الجمعة، 27 مارس 2026

💠 البُرهانُ السَّاطِع فِي كَشْفِ مَآلَاتِ التَّعْطِيل 💠 قِرَاءَةٌ اسْتِقْصَائِيَّةٌ فِي أَثَرِ الإِمَامِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (ت ١٧٩هـ) وَقَبْضَتِهِ عَلَى أُصُولِ الجَهْمِيَّةِ



💠 البُرهانُ السَّاطِع فِي كَشْفِ مَآلَاتِ التَّعْطِيل 💠

قِرَاءَةٌ اسْتِقْصَائِيَّةٌ فِي أَثَرِ الإِمَامِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (ت ١٧٩هـ)

وَقَبْضَتِهِ عَلَى أُصُولِ الجَهْمِيَّةِ

تأليف وإعداد:

المُدَوِّنُ / أَبُو أَنَس عِمَاد بْن عَبْدِ العَزِيز

"إنَّمَا يُحَاوِلُ هَؤُلَاءِ الجَهْمِيَّةُ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ؛ لِإِنْكَارِهِمِ اسْتِوَاءَهُ، وَنُزُولَهُ، وَتَكَلُّمَهُ بِمَشِيئَتِهِ"

الإمام حماد بن زيد


مُحْتَوَيَاتُ المَبْحَثِ:

  • المطلب الأول: نزهة المشتاق في ترجمة إمام أهل العراق (حماد بن زيد).
  • المطلب الثاني: التخريج الأثري والتحقيق المسندي لنص الأثر.
  • المطلب الثالث: التحليل اللغوي والدلالي لمصطلح "المحاولة" و"العدم".
  • المطلب الرابع: القواعد العقدية الكبرى المستنبطة من درر حماد بن زيد.
  • المطلب الخامس: مآلات التعطيل: كيف يؤول نفي الصفات إلى نفي الذات؟
  • المطلب السادس: الردود المسكتة على غلاة الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية.

إعداد وتحقيق:

المُدَوِّنُ / أَبُو أَنَس عِمَاد بْن عَبْدِ العَزِيز

💠 البُرهانُ السَّاطِع فِي كَشْفِ مَآلَاتِ التَّعْطِيل 💠

قِرَاءَةٌ اسْتِقْصَائِيَّةٌ فِي أَثَرِ الإِمَامِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ (ت ١٧٩هـ)

وَقَبْضَتِهِ عَلَى أُصُولِ الجَهْمِيَّةِ

إعداد وتحقيق: المُدَوِّنُ / أَبُو أَنَس عِمَاد بْن عَبْدِ العَزِيز

المبحث الأول: ترجمة الإمام العلم حماد بن زيد (ت 179هـ)

1. حياته ونشأته

هو حماد بن زيد بن درهم، الإمام المحدث الحافظ، شيخ الإسلام، أبو إسماعيل الأزدي مولاهم، البصري. ولد سنة 98 هـ في خلافة عمر بن عبد العزيز. كان ضريراً (أعمى) لكنه كان آية في الإتقان، حتى قال عنه الإمام أحمد: "حماد بن زيد من أئمة المسلمين". نشأ في البصرة، حاضرة العلم والسنة، وكان من أثبت الناس في الحديث.

 * المصدر: (سير أعلام النبلاء، الذهبي، ج8، ص441، مؤسسة الرسالة).

 * المصدر: (تذكرة الحفاظ، الذهبي، ج1، ص228، دار الكتب العلمية).

2. شيوخه وتلاميذه

شيوخه: روى عن جيل التابعين، ومنهم:

 * أيوب السختياني: (وهو شيخه الأكبر).

 * أنس بن سيرين، ومحمد بن سيرين (رآه).

 * ثابت البناني.

 * يحيى بن سعيد الأنصاري.

   تلاميذه: روى عنه أئمة الدنيا، ومنهم:

 * عبد الله بن المبارك.

 * عبد الرحمن بن مهدي.

 * يحيى بن سعيد القطان.

 * سليمان بن حرب.

 * المصدر: (تهذيب الكمال، المزي، ج7، ص240، مؤسسة الرسالة).

3. عقيدته ورده على أهل البدع

كان حماد بن زيد جبل السنة في عصره، متمسكاً بعقيدة السلف في إثبات الصفات. كان شديداً على القدرية والجهمية. عُرف بصلابته في وجه المعتزلة في البصرة، وكان يرى أن الجهمية هم "زنادقة" يريدون هدم الدين من الداخل بإنكار وجود الله فوق عرشه.

 * المصدر: (تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، ج8، ص343، دار الكتب العلمية).

 * المصدر: (طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، ج1، ص140).

المبحث الثاني: نص الأثر وتخريجه وتحقيقه

نص الأثر

> قال حماد بن زيد رحمه الله: "إنَّمَا يُحَاوِلُ هَؤُلَاءِ الجَهْمِيَّةُ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ؛ لِإِنْكَارِهِمِ اسْتِوَاءَهُ، وَنُزُولَهُ، وَتَكَلُّمَهُ بِمَشِيئَتِهِ".

التخريج والتحقيق الأثري

 * الإمام عبد الله بن أحمد في "السنة": ج1، ص119، رقم (36)، طبعة دار ابن القيم، بتحقيق القحطاني. (سنده: حدثني أبي، قال حدثنا سليمان بن حرب، قال سمعت حماد بن زيد...).

 * الإمام البخاري في "خلق أفعال العباد": ص16، طبعة دار المعارف.

 * ابن بطة في "الإبانة الكبرى": ج7، ص143، رقم (232)، دار الراية.

 * اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السنة": ج3، ص396، رقم (671)، دار طيبة.

 * ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية": ص144، مكتبة المؤيد.

درجة الأثر: صحيح ثابت كالشمس، رواه أئمة الإسلام بسند متصل صحيح كالجبال.

المبحث الثالث: التدقيق اللغوي والتحليل المعمقي للأثر

 * "إنما يحاولون": كلمة "المحاولة" تدل على أن الجهمية يستخدمون "الحيلة" والمراوغة، فهم لا يصرحون بنفي الإله خوفاً من السيف أو الفضيحة، بل يمهدون لذلك بنفي الصفات.

 * "ليس في السماء إله": "في" تعني "على" (علو الذات)، ونفي الفوقية عند السلف يعني نفي الوجود، لأن الموجود لا بد أن يكون متميزاً عن العدم بالعلو.

 * "تكلمه بمشيئته": هنا دقة عقدية بالغة؛ فحماد يثبت أن الكلام "فعل اختياري" لله، وليس مجرد "معنى نفسي" أزلي لا يتعلق بالمشيئة كما ادعت الأشاعرة لاحقاً.

المبحث الرابع: القواعد المستنبطة والعلماء المستشهدون بالأثر

القواعد المستنبطة:

 * قاعدة التلازم: إثبات الذات يستلزم إثبات الصفات، ونفي الصفات يؤول حتماً لنفي الذات.

 * قاعدة العلو: إثبات علو الله على خلقه هو الفارق بين الموحد والمعطل.

 * قاعدة الأفعال الاختيارية: إثبات الاستواء والنزول والكلام كأفعال يقوم بها الرب بمشيئته وقدرته.

العلماء المستشهدون به:

 * ابن تيمية: في "مجموع الفتاوى" (ج5، ص53) و"بيان تلبيس الجهمية" (ج1، ص450).

 * ابن القيم: في "الصواعق المرسلة" (ج4، ص1304).

 * الذهبي: في "العلو للعلي الغفار" (ص144).

المبحث الخامس: عشرة فوائد من أثر حماد بن زيد

 * كشف خبيئة مذهب الجهمية وأنه "عدم محض".

 * بيان أن نفي الصفات الاختيارية (كالنزول) هو قدح في كمال الربوبية.

 * إثبات أن الله فوق سماواته بائناً من خلقه.

 * التحذير من الحيل الكلامية التي تتستر خلف لفظ "التنزيه".

 * إثبات صفة "الكلام" لله حرفاً وصوتاً بمشيئته سبحانه.

 * الفطرة البشرية تقر بالعلو، والمعطل يحاول كسر هذه الفطرة.

 * إثبات الاستواء كفعل حقيقي لله يليق بجلاله.

 * بيان أن الجهمي "يعبد عدماً"، والمشبه "يعبد صنماً"، والموحد "يعبد إلهاً أحداً صمداً".

 * دقة نظر أئمة السلف في ربط النتائج بالمقدمات الفاسدة.

 * وجوب الرد على أهل البدع وفضح مآلات أقوالهم للأمة.

المبحث السادس: دراسة عميقة في مآلات التعطيل وفلسفة النفي

1. فلسفة النفي (الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية)

جميع هذه الفرق اشتركت في مقدمة واحدة وهي "نفي التشبيه"، ولكنها انتهت بنفي الخالق حقيقة أو حكماً.

 * الجهمية والمعتزلة: نفوا الصفات بالكلية فصار معبودهم مجهولاً.

 * الأشاعرة والماتريدية: أثبتوا سبع صفات ونفوا الباقي (كالاستواء والنزول)، وما نفوه هو عين ما حذر منه حماد بن زيد؛ لأنهم بإنكارهم النزول والاستواء الحقيقي، وافقوا الجهمية في مآل قولهم "ليس في السماء إله".

2. الرد على افتراءاتهم في الصفات (عشر صفات نموذجاً)

 * الاستواء: قالوا استيلاء. الرد: الاستيلاء لا يكون إلا لمغالب، والله غالب بكل حال.

 * النزول: قالوا نزول أمره. الرد: الأمر ينزل دائماً، فما تخصيص ثلث الليل؟

 * الكلام: قالوا معنى نفسي. الرد: النفسي ليس كلاماً في لغة العرب، بل هو حديث نفس.

 * اليدين: قالوا النعمة. الرد: الله قال (بيديَّ) بالتثنية، والنعمة لا تحصر باثنتين.

 * الوجه: قالوا الذات. الرد: الوجه صفة كمال مضافة للذات.

 * العلو: قالوا علو القدر. الرد: علو القدر ثابت للجماد (كالذهب)، فكيف لا يثبت علو الذات للخالق؟

 * المجيء: قالوا مجيء الملك. الرد: النص صريح (وجاء ربك والملك)، ففرق بينهما.

 * الغضب: قالوا إرادة الانتقام. الرد: الغضب صفة حقيقة، والإرادة صفة أخرى.

 * المحبة: قالوا إرادة الثواب. الرد: المحبة أخص وأسمى من مجرد الإرادة الباردة.

 * الضحك: قالوا الرضا. الرد: الضحك صفة فعلية تليق بجلاله ثبتت بالسنة الصحيحة.

الخلاصة

إن أثر حماد بن زيد هو "الفيصل" في باب الأسماء والصفات. لقد لخص هذا الإمام الصراع في جملة واحدة: "إنهم يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله". فكل من أنكر علو الله أو استواءه أو كلامه أو نزوله، فقد وضع لبنة في جدار الإلحاد والتعطيل.

إعداد وتحقيق: المُدَوِّنُ / أَبُو أَنَس عِمَاد بْن عَبْدِ العَزِيز



فصل النزاع في إثبات الصوت لله بغير انقطاع وفيه برهان البخاري الذي لا يباع

 






أولاً: تخريج الأثر وعزوه

هذا الأثر مشهور عن الإمام البخاري، وقد أورده في أهم كتبه الاعتقادية:

 * خلق أفعال العباد: ذكر البخاري: "وأن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب، فليس ذلك لغير الله عز وجل". (ص 100، طبعة دار المعارف).

 * صحيح البخاري: أشار إليه البخاري ترجمةً (أي في عنوان الباب) في كتاب التوحيد، "باب قول الله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)"، حيث قال: "ويُذكر عن النبي ﷺ أن الله ينادي بصوت...".

ثانياً: التدقيق اللغوي للأثر

 * ينادي: النداء في اللغة هو رفع الصوت والدعاء، ولا يكون النداء عند العرب إلا بصوت.

 * بصوت: التقييد بالباء هنا للتوكيد وإثبات الحقيقة ونفي المجاز.

 * يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: هذه الجملة تدل على كمال القدرة وعظمة الذات؛ فصوت المخلوق يتسامى ويضعف بالبعد، أما صفة الله فلا يشبهها شيء، فهو صوت مسموع للجميع بذات القوة والوضوح.

 * فليس هذا لغير الله: "ليس" هنا للنفي القاطع، و"غير الله" تشمل سائر المخلوقات، وهو استدلال بالخصائص الإلهية التي لا يشاركه فيها أحد.

ثالثاً: العلماء الذين استشهدوا بالأثر

كبار أئمة السنة نقلوا هذا الأثر عن البخاري واحتجوا به:

 * الإمام ابن تيمية: في كتابه (مجموع الفتاوى)، المجلد 6، صفحة 527.

 * الإمام ابن القيم: في كتابه (إجتماع الجيوش الإسلامية)، صفحة 189، طبعة دار الكتب العلمية.

 * الإمام الذهبي: في كتابه (العلو للعلي الغفار)، صفحة 214، وفي كتابه (سير أعلام النبلاء) في ترجمة البخاري.

 * الحافظ ابن حجر العسقلاني: في (فتح الباري)، المجلد 13، صفحة 454، حيث شرح مراد البخاري من هذا الأثر.

رابعاً: من يرد هذا الأثر وأدلتهم (بعمق)

رد هذا الأثر طوائف من المتكلمين (كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية) بناءً على أصولهم في "تنزيه الله عن الحوادث" كما يزعمون، وأبرز أدلتهم:

 * دليل التركيب: زعموا أن الصوت يستلزم مخارج (حنجرة، لسان، هواء)، والله منزه عن الجوارح.

 * دليل الحدوث: قالوا إن الصوت يبدأ وينتهي، وهذا يعني حلول الحوادث في ذات الله، وهو عندهم ممتنع.

 * تأويل النداء: أولوا "النداء" بأنه خلق صوت في الهواء، أو أنه نداء ملك من الملائكة أضيف إلى الله تشريفاً.

الرد عليهم: رد أئمة السلف بأن إثبات الصفة لا يستلزم تشبيهها بصفات المخلوقين، فالله له صوت يليق بجلاله دون حاجة لأدوات البشر، وكما أننا نثبت له "يداً" و "وجهاً" بلا تكييف، نثبت له "صوتاً" بلا تكييف.

خامساً: القواعد المستنبطة من الأثر

 * قاعدة: "إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل".

 * قاعدة: "الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز"، فالنداء حقيقة بصوت.

 * قاعدة: "المباينة بين الخالق والمخلوق"، فصوت الله لا يشبه أصوات المحدثين في كيفية السماع.

سادساً: الفوائد العشر للأثر

 * إثبات صفة الكلام لله عز وجل.

 * بيان أن نداء الله مسموع بالحس.

 * التفريق بين صفة الخالق وعجز المخلوق (السماع من بعد وقرب).

 * الرد على الجهمية ومنكري الصفات.

 * تعظيم شأن الله في القلوب عند استشعار ندائه يوم القيامة.

 * إثبات أن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء (صفة اختيارية).

 * تأكيد المنهج الأثري للإمام البخاري في العقيدة.

 * بيان أن الإيمان بالصفات توقيفي على النص.

 * دحض شبهة "الكلام النفسي" (القول بأن كلام الله معنى بلا صوت).

 * إثبات علو الله ومكانته بصفة النداء.

سابعاً: ترجمة الإمام البخاري

1. معتقده

كان الإمام البخاري على معتقد أهل السنة والجماعة (أهل الحديث)؛ يؤمن بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويثبت الصفات الخبرية والفعلية لله من غير تكييف، ويؤمن بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

2. ولادته ونشأته

 * الميلاد: ولد في شوال سنة 194 هـ في مدينة بخارى (بأوزبكستان الحالية).

 * البيئة: نشأ يتيماً في حجر والدته التي كانت عابدة مستجابة الدعوة، وقد فقد بصره في صغره فرد الله عليه بصره ببركة دعائها. نشأ في بيئة علمية حيث كان والده (إسماعيل) من المحدثين.

3. شيوخه وتلاميذه

 * أبرز شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل، علي بن المديني، يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه.

 * أبرز تلاميذه: الإمام مسلم (صاحب الصحيح)، الإمام الترمذي، الإمام النسائي، وابن خزيمة.

4. رحلاته والناس الذين قابلهم

ارتحل البخاري رحلة طويلة شملت: مكة والمدينة (جاور فيهما سنوات)، البصرة، الكوفة، بغداد، مصر، والشام. قابل خلالها آلاف المحدثين، ويقول عن نفسه: "كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس فيهم إلا صاحب حديث".

5. وفاته

توفي رحمه الله في ليلة عيد الفطر سنة 256 هـ في قرية "خرتنك" بالقرب من سمرقند، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت بسبب الفتن التي أُثيرت حوله، فدعا ربه أن يقبضه إليه، فمات بعدها بأيام قليلة.

تعد مسألة "إثبات الصوت" في كلام الله تعالى من أدق المسائل التي فصلت بين منهج السلف (أهل الحديث) وبين مناهج المتكلمين والفلاسفة، وقد كان للإمام البخاري قدح المعلى في هذا الباب من خلال كتابه العظيم "خلق أفعال العباد".

إليك تفصيل الردود على الفرق التي ذكرتها، ودور البخاري المحوري في ذلك:

أولاً: الرد على الفرق (الفلاسفة، الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية)

 * الفلاسفة:

   * شبهتهم: يرون أن الله "عقل مجرد" أو "وجود مطلق" لا يتصف بصفات تقوم بذاته، والكلام عندهم هو فيض من العقل الفعال أو مجرد معانٍ ذهنية.

   * رد الأثر عليهم: أثبت البخاري بهذا الأثر أن الله "ينادي"، والنداء فعل يقوم بالذات ويتعدى للسماع، وهذا يبطل كون الإله مجرد فكرة صامتة أو علة لا تتكلم.

 * الجهمية (أتباع جهم بن صفوان):

   * شبهتهم: ينكرون الأسماء والصفات بالكلية، ويقولون إن الله لا يتكلم، وإنما خلق كلاماً في غيره (كالشجرة أو الهواء).

   * رد الأثر عليهم: قوله "يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" يثبت أن المصدر هو الله، فالمخلوق (كالهواء أو الشجرة) لا يملك خاصية إيصال الصوت للبعيد والقريب بنفس الدرجة، فهذا تخصيص لصفة الخالق.

 * المعتزلة:

   * شبهتهم: يقولون القرآن مخلوق، وكلام الله هو أصوات وحروف خلقها الله في أجسام منفصلة عنه.

   * رد الأثر عليهم: استدل البخاري بالأثر ليثبت أن الكلام صفة قائمة بذات الله (فعل اختياري)، والنداء المذكور في الأثر ينسب الفعل لله مباشرة "أن الله ينادي"، ومحال أن ينادي الله بآلة مخلوقة ثم ينسب النداء لنفسه حقيقة.

 * الأشاعرة والماتريدية:

   * شبهتهم: يثبتون "الكلام النفسي"، أي أن الله يتكلم بلا صوت ولا حرف، وأن ما نسمعه (القرآن) هو حكاية أو عبارة عن كلام الله القديم.

   * رد الأثر عليهم: هذا الأثر هو القاصمة لقولهم، لأن البخاري نص صراحة على "الصوت" وقيد السماع بـ "البعد والقرب"، وهذه لوازم الصوت الحقيقي المسموع، فإثبات الصوت يبطل دعوى الكلام النفسي الصامت.

ثانياً: دور الإمام البخاري في الرد على هذه الشبهات

كان البخاري يتبع منهجاً "أثرياً عقلياً" في آن واحد:

 * إثبات الحقيقة ونفي التشبيه: كان البخاري يقرر أن الله يتكلم بصوت، لكنه ليس كأصوات المخلوقين (التي تخرج من حنجرة ومقاطع)، بل هو صوت يليق بجلاله، ودليله أن البعيد والقريب يسمعه سواء، وهذا محال في أصوات البشر.

 * التفريق بين الفعل والمفعول: البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" فرق بين "كلام الله" (الذي هو صفته وغير مخلوق) وبين "أصوات العباد ومدادهم" (التي هي مخلوقة)، وبذلك رد على "اللفظية" وعلى "الجهمية" في آن واحد.

ثالثاً: صيغ النداء والتكلم والمناجاة في القرآن

أورد البخاري والعلماء أدلة قرآنية تدعم أثر "الصوت":

 * النداء: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ)، والنداء في لغة العرب لا يكون إلا بصوت مسموع.

 * المناجاة: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، والنجاء هو الإسرار بالقول، وهو قسيم النداء، وكلاهما يستلزم صوتاً.

 * التكلم: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)، المصدر المؤكد "تكليماً" ينفي المجاز ويثبت حقيقة الكلام.

رابعاً: آثار أخرى للبخاري في إثبات الصوت والكلام

لم يكتف البخاري بالأثر الذي ذكرتَه، بل أورد في "خلق أفعال العباد" و "التوحيد" من صحيحه جملة من الآثار:

 * حديث الشفاعة: وفيه: "فيناديهم بصوت يسمعه من بَعد كما يسمعه من قَرب: أنا الملك، أنا الديان". (وهو أصل الأثر الذي سألت عنه).

 * أثر في كلام الله لأهل الجنة: استشهد بآيات السلم ليدلل على أن الله يخاطبهم ويسمعون قوله.

 * قوله في الرد على الجهمية: "فحدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن قتادة.. في قوله (وكلم الله موسى تكليماً) قال: شافهَهُ به مشافهة". والمشافهة تستلزم صوتاً وحرفاً مسموعاً.

الخلاصة:

البخاري استخدم "أثر الصوت" كمعيار للتمييز بين الرب الخالق وبين الصنم أو العدم؛ فمن لا يتكلم ولا يسمع له صوت ليس بإله، ولذلك قال في كتابه: "فبيّن الرب عز وجل أن الجوارح والخلق لا يتكلمون إلا بصوت، فكذلك النداء من الله عز وجل" (أي مع نفي المماثلة في الكيفية).



برهان الكمال في فقه قاعدة الحركة والفاعلية عند الإمام الدارمي" "دراسة عقدية تحليلية في لوازم صفات الأفعال الاختيارية"


 




 

" برهان الكمال في فقه قاعدة الحركة والفاعلية عند الإمام الدارمي"
     "دراسة عقدية تحليلية في لوازم صفات الأفعال الاختيارية".

 "قاعدة الحركة والفعالية" عند إمام أهل السنة عثمان بن سعيد الدارمي

أولاً: تخريج الأثر ونسبته وحكمه

هذا الأثر من أشهر ما نُقل عن الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (المتوفى 280هـ)، وهو إمام السجزي وابن خزيمة، وأحد قمعة البدعة في زمانه.

 * نص الأثر:

 "والحي الفعال لا يكون إلا متحركاً إذا شاء، والنزول والمجيء والاستواء أفعال الحي، والميت لا يتحرك".

 * موطن الأثر: ورد هذا النص في كتابه العظيم الذي قمع به المريسي.

 المصدر: عثمان بن سعيد الدارمي، نقض الإمام أبي سعيد عثمان بن سعيد على المريسي الجهمي العنيد فيما افترى على الله في التوحيد، تحقيق: رشيد رضا، مكتبة دار الكتب العلمية، ص (147). وكذا في المجلد (1)، ص (254) بتنسيقات أخرى.

 * حكم الأثر: الأثر صحيح وثابت عن الدارمي، وقد نقله عنه كبار الأئمة محتجين به، وعلى رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه، ولم ينكره أحد من السلف، بل تداولوه كقاعدة عقلية ونقلية في الرد على الجهمية.

ثانياً: التدقيق اللغوي لألفاظ الأثر

كلمات الإمام الدارمي جاءت في غاية الدقة اللغوية لقطع الطريق على المعطلة:

 * الحي الفعال:

 "الحي" لغةً هو القائم بنفسه ضد الميت.

 و"الفعال" صيغة مبالغة على وزن (فعّال)، تقتضي كثرة الفعل وتجدده بمشيئته.

 * متحركاً إذا شاء: الحركة لغةً هي الانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان. 

والدارمي : هنا يقصد "الحركة الاختيارية" التي هي من لوازم الحياة الكاملة

 وقيدها بـ "إذا شاء" لبيان أنها فعل اختياري وليست حركة اضطرارية كحركة المخلوق.

 * النزول والمجيء والاستواء:

 استعمل أفعالاً وردت في القرآن والسنة (يُنزل، وجاء ربك، استوى) ليثبت أنها أفعال حقيقية قائمة بالذات الإلهية.

 * الميت لا يتحرك

ضرب مثلاً بالموت (وهو العدم أو سلب الحياة) ليبين أن نفي الفعل عن الله هو وصف له بصفات الأموات أو الجمادات، تعالى الله عن ذلك.

ثالثاً: شرح الأثر وتفصيل معناه العقدي

يريد الإمام الدارمي أن يقرر قاعدة عقلية يسلم بها كل ذي عقل سليم، وهي أن "الفعل فرع عن الحياة".

 * إثبات صفات الأفعال: يقرر الدارمي أن الله ليس ذاتاً جامدة لا تفعل، بل هو إله حي، ومن لوازم حياته أن يجيء يوم القيامة لفصل القضاء، وينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، ويستوي على عرشه.

 * الحركة الاختيارية: مصطلح "الحركة" الذي استعمله الدارمي هو اصطلاح أراد به الرد على الجهمية الذين قالوا: "الله لا يتحرك؛ لأن الحركة لا تكون إلا في الأجسام".

 فرد عليهم الدارمي بأن نفي الحركة مطلقاً هو وصف لله بالموات، فالحي الذي ليس له فعل اختياري هو في حكم الميت.

المصدر: ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، مجمع الملك فهد، ج (1)، ص (438).

رابعاً: على من يرد هذا الأثر؟

يرد هذا الأثر على طائفتين رئيستين في باب الصفات:

1. الجهمية والمعتزلة (نفاة الصفات):

هؤلاء ينفون أن يكون لله فعل يقوم به، ويقولون إن نزول الله هو "نزول أمره" أو "نزول ملك من ملائكته". 

رد عليهم الدارمي بأن الأمر والملك مخلوقان، والله وصف الفعل لنفسه، والجماد لا يتحرك بمشيئته، فكيف تسلبون عن الخالق كمال الفعل؟

2. الكلابية والأشاعرة والماتريدية:

هؤلاء أثبتوا صفات الذات (كالحياة والعلم) ونفوا "صفات الأفعال الاختيارية" القائمة بالذات.

 زعموا أن الله لا يقوم به فعل متعلق بالمشيئة (أي لا يجيء ولا ينزل حقيقة بحركة واختيار).

 * وجه الرد: الدارمي يثبت أن هذه الأفعال (استواء، نزول، مجيء) هي أفعال الحي حقيقة

     ونفيها يستلزم تشبيه الله بالجمادات أو الأموات الذين لا قدرة لهم على الفعل والتحرك.


    المصدر: ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة، دار العاصمة، ص (388).


خامساً: القواعد المستنبطة من هذا الأثر

استنبط العلماء من قول الدارمي قواعد كبرى، منها:

 * قاعدة كمال الفعل: كل حي كامل الحياة هو فعال بمشيئته، والرب أحق بهذا الكمال.

 * قاعدة التلازم: إثبات الذات يقتضي إثبات الصفات، وإثبات الصفات يقتضي إثبات الأفعال.

 * قاعدة بطلان السكون المطلق: السكون المطلق نقص لا يليق بالخالق، لأن الفعالية هي سمة الألوهية.

 * قاعدة إثبات الألفاظ: جواز إطلاق الألفاظ التي تدل على معاني صحيحة (كالحركة) في مقام الرد على المبتدعة وإن لم يرد لفظها نصاً، طالما أن معناها حق (وهو الفعل الاختياري).


سادساً: من استشهد بهذا الأثر من الأئمة؟

لقد طار هذا الأثر في كتب أئمة أهل السنة واحتجوا به في كبرى مصنفاتهم:

شيخ الإسلام ابن تيمية: في كتابه درء تعارض العقل والنقل، ج (7)، ص (7). 

وفي منهاج السنة النبوية، ج (2)، ص (332).

 * الإمام ابن القيم: في كتابه الصواعق المرسلة، ج (4)، ص (1322).

 * الإمام الذهبي: في كتابه العلو للعلي الغفار، ص (192)، حيث نقل كلام الدارمي وأقره.

سابعاً: عشر فوائد مستخلصة من أثر الدارمي

 * إثبات المشيئة: أن أفعال الله ليست اضطرارية بل "إذا شاء".

 * التمايز عن الجماد: الله منزه عن السكون الذي هو سمة الموات والعدم.

 * حقيقة الاستواء: الاستواء فعل حقيقي قام به الرب بعد خلق العرش.

 * إبطال التأويل: بطلان قول من قال إن النزول هو نزول الرحمة، لأن الرحمة لا توصف بالحي الفعال.

 * تقرير العقل الصحيح: استخدام القياس العقلي (الحي ضد الميت) لإثبات كمال الله.

 * قوة المنهج الأثري: الاعتماد على النصوص مع فهم لوازمها الصحيحة.

 * بيان عجز المعطلة: إحراج المبتدعة في لوازم قولهم (أن إلههم لا يفعل شيئاً بذاته).

 * الربط بين الأسماء والصفات: الربط بين اسم "الحي" وبين صفة "الفعل".

 * التنزيه الحقيقي: التنزيه هو إثبات الكمال لا نفي الصفات.

 * شجاعة الأئمة: الجرأة في استعمال الألفاظ الواضحة لقطع دابر الشبهة.

ثامناً: ترجمة الإمام عثمان بن سعيد الدارمي

1. عقيدته:

كان إماماً سلفياً قحاً، حامياً لحمى العقيدة، شديداً على الجهمية.

 برز في إثبات صفات العلو والاستواء وكلام الله. كتابه "الرد على الجهمية" و "النقض على المريسي" من أمهات كتب الاعتقاد المسندة.

2. شيوخه:

 * الإمام أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة).

 * يحيى بن معين (إمام الجرح والتعديل).

 * علي بن المديني.

 * إسحاق بن راهويه.

3. تلاميذه:

 * الإمام أبو داود السجستاني (صاحب السنن).

 * الإمام الترمذي.

 * الإمام النسائي.

 * ابن خزيمة (إمام الأئمة).

4. وفاته: توفي الإمام الدارمي في ذي الحجة سنة 280 هـ، فرحمه الله رحمة واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.


(تتمة المبحث):

 النظريات الوجودية في "قاعدة الحركة والفاعلية"

أولاً: التوسع الفلسفي في

 "مفهوم الحركة" (بين الإثبات والنفي)

لقد كانت "الحركة" هي المعترك الأكبر في تاريخ الفلسفة، وانقسموا فيها إلى تيارات، منها ما يخدم قول الدارمي ومنها ما يصادمه:

1. المدرسة الأرسطية (المشاؤون):

 * قولهم: أثبت أرسطو أن الله هو "المحرك الذي لا يتحرك".

 * نقد الدارمي الضمني لهم: أرسطو جعل الله علة غائية (كالمغناطيس يجذب الأشياء إليه) لكنه لا يفعل بذاته ولا يتحرك. 

وهذا هو "الجمود" الذي نفاه الدارمي بقوله: "والحي الفعال لا يكون إلا متحركاً". فالفلاسفة أثبتوا "تحريك غيره" ونفوا "حركته هو بمشيئته"، فجعلوه ناقصاً كالمصنع الذي يعمل بلا صانع مباشر.

2. مدرسة "الحركة الجوهرية" (صدر المتألهين ومن تبعه):

 * قولهم: إن الوجود كائن سيّال، والحركة ليست عرضاً يطرأ على الجسم، بل هي جوهر الوجود.

 * الاستفادة العقدية

رغم انحرافات هذه المدرسة، إلا أنها أثبتت أن "السكون" هو العدم المحض، وأن "الوجود"والحركة توأمان لا ينفصلان.

 وهذا يعضد قول الدارمي بأن "الميت لا يتحرك"؛ فالسكون المطلق سمة الجماد والعدم.


ثانياً: لماذا "الحركة" كمال؟ (تحقيق عقلي موسع)

يُخطئ بعض الناس حين يظن أن الحركة تقتضي النقص 

(أي الانتقال من مكان ناقص لمكان أكمل)، وهذا جهل، بل الحركة في حق الخالق هي "كمال الفاعلية" وتتجلى في

 النقاط التالية:

القيومية: الله قيوم، والقيوم هو المستغني بنفسه المقيم لغيره، ولا يُعقل إقامة الغير بلا فعل، ولا فعل بلا حركة اختيارية (كما يليق بجلاله)

الخلق المتجدد: الله يخلق في كل لحظة، والقول بأن الخالق "ساكن سكوناً أزلياً وأبدياً" يمنع من تصور حدوث الخلق بمشيئته.

 الفرق بين "الحركة" و"الحدوث": أهل السنة يفرقون بين (الحركة كصفة كمال) وبين (الحدوث بمعنى الخلق).

 فكلام الله قديم النوع لكن آحاده تتحرك بها قدرته ومشيئته حين يكلم عباده.

ثالثاً: الرد التفصيلي على "نفاة الحركة الاختيارية"

لقد رد الإمام الدارمي بهذا الأثر على شبهة (التركيب والأغراض):

 * شبهة المعطلة: يقولون "لو تحرك لكان جسماً".

 * رد الدارمي المتوسع: الدارمي يقلب عليهم الطاولة؛ فيقول: "لو لم يتحرك لكان عدماً أو ميتاً". 

والوصف بالوجود والكمال أولى من التنزيه الذي يؤدي إلى العدم.

 * القاعدة: "كل موجودين أحدهما يتحرك والآخر لا يتحرك، فالذي يتحرك أكمل من الذي لا يتحرك بشرط أن تكون حركته بإرادته".

رابعاً: قواعد العلماء المستنبطة من "طريقة الدارمي"

 * قاعدة (الفعل الاختياري):

 كل ما يوصف به الرب من مجيء ونزول واستواء هو من "أفعال الذات" التي تقع بمشيئته، وليست مجرد خلق لأفعال في غيره.

 * قاعدة (بطلان التشبيه بالجمادات):

 نفي الحركة عن الله هو تشبيه له بالأصنام التي قال الله عنها: {أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا}؛ فالنقص في الأصنام أنها لا تتحرك ولا تفعل، فكيف يُنزه الخالق بصفات نقص الأصنام؟

 * قاعدة (النطق والسكوت): 

كما أن المتكلم أكمل من الأبكم، فالمتحرك الفعال بمشيئته أكمل من الساكن الذي لا يقدر على الفعل.

خامساً: عشر فوائد

 * إثبات "التجدد" لا "الحدوث":

 أفعال الله تتجدد بتجدد الأوقات (ينزل كل ليلة) وهذا دليل غنى وكرم.

 * إبطال "التعطيل المقنع": 

من يثبت الاستواء وينفي الحركة يقع في تناقض عقلي، لأن الاستواء فعل يقتضي القصد.

 * الارتباط بصفة "القدرة":

 الحركة هي المظهر الأسمى للقدرة الإلهية النافذة.

 * نسف مذهب "التفويض الجهمي":

 الدارمي لم يكتفِ بنقل النص، بل شرح معناه لبيان بطلان قول من يقول "لا  نعرف معناها".

 * تفسير "المجيء": 

المجيء يوم القيامة هو مجيء حقيقي للذات الإلهية وليس مجرد مجيء الثواب.

 * إثبات "الغرض الصحيح":

 أفعال الله لها غايات (كإجابة الدعاء عند النزول)، والسكون يمنع الغائية.

 * بيان شرف "النقل": 

أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح في أن الإله لابد أن يكون فعالاً.

 * الرد على "الأزلية الجامدة":

 الرد على من قال إن الله فعل فعلاً واحداً في الأزل ثم انقطع.

 * تعظيم نصوص الصفات: جعل نصوص النزول والمجيء هي الأصل الذي يُفهم منه كمال الذات.

 * ترسيخ مبدأ "المباينة": 

الله بائن من خلقه، يتحرك ويستوي فوق عرشه كما يشاء، لا يحل في خلقه ولا يحلون فيه.

الخاتمة الجامعة: 

"عقيدة الكمال بين نطق الجلال وحركة الجمال"

بختام هذه المباحث العقدية العميقة، يتجلى لنا أن معركة أهل السنة مع أهل البدع لم تكن معركة على "ألفاظ" مجردة، بل كانت معركة لإثبات "ربٍّ حيٍّ فعال" في مقابل "إله ذهني" لا يتكلم ولا يفعل ولا يجيء. ونلخص أهم النتائج واليقينيات في النقاط الجوهرية التالية:

أولاً: تلازم الأوصاف (الرب المتكلم هو الرب الفعال)

إن الرابط بين مبحث "صفة الكلام" ومبحث "قاعدة الحركة" هو إثبات (الآحاد والمشيئة). فكما أن الله يتكلم "إذا شاء وكيف شاء" بحرف وصوت، فهو كذلك ينزل ويجيء ويستوي "إذا شاء وكيف شاء" فعلاً وحركة تليق بجلاله. نفي أحدهما هو تمهيد لنفي الآخر، وإثباتهما هو إثبات لكمال القيومية.

ثانياً: كسر صنم "الجمود الأزلي"

لقد كشفت دراسة أثر الإمام عثمان بن سعيد الدارمي أن "السكون المطلق" الذي حاولت الفلسفة والبدعة إلباسه للخالق هو في الحقيقة وصف بالعدم.

 فالحياة الكاملة تقتضي فاعلية كاملة، والفاعلية تقتضي أن يكون الرب بائناً من خلقه، يفعل في ملكه ما يشاء ويخاطب من يشاء، ويتحرك لميقات يشاء، بلا تكييف يلحقه بالمخلوقين، وبلا تعطيل يسلبه صفات الكمال.

ثالثاً: صفوة القول في المصطلحات المبتدعة

الكلام النفسي، الحكاية، التعبير، الفيض: كلها "مخدرات عقلية" حاولت الالتفاف على النص القرآني الصريح لخدمة قواعد منطقية بائدة.

خلق الكلام: هو قول يفرغ الألوهية من معناها، بجعل الخالق عاجزاً عن الاتصاف بالقول.

نفي الحركة: هو نفي لصفات المجيء والنزول، وهو تشبيه للخالق بالجمادات التي لا تملك من أمرها شيئاً.

رابعاً: المنهج السلفي.. ميزان العدل

أثبتت المباحث أن منهج السلف ومنهم منهج الأئمة المذكورين 

 (أحمد، البخاري، الدارمي، السجزي) 

هو المنهج الوحيد الذي جمع بين:

 ١ـ تعظيم النص: الوقوف عند "ينزل" و"كلم الله موسى تكليماً".

٢ـ إعمال العقل الصريح: الاستدلال بأن الحي أكمل من الميت والمتكلم أكمل من الأبكم.

٣ـ التنزيه الحقيقي: تنزيه الله عن "النقص" (الخرس والسكون) لا تنزيهه عن "الصفات".

[ الختام]

"خلاصة المعتقد في صفات الذات والأفعال"

(الله يتكلم بحرف وصوت) + (الله فعال بمشيئته) = الإله الحق.

(كلام نفسي) + (سكون مطلق) = إله المعطلة (العدم).

 "انتهى المبحث بحمد الله -


مبحث: ديمومة صفة الكلام وتعلُّقها بالمشيئة دراسة عقدية تحليلية لأثر الإمام أحمد بن حنبل نص الأثر : "لم يزل الله عز وجل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، ليس لكلامه نفاد ولا غاية".


مبحث: ديمومة صفة الكلام وتعلُّقها بالمشيئة: دراسة عقدية تحليلية لأثر الإمام أحمد بن حنبل



المقدمة

الحمد لله الذي لم يزل متكلماً كما يليق بجلاله، والصلاة والسلام على من أُنزل عليه الوحي والبيان. أما بعد؛ فإنَّ من أعظم الأصول التي فارق فيها أهل السنة والجماعة أهل البدع والضلال هو إثبات صفة الكلام لله تعالى باعتبارها صفة "ذاتية فعلية"، وقد لخّص إمام أهل السنة أحمد بن حنبل هذا المعتقد في جملةٍ سارت بها الركبان، نُفكك تفاصيلها في هذا المبحث.

المطلب الأول: تحقيق النص وتخريجه

نص الأثر

"لم يزل الله عز وجل متكلماً إذا شاء وكيف شاء، ليس لكلامه نفاد ولا غاية".

التخريج 

 * السنة للخلال: أخرجه الإمام أبو بكر الخلال (ت 311هـ) في كتابه "السنة"، تحقيق: د. عطية الزهراني، دار الراية - الرياض، الطبعة الأولى (1410هـ)، المجلد (5)، الصفحة (86)، رقم الأثر (1871).

 * درء تعارض العقل والنقل: نقله شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) محتجاً به في "درء تعارض العقل والنقل"، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود، الطبعة الثانية (1411هـ)، المجلد (2)، الصفحة (38).

 * مجموع الفتاوى: ذكره ابن تيمية أيضاً في "مجموع الفتاوى"، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن قاسم، مطابع الرياض، الطبعة الأولى (1381هـ)، المجلد (6)، الصفحة (85).

 * شرح العقيدة الطحاوية: استشهد به ابن أبي العز الحنفي (ت 792هـ) في "شرح العقيدة الطحاوية"، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، الطبعة العاشرة (1417هـ)، المجلد (1)، الصفحة (173).

المطلب الثاني: التدقيق اللغوي والتحليل المصطلحي

 * "لم يزل": أداة نفي لـ "زال" التي تفيد الانفكاك، ودخول "لم" عليها يقلب المعنى إلى الاستمرار الأزلي والأبدي. (انظر: لسان العرب لابن منظور، مادة: زيل، دار صادر، المجلد 11، ص 302).

 * "متكلماً": اسم فاعل مشتق من الكلام، وإثباته لله بصيغة اسم الفاعل يدل على قيام الصفة به سبحانه وتعالى دائماً.

 * "إذا شاء وكيف شاء": تعليق الصفة بـ "إذا" الظرفية و"المشيئة" يؤكد أنها صفة "فعل" تتجدد بآحادها، وكلمة "كيف" تقطع الطمع في إدراك كنه الصفة.

 * "نفاد": بالدال المهملة (أي فناء) أو بالذال المعجمة (أي انقطاع)، وكلاهما ثابت في حق كلام الله أنه لا ينتهي. (انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير، المجلد 5، ص 205، عند تفسير آية الكهف).

المطلب الثالث: القواعد المستنبطة (العقدية والأصولية)

1. قاعدة: الجمع بين "النوع" و"الآحاد"

1_أن الكلام صفة قديمة النوع (باعتبار أن الله لم يزل متصفاً بالقدرة عليه)

2_ حادثة الآحاد (باعتبار أن الله يتكلم متى شاء بكلمات معينة كمناداته لموسى).

 * العزو: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، المجلد (12)، ص (422).

2. قاعدة: إثبات الحرف والصوت

الأثر يثبت أن كلام الله ليس "معنى نفسياً" مجرداً كما تقول الأشاعرة، بل هو كلام حقيقي يسمعه من يشاء الله.

 المصدر: ابن القيم، "الصواعق المرسلة"، دار العاصمة، المجلد (2)، ص (524).

3. قاعدة: تعلُّق الصفات بالمشيئة

كل صفة عُلقت في النصوص بالمشيئة فهي صفة فعلية، وهذا الأثر نصٌّ في ذلك.

 المصدر: الشيخ صالح آل الشيخ، "شرح الطحاوية"، المجلد (1)، ص (240).

المطلب الرابع: الفوائد العشر المتستخرجة من الأثر:

 * كمال المتكلم: أن السكوت أو العجز عن الكلام نقص، والله منزه عنه.  المصدر:(ابن تيمية، النبوات، ص 160).

 * إثبات الإرادة: قوله "إذا شاء" يثبت إرادة الله الحرة في أفعاله. المصدر: (ابن أبي العز، شرح الطحاوية، ص 174).

 * الرد على القائلين بخلق القرآن: لو كان الكلام مخلوقاً لكان له "نفاد وغاية"، والإمام أحمد نفاهما. 

     (الخلال، السنة، ج 5، ص 87).

 * تجدد الفعل لا الذات: إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى. المصدر:(ابن تيمية، درء التعارض، ج 2، ص 39).

 * سعة العلم والكلمات: ربط الأثر بآية "لو كان البحر مداداً"، مما يورث تعظيم الله في القلب.

 * بطلان "حلول الحوادث" الممنوع: إثبات أن أفعال الله تقوم بذاته ولا تماثل حوادث المخلوقين.

 * الرد على الكلابية: الذين زعموا أن الكلام صفة واحدة بسيطة لا تتجزأ.

 * إثبات "كيفية" مجهولة: قوله "كيف شاء" يثبت أن للصفة كيفاً، لكننا نجهله (قاعدة السلف في الكيف).

 * التفرق بين الكلام والقدرة: الكلام صفة قائمة بذاته وليست مجرد قدرة على الفعل.

 * الأمن من الانقطاع: كلام الله (وهو وحيه وشرعه) لا ينقطع أثره ولا بركته.


المطلب الخامس: السيرة والاعتقاد (ترجمة الإمام أحمد بن حنبل)

1. هويته وعقيدته الصافية

هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (164-241هـ). 

كان يقول: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر".

 المصدر: "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى، دار المعرفة، المجلد (1)، ص (28).

2. جهاده في الرد على الفرق

 * الرد على الجهمية: ألف كتابه "الرد على الزنادقة والجهمية" أثناء سجنه وفنّد فيه تأويلاتهم.

 * الرد على المعتزلة: واجه رؤوسهم مثل ابن أبي دؤاد في "المحنة" الشهيرة.

 المصدر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مؤسسة الرسالة، المجلد (11)، ص (235).

3. شيوخه وتلاميذه

 * من شيوخه: 

1_سفيان بن عيينة

2_ يحيى القطان

3_ الشافعي (الذي قال فيه: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحداً أتقى ولا أفقه من أحمد).

 * من تلاميذه: البخاري، مسلم، أبو داود، وأبو حاتم الرازي.

  المصدر: "البداية والنهاية" لابن كثير، دار هجر، المجلد (14)، ص (380-385).

4. وفاته توفي ضحوة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين ومائتين.

 * المصدر: "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي، المجلد (4)، ص (421).


المبحث الثاني: إثبات نطق الباري بالحرف والصوت وأزلية نوع الكلام وآحاده

تتمة للدراسة العقدية التحليلية لأثر الإمام أحمد بن حنبل


إنَّ عقيدة السلف الصالح قاطبة، ومنهم الإمام أحمد، قامت على أن الله تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع، وأن كلامه ليس مجرد "معنى قائم بالذات" كما زعم أهل الكلام، بل هو صفة كمال لا تنفك عنه أزلاً، وتتعلق بمشيئته فعلاً.

المطلب الأول: إثبات "الحرف والصوت" من نصوص السلف والآثار

1. نصوص الإمام أحمد بن حنبل

نقل عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن أبيه قوله في الرد على من أنكر الصوت: "الجهمية تنكر أن يكون الله يتكلم بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت".

 * المصدر: عبد الله بن الإمام أحمد، كتاب "السنة"، تحقيق: د. محمد سعيد القحطاني، دار ابن القيم - الدمام، الطبعة الأولى (1406هـ)، المجلد (1)، الصفحة (280).

2. نص الإمام السجزي (ت 444هـ)

وهو من أشد من قرر هذه المسألة في رسالته الشهيرة إلى أهل زبيد، حيث قال: "فأما كلام الله سبحانه، فالذي عليه أهل السنة

 أنه يتكلم كيف شاء، وبما شاء، وأن كلامه بحرف وصوت".

 * المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الصوت"، تحقيق: د. محمد باكريم، دار الراية، الطبعة الأولى (1414هـ)، الصفحة (146).

المطلب الثاني: التفصيل في "قدم النوع وحدوث الآحاد"

هذه القاعدة هي التي تحل إشكالية "هل كلام الله مخلوق أم قديم؟".

 * قدم النوع: أن الله لم يزل متصفاً بكونه متكلماً في الأزل، لم تمر عليه فترة وهو غير قادر على الكلام.

 * آحاد الكلام: أن الله يتكلم متى شاء، فكلامه لنبينا محمد ﷺ وقع بعد كلامه لموسى عليه السلام بزمان.

النقولات العلمية:

 * شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب السلف أن الكلام قديم النوع، حادث الآحاد، أي لم يزل الله متكلماً إذا شاء، ولكن آحاد كلامه            كالنداء والوحي تتجدد بمشيئته". 

المصدر: ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، جمع عبد الرحمن بن قاسم، المجلد (12)، الصفحة (54).

 * الإمام ابن القيم: أكد في "الصواعق" أن هذا هو مقتضى كمال الربوبية.

   * المصدر: ابن القيم، "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، دار العاصمة، المجلد (2)، الصفحة (532).


المطلب الثالث: بطلان قول أهل الكلام (المعنى النفسي)

رد السلف على من قال إن كلام الله معنى واحد في النفس لا يتعدد ولا يتجزأ (وهو قول ابن كلاب ومن تبعه).

 * الحجة: لو كان الكلام معنى واحداً، لكان "الأمر" هو عين "النهي"، ولكان "الخبر" هو عين "الاستخبار"، وهذا باطل لغةً وعقلاً. 

المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة السجزي"، مرجع سابق، الصفحة (178).

 المصدر: ابن تيمية، "درء تعارض العقل والنقل"، جامعة الإمام، المجلد (2)، الصفحة (96).


المطلب الرابع: الأدلة النقلية على "الصوت"

 * حديث الشفاعة: "فيناديهم بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديان".

 تخريج الأثر: أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في "صحيح البخاري"، كتاب التوحيد، باب (ما جاء في قوله: وكان عرشه على الماء)، المجلد (9)، الصفحة (124) وأخرجه الإمام أحمد في "المسند"، المجلد (25)، الصفحة (433)، رقم (16042).

 * حديث الوحي: "إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا".

   المصدر: أبو داود، "سنن أبي داود"، كتاب السنة، رقم (4738).

خاتمة المبحث والنتائج

 * صفة الكلام لله ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع السلف بصورتها الحقيقية (حرف وصوت).

 * نفي الصوت والحرف هو ذريعة للقول بخلق القرآن، وهو ما حذر منه الإمام أحمد والسجزي وابن تيمية وجميع السلف.

 * الكلام صفة كمال ذاتية باعتبار الأصل، فعلية باعتبار المشيئة.

المبحث الثالث: معترك الآراء في صفة الكلام (دراسة مقارنة بين أهل السنة والفرق الضالة والفلاسفة)

تعد مسألة "كلام الله" من أمهات المسائل التي تمايزت فيها الصفوف، وقد ضل فيها خلق كثير 

1_ما بين معطل للوصف 

2_أو مشبه له بالمخلوق

3_ أو قائل بالمعنى النفسي 

4_ بينما استقام أهل السنة على جادة النص والآثار.


المطلب الأول: أقوال الفرق المخالفة في صفة الكلام

3. الفلاسفة (المشاؤون كابن سينا)

 قولهم: الكلام عندهم هو "فيض" يفيض من العقل الفعال على النفوس البشرية، وليس لله إرادة أو مشيئة في آحاد الكلام، فكلامه عندهم لا حرف فيه ولا صوت ولا ترتيب.

 * المصدر: ابن تيمية، "النبوات"، مكتبة أضواء السلف، المجلد (2)، الصفحة (824).

2. الجهمية (نفاة الصفات)

  قولهم: قالوا إن الله لا يتكلم، وكلامه هو "خلق" خلقه في غيره (كالشجرة أو الهواء)، فالله عندهم متكلم بمعنى "خالق للكلام".

 * المصدر: ابن تيمية، "درء تعارض العقل والنقل"، جامعة الإمام، المجلد (2)، الصفحة (248).

3. المعتزلة (القائلون بخلق القرآن)

 قولهم: وافقوا الجهمية في أن القرآن مخلوق، وزادوا أن نسبة الكلام لله هي نسبة "تشريف"

 (كنسبة ناقة الله وبيت الله)، وأن كلامه يفنى وينفد.

 المصدر: القاضي عبد الجبار (معتزلي)، "المغني في أبواب التوحيد والعدل"، المجلد (7)، الصفحة (51).

4. الكلابية والاشاعرة والماتريدية (القائلون بالمعنى النفسي)

 قولهم: فروا من قول المعتزلة (خلق القرآن) ووقعوا في بدعة "المعنى النفسي".

 قالوا: كلام الله هو معنى واحد قائم بذاته، لا يتعلق بمشيئته، ولا هو بحرف ولا صوت. 

وما بين أيدينا من قرآن هو 

1_"حكاية" (عند الأشاعرة) 

2_ أو "تعبير" (عند الماتريدية) عن ذلك المعنى.

 المصدر: أبو الحسن الأشعري، "مقالات الإسلاميين"، تحقيق ريتر، الصفحة (153).

 المصدر: البغدادي، "أصول الدين"، الصفحة (106).


المطلب الثاني: معتقد أهل السنة والجماعة (التحقيق والتدقيق)

أجمع السلف ومنهم  (أحمد،و البخاري، والسجزي، والدارمي وغيرهم) على أن الله يتكلم حقيقة، وكلامه يتصف بالآتي:

1. إثبات الحرف والصوت

أهل السنة يثبتون أن الله تكلم بالقرآن بحرف وصوت مسموع، نادى به موسى، وينادي به العباد يوم القيامة.

 النقل: قال الإمام السجزي: "والسنة أن الله متكلم بحرف وصوت، فالحروف هي: (أ، ب، ت..)، والصوت ما يُسمع".

 المصدر: أبو نصر السجزي، "رسالة إلى أهل زبيد"، ص (146).

2. "منه بدأ وإليه يعود"

هذا الأثر العظيم ذكره الإمام أحمد وغيره، ومعناه:

 منه بدأ: أي هو المتكلم به ابتداءً، لم يخلقه في غيره، ولم يأخذه جبريل من اللوح المحفوظ "فُهوماً" بل سمعه من الله.

 وإليه يعود: أي يُرفع من الصدور والأسطر في آخر الزمان فلا يبقى منه آية.

 المصدر: ابن تيمية، "العقيدة الواسطية" مع شرح الفوزان، ص (105).

 المصدر: اللالكائي، "شرح أصول اعتقاد أهل السنة"، المجلد (2)، ص (230).


المطلب الثالث: القواعد الفارقة بين الحق والباطل

 1_ قاعدة النطق: الله موصوف بالنطق، والساكت سكوتاً مطلقاً ناقص، والله منزه عن النقص. 

     (ابن تيمية، "مجموع الفتاوى"، ج 12، ص 355).

 2_قاعدة التعدد: كلام الله كلمات متعددة (أمر، نهي، خبر)، والقول بأنه "معنى واحد" يبطل حقائق الشرع.

 3_قاعدة الاستماع: إثبات أن جبريل وموسى سمعا كلام الله حقيقة بلا واسطة.

      (ابن القيم، "الصواعق المرسلة"، ج 2، ص 440).


الخلاصة المنهجية


إن قول الإمام أحمد "متكلماً إذا شاء وكيف شاء" هو السد المنيع الذي يحطم:

 * تعطيل الجهمية (لأنه أثبت أنه متكلم).

 * جمود الأشاعرة (لأنه أثبت المشيئة والآحاد).

 * تكييف المشبهة (لأنه قال "كيف شاء" مفوضاً الكنه لله).


المبحث الرابع: معترك الآراء في صفة الكلام (تحقيق المصطلحات ورد الشبهات)

سؤال لماذا نفى أهل البدع صفة الكلام؟ (علة التعطيل)

قبل الولوج في الأقوال، يجب أن نفهم "الجذر العقلي" الذي انطلق منه هؤلاء. 

السبب الرئيس ليس نصياً، بل هو قاعدة منطقية يونانية اعتمدوها تسمى (دليل الحدوث والأعراض).

 خلاصة شبهتهم: مقدمتين ونتيجة 

 يقولون إن : 

1_ "الكلام" لا يعقل إلا بحرف وصوت، والحرف وصوت لا يوجدان إلا بآلات (حنجرة، لسان، شفتين)، وهذه "أعراض"حادثة. 

2_  فلو قلنا إن الله يتكلم، لزم أن تكون الحوادث قد قامت بذاته، وما قامت به الحوادث فهو "حادث" (مخلوق) مثلها.

3_ النتيجة: فروا من "التشبيه" بزعمهم، فوقعوا في "التعطيل"، وجعلوا الرب سبحانه أبكم لا يتكلم، أو جعلوا كلامه مخلوقاً منفصلاً عنه.


المطلب الأول: شرح مصطلحات الفرق الضالة (لغوياً واصطلاحياً)


1. الجهمية والمعتزلة: "الخلق والإنشاء"

هؤلاء صرحوا بأن الله لا يتكلم حقيقة، بل هو "خالق للكلام".

المصطلح (مخلوق): لغةً من التقدير والإنشاء. 

اصطلاحاً عندهم: أن الله أحدث أصواتاً وحروفاً في "محل" منفصل عنه، كالشجرة التي كلمت موسى، أو في الهواء.

الشرح : هم يقولون إن نسبة الكلام لله كنسبة "البيت" (بيت الله) أو "الناقة" (ناقة الله)، فهي إضافة خلق وتشريف وليست إضافة صفة لموصوف، فالمتكلم عندهم ليس من قام به الكلام، بل من فعله في غيره.

الفساد اللغوي: هذا يقلب اللغة؛ فالآكل هو من قام به الأكل، والشارب هو من قام به الشرب، فلو خلق الله أكلاً في غيره لم يصح أن يسمى الله "آكلاً". المصدر: القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل، ج 7، ص 51.

2. الكلابية والأشاعرة: "الكلام النفسي" و "الحكاية"

لما رأى ابن كلاب ومن تبعه شنيع قول المعتزلة، أرادوا إثبات صفة قائمة بالذات، لكنهم اصطدموا بقاعدتهم 
(أن الله لا تقوم به الأفعال الاختيارية)، فابتكروا بدعة "الكلام النفسي".

المصطلح (نفسي): لغةً ما يُكنه الإنسان في صدره ولم ينطق به.

 اصطلاحاً عندهم: هو المعنى الواحد القائم بذات الله، الذي ليس بحرف ولا صوت، ولا ينقسم، ولا يتبعض.

 المصطلح (الحكاية): قالت الأشاعرة إن القرآن الذي نقرؤه بالحروف والأصوات هو "حكاية" عن ذلك المعنى النفسي القديم.

 أي أن جبريل "حكى" ما فهمه من المعنى القائم بالله.

 التحقيق اللغوي: "الحكاية" تقتضي المماثلة (حكيت الشيء إذا فعلت مثله). 

 وهذا يعني أن القرآن المخلوق (عندهم) يماثل كلام الله، وهذا تناقض.

  المصدر: أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، ص 153؛ البغدادي، أصول الدين، ص 106.

3. الماتريدية: "التعبير"

المصطلح (التعبير): هو مرادف للحكاية عند الأشاعرة، لكنهم اختاروه للهرب من لوازم كلمة "حكاية". 

التعبير لغةً: الإبانة عما في النفس.

الشرح: يقولون إن الله له "كلام نفسي" واحد، وهذا المصحف "تعبير" عنه. 

فالخلاف بينهم وبين الأشاعرة لفظي، وكلاهما ينتهي إلى أن هذا القرآن المكتوب "مخلوق" لأنه غير الكلام النفسي.

 المصدر: الماتوريدي، كتاب التوحيد، ص 58.

4. الفلاسفة المشاؤون: "الفيض"

المصطلح (الفيض): لغةً السيلان والكثرة. 
اصطلاحاً عندهم: أن الكلام ليس صفة لله أصلاً، بل هو إشراقات تفيض من "العقل الفعال" على "نفس النبي".

 الشرح: الله عندهم "موجب بالذات" (أي يفعل بلا مشيئة كالشمس تشرق بلا إرادة)
  فالكلام ليس نداءً ولا خطاباً، بل هو تخيلات يصورها النبي في نفسه.المصدر: ابن تيمية، النبوات، ج 2، ص 824.

المطلب الثاني: مذهب أهل السنة والجماعة 

أهل السنة وسط بين من جعل الكلام (مخلوقاً منفصلاً) وبين من جعل عنه (معنىً نفسياً أصم).

1. إثبات الحرف والصوت (بطلان المعنى النفسي)

أجمع السلف أن الله يتكلم بصوت يسمع، وحروف تكتب وتُقرأ.

الدليل: حديث جابر عن عبد الله بن أنيس: "ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب" 

(رواه البخاري تعليقاً في الأدب المفرد).

 الرد اللغوي: الكلام في لغة العرب لا يسمى كلاماً إلا إذا كان بمنظوم (حرف وصوت). 

أما ما في النفس فيسمى (حديث نفس) أو (ظناً) أو (عزماً)، ولا يسمى كلاماً حقيقة إلا بالبيان.

المصدر: السجزي، رسالة إلى أهل زبيد، ص 146.

2. الكلام صفة "ذات وفعل" معاً

هذه أدق مسألة فرق فيها أهل السنة (وعلى رأسهم ابن تيمية) بين الحق والباطل:

1_كلام الله قديم النوع: أي أن الله لم يمر عليه وقت كان فيه "أبكم" ثم صار "متكلماً"، بل هو متكلم منذ الأزل.

 2_كلام الله حادث الآحاد: أي أن "آحاد" الكلام 

(مثل كلامه لموسى حين جاء، وكلامه لأهل الجنة حين يدخلونها) تقع بمشيئته وقدرته في وقتها.

 * المصدر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، المجلد 12، ص 355.

المطلب الثالث: الرد المنهجي على المصطلحات المبتدعة

الرد على "المعنى النفسي":

إذا قلت إن القرآن "معنى واحد"، لزم من ذلك أن تكون (آية الكرسي) هي عين (آية الدين)، وأن (التوراة) هي عين (القرآن)، لأن المعنى الواحد لا يتبعض! وهذا باطل بضرورة العقل والشرع.

الرد على "الحكاية والتعبير":

لو كان القرآن "حكاية" عن كلام الله، لم يكن هو "كلام الله" حقيقة. 

والله يقول: {حتى يسمع كلام الله}، ولم يقل "يسمع حكاية عن كلام الله".

الرد على "خلق الكلام":

من قال إن الله خلق الكلام في الشجرة، لزم أن تكون "الشجرة" هي القائلة لموسى: {إنني أنا الله لا إله أنا}! وهذا كفر، فلا يجوز أن يقول "أنا الله" إلا الله سبحانه.  المصدر: ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 440.

المطلب الرابع: خلاصة المقارنة بين المذاهب

 الجهمية والمعتزلة:

 يرون أن حقيقة الكلام هي "فعل منفصل" (خلق)، والقرآن عندهم مخلوق تماماً، والدافع هو تنزيه الله عن حلول الحوادث بذاته.

 الأشاعرة والكلابية:

 يرون الكلام "معنىً نفسياً قديماً"، والقرآن الذي بين أيدينا "حكاية" عنه وهو مخلوق، هرباً من وصف الله بالأفعال الاختيارية.

 الماتريدية:

 يوافقون الأشاعرة في المعنى النفسي، لكنهم يسمون القرآن المكتوب "تعبيراً" بدلاً من حكاية، والنتيجة العقدية واحدة.

 الفلاسفة: 

يرون الكلام مجرد "فيض وتخييل" يقع في نفس النبي، وينكرون المشيئة والخطاب الإلهي المباشر.

أهل السنة والجماعة: 

يثبتون أن الكلام صفة ذات وفعل (حرف وصوت حقيقي)، والقرآن كلام الله غير مخلوق

وهو قولهم الجامع بين إثبات النص وتنزيه الخالق.

الخلاصة

إن مذهب أهل السنة هو الوحيد الذي أثبت لله "الكمال"؛ لأن من لا يتكلم ناقص، ومن يتكلم "بغير مشيئته"

 (كالمعنى النفسي القهري) ناقص، ومن يتكلم "بآلة" (كالبشر) محتاج. 

أما الله فيتكلم بمشيئته، وقدرته، وحروفه، وصوته الذي يليق بجلاله، بلا تكييف ولا تمثيل.