مبحث: ديمومة صفة الكلام وتعلُّقها بالمشيئة: دراسة عقدية تحليلية لأثر الإمام أحمد بن حنبل
المقدمة
الحمد لله الذي لم يزل متكلماً كما يليق بجلاله، والصلاة والسلام على من أُنزل عليه الوحي والبيان. أما بعد؛ فإنَّ من أعظم الأصول التي فارق فيها أهل السنة والجماعة أهل البدع والضلال هو إثبات صفة الكلام لله تعالى باعتبارها صفة "ذاتية فعلية"، وقد لخّص إمام أهل السنة أحمد بن حنبل هذا المعتقد في جملةٍ سارت بها الركبان، نُفكك تفاصيلها في هذا المبحث.
المطلب الأول: تحقيق النص وتخريجه
نص الأثر
"لم يزل الله عز وجل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، ليس لكلامه نفاد ولا غاية".
التخريج
* السنة للخلال: أخرجه الإمام أبو بكر الخلال (ت 311هـ) في كتابه "السنة"، تحقيق: د. عطية الزهراني، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى (1410هـ)، المجلد (5)، الصفحة (86)، رقم الأثر (1871).
* درء تعارض العقل والنقل: نقله شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) محتجاً به في "درء تعارض العقل والنقل"، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الثانية (1411هـ)، المجلد (2)، الصفحة (38).
* مجموع الفتاوى: ذكره ابن تيمية أيضاً في "مجموع الفتاوى"، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، مطابع الرياض، الطبعة الأولى (1381هـ)، المجلد (6)، الصفحة (85).
* شرح العقيدة الطحاوية: استشهد به ابن أبي العز الحنفي (ت 792هـ) في "شرح العقيدة الطحاوية"، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة العاشرة (1417هـ)، المجلد (1)، الصفحة (173).
المطلب الثاني: التدقيق اللغوي والتحليل المصطلحي
* "لم يزل": أداة نفي لـ "زال" التي تفيد الانفكاك، ودخول "لم" عليها يقلب المعنى إلى الاستمرار الأزلي والأبدي. (انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة: زيل، دار صادر، المجلد 11، ص 302).
* "متكلماً": اسم فاعل مشتق من الكلام، وإثباته لله بصيغة اسم الفاعل يدل على قيام الصفة به سبحانه وتعالى دائماً.
* "إذا شاء وكيف شاء": تعليق الصفة بـ "إذا" الظرفية و"المشيئة" يؤكد أنها صفة "فعل" تتجدد بآحادها، وكلمة "كيف" تقطع الطمع في إدراك كنه الصفة.
* "نفاد": بالدال المهملة (أي فناء) أو بالذال المعجمة (أي انقطاع)، وكلاهما ثابت في حق كلام الله أنه لا ينتهي. (انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، المجلد 5، ص 205، عند تفسير آية الكهف).
المطلب الثالث: القواعد المستنبطة (العقدية والأصولية)
1. قاعدة: الجمع بين "النوع" و"الآحاد"
1_أن الكلام صفة قديمة النوع (باعتبار أن الله لم يزل متصفاً بالقدرة عليه)
2_ حادثة الآحاد (باعتبار أن الله يتكلم متى شاء بكلمات معينة كمناداته لموسى).
* العزو: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، المجلد (12)، ص (422).
2. قاعدة: إثبات الحرف والصوت
الأثر يثبت أن كلام الله ليس "معنى نفسياً" مجرداً كما تقول الأشاعرة، بل هو كلام حقيقي يسمعه من يشاء الله.
المصدر: ابن القيم، "الصواعق المرسلة"، دار العاصمة، المجلد (2)، ص (524).
3. قاعدة: تعلُّق الصفات بالمشيئة
كل صفة عُلقت في النصوص بالمشيئة فهي صفة فعلية، وهذا الأثر نصٌّ في ذلك.
المصدر: الشيخ صالح آل الشيخ، "شرح الطحاوية"، المجلد (1)، ص (240).
المطلب الرابع: الفوائد العشر المتستخرجة من الأثر:
* كمال المتكلم: أن السكوت أو العجز عن الكلام نقص، والله منزه عنه. المصدر:(ابن تيمية، النبوات، ص 160).
* إثبات الإرادة: قوله "إذا شاء" يثبت إرادة الله الحرة في أفعاله. المصدر: (ابن أبي العز، شرح الطحاوية، ص 174).
* الرد على القائلين بخلق القرآن: لو كان الكلام مخلوقاً لكان له "نفاد وغاية"، والإمام أحمد نفاهما.
(الخلال، السنة، ج 5، ص 87).
* تجدد الفعل لا الذات: إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى. المصدر:(ابن تيمية، درء التعارض، ج 2، ص 39).
* سعة العلم والكلمات: ربط الأثر بآية "لو كان البحر مداداً"، مما يورث تعظيم الله في القلب.
* بطلان "حلول الحوادث" الممنوع: إثبات أن أفعال الله تقوم بذاته ولا تماثل حوادث المخلوقين.
* الرد على الكلابية: الذين زعموا أن الكلام صفة واحدة بسيطة لا تتجزأ.
* إثبات "كيفية" مجهولة: قوله "كيف شاء" يثبت أن للصفة كيفاً، لكننا نجهله (قاعدة السلف في الكيف).
* التفرق بين الكلام والقدرة: الكلام صفة قائمة بذاته وليست مجرد قدرة على الفعل.
* الأمن من الانقطاع: كلام الله (وهو وحيه وشرعه) لا ينقطع أثره ولا بركته.
المطلب الخامس: السيرة والاعتقاد (ترجمة الإمام أحمد بن حنبل)
1. هويته وعقيدته الصافية
هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (164-241هـ).
كان يقول: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر".
المصدر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى، دار المعرفة، المجلد (1)، ص (28).
2. جهاده في الرد على الفرق
* الرد على الجهمية: ألف كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية" أثناء سجنه وفنّد فيه تأويلاتهم.
* الرد على المعتزلة: واجه رؤوسهم مثل ابن أبي دؤاد في "المحنة" الشهيرة.
المصدر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مؤسسة الرسالة، المجلد (11)، ص (235).
3. شيوخه وتلاميذه
* من شيوخه:
1_سفيان بن عيينة
2_ يحيى القطان
3_ الشافعي (الذي قال فيه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أتقى ولا أفقه من أحمد).
* من تلاميذه: البخاري، مسلم، أبو داود، وأبو حاتم الرازي.
المصدر: "البداية والنهاية" لابن كثير، دار هجر، المجلد (14)، ص (380-385).
4. وفاته توفي ضحوة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.
* المصدر: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، المجلد (4)، ص (421).
المبحث الثاني: إثبات نطق الباري بالحرف والصوت وأزلية نوع الكلام وآحاده
تتمة للدراسة العقدية التحليلية لأثر الإمام أحمد بن حنبل
إنَّ عقيدة السلف الصالح قاطبة، ومنهم الإمام أحمد، قامت على أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه ليس مجرد "معنى قائم بالذات" كما زعم أهل الكلام، بل هو صفة كمال لا تنفك عنه أزلاً، وتتعلق بمشيئته فعلاً.
المطلب الأول: إثبات "الحرف والصوت" من نصوص السلف والآثار
1. نصوص الإمام أحمد بن حنبل
نقل عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أبيه قوله في الرد على من أنكر الصوت: "الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت".
* المصدر: عبد الله بن الإمام أحمد، كتاب "السنة"، تحقيق: د. محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى (1406هـ)، المجلد (1)، الصفحة (280).
2. نص الإمام السجزي (ت 444هـ)
وهو من أشد من قرر هذه المسألة في رسالته الشهيرة إلى أهل زبيد، حيث قال: "فأما كلام الله سبحانه، فالذي عليه أهل السنة
أنه يتكلم كيف شاء، وبما شاء، وأن كلامه بحرف وصوت".
* المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الصوت"، تحقيق: د. محمد باكريم، دار الراية، الطبعة الأولى (1414هـ)، الصفحة (146).
المطلب الثاني: التفصيل في "قدم النوع وحدوث الآحاد"
هذه القاعدة هي التي تحل إشكالية "هل كلام الله مخلوق أم قديم؟".
* قدم النوع: أن الله لم يزل متصفاً بكونه متكلماً في الأزل، لم تمر عليه فترة وهو غير قادر على الكلام.
* آحاد الكلام: أن الله يتكلم متى شاء، فكلامه لنبينا محمد ﷺ وقع بعد كلامه لموسى عليه السلام بزمان.
النقولات العلمية:
* شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب السلف أن الكلام قديم النوع، حادث الآحاد، أي لم يزل الله متكلماً إذا شاء، ولكن آحاد كلامه كالنداء والوحي تتجدد بمشيئته".
المصدر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، جمع عبد الرحمن بن قاسم، المجلد (12)، الصفحة (54).
* الإمام ابن القيم: أكد في "الصواعق" أن هذا هو مقتضى كمال الربوبية.
* المصدر: ابن القيم، "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، دار العاصمة، المجلد (2)، الصفحة (532).
المطلب الثالث: بطلان قول أهل الكلام (المعنى النفسي)
رد السلف على من قال إن كلام الله معنى واحد في النفس لا يتعدد ولا يتجزأ (وهو قول ابن كلاب ومن تبعه).
* الحجة: لو كان الكلام معنى واحداً، لكان "الأمر" هو عين "النهي"، ولكان "الخبر" هو عين "الاستخبار"، وهذا باطل لغةً وعقلاً.
المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة السجزي"، مرجع سابق، الصفحة (178).
المصدر: ابن تيمية، "درء تعارض العقل والنقل"، جامعة الإمام، المجلد (2)، الصفحة (96).
المطلب الرابع: الأدلة النقلية على "الصوت"
* حديث الشفاعة: "فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديان".
تخريج الأثر: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في "صحيح البخاري"، كتاب التوحيد، باب (ما جاء في قوله: وكان عرشه على الماء)، المجلد (9)، الصفحة (124) وأخرجه الإمام أحمد في "المسند"، المجلد (25)، الصفحة (433)، رقم (16042).
* حديث الوحي: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا".
المصدر: أبو داود، "سنن أبي داود"، كتاب السنة، رقم (4738).
خاتمة المبحث والنتائج
* صفة الكلام لله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف بصورتها الحقيقية (حرف وصوت).
* نفي الصوت والحرف هو ذريعة للقول بخلق القرآن، وهو ما حذر منه الإمام أحمد والسجزي وابن تيمية وجميع السلف.
* الكلام صفة كمال ذاتية باعتبار الأصل، فعلية باعتبار المشيئة.
المبحث الثالث: معترك الآراء في صفة الكلام (دراسة مقارنة بين أهل السنة والفرق الضالة والفلاسفة)
تعد مسألة "كلام الله" من أمهات المسائل التي تمايزت فيها الصفوف، وقد ضل فيها خلق كثير
1_ما بين معطل للوصف
2_أو مشبه له بالمخلوق
3_ أو قائل بالمعنى النفسي
4_ بينما استقام أهل السنة على جادة النص والآثار.
المطلب الأول: أقوال الفرق المخالفة في صفة الكلام
3. الفلاسفة (المشاؤون كابن سينا)
قولهم: الكلام عندهم هو "فيض" يفيض من العقل الفعال على النفوس البشرية، وليس لله إرادة أو مشيئة في آحاد الكلام، فكلامه عندهم لا حرف فيه ولا صوت ولا ترتيب.
* المصدر: ابن تيمية، "النبوات"، مكتبة أضواء السلف، المجلد (2)، الصفحة (824).
2. الجهمية (نفاة الصفات)
قولهم: قالوا إن الله لا يتكلم، وكلامه هو "خلق" خلقه في غيره (كالشجرة أو الهواء)، فالله عندهم متكلم بمعنى "خالق للكلام".
* المصدر: ابن تيمية، "درء تعارض العقل والنقل"، جامعة الإمام، المجلد (2)، الصفحة (248).
3. المعتزلة (القائلون بخلق القرآن)
قولهم: وافقوا الجهمية في أن القرآن مخلوق، وزادوا أن نسبة الكلام لله هي نسبة "تشريف"
(كنسبة ناقة الله وبيت الله)، وأن كلامه يفنى وينفد.
المصدر: القاضي عبد الجبار (معتزلي)، "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، المجلد (7)، الصفحة (51).
4. الكلابية والاشاعرة والماتريدية (القائلون بالمعنى النفسي)
قولهم: فروا من قول المعتزلة (خلق القرآن) ووقعوا في بدعة "المعنى النفسي".
قالوا: كلام الله هو معنى واحد قائم بذاته، لا يتعلق بمشيئته، ولا هو بحرف ولا صوت.
وما بين أيدينا من قرآن هو
1_"حكاية" (عند الأشاعرة)
2_ أو "تعبير" (عند الماتريدية) عن ذلك المعنى.
المصدر: أبو الحسن الأشعري، "مقالات الإسلاميين"، تحقيق ريتر، الصفحة (153).
المصدر: البغدادي، "أصول الدين"، الصفحة (106).
المطلب الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة (التحقيق والتدقيق)
أجمع السلف ومنهم (أحمد،و البخاري، والسجزي، والدارمي وغيرهم) على أن الله يتكلم حقيقة، وكلامه يتصف بالآتي:
1. إثبات الحرف والصوت
أهل السنة يثبتون أن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت مسموع، نادى به موسى، وينادي به العباد يوم القيامة.
النقل: قال الإمام السجزي: "والسنة أن الله متكلم بحرف وصوت، فالحروف هي: (أ، ب، ت..)، والصوت ما يُسمع".
المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة إلى أهل زبيد"، ص (146).
2. "منه بدأ وإليه يعود"
هذا الأثر العظيم ذكره الإمام أحمد وغيره، ومعناه:
منه بدأ: أي هو المتكلم به ابتداءً، لم يخلقه في غيره، ولم يأخذه جبريل من اللوح المحفوظ "فُهوماً" بل سمعه من الله.
وإليه يعود: أي يُرفع من الصدور والأسطر في آخر الزمان فلا يبقى منه آية.
المصدر: ابن تيمية، "العقيدة الواسطية" مع شرح الفوزان، ص (105).
المصدر: اللالكائي، "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، المجلد (2)، ص (230).
المطلب الثالث: القواعد الفارقة بين الحق والباطل
1_ قاعدة النطق: الله موصوف بالنطق، والساكت سكوتاً مطلقاً ناقص، والله منزه عن النقص.
(ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج 12، ص 355).
2_قاعدة التعدد: كلام الله كلمات متعددة (أمر، نهي، خبر)، والقول بأنه "معنى واحد" يبطل حقائق الشرع.
3_قاعدة الاستماع: إثبات أن جبريل وموسى سمعا كلام الله حقيقة بلا واسطة.
(ابن القيم، "الصواعق المرسلة"، ج 2، ص 440).
الخلاصة المنهجية
إن قول الإمام أحمد "متكلماً إذا شاء وكيف شاء" هو السد المنيع الذي يحطم:
* تعطيل الجهمية (لأنه أثبت أنه متكلم).
* جمود الأشاعرة (لأنه أثبت المشيئة والآحاد).
* تكييف المشبهة (لأنه قال "كيف شاء" مفوضاً الكنه لله).
المبحث الرابع: معترك الآراء في صفة الكلام (تحقيق المصطلحات ورد الشبهات)
سؤال لماذا نفى أهل البدع صفة الكلام؟ (علة التعطيل)
قبل الولوج في الأقوال، يجب أن نفهم "الجذر العقلي" الذي انطلق منه هؤلاء.
السبب الرئيس ليس نصياً، بل هو قاعدة منطقية يونانية اعتمدوها تسمى (دليل الحدوث والأعراض).
خلاصة شبهتهم: مقدمتين ونتيجة
يقولون إن :
1_ "الكلام" لا يعقل إلا بحرف وصوت، والحرف وصوت لا يوجدان إلا بآلات (حنجرة، لسان، شفتين)، وهذه "أعراض"حادثة.
2_ فلو قلنا إن الله يتكلم، لزم أن تكون الحوادث قد قامت بذاته، وما قامت به الحوادث فهو "حادث" (مخلوق) مثلها.
3_ النتيجة: فروا من "التشبيه" بزعمهم، فوقعوا في "التعطيل"، وجعلوا الرب سبحانه أبكم لا يتكلم، أو جعلوا كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه.
المطلب الأول: شرح مصطلحات الفرق الضالة (لغوياً واصطلاحياً)
1. الجهمية والمعتزلة: "الخلق والإنشاء"
هؤلاء صرحوا بأن الله لا يتكلم حقيقة، بل هو "خالق للكلام".
المصطلح (مخلوق): لغةً من التقدير والإنشاء.
اصطلاحاً عندهم: أن الله أحدث أصواتاً وحروفاً في "محل" منفصل عنه، كالشجرة التي كلمت موسى، أو في الهواء.
الشرح : هم يقولون إن نسبة الكلام لله كنسبة "البيت" (بيت الله) أو "الناقة" (ناقة الله)، فهي إضافة خلق وتشريف وليست إضافة صفة لموصوف، فالمتكلم عندهم ليس من قام به الكلام، بل من فعله في غيره.
الفساد اللغوي: هذا يقلب اللغة؛ فالآكل هو من قام به الأكل، والشارب هو من قام به الشرب، فلو خلق الله أكلاً في غيره لم يصح أن يسمى الله "آكلاً". المصدر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج 7، ص 51.
2. الكلابية والأشاعرة: "الكلام النفسي" و "الحكاية"
لما رأى ابن كلاب ومن تبعه شنيع قول المعتزلة، أرادوا إثبات صفة قائمة بالذات، لكنهم اصطدموا بقاعدتهم
(أن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية)، فابتكروا بدعة "الكلام النفسي".
المصطلح (نفسي): لغةً ما يُكنه الإنسان في صدره ولم ينطق به.
اصطلاحاً عندهم: هو المعنى الواحد القائم بذات الله، الذي ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتبعض.
المصطلح (الحكاية): قالت الأشاعرة إن القرآن الذي نقرؤه بالحروف والأصوات هو "حكاية" عن ذلك المعنى النفسي القديم.
أي أن جبريل "حكى" ما فهمه من المعنى القائم بالله.
التحقيق اللغوي: "الحكاية" تقتضي المماثلة (حكيت الشيء إذا فعلت مثله).
وهذا يعني أن القرآن المخلوق (عندهم) يماثل كلام الله، وهذا تناقض.
المصدر: أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 153؛ البغدادي، أصول الدين، ص 106.
3. الماتريدية: "التعبير"
المصطلح (التعبير): هو مرادف للحكاية عند الأشاعرة، لكنهم اختاروه للهرب من لوازم كلمة "حكاية".
التعبير لغةً: الإبانة عما في النفس.
الشرح: يقولون إن الله له "كلام نفسي" واحد، وهذا المصحف "تعبير" عنه.
فالخلاف بينهم وبين الأشاعرة لفظي، وكلاهما ينتهي إلى أن هذا القرآن المكتوب "مخلوق" لأنه غير الكلام النفسي.
المصدر: الماتوريدي، كتاب التوحيد، ص 58.
4. الفلاسفة المشاؤون: "الفيض"
المصطلح (الفيض): لغةً السيلان والكثرة.
اصطلاحاً عندهم: أن الكلام ليس صفة لله أصلاً، بل هو إشراقات تفيض من "العقل الفعال" على "نفس النبي".
الشرح: الله عندهم "موجب بالذات" (أي يفعل بلا مشيئة كالشمس تشرق بلا إرادة)
فالكلام ليس نداءً ولا خطاباً، بل هو تخيلات يصورها النبي في نفسه.المصدر: ابن تيمية، النبوات، ج 2، ص 824.
المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة
أهل السنة وسط بين من جعل الكلام (مخلوقاً منفصلاً) وبين من جعل عنه (معنىً نفسياً أصم).
1. إثبات الحرف والصوت (بطلان المعنى النفسي)
أجمع السلف أن الله يتكلم بصوت يسمع، وحروف تكتب وتُقرأ.
الدليل: حديث جابر عن عبد الله بن أنيس: "ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب"
(رواه البخاري تعليقاً في الأدب المفرد).
الرد اللغوي: الكلام في لغة العرب لا يسمى كلاماً إلا إذا كان بمنظوم (حرف وصوت).
أما ما في النفس فيسمى (حديث نفس) أو (ظناً) أو (عزماً)، ولا يسمى كلاماً حقيقة إلا بالبيان.
المصدر: السجزي، رسالة إلى أهل زبيد، ص 146.
2. الكلام صفة "ذات وفعل" معاً
هذه أدق مسألة فرق فيها أهل السنة (وعلى رأسهم ابن تيمية) بين الحق والباطل:
1_كلام الله قديم النوع: أي أن الله لم يمر عليه وقت كان فيه "أبكم" ثم صار "متكلماً"، بل هو متكلم منذ الأزل.
2_كلام الله حادث الآحاد: أي أن "آحاد" الكلام
(مثل كلامه لموسى حين جاء، وكلامه لأهل الجنة حين يدخلونها) تقع بمشيئته وقدرته في وقتها.
* المصدر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 12، ص 355.
المطلب الثالث: الرد المنهجي على المصطلحات المبتدعة
الرد على "المعنى النفسي":
إذا قلت إن القرآن "معنى واحد"، لزم من ذلك أن تكون (آية الكرسي) هي عين (آية الدين)، وأن (التوراة) هي عين (القرآن)، لأن المعنى الواحد لا يتبعض! وهذا باطل بضرورة العقل والشرع.
الرد على "الحكاية والتعبير":
لو كان القرآن "حكاية" عن كلام الله، لم يكن هو "كلام الله" حقيقة.
والله يقول: {حتى يسمع كلام الله}، ولم يقل "يسمع حكاية عن كلام الله".
الرد على "خلق الكلام":
من قال إن الله خلق الكلام في الشجرة، لزم أن تكون "الشجرة" هي القائلة لموسى: {إنني أنا الله لا إله أنا}! وهذا كفر، فلا يجوز أن يقول "أنا الله" إلا الله سبحانه. المصدر: ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 440.
المطلب الرابع: خلاصة المقارنة بين المذاهب
الجهمية والمعتزلة:
يرون أن حقيقة الكلام هي "فعل منفصل" (خلق)، والقرآن عندهم مخلوق تماماً، والدافع هو تنزيه الله عن حلول الحوادث بذاته.
الأشاعرة والكلابية:
يرون الكلام "معنىً نفسياً قديماً"، والقرآن الذي بين أيدينا "حكاية" عنه وهو مخلوق، هرباً من وصف الله بالأفعال الاختيارية.
الماتريدية:
يوافقون الأشاعرة في المعنى النفسي، لكنهم يسمون القرآن المكتوب "تعبيراً" بدلاً من حكاية، والنتيجة العقدية واحدة.
الفلاسفة:
يرون الكلام مجرد "فيض وتخييل" يقع في نفس النبي، وينكرون المشيئة والخطاب الإلهي المباشر.
أهل السنة والجماعة:
يثبتون أن الكلام صفة ذات وفعل (حرف وصوت حقيقي)، والقرآن كلام الله غير مخلوق
وهو قولهم الجامع بين إثبات النص وتنزيه الخالق.
الخلاصة
إن مذهب أهل السنة هو الوحيد الذي أثبت لله "الكمال"؛ لأن من لا يتكلم ناقص، ومن يتكلم "بغير مشيئته"
(كالمعنى النفسي القهري) ناقص، ومن يتكلم "بآلة" (كالبشر) محتاج.
أما الله فيتكلم بمشيئته، وقدرته، وحروفه، وصوته الذي يليق بجلاله، بلا تكييف ولا تمثيل.