
مُجْمَلُ إعتماد أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلطُّلَّابِ فِي مَنَصَّةِ(الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ)
قَالَ راجي عفوا ربه / أَبُو أَنَسٍ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَهَ آلُ عَامِرٍ الْمِصْرِيُّ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المُقَدِّمَةُ وَالتَّمْهِيدُ: أَصْلُ الأُصُولِ وَتَحْقِيقُ أَوَّلِ الوَاجِبَاتِ
الفَصْلُ الأَوَّلُ: قَوَاعِدُ وَتَأْصِيلَاتُ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى - القِسْمُ الأَوَّلُ (10 مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الِاسْمُ وَالمُسَمَّى وَالتَّسْمِيَةُ (تأصيل مذهب السلف وإبطال حيل المعطلة).
المَبْحَثُ الثَّانِي: تَوْقِيفِيَّةُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَحُكْمُ الِاشْتِقَاقِ وَالِاخْتِرَاعِ العَقْلِيِّ.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: دَلَالَةُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ (المُطَابَقَةُ، التَّضَمُّنُ، الِالْتِزَامُ).
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: أَسْمَاءُ اللهِ أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ (إثبات كمال المعاني والرد على بدعة الجمود).
المَبْحَثُ الخَامِسُ: حُسْنَى الأَسْمَاءِ الإِلَهِيَّةِ وَمُقْتَضَى دَلَالَتِهَا عَلَى الكَمَالِ المُطْلَقِ.
المَبْحَثُ السَّادِسُ: تَقْسِيمُ الأَسْمَاءِ بِاعْتِبَارِ الإِطْلَاقِ (مَا يُطْلَقُ مُفْرَداً وَمَا لَا يُطْلَقُ إِلَّا مُقْتَرِناً).
المَبْحَثُ السَّابِعُ: بَاطِلُ بَدْعَةِ الإِلْحَادِ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى (صُوَرُهُ، أَحْكَامُهُ، وَآثَارُهُ).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ بَابِ التَّسْمِيَةِ (الأَسْمَاءِ) وَبَابِ الإِخْبَارِ (النُّعُوتِ وَالإِطْلَاقَاتِ المُرْسَلَةِ).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ: عَدَمُ انْحِصَارِ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ وَجَمْعُ نُصُوصِ الغَيْبِ.
المَبْحَثُ العَاشِرُ: دِرَاسَةُ حَدِيثِ "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً" (المَتْنُ وَمَعْنَى الإِحْصَاءِ).
الفَصْلُ الثَّانِي: قَوَاعِدُ وَتَأْصِيلَاتُ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى - القِسْمُ الثَّانِي (10 مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الحَادِي عَشَرَ: تَخْرِيجُ حَدِيثِ التِّسْعَةِ وَتِسْعِينَ اسْماً وَعِلَلُ رِوَايَةِ تَعْيِينِ الأَسْمَاءِ.
المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: رِوَايَةُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (تَفْصِيلُ طُرُقِهَا، إِدْرَاجُهَا، وَمَوْقِفُ الحُفَّاظِ).
المَبْحَثُ الثَّالِثُ عَشَرَ: طُرُقُ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيِّ وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ حُصَيْنٍ وَمُقَارَنَتُهَا بِالوَلِيدِ.
المَبْحَثُ الرَّابِعُ عَشَرَ: ضَوَابِطُ جَمْعِ وَاسْتِخْرَاجِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى مُبَاشَرَةً مِنَ الوَحْيَيْنِ.
المَبْحَثُ الخَامِسُ عَشَرَ: قَاعِدَةُ الِاقْتِرَانِ فِي الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَمَا يُفِيدُهُ مِنْ كَمَالٍ فَوْقَ كَمَالٍ.
المَبْحَثُ السَّادِسُ عَشَرَ: أَسْمَاءُ اللهِ المُتَضَمِّنَةُ لِصِفَاتِ الذَّاتِ (تَأْصِيلٌ وَأَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ).
المَبْحَثُ السَّابِعُ عَشَرَ: أَسْمَاءُ اللهِ المُتَضَمِّنَةُ لِصِفَاتِ الفِعْلِ (تَأْصِيلٌ وَأَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ عَشَرَ: اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ (تَحْقِيقُ المَسْأَلَةِ، الآثَارُ الوَارِدَةُ، وَمَذَاهِبُ العُلَمَاءِ).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ عَشَرَ: الِاسْمُ العَلَمُ المُرْتَجَلُ (الله) خَصَائِصُهُ الَّلغَوِيَّةُ وَالعَقَدِيَّةُ.
المَبْحَثُ العِشْرُونَ: كَيْفِيَّةُ التَّعَبُّدِ بِأَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى (دُعَاءُ المَسْأَلَةِ وَدُعَاءُ الثَّنَاءِ وَالعِبَادَةِ).
الفَصْلُ الثَّالِثُ: قَوَاعِدُ صِفَاتِ اللهِ وَتَأْصِيلُ الصِّفَاتِ الخَبَرِيَّةِ (10 مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ الإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ فِي الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ (بِلا تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ وَلا تَكْيِيفٍ وَلا تَمْثِيلٍ).
المَبْحَثُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ العِلْمِ بِأَصْلِ المَعْنَى وَالجَهْلِ بِالكَيْفِ (تَحْقِيقُ أَثَرِ الإِمَامِ مَالِكٍ).
المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ التَّمَاثُلِ التَّأْصِيلِيِّ (القَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي الذَّاتِ عَيْناً).
المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: قَاعِدَةُ الِاسْتِدْلَالِ الإِلْزَامِيِّ (القَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي البَعْضِ الآخَرِ).
المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ: التَّمْيِيزُ بَيْنَ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ اللَّازِمَةِ وَالصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ.
المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ: صِفَةُ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ الإِلَهِيَّةِ حَقِيقَةً (الرَّدُّ عَلَى شُبَهِ النَّفَاةِ).
المَبْحَثُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: صِفَةُ الوَجْهِ للهِ تَعَالَى (إِثْبَاتٌ أَثَرِيٌّ، وَرَدُّ تَأْوِيلَاتِ الثَّوَابِ وَالقِبْلَةِ).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ: صِفَةُ اليَدَيْنِ للهِ تَعَالَى (رَدُّ تَأْوِيلَاتِ النِّعْمَةِ وَالقُدْرَةِ لُغَةً وَاشْتِقَاقاً).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ: صِفَةُ العَيْنَيْنِ للهِ تَعَالَى (إِثْبَاتٌ حَقِيقِيٌّ عَلَى مَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ).
المَبْحَثُ الثَّلَاثُونَ: صِفَةُ الأَصَابِعِ وَالقَبْضَةِ وَاليَمِينِ (سِيَاقُ النُّصُوصِ وَدَفْعُ شُبْهَةِ التَّجْسِيمِ).
الفَصْلُ الرَّابِعُ: تَتِمَّةُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ وَأَبْوَابُ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ (10 مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ السَّاقِ (تَحْقِيقُ تَفْسِيرِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَدُّ شُبُهَاتِ التَّأْوِيلِ المُتَكَلِّفِ).
المَبْحَثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ القَدَمِ وَالكُرْسِيِّ (تَأْصِيلٌ مَنِيجِيٌّ لِنُصُوصِ الأَثَرِ).
المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ الصُّورَةِ (فَهْمُ حَدِيثِ "خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ" وَسِيَاقَاتِهِ الُّلغَوِيَّةِ).
المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: نَفْيُ الأَجْزَاءِ وَالأَبْعَاضِ وَالمُفْرَدَاتِ المُحْدَثَةِ فِي الفَلْسَفَةِ مَعَ إِثْبَاتِ الخَبَرِيَّةِ.
المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: لُزُومُ إِمْرَارِ الصِّفَاتِ الخَبَرِيَّةِ كَمَا جَاءَتْ بِلَا تِكْيِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ.
المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ العُلُوِّ المُطْلَقِ (عُلُوُّ الذَّاتِ، القَهْرِ، وَالمَكَانَةِ) وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ.
المَبْحَثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ النُّزُولِ الإِلَهِيِّ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا (حَقِيقَةُ النُّزُولِ لُغَةً وَحَلُّ إِشْكَالِ الزَّمَانِ).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ المَجِيءِ وَالإِتْيَانِ لِفَصْلِ القَضَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ.
المَبْحَثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: صِفَةُ الكَلَامِ وَالقَوْلِ (إِثْبَاتُ الحَرْفِ وَالصَّوْتِ، وَالرَّدُّ عَلَى بَدْعَةِ الكَلَامِ النَّفْسِيِّ).
المَبْحَثُ الأَرْبَعُونَ: حَلُّ إِشْكَالِيَّةِ "حُلُولِ الحَوَادِثِ" عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ فِي بَابِ أَفْعَالِ الرَّبِّ الِاخْتِيَارِيَّةِ.
الفَصْلُ الخَامِسُ: تَتِمَّةُ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ وَالقَوَاعِدُ الجَامِعَةُ لِلْإِضَافَةِ وَالأَلْفَاظِ (10 مَبَاحِثَ)
المَبْحَثُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: صِفَةُ الرِّضَا، وَالمَحَبَّةِ، وَالخُلَّةِ، وَالوُدِّ الإِلَهِيِّ حَقِيقَةً.
المَبْحَثُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ: صِفَةُ الغَضَبِ، وَالسَّخَطِ، وَالمَقْتِ، وَالأَسَفِ.
المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ: صِفَةُ الفَرَحِ، وَالضَّحِكِ، وَالعَجَبِ (تَأْصِيلٌ يَرْفَعُ تَوَهُّمَ النَّقْصِ).
المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ: صِفَةُ الخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالإِحْيَاءِ، وَالإِمَاتَةِ (تَجَدُّدُ الآحَادِ بِمَشِيئَتِهِ).
المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ: قَاعِدَةُ القَدْرِ المُشْتَرَكِ العَامِّ الذِّهْنِيِّ قَبْلَ الإِضَافَةِ وَالقَدْرِ الفَارِقِ بَعْدَهَا.
المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ: قَاعِدَةُ الإِضَافَةِ المَانِعَةِ لِوَهْمِ التَّمْثِيلِ وَالتَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ.
المَبْحَثُ السَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ: قَاعِدَةُ أُصُولِ الأَخْبَارِ الأَرْبَعَةِ (الإِطْلَاقُ الشَّرْعِيُّ، الُّلغَوِيُّ، وَإِطْلَاقَاتُ السَّلَفِ كَالبَائِنِ).
المَبْحَثُ الثَّامِنُ وَالأَرْبَعُونَ: قَاعِدَةُ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ البِدْعِيَّةِ (تَرْكُ الرَّدِ وَالقَبُولِ المُطْلَقِ، وَلُزُومُ الِاسْتِفْصَالِ وَالتَّفْصِيلِ).
المَبْحَثُ التَّاسِعُ وَالأَرْبَعُونَ: بَعْضُ المُرْتَكَزَاتِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فِي التَّأْصِيلِ (كَامْتِنَاعِ قِيَاسِ الغَائِبِ عَلَى الشَّاهِدِ).
المَبْحَثُ الخَمْسُونَ: الأَثَرُ الإِيمَانِيُّ وَالتَّعَبُّدِيُّ وَالتَّحْصِينِيُّ لِدِرَاسَةِ هَذَا المَتْنِ لِطُلَّابِ الثَّانَوِيِّ وَالجَامِعَةِ.
مَتْنُ المُقَدِّمَةِ وَالتَّمْهِيدِ (مُسْتَوْفٍ لِشَرْطِ الطُّولِ وَالقُوَّةِ الأَثَرِيَّةِ)
&__________________________________________________________________________&
أولاً: نَصُّ المَتْنِ [المقدمة ]
أَصْلُ الأُصُولِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَفْضَلَ مَا نَطَقَتْ بِهِ الأَلْسِنَةُ، وَاعْتَقَدَتْهُ القُلُوبُ، وَعُمِّرَتْ بِهِ الضَّمَائِرُ: تَوْحِيدُ رَبِّ العَالَمِينَ، وَهُوَ أَصْلُ الأُصُولِ، وَأَسَاسُ القَبُولِ، وَأَعْظَمُ مَقْصُودٍ لِلْمُرْسَلِينَ.
أَوَّلُ الوَاجِبَاتِ التي يجب على المسلم معرفتها: وَهُوَ أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى العَبِيدِ مَعْرِفَةُ الرَّحْمَنِ بِالتَّوْحِيدِ، وَهُوَ المَعْرِفَةُ، وَالإِقْرَارُ، وَالشَّهَادَةُ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، ظَاهِراً وَبَاطِناً كَمَا بَعَثَ اللهُ بِهِ رُسُلَهُ، فَهَذَا هُوَ دِينُ الأَنْبِيَاءِ جَمِيعاً مِنَ الآفَاقِ إِلَى الآفَاقِ.
إِبْطَالُ مَذَاهِبِ الكَلَامِيِّينَ: خِلَافاً لِأَهْلِ الكَلَامِ وَالبِدَعِ فِي مَسْأَلَةِ أَوَّلِ الوَاجِبَاتِ؛ حَيْثُ حَادُوا عَنِ الأَثَرِ؛ فَقَالَتِ المُعْتَزِلَةُ وَالأَشَاعِرَةُ: أَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ (النَّظَرُ) المَوْصِلُ إِلَى مَعْرِفَةِ اللهِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: (القَصْدُ إِلَى النَّظَرِ)،
وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ الجُبَّائِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ: أَوَّلُ وَاجِبٍ هُوَ (الشَّكُّ) لِيَقَعَ النَّظَرُ بَعْدَهُ عَلَى صِحَّةٍ،
وَزعَمَتِ الجَهْمِيَّةُ: أَنَّ أَوَّلَ وَاجِبٍ هُوَ (المَعْرِفَةُ المَجَرَّدَةُ) بِالقَلْبِ دُونَ النُّطْقِ وَعَمَلِ الجَوَارِحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ ضَلَالٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلْفِطْرَةِ.
أَقْسَامُ التَّوْحِيدِ: وَالتَّوْحِيدُ المَأْمُورُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ، لَا يَصِحُّ إِيمَانُ عَبْدٍ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهَا وَالْتِزَامِهَا:
تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الرَّبِّ) المَالِكِ السَّيِّدِ المُصْلِحِ
وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ الخَاصَّةِ بِهِ؛ كَالخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالإِحْيَاءِ، وَالإِمَاتَةِ».
تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ (الإِلَهِ) أَيْ المَعْبُودِ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً
وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ، المَشْرُوعَةِ قَوْلاً وَعَمَلاً وَاعْتِقَاداً».
تَوْحِيدُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ: اشْتِقَاقُهُ مِنَ الأَسْمَاءِ جَمْعِ اسْمٍ وَالصِّفَاتِ جَمْعِ صِفَةٍ،
وَحَدُّهُ الجَامِعُ المَانِعُ: «اعْتِقَادُ انْفِرَادِ اللهِ تَعَالَى بِكُلِّ مَا سَمَّى وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ صَحَّ عَنْ رَسُولِهِ ﷺ، إِثْبَاتاً بِلا تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَتَنْزِيهاً بِلا تَكْيِيفٍ وَلا تَمْثِيلٍ».
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
أَصْلُ الأُصُولِ: أي الأساس المتقدّم على كل فروع الشريعة، فلا يُقبل عَمَلٌ صَالِحٌ إلّا به.
المَعْرِفَةُ وَالإِقْرَارُ وَالشَّهَادَةُ: قيودٌ متلازمة؛ فالإقرار هو اعتراف القلب واللسان، والشهادة النطق بالوحدانية، والجمع بينهما يبطل مذهب المرجئة والجهمية.
ظَاهِراً وَبَاطِناً: قيد لإخراج النفاق (وهو التوحيد ظاهراً فقط)، وإخراج الجحود الكفري (وهو المعرفة باطناً دون استسلام ظاهر).
النَّظَرُ: إعمال الفكر العقلي في حدوث المخلوقات لإثبات وجود الخالق عبر مقدمات كلامية معقدة أوجبها أهل البدع كشرط لصحة الإيمان.
القَصْدُ إِلَى النَّظَرِ: الإرادة السابقة على التفكير، واعتبروها أول واجب لأن الوسيلة عندهم تأخذ حكم الغاية.
الشَّكُّ: التردد المانع من الجزم؛ واعتبره غلاة المعتزلة فرضاً واجباً لينخلع العبد من ربقة التبعية والتقليد لآبائه.
المَعْرِفَةُ المَجَرَّدَةُ: مذهب الجهمية الذين حصروا الإيمان في مجرد معرفة وجود الله بالقلب، وهو قول باطل يجعل إبليس وفرعون مؤمنين لكونهما يعرفان ربهما في الباطن.
بِأَفْعَالِهِ الخَاصَّةِ بِهِ: قيد جامع مانع يمنع إشراك غير الله في خصائص ربوبيته كالتدبير المستقل.
المَشْرُوعَةِ قَوْلاً وَعَمَلاً: قيد يطرد العبادات المبتدعة؛ فالمبتدع لم يفرد الله بالعبادة المشروعة بل عبد الله بهواه.
إِثْبَاتاً بِلا تَحْرِيفٍ وَلا تَعْطِيلٍ، وَتَنْزِيهاً بِلا تَكْيِيفٍ وَلا تَمْثِيلٍ: قيود سلفية أربعة تضبط باب الأسماء والصفات من الغلو والتقصير، فالتحريف والتعطيل جناية على النصوص بنفي حقائقها، والتكييف والتمثيل جناية على الخالق بتشبيهه بالمخلوق.
&__________________________________________________________________________&
١_المَبْحَثُ الأَوَّلُ: الِاسْمُ وَالمُسَمَّى وَالتَّسْمِيَةُ
أولاً: نَصُّ المَتْنِ
حَقِيقَةُ البَابِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الِاسْمَ لِلْمُسَمَّى تَبَعٌ، وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ بِصِفَاتِهَا الثَّابِتَةِ لَهَا، فَلَيْسَ الِاسْمُ غَيْرَ المُسَمَّى مُطْلَقاً كَمَا زَعَمَتِ المُعْتَزِلَةُ وَالجَهْمِيَّةُ حِينَمَا قَالُوا: "أَسْمَاءُ اللهِ مَخْلُوقَةٌ"؛ فَقَصَدُوا بِذَلِكَ إِخْلَاءَ الرَّبِّ عَنْ نُعُوتِ كَمَالِهِ فِي الأَزَلِ، وَتَعْطِيلَ ذَاتِهِ عَنِ المَعَانِي الشَّرِيفَةِ.
بُطْلَانُ بَدْعَةِ الِاتِّحَادِ اللَّفْظِيِّ: وَلَا نَقُولُ: "الِاسْمُ هُوَ المُسَمَّى" بِإِطْلَاقٍ مُجَرَّدٍ عَلَى عَيْنِ اللَّفْظِ وَالحُرُوفِ المَلْفُوظَةِ أَوِ المَكْتُوبَةِ فِي المَصَاحِفِ؛ فَإِنَّ الصَّوْتَ صَوْتُ القَارِئِ، وَالمِدَادَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ، وَالحُرُوفَ دَالَّةٌ عَلَى المَدْلُولِ وَلَيْسَتْ عَيْنَهُ، وَمَنْ جَعَلَ اللَّفْظَ عَيْنَ الذَّاتِ الخَالِقَةِ فَقَدْ وَقَعَ فِي عَيْنِ الجَهْلِ وَالسَّفَهِ الَّذِي رَدَّهُ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَالأَثَرِ.
فَصْلُ المَقَالِ فِي التَّسْمِيَةِ: وَالتَّسْمِيَةُ عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ هِيَ فِعْلُ المُسَمِّي؛ وَهُوَ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ وَحِكَايَتُهُ وَالتَّلَفُّظُ بِهِ لِيَكُونَ دَلِيلاً عَلَى المَعْنَى المَقْصُودِ، فَعَمَلُ العَبْدِ حِينَ يَقُولُ: (يَا اللهُ) هُوَ تَسْمِيَةٌ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ، أَمَّا الِاسْمُ نَفْسُهُ فَهُوَ مِنْ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى وَصِفَتِهِ، وَكَلَامُهُ سُبْحَانَهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ.
كَمَالُ الأَسْمَاءِ فِي الأَزَلِ: وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَوْصُوفٌ بِأَسْمَائِهِ الحُسْنَى فِي أَزَلِهِ قَبْلَ الخَلْقِ وَالتَّسْمِيَةِ؛ فَهُوَ (الخَالِقُ) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ، وَ(الرَّزَّاقُ) قَبْلَ أَنْ يَبْسُطَ الرِّزْقَ، لَمْ يَسْتَفِدْ اسْماً مِنَ الحَوَادِثِ، وَلَمْ يَكُنْ عَرِيّاً عَنِ الكَمَالِ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ، تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِ أَهْلِ الزَّيْغِ عُلُوّاً كَبِيراً.
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
تَبَعٌ: أي أن اللفظ وُضع ليكون تابعاً للمَعنى دالاً عليه، ومُعبِّراً عن حقيقة المسمَّى تَعْيِيناً.
غَيْرَ المُسَمَّى مُطْلَقاً: هذه مقالة الجهمية والمعتزلة؛ أطلقوا لفظ (الغير) ليؤصلوا لمذهبهم في خَلْقِ القرآن وخَلْق الأسماء، وزعموا أن الله كان في الأزل بلا اسم ولا صفة، حتى خَلَقَ لنفسه أسماءً أو خَلَقَها الخَلْقُ له، فيكون المسمَّى عندهم ذاتاً مجردة، والاسم ذاتاً أخرى مخلوقة، وهذا هو التعطيل المحض.
عَيْنِ اللَّفْظِ وَالحُرُوفِ: قيد لدفع إفراط جهلة المتكلمين الذين قابَلوا المعطلة فقالوا: "الاسم هو المسمى" وأرادوا أن أصوات العباد وحروف الهجاء (ا، ل، ل، هـ) هي عين الذات الإلهية، فنفوا المغايرة بين دال اللفظ والذات الموصوفة به، والصواب أن الاسم يُراد به المسمى إذا عُيِّنَ ونُودِي، لكنه ليس هو كأصوات وحروف حادثة.
المِدَادَ: الحِبر الذي تُكتب به الحروف والأسماء؛ وهو مخلوق باتفاق، بخلاف كلام الله المكتوب به.
التَّسْمِيَةُ فِعْلُ المُسَمِّي: التفريق بين التسمية والاسم قيد سلفي دقيق؛ فـ (التسمية) هي الحكاية والنطق والكتابة، وهذا فعل العبد الجاري بمشيئته وخلقه، أما (الاسم) فهو اللفظ القرآني الموحى به، وهو كلام الرب القديم بالنوع.
فِي أَزَلِهِ: الأزل هو القِدَم الذي لا أوّل له؛ والمراد أن صفاته وأسماءه قائمة بذاته سبحانه لم يزل ولا يزال منعوتاً بها.
لَمْ يَسْتَفِدْ اسْماً مِنَ الحَوَادِثِ: (الحوادث هي المخلوقات)، والمعنى أن الرب لا يتوقف ثبوته كـ (خالق) أو (محيي) على وجود مفعولاته، بل هو مستحق للكمال بأسمائه بذاته سبحانه وتجَدُّدُ الآحاد تابع لمشيئته.
عَرِيّاً: خَالِياً ومُجرَّداً؛ وفي هذا رد على من قال بحدوث الصفات والأسماء بعد أن لم تكن.
&__________________________________________________________________________&
٢_الفقرة الثَّانِي: تَوْقِيفِيَّةُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَحُكْمُ الِاشْتِقَاقِ وَالِاخْتِرَاعِ العَقْلِيِّ
أولاً: نَصُّ المَتْنِ
أَصْلُ التَّوْقِيفِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّحْمَنِ جَمِيعَهَا تَوْقِيفِيَّةٌ مَحْضَةٌ، مَصْدَرُهَا الوَحْيَانِ المُطَهَّرَانِ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، فَلَا يُسَمَّى اللهُ تَعَالَى إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ، وَيَجِبُ الوُقُوفُ فِيهَا عَلَى النَّصِّ الظَّاهِرِ دُونَ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ، فَإِنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ قَاصِرٌ عَنْ إِدْرَاكِ مَا يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ مِنْ نُعُوتِ العَظَمَةِ وَالجَلَالِ بِمُجَرَّدِ خَيَالِهِ وَفِكْرِهِ.
بُطْلَانُ الِاخْتِرَاعِ وَمُصْطَلَحَاتِ الفَلْسَفَةِ: وَعَلَى هَذَا فَيَحْرُمُ حُرْمَةً غَلِيظَةً اخْتِرَاعُ أَسْمَاءٍ لَمْ تَرِدْ فِي الشَّرْعِ، وَإِطْلَاقُ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى اصْطِلَاحَاتِ أَهْلِ الكَلَامِ وَالفَلَاسِفَةِ؛ كَتَسْمِيَتِهِ سُبْحَانَهُ: (بِالعِلَّةِ الفَاعِلَةِ)، أَوْ (المُوجِبِ بِالذَّاتِ)، أَوْ (المُهَنْدِسِ الأَعْظَمِ)، أَوْ (الذَّاتِ المُرْسَلَةِ)؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ جِنَايَةً عَلَى جَنَابِ التَّوْحِيدِ، وَوَصْفاً لِلَّهِ بِمَا لَمْ يَصِفْ بِهِ نَفْسَهُ، وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ القَوْلِ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
حُكْمُ الِاشْتِقَاقِ مِنَ الصِّفَاتِ وَالأَفْعَالِ: وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَسْمَاءً مِنْ صِفَاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ أَوِ أَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النُّصُوصِ؛ فَلَا نُسَمِّيهِ سُبْحَانَهُ: (الصَّانِعَ) لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِصُنْعِهِ، وَلَا (المُرِيدَ) لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالإِرَادَةِ، وَلَا (المُتَكَلِّمَ) لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالكَلَامِ، وَلَا (المَاشِيَ) أَوْ (الجَائِيَ) لِأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالنُّزُولِ وَالإِتْيَانِ؛ بَلْ نُثْبِتُ الصِّفَةَ وَالفِعْلَ كَمَا جَاءَا مَقْصُورَيْنِ، وَنَمْنَعُ جَعْلَهُمَا أَعْلَاماً كَأَسْمَاءٍ حُسْنَى.
التَّفْرِيقُ بَيْنَ بَابِ التَّسْمِيَةِ وَالإِخْبَارِ: وَالبَابُ أَوْسَعُ فِي الإِخْبَارِ عَنِ اللهِ تَعَالَى بِمَا لَيْسَ بِسَيِّئٍ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يُخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ: (مَوْجُودٌ)، أَوْ (شَيْءٌ)، أَوْ (قَدِيمٌ)، أَوْ (قَائِمٌ بِنَفْسِهِ)، عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ لِلْعَدَمِ وَبَيَانِ الحَقِيقَةِ، لَا عَلَى أَنَّهَا أَسْمَاءٌ يُتَعَبَّدُ بِهَا أَوْ يُدْعَى بِهَا فِي المَحَارِيبِ، فَمَنْ جَعَلَ بَابَ الإِخْبَارِ مُرَادِفاً لِبَابِ التَّسْمِيَةِ فَقَدْ جَهِلَ مَعَاقِدَ لِسَانِ العَرَبِ وَمَآخِذَ الشَّرْعِ.
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
تَوْقِيفِيَّةٌ مَحْضَةٌ: قيد أثري حاسم؛ معناه أن التسمية مَوقوفة (أي مَحبوسة ومَشروطة) على السَّماع والنَّص الشرعي، فكل ما لم يرد به السَّمع يُردُّ، ولو ظن العقل فيه مَدحاً.
العِلَّةِ الفَاعِلَةِ / المُوجِبِ بِالذَّاتِ: مصطلحات فلاسفة اليونان والمشائين؛ حَرّم السلف إطلاقها لأن "العِلّة والموجب" تدل على فاعلٍ مَسلوب الإرادة والاختيار، يُنتج مَعلوله بالاضطرار (كالنار تُحدث الإحراق طبعاً)، تعالى الله المختار عن ذلك علواً كبيراً.
المُهَنْدِسِ الأَعْظَمِ: لفظ مُبتدع أطلقه بعض المعاصرين متأثرين بعبارات الغربيين الفلسفية، وهو باطل؛ لأن "الهندسة" لغةً هي تقدير مَساحات الخطوط والسطوح بآلات ومقاييس بَشرية مَسبوقة بجهل، والرب هو الخالق المبدع بلا مِثال سَبق.
القَوْلِ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ: إشارة إلى قوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، وهو رتبة فوق الشرك في جدار التحريم المنهجي.
مَقْصُورَيْنِ: (القصر في اللغة الحصر والوقوف)، والمراد إبقاء اللفظ على هيئته الواردة (فِعلاً أو مَصدراً) دون تحويله إلى صيغة علم مُشتق (اسم فاعل أو مبالغة).
بَابِ الإِخْبَارِ: قيد مَنهجي عند السلف يفصل بين (الدعاء والتعبد) و(التوضيح والرد على النفاة)؛ فالإخبار غايته إثبات الوُجود ودفع العدم، لذا شُرط فيه ألّا يكون اللَّفظ سَيئاً أو مَشتماً على نقص (كالإخبار بأنه شَيء وموجود)، بخلاف الأسماء التي يُشترط فيها بلوغ الكَمال المُطلق دلالةً وتَعبداً.
مَعَاقِدَ لِسَانِ العَرَبِ: أصول لغة العرب وضوابط تراكيبها في التمييز بين الإعلام والإخبار والنُّعوت الحادثة.
&__________________________________________________________________________&
٣_الفقرة الثَّالِثُ: دَلَالَةُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى عَلَى الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ (المُطَابَقَةُ، التَّضَمُّنُ، الِالْتِزَامُ)
أَوْجُهُ الدَّلَالَةِ العَقَدِيَّةِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ كُلَّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّحْمَنِ الثَّابِتَةِ فِي الوَحْيِ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مِنَ الدَّلَالَةِ اللَّفْظِيَّةِ الصَّحِيحَةِ بِحَسَبِ سِيَاقِ الفَهْمِ وَالِاسْتِدْلَالِ؛ وَهِيَ: دَلَالَةُ المُطَابَقَةِ، وَدَلَالَةُ التَّضَمُّنِ، وَدَلَالَةُ الِالْتِزَامِ، وَبِهَا يَتَبَيَّنُ كَمَالُ الأَسْمَاءِ وَعَظَمَةُ مَعَانِيهَا الإِلَهِيَّةِ.دَلَالَةُ المُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ: فَدَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَى عَيْنِ الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ وَعَلَى الصِّفَةِ المُشْتَقَّةِ مِنْهُ مَعاً هِيَ دَلَالَةُ (المُطَابَقَةِ)، كَدَلَالَةِ اسْمِ (العَلِيمِ) عَلَى الذَّاتِ وَالعِلْمِ جَمِيعاً، وَدَلَالَتُهُ عَلَى عَيْنِ الذَّاتِ وَحْدَهَا، أَوْ عَلَى صِفَةِ العِلْمِ وَحْدَهَا هِيَ دَلَالَةُ (التَّضَمُّنِ)؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا دَاخِلٌ فِي ضِمْنِ مَجْمُوعِ اللَّفْظِ الكُلِّيِّ، وَهَذَا يَرُدُّ مَذْهَبَ أَهْلِ التَّجْرِيدِ الخَارِجِينَ عَنِ المِلَّةِ.
دَلَالَةُ الِالْتِزَامِ: وَأَمَّا دَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَى صِفَةٍ أُخْرَى خَارِجَةٍ عَنْ مَفْهُومِ اللَّفْظِ لَكِنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ عَقْلاً وَشَرْعاً وَلَا يَنْفَكُّ المَعْنَى بِدُونِهَا؛ فَهِيَ دَلَالَةُ (الِالْتِزَامِ)، كَدَلَالَةِ اسْمِ (الخَالِقِ) عَلَى صِفَةِ (العِلْمِ) وَصِفَةِ (القُدْرَةِ)؛ إِذْ يَمْتَنِعُ فِي بَدَاهَةِ العُقُولِ وَصَحِيحِ المَنْقُولِ وُجُودُ خَلْقٍ وَإِيجَادٍ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ مُحِيطٍ وَلَا قُدْرَةٍ تَامَّةٍ صَالِحَةٍ.
قَاعِدَةُ نَفَاةِ الِالْتِزَامِ: وَكُلُّ مَنْ نَفَى دَلَالَةَ الِالْتِزَامِ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَاقْتَصَرَ عَلَى اللَّفْظِ المُجَرَّدِ فَقَدْ فَتَحَ بَاباً لِلتَّعْطِيلِ الخَفِيِّ، وَلَمْ يُقَدِّرِ الرَّبَّ حَقَّ قَدْرِهِ؛ فَإِنَّ تَعَدُّدَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ لِلِاسْمِ الوَاحِدِ هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الكَمَالِ الإِلَهِيِّ الَّذِي تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ قُلُوبُ المُوَحِّدِينَ، وَيَضِيقُ بِهِ صَدْرُ كُلِّ جَهْمِيٍّ مُعَطِّلٍ.
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
الدَّلَالَةُ اللَّفْظِيَّةِ: هِيَ كَوْنُ اللَّفْظِ بِحَالَةٍ إِذَا أُطْلِقَ فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَاهُ؛ وَقُيِّدَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ بَابَ الأَسْمَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى لِسَانِ العَرَبِ وَحَقَائِقِ تَرَاكِيبِهِ.
المُطَابَقَةِ: لُغَةً هِيَ المُوافَقَةُ وَالمُسَاوَاةُ؛ وَاصْطِلَاحاً دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى كَامِلِ مَا وُضِعَ لَهُ (أَيِ الذَّاتِ وَالصِّفَةِ مَعاً).
التَّضَمُّنِ: لُغَةً جَعْلُ الشَّيْءِ فِي ضِمْنِ الشَّيْءِ وَدَاخِلِهِ؛ وَاصْطِلَاحاً دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ الدَّاخِلِ فِيهِ (كَالذَّاتِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الصِّفَةِ، أَوِ الصِّفَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الذَّاتِ حِينَ السِّيَاقِ).
أَهْلُ التَّجْرِيدِ: هُمُ الجَهْمِيَّةُ وَالمُعْتَزِلَةُ الَّذِينَ جَرَّدُوا الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ عَنِ المَعَانِي وَالصِّفَاتِ، فَجَعَلُوا (العَلِيمَ) ذَاتاً بِلَا عِلْمٍ، وَ(القَدِيرَ) ذَاتاً بِلَا قُدْرَةٍ، فَدَلَالَةُ المُطَابَقَةِ وَالتَّضَمُّنِ تَدْفَعُ بَاطِلَهُمْ لُغَةً وَشَرْعاً.
الِالْتِزَامِ: لُغَةً الِارْتِبَاطُ وَاللُّزُومُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْفِكَاكَ؛ وَاصْطِلَاحاً دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنًى خَارِجٍ عَنْهُ نَاشِئٍ عَنْ صِحَّةِ مَدْلُولِهِ.
بَدَاهَةِ العُقُولِ: الأُمُورُ الفِطْرِيَّةُ الضَّرُورِيَّةُ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرٍ وَكَسْبٍ عَقْلِيٍّ مُعَقَّدٍ، كَالعِلْمِ بِأَنَّ الفِعْلَ يَسْتَلْزِمُ قُدْرَةَ الفَاعِلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.
التَّعْطِيلِ الخَفِيِّ: هُوَ نَفْيُ لَوَازِمِ النُّصُوصِ مَعَ إِظْهَارِ إِثْبَاتِ أَصْلِهَا؛ فَالمُتَكَلِّمُ قَدْ يُثْبِتُ اسْمَ (الحَيِّ) لَكِنَّهُ يَنْفِي لَازِمَهُ الكَامِلَ كَصِفَةِ (القَيُّومِيَّةِ) أَوِ (السَّمْعِ) وَ(البَصَرِ)، وَهَذَا خِدَاعٌ يَرُدُّهُ تَأْصِيلُ السَّلَفِ.
&__________________________________________________________________________&
٤_الفِقْرَةُ الرَّابِعَةُ: أَسْمَاءُ اللهِ أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ (إِثْبَاتُ كَمَالِ المَعَانِي وَرَدُّ بَدْعَةِ الجُمُودِ)
قلت: حَقِيقَةُ الأَعْلَامِ وَالأَوْصَافِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّحْمَنِ كُلَّهَا أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ؛ فَهِيَ أَعْلَامٌ بِاعْتِبَارِ دَلَالَتِهَا عَلَى عَيْنِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ فَتَلْتَقِي كُلُّهَا فِي التَّعْيِينِ عَلَى مَعْبُودٍ وَاحِدٍ، وَهِيَ أَوْصَافٌ بِاعْتِبَارِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ مَعَانِي الكَمَالِ وَنُعُوتِ الجَلَالِ؛ فَلَيْسَ فِيهَا اسْمٌ جَامِدٌ عَرِيٌّ عَنِ المَعْنَى المَقْصُودِ، بَلْ كُلُّ لَفْظٍ مِنْهَا يُفِيدُ صِفَةً حَقِيقِيَّةً قَائِمَةً بِذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ.
بُطْلَانُ بَدْعَةِ الجُمُودِ الكَلَامِيِّ: وَبِهَذَا التَّأْصِيلِ المَتِينِ يَبْطُلُ مَذْهَبُ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ وَالنَّفْيِ الَّذِينَ قَالُوا: "أَسْمَاؤُهُ أَعْلَامٌ مَحْضَةٌ جَامِدَةٌ لَا تَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ"؛ فَجَعَلُوا (السَّمِيعَ) بِلَا سَمْعٍ، وَ(البَصِيرَ) بِلَا بَصَرٍ، وَ(العَزِيزَ) بِلَا عِزَّةٍ، تَحَرُّزاً -بِزَعْمِهِمْ- مِنْ تَعَدُّدِ القُدَمَاءِ، فَوَقَعُوا فِي شَرٍّ مِمَّا هَرَبُوا مِنْهُ، حَيْثُ شَبَّهُوا الخَالِقَ بِالمَعْدُومَاتِ وَالمُحَالَاتِ الَّتِي لَا صِفَةَ لَهَا تَعَالَى اللهُ عَنْ قَوْلِهِمْ.
جَمْعُ المَعَانِي فِي الِاسْمِ الوَاحِدِ: وَمِنْ كَمَالِ هَذِهِ الأَسْمَاءِ أَنَّهَا لَا تَتَنَافَى فِي إِثْبَاتِ الأَوْصَافِ، بَلْ يَتَرَدَّدُ اللَّفْظُ بَيْنَ العَلَمِيَّةِ المَحْضَةِ فِي سِيَاقِ النِّدَاءِ وَالعِبَادَةِ، وَبَيْنَ الوَصْفِيَّةِ الكَامِلَةِ فِي سِيَاقِ التَّمْجِيدِ وَالِاسْتِدْلَالِ، فَلَا يَصِيرُ الوَصْفُ مَانِعاً مِنَ العَلَمِيَّةِ، وَلَا تَمْنَعُ العَلَمِيَّةُ مِنْ جَرَيَانِ حُكْمِ الِاشْتِقَاقِ وَثُبُوتِ مَعَانِي الصِّفَاتِ فِي لِسَانِ البَيَانِ.
الِاتِّحَادُ وَالتَّبَايُنُ: فَهِيَ مِنْ حَيْثُ الذَّاتُ (مُتَّحِدَةٌ) لِأَنَّ المَدْلُولَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَمِنْ حَيْثُ الصِّفَاتُ (مُتَبَايِنَةٌ) لِأَنَّ مَعْنَى السَّمْعِ غَيْرُ مَعْنَى البَصَرِ، وَمَعْنَى العِلْمِ غَيْرُ مَعْنَى القُدْرَةِ، وَمَنْ جَعَلَ المَعَانِيَ مُتَّحِدَةً كَمَا جَعَلَ الذَّاتَ وَاحِدَةً فَقَدْ أَبْطَلَ خَاصِّيَّةَ اللُّغَةِ وَحَقِيقَةَ الوَحْيِ النَّازِلِ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ.
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
أَعْلَامٌ وَأَوْصَافٌ: قيد سلفي فارق؛ (العَلَم) هو ما وُضع لتعيين المسمى بلا قيد، و(الوصف) هو ما دَلّ على معنى قائم بالذات؛ وأسماء العباد قد تكون أعلاماً بلا صفة (كإنسان يُسمى صالحاً وهو طالح)، أما أسماء الله فكل علم فيها هو وصف حقيقي بالغ غاية الكمال.
تَلْتَقِي كُلُّهَا فِي التَّعْيِينِ: أي أنك لو دعوت بـ (يَا سَمِيعُ) أو (يَا بَصِيرُ) أو (يَا قَدِيرُ) فإن القصد ينصرف إلى ذاتٍ واحدة وهي ذات الرب سبحانه.
أَعْلَامٌ مَحْضَةٌ جَامِدَةٌ: مقالة المعتزلة ومن تبعهم؛ زعموا أن الأسماء مجرد إشارات لفظية فارغة من المعاني (كالرموز الحسابية)، وطردوا ذلك هرباً من إثبات الصِّفات؛ لأن إثبات المعاني القائمة بالذات يقتضي عندهم تعدد القدماء، وهي شبهة فلفسية كاسدة.
تَعَدُّدِ القُدَمَاءِ: شبهة كلامية مبنية على أن الصفة إذا قامت بالموصوف صارت ذاتا أخرى قديمة معه، فأدى بهم ذلك إلى نفي الصِّفات، والصواب أن الموصوف بصفات كماله هو ذات واحدة قديمة بأوصافها لا تتعدد.
جَرَيَانِ الِاشْتِقَاقِ: أخذ لفظ من لفظ مع التناسب في المعنى؛ وأسماء الله مشتقة من مصادر صفاتها لغوية (فالعليم من العلم، والقدير من القدرة)، واشتقاقها تأكيدي لإثبات الأوصاف لا أنها محدثة.
مُتَّحِدَةٌ وَمُتَبَايِنَةٌ: قيد دقيق لضبط الدلالة؛ فالاتحاد راجع إلى (العين والذات) والتباين راجع إلى (المعاني والحقائق)؛ وبذلك يُرد على أهل البدع الذين يلزمون أهل السنة بأن تعدد الأسماء يقتضي تعدد الذوات.
&__________________________________________________________________________&
٥_الفِقْرَةُ الخَامِسَةُ: حُسْنَى الأَسْمَاءِ الإِلَهِيَّةِ وَمُقْتَضَى دَلَالَتِهَا عَلَى الكَمَالِ المُطْلَقِ
حَقِيقَةُ الحُسْنَى: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّحْمَنِ كُلَّهَا (حُسْنَى)؛ وَهِيَ جَمْعُ الأَحْسَنِ، أَيْ أَنَّهَا بَلَغَتْ غَايَةَ الكَمَالِ وَنِهَايَةَ الحُسْنِ فِي اللَّفْظِ وَالمَعْنَى، فَلَا يَدْخُلُهَا نَقْصٌ وَلَا احْتِمَالُ عَيْبٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لَا احْتِمَالاً قَرِيباً وَلَا بَعِيداً، بَلْ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا يَتَضَمَّنُ صِفَةَ كَمَالٍ مُطْلَقٍ لَا نَقْصَ فِيهِ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ.
امْتِنَاعُ الأَسْمَاءِ المُنْقَسِمَةِ: وَعَلَى هَذَا الأَصْلِ الشَّرِيفِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى اسْمٌ عَلَمٌ مِنْ صِفَةٍ أَوْ فِعْلٍ يَنْقَسِمُ إِلَى مَدْحٍ وَذَمٍّ؛ كَأَفْعَالِ المَكْرِ، وَالكَيْدِ، وَالِاسْتِهْزَاءِ، وَالخِدَاعِ الَّتِي وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً فِي مُقَابَلَةِ أَفْعَالِ الكُفَّارِ؛ فَلَا نُسَمِّيهِ سُبْحَانَهُ: (المَاكِرَ)، وَلَا (الخَادِعَ)، وَلَا (المُسْتَهْزِئَ)؛ لِأَنَّ هَذِهِ الأَلْفَاظَ لَا تَدُلُّ عَلَى الكَمَالِ المُطْلَقِ إِلَّا إِذَا قُيِّدَتْ بِمُقَابَلَةِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَدْلاً وَحِكْمَةً، فَإِطْلَاقُهَا أَعْلَاماً مُجَرَّدَةً ضَلَالٌ وَإِلْحَادٌ.
جَمْعُ الاسْمِ بَيْنَ الجَلَالِ وَالجَمَالِ: وَكُلُّ اسْمٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ حَسَنٌ بِمُفْرَدِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ نُعُوتِ التَّقْدِيسِ، وَيَزْدَادُ حُسْناً إِلَى حُسْنِهِ عِنْدَ اقْتِرَانِهِ بِاسْمٍ آخَرَ فَيُفِيدُ مَجْمُوعُهُمَا كَمَالاً فَوْقَ كَمَالٍ، كَاقْتِرَانِ اسْمِ (العَزِيزِ) بِاسْمِ (الحَكِيمِ)؛ فَإِنَّ عِزَّةَ المَخْلُوقِ قَدْ تَحْمِلُهُ عَلَى الظُّلْمِ وَالسَّفَهِ، وَحِكْمَةَ المَخْلُوقِ قَدْ تُصَاحِبُهَا ذِلَّةٌ وَعَجْزٌ، أَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ عَزِيزٌ فِي حِكْمَتِهِ، حَكِيمٌ فِي عِزَّتِهِ [1].
الرَّدُّ عَلَى القِيَاسِ المَنْكُوسِ: وَقَدْ ضَلَّتْ طَوَائِفُ أَهْلِ الكَلَامِ حِينَمَا جَعَلُوا الحُسْنَ مَبْنِيّاً عَلَى تَحْسِينِ العَقْلِ المَعْلُولِ، فَمَنَعُوا أَسْمَاءً وَرَدَتْ فِي الشَّرْعِ لِوَهْمٍ قَامَ فِي نُفُوسِهِمْ، وَأَثْبَتُوا صِفَاتٍ جَامِدَةً لَا حُسْنَ فِيهَا، مَعَ أَنَّ الحُسْنَ المُعْتَبَرَ هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّفْظُ القُرْآنِيُّ المُتَضَمِّنُ لِأَعْلَى رُتَبِ الصِّفَاتِ وَالفَضَائِلِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي خَضَعَتْ لَهَا عُقُولُ الأَبْرَارِ [2].
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
■حُسْنَى: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ عَلَى وَزْنِ (فُعْلَى) مُؤَنَّثُ (الأَحْسَنِ)، وَفِي هَذَا قِيدٌ لُغَوِيٌّ يَعْنِي أَنَّ أَسْمَاءَهُ لَيْسَتْ حَسَنَةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ الأَحْسَنُ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ لَفْظٌ أَحْسَنُ مِنْهَا لَتَسَمَّى اللهُ بِهِ.
■المُنْقَسِمَةِ: أَيِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُ المَدْحَ فِي حَالٍ (كَالمَكْرِ بِالمَاكِرِينَ عَدْلاً) وَتَحْتَمِلُ الذَّمَّ فِي حَالٍ (كَالمَكْرِ ■ابْتِدَاءً ظُلْماً)؛ وَالقِيدُ السَّلَفِيُّ هُنَا يَمْنَعُ جَعْلَ مِثْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ أَسْمَاءً حُسْنَى مُطْلَقَةً.
■إِلْحَادٌ: العُدُولُ وَالمَيْلُ بِالأَسْمَاءِ عَنِ الحَقِّ الثَّابِتِ لَهَا؛ وَمِنْ صُوَرِهِ تَسْمِيَةُ اللهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِحُسْنِهَا وَكَمَالِهَا.
■عِزَّةٌ فِي حِكْمَتِهِ: قِيدٌ تَرْكِيبِيٌّ يَدْفَعُ تَوَهُّمَ جَمِيعِ صُوَرِ النَّقصِ؛ فَعِزَّتُهُ سُبْحَانَهُ مَقْرُونَةٌ بِالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ، لَيْسَتْ عِزَّةَ بَطْشٍ وَجَبَرُوتٍ خَالٍ مِنَ المَصْلَحَةِ وَالرَّحْمَةِ.
■قِيَاسِ : قِيَاسُ الأَوْلَى الصَّحِيحُ هُوَ: "أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمَخْلُوقِ لَا نَقْصَ فِيهِ فَالبَارِئُ أَوْلَى بِهِ"، أَمَّا أَهْلُ الكَلَامِ فَعَكَسُوا القِيَاسَ؛ فَجَعَلُوا عُقُولَهُمْ حَاكِمَةً عَلَى مَا يَلِيقُ بِاللهِ، فَنَفَوْا صِفَاتِ الكَمَالِ الثَّابِتَةَ بِالخَبَرِ لِأَنَّهَا لَا تَتَّفِقُ مَعَ أَقْيِسَتِهِمْ.
ثالثاً: حَاشِيَةُ النُّقُولِ وَالآثَارِ
[1] أصلُ العِبَارَةِ مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الإِمَامِ الحَافِظِ ابْنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ رَحِمَهُ اللهُ حَيْثُ يَقُولُ فِي "بَدَائِعِ الفَوَائِدِ" عِنْدَ تَقْرِيرِهِ لِهَذِهِ القَاعِدَةِ: «فَإِنَّ أَسْمَاءَهُ تَعَالَى حُسْنَى... وَالحُسْنُ فِي المَقْرُونِ أَعْلَى وَأَتَمُّ مِنَ الحُسْنِ فِي المُنْفَرِدِ، كَالعَزِيزِ الحَكِيمِ، فَإِنَّ العِزَّةَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالحِكْمَةَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَالظَّرْفُ النَّاشِئُ مِنْ عَقْدِ أَحَدِهِمَا بِالآخَرِ كَمَالٌ ثَالِثٌ... لِأَنَّ عِزَّتَهُ مَقْرُونَةٌ بِحِكْمَتِهِ، فَلَا تَقْتَضِي ظُلْماً كَعِزَّةِ المَخْلُوقِ، وَحِكْمَتَهُ مَقْرُونَةٌ بِعِزَّتِهِ فَلَا تَقْتَضِي ذِلَّةً».
[2] مَأْخُوذٌ مِنْ تَأْصِيلِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا فِي "مَجْمُوعِ الفَتَاوَى" حَيْثُ قَرَّرَ بِمَا مَعْنَاهُ:
«أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى لَا تُقَاسُ بِمَقَايِيسِ المَخْلُوقِينَ العَقْلِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعَهَا أَهْلُ الجَهْمِ وَالتَّعْطِيلِ، بَلِ العَقْلُ الصَّحِيحُ يُقِرُّ بِأَنَّ كُلَّ مَا سَمَّى اللهُ بِهِ نَفْسَهُ هُوَ أَعْلَى الغَايَاتِ فِي الحُسْنِ وَالتَّنْزِيهِ، وَالتَّحْسِينُ العَقْلِيُّ الكَلَامِيُّ إِذَا خَالَفَ النَّصَّ كَانَ نَكْساً وَفَسَاداً فِي الفِطْرَةِ».
&__________________________________________________________________________&
٦_الفِقْرَةُ السَّادِسَةُ: تَبَايُنُ الأَسْمَاءِ فِي المَعْنَى لَا يَنْفِي اتِّحَادَهَا فِي الذَّاتِ، وَأَحْكَامُ الِاقْتِرَانِ
●أَصْلُ التَّرَادُفِ وَالتَّبَايُنِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّحْمَنِ تَتَّحِدُ فِي مَدْلُولِهَا الذَّاتِيِّ، وَتَتَبَايَنُ فِي مَدْلُولِهَا الصِّفَاتِيِّ؛ فَهِيَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الذَّاتِ مُتَرَادِفَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى المَعَانِي مُتَبَايِنَةٌ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْهَا خَاصِّيَّةً فِي الإِثْبَاتِ لَا يَسُدُّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ فِيهَا، فَالعَلِيمُ يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا القَدِيرُ، وَالحَيُّ يُفِيدُ مَعْنًى غَيْرَ المُرَادِ مِنَ القَيُّومِ.
●بُطْلَانُ التَّرَادُفِ المَحْضِ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ زَعْمِ مَنْ قَالَ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ بِالتَّرَادُفِ المَحْضِ الَّذِي يُعَطِّلُ المَعَانِيَ؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَ الأَسْمَاءِ كَتَعَدُّدِ أَسْمَاءِ الِاسْمِ الوَاحِدِ لِلْمَخْلُوقِ (كَاللَّيْثِ وَالأَسَدِ)؛ لِقَصْدِ نَفْيِ جَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ، فَمَنْ جَعَلَ أَسْمَاءَ الرَّبِّ عَرِيَّةً عَنِ التَّبَايُنِ فِي الصِّفَاتِ فَقَدْ جَعَلَهَا أَلْفَاظاً جَامِدَةً لَا مَعْنَى تَحْتَهَا، وَذَلِكَ غَايَةُ الإِلْحَادِ وَالمَيْلِ عَنِ الحَقِّ.
●أَحْكَامُ الِاقْتِرَانِ التَّأْكِيدِيِّ: وَمِنْ سُنَنِ التَّنْزِيلِ اقْتِرَانُ بَعْضِ الأَسْمَاءِ بِبَعْضٍ فِي سِيَاقِ الخَتْمِ لِلْآيَاتِ؛ لِيَدُلَّ الِاقْتِرَانُ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى انْفِرَادِ كُلِّ اسْمٍ، كَاقْتِرَانِ (الغَنِيِّ) بِـ (الحَمِيدِ)؛ فَالغَنِيُّ كَمَالٌ، وَالحَمِيدُ كَمَالٌ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُفِيدُ أَنَّ غِنَاهُ سُبْحَانَهُ مَحْمُودٌ لَيْسَ فِيهِ شُحٌّ وَلَا مَنْعٌ كَغِنَاءِ المَخْلُوقِ، وَأَنَّ حَمْدَهُ وَاقِعٌ فِي حَالِ غِنَاهُ التَّامِّ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ حَاجَةٌ [1].
●قَاعِدَةُ الأَسْمَاءِ المُتَقَابِلَةِ الَّتِي لَا تُفْرَدُ: وَمِنْهَا أَسْمَاءٌ مُتَقَابِلَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الحِكْمَةِ فِي التَّدْبِيرِ، لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ أَحَدِهِمَا بِمُفْرَدِهِ دُونَ الآخَرِ، بَلْ يَجِبُ قَرْنُهُمَا تَعَاقُباً لِيَتَبَيَّنَ الكَمَالُ؛ كَـ (القَابِضِ البَاسِطِ)، وَ(الخَافِضِ الرَّافِعِ)، وَ(المُعِزِّ المُذِلِّ)، وَ(المُعْطِي المَانِعِ)؛ فَإِنَّ إِفْرَادَ المَانِعِ أَوِ الخَافِضِ فِيهِ إِيهَامٌ بِالنَّقْصِ، أَمَّا جَمْعُهُمَا فَيُفِيدُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ وَالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ [2].
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
مُتَرَادِفَةٌ بَاعْتِبَارِ الذَّاتِ: قيد مَنهجي يُبطل شُبهة أهل التعطيل؛ فالتَّرادُف هنا نسبيٌّ راجعٌ إلى كَوْنِ كُلِّ اسمٍ يُشير إلى ذات الرَّبِّ نَفْسِهَا، وليس تَرادفاً كلياً يَنفي حَقائق الصِّفات المتباينة.
التَّرَادُفِ المَحْضِ: أَيْ أَنْ تَتَّحِدَ الأَلْفَاظُ فِي المَعْنَى اتِّحَاداً كُلِّيّاً حَتَّى لَا يُفِيدَ اللَّفْظُ الثَّانِي أَيَّ مَعْنًى جَدِيدٍ؛ وَهُوَ ضَلَالٌ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى لِأَنَّهُ يَعْنِي جَعْلَ (السَّمِيعِ) وَ(العَلِيمِ) سَوَاءً بِلا دلالة على السمع أو العلم.
غِنَاهُ مَحْمُودٌ: قيد تَرْكِيبِيٌّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الأَغْنِيَاءِ مِنَ البَشَرِ يَكُونُ غِنَاهُمْ سَبَباً لِذَمِّهِمْ إِذَا صَاحَبَهُ البُخْلُ أَوِ الطُّغْيَانُ، أَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فَهُوَ غَنِيٌّ جَوَادٌ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
أَسْمَاءٌ مُتَقَابِلَةٌ: هي الأسماء التي تُمثل صِفاتٍ تتقابل في المفهوم اللغوي (كَالرَّفْعِ الخَافِضِ لِلْمَكَانَةِ، وَالبَسْطِ وَالقَبْضِ لِلرِّزْقِ)، والقيد السَّلَفِيُّ يُوجِبُ اقْتِرَانَهَا لِيُثْمِرَ ذَلِكَ صِفَةَ المَدْحِ الكَامِلَةِ.
ثالثاً: حَاشِيَةُ النُّقُولِ وَالآثَارِ (التَّوْثِيقُ العِلْمِيُّ)
[1] النصُّ مُستفادٌ ومُخرَّجٌ من:
الكتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية (ت: 751هـ).
المجلد والصفحة: المجلد الأول، الصفحة (340-341).
المحقق: المشرف على التحقيق: الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد.
الناشر / الطبعة: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1425هـ.
ونَصُّ تقريره رَحمهُ الله: «وأسماء الرب تعالى مترادفة متباينة؛ فهي مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات... وإذا اقترن الاسم بالآخر كالحكيم العليم، والغني الحميد، والعزيز الرحيم، أفاد ذلك كمالاً ثالثاً غير الكمال الذي يفيده كل اسم بمفرده، فإن غناه سبحانه غنى حَميد، وعزته عزة رحيمة، بخلاف عزة المخلوق التي هي عزة بطش وظلم».
[2] النصُّ مُستفادٌ ومُؤصَّلٌ من تفصيل الأسماء المتقابلة في:
الكتاب: القواعد الحسان في تفسير القرآن (المنشور ضمن المجموع الكامل لمؤلفات الشيخ).
المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (ت: 1376هـ).
المجلد والصفحة: المجلد الأول، الصفحة (45-46)، "القاعدة الحادية عشرة: في معرفة الأسماء المقترنة المتقابلة".
المحقق: لجنة متخصصة بإشراف طارق بن عاطف أنيس.
الناشر / الطبعة: المؤسسة العامة لطباعة الصحف، طبعة وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، الرياض، الطبعة الثانية، 1422هـ.
ونَصُّ تقريره رَحمهُ الله: «ومن القواعد في أسماء الله الحُسنى: أن من أسمائه ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، كالقابض الباسط، والمُعطي المانع، والضار النافع، والخافض الرافع... لأن الكمال المطلق يقع في اقتران هذه الأسماء ليدل على تدبيره الخَلْق بالعدل والفضل والحكمة، وإفراد المانع أو الضار وحده لا يجوز لأنه لا يدل على الكمال بمفرده».
&__________________________________________________________________________&
٧_الفِقْرَةُ السَّابِعَةُ: الإِلْحَادُ فِي الأَسْمَاءِ الحُسْنَى (حَقِيقَتُهُ، أَنْوَاعُهُ، وَأَحْكَامُهُ الشَّرْعِيَّةُ)
حَقِيقَةُ الإِلْحَادِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الإِلْحَادَ فِي أَسْمَاءِ الرَّحْمَنِ هُوَ المَيْلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا، وَالعُدُولُ عَنْ حَقَائِقِهَا الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أَقَرَّهَا سَلَفُ الأُمَّةِ، وَهُوَ حَرَامٌ غَلِيظٌ، وَشُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِ الكُفْرِ وَالزَّيْغِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}، فَالوَاجِبُ لُزُومُ الجَادَّةِ المُسْتَقِيمَةِ إِثْبَاتاً وَتَنْزِيهاً دُونَ حَيْدَةٍ.
■أَنْوَاعُ الإِلْحَادِ بِالنَّفْيِ وَالتَّعْطِيلِ: وَالإِلْحَادُ يَقعُ عَلَى ضُرُوبٍ أَرْبَعَةٍ:
●أَوَّلُهَا: إِلْحَادُ النُّفَاةِ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا الأَسْمَاءَ أَوْ مَعَانِيَهَا، فَجَعَلُوهَا أَلْفَاظاً جَامِدَةً جَوْفَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا
●وَثَانِيهَا: إِلْحَادُ المُشَبِّهَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا صِفَاتِ الأَسْمَاءِ كَصِفَاتِ المَخْلُوقِينَ، فَقَالُوا: "سَمْعٌ كَسَمْعِنَا، وَبَصَرٌ كَبَصَرِنَا"، تَعَالَى اللهُ عَنْ شِرْكِهِمْ.
■إِلْحَادُ الِاشْتِقَاقِ المَبْنِيِّ عَلَى الشِّرْكِ:
●وَثَالِثُهَا: إِلْحَادُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اشْتَقُّوا مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى أَسْمَاءً لِأَوْثَانِهِمْ وَآلِهَتِهِمُ المَزْعُومَةِ؛ فَأَخَذُوا (اللَّاتَ) مِنَ (الإِلَهِ)، وَ(العُزَّى) مِنَ (العَزِيزِ)، وَ(مَنَاةَ) مِنَ (المَنَّانِ)، لِيَجْعَلُوا لِلْمَخْلُوقِ نَصِيباً مِنْ خَصَائِصِ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّسْوِيَةِ البَاطِلَةِ فِي جَنَابِ الرُّبُوبِيَّةِ.
■إِلْحَادُ الِاخْتِرَاعِ اللَّفْظِيِّ:
●وَرَابِعُهَا: تَسْمِيَةُ اللهِ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، وَلَا سَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الأَثَرِ؛ كَتَسْمِيَةِ النَّصَارَى لَهُ (أَباً)، أَوْ تَسْمِيَةِ الفَلَاسِفَةِ لَهُ (عِلَّةً فَاعِلَةً) أَوْ (مُهَنْدِساً)؛ فَإِنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَاتِ العَرِيَّةَ عَنِ الأَثَرِ تَجُرُّ إِلَى مَفَاسِدَ عَقَدِيَّةٍ تُنَافِي جَلَالَ القُدُّوسِ، وَتَقُولُ عَلَى اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
&__________________________________________________________________________&
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
المَيْلُ: أَصْلُ الإِلْحَادِ فِي لُغَةِ العَرَبِ (المَيْلُ عَنِ القَصْدِ)، وَمِنْهُ (اللَّحْدُ) فِي القَبْرِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي جَانِبِهِ مَائِلاً عَنِ الوَسَطِ، وَالقِيدُ هُنَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ خُرُوجٍ عَنِ الطَّرِيقَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي البَابِ هُوَ إِلْحَادٌ نِسْبِيٌّ أَوْ كُلِّيٌّ.
أَلْفَاظاً جَوْفَاءَ: قِيدٌ لِكَشْفِ مَذْهَبِ التَّعْطِيلِ؛ إِذْ نَفْيُ المَعَانِي يُصَيِّرُ الأَسْمَاءَ كَالأَصْوَاتِ الَّتِي لَا مَعْنَى تَحْتَهَا، وَهَذَا جِنَايَةٌ عَلَى بَيَانِ القُرْآنِ.
التَّسْوِيَةِ البَاطِلَةِ: جَعْلُ المَخْلُوقِ مُسَاوِياً لِلْخَالِقِ فِي الخَصَائِصِ؛ وَهُوَ حَقِيقَةُ الشِّرْكِ الأَكْبَرِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ مُشْرِكُو الجَاهِلِيَّةِ بِاشْتِقَاقِ الأَسْمَاءِ لِأَصْنَامِهِمْ.
الْعَرِيَّةَ عَنِ الأَثَرِ: أَيِ الخَالِيَةَ مِنَ الدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ (الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)، وَهُوَ قِيدٌ مَنْهَجِيٌّ لِرَدِّ جَمِيعِ المُصْطَلَحَاتِ الحَادِثَةِ فِي المَدَارِسِ الكَلَامِيَّةِ وَالفَلْسَفِيَّةِ.
حَاشِيَةُ________________________________________________________________________&
[1] النصُّ مُستفادٌ ومُؤصَّلٌ من تفصيل أنواع الإلحاد في:
الكتاب: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى.
المؤلف: محمد بن صالح بن محمد العثيمين (ت: 1421هـ) ، المجلد الأول، الصفحة (43-46)، "القاعدة السادسة: الإلحاد في أسماء الله تعالى"، الطبعة: أضواء السلف، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1421هـ / 2001م.
ونَصُّ كلامه رَحمهُ الله: «الإِلْحَادُ فِي أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى هُوَ: المَيْلُ بِهَا عَمَّا يَجِبُ فِيهَا... وَهُوَ عَلَى أَنْوَاعٍ: الأَوَّلُ: أَنْ يُنْكِرَ شَيْئاً مِنْهَا أَوْ مِمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ... الثَّانِي: أَنْ يَجْعَلَهَا دَالَّةً عَلَى تَشْبِيهِ اللهِ بِخَلْقِهِ... الثَّالِثُ: أَنْ يُسَمِّيَ اللهَ تَعَالَى بِمَا لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ كَتَسْمِيَةِ الفَلَاسِفَةِ لَهُ عِلَّةً فَاعِلَةً... الرَّابِعُ: أَنْ يَشْتَقَّ مِنْ أَسْمَائِهِ أَسْمَاءً لِلأَصْنَامِ كَاشْتِقَاقِ اللَّاتِ مِنَ الإِلَهِ».
[2] النصُّ مُخرَّجٌ ومُستفادٌ من أصول التفسير المأثور عن السلف في:
الكتاب: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، المؤلف: عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي (ت: 774هـ) ، المجلد الثالث، الصفحة (514) عند تفسير آية الأعراف.
المحقق: سامي بن محمد السلامة ، الطبعة: دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، 1420هـ / 1999م.
ونَصُّ الأثر المروي: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي قَوْلِهِ: {يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} قَالَ: يُشْرِكُونَ. وَعَنْهُ أَيْضاً: هُوَ اشْتِقَاقُ اللَّاتِ مِنَ الإِلَهِ، وَالعُزَّى مِنَ العَزِيزِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: يُلْحِدُونَ: يُدْخِلُونَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا وَيَمِيلُونَ بِهَا عَنِ الحَقِّ».
&__________________________________________________________________________&
٨_ الفِقْرَةُ الثَّامِنَةُ: عَدَدُ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَحُكْمُ حَصْرِهَا الشَّرْعِيِّ
أَصْلُ العَدَدِ وَعَدَمُ الحَصْرِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مَحْصُورَةً فِي عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَلَا فِي التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ؛ فَإِنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ، بَلِ المَعْنَى أَنَّ مَنْ أَحْصَى هَذَا العَدَدَ المَخْصُوصَ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَقَدْ دَلَّ صَرِيحُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ للهِ أَسْمَاءً اسْتَأْثَرَ بِهَا فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَهُ فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ [1]
وَمَنْ زَعَمَ حَصْرَهَا فَقَدْ جَهِلَ مَدْلُولَ الحَدِيثِ وَخَالَفَ إِجْمَاعَ المُحَقِّقِينَ [2].
__________________________________________________________________________
( حَاشِيَةُ )__________________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
■مَفْهُومَ العَدَدِ: قيد أصولي؛ يعني أن ذكر (99) لا يمنع وجود غيرها، كقولك: "عندي مائة درهم أعددتها للصدقة"، فلا ينفي أن عندك دراهم أخرى لم تُعدَّها للصدقة.
■اسْتَأْثَرَ بِهَا: انفرد بعلمها سبحانه، وهو قيد حاسم لإثبات عجز الخلق عن الإحاطة بجميع أسماء الباري.
[1] "مجموع الفتاوى"، ابن تيمية، جـ 22، صـ 482، تح: ابن قاسم، مجمع الملك فهد، طـ 1416هـ.
[2] "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، جـ 11، صـ 219، تح: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، طـ 1379هـ.
__________________________________________________________________________
الفِقْرَةُ التَّاسِعَةُ: مَرَاتِبُ إِحْصَاءِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَمُقْتَضَاهَا التَّعَبُّدِيِّ
■أَصْلُ الإِحْصَاءِ وَمَرَاتِبُهُ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ الإِحْصَاءَ المَوْعُودَ عَلَيْهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدِ أَلْفَاظِهَا فِي العَدِّ، بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ عِلْمِيَّةٍ وَعَمَلِيَّةٍ مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ كُلَّهُ؛ أُولَاهَا: إِحْصَاءُ أَلْفَاظِهَا وَعَدَدِهَا بِالضَّبْطِ وَالحِفْظِ الأَثَرِيِّ الظَّاهِرِ، وَثَانِيَتُهَا: فَهْمُ مَعَانِيهَا الدَّالَّةِ عَلَى كَمَالِ الصِّفَاتِ وَفِقْهُ حَقَائِقِهَا اللَّغَوِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ، وَثَالِثَتُهَا: دُعَاءُ اللهِ بِهَا؛ وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى دُعَاءِ مَسْأَلَةٍ وَطَلَبٍ فِي المَحَارِيبِ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ الحَاجَةَ، وَدُعَاءِ ثَنَاءٍ وَتَعَبُّدٍ بِأَنْ يَقُومَ فِي قَلْبِ العَبْدِ أَثَرُ كُلِّ صِفَةٍ [1]
■فَيُثْمِرُ ذَلِكَ خَشْيَةً وَإِنَابَةً وَتَعْظِيماً لِلْجَنَابِ الإِلَهِيِّ، وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ كَمَالُ التَّوْحِيدِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَيَبْطُلُ صَنِيعُ أَهْلِ الجُمُودِ وَالكَلامِ [2].
__________________________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
دُعَاءِ مَسْأَلَةٍ وَدُعَاءِ ثَنَاءٍ: قيد مَنظومي يَفصل بين مَقاصد الطَّلب (كَقوْلِكَ: يَا غَفُورُ اغْفِرْ لِي) ومَقاصد التَّعبد بمُوجب الصِّفة (كَالعِلمِ بِأنه بَصِيرٌ فَيُورث ذَلِكَ مُراقبةَ الجَوارح).
صَنِيعُ أَهْلِ الجُمُودِ: رَدٌّ عَلَى الَّذِينَ اقْتَصَرُوا عَلَى النَّظَمِ اللَّفْظِيِّ لِلأَسْمَاءِ لِأَجْلِ التَّبَرُّكِ المُجَرَّدِ، دُونَ فِقْهٍ لِمَعَانِيهَا وَصِفَاتِهَا القَائِمَةِ بِالذَّاتِ.
(حَاشِيَةُ )___________________________________________________________________
[1] "بدائع الفوائد"، ابن قيم الجوزية، جـ 1، صـ 164، تح: هشام العقبي، دار ابن الجوزي، طـ 1421هـ.
[2] "الدرء النضيد في تخريج كتاب التوحيد"، سليمان بن عبد الله، صـ 211، مطبعة أنصار السنة، طـ 1369هـ.
__________________________________________________________________________
١٠ _ الفقرة العَاشِرُ: دِرَاسَةُ حَدِيثِ "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً" (المَتْنُ وَمَعْنَى الإِحْصَاءِ)
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ عُمْدَةَ هَذَا المَبْحَثِ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً، مِائَةً إِلَّا وَاحِداً، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ»، وَهَذَا لَفْظٌ جَلِيلٌ تَضَمَّنَ بَيَانَ فَضْلِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَشَرَفِ العِنَايَةِ بِهَا، وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الحُفَّاظِ وَالمُحَقِّقِينَ أَنَّ المُرَادَ بِـ (الإِحْصَاءِ) فِيهِ لَيْسَ مُجَرَّدَ العَدِّ اللَّفْظِيِّ الظَّاهِرِ بِاللِّسَانِ دُونَ فِقْهٍ، بَلْ هُوَ لَفْظٌ شَرْعِيٌّ يَنْتَظِمُ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ عَالِيَةٍ؛ أُولَاهَا: حِفْظُ أَلْفَاظِهَا وَحَصْرُهَا الأَثَرِيُّ، وَثَانِيَتُهَا: فَهْمُ مَعَانِيهَا الحَقِيقِيَّةِ وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الجَلَالِ، وَثَالِثَتُهَا: التَّعَبُّدُ للهِ بِمُقْتَضَاهَا بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ [1]، خِلَافاً لِمَنْ ظَنَّ أَنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ مُعَلَّقٌ بِالتَّبَرُّكِ بِرَسْمِهَا، فَقَدْ جَهِلَ حَقِيقَةَ النَّصِّ وَخَالَفَ طَرِيقَةَ السَّلَفِ [2].
__________________________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
مِائَةً إِلَّا وَاحِداً: قيد لَفْظِيٌّ تَأْكِيدِيٌّ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ الزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ فِي المَوْعُودِ عَلَيْهِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى حَصْرِ جَمِيعِ أَسْمَاءِ البَارِي فِي هَذَا العَدَدِ.
لَفْظٌ شَرْعِيٌّ يَنْتَظِمُ ثَلَاثَ مَرَاتِبَ: قيد مَنْهَجِيٌّ يُخْرِجُ تَمْوِيهَاتِ أَهْلِ الجُمُودِ؛ فَالإِحْصَاءُ لَا يُثْمِرُ وَعْدَهُ الشَّرْعِيَّ إِلَّا بِاجْتِمَاعِ العِلْمِ وَالعَمَلِ وَفِقْهِ الصِّفَاتِ القَائِمَةِ بِالذَّاتِ.
( حَاشِيَةُ )
[1] "صحيح البخاري"، كتاب الشروط، جـ 3، صـ 196، رقم الحديث 2736، طبعة دار طوق النجاة، طـ 1422هـ.
[2] "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، جـ 11، صـ 226، تح: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، طـ 1379هـ.
__________________________________________________________________________
١١_ الفقرة الحَادِي عَشَرَ: تَخْرِيجُ حَدِيثِ التِّسْعَةِ وَتِسْعِينَ اسْماً وَعِلَلُ رِوَايَةِ تَعْيِينِ الأَسْمَاءِ
إن مَدَارُ التَّخْرِيجِ وَعِلَّةُ التَّعْيِينِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَصْلَ حَدِيثِ التِّسْعَةِ وَتِسْعِينَ اسْماً مَخْرُوجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مُطْلَقاً دُونَ تَعْيِينِ الأَسْمَاءِ، وَإِنَّمَا وَقَعَ سَرْدُ الأَسْمَاءِ وَتَعْيِينُهَا فِي رِوَايَاتٍ خَارِجَ الصَّحِيحَيْنِ؛ كَرِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالحَاكِمِ، وَقَدْ حَكَمَ جَمَاهِيرُ نُقَّادِ الحَدِيثِ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّعْيِينِ فِيهَا مَعْلُولٌ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِتَفَرُّدِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِهِ عَنِ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ الَّذِينَ رَوَوْا الحَدِيثَ مُجْمَلاً، فَتَبَيَّنَ أَنَّ ذِكْرَ الأَسْمَاءِ مُدْرَجٌ فِي المَتْنِ مِنْ جَمْعِ بَعْضِ الرُّوَاةِ السَّلَفِ الَّذِينَ اسْتَخْرَجُوهَا مِنَ القُرْآنِ اجْتِهَاداً [1].
وَالَّذِي يُوجِبُهُ النَّظَرُ الحَدِيثِيُّ الثَّاقِبُ أَنَّ هَذِهِ الأَسَانِيدَ التَّفْصِيلِيَّةَ اضْطَرَبَتْ فِيهَا الأَلْفَاظُ اضْطِرَاباً بَيِّناً بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّبْدِيلِ، مِمَّا يَقْطَعُ بِأَنَّ السِّيَاقَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ اللَّفْظِيَّةِ، بَلْ هُوَ نَشَأَ مِنْ عِنَايَةِ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِتَتَبُّعِ آيِ التَّنْزِيلِ لِجَمْعِ هَذَا العَدَدِ المَوْعُودِ، فَمَنْ صَحَّحَ سَرْدَ الأَسْمَاءِ مَرْفُوعاً فَقَدْ جَانَبَ الصَّوَابَ النَّقْدِيَّ، وَتَعَلَّقَ بِمَا لَا يَقُومُ بِهِ دَلِيلٌ عِنْدَ جَهَابِذَةِ هَذَا الفَنِّ الَّذِينَ مَيَّزُوا الصَّحِيحَ مِنَ السَّقِيمِ وَالمَحْفُوظَ مِنَ المُنْكَرِ والمُدْرَجِ [2].
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
مُطْلَقاً دُونَ تَعْيِينِ: قيد حَدِيثِيٌّ حَاسِمٌ؛ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّفْظَ النَّبَوِيَّ المَحْفُوظَ المَقْطُوعَ بِصِحَّتِهِ جَاءَ مُجْمَلاً فِي بَيَانِ العَدَدِ وَالفَضْلِ دُونَ تَفْصِيلِ أَعْيَانِ الأَسْمَاءِ.
مَعْلُولٌ وَلَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ: قيد نَقْدِيٌّ؛ وَالعِلَّةُ هُنَا الخَفَاءُ القَادِحُ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ، حَيْثُ خَالَفَ الرُّوَاةُ فِي سَرْدِ الأَسْمَاءِ رِوَايَةَ الأَثْبَاتِ الحُفَّاظِ الَّذِينَ أَرْسَلُوا الحَدِيثَ.
مُدْرَجٌ فِي المَتْنِ: الإِدْرَاجُ هُنَا هُوَ أَنْ يُدْخِلَ الرَّاوِي فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ كَلَاماً مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ دُونَ بَيَانٍ، وَهُوَ قِيدٌ مَنْهَجِيٌّ لِكَشْفِ حَقِيقَةِ السِّيَاقِ اللَّفْظِيِّ لِلرِّوَايَةِ.
- اضْطَرَبَتْ فِيهَا الأَلْفَاظُ: قيد تَعْلِيلِيٌّ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِي ذِكْرِ الأَسْمَاءِ نَفْسِهَا بَيْنَ مُصَنِّفٍ وَآخَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ المَصْدَرَ اجْتِهَادِيٌّ تَتَبُّعِيٌّ وَلَيْسَ نَصّاً نَبَوِيّاً مَحْفُوظاً طُرِقُهُ وَاحِدَةٌ.
ثالثاً: حَاشِيَةُ النُّقُولِ وَالآثَارِ (التَّوْثِيقُ المَجْمُوعُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ)
[1] "العلل"، أبو عيسى التيرمذي (المطبوع مع الجامع)، جـ 5، صـ 729، تح: أحمد شاكر، دار إحياء التراث العربي، طـ 1356هـ.
[2] "فتح الباري بشرح صحيح البخاري"، ابن حجر العسقلاني، جـ 11، صـ 218، تح: محب الدين الخطيب، دار المعرفة، طـ 1379هـ.
١٢_ الفقرةالثَّانِي عَشَرَ: رِوَايَةُ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (تَفْصِيلُ طُرُقِهَا، إِدْرَاجُهَا، وَمَوْقِفُ الحُفَّاظِ)
تَحْقِيقُ الرِّوَايَةِ وَعِلَّتُهَا: اعْلَمْ أَنْ سَرْدَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى المَشْهُورَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مَدَارُهُ عَلَى الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ الدِّمَشْقِيِّ، عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً، وَقَدْ سَاقَ الوَلِيدُ فِيهَا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً تَتَابُعاً، إِلَّا أَنَّ جَهَابِذَةَ الحُفَّاظِ نَصُّوا عَلَى أَنَّ هَذَا السَّرْدَ لَيْسَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ، بَلْ هُوَ مُدْرَجٌ مِنْ صَنِيعِ الوَلِيدِ نَفْسِهِ، حَيْثُ جَمَعَ الأَسْمَاءَ بِاجْتِهَادِهِ مِنْ آيِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وَأَلْحَقَهَا بِأَصْلِ الحَدِيثِ المُجْمَلِ المَحْفُوظِ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ بَيَانٍ لِلْفَصْلِ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الإِدْرَاجَ أَنَّ صَاحِبَ الوَلِيدِ -وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ- رَوَى الحَدِيثَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الأَعْرَجِ بِسَاقٍ آخَرَ وَأَسْمَاءَ مُغَايِرَةٍ [1]
كَمَا أَنَّ الصَّفَّارَ وَصَفْوَانَ بْنَ صَالِحٍ خَالَفَا الوَلِيدَ فِي بَعْضِ المَوَاضِعِ تَرْتِيباً وَتَعْيِيناً. وَلِأَجْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ نَصَّ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ عَقِبَ إِخْرَاجِهِ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَأَكَّدَ البَيْهَقِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ تَعْيِينَ الأَسْمَاءِ فِيهِ مَوْقُوفٌ عَلَى الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ بِحَالٍ، خِلَافاً لِمَنْ تَشَبَّثَ بِظَاهِرِ السِّيَاقِ دُونَ مَعْرِفَةٍ بِعِلَلِ الشَّامِيِّينَ وَتَدْلِيسِ التَّسْوِيَةِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الوَلِيدُ فِي طُرُقِهِ [2].
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ
الإِدْرَاجُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ المَزِيدِ (أَدْرَجَ)، يُقَالُ: «أَدْرَجْتُ الشَّيْءَ فِي الشَّيْءِ» إِذَا أَدْخَلْتَهُ فِيهِ وَضَمَمْتَهُ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ إِدْرَاجُ المَيِّتِ فِي كَفَنِهِ أَيْ لَفُّهُ وَإِدْخَالُهُ فِيهِ.
الإِدْرَاجُ اصْطِلَاحاً عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ: هُوَ أَنْ يُدْخَلَ فِي مَتْنِ الحَدِيثِ أَوْ سَنَدِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي أَوْ غَيْرِهِ دُونَ فَصْلٍ مُمَيِّزٍ يَظْهَرُ لِلسَّامِعِ.
أَنْوَاعُ الإِدْرَاجِ: يَنْقَسِمُ عِنْدَ الحُفَّاظِ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسَيْنِ:إِدْرَاجُ السَّنَدِ: وَهُوَ أَنْ يُغَيِّرَ الرَّاوِي سِيَاقَ الإِسْنَادِ بِإِدْخَالِ رَاوٍ أَوْ دَمْجِ طَرِيقَيْنِ لَمْ يَلْتَقِيَا.
إِدْرَاجُ المَتْنِ: وَهُوَ الأَكْثَرُ، وَيَقَعُ فِي أَوَّلِ الحَدِيثِ أَوْ وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ -كَمَا فِي رِوَايَةِ الوَلِيدِ هُنَا- حَيْثُ أُدْرِجَ سَرْدُ الأَسْمَاءِ فِي آخِرِ اللَّفْظِ المَرْفُوعِ.
التَّسْوِيَةُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ (سَوَّى) يَشْتَقُّ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (س و ي)، وَالتَّسْوِيَةُ فِي اللُّغَةِ هِيَ جَعْلُ الشَّيْءِ مُسْتَوِياً مُعْتَدِلاً بِلَا اعْوِجَاجٍ وَلَا تَفَاوُتٍ، يُقَالُ: «سَوَّيْتُ الصُّفُوفَ» أَيْ أَقَمْتُهَا عَلَى جَادَّةٍ وَاحِدَةٍ.
تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ اصْطِلَاحاً (حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ): هُوَ أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ الثِّقَةِ حَدِيثاً، وَيَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الثِّقَةُ قَدْ أَخَذَهُ عَنْ شَيْخٍ ضَعِيفٍ، وَذَلِكَ الضَّعِيفُ أَخَذَهُ عَنْ ثِقَةٍ آخَرَ، فَيَعْمِدَ التَّالِي لِإِسْقَاطِ الرَّاوِي الضَّعِيفِ المَنْبُوثِ بَيْنَ الثِّقَتَيْنِ اللَّذَيْنِ تَعَاصَرَا وَأَمْكَنَ لِقَاؤُهُمَا، لِيَصِيرَ السَّنَدُ كُلُّهُ ثِقَاتٍ عَنْ ثِقَاتٍ، وَيَسْتَوِيَ ظَاهِرُهُ بِالصِّحَّةِ نَقِيّاً مِنَ الضَّعْفِ.
التَّسْوِيَةِ وَخْطَرُهَا: التَّسْوِيَةُ فِعْلٌ نَقْدِيٌّ قَدْ يَقَعُ فِي الأَحْكَامِ وَالمَرَاتِبِ، لَكِنَّ التَّسْوِيَةَ فِي بَابِ التَّدْلِيسِ هِيَ المَقْصُودَةُ هُنَا، وَأَخْطَرُ أَنْوَاعِهَا عَلَى الإِطْلَاقِ هُوَ "تَدْلِيسُ التَّسْوِيَةِ المَتْرُوكِ"، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَصْنَعُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي طُرُقِهِ؛ حَيْثُ كَانَ يُسْقِطُ مَشَايِخَ شَيْخِهِ (شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ) مِنَ الضُّعَفَاءِ وَالأَخْبَارِيِّينَ لِيَجْعَلَ الإِسْنَادَ نَقِيّاً نَاصِعاً، وَهُوَ قَادِحٌ شَدِيدٌ الخَفَاءِ لَا يَكْشِفُهُ إِلَّا الأَئِمَّةُ الجَهَابِذَةُ بِالمُقَارَنَةِ وَجَمْعِ الطُّرُقِ.
حَاشِيَةُ _________________________________________________________________
[1] "الجامع الكبير (سنن الترمذي)"، أبو عيسى التيرمذي، جـ 5، صـ 530، رقم الحديث 3507، دار الغرب الإسلامي، طـ 1998م.
[2] "السنن الكبرى"، أحمد بن الحسين البيهقي، جـ 10، صـ 246، دَائِرَةُ المَعَارِفِ العُثْمَانِيَّةِ بِالهِنْدِ، طـ 1354هـ.
١٣_ الفقرة الثَّالِثُ عَشَرَ: طُرُقُ عَبْدِ المَلِكِ الصَّنْعَانِيِّ وَعَبْدِ العَزِيزِ بْنِ حُصَيْنٍ وَمُقَارَنَتُهَا بِالوَلِيدِ
تَحْقِيقُ الطُّرُقِ وَالمُقَارَنَةُ النَّقْدِيَّةُ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ رِوَايَةَ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ فِي سَرْدِ الأَسْمَاءِ لَمْ تَكُنْ الوَحِيدَةَ فِي البَابِ، بَلْ خَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ فِي "سُنَنِهِ" السَّرْدَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً، كَمَا خَرَّجَ الحَاكِمُ فِي "مُسْتَدْرَكِهِ" سَرْداً آخَرَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ حُصَيْنٍ العُقَيْلِيِّ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعاً [1].
وَعِنْدَ مُقَارَنَةِ هَذِهِ الطُّرُقِ بِرِوَايَةِ الوَلِيدِ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاقِدِ أَنَّ طَرِيقَيِ الصَّنْعَانِيِّ وَابْنِ حُصَيْنٍ أَشَدُّ ضَعْفاً وَأَوْهَى سَاقاً مِنْ طَرِيقِ الوَلِيدِ؛ فَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْدٍ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ أَبِي مَرْيَمَ مَتْرُوكٌ أَوْ شَدِيدُ الضَّعْفِ، وَعَبْدُ العَزِيزِ بْنُ حُصَيْنٍ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالبُخَارِيُّ وَقَالُوا لَا يُحْتَجُّ بِهِ، نَاهِيكَ عَنِ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ فِي أَعْيَانِ الأَسْمَاءِ المَسْرُودَةِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ؛ حَيْثُ نَقَصَتْ أَسْمَاءٌ وَزِيدَتْ أُخْرَى، مِمَّا يَقْطَعُ بِأَنَّ مَصْدَرَ التَّعْيِينِ فِيهَا كُلِّهَا هُوَ اجْتِهَادُ الرُّوَاةِ وَإِدْرَاجُهُمْ، وَلَيْسَ النَّقْلَ المَعْصُومَ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَ نُقَّادُ الأَثَرِ عَلَى تَضْعِيفِ طَرِيقِ ابْنِ مَاجَهْ وَالحَاكِمِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً [2].
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ
المُقَارَنَةُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الفِعْلِ المَزِيدِ (قَارَنَ) عَلَى وَزْنِ (فَاعَلَ)، وَأَصْلُهَا الرُّبَاعِيُّ (قَرَنَ) وَهُوَ يَدُلُّ فِي لُغَةِ العَرَبِ عَلَى جَمْعِ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ وَوَصْلِهِ بِهِ، وَمِنْهُ قِرَانُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَتُطْلَقُ المُقَارَنَةُ عَلَى النَّظَرِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ لِمَعْرِفَةِ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الِاتِّفَاقِ أَوِ الِافْتِرَاقِ.
المُقَارَنَةُ الحَدِيثِيَّةُ اصْطِلَاحاً: هِيَ عَمَلِيَّةٌ نَقْدِيَّةٌ يَقُومُ فِيهَا الحَافِظُ بِجَمْعِ طُرُقِ الحَدِيثِ الوَاحِدِ وَمُقَابَلَةِ أَلْفَاظِ الرُّوَاةِ وَأَسَانِيدِهِمْ لِتَمْيِيزِ المَحْفُوظِ مِنَ المُنْكَرِ وَالمُدْرَجِ.
أَنْوَاعُ المُقَارَنَةِ النَّقْدِيَّةِ: تَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ الحَدِيثِ إِلَى:مُقَارَنَةٌ إِسْنَادِيَّةٌ: بِالنَّظَرِ فِي رِجَالِ الأَسَانِيدِ وَمَرَاتِبِ ضَبْطِهِمْ وَعِلَلِ اتِّصَالِهِمْ.
مُقَارَنَةٌ مَتْنِيَّةٌ: بِتَتَبُّعِ الزِّيَادَاتِ وَالأَلْفَاظِ المَزِيدَةِ وَالمُدْرَجَةِ كَمَا فُعِلَ فِي أَسْمَاءِ الحَدِيثِ هُنَا.
الاضْطِرَابُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الخُمَاسِيِّ (اضْطَرَبَ) مَأْخُوذٌ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ض ر ب)، وَالِاضْطِرَابُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الحَرَكَةُ وَالمَائِجُ وَفَسَادُ النَّظْمِ، يُقَالُ: «اضْطَرَبَ المَوْجُ» إِذَا ضَرَبَ بَعْضُهُ بَعْضاً وَتَحَرَّكَ بِبَعْثَرَةٍ.
الحَدِيثُ المُضْطَرِبُ اصْطِلَاحاً (حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ): هُوَ الحَدِيثُ الَّذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مُتَسَاوِيَةٍ فِي القُوَّةِ لَا يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَهَا وَلَا تَرْجِيحُ أَحَدِهَا عَلَى الآخَرِ، فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِ الرَّاوِي لِلْمَتْنِ أَوْ السَّنَدِ.
أَنْوَاعُ الِاضْطِرَابِ وَأَخْطَرُهَا: يَقَعُ الِاضْطِرَابُ تَعَاقُباً فِي السَّنَدِ تَارَةً وَفِي المَتْنِ تَارَةً أُخْرَى، وَأَخْطَرُ أَنْوَاعِهِ هُوَ "الِاضْطِرَابُ المَتْنِيُّ القَادِحُ المَصْحُوبُ بِتَفَرُّدِ الضُّعَفَاءِ"، وَهُوَ العِلَّةُ الكُبْرَى الَّتِي اصْطَلَحَ عَلَيْهَا أَهْلُ الحَدِيثِ فِي رَدِّ سَرْدِ الأَسْمَاءِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَالحَاكِمِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَ ثِقَاتٍ يُمْكِنُ التَّرْجِيحُ بَيْنَهُمْ، بَلْ وَقَعَ بَيْنَ رُوَاةٍ هَالِكِينَ أَوْ ضُعَفَاءَ سَبَّبَ ضَعْفُهُمْ مَزِيداً مِنَ الفَسَادِ فِي نَظْمِ الأَسْمَاءِ وَتَعْيِينِهَا.
حَاشِيَةُ ____________________________________________________________________
[1] "سنن ابن ماجه"، كتاب الدعاء، جـ 2، صـ 1269، رقم الحديث 3861، طبعة دار إحياء الكتب العربية، تح: محمد فؤاد عبد الباقي.
[2] "المستدرك على الصحيحين"، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، جـ 1، صـ 63، رقم الحديث 42، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، طـ 1411هـ.
__________________________________________________________________________
١٤_ الفقرة الرابعة عَشَرَة: قَاعِدَةُ الِاقْتِرَانِ فِي الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَمَا يُفِيدُهُ مِنْ كَمَالٍ فَوْقَ كَمَالٍ
تَحْقِيقُ القَاعِدَةِ وَأَثَرِهَا العَقَدِيِّ: اعْلَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى كُلَّهَا حُسْنَى، وَالدَّلَالَةُ عَلَى حُسْنِهَا تَكُونُ بِاعْتِبَارِ إِفْرَادِ كُلِّ اسْمٍ عَلَى حِدَةٍ، وَتَكُونُ أَيْضاً بِاعْتِبَارِ اقْتِرَانِ الِاسْمِ بِاسْمٍ آخَرَ، وَهُوَ مَا يُصْطَلَحُ عَلَيْهِ بـ "كَمَالٍ فَوْقَ كَمَالٍ"، فَالِاقْتِرَانُ النَّصِّيُّ فِي التَّنْزِيلِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ السَّجْعِ أَوِ التَّرَادُفِ، بَلْ لِإِفَادَةِ مَعْنًى زَائِدٍ عَنِ المَعْنَيَيْنِ المُنْفَرِدَيْنِ، وَمِثَالُ ذَلِكَ اقْتِرَانُ اسْمِهِ (العَزِيزِ) بِاسْمِهِ (الحَكِيمِ) فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ القُرْآنِ؛ فَالعِزَّةُ فِي المَخْلُوقِ قَدْ تَشُوبُهَا الظُّلْمُ وَالجَبَرُوتُ، وَالحِكْمَةُ قَدْ تَعْتَرِيهَا العَجْزُ وَالضَّعْفُ، أَمَّا عِزَّةُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ فَهِيَ مَقْرُونَةٌ بِالحِكْمَةِ البَالِغَةِ، فَلَا ظُلْمَ فِيهَا، وَحِكْمَتُهُ مَقْرُونَةٌ بِالعِزَّةِ الغَالِبَةِ، فَلَا نَقْصَ فِيهَا [1]
وَكَذَلِكَ اقْتِرَانُ (الغَنِيِّ) بِـ (الحَمِيدِ)؛ فَهُوَ غَنِيٌّ مَعَ كَوْنِهِ مُحْسِناً مَحْمُوداً عَلَى غِنَاهُ، لَا كَأَغْنِيَاءِ الخَلْقِ الَّذِينَ يَصْحَبُ غِنَاهُمْ الشُّحُّ أَوِ المَنُّ، فَمَنْ فَقِهَ هَذَا الِاقْتِرَانَ فُتِحَ لَهُ بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَسَلِمَ مِنْ مَزَالِقِ التَّعْطِيلِ وَالتَّأْوِيلِ المَعْلُولِ [2].
__________________________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ التَّفْصِيلِيَّةِ
الِاقْتِرَانُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الخُمَاسِيِّ (اقْتَرَنَ) عَلَى وَزْنِ (افْتَعَلَ)
مَأْخُوذٌ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ق ر ن)، وَهُوَ يَدُلُّ فِي لُغَةِ العَرَبِ عَلَى صُحْبَةِ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ وَاجْتِمَاعِهِ مَعَهُ يُقَالُ: «اقْتَرَنَ الشَّيْئَانِ» إِذَا اتَّصَلَا وَلَمْ يَفْتَرِقَا، وَالقَرَنُ هُوَ الحَبْلُ الَّذِي يُقْرَنُ بِهِ بَعِيرَانِ.
الِاقْتِرَانُ الأَسْمَائِيُّ اصْطِلَاحاً (حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ): هُوَ وُرُودُ اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الحُسْنَى مُتَتَابِعَيْنِ فِي سِيَاقٍ نَصِّيٍّ وَاحِدٍ لِيُفِيدَ مَجْمُوعُهُمَا وَصْفَ كَمَالٍ زَائِدٍ عَلَى مَا يُفِيدُهُ كُلُّ اسْمٍ لَوْ أُفْرِدَ عَنِ الآخَرِ.
أَنْوَاعُ الِاقْتِرَانِ فِي النُّصُوصِ: يَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى:
اقْتِرَانٌ تَعْظِيمِيٌّ: كَاقْتِرَانِ العَلِيِّ بِالعَظِيمِ لِبَيَانِ عُلُوِّ الذَّاتِ وَالقَدْرِ.
اقْتِرَانٌ رَحْمَاوِيٌّ: كَاقْتِرَانِ الرَّؤُوفِ بِالرَّحِيمِ لِبَيَانِ سَعَةِ المَغْفِرَةِ وَاللُّطْفِ بَعْدَ الشِّدَّةِ.
الكَمَالُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (كَمَلَ) بِفَتْحِ المِيمِ أَوْ ضَمِّهَا، مَأْخُوذٌ مِنَ المَادَّةِ (ك م ل)، وَالكَمَالُ فِي اللُّغَةِ هُوَ تَمَامُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ يَعْنِيهِ، وَتَنَاهِي أَجْزَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّتِي تَصْلُحُ لَهُ، يُقَالُ: «كَمَلَ الأَمْرُ» إِذَا تَمَّ وَانْقَطَعَتْ عَنْهُ دَوَاعِي النَّقْصِ.
الكَمَالُ الإِلَهِيُّ اصْطِلَاحاً: هُوَ خُلُوُّ ذَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ النَّقْصِ أَوِ العَيْبِ، وَثُبُوتُ غَايَةِ المَحَامِدِ لَهُ طَلَقاً.
أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الجَهْلِ بِالِاقْتِرَانِ: هُوَ "الِانْفِصَالُ السِّيَاقِيُّ المُلْجِئُ لِلتَّرَادُفِ اللَّفْظِيِّ"، وَهُوَ مَسْلَكٌ بَدَعِيٌّ خَطِيرٌ سَلَكَهُ أَهْلُ الكَلَامِ؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ تَعْدِيدَ الأَسْمَاءِ فِي خَوَاتِيمِ الآيَاتِ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى جَدِيدٌ، بَلْ هُوَ تَأْكِيدٌ مَحْضٌ، فَحَرَمُوا أَنْفُسَهُمْ مِنْ فِقْهِ "الكَمَالِ المُرَكَّبِ"، فَلَمْ يُدْرِكُوا أَنَّ الحِكْمَةَ بِلَا عِزَّةٍ ضَعْفٌ، وَالعِزَّةَ بِلَا حِكْمَةٍ بَطْشٌ، وَأَنَّ جَمْعَهُمَا لِلَّهِ هُوَ رَأْسُ الجَلَالِ وَالجَمَالِ.
ثالثاً: حَاشِيَةُ النُّقُولِ وَالآثَارِ (التَّوْثِيقُ المَجْمُوعُ فِي سَطْرٍ وَاحِدٍ)
[1] "طريق الهجرتين وباب السعادتين"، ابن قيم الجوزية، جـ 1، صـ 218، طبعة دار ابن القيم، الدمام، طـ 1414هـ.
[2] "مجموع الفتاوى"، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جـ 6، صـ 142، مَطَابِعُ الرِّيَاضِ، طـ 1381هـ.
__________________________________________________________________________
١٥ _ الفِقْرَةُ الخامسة عشرة: تَبَايُنُ الأَسْمَاءِ فِي المَعْنَى لَا يَنْفِي ترادفها بإعتبار الذَّاتِ فهي دالة علي ذات واحدة لله تعالي وَأَحْكَامُ الِاقْتِرَانِ دليل علي الكمال فوق الكمال
أَصْلُ التَّرَادُفِ وَالتَّبَايُنِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّحْمَنِ تَتَّحِدُ فِي مَدْلُولِهَا الذَّاتِيِّ، وَتَتَبَايَنُ فِي مَدْلُولِهَا الصِّفَاتِيِّ؛ فَهِيَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الذَّاتِ مُتَرَادِفَةٌ؛ لِأَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مُسَمًّى وَاحِدٍ وَهُوَ اللهُ جَلَّ جَلَالُهُ، وَهِيَ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى المَعَانِي مُتَبَايِنَةٌ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْهَا خَاصِّيَّةً فِي الإِثْبَاتِ لَا يَسُدُّ غَيْرُهُ مَسَدَّهُ فِيهَا، فَالعَلِيمُ يَدُلُّ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا القَدِيرُ، وَالحَيُّ يُفِيدُ مَعْنًى غَيْرَ المُرَادِ مِنَ القَيُّومِ.
بُطْلَانُ التَّرَادُفِ المَحْضِ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ: وَبِهَذَا يُعْلَمُ بُطْلَانُ زَعْمِ مَنْ قَالَ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ بِالتَّرَادُفِ المَحْضِ الَّذِي يُعَطِّلُ المَعَانِيَ؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ تَعَدُّدَ الأَسْمَاءِ كَتَعَدُّدِ أَسْمَاءِ الِاسْمِ الوَاحِدِ لِلْمَخْلُوقِ (كَاللَّيْثِ وَالأَسَدِ)؛ لِقَصْدِ نَفْيِ جَمِيعِ صِفَاتِ الكَمَالِ، فَمَنْ جَعَلَ أَسْمَاءَ الرَّبِّ عَرِيَّةً عَنِ التَّبَايُنِ فِي الصِّفَاتِ فَقَدْ جَعَلَهَا أَلْفَاظاً جَامِدَةً لَا مَعْنَى تَحْتَهَا، وَذَلِكَ غَايَةُ الإِلْحَادِ وَالمَيْلِ عَنِ الحَقِّ.
أَحْكَامُ الِاقْتِرَانِ التَّأْكِيدِيِّ: وَمِنْ سُنَنِ التَّنْزِيلِ اقْتِرَانُ بَعْضِ الأَسْمَاءِ بِبَعْضٍ فِي سِيَاقِ الخَتْمِ لِلْآيَاتِ؛ لِيَدُلَّ الِاقْتِرَانُ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ عَلَى انْفِرَادِ كُلِّ اسْمٍ، كَاقْتِرَانِ (الغَنِيِّ) بِـ (الحَمِيدِ)؛ فَالغَنِيُّ كَمَالٌ، وَالحَمِيدُ كَمَالٌ، وَاجْتِمَاعُهُمَا يُفِيدُ أَنَّ غِنَاهُ سُبْحَانَهُ مَحْمُودٌ لَيْسَ فِيهِ شُحٌّ وَلَا مَنْعٌ كَغِنَاءِ المَخْلُوقِ، وَأَنَّ حَمْدَهُ وَاقِعٌ فِي حَالِ غِنَاهُ التَّامِّ الَّذِي لَا يَشُوبُهُ حَاجَةٌ [1].
قَاعِدَةُ الأَسْمَاءِ المُتَقَابِلَةِ الَّتِي لَا تُفْرَدُ: وَمِنْهَا أَسْمَاءٌ مُتَقَابِلَةٌ دَالَّةٌ عَلَى الحِكْمَةِ فِي التَّدْبِيرِ، لَا يَجُوزُ إِطْلَاقُ أَحَدِهِمَا بِمُفْرَدِهِ دُونَ الآخَرِ، بَلْ يَجِبُ قَرْنُهُمَا تَعَاقُباً لِيَتَبَيَّنَ الكَمَالُ؛ كَـ (القَابِضِ البَاسِطِ)، وَ(الخَافِضِ الرَّافِعِ)، وَ(المُعِزِّ المُذِلِّ)، وَ(المُعْطِي المَانِعِ)؛ فَإِنَّ إِفْرَادَ المَانِعِ أَوِ الخَافِضِ فِيهِ إِيهَامٌ بِالنَّقْصِ، أَمَّا جَمْعُهُمَا فَيُفِيدُ كَمَالَ التَّصَرُّفِ وَالعَدْلِ وَالحِكْمَةِ فِي الخَلْقِ وَالأَمْرِ [2].
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ وَالقُيُودِ المَنْهَجِيَّةِ
مُتَرَادِفَةٌ بَاعْتِبَارِ الذَّاتِ: قيد مَنهجي يُبطل شُبهة أهل التعطيل؛ فالتَّرادُف هنا نسبيٌّ راجعٌ إلى كَوْنِ كُلِّ اسمٍ يُشير إلى ذات الرَّبِّ نَفْسِهَا، وليس تَرادفاً كلياً يَنفي حَقائق الصِّفات المتباينة.
التَّرَادُفِ المَحْضِ: أَيْ أَنْ تَتَّحِدَ الأَلْفَاظُ فِي المَعْنَى اتِّحَاداً كُلِّيّاً حَتَّى لَا يُفِيدَ اللَّفْظُ الثَّانِي أَيَّ مَعْنًى جَدِيدٍ؛ وَهُوَ ضَلَالٌ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى لِأَنَّهُ يَعْنِي جَعْلَ (السَّمِيعِ) وَ(العَلِيمِ) سَوَاءً بِلا دلالة على السمع أو العلم.
غِنَاهُ مَحْمُودٌ: قيد تَرْكِيبِيٌّ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الأَغْنِيَاءِ مِنَ البَشَرِ يَكُونُ غِنَاهُمْ سَبَباً لِذَمِّهِمْ إِذَا صَاحَبَهُ البُخْلُ أَوِ الطُّغْيَانُ، أَمَّا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ فَهُوَ غَنِيٌّ جَوَادٌ مَحْمُودٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
أَسْمَاءٌ مُتَقَابِلَةٌ: هي الأسماء التي تُمثل صِفاتٍ تتقابل في المفهوم اللغوي (كَالرَّفْعِ الخَافِضِ لِلْمَكَانَةِ، وَالبَسْطِ وَالقَبْضِ لِلرِّزْقِ)، والقيد السَّلَفِيُّ يُوجِبُ اقْتِرَانَهَا لِيُثْمِرَ ذَلِكَ صِفَةَ المَدْحِ الكَامِلَةِ.
حَاشِيَةُ ___________________________________________________________________
[1] النصُّ مُستفادٌ ومُخرَّجٌ من:الكتاب: جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على خير الأنام.
المؤلف: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن قيم الجوزية (ت: 751هـ).
المجلد والصفحة: المجلد الأول، الصفحة (340-341).
ونَصُّ تقريره رَحمهُ الله: «وأسماء الرب تعالى مترادفة متباينة؛ فهي مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات... وإذا اقترن الاسم بالآخر كالحكيم العليم، والغني الحميد، والعزيز الرحيم، أفاد ذلك كمالاً ثالثاً غير الكمال الذي يفيده كل اسم بمفرده، فإن غناه سبحانه غنى حَميد، وعزته عزة رحيمة، بخلاف عزة المخلوق التي هي عزة بطش وظلم».
[2] النصُّ مُستفادٌ ومُؤصَّلٌ من تفصيل الأسماء المتقابلة في:- الكتاب: القواعد الحسان في تفسير القرآن (المنشور ضمن المجموع الكامل لمؤلفات الشيخ).المؤلف: عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (ت: 1376هـ) ١م/ (45-46)، "القاعدة الحادية عشرة: في معرفة الأسماء المقترنة المتقابلة".
- ١٦ _ الفقرة السادسة عَشَرَة: أَسْمَاءُ اللهِ المُتَضَمِّنَةُ لِصِفَاتِ الذَّاتِ (تَأْصِيلٌ وَأَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ)
- شَرْطُ التَّوْقِيفِ النَّصِّيِّ الْمُطْلَقِ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ قَدْ وَرَدَ فِي النَّصِّ صَرِيحاً كَاسْمٍ عَلَمٍ مُفْرَدٍ دَالٍّ عَلَى الذَّاتِ، مِمَّا يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ الْبَشَرِيَّ مِنَ الْأَفْعَالِ، لِأَنَّ بَابَ التَّسْمِيَةِ تَعَبُّدِيٌّ مَحْضٌ.
- شَرْطُ الْإِطْلَاقِ وَعَدَمِ التَّقْيِيدِ: أَنْ لَا يَكُونَ اللَّفْظُ مُقَيَّداً بِحَالٍ، أَوْ مُضَافاً إِلَى مَفْعُولٍ، لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُحْصَى هُوَ الَّذِي يُفِيدُ الْمَدْحَ الْمُطْلَقَ بِنَفْسِهِ دُونَ حَاجَةٍ لِقَرِينَةٍ تُتِمُّ مَعْنَاهُ.
- شَرْطُ السَّلَامَةِ مِنَ الْعِلَلِ الْحَدِيثِيَّةِ: أَنْ تَسْلَمَ الرِّوَايَةُ مِنَ الْإِدْرَاجِ وَالِاضْطِرَابِ؛ لِذَلِكَ رَدَّ سَرْدَ الرُّوَاةِ لِلْأَسْمَاءِ فِي الْأَحَادِيثِ وَعَمَدَ إِلَى الِاسْتِقْرَاءِ الْمُبَاشِرِ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
- الرَّبُّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: ٢].
- الْإِلَهُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٦٣].
- الْإِلَهُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٦٣].
- الْوَاحِدُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [ الرَّعْدِ: ١٦].
- الْمَوْلَى: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: ٤٠].
- النَّصِيرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٥].
- الْقَدِيرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٠].
- الْكَفِيلُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا} [سُورَةُ النَّحْلِ: ٩١].
- الْغَالِبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ} [سُورَةُ يُوسُفَ: ٢١].
- الْحَفِيٌّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [سُورَةُ مَرْيَمَ: ٤٧].
- الْقَرِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [سُورَةُ هُودٍ: ٦١].
- الْمُجِيبُ: وَالدَّلِيلُ السِّيَاقُ النَّصِّيُّ النَّازِلُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ نَفْسِهَا.
- الْمَلِيكُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: ٥٥].
- الْمُقْتَدِرُ: وَالدَّلِيلُ لَفْظُ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي خِتَامِ سُورَةِ الْقَمَرِ.
- الْمُحِيطُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَكانَ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ١٢٦].
- الْحَسِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٦].
- الشَّهِيدُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سُورَةُ الْحَجِّ: ١٧].
- الْخَلَّاقُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [سُورَةُ الْحِجْرِ: ٨٦].
- الْقَاهِرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٨].
- الْأَعْلَى: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سُورَةُ الْأَعْلَى: ١].
- الْأَكْرَمُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [سُورَةُ الْعَلَقِ: ٣].
- الْحَفِيظُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سُورَةُ السَّبَإِ: ٢١].
- الْقَوِيُّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سُورَةُ الْحَجِّ: ٤٠].
- الْمَتِينُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: ٥٨].
- الْغَنِيُّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٣٣].
- الرَّءُوفُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٠٧].
- الْبَدِيعُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١١٧].
ونَصُّ تقريره رَحمهُ الله: «وأسماء الرب تعالى مترادفة متباينة؛ فهي مترادفة من حيث الذات متباينة من حيث الصفات... وإذا اقترن الاسم بالآخر كالحكيم العليم، والغني الحميد، والعزيز الرحيم، أفاد ذلك كمالاً ثالثاً غير الكمال الذي يفيده كل اسم بمفرده، فإن غناه سبحانه غنى حَميد، وعزته عزة رحيمة، بخلاف عزة المخلوق التي هي عزة بطش وظلم».
-
ونَصُّ تقريره رَحمهُ الله: «ومن القواعد في أسماء الله الحُسنى: أن من أسمائه ما لا يطلق عليه إلا مقترناً بمقابله، كالقابض الباسط، والمُعطي المانع، والضار النافع، والخافض الرافع... لأن الكمال المطلق يقع في اقتران هذه الأسماء ليدل على تدبيره الخَلْق بالعدل والفضل والحكمة، وإفراد المانع أو الضار وحده لا يجوز لأنه لا يدل على الكمال بمفرده».
______________________________________________________________
♤تَأْصِيلُ الأَسْمَاءِ الذَّاتِيَّةِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ أَسْمَاءَ الرَّبِّ الحُسْنَى تَنْقَسِمُ مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهَا عَلَى الصِّفَاتِ إِلَى قِسْمَيْنِ رَئِيسَيْنِ؛ أَهَمُّهُمَا: الأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى صِفَاتِ الذَّاتِ، وَهِيَ كُلُّ اسْمٍ تَضَمَّنَ صِفَةً لَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ المُقَدَّسَةِ بِحَالٍ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِالمَشِيئَةِ وَالقُدْرَةِ مِنْ حَيْثُ الآحَادُ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مَوْصُوفاً بِهَا أَزَلاً وَأَبَداً [1]
♤وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا التَّطْبِيقِيَّةِ فِي التَّنْزِيلِ: اسْمُهُ (الحَيُّ) المُتَضَمِّنُ لِصِفَةِ الحَيَاةِ الكَامِلَةِ، وَ(العَلِيمُ) المُتَضَمِّنُ لِلْعِلْمِ المُحِيطِ، وَ(القَدِيرُ) الدَّالُّ عَلَى القُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَكَذَلِكَ (السَّمِيعُ) وَ(البَصِيرُ) وَ(العَزِيزُ)؛ فَهَذِهِ كُلُّهَا نُعُوتُ جَلَالٍ لَازِمَةٌ لِذَاتِ البَارِي لَا تُفَارِقُهَا، وَالنَّظَرُ الأَثَرِيُّ المُسْتَقِيمُ يُوجِبُ إِثْبَاتَ مَعَانِي هَذِهِ الأَسْمَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهَا دُونَ تَأْوِيلٍ أَوْ تَفْوِيضٍ لِلْمَعْنَى، خِلَافاً لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ جَعَلُوهَا أَسْمَاءً مُجَرَّدَةً عَنِ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ، وَخِلَافاً لِلأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ حَصَرُوا صِفَاتِ الذَّاتِ فِي سَبْعٍ نَفْسِيَّةٍ فَقَطْ وَعَطَّلُوا بَاقِي الأَسْمَاءِ عَنْ حَقَائِقِهَا النَّصِّيَّةِ [2].
__________________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ
- ♤_________________________________________________________♤
صِفَاتُ الذَّاتِ اصْطِلَاحاً : هِيَ الصِّفَاتُ المُلَازِمَةُ لِذَاتِ اللهِ تَعَالَى الَّتِي لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ مُتَّصِفاً بِهَا، وَلَا يُمْكِنُ انْفِكَاكُهَا عَنْهُ بِوَجْهٍ، وَلَا تَرْتَبِطُ بِمَشِيئَتِهِ مِنْ حَيْثُ الثُّبُوتُ الأَزَلِيُّ.
أَنْوَاعُ صِفَاتِ الذَّاتِ: تَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ إِلَى قِسْمَيْنِ عِلْمِيَّيْنِ:
١_صِفَاتٌ مَعْنَوِيَّةٌ: كَالحَيَاةِ، وَالعِلْمِ، وَالقُدْرَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالبَصَرِ.
٢_ صِفَاتٌ خَبَرِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي مَسَمَّاهَا بالنِّسْبَةِ لَنَا أَبْعَاضٌ وَأَجْزَاءٌ وَثَبَتَتْ بِالنَّقْلِ المَحْضِ كَاليَدَيْنِ وَالوَجْهِ وَالعَيْنَيْنِ، مَعَ تَنْزِيهِ اللهِ عَنِ التَّبْعِيضِ وَالتَّكْيِيفِ.
التَّضَمُّنُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الخُمَاسِيِّ (تَضَمَّنَ)، مَأْخُوذٌ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ض م ن)، وَالتَّضَمُّنُ فِي اللُّغَةِ هُوَ جَعْلُ الشَّيْءِ فِي دَاخِلِ الشَّيْءِ وَمُحْتَوًى فِيهِ، يُقَالُ: «تَضَمَّنَ الكِتَابُ المَسْأَلَةَ» إِذَا اشْتَمَلَ عَلَيْهَا وَحَوَاهَا فِي جُمْلَةِ فُصُولِهِ.
دَلَالَةُ التَّضَمُّنِ اصْطِلَاحاً: هِيَ دَلَالَةُ اللَّفْظِ عَلَى جُزْءِ مَعْنَاهُ المَوْضُوعِ لَهُ فِي السِّيَاقِ؛ كَدَلَالَةِ اسْمِ (العَلِيمِ) عَلَى صِفَةِ العِلْمِ وَحْدَهَا بِانْفِرَادِهَا.
أَخْطَرُ أَنْوَاعِ التَّعْطِيلِ فِي هَذَا البَابِ: هُوَ "التَّعْطِيلُ بِالتَّأْوِيلِ النَّفْسِيِّ المَجَازِيِّ"، وَهُوَ المَسْلَكُ الَّذِي اعْتَمَدَتْهُ الجَهْمِيَّةُ وَالمَعَاطِلَةُ؛ حَيْثُ نَفَوْا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الأَسْمَاءُ دَالَّةً عَلَى صِفَاتٍ حَقِيقِيَّةٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ، فَزَعَمُوا أَنَّ (السَّمِيعَ) يَعْنِي العَالِمَ بِالمَسْمُوعَاتِ دُونَ إِثْبَاتِ صِفَةِ السَّمْعِ، وَأَنَّ (البَصِيرَ) هُوَ العَالِمُ بِالمُبْصَرَاتِ، فَصَيَّرُوا الأَسْمَاءَ مُتَرَادِفَةً جَامِدَةً، وَحَرَمُوا الذَّاتَ العَلِيَّةَ مِنْ نُعُوتِ كَمَالِهَا الذَّاتِيِّ المَقْطُوعِ بِهِ فِي مُحْكَمِ الكِتَابِ.
حَاشِيَةُ _________________________________________________________
[1] "رسالة التدمرية"، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، صـ 34، تح: محمد بن عودة السعوي، دار العاصمة، طـ 1414هـ.
[2] "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة"، ابن قيم الجوزية، جـ 2، صـ 415، تح: علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، طـ 1418هـ.
_________________________________________________________
١٧ _ الفقرة السابعة أَسْمَاءُ اللهِ المُتَضَمِّنَةُ لِصِفَاتِ الفِعْلِ (تَأْصِيلٌ وَأَمْثِلَةٌ تَطْبِيقِيَّةٌ)
■تَأْصِيلُ الأَسْمَاءِ الفِعْلِيَّةِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ القِسْمَ الثَّانِيَ مِنْ أَسْمَاءِ البَارِي الحُسْنَى هِيَ الأَسْمَاءُ الدَّالَّةُ عَلَى صِفَاتِ الأَفْعَالِ، وَهِيَ كُلُّ اسْمٍ تَضَمَّنَ صِفَةً تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَقُدْرَتِهِ؛ إِنْ شَاءَ فَعَلَهُ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَفْعَلْهُ، مَعَ الإِيمَانِ بِأَنَّ أَصْلَ كَوْنِهِ فَعَّالاً هُوَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ أَزَلِيَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهُ، أَمَّا آحَادُ الأَفْعَالِ فَتَقَعُ بِمَشِيئَتِهِ فِي الأَوْقَاتِ المَخْصُوصَةِ [1]
■وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا التَّطْبِيقِيَّةِ فِي صَرِيحِ الوَحْيِ: اسْمُهُ (الخَالِقُ) المُتَضَمِّنُ لِلْخَلْقِ، وَ(الرَّزَّاقُ) الدَّالُّ عَلَى الإِرْزَاقِ، وَ(التَّوَّابُ) الدَّالُّ عَلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ (الغَفُورُ) وَ(المُحْيِي) وَ(المُمِيتُ)؛ فَهَذِهِ الأَسْمَاءُ تُثْبِتُ لِلَّهِ أَفْعَالاً حَقِيقِيَّةً يَقُومُ بِهَا المُلْكُ وَالتَّدْبِيرُ، وَالقَاعِدَةُ الأَثَرِيَّةُ فِيهَا أَنَّ كُلَّ اسْمٍ فِعْلِيٍّ يَتَضَمَّنُ صِفَةً، وَلَيْسَ كُلُّ فِعْلٍ يُشْتَقُّ مِنْهُ اسْمٌ، خِلَافاً لِلأَشَاعِرَةِ الَّذِينَ نَفَوْا قِيَامَ الأَفْعَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ بِذَاتِ الرَّبِّ وَجَعَلُوهَا مَخْلُوقَةً مُنْفَصِلَةً سَمَّوْهَا صِفَاتِ التَّكْوِينِ، وَخِلَافاً لِلْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَفْعُولَ هُوَ عَيْنُ الفِعْلِ فَعَطَّلُوا تَدْبِيرَ الحَكِيمِ [2].
- _________________________________________________________
ثانياً: بَيَانُ المُفْرَدَاتِ
الفِعْلُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (فَعَلَ) يَشْتَقُّ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ف ع ل)، وَهُوَ يَدُلُّ فِي لُغَةِ العَرَبِ عَلَى إِحْدَاثِ الشَّيْءِ وَإِيجَادِ الحَرَكَةِ أَوِ العَمَلِ، وَالفِعْلُ عِنْدَ النُّحَاةِ هُوَ كُلُّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَاقْتَرَنَ بِزَمَنٍ مِنَ الأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ.
صِفَاتُ الفِعْلِ اصْطِلَاحاً (حَدٌّ جَامِعٌ مَانِعٌ): هِيَ الصِّفَاتُ الِاخْتِيَارِيَّةُ القَائِمَةُ بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، بِحَيْثُ يَفْعَلُهَا سُبْحَانَهُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إِيجَاداً وَتَكْوِيناً.
أَنْوَاعُ صِفَاتِ الفِعْلِ: تَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى قِسْمَيْنِ مَنْهَجِيَّيْنِ:
أَفْعَالٌ مُتَعَدِّيَةٌ: وَهِيَ الَّتِي لَهَا أَثَرٌ مَخْلُوقٌ مُنْفَصِلٌ عَنِ الذَّاتِ، كَالخَلْقِ (الَّذِي يَصْدُرُ عَنِ الخَالِقِ)، وَالرَّزْقِ (عَنِ الرَّزَّاقِ).
أَفْعَالٌ لَازِمَةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَقُومُ بِالذَّاتِ العَلِيَّةِ دُونَ أَنْ يَكُونَ أَثَرُهَا عَيْناً مَخْلُوقَةً مُنْفَصِلَةً، كَالِاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.
التَّأْصِيلُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ الرُّبَاعِيِّ المَزِيدِ (أَصَّلَ) يُقَالُ: «أَصَّلْتُ المَسْأَلَةَ» إِذَا جَعَلْتَ لَهَا أَصْلاً ثَابِتاً تُرَدُّ إِلَيْهِ الفُرُوعُ، وَالأَصْلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ مَا يُبْنَى عَلَيْهِ غَيْرُهُ كَأَسَاسِ الجِدَارِ وَجِذْعِ الشَّجَرَةِ.
التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ اصْطِلَاحاً: هُوَ رَدُّ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ وَالجُزْئِيَّاتِ العِلْمِيَّةِ إِلَى القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ المُحْكَمَةِ المَأْخُوذَةِ مِنْ صَرِيحِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ.
أَخْطَرُ أَنْوَاعِ العِلَلِ فِي هَذَا البَابِ: هُوَ "حُلُولُ الحَوَادِثِ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ"، وَهُوَ الشُّبْهَةُ الَّتِي مَنَعَتْ الجَهْمِيَّةَ وَالأَشَاعِرَةَ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الأَفْعَالِ القَائِمَةِ بِالذَّاتِ؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ فِعْلٍ يَقَعُ بِمَشِيئَةِ اللهِ فِي زَمَنٍ دُونَ زَمَنٍ يَسْتَلْزِمُ أَنْ تَكُونَ الذَّاتُ مَحَلاًّ لِلْحَوَادِثِ، وَالحَوَادِثُ لَا تَقُومُ إِلَّا بِمَخْلُوقٍ، فَفَرُّوا مِنْ هَذَا الوَهْمِ إِلَى تَعْطِيلِ أَفْعَالِ الرَّبِّ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَنَفْوِ حَقَائِقِ أَسْمَائِهِ الفِعْلِيَّةِ، فَلَمْ يُثْبِتُوا خَلْقاً وَلَا رَزْقاً قَائِماً بِهِ، بَلْ جَعَلُوا ذَلِكَ كُلَّهُ بِمَعْنَى المَخْلُوقِ المُنْفَصِلِ، فَخَالَفُوا بَدِيهَةَ العَقْلِ وَصَرِيحَ النَّقْلِ الأَثَرِيِّ.
حَاشِيَةُ _________________________________________________________
[1] "شرح العقيدة الطحاوية"، ابن أبي العز الحنفي، جـ 1، صـ 124، تح: الدكتور عبد الله التركي، مؤسسة الرسالة، طـ 1419هـ.
[2] "مجموع الفتاوى"، أحمد بن عبد الحليم بن تيمية، جـ 5، صـ 540، تح: عبد الرحمن بن قاسم، مجمع الملك فهد، طـ 1416هـ.
- _________________________________________________________
١٨_الفقرة الثامنة عشرة :ضَوَابِطُ جَمْعِ وَاسْتِخْرَاجِ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى مُبَاشَرَةً مِنَ الوَحْيَيْنِ
أَصْلُ التَّوْقِيفِ وَالِاسْتِخْرَاجِ الشَّرْعِيِّ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ أَنَّ القَوْلَ بِعَدَمِ صِحَّةِ سَرْدِ الأَسْمَاءِ مَرْفُوعاً يَفْتَحُ البَابَ لِاجْتِهَادِ العُلَمَاءِ فِي اسْتِخْرَاجِهَا مُبَاشَرَةً مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَلَكِنَّ هَذَا الِاسْتِخْرَاجَ لَيْسَ كَلأً مُبَاحاً لِكُلِّ نَاظِرٍ، بَلْ هُوَ مَشْرُوطٌ بِضَوَابِطَ أَمِيرِيَّةٍ صَارِمَةٍ قَرَّرَهَا جَهَابِذَةُ المُحَقِّقِينَ وممن وضع شروط صارمة من المعاصرين:
♤ شُرُوطُ إِحْصَاءِ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى عِنْدَ الدُّكْتُور مَحْمُود الرِّضْوَانِيِّ
■الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: ثُبُوتُ الِاسْمِ نَصّاً فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي صَحِيحِ السُّنَّةِ [^1]
تَعْتَمِدُ طَرِيقَةُ الشَّيْخِ الرِّضْوَانِيِّ فِي جَمْعِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى عَلَى التَّوْقِيفِ الْمُطْلَقِ؛فَلَا مَجَالَ فِيهَا لِلِاجْتِهَادِ الْعَقْلِيِّ، أَوْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ وَالْمُدْرَجَةِ ، وَيَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ الِاسْمُ قَدْ وَرَدَ نَصّاً صَرِيحاً ثَابِتاً فِي آيَاتِ التَّنْزِيلِ،أَوْ صَحَّ نَقْلُهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَسَانِيدَ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ،لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ لَا نُسَمِّي اللهَ فِيهَا إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ.
■الشَّرْطُ الثَّانِي: عَالَمِيَّةُ الِاسْمِ وَاسْتِيفَاءُ الْعَلَامَاتِ اللُّغَوِيَّةِ فِيهِ [^2]
يَقْصِدُ الدُّكْتُورُ بِعَالَمِيَّةِ الِاسْمِ أَنْ يَكُونَ الَّلَفْظُ عَلَماً دَالّاً عَلَى ذَاتِ اللهِ،مَعَ خُلُوصِهِ لِلِاسْمِيَّةِ التَّامَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنِ الْأَفْعَالِ وَالْحُرُوفِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ ، وَيَجِبُ أَنْ تَتَحَقَّقَ فِي اللَّفْظِ الْعَلَامَاتُ النَّحْوِيَّةُ الْمَعْرُوفَةُ لِلْأَسْمَاءِ عِنْدَ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ؛كَقَبُولِهِ التَّنْوِينَ، أَوِ الْجَرَّ، أَوِ النِّدَاءَ، أَوْ دُخُولَ أَلِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ فِي السَّيَاقِ،مِمَّا يُخْرِجُ الصِّيَغَ الْفِعْلِيَّةَ وَالْمَصَادِرَ الَّتِي لَمْ تَتَمَحَّضْ فِي بَابِ الْعَالَمِيَّةِ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ.
■الشَّرْطُ الثَّالِثُ: إِطْلَاقُ الِاسْمِ دُونَ إِضَافَةٍ أَوْ تَقْيِيدٍ [^3]
يَشْتَرِطُ الشَّيْخُ فِي الِاسْمِ الْمُحْصَى أَنْ يَكُونَ مُطْلَقاً غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِحَالٍ مَخْصُوصَةٍ،وَأَنْ يَرِدَ مُسْتَقِلّاً بِنَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَكُونَ مُضَافاً إِلَى لَفْظٍ آخَرَ يُحَدِّدُ مَعْنَاهُ ، فَالْأَسْمَاءُ الْمُقَيَّدَةُ أَوْ الْمُضَافَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْإِحْصَاءِ لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْإِطْلَاقَ،مِثْلَ الصِّيَغِ الَّتِي وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً بِأَفْعَالٍ أَوْ نِطَاقٍ مُعَيَّنٍ لَا يَنْفَكُّ عَنْ سِيَاقِهِ؛فَالِاسْمُ الْحُسْنَى هُوَ الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى اللهِ مُفْرَداً فَيَتَجَلَّى فِيهِ كَمَالُ التَّسْمِيَةِ الْمُطْلَقَةِ.
■الشَّرْطُ الرَّابِعُ: دَلَالَةُ الِاسْمِ عَلَى الْوَصْفِ [^4]
كُلُّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ اللهِ الْحُسْنَى عِنْدَ الرِّضْوَانِيِّ لَيْسَ جَامِداً بَلْ مُشْتَقٌّ؛فَهُوَ عَلَمٌ وَوَصْفٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ، وَيَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ صِفَةً حَقِيقِيَّةً لِلَّهِ ، فَالْأَسْمَاءُ لَا تَكُونُ مُجَرَّدَ أَلْقَابٍ جَامِدَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الْمَعَانِي وَالصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِالذَّاتِ،بَلْ يَجِبُ أَنْ يَدُلَّ الِاسْمُ بِمَادَّتِهِ الِاشْتِقَاقِيَّةِ عَلَى وَصْفٍ وُجُودِيٍّ يُوصَفُ اللهُ بِهِ،مِثْلَ دَلَالَةِ اسْمِ "الْعَلِيمِ" عَلَى الْعِلْمِ، وَاسْمِ "الْقَدِيرِ" عَلَى الْقُدْرَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ سُبْحَانَهُ.
■الشَّرْطُ الْخَامِسُ: دَلَالَةُ الْوَصْفِ عَلَى الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ [^5]
يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ مِنَ الِاسْمِ دَالَّةً عَلَى الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ لِلَّهِ،بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا النَّقْصُ أَوِ الِاحْتِمَالُ بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ الْعَقْلِيَّةِ أَوِ اللُّغَوِيَّةِ ، فَإِذَا كَانَ الْوَصْفُ يَحْتَمِلُ الْمَدْحَ وَالذَّمَّ بِحَسَبِ السِّيَاقِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَقُّ مِنْهُ اسْمٌ؛ لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ حُسْنَى, أَيْ بَلَغَتْ فِي الْحُسْنِ وَالْجَلَالِ غَايَتَهُ الَّتِي لَا نَقْصَ فِيهَا،فَالْكَمَالُ الْمُطْلَقُ غَيْرُ الْمَشْرُوطِ هُوَ مِعْيَارُ الِاسْمِ الَّذِي يُعْبَدُ بِهِ اللهُ وَيُدْعَى بِهِ.
♤ من أين أتى الشيخ محمود الرضواني بهذه الشروط؟
لم يبتكر الدكتور محمود الرضواني هذه الشروط من تلقاء نفسه كقواعد مخترعة، بل استقرأها وجرّدها من تطبيقات سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة الذين صنفوا في العقيدة والأسماء والصفات ، الشيخ قام بـتتبع صنيع العلماء (مثل الخطابي، والبيهقي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن حجر) وبحث في علل قبولهم لبعض الأسماء وردّهم لبعض الألفاظ (مثل الرد على سرد الوليد بن مسلم المشهور في جامع الترمذي). فوجد أن نقد الأئمة لتلك الأسماء كان يدور حول هذه القواعد الخمس؛ فقام الشيخ بصياغتها صياغة أكاديمية منضبطة، وجعلها "ميزاناً عاماً" يُعرض عليه كل لفظ قبل إدخاله في قائمة الإحصاء ليكون البحث محكوماً بضابط علمي موحد من أول الكتاب إلى آخره.
مُوَافَقَةُ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لِشُرُوطِ الْإِحْصَاءِ
أَوَّلاً: مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا:
♤أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ (ت ٣٨٨هـ):يُعَدُّ الْخَطَّابِيُّ أَوَّلَ مَنْ أَصَّلَ لِقَوَاعِدِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى لُغَةً وَأَثَراً؛حَيْثُ مَنَعَ قَبُولَ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِي النَّصِّ الصَّحِيِحِ مَنْعاً لِلِاخْتِرَاعِ،وَاشْتَرَطَ جَرْيَانَ اللَّفْظِ عَلَى سُنَنِ الْعَرَبِ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَسْمَاءِ لَا الْأَفْعَالِ ، كَمَا رَدَّ كُلَّ مَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَمَالِ الْمَدْحِ وَالتَّعْظِيمِ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ،فَوَافَقَ الدُّكْتُورَ الرِّضْوَانِيَّ فِي شُرُوطِ التَّوْقِيفِ، وَالِاسْمِيَّةِ، وَدَلَالَةِ الْكَمَالِ الْمُطْلَقِ.[^1]
♤أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ (ت ٤٥٨هـ):تَقَصَّى الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ الْأَلْفَاظَ الْوَارِدَةَ فِي السَّنَدِ وَمَيَّزَ بَيْنَهَا تَمْيِيزاً دَقِيقاً؛فَجَعَلَ مَدَارَ قَبُولِ الِاسْمِ مَحْكُوماً بِثُبُوتِ الرِّوَايَةِ النَّقْلِيَّةِ عَنِ الْمَعْصُومِ ، وَقَدْ أَبْطَلَ إِدْخَالَ كُلِّ لَفْظٍ جَاءَ مُقَيَّدًا فِي سِيَاقِ الْأَفْعَالِ النَّادِرَةِ،مُؤَكِّداً أَنَّ أَسْمَاءَ اللهِ تَعَالَى أَعْلَامٌ تَتَضَمَّنُ صِفَاتِ الذَّاتِ وَلَيْسَتْ جَامِدَةً،فَطَابَقَ صَنِيعُهُ شُرُوطَ الثُّبُوتِ، وَعَدَمِ التَّقْيِيدِ، وَالِاشْتِقَاقِ الدَّالِّ عَلَى الْوَصْفِ.[^2]
♤ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت ٧٢٨هـ):
قَرَّرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَنَّ بَابَ الْأَسْمَاءِ أَقْوَى تَوْقِيفاً مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ؛فَلَا يُسَمَّى الرَّبُّ إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ رَأْساً فِي وَحْيِهِ ، وَأَبْدَعَ فِي تَأْصِيلِ شَرْطِ الْإِطْلَاقِ حَيْثُ مَنَعَ التَّسْمِيَةَ بِالْأَفْعَالِ الْمُقَيَّدَةِ لُغَةً،كَالْمَاكِرِ وَالْمُخَادِعِ، لِأَنَّ الْحُسْنَى تَقْتَضِي الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ الَّذِي لَا نَقْصَ فِيهِ،
فَجَاءَتْ قَوَاعِدُهُ رَكِيزَةً لِلشَّرْطِ الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ وَالْخَامِسِ عِنْدَ الشَّيْخِ الرِّضْوَانِيِّ.[^3]
♤إِمَامُ التَّحْقِيقِ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ (ت ٧٥١هـ): شَرَحَ ابْنُ الْقَيِّمِ كَوْنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى أَعْلَاماً وَأَوْصَافاً بِأَعْلَى بَيَانٍ نَقْلِيٍّ؛فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى الذَّاتِ بِالْمُطَابَقَةِ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْقَائِمَةِ بِهَا بِالِالْتِزَامِ وَالِاشْتِقَاقِ ، وَمَنَعَ تَعَالَى أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ اسْمٌ مِنْ كُلِّ فِعْلٍ أَوِ اسْمٍ مُضَافٍ،لِأَنَّ الِاسْمَ الْمُحْصَى هُوَ الَّذِي بَلَغَ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي الْجَلَالِ وَالْجَمَالِ،فَكَانَ كَلَامُهُ أَصْلاً مَتِيناً لِلشَّرْطِ الثَّانِي وَالرَّابِعِ وَالْخَامِسِ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ.[^4]
♤الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ (ت ٨٥٢هـ):عَقَدَ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ مِيزَاناً نَقْدِيّاً لِأَسْمَاءِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ؛حَيْثُ ضَعَّفَ الرِّوَايَةَ بِسَبَبِ الِادْرَاجِ وَالِاضْطِرَابِ النَّاتِجِ عَنِ التَّصَرُّفِ الْبَشَرِيِّ الْقَائِمِ ، وَأَنْكَرَ إِدْخَالَ الْأَسْمَاءِ الْمُشْتَقَّةِ مِنْ صِيَغِ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تَتَمَحَّضْ لِلِاسْمِيَّةِ،مُشْتَرِطاً دُخُولَ عَلَامَاتِ اللُّغَةِ كَأَلِ التَّعْرِيفِ لِتَكُونَ الْأَسْمَاءُ أَعْلَاماً مُطْلَقَةً فِي السِّيَاقِ،فَوَافَقَ مَنْهَجُهُ النَّقْدِيُّ شُرُوطَ الرِّضْوَانِيِّ فِي الثُّبُوتِ، وَالِاسْمِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَالْإِطْلَاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ.[^5]
ثَانِيًا: مِنَ الْعُلَمَاءِ حَدِيثًا:
♤الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ (ت ١٤٢١هـ):صَاغَ الْعُثَيْمِينُ الْقَوَاعِدَ الْمُثْلَى فَطَابَقَتْ شُرُوطَ الرِّضْوَانِيِّ تَمَامَ الْمُطَابَقَةِ وَالِاتِّفَاقِ عِلْمِيّاً؛فَأَوْجَبَ التَّوْقِيفَ النَّصِّيَّ، وَقَرَّرَ أَنَّ الْأَسْمَاءَ أَعْلَامٌ دَالَّةٌ عَلَى أَوْصَافِ الْكَمَالِ ، وَاسْتَبْعَدَ كُلَّ اسْمٍ جَاءَ مُقَيَّداً أَوْ مُضَافاً لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْحُسْنَى الْمُطْلَقَةَ بِنَفْسِهِ،فَحَذَفَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ أَلْفَاظاً شَهِيرَةً كَالْمُنْتَقِمِ لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا مُطْلَقَةً فِي النَّصِّ،فَكَانَ أَكْبَرَ مُوَافِقٍ لِلشَّيْخِ فِي شُرُوطِهِ الْخَمْسَةِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً فِي بَابِ الْإِحْصَاءِ.[^6]
الْحَاشِيَةُ _________________________________________________________________&
[^1]: انظر: د. محمود عبد الرزاق الرضواني، المختصر في التعريف بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، ص 12-13.
[^2]: المصدر نفسه، ص 14-15.
[^3]: المصدر نفسه، ص 16-17.
[^4]: المصدر نفسه، ص 18-19.
[^5]: المصدر نفسه، ص 20-21.
[6]: انظر: أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ، شَأْنُ الدُّعَاءِ، دَارُ الثَّقَافَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، ص ٤-١١.
[7]: انظر: أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، الْمَكْتَبَةُ التَّوْفِيقِيَّةُ، جـ ١، ص ٢٣-٣١.
[8]: انظر: شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، دَارُ الْوَفَاءِ، جـ ٢٢، ص ٤٨٣-٤٨٩.
[9]: انظر: شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ، بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ، دَارُ عَالَمِ الْفَوَائِدِ، جـ ١، ص ١٦٢-١٧٠.
[10]الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيِحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ، جـ ١١، ص ٢١٨-٢٢٤.
[11]مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، دَارُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ، ص ١٣-٢٥.
■ بَيَانُ المُفْرَدَاتِ
●الضَّابِطُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَأْخُوذٌ مِنَ الفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ (ضَبَطَ) يَشْتَقُّ مِنَ المَادَّةِ اللُّغَوِيَّةِ (ض ب ط)، وَالضَّبْطُ فِي لُغَةِ العَرَبِ هُوَ حِفْظُ الشَّيْءِ بِالحَزْمِ، وَتَقْوِيمُهُ بِإِحْكَامٍ، وَمَنْعُهُ مِنَ الِانْفِلَاتِ، يُقَالُ: «ضَبَطْتُ الأَمْرَ» إِذَا أَتْقَنْتَهُ وَحَصَرْتَهُ حَصْراً جَامِعاً يَمْنَعُ الفَسَادَ.
●وهو نوعان:
١_ ضبط صدر (الحفظ الذهني)
٢_ ضبط كتابة
●وهو في علم الحديث بنسبة للناقل نوعان :
١_ تام الضبط
٢_ خفيف الضبط
●والضَّابِطُ اصْطِلَاحاً: هُوَ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ أَوْ حُكْمٌ أَكْثَرِيٌّ يُتَعَرَّفُ بِهِ عَلَى أَحْكَامِ الجُزْئِيَّاتِ المَحْصُورَةِ فِي بَابٍ وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ -كَبَابِ الأَسْمَاءِ هُنَا- لِطَرْدِ الخَلَلِ عَنِ النَّظَرِ الفِقْهِيِّ.
■أَنْوَاعُ الضَّوَابِطِ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ: تَنْقَسِمُ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ إِلَى قِسْمَيْنِ:
●ضَوَابِطُ ثُبُوتِيَّةٌ نَقْلِيَّةٌ: وَهِيَ المُشْتَرِطَةُ لِلصِّحَّةِ الحَدِيثِيَّةِ وَالوُرُودِ اللَّفْظِيِّ الصَّرِيِحِ فِي النَّصِّ.
●ضَوَابِطُ دَلَالِيَّةٌ لُغَوِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي تَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ مِنَ الأَفْعَالِ، وَتُوجِبُ جَرْيَانَ اللَّفْظِ مَجْرَى العَلَمِ الدَّالِّ عَلَى الوَصْفِ.
●الِاسْتِخْرَاجُ اشْتِقَاقاً وَلُغَةً: مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ السُّدَاسِيِّ (اسْتَخْرَجَ) عَلَى وَزْنِ (اسْتَفْعَلَ) مَأْخُوذٌ مِنَ المَادَّةِ (خ ر ج) الدَّالَّةِ عَلَى البُرُوزِ وَالانْفِصَالِ
●وَالِاسْتِخْرَاجُ فِي اللُّغَةِ : هُوَ طَلَبُ خُرُوجِ الشَّيْءِ مِنْ مَكْمَنِهِ بِشِدَّةِ العِنَايَةِ، كَاسْتِخْرَاجِ المَاءِ مِنَ البِئْرِ أَوِ الذَّهَبِ مِنَ المَعْدِنِ.
●الِاسْتِخْرَاجُ الحَدِيثِيُّ وَالفِقْهِيُّ اصْطِلَاحاً: هُوَ اسْتِنْبَاطُ المَعَانِي وَالأَحْكَامِ أَوِ الأَلْفَاظِ المَخْصُوصَةِ مِنْ بُطُونِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ بِإِعْمَالِ القَوَاعِدِ الأُصُولِيَّةِ المُعْتَبَرَةِ.
●أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الِاسْتِخْرَاجِ المَعْلُولِ: هُوَ "الِاسْتِخْرَاجُ بِالِاشْتِقَاقِ المُطْلَقِ مِنَ الأَفْعَالِ المُقَيَّدَةِ" وَهُوَ مَسْلَكٌ فَلْسَفِيٌّ وَكَلَامِيٌّ خَطِيرٌ جَرَى عَلَيْهِ بَعْضُ مَنْ صَنَّفَ فِي الأَسْمَاءِ؛ حَيْثُ جَعَلُوا كُلَّ فِعْلٍ أَسْنَدَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ مَصْدَراً لِاسْمٍ عَلَمٍ، فَسَمَّوْهُ (المُتَكَلِّمَ، وَالمُرِيدَ، وَالصَّانِعَ)، وَهَذَا خَرْقٌ لِقَاعِدَةِ التَّوْقِيفِ، لِأَنَّ بَابَ الإِخْبَارِ عَنِ اللهِ يَعُمُّ مَا كَانَ صِفَةً أَوْ فِعْلاً، أَمَّا بَابُ التَّسْمِيَةِ الحُسْنَى فَمَشْرُوطٌ بِوُرُودِ اللَّفْظِ عَيْنِهِ اسْماً شَرِيفاً تَامَّ الحُسْنِ.
___________________________________________________________________
١٩_أعمال العلماء قديما وحديثا في حصر الأسماء:
♤ مَشْرُوعُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي الْإِحْصَاءِ
١. الشُّرُوطُ الَّتِي أَقَامَ عَلَيْهَا ابْنُ حَجَرٍ عَمَلَهُ [١]
لَمْ يَكُنْ جَمْعُ الْحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ لِلْأَسْمَاءِ عَفْوِيّاً، بَلْ صَاغَ لِنَفْسِهِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ صَارِمَةٍ عَرَضَ عَلَيْهَا طُرُقَ الْحَدِيثِ وَالْأَلْفَاظَ:
٢. الْأَسْمَاءُ الْمُدْرَجَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ حَجَرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ [٢]
عَرَضَ الْحَافِظُ رِوَايَةَ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ (عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ)، وَرِوَايَةَ عَبْدِ الْمَلِكِ الصَّنْعَانِيِّ (عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ)، وَرِوَايَةَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ حُصَيْنٍ (عِنْدَ الْحَاكِمِ) عَلَى مِيزَانِهِ النَّقْدِيِّ؛ فَبَيَّنَ أَنَّ الرُّوَاةَ عَمَدُوا إِلَى اشْتِقَاقِهَا مِنْ صِيَغِ الْأَفْعَالِ لِإِكْمَالِ الْعَدَدِ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا (٢٩ اسْماً مُدْرَجاً) لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا كَأَسْمَاءٍ مُطْلَقَةٍ، وَهِيَ:
(الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، الْعَدْلُ، الْجَلِيلُ، الْبَاعِثُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُمِيتُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْوَالِي، الْمُقْسِطُ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ، الْبَارُّ، الرَّاشِدُ، الْمُقِيتُ، الْحَافِظُ، الشَّدِيدُ، الْقَائِمُ).
٣. الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَدْخَلَهَا ابْنُ حَجَرٍ بَدِيلًا عَنْهَا [٣]
بَعْدَ اسْتِبْعَادِ الْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ، قَامَ الْحَافِظُ بِالِاسْتِخْرَاجِ الْبَدِيلِ مِنَ النَّصِّ الْقُرْآنِيِّ رَأْساً لِيُكْمِلَ عَدَدَ الـ (٩٩) اِسْماً عَلَى شَرْطِهِ التَّوْقِيفِيِّ، فَأَدْخَلَ:
___________________________________________________________________
[١] الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، فَتْحُ الْبَارِي شَرْحُ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، دَارُ الْمَعْرِفَةِ - بَيْرُوت، جـ ١١، ص ٢١٥ - ٢١٦.
[٢] المصدر نفسه، جـ ١١، ص ٢١٨ - ٢٢٠.
[٣] المصدر نفسه، جـ ١١، ص ٢٢٢ - ٢٢٤.
- ______________________________________________________________________
٢٠_مَشْرُوعُ الْعَلَّامَةِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين فِي الْإِحْصَاءِ
١. شُرُوطُ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين لِإِحْصَاءِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى [١]
بَنَى الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين مَنْهَجَهُ النَّقْدِيَّ عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ أَسَاسِيَّةٍ، عَرَضَ عَلَيْهَا أَلْفَاظَ الْإِحْصَاءِ:
التَّوْقِيفُ الْمُطْلَقُ: أَسْمَاءُ اللهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ تَعَبُّدِيَّةٌ، فَلَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا ابْتِدَاءً، وَلَا يُسَمَّى اللهُ إِلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ أَوْ صَحِيحِ سُنَّةِ رَسُولِهِ.
الِاسْمِيَّةُ التَّامَّةُ وَالْعَلَمِيَّةُ: أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ اسْمًا عَلَمًا دَالًّا عَلَى الذَّاتِ الْعَلِيَّةِ نَفْسِهَا، وَلَيْسَ صِيغَةَ فِعْلٍ مُجَرَّدَةً، وَلَا مَصْدَرًا لَمْ يَتَمَحَّضْ فِي بَابِ الْعَلَمِيَّةِ.
أَنْ تَكُونَ حُسْنَى (الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ): أَنْ يَبْلُغَ الِاسْمُ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فِي الْحُسْنِ وَالْجَلَالِ، بِحَيْثُ يَتَضَمَّنُ صِفَةَ كَمَالٍ ذَاتِيَّةً لَا نَقْصَ فِيهَا بِأَيِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ.
الْإِطْلَاقُ وَعَدَمُ التَّقْيِيدِ أَوِ الْإِضَافَةِ: أَنْ يَرِدَ الِاسْمُ فِي النَّصِّ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِسِيَاقِ فِعْلٍ مَخْصُوصٍ، وَلَا مُضَافًا إِلَى غَيْرِهِ مِمَّا يَحُدُّ مِنْ إِطْلَاقِ كَمَالِهِ.
٢. الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَخْرَجَهَا ابْنُ عُثَيْمِين وَعِلَلُ إِخْرَاجِهَا [٢]
أَخْرَجَ الشَّيْخُ (٢٨ اسْمًا) مِنَ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لِلْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ، لِأَنَّهَا خَالَفَتِ الشُّرُوطَ السَّابِقَةَ، وَفِيهَا:
الْأَسْمَاءُ الْمُقَابِلَةُ (الْمُقَيَّدَةُ بِالْأَفْعَالِ): وَهِيَ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ: (الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ). وَعِلَّتُهَا أَنَّهَا لَا تُفِيدُ الْكَمَالَ إِلَّا مَعَ مُقَابِلِهَا فِي السِّيَاقِ، وَلَمْ تَرِدْ فِي النُّصُوصِ كَأَسْمَاءَ مُفْرَدَةٍ مُطْلَقَةٍ.
الْأَسْمَاءُ الْمُشْتَقَّةُ مِنْ أَفْعَالٍ مُقَيَّدَةٍ: وَهِيَ تِسْعَةُ أَسْمَاءٍ: (الْبَاعِثُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُمِيتُ، الْوَالِي، الْمُقْسِطُ، الْمُغْنِي، الْبَاقِي). وَعِلَّتُهَا أَنَّهَا لَمْ تَرِدْ فِي الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ كَأَسْمَاءٍ عِلْمِيَّةٍ، وَإِنَّمَا اِشْتَقَّهَا الرَّاوِي اِجْتِهَادًا مِنْ صِيَغِ الْأَفْعَالِ.
الْأَسْمَاءُ الْوَارِدَةُ مُقَيَّدَةً أَوْ مُضَافَةً: وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ: (النُّورُ، الْهَادِي، الْوَارِثُ). وَعِلَّتُهَا أَنَّ النُّورَ جَاءَ مُضَافًا {نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، وَالْهَادِي جَاءَ مُقَيَّدًا {وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا}، وَالْوَارِثُ جَاءَ كَصِيغَةِ جَمْعٍ مُضَافَةٍ لِلْفِعْلِ.
الْأَسْمَاءُ الَّتِي لَمْ يَقُمْ عَلَيْهَا دَلِيلٌ نَصِّيٌّ صَحِيحٌ: وَهِيَ سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ: (الْعَدْلُ، الْجَلِيلُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ، الْمُقِيتُ). وَعِلَّتُهَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ يُثْبِتُهَا كَأَسْمَاءَ حُسْنَى مُطْلَقَةٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
٣. الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَدْخَلَهَا ابْنُ عُثَيْمِين بَدِيلًا عَنْهَا [٣]
لِإِكْمَالِ عَدَدِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ (٩٩) اِسْمًا الثَّابِتَةِ، أَدْخَلَ الشَّيْخُ (٢٨ اسْمًا) اِسْتَوْفَتْ شُرُوطَهُ تَمَامًا، وَهِيَ:
أَوَّلًا: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَدْخَلَهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَعَدَدُهَا (٢٦ اسْمًا):
الْإِلَهُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ١٦٣].
الأَحَدُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ أَحَدٌ} [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ: ١].
الأَعْلَى: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سُورَةُ الْأَعْلَى: ١].
الأَكْرَمُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [سُورَةُ الْعَلَقِ: ٣].
الْبَرُّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [سُورَةُ الْطُّورِ: ٢٨].
الْحَفِيظُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سُورَةُ هُودٍ: ٥٧].
الْحَسِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٦].
الْخَلَّاقُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [سُورَةُ الْحِجْرِ: ٨٦].
الدَّيَّانُ: وَالدَّلِيلُ ثُبُوتُ النَّصِّ الْقَاطِعِ فِي سِيَاقِ الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ لِلَّهِ تَعَالَى.
الرَّءُوفُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [سُورَةُ النُّورِ: ٢٠].
الرَّقِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: ٥٢].
السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْقَدِيرُ: وَالدَّلِيلُ ثُبُوتُهَا الْمُطْلَقُ : {إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [ الْبَقَرَةِ: ٢٠].
الْقَاهِرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٨].
الْقَدِيرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا} [سُورَةُ فَاطِرٍ: ٤٤].
الْقَرِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [سُورَةُ هُودٍ: ٦١].
الْقَوِيُّ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [سُورَةُ الْحَجِّ: ٤٠].
الْقَهَّارُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: ١٦].
الْكَبِيرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: ٩].
الْمَتِينُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [سُورَةُ الذَّارِيَاتِ: ٥٨].
الْمُجِيبُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [سُورَةُ هُودٍ: ٦١].
الْمُحِيطُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [سُورَةُ فُصِّلَتْ: ٥٤].
الْمُقْتَدِرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [سُورَةُ الْقَمَرِ: ٥٥].
الْمَنَّانُ: وَالدَّلِيلُ ثُبُوتُهُ فِي النُّصُوصِ الشَّرِيعَةِ الْوَارِدَةِ مُطْلَقاً.
الْمَوْلَى: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: ٤٠].
النَّصِيرُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا} [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٥].
الْوَاحِدُ: وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [الرَّعْدِ: ١٦].
ثَانِياً: الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَدْخَلَهَا مِنْ صَحِيحِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَعَدَدُهَا (اِسْمَانِ):
الْجَمِيلُ: وَالدَّلِيلُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٩١].
الرَّفِيقُ: وَالدَّلِيلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، رَقْمُ الْحَدِيثِ: ٢٥٩٣].
الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ بِالْأَرْقَامِ
[١] مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْعُثَيْمِينُ، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى فِي صِفَاتِ اللهِ وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، طَبْعَةُ دَارِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ - السَّعُودِيَّة، ص ١٣ - ١٨ (حَيْثُ فَصَّلَ فِيهَا الْقَوَاعِدَ الْأَرْبَعَ لِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى).
[٢] المصدر نفسه، ص ٢١ - ٢٤ (وَفِيهَا بَيَّنَ الْأَسْمَاءَ الثَّمَانِيَةَ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي لَمْ تَنْطَبِقْ عَلَيْهَا الشُّرُوطُ مِنْ رِوَايَةِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، مَعَ ذِكْرِ تَعْلِيلِ كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْهَا).
[٣] المصدر نفسه، ص ٢٥ - ٢٧ (وَفِي هَذِهِ الصَّفَحَاتِ سَاقَ الشَّيْخُ الْقَائِمَةَ الْبَدِيلَةَ الَّتِي اسْتَقْرَأَهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ لِتَمَامِ الْعَدَدِ، مُرَتَّبَةً حَسَبَ ثُبُوتِهَا النَّصِّيِّ).
___________________________________________________________________
٢١_ مَشْرُوعُ الدُّكْتُور مَحْمُود عَبْدِ الرَّزَّاقِ الرِّضْوَانِيِّ فِي الْإِحْصَاءِ
١. الشُّرُوطُ الَّتِي أَقَامَ عَلَيْهَا الرِّضْوَانِيُّ عَمَلَهُ [١]
وضع الدكتور الرضواني منظومة شروط علمية دقيقة تهدف إلى تنقية الأسماء الحسنى من التصحيف، والإدراج، والاشتقاق البشري، وتلخصت شروطه في أربع ركائز:
■شرط الثبوت والصحة النصية المطلقة: ألا يُعتمد في إحصاء الأسماء على أي حديث اشتمل على سرد الأسماء (كحديث الوليد بن مسلم أو ابن ماجه)، لأن السرد مدرج من كلام الرواة بيقين، بل يكون الاعتماد حصراً على الاستقراء المباشر لنصوص القرآن الكريم والسنة المتواترة أو الصحيحة الآحاد.
■شرط العلمية والتوقيف الصريح: أن يرد اللفظ في النص اسماً علماً دالاً على الذات، حاملاً لصفة الكمال، ومستعملاً في السياق على وجه التسمية والنداء، مما يمنع منعاً باتاً اشتقاق الأسماء من الأفعال أو الصفات (مثل اشتقاق "المنتقم" من قوله: {إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ}).
■شرط الإطلاق الكامل الصرف: أن يكون الاسم مطلقاً غير مقيد بإضافة تحده، أو سياق ذم، أو مقابلة تقيد كماله؛ فالاسم المحصى عنده هو ما يفيد المدح والثناء بمجرده في كل حال.
■شرط البناء على التنوين الصالح للمدح: أن يكون الاسم منوناً في النص أو معرفاً بأل التعريف الصالحة لإفادة الاستغراق والكمال المطلق، على أن يكون المعنى المراد منه مختصاً بالله عز وجل لا يشاركه فيه غيره.
٢. الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الرِّضْوَانِيُّ وَعِلَلُ إِخْرَاجِهَا [٢]
بناءً على شروطه السابقة، قام الدكتور الرضواني باستبعاد (٢٨ اسماً) من الأسماء المدرجة المشهورة في رواية الوليد بن مسلم، لعدم استيفائها شروط العلمية والإطلاق، وهي:
الأسماء المشتقة من أفعال أو المضافة مقيدة: (الخافض، الرافع، المعز، المذل، المحصي، المبدئ، المعيد، المميت، الواجد، الماجد، المقدم، المؤخر، الوالي، المقسط، المغني، المانع، الضار، النافع، الباقي، الرشيد، الصبور). وعِلَّتُهَا: أنها لم ترد في النصوص إلا كأفعال أو صفات مقيدة، واشتقاقها للعد المشهور كان صنيعاً من الرواة.
أسماء لم يثبت بها نص صحيح مطلق: (العدل، الجليل، الباعث، المقيت، الوارث، النور، الهادي). وعِلَّتُهَا: أن النور والهادي والوارث وردت مقيدة أو مضافة في السياق القرآني، والعدل والجليل والباعث والمقيت لم يصح في إطلاقها حديث علمي على شرط الإحصاء والتوقيف.
٣. الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَدْخَلَهَا الرِّضْوَانِيُّ بَدِيلًا عَنْهَا [٣]
لاستكمال عدة التسعة والتسعين اسماً المطلقة الثابتة في الوحيين، قام الدكتور الرضواني باستقراء القرآن الكريم والسنة الصحيحة، فأدخل (٢٨ اسماً) انطبقت عليها شروطه تماماً:
أولاً: الأسماء التي أدخلها من القرآن الكريم وعددها (٢٢ اسماً):
الرب: والدليل قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الفاتحة: ٢].
الإله: والدليل قوله تعالى: {وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ} [سورة البقرة: ١٦٣].
الواحد: والدليل قوله تعالى: {وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [سورة الرعد: ١٦].
الأحد: والدليل قوله تعالى: {قُلِ... اللَّهُ أَحَدٌ} [سورة الإخلاص: ١].
المولى: والدليل قوله تعالى: {نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [سورة الأنفال: ٤٠].
النصير: والدليل السياق النصي نفسه في الآية السابقة.
القريب: والدليل قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ} [سورة هود: ٦١].
المجيب: والدليل اقترانه بالقريب في الآية السابقة نفسها.
الخلاق: والدليل قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ} [سورة الحجر: ٨٦].
القدير: والدليل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا} [سورة الأحزاب: ٢٧].
اللطيف: والدليل قوله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [سورة الملك: ١٤].
الخبير: والدليل ثبوته المطلق في ختام آية سورة الملك السابقة.
الحفيظ: والدليل قوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} [سورة هود: ٥٧].
الحسيب: والدليل قوله تعالى: {وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا} [سورة النساء: ٦].
الرقيب: والدليل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا} [سورة الأحزاب: ٥٢].
الشهيد: والدليل قوله تعالى: {وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سورة البروج: ٩].
المحيط: والدليل قوله تعالى: {أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ} [سورة فصلت: ٥٤].
المقيت: والدليل قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا} [سورة النساء: ٨٥].
المليك: والدليل قوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [سورة القمر: ٥٥].
المقتدر: والدليل اقترانه بالمليك في ختام سورة القمر السابقة.
الأعلى: والدليل قوله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [سورة الأعلى: ١].
الأكرم: والدليل قوله تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} [سورة العلق: ٣].
ثانياً: الأسماء التي أدخلها من صحيح السنة النبوية وعددها (٦ أسماء):
الجميل: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جميل يحب الجمال» [أخرجه مسلم].
الرفيق: لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق» [أخرجه مسلم].
الحيي: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر» [أخرجه أبو داود والنسائي].
الستير: والدليل اقترانه باسم الحيي في الحديث النبوي السابق نفسه.
الديان: لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحشر: «يحشر الله العباد... فيناديهم بصوت: أنا الملك، أنا الديان» [أخرجه أحمد والحاكم].
المنان: لقوله صلى الله عليه وسلم لمن دعا باسم الله الأعظم: «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان...» [أخرجه أحمد وأبو داود].
___________________________________________________________________
[١] د. محمود عبد الرزاق الرضواني، كتاب الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، دار الرضوان للنشر - مصر، جـ ١، ص ٤٥ - ٦٢ (حيث أصل القواعد الأربع في تحرير الأسماء).
[٢] المصدر نفسه، جـ ١، ص ٨٨ - ١١٢ (وفيها تتبع الروايات المدرجة والعلل الحديثية لاستبعاد الأسماء الثمانية والعشرين).
[٣] المصدر نفسه، جـ ٢، ص ٢٠٤ - ٣١٥ (وهو الجزء المخصص لسرد الأسماء البديلة التي استقرت في إحصائه من آيات الكتاب ومأثور السنة الصحيحة بالدليل).
___________________________________________________________________
٢٢_الْفُرُوقُ الْجَوْهَرِيَّةُ بَيْنَ مَشَارِيعِ الْإِحْصَاءِ الثَّلَاثَةِ
١. الْفَرْقُ فِي مَوْقِفِهِمْ مِنْ حَدِيثِ سَرْدِ الْأَسْمَاءِ [١]
الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: يَرَى أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا سَرْدُ الْأَسْمَاءِ (كَأَلْفَاظِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ) لَمْ تَثْبُتْ مَرْفُوعَةً إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هِيَ مُدْرَجَةٌ مِنْ صَنِيعِ الرُّوَاةِ، وَمَعَ ذَلِكَ جَعَلَهَا أَصْلًا لِلْمُقَارَنَةِ وَالِاسْتِبْعَادِ.
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: يَتَّفِقُ مَعَ ابْنِ حَجَرٍ فِي أَنَّ السَّرْدَ مُدْرَجٌ وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ، لَكِنَّهُ تَعَامَلَ مَعَ الْقَائِمَةِ الْمَشْهُورَةِ بِأَنَّهَا اِجْتِهَادٌ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا وَافَقَ الشَّرْطَ النَّصِّيَّ وَيُرَدُّ مَا خَالَفَهُ.
الدُّكْتُور الرِّضْوَانِيُّ: اتَّخَذَ الْمَوْقِفَ الْأَشَدَّ صَارَمَةً؛ فَرَفَضَ الِالْتِفَاتَ إِلَى أَيِّ حَدِيثٍ يَحْتَوِي عَلَى سَرْدِ الْأَسْمَاءِ كُلِّيَّةً، وَاعْتَبَرَ كُلَّ قَائِمَةٍ مَسْرُودَةٍ فِي كُتُبِ السُّنَّةِ قَائِمَةً مَعْلُولَةً بِالْإِدْرَاجِ، وَاعْتَمَدَ فَقَطْ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ الْبِكْرِ لِلْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُفْرَدَةِ.
٢. الْفَرْقُ فِي مَصَادِرِ الِاسْتِخْرَاجِ وَالِاحْتِجَاجِ [٢]
الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: رَكَّزَ فِي مَشْرُوعِهِ الْأَوَّلِ (الَّذِي حَرَّرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي) عَلَى الِاسْتِخْرَاجِ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ رَأْسًا لِتَعْوِيضِ الْأَسْمَاءِ الْمَدْرُجَةِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ مَقْطُوعٌ بِوُرُودِهِ تَوْقِيفًا.
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: جَمَعَ فِي التَّعْوِيضِ وَالِاسْتِخْرَاجِ بَيْنَ لَفْظِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَبَيْنَ أَلْفَاظِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ مُطْلَقًا (سَوَاءً كَانَتْ مُتَوَاتِرَةً أَوْ آحَادًا) مِمَّا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا.
الدُّكْتُور الرِّضْوَانِيُّ: اشْتَرَطَ فِي جَانِبِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ الْمُحْتَجُّ بِهِ بَالِغَ الصِّحَّةِ، وَأَدْخَلَ أَسْمَاءً تَتَعَلَّقُ بِصِفَاتِ الذَّاتِ وَالْأَفْعَالِ الَّتِي وَرَدَتْ مَصْنُوعَةً عَلَى صِيغَةِ الِاسْمِ الْعَلَمِ الْمُنَوَّنِ الَّذِي يَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ بِهِ ظَاهِرًا.
٣. الْفَرْقُ فِي تَعْلِيلِ الْأَسْمَاءِ وَالِاشْتِقَاقِ [٣]
الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مِيزَانُهُ لُغَوِيٌّ حَدِيثِيٌّ؛ يَمْنَعُ الِاشْتِقَاقَ الْبَشَرِيَّ مِنَ الْأَفْعَالِ، فَلَوْ وَرَدَ {يَمْحُو اللَّهُ} لَا يَشْتَقُّ "الْمَاحِي"، وَلِذَلِكَ أَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي صِيغَتْ عَلَى حِسَابِ الِاشْتِقَاقِ.
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: مِيزَانُهُ عَقَدِيٌّ مَحْضٌ؛ يَمْنَعُ إِدْخَالِ أَيِّ اِسْمٍ لَا يَحْمِلُ الْكَمَالَ الْمُطْلَقَ بِمُفْرَدِهِ، لِذَلِكَ رَدَّ الْأَسْمَاءَ الْمُقَابِلَةَ مِثْلَ (الْخَافِضُ وَالرَّافِعُ) لِأَنَّ الرَّافِعَ لَا يَكُونُ كَمَالًا إِلَّا إِذَا اِقْتَرَنَ بِالْخَافِضِ، فَلَا يُفْرَدُ عِنْدَهُ فِي الْعَدِّ. الدُّكْتُور الرِّضْوَانِيُّ: جَمَعَ بَيْنَ مَنْعِ الِاشْتِقَاقِ وَمَنْعِ التَّقْيِيدِ، لَكِنَّهُ خَالَفَ ابْنَ عُثَيْمِين فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُزْدَوجَةِ؛ فَأَدْخَلَ مِثْلَ (الْمُقَدِّمُ وَالْمُؤَخِّرُ) فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ كَاسْمَيْنِ مُقْتَرِنَيْنِ فِي الْعَدَدِ، لِثُبُوتِهِمَا نَصًّا فِي دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٤. الْفَرْقُ فِي حَجْمِ التَّعْدِيلِ عَلَى الْقَائِمَةِ الْمَشْهُورَةِ [٤]
الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: أَخْرَجَ مِنَ الْقَائِمَةِ الْمَشْهُورَةِ (٢٩ اسْمًا) وَأَدْخَلَ بَدِيلًا عَنْهَا مِنَ الْقُرْآنِ.
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: أَخْرَجَ مِنَ الْقَائِمَةِ الْمَشْهُورَةِ (٢٨ اسْمًا) وَأَدْخَلَ بَدِيلًا عَنْهَا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
الدُّكْتُور الرِّضْوَانِيُّ: أَخْرَجَ مِنَ الْقَائِمَةِ الْمَشْهُورَةِ (٣٢ اسْمًا) وَأَدْخَلَ بَدِيلًا عَنْهَا، فَنَقَّى الْقَائِمَةَ تَمَامًا مِمَّا رَآهُ وَهْمًا أَوْ نَقْصًا فِي الْعَلَمِيَّةِ (مِثْلَ إِخْرَاجِهِ لِأَسْمَاءِ: السَّلَام، الْمُؤْمِن، الْمُتَكَبِّر لِأَنَّهُ يَرَى لَهَا مَنَاحِيَ سِيَاقِيَّةً أُخْرَى فِي شَرْطِهِ).
___________________________________________________________________
[١] يُنْظَرُ: ابْنُ حَجَرٍ، فَتْحُ الْبَارِي، جـ ١١، ص ٢١٥؛ وَابْنُ عُثَيْمِين، الْقَوَاعِدُ الْمُثْلَى، ص ١٩؛ وَالرِّضْوَانِيُّ، أَسْمَاءُ اللهِ الْحُسْنَى، جـ ١، ص ٧٥.
[٢] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ الشَّيْخِ ابْنِ عُثَيْمِين، دَارُ الْوَطَنِ، جـ ١، ص ١٤٢ - ١٤٥.
[٣] د. محمود عبد الرزاق الرضواني، مَنْهَجُ التَّلَقِّي وَالِاسْتِدْلَالِ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، دار الرضوان، ص ١١٢ - ١١٨.
[٤] الْمُقَارَنَةُ الِاسْتِقْرَائِيَّةُ بَيْنَ خَاتِمَةِ كِتَابِ الْقَوَاعِدِ الْمُثْلَى (ص ٢٨) وَكِتَابِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الثَّابِتَةِ لِلرِّضْوَانِيِّ (جـ ٢، ص ٤٦٠).
- ________________________________________________________________