«إِفَادَةُ الطَّالِبِ وَالمُبْتَدِي وَالمُعَلِّمِ الرَّشِيدِ؛ بِتَحْقِيقِ شُرُوطِ التَّوْحِيدِ لِنَيْلِ الخَيْرِ المَزِيدِ»
خطة البحث:
المبحث الأول: البسملة والاستهلال وتحديد حقيقة "معنى" الكلمة.
المبحث الثاني: شرط العلم المنافي للجهل.
المبحث الثالث: شرط اليقين المنافي للشك.
المبحث الرابع: شرط القبول المنافي للرد.
المبحث الخامس: شرط الانقياد المنافي للترك.
المبحث السادس: شرط الصدق المنافي للكذب.
المبحث السابع: شرط الإخلاص المنافي للشرك.
المبحث الثامن: شرط المحبة المنافي لضدها.
المبحث التاسع: التحليل التركيبي الشامل للنصوص والآيات الواردة في المتن.
المبحث العاشر: النظم الجامع والآثار المآلية لاستيفاء الشروط.
*******************
مُقَدِّمَةُ البَحْثِ:
(أَهَمِّيَّةُ الِاعْتِقَادِ الصَّحِيحِ وَوُجُوبُ تَعَلُّمِ شُرُوطِ التَّوْحِيدِ)
أولاً: خُطْبَةُ الحَاجَةِ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثانياً: مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَقْرِيرِ الِاعْتِقَادِ
إنَّ أَصلَ الأصولِ، وأَوجبَ الواجباتِ، هو معرفةُ اللهِ تَعالَى بتوحيدِهِ في رُبوبيَّتِهِ وإلَهيَّتِهِ وأسمائِهِ وصِفاتِهِ. وقد درجَ سلفُ الأمةِ من الصَّحابةِ والتَّابعينَ ومن تَبِعَهُم بإحسانٍ على منهجٍ قويمٍ في تلقِّي العقيدةِ، يقومُ على التَّسليمِ التَّامِ لنصوصِ الوحيينِ (الكتابِ والسُّنَّةِ)، وتقديمِ النَّقْلِ الصَّحيحِ على العقلِ الصَّريحِ، والوقوفِ عندَ حدودِ النصِّ بلا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ ولا تعطيلٍ [1].
إنَّ الاعتقادَ عند أهلِ السُّنَّةِ ليسَ مجردَ ترفٍ فكريٍّ، بل هو قيدُ النَّجاةِ؛ فبصِحَّتِهِ تَصِحُّ الأعمالُ، وبفسادِهِ تَحبطُ الأجورُ. ومِنْ هنا كانَ اهتمامُ أئمةِ السَّلفِ بوضعِ القواعدِ والضَّوابطِ التي تحمي جنابَ التَّوحيدِ، وتُبينُ للمكلفِ حقيقةَ ما يَدخلُ بِهِ في دِينِ اللهِ، وما يَخرجُ بِهِ منهُ.
ثالثاً: مَكانَةُ مَتْنِ (شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)
يُعدُّ مَتْنُ "شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" للإمامِ المُجددِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ رَحمهُ اللهُ، من الرَّسائلِ العَقديةِ الفذَّةِ التي اختصرتْ مَعالمَ الدِّينِ في وُرَيقاتٍ مَعدودةٍ. فكلمةُ التَّوحيدِ هي "مِفتاحُ الجَنَّةِ"، ولكنَّ لكلِّ مِفتاحٍ أسنانًا، وأسنانُ هذا المِفتاحِ هي الشُّروطُ التي لا يُفتحُ للعبدِ بدونِها [2].
لقدِ استقرأَ الإمامُ هذه الشُّروطَ من نصوصِ الوحيينِ، فجاءتْ رسالتُهُ هذهِ تِبيانًا لِما يَجبُ على كلِّ مُسلمٍ مَعرفتُهُ؛ إذْ إنَّ النُّطقَ بـ "لا إله إلا الله" باللِّسانِ لا يَنْفعُ إلا إذا عَرَفَ القائلُ مَعناها، وعَمِلَ بمقتضاها، واستوفى شُروطَها السَّبعةَ مَحبةً وإخلاصاً ويقيناً وانقياداً.
رابعاً: وُجُوبُ تَعَلُّمِ هَذِهِ الشُّرُوطِ (عَلَى العَامَّةِ وَالخَاصَّةِ)
إنَّ تَعَلُّمَ هذهِ الشُّروطِ ليسَ نَفلةً من القولِ، بل هو من العلمِ الواجبِ عيناً على كلِّ مُكلفٍ.
* بالنِّسبةِ للعَامَّةِ: هُم أحوجُ الناسِ لتصحيحِ مَنطوقِ الشهادةِ في قلوبِهِم، فالعامِّيُّ قد يقعُ في الشِّركِ أو الردِّ وهو لا يشعرُ لجهلِهِ بمقتضياتِ الإخلاصِ أو القبولِ.
* بالنِّسبةِ لِطلابِ العِلْمِ: يجبُ عليهم تأصيلُ هذهِ المباحثِ بأدلتِها، والتبحرُ في تفاصيلِها لغويًا وعقديًا؛ ليكونوا حُرَّاساً لهذا المذهبِ القويمِ، ورادِّينَ على شُبهاتِ أهلِ الزَّيغِ.
* بالنِّسبةِ للعُلماءِ: يقعُ عليهم عِبءُ التَّعليمِ والتَّبليغِ، وتفصيلِ هذهِ الشُّروطِ في خُطبِهِم ودروسِهِم؛ لأنَّ النَّاسَ إذا ضَيَّعوا شُروطَ الشهادةِ ضَيَّعوا دِينَهُم وتفرقوا شِيَعاً.
خامساً: أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ وَمَنْهَجُ الدِّرَاسَةِ
تأتي هذهِ الدِّراسةُ لِتَسُدَّ ثَغرةً في المَكتبةِ الأكاديميةِ، حيثُ تَمَّ تَقسيمُ البحثِ إلى عشرةِ مَباحثَ مُفصلةٍ، نَتتبعُ فيها خُطى الإمامِ في مَتْنِهِ، مُطبقينَ عليها المسالِكَ الأربعةَ: (المسلكُ اللغويُّ، المسلكُ العقديُّ، المسلكُ التربويُّ، والمسلكُ التدبريُّ).
إنَّنا في هذا البحثِ لا نَكتفي بمجردِ الشَّرحِ، بل نُعززُ كلَّ مَبحثٍ بأقوالِ كِبارِ عُلماءِ العصرِ الذينَ خَدَموا هذهِ العقيدةَ، وعلى رأسِهِم:
* الشيخُ السعديُّ في تفسيرِهِ وتأصيلاتِهِ.
* الشيخُ المعلميُّ اليمانيُّ في تحقيقاتِهِ الدقيقةِ.
* الشيخُ ابنُ عثيمينَ في شُروحِهِ الماتعةِ.
* والشيوخُ: الفوزانُ، وصالحُ آلُ الشيخِ، وصالحٌ السنديُّ في تَقاريرِهِمُ العَقديةِ واللغويةِ الحديثةِ.
******************
[1] انظر: إعتقاد أهل السنة، للالكائي، ج1/ ص150.
[2] انظر: مدارج السالكين، ابن القيم، دار عالم الفوائد، ج1/ ص412.
[3] انظر: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، جمع ابن قاسم، ج1/ ص120.
*****************
المطلب الخامس: أهمية البحث
تتجلى أهمية هذا البحث في كونه دراسة استقصائية شاملة لمتن هو "أصل الأصول"، ويمكن تلخيص الأهمية في النقاط الخمس التالية:
* مركزيّة الموضوع: أن البحث يتناول "شروط لا إله إلا الله"، وهي الفاصل بين الإسلام والكفر، وبين السنة والبدعة، فلا يصح إسلام العبد إلا بتحقيقها عِلماً وعملاً.
* الحاجة الماسة للتأصيل العقدي: في ظل انتشار الشبهات المعاصرة وتهاون البعض في مقتضيات الشهادة، تبرز الحاجة إلى إعادة ربط الأمة بمتون السلف الصالح وما قرره أئمة الدعوة المنضبطة بالكتاب والسنة.
* الدمج المنهجي بين اللغة والعقيدة: ندرة الدراسات التي تجمع بين "التحقيق اللغوي النحوي" وبين "التقرير العقدي التربوي" في آن واحد، مما يجعل هذا البحث مرجعاً لطالب العلم في فقه النص لسانياً وعقدياً.
* حماية جناب التوحيد: أن البحث يُبين "نواقض الشروط" ومنافياتها (كالشرك والكذب والشك)، مما يحمي المسلم من الوقوع في مضلات الفتن.
* جمع شتات أقوال المحققين: أهمية جمع تقريرات أئمة معاصرين (كالسعدي، المعلمي، ابن عثيمين، وغيرهم) في موضع واحد، مما يوفر على الباحثين عناء التفتيش في المجلدات والدروس الصوتية.
المطلب السادس: أهداف البحث
يهدف هذا البحث إلى تحقيق غايات علمية وعملية محددة، هي:
* تحقيق المتن لغوياً: ضبط النص ضبطاً تاماً وبيان وجه الإعراب والبلاغة في عبارات الإمام محمد بن عبد الوهاب.
* التأصيل بالأدلة: ربط كل شرط من الشروط السبعة بأدلته التفصيلية من الوحيين (الكتاب والسنة)، وشرح وجه الدلالة منها شرحاً مستفيضاً.
* الربط السلوكي (التربوي والتدبري): نقل العقيدة من مجرد "معلومات ذهنية" إلى "واقع حي" من خلال مسالك التربية والتدبر، ليكون التوحيد منهج حياة.
* تحرير محل النزاع: بيان مذهب أهل السنة والجماعة في شروط الشهادة والرد على الطوائف التي غلت أو جفت في هذا الباب.
* تيسير العلم للعامة والخاصة: تقديم مادة علمية دسمة تصلح أن تكون مرجعاً للأكاديميين (عبر المباحث المطولة) ومنهاجاً للعامة (عبر الخلاصات التربوية).
المطلب السابع: أسباب اختيار المتن
وقع الاختيار على متن "شروط لا إله إلا الله" للإمام محمد بن عبد الوهاب للأسباب التالية:
* القبول التام: أن هذا المتن قد تلقته الأمة بالقبول، وأصبح من أساسيات التعليم في الحواضر العلمية السلفية.
* الوجازة والبركة: تميز المتن بقلة الألفاظ مع إحاطته بجلائل المعاني، مما يسهل حفظه وفهمه.
* الاعتماد على الوحيين: أن المصنف -رحمه الله- لم يضع شروطاً من كيسه، بل استنبطها استنباطاً دقيقاً من نصوص القرآن وصحيح السنة.
* المنهجية التعليمية: وضوح الترتيب والتقسيم في المتن، مما يجعله هيكلاً مثالياً لبناء بحث أكاديمي موسع.
* ارتباطه بالواقع: الحاجة المتجددة لبيان معنى "لا إله إلا الله" في كل زمان ومكان، لاسيما في مواجهة دعوات التمييع العقدي.
المطلب الثامن: الدراسات السابقة (مَن سبقني في شرح المتن)
لقد اعتنى العلماء بهذا المتن شرحاً وتعليقاً، ومن أبرز من سبقه في هذا الميدان (على سبيل المثال لا الحصر):
* الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ: في كتابه (فتوح المجيد) وغيره من الرسائل.
* الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ: في (تيسير العزيز الحميد) حيث فصل في شروط الكلمة ومقتضاها.
* الشيخ حافظ بن أحمد الحكمي: في منظومته (سلم الوصول) وشرحها (معارج القبول)، حيث أفاض في ذكر الأدلة.
* الشيخ محمد خليل هراس: في شرحه لرسائل الإمام محمد بن عبد الوهاب.
* الشيخ عبد العزيز بن باز: في تعليقاته المسجلة ودروسه المفرغة حول شروط الشهادة.
* الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين: في (شرح ثلاثة الأصول) و(القول المفيد)، وله رسائل مفردة في الشروط.
* الشيخ صالح بن فوزان الفوزان: في كتابه (دروس من القرآن الكريم) وفي شرحه لرسائل التوحيد.
* الشيخ عبد المحسن العباد البدر: في شرحه لـ (شروط لا إله إلا الله) المطبوع والمسموع.
* الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ: في شروحه التأصيلية (كشرح العقيدة الطحاوية والواسطية) التي عرج فيها على المتن بدقة.
* الشيخ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر: في رسالته الماتعة (تحقيق شروط لا إله إلا الله).
***********************
مَتْنُ شُرُوطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَنْفِي الْإِلَهِيَّةَ عَمَّا سِوَى اللهِ، وَتُثْبِتُهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ. وَلَا تُقْبَلُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ قَائِلِهَا إِلَّا بِاجْتِمَاعِ سَبْعَةِ شُرُوطٍ، وَهِيَ:
الْعِلْمُ: الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ؛ بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْقَائِلُ مَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا.
قَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19].
الْيَقِينُ: الْمُنَافِي لِلشَّكِّ؛ بِأَنْ يَكُونَ قَائِلُهَا مُسْتَيْقِنًا بِدَلَالَتِهَا يَقِينًا جَازِمًا.
قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15].
الْقَبُولُ: الْمُنَافِي لِلرَّدِّ؛ لِمَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ.
قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُشْرِكِينَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ} [الصافات: 35].
الانْقِيَادُ: الْمُنَافِي لِلتَّرْكِ؛ وَهُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ بِالْعَمَلِ.
قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} [لقمان: 22].
الصِّدْقُ: الْمُنَافِي لِلْكَذِبِ؛ وَهُوَ أَنْ يَقُولَهَا صَادِقًا مِنْ قَلْبِهِ، يُوَاطِئُ قَلْبُهُ لِسَانَهُ.
قَالَ تَعَالَى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3].
الْإِخْلَاصُ: الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ؛ وَهُوَ تَصْفِيَةُ الْعَمَلِ بِصَالِحِ النِّيَّةِ عَنْ جَمِيعِ شَوَائِبِ الشِّرْكِ.
قَالَ تَعَالَى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3].
الْمَحَبَّةُ: لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَأَهْلِهَا الْعَامِلِينَ بِهَا.
قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165].
***********************
المَبْحَثُ الأَوَّلُ:
(البَسْمَلَةُ وَتَقْرِيرُ مَعْنَى الكَلِمَةِ التوحيد)
تَصْدِيرُ النَّصِّ المُرَادِ شَرْحُهُ:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.. اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ): هِيَ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي تَنْفِي الْإِلَهِيَّةَ عَمَّا سِوَى اللهِ، وَتُثْبِتُهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ».
أولاً: المَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ (التَّدْقِيقُ وَالتَّعْرِيفُ بِالحَدِّ الجَامِعِ المَانِعِ)
في هذا المقطع، توجد مفردات مركزية يجب تحريرها لغوياً وفق "الحد الجامع المانع":
* البَسْمَلَة (بِسْمِ اللهِ):
* اللغة: الباء للاستعانة أو للمصاحبة، و"اسم" مشتق من السمو (العلو) أو السمة (العلامة).
* الحد الجامع المانع: هي استعراق لجميع أسماء الله الحسنى في مقام الاستعانة والتبرك، وتصدير العمل بها إعلانٌ بفقر العبد لربه في نيل مطلوبه.
* الرَّحْمَن الرَّحِيم:
* اللغة: وصفان مشتقان من الرحمة، "فعلان" للصيغة الممتلئة (السعة)، و"فعيل" للصيغة الواصلة (الفعل).
* الحد الجامع المانع للرحمن: هو ذو الرحمة الشاملة الواسعة التي وسعت الخلائق كلهم.
* الحد الجامع المانع للرحيم: هو الموصل لرحمته إلى من يشاء من عباده (وخاصة المؤمنين).
* العِلْم (اعْلَمْ):
* اللغة: نقيض الجهل، وهو إدراك الشيء على ما هو عليه.
* الحد الجامع المانع: هو إدراك الحق بدليله، إدراكاً جازماً يمنع من دخول الشبهة أو النقيض.
* الرَّحْمَة (رَحِمَكَ اللهُ):
* اللغة: الرقة والتعطف والمغفرة.
* الحد الجامع المانع: هي صفة ذاتية لله تعالى مقتضاها الإحسان للعبد بإيصال المنافع له ودفع المضار عنه.
* المَعْنَى:
* اللغة: القصد وما يُعبر عنه باللفظ.
* الحد الجامع المانع: هو الصورة الذهنية التي وُضع اللفظ بإزائها ليدل عليها دلالة مطابقة.
* النَّفْي وَالإِثْبَات:
* الحد الجامع المانع للنفي: هو سلب الألوهية واستحقاق العبادة عمن سوى الله كائناً من كان.
* الحد الجامع المانع للإثبات: هو حصر استحقاق العبادة وتفريدها لله وحده عز وجل.
ثانياً: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ (التَّأْصِيلُ السَّلَفِيُّ) [أكثر من 1000 كلمة]
1. مقتضى البداية بالبسملة:
اقتدى الإمام محمد بن عبد الوهاب بكتاب الله تعالى في بدايته، وبسنة النبي ﷺ في مكاتباته. والعقيدة تبدأ بالله ولله، فكان البدء باسمه تقريراً لمبدأ "التوحيد العلمي" قبل الشروع في "التوحيد الطلبي".
2. دعاء المصنف (رحمك الله):
هذا منهج أئمة الدعوة السلفية؛ فالعلم يُبنى على الرحمة لا على الغطرسة. فالإمام يريد للمتعلم الرحمة التي هي (مغفرة ما مضى، والتوفيق فيما بقي). والعقيدة الصحيحة هي أعظم رحمة يسوقها الله للعبد.
3. حقيقة معنى "لا إله إلا الله":
هنا بيت القصيد؛ فالإمام يقرر أن "الإله" هو "المألوه" أي (المعبود حباً وتعظيماً).
* تنبيه لغوي عقدي: من أخطاء المتكلمين (الأشاعرة وغيرهم) تعريف الإله بـ "القادر على الاختراع"، وهذا تعريف قاصر؛ لأن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله هو الخالق المخترع، ومع ذلك لم يكونوا موحدين.
* التعريف السلفي: الإله هو الذي تُصرف له العبادة. فمعنى "لا إله إلا الله" هو: (لا معبود بحق إلا الله). وكلمة "بحق" هي "الخبر" المحذوف في الجملة النحوية، لتبطل ألوهية الأصنام والأنداد المدعاة بالباطل.
4. ركنا الكلمة (النفي والإثبات):
التوحيد لا يقوم إلا على هذين الركنين؛ "كفر بالطاغوت" (النفي) و"إيمان بالله" (الإثبات). من أثبت لله الألوهية ولم ينفها عمن سواه فليس بموحد (كالمشركين الذين يعبدون الله ويعبدون معه غيره). ومن نفى الألوهية مطلقاً فهو ملحد. التوحيد هو "التركيب" بين النفي العام والإثبات الخاص.
ثالثاً: المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ
* تربية الروح على الاستعانة: البدء بالبسملة يربي المسلم على ألا يبدأ أمراً إلا بالله، مما يقطع التعلق بالأسباب المادية ويجعل القلب معلقاً بمسبب الأسباب.
* أثر دعاء المعلم للمتعلم: في قوله "رحمك الله" تربية على خفض الجناح للمتعلمين، وأن الغرض من تعليم العقيدة هو نجاة الناس ورحمتهم، وليس مجرد إقامة الحجة عليهم.
* تربية العقل على الحقيقة: حين يدرك العبد أن "لا إله إلا الله" تنفي الإلهية عمن سوى الله، يتحرر من عبودية الهوى، وعبودية البشر، وعبودية المال، فيصل إلى قمة الحرية الإنسانية تحت مظلة العبودية الربانية.
رابعاً: المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ (الهِدَايَاتُ العَمَلِيَّةُ)
* تدبر (اعلم): لماذا لم يقل "اقرأ" أو "احفظ"؟ لأن العلم يقتضي اليقين والعمل. التدبر هنا يوجب على المسلم أن يسأل نفسه: هل علمتُ معنى التوحيد علماً يغير مسار حياتي، أم هو مجرد معلومات محفوظة؟
* تدبر (النفي قبل الإثبات): في قول الإمام "تنفي... وتثبت". نجد أن التخلية قبل التحلية. يجب أن تفرغ قلبك من التعلق بغير الله (تخلية) لكي يستقر فيه نور التوحيد (تحلية).
* تدبر (كلمة التوحيد): وصفها بالكلمة دلالة على ثباتها، فهي (كشجرة طيبة أصلها ثابت). فهل أصل هذه الكلمة ثابت في قلبك بحيث لا تزعزعه رياح الشبهات؟
خامساً: جَامِعُ أَقْوَالِ الأَئِمَّةِ فِي هَذَا المَقْطَعِ
* الشيخ السعدي: "حقيقة التوحيد هي إفراد الله بالعبادة، وهذا المطلب هو الذي خلقت له الخليقة، وهو أعظم أمر أمر الله به" [1].
* الشيخ المعلمي اليماني: ركز على تحقيق لفظ "الإله" وأبطل تأويلات أهل الكلام التي تخرج اللفظ عن مقتضاه اللغوي العربي الأصيل [2].
* الشيخ ابن عثيمين: "الباء في البسملة للاستعانة، وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، أي: لا أستعين إلا بالله" [3].
* الشيخ الفوزان: "قوله (رحمك الله) تنبيه على أن العلم يجب أن يقترن بالرحمة والرفق بالخلق" [4].
* الشيخ صالح آل الشيخ: "معنى لا إله إلا الله عند أئمة الدعوة هو إفراد الله بالقصد والطلب، وهذا هو توحيد الألوهية الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم" [5].
* الشيخ صالح السندي: يؤكد على ضرورة "ضبط المفاهيم" قبل الشروع في العمل، فالعلم هو إمام العمل وقائده [6].
*************★********
[1] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، السعدي، ص22.
[2] رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله، المعلمي اليماني، ص45.
[3] شرح الأصول الثلاثة، ابن عثيمين، ص12.
[4] شرح رسالة شروط لا إله إلا الله، الفوزان، ص8.
[5] كفاية المستفيد بشرح كتاب التوحيد، صالح آل الشيخ، ج1/ ص55.
[6] دروس في العقيدة، صالح السندي (تسجيلات مفرغة)، الدرس الأول.
********************
المَبْحَثُ الثَّانِي: شَرْطُ (العِلْمِ) المُنَافِي لِلْجَهْلِ
نَصُّ المَتْنِ المَشْرُوحِ:
> «الأَوَّلُ: الْعِلْمُ [1]؛ الْمُنَافِي لِلْجَهْلِ [2]؛ بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْقَائِلُ مَعْنَاهَا نَفْيًا وَإِثْبَاتًا [3]. قَالَ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19] [4]. وَقَالَ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ] [5]».
أولاً: التَّحْقِيقُ وَالتَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَاتِ المَقْطُوعَةِ
* العِلْمُ: هُوَ مَصْدَرُ (عَلِمَ)، وَيُفِيدُ فِي حَقِيقَتِهِ الِانْكِشَافَ التَّامَّ لِلْمَعْلُومِ فِي الذِّهْنِ. وَفِي مَقَامِ التَّوْحِيدِ، هُوَ "إِدْرَاكُ حَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ إِدْرَاكًا جَازِمًا يَطْرُدُ الرَّيْبَ". (الحدُّ الجامعُ المانعُ): هُوَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ المُوافِقُ لِلْوَاقِعِ عَنْ دَلِيلٍ نَقْلِيٍّ.
* المُنَافِي لِلْجَهْلِ: (المُنَافَاةُ) صِيغَةُ مُفَاعَلَةٍ تَدُلُّ عَلَى المُدَافَعَةِ؛ (الحدُّ الجامعُ المانعُ): هُوَ القَيْدُ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ قِيَامِ صِفَةِ "الجَهْلِ" (تَصَوُّرِ الشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ) مَعَ العِلْمِ بِالْمَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ لِلشَّهَادَةِ.
* بِحَيْثُ يَعْلَمُ القَائِلُ مَعْنَاهَا: تَقْيِيدٌ لِحَالِ النَّاطِقِ؛ فَلَا يَنْفَعُ اللَّفْظُ المُنْفَصِلُ عَنِ المَعْنَى الذِّهْنِيِّ. (الحدُّ الجامعُ المانعُ): حُضُورُ القَصْدِ وَالمَدْلُولِ فِي القَلْبِ لَحْظَةَ إِجْرَاءِ اللَّفْظِ عَلَى اللِّسَانِ.
* نَفْيًا وَإِثْبَاتًا: (النَّفْيُ) هُوَ التَّخْلِيَةُ، وَ(الإِثْبَاتُ) هُوَ التَّحْلِيَةُ. (الحدُّ الجامعُ المانعُ لِلنَّفْيِ): رَفْعُ حَقِّ التَّأْلِيهِ عَنْ غَيْرِ اللهِ مُطْلَقًا. (الحدُّ الجامعُ المانعُ لِلإِثْبَاتِ): قَصْرُ كُلِّ صُوَرِ الخُضُوعِ وَالتَّأَلُّهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ.
ثانياً: تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}
1. مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ الأَثَرِيِّ (الطَّبَرِيُّ):
يُقَرِّرُ الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ أَنَّ هَذَا خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ المُكَلَّفِينَ. فَالْعِلْمُ المَطْلُوبُ هُوَ العِلْمُ بـ "بُطْلَانِ أُلُوهِيَّةِ مَنْ سِوَى اللهِ" وَ"صِحَّةِ أُلُوهِيَّةِ اللهِ". وَيُبَيِّنُ أَنَّ الأَمْرَ بِالعِلْمِ جَاءَ لِيَكُونَ الإِنْسَانُ عَلَى يَقِينٍ فِي دِينِهِ، فَلَا يَكُونُ إِيمَانُهُ مُجَرَّدَ قَوْلٍ بِلَا حَقِيقَةٍ [6].
2. مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ المَنْهَجِيِّ (السَّعْدِيُّ):
يُفَصِّلُ الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ طُرُقَ العِلْمِ بِالتَّوْحِيدِ، وَمِنْهَا: تَدَبُّرُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَالنَّظَرُ فِي أَفْعَالِ اللهِ فِي الآفَاقِ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، فَكُلُّ هَذَا يَقُودُ إِلَى العِلْمِ بِأَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [7].
ثالثاً: المَسَالِكُ الثَّلَاثَةُ فِي الآيَةِ
* المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تُؤَصِّلُ الآيَةُ لِقَاعِدَةِ "العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ"؛ فَالْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ هُوَ جَذْرُ الشَّجَرَةِ، وَكُلُّ طَاعَةٍ تَصْدُرُ مِنَ العَبْدِ لَا مَعْنَى لَهَا إِنْ لَمْ تَقُمْ عَلَى أَسَاسٍ صَحِيحٍ مِنَ المَعْرِفَةِ بِالمَعْبُودِ.
* المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الآيَةُ تَبْنِي شَخْصِيَّةَ المُؤْمِنِ "العَالِمِ" لَا "المُقَلِّدِ". وَفِي هَذَا تَرْبِيَةٌ عَلَى الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الفِكْرِيَّةِ تِجَاهَ ضَلَالَاتِ البَشَرِ، وَالِارْتِبَاطِ الوَثِيقِ بِحَقِيقَةِ الوَحْيِ.
* المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: لَمَّا أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ بِالعِلْمِ رَغْمَ أَنَّهُ أَعْلَمُ الخَلْقِ، فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَحْرَ العِلْمِ بِاللهِ لَا سَاحِلَ لَهُ، وَأَنَّ العَبْدَ يَجِبُ أَنْ يَظَلَّ فِي حَالَةِ "تَرَقٍّ" فِي مَعْرِفَةِ مَعْبُودِهِ حَتَّى يَلْقَاهُ.
رابعاً: شَرْحُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ (بِالتَّخْرِيجِ وَتَحْقِيقِ المَحَقِّقِينَ)
تَخْرِيجُ الحَدِيثِ:
* المَصْدَرُ الرَّئِيسُ: رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ: مَنْ لَقِيَ اللهَ بِالإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الجَنَّةَ، رَقَمُ (26/43).
* تَخْرِيجٌ إِضَافِيٌّ: أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي "المُسْنَدِ" (1/65)، وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي "المُصَنَّفِ" (11/11)، وَأَبُو يَعْلَى فِي "مُسْنَدِهِ" (2/502)، وَكُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
شَرْحُ الحَدِيثِ:
* ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ (صَاحِبُ فَتْحِ البَارِي): يُؤَكِّدُ أَنَّ تَقْيِيدَ الدُّخُولِ بِالعِلْمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النُّطْقَ المَجَرَّدَ لَا يَكْفِي. وَيُبَيِّنُ أَنَّ العِلْمَ المَقْصُودَ هُوَ مَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنَ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ وَالأَصْغَرِ حَسْبَ قُوَّةِ هَذَا العِلْمِ [8].
* ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ (جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ): يُفَصِّلُ فِي أَنَّ العِلْمَ بِمَعْنَى "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُوَ مِفْتَاحُ الجَنَّةِ، لَكِنَّ هَذَا المِفْتَاحَ لَهُ أَسْنَانٌ، وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْنَانِهِ "العِلْمُ بِمَا تَنْفِيهِ وَمَا تُثْبِتُهُ" [9].
خامساً: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الشَّامِلُ (أَكْثَرُ مِنْ 1000 كَلِمَةٍ)
إِنَّ قَضِيَّةَ "العِلْمِ" فِي شُرُوطِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) لَيْسَتْ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ هِيَ مَسْأَلَةُ "حَيَاةٍ أَوْ مَوْتٍ" فِي مِيزَانِ الآخِرَةِ.
* جَوْهَرُ التَّوْحِيدِ العِلْمِيِّ: العِلْمُ المُنَافِي لِلْجَهْلِ هُوَ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يُدْرِكُ أَنَّ "الأُلُوهِيَّةَ" خَصِيصَةٌ رَبَّانِيَّةٌ لَا يَجُوزُ صَرْفُهَا لِبَشَرٍ مَهْمَا عَلَتْ رُتْبَتُهُ. الجَهْلُ هُنَا هُوَ "الجَهْلُ بِالحُدُودِ"، فَمَنْ جَهِلَ أَنَّ الدُّعَاءَ عِبَادَةٌ، دَعَا غَيْرَ اللهِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ مُوَحِّدٌ؛ لِأَنَّهُ "جَهِلَ" مَعْنَى الكَلِمَةِ الَّتِي يَنْطِقُ بِهَا.
* الرَّدُّ التَّفْصِيلِيُّ عَلَى الطَّوَائِفِ المُنْحَرِفَةِ:
* الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ: وَقَعُوا فِي قُصُورٍ عَقَدِيٍّ بَالِغٍ حِينَ فَسَّرُوا العِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ عَلَى أَنَّهُ العِلْمُ بِـ "القُدْرَةِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ". هَذَا التَّفْسِيرُ جَعَلَهُمْ يَغْفَلُونَ عَنْ "تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ"، مِمَّا فَتَحَ البَابَ لِلْعِبَادَاتِ الشِّرْكِيَّةِ عِنْدَ القُبُورِ، لِأَنَّ العَامِيَّ يَقُولُ: "أَنَا أَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ (رُبُوبِيَّةٌ)، لَكِنِّي أَدْعُو هَذَا الوَلِيَّ لِيَشْفَعَ لِي (شِرْكُ أُلُوهِيَّةٍ)". فَالْعِلْمُ السَّلَفِيُّ الحَقُّ هُوَ الَّذِي يَقْطَعُ هَذَا الشِّرْكَ بِبَيَانِ أَنَّ الإِلَهَ هُوَ المَعْبُودُ وُحْدَهُ.
* المُرْجِئَةُ: الَّذِينَ قَالُوا: "الإِيمَانُ هُوَ المَعْرِفَةُ". الرَّدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ العِلْمَ لَيْسَ صُورَةً ذِهْنِيَّةً بَارِدَةً، بَلْ هُوَ "عِلْمٌ مُحَرِّكٌ" لِلْجَوَارِحِ. مَنْ عَلِمَ عِلْمًا حَقِيقِيًّا أَنَّ اللهَ وَحْدَهُ هُوَ الرَّبُّ المَعْبُودُ، لَا بُدَّ أَنْ يَنْقَادَ لَهُ.
* أَهْلُ وَحْدَةِ الوُجُودِ وَالفَلَاسِفَةُ: الَّذِينَ ضَلُّوا فِي "تَصَوُّرِ الذَّاتِ"، فَجَعَلُوا العِلْمَ بِالتَّوْحِيدِ هُوَ الفَنَاءَ فِي المَوْجُودَاتِ. وَهَذَا نَقِيضُ العِلْمِ الَّذِي جَاءَ بِهِ الأَنْبِيَاءُ، وَهُوَ العِلْمُ بِمُبَايَنَةِ الخَالِقِ لِلْمَخْلُوقِ.
* أَقْسَامُ النَّاسِ فِي العِلْمِ:
* أَهْلُ البَصِيرَةِ: الَّذِينَ تَعَلَّمُوا الدَّلِيلَ وَعَرَفُوا المَعْنَى، فَهُمُ الأَئِمَّةُ فِي الدِّينِ.
* أَهْلُ التَّقْلِيدِ (الجَهْلُ البَسِيطُ): الَّذِينَ عَرَفُوا أَصْلَ المَعْنَى لَكِنْ لَا دَلِيلَ عِنْدَهُمْ، وَإِيمَانُهُمْ مُعَرَّضٌ لِلِاهْتِزَازِ.
* أَهْلُ الضَّلَالِ (الجَهْلُ المُرَكَّبُ): الَّذِينَ فَسَّرُوا التَّوْحِيدَ بِغَيْرِ مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، فَهَؤُلَاءِ عَبَدُوا غَيْرَ اللهِ بِاسْمِ "التَّوَسُّلِ" أَوْ "المَحَبَّةِ"، فَهَدَمُوا الشَّرْطَ مِنْ أَصْلِهِ.
سادساً: جَامِعُ تَقْرِيرَاتِ الأَئِمَّةِ المَعَاصِرِينَ
* الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: رَبَطَ بَيْنَ العِلْمِ وَالسَّعَادَةِ، مُعْتَبِرًا أَنَّ كُلَّ نَقْصٍ فِي حَيَاةِ المُؤْمِنِ سَبَبُهُ نَقْصُ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ [10].
* الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ فِي "رَفْعِ الِاشْتِبَاهِ" أَنَّ العِلْمَ المَطْلُوبَ هُوَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ "العَادَةِ" وَ"العِبَادَةِ"، فَلَا يَصِيرُ التَّوْحِيدُ رَسْمًا لَا رُوحَ فِيهِ [11].
* الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: شَدَّدَ عَلَى أَنَّ العِلْمَ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِأَنَّ مَا سِوَاهُ بَاطِلٌ، وَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بطلَانَ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ" [12].
* الشَّيْخُ الفَوْزَانُ: أَوْضَحَ أَنَّ "مَعْنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" هُوَ أَوَّلُ مَا يَجِبُ تَدْرِيسُهُ لِلنَّاسِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا الأَصْلُ [13].
* الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: حَقَّقَ مَسْأَلَةَ "العِلْمِ المُنْجِي" وَأَنَّهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ العَبْدُ مُسْتَيْقِنًا مُنْقَادًا، رَافِضًا لِكُلِّ شَكٍّ أَوْ جَهْلٍ بِالمَدْلُولِ [14].
* الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: رَكَّزَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ "الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ" فِي بِنَاءِ العِلْمِ، وَأَنَّ العِلْمَ الَّذِي لَا يَقُومُ عَلَى "قَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ" هُوَ عِلْمٌ هَشٌّ [15].
-----------------------------------
[1] مَادَّةُ (عَلِمَ)، لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ، ج12، ص417.
[2] مَادَّةُ (جَهِلَ)، مَقَايِيسُ اللُّغَةِ، ابْنُ فَارِسٍ، ج1، ص489.
[3] كِتَابُ التَّوْحِيدِ، الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ص12.
[4] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، ج7، ص315.
[5] صَحِيحُ مُسْلِمٍ، كِتَابُ الإِيمَانِ، رَقَمُ (26).
[6] جَامِعُ البَيَانِ فِي تَأْوِيلِ القُرْآنِ، الطَّبَرِيُّ، ج22، ص185.
[7] تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص773.
[8] فَتْحُ البَارِي، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص162 (طبعة الرشد).
[9] جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ابْنُ رَجَبٍ، ص218.
[10] الفَوَاكِهُ الشَّهِيَّةُ فِي الخُطَبِ المِنْبَرِيَّةِ، السَّعْدِيُّ، ص44.
[11] آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيِّ، مَجْمُوعُ الرَّسَائِلِ، ص130.
[12] شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص30.
[13] إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، الفَوْزَانُ، ج1، ص185.
[14] شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص88.
[15] مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.
-----------------------------------------
1. الْمَبْحَثُ الثَّاني: شَرْطُ الْإِخْلَاصِ الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ
2. نَصُّ الْمَتْنِ الْمُرَادِ شَرْحُهُ:
الثَّالِثُ: الْإِخْلَاصُ؛ الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ. قَالَ تَعَالَى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 3]. وَقَالَ ﷺ: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
3. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَةِ الْإِخْلَاصِ:
* الْإِخْلَاصُ: مَصْدَرُ (أَخْلَصَ)، وَمَادَّتُهُ (خ ل ص) تَدُلُّ فِي اللُّغَةِ عَلَى تَنْقِيَةِ الشَّيْءِ وَتَهْذِيبِهِ مِمَّا يَشُوبُهُ. يُقَالُ: خَلَصَ الشَّيْءُ إِذَا صَفَا، وَأَخْلَصَهُ إِذَا مَيَّزَهُ عَنْ غَيْرِهِ وَصَفَّاهُ مِنَ الْكَدَرِ.
* الْخَالِصُ: هُوَ الصَّافِي الَّذِي لَا شَائِبَةَ فِيهِ، كَاللَّبَنِ الْخَالِصِ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُ دَمٌ وَلَا فَرْثٌ.
* الْمُنَافِي لِلشِّرْكِ: النَّفْيُ هُنَا يَعْنِي الطَّرْدَ وَالْإِزَالَةَ، فَالْإِخْلَاصُ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ التَّنْدِيدِ أَوْ طَلَبِ مَحَامِدِ الْخَلْقِ.
4. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالتَّفْسِيرِيُّ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ:
* التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ:
أ- (أَلَا): أَدَاةُ اسْتِفْتَاحٍ وَتَنْبِيهٍ، تُفِيدُ تَحْقِيقَ مَا بَعْدَهَا وَلَفْتَ نَظَرِ السَّامِعِ لِأَهَمِّيَّةِ الْخَبَرِ.
ب- (لِلَّهِ): الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وَتَقْدِيمُهُ يُفِيدُ الْحَصْرَ وَالِاخْتِصَاصَ؛ أَيْ لَهُ وَحْدَهُ لَا لِغَيْرِهِ.
ج- (الدِّينُ): الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَالْمُرَادُ كُلُّ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ.
د- (الْخَالِصُ): وَصْفٌ لِلدِّينِ، أَيِ الْمُصَفَّى مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ.
* تَفْسِيرُ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ: يَقُولُ: "أَلَا لِلَّهِ أَيُّهَا النَّاسُ الطَّاعَةُ الْخَالِصَةُ لَهُ مِنْ كُلِّ شَائِبَةٍ، لَا يَشُوبُهَا شِرْكٌ، وَلَا يُخَالِطُهَا رِيَاءٌ، فَلَا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ" [1].
* تَفْسِيرُ الْإِمَامِ السَّعْدِيِّ: يُقَرِّرُ أَنَّ اللهَ أَمَرَ بِتَصْفِيَةِ الدِّينِ، وَأَنَّ الدِّينَ الَّذِي لَا إِخْلَاصَ فِيهِ لَا يَقْبَلُهُ اللهُ، لِأَنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الشِّرْكِ، وَالْإِخْلَاصُ هُوَ رُوحُ الْأَعْمَالِ [2].
5. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ فِي الْآيَةِ:
تُؤَصِّلُ الْآيَةُ لِتَوْحِيدِ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ مَقَامَ الْإِلَهِيَّةِ يَقْتَضِي إِفْرَادَ الْقَصْدِ، فَمَنِ ادَّعَى التَّوْحِيدَ وَهُوَ يَلْتَفِتُ بِقَلْبِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ نَقَضَ شَرْطَ الْإِخْلَاصِ.
6. الْمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ فِي الْآيَةِ:
تُرَبِّي الْآيَةُ الْمُؤْمِنَ عَلَى "الْمُرَاقَبَةِ الذَّاتِيَّةِ"، بِحَيْثُ يَكُونُ هَمُّهُ الْأَوَّلُ رِضَا الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَتُحَرِّرُهُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْبَشَرِ وَالتَّطَلُّعِ لِثَنَائِهِمْ.
7. تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ:
رَوَاهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحهِ"، كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْحِرْصِ عَلَى الْحَدِيثِ، رَقَمُ (99)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
8. التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَاتِ الْحَدِيثِ:
أ- (أَسْعَدُ النَّاسِ): صِيغَةُ تَفْضِيلٍ، تَدُلُّ عَلَى أَنَّ نَيْلَ الشَّفَاعَةِ يَتَفَاوَتُ بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِخْلَاصِ.
ب- (خَالِصًا): حَالٌ مَنْصُوبَةٌ، وَهِيَ الْقَيْدُ الْجَوْهَرِيُّ فِي النُّطْقِ بِالشَّهَادَةِ.
ج- (مِنْ قَلْبِهِ): بَيَانٌ لِمَحَلِّ الْإِخْلَاصِ، لِتَأْكِيدِ خُرُوجِ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ.
9. شَرْحُ الْحَدِيثِ (ابْنُ حَجَرٍ وَابْنُ رَجَبٍ):
* الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ: يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْقَيْدَ (خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ) يُخْرِجُ مَنْ قَالَهَا بِاللِّسَانِ لِيَعْصِمَ دَمَهُ وَمَالَهُ فَقَطْ، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَا تُنَالُ إِلَّا بِتَحْقِيقِ هَذَا الصَّفَاءِ الْقَلْبِيِّ [3].
* الْإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الْحَنْبَلِيُّ: يُوَضِّحُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْإِخْلَاصِ هِيَ أَنْ تَمْنَعَ صَاحِبَهَا عَنْ مَحَارِمِ اللهِ، فَمَنْ صَفَا قَلْبُهُ لِلَّهِ تَرَكَ مَا يَكْرَهُهُ اللهُ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ النَّجَاةِ [4].
10. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ فِي الْحَدِيثِ:
* الْعَقَدِيُّ: الرَّبْطُ بَيْنِ قَوْلِ اللِّسَانِ وَعَمَلِ الْقَلْبِ، وَأَنَّ الشَّفَاعَةَ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ الِانْتِسَابِ الظَّاهِرِيِّ.
* التَّرْبَوِيُّ: تَحْفِيزُ الْمُؤْمِنِ عَلَى "تَجْرِيدِ الْمُتَابَعَةِ" وَ"صِدْقِ التَّوَجُّهِ"، وَجَعْلِ الْبَاطِنِ أَعْمَرَ مِنَ الظَّاهِرِ.
11. الْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الشَّامِلُ حَوْلَ الْإِخْلَاصِ
يُعَدُّ الْإِخْلَاصُ هُوَ الرُّكْنَ الرَّكِينَ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ؛ إِذْ إِنَّ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) تَعْنِي نَفْيَ الشَّرِيكِ، فَمَنْ نَطَقَ بِهَا وَقَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقُبُورِ، أَوْ بِالْأَوْثَانِ، أَوْ بِحُبِّ الظُّهُورِ، فَقَدْ نَقَضَ تَوْحِيدَهُ. الْإِخْلَاصُ هُوَ الَّذِي يُحَوِّلُ الْعَمَلَ مِنَ الْعَادَةِ إِلَى الْعِبَادَةِ. وَالْمَسْلَكُ الْعَقَدِيُّ الشَّامِلُ يَقْتَضِي الْإِيمَانَ بِأَنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَصَوَابًا عَلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ. الْإِخْلَاصُ هُوَ عِمَادُ الِاسْتِقَامَةِ؛ فَالْمُخْلِصُ لَا يَتَغَيَّرُ ثَنَاؤُهُ أَوْ مَذَمَّتُهُ بِحَسَبِ النَّاسِ، بَلْ هُوَ ثَابِتٌ ثَبَاتَ الْجِبَالِ. وَهَذَا الْمَسْلَكُ يَشْمَلُ تَنْقِيَةَ الْقَلْبِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ مِنَ الشَّوَائِبِ: الشِّرْكُ الْأَكْبَرُ، وَالشِّرْكُ الْأَصْغَرُ (الرِّيَاءُ)، وَإِرَادَةُ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ. مَتَى تَحَقَّقَ ذَلِكَ، أَثْمَرَ التَّوْحِيدُ ثِمَارَهُ فِي نَفْسِ الْعَبْدِ سَكِينَةً وَيَقِينًا، وَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ الْمُوَحِّدِ الْحَقِّ وَبَيْنَ الْمُدَّعِي.
12. تَقَارِيرُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ فِي شَرْطِ الْإِخْلَاصِ:
1- الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: الْإِخْلَاصُ هُوَ حَقِيقَةُ الدِّينِ، وَبِدُونِهِ تَصِيرُ الْأَعْمَالُ هَبَاءً مَنْثُورًا، وَهُوَ أَعْظَمُ سَبَبٍ لِتَفْرِيجِ الْكُرُوبِ [5].
2- الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ: الْإِخْلَاصُ أَنْ لَا يَقْصِدَ الْإِنْسَانُ بِعِبَادَتِهِ إِلَّا اللهَ تَعَالَى وَالْوُصُولَ إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ كُلِّ عَمَلٍ [6].
3- الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمُعَلِّمِيُّ: الْإِخْلَاصُ يَقْتَضِي "التَّجَرُّدَ مِنَ الْهَوَى"، فَالْمُخْلِصُ هُوَ الَّذِي يَسِيرُ مَعَ الدَّلِيلِ لَا مَعَ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ [7].
4- الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الْفَوْزَانُ: الْإِخْلَاصُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَرْكِ الشِّرْكِ كُلِّهِ، وَمَنْ صَرَفَ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللهِ لَمْ يَنْفَعْهُ قَوْلُ الشَّهَادَةِ [8].
5- الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: الْإِخْلَاصُ هُوَ "تَصْفِيَةُ الْإِرَادَةِ"، وَعَلَى طَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَفَقَّدَ نِيَّتَهُ فِي كُلِّ مَجْلِسٍ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَحْرِصُ عَلَى إِفْسَادِ الْإِخْلَاصِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ [9].
6- الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: الْإِخْلَاصُ هُوَ بَوَّابَةُ القَبُولِ، وَمَنْ لَمْ يُحَقِّقِ الْإِخْلَاصَ فِي تَوْحِيدِهِ بَقِيَ مَحْرُومًا مِنْ لَذَّةِ الْإِيمَانِ وَثَمَرَاتِهِ الْعَاجِلَةِ [10].
---------------------------------------
[1] جَامِعُ الْبَيَانِ، الطَّبَرِيُّ، ج20، ص160.
[2] تَيْسِيرُ الْكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص720.
[3] فَتْحُ الْبَارِي، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص240.
[4] جَامِعُ الْعُلُومِ وَالْحِكَمِ، ابْنُ رَجَبٍ، ص450.
[5] الْقَوْلُ السَّدِيدُ، السَّعْدِيُّ، ص22.
[6] شَرْحُ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص95.
[7] آثَارُ الْمُعَلِّمِيِّ، رَسَائِلُ الْعَقِيدَةِ، ج1، ص210.
[8] إِعَانَةُ الْمُسْتَفِيدِ، الْفَوْزَانُ، ج1، ص188.
[9] شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص120.
[10] مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الرَّابِعُ.
-----------------------------------------------
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شَرْطُ (اليَقِينِ) المُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ
نَصُّ المَتْنِ المُرَادِ شَرْحُهُ:
«الثَّانِي: الْيَقِينُ؛ وَهُوَ كَمَالُ الْعِلْمِ بِهَا، الْمُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ. قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} [الحجرات: 15].
وَقَالَ ﷺ: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]».
أولاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ لِمُفْرَدَاتِ المَبْحَثِ
1. الشَّرْطُ:
اللُّغَةُ: أَلْزَمَ نَفْسَهُ شَيْئًا، وَأَصْلُهُ (الشَّرَطُ) أَيِ العَلَامَةُ.
الِاصْطِلَاحُ: مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ. (فَإِذَا عُدِمَ اليَقِينُ عُدِمَ صِدْقُ الشَّهَادَةِ).
2. اليَقِينُ:
اللُّغَةُ: مِنَ (اليَقَنِ) وَهُوَ الِاسْتِقْرَارُ. يُقَالُ: يَقِنَ المَاءُ إِذَا سَكَنَ وَثَبَتَ فِي مَقَرِّهِ.
الحَدُّ الجَامِعُ المَانِعُ:هُوَ كَمَالُ تَصْدِيقِ القَلْبِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لَا يَعْتَرِيهِ تَرَدُّدٌ وَلَا يَزْعَزِعُهُ تَمْوِيهٌ.
3.كَمَالُ العِلْمِ بِهَا:
اللُّغَةُ: (الكَمَالُ) هُوَ التَّمَامُ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ.
الدَّقِيقَةُ العَقَدِيَّةُ: وَصْفُ اليَقِينِ بِأَنَّهُ "كَمَالُ العِلْمِ" إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اليَقِينَ هُوَ الغَايَةُ القُصْوَى مِنَ المَعْرِفَةِ، فَالعِلْمُ أَوَّلُ المَرَاتِبِ، وَاليَقِينُ آخِرُهَا وَأَتَمُّهَا.
4.المُنَافِي لِلشَّكِّ وَالرَّيْبِ:
الشَّكُّ: هُوَ اسْتِوَاءُ طَرَفَيِ الإِدْرَاكِ
الرَّيْبُ: هُوَ شَكٌّ يَصْحَبُهُ اضْطِرَابٌ فِي القَلْبِ وَنُفُورٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الشَّكِّ المَجَرَّدِ.
الرَّبْطُ البَلَاغِيُّ: جَمَعَ المُؤَلِّفُ بَيْنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ لِيَسْتَوْعِبَ نَفْيَ كُلِّ مَرَاتِبِ التَّرَدُّدِ، فَلَا يَبْقَى لِلْبَاطِلِ مَنْفَذٌ إِلَى عَقِيدَةِ المُوَحِّدِ.
ثانياً: مَرَاتِبُ وَأَنْوَاعُ اليَقِينِ
قَسَّمَ العُلَمَاءُ اليَقِينَ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مُتَفَاوِتَةٍ فِي القُوَّةِ لَا فِي الحَقِيقَةِ:
1. عِلْمُ اليَقِينِ: وَهُوَ اليَقِينُ المُسْتَفَادُ مِنَ الدَّلِيلِ وَالبُرْهَانِ وَسَمَاعِ الخَبَرِ الصَّادِقِ (كَإِيمَانِنَا بِالجَنَّةِ عَنْ طَرِيقِ الوَحْيِ).
2. عَيْنُ اليَقِينِ: وَهُوَ مَا يَنْكَشِفُ لِلْبَصَرِ وَيُعَايَنُ (كَإِذَا رَأَى أَهْلُ المَحْشَرِ الجَنَّةَ عِيَانًا).
3. حَقُّ اليَقِينِ: وَهُوَ أَعْلَى المَرَاتِبِ، وَيَكُونُ بِالمُلَابَسَةِ وَالمُخَالَطَةِ (كَإِذَا دَخَلَ المُؤْمِنُونَ الجَنَّةَ وَذَاقُوا نَعِيمَهَا) [1].
ثالثاً: مَسَالِكُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ}
1. التَّدْقِيقُ فِي مَفْرَدَاتِ الآيَةِ:**
*إِنَّمَا: أَدَاةُ حَصْرٍ، تَنْفِي صِفَةَ الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ عَمَّنْ خَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
*آمَنُوا بِاللَّهِ: (الإِيمَانُ بِاللَّهِ) هُنَا هُوَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأُلُوهِيَّتِهِ وَرُبُوبِيَّتِهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ.
*ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا: (ثُمَّ) لِلتَّرَاخِي الرُّتْبِيِّ، لِتَدُلَّ عَلَى أَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى عَدَمِ الرَّيْبِ أَعْظَمُ رُتْبَةً مِنْ مُجَرَّدِ ابْتِدَاءِ الإِيمَانِ.
2. التَّفْسِيرُ الأَثَرِيُّ وَالمَنْهَجِيُّ:
*الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ:** يَرَى أَنَّ اللهَ وَصَفَ الصَّادِقِينَ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ رَيْبٌ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، لِأَنَّ المُرْتَابَ فِي دِينِهِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ [2].
*الإِمَامُ السَّعْدِيُّ: يُقَرِّرُ أَنَّ شَرْطَ الإِيمَانِ أَنْ يَكُونَ يَقِينًا ثَابِتًا، وَيَقُولُ: "لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَعْتَرِيَهُ شَكٌّ فِي أَيِّ حَالٍ" [3].
رابعاً: مَسَالِكُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ الشَّرِيفِ
1. التَّدْقِيقُ فِي مَفْرَدَاتِ الحَدِيثِ:
*أَشْهَدُ:تَعْنِي أُقِرُّ وَأَعْتَرِفُ عَنْ عِلْمٍ وَمُشَاهَدَةٍ قَلْبِيَّةٍ.
*لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا:** أَيْ بِهَاتَيْنِ الشَّهَادَتَيْنِ عِنْدَ المَوْتِ.
*غَيْرَ شَاكٍّ: حَالٌ لَازِمَةٌ لِلْمُؤْمِنِ لَحْظَةَ الِاحْتِضَارِ لِتَحْقِيقِ مَوْعُودِ الجَنَّةِ.
2. التَّحْقِيقُ بَيْنَ ابْنِ حَجَرٍ وَابْنِ رَجَبٍ:**
*ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ: يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ الحَدِيثَ اشْتَرَطَ (نَفْيَ الشَّكِّ) لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّكَّ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ نَاقِضٌ لَهَا [4].
*ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: يَقُولُ: "إِنَّمَا يَنَالُ العَبْدُ حَقِيقَةَ اليَقِينِ إِذَا تَجَرَّدَ قَلْبُهُ لِلَّهِ، فَلَا يَبْقَى فِيهِ مَسْكَنٌ لِوَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الشَّكِّ" [5].
خامساً: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الشَّامِلُ فِي شَرْطِ اليَقِينِ
إِنَّ المَقَامَ فِي شَرْطِ "اليَقِينِ" مَقَامٌ تَعْظُمُ فِيهِ المَسْؤُولِيَّةُ العَقَدِيَّةُ؛ إِذْ هُوَ الفَرْقَانُ بَيْنَ إِيمَانِ الخُلَّصِ وَبَيْنَ تَرَدُّدِ المُنَافِقِينَ.
*حَقِيقَةُ اليَقِينِ وَمَحَلُّهَا: اليَقِينُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ مَحْضٌ، وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ الَّتِي تَجْعَلُ الغَيْبَ عِنْدَ العَبْدِ كَالشَّهَادَةِ.
وَفِي شَهَادَةِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)، يَعْنِي اليَقِينُ أَنْ يَنْقَطِعَ كُلُّ خَيْطٍ مِنَ التَّرَدُّدِ فِي أَنَّ اللهَ هُوَ الخَالِقُ الرَّازِقُ المَعْبُودُ بِحَقٍّ.
الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ:
المُتَكَلِّمُونَ وَالشَّكَّاكُ: الَّذِينَ جَعَلُوا "الشَّكَّ" طَرِيقًا إِلَى اليَقِينِ، فَقَالُوا: "أَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ الشَّكُّ ثُمَّ النَّظَرُ". وَهَذَا ضَلَالٌ مُبِينٌ؛ فَأَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ التَّوْحِيدُ، وَالفِطْرَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اليَقِينِ لَا عَلَى الشَّكِّ.
المُنَافِقُونَ: الَّذِينَ جَاءُوا بِالشَّهَادَةِ لِأَغْرَاضٍ دُنْيَوِيَّةٍ مَعَ قُلُوبٍ مَمْلُوءَةٍ بِالرَّيْبِ، فَكَانَ حُكْمُ اللهِ فِيهِمْ أَنَّهُمْ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.
*أَثَرُ اليَقِينِ فِي العَقِيدَةِ: اليَقِينُ هُوَ الَّذِي يَمْنَعُ "الرِّدَّةَ" عِنْدَ المَصَائِبِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْعَلُ المُسْلِمَ يَقُولُ لِلْبَاطِلِ "لَا" مَهْمَا كَانَ سُلْطَانُهُ. فَالْمُوقِنُ بِأَنَّ الرِّزْقَ بِيَدِ اللهِ لَا يُدَاهِنُ فِي دِينِهِ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ عَيْشٍ.
سادساً: المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالتَّدَبُّرِيُّ
1.تَرْبِيَةُ القَلْبِ عَلَى الثَّبَاتِ: اليَقِينُ يُورِثُ الشَّجَاعَةَ وَالقُوَّةَ؛ فَالْمُوقِنُ بِاللَّهِ لَا يَخَافُ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
2. تَدَبُّرُ الخَاتِمَةِ: رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ اليَقِينِ وَدُخُولِ الجَنَّةِ، لِيَظَلَّ المُؤْمِنُ دَائِمَ التَّفَقُّدِ لِقَلْبِهِ: هَلْ أَنَا عَلَى يَقِينٍ أَمْ أَنَّ هُنَاكَ شَوَائِبَ مِنَ الرَّيْبِ؟
سابعاً: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ المَعَاصِرِينَ فِي شَرْطِ اليَقِينِ
1. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: اليَقِينُ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ الشُّبُهَاتِ، كَمَا أَنَّ الإِخْلَاصَ يَصْرِفُ الشَّهَوَاتِ [6].
2.الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ اليَقِينَ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِمُتَابَعَةِ الدَّلِيلِ القُرْآنِيِّ، فَهُوَ الوَحِيدُ الَّذِي يَقْلَعُ جُذُورَ الرَّيْبِ [7].
3. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ العُثَيْمِينُ: يُؤَكِّدُ أَنَّ اليَقِينَ هُوَ "تَصْدِيقٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ"، وَأَنَّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ 1% مِنَ الشَّكِّ فَلَمْ يُحَقِّقِ اليَقِينَ [8].
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانُ: اليَقِينُ ضَرُورِيٌّ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ قَوْلُ لِسَانٍ وَاعْتِقَادُ قَلْبٍ، فَلَا يَنْفَعُ اللَّفْظُ مَعَ تَرَدُّدِ القَلْبِ [9].
5. الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: اليَقِينُ لَا بُدَّ أَنْ يُثْمِرَ عَمَلًا، فَمَنْ زَعَمَ اليَقِينَ وَهُوَ يُعْرِضُ عَنْ شَرْعِ اللهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ [10].
6. الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: اليَقِينُ هُوَ حِصْنُ المُسْلِمِ فِي عَصْرِ "الِانْفِتَاحِ المَعْلُومَاتِيِّ" وَكَثْرَةِ المُشَكِّكِينَ [11].
-----------------------
[1] *مَدَارِجُ السَّالِكِينَ*، ابْنُ القَيِّمِ، ج2، ص397.
[2] *تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ*، ج22، ص312.
[3] *تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ*، السَّعْدِيُّ، ص802.
[4] *فَتْحُ البَارِي*، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص165.
[5] *جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ*، ابْنُ رَجَبٍ، ص140.
[6] *الفَتَاوَى السَّعْدِيَّةُ*، ص56.
[7] *آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيِّ*، رَسَائِلُ العَقِيدَةِ، ص142.
[8] *شَرْحُ العَقِيدَةِ الوَاسِطِيَّةِ*، ابْنُ العُثَيْمِينُ، ج1، ص45.
[9] *إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ*، الفَوْزَانُ، ج1، ص188.
[10] *شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ*، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص112.
[11] *مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ*، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الرَّابِعُ.
**تَمَّ المَبْحَثُ الثَّالِثُ بِحَمْدِ اللهِ، جَامِعًا لِأُصُولِ التَّحْقِيقِ وَالمَسَالِ
-----------------------------
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: شَرْطُ (القَبُولِ) المُنَافِي لِلرَّدِّ
نَصُّ المَتْنِ المُرَادِ شَرْحُهُ:
«الثَّالِثُ: الْقَبُولُ؛ لِمَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [الزخرف: 23-25].
وَقَالَ ﷺ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ... الحَدِيثَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]»
أولاً: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ لِمُفْرَدَاتِ المَبْحَثِ وَالِاسْتِدْلَالِ
1.الشَّرْطُ: (سَبَقَ تَحْقِيقُهُ) وَهُوَ العَلَامَةُ لُغَةً، وَمَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ العَدَمُ اصْطِلَاحًا.
2. القَبُولُ:اللُّغَةُ: مَادَّةُ (ق ب ل) تَدُلُّ عَلَى مُوَاجَهَةِ الشَّيْءِ. وَالقَبُولُ: الرِّضَا بِالشَّيْءِ وَتَلَقِّيهِ دُونَ رَدٍّ.
الِاصْطِلَاحُ: هُوَ إِذْعَانُ القَلْبِ لِمَا جَاءَ بِهِ التَّوْحِيدُ رِضًا وَمَحَبَّةً، وَالتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ بِاللِّسَانِ.
3. مُتْرَفُوهَا: (اللُّغَةُ): التَّرَفُ هُوَ التَّوَسُّعُ فِي النَّعِيمِ. وَالمُتْرَفُ: مَنْ أَفْسَدَتْهُ الرَّفَاهِيَةُ فَتَكَبَّرَ عَنِ الحَقِّ.
4.أُمَّةٍ: (اللُّغَةُ): هُنَا بِمَعْنَى المِلَّةِ وَالطَّرِيقَةِ وَالدِّينِ.
5. الغَيْثُ: (اللُّغَةُ): المَطَرُ الَّذِي يَأْتِي عِنْدَ الحَاجَةِ فَيُغِيثُ الخَلْقَ.
6. النَّقِيَّةُ: (اللُّغَةُ): الأَرْضُ الطَّيِّبَةُ الَّتِي لَا خَبَثَ فِيهَا، المُسْتَعِدَّةُ لِلإِنْبَاتِ.
7.الكَأَلُ وَالعُشْبُ: الكَلأُ لِلرَّطْبِ وَاليَابِسِ، وَالعُشْبُ لِلرَّطْبِ خَاصَّةً.
ثانياً: تَحْقِيقُ القَبُولِ (بَيْنَ القَلْبِ وَالجَوَارِحِ)
يُعَدُّ القَبُولُ شَرْطًا مِحْوَرِيًّا يَنْتَقِلُ بِالعَبْدِ مِنْ مَرْحَلَةِ "المَعْرِفَةِ" إِلَى مَرْحَلَةِ "الرِّضَا".
هَلِ القَبُولُ خَاصٌّ بِالقَلْبِ أَمْ بِالجَوَارِحِ؟
الأَصْلُ: القَبُولُ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ ابْتِدَاءً، وَهُوَ تَلَقِّي الدَّعْوَةِ بِالِانْشِرَاحِ وَتَرْكِ الِاسْتِكْبَارِ.
الثَّمَرَةُ: لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ هَذَا القَبُولِ عَلَى اللِّسَانِ (بِالنُّطْقِ) وَعَلَى الجَوَارِحِ (بِتَرْكِ نَوَاقِضِ القَبُولِ). فَالْقَبُولُ هُوَ المِحَرِّكُ لِلْجَوَارِحِ لِتَعْمَلَ بِمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ.
ثالثاً: أَقْسَامُ القَبُولِ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِيهِ
1. أَنْوَاعُ القَبُولِ:
1. قَبُولٌ كُلِّيٌّ (أَصْلُ القَبُولِ): وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ بِهِ العَبْدُ فِي الإِسْلَامِ، وَبِضِدِّهِ يَكُونُ الكُفْرُ (الرَّدُّ اسْتِكْبَارًا).
2. قَبُولٌ تَفْصِيلِيٌّ (كَمَالُ القَبُولِ):وَهُوَ قَبُولُ كُلِّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَرَسُولُهُ ﷺ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الدِّينِ.
2. أَقْسَامُ النَّاسِ فِي القَبُولِ (تَبَعًا لِحَدِيثِ الغَيْثِ):
1.السَّابِقُونَ (الأَرْضُ الطَّيِّبَةُ): الَّذِينَ قَبِلُوا التَّوْحِيدَ فَعَلِمُوا وَعَمِلُوا وَعَلَّمُوا.
2. الحُفَّاظُ (الأَجَادِبُ): الَّذِينَ قَبِلُوا التَّوْحِيدَ نَقْلًا وَحِفْظًا لِلنُّصُوصِ، فَنَفَعُوا غَيْرَهُمْ وَإِنْ نَقَصَ عَمَلُهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ.
3. المَحْرُومُونَ (القِيعَانُ): الَّذِينَ رَدُّوا التَّوْحِيدَ وَلَمْ يَرْفَعُوا بِهِ رَأْسًا، وَهُمُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا كَمَا اسْتَكْبَرَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ.
رابعاً: التَّفْسِيرُ وَالتَّحْقِيقُ لِلآيَاتِ {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا...}
1. مَسْلَكُ التَّفْسِيرِ (الطَّبَرِيُّ وَالسَّعْدِيُّ):
الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: يُبَيِّنُ أَنَّ عِلَّةَ رَدِّ المُشْرِكِينَ لِلتَّوْحِيدِ كَانَتْ هِيَ "التَّقْلِيدُ لِلآبَاءِ" وَ"الِاسْتِكْبَارُ" النَّاشِئُ عَنِ التَّرَفِ. فَهُمْ عَرَفُوا الحَقَّ لَكِنَّهُمْ لَمْ "يَقْبَلُوهُ" [1].
الإِمَامُ السَّعْدِيُّ: يَقُولُ: "ذَكَرَ اللهُ صِنْفَ المُتْرَفِينَ خَاصَّةً لِأَنَّ التَّرَفَ يُوجِبُ الطُّغْيَانَ وَرَدَّ الحَقِّ الَّذِي يُخَالِفُ الأَهْوَاءَ" [2].
2. المَسَالِكُ فِي الآيَةِ:
المَسْلَكُ العَقَدِيُّ تُؤَصِّلُ الآيَةُ لِأَنَّ "الرَّدَّ" سَبَبُهُ لَيْسَ دَائِمًا الجَهْلُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ العِنَادُ. فَالْقَبُولُ شَرْطٌ زَائِدٌ عَلَى العِلْمِ وَاليَقِينِ.
المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تُحَذِّرُ الآيَةُ مِنْ سُطْوَةِ (المَالِ وَالجَاهِ) عَلَى قَبُولِ الحَقِّ، وَتَدْعُو المُؤْمِنَ أَنْ يَكُونَ سَهْلَ الِانْقِيَادِ لِلْوَحْيِ مَهْمَا خَالَفَ مَأْلُوفَهُ.
خامساً: شَرْحُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ (مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللهُ بِهِ...)
تَخْرِيجُ الحَدِيثِ:
رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ: فَضْلِ مَنْ عَلِمَ وَعَلَّمَ، رَقَمُ (79).
وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الفَضَائِلِ، رَقَمُ (2282).
مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
تَحْقِيقُ الشَّرَّاحِ
ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ:يَقُولُ: "شَبَّهَ الهُدَى بِالْمَطَرِ لِأَنَّ المَطَرَ يُحْيِي الأَرْضَ المَيْتَةَ، وَالهُدَى يُحْيِي القَلْبَ المَيْتَ. وَالأَرْضُ الَّتِي قَبِلَتِ المَاءَ هِيَ صُورَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ وَالقَبُولِ" [3].
ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: يُؤَكِّدُ أَنَّ القَبُولَ هُنَا هُوَ "التَّلَقِّي بِالرِّضَا"، وَأَنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْحَقِّ وَأَقْبَلُهَا لَهُ [4].
سادساً: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الشَّامِلُ فِي شَرْطِ القَبُولِ
إِنَّ قَضِيَّةَ "القَبُولِ" هِيَ المِحَكُّ الَّذِي يَتَمَيَّزُ فِيهِ مَنْ عَرَفَ الحَقَّ فَلَزِمَهُ، عَمَّنْ عَرَفَهُ فَنَكَبَ عَنْهُ.
جَوْهَرُ القَبُولِ: القَبُولُ هُوَ "قِيَادُ القَلْبِ"؛ فَقَدْ يَعْلَمُ العَبْدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ (عِلْمًا)، وَيُوقِنُ بِصِدْقِهَا (يَقِينًا)، لَكِنَّهُ يَرُدُّهَا كِبْرًا وَأَنَفَةً، كَمَا فَعَلَ إِبْلِيسُ، وَكَمَا فَعَلَ أَبُو طَالِبٍ. فَالْقَبُولُ هُوَ الرُّكْنُ الَّذِي يُحَوِّلُ المَعْلُومَةَ إِلَى عَقِيدَةٍ مُلْتَزَمَةٍ.
الرَّدُّ عَلَى المُنْحَرِفِينَ:
الجَهْمِيَّةُ: الَّذِينَ حَصَرُوا الإِيمَانَ فِي "المَعْرِفَةِ". نَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كَانُوا يَعْرِفُونَ الحَقَّ {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}، لَكِنَّهُمْ فَقَدُوا "القَبُولَ"، فَكَانُوا كُفَّارًا.
أَهْلُ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى: الَّذِينَ يَرُدُّونَ نُصُوصَ الوَحْيِ إِذَا خَالَفَتْ مَذَاهِبَ آبَائِهِمْ أَوْ مَشَايِخِهِمْ. هَؤُلَاءِ فِيهِمْ شَبَهٌ بِمَنْ نَزَلَتْ فِيهِمْ آيَةُ الزُّخْرُفِ، فَالْقَبُولُ الشَّرْعِيُّ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ قَوْلِ اللهِ وَرَسُولِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ.
1. الفَرَحُ بِالحَقِّ: أَنْ يَجِدَ العَبْدُ لَذَّةً فِي سَمَاعِ التَّوْحِيدِ وَبُغْضًا لِلشِّرْكِ.
2. التَّسْلِيمُ التَّامُّ: أَلَّا يَجِدَ فِي نَفْسِهِ حَرَجًا مِمَّا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ.
3. **العَمَلُ بِالمُقْتَضَى: فَمَنْ قَبِلَ الشَّهَادَةَ، قَبِلَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا مَأْمُورًا لَا حَاكِمًا عَلَى النُّصُوصِ.
## **سابعاً: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ المَعَاصِرِينَ فِي شَرْطِ القَبُولِ**
1. **الشَّيْخُ السَّعْدِيُّ: القَبُولُ هُوَ الَّذِي يُنْبِتُ فِي القَلْبِ شَجَرَةَ الإِيمَانِ، وَمَنْ رَدَّ الحَقَّ عُوقِبَ بِانْحِرَافِ القَلْبِ [5].
2. **الشَّيْخُ المُعَلِّمِيُّ:بَيَّنَ أَنَّ "الهَوَى" هُوَ العَائِقُ الأَوَّلُ عَنِ القَبُولِ، وَأَنَّ بَرَاءَةَ القَلْبِ مِنَ الهَوَى شَرْطٌ لِلتَّلَقِّي الصَّحِيحِ [6].
3. **الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يُفَرِّقُ بَيْنَ "الرَّدِّ جَهْلًا" وَ"الرَّدِّ اسْتِكْبَارًا"، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ شَرْطَ القَبُولِ يَنْفِي كُلَّ صُوَرِ الِاسْتِكْبَارِ عَنِ الحَقِّ [7].
4. **الشَّيْخُ الفَوْزَانُ: يَقُولُ: "لَا تَنْفَعُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مَنْ يَقُولُهَا وَهُوَ يَكْرَهُ مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ يَرُدُّ بَعْضَ أَحْكَامِهَا" [8].
5. **الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: يَرْبِطُ القَبُولَ بِـ "المَحَبَّةِ"، فَمَنْ أَحَبَّ التَّوْحِيدَ قَبِلَهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُ رَدَّهُ [9].
6. **الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: يُنَبِّهُ إِلَى أَنَّ القَبُولَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ (لِمَا اقْتَضَتْهُ الكَلِمَةُ)، فَلَا يَجُوزُ قَبُولُ بَعْضِ التَّوْحِيدِ وَرَدُّ بَعْضِهِ [10].
--------------------------------
[1] *تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ*، ج21، ص582.
[2] *تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ*، السَّعْدِيُّ، ص764.
[3] *فَتْحُ البَارِي*، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص176.
[4] *جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ*، ابْنُ رَجَبٍ، ص225.
[5] *الفَوَاكِهُ الشَّهِيَّةُ*، السَّعْدِيُّ، ص82.
[6] *آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيِّ*، رَسَائِلُ فِي العَقِيدَةِ، ص150.
[7] *شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ*، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ص34.
[8] *إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ*، الفَوْزَانُ، ج1، ص190.
[9] *شَرْحُ الطَّحَاوِيَّةِ*، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص120.
[10] *مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ*، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الخَامِسُ.
-------------------------------
المَبْحَثُ السَّادِسُ: شَرْطُ (الصِّدْقِ) المُنَافِي لِلْكَذِبِ
نَصُّ المَتْنِ المُرَادِ شَرْحُهُ:
«الخَامِسُ: الصِّدْقُ فِيهَا؛ المُنَافِي لِلْكَذِبِ. قَالَ تَعَالَى: {ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1-3]. وَقَالَ ﷺ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ» [رَوَاهُ البُخَارِيُّ]».
أولاً: التَّدْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ لِلْمَبْحَثِ
1. الصِّدْقُ:
* اللُّغَةُ: مَادَّةُ (ص د ق) تَدُلُّ عَلَى قُوَّةٍ فِي الشَّيْءِ قَوْلًا أَوْ غَيْرَهُ. وَالصِّدْقُ: خِلَافُ الكَذِبِ، وَهُوَ مُطَابَقَةُ القَوْلِ لِلْوَاقِعِ وَالِاعْتِقَادِ.
* الِاصْطِلَاحُ: هُوَ مُوَاطَأَةُ القَلْبِ لِلِّسَانِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يَنْطِقُ بِهِ اللِّسَانُ مِنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مُعَبِّرًا عَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الجَنَانِ مِنْ تَصْدِيقٍ.
2. المُنَافِي لِلْكَذِبِ:
* (الكَذِبُ) هُوَ الإِخْبَارُ عَنِ الشَّيْءِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً، لَكِنَّهُ فِي مَقَامِ الدِّينِ يُرَادُ بِهِ الكَذِبُ العَمْدِيُّ (النِّفَاقُ).
* (الحدُّ الجامعُ المانعُ): الصِّدْقُ هُوَ القَيْدُ الَّذِي يَمْنَعُ العَبْدَ مِنْ جَعْلِ التَّوْحِيدِ لِبَاسًا ظَاهِرًا يُخْفِي تَحْتَهُ بَاطِنًا خَرِبًا، فَمَتَى فُقِدَ الصِّدْقُ لَمْ تَنْفَعِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ عَمِلَ صَاحِبُهَا أَعْمَالَ الصَّالِحِينَ.
3. الفِتْنَةُ (يُفْتَنُونَ):
* اللُّغَةُ: أَصْلُ الفَتْنِ وَضْعُ الذَّهَبِ فِي النَّارِ لِتَمْيِيزِ الجَيِّدِ مِنَ الرَّدِيءِ. وَالمُرَادُ بِهَا هُنَا الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ.
ثانياً: تَحْقِيقُ مَعْنَى الصِّدْقِ (بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ)
1. حَقِيقَةُ الصِّدْقِ العَقَدِيِّ: هُوَ أَنْ يَكُونَ البَاطِنُ كَالظَّاهِرِ، بَلْ أَنْ يَكُونَ البَاطِنُ أَعْمَرَ بِالتَّوْحِيدِ مِنَ الظَّاهِرِ.
2. مَحَلُّ الصِّدْقِ: القَلْبُ ابْتِدَاءً، وَاللِّسَانُ تَبَعًا. فَاللِّسَانُ رَسُولُ القَلْبِ وَمُتَرْجِمُهُ، فَإِذَا نَطَقَ اللِّسَانُ بِـ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) وَالقَلْبُ مُنْكِرٌ لَهَا، فَهَذَا هُوَ الكَذِبُ الأَكْبَرُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ المُنَافِقُونَ.
3. التَّلَازُمُ: الصِّدْقُ هُوَ مِيزَانُ "الإِخْلَاصِ"؛ فَالصَّادِقُ مُخْلِصٌ بِالضَّرُورَةِ، وَالمُخْلِصُ صَادِقٌ لَا مَحَالَةَ.
## ثالثاً: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الصِّدْقِ
1. الصَّادِقُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا: وَهُمُ المُؤْمِنُونَ الخُلَّصُ، الَّذِينَ طَابَقَتْ سَرَائِرُهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ.
2. الكَاذِبُونَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا: وَهُمُ الكُفَّارُ المُجَاهِرُونَ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ.
3. الكَاذِبُونَ بَاطِنًا الصَّادِقُونَ ظَاهِرًا (فِي زَعْمِهِمْ): وَهُمُ المُنَافِقُونَ، الَّذِينَ نَطَقُوا بِالكَلِمَةِ وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ، فَهَؤُلَاءِ فَقَدُوا شَرْطَ الصِّدْقِ.
رابعاً: تَفْسِيرُ الآيَاتِ {ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ...}
1. تَفْسِيرُ الإِمَامِ الطَّبَرِيِّ: يَقُولُ: "أَظَنَّ الَّذِينَ يَدَّعُونَ الإِيمَانَ أَنْ يُتْرَكُوا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَقُولُوا (آمَنَّا) بِغَيْرِ اخْتِبَارٍ؟ كَلَّا، بَلْ سَيُبْتَلَوْنَ لِيَظْهَرَ الصَّادِقُ فِي قَوْلِهِ مِنَ الكَاذِبِ" [1].
2. تَفْسِيرُ الإِمَامِ السَّعْدِيِّ: يُوَضِّحُ أَنَّ هَذِهِ سُنَّةُ اللهِ فِي الخَلْقِ؛ لِيَتَمَيَّزَ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، وَمَنْ يَعْبُدُهُ صِدْقًا وَيَقِينًا، فَالصَّادِقُ مَنْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّدَائِدِ [2].
3. المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي الآيَةِ: بَيَّنَتِ الآيَةُ أَنَّ مُجَرَّدَ (القَوْلِ) لَا يَكْفِي لِلنَّجَاةِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ (صِدْقٍ) تَمْحَصُهُ الِابْتِلَاءَاتُ، فَمَنْ رَدَّتْهُ الفِتْنَةُ عَنْ دِينِهِ فَقَدْ نَقَصَ صِدْقُهُ.
4. المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تُرَبِّي الآيَةُ المُؤْمِنَ عَلَى الِاسْتِعْدَادِ لِلتَّضْحِيَةِ، وَتُعَلِّمُهُ أَنَّ دَعْوَى الإِيمَانِ ثَقِيلَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى "بُرْهَانِ الصِّدْقِ" فِي المَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ.
خامساً: شَرْحُ الحَدِيثِ (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ...)
1. تَخْرِيجُ الحَدِيثِ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ العِلْمِ، بَابُ: مَنْ خَصَّ بِالعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا، رَقَمُ (128). وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا (32).
2. تَحْقِيقُ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ قَوْلَهُ (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ) هُوَ تَقْيِيدٌ عَظِيمٌ؛ لِيُخْرِجَ المُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَهَا بِأَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، فَالتَّحْرِيمُ عَلَى النَّارِ مَنُوطٌ بِهَذَا الصِّدْقِ القَلْبِيِّ [3].
3. تَحْقِيقُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ: الصِّدْقُ فِي التَّوْحِيدِ يَقْتَضِي أَلَّا يَبْقَى فِي القَلْبِ مَحَبَّةٌ لِمَا يَكْرَهُهُ اللهُ، وَمَنْ صَدَقَ فِي قَوْلِهِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَقَدْ جَعَلَ اللهَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُ [4].
4. المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي الحَدِيثِ: إِثْبَاتُ أَنَّ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ لِمُطَابَقَةِ اللَّفْظِ لِلْقَلْبِ. فَالصِّدْقُ هُوَ "تَأْشِيرَةُ الدُّخُولِ" إِلَى حِمَى التَّوْحِيدِ النَّافِعِ.
## سادساً: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الشَّامِلُ فِي شَرْطِ الصِّدْقِ (1000 كَلِمَةٍ)
1. الصِّدْقُ رَأْسُ الأَمْرِ: الصِّدْقُ هُوَ القَاعِدَةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا سَائِرُ الشُّرُوطِ؛ فَاليَقِينُ صِدْقُ العِلْمِ، وَالإِخْلَاصُ صِدْقُ القَصْدِ، وَالمَحَبَّةُ صِدْقُ التَّوَجُّهِ. فَمَنْ فَقَدَ الصِّدْقَ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ عَمَلٌ.
2. النِّفَاقُ نَقِيضُ الصِّدْقِ: المُنَافِقُ هُوَ الَّذِي خَانَ "مِيثَاقَ الصِّدْقِ"، فَقَالَ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ. وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ جَزَاءَ المُنَافِقِينَ أَسْفَلَ النَّارِ؛ لِأَنَّ جُرْمَ "الكَذِبِ عَلَى اللهِ" فِي التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ جُرْمِ الكُفْرِ الظَّاهِرِ لِمَا فِيهِ مِنَ الخِدَاعِ وَالمَكْرِ.
3. التَّلَازُمُ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالثَّبَاتِ: الصَّادِقُ لَا يَتَلَوَّنُ، وَلَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الظُّرُوفِ. فَالَّذِي يَتْرُكُ التَّوْحِيدَ أَوْ يُضَيِّعُهُ عِنْدَ خَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ دُنْيَوِيٍّ، هَذَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ صِدْقِهِ مَعَ اللهِ.
4. الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ: الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ الإِيمَانَ مُجَرَّدُ النُّطْقِ (الكَرَّامِيَّةُ)، نَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِحَدِيثِ مُعَاذٍ (صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ)، فَلَوْ كَانَ النُّطْقُ كَافِيًا لَمَا احْتَاجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى هَذَا التَّقْيِيدِ.
5. ثَمَرَةُ الصِّدْقِ: الصِّدْقُ يُورِثُ السَّكِينَةَ؛ لِأَنَّ العَبْدَ لَيْسَ لَهُ وَجْهَانِ، فَهِيَ حَيَاةٌ وَاحِدَةٌ، ظَاهِرُهَا وَبَاطِنُهَا لِلَّهِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ نَجَاةِ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
## سابعاً: تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ المَعَاصِرِينَ فِي شَرْطِ الصِّدْقِ
1. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: الصِّدْقُ هُوَ عُنْوَانُ الفَلَاحِ، وَمَنْ صَدَقَ مَعَ اللهِ صَدَقَ اللهُ مَعَهُ، وَيَسَّرَ لَهُ سُبُلَ الهُدَى [5].
2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ الصِّدْقَ يَسْتَلْزِمُ "التَّجَرُّدَ لِلْحَقِّ"، فَمَنْ كَانَ صَادِقًا طَلَبَ الحَقَّ مَهْمَا كَانَ مُرًّا [6].
3. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَقُولُ: "الصِّدْقُ هُوَ عِمَادُ الإِيمَانِ، فَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَلَهُ مِيزَانٌ، وَمِيزَانُ الإِيمَانِ هُوَ الصِّدْقُ" [7].
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانُ: الصِّدْقُ يَمْنَعُ مِنَ النِّفَاقِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَادِقًا فِي قَوْلِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) فَهِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ لَا لَهُ [8].
5. الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: الصِّدْقُ فِي التَّوْحِيدِ يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي (الصِّدْقِ مَعَ الخَلْقِ)؛ لِأَنَّ مَنْ كَذَبَ مَعَ الخَالِقِ هَانَ عَلَيْهِ الكَذِبُ مَعَ المَخْلُوقِ [9].
6. الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: الصِّدْقُ هُوَ الصَّارِفُ لِلأَهْوَاءِ، فَالصَّادِقُ لَا يَتَّبِعُ هَوَاهُ بَلْ يَتَّبِعُ مَا صَدَقَ فِيهِ مِنْ دِينِ اللهِ [10].
------------------------
[1] جَامِعُ البَيَانِ، الطَّبَرِيُّ، ج10، ص205.
[2] تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص626.
[3] فَتْحُ البَارِي، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص226.
[4] جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ابْنُ رَجَبٍ، ص220.
[5] الفَوَاكِهُ الشَّهِيَّةُ، السَّعْدِيُّ، ص95.
[6] آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيِّ، ص172.
[7] شَرْحُ رِيَاضِ الصَّالِحِينَ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ج1، ص250.
[8] إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، الفَوْزَانُ، ج1، ص195.
[9] شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص158.
[10] مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ السَّابِعُ.
----------------------------
المَبْحَثُ السَّابِعُ: شَرْطُ (المَحَبَّةِ) المُنَافِي لِضِدِّهَا نَصُّ المَتْنِ المُرَادِ شَرْحُهُ:
«السَّادِسُ: المَحَبَّةُ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وَلِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ، وَالِاسْتِبْشَارُ بِذَلِكَ. قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165]. وَقَالَ ﷺ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا... الحَدِيثَ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ]».
1. التَّدْقِيقُ اللَّفْظِيُّ وَالمَفَاهِيمِيُّ لِلْمَبْحَثِ
1. المَحَبَّةُ:
اللُّغَةُ: مَادَّةُ (ح ب ب) تَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ وَالثَّبَاتِ، وَقِيلَ هِيَ صَفَاءُ القَلْبِ. وَالمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ لِكَمَالٍ فِيهِ.
الِاصْطِلَاحُ:هِيَ مَيْلُ القَلْبِ بِالْكُلِّيَّةِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، إِيثَارًا لَهُ عَلَى النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالمَالِ، مَعَ الرِّضَا بِتَوْحِيدِهِ وَكَلِمَتِهِ.
2. المُنَافِي لِضِدِّهَا:
ضِدُّ المَحَبَّةِ هُوَ (البُغْضُ) أَوْ (الكَرَاهِيَةُ).
الحدُّ الجامعُ المانعُ: المَحَبَّةُ هِيَ القَيْدُ الَّذِي يَجْعَلُ العَبْدَ يَنْطِقُ بِالشَّهَادَةِ رَاغِبًا مُنْشَرِحَ الصَّدْرِ، فَمَتَى قَالَهَا مَعَ كَرَاهِيَةٍ لَهَا أَوْ لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ، بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ.
3. الأَنْدَادُ:
اللُّغَةُ:جَمْعُ (نِدٍّ)، وَهُوَ المِثْلُ وَالشَّبِيهُ. وَالمُرَادُ بِهَا هُنَا كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْ صُرِفَ لَهُ نَوْعٌ مِنَ المَحَبَّةِ الَّتِي لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ.
4. حَلَاوَةَ الإِيمَانِ:
هِيَ لَذَّةٌ قَلْبِيَّةٌ يَجِدُهَا المُؤْمِنُ تَجْعَلُهُ يَسْتَلِذُّ الطَّاعَاتِ وَيَتَحَمَّلُ فِي سَبِيلِ اللهِ المَشَقَّاتِ.
2. تَحْقِيقُ مَعْنَى المَحَبَّةِ (بَيْنَ الِاعْتِقَادِ وَالشُّعُورِ)
1. أَصْلُ المَحَبَّةِ: هُوَ تَعْظِيمُ اللهِ فِي القَلْبِ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ الإِيمَانُ إِلَّا بِهِ.
2. لَازِمُ المَحَبَّةِ: أَنْ يُحِبَّ العَبْدُ مَا أَحَبَّ اللهُ مِنَ الأَعْمَالِ وَالأَشْخَاصِ، وَيُبْغِضَ مَا أَبْغَضَ اللهُ.
3. الِاسْتِبْشَارُ: ذَكَرَهُ المُؤَلِّفُ لِيُبَيِّنَ أَنَّ مَحَبَّةَ التَّوْحِيدِ تُثْمِرُ فَرَحًا سُرُورًا فِي النَّفْسِ، فَالمُوَحِّدُ يَفْرَحُ بِفَضْلِ اللهِ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ.
3. أَقْسَامُ النَّاسِ فِي المَحَبَّةِ
1. المُخْلِصُونَ فِي مَحَبَّتِهِمْ: وَهُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا مَحَبَّةَ اللهِ هِيَ القَائِدَةَ لِكُلِّ مَحَبَّةٍ، فَلَا يُحِبُّونَ إِلَّا لِلَّهِ وَفِي اللهِ.
2. المُشْرِكُونَ فِي مَحَبَّتِهِمْ: وَهُمُ الَّذِينَ سَوَّوْا غَيْرَ اللهِ بِاللَّهِ فِي "مَحَبَّةِ العِبَادَةِ وَالتَّأَلُّهِ"، وَهَؤُلَاءِ هُمْ أَصْحَابُ الأَنْدَادِ.
3. المُبْغِضُونَ: وَهُمُ الَّذِينَ يَكْرَهُونَ التَّوْحِيدَ وَأَهْلَهُ، وَهَذَا هُوَ الكُفْرُ المَحْضُ الَّذِي يَهْدِمُ الشَّهَادَةَ مِنْ أَسَاسِهَا.
4. تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ...}
1. تَفْسِيرُ الإِمَامِ الطَّبَرِيُّ: يَقُولُ: "وَصَفَ اللهُ المُشْرِكِينَ بِأَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَوْثَانَهُمْ كَمَا يُحِبُّ المُؤْمِنُونَ اللهَ، ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مَحَبَّةَ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أَشَدُّ وَأَقْوَى؛ لِأَنَّهَا مَحَبَّةٌ ثَابِتَةٌ لَا تَتَزَلْزَلُ، بَيْنَمَا مَحَبَّةُ المُشْرِكِينَ لِأَنْدَادِهِمْ تَنْقَطِعُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ" [1].
2. تَفْسِيرُ الإِمَامِ السَّعْدِيُّ: يَقَرِّرُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللهِ هِيَ أَصْلُ العُبُودِيَّةِ، وَأَنَّ مَنْ أَشْرَكَ مَعَ اللهِ غَيْرَهُ فِي المَحَبَّةِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ظُلْمًا عَظِيمًا، وَالمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يُقَدِّمُ مَحَبَّةَ مَوْلَاهُ عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ [2].
3. المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي الآيَةِ: تُؤَصِّلُ الآيَةُ لِأَنَّ "التَّسْوِيَةَ فِي المَحَبَّةِ" شِرْكٌ أَكْبَرُ، فَلَا يَكْفِي أَنْ تُحِبَّ اللهَ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُوَ المَحْبُوبَ الأَعْظَمَ وَالأَوْحَدَ فِي مَقَامِ التَّأَلُّهِ.
4. المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تَدْعُو الآيَةُ إِلَى تَطْهِيرِ القَلْبِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالمَخْلُوقِينَ، وَجَعْلِ البَوْصَلَةِ القَلْبِيَّةِ مُتَّجِهَةً نَحْوَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ.
5. شَرْحُ الحَدِيثِ (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ...)
1. تَخْرِيجُ الحَدِيثِ:رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ"، كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابُ: حَلَاوَةِ الإِيمَانِ، رَقَمُ (16). وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا رَقَمُ (43). عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.
2. تَحْقِيقُ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ: يُبَيِّنُ أَنَّ المُرَادَ بِـ (المَحَبَّةِ) هُنَا مَحَبَّةُ الِاخْتِيَارِ الَّتِي تَتْبَعُ العَقْلَ وَالدِّينَ، لَا مَحَبَّةَ الطَّبْعِ فَقَطْ. وَأَنَّ تَقْدِيمَ اللهِ وَرَسُولِهِ فِي المَحَبَّةِ هُوَ عِمَادُ سُلُوكِ طَرِيقِ الآخِرَةِ [3].
3. تَحْقِيقُ ابْنِ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ:يَقُولُ: "المَحَبَّةُ الصَّادِقَةُ تَقْتَضِي الطَّاعَةَ، فَالمُحِبُّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعٌ. وَحَلَاوَةُ الإِيمَانِ لَا تُذَاقُ إِلَّا بَعْدَ تَجَرُّعِ مَرَارَةِ مُخَالَفَةِ الهَوَى فِي سَبِيلِ المَحْبُوبِ سُبْحَانَهُ" [4].
4. المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي الحَدِيثِ: تَقْرِيرُ أَنَّ المَحَبَّةَ "مُحَرِّكٌ" لِلإِيمَانِ، وَبِدُونِهَا يَكُونُ الدِّينُ قَالَبًا جَامِدًا. كَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ الرَّسُولِ ﷺ تَبَعٌ لِمَحَبَّةِ اللهِ.
6. المَسْلَكُ العَقَدِيُّ الشَّامِلُ فِي شَرْطِ المَحَبَّةِ
1. المَحَبَّةُ قُطْبُ الرَّحَى:هِيَ الشَّرْطُ الَّذِي يَنْفِي (البُغْضَ) وَ(النِّفَاقَ). فَالْمُنَافِقُ قَدْ يَعْلَمُ، وَقَدْ يَنْقَادُ ظَاهِرًا، لَكِنَّ قَلْبَهُ خَالٍ مِنْ مَحَبَّةِ اللهِ وَدِينِهِ. لِذَا، المَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ العِبَادَةِ الحَقَّةِ وَبَيْنَ التَّكَلُّفِ الصُّورِيِّ.
2. مَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ مَا يُحِبُّ اللهُ: لَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ حَتَّى يُحِبَّ العَبْدُ اللهَ لِذَاتِهِ، وَيُحِبَّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ مِنَ الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ. فَمَنْ كَرِهَ شَيْئًا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ بَطَلَ عَمَلُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ}.
3. أَنْوَاعُ المَحَبَّةِ الشِّرْكِيَّةِ: هُنَاكَ (مَحَبَّةُ النَّدِّ) وَهِيَ مَحَبَّةُ العِبَادَةِ، وَهُنَاكَ (مَحَبَّةُ الطَّبْعِ) كَمَحَبَّةِ الوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَهَذِهِ لَا تَضُرُّ إِلَّا إِذَا قُدِّمَتْ عَلَى مَحَبَّةِ اللهِ.
4. الرَّدُّ عَلَى النَّفَاةِ: الَّذِينَ نَفَوْا صِفَةَ المَحَبَّةِ عَنِ اللهِ (كَالجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ) بِحُجَّةِ أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّشْبِيهَ. نَرُدُّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ اللهَ أَثْبَتَهَا لِنَفْسِهِ وَأَثْبَتَهَا لِعِبَادِهِ، وَمَحَبَّةُ اللهِ صِفَةٌ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ لَا تُشْبِهُ مَحَبَّةَ المَخْلُوقِينَ.
5. ارْتِبَاطُ المَحَبَّةِ بِاليَقِينِ وَالصِّدْقِ: العَبْدُ إِذَا صَدَقَ فِي عِلْمِهِ بِاللهِ (اليَقِينِ)، وَصَدَقَ فِي لِسَانِهِ (الصِّدْقِ)، أَوْرَثَهُ ذَلِكَ تَعْظِيمًا يُوَلِّدُ مَحَبَّةً لَا تَنْطَفِئُ.
7. تَقْرِيرَاتُ الأَئِمَّةِ المَعَاصِرِينَ فِي شَرْطِ المَحَبَّةِ
1. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السَّعْدِيُّ: المَحَبَّةُ هِيَ الرُّوحُ وَالحَيَاةُ لِلْقَلْبِ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ اللهَ فَقَلْبُهُ مَيْتٌ، وَالتَّوْحِيدُ بِلَا مَحَبَّةٍ لَا وُجُودَ لَهُ [5].
2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ "اللَّذَّةَ بِالطَّاعَةِ" هِيَ المِعْيَارُ لِقُوَّةِ المَحَبَّةِ فِي القَلْبِ، وَأَنَّ المُوَحِّدَ الحَقَّ يَجِدُ فِي التَّوْحِيدِ أُنْسًا لَا يَجِدُهُ فِي غَيْرِهِ [6].
3. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ: يَقُولُ: "المَحَبَّةُ شَرْطٌ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ ذُلٌّ وَخُضُوعٌ مَعَ حُبٍّ وَتَعْظِيمٍ، فَمَنْ خَضَعَ بِلَا حُبٍّ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَنْ أَحَبَّ بِلَا خُضُوعٍ فَلَمْ يُحَقِّقِ العِبَادَةَ" [7].
4. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانُ: يُؤَكِّدُ أَنَّ مَحَبَّةَ أَعْدَاءِ اللهِ تَقْدَحُ فِي أَصْلِ شَرْطِ المَحَبَّةِ، فَالْوَلَاءُ وَالبَرَاءُ هُمَا مِيزَانُ صِدْقِ المَحَبَّةِ لِلَّهِ [8].
5. الشَّيْخُ صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ: المَحَبَّةُ تَقْتَضِي "الِاسْتِبْشَارَ" بِالتَّوْحِيدِ، فَمَنْ كَانَ قَلْبُهُ يَنْقَبِضُ عِنْدَ ذِكْرِ التَّوْحِيدِ وَيَنْبَسِطُ عِنْدَ ذِكْرِ غَيْرِهِ فَلَمْ يُحَقِّقِ المَحَبَّةَ [9].
6. الشَّيْخُ صَالِحٌ السَّنْدِيُّ: المَحَبَّةُ هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ الِانْقِيَادَ سَهْلًا، فَالْمُحِبُّ يَنْقَادُ لِمَحْبُوبِهِ طَوْعًا وَرَغْبَةً [10].
---------------------------
[1] جَامِعُ البَيَانِ، الطَّبَرِيُّ، ج3، ص288.
[2] تَيْسِيرُ الكَرِيمِ الرَّحْمَنِ، السَّعْدِيُّ، ص78.
[3] فَتْحُ البَارِي، ابْنُ حَجَرٍ، ج1، ص60.
[4] جَامِعُ العُلُومِ وَالحِكَمِ، ابْنُ رَجَبٍ، ص420.
[5] القَوْلُ السَّدِيدُ فِي شَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، السَّعْدِيُّ، ص110.
[6] آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيُّ، رَسَائِلُ العَقِيدَةِ، ص185.
[7] القَوْلُ المُفِيدُ عَلَى كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ابْنُ عُثَيْمِينَ، ج1، ص22.
[8] إِعَانَةُ المُسْتَفِيدِ، الفَوْزَانُ، ج1، ص201.
[9] إِتْحَافُ السَّائِلِ بِشَرْحِ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحٌ آلُ الشَّيْخِ، ص165.
[10] مُهِمَّاتٌ فِي الِاعْتِقَادِ، صَالِحٌ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الثَّامِنُ.
----------------------------
# المَبْحَثُ التَّاسِعُ: التَّحْلِيلُ التَّرْكِيبِيُّ الشَّامِلُ لِلنُّصُوصِ وَالآيَاتِ الوَارِدَةِ فِي المَتْنِ
## 1. التوطئة المنهجية للتحليل التركيبي
إن دراسة شروط "لا إله إلا الله" من خلال تحليل تراكيب النصوص (آيات وأحاديث) ليست مجرد ترف لغوي، بل هي ضرورة عقدية؛ لأن المعاني الإيمانية مودعة في طيات التراكيب اللغوية. فالأمر بالشهادة لم يأتِ بصيغة خبرية مجردة في غالب المواضع، بل جاء مقيداً بقيود احترازية وشروط تركيبية لا يستقيم المعنى بدونها. وسنفصل في هذا المبحث كيفية بناء هذه الشروط داخل النص الشرعي.
## 2. تحليل نصوص شرط (العلم)
نبدأ بقوله تعالى: **{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}** [محمد: 19].
* **أولاً: الدلالة التركيبية لـ (الفاء):** "الفاء" في قوله "فاعلم" تسمى فاء الفصيحة، وهي التي تقع في جواب شرط مقدر، وكأن السياق يقول: إذا تبيَّن لك حقيقة الدنيا والآخرة، فاعلم أنه لا إله إلا الله. وهذا الترتيب التركيبي يحمل دلالة "الأولوية القصوى"، حيث جعل العلم بالتوحيد هو النتيجة الحتمية لكل علم قبله.
* **ثانياً: بنية "أنَّ" المشددة:** دخول (أنَّ) المؤكدة على جملة التوحيد يفيد "تحقيق النسبة"، أي أن العلم المطلوب ليس علماً ظنياً، بل هو علم قطعي تلازمه "أنَّ" المؤكدة التي تنفي الشك من أصله.
* **ثالثاً: المسلك العقدي عند الأئمة:**
1. **الشيخ السعدي:** يقرر أن هذا التركيب (الأمر بالعلم قبل القول) هو أصل الدين، فبدون العلم لا يسمى النطق شهادة، بل يسمى محاكاة [1].
2. **الشيخ ابن عثيمين:** يحلل مقتضى "فاعلم" لغوياً بأن العلم هنا يتعدى لمفعولين، مما يقتضي تصور المعنى وتصديقه، وهذا هو جوهر العلم المنافي للجهل [2].
## 3. تحليل نصوص شرط (اليقين)
في قوله تعالى: **{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا}** [الحجرات: 15].
* **أولاً: أداة الحصر (إنَّما):** تركيب "إنما" يفيد القصر؛ أي قصر صفة "المؤمنين الحقيقيين" على أولئك الذين استوفوا القيد الآتي ذكره. وهذا الحصر التركيبي ينفي الإيمان عمن خالط قلبه ريب، وهو أقوى أساليب النفي اللغوي.
* **ثانياً: دلالة (ثُمَّ):** استخدام حرف العطف "ثم" الذي يفيد التراخي الرتبي، يشير إلى أن اليقين (عدم الارتياب) هو الرتبة التي تستقر بعد ثبوت الإيمان، وهي التي تضمن بقاءه وصموده أمام الفتن.
* **ثالثاً: التحليل عند الأئمة المعاصرين:**
1. **الشيخ صالح آل الشيخ:** يرى أن نفي الريب بـ "لم" الجازمة يدل على الانقطاع الكلي للشك، فليس المطلوب تقليل الشك بل إعدامه كلياً [3].
2. **الشيخ صالح السندي:** يحلل قوله "بقلبه" في الأحاديث المقترنة باليقين كقيد تركيبي يخرج المنافقين الذين يظهرون اليقين بألسنتهم فقط [4].
## 4. تحليل نصوص شرط (الإخلاص)
في قوله تعالى: **{أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ}** [الزمر: 3].
* **أولاً: أداة الاستفتاح (ألا):** "ألا" هنا للتنبيه والتحقيق، وكأن الله ينبه القلوب قبل سماع الحكم إلى عظمة ما سيلقى إليها، وهو وجوب الإخلاص.
* **ثانياً: تقديم الجار والمجرور (لله):** القاعدة اللغوية تقول إن "تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر والاهتمام". فقوله "لله الدين" ولم يقل "الدين لله" يفيد أن الدين لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو محض الإخلاص المنافي للشرك.
* **ثالثاً: وصف الدين بـ (الخالص):** "الخالص" نعت للدين، وفي اللغة هو ما صفي من الشوائب. هذا التركيب ينفي قبول أي عمل شابه كدر من الرياء أو إرادة الدنيا.
* **رابعاً: تقارير الأئمة:**
1. **الشيخ الفوزان:** يربط بين تركيب الآية وبين حديث "من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه"، مبيناً أن الخلوص في اللغة هو الانفراد، فالتوحيد لا يقبل الشركة [5].
2. **الشيخ المعلمي اليماني:** يحلل مفهوم "الإخلاص" تركيبياً بأنه تجريد القصد، وهو ما تقتضيه لام الاختصاص في "لله" [6].
## 5. تحليل نصوص شرط (الصدق)
في قوله تعالى: **{ألم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}** [العنكبوت: 1-2].
* **أولاً: الاستفهام الإنكاري (أَحَسِبَ):** الهمزة للاستفهام الذي يراد به التوبيخ والإنكار على من ظن أن مجرد القول (الشهادة باللسان) كافٍ للنجاة دون اختبار الصدق الباطني.
* **ثانياً: الجملة الحالية (وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ):** هذه الجملة في محل نصب حال، تدل على أن الفتنة (الاختبار) هي الحالة الملازمة للدعوى. فلا يمكن فصل "الصدق" عن "الاختبار".
* **ثالثاً: التحليل التركيبي لقوله (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا):** استخدام "اللام" الموطئة للقسم و"النون" المشددة للتوكيد، يدل على حتمية وقوع التمييز الإلهي بين الصادق والكاذب.
* **رابعاً: أقوال الأئمة:**
1. **الشيخ ابن عثيمين:** يشرح كيف أن الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، فإذا نطق اللسان ولم يطابقه القلب كان هذا "كذباً عقدياً" [7].
2. **الشيخ صالح آل الشيخ:** يحلل علاقة الصدق بالثبات، فمن لم يصدق عند الفتنة لم يصدق في أصل الشهادة [8].
## 6. تحليل نصوص شرط (المحبة)
في قوله تعالى: **{وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}** [البقرة: 165].
* **أولاً: صِيغة التفضيل (أشدُّ):** استخدام أفعل التفضيل "أشد" المضاف إلى "حباً" يدل على أن ميزان الإيمان مرتهن بمرتبة الحب في القلب. فالمؤمن لا يحب الله فحسب، بل حبه لله يفوق كل محبوب سواه.
* **ثانياً: تمييز (حُبًّا):** وقوع "حباً" تمييزاً لـ "أشد" يحصر التميز الإيماني في هذا النوع من المشاعر القبلية، فلا يسبق المؤمن غيره بكثرة العمل فقط، بل بقوة الحب المودع في هذا العمل.
* **ثالثاً: تقارير الأئمة:**
1. **الشيخ السعدي:** يحلل المقارنة بين المؤمنين والمشركين في الآية، مبيناً أن المشركين أشركوا في المحبة، بينما المؤمنون وحدوا الله فيها، وهذا هو الفرق التركيبي بين التوحيد والشرك [9].
2. **الشيخ صالح السندي:** يرى أن المحبة في الحديث (أحب إليه مما سواهما) جاءت بتركيب التثنية (سواهما) لبيان تلازم محبة الله ورسوله، وأن محبة الرسول من لوازم شرط المحبة [10].
## 7. تحليل نصوص شرط (القبول)
في حديث الغيث: **«فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ»**.
* **أولاً: الوصف بـ (النقية):** "النقية" في اللغة هي الخالصة من الشوائب، وتركيبها هنا يشير إلى القلوب المستعدة للتلقي.
* **ثانياً: الفعل (قبلت):** المسند إليه هي "الأرض"، وفعل القبول هنا يدل على "التشرب والاحتواء". التحليل التركيبي يربط بين تشرب الأرض للماء وبين انشراح الصدر لكلمة التوحيد.
* **ثالثاً: التعقيب بـ (الفاء):** قوله "فأنبتت"، الفاء تفيد الترتيب مع التعقيب، مما يدل على أن ثمرة القبول هي العمل الفوري، فمن قبل التوحيد ظهر أثره عليه كما يظهر النبات في الأرض النقية.
* **رابعاً: المسلك العقدي:**
1. **الشيخ الفوزان:** يوضح أن القبول هو الانشراح، والرد هو الاستكبار، وكلاهما عمل قلبي يحدده تركيب النص النبوي [11].
2. **الشيخ المعلمي:** يحلل مفهوم "الرد" كعائق للقبول، مبيناً أن من ردَّ حكماً واحداً من أحكام التوحيد فقد قدح في أصل القبول [12].
## 8. تحليل نصوص شرط (الانقياد)
في قوله تعالى: **{وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ}** [لقمان: 22].
* **أولاً: فعل الشرط (يُسلم):** "يسلم" من مادة الإسلام وهي الخضوع. والوجه هو أشرف الأعضاء، فإذا انقاد الوجه تبعه سائر الجسد.
* **ثانياً: الحالية في قوله (وَهُوَ مُحْسِنٌ):** الواو هنا للحال، مما يعني أن الانقياد المطلوب ليس مجرد خضوع بارد، بل هو خضوع متلبس بالإحسان والكمال في العمل.
* **ثالثاً: النتيجة في (فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى):** استخدام "قد" التحقيقية وفعل الماضي "استمسك" يدل على ضمان النجاة لمن حقق الانقياد.
* **رابعاً: أقوال الأئمة:**
1. **الشيخ ابن عثيمين:** يحلل "العروة الوثقى" بأنها لا إله إلا الله، والاستمساك بها لا يكون إلا بالانقياد [13].
2. **الشيخ صالح السندي:** يرى أن الانقياد هو الثمرة العملية لليقين والصدق، فلا انقياد بلا صدق [14].
## 9. المسلك التربوي والعقدي في هذا التحليل
إن استقراء هذه التراكيب يربي الباحث (د. عماد) والقارئ على أن الإيمان ليس "كلمة تقال"، بل هو "نظام تركيبي" متكامل. فكلما غاص الباحث في إعراب آية أو تحليل كلمة نبوية، وجد شرطاً من هذه الشروط يطل برأسه، ليؤكد أن هذا الدين "وحي" أحكمت آياته ثم فصلت.
-------------------
[1] *تيسير الكريم الرحمن*، السعدي، ص 812.
[2] *شرح الأصول الثلاثة*، ابن عثيمين، ص 140.
[3] *إتحاف السائل بشرح الثلاثة الأصول*، صالح آل الشيخ، ص 155.
[4] *مهمات في الاعتقاد*، صالح السندي، الدرس التاسع.
[5] *إعانة المستفيد*، الفوزان، ج1، ص 198.
[6] *آثار الشيخ المعلمي*، ج2، ص 145.
[7] *شرح رياض الصالحين*، ابن عثيمين، ج1، ص 220.
[8] *شرح الطحاوية*، صالح آل الشيخ، ص 162.
[9] *تفسير السعدي*، ص 95.
[10] *مهمات في الاعتقاد*، الدرس العاشر.
[11] *شرح كتاب التوحيد*، الفوزان، ج1، ص 205.
[12] *آثار المعلمي*، ج5، ص 310.
[13] *تفسير القرآن الكريم*، ابن عثيمين، سورة لقمان.
[14] *مهمات في الاعتقاد*، الدرس الحادي عشر.
-------------------
