الجمعة، 27 مارس 2026

فصل النزاع في إثبات الصوت لله بغير انقطاع وفيه برهان البخاري الذي لا يباع

 






أولاً: تخريج الأثر وعزوه

هذا الأثر مشهور عن الإمام البخاري، وقد أورده في أهم كتبه الاعتقادية:

 * خلق أفعال العباد: ذكر البخاري: "وأن الله عز وجل ينادي بصوت يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب، فليس ذلك لغير الله عز وجل". (ص 100، طبعة دار المعارف).

 * صحيح البخاري: أشار إليه البخاري ترجمةً (أي في عنوان الباب) في كتاب التوحيد، "باب قول الله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له)"، حيث قال: "ويُذكر عن النبي ﷺ أن الله ينادي بصوت...".

ثانياً: التدقيق اللغوي للأثر

 * ينادي: النداء في اللغة هو رفع الصوت والدعاء، ولا يكون النداء عند العرب إلا بصوت.

 * بصوت: التقييد بالباء هنا للتوكيد وإثبات الحقيقة ونفي المجاز.

 * يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: هذه الجملة تدل على كمال القدرة وعظمة الذات؛ فصوت المخلوق يتسامى ويضعف بالبعد، أما صفة الله فلا يشبهها شيء، فهو صوت مسموع للجميع بذات القوة والوضوح.

 * فليس هذا لغير الله: "ليس" هنا للنفي القاطع، و"غير الله" تشمل سائر المخلوقات، وهو استدلال بالخصائص الإلهية التي لا يشاركه فيها أحد.

ثالثاً: العلماء الذين استشهدوا بالأثر

كبار أئمة السنة نقلوا هذا الأثر عن البخاري واحتجوا به:

 * الإمام ابن تيمية: في كتابه (مجموع الفتاوى)، المجلد 6، صفحة 527.

 * الإمام ابن القيم: في كتابه (إجتماع الجيوش الإسلامية)، صفحة 189، طبعة دار الكتب العلمية.

 * الإمام الذهبي: في كتابه (العلو للعلي الغفار)، صفحة 214، وفي كتابه (سير أعلام النبلاء) في ترجمة البخاري.

 * الحافظ ابن حجر العسقلاني: في (فتح الباري)، المجلد 13، صفحة 454، حيث شرح مراد البخاري من هذا الأثر.

رابعاً: من يرد هذا الأثر وأدلتهم (بعمق)

رد هذا الأثر طوائف من المتكلمين (كالمعتزلة والأشاعرة والماتريدية) بناءً على أصولهم في "تنزيه الله عن الحوادث" كما يزعمون، وأبرز أدلتهم:

 * دليل التركيب: زعموا أن الصوت يستلزم مخارج (حنجرة، لسان، هواء)، والله منزه عن الجوارح.

 * دليل الحدوث: قالوا إن الصوت يبدأ وينتهي، وهذا يعني حلول الحوادث في ذات الله، وهو عندهم ممتنع.

 * تأويل النداء: أولوا "النداء" بأنه خلق صوت في الهواء، أو أنه نداء ملك من الملائكة أضيف إلى الله تشريفاً.

الرد عليهم: رد أئمة السلف بأن إثبات الصفة لا يستلزم تشبيهها بصفات المخلوقين، فالله له صوت يليق بجلاله دون حاجة لأدوات البشر، وكما أننا نثبت له "يداً" و "وجهاً" بلا تكييف، نثبت له "صوتاً" بلا تكييف.

خامساً: القواعد المستنبطة من الأثر

 * قاعدة: "إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تحريف ولا تعطيل".

 * قاعدة: "الأصل في الكلام الحقيقة لا المجاز"، فالنداء حقيقة بصوت.

 * قاعدة: "المباينة بين الخالق والمخلوق"، فصوت الله لا يشبه أصوات المحدثين في كيفية السماع.

سادساً: الفوائد العشر للأثر

 * إثبات صفة الكلام لله عز وجل.

 * بيان أن نداء الله مسموع بالحس.

 * التفريق بين صفة الخالق وعجز المخلوق (السماع من بعد وقرب).

 * الرد على الجهمية ومنكري الصفات.

 * تعظيم شأن الله في القلوب عند استشعار ندائه يوم القيامة.

 * إثبات أن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء (صفة اختيارية).

 * تأكيد المنهج الأثري للإمام البخاري في العقيدة.

 * بيان أن الإيمان بالصفات توقيفي على النص.

 * دحض شبهة "الكلام النفسي" (القول بأن كلام الله معنى بلا صوت).

 * إثبات علو الله ومكانته بصفة النداء.

سابعاً: ترجمة الإمام البخاري

1. معتقده

كان الإمام البخاري على معتقد أهل السنة والجماعة (أهل الحديث)؛ يؤمن بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويثبت الصفات الخبرية والفعلية لله من غير تكييف، ويؤمن بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

2. ولادته ونشأته

 * الميلاد: ولد في شوال سنة 194 هـ في مدينة بخارى (بأوزبكستان الحالية).

 * البيئة: نشأ يتيماً في حجر والدته التي كانت عابدة مستجابة الدعوة، وقد فقد بصره في صغره فرد الله عليه بصره ببركة دعائها. نشأ في بيئة علمية حيث كان والده (إسماعيل) من المحدثين.

3. شيوخه وتلاميذه

 * أبرز شيوخه: الإمام أحمد بن حنبل، علي بن المديني، يحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه.

 * أبرز تلاميذه: الإمام مسلم (صاحب الصحيح)، الإمام الترمذي، الإمام النسائي، وابن خزيمة.

4. رحلاته والناس الذين قابلهم

ارتحل البخاري رحلة طويلة شملت: مكة والمدينة (جاور فيهما سنوات)، البصرة، الكوفة، بغداد، مصر، والشام. قابل خلالها آلاف المحدثين، ويقول عن نفسه: "كتبت عن ألف وثمانين نفساً، ليس فيهم إلا صاحب حديث".

5. وفاته

توفي رحمه الله في ليلة عيد الفطر سنة 256 هـ في قرية "خرتنك" بالقرب من سمرقند، بعد أن ضاقت عليه الأرض بما رحبت بسبب الفتن التي أُثيرت حوله، فدعا ربه أن يقبضه إليه، فمات بعدها بأيام قليلة.

تعد مسألة "إثبات الصوت" في كلام الله تعالى من أدق المسائل التي فصلت بين منهج السلف (أهل الحديث) وبين مناهج المتكلمين والفلاسفة، وقد كان للإمام البخاري قدح المعلى في هذا الباب من خلال كتابه العظيم "خلق أفعال العباد".

إليك تفصيل الردود على الفرق التي ذكرتها، ودور البخاري المحوري في ذلك:

أولاً: الرد على الفرق (الفلاسفة، الجهمية، المعتزلة، الأشاعرة، الماتريدية)

 * الفلاسفة:

   * شبهتهم: يرون أن الله "عقل مجرد" أو "وجود مطلق" لا يتصف بصفات تقوم بذاته، والكلام عندهم هو فيض من العقل الفعال أو مجرد معانٍ ذهنية.

   * رد الأثر عليهم: أثبت البخاري بهذا الأثر أن الله "ينادي"، والنداء فعل يقوم بالذات ويتعدى للسماع، وهذا يبطل كون الإله مجرد فكرة صامتة أو علة لا تتكلم.

 * الجهمية (أتباع جهم بن صفوان):

   * شبهتهم: ينكرون الأسماء والصفات بالكلية، ويقولون إن الله لا يتكلم، وإنما خلق كلاماً في غيره (كالشجرة أو الهواء).

   * رد الأثر عليهم: قوله "يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب" يثبت أن المصدر هو الله، فالمخلوق (كالهواء أو الشجرة) لا يملك خاصية إيصال الصوت للبعيد والقريب بنفس الدرجة، فهذا تخصيص لصفة الخالق.

 * المعتزلة:

   * شبهتهم: يقولون القرآن مخلوق، وكلام الله هو أصوات وحروف خلقها الله في أجسام منفصلة عنه.

   * رد الأثر عليهم: استدل البخاري بالأثر ليثبت أن الكلام صفة قائمة بذات الله (فعل اختياري)، والنداء المذكور في الأثر ينسب الفعل لله مباشرة "أن الله ينادي"، ومحال أن ينادي الله بآلة مخلوقة ثم ينسب النداء لنفسه حقيقة.

 * الأشاعرة والماتريدية:

   * شبهتهم: يثبتون "الكلام النفسي"، أي أن الله يتكلم بلا صوت ولا حرف، وأن ما نسمعه (القرآن) هو حكاية أو عبارة عن كلام الله القديم.

   * رد الأثر عليهم: هذا الأثر هو القاصمة لقولهم، لأن البخاري نص صراحة على "الصوت" وقيد السماع بـ "البعد والقرب"، وهذه لوازم الصوت الحقيقي المسموع، فإثبات الصوت يبطل دعوى الكلام النفسي الصامت.

ثانياً: دور الإمام البخاري في الرد على هذه الشبهات

كان البخاري يتبع منهجاً "أثرياً عقلياً" في آن واحد:

 * إثبات الحقيقة ونفي التشبيه: كان البخاري يقرر أن الله يتكلم بصوت، لكنه ليس كأصوات المخلوقين (التي تخرج من حنجرة ومقاطع)، بل هو صوت يليق بجلاله، ودليله أن البعيد والقريب يسمعه سواء، وهذا محال في أصوات البشر.

 * التفريق بين الفعل والمفعول: البخاري في كتابه "خلق أفعال العباد" فرق بين "كلام الله" (الذي هو صفته وغير مخلوق) وبين "أصوات العباد ومدادهم" (التي هي مخلوقة)، وبذلك رد على "اللفظية" وعلى "الجهمية" في آن واحد.

ثالثاً: صيغ النداء والتكلم والمناجاة في القرآن

أورد البخاري والعلماء أدلة قرآنية تدعم أثر "الصوت":

 * النداء: (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ)، والنداء في لغة العرب لا يكون إلا بصوت مسموع.

 * المناجاة: (وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا)، والنجاء هو الإسرار بالقول، وهو قسيم النداء، وكلاهما يستلزم صوتاً.

 * التكلم: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا)، المصدر المؤكد "تكليماً" ينفي المجاز ويثبت حقيقة الكلام.

رابعاً: آثار أخرى للبخاري في إثبات الصوت والكلام

لم يكتف البخاري بالأثر الذي ذكرتَه، بل أورد في "خلق أفعال العباد" و "التوحيد" من صحيحه جملة من الآثار:

 * حديث الشفاعة: وفيه: "فيناديهم بصوت يسمعه من بَعد كما يسمعه من قَرب: أنا الملك، أنا الديان". (وهو أصل الأثر الذي سألت عنه).

 * أثر في كلام الله لأهل الجنة: استشهد بآيات السلم ليدلل على أن الله يخاطبهم ويسمعون قوله.

 * قوله في الرد على الجهمية: "فحدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن قتادة.. في قوله (وكلم الله موسى تكليماً) قال: شافهَهُ به مشافهة". والمشافهة تستلزم صوتاً وحرفاً مسموعاً.

الخلاصة:

البخاري استخدم "أثر الصوت" كمعيار للتمييز بين الرب الخالق وبين الصنم أو العدم؛ فمن لا يتكلم ولا يسمع له صوت ليس بإله، ولذلك قال في كتابه: "فبيّن الرب عز وجل أن الجوارح والخلق لا يتكلمون إلا بصوت، فكذلك النداء من الله عز وجل" (أي مع نفي المماثلة في الكيفية).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق