بَلْ قَصَدَ (الْجَهْلَ بِالْمَدْلُولِ وَالْمُقْتَضَى). وَقَدْ قَسَّمَ أَهْلُ التَّحْقِيقِ هَذِهِ الْجَهَالَةَ إِلَى مَنَاحٍ:
جَهَالَةُ النَّقْضِ: مَنْ يَقُولُهَا وَيَنْقُضُهَا بِمُبَاشَرَةِ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ (دُعَاءِ غَيْرِ اللَّهِ).
جَهَالَةُ التَّأْوِيلِ: مَنْ يَقُولُهَا وَيَحْسَبُ أَنَّ مَعْنَاهَا مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ الرُّبُوبِيِّ (لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ).
2. مَوْقِفُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ:
التقرير: يُنَبِّهُ الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي أَنَّ عِلَّةَ الضَّلَالِ عِنْدَ "أَكْثَرِ النَّاسِ" نَابِعَةٌ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِصُورَةِ اللَّفْظِ دُونَ فَهْمِ حَقِيقَةِ (الْإِلَهِ)؛ فَظَنُّوا أَنَّهُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَلَمْ يَفْهَمُوا أَنَّهُ (الْمَعْبُودُ الَّذِي تُؤَلِّهُهُ الْقُلُوبُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا).
قُلْتُ: هَذَا يَعْنِي أَنَّ مَنْ صَرَفَ "السِّرَّ" أَوْ "الْخَوْفَ" لِغَيْرِ اللَّهِ، هُوَ مِمَّنْ دَخَلَ فِي عَدَادِ الْجَهَلَةِ بِالْمَقْصِدِ الْأَسْمَى لِلشَّهَادَةِ، وَإِنْ كَانَ لِسَانُهُ رَطْبًا بِهَا ^(2).
ثَالِثًا: تَفْكِيكُ لَوَازِمِ الْأَحَادِيثِ (الْإِخْلَاصُ وَالْكَفْرُ بِالطَّاغُوتِ):
1. الْإِخْلَاصُ وَالْمُنَافَاةُ لِلشِّرْكِ (بِشَرْحِ التَّمِيمِيِّ):
يُؤَكِّدُ مُحَمَّد بْن خَلِيفَة التَّمِيمِيُّ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ (مُخْلِصًا، صَادِقًا) هِيَ "شُرُوطُ صِحَّةٍ" لَا "شُرُوطُ كَمَالٍ". فَمَنْ فَقَدَ الصِّدْقَ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ فَقَدَ الْإِخْلَاصَ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَالْجَهَالَةُ بِهَذِهِ الشُّرُوطِ هِيَ الَّتِي أَوْقَعَتِ النَّاسَ فِي التَّعَدِّي عَلَى جَنَابِ التَّوْحِيدِ ^(3).
2. رَبْطُ الْعِصْمَةِ بِالْكَفْرِ بِمَا يُعْبَدُ (بِشَرْحِ ابْن عُثَيْمِين):
يَرَى ابْن عُثَيْمِين أَنَّ كَثِيرًا مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْإِسْلَامِ الْيَوْمَ لَمْ يُحَقِّقُوا مَعْنَى (الْكَفْرِ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ)؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُكَفِّرُونَ مَنْ يَعْبُدُ الْقُبُورَ، أَوْ يَشُكُّونَ فِي بطلانِ مَا هُمْ عَلَيْهِ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنَ "الْجَهَالَةِ" الَّتِي أَوْمَأَ إِلَيْهَا الْمُصَنِّفُ ^(4).
رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ (تَحْقِيقُ الْمَصَادِرِ):
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، (1/363).
(2) تَقْرِيرُ الْجَهَالَةِ عِنْدَ صَالِح سِنْدِي: انْظُرْ: صَالِح سِنْدِي، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، حَيْثُ نَاقَشَ عِلَّةَ تَقْدِيمِ الْمُصَنِّفِ لِلْجَهَالَةِ عَلَى النَّقْضِ الْعَمَلِيِّ.
(3) تَفْصِيلُ الشُّرُوطِ: انْظُرْ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّد بْن خَلِيفَة، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (184-188).
(4) الْعِصْمَةُ الْقَانُونِيَّةُ وَالشَّرْعِيَّةُ: انْظُرْ: ابْن عُثَيْمِين، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (134).
-------------&
[الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ: حَقِيقَةُ الأُلُوهِيَّةِ وَتَهَافُتُ مَذَاهِبِ الْمُبْطِلِينَ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ التَّحْقِيقِ):
«فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ؛ نَفْيُ الْإِلَهِيَّةِ عَمَّا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الْمُرْسَلِينَ حَتَّى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى جِبْرِيلَ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَإِثْبَاتُهَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَإِذَا فَهِمْتَ ذَلِكَ، فَتَأَمَّلِ الْأُلُوهِيَّةَ الَّتِي أَثْبَتَهَا اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وَنَفَاهَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبْرِيلَ وَغَيْرِهِمَا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ مِنْهَا مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ».
ثَانِيًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ وَالتَّرَاجِمُ:
1. "الرَّسُولُ" وَ"النَّبِيُّ":
الرَّسُولُ: لُغَةً مِنَ (الرَّسَلِ) بِمَعْنَى الِانْبِعَاثِ. وَحَدُّهُ الْجَامِعُ: «إِنْسَانٌ ذَكَرٌ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَ اللَّهِ».
النَّبِيُّ: لُغَةً مِنَ (النَّبَأِ) وَهُوَ الْخَبَرُ الْعَظِيمُ. وَحَدُّهُ الْجَامِعُ: «إِنْسَانٌ ذَكَرٌ، أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ لِيَعْمَلَ بِهِ وَيُبَلِّغَهُ لِمَنْ كَانَ مُوَافِقًا عَلَى شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُ». ^(1)
2. تَرْجَمَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ:
هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَهُوَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَفْضَلُ الْمُرْسَلِينَ، نَفَى الشَّيْخُ عَنْهُ مَقَامَ الْأُلُوهِيَّةِ لِيَقْطَعَ الطَّمَعَ فِيمَنْ دُونَهُ. ^(2)
3. "الْمَلَائِكَةُ" وَ"جِبْرِيلُ":
الْمَلَائِكَةُ: لُغَةً جَمْعُ (مَلَأَكٍ) مِنَ الْأَلُوكَةِ وَهِيَ الرِّسَالَةُ. وَحَدُّهُمُ الْجَامِعُ: «أَجْسَامٌ نُورَانِيَّةٌ، لَطِيفَةٌ، قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ، مَسْكَنُهَا السَّمَاوَاتُ، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ».
جِبْرِيلُ: لُغَةً اسْمٌ أَعْجَمِيٌّ مَعْنَاهُ (عَبْدُ اللَّهِ). وَهُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ، رَئِيسُ الْمَلَائِكَةِ وَأَقْوَاهُمْ خَلْقًا، وَمَعَ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ. ^(3)
4. "الصَّالِحُونَ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الصَّلَاحِ) ضِدِّ الْفَسَادِ.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: «هُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَائِمُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ عِبَادِهِ». وَهُمُ الَّذِينَ غَلَا فِيهِمْ أَهْلُ الشِّرْكِ بِدَعْوَى (الْوَلَايَةِ) وَ(السِّرِّ).
5. "مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ":
اللُّغَةُ: الْمِثْقَالُ هُوَ مِقْدَارُ الشَّيْءِ وَزْنًا. وَالْخَرْدَلُ نَبَاتٌ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الدِّقَّةِ وَالصِّغَرِ.
الْمَعْنَى التَّحْقِيقِيُّ: أَيْ أَنَّ خَصَائِصَ الْأُلُوهِيَّةِ (مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالذَّبْحِ) هِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ، لَا يَشْرَكُهُ فِيهَا صَاحِبُ جَاهٍ وَلَا قُوَّةٍ.
ثَالِثًا: الشَّرْحُ الْعَقَدِيُّ لِلْقِطْعَةِ (بِتَقْرِيرَاتِ الْأَئِمَّةِ):
1. شَرْحُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (قُلْتُ):
يُقَرِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الشَّيْخَ بَدَأَ بِـ (فَاعْلَمْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ الْمَقَامِ. وَالْأُلُوهِيَّةُ الَّتِي نَفَاهَا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبْرِيلَ هِيَ "اسْتِحْقَاقُ الْعِبَادَةِ"؛ فَالرَّسُولُ يُطَاعُ وَيُتَّبَعُ وَيُحَبُّ، لَكِنْ لَا يُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَنَفْيُ الشَّيْخِ لِلْأُلُوهِيَّةِ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ عَلَى مَنْ يَسْتَغِيثُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ الشَّدَائِدِ. ^(4)
2. شَرْحُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي (قُلْتُ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي أَنَّ رَبْطَ النَّفْيِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَجِبْرِيلَ هُوَ مِنْ بَابِ "فَحْوَى الْخِطَابِ"؛ فَمَنِ اعْتَقَدَ فِي جِبْرِيلَ شَيْئًا مِنَ الْأُلُوهِيَّةِ كَفَرَ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ فِي بَدَوِيٍّ أَوْ مَيِّتٍ لَا يُعْرَفُ حَالُهُ؟ وَيُؤَكِّدُ سِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ تَهْدِمُ أَصْلَ الشِّرْكِ الْمَبْنِيِّ عَلَى التَّعَلُّقِ بِالْعُظَمَاءِ. ^(5)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (قُلْتُ):
يُوضِحُ أَنَّ "الْأُلُوهِيَّةَ" عِنْدَ الشَّيْخِ هِيَ (الْعِبَادَةُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا)، وَهَذَا لَا يَلِيقُ إِلَّا بِالرَّبِّ الْخَالِقِ. فَالْخَلْقُ جَمِيعًا عَبِيدٌ، وَالْعَبْدُ لَا يَكُونُ مَعْبُودًا. ^(6)
رَابِعًا: مَعْرَكَةُ التَّفَاسِيرِ لِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ):
تَفْسِيرُ أَهْلِ السُّنَّةِ: (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ). هُوَ تَفْسِيرٌ يَقُومُ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، فَالْإِلَهُ هُوَ الْمَأْلُوهُ (الْمَعْبُودُ).
تَفْسِيرُ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ (الْأَشَاعِرَةِ): (لَا قَادِرَ عَلَى الِاخْتِرَاعِ إِلَّا اللَّهُ). قُلْتُ: هَذَا تَفْسِيرٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ يَقْصُرُ الشَّهَادَةَ عَلَى الرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَمْ يُنْكِرْهَا أَبُو جَهْلٍ.
تَفْسِيرُ الْفَلَاسِفَةِ: (نَفْيُ الْوُجُودِ الْعَيْنِيِّ وَتَوْحِيدُ الْمَاهِيَّةِ). جَعَلُوهَا نَفْيًا لِلْحَقَائِقِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ.
تَفْسِيرُ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ: (تَوْحِيدُ الصِّفَاتِ بِمَعْنَى نَفْيِهَا). فَالْمُوَحِّدُ عِنْدَهُمْ هُوَ مَنْ نَفَى السَّمْعَ وَالْبَصَرَ عَنِ اللَّهِ.
تَفْسِيرُ أَهْلِ وَحْدَةِ الْوُجُودِ: (لَا مَوْجُودَ إِلَّا اللَّهُ). وَهِيَ غَايَةُ الزَّنْدَقَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا الْعَابِدَ هُوَ الْمَعْبُودَ.
تَفْسِيرُ الْحِزْبِيِّينَ (الْإِخْوَانِ): (لَا حَاكِمَ إِلَّا اللَّهُ). جَعَلُوا "الْحَاكِمِيَّةَ" هِيَ أَصْلَ الدِّينِ، وَأَغْفَلُوا عِبَادَةَ الْقُلُوبِ وَتَوْحِيدَ الْقُبُورِ.
تَفْسِيرُ الرَّوَافِضِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ بِشَرْطِ الْوَلَايَةِ لِلْأَئِمَّةِ). جَعَلُوا مَنَاطَ النَّجَاةِ تَقْدِيسَ الْبَشَرِ، وَرَتَّبُوا عَلَى ذَلِكَ نَقْضَ التَّوْحِيدِ عَمَلِيًّا بِصَرْفِ الْعِبَادَةِ لِأَئِمَّتِهِم
خَامِسًا: حَاشِيَةُ:
(1) التَّعْرِيفَاتُ: الشَّرِيفُ الْجُرْجَانِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، كِتَابُ التَّعْرِيفَاتِ، ط1، دَارُ الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ، بَيْرُوت، ص (112-234).
(2) تَرْجَمَةُ النَّبِيِّ: ابْنُ كَثِيرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ، ط هَجْر، ج2، ص (240).
(3) عَالَمُ الْمَلَائِكَةِ: ابْنُ أَبِي الْعِزِّ الْحَنَفِيُّ، شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ، ط مِيْرَاثِ النُّبُوَّةِ، ج2، ص (312).
(4) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج1، ص (140-142).
(5) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ (الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ)، ص (12-15).
(6) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، ص (188).
(7) مَذَاهِبُ الْمُبْطِلِينَ: رَاجِعْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج3، ص (102-110).
-----------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ: كَشْفُ شُبُهَاتِ الْعَامَّةِ فِي مَعْنَى الْوَسَاطَةِ وَالْأَلْقَابِ الصُّوفِيَّةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ التَّحْقِيقِ):
«فَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْأُلُوهِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا الْعَامَّةُ فِي زَمَانِنَا "السِّرَّ" وَ"الْوِلَايَةَ"، وَالْإِلَهُ مَعْنَاهُ الْوَلِيُّ الَّذِي فِيهِ "السِّرُّ"، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ "الْفَقِيرَ" وَ"الشَّيْخَ"، وَتُسَمِّيهِ الْعَامَّةُ "السَّيِّدَ" وَأَشْبَاهَ هَذَا؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِخَوَاصِّ الْخَلْقِ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً يَرْضَى أَنْ يَلْتَجِئَ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِمْ، وَيَرْجُوهُمْ وَيَسْتَغِيثَ بِهِمْ، وَيَجْعَلَهُمْ وَسَاطَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَالَّذِينَ يَزْعُمُ أَهْلُ الشِّرْكِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُمْ وَسَائِطُهُمْ، هُمُ الَّذِينَ يُسَمِّيهِمُ الْأَوَّلُونَ "الْآلِهَةَ"، وَالْوَسَاطَةُ هِيَ "الْإِلَهُ"؛ فَقَوْلُ الرَّجُلِ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" إِبْطَالٌ لِلْوَسَائِطِ».
ثَانِيًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاصْطِلَاحِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ:
1. "السِّرُّ" وَ"الْوِلَايَةُ" (عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ):
السِّرُّ لُغَةً: مَا يُكْتَمُ. وَاصْطِلَاعًا: قُوَّةٌ خَفِيَّةٌ يَدَّعِيهَا الْقُبُورِيُّونَ فِي "الْوَلِيِّ" تُمَكِّنُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْكَوْنِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
الْوِلَايَةُ لُغَةً: ضِدُّ الْعَدَاوَةِ. وَاصْطِلَاحًا: يَقْصِدُونَ بِهَا الْقُرْبَ الَّذِي يُبِيحُ لِلْعَبْدِ أَنْ يُقْصَدَ بِالْحَاجَاتِ.
2. "الْفَقِيرُ" وَ"الشَّيْخُ" وَ"السَّيِّدُ":
الْفَقِيرُ: لُغَةً ضِدُّ الْغَنِيِّ. وَاصْطِلَاعًا عِنْدَهُمْ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ التَّصَوُّفِ وَانْقَطَعَ لِخِدْمَةِ "الشَّيْخِ".
الشَّيْخُ: مَنْ بَلَغَ سِنَّ الْكِبَرِ، لَكِنَّهُمْ يَقْصِدُونَ بِهِ "الْمُرَبِّيَ" الَّذِي يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي مُرِيدِيهِ.
السَّيِّدُ: مَنْ لَهُ السُّودَدُ، وَتُطْلِقُهُ الْعَامَّةُ عَلَى مَنْ يُزْعَمُ أَنَّهُ مِنْ آلِ الْبَيْتِ لِيُدْعَى مِنْ دُونِ اللَّهِ.
3. "الْخَوَاصُّ" وَ"الْمَنْزِلَةُ":
الْخَوَاصُّ: جَمْعُ خَاصَّةٍ، وَهُمُ الْمُقَدَّمُونَ فِي الرُّتْبَةِ. وَظَنُّهُمْ أَنَّ لِلْخَوَاصِّ مَنْزِلَةً تُجِيزُ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لَهُمْ هُوَ عَيْنُ ضَلَالِ الْمُشْرِكِينَ الْأَوَّلِينَ.
4. "الْوَسَاطَةُ" وَ"الْوَسَائِطُ":
اللُّغَةُ: مَا يَتَوَسَّطُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِيَصِلَ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ.
قُلْتُ: الْوَسَاطَةُ فِي التَّبْلِيغِ حَقٌّ لِلرُّسُلِ، أَمَّا الْوَسَاطَةُ فِي "الدُّعَاءِ وَالطَّلَبِ" فَهِيَ حَقِيقَةُ الشِّرْكِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ لِإِبْطَالِهِ.
ثَالِثًا: الشَّرْحُ وَالتَّحْقِيقُ لِمَضْمُونِ الْقِطْعَةِ (بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ):
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :
يُبَيِّنُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ تَغْيِيرَ الْأَسْمَاءِ لَا يُغَيِّرُ الْحَقَائِقَ؛ فَمُشْرِكُو زَمَانِنَا سَمَّوُا الْأَوْثَانَ "أَوْلِيَاءَ" وَ"سَادَةً"، وَسَمَّوُا الشِّرْكَ "تَوَسُّلًا" وَ"اسْتِغَاثَةً"، لَكِنَّ الْحُكْمَ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقْصِدُ الْقَبْرَ لِأَجْلِ "السِّرِّ" الَّذِي فِيهِ هُوَ كَمَنْ قَصَدَ "اللَّاتَ" لِأَجْلِ "الصَّلَاحِ" الَّذِي فِيهِ. ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي :
يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي أَنَّ أَصْلَ الشِّرْكِ هُوَ (الْوَسَاطَةُ)؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ آلهتَهُمْ خَلَقَتِ السَّمَاوَاتِ، بَلْ قَالُوا: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}. فَمَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ فِي الرَّجَاءِ وَالِالْتِجَاءِ فَقَدْ نَقَضَ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" وَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ :
يُوضِحُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ جَاءَتْ لِتَهْدِمَ هَذَا "الْجِدَارَ" الَّذِي بَنَاهُ النَّاسُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَالِقِهِمْ. فَقَوْلُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" يَعْنِي: (لَا وَسِيطَ، لَا شَفِيعَ، لَا مُلْتَجَأَ بِحَقٍّ إِلَّا اللَّهُ). وَهَذَا يُبْطِلُ كُلَّ هَذِهِ الْأَلْقَابِ (الْقُطْبُ، الْغَوْثُ، الْمَدَدُ) الَّتِي يَتَمَسَّحُ بِهَا الضَّالُّونَ. ^(3)
رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ وَالْمَصَادِرِ:
(1) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، ج1، ص (145-148).
(2) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ مُفَرَّغَةٌ)، الْمَبْحَثُ الثَّالِثُ، ص (16-18).
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، الرِّيَاضُ، ص (192-195).
(4) تَعْرِيفُ السِّرِّ وَالْوِلَايَةِ: الْكَفَوِيُّ، أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى، الْكُلِّيَّاتُ: مُعْجَمٌ فِي الْمُصْطَلَحَاتِ وَالْفُرُوقِ اللُّغَوِيَّةِ، ط مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، بَيْرُوتُ، ص (452).
(5) مَعْنَى السَّيِّدِ وَالشَّيْخِ لُغَةً: ابْنُ مَنْظُورٍ، مُحَمَّدُ بْنُ مُكْرِمٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، ط دَارِ صَادِرٍ، مَوَادُّ (سيد، شيخ).
-------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (الثَّانِيَةُ): تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ فِي مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ - إِقْرَارُ الْمُشْرِكِينَ بِالرُّبُوبِيَّةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مَحَلُّ التَّحْقِيقِ):
«وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَعْرِفَ هَذَا مَعْرِفَةً تَامَّةً، فَذَلِكَ بِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ: أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَاتَلَهُمْ، وَأَبَاحَ أَمْوَالَهُمْ، وَاسْتَحَلَّ نِسَاءَهُمْ؛ كَانُوا مُقِرِّينَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَخْلُقُ، وَلَا يَرْزُقُ، وَلَا يُحْيِي، وَلَا يُمِيتُ، وَلَا يُدَبِّرُ الْأُمُورَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ}». ^(1)
ثَانِيًا: التَّحْرِيرُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ:
1. "تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرَّبِّ)، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُرَبِّي.
الْحَدُّ الْجَامِعُ: «إِفْرَادُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ؛ كَالْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالْإِحْيَاءِ، وَالْإِمَاتَةِ، وَالتَّدْبِيرِ».
2. "الْإِقْرَارُ" (كَانُوا مُقِرِّينَ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْقَرَارِ) وَهُوَ الثَّبَاتُ.
الْمَعْنَى التَّحْقِيقِيُّ: أَيِ الِاعْتِرَافُ بِالشَّيْءِ عَنْ يَقِينٍ أَوْ ثَبَاتِ قَلْبٍ. وَهَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ كَانَ إِقْرَارُهُمْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ.
3. "التَّدْبِيرُ" (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الدُّبُرِ) أَيْ نَظَرَ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ لِيَقَعَ كُلُّ شَيْءٍ فِي مَوْقِعِهِ.
الْمَعْنَى: تَصْرِيفُ الْأُمُورِ وَتَقْدِيرُهَا فِي الْكَوْنِ.
4. "الِاسْتِحْلَالُ" (اسْتَحَلَّ نِسَاءَهُمْ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (الْحَلَالِ) وَهُوَ ضِدُّ الْحَرَامِ.
الْمَعْنَى الشَّرْعِيُّ: بَيَانُ أَنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ لَيْسَتْ مَعْصُومَةً بِسَبَبِ شِرْكِهِمْ فِي الْأُلُوهِيَّةِ، رَغْمَ تَوْحِيدِهِمْ فِي الرُّبُوبِيَّةِ.
ثَالِثًا: الشَّرْحُ وَالتَّحْقِيقُ لِمَضْمُونِ الْقِطْعَةِ (بِتَقْرِيرَاتِ الْأَئِمَّةِ):
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (قُلْتُ):
يُؤَكِّدُ الشَّيْخُ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ وُجُودَ اللَّهِ، وَلَا أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، بَلْ كَانُوا يَلَبُّونَ فِي الْحَجِّ بِقَوْلِهِمْ: "لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ". فَالْأَمْرُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهُ الْمُوَحِّدُ مَعْرِفَةً تَامَّةً: أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ لَا يُدْخِلُ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَا يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ، لِأَنَّ هَذَا التَّوْحِيدَ فِطْرِيٌّ أَقَرَّ بِهِ حَتَّى الْمُشْرِكُونَ. ^(2)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي (قُلْتُ):
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِآيَةِ يُونُسَ: {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} هُوَ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ مَعَ "عُلَمَاءِ الْكَلَامِ" الَّذِينَ جَعَلُوا غَايَةَ التَّوْحِيدِ هُوَ الْإِقْرَارُ بِالرُّبُوبِيَّةِ. فَلَوْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُدَبِّرُ وَالْمُحْيِي كَافِيًا؛ لَمَا اسْتَحَلَّ النَّبِيُّ ﷺ دِمَاءَ قُرَيْشٍ. فَعِلَّةُ الْقِتَالِ كَانَتْ صَرْفَ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَا جَحْدُ الرُّبُوبِيَّةِ. ^(3)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (قُلْتُ):
يُوضِحُ التَّمِيمِيُّ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ الْأَوَّلَ هُوَ "الْمِقْصَلَةُ" الَّتِي تَقْطَعُ شُبْهَةَ الْقُبُورِيِّينَ؛ فَإِذَا كَانَ أَبُو جَهْلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّنَمَ لَا يَرْزُقُ وَلَا يُحْيِي، وَمَعَ ذَلِكَ سُمِّيَ مُشْرِكًا لِأَنَّهُ جَعَلَهُ وَاسِطَةً، فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْتَغِيثُ بِالْبَدَوِيِّ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّ لَهُ "تَصَرُّفًا" أَوْ "سِرًّا"؟ إِنَّ شِرْكَ هَؤُلَاءِ أَغْلَظُ مِنْ شِرْكِ الْأَوَّلِينَ. ^(4)
رَابِعًا: حَاشِيَةُ التَّوْثِيقِ وَالْمَصَادِرِ:
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، ط جَامِعَةِ الْإِمَامِ، (1/364).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج1، ص (150-153).
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، التَّتِمَّةُ الثَّانِيَةُ، ص (19-21).
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، ص (201).
(5) مَعْنَى الرُّبُوبِيَّةِ لُغَةً: ابْنُ فَارِسٍ، أَحْمَدُ، مُعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، ط دَارِ الْفِكْرِ، مَادَّةُ (رب).
-----------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (الثَّانِيَةُ): تَفْسِيرُ الْحُجَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ عَلَى مُقِرِّي الرُّبُوبِيَّةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الآيَةِ الْمُفَسَّرَةِ:
قَالَ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} [يُونُس: 31].
ثَانِيًا: تَفْسِيرُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ (ت: 774هـ):
يَقُولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ:
«يَحْتَجُّ تَعَالَى عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِاعْتِرَافِهِمْ بِوَحْدَانِيَّتِهِ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَتَدْبِيرِهِ، عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ فِي إِلَهِيَّتِهِ؛ أَيْ كَمَا أَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْزِلُ الرِّزْقَ مِنَ السَّمَاءِ بِمَطَرِهِ، وَيُشَقِّقُ الْأَرْضَ بِنَبَاتِهَا، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ، وَهُوَ الَّذِي يُدَبِّرُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ مِمَّنْ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ؟!». ^(1)
(قُلْتُ):دَلَالَةُ الِاعْتِرَافِ: بَيَّنَ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى {فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ} نَصٌّ فِي أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ بِصِفَاتِ فِعْلِهِ، وَهَذَا يُبْطِلُ زَعْمَ مَنْ قَالَ إِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مَعْنَاهَا (لَا خَالِقَ إِلَّا اللَّهُ)، إِذْ لَوْ كَانَ هَذَا هُوَ الْمَعْنَى لَكَانَ الْمُشْرِكُونَ مُسْلِمِينَ بِمُوجَبِ هَذَا الِاعْتِرَافِ.
الْإِلْزَامُ الشَّرْعِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى {أَفَلَا تَتَّقُونَ} فِيهِ إِلْزَامٌ لَهُمْ؛ أَيْ: أَفَلَا تَتَّقُونَ الشِّرْكَ وَأَنْتُمْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ الْمُنْفَرِدُ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ؟
مَوْقِفُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُعَلِّقُ الشَّيْخُ صَالِح سِنْدِي عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ بِأَنَّهُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْقُبُورِيَّةِ الَّذِينَ يَصْرِفُونَ الدُّعَاءَ لِلْأَوْلِيَاءِ، ثُمَّ إِذَا نُوهِيَ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا: "نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَا يَخْلُقُونَ وَلَا يَرْزُقُونَ"؛ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَذَا هُوَ عَيْنُ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ الَّذِي لَمْ يُنْجِهِ مِنَ السَّيْفِ. ^(2)
حَاشِيَةُ :
(1) مَصْدَرُ التَّفْسِيرِ: ابْنُ كَثِيرٍ، إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ط1، دَارُ طَيِّبَةَ لِلنَّشْرِ وَالتَّوْزِيعِ، الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، ج4، ص (261).
(2) مَصْدَرُ التَّحْقِيقِ: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ (تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ)، ص (22).
(3) مَصْدَرُ الْقِطْعَةِ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، ط جَامِعَةِ الْإِمَامِ، (1/364).
-----------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالثِ (الرَّابِعَةُ): فَصْلُ الْخِطَابِ فِي حَقِيقَةِ الشِّرْكِ وَالتَّوْحِيدِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ عَظِيمَةٌ جَلِيلَةٌ مُهِمَّةٌ؛ وَهِيَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَاهِدُونَ بِهَذَا كُلِّهِ وَمُقِرُّونَ بِهِ، وَمَعَ هَذَا لَمْ يُدْخِلْهُمْ ذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ دِمَاءَهُمْ وَلَا أَمْوَالَهُمْ، وَكَانُوا أَيْضًا يَتَصَدَّقُونَ وَيَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرُونَ وَيَتَعَبَّدُونَ وَيَتْرُكُونَ أَشْيَاءَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَلَكِنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي كَفَّرَهُمْ وَأَحَلَّ دِمَاءَهُمْ؛ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ، وَهُوَ أَلَّا يُدْعَى وَلَا يُرْجَى إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يُسْتَغَاثُ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُذْبَحُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُنْذَرُ لِغَيْرِهِ، لَا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ. فَمَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ نَذَرَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. وَتَمَامُ هَذَا أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَأُمِّهِ وَعُزَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَفَرُوا بِهَذَا مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ. فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَرَفْتَ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ نَخَا نَبِيًّا أَوْ مَلَكًا، أَوْ نَدَبَهُ، أَوِ اسْتَغَاثَ بِهِ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي قَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالِاشْتِقَاقِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ (الْحَدُّ الْجَامِعُ الْمَانِعُ):
الْمَسْأَلَةُ: لُغَةً مِنَ (السُّؤَالِ).
وَحَدُّهَا: «مَطْلَبٌ خَبَرِيٌّ يُبَرْهَنُ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ».
الْإِسْلَامُ: لُغَةً (الِاسْتِسْلَامُ).
وَحَدُّهُ: «الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ».
تَوْحِيدُ الْإِلَهِيَّةِ: لُغَةً مِنَ (التَّأَلُّهِ).
وَحَدُّهُ: «إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ كَالْمَحَبَّةِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ».
الِاسْتِغَاثَةُ: لُغَةً مِنْ (الْغَوْثِ).
وَحَدُّهَا: «طَلَبُ الْغَوْثِ عِنْدَ الشِّدَّةِ وَالضِّيقِ».
الذَّبْحُ: لُغَةً (الْقَطْعُ).
وَحَدُّهُ: «إِرَاقَةُ دَمِ الْبَهِيمَةِ تَقَرُّبًا لِمَعْبُودٍ تَعْظِيمًا لَهُ».
النَّذْرُ: لُغَةً (الْإِيجَابُ).
وَحَدُّهُ: «إِلْزَامُ الْمُكَلَّفِ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ».
الْخَالِقُ: لُغَةً مِنَ (الْخَلْقِ) التَّقْدِيرِ.
وَحَدُّهُ: «الْمُوجِدُ لِلْأَشْيَاءِ بَعْدَ عَدَمِهَا».
الرَّازِقُ: لُغَةً مِنَ (الرِّزْقِ).
وَحَدُّهُ: «الْمُتَكَفِّلُ بِأَقْوَاتِ الْخَلَائِقِ إِيجَادًا وَإِمْدَادًا».
الْمُدَبِّرُ: لُغَةً مِنَ (التَّدْبِيرِ).
وَحَدُّهُ: «الْمُصَرِّفُ لِلْأُمُورِ عَلَى وَفْقِ حِكْمَتِهِ».
قلت :"الْخَالِقُ" وَ"الرَّازِقُ" (مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ):
الْخَالِقُ: لُغَةً من (الخَلْقِ) وهو التقدير أو إيجاد الشيء من العدم على غير مثال سابق.
والحد الجامع: «هو الموجد للأشياء والمقدر لها بحكمته».
الرَّازِقُ: لُغَةً من (الرِّزْقِ) وهو العطاء.
والحد الجامع: «هو المتكفل بأقوات الخلائق، الموصل إليها ما يغذيها ويقيم بنيتها».
قُلْتُ: أورد المصنف هذين الاسمين في سياق (إقرار المشركين)؛ ليبين أن مجرد الاعتراف بصفات الربوبية (كالخلق والرزق) لا ينفع صاحبه إذا لم يأتِ بتوحيد الألوهية، فالمشركون كانوا يقولون: (الله هو الخالق الرازق) ومع ذلك قتلهم رسول الله ﷺ.
نَخَا: لُغَةً مِنْ (النَّخْوَةِ)
الاشتقاق اللغوي: من (نَخَا، يَنْخُو، نَخْوَةً). والنَّخْوة في اللغة هي الكِبْر، والعظمة، والافتخار. ويقال: "نخا فلانٌ" أي اعتزَّ وتعاظم.
(قُلْتُ): استعملها المصنف هنا بمعنى "الاستنصار" أو "الانتخاء بالغير"؛ أي من نادى نبيًا أو ملكًا معتزيًا به، أو طالبًا منه الغوث والنصرة بلهجة المعتز بغير الله. فهي نوع من النداء الذي يتضمن استغاثة وتعظيمًا لغير الله، وهو ما يفعله أهل زماننا بقولهم (يا فلان مدد) أو (يا فلان انخاك).
الحكم: جعلها المصنف مساوية للاستغاثة في الحكم؛ لأنها صرفٌ لمعنى التعظيم والالتجاء القلبي لغير الله، فمن "نخا" غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد خرج من دائرة الإسلام.
نَدَبَ: لُغَةً مِنَ (النَّدْبِ) الدُّعَاءُ.
وَحَدُّهُ: «دُعَاءُ الْمَيِّتِ أَوْ الْغَائِبِ بِتَعْدِيدِ مَحَاسِنِهِ اسْتِصْرَاخًا بِهِ».
ثَالِثًا: شَرْحُ الْقِطْعَةِ (تَقْرِيرَاتُ الْأَئِمَّةِ):
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ :
يُبَيِّنُ أَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا يَتَعَبَّدُونَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ، لَكِنَّ هَذَا لَمْ يَنْفَعْهُمْ حِينَ نَقَضُوا الْأَصْلَ بِالِاسْتِغَاثَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ. وَيُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ "نَخَا" مَلَكًا أَوْ مَيِّتًا فَقَدْ جَعَلَهُ شَرِيكًا فِي مَقَامِ الْإِلَهِيَّةِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالْخَالِقِ الرَّازِقِ. ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي:
يُوضِحُ أَنَّ لَفْظَ "نَخَا" وَ"نَدَبَ" يَشْمَلُ كُلَّ أَصْنَافِ التَّعَلُّقِ الْقَلْبِيِّ الَّذِي يَصْرِفُهُ الْعَبَّادُ لِلْمَقْبُورِينَ. وَيَرَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِفِعْلِ الْمُشْرِكِينَ مَعَ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ يَقْطَعُ شُبْهَةَ مَنْ يَقُولُ: "نَحْنُ نَدْعُو الصَّالِحِينَ لَا الْأَصْنَامَ"؛ فَالْعِلَّةُ هِيَ صَرْفُ حَقِّ اللَّهِ لِغَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ :
يُؤَصِّلُ لِمَسْأَلَةِ "الْعِصْمَةِ"؛ فَالْعِصْمَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ، وَمَنْ أَتَى بِأَمْثَالِ هَذِهِ النَّوَاقِضِ (ذَبْحٌ، نَذْرٌ، اسْتِغَاثَةٌ) فَقَدْ حَلَّتْ دِمَاؤُهُ وَأَمْوَالُهُ بِمُوجَبِ الْكُفْرِ الَّذِي قَاتَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ. ^(3)
حَاشِيَةُ:
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، ط جَامِعَةِ الْإِمَامِ، ج1، ص (365).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج1، ص (160-165).
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ (الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ)، ص (28-32).
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، ص (220-225).
(5) الِاشْتِقَاقَاتُ اللُّغَوِيَّةُ: الزَّبِيدِيُّ، مُرْتَضَى، تَاجُ الْعَرُوسِ، مَوَادُّ (نخا، ندب، ذبح، نذر). ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (خلق، رزق).
(6) أَسْمَاءُ اللَّهِ: الزَّجَّاجُ، تَفْسِيرُ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، ص (38-45).
(7) نَقْضُ الشِّرْكِ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، ط مَجْمَعِ الْمَلِكِ فَهْدٍ، ج3، ص (105).
-------------------------&
تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (الْخَامِسَةُ):
عِلَّةُ الْكُفْرِ وَأَفْرَادُ عِبَادَاتِ التَّوْحِيدِ
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«وَلَكِنَّ الْأَمْرَ الثَّانِيَ هُوَ الَّذِي كَفَّرَهُمْ وَأَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ؛ وَهُوَ أَنَّهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَهُوَ أَلَّا يُدْعَى وَلَا يُرْجَى إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يُسْتَغَاثُ بِغَيْرِهِ، وَلَا يُذْبَحُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يُنْذَرُ لِغَيْرِهِ، لَا مَلَكاً مُقَرَّباً وَلَا نَبِيّاً مُرْسَلاً. فَمَنِ اسْتَغَاثَ بِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ نَذَرَ لِغَيْرِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ (الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ سَابِقًا):
1. "الرَّجَاءُ" (وَلَا يُرْجَى):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الرَّجْوِ) وَهُوَ الِارْتِقَابُ وَطَمَعُ الْقَلْبِ فِي حُصُولِ مَحْبُوبٍ.
الْمَعْنَى الْعَقَدِيُّ: (قُلْتُ): الرَّجَاءُ عِبَادَةٌ قَلْبِيَّةٌ تَقُومُ عَلَى الذُّلِّ وَالتَّعَلُّقِ، فَإِذَا رَجَا الْعَبْدُ مَيِّتًا أَوْ غَائِبًا أَنْ يَمْنَحَهُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَهُ إِلَهًا مَعَ اللَّهِ.
2. "الْمَلَكُ الْمُقَرَّبُ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْقُرْبِ)، وَالْمُقَرَّبُونَ هُمْ عِلْيَةُ الْمَلَائِكَةِ كَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ.
(قُلْتُ): التَّنْصِيصُ عَلَى "الْمُقَرَّبِ" وَ"الْمُرْسَلِ" قَطْعٌ لِكُلِّ شُبْهَةٍ تَتَحَجَّجُ بِجَاهِ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْخَالِقِ لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ إِلَيْهِ.
3. "أَشْبَاهُ ذَلِكَ":
الْمَعْنَى: أَيْ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْعِبَادَاتِ كَالْخَوْفِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَالْإِنَابَةِ، وَالسُّجُودِ.
(قُلْتُ): هَذِهِ الْعِبَارَةُ "قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ" تُدْخِلُ كُلَّ عَمَلٍ قَلْبِيٍّ أَوْ بَدَنِيٍّ جَعَلَهُ الشَّرْعُ حَقًّا لِلَّهِ.
(مَلْحُوظَةٌ: الِاسْتِغَاثَةُ، الذَّبْحُ، النَّذْرُ، الْكُفْرُ: سَبَقَ تَعْرِيفُهَا).
ثَالِثًا: شَرْحُ الْقِطْعَةِ بِتَقْرِيرَاتِ الْعُلَمَاءِ:
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ عَلَى عِلَّةِ الْكُفْرِ:
يُقَرِّرُ أَنَّ جَمْعَ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ "تَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ" فِي قَوْلِهِ: {لَمْ يَشْهَدُوا لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ} يَقْصِدُ بِهِ التَّلَازُمَ؛ فَمَنْ لَمْ يُوَحِّدِ اللَّهَ فِي أُلُوهِيَّتِهِ فَمَا وَحَّدَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ حَقَّ التَّوْحِيدِ، لِأَنَّ اعْتِرَافَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يَقُدْهُ إِلَى غَايَتِهَا. وَيُبَيِّنُ أَنَّ تَنْوِيعَ الْأَمْثِلَةِ (ذَبْحٌ، نَذْرٌ) لِإِفْهَامِ الْعَامَّةِ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى السُّجُودِ لِلصَّنَمِ فَقَطْ. ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي عَلَى مَسْأَلَةِ النَّفْيِ عَنِ الْوَسَائِطِ:
يُؤَكِّدُ سِنْدِي أَنَّ هَذَا النَّصَّ صَرِيحٌ فِي "عُمُومِ الشِّرْكِ"؛ فَلَا يَشْفَعُ لِلْمُشْرِكِ أَنَّ مَنْ يَدْعُوهُ هُوَ نَبِيٌّ أَوْ مَلَكٌ. وَيُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا صَرَفُوا "الرَّجَاءَ" لِغَيْرِ اللَّهِ نَقَضُوا شَهَادَةَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، لِأَنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمُرْجَى وَالْمُسْتَغَاثُ بِهِ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ فِي تَفْصِيلِ النَّوَاقِضِ الْعَمَلِيَّةِ:
يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (اسْتَغَاثَ، ذَبَحَ، نَذَرَ) هُوَ نَاقِضٌ مُسْتَقِلٌّ لِلْإِسْلَامِ. وَيُحَقِّقُ أَنَّ الْقُرْآنَ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ يَدْعُوهُمْ فَقَدْ كَفَرَ، سَوَاءً كَانُوا عِبَاداً مُكْرَمِينَ أَوْ جَمَاداً. ^(3)
رَابِعًا: فَوَائِدُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ):
(قُلْتُ): قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (أَحَلَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فِيهِ دَلَالَةٌ قَاطِعَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَحْدَهُ "إِيمَانٌ نَاقِصٌ" لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْعِصْمَةِ فِي الدُّنْيَا وَلَا النَّجَاةِ فِي الْآخِرَةِ.
(قُلْتُ): الرَّبْطُ بَيْنَ (الْمَلَكِ الْمُقَرَّبِ) وَ(النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ) يَهْدِمُ أَصْلَ الشِّرْكِ الْمُعَاصِرِ الَّذِي يَقُومُ عَلَى تَعْظِيمِ "الْمَكَانَةِ" لِتَبْرِيرِ "الْعِبَادَةِ"؛ فَالْعِبَادَةُ حَقٌّ لِلَّهِ لِأَجْلِ (ذَاتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ) لَا لِأَجْلِ مَكَانَةِ الْوَسِيطِ.
(قُلْتُ): قَوْلُهُ (وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ) يُلْزِمُ طَالِبَ الْعِلْمِ بِتَتَبُّعِ كُلِّ مَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ، لِيَحْذَرَ مِنْ صَرْفِهِ لِغَيْرِ مَوْلَاهُ.
خَامِسًا: حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّوْثِيقِ:
(1) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، الْمَمْلَكَةُ الْعَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ، ج1، ص (160-164).
(2) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ (أَفْرَادِ الْعِبَادَةِ)، ص (28-30).
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، الرِّيَاضُ، ص (220-224).
(4) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، (1/365).
(5) مَعْنَى الرَّجَاءِ لُغَةً: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (رجا).
----------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (السَّادِسَةُ): دَحْضُ الِاحْتِجَاجِ بِصَلَاحِ الْمَعْبُودِ لِتَبْرِيرِ الشِّرْكِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«وَتَمَامُ هَذَا أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَانُوا يَدْعُونَ الصَّالِحِينَ مِثْلَ الْمَلَائِكَةِ وَعِيسَى وَأُمِّهِ وَعُزَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَفَرُوا بِهَذَا مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالْعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ:
1. "عُزَيْرٌ":
التَّحْرِيرُ: اسْمٌ لِرَجُلٍ صَالِحٍ مِمَّنْ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، قِيلَ هُوَ نَبِيٌّ وَقِيلَ عَبْدٌ صَالِحٌ، ادَّعَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ ابْنُ اللَّهِ.
(قلت) : عزير : هو نبي من الأنبياء
(قُلْتُ): إِيرَادُ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَا لِيُبَيِّنَ أَنَّ الشِّرْكَ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ الْحَجَرِيَّةِ، بَلْ شَمِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ الَّذِينَ غَلَوْا فِي صَالِحِيهِمْ.
2. "الْأَوْلِيَاءُ":
الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ (وَلِيٍّ)، وَهُوَ الْقَرِيبُ وَالنَّاصِرُ.
(قُلْتُ): الْوَلِيُّ فِي الشَّرْعِ هُوَ (الْمُؤْمِنُ التَّقِيُّ)، وَلَكِنَّ الْمُشْرِكِينَ حَرَّفُوا مَعْنَى الْوِلَايَةِ فَجَعَلُوهَا سَبَبًا لِصَرْفِ الدُّعَاءِ لَهُمْ، فَقَلَبُوا الْكَرَامَةَ إِلَى وَثَنِيَّةٍ.
(مَلْحُوظَةٌ: الصَّالِحُونَ، الْمَلَائِكَةُ، الْإِقْرَارُ، الْخَالِقُ الرَّازِقُ: سَبَقَ تَعْرِيفُهَا).
ثَالِثًا: شَرْحُ الْقِطْعَةِ بِتَقْرِيرَاتِ الْعُلَمَاءِ:
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ عَلَى شُمُولِيَّةِ النَّهْيِ:
يُقَرِّرُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الرُّسُلَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَنْ عَبَدَ حَجَرًا وَمَنْ عَبَدَ بَشَرًا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقٌّ مَحْضٌ لِلَّهِ. وَيُبَيِّنُ أَنَّ ذِكْرَ عِيسَى وَأُمِّهِ فِيهِ رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى، وَذِكْرَ عُزَيْرٍ رَدٌّ عَلَى الْيَهُودِ، وَذِكْرَ الْمَلَائِكَةِ رَدٌّ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، فَالْجَمِيعُ اجْتَمَعُوا فِي أَصْلِ الشِّرْكِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ صُوَرُ الْمَعْبُودِينَ. ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي عَلَى نَقْضِ شُبْهَةِ "الصَّلَاحِ":
يُوضِحُ الشَّيْخُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ هِيَ "الْقَاضِيَةُ" عَلَى شُبْهَةِ مَنْ يَقُولُ: "نَحْنُ لَا نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَإِنَّمَا نَسْتَشْفِعُ بِأَهْلِ الصَّلَاحِ". فَيُبَيِّنُ سِنْدِي أَنَّ الْقُرْآنَ سَمَّى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مَعَ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةِ مُشْرِكًا، مَعَ أَنَّهُمْ مِنْ أَفْضَلِ الْخَلْقِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِصَلَاحِ الْمَدْعُوِّ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ فِي دَلَالَةِ التَّلَازُمِ:
يَرَى التَّمِيمِيُّ أَنَّ إِقْرَارَ هَؤُلَاءِ بِالرُّبُوبِيَّةِ (الْخَالِقُ الرَّازِقُ) مَعَ دُعَائِهِمْ لِلصَّالِحِينَ هُوَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْخَلْقَ وَالتَّدْبِيرَ هُوَ وَحْدَهُ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدُّعَاءَ، فَكَانَ فِعْلُهُمْ مُنَاقِضًا لِإِقْرَارِهِمْ. ^(3)
رَابِعًا: فَوَائِدُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ):
(قُلْتُ): حِينَ حَكَى الْمُصَنِّفُ إِجْمَاعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى دُعَاءِ "الصَّالِحِينَ"، أَرَادَ أَنْ يَنْزِعَ غِطَاءَ "الْمَحَبَّةِ الزَّائِفَةِ"؛ فَمَحَبَّةُ الصَّالِحِينَ تَكُونُ بِاتِّبَاعِهِمْ فِي التَّوْحِيدِ، لَا بِجَعْلِهِمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ.
(قُلْتُ): مَنْ ظَنَّ أَنَّ الشِّرْكَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَصْنَامِ الْجَاهِلِيَّةِ (اللَّاتِ وَالْعُزَّى)، فَقَدْ جَهِلَ سِيرَةَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَإِنَّهُ قَاتَلَ النَّصَارَى وَهُمْ يَعْبُدُونَ "نَبِيًّا"، وَقَاتَلَ الْيَهُودَ وَهُمْ يَعْبُدُونَ "عَالِمًا صَالِحًا"، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ "الْوَسَاطَةَ" هِيَ الْكُفْرُ الْمُوجِبُ لِلْقِتَالِ بِلَا فَرْقٍ.
(قُلْتُ): خَتْمُ الْقِطْعَةِ بِـ (الْمُدَبِّرِ) فِيهِ تَنْبِيهٌ إِلَى أَنَّ الصَّالِحِينَ مَرْبُوبُونَ مُدَبَّرُونَ، فَمَنْ "نَخَاهُمْ" فَقَدْ سَأَلَ الْعَاجِزَ وَتَرَكَ الْقَادِرَ.
خَامِسًا: حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّوْثِيقِ:
(1) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط1، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ج1، ص (165).
(2) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، دَرْسُ (شِرْكِ الصَّالِحِينَ)، ص (31).
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط دَارِ الْفَضِيلَةِ، ص (226).
(4) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، (1/365).
(5) مَعْنَى الْأَوْلِيَاءِ لُغَةً: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (ولي).
-----------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الثَّالِثِ (السَّابِعَةُ)]:
[ حَقِيقَةُ مَعْنَى الشَّهَادَةِ وَدَحْضُ الِارْتِيَابِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا عَرَفْتَ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، وَعَرَفْتَ أَنَّ مَنْ نَخَا نَبِيّاً أَوْ مَلَكاً، أَوْ نَدَبَهُ، أَوِ اسْتَغَاثَ بِهِ؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَهَذَا هُوَ الْكُفْرُ الَّذِي قَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ:
1. "مَعْنَى":
الِاشْتِقَاقُ: من (عَنَى) يَعْنِي عَنْياً، وهو القصد وإظهار ما في الباطن.
الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: (قُلْتُ): هو المضمونُ الحقيقيُّ الذي تضمنته كلمةُ التوحيد نفيًا وإثباتًا، فليس المرادُ مَعناها اللسانيَّ فحسب، بل مَعناها الالتزاميُّ الذي يقتضي كُفرَ من دعا غيرَ الله.
2. "نَدَبَهُ":
الِاشْتِقَاقُ: من (نَدَبَ) الميتَ، يَنْدُبُهُ نَدْباً، وهو البكاءُ عليه وتعدادُ محاسنه.
الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: (قُلْتُ): هو دُعاءُ المندوبِ وصرفُ الاستغاثةِ إليه بذِكر مآثره وكأنه حاضرٌ قادرٌ، وهو من أعمالِ أهلِ الجاهليةِ التي نُقلتْ إلى القبورِ والأضرحةِ، وصرفُها لغيرِ اللهِ "تأليهٌ" للمندوبِ.
3. "خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ":
الِاشْتِقَاقُ: من (خَرَجَ) ضِدَّ (دَخَلَ)، وهو مُفارقةُ الحيزِ كُليّةً.
الْحَدُّ الشَّرْعِيُّ: (قُلْتُ): هو زوالُ وصفِ الإسلامِ عن المكلَّفِ بارتكابهِ ناقضًا من نواقضِ الإيمانِ؛ لأنَّ التوحيدَ والشركَ نقيضانِ لا يجتمعانِ، فإذا حلَّ "النَّخْوُ" لغيرِ اللهِ ارتحلَ التوحيدُ.
4. "الْكُفْرُ الَّذِي قَاتَلَهُمْ عَلَيْهِ":
الِاشْتِقَاقُ: الكُفرُ لُغةً التغطيةُ، ومنه "الكافرُ" أي الزارعُ لأنه يغطي البذورَ.
التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ: (قُلْتُ): هذا قيدٌ مُهمٌّ يُبينُ أنَّ القتالَ لم يكنْ لمجردِ إنكارِ الخالقِ، بل لارتكابِ "شِرْكِ الوسائطِ"، فجعلَ المصنفُ "النَّخْوَةَ" و"النَّدْبَ" هي عينُ الكفرِ المُبيحِ للدمِ والمالِ.
ثَالِثًا: شَرْحُ الْقِطْعَةِ بِتَقْرِيرَاتِ الْعُلَمَاءِ:
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ عَلَى ثَمَرَةِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ:
يُقَرِّرُ أنَّ مَن لم يَعرفْ أنَّ دُعاءَ الأنبياءِ والملائكةِ كُفرٌ، فهو لم يَعرفْ حقيقةَ "لا إله إلا الله". فالتوحيدُ لا يَصِحُّ مع وجودِ وسائطَ، والرسولُ ﷺ لم يَقْبَلْ من المشركينَ إقرارَهم بالخلقِ والرزقِ ماداموا يَنخونَ غيرَ اللهِ. ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي عَلَى حُكْمِ الِانْتِخَاءِ بِالصَّالِحِينَ:
يُؤكِّدُ الشَّيخُ أنَّ سِياقَ المصنِّفِ هُنا صريحٌ في تكفيرِ مَن فعلَ هذهِ الأفعالَ (نخى، ندب، استغاث)؛ لأنَّه سَوَّى بَيْنَ "النَّبِيِّ" وَ"الْمَلَكِ" وَ"الْحَجَرِ" في كونِهم مَخلوقينَ لا يَمِلكونَ كشفَ الضُّرِّ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ فِي دَلَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ:
يَرى التميميُّ أنَّ قتالَ الرسولِ ﷺ للمشركينَ هو الحُجَّةُ العمليةُ على بطلانِ قَوْلِ مَن يقولُ: "إنَّ الشركَ لا يكونُ إلا فيمن يعتقدُ الربوبيةَ في غيرِ الله". فالمشركونَ كانوا يَعرفونَ ربَّهم، ومع ذلك قُوتلوا لِـ "نَدْبِهِمْ" وَ"اسْتِغَاثَتِهِمْ" بِصالحِيهم. ^(3)
---------------------&
حَاشِيَةُ :
(1) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (166).
(2) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، ص (33).
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (227).
(4) لُغَةُ الْمَعْنَى وَالنَّدْبِ: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (عنى)، ومادة (ندب).
والجوهري، الصحاح، مادة (نخى).
(5) تَعْلِيقُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ): جَاءَ في رَسَائِلِ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ أَنَّ "النَّخْوَةَ" عِنْدَ أَهْلِ نَجْدٍ وَمَا حَوْلَهَا كَانَتْ تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى "الِاعْتِزَاءِ" عِنْدَ لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، فَمَنْ نَخَا نَبِيّاً مَثَلًا فَقَالَ: "يَا نَبِيَّ اللهِ انْخَاك" يُرِيدُ مَدَدَهُ، فَهَذَا عَيْنُ مَا قَاتَلَ عَلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ. انْظُرْ: الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ (1/148).
(6) تَعْلِيقُ (قُلْتُ): "النَّدْبُ" هُنَا يَتَضَمَّنُ (الِاسْتِصْرَاخَ)، وَهُوَ دُعَاءُ الْمَكْرُوبِ لِمَنْ يَعْتَقِدُ فِيهِ النَّفْعَ وَالضَّرَّ، وَتَقْيِيدُهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الْإِسْلَامِ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، بَلْ هُوَ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ النَّاقِلِ عَنِ الْمِلَّةِ.
(7) التَّوْثِيقُ لِفِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ: ابْنُ الْقَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، زَادُ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ، ط مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، ج3، ص (395) فِي ذِكْرِ غَزَوَاتِهِ ﷺ لِأَهْلِ الشِّرْكِ مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِبَعْضِ الْحَقِّ.
(8) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، (1/365).
------------------&
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: كَشْفُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ وَالْوَسَاطَةِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ، وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ وَنَنْذُرُ لَهُمْ وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ، وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ وَالشَّفَاعَةَ، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ. فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ، فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَوْلِيَاءَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وَقَالَ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالتَّأْصِيلُ الْبَحْثِيُّ (الِاشْتِقَاقُ، الْحَدُّ، قُلْتُ):
1. (الْوَجَاهَةُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْوَجْهِ)، وَيُقَالُ: وَجُهَ الرَّجُلُ -بِضَمِّ الْجِيمِ- إِذَا صَارَ ذَا جَاهٍ وَقَدْرٍ عِنْدَ النَّاسِ.
الْحَدُّ: هِيَ الْمَنْزِلَةُ الرَّفِيعَةُ وَالْمَقَامُ الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ لِنَيْلِ الْقُرْبِ مِنَ الْعُظَمَاءِ.
[قُلْتُ]: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِهَذِهِ الْمُفْرَدَةِ يَقُومُ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكَ لَمْ يَدَّعِ فِي "الْوَلِيِّ" اسْتِقْلَالاً بِالْفِعْلِ، بَلْ جَعَلَ (وَجَاهَتَهُ) سُلَّماً لِصَرْفِ الْعِبَادَةِ، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَةُ "التَّنْدِيدِ"؛ حَيْثُ جَعَلَ لِلْمَخْلُوقِ جَاهاً يَمْنَعُ مِنَ التَّوَجُّهِ الْمُبَاشِرِ لِلْخَالِقِ.
2. (الشَّفَاعَةُ):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الشَّفْعِ) وَهُوَ جَعْلُ الْوَتْرِ شَفْعاً، كَأَنَّ الشَّافِعَ ضَمَّ سُؤَالَهُ وَطَلَبَهُ إِلَى سُؤَالِ السَّائِلِ.
الْحَدُّ: هِيَ التَّوَسُّطُ لِلْغَيْرِ بِجَلْبِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضَرٍّ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ.
[قُلْتُ]: الشَّفَاعَةُ هُنَا هِيَ "الشَّفَاعَةُ الشِّرْكِيَّةُ المنفية"، وَفَائِدَتُهَا الْعَقَدِيَّةُ أَنَّهَا تُطْلَبُ مِنْ مَيِّتٍ أَوْ غَائِبٍ لَا يَمْلِكُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْئاً، وَالْمُشْرِكُونَ يَعْتَقِدُونَ فِيهَا "قُوَّةَ الْإِلْزَامِ" عَلَى اللَّهِ بِجَاهِ الشَّافِعِ، وَهَذَا مَحْضُ الشِّرْكِ.
3. (زُلْفَى):
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الزَّلَفِ) وَهُوَ الْقُرْبُ وَتَقَدُّمُ الْمَنْزِلَةِ، وَمِنْهُ (أَزْلَفَهُ) أَيْ قَرَّبَهُ.
الْحَدُّ: هِيَ الْقُرْبَةُ وَالْمَكَانَةُ الَّتِي تُرَادُ لِلْوَصُولِ إِلَى الْغَايَةِ.
[قُلْتُ]: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِـ "الزُّلْفَى" هُوَ أَنَّهَا الْعِلَّةُ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ لِتَبْرِيرِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَكُلُّ مَنْ دَعَا مَيِّتاً لِيُقَرِّبَهُ إِلَى اللَّهِ فَقَدْ دَانَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي "الزُّلْفَى" الَّتِي نَفَاهَا الْقُرْآنُ.
4. (مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ):
الِاشْتِقَاقُ: الْمَذْهَبُ مِنَ (الذَّهَابِ)، وَهُوَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَسْلُكُهَا الْإِنْسَانُ فِي فِكْرِهِ أَوْ عَقِيدَتِهِ.
الْحَدُّ: هُوَ الْمَسْلَكُ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ وَأَتْبَاعُهُ مِنْ قُرَيْشٍ.
[قُلْتُ]: إِطْلَاقُ هَذَا الْوَصْفِ فِيهِ (فَائِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ بَالِغَةٌ)؛ وَهِيَ تَحْقِيقُ "الْمُمَاثَلَةِ" بَيْنَ شِرْكِ الْأَوَّلِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ فِي الْعِلَّةِ (وَهِيَ طَلَبُ الْوَسَاطَةِ)، فَلَا عِبْرَةَ بِتَغَيُّرِ الزَّمَانِ أَوْ تَسْمِيَةِ الشِّرْكِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
ثَالِثًا: حَاشِيَةُ التَّخْرِيجِ وَالتَّعْلِيقِ (الْمُوَسَّعَةُ):
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ضِمْنَ "مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ"، ط جَامِعَةِ الْإِمَامِ، ج1، ص (365).
(2) اشْتِقَاقُ الْوَجَاهَةِ: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (وجه). وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: الْوَجَاهَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ هِيَ لُبُّ شُبْهَةِ "الْقُبُورِيَّةِ"؛ حَيْثُ يَقُولُونَ: "نَحْنُ مُذْنِبُونَ وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ وَجَاهَةٌ"، فَيَجْعَلُونَ الْخَالِقَ كَالْمَلِكِ الظَّالِمِ الَّذِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهِ إِلَّا بِالْوُزَرَاءِ.
(3) تَفْسِيرُ آيَةِ الْقُرْبَى: الطَّبَرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، جَامِعُ الْبَيَانِ، ط هَجْرٍ، ج20، ص (162) عِنْدَ قَوْلِهِ: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا}. وَقَالَ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: صَدْرُ الْآيَةِ أَثْبَتَ لَهُمْ صِفَةَ "الْعِبَادَةِ" لِغَيْرِ اللَّهِ، مَعَ أَنَّ قَصْدَهُمْ كَانَ "الْقُرْبَةَ"، وَهَذَا يَهْدِمُ قَوْلَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْدَ الصَّالِحَ مَسَوِّغاً لِلشِّرْكِ.
(4) مَعْنَى الزُّلْفَى: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (زلف). وَقَالَ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: مَنْ أَرَادَ الزُّلْفَى فَعَلَيْهِ بِمَا شَرَعَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، لَا بِاتِّخَاذِ الْوَسَائِطِ؛ فَإِنَّ الزُّلْفَى الشِّرْكِيَّةَ بُعْدٌ عَنِ اللَّهِ وَطَرْدٌ مِنْ رَحْمَتِهِ.
(5) شَأْنُ أَبِي جَهْلٍ: ابْنُ كَثِيرٍ، تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، ج4، ص (245). وَفِيهِ دَلِيلُ إِقْرَارِ أَبِي جَهْلٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ. وَعَلَّقَ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: إِذَا كَانَ أَبُو جَهْلٍ يَعْرِفُ اللَّهَ خَالِقاً رَازِقاً، فَمَا الَّذِي أَبْقَى لِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِذَا كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ مِنَ التَّوْحِيدِ إِلَّا مَا عَرَفَهُ أَبُو جَهْلٍ؟
(6) تَخْرِيجُ حَدِيثِ "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً": أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (1/184)، وَابْنُ وَضَّاحٍ فِي الْبِدَعِ ص (65). وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: الْغُرْبَةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ غُرْبَةُ (التَّوْحِيدِ) بَيْنَ مَنْ يَدَّعُونَ الْإِسْلَامَ وَهُمْ يَصْرِفُونَ عِبَادَاتِهِمْ لِأَهْلِ الْقُبُورِ، وَهَذَا سِرُّ التَّشْبِيهِ بِبِدَايَةِ الدَّعْوَةِ.
(7) شَوَاهِدُ الْحَدِيثِ: لَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ (1604)، وَعَلَّقَ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: هَذِهِ الشَّوَاهِدُ تَعْضِدُ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ فِي بَيَانِ ضَلَالِ الْكَثِيرِينَ عَنْ جَادَّةِ التَّوْحِيدِ بَعْدَ ظُهُورِهِ.
---------------&
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: كَشْفُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ وَالْوَسَاطَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُقَسَّماً وَمُرَقَّماً):
«فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ (1)، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ (2)، وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ (3) وَنَنْذُرُ لَهُمْ (4) وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ (5) وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ (6)، وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ وَالشَّفَاعَةَ (7)، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ (8). فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ (9)».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَتَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ:
الْقِطْعَةُ (1) وَ (8): [نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ]
[قُلْتُ]: هذا إقرارٌ صريحٌ بتوحيدِ الربوبيةِ، وهو الحُجَّةُ التي استعملها المشركونَ قديماً وحديثاً للاعتذارِ عن شِركِهم في الإلهية، فظنوا أنَّ الربوبيةَ هي الغاية، بينما هي في الحقيقة "الوسيلة" التي توجبُ إفرادَ الله بالقصدِ والطلب.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يذكرُ الشيخُ ابنُ عثيمين أنَّ هذا الإقرار لا يُدخلُ في الإسلامِ؛ لأنَّ توحيدَ الربوبيةِ فِطريٌّ، وإنَّما النزاعُ في "إفرادِ الربِّ بالعبادة". ^(1)
الْقِطْعَةُ (2): [لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ]
[قُلْتُ]: هنا مكمنُ الشبهةِ؛ حيثُ جعلوا "الصلاحَ" والمنزلةَ مبرراً لصرفِ العبادة، وهذا هو عينُ التشبيهِ؛ إذ شبهوا ملكَ الملوكِ بملوكِ الدنيا الذين لا يُوصلُ إليهم إلا بالحُجّاب والوزراء.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يرى الشيخُ صالح سندي أنَّ دعوى "التقريب" هي التي فتحت باب الشرك على مرِّ العصور، فالعابدُ لا يعبدُ الوليَّ لذاتِ الولي، بل لما يرجوه من تقريبه إلى الله. ^(2)
الْقِطْعَةُ (3) وَ (4) وَ (6): [نَدْعُوهُمْ وَنَنْذُرُ لَهُمْ وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ]
[قُلْتُ]: هذه "أفرادُ العبادةِ" التي سلبها المشركونَ من الله وجعلوها للوسائط؛ فالدعاءُ هو مُخُّ العبادة، والنذرُ إيجابٌ وتعبد، والاستغاثةُ طلبُ الغوثِ فيما لا يقدِرُ عليه إلا الله، ففعلُها لغيرِه كُفرٌ مُبين.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يُقرر الشيخُ التميمي أنَّ هذه الأفعال إذا صُرفتْ لغير الله فهي كُفرٌ مخرجٌ من الملة، سواءً اعتُقد في المدعُوِّ النفعُ والضرُّ أو اعتُقد فيه أنه واسطة فقط. ^(3)
الْقِطْعَةُ (5): [وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ]
[قُلْتُ]: المرادُ به "الاعتكافُ" عند القبورِ أو "المواجهةُ" بالزيارةِ الشركيةِ؛ حيث يظنُّ العابدُ أنَّ روحَ الوليِّ حاضرةٌ تسمعُ وترى، فتُعرضُ عليها الحاجاتُ، وهذا أصلُ بناءِ الأضرحة.
الْقِطْعَةُ (7): [وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ وَالشَّفَاعَةَ]
تَعْرِيفُ (الْوَجَاهَةِ): لغةً من "الوَجْهِ" وهي القدرُ والجاهُ. واصطلاحاً (بصمة الباحث): هي المنزلةُ العاليةُ التي يتذرعُ بها المشركُ ليتخذَ الوليَّ شافعاً عند الله، ظناً منه أنَّ اللهَ لا يقبلُ توبتهُ إلا بهذا الجاه.
[قُلْتُ]: الشفاعةُ المطلوبةُ هنا هي الشفاعةُ المنفيةُ قرآنياً، لأنها شفاعةٌ بلا إذنٍ من الله، ومن شخصٍ لم يجعلِ اللهُ له هذا الحقَّ (وهو الوليُّ الميت أو المقبور).
الْقِطْعَةُ (9): [فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ]
[قُلْتُ]: هذا "دمغٌ للباطل"؛ فالمصنفُ يُسقطُ القناعَ عن المشركِ المتأخرِ بربطهِ بأبي جهل، ليُبينَ أنَّ الشركَ لا يتغيرُ حكمُه بتغيرِ الأسماءِ؛ فمن قال (أنا أطلبُ الجاه) هو كمن قال (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
----------------&
حَاشِيَةُ :
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابنُ عبدِ الوهاب، محمد، تفسيرُ كلمةِ التوحيدِ، ضمن "مؤلفات الشيخ"، (1/365).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابنُ عثيمين، محمد بن صالح، قولُ المفيدِ على كتابِ التوحيدِ، ج1، ص (160-165). حَيْثُ يُفصِّلُ فِي الفرقِ بَيْنَ اعترافِ المشركين بالربوبيةِ وجحودِهم للألوهية.
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سندي، صالح، شرحُ رسالةِ تفسيرِ كلمةِ التوحيدِ (مفرغ)، ص (35). يُؤكِّدُ هُنا أَنَّ عِلَّةَ "التقرُّبِ" هِيَ السَّببُ الرَّئيسُ لِوُقوعِ كُفَّارِ قُريشٍ فِي الشِّركِ.
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التميمي، محمد بن خليفة، معتقدُ أهلِ السنةِ في توحيدِ الألوهيةِ، ص (220).
(5) اشْتِقَاقُ الْوَجَاهَةِ: الزبيدي، مرتضى، تاجُ العروسِ، مادة (وجه). وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: الوجاهةُ في حقِّ المخلوقِ نقصٌ إذا رُفعتْ لمقامِ الربوبية، لأنَّها تُوهمُ حاجةَ الخالقِ إلى مُعرِّفٍ بعبادِه، واللهُ هو القريبُ المجيب.
(6) أَصْلُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ: ابنُ تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموعُ الفتاوى، ج1، ص (158). حَيْثُ يُبينُ أَنَّ شفاعةَ الأنبياءِ والملائكةِ حقٌّ، لَكِنَّ طَلَبَهَا مِنهم فِي حالِ موتِهم أو غَيْبَتِهم هو عينُ الشركِ الذي نَفاهُ القُرآنُ.
(7) بَيَانُ مَذْهَبِ أَبِي جَهْلٍ: الطبري، محمد بن جرير، جامعُ البيانِ، ج14، ص (210). في تفسيرِ قولهِ تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}. وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: ذكرُ "يونس 18" و"الزمر 3" فِي هذا الموضعِ يقطعُ الطريقَ على كلِّ متأولٍ؛ لأنَّ الشبهةَ واحدةٌ والجَوابَ القرآنيَّ واحدٌ.
(8) بَحْثُ (الدُّخُولِ عَلَى الصَّالِحِينَ): (قُلْتُ): مصطلحُ "الدخول" يستعملهُ المتصوفةُ والقبوريون اليومَ في زياراتِهم، وهو بقايا جاهلية في تعظيمِ البُقاعِ التي تضمُّ الموتى، وقد حذَّرَ منه النبيُّ ﷺ بقوله: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً». انظر: سنن أبي داود، رقم (2042).
-------------------&
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ: كَشْفُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ وَالْوَسَاطَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُقَسَّماً وَمُرَقَّماً):
«فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ (1)، لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ (2)، وَنَحْنُ نَدْعُوهُمْ (3) وَنَنْذُرُ لَهُمْ (4) وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ (5) وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ (6)، وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ وَالشَّفَاعَةَ (7)، وَإِلَّا فَنَحْنُ نَفْهَمُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ (8). فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ (9)».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَتَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ:
الْقِطْعَةُ (1) وَ (8): [نَحْنُ نَعْرِفُ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْخَالِقُ الرَّازِقُ الْمُدَبِّرُ]
[قُلْتُ]: هذا إقرارٌ صريحٌ بتوحيدِ الربوبيةِ، وهو الحُجَّةُ التي استعملها المشركونَ قديماً وحديثاً للاعتذارِ عن شِركِهم في الإلهية، فظنوا أنَّ الربوبيةَ هي الغاية، بينما هي في الحقيقة "الوسيلة" التي توجبُ إفرادَ الله بالقصدِ والطلب.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يذكرُ الشيخُ ابنُ عثيمين أنَّ هذا الإقرار لا يُدخلُ في الإسلامِ؛ لأنَّ توحيدَ الربوبيةِ فِطريٌّ، وإنَّما النزاعُ في "إفرادِ الربِّ بالعبادة". ^(1)
الْقِطْعَةُ (2): [لَكِنَّ هَؤُلَاءِ الصَّالِحُونَ مُقَرَّبُونَ]
[قُلْتُ]: هنا مكمنُ الشبهةِ؛ حيثُ جعلوا "الصلاحَ" والمنزلةَ مبرراً لصرفِ العبادة، وهذا هو عينُ التشبيهِ؛ إذ شبهوا ملكَ الملوكِ بملوكِ الدنيا الذين لا يُوصلُ إليهم إلا بالحُجّاب والوزراء.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يرى الشيخُ صالح سندي أنَّ دعوى "التقريب" هي التي فتحت باب الشرك على مرِّ العصور، فالعابدُ لا يعبدُ الوليَّ لذاتِ الولي، بل لما يرجوه من تقريبه إلى الله. ^(2)
الْقِطْعَةُ (3) وَ (4) وَ (6): [نَدْعُوهُمْ وَنَنْذُرُ لَهُمْ وَنَسْتَغِيثُ بِهِمْ]
[قُلْتُ]: هذه "أفرادُ العبادةِ" التي سلبها المشركونَ من الله وجعلوها للوسائط؛ فالدعاءُ هو مُخُّ العبادة، والنذرُ إيجابٌ وتعبد، والاستغاثةُ طلبُ الغوثِ فيما لا يقدِرُ عليه إلا الله، ففعلُها لغيرِه كُفرٌ مُبين.
تَقْرِيرُ الْعُلَمَاءِ: يُقرر الشيخُ التميمي أنَّ هذه الأفعال إذا صُرفتْ لغير الله فهي كُفرٌ مخرجٌ من الملة، سواءً اعتُقد في المدعُوِّ النفعُ والضرُّ أو اعتُقد فيه أنه واسطة فقط. ^(3)
الْقِطْعَةُ (5): [وَنَدْخُلُ عَلَيْهِمْ]
[قُلْتُ]: المرادُ به "الاعتكافُ" عند القبورِ أو "المواجهةُ" بالزيارةِ الشركيةِ؛ حيث يظنُّ العابدُ أنَّ روحَ الوليِّ حاضرةٌ تسمعُ وترى، فتُعرضُ عليها الحاجاتُ، وهذا أصلُ بناءِ الأضرحة.
الْقِطْعَةُ (7): [وَنُرِيدُ بِذَلِكَ الْوَجَاهَةَ وَالشَّفَاعَةَ]
تَعْرِيفُ (الْوَجَاهَةِ): لغةً من "الوَجْهِ" وهي القدرُ والجاهُ. واصطلاحاً (بصمة الباحث): هي المنزلةُ العاليةُ التي يتذرعُ بها المشركُ ليتخذَ الوليَّ شافعاً عند الله، ظناً منه أنَّ اللهَ لا يقبلُ توبتهُ إلا بهذا الجاه.
[قُلْتُ]: الشفاعةُ المطلوبةُ هنا هي الشفاعةُ المنفيةُ قرآنياً، لأنها شفاعةٌ بلا إذنٍ من الله، ومن شخصٍ لم يجعلِ اللهُ له هذا الحقَّ (وهو الوليُّ الميت أو المقبور).
الْقِطْعَةُ (9): [فَقُلْ: كَلَامُكَ هَذَا مَذْهَبُ أَبِي جَهْلٍ وَأَمْثَالِهِ]
[قُلْتُ]: هذا "دمغٌ للباطل"؛ فالمصنفُ يُسقطُ القناعَ عن المشركِ المتأخرِ بربطهِ بأبي جهل، ليُبينَ أنَّ الشركَ لا يتغيرُ حكمُه بتغيرِ الأسماءِ؛ فمن قال (أنا أطلبُ الجاه) هو كمن قال (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
-------------------&
حَاشِيَةُ :
(1) مَصْدَرُ النَّصِّ: ابنُ عبدِ الوهاب، محمد، تفسيرُ كلمةِ التوحيدِ، ضمن "مؤلفات الشيخ"، (1/365).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابنُ عثيمين، محمد بن صالح، قولُ المفيدِ على كتابِ التوحيدِ، ج1، ص (160-165). حَيْثُ يُفصِّلُ فِي الفرقِ بَيْنَ اعترافِ المشركين بالربوبيةِ وجحودِهم للألوهية.
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سندي، صالح، شرحُ رسالةِ تفسيرِ كلمةِ التوحيدِ (مفرغ)، ص (35). يُؤكِّدُ هُنا أَنَّ عِلَّةَ "التقرُّبِ" هِيَ السَّببُ الرَّئيسُ لِوُقوعِ كُفَّارِ قُريشٍ فِي الشِّركِ.
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التميمي، محمد بن خليفة، معتقدُ أهلِ السنةِ في توحيدِ الألوهيةِ، ص (220).
(5) اشْتِقَاقُ الْوَجَاهَةِ: الزبيدي، مرتضى، تاجُ العروسِ، مادة (وجه). وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: الوجاهةُ في حقِّ المخلوقِ نقصٌ إذا رُفعتْ لمقامِ الربوبية، لأنَّها تُوهمُ حاجةَ الخالقِ إلى مُعرِّفٍ بعبادِه، واللهُ هو القريبُ المجيب.
(6) أَصْلُ شُبْهَةِ الشَّفَاعَةِ: ابنُ تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموعُ الفتاوى، ج1، ص (158). حَيْثُ يُبينُ أَنَّ شفاعةَ الأنبياءِ والملائكةِ حقٌّ، لَكِنَّ طَلَبَهَا مِنهم فِي حالِ موتِهم أو غَيْبَتِهم هو عينُ الشركِ الذي نَفاهُ القُرآنُ.
(7) بَيَانُ مَذْهَبِ أَبِي جَهْلٍ: الطبري، محمد بن جرير، جامعُ البيانِ، ج14، ص (210). في تفسيرِ قولهِ تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}.
وَيُعَلِّقُ الْبَاحِثُ [قُلْتُ]: ذكرُ "يونس 18" و"الزمر 3" فِي هذا الموضعِ يقطعُ الطريقَ على كلِّ متأولٍ؛ لأنَّ الشبهةَ واحدةٌ والجَوابَ القرآنيَّ واحدٌ.
(8) بَحْثُ (الدُّخُولِ عَلَى الصَّالِحِينَ): (قُلْتُ): مصطلحُ "الدخول" يستعملهُ المتصوفةُ والقبوريون اليومَ في زياراتِهم، وهو بقايا جاهلية في تعظيمِ البُقاعِ التي تضمُّ الموتى، وقد حذَّرَ منه النبيُّ ﷺ بقوله: «لَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيداً». انظر: سنن أبي داود، رقم (2042).
--------------------&
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ الثَّانِي: شُبْهَةُ الْوَسَاطَةِ وَعِبَادَةِ الصَّالِحِينَ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَوْلِيَاءَ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3]».
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ):
1. "الْأَوْلِيَاءُ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْوَلْيِ) وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ، وَالْوَلِيُّ ضِدُّ الْعَدُوِّ.
الْحَدُّ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ تَوَلَّاهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَتَوَلَّوْهُ بِطَاعَتِهِ.
[قُلْتُ]: الْوَلِيُّ فِي مَنْظُورِ أَهْلِ الشِّرْكِ هُوَ (الْوَسِيطُ ذُو الْقُدْرَةِ الْخَفِيَّةِ)، بَيْنَمَا الْوَلِيُّ فِي الشَّرْعِ هُوَ عَبْدٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، فَاتِّخَاذُهُمْ "أَرْبَاباً" مِن دُونِ اللَّهِ هُوَ مَحْضُ الِافْتِرَاءِ عَلَى مَقَامِ الْوِلَايَةِ الصَّحِيحَةِ.
ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ لِلْآيَةِ:
يُقَرِّرُ الْإِمَامُ فِي مَوَاضِعَ مِنْ تَفْسِيرِهِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَدَّعُوا أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ يَخْلُقُونَ مَعَ اللَّهِ، بَلْ أَقَرُّوا بِالتَّوْحِيدِ فِي الرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا "الْوَسَاطَةَ" دِيناً، فَصَرَفُوا لَهُمُ الْعِبَادَةَ (مِنَ الدُّعَاءِ وَالذَّبْحِ) لِيَكُونُوا طَرِيقاً لِلْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ، فَأَثْبَتَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَصْفَ (الْكِذْبِ وَالْكُفْرِ) فِي خَاتِمَةِ الْآيَةِ بِسَبَبِ هَذَا الِاعْتِقَادِ. ^(1)
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ:
[قُلْتُ]: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى نَقْضِ "قَاعِدَةِ الْمُشْرِكِينَ" الَّتِي تَقُولُ: (تَعْظِيمُ الصَّالِحِينَ بِصَرْفِ الْعِبَادَةِ لَهُمْ هُوَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ). فَالْآيَةُ نَصَّتْ عَلَى أَنَّ "الزُّلْفَى" الَّتِي طَلَبُوهَا كَانَتْ هِيَ الْبَابَ الْمُوصِلَ لِلشِّرْكِ الْأَكْبَرِ.
[قُلْتُ]: أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ "عِيسَى وَعُزَيْرًا وَالْمَلَائِكَةَ" لِيُثْبِتَ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِقُبْحِ الْمَعْبُودِ (كَالْأَصْنَامِ)، بَلْ بِفِعْلِ الْعَابِدِ، فَالْمَلَائِكَةُ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ وَمَعَ ذَلِكَ سُمِّيَ مَنْ دَعَاهُمْ مُشْرِكاً كَافِراً.
[قُلْتُ]: حَصْرُ النِّيَّةِ فِي "التَّقْرِيبِ إِلَى اللَّهِ" {إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا} هُوَ أَقْوَى رَدٍّ عَلَى مُتَأَخِّرِي الصُّوفِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: "نَحْنُ لَا نَقْصِدُ إِلَّا اللَّهَ وَهَؤُلَاءِ جِسْرٌ لَنَا"، فَالْقُرْآنُ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ بِنَصِّهِ.
خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ اعْتَرَفُوا بِأَنَّهُمْ (عَبِيدٌ) لِلَّهِ فِي قَوْلِهِمْ {مَا نَعْبُدُهُمْ}، أَيْ أَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا لَهُمُ الرُّبُوبِيَّةَ، وَلَكِنَّ خَطَأَهُمْ كَانَ فِي فَهْمِ مَعْنَى "التَّوَسُّلِ"، فَظَنُّوا أَنَّ دُعَاءَ الصَّالِحِ قُرْبَةٌ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ عَيْنُ الْمَشَقَّةِ وَالضَّلَالِ. ^(2)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ عُبَّادِ الْأَوْثَانِ وَعُبَّادِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ (مَادَّةَ الشِّرْكِ) وَاحِدَةٌ، وَهِيَ التَّعَلُّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ، وَأَنَّ جَاهَ الْمَخْلُوقِ عِنْدَ الْخَالِقِ لَا يُبِيحُ لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ. ^(3)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ "أَصْلُ الْأُصُولِ" فِي كَشْفِ شُبُهَاتِ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهَا كَشَفَتِ (الْمُحَرِّكَ الْبَاطِنِيَّ) لَهُمْ، وَهُوَ الرَّغْبَةُ فِي "الزُّلْفَى"، وَبَيَّنَتْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ. ^(4)
-------------------&
حَاشِيَةُ:
(1) مَصْدَرُ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ: ابْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، مُحَمَّدٌ، تَفْسِيرُ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ (مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الشَّيْخِ)، ط جَامِعَةِ الْإِمَامِ، ج5، ص (195-197).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (168).
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، ص (36).
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (229).
(5) [قُلْتُ]: اسْتِعْمَالُ "مَا" وَ "إِلَّا" فِي الْآيَةِ {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا...} يُفِيدُ الْحَصْرَ، وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَقْصِدٌ آخَرُ سِوَى التَّقْرِيبِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَعْذُرْهُمُ اللَّهُ بِهَذَا الْقَصْدِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِبَادَةَ تَوْقِيفِيَّةٌ لَا تَقْبَلُ الِاجْتِهَادَ بِالْآرَاءِ.
(6) [قُلْتُ]: ذِكْرُ "عُزَيْرٍ" تَحْدِيداً هُنَا لَهُ دَلَالَةٌ هَامَّةٌ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ ادَّعَوْا فِيهِ الْبُنُوَّةَ لِلَّهِ، فَبَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ كُلَّ مَنْ غَلَا فِي صَالِحٍ حَتَّى دَعَاهُ فَقَدْ وَقَعَ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ مِنَ الشِّرْكِ.
(7) التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ لِـ (الزُّلْفَى): الزَّجَّاجُ، إِبْرَاهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ، مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِعْرَابُهُ، ط عَالَمِ الْكُتُبِ، ج4، ص (345).
(8) [قُلْتُ]: لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَمْدَحُ "اتِّخَاذَ الْوَسَائِطِ"، بَلْ كُلُّ السِّياقَاتِ الَّتِي ذَكَرَتِ "الْأَوْلِيَاءَ" مِنْ دُونِ اللَّهِ جَاءَتْ فِي مَقَامِ الذَّمِّ وَالْوَعِيدِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ} [الكهف: 102].
----------------------&
[الْمَبْحَثُ الرَّابِعُ - الْجُزْءُ الثَّالِثُ: نَقْضُ التَّعَلُّقِ بِالشَّفَاعَةِ الشِّرْكِيَّةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْآيَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
قَالَ تَعَالَى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18].
ثَانِيًا: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ وَقُلْتُ):
1. "يَضُرُّهُمْ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الضَّرِّ) وَهُوَ خِلَافُ النَّفْعِ، وَأَصْلُ الْمَادَّةِ (ضَرَّ) يَدُلُّ عَلَى الشِّدَّةِ وَالسُّوءِ.
الْحَدُّ: هُوَ إِيصَالُ الْأَلَمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ لِلْغَيْرِ.
[قُلْتُ]: نَفْيُ الضَّرِّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْمَعْبُودِينَ فِيهِ إِبْطَالٌ لِأُلُوهِيَّتِهِمْ مِنْ جِهَةِ (الْقَهْرِ)؛ فَالْإِلَهُ الْحَقُّ هُوَ الَّذِي يُخْشَى ضَرُّهُ فَيُتَّقَى بِالْعِبَادَةِ، وَهَؤُلَاءِ جَمَادَاتٌ أَوْ مَوْتَى لَا يَمْلِكُونَ دَفْعَ الضَّرِّ عَنْ أَنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ.
2. "يَنْفَعُهُمْ":
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (النَّفْعِ) وَهُوَ الْفَائِدَةُ، وَيُقَالُ نَفَعَهُ نَفْعاً أَيْ أَوْصَلَ إِلَيْهِ خَيْراً.
الْحَدُّ: هُوَ كُلُّ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْخَيْرَاتِ وَالْمَطَالِبِ.
[قُلْتُ]: نَفْيُ النَّفْعِ عَنْهُمْ هُوَ دَمْغٌ لِشُبْهَةِ "الْوَسَاطَةِ"؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ إِنَّمَا يَعْبُدُ وَسِيطَهُ طَمَعاً فِي نَفْعِهِ، فَإِذَا انْتَفَى النَّفْعُ بَطَلَتْ عِلَّةُ الْعِبَادَةِ.
3. "شُفَعَاؤُنَا":
الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ (شَفِيعٍ)، مِنَ (الشَّفْعِ) وَهُوَ ضَمُّ الشَّيْءِ إِلَى مِثْلِهِ.
الْحَدُّ: هُمُ الَّذِينَ يَتَوَسَّطُونَ بَيْنَ السَّائِلِ وَالْمَسْؤُولِ لِقَضَاءِ الْحَاجَاتِ.
[قُلْتُ]: هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَةُ الَّتِي خَدَعَ بِهَا الشَّيْطَانُ بَنِي آدَمَ؛ حَيْثُ نَقَلَهُمْ مِنْ مَقَامِ (التَّوَسُّلِ الشَّرْعِيِّ) إِلَى مَقَامِ (التَّنْدِيدِ الشِّرْكِيِّ) بِادِّعَاءِ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ يَدٌ وَسُلْطَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَقْضِي لَهُمُ الْحَاجَاتِ دُونَ إِذْنِهِ سُبْحَانَهُ.
ثَالِثًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْبَاحِثِ (اسْتِخْرَاجُ الْفَوَائِدِ وَالنِّكَاتِ):
[قُلْتُ]: تَقْدِيمُ نَفْيِ "الضَّرِّ" عَلَى نَفْيِ "النَّفْعِ" فِي الْآيَةِ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ؛ وَهِيَ أَنَّ الْعَابِدَ يَهْرُبُ مِنَ الضَّرِّ قَبْلَ طَلَبِ النَّفْعِ، فَلَمَّا انْتَفَى الضَّرُّ عَنْهُمْ سَقَطَتْ هَيْبَتُهُمْ مِنَ الْقُلُوبِ، وَبَطَلَ الِاضْطِرَارُ إِلَيْهِمْ.
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ تَعَالَى {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا} فِيهِ نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ الشِّرْكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ (الِاعْتِقَادُ الْبَاطِنِيُّ بِالرُّبُوبِيَّةِ)، بَلْ يَكْفِي فِيهِ (الْقَوْلُ وَالِاعْتِقَادُ بِالشَّفَاعَةِ) لِيَصِيرَ الْفِعْلُ عِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ.
[قُلْتُ]: الرَّدُّ عَلَى الشُّبْهَةِ هُنَا يَكُونُ بِقَوْلِنَا: إِنَّ الشَّفَاعَةَ مِلْكٌ لِلَّهِ وَحْدَهُ {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً}، فَمَنْ طَلَبَهَا مِنْ غَيْرِ مَالِكِهَا فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ.
[قُلْتُ]: الِاحْتِجَاجُ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ صَالِحُونَ لَا يَنْفَعُ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ جَمَعَتْ كُلَّ مَا يُعْبَدُ "مِنْ دُونِ اللَّهِ" وَحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِعَدَمِ النَّفْعِ وَالضَّرِّ الِاسْتِقْلَالِيِّ.
رَابِعًا: تَفْسِيرُ الْعَلَّامَةِ السَّعْدِيِّ لِلْآيَةِ:
يُقَرِّرُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ جَمَعُوا بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَبِيحَيْنِ: عِبَادَةُ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْعاً وَلَا ضَرّاً، وَتَسْمِيَةُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ شَفَاعَةً. وَبَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ الَّتِي يَدَّعُونَهَا بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ لَا يَشْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَاللَّهُ لَا يَأْذَنُ بِالشَّفَاعَةِ لِمُشْرِكٍ. فَصَارَ تَعَلُّقُهُمْ بِهَا كَتَعَلُّقِ الْغَرِيقِ بِالسَّرَابِ. ^(1)
خَامِسًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ هَؤُلَاءِ الشُّفَعَاءِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ {عِنْدَ اللَّهِ}، فَجَعَلُوا اللَّهَ هُوَ الْمَقْصُودَ الْأَقْصَى وَجَعَلُوا هَؤُلَاءِ رُسُلًا إِلَيْهِ فِي الْحَاجَاتِ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الشِّرْكِ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ لِإِبْطَالِهِ. ^(2)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يَرَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَقْطَعُ دَابِرَ مَنْ يَقُولُ: "أَنَا لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ الْوَلِيَّ يَخْلُقُ"، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا نَحْنُ نُرِيدُ "الشَّفَاعَةَ" فَقَطْ، فَلَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُمْ هَذَا الْعُذْرَ وَسَمَّى فِعْلَهُمْ عِبَادَةً {وَيَعْبُدُونَ}. ^(3)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَقُولُ إِنَّ قَوْلَهُ {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا} هُوَ "التَّوْصِيفُ الْجَاهِلِيُّ" لِلشِّرْكِ، فَالْمُتَأَخِّرُونَ سَمَّوْهُ (تَوَسُّلًا) وَ(تَشَفُّعاً)، وَاللَّهُ سَمَّاهُ (عِبَادَةً لِغَيْرِهِ)، وَالْعِبْرَةُ بِالْحَقَائِقِ لَا بِالْأَسْمَاءِ. ^(4)
----------------&
حَاشِيَةٌ:
(1) تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ: السَّعْدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَاصِرٍ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ فِي تَفْسِيرِ كَلَامِ الْمَنَّانِ، ط مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَةِ، ص (362).
(2) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (170).
(3) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (مُفَرَّغٌ)، ص (37).
(4) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (232).
(5) [قُلْتُ]: نَكَسَ اللَّهُ رُؤُوسَ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ؛ حَيْثُ نَفَى عَنْ مَعْبُودَاتِهِمْ صِفَاتِ الرُّبُوبِيَّةِ (النَّفْعَ وَالضَّرَّ)، ثُمَّ أَثْبَتَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ الْعِبَادَةِ لَهُمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ تَعَلُّقٍ بِمَنْ لَا يَمْلِكُ النَّفْعَ وَالضَّرَّ هُوَ عِبَادَةٌ لَهُ، شَاءَ صَاحِبُهُ أَمْ أَبَى.
(6) [قُلْتُ]: قَوْلُهُ تَعَالَى فِي خِتَامِ الْآيَةِ نَفْسِهَا {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} فِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا) هُوَ "الشِّرْكُ" بِعَيْنِهِ، فَتَنْزِيهُ اللَّهِ (سُبْحَانَهُ) جَاءَ رَدّاً عَلَى ادِّعَائِهِمُ الشَّفَاعَةَ لِأَوْلِيَائِهِمْ.
(7) الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ: الزَّجَّاجُ، مَعَانِي الْقُرْآنِ وَإِعْرَابُهُ، مَادَّةُ (نفع)، وَ (ضرر).
(8) [قُلْتُ]: إِذَا تَأَمَّلَ الْبَاحِثُ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ يُجِيزُونَ الِاسْتِغَاثَةَ بِالْأَوْلِيَاءِ، يَجِدُ أَنَّ حُجَّتَهُمْ لَا تَخْرُجُ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ عَنْ قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}، وَيَا لَلْعَجَبِ كَيْفَ صَارَ "التَّوْحِيدُ" عِنْدَهُمْ هُوَ مَا كَانَ "الشِّرْكُ" عِنْدَ الْأَوَّلِينَ!
--------------------&
[الْمَبْحَثُ الْخَامِسُ: بَيَانُ صِفَةِ الْإِسْلَامِ وَمَعْنَى الْغُرْبَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«تَبَيَّنَ لَكَ كَيْفَ صِفَةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْهُ بِمَعْزِلٍ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ"».
ثَانِيًا: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (الْمُفْرَدَاتُ وَالِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ وَبَصْمَةُ الْبَاحِثِ):
1. (تَبَيَّنَ):
الِاشْتِقَاقُ: من مادة (ب ي ن)، وهو أصلٌ يدلُّ على الفَصْل والوضوح والظهور. يُقال: بانَ الشيءُ بَياناً إذا اتضحَ وانفصلَ عن غيره حتى لا يلتبسَ به. والتبيُّنُ هو التفعُّلُ من البيان، وفيه معنى التكلف والطلب حتى ينجلي الحقُّ انجلاءً تاماً كالفجر. ^(1)
الْحَدُّ: هو انكشافُ الحقيقةِ للقلبِ انكشافاً يزولُ معه اللبسُ، بحيثُ يتميزُ المعلومُ عما سواه تمييزاً فصلياً.
[قُلْتُ]: تكرارُ لفظ "تبين" في هذا السياق (ثلاث مرات) ليس محضَ توكيدٍ لفظي، بل هو تنبيهٌ من المصنفِ على أنَّ إدراكَ التوحيدِ ومعرفةَ حالِ الناسِ يحتاجُ إلى "بصيرةٍ" تفرزُ الحقَّ من رُكامِ الشبهات. فالتبينُ الأولُ للحق (صفة الإسلام)، والثاني للواقع (حال الناس)، والثالث للسُّنَّة (الحديث)، وبمجموعها يكتملُ العلمُ.
2. (صِفَةُ):
الِاشْتِقَاقُ: أصلها من (و ص ف)، والوصفُ هو حِكايةُ الشيءِ بحسبِ ما هو عليه من الأحوالِ والنعوتِ. يُقال: وصفتُ الشيءَ إذا ذكرتَ هيأتَهُ التي يختصُّ بها. ^(2)
الْحَدُّ: هي الهيئةُ العارضةُ للموصوفِ التي بها يُعرفُ، وتُطلقُ في هذا المقامِ على (الماهيةِ الشرعيةِ) التي لا يقومُ الإسلامُ إلا بها.
[قُلْتُ]: حين يقولُ المصنف "كيف صفة الإسلام"، فهو يرفعُ رتبةَ المبحوثِ عنه من مجرد "الاسم" إلى "الحقيقة". فالناسُ قد يتفقون على اسم (الإسلام) لكنهم يجهلون (صفته) التي هي التوحيدُ المحضُ. فصفةُ الإسلامِ هي "روحُه" التي تُباينُ المذاهبَ الجاهليةَ، وبدونِ هذه الصفةِ يكونُ الإسلامُ رسماً بلا حقيقة.
3. (بِمَعْزِلٍ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ع ز ل)، وهو تَنْحِيَةُ الشيءِ وإفرازُه عن غيره. والعَزْلُ نقيضُ الوَصْل. والمَعْزِلُ (بكسر الميم) هو اسمُ مكانٍ لجهةِ الانفرادِ والبُعد. ^(3)
الْحَدُّ: هو البُعدُ المسافيِّي أو المعنويُّ الذي يجعلُ الذاتَ في حَيِّزٍ والمطلوبَ في حَيِّزٍ آخر، بحيثُ ينقطعُ الاتصالُ والانتفاعُ.
[قُلْتُ]: التعبير بكلمة "معزل" فيه بلاغةٌ قاسيةٌ في وصفِ الواقع؛ فالمصنفُ لم يقل إنَّ الناسَ تركو الإسلامَ كليّةً، بل قال إنهم في (معزل) عنه. وهذا يعني أنهم في وادٍ وحقيقةَ التوحيدِ في وادٍ آخر، مع بقاء ادعائهم لاسم الإسلام، وهو كحالِ مَن يبني قصراً في مَعْزِلٍ عن الأرضِ الصالحةِ للبناء، فبناؤه هباءٌ.
4. (بَدَأَ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ب د أ)، وهو تقديمُ الشيءِ وفعلُه ابتداءً. والبدءُ ضدُّ العَوْد. يُقال: أبدأَ اللهُ الخلقَ أي أنشأهم من غيرِ مِثالٍ سابق. ^(4)
الْحَدُّ: هو الشروعُ في ظهورِ الأمرِ وبُروزِه من حَيِّزِ العدمِ أو الخفاءِ إلى حَيِّزِ الوجودِ والظهور.
[قُلْتُ]: ربطُ البدءِ بالغربَةِ يدلُّ على أنَّ الإسلامَ لم يظهرْ وهو مألوفٌ للناس، بل ظهرَ وهو "مُستبشَعٌ" في عقولهم التي ألفتِ الشرك. فالبداءةُ كانت غريبةً لأنَّ الحقَّ ثقيلٌ، والعودُ سيكونُ غريباً لأنَّ الفطرةَ تتغيرُ بطولِ الأمدِ ورُكامِ التقليد.
5. (غَرِيباً):
الِاشْتِقَاقُ: من (غ ر ب)، وهو أصلٌ يدلُّ على البُعد، ومنه الغُربُ وهو النَّوى والبعد عن الأوطان. والغريبُ هو الشخصُ الذي لا يُعرفُ نسبُه أو لا يألفُه مَن حوله. ^(5)
الْحَدُّ: هو الذي انفرَدَ عن جنسِهِ أو وطنِهِ حتى صارَ مجهولاً أو مُستنكراً عند العامّة.
[قُلْتُ]: الغربةُ هنا هي "غُربةُ الاستيحاشِ" لا غُربةُ القِلةِ فقط؛ فقد يكونُ المسلمون كثيرين (غُثاء كغُثاء السيل) ولكنَّ التوحيدَ بينهم غريبٌ. فالغريبُ هو الذي يُنكرُ عليه الناسُ أصلَ مذهبه، فيُقال لمَن يدعو الله وحده: "جئتَ بدينٍ جديد!"، كما قيل للنبي ﷺ قديماً: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}.
6. (سَيَعُودُ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ع و د)، وهو الرجوعُ إلى الشيءِ بعد الانصرافِ عنه. والعَوْدُ هو البدءُ الثاني. ^(6)
الْحَدُّ: رُجوعُ الأمرِ إلى سيرتِهِ الأولى وصفتهِ القديمةِ التي كان عليها في مَبْدَئِهِ.
[قُلْتُ]: في كلمة "سيعود" بشارةٌ ونذارةٌ؛ بشارةٌ بأنَّ الإسلامَ سيبقى ولن يندرسَ كليّةً، ونذارةٌ بأنَّ الطريقَ إليه سيوصفُ بالغربَةِ ثانيةً. فالمتمسكُ بالتوحيدِ عند عَوْدِ الغربةِ له أجرُ مَن تمسَّكَ به في بَدْءِ الغربة، لأنَّ العِلَّةَ واحدةٌ وهي التمسُّكُ بالحقِّ عند فسادِ الخلقِ.
---------------&
حَاشِيَةُ :
(1) مَادَّةُ (تَبَيَّنَ): ابنُ فارِس، أحمد، معجمُ مقاييسِ اللغةِ، ط دار الفكر، ج1، ص (328). والراغبُ الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص (157).
(2) مَادَّةُ (صِفَة): الجوهري، إسماعيلُ بن حماد، الصحاحُ في اللغة، ط دار العلم للملايين، ج4، ص (1438). والفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (وصف).
(3) مَادَّةُ (مَعْزِل): ابنُ منظور، محمد بن مُكرم، لسانُ العرب، ط دار صادر، ج11، ص (440). والزَّبيدي، مرتضى، تاجُ العروس، مادة (عزل).
(4) مَادَّةُ (بَدَأَ): ابنُ سِيدة، علي بن إسماعيل، المحكمُ والمحيطُ الأعظم، ط دار الكتب العلمية، ج10، ص (161).
(5) مَادَّةُ (غَرِيب): ابنُ مَنْظور، لسانُ العرب، ج1، ص (638). والقُرطبي، محمد بن أحمد، الجامعُ لأحكامِ القرآن، ج10، ص (171) في تفسيرِ قوله {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ}.
(6) مَادَّةُ (سَيَعُودُ): الزبيدي، تاجُ العروس، مادة (عود).
(7) تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ (إِجْمَالِيٌّ): الحديثُ أصلُه في صحيح مسلم (145) من حديثِ أبي هريرة. أما بلفظِ المصنفِ فقد أخرجه الإمامُ أحمدُ في المسند (1/184) من حديثِ ابن مسعود. وأخرجه ابنُ وضَّاحٍ في البدعِ والنهي عنها ص (65). وله شاهدٌ من حديث سعد بن أبي وقاص عند أحمد (1604)، وسَيُفصَّلُ الكلامُ في عللِهِ وتقويتهِ في الوجهِ القادمِ.
(8) [قُلْتُ]: لا يجوزُ خلطُ الغربةِ الممدوحةِ بالانعزالِ المذمومِ؛ فالغريبُ في الحديثِ هو المتمسكُ بالحقِّ وسطَ الباطلِ، وليس الذي يتركُ هدايةَ الناسِ اختياراً، بل الناسُ هم الذين عَزَلوا أنفسَهم عن مَعينِ التوحيدِ.
--------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ (1): نَقْضُ الشُّبْهَةِ بِحَالِ عُبَّادِ النَّصَارَى]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَإِذَا تَأَمَّلْتَ هَذَا تَأَمُّلًا جَيِّدًا، وَعَرَفْتَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَشْهَدُونَ لِلَّهِ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ وَهُوَ تَفَرُّدُهُ بِالْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَهُمْ يَنْخَوْنَ عِيسَى وَالْمَلَائِكَةَ وَالْأَوْلِيَاءَ يَقْصِدُونَ أَنَّهُمْ يُقَرِّبُوهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى وَيَشْفَعُونَ لَهُمْ عِنْدَهُ. وَعَرَفْتَ أَنَّ مِنَ الْكُفَّارِ -خُصُوصًا النَّصَارَى- مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَيَتَصَدَّقُ بِمَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْهَا، مُعْتَزِلًا فِي صَوْمَعَةٍ عَنِ النَّاسِ».
ثَانِيًا: تَحْقِيقُ لَفْظِ (النَّصَارَى) وَتَارِيخُ انْتِكَاسِهِمْ:
1. "النَّصَارَى":
الِاشْتِقَاقُ: قِيلَ مِنَ (النَّصْرِ) لِتَنَاصُرِهِمْ، وَقِيلَ نِسْبَةً إِلَى قَرْيَةِ (النَّاصِرَةِ) الَّتِي كَانَ فِيهَا عِيسَى ﷺ. ^(1)
الْحَدُّ: هُمُ الَّذِينَ يَدَّعُونَ اتِّبَاعَ الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ، وَقَدِ انْقَسَمُوا بَعْدَهُ إِلَى فِرَقٍ شَتَّى فِيمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِيهِ.
[قُلْتُ]: انْتِكَاسُ النَّصَارَى إِلَى الشِّرْكِ مَرَّ بِثَلَاثِ مَحَطَّاتٍ تَارِيخِيَّةٍ سَوْدَاءَ هِيَ:
أَوَّلًا (شُبْهَةُ الْحُلُولِ): وَهِيَ دَعْوَى أَنَّ عِيسَى هُوَ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَهَذِهِ شُبْهَةُ (الْيَعْقُوبِيَّةِ).
ثَانِيًا (شُبْهَةُ الْبُنُوَّةِ): وَهِيَ قَوْلُهُمُ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَهَذِهِ شُبْهَةُ (النَّسْطُورِيَّةِ).
ثَالِثًا (شُبْهَةُ التَّثْلِيثِ): وَهِيَ قَوْلُهُمْ "ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ"، وَهَذِهِ شُبْهَةُ (الْمَلَكَانِيَّةِ). ^(2)
[قُلْتُ]: دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشِّرْكُ مِنْ بَابِ (الْغُلُوِّ فِي الصَّالِحِينَ)، فَاسْتَعْظَمُوا الْمَسِيحَ وَأُمَّهُ حَتَّى جَعَلُوهُمْ آلِهَةً، وَهَذَا هُوَ الرَّابِطُ الَّذِي أَرَادَهُ الْمُصَنِّفُ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ فِي الْعِبَادَةِ (كَالرَّهْبَانِيَّةِ) لَا يَنْفَعُ مَعَ فَسَادِ الِاعْتِقَادِ.
ثَالِثًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: الْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ هُوَ (تَحْقِيقُ الْمُمَاثَلَةِ)؛ أَيْ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي "تَرْكِ الصَّلَاةِ" أَوْ "حُبِّ الدُّنْيَا"، بَلْ قَدْ يَكُونُ الْمُشْرِكُ زَاهِدًا عَابِدًا قَانِتًا كَالرَّاهِبِ فِي صَوْمَعَتِهِ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ كَافِرٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَسَائِطَ.
[قُلْتُ]: بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْكُفَّارَ (يَشْهَدُونَ بِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ)، وَهَذِهِ فَائِدَةٌ تَنْسِفُ مَذْهَبَ الْمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ حَصَرُوا التَّوْحِيدَ فِي الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقٌ، فَإِذَا كَانَ عُبَّادُ النَّصَارَى يُقِرُّونَ بِالْخَلْقِ وَهُمْ كُفَّارٌ، فَمَا فَائِدَةُ إِقْرَارِ مَنْ يَنْتَسِبُ لِلْإِسْلَامِ بِالْخَلْقِ وَهُوَ يَنْخُو الْأَوْلِيَاءَ؟
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ "يَنْخُونَ عِيسَى"؛ أَيْ يَسْتَغِيثُونَ بِهِ فِي الشَّدَائِدِ لِيَشْفَعَ لَهُمْ، وَهِيَ عَيْنُ حَالِ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِالْمَقْبُورِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ الْيَوْمَ، فَالْعِلَّةُ الشِّرْكِيَّةُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَبَدَّلَتِ الْأَسْمَاءُ.
رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الْعِبَادَةَ بِدُونِ تَوْحِيدٍ لَا تُسَمَّى عِبَادَةً، كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ بِدُونِ طَهَارَةٍ لَا تُسَمَّى صَلَاةً. فَالنَّصَارَى الَّذِينَ فِي الصَّوَامِعِ لَهُمْ "تَعَبُّدٌ" وَلَيْسَ لَهُمْ "تَوْحِيدٌ"، فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ جُهْدُهُمْ. ^(3)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ تُرَدُّ عَلَى مَنْ يَغْتَرُّ بِكَثْرَةِ عِبَادَةِ الْمُنْحَرِفِينَ، فَالشَّيْخُ بَيَّنَ أَنَّ "قَصْدَ الزُّلْفَى" هُوَ الصَّارِفُ عَنِ التَّوْحِيدِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْعَابِدُ مُعْتَزِلًا لِلنَّاسِ بَاحِثًا عَنِ اللَّهِ بِزَعْمِهِ. ^(4)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِحَالِ النَّصَارَى هُوَ (قِيَاسُ الْأَوْلَى)؛ فَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ مَعَ صَبْرِهِمْ وَزُهْدِهِمْ كُفَّارًا لِأَجْلِ عِيسَى، فَمَنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ زُهْدًا وَعِبَادَةً وَيَدْعُو مَنْ هُوَ دُونَ عِيسَى مَقَامًا فَهُوَ أَوْلَى بِوَصْفِ الشِّرْكِ. ^(5)
--------------&
حَاشِيَةٌ:
(1) اشْتِقَاقُ النَّصَارَى: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (نصر).
(2) مَعْتَقَدَاتُ النَّصَارَى: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ، الْجَوَابُ الصَّحِيحُ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ، ج3، ص (210-215).
(3) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، قَوْلُ الْمُفِيدِ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ج1، ص (172).
(4) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص (38).
(5) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ص (235).
(6) [قُلْتُ]: مُصْطَلَحُ "يَنْخُونَ" مُصْطَلَحٌ عَرَبِيٌّ دَقِيقٌ يُفِيدُ الِاسْتِغَاثَةَ الْمَقْرُونَةَ بِالِاعْتِزَازِ بِالْمَدْعُوِّ، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى (قُوَّةِ التَّعَلُّقِ الْقَلْبِيِّ) بَيْنَ الْمُشْرِكِ وَوَسِيطِهِ.
(7) [قُلْتُ]: ذِكْرُ "الصَّوْمَعَةِ" فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا}، فَالِابْتِدَاعُ فِي الْعِبَادَةِ قَرِينُ الشِّرْكِ فِي الْقَصْدِ، وَكِلَاهُمَا مَحْبِطٌ لِلْعَمَلِ.
(8) [قُلْتُ]: بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ شَهَادَتَهُمْ لِلَّهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ لَمْ تَشْفَعْ لَهُمْ، لِأَنَّ عِبَادَةَ غَيْرِهِ مَعَ اعْتِقَادِ خَلْقِهِ لِلْعَالَمِ هِيَ (التَّنَاقُضُ الْأَكْبَرُ) الَّذِي وَقَعَ فِيهِ بَنُو آدَمَ.
---------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ الْخَامِسِ (2): مَصِيرُ الْمُشْرِكِ وَحَقِيقَةُ الْغُرْبَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«وَهُوَ مَعَ هَذَا كَافِرٌ عَدُوٌّ لِلَّهِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ بِسَبَبِ اعْتِقَادِهِ فِي عِيسَى أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَوْلِيَاء؛ِ يَدْعُوهُ أَوْ يَذْبَحُ لَهُ أَوْ يَنْذُرُ لَهُ. فَتَبَيَّنَ لَكَ كَيْفَ صِفَةُ الْإِسْلَامِ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَتَبَيَّنَ لَكَ أَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْهُ بِمَعْزِلٍ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ: "بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً كَمَا بَدَأَ"».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: تَبَيَّنَ لَكَ هَذَا الْأَمْرُ جَيِّداً؛ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَى الشَّخْصِ بِالْكُفْرِ أَوْ الْإِسْلَامِ مَنُوطٌ بِـ (تَحْقِيقِ التَّوْحِيدِ) لَا بِمُجَرَّدِ (الِانْتِسَابِ) أَوْ (كَثْرَةِ التَّعَبُّدِ). فَالْمُصَنِّفُ هُنَا يَحْسِمُ الْمَادَّةَ بِبَيَانِ أَنَّ الِاعْتِقَادَ فِي الْأَوْلِيَاءِ (بِالصَّرْفِ الْعِبَادِيِّ لَهُمْ) هُوَ الْمُوجِبُ لِلْخُلُودِ فِي النَّارِ، مَهْمَا عَظُمَ زُهْدُ الْعَابِدِ.
[قُلْتُ] (تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الْكَافِرِ): يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ) وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَدْخُلِ الْإِسْلَامَ أَصْلًا كَالنَّصَارَى، وَبَيْنَ (الْمُرْتَدِّ) وَهُوَ الَّذِي دَخَلَ الْإِسْلَامَ ثُمَّ أَتَى بِنَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِهِ كَمَنْ دَعَا الْأَوْلِيَاءَ. وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كِلَيْهِمَا مُحَرَّمُ الدَّمِ وَالْمَالِ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، لَكِنَّ الْمُرْتَدَّ أَغْلَظُ كُفْراً عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهُ عَرَفَ الْحَقَّ ثُمَّ تَرَكَهُ.
[قُلْتُ] (دَحْضُ الشُّبْهَةِ الْعَصْرِيَّةِ): يَسْتَدِلُّ الْبَعْضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ...} [البقرة: 62] عَلَى صِحَّةِ دِينِ كُلِّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلتَّوْحِيدِ أَوْ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وَالرَّدُّ الْقَاطِعُ: أَنَّ الْإِيمَانَ بِاللَّهِ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ يَقْتَضِي (الْإِيمَانَ بِمَا شَرَعَهُ وَأَمَرَ بِهِ)، وَقَدْ شَرَعَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ دِينٌ بَعْدَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَّا اتِّبَاعُهُ، فَمَنْ لَمْ يُوحِّدِ اللَّهَ وَيُصَدِّقْ نَبِيَّهُ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا آمَنَ بـ (إِلَهٍ) هُوَ مَحْضُ خَيَالِهِ وَأَهْوَائِهِ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ :
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُؤَكِّدُ أَنَّ هَذِهِ الْقِطْعَةَ تَنْسِفُ دَعْوَى "التَّقْرِيبِ"، وَيُبَيِّنُ أَنَّ الْعَدَاوَةَ لِلَّهِ تَحْصُلُ بِالْإِشْرَاكِ مَعَهُ، فَمَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدّاً فَقَدْ نَصَبَ نَفْسَهُ عَدُوّاً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ. ^(1)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُوَضِّحُ أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ "بِمَعْزِلٍ" هُوَ نَتِيجَةٌ حَتْمِيَّةٌ لِفَقْدِ فَهْمِ مَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"؛ فَالنَّاسُ ظَنُّوهَا قَوْلًا بِاللِّسَانِ، فَلَمَّا دَعَوْا غَيْرَ اللَّهِ انْعَزَلُوا عَنْ حَقِيقَتِهَا الْعَمَلِيَّةِ، وَصَارُوا كَمَنْ يَمْلِكُ مِفْتَاحاً لَا أَسْنَانَ لَهُ. ^(2)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ رَبْطَ الْمُصَنِّفِ بَيْنَ "خُلُودِ النَّصَارَى فِي النَّارِ" وَبَيْنَ "غُرْبَةِ الْإِسْلَامِ" يُبَيِّنُ أَنَّ خَطَرَ الشِّرْكِ لَيْسَ تَارِيخِيّاً فَحَسْبُ، بَلْ هُوَ وَاقِعٌ مُتَجَدِّدٌ يَحْتَاجُ إِلَى (بَصِيرَةٍ) لِإِدْرَاكِهِ بَيْنَ صُفُوفِ مَنْ يَنْتَسِبُونَ لِلْقِبْلَةِ. ^(3)
---------------&
حَاشِيَةٌ :
تَخْرِيجُ حَدِيثِ (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيباً):
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (145) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ (1/184) -رَقْمُ (3787) ط. الرِّسَالَةِ- مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ وَضَّاحٍ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْبِدَعِ وَالنَّهْيِ عَنْهَا ص (65)، وَقَدْ أُعِلَّ إِسْنَادُ ابْنِ وَضَّاحٍ بِالضَّعْفِ لِانْقِطَاعٍ أَوْ جَهَالَةٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ.
[قُلْتُ]: وَلَكِنَّ الْحَدِيثَ (صَحِيحٌ لِغَيْرِهِ) بَلْ صَحِيحٌ فِي أَصْلِهِ؛ فَلَهُ شَوَاهِدُ قَوِيَّةٌ تَنْهَضُ بِهِ، مِنْهَا حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عِنْدَ أَحْمَدَ (1604) بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضاً. فَالْمَتْنُ ثَابِتٌ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ وَشَوَاهِدِهِ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ.
[قُلْتُ] (نُكْتَةٌ حَدِيثِيَّةٌ): زِيَادَةُ "طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ" الَّتِي غَالِباً مَا تَقْتَرِنُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فُسِّرَتْ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُمْ: "الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ سُنَّتِي"، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ حَالِ الْمُوَحِّدِ الَّذِي يُبَيِّنُ (صِفَةَ الْإِسْلَامِ) عِنْدَ انْدِرَاسِ مَعَالِمِهَا.
الْمَصَادِرُ: (1) ابْنُ عُثَيْمِينَ، قَوْلُ الْمُفِيدِ، (1/175). (2) صَالِح سِنْدِي، شَرْحُ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، ص (39). (3) التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص (240).
[قُلْتُ]: مَنْ تَدَبَّرَ قَوْلَهُ ﷺ "كَمَا بَدَأَ" عَلِمَ أَنَّ صِفَةَ الشِّرْكِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ سَتُشَابِهُ صِفَةَ الشِّرْكِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى، وَمِنْ هُنَا تَتَجَلَّى عَبْقَرِيَّةُ الْمُصَنِّفِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ حَيْثُ جَعَلَ فَهْمَ "شِرْكِ الْأَوَّلِينَ" هُوَ الْمِفْتَاحَ لِلنَّجَاةِ مِنْ شِرْكِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
-----------------&
[الْمَبْحَثُ السَّادِسُ: الْوَصِيَّةُ الْعُظْمَى بِأَصْلِ الدِّينِ وَتَحْقِيقِ الْبَرَاءَةِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الرِّسَالَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي؛ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ دِينِكُمْ، وَأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَأُسِّهِ وَرَأْسِهِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (1)، وَاعْرِفُوا مَعْنَاهَا، وَأَحِبُّوهَا، وَأَحِبُّوا أَهْلَهَا، وَاجْعَلُوهُمْ إِخْوَانَكُمْ وَلَوْ كَانُوا بَعِيدِينَ. وَاكْفُرُوا بِالطَّوَاغِيتِ (2)، وَعَادُوهُمْ، وَأَبْغِضُوهُمْ، وَأَبْغِضُوا مَنْ أَحَبَّهُمْ، أَوْ جَادَلَ عَنْهُمْ (3)، أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ، أَوْ قَالَ: مَا عَلَيَّ مِنْهُمْ، أَوْ قَالَ: مَا كَلَّفَنِي اللَّهُ بِهِمْ (4)، فَقَدْ كَذَبَ هَذَا عَلَى اللَّهِ وَافْتَرَى؛ فَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِمْ، وَافْتَرَضَ (5) عَلَيْهِ الْكُفْرَ بِهِمْ، وَالْبَرَاءَةَ (6) مِنْهُمْ وَلَوْ كَانُوا إِخْوَانَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ».
ثَانِيًا: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ (تَحْقِيقُ الْمُفْرَدَاتِ وَبَصْمَةُ الْبَاحِثِ):
1. (شَهَادَةِ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ش هـ د)، وهو أصلٌ يدل على حضورٍ وعلمٍ وإعلام. فالشاهدُ هو الذي يُخبر عما حضره وعلمه. ^(1)
الْحَدُّ: هي قولٌ باللسان صادرٌ عن علمٍ بالقلب، يتضمنُ التصديقَ الجازمَ والإقرارَ المعلنَ بحقانيةِ المشهودِ به.
أَنْوَاعُهَا: شهادة (إقرار) وهي الأصل، وشهادة (أداء) وهي البلاغ، وشهادة (حكم) وهي الإلزام بمقتضاها.
[قُلْتُ]: الشهادةُ هنا ليست مجرد حكاية لخبرٍ، بل هي "عقدٌ وميثاقٌ"؛ فالمصنفُ جعلها (أُسَّ الدِّين) لأنَّ كلَّ بناءٍ يُقامُ على غيرِ الشهادةِ فبناؤه منهار. والشهادةُ الحقَّةُ هي التي يواطئُ فيها اللسانُ الجنانَ وتصدقها الأركانُ، وإلا كانت دعوى كمقالةِ المنافقين.
2. (الطَّوَاغِيتِ):
الِاشْتِقَاقُ: جمع (طاغوت)، من (ط غ ي)، والطغيانُ هو مجاوزةُ الحدِّ في كلِّ شيء. والزيادةُ في المبنى (طاغوت) تدلُّ على المبالغةِ في الطغيان. ^(2)
الْحَدُّ: هو كلُّ ما تجاوزَ به العبدُ حدَّه من معبودٍ، أو متبوعٍ، أو مطاعٍ في غيرِ طاعةِ الله ورسوله.
أَنْوَاعُهَا: رؤوسهم خمسة: الشيطان، والحاكم بغير ما أنزل الله، والطاغوت الذي يُعبد وهو راضٍ، ومن ادعى شيئاً من علم الغيب، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه.
[قُلْتُ]: الكفرُ بالطاغوتِ هو "الركنُ الثاني" من أركانِ التوحيدِ بعد الكفرِ بالشركِ؛ فلا يصحُّ إيمانُ عبدٍ حتى يخلعَ رِبقةَ التبعيةِ لكلِّ ما يُعبدُ من دونِ الله، وهذا هو مقتضى "لا إله" التي تسبق "إلا الله".
3. (جَادَلَ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ج د ل)، وأصلُ الجَدْلِ شدةُ الفَتْلِ، ومنه سُمي (الجَدَل) لأنه فَتْلُ الخصمِ عن رأيهِ بالكلمات. ^(3)
الْحَدُّ: هو المفاوضةُ على سبيلِ المغالبةِ والخصومةِ لإحقاقِ باطلٍ أو إبطالِ حقٍّ.
[قُلْتُ]: ذِكْرُ "المجادلة عنهم" نكتةٌ عظيمة؛ لأنَّ المدافعَ عن الطواغيتِ باللسانِ والشبهاتِ هو جندٌ من جنودِهم، والمجادلةُ هنا نوعٌ من (الموالاةِ الفكرية) التي تُنافي البراءَ الشرعيَّ، وصاحبها واقعٌ في الفتنةِ وإن زعمَ أنه لم يسجدْ للصنم.
4. (كَلَّفَنِي):
الِاشْتِقَاقُ: من (ك ل ف)، والكُلْفَةُ هي المشقةُ. والتكليفُ هو إلزامُ ما فيه مشقةٌ. ^(4)
الْحَدُّ: هو الخطابُ الشرعيُّ المتعلقُ بأفعالِ العبادِ على جهةِ الطلبِ أو التخيير.
[قُلْتُ]: قولُ المخذول "ما كلفني الله بهم" هو عينُ الكذبِ والافتراء؛ لأنَّ أولَ واجبٍ كلف الله به العباد هو (الكفر بالطاغوت) كما في آية الكرسي. فمَن نفى التكليفَ بالبراءِ من المشركين فقد نفى نصفَ الدِّينِ وافترى على الشريعةِ العجزَ عن حمايةِ حمى التوحيد.
5. (افْتَرَضَ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ف ر ض)، وهو الحَزُّ والقطعُ. والفرضُ هو القطعُ الذي لا هوادةَ فيه، كأنَّ الشيءَ قد قُدَّ قَدّاً فلا يقبلُ التغيير. ^(5)
الْحَدُّ: هو الحكمُ اللازمُ الذي يأثمُ تاركُه ويُعاقبُ عليه، وهو آكدُ من مجردِ الندبِ أو الاستحباب.
[قُلْتُ]: استعمالُ "افترض" بعد "كلف" دلالةٌ على القطعِ والجزمِ؛ فالبراءةُ من أعداءِ الله ليست خياراً سياسياً أو ذوقاً شخصياً، بل هي (فَرِيضَةٌ عَيْنِيَّةٌ) على كلِّ مَن وحَّد الله، والتهاونُ فيها تهاونٌ في أصلِ العقدِ الإيماني.
6. (الْبَرَاءَةَ):
الِاشْتِقَاقُ: من (ب ر أ)، وأصلُ البراءِ هو التباعدُ عن الشيءِ والتخلصُ منه، ومنه (بَرِئَ المريضُ) أي فارقَهُ المرضُ. ^(6)
الْحَدُّ: هو الخلاصُ القلبيُّ والقوليُّ والعمليُّ من الشركِ وأهلهِ، وبُغضُهم ومعاداتُهم لأجلِ الله.
[قُلْتُ]: البراءةُ هي (الثمرةُ المرةُ) في أفواهِ المشركين، و(الحلوةُ) في قلوبِ المؤمنين؛ فلا يكفي أن تُحبَّ اللهَ بل لا بدَّ أن تبرأَ مما يُبغضُه الله. والبراءةُ الكاملةُ هي التي لا تلتفتُ إلى القرابةِ أو الولدِ إذا حادُّوا اللهَ ورسولَه، وهذا هو ميزانُ الصدقِ.
-----------------&
حَاشِيَةُ :
(1) مَادَّةُ (شَهَادَة): ابنُ فارس، مقاييس اللغة، ج3، ص (221). والزبيدي، تاج العروس، مادة (شهد).
(2) مَادَّةُ (طَوَاغِيت): ابنُ تيمية، مجموع الفتاوى، ج28، ص (200) في تعريف الطاغوت. وانظر: لسان العرب، مادة (طغى).
(3) مَادَّةُ (جَادَلَ): الراغبُ الأصفهاني، المفردات، ص (89).
(4) مَادَّةُ (كَلَّفَنِي): الجوهري، الصحاح، ج4، ص (1426).
(5) مَادَّةُ (افْتَرَضَ): ابنُ منظور، لسان العرب، ج7، ص (202).
(6) مَادَّةُ (الْبَرَاءَة): الفيروزآبادي، القاموس المحيط، مادة (برأ).
(7) [قُلْتُ]: قول المصنف "أصل دينكم وأوله وآخره" هو حصرٌ حقيقيٌّ؛ فالدينُ يبدأُ بالتوحيدِ ويُختمُ عليه بالتوحيد، وما بينهما هو تفصيلٌ لمقتضياته.
(8) [قُلْتُ]: ذِكْرُ "الولد والأخ" في مقام البراء إشارةٌ لقوله تعالى: {لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ...} [المجادلة: 22]، وهذا أشدُّ أنواع الابتلاء.
---------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ (2): التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِأَصْلِ الدِّينِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي؛ تَمَسَّكُوا بِأَصْلِ دِينِكُمْ، وَأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، وَأُسِّهِ وَرَأْسِهِ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: انْظُرْ -رَعَاكَ اللَّهُ- إِلَى هَذَا الِاسْتِهْلَالِ (فَاللَّهَ اللَّهَ)، فَالْغَرَضُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ هُنَا هُوَ "الِاسْتِصْرَاخُ" وَالتَّحْذِيرُ بِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ وَهِيَ صِيغَةُ تَحْذِيرٍ وَإِغْرَاءٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بَلَغَ مِنَ الْخُطُورَةِ غَايَتَهَا. وَدَيْدَنُ الشَّيْخِ فِي نَصِيحَتِهِ أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لَفْظَ "الْإِخْوَانِ" لِيُؤَلِّفَ الْقُلُوبَ قَبْلَ صَدْعِهَا بِمُرِّ الْحَقِّ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى شَفَقَتِهِ بِأَهْلِ التَّوْحِيدِ وَخَوْفِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الِانْزِلَاقِ فِي مَتَاهَاتِ الشِّرْكِ.
[قُلْتُ]: بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ "أَصْلَ الدِّينِ" بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالْأُسُّ وَالرَّأْسُ؛ وَهَذَا تَوْصِيفٌ جَامِعٌ لِشَهَادَةِ (أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). فَكَوْنُهَا "الْأَوَّلَ" لِأَنَّهَا مِفْتَاحُ الدُّخُولِ، وَ"الْآخِرَ" لِأَنَّهَا غَايَةُ الْمَسِيرِ، وَ"الْأُسَّ" لِأَنَّ الْبِنَاءَ لَا يَقُومُ إِلَّا عَلَيْهَا، وَ"الرَّأْسَ" لِأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهَا. وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24]، فَالْأَصْلُ الثَّابِتُ هُوَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ.
[قُلْتُ]: وَيُؤَيِّدُ هَذَا التَّأْصِيلَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعاً: "بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ..."، فَجَعَلَهَا رُكْنَ الْبِنَاءِ الْأَعْظَمِ، وَلَا يَنْفَعُ فَرْعٌ إِذَا اجْتُثَّ الْأَصْلُ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُوَضِّحُ أَنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ "أَصْلِ دِينِكُمْ" يُشِيرُ إِلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ لَيْسَ جُزْءاً مِنَ الدِّينِ بَلْ هُوَ قَاعِدَتُهُ، وَأَنَّ تَكْرَارَ لَفْظِ الْجَلَالَةِ (اللَّهَ اللَّهَ) يَقْتَضِي تَعْظِيمَ الْمَسْؤُولِ عَنْهُ، وَهُوَ الثَّبَاتُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِلْماً وَعَمَلًا. ^(1)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِهْلَالَ بِـ "يَا إِخْوَانِي" فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ "أُخُوَّةَ الدِّينِ" مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)، فَمَنْ ضَيَّعَ الْأَصْلَ فَلَا أُخُوَّةَ لَهُ، وَأَنَّ جَمْعَ الشَّيْخِ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ يَعْنِي الشُّمُولِيَّةَ الَّتِي لَا تَقْبَلُ التَّبْعِيضَ. ^(2)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ "رَأْسِهِ" فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّوْحِيدَ كَمَنْ فُقِدَ رَأْسُهُ، فَلَا تَبْقَى لَهُ حَيَاةٌ إِيمَانِيَّةٌ، وَأَنَّ هَذَا الِاسْتِنْهَاضَ جَاءَ لِيُبَيِّنَ أَنَّ "الْعِلْمَ بِالْمَعْنَى" هُوَ الْمُقَدِّمَةُ الْوَاجِبَةُ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ. ^(3)
---------------&
حَاشِيَةٌ:
(1) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، شَرْحُ ثَلَاثَةِ الْأُصُولِ، ط. دَارِ الثُّرَيَّا، ص (45-48).
(2) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، التَّعْلِيقُ عَلَى رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ)، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.
(3) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، تَيْسِيرُ الْوُصُولِ إِلَى لُبِّ الْأُصُولِ، ص (112).
(4) [قُلْتُ]: تَقْدِيمُ "الْأُسِّ" عَلَى "الرَّأْسِ" فِي سِيَاقِ الشَّيْخِ فِيهِ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ؛ وَهِيَ أَنَّكَ تَبْنِي الْأَصْلَ (الْأُسَّ) أَوَّلًا فِي قَلْبِكَ، ثُمَّ تَرْفَعُهُ (رَأْساً) لِيَرَاهُ النَّاسُ بِيَقِينِكَ وَثَبَاتِكَ، فَالْأُسُّ لِلْخَفَاءِ وَالرَّأْسُ لِلظُّهُورِ، وَالتَّوْحِيدُ يَجْمَعُهُمَا.
(5) [قُلْتُ]: الْغَرَضُ مِنْ نِدَاءِ "يَا إِخْوَانِي" هُوَ التَّذْكِيرُ بِأَنَّ مَنْ تَرَكَ التَّوْحِيدَ خَرَجَ مِنْ رِبْقَةِ هَذِهِ الْأُخُوَّةِ، فَالْمُصَنِّفُ يَسْتَعْطِفُهُمْ لِيُلْزِمَهُمْ بِمُقْتَضَى هَذَا الْعَقْدِ الْإِيمَانِيِّ.
(6) [قُلْتُ]: فِي قَوْلِهِ "وَاعْرِفُوا مَعْنَاهَا" لَمْ يَقُلْ (وَاقْرَؤُوا لَفْظَهَا)؛ لِأَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يَقْرَؤُونَ التَّوْحِيدَ وَلَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُ نَفْيُ الشَّفَاعَةِ الشِّرْكِيَّةِ وَالْوَسَاطَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَعْنَى هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ لِصِحَّةِ الشَّهَادَةِ.
-------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ (3): شُرُوطُ الْكَلِمَةِ وَحَقِيقَةُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«وَاعْرِفُوا مَعْنَاهَا، وَأَحِبُّوهَا، وَأَحِبُّوا أَهْلَهَا، وَاجْعَلُوهُمْ إِخْوَانَكُمْ وَلَوْ كَانُوا بَعِيدِينَ. وَاكْفُرُوا بِالطَّوَاغِيتِ، وَعَادُوهُمْ، وَأَبْغِضُوهُمْ، وَأَبْغِضُوا مَنْ أَحَبَّهُمْ، أَوْ جَادَلَ عَنْهُمْ، أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ "وَاعْرِفُوا مَعْنَاهَا"؛ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْكَلِمَةِ لَا يَكْفِي دُونَ عِلْمٍ بِمُقْتَضَاهَا، وَهِيَ (الْعِلْمُ الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ)، وَنَحْنُ فِي الْعَقِيدَةِ نَأْخُذُ بِظَاهِرِ النَّصِّ وَنُؤْمِنُ بِحَقِيقَتِهِ، فَالتَّوْحِيدُ حَقِيقَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَقُومُ فِي الْقَلْبِ أَوَّلًا. وَهَذِهِ الْمَعْرِفَةُ مَعَ "الْمَحَبَّةِ" هِيَ مِنْ أَخَصِّ شُرُوطِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) الثَّمَانِيَةِ، وَالَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ (أَسْنَانِ الْمِفْتَاحِ) لِلْجَنَّةِ، فَلَا يُفْتَحُ لِعَبْدٍ إِلَّا بِهَا، وَهِيَ: (الْعِلْمُ، الْيَقِينُ، الْقَبُولُ، الِانْقِيَادُ، الصِّدْقُ، الْإِخْلَاصُ، الْمَحَبَّةُ، وَالْكُفْرُ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ "وَأَحِبُّوا أَهْلَهَا"؛ هَذَا هُوَ أَصْلُ (الْوَلَاءِ)، فَأُخُوَّةُ الدِّينِ أَعْظَمُ مِنْ أُخُوَّةِ الدَّمِ وَالْوَطَنِ، فَإِنْ كَانَ ابْنُ الْوَطَنِ مُوَحِّداً خَالِصاً عَلَى جَادَّةِ السَّلَفِ فَهُوَ الْأَوْلَى بِالْقُرْبِ وَالْمَوَدَّةِ، وَإِلَّا فَالْمُسْلِمُ الْبَعِيدُ فِي أَقْصَى الْأَرْضِ هُوَ الْأَخُ الْحَقِيقِيُّ. وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10]، وَقَوْلُهُ ﷺ: "أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ" (رَوَاهُ أَحْمَدُ).
[قُلْتُ]: أَمَّا "الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ" فَهُوَ الرُّكْنُ الرَّكِينُ لِلصِّحَّةِ، وَهُوَ الشَّرْطُ الثَّامِنُ الْجَامِعُ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِخَمْسِ مَرَاتِبَ: (الِاعْتِقَادُ بِبُطْلَانِ عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، تَرْكُهَا، بُغْضُهَا، تَكْفِيرُ أَهْلِهَا، وَمُعَادَاتُهُمْ). وَصُوَرُ الْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ تَتَجَلَّى فِي الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ إِلَهاً أَوْ حَاكِماً بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ أَوْ دَاعِياً لِلضَّلَالِ.
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ "أَوْ جَادَلَ عَنْهُمْ أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ"؛ هَذَا تَحْذِيرٌ مِنْ نَوَاقِضِ الْبَرَاءِ، فَمَنْ جَادَلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ فَقَدْ أَعَانَهُمْ، وَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ فَقَدْ شَكَّ فِي حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ، وَهَذَا مِنْ مَسَائِلِ (الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ) الَّتِي لَا تَقْبَلُ الْمُدَاهَنَةَ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ (بِتَوَسُّعٍ):
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الْمَحَبَّةَ لِلْكَلِمَةِ وَأَهْلِهَا لَيْسَتْ أَمْراً ثَانَوِيّاً، بَلْ هِيَ دَلِيلُ صِدْقِ الْإِيمَانِ، وَأَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ. وَبَيَّنَ أَنَّ "الْمُجَادَلَةَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ" قَدْ تَصِلُ إِلَى الْكُفْرِ إِذَا كَانَتْ دِفَاعاً عَنْ شِرْكِهِمْ وَتَصْحِيحاً لِمَذْهَبِهِمْ. ^(1)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ "الْمَعْرِفَةَ" لَا بُدَّ أَنْ تُورِثَ "الْعَمَلَ"، وَأَنَّ عَقِيدَةَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ هِيَ الْمِيزَانُ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ وَالْمُدَّعِي. وَأَوْضَحَ أَنَّ "الْبُعْدَ الْمَكَانِيَّ" لَا يَقْطَعُ حَقَّ الْإِخْوَةِ، بَلْ يَجِبُ الِانْتِصَارُ لِأَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَبُغْضُ مَنْ عَادَاهُمْ. ^(2)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ الشَّرْطَ الثَّامِنَ (الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ) هُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ "التَّوْحِيدَ الْقُرْآنِيَّ" عَنْ غَيْرِهِ، وَأَنَّ تَرْكَ تَكْفِيرِ الْمُشْرِكِينَ هُوَ هَدْمٌ لِأَصْلِ الْبَرَاءَةِ، فَالْبَرَاءَةُ كُلٌّ لَا يَتَجَزَّأُ، تَبْدَأُ بِالْبُغْضِ وَتَنْتَهِي بِالْمُفَارَقَةِ الْعَقَدِيَّةِ. ^(3)
-------------------&
حَاشِيَةٌ:
(1) شُرُوطُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ: حَافِظٌ الْحَكَمِيُّ، مَعَارِجُ الْقَبُولِ، ج2، ص (418). حَيْثُ نَظَمَهَا بِقَوْلِهِ: (عِلْمٌ يَقِينٌ وَإِخْلَاصٌ وَصِدْقُكَ مَعْ... مَحَبَّةٍ وَقَبُولٍ وَانْقِيَادٍ رَعْ... وَزِيْدَ ثَامِنُهَا الْكُفْرَانُ مِنْكَ بِمَا... سِوَى الْإِلَهِ مِنَ الْأَنْدَادِ قَدْ أُلِهَا).
(2) [قُلْتُ]: تَقْرِيرُ الشَّيْخِ لِلْمَحَبَّةِ هُنَا فِيهِ نُكْتَةٌ؛ وَهِيَ أَنَّ الْعِلْمَ الْجَافَّ دُونَ مَحَبَّةٍ قَدْ يُورِثُ حَالَ الْمُنَافِقِينَ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَحَبَّةِ الْقَلْبِ لِيَنْقَادَ الْجَوَارِحُ لِلْمُوَالَاةِ فِي اللَّهِ.
(3) [قُلْتُ]: بَيَّنَ الْمُصَنِّفُ مَرَاتِبَ الْبَرَاءِ: (الْعَدَاوَةُ، الْبُغْضُ، وَبُغْضُ الْمُدَافِعِ عَنْهُمْ)؛ وَهَذَا لِتَحْصِينِ الْمُجْتَمَعِ الْمُوَحِّدِ مِنْ دَخَنِ الشُّبُهَاتِ الَّتِي يُلْقِيهَا بَعْضُ الْمُجَادِلِينَ عَنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ.
(4) الْمَصَادِرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الرِّيَاضِ، بَابُ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ. صَالِح سِنْدِي، مُحَاضَرَاتٌ فِي الْعَقِيدَةِ (التَّوْحِيدُ أَوَّلًا). التَّمِيمِيُّ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص (245).
(5) [قُلْتُ]: قَوْلُهُ "أَوْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ"؛ هَذَا لَيْسَ شَهْوَةً فِي التَّكْفِيرِ، بَلْ هُوَ تَصْدِيقٌ لِحُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ، فَإِذَا حَكَمَ اللَّهُ عَلَى عُبَّادِ الْأَصْنَامِ بِالْكُفْرِ، فَمَنْ لَمْ يُكَفِّرْهُمْ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهَ كَاذِباً فِي خَبَرِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
-----------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ (4)]:
[ التَّحْقِيقُ الرَّصِينُ فِي حَدِّ الطَّاغُوتِ وَنَقْضِ مَسَالِكِ الْمُبْطِلِينَ]
أَوَّلًا: مَادَّةُ (الطَّاغُوتِ) اشْتِقَاقًا وَحَدًّا:
الِاشْتِقَاقُ: لَفْظُ "الطَّاغُوتِ" مِنَ (الطُّغْيَانِ)، وَهُوَ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ. وَزْنُهُ (فَعَلُوت) كَـ "جَبَرُوت"، وَأَصْلُهُ "طَغَيُوت"؛ قُلِبَتِ الْيَاءُ أَلِفاً لِتَحَرُّكِهَا وَانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهَا. وَقِيلَ: هُوَ مَصْدَرٌ يُسْتَعْمَلُ لِلْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ. ^(1)
الْحَدُّ (جَامِعٌ مَانِعٌ): هُوَ كُلُّ مَا صُرِفَ لَهُ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، أَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مُسْتَحِلًّا أَوْ مَدْعِيًا لِلْمُسَاوَاةِ، أَوْ طُلِبَ مِنْهُ عِلْمُ الْغَيْبِ، مَعَ رِضَاهُ بِذَلِكَ، أَوْ طَاعَتِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ التَّشْرِيعِ. ^(2)
ثَانِيًا: أَنْوَاعُ الطَّوَاغِيتِ (تَارِيخِيًّا وَتَأْصِيلِيًّا):
ذِكْرُ مَنْ سَبَقَ الْإِمَامَ الْمُجَدِّدَ: تَقْرِيرُ أَنْوَاعِ الطَّوَاغِيتِ قَدِيمٌ فِي أُمَّتِنَا؛ فَقَدْ نَقَلَ الْإِمَامُ الطَّبَرِيُّ (ت: 310 هـ) عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطَّوَاغِيتَ هِيَ "الْكُهَّانُ"، وَنَقَلَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ "الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ بَشَرٍ". ثُمَّ جَاءَ ابْنُ الْقَيِّمِ (ت: 751 هـ) فَصَاغَ الْحَدَّ الْجَامِعَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَئِمَّةُ الدَّعْوَةِ (مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ). ^(3)
أَنْوَاعُ الطَّوَاغِيتِ عِنْدَ الْمُجَدِّدِ: رُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ كَمَا ذَكَرَهَا فِي رِسَالَتِهِ: (الشَّيْطَانُ، الْحَاكِمُ الْجَائِرُ الْمُغَيِّرُ لِأَحْكَامِ اللَّهِ، الَّذِي يَحْكُمُ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، الَّذِي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ، وَالَّذِي يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ رَاضٍ).
ثَالِثًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ): التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصَّرْفِ الْعَقَدِيِّ وَالتَّحْرِيفِ الْحَرَكِيِّ:
[قُلْتُ]: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ رُكْنٌ لَا يَصِحُّ التَّوْحِيدُ إِلَّا بِهِ، وَلَكِنَّ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ تَنَاوُلِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى مَنْهَجِ (الْحَرَكِيِّينَ) كَـ "الْإِخْوَانِ الْمُسْلِمِينَ" وَ"جَمَاعَةِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ" وَبَعْضِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا "الطَّاغُوتَ" كَلِمَةً مُجْمَلَةً يَقْصِدُونَ بِهَا الْخُرُوجَ عَلَى حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ وَتَكْفِيرَ الْمُجْتَمَعَاتِ بِالْجُمْلَةِ، وَهَذَا مِنَ الْغُلُوِّ الَّذِي يُخَالِفُ مَنْهَجَ السَّلَفِ.
[قُلْتُ]: الْكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ فِي جَانِبِ الْحُكْمِ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ مُنْضَبِطٍ:
الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ الْمُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ: وَهُوَ فِيمَنْ جَحَدَ حُكْمَ اللَّهِ، أَوْ اسْتَحَلَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِهِ، أَوْ اعْتَقَدَ أَنَّ قَانُونَ الْبَشَرِ أَحْسَنُ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ، أَوْ أَنَّهُ مُسَاوٍ لَهُ.
الْكُفْرُ الْأَصْغَرُ (كُفْرُ دُونَ كُفْرٍ): وَهُوَ مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي وَاقِعَةٍ مُعَيَّنَةٍ لِهَوًى أَوْ رَشْوَةٍ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ عَاصٍ؛ فَهَذَا "فَاسِقٌ بِالْمَعْصِيَةِ" وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الدَّائِرَةِ، وَتَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَلَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ.
[قُلْتُ]: الْمُجْتَمَعُ الَّذِي تُرْفَعُ فِيهِ الشَّعَائِرُ، وَيُؤَذَّنُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ، وَتُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ، هُوَ (مُجْتَمَعٌ مُسْلِمٌ) وَدَارُهُ "دَارُ إِسْلَامٍ"، وَلَا يَجُوزُ اسْتِخْدَامُ مَصْطَلَحِ "الطَّاغُوتِ" لِوَصْمِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَوْ حُكَّامِهِمْ بِالْكُفْرِ بِمُجَرَّدِ وُقُوعِ بَعْضِ الْمَعَاصِي أَوْ نَقْصِ الِالْتِزَامِ بِبَعْضِ الشَّرَائِعِ؛ فَهَذَا مَسْلَكُ (الْخَوَارِجِ) لَا مَسْلَكُ (أَهْلِ الْحَدِيثِ).
رَابِعًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ أَنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ الْيَوْمَ يَغْلُونَ فِي مَسْأَلَةِ "الْحَاكِمِيَّةِ" حَتَّى جَعَلُوهَا أَصْلًا لِتَكْفِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَوْضَحَ أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَا يَكُونُ كُفْراً مَحْضاً إِلَّا إِذَا كَانَ عَنْ جُحُودٍ أَوْ اسْتِحْلَالٍ. ^(4)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ تَقْرِيرَ الْوَلَاءِ وَالْبَرَاءِ يَجِبُ أَنْ يَنْضَبِطَ بِمَصَالِحِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَلَا يُسْتَعْمَلُ لِتَمْزِيقِ صُفُوفِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ لِتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ الْأَكْبَرِ وَالطَّوَاغِيتِ الْأَصْلِيَّةِ. ^(5)
تَقْرِيرُ الْعَلَّامَةِ الْأَلْبَانِيِّ (فِي مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ): يَرُدُّ عَلَى الْجَمَاعَاتِ الْحَرَكِيَّةِ بِأَنَّ مَنْ كَفَّرَ الْمُجْتَمَعَ لِأَجْلِ الْقَانُونِ الْوَضْعِيِّ دُونَ تَفْصِيلٍ فَقَدْ وَقَعَ فِي "فِتْنَةِ التَّكْفِيرِ"، وَأَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ التَّصْفِيَةُ وَالتَّرْبِيَةُ لَا التَّكْفِيرُ وَالثَّوْرَةُ. ^(6)
------------------&
حَاشِيَةٌ:
(1) اشْتِقَاقُ الطَّاغُوتِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (طغى). الْجَوْهَرِيُّ، الصِّحَاحُ، (6/2411).
(2) حَدُّ الطَّاغُوتِ: ابْنُ الْقَيِّمِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، إِعْلَامُ الْمُوَقِّعِينَ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (1/50).
(3) أَنْوَاعُ الطَّوَاغِيتِ قَدِيماً: الطَّبَرِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ، جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، (5/419).
(4) شَرْحُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ، (الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ). وَقَوْلُ الْمُفِيدِ، ج2، ص (270).
(5) شَرْحُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، التَّعْلِيقُ عَلَى رِسَالَةِ الْكَفْرِ بِالطَّاغُوتِ (صَوْتِيٌّ).
(6) تَقْرِيرُ الْأَلْبَانِيِّ: الْأَلْبَانِيُّ، نَاصِرُ الدِّينِ، فِتْنَةُ التَّكْفِيرِ، ص (18-22).
(7) [قُلْتُ]: دَارُ الْإِسْلَامِ هِيَ الَّتِي يَعْلُو فِيهَا صَوْتُ الْحَقِّ وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا تَقْصِيرٌ، وَمَنْ أَرَادَ تَكْفِيرَ أَهْلِ مِلَّتِهِ بِمُصْطَلَحَاتِ "الْجَاهِلِيَّةِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ" فَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَ سَيِّد قُطْب وَمَنْ سَارَ عَلَى نَهْجِهِ مِنَ الْحَرَكِيِّينَ الَّذِينَ أَفْسَدُوا أَكْثَرَ مِمَّا أَصْلَحُوا.
---------------------&
[تَحْرِيرُ مَرَاتِبِ الْحُكْمِ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَتَفْصِيلُ أَنْوَاعِهِ]
أَوَّلًا: مَرَاتِبُ الْمَسْأَلَةِ (اشْتِقَاقاً، وَحَدّاً، وَتَأْصِيلًا):
1. الِاسْتِحْلَالُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْحِلِّ)، وَهُوَ نَقِيضُ الْحَرَامِ، وَاسْتَفْعَلَ هُنَا لِلِاعْتِقَادِ؛ أَيْ اعْتَقَدَ أَنَّ الْفِعْلَ حَلَالٌ. (1)
الْحَدُّ : هُوَ اعْتِقَادُ الْقَلْبِ حِلَّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ رَفْعُ الْحُرْمَةِ عَنْهُ.
[قُلْتُ]: الِاسْتِحْلَالُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ مَحْضٌ، فَإِذَا اعْتَقَدَ الْحَاكِمُ أَنَّ الْحُكْمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَائِزٌ أَوْ حَلَالٌ، فَقَدْ كَفَرَ كُفْراً أَكْبَرَ، وَلَوْ حَكَمَ بِالشَّرْعِ لَحْظَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّ التَّكْذِيبَ لِلشَّرْعِ قَدْ وَقَعَ فِي قَلْبِهِ أَوَّلًا.
2. الْجُحُودُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْجَحْدِ)، وَهُوَ نَفْيُ مَا فِي الْقَلْبِ ثُبُوتُهُ، أَوْ إِنْكَارُ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ. (2)
الْحَدُّ: هُوَ إِنْكَارُ صَلَاحِيَّةِ حُكْمِ اللَّهِ، أَوْ إِنْكَارُ وُجُوبِ الْتِزَامِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
[قُلْتُ]: الْجُحُودُ هُوَ أَغْلَظُ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ فِي الْحُكْمِ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ يُنْكِرُ أُلُوهِيَّةَ اللَّهِ فِي التَّشْرِيعِ، وَالشَّاهِدُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة: 44]، وَقَدْ فَسَّرَهَا عِكْرِمَةُ بِالْجُحُودِ. (3)
3. التَّبْدِيلُ:
الِاشْتِقَاقُ: مِنَ (الْبَدَلِ)، وَهُوَ جَعْلُ شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ آخَرَ عَلَى وَجْهِ التَّعْوِيضِ. (4)
الْحَدُّ: هُوَ تَنْحِيَةُ الشَّرِيعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَوَضْعُ قَوَانِينَ وَضْعِيَّةٍ مَكَانَهَا نِسْبَةً إِلَى اللَّهِ أَوْ ادِّعَاءً أَنَّهَا أَصْلَحُ لِلنَّاسِ.
[قُلْتُ]: التَّبْدِيلُ كُفْرٌ أَكْبَرُ إِذَا نَسَبَ هَذَا التَّبْدِيلَ لِلشَّرْعِ كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْكِتَابِ، أَوْ إِذَا اعْتَقَدَ مُسَاوَاةَ الْمُبَدَّلِ لِلْمُنَزَّلِ، أَمَّا مُجَرَّدُ التَّنْحِيَةِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالْخَطَأِ فَتَدْخُلُ فِي تَفْصِيلِ "كُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ" عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ.
4. الرِّضَا بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ (مَعَ بَقَاءِ الْإِيمَانِ):
[قُلْتُ]: قَدْ يَرْضَى الْحَاكِمُ بِالْحُكْمِ الْوَضْعِيِّ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ كَخَوْفٍ عَلَى "كُرْسِيِّهِ"، أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهٍ، أَوْ مُدَاهَنَةٍ لِقُوًى خَارِجِيَّةٍ، مَعَ جَزْمِ قَلْبِهِ أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ هُوَ الْأَعْلَى وَأَنَّهُ بِفِعْلِهِ هَذَا عَاصٍ وَمُجْرِمٌ. فَهَذَا "فَاسِقٌ ظَالِمٌ" ارْتَكَبَ كُفْراً أَصْغَرَ، لِأَنَّ الرِّضَا هُنَا رِضَا (شَهْوَةٍ وَمَصْلَحَةٍ) لَا رِضَا (تَشْرِيعٍ وَقَنَاعَةٍ).
ثَانِيًا: (قُلْتُ) فِي نَقْضِ مَسْلَكِ الْحَرَكِيِّينَ:
[قُلْتُ]: لَقَدْ تَلَقَّفَ الْحَرَكِيُّونَ -كَجَمَاعَةِ الْإِخْوَانِ وَالتَّكْفِيرِيِّينَ- هَذِهِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْأَرْبَعَةَ، فَمَيَّعُوا الْفُرُوقَ بَيْنَهَا؛ فَجَعَلُوا كُلَّ "تَبْدِيلٍ" هُوَ "اسْتِحْلَالٌ"، وَكُلَّ "رِضَا دُنْيَوِيٌّ" هُوَ "جُحُودٌ عَقَدِيٌّ"، لِيَصِلُوا إِلَى غَرَضِهِمُ الْأَسْمَى وَهُوَ (تَكْفِيرُ الْمُجْتَمَعَاتِ وَالْخُرُوجُ عَلَى الْوُلَاةِ).
[قُلْتُ]: الِاسْتِحْلَالُ مَنَاطُهُ الْقَلْبُ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشُقَّ عَنْ قَلْبِ الْحَاكِمِ لِيَقُولَ "أَنْتَ مُسْتَحِلٌّ"، مَادَامَ لَمْ يُصَرِّحْ بِلِسَانِهِ بِالِاسْتِحْلَالِ، أَمَّا الْحَرَكِيُّونَ فَيُكَفِّرُونَ بِـ (الِاسْتِحْلَالِ الظَّنِّيِّ)، وَهَذَا عَيْنُ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُفَصِّلُ فَيَقُولُ: مَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لِأَجْلِ كُرْسِيٍّ أَوْ جَاهٍ فَهُوَ "فَاسِقٌ"، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ مُعْتَقِداً أَنَّهُ أَوْفَقُ لِلْعَصْرِ فَهُوَ "كَافِرٌ". وَشَدَّدَ عَلَى أَنَّ "الِاسْتِحْلَالَ" هُوَ الْمِيزَانُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْمِلَّةِ وَالْمَعْصِيَةِ. ^(5)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُوَضِّحُ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَتُعْلَنُ فِيهِ الشَّهَادَةُ دَارُ إِسْلَامٍ، وَأَنَّ ظُلْمَ الْحَاكِمِ فِي جَانِبِ الْحُكْمِ لَا يَنْزِعُ عَنْهُ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مَادَامَ لَمْ يَأْتِ بـ "بُرْهَانٍ" عَلَى كُفْرِهِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا تَأْوِيلَ فِيهِ. (6)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ التَّقْسِيمَ إِلَى كُفْرٍ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ هُوَ (حِصْنُ أَهْلِ السُّنَّةِ) مِنْ غُلُوِّ التَّكْفِيرِيِّينَ، وَأَنَّ مَنْ جَعَلَ "الْحَاكِمِيَّةَ" أَصْلًا مُسْتَقِلًّا يُكَفَّرُ بِهِ دُونَ تَفْصِيلٍ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي شَرْعِهِ. (7)
--------------------------&
حَاشِية:
(1) مَادَّةُ (اسْتِحْلَال): الْفَيْرُوزُآبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، مَادَّةُ (حلل).
(2) مَادَّةُ (جُحُود): ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج1، ص (421).
(3) الِاسْتِشْهَادُ بِالْأَثَرِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ (10/357) عَنْ عِكْرِمَةَ فِي آيَةِ {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ} قَالَ: (مَنْ جَحَدَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَحْكُمْ بِهِ فَهُوَ ظَالِمٌ فَاسِقٌ). [إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ].
(4) مَادَّةُ (تَبْدِيل): الرَّاغِبُ الْأَصْفَهَانِيُّ، الْمُفْرَدَاتُ، ص (44).
(5) [قُلْتُ]: حَدِيثُ: "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ..." [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]؛ فِيهِ أَعْظَمُ رَدٍّ عَلَى مَنْ يُكَفِّرُونَ بِالْمَعَاصِي، فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ ظُلْمِ الْحَاكِمِ فِي الْحُكْمِ كُفْراً لَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّبْرِ.
(6) [قُلْتُ]: نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ؛ الِاسْتِحْلَالُ فِي الْقَلْبِ يَلْزَمُ مِنْهُ الْكُفْرُ لَوْ لَمْ يَفْعَلْ، وَالْفِعْلُ (الْحُكْمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِ) لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الِاسْتِحْلَالُ، وَهَذِهِ هِيَ الْقَاعِدَةُ الَّتِي هَدَمَهَا الْحَرَكِيُّونَ.
(7) الْمَصَادِرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، ج1، ص (520). صَالِح سِنْدِي، شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ (صَوْتِيٌّ). التَّمِيمِيُّ، الْحَاكِمِيَّةُ، ص (102).
----------&
[تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الِاسْتِحْلَالِ: الضَّوَابِطُ، الْمَرَاتِبُ، وَالْمَحَاذِيرُ]
أَوَّلًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ) فِي ضَبْطِ مَفْهُومِ الِاسْتِحْلَالِ:
[قُلْتُ]: الِاسْتِحْلَالُ فِي حَقِيقَتِهِ هُوَ (عَمَلٌ قَلْبِيٌّ) يَقُومُ عَلَى اعْتِقَادِ حِلِّ مَا حَرَّمَهُ اللَّهُ، أَوْ سُقُوطِ وُجُوبِ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ. وَهُوَ نَوْعَانِ لَا بُدَّ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا لِضَبْطِ مَسْأَلَةِ التَّكْفِيرِ:
الِاسْتِحْلَالُ الِاعْتِقَادِيُّ: وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ بِقَلْبِهِ أَنَّ الزِّنَا -مَثَلًا- حَلَالٌ، أَوْ أَنَّ الْحُكْمَ بِالْقَانُونِ الْوَضْعِيِّ جَائِزٌ شَرْعاً. هَذَا كُفْرٌ أَكْبَرُ مُخْرِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، سَوَاءٌ فَعَلَ الْمُحَرَّمَ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ.
الِاسْتِحْلَالُ الْعَمَلِيُّ: وَهُوَ الِانْغِمَاسُ فِي الْمُحَرَّمِ مَعَ الْإِقْرَارِ بِحُرْمَتِهِ، كَمَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ دَائِماً لَكِنَّهُ يَعْتَرِفُ أَنَّهُ عَاصٍ. هَذَا لَا يُكَفَّرُ، لَكِنَّ الْحَرَكِيِّينَ يَجْعَلُونَ "الْمُدَاوَمَةَ" عَلَى الْمَعْصِيَةِ (اسْتِحْلَالًا عَمَلِيًّا) يُكَفِّرُونَ بِهِ، وَهَذَا مِنَ الْبِدَعِ.
[قُلْتُ]: مَنَاطُ التَّكْفِيرِ فِي الِاسْتِحْلَالِ هُوَ (التَّكْذِيبُ) لِخَبَرِ اللَّهِ أَوْ (الرَّدُّ) لِأَمْرِهِ. فَالْمُسْتَحِلُّ لَمْ يَعُدْ مُصَدِّقاً لِلَّهِ فِي قَوْلِهِ "حَرَامٌ"، وَهَذَا هُوَ وَجْهُ نَاقِضِيَّتِهِ لِلْإِيمَانِ.
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الْمُوَسَّعَةُ (تَقْسِيمَاتٌ شَافِيَةٌ):
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ (تَقْسِيمُ الْمُسْتَحِلِّ):
يَرَى الشَّيْخُ أَنَّ الِاسْتِحْلَالَ الَّذِي يُكَفَّرُ بِهِ صَاحِبُهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي أَمْرٍ (مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ).
قَسَّمَ الِاسْتِحْلَالَ إِلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:
اسْتِحْلَالٌ مُجَرَّدٌ: يَعْتَقِدُ الْحِلَّ وَلَا يَفْعَلُ (كَافِرٌ).
اسْتِحْلَالٌ مَقْرُونٌ بِفِعْلٍ: يَعْتَقِدُ الْحِلَّ وَيَفْعَلُ (كَافِرٌ).
فِعْلٌ دُونَ اسْتِحْلَالٍ: يَفْعَلُ وَيَعْتَقِدُ التَّحْرِيمَ (عَاصٍ). ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي (ضَبْطُ الِاسْتِحْلَالِ فِي الْحَاكِمِيَّةِ):
يُؤَكِّدُ أَنَّ الِاسْتِحْلَالَ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بـ (النُّطْقِ) أَوْ (الْقَرِينَةِ الْقَاطِعَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ).
يُحَذِّرُ مِنْ مَسْلَكِ الْحَرَكِيِّينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ (التَّشْرِيعَ الْعَامَّ) مُسَاوِياً لِلِاسْتِحْلَالِ تِلْقَائِيًّا؛ فَيُبَيِّنُ أَنَّ الْحَاكِمَ قَدْ يَسُنُّ قَانُوناً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَاصٍ لَكِنَّهُ "مُسْتَبْدِلٌ" لَا "مُسْتَحِلٌّ"، وَالْبَوْنُ بَيْنَهُمَا وَاسِعٌ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ (قَاعِدَةُ لَازِمِ الْمَذْهَبِ):
يُقَرِّرُ أَنَّ التَّكْفِيرَ بِالِاسْتِحْلَالِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْنَى عَلَى "اللَّوَازِمِ"؛ فَلَا نَقُولُ: "لَمَّا حَكَمَ بِغَيْرِ الشَّرْعِ فَلَا بُدَّ أَنَّهُ يَسْتَحِلُّهُ". لِأَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ، وَالِاسْتِحْلَالُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ مَا لَمْ يَظْهَرْ لِذَلِكَ شَاهِدٌ مِنْ قَوْلِ الشَّخْصِ. ^(3)
---------------&
حَاشِيَةٌ :
(1) تَأْصِيلُ الِاسْتِحْلَالِ: انْظُرْ: ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ الْمَسْلُولُ، ص (521). حَيْثُ قَالَ: (إِنَّ الِاسْتِحْلَالَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْهَا، وَتَارَةً بِاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ وَإِنْ حَرَّمَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْتِزَامُ تَحْرِيمِهِ).
(2) نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ: هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ (الِاسْتِحْلَالِ) وَبَيْنَ (الْمُعَانَدَةِ)؛ فَالْمُسْتَحِلُّ جَاهِلٌ بِالْحُكْمِ أَوْ مُكَذِّبٌ لَهُ، وَالْمُعَانِدُ يَعْرِفُ أَنَّهُ حَرَامٌ وَيَرُدُّهُ كِبْراً (كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ)، وَكِلَاهُمَا كَافِرٌ، لَكِنَّ الصُّورَةَ الْمُنْتَشِرَةَ فِي الْمَعَاصِي لَيْسَتْ هَذِهِ وَلَا تِلْكَ، بَلْ هِيَ (الِاتِّبَاعُ لِلْهَوَى مَعَ الْإِقْرَارِ بِالْحُكْمِ).
(3) [قُلْتُ]: حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً...} فِيهِ بَيَانُ الِاسْتِحْلَالِ؛ حَيْثُ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئاً اسْتَحَلُّوهُ..." [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الْأَلْبَانِيُّ]. فَالْعِلَّةُ هِيَ (التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ) مِنْ دُونِ اللَّهِ.
(4) الرَّدُّ عَلَى الْحَرَكِيِّينَ: شُبْهَةُ "الِاسْتِحْلَالِ الْفِعْلِيِّ" (أَيْ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ) هِيَ شُبْهَةُ أَبِي أَعْلَى الْمَوْدُودِي وَسَيِّد قُطْب، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهَا الْأَئِمَّةُ بِأَنَّ مَنْ طَبَّقَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ لَزِمَهُ تَكْفِيرُ كُلِّ عاصٍ، فَمَنْ زَنَى فَقَدِ اسْتَحَلَّ الزِّنَا فِعْلِيًّا! وَهَذَا بَاطِلٌ.
(5) الْمَصَادِرُ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ الْعَقِيدَةِ السَّفَارِينِيَّةِ، ص (460). صَالِح سِنْدِي، الضَّوَابِطُ الشَّرْعِيَّةُ لِلْمَسَائِلِ الْعَقَدِيَّةِ (دَرْسٌ مَكْتُوبٌ). التَّمِيمِيُّ، مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ، ج1، ص (190).
-------&
[تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ بِالْقَانُونِ الْعَامِّ (التَّشْرِيعِ الْعَامِّ)]
أَوَّلًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: يُقصد بـ "القانون العام" أو "التشريع العام" هو وضع أنظمة وقواعد مطردة تُنحِّي الشريعة أو تُزاحمها في حياة الناس. والتحقيق العقدِيُّ في هذه المسألة يوجب التفصيل؛ لأن إطلاق الكفر على "التشريع العام" دون النظر إلى حال المشرِّع وعقيدته هو مسلكُ الخوارج، بينما يرى أهل السنة والجماعة الآتي:
التشريع العام الذي هو كفرٌ أكبر: هو أن يضع الحاكمُ نظاماً مخالفاً للشرع معتقداً أنه أفضل من حكم الله، أو مساوٍ له، أو أن حكم الله لم يعد يصلح لهذا الزمان، أو ينسب هذا القانون لله تعالى افتراءً. فهنا "الفعل" (وهو التشريع العام) اقترن بـ "ناقض قلبي" (وهو الاستعلاء على شرع الله أو تفضيل غيره).
التشريع العام الذي لا يخرج من الملة: هو أن يضع الحاكمُ قوانين وضعية لشهوة، أو خوف، أو اتباعاً لضغوط دولية، مع إقراره بأن حكم الله هو الواجب التطبيق، واعترافه بالتقصير والظلم؛ فهذا وإن كان تشريعاً عاماً، إلا أنه يدخل في دائرة "كفر دون كفر" و"الشرك الأصغر" في باب الطاعة، ولا يُخرج من الإسلام مالم يصرح بالاستحلال.
[قُلْتُ]: إنَّ القول بأن مجرد "التشريع العام" كفرٌ أكبر بالذات (أي لذات الفعل دون النظر للقيد القلبي) هو قولٌ حادث تلقفه الحركيون من كتب سيد قطب وغيره، ليوهموا الناس أن الحكام قد نازعوا الله في خصائصه بالكلية، تمهيداً لإسقاطهم وتكفير المجتمعات، بينما القاعدة السلفية تقول: "لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب مالم يستحله".
ثَانِيًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
1. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ:
يُقرر الشيخ أن التشريع العام كفرٌ إذا اعتقد المشرِّع أنه أصلحُ للناس، أما إذا شرع وهو يعلم أن حكم الله هو الحق، ولكنه شرع لمصلحة دنيوية أو خوف، فهو كافر كفراً أصغر. ويحذر الشيخ من القول بأن "الفعل" في التشريع العام هو كفرٌ أكبر مطلقاً، لأن ذلك يُلغي اعتبار (عقيدة الفاعل). ^(1)
2. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي:
يُبين أن دعوى أن "التشريع العام" كفرٌ مخرج من الملة لذاته هي "شبهة" دخلت على بعض المتأخرين؛ فالفعل مهما عظم لا يُكفر به مالم يتضمن ناقضاً قولياً أو قلبياً. ويؤكد أن مدار الأمر على "الالتزام" و"الاعتقاد"، فمادام الحاكم ملتزماً بالإسلام في الجملة، مقراً بوجوب تحكيم الشرع، فهو مسلم وإن قصّر في التشريع. ^(2)
3. تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ:
يرى أن حصر التكفير في "التشريع العام" هو تشبه بالخوارج الذين جعلوا الحاكمية هي أصل الدين الوحيد، وأوضح أن أئمة الدعوة النجدية حين تكلموا عن الطاغوت الذي يحكم بغير ما أنزل الله، قصدوا به المستحل أو الجاحد أو الذي يدعي حق التشريع استقلالاً عن الله، ولم يقصدوا تكفير كل من وقع في معصية التشريع لهوى. ^(3)
----------------&
حَاشِيَة:
(1) تحرير الشيخ ابن عثيمين: انظر: مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، ج2، ص (143-146)، ولقاء الباب المفتوح، اللقاء رقم (51). حيث سُئل عن التشريع العام فقال: "إذا كان يعلم أن حكم الله هو الحق، ولكنه شرع هذا القانون لضغط أو لشهوة، فإنه لا يكفر كفراً مخرجاً عن الملة".
(2) [قُلْتُ]: استدلال الحركيين بـ "التبديل" لتكفير صاحب التشريع العام هو خلط بين (التبديل) الذي هو نسبة غير الشرع للشرع، وبين (المخالفة) التي هي وضع قانون مع الاعتراف بمخالفته للشرع. والتبديل المكفّر هو الأول.
(3) [قُلْتُ]: حجة من يكفر بالتشريع العام هي قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]. والرد عليهم أن هذه الآية فيمن شرع "ديناً" (عقائد وعبادات) أو استحل الحرام، وليست فيمن وضع قوانين إدارية أو جنائية وهو يعلم مخالفتها للشرع ويقر بذنبه.
(4) نكتة عقدية: الفرق بين (التشريع العام) و(القضية الأعيانية) هو فرق في "الكمية" لا في "الكيفية" عند التحقيق؛ فإذا كان الحكم في قضية واحدة لهوى هو "كفر أصغر"، فكذلك الحكم في مئة قضية (تشريع عام) لهوى هو "كفر أصغر" مالم يستحل، لأن الذنب لا ينقلب كفراً أكبر بمجرد التكرار.
(5) المصادر: صالح سندي، شرح القواعد الأربع (صوتي). محمد بن خليفة التميمي، نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند أهل السنة، ص (155-160).
-------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ (6): التَّحْقِيقُ فِي مَقَامِ الْمُحَادَّةِ وَالْبَرَاءِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«... فَقَدْ كَذَبَ هَذَا عَلَى اللَّهِ وَافْتَرَى؛ فَقَدْ كَلَّفَهُ اللَّهُ بِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ بِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وَلَوْ كَانُوا إِخْوَانَهُمْ أَوْ أَوْلَادَهُمْ».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22]. نَقِفُ عِنْدَ لَفْظِ (يُوَادُّونَ)؛ وَهِيَ مِنَ "الْوُدِّ"، وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ (الْوَدِيدِ) وَهُوَ خَالِصُ الْمَحَبَّةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَحَبَّةِ وَالْوُدِّ أَنَّ الْوُدَّ فِيهِ (جَانِبُ الْفِعْلِ وَالتَّبَسُّطِ)، فَالْمُوَادَّةُ هِيَ مَيْلُ الْقَلْبِ الْمُقْتَرِنُ بِمُظَاهَرَةِ أَعْدَاءِ الدِّينِ. ^(1)
[قُلْتُ]: أَمَّا لَفْظُ (حَادَّ)؛ فَاشْتِقَاقُهُ مِنَ "الْحَدِّ"، وَالْمُحَادَّةُ هِيَ الْمُعَادَاةُ، وَأَصْلُهَا أَنْ يَكُونَ هَذَا فِي (حَدٍّ) وَذَاكَ فِي (حَدٍّ) آخَرَ، أَيْ فِي جَانِبَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ. فَالْمُحَادُّ لِلَّهِ هُوَ مَنْ خَرَجَ عَنْ حُدُودِ الشَّرْعِ إِلَى حُدُودِ الطَّاغُوتِ، وَهَذَا يَقْتَضِي (حَدّاً فاصِلًا) فِي الْبَرَاءَةِ لَا يَقْبَلُ الْمُدَاهَنَةَ. ^(2)
[قُلْتُ]: حَدُّ (الْبَرَاءَةِ) شَرْعاً هُوَ: "بُغْضُ الْكَافِرِينَ وَمُعَادَاتُهُمْ، وَتَرْكُ مَحَبَّتِهِمْ وَمُوَالَاتِهِمْ لِأَجْلِ كُفْرِهِمْ". وَهَذَا الْحَدُّ جَامِعٌ لِأَنَّهُ يَشْمَلُ الْقَلْبَ وَالْجَوَارِحَ، مَانِعٌ لِأَنَّهُ يُخْرِجُ مَنْ يَدَّعِي الْإِيمَانَ مَعَ بَقَاءِ الْمَوَدَّةِ لِأَهْلِ الْإِشْرَاكِ. ^(3)
[قُلْتُ]: الِاسْتِشْهَادُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هُنَا بَدِيعٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ الْمُجَدِّدَ يُبَيِّنُ أَنَّ "التَّكْلِيفَ" قَدْ وَقَعَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ مَنْ زَعَمَ سُقُوطَهُ بِقَوْلِهِ (مَا كَلَّفَنِي اللَّهُ بِهِمْ) فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ فِي (حَدٍّ) غَيْرِ حَدِّ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: {أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ}.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَصٌّ فِي نَفْيِ "كَمَالِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ" عَمَّنْ وَادَّ أَهْلَ الْكُفْرِ، وَأَنَّ الْوَلَاءَ وَالْبَرَاءَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الِاعْتِقَادِ. وَذَكَرَ أَنَّ مَنْ قَالَ (مَا عَلَيَّ مِنْهُمْ) فَقَدْ أَبْطَلَ مَعْنَى "الْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِي اللَّهِ". ^(4)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْمُحَادِّينَ لَا تَعْنِي الظُّلْمَ أَوْ تَرْكَ الدَّعْوَةِ، وَلَكِنَّهَا تَعْنِي (الْمُفَاصَلَةَ الْقَلْبِيَّةَ) الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ مَعَ صِدْقِ التَّوْحِيدِ. وَأَوْضَحَ أَنَّ الشَّيْخَ الْمُجَدِّدَ كَانَ يَرُدُّ عَلَى أُنَاسٍ مَوَّهُوا عَلَى الْعَامَّةِ بِسُقُوطِ تَبِعَاتِ الشَّهَادَةِ. ^(5)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ قَوْلَهُ (وَلَوْ كَانُوا إِخْوَانَهُمْ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَقْدِيمِ "رَابِطَةِ الْعَقِيدَةِ" عَلَى "رَابِطَةِ الطِّينِ"، وَأَنَّ مَنْ جَادَلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ فَقَدْ نَازَعَ اللَّهَ فِي حُكْمِهِ وَتَقْرِيرِهِ لِلْبَرَاءِ الْوَاجِبِ. ^(6)
----------------&
حَاشِيَةٌ :
(1) اشْتِقَاقُ الْمُوَادَّةِ: ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ الْعَرَبِ، مَادَّةُ (ودد). الرَّاغِبُ، الْمُفْرَدَاتُ، ص (516).
(2) لُغَةُ الْمُحَادَّةِ: الْفَيْرُوزُآبَادِيُّ، الْقَامُوسُ الْمُحِيطُ، مَادَّةُ (حدد). وَتَفْسِيرُ الْقُرْطُبِيِّ، ج17، ص (307).
(3) حَدُّ الْبَرَاءِ شَرْعاً: سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ آل الشَّيْخِ، تَيْسِيرُ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، ص (422).
(4) تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، الْقَوْلُ الْمُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ط. دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، (2/285-288).
(5) تَقْرِيرُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، التَّعْلِيقُ عَلَى أَصْلِ الدِّينِ وَقَاعِدَتِهِ (دُرُوسٌ صَوْتِيَّةٌ)، الدَّرْسُ الرَّابِعُ.
(6) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، نَوَاقِضُ الْإِيمَانِ الِاعْتِقَادِيَّةُ، ط. دَارِ الْفَضِيلَةِ، ص (312-315).
(7) [قُلْتُ]: هَذِهِ الْآيَةُ (المجادلة: 22) سُمِّيَتْ بِآيَةِ "الْمُفَاصَلَةِ"، لِأَنَّهَا فَصَلَتْ بَيْنَ حِزْبِ اللَّهِ وَحِزْبِ الشَّيْطَانِ بِمِعْيَارِ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ، لَا بِمِعْيَارِ النَّسَبِ وَالْمَالِ.
--------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ (7): مَقَامُ الِاسْتِمْسَاكِ وَالرَّجَاءِ فِي حُسْنِ الْخِتَامِ]
أَوَّلًا: نَصُّ الْقِطْعَةِ (مُحَقَّقًا وَمُشَكَّلًا):
«فَاللَّهَ اللَّهَ يَا إِخْوَانِي! تَمَسَّكُوا بِذَلِكَ؛ لَعَلَّكُمْ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا. اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ».
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ وَالتَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ "فَاللَّهَ اللَّهَ" هَذَا مَنْصُوبٌ عَلَى (التَّحْذِيرِ وَالْإِغْرَاءِ)، وَتَكْرَارُ الِاسْمِ الْجَلِيلِ يُفِيدُ تَعْظِيمَ الْأَمْرِ فِي النُّفُوسِ. وَأَمَّا لَفْظُ (تَمَسَّكُوا)؛ فَاشْتِقَاقُهُ مِنَ "الْمَسْكِ"، وَهُوَ الْأَخْذُ بِقُوَّةٍ وَشِدَّةٍ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ} [الزخرف: 43]. وَالْحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلتَّمَسُّكِ هُنَا: "هُوَ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا وَيَقِينًا، بِحَيْثُ لَا تَزْعَزِعُهُ الشُّبُهَاتُ وَلَا تُمِيلُهُ الشَّهَوَاتُ". ^(1)
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ (تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ)؛ "اللِّقَاءُ" فِي اللُّغَةِ هُوَ اسْتِقْبَالُ الشَّيْءِ وَمُصَادَفَتُهُ، وَفِي الْعَقِيدَةِ هُوَ لِقَاءُ الْعَبْدِ لِخَالِقِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ (وَأَنْتُمْ لَا تُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا)؛ وَ"شَيْئًا" نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تُفِيدُ الْعُمُومَ، أَيْ: لَا شِرْكًا أَكْبَرَ وَلَا أَصْغَرَ، وَلَا جَلِيًّا وَلَا خَفِيًّا. وَهَذَا هُوَ مَحْضُ التَّوْحِيدِ الَّذِي لَا يَنْجُو الْعَبْدُ إِلَّا بِهِ. ^(2)
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ (تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)؛ "الْوَفَاةُ" هِيَ اسْتِيفَاءُ الْحَقِّ، وَالْمُرَادُ هُنَا سُؤَالُ اللَّهِ الثَّبَاتَ عَلَى "الْإِسْلَامِ الْحَقِّ" الَّذِي هُوَ (الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ). فَالْبَرَاءَةُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ -الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا- هِيَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ حَقِيقَةِ هَذَا الْإِسْلَامِ الَّذِي يَرْجُوهُ الْمُصَنِّفُ عِنْدَ الْمَوْتِ.
[قُلْتُ]: خَتَمَ الشَّيْخُ بِهَذَا الدُّعَاءِ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ وَالْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ هُوَ مَصِيرٌ أَبَدِيٌّ، فَالْعَبْرَةُ بِالْخَوَاتِيمِ، وَلَا يَعْصِمُ مِنَ الزَّيْغِ بَعْدَ الْعِلْمِ إِلَّا اللَّهُ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الِانْتِقَالَ مِنَ "التَّأْصِيلِ" إِلَى "الدُّعَاءِ" هُوَ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ، فَإِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- مَعَ إِمَامَتِهِ فِي التَّوْحِيدِ قَالَ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ}. وَشَدَّدَ الشَّيْخُ عَلَى أَنَّ "اللِّقَاءَ" حَقٌّ، وَأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَقْدَمُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى رَبِّهِ هُوَ سَلَامَةُ الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ. ^(3)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ رِسَالَةَ التَّوْحِيدِ عِنْدَ الشَّيْخِ الْمُجَدِّدِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى (الشَّفَقَةِ عَلَى الْخَلْقِ)؛ فَهُوَ لَا يُكَفِّرُ أَوْ يُبْدِعُ لِأَجْلِ الْخُصُومَةِ، بَلْ يَدْعُو إِخْوَانَهُ لِتَصْحِيحِ الْمُعْتَقَدِ لِيَنْجُوا عِنْدَ اللِّقَاءِ. وَأَوْضَحَ أَنَّ الِاسْتِمْسَاكَ الْمَطْلُوبَ هُوَ "الِاسْتِمْسَاكُ الْعِلْمِيُّ الْمُؤَدِّي لِلْعَمَلِ". ^(4)
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ خَاتِمَةَ الْمَبْحَثِ السَّادِسِ هِيَ "تَجْرِيدٌ لِلْإِخْلَاصِ"؛ فَبَعْدَ أَنْ فَصَّلَ الشَّيْخُ فِي مَسَائِلِ الْبَرَاءِ وَالْحَاكِمِيَّةِ وَالطَّاغُوتِ، أَرْجَعَ الْأَمْرَ كُلَّهُ إِلَى (تَرْكِ الشِّرْكِ)، لِيُهَيِّئَ الْعَبْدَ لِمَقَامِ الْحِسَابِ، وَبَيَّنَ أَنَّ صُحْبَةَ "الصَّالِحِينَ" فِي الْآخِرَةِ مَرْهُونَةٌ بِمُفَارَقَةِ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا. ^(5)
رَابِعًا: حَاشِيَةٌ (عَزْوٌ وَتَوْثِيقٌ):
(1) مَادَّةُ (مَسَكَ): ابْنُ فَارِسٍ، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ج5، ص (321).
(2) [قُلْتُ]: حَدِيثُ جَابِرٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (رقم 93): "مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ"؛ هُوَ الشَّاهِدُ النَّبَوِيُّ لِقَوْلِ الْمُصَنِّفِ (لَعَلَّكُمْ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ...)، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ أَصْلُ النَّجَاةِ.
(3) تَقْرِيرُ ابْنِ عُثَيْمِينَ: ابْنُ عُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ط. دَارِ الثُّرَيَّا، ص (112-115).
(4) تَقْرِيرُ صَالِح سِنْدِي: سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (دَرْسٌ صَوْتِيٌّ نَادِرٌ)، الدَّرْسُ الْأَخِيرُ.
(5) تَقْرِيرُ التَّمِيمِيِّ: التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي تَوحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، ط. مَكْتَبَةِ أَضْوَاءِ السَّلَفِ، ص (430).
(6) [قُلْتُ]: نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ؛ قَوْلُهُ "وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ" بَعْدَ ذِكْرِ الْبَرَاءَةِ مِنَ الطَّوَاغِيتِ، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَرْءَ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، فَإِذَا أَبْغَضَ الطَّوَاغِيتَ وَأَحَبَّ الصَّالِحِينَ، حُشِرَ فِي زُمْرَتِهِمْ.
-------------------------&
[نص القطعة]
«وَلْنُخْتِمِ الْكَلَامَ بِآيَةٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ تُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ كُفْرَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67].
فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ تَرَكُوا السَّادَةَ وَالْمَشَايِخَ، فَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِهِ، بَلْ يُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ الرَّخَاءُ أَشْرَكُوا.
وَأَنْتَ تَرَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا، وَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفِيهِ زُهْدٌ وَاجْتِهَادٌ وَعِبَادَةٌ، إِذَا مَسَّهُ الضُّرُّ قَامَ يَسْتَغِيثُ بِغَيْرِ اللَّهِ مِثْلَ: مَعْرُوفٍ أَوْ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيِّ، وَأَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِثْلَ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَالزُّبَيْرِ، وَأَجَلَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطَمُّ أَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِالطَّوَاغِيتِ وَالْكَفَرَةِ وَالْمَرَدَةِ مِثْلَ شَمْسَانَ وَإِدْرِيسَ وَيُقَالُ لَهُ الْأَشْقَرُ وَيُوسُفَ وَأَمْثَالِهِمْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ».
[المبحث السابع: ختام الرسالة - الفصل في غلظ شرك المتأخرين]
أولاً: المعجم الاشتقاقي والحدود (تفكيك المفردات):
[تَمَسَّكُوا]:
الاشتقاق: من مادة (مَسَكَ)، والميم والسين والكاف أصلٌ واحد يدل على حبس الشيء أو الأخذ به بقوة. والتمسك هو الاستمساك بالشيء والاعتصام به.
الحد: لزوم الحق اعتقاداً وقولاً وعملاً بصلابةٍ تمنع من الانفكاك عنه عند ورود الشبهات.
[الضُّرُّ]:
الاشتقاق: من (ضَرر)، وهو خلاف النفع. والضُّرُّ (بالضم) هو ما يصيب الإنسان في نفسه أو بدنه من مرض أو شدة.
الحد: الحالة الشديدة التي تنقطع فيها الأسباب المادية ويظهر فيها عجز المخلوق وافتقاره للخالق.
[ضَلَّ]:
الاشتقاق: من (ضلل)، وهو غيبوبة الشيء وضياعه. يقال: ضل الماء في اللبن إذا استهلك فيه وغاب.
الحد: تلاشي وغياب ذكر الشركاء والأنداد عن قلب المشرك عند معاينة الهلاك.
[نَجَّاكُمْ]:
الاشتقاق: من (نجو)، والنَّجوة ما ارتفع من الأرض، وسميت النجاة بذلك لأن الناجي يرتفع عن مهواة الهلاك.
الحد: التخليص الإلهي من الكرب العظيم بعد إيقان التلف.
[أَعْرَضْتُمْ]:
الاشتقاق: من (عرض)، وهو جانب الشيء. وأعرض عنه أي ولى بجانبه وتركه.
الحد: التولي عن مقتضى التوحيد الذي أقره العبد في الشدة، والرجوع إلى الإشراك في الرخاء.
[كَفُورًا]:
الاشتقاق: صيغة مبالغة من (كفر)، وهو الستر والتغطية.
الحد: المبالغ في جحود النعمة بسترها ونسبتها إلى غير مسديها (وهو الله).
[الزُّهْدُ]:
الاشتقاق: من (زهد)، والزهيد هو الشيء القليل، والزهد هو الرغبة عن الشيء لقلة قدره.
الحد: عزوف القلب عن الدنيا رغبةً فيما عند الله، مع صحة القصد والمنهج.
[الصَّالِحِينَ]:
الاشتقاق: من (صلح)، وهو ضد الفساد، والصلاح استقامة الحال.
الحد الجامع المانع: هو القائم بحقوق الله وحقوق عباده، المبرأ من الشرك والابتداع.
[الْعِبَادَةُ]:
الاشتقاق: من (عبد)، وأصل التعبد التذلل؛ يقال طريق معبد أي مذلل بالأقدام.
الحد: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
[الْمَرَدَةُ]:
الاشتقاق: من (مرد)، والمارد هو العاتي الخارج عن الطاعة، ومنه الشجر الأمرد الذي لا ورق عليه (أي تجرد من الخير).
الحد: العتاة من الجن والإنس الذين تجاوزوا الحدود في الضلال والإضلال.
ثانياً: تأصيل عقدي (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: إن التأصيل العقدي في هذا المبحث يقوم على "تحقيق مناط الشرك" في زماننا؛ فالإمام يقرر أن كفر المشركين المتأخرين أشد غلظاً من كفر الأوائل من وجهين: الأول أن الأوائل يخلصون في الشدة ويشركون في الرخاء، بينما المتأخرون شركهم دائم بكرة وعشياً وفي الشدائد. والثاني أن الأوائل كانوا يدعون من يظنون فيه الصلاح (ملائكة، أنبياء)، أما المتأخرون فقد انحدروا لدعاء الفسقة والمردة والمجاهيل، وهذا غاية في انتكاس الفطرة.
[قُلْتُ]: إن تعليق النجاة بـ (التوحيد الخالص) عند الضر هو حجة الله على خلقه؛ فالمشرك الذي ينطق بالتوحيد فطرةً وهو يغرق، ثم يعود للشرك وهو في البر، قد أقام الحجة على نفسه بأن معبوده الذي يدعوه في الرخاء لا ينفع في الحقيقة، وهذا من أعظم التناقض البشري.
[قُلْتُ]: تنبيه المصنف على وجود (الزهد والاجتهاد) في بعض المشركين هو "نكتة" عقدية في غاية الأهمية؛ لبيان أن العمل الصالح (في الظاهر) لا ينفع مع فساد الأصل (التوحيد)، فالعبرة بسلامة الاعتقاد لا بظاهر العبادة.
---------------------------------&
الحاشية :
مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ:
التعريف: هو أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي (ت 200 هـ).
المعتقد: كان من كبار الزهاد والصالحين في بغداد، وهو من أهل السنة والجماعة في أصله، تلميذ داود الطائي.
التحقيق: بريء مما نسبه إليه غلاة الصوفية من "الاستغاثة بقبره"؛ فالبلاء من عباده لا منه، وقد غلا فيه صوفية أهل البدع حتى اتخذوا قبره "الترياق المجرب"، وهو شرك لم يرضه معروف قط.
عَبْدُ الْقَادِرِ الْجِيلَانِيُّ:
التعريف: هو الإمام عبد القادر بن موسى الجيلاني (470 هـ - 561 هـ).
المعتقد: كان إماماً حنبلياً، معظماً للسنة، صنف كتاب "الغنية" وفيه صرح باتباع مذهب السلف.
التحقيق: هو من سادات أهل السنة، ولكن فُتن به المتأخرون من صوفية أهل البدع وادعوا فيه الألوهية والتصرف في الكون (الغوث الأعظم)، فصار يُستغاث به من دون الله، وهذا هو الشرك الذي حذر منه الإمام في المتن.
زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ:
التعريف: هو أبو عبد الرحمن، زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي، شقيق الفاروق عمر.
السيرة: صحابي جليل، أسلم قديماً وشهد بدراً وما بعدها.
الوفاة: استشهد في معركة اليمامة سنة (12 هـ) وهو يحمل راية المسلمين.
التحقيق: كان يُعبد قبره في "الجبيلة" بسب جهل الناس وغلوهم، حتى هدم القبة التي على قبره الإمام محمد بن عبد الوهاب بيده، فكان زيدٌ سبباً في التوحيد حياً وميتاً (بتطهير قبره).
الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ:
التعريف: هو حواري رسول الله ﷺ وابن عمته، وأحد العشرة المبشرين بالجنة.
الوفاة: استشهد سنة (36 هـ) في وادي السباع. وكان يغلو فيه بعض الجهلة ممن اتخذ القبور مساجد.
شَمْسَانُ وَإِدْرِيسُ (الأشقر) وَيُوسُفُ:
التحقيق: هؤلاء طواغيت ومردة من شياطين الإنس والجن، كانوا يُعبدون في نجد وعسير واليمن.
إدريس (الأشقر): كان له قبة عظيمة يُشرك فيها بالله.
يوسف وشمسان: كانوا من المريدين والمردة الذين زعموا الولاية ليأكلوا أموال الناس بالباطل، فاتخذهم الناس أرباباً من دون الله في القرن الثاني عشر الهجري.
------------------------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّابِعِ - الْقِطْعَةُ الْأُولَى]
[نَصُّ الْقِطْعَةِ]:
«وَلْنُخْتِمِ الْكَلَامَ بِآيَةٍ ذَكَرَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ تُبَيِّنُ لَكَ أَنَّ كُفْرَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ زَمَانِنَا أَعْظَمُ مِنْ كُفْرِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]. فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَنِ الْكُفَّارِ أَنَّهُمْ إِذَا مَسَّهُمُ الضُّرُّ تَرَكُوا السَّادَةَ وَالْمَشَايِخَ، فَلَمْ يَدْعُوا أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِهِ، بَلْ يُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَيَسْتَغِيثُونَ بِهِ وَحْدَهُ، فَإِذَا جَاءَ الرَّخَاءُ أَشْرَكُوا».
أَوَّلًا: تَفْسِيرُ الْآيَةِ لِلإِمَامِ السَّعْدِيِّ
يُبَيِّنُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ عُمُومِ طَبِيعَةِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَسْبَابِ؛ فَفِي لُجَّةِ الْبَحْرِ وَتَلَاطُمِ أَمْوَاجِهِ، تَضْمَحِلُّ عَنِ الْقُلُوبِ كُلُّ الْمَعْبُودَاتِ الضَّالَّةِ، فَلَا يَبْقَى فِيهَا إِلَّا اللَّهُ الْمُجِيبُ، فَيُخْلِصُونَ لَهُ الدُّعَاءَ عَنْ اضْطِرَارٍ، لَكِنَّ الْعَجِيبَ أَنَّ هَذَا الْإِخْلَاصَ يَنْقَلِبُ إِعْرَاضًا وَكُفْرَانًا بِمُجَرَّدِ نَيْلِ الْأَمْنِ فِي الْبَرِّ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ سُوءِ الْأَدَبِ مَعَ اللَّهِ [1].
ثَانِيًا: قُلْتُ (الْفَوَائِدُ وَالنُّكَتُ الْعِلْمِيَّةُ حَوْلَ الْقِطْعَةِ)
- [قُلْتُ]: فِي هَذِهِ الْقِطْعَةِ نُكْتَةٌ عِلْمِيَّةٌ بَدِيعَةٌ فِي اسْتِخْدَامِ الْمُصَنِّفِ لِلَفْظِ (السَّادَةِ وَالْمَشَايِخِ) بَدَلًا مِنْ "الْأَصْنَامِ"؛ وَالْفَائِدَةُ هُنَا هِيَ رَبْطُ عُقُولِ الْعَامَّةِ بِالْوَاقِعِ، لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَنَاطَ الشِّرْكِ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمَدْعُوُّ حَجَرًا أَوْ بَشَرًا يُعَظَّمُ.
- [قُلْتُ]: الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْآيَةَ نَصٌّ فِي أَنَّ (الِاضْطِرَارَ) هُوَ مَقَامُ كَشْفِ الْحَقَائِقِ؛ فَالْمُشْرِكُ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ رَبِّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، لَكِنَّ الْمُتَأَخِّرَ قَدْ بَلَغَ مِنْ غِلَظِ كُفْرِهِ أَنَّهُ يَسْتَغِيثُ بِـ"الْوَلِيِّ" وَهُوَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَهَذَا لَمْ تَبْلُغْهُ جَاهِلِيَّةُ قُرَيْشٍ.
ثَالِثًا: قُلْتُ (النُّكْتَةُ الْعَقَدِيَّةُ فِي مَوْضِعِ الِاسْتِدْلَالِ)
- [قُلْتُ]: اسْتِدْلَالُ الْإِمَامِ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ نُكْتَةٌ عَقَدِيَّةٌ قَوِيَّةٌ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ لِلْعِلْمِ فِي زَمَنِنَا؛ فَكَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ الَّذِينَ تُقِرُّونَ بِكُفْرِهِمْ كَانُوا فِي الْبَحْرِ مُوَحِّدِينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُكُمْ وَأَنْتُمْ فِي الْبَحْرِ تَسْتَغِيثُونَ بِغَيْرِ اللَّهِ؟ هَذَا يَقْطَعُ قَوْلَ كُلِّ مُبْطِلٍ يَدَّعِي أَنَّ التَّوَسُّلَ بِالْمَوْتَى لَيْسَ شِرْكًا.
رَابِعًا: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ لِلْآيَةِ
- [قُلْتُ]: التَّأْصِيلُ الْعَقَدِيُّ هُنَا يَقُومُ عَلَى أَنَّ (التَّوْحِيدَ الْفِطْرِيَّ) لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْبَشَرِ فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ، وَأَنَّ رُجُوعَ الْإِنْسَانِ لِلشِّرْكِ فِي الْبَرِّ هُوَ (كُفْرُ نِعْمَةٍ) يَقُودُ إِلَى (كُفْرِ عِبَادَةٍ). فَالْآيَةُ تُؤَصِّلُ لِأَنَّ الْإِخْلَاصَ الْمَطْلُوبَ هُوَ مَا كَانَ فِي الشِّدَّةِ وَالرَّخَاءِ سَوَاءً، وَأَنَّ تَجْزِئَةَ التَّوْحِيدِ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالْبَرِّ هُوَ عَيْنُ مِلَّةِ الْمُشْرِكِينَ [2].
خَامِسًا: التَّقْرِيرَاتُ الْعِلْمِيَّةُ الثَّلَاثَةُ
- تَقْرِيرُ الْإِمَامِ ابْنِ بَازٍ: يُقَرِّرُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَعْظَمُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ قَدْ زَادُوا عَلَى شِرْكِ الْأَوَّلِينَ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ حَقَّ اللَّهِ فِي الشَّدَائِدِ، فَمَنْ جَهِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقَدْ فَاتَهُ مَا عَرَفَهُ كُفَّارُ الْجَاهِلِيَّةِ [3].
- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ (ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ) فِيهَا نَفْيٌ لِكُلِّ مَا يُسَمَّى "قُطْبًا" أَوْ "غَوْثًا" فِي الِاصْطِلَاحِ الصُّوفِيِّ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَغِيبُونَ فِي الْحَقِيقَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا اللَّهُ [4].
- تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح بْن عَبْد الْعَزِيز سِنْدِي: يُؤَكِّدُ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هِيَ بَيَانُ (لُؤْمِ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ) الَّتِي تَتَنَكَّرُ لِلْخَالِقِ بَعْدَ الْإِحْسَانِ، وَيُحَذِّرُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْإِعْرَاضَ هُوَ مَبْدَأُ الْهَلَاكِ [5].
سَادِسًا: الْوَاقِعُ الْمُعَاصِرُ لِلشِّرْكِ (عَامُ 2026)
- [قُلْتُ]: فِي عَامِ 2026، لَمْ يَعُدِ الشِّرْكُ مَقْصُورًا عَلَى دُعَاءِ الْقُبُورِ فَحَسْبُ، بَلْ ظَهَرَ (شِرْكُ الْأَسْبَابِ الْمَادِّيَّةِ الْمَحْضَةِ)؛ حَيْثُ نَجِدُ فِي زَمَانِنَا مَنْ يَسْتَغِيثُ بِـ"الطَّاقَةِ الْكَوْنِيَّةِ" أَوْ "الْعَقْلِ الْبَاطِنِ" أَوْ "تَمَارِينِ الِاسْتِمْدَادِ" عِنْدَ الشَّدَائِدِ. وَهَذَا "شِرْكٌ عَصَبِيٌّ وَطَاقِيٌّ" جَدِيدٌ يَنْفِي فِعْلَ اللَّهِ وَيَنْسِبُ النَّجَاةَ لِقُوىً خَفِيَّةٍ فِي الْإِنْسَانِ أَوْ الْكَوْنِ. وَهَذَا أَسْوَأُ مِنْ شِرْكِ الْبَحْرِ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ الْمُعَاصِرَ عِنْدَ الشِّدَّةِ يَنْكَفِئُ عَلَى نَفْسِهِ (تَأْلِيهِ الذَّاتِ) بَدَلًا مِنَ الِافْتِقَارِ لِخَالِقِهِ، فَهُم فِي 2026 يَدْعُونَ "الطَّاقَةَ" وَقَدْ ضَلَّ عَنْهُمْ مَنْ يَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ.
سَابِعًا: الْحَاشِيَةُ الْعِلْمِيَّةُ (لِلإِفَادَةِ)
- [1] السَّعْدِيُّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ، تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، ص (462). الْفَائِدَةُ: نَبَّهَ الشَّيْخُ إِلَى أَنَّ مَنْ نَجَا مِنَ الْبَحْرِ ثُمَّ أَعْرَضَ فِي الْبَرِّ، لَمْ يَأْمَنْ مَكْرَ اللَّهِ، فَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَسْفِ الْبَرِّ كَمَا أَغْرَقَ فِي الْبَحْرِ.
- [2] التَّأْصِيلُ: رَاجِعْ رِسَالَةَ التَّوْحِيدِ لِلْمُصَنِّفِ؛ حَيْثُ أَوْضَحَ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ "التَّوْحِيدِ الْكَسْبِيِّ" وَ"التَّوْحِيدِ الْفِطْرِيِّ" يَنْجَلِي فِي صِدْقِ الِالْتِجَاءِ.
- [3] ابْنُ بَازٍ، عَبْدُ الْعَزِيزِ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، (ج 2 / ص 415). نَبَّهَ فِيهَا عَلَى أَنَّ مَنْ صَرَفَ الدُّعَاءَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ جَعَلَهُ نِدًّا، وَهَذَا لَمْ تَقُلْ بِهِ قُرَيْشٌ فِي عَرَضِ الْبَحْرِ.
- [4] التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، تَوْضِيحُ مَقَاصِدِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ص (188). النُّكْتَةُ: الِاسْتِغَاثَةُ حَقٌّ خَالِصٌ لِلَّهِ، فَمَنْ أَدْخَلَ فِيهَا مَخْلُوقًا فَقَدْ طَعَنَ فِي كَمَالِ عِظَمِ اللَّهِ.
- [5] سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ (تَسْجِيلٌ مَرْئِيٌّ). الْفَائِدَةُ: كُلُّ خَلَاصٍ لَا يَتْبَعُهُ شُكْرٌ بِالتَّوْحِيدِ فَهُوَ نَقِيصَةٌ فِي الْعَقْلِ قَبْلَ الدِّينِ.
-------------------------------------&
[تَتِمَّةُ الثانية ؛الْمَبْحَثِ السَّابِعِ : مَرَاحِلُ الشِّرْكِ وَتَجْدِيدُ الْمِلَّةِ]
أولاً: أطوار الشرك الثلاثة (تحليل تاريخي وعقدي):
شرك الأولين (زمن النبي ﷺ):
كان شركاً "جزئياً" في الألوهية مع إقرارٍ ظاهر بالربوبية في حال الشدائد.
كانوا يخلصون لله في البحر ويشركون في البر، كما نصت الآية.
كانت معبوداتهم من (الأحجار والأشجار والأنبياء والصالحين) يتخذونهم شفعاء ليقربوهم إلى الله زلفى.
شرك زمان الإمام المجدد (القرن الثاني عشر الهجري):
بلغ الشرك غايته بتعظيم القبور والمشاهد، وصرف أنواع العبادة (نذراً وذبحاً واستغاثة) لأصحاب الأضرحة.
تطور الشرك ليصبح "دائماً" في الرخاء والشدة، فكان أحدهم يهتف باسم "الولي" وهو يعاين الموت.
دور الإمام المجدد: هنا برز دور الشيخ محمد بن عبد الوهاب "إماماً مجدداً"؛ حيث جدد ما اندرس من معالم التوحيد، ومحا البدع والضلالات التي غطت جزيرة العرب، فكسر الأصنام المعنوية والمادية، وأعاد الناس إلى "الفطرة الأولى" والتمسك بنصوص الوحيين، فطهّر الجزيرة من مظاهر الوثنية.
شرك زماننا المعاصر (عام 2026):
خرج الشرك عن إطاره التقليدي (القبور) ليدخل في "تأليه المادة والكون"؛ فظهر ما يسمى "بشرك الطاقة"، حيث يعتقد البعض في قدرة "الذبذبات" و"الطاقات الكونية" على جلب النفع ودفع الضر بعيداً عن مشيئة الله.
شرك التكنولوجيا والسحر الرقمي: في 2026، دخل السحر في البرمجيات؛ فصارت تُقرأ طلاسم شيطانية عبر تطبيقات وبرامج مبرمجة لسحر الناس رقمياً، وفتنت التكنولوجيا الجهلة حتى ظنوا في "الذكاء الاصطناعي" أو "الآلة" خصائص إلهية من العلم المطلق أو التدبير.
هذا الطور هو "الشرك الخفي والظاهر" الذي يمزج بين الخرافة القديمة والتقنية الحديثة، وهو أشد خطراً لتموهه باسم "العلم" أو "تطوير الذات".
ثانياً: تقريرات العلماء الثلاثة حول المراحل الثلاث:
تقرير الإمام ابن باز [1]:
يقرر أن الشرك في زمان الشيخ وما بعده صار "أغلظ" من شرك الجاهلية؛ لأن المشرك القديم كان يعرف حدود مخلوقية معبوده، أما متأخروا الزمان فقد اعتقدوا في "الأقطاب" و"الأغواث" التصرف في الكون، وهذا خروج بالشرك من الألوهية إلى الربوبية.
تقرير الشيخ محمد بن خليفة التميمي [2]:
يوضح أن انتقال الشرك من (الأحجار) إلى (تأليه الذات والطاقة) في العصور المتأخرة هو مكيدة شيطانية لصرف الناس عن الافتقار لله؛ فالمشرك المعاصر يرى نفسه "إلهاً" مستمداً من طاقة الكون، وهذا هو عين ما حذر منه الإمام المجدد في كشف الشبهات ولكن بصور معاصرة.
تقرير الشيخ صالح بن عبد العزيز سندي [3]:
يؤكد أن "تجديد" الشيخ محمد بن عبد الوهاب كان ضرورة شرعية لإنقاذ الفطرة، وأن ما نشهده في 2026 من خرافات "رقمية" وطقوس "طاقية" هو امتداد لضلال عباد القبور، إذ كلاهما يصرف العبد عن "تعلق القلب بالخالق" إلى "تعلقه بالموهوم"، والواجب هو إحياء منهج الشيخ في نقد هذه الأوثان الحديثة.
--------------------------------&
الحاشية :
[1] ابن باز، عبد العزيز بن عبد الله: شرح كشف الشبهات، مؤسسة الشيخ ابن باز، ص (112-115).
الفائدة: نبّه الشيخ على أن "تجديد" الدين لا يعني الإتيان بجديد، بل إزالة الران والبدع عما كان عليه السلف الصالح.
[2] التميمي، محمد بن خليفة: القواعد الأربع في بيان حقيقة التوحيد، ص (89).
الفائدة: بين أن الشرك المحدث (شرك الطاقة) هو أشد خفاءً لأنه يتسمى بأسماء علمية تغرر بطلبة العلم والمثقفين.
[3] سندي، صالح بن عبد العزيز: شرح الأصول الثلاثة (تفريغ صوتي)، الدرس الخامس.
الفائدة: أكد على أن السحر الرقمي والطلاسم البرمجية هي "كفر بواح" يخرج من الملة، لأنها تعتمد على الاستغاثة بالشياطين لتنفيذ مآرب خفية عبر الوسائط الحديثة.
-------------------------------------&
[تَتِمَّةُ الْمَبْحَثِ السَّابِعِ - الْقِطْعَةُ الْأَخِيرَةُ: الِاسْتِغَاثَةُ بِالطَّوَاغِيتِ وَالْمَرَدَةِ][نَصُّ الْقِطْعَةِ]:
«وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطَمُّ أَنَّهُمْ يَسْتَغِيثُونَ بِالطَّوَاغِيتِ وَالْكَفَرَةِ وَالْمَرَدَةِ مِثْلَ: شَمْسَانَ [1]، وَإِدْرِيسَ وَيُقَالُ لَهُ الْأَشْقَرُ [2]، وَيُوسُفَ [3] وَأَمْثَالِهِمْ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ».
أَوَّلًا: الْمُصْطَلَحَاتُ (الِاشْتِقَاقُ وَالْحَدُّ):
[الْمَرَدَةُ]:
الِاشْتِقَاقُ: جَمْعُ "مَارِدٍ"، مِنَ الْمَادَّةِ اللَّغَوِيَّةِ (مَرَدَ)، وَأَصْلُهَا التَّجَرُّدُ مِنَ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ "الشَّجَرُ الْأَمْرَدُ" الَّذِي لَا وَرَقَ عَلَيْهِ. وَالْمَارِدُ هُوَ الْعَاتِي الَّذِي تَجَرَّدَ مِنَ الْخَيْرِ وَخَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ.
الْحَدُّ: هُمُ الْعُتَاةُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَالْبَشَرِ الَّذِينَ تَجَاوَزُوا الْحَدَّ فِي الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ وَمُصَادَمَةِ التَّوْحِيدِ.
[أَطَمُّ]:
الِاشْتِقَاقُ: مِنْ (طَمَّ)، وَطَمَّ الشَّيْءُ أَيْ عَلَا وَغَلَبَ، وَمِنْهُ "الطَّامَّةُ" لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي تَعْلُو مَا سِوَاهَا.
الْحَدُّ: هِيَ الْبَلِيَّةُ الْعُظْمَى الَّتِي لَا يُقَادَرُ قَدْرُهَا فِي الشَّرِّ وَالْفَسَادِ.
ثَانِيًا: بَصْمَةُ الْبَاحِثِ (قُلْتُ):
[قُلْتُ]: مُرَادُ الشَّيْخِ مِنْ وَصْفِ هَؤُلَاءِ بـ (الطَّوَاغِيتِ وَالْمَرَدَةِ) هُوَ تَقْبِيحُ فِعْلِ مَنْ يَسْتَغِيثُ بِهِمْ؛ لِأَنَّ الْمُشْرِكَ إِذَا كَانَ يَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ يَدْعُو "صَالِحًا"، فَمَا هُوَ عُذْرُهُ حِينَ يَدْعُو مَنْ عُرِفَ بِالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ وَالْعُتُوِّ؟ وَهَذَا هُوَ التَّدَرُّجُ فِي الشَّرِّ؛ يَبْدَأُ الرَّجُلُ بِدُعَاءِ نَبِيٍّ، ثُمَّ صَالِحٍ، ثُمَّ يَنْتَهِي بِهِ الْحَالُ إِلَى دُعَاءِ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ.
[قُلْتُ]: قَوْلُهُ (وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطَمُّ) إِشَارَةٌ إِلَى انْتِكَاسِ الْمِعْيَارِ الْبَشَرِيِّ؛ فَالْمُتَأَخِّرُونَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى شِرْكِ الْأَوَائِلِ، بَلْ زَادُوا عَلَيْهِمْ بِاتِّخَاذِ الْكَفَرَةِ وَالْمَرَدَةِ أَرْبَابًا، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشِّرْكَ إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَلْبِ أَعْمَاهُ عَنْ سِيَرِ مَنْ يَدْعُو، فَيَدْعُو عَدُوَّ اللَّهِ وَهُوَ يَظُنُّهُ وَلِيًّا لِلَّهِ.
ثَالِثًا: تَقْرِيرَاتُ الْعُلَمَاءِ الثَّلَاثَةِ:
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِينَ: يُقَرِّرُ أَنَّ الِاسْتِغَاثَةَ بِهَؤُلَاءِ الطَّوَاغِيتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يَهُمُّهُمْ صَلَاحُ الْمَدْعُوِّ وَلَا كُفْرُهُ، بَلْ يَهُمُّهُمْ تَعَلُّقُ أَوْهَامِهِمْ بِكُلِّ مَا يُقَالُ لَهُ "وَلِيٌّ" زُورًا، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْإِهَانَةِ لِمَقَامِ الرُّبُوبِيَّةِ [4].
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةَ التَّمِيمِيِّ: يَرَى أَنَّ ذِكْرَ هَؤُلَاءِ بِأَسْمَائِهِمْ هُوَ مِنَ (التَّعْيِينِ لِلتَّبْيِينِ)؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ كَانَ يُخَاطِبُ قَوْمًا يَعْرِفُونَ هَؤُلَاءِ وَيُعَظِّمُونَهُمْ، فَكَانَ لَا بُدَّ مِنْ كَشْفِ حَقِيقَتِهِمْ بِأَنَّهُمْ مَرَدَةٌ لَا مَشَايِخُ [5].
تَقْرِيرُ الشَّيْخِ صَالِح سِنْدِي: يُبَيِّنُ أَنَّ وَصْفَ (الطَّاغُوتِ) يَنْطَبِقُ عَلَى كُلِّ مَنْ رَضِيَ بِأَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ كَانُوا رُؤُوسًا فِي الضَّلَالِ، قَبِلُوا تَعْظِيمَ النَّاسِ لَهُمْ وَصَرْفَ الْعِبَادَةِ لِقُبُورِهِمْ، فَهُمْ خُصَمَاءُ لِلرُّسُلِ فِي حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ [6].
-----------------------------&
الْحَاشِيَةُ:
[1] شَمْسَانُ: هُوَ طاغُوتُ "الْخَرْجِ" (مِنْ مَنَاطِقِ نَجْدٍ). كَانَ لَهُ بَيْتٌ يُعْبَدُ وَتُسَاقُ إِلَيْهِ النُّذُورُ، وَكَانَ لَهُ سَدَنَةٌ. وُلِدَ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ الْهِجْرِيِّ وَمَاتَ فِيهِ. كَانَ يَنْتَسِبُ إِلَى "الْوَلَايَةِ" زُورًا، وَمُعْتَقَدُهُ قَائِمٌ عَلَى الْخُرَافَةِ وَالتَّصَوُّفِ الْغَالِي. هَدَمَ الشَّيْخُ بَيْتَهُ وَأَبْطَلَ شِرْكَهُ.
[2] إِدْرِيسُ (الْأَشْقَرُ): هُوَ طاغُوتُ "مَنْفُوحَةَ". كَانَتْ لَهُ قُبَّةٌ عَظِيمَةٌ يُرْحَلُ إِلَيْهَا وَيُسْتَغَاثُ بِهِ مِنْ دُونِ اللَّهِ. كَانَ رَأْسًا فِي الِانْحِرَافِ الْعَقَدِيِّ، وَيَنْتَسِبُ لِلطُّرُقِ الصُّوفِيَّةِ الْمُنْحَرِفَةِ الَّتِي تَدَّعِي الْكَشْفَ وَالْغَيْبَ. لَمْ يُؤْثَرُ لَهُ تَارِيخُ مَوْلِدٍ دَقِيقٌ لَكِنَّ شُهْرَتَهُ كَانَتْ فِي أَوَائِلِ دَعْوَةِ الشَّيْخِ الْمُجَدِّدِ.
[3] يُوسُفُ: هُوَ طاغُوتٌ آخَرُ كَانَ يُعْبَدُ فِي نَجْدٍ، وَيُقَالُ إِنَّ (الْأَشْقَرَ) هُوَ إِدْرِيسُ، وَيُوسُفُ شَخْصٌ آخَرُ يَلِيهِ فِي الْقَدْرِ عِنْدَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَيْسَا شَخْصًا وَاحِدًا. كَانَ مَعْتَقَدُهُ مَبْنِيًّا عَلَى إِكْرَاهِ النَّاسِ عَلَى تَعْظِيمِهِ وَصَرْفِ الذَّبَائِحِ لَهُ.
الْفَائِدَةُ التَّارِيخِيَّةُ: هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ (شَمْسَانُ، إِدْرِيسُ، يُوسُفُ) يُمَثِّلُونَ "مُثَلَّثَ الطَّوَاغِيتِ" الَّذِي وَاجَهَهُ الشَّيْخُ فِي بِدَايَةِ دَعْوَتِهِ، وَكَانُوا يُعْرَفُونَ بِمُمَارَسَةِ السِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ لِتَضْلِيلِ الْعَوَامِّ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُمُ الشَّيْخُ (مَرَدَةً وَكَفَرَةً).
[4] ابْنُ عُثَيْمِينَ، شَرْحُ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ص (147).
[5] التَّمِيمِيُّ، مُحَمَّدُ بْنُ خَلِيفَةَ، تَوْضِيحُ مَقَاصِدِ كَشْفِ الشُّبُهَاتِ، ص (192).
[6] سِنْدِي، صَالِح، شَرْحُ رِسَالَةِ التَّوْحِيدِ (تَسْجِيلٌ مَرْئِيٌّ).
---------------------------&
[القواعد العقدية الخمس عشرة في تحقيق كلمة التوحيد]
[1] قاعدة في حقيقة التوحيد: التوحيد ليس مجرد إقرار بوجود الله أو انفراده بالخلق (ربوبية)، بل هو إفراده بالقصد والدعاء والنسك (ألوهية).
[2] قاعدة في التلازم: لا يصح إقرار العبد بربوبية الله في الشدة (كما فعل مشركو الجاهلية) إلا إذا التزم بإفراده بالألوهية في الرخاء.
[3] قاعدة في حد العبادة: العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه؛ فصرف أي جزء منها لغير الله (كالدعاء أو الاستغاثة) هو هدم لأصل "لا إله إلا الله".
[4] قاعدة في شمولية الإلهية: "الإله" هو المألوه المعبود المحبوب المطاع، فكل من عُلق به القلب في جلب نفع أو دفع ضر فقد اتخذ إلهاً من دون الله.
[5] قاعدة في غلظ الشرك: الشرك في زماننا أغلظ من شرك الأولين لعمومه في الرخاء والشدة، ولصرفه لمن لا يستحق أدنى ملامح الصلاح.
[6] قاعدة في بطلان الوسائط: كلمة "لا إله إلا الله" تنفي اتخاذ الوسائط والقبور والشفراء وسيلة للقرب من الله، فالله قريب يجيب دعوة الداع بلا واسطة.
[7] قاعدة في الفطرة والاضطرار: الإخلاص في الشدة هو الحجة الفطرية التي أقامها الله على المشركين، فمن أشرك في الشدة فقد خلع ربقة الفطرة.
[8] قاعدة في براءة المتبوعين: علة بطلان الشرك لا تتعلق بذات المدعو (نبياً كان أو ولياً)، بل تتعلق بحق الخالق؛ فالمخلوق مهما علا قدره يظل عبداً مربوباً.
[9] قاعدة في التحذير من المظاهر: "الزهد والاجتهاد والعبادة" لا تنفع صاحبها شيئاً إذا فُقد أصل التوحيد، فالمشرك العابد أخطر على الأمة من الجاهل المعرض.
[10] قاعدة في شمولية الطاغوت: الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، والتوحيد لا يصح إلا بالكفر بكل طاغوت (قديم أو حداثي).
[11] قاعدة في نفي النفع الذاتي: كل من سوى الله (من الأنبياء إلى المردة) لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فتعليق القلب بهم هو تعليق بالموهوم والعدم.
[12] قاعدة في تجديد الفهم: التوحيد يحتاج إلى مدارسة مستمرة لأن الشبهات تتلون وتتبدل بتبدل الأزمان (كتحول الشرك من أحجار إلى طاقات كونية في 2026).
[13] قاعدة في الفرق بين الجاهلية والإسلام: الحد الفاصل بين ملة التوحيد وملة الشرك هو "الاستسلام لله وحده"، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك.
[14] قاعدة في التلازم بين العلم والعمل: لا ينفع قول "لا إله إلا الله" باللسان مع جهل معناها بالقلب أو نقض مقتضاها بالعمل (كالاستغاثة بغير الله).
[15] قاعدة في كمال كفاية الله: من حقق "لا إله إلا الله" استغنى بالله عن كل كائن، ومن فقدها افتقر لكل كائن ولو ملك الدنيا وما فيها.
*********************
[نتائج واستنتاجات البحث الأربعون - مراجعة نهائية للمدونة]
[1] الشرك في زماننا أغلظ من شرك الأولين من جهة الديمومة في الرخاء والشدة.
[2] المشركون الأوائل كانوا يحققون "توحيد الضرورة" عند انقطاع الأسباب، بينما المتأخرون يشركون في لجة البحار.
[3] التوحيد الفطري لا ينجلي تماماً إلا في حالات الاضطرار، وهو الحجة البالغة على المشركين.
[4] إقرار مشركي الجاهلية بربوبية الله في الشدة لم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن سلب الله هذا الحق في الشدة؟
[5] الشرك المعاصر (عام 2026) تطور إلى صور مادية وطاقية تخرج بالإنسان عن الاستكانة للخالق.
[6] "تأليه الذات" و"قانون الجذب" هما الوجه الحداثي لشرك الربوبية القديم.
[7] السحر الرقمي والبرمجيات الشيطانية هي تطور تقني لعمل "المردة" الذين حذر منهم الشيخ.
[8] الجهل بمفهوم الألوهية هو الثغرة التي دخل منها دعاء القبور لبيوت المنتسبين للعلم.
[9] العبادة لا تُسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة.
[10] الإخلاص هو شرط قبول العمل، والشرك هو المحبط الأكبر للحسنات مهما عظمت.
[11] الغلو في الصالحين (كالجلياني والكرخي) هو بريد الشرك الأكبر.
[12] محبة الصالحين تقتضي اتباع منهجهم في التوحيد، لا صرف العبادة لقبورهم.
[13] الأنبياء والصحابة (كزيد والزبير) بريئون ممن اتخذهم أرباباً من دون الله.
[14] وصف الشيخ للمعظمين بـ "السادة والمشايخ" تنبيه على انخداع العامة بالمسميات المعاصرة.
[15] العلة في منع دعاء غير الله ليست في رتبة المدعو، بل في افتقار المدعو كائناً من كان.
[16] "الشفاعة" هي الشبهة الكبرى التي ضل بها المشركون قديماً وحديثاً.
[17] الفرق بين التوسل المشروع والشرك الممنوع يكمن في "صرف العمل" للمخلوق.
[18] المشرك المتأخر جعل "الولي" نداً لله في التصرف والتدبير، وهذا شرك في الربوبية.
[19] الاستغاثة بالموتى نوع من العبث العقلي قبل أن يكون ضلالاً عقدياً، لأن الميت لا يملك لنفسه نفعاً.
[20] "القبورية" ليست مجرد طقوس، بل هي فلسفة شركية تقوم على "الوسائطية".
[21] الإمام محمد بن عبد الوهاب "جدد" معالم الملة ولم يأتِ بدين جديد.
[22] لقب "المجدد" استحقاق واقعي لما أحدثه الشيخ من أثر في تطهير الجزيرة من الأوثان.
[23] منهج الشيخ في "كشف الشبهات" يقوم على الحوار العقلي والبرهان النقلي.
[24] هدم القباب (كقبة زيد بن الخطاب) كان ضرورة شرعية لحماية جناب التوحيد.
[25] الربط بين نصوص القرآن وواقع الناس هو سر نجاح الدعوة الإصلاحية.
[26] التحذير من "علماء السوء" الذين يزينون الشرك للعامة ضرورة في كل زمان.
[27] الباحث يرى أن "التأصيل العقدي" يجب أن يواكب تطور الشبهات (كما في إسقاطات 2026).
[28] التمسك بالمنهج السلفي هو العاصم من التخبط في ظلمات البدع الحداثية.
[29] دور طالب العلم هو "التشريح اللغوي والحدود" للمصطلحات لمنع اللبس العقدي.
[30] القوة في الصدع بالحق (كما فعل الشيخ) هي التي تمحو آثار الجاهلية.
[31] استنتجتُ أن الشرك "سائل" يتشكل بحسب وعاء الزمان (أصنام، قبور، طاقة).
[32] نكتة عقدية: من لم يعرف حقيقة شرك الأوائل، لن يدرك عظمة توحيد الأنبياء.
[33] تبين لي أن "الاضطرار" هو اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة الفلسفية ليبقى وجه الحق.
[34] الاستغاثة بالطواغيت (شمسان وإدريس) تدل على أن المشرك قد يهوي لدرك أدنى من دعاء الصالحين.
[35] البحث أثبت أن "الزهد والعبادة" بلا توحيد هما هباء منثور.
[36] أرى أن الحواشي العلمية والتراجم هي الحصن الذي يمنع خلط المفاهيم التاريخية.
[37] الاستنتاج الكبير: التوحيد هو "حق الله" الذي لا يقبل القسمة ولا الشراكة.
[38] واقع 2026 يفرض علينا تجديد أدوات "كشف الشبهات" لمواجهة الشرك التقني.
[39] الحمد لله الذي قيض لهذه الأمة من يجدد لها دينها عند كل مفرق طرق.
[40] الختام بالصلاة على النبي ﷺ هو إقرار بعبوديته ورسالته، وقطع لدابر الغلو فيه.
الوصايا 40 للطلاب و المعلم حول متن تفسير كلمة التوحيد
للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله
[مِيثَاقُ الْمَدَارَسَةِ: 40 وَصِيَّةً سَلَفِيَّةً لِطَالِبِ التَّوْحِيدِ]
أولاً: وصايا في المنهجية والمدارسة العقدية:
[1] تجريد الإخلاص لله تعالى في دراسة هذا المتن؛ فإن علم التوحيد هو أشرف العلوم ولا يقبل التشريك في النية.
[2] استحضار عظمة "لا إله إلا الله" عند كل سطر؛ فهي ليست مجرد لفظ بل هي مفتاح الجنة ونجاة العبد.
[3] لزوم منهج السلف الصالح في الاستدلال؛ وتقديم النقل الصحيح على العقل الصريح عند ورود الشبهات.
[4] الحذر من "تجزئة التوحيد"؛ فالمقصود من الرسالة تحقيق التوحيد في الرخاء والشدة على حد سواء.
[5] الربط الدائم بين نصوص الرسالة وبين آيات القرآن الكريم؛ ليعلم الطالب أن دعوة الشيخ هي صدى لدعوة الأنبياء.
[6] العناية بمفهوم "تحقيق المناط"؛ أي إسقاط أحكام التوحيد على واقع الناس المعاصر (عام 2026).
[7] التفطن لغلظ شرك المتأخرين؛ واستحضار الفرق بين من يشرك جهلاً ومن يشرك معاندة.
[8] دراسة الرسالة بنية "العمل والدعوة" لا بنية "الجدل والمراء".
[9] استحضار هيبة التوحيد في القلب؛ فإن العلم بالتوحيد يورث الخشية والتعظيم للخالق.
[10] العلم بأن التوحيد هو "أصل الأصول"؛ فلا يُشتغل بغيره من الفروع قبل ضبط أركانه.
ثانياً: وصايا في الضبط اللغوي والاشتقاقي:
[11] العناية بـ "التشريح اللغوي" لكل لفظة؛ ففهم المعنى اللغوي هو الباب الأول لفهم الحكم الشرعي.
[12] ضبط مادة (أ ل هـ) واشتقاقاتها؛ ليعلم الطالب أن "الإله" هو المعبود الذي تألهه القلوب حباً وتعظيماً.
[13] التمييز الدقيق بين (العبادة) لغةً وهي التذلل، وشرعاً وهي كمال الحب مع كمال الذل.
[14] ضبط اشتقاق لفظ (الطاغوت) من الطغيان؛ ليدرك الطالب أن كل ما تجاوز الحد فهو طاغوت.
[15] العناية بكلمة (المردة) واشتقاقها من "المرد" وهو التجرد من الخير؛ لوصف أعداء الرسل.
[16] الحرص على "الحدود الجامعة المانعة" للمصطلحات؛ حتى لا يدخل في التوحيد ما ليس منه.
[17] تتبع الروابط اللغوية في المتن؛ وكيف استخدم الشيخ حروف العطف والتوكيد لبيان غلظ الشرك.
[18] العناية بلفظ (الضُّر) بضم الضاد؛ وتفريقه عن (الضَّر) بالفتح في السياقات القرآنية.
[19] ضبط الألفاظ المشكلة في الرسالة وإعادتها إلى أصولها في المعاجم اللغوية السلفية.
[20] الحذر من تحريف معاني المصطلحات الشرعية إلى معاني كلامية أو فلسفية تخالف مراد الشيخ.
ثالثاً: وصايا في ضبط الأسماء والأعلام والأحكام:
[21] ضبط أسماء الأعلام المذكورة (معروف، الجيلاني، زيد، الزبير) ومعرفة سيرهم الصحيحة.
[22] التمييز بين (المدعو) وبين (فعل الداعي)؛ فالمدعو قد يكون صحابياً جليلاً والفعل شرك أكبر.
[23] معرفة تاريخ نجد وعسير واليمن في عهد الشيخ؛ لفهم من هم (شمسان وإدريس ويوسف) ولماذا وُصفوا بالطواغيت.
[24] ضبط الأماكن والقبور التي عُبدت (كالجبيلة ومنفوحة) وكيف طهرها الله بدعوة التوحيد.
[25] العناية بترجمة الإمام المجدد ومراحل دعوته؛ ليعلم الطالب ظروف كتابة هذه الرسالة.
[26] ضبط حكم (الاستغاثة بغير الله) بكونها شركاً مخرجاً من الملة إذا كانت فيما لا يقدر عليه إلا الله.
[27] التمييز بين (الشرك الأكبر) و(الشرك الأصغر) في تطبيقات المتأخرين.
[28] العلم بأن "دعاء الصالحين" كان هو الشبهة الكبرى التي واجهها الرسل عبر العصور.
[29] الحذر من إطلاق أحكام التكفير على الأعيان دون استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
[30] ضبط حكم (الكفر بالطاغوت) كونه الركن الثاني في كلمة التوحيد بعد الإيمان بالله.
رابعاً: وصايا في آداب التعلم والنشر:
[31] لزوم الأدب مع العلماء عند عرض تقريراتهم (ابن باز، ابن عثيمين، التميمي، صالح سندي).
[32] الحرص على تقييد الفوائد والنكت العقدية في حواشي الكتاب لئلا تضيع.
[33] مراجعة المتن وتكرار قراءته حتى يرسخ في الذهن كرسوخ الفاتحة.
[34] التواضع عند التعلم؛ فالتوحيد يحتاج لقلب سليم خالٍ من الكبر.
[35] الصبر على جفاء البحث وضيق الوقت؛ فإن طلب العلم جهاد.
[36] الحرص على تعليم هذا المتن للعامة بأسلوب ميسر (إسقاط الشبهات المعاصرة).
[37] الدفاع عن جناب التوحيد وعن عرض الإمام المجدد أمام الفرق الضالة.
[38] الدعاء للشيخ محمد بن عبد الوهاب ولعلماء السنة الذين شرحوا وبسطوا هذه الرسالة.
[39] أن تكون هذه الرسالة بداية رحلة الطالب في التوحيد، لا نهايتها.
خامساً: وصية الإجازة (الشرط الجوهري):
[40] الوصية الجامعة وشرط الإجازة: إن شرط نيل الإجازة في هذه الرسالة (شرحاً ورواية عن الإمام المجدد) هو أن يلتزم الطالب بقراءتها ومدارستها مع مجموعة؛ سواء كان ذلك في محيط أهله، أو أصدقائه، أو في المسجد، أو على طلاب العلم. ويُشترط أن يبين فيها حقيقة "لا إله إلا الله" كما أرادها الشيخ، لتكون هذه المدارسة بدايه خير وبركة لكل طالب علم أراد سلوك طريق السلف في التوحيد، ونشر هذا النور في الآفاق.
-------------------------------------------&
[مُقَدِّمَةٌ فِي شَرَفِ الإِسْنَادِ وَأَهَمِّيَّتِهِ فِي ضَبْطِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ]
الحَمْدُ للهِ الذِي أَعْلَى مَنَارَ الدِّينِ بِالأَثَرِ، وَجَعَلَ الإِسْنَادَ سِلَاحًا لِلذَّوْدِ عَنْ حِيَاضِ التَّوْحِيدِ مِنَ الغَيْرِ وَالخَطَرِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً مَوْصُولَةً بِالسَّنَدِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الصَّادِقُ الأَمِينُ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ عِلْمَ الإِسْنَادِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِلأَسْمَاءِ، بَلْ هُوَ "دِينٌ" كَمَا قَالَ ابْنُ المُبَارَكِ، وَتَتَآكَدُ أَهَمِّيَّتُهُ فِي "كُتُبِ العَقِيدَةِ وَالتَّوْحِيدِ" لِتَكُونَ الرِّوَايَةُ مُطَابِقَةً لِلدِّرَايَةِ، وَلِيَأْخُذَ الخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ مَحْضَ التَّوْحِيدِ بِيَقِينٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ شَكٌّ. وَإِنَّ مِنْ أَجَلِّ هَذِهِ الرَّسَائِلِ التِي حَفِظَ اللهُ بِهَا جَنَابَ التَّوْحِيدِ رِسَالَةَ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ" لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ؛ فَهِيَ مِعْيَارُ الحَنِيفِيَّةِ، وَمِيزَانُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ مِلَّةِ الرُّسُلِ وَمِلَّةِ الجَاهِلِيَّةِ.
وَمِنْ هُنَا كَانَ رَبْطُ هَذِهِ الرِّسَالَةِ بِأَسَانِيدِ العُلَمَاءِ المُثْبِتَةِ هُوَ صِيَانَةٌ لِلْمَنْبَعِ، وَإِحْيَاءٌ لِسُنَّةِ السَّلَفِ فِي نَقْلِ الهُدَى، وَهَذَا نَصُّ الإِجَازَةِ بِالخَبَرِ وَالأَثَرِ:
إِجَازَةٌ
«قُرَّةُ العَيْنِ بِإِسْنَادِ مَتْنِ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ" إِلَى إِمَامِ النَّجْدِيَّيْنِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ»
يَقُولُ العَبْدُ الفَقِيرُ إِلَى اللهِ (أَبُو أَنَسٍ):
عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
«الحَمْدُ للهِ الذِي جَعَلَ الإِسْنَادَ خَصِيصَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ المَرْحُومَةِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ المَعْلُومَةِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالِاسْتِقَامَةِ.
أَمَّا بَعْدُ؛ فَإِنَّ طَرِيقَ مَنْ سَلَفَ هُوَ رَبْطُ الخَلَفِ بِالسَّلَفِ عَبْرَ حِبَالِ الأَسَانِيدِ، وَإِنَّ مِمَّا مَنَّ اللهُ بِهِ عَلَيَّ أَنْ أَخْبَرَنِي جَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ الكِرَامِ -أَجَازُونِي إِجَازَةً خَاصَّةً وَعَامَّةً- بِمَرْوِيَّاتِهِمْ وَأَسَانِيدِهِمْ فِي رِوَايَةِ رِسَالَةِ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ" إِلَى مُؤَلِّفِهَا الإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، وَقَدْ رَتَّبْتُهُمْ بِحَسَبِ بُلْدَانِهِمْ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أَوَّلًا: أَشْيَاخُ الحِجَازِ (المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعُودِيَّةُ):
الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ عَبْدُ المُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ القَاسِمُ (إِمَامُ وَخَطِيبُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ).
الشَّيْخُ بَدْرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ طَامِي العُتَيْبِيُّ.
الدُّكْتُورُ مَالِكُ بْنُ رِضَا المُحَمَّدِيُّ.
المُسْنِدُ الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ الدَّهَامِيُّ.
الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بْنِ مُحَمَّدٍ آلُ إِبْرَاهِيمَ العَنْقَرِيُّ.
الشَّيْخُ عِيسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ المَدْخَلِيُّ.
ثَانِيًا: أَشْيَاخُ مِصْرَ:
الشَّيْخُ وَائِلُ كَمَالِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدِ عَلِي (صَاحِبُ مَدْرَسَةِ الآجُرِّيِّ).
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَارُوقٍ الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ نَاصِرُ بْنُ أَحْمَدَ السُّوهَاجِيُّ.
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ فَرِيدٍ عَبْدُ الهَادِي الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ أَبُو سُهَيْلَةَ سَامِي بْنُ أَحْمَدَ بْنِ فُتُوحِ آلُ مُرَادٍ المِصْرِيُّ الحَنْبَلِيُّ.
الشَّيْخُ أُسَامَةُ بْنُ السَّيِّدِ بْنِ عُبَيْدٍ التِّيدِيُّ.
الشَّيْخُ عَاطِفُ عَبْدُ المُعِزِّ الفَيُّومِيُّ.
ثَالِثًا: أَشْيَاخُ الكُوَيْتِ وَاليَمَنِ وَالجَزَائِرِ وَغَيْرِهَا:
مِنَ الكُوَيْتِ: الشَّيْخُ دَغْشُ بْنُ شَبِيبٍ العَجَمِيُّ.
مِنَ الجَزَائِرِ: الشَّيْخُ الدُّكْتُورُ الأُصُولِيُّ عَبْدُ المَجِيدِ جُمُعَةُ.
مِنَ الهِنْدِ: الشَّيْخُ سُهَيْلُ حَسَن عَبْدُ الغَفَّارِ العُمَرِفُورِيُّ.
مِنَ الكُرْدِ: الشَّيْخُ مُحَمَّدُ كَامِلُ عَلِي الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ حَمِيدٌ الكُرْدِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَانَ أَمْجَانُ حُسَيْن أَحْمَدُ البَشْدِيُّ الكُرْدِيُّ.
السَّنَدُ المُتَّصِلُ لِرِسَالَةِ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ":
أَرْوِي رِسَالَةَ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ" مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنِ المَشَايِخِ المَذْكُورِينَ أَعْلَاهُ، وَأَرْوِي عَنْهُمْ، عَنِ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ المُسْنِدِ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَقِيلٍ، وَعَنِ الشَّيْخِ المُعَمَّرِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ آلِ الشَّيْخِ، وَهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ:
الشَّيْخِ سَعْدِ بْنِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنْ وَالِدِهِ الشَّيْخِ حَمَدِ بْنِ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ (صَاحِبِ فَتْحِ المَجِيدِ).
وَكَذَلِكَ يَرْوِي الشَّيْخُ سَعْدُ بْنُ عَتِيقٍ، عَنِ الشَّيْخِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ، عَنْ جَدِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنٍ آلِ الشَّيْخِ.
[سِيَاقُ السَّنَدِ إِلَى الإِمَامِ]:
يَرْوِي الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، عَنْ عَمِّهِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، عَنْ وَالِدِهِ (الإِمَامِ المُجَدِّدِ) رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى.
تَمَّ هَذَا الثَّبْتُ الخَاصُّ بِرِوَايَةِ "تَفْسِيرِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ" بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ.
تَمَّ إِعْدَادُ هَذِهِ الإِجَازَةِ وَالثَّبْتِ العِلْمِيِّ:
فِي لَيْلَةِ: السَّبْتِ.
الوَقْتُ: 01:19 صَبَاحًا.
اليَوْمُ: الثَّامِنَ عَشَرَ (18).
الشَّهْرُ: أَبْرِيلَ (04).
السَّنَةُ المِيلَادِيَّةُ: أَلْفَانِ وَسِتَّةٌ وَعِشْرُونَ (2026م).
المُوَافِقُ لِلسَّنَةِ الهِجْرِيَّةِ: الأَوَّلُ مِنْ ذِي القَعْدَةِ (01/11)، لِعَامِ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَسَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ (1447هـ).
كَتَبَهُ / أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ طَه آلِ عَامِرٍ المِصْرِيُّ
-----------&
فهرس المحتويات التفصيلي
المقدمة الاستهلالية (الأقسام الثلاثة) ............................................ ص 5
المبحث التمهيدي الأول: حقيقة لا إله إلا الله ................................... ص 12
المبحث التمهيدي الثاني: منهج الشيخ الإمام في التقرير ....................... ص 18
بواعث العمل (عشرة أسباب لاختيار المتن) ...................................... ص 25
الأهمية العلمية والتربوية (للعالم والمتعلم والناشئة) .......................... ص 29
أهداف البحث (عشرة أهداف استراتيجية) ........................................ ص 34
توثيق المتن (نسبته للإمام والأسانيد المتصلة) .................................. ص 40
المنهجية العلمية (الركائز الخمس في التحقيق وضبط النص) ..................... ص 48
المقدمات التمهيدية التسع (التأصيل العقدى)
المقدمة الأولى: تحرير المصطلح العبادي .......................................... ص 55
المقدمة الثانية: مراتب اليقين في شروط لا إله إلا الله ......................... ص 62
المقدمة الثالثة: الأصل الأصيل (نقض التفريق البدعي) ......................... ص 70
المقدمة الرابعة: تحقيق المناط في كفر الشك والإعراض .......................... ص 78
المقدمة الخامسة: القواعد السبع في الأسماء والصفات .......................... ص 85
المقدمة السادسة: بناء الهدم (نقض شبهات المشركين) .......................... ص 93
المقدمة السابعة: تحرير معنى الإله (السلفي مقابل الكلامي) .................... ص 101
المقدمة الثامنة: اللازم والمقتضى (العمل وأصل الإيمان) ........................ ص 110
المقدمة التاسعة: المنهج الاستدلالي عند الإمام المجدد .......................... ص 118
المباحث العلمية السبعة (مع التتمات)
المبحث الأول: فقه الاستثناء في (إلا الله) ........................................ ص 126
تتمة المبحث الأول: تحقيق القول في الخبر المحذوف ........................ ص 134
المبحث الثاني: الدلالات التلازمية لتوحيد الألوهية ............................. ص 142
تتمة المبحث الثاني: الرد على حصر التوحيد في "الخالق" .................. ص 150
المبحث الثالث: المقاصد التربوية لكلمة الإخلاص ............................... ص 158
تتمة المبحث الثالث: أثر التوحيد في استقامة الجوارح ........................ ص 166
المبحث الرابع: المسالك اللغوية في شرح المتن .................................. ص 174
تتمة المبحث الرابع: الفوارق بين الإله والمألوه والمعبود ..................... ص 182
المبحث الخامس: الجمع بين الخوف والرجاء في ضوء التوحيد .................. ص 190
تتمة المبحث الخامس: حماية الجناب النبوي وسد الذرائع .................... ص 198
المبحث السادس: النواقض القولية والعملية من الكلمات .......................... ص 206
تتمة المبحث السادس: ضوابط التكفير بالعموم والتعيين ...................... ص 214
المبحث السابع: الاستدراكات العقدية على الشراح ............................... ص 222
تتمة المبحث السابع: تنقيح المنهج وتجريده من الشوائب ...................... ص 230
الخواتيم والنتائج
الضوابط المنهجية لقراءة المتن (لطالب العلم) ................................. ص 238
القواعد الكلية المستنبطة (15 قاعدة) ........................................... ص 245
النتائج الأربعون المستخلصة من البحث .......................................... ص 255
التوصيات الأربعون للباحثين والمشتغلين ........................................ ص 265
الخاتمة العلمية .................................................................... ص 275
الفهارس العامة (الآيات، الأحاديث، المراجع) .................................. ص 280
-------------------------؛-؛-؛----------------&
أولاً: أسئلة المسابقة (30 سؤالاً)
من هو مؤلف متن "تفسير كلمة التوحيد"؟
ما هي أعظم كلمة في الوجود التي يشرحها هذا المتن؟
تتكون "لا إله إلا الله" من ركنين أساسيين (نفي وإثبات)، فما هما؟
ما معنى "لا إله" باختصار؟
ما معنى "إلا الله" باختصار؟
لماذا خلقنا الله تعالى؟ (استدل بآية من القرآن).
هل يكفي أن يقول الإنسان "لا إله إلا الله" بلسانه فقط دون معرفة معناها؟
ما هو "الإله"؟ هل هو الخالق فقط أم هو الذي نعبده ونحبه؟
لماذا أرسل الله الرسل؟ ما هي دعوتهم الأولى؟
كفار قريش كانوا يقولون "الله هو الخالق والرازق"، فماذا كان ينقصهم ليدخلوا الإسلام؟
هل يجوز صرف أي نوع من أنواع العبادة (كالدعاء أو الذبح) لغير الله؟
ماذا نسمي من يجعل واسطة بينه وبين الله في الدعاء؟
ما معنى أن الله "غني عن العالمين"؟
كيف تكون "لا إله إلا الله" حصناً للمسلم في الدنيا والآخرة؟
إذا سألك طفل: أين الله؟ فبماذا تجيبه من خلال فهمك للتوحيد؟
ما هو شروط كلمة التوحيد السبعة (اذكر ما تحفظه منها)؟
ما الفرق بين توحيد "الربوبية" وتوحيد "الألوهية" بأسلوب بسيط؟
هل كان المشركون زمان يحبون الله؟ وماذا كان خطؤهم في هذا الحب؟
ما هو "الشرك الأكبر"؟ وما هي عاقبته؟
ما معنى "الكفر بالطاغوت"؟
لماذا نبدأ دائماً بتعلم "العقيدة" قبل أي شيء آخر؟
ما معنى أن كلمة التوحيد هي "العروة الوثقى"؟
كيف يحقق المسلم "الإخلاص" في قلبه؟
هل "لا إله إلا الله" تنفع من فعل الشرك الأكبر ولم يتب منه؟
ما هي أعلى شعب الإيمان؟
ما معنى "اليقين" في كلمة التوحيد؟
لماذا سمي هذا المتن بـ "تفسير كلمات التوحيد" وليس "كلمة" واحدة؟
كيف نرد على من يقول: "أنا أطلب المدد من الأموات لأنهم أولياء الله"؟
ما هي ثمرة التوحيد في أخلاق المسلم وتعامله مع الناس؟
ما هو واجبنا تجاه هذا المتن (تفسير كلمة التوحيد)؟
ثانياً: الإجابات النموذجية (للمعلم والمربي)
ج1: الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-.
ج3: النفي (لا إله) والإثبات (إلا الله).
ج4: نفي العبادة عن كل ما سوى الله (لا نعبد ملكاً ولا نبياً ولا ضريحاً).
ج7: لا يكفي، بل لابد من قولها باللسان واعتقاد معناها بالقلب والعمل بمقتضاها.
ج8: الإله هو المعبود الذي تألهه القلوب حباً وتعظيماً.
ج10: كان ينقصهم إفراد الله بالعبادة (توحيد الألوهية) وترك وسائط الشرك.
ج11: لا يجوز أبداً، فصرف العبادة لغير الله شرك مخرج من الملة.
ج17: الربوبية: أفعال الله (خلق، رزق). الألوهية: أفعال العباد (صلاة، دعاء لله وحده).
ج20: الكفر بالطاغوت هو بغض الشرك وترك عبادة غير الله واعتقاد بطلانها.
ج25: قول "لا إله إلا الله".
ج29: التوحيد يثمر الصدق، والأمانة، وعزة النفس، ومراقبة الله في السر والعلن
----
تتمة الأسئلة (من 31 إلى 50) - مستوى طالب العلم
ما الفرق بين "إله" و"رب" في سياق دعوة الرسل؟ وهل يستلزم أحدهما الآخر؟
لماذا قدم الإمام المجدد "النفي" على "الإثبات" في شرحه لكلمات التوحيد؟
اشرح معنى "تحقيق التوحيد" كما ورد في المتن، وما هي درجتاه (الواجب والمستحب)؟
ما هي العلاقة بين "الولاء والبراء" وكلمة التوحيد من خلال شرح "لا إله"؟
ذكر الإمام أن المشركين أقروا بالخلق؛ فما هي الشبهة التي استمسكوا بها في صرف العبادة للوسائط؟
كيف ترد على من زعم أن توحيد الألوهية هو "توحيد الربوبية" وزيادة؟
ما هي "شروط قبول العمل" التي تُستنبط من الشهادتين؟
اشرح قاعدة "من لم يكفر المشركين أو شك في كفرهم" وعلاقتها بكلمة التوحيد.
ما المقصود بـ "الشرك الخفي"؟ وكيف يحذر منه طالب العلم في ضوء المتن؟
وضح دلالة "الاقتضاء" في كلمة التوحيد بالنسبة للأسماء والصفات.
كيف فسر الإمام المجدد معنى "الشفاعة" الشركية والشفاعة المثبتة؟
ما هو الفرق بين "شرك المحبة" و"المحبة لله" في ضوء شرح الكلمات؟
ما هي أنواع "الطواغيت" الخمسة التي يجب الكفر بها لتحقيق التوحيد؟
اشرح أثر "العلم" المنافي للجهل كشرط أساسي لصحة قول "لا إله إلا الله".
لماذا اعتبر الإمام المجدد أن "تفسير الكلمات" هو المفتاح لفهم واقع المشركين المعاصرين؟
ما هو "الشرك الأصغر"؟ وهل يحبط جميع الأعمال أم العمل الذي خالطه فقط؟
كيف يكون التوحيد سبباً في "الأمن والهداية" في الدنيا والآخرة؟ (استدل بآية الأنعام).
ما هو ضابط "الضرورة" التي تبيح التلفظ بكلمة الكفر مع بقاء القلب مطمئناً بالإيمان؟
وضح كيف أن "لا إله إلا الله" تجمع بين العقيدة والشريعة والسلوك.
ما هي أهمية "المداومة" على دراسة هذا المتن وتدريسه للعامة والخاصة؟
الإجابات النموذجية التفصيلية (من 30 إلى 50)
ج30 (تكملة السابق): واجبنا هو: تعلُّمها بعلم، والعمل بمقتضاها بصدق، والدعوة إليها بصبر، والذبّ عنها أمام الشبهات، وتدريس هذا المتن لترسيخ العقيدة في القلوب.
ج31: الإله هو "المعبود"، والرب هو "الخالق". توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية (أي من أقر بالخالق وجب عليه عبادته وحده)، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية.
ج32: قدم النفي لتصفية القلب من التعلق بغير الله أولاً، لأن "التخلية قبل التحلية"؛ فلا يصح الإيمان بالله إلا بعد الكفر بالطاغوت.
ج35: شبهتهم هي "الشفاعة والزلفى"؛ زعموا أنهم لا يعبدونهم لأنهم يخلقون، بل ليقربوهم إلى الله زلفى ويشفعوا لهم.
ج39: الشرك الخفي هو "الرياء" أو "إرادة الإنسان بعمله الدنيا"، ويحذر منه بتجريد الإخلاص لله ومراقبة النية.
ج41: الشفاعة الشركية: ما تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. الشفاعة المثبتة: ما تطلب من الله، وتكون للشفعاء المأذون لهم، ولأهل التوحيد فقط.
ج43: (رؤوس الطواغيت): الشيطان الداعي لعبادة غير الله، الحاكم بغير ما أنزل الله (مغيراً لشرعه)، من ادعى شيئاً من علم الغيب، من عُبد من دون الله وهو راضٍ.
ج46: الشرك الأصغر (كيسير الرياء) يحبط العمل الذي خالطه فقط، ولا يخرج من الملة، لكنه أكبر من الكبائر.
ج47: قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}. الظلم هنا هو "الشرك".
ج49: تجمعهم لأنها تنفي الشرك (عقيدة)، وتوجب إفراد الله بالتحاكم والتشريع (شريعة)، وتثمر الخوف والرجاء والمحبة (سلوك).
ج50: لأن التوحيد هو أصل الأصول، والقلوب تحتاج لتجديد العهد به دائماً لئلا تغفل أو تتأثر بشبهات المضلين، ولأنه حق الله على العبيد.