متن [بدون حواشي]
الخلاصه العقدية في تقرير العقيدة السلفية في باب الاسماء والصفات.
مُجْمَلُ إعتماد أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
لِلطُّلَّابِ وَالطَّالِبَاتِ فِي مَنَصَّةِ (الْمُعْتَقَدِ الصَّحِيحِ)
قَالَ أَبُو أَنَسٍ/ عِمَادُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ طَهَ آلُ عَامِرٍ الْمِصْرِيُّ
عقيدتنا في باب الأسماء والصفات
♤______________________________________________________________________________♤
أَوَّلًا: نَصُّ الْمَتْنِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
♤______________________________________________________________________________♤
١_قلت : «أَوَّلُ وَاجِبٍ عَلَى الْعَبِيدِ: تَوْحِيدُ رَبِّنَا الْمَعْبُودِ، وَبِهَا تَحْصُلُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ التَّقْرِيرِيَّةُ وَالْفِطْرِيَّةُ، [وَالتَّصْدِيقُ وَالْإِقْرَارُ فِي الْقَلْبِ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ] وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ أَهْلُ الْكَلَامِ مِنْ أَنَّ أَوَّلَ الْوَاجِبَاتِ هُوَ الشَّكُّ، أَوِ النَّظَرُ، أَوِ الْقَصْدُ إِلَيْهِ وَالتَّوْحِيدُ حَقِيقَةً يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قد جاءت بِالِاسْتِقْرَاءِ وَالْمُتَابَعَةِ للْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ: تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ، وَتَوْحِيدُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَكُلُّ قِسْمٍ مِنْهَا مُتَلَازِمٌ ومتضمن لَا يَنْفَكُّ عَنِ الْآخَرِ؛ فَالرُّبُوبِيَّةُ تَسْتَلْزِمُ الْأُلُوهِيَّةَ، وَالْأُلُوهِيَّةُ تَتَضَمَّنُ الرُّبُوبِيَّةَ، وَنَحْنُ هُنَا قْاصَدِنَا تَوْحِيدِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ».
♤______________________________________________________________________________♤
٢_ «قلت: وَاعْلَمْ -رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى- أَنَّ مَصَادِرَ التَّلَقِّي فِي عَقِيدَتِنَا، وَفِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، مَقْصُورَةٌ عَلَى النَّصِّ الشَّرْعِيِّ مِنَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الثَّابِتَةِ مُتَوَاتِرَةً كَانَتْ أَوْ آحَادًا، مَعَ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ. وَبَابُ الْغَيْبِ تَوْقِيفِيٌّ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْقِيَاسِ الْعَقْلِيِّ؛ إِذِ الْغَيْبُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ طُرُقٍ: إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي الدُّنْيَا، أَوْ بِالْقِيَاسِ عَلَى الْمَثِيلِ وَالنَّظِيرِ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، أَوْ بِالْخَبَرِ الصَّادِقِ الْصَّحِيحِ عَنِ الْمَعْصُومِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ، وَهُوَ الْبَابُ الْوَحِيدُ الَّذِي يَجِبُ طَرْقُهُ.
وَالْغَيْبُ نَوْعَانِ؛ حَقِيقِيٌّ وَمُطْلَقٌ: فَالْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ، وَالثَّانِي النَّسْبِيُّ: وَهُوَ مَا قَدْ يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ وَخَفِيَ عَلَى الْآخَرِ، وَلَيْسَ مَعْنَى أَنَّكَ لَا تَعْلَمُ بِوُجُودِ شَيْءٍ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ غَيْرُ مَوْجُودٍ، بَلْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُهُ. وَكُلُّ قَاعِدَةٍ كَلَامِيَّةٍ خَالَفَتِ النَّصَّ الصَّرِيحَ فَهِيَ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ؛ إِذِ الْعَقْلُ الصَّحِيحُ مُوَافِقٌ صَرِيحَ النَّقْلِ وَلَا بُدَّ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَوَاعِدِ وَضَوَابِطِ مَعْرِفَةِ الْغَيْبِ]
الْقَاعِدَةُ الْكُلِّيَّةُ فِي بَابِ الْغَيْبِ: بَابُ الْغَيْبِ تَوْقِيفِيٌّ مُطْلَقٌ، فَلَا يَصِحُّ تَلَقِّيهِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الْوَحْيِ (الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)، وَكُلُّ مَحْوَلَةٍ لِإِخْضَاعِ الْغَيْبِ لِلْمَقَايِيسِ الْعَقْلِيَّةِ الْبَشَرِيَّةِ هِيَ طَعْنٌ فِي الرِّسَالَةِ وَضَلَالٌ مُبِينٌ.
ضَوَابِطُ مَعْرِفَةِ الْغَيْبِ وَأَقْسَامِهِ: ضَابِطُ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْغَيْبِ: يَقُومُ عَلَى مَنْعِ أَقْيِسَةِ التَّمْثِيلِ وَالشُّمُولِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، مَعَ اعْتِمَادِ (قِيَاسِ الْأَوْلَى)، فَمَا مِنْ كَمَالٍ فِي الْمَخْلُوقِ (لَا نَقْصَ فِيهِ) إِلَّا وَالْخَالِقُ أَوْلَى بِهِ، وَمَا مِنْ نَقْصٍ يُنَزَّهُ عَنْهُ الْمَخْلُوقُ إِلَّا وَالْخَالِقُ أَوْلَى بِالتَّنْزِيهِ عَنْهُ.
قَاعِدَةُ الِانْفِصَالِ بَيْنَ الْعِلْمِ وَالْوُجُودِ: (عَدَمُ الْعِلْمِ لَيْسَ عِلْمًا بِالْعَدَمِ)؛ فَالْغَيْبُ النَّسْبِيُّ حَقِيقَةٌ وَاقِعَةٌ، وَعَدَمُ إِدْرَاكِ الْمُكَلَّفِ لِلشَّيْءِ لَا يَنْفِي وُجُودَهُ الْعَيْنِيَّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الشَّرْعُ.
♤______________________________________________________________________________♤
٣_قلت : «وِأَصْلُ مَقَالَاتِ التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ مُسْتَمَدٌّ مِنْ تُرَاثِ الْيُونَانِ وَفَلَاسِفَتِهَا الْأَوَائِلِ؛ مِنْ أَمْثَالِ[ أَفْلَاطُونَ]، وَمَنْطِقِ[ أَرِسْطُو طَالِيسَ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ] وَشِيعَتِهِ الْمَشَّائِينَ، الَّذِينَ [حَدُّوا الْإِلَهَ بِالسُّلُوبِ] وَ [الْإِضَافَاتِ الذِّهْنِيَّةِ] ، فَظَنُّوا الْوُجُودَ الْمُرَكَّبَ حَادِثًا مَخْلُوقًا. وَافْتَرَقَتِ الْفَلْسَفَةُ إِلَى نِحْلَةٍ مَشَّائِيَّةٍ أَفْلَاطُونِيَّةٍ، وَبَاطِنِيَّةٍ إِشْرَاقِيَّةٍ أَوْ هِنْدِيَّةٍ، ثُمَّ دَخَلَ هَذَا الضَّلَالُ مِلَّةَ الْإِسْلَامِ عَبْرَ حَرَكَةِ التَّرْجَمَةِ الَّتِي كَانَتْ رَحِمًا لِبِدَعِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ؛ مِنْ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ، وَالتَّجَهُّمِ، وَأَهْلِ الْأَشْاعَرة الْبِدْعِيَّةِ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ، وَابْنِ كُلَّابٍ قَبْلَهُمْ فَهُمْ وَرَثَةُ ابْنِ كُلَّابٍ».
♤______________________________________________________________________________♤
٤_ قلت : حَمَلَةُ الْفِكْرِ الْفَلْسَفِيِّ الضَّالِّ فِي الْمِلَّةِ هُمُ الْفَلَاسِفَةُ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَعْلَامُهُمْ: [أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ الْمُعَلِّمُ الثَّانِي]، [وَابْنُ سِينَا الشَّيْخُ الرَّئِيسُ] اللَّذَانِ نَقَلَا الْفَلْسَفَةَ الْمَشَّائِيَّةَ وَشَابَاهَا بِالْبَاطِنِيَّةِ الْإِشْرَاقِيَّةِ، وَسَلَبَا صِفَاتِ اللَّهِ وَأَفْعَالَهُ حَقِيقَةً. وَطَرِيقَتُهُمْ فِي التَّعْطِيلِ أَشَدُّ خُبْثًا مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكَلَامِ؛ إِذْ يَرَى الْفَلَاسِفَةُ نُصُوصَ الصِّفَاتِ تَخْيِيلًا لِعَوَامِّ النَّاسِ لَا حَقِيقَةَ لَهَا، بَيْنَمَا يَجْعَلُهَا أَهْلُ الْكَلَامِ مَجَازًا يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ، وَكِلَاهُمَا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ضَلَّ».
♤______________________________________________________________________________♤
٥_ قلت :«وَأَوَّلُ مَنْ نَبَتَ بِالتَّعْطِيلِ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ،الَّذِي نَفَى صِفَاتِ الْكَلَامِ وَالْخُلَّةِ، فَقَتَلَهُ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ يَوْمَ النَّحْرِأُضْحِيَّةً عَنِ الْمِلَّةِعِيدًا(١٢٤ هجري )وَالْجَعْدُ مُسَلْسَلٌ فِي بِدْعَتِهِ بِأَهْلِ الضَّلَالِ نِسْبَةً إِلَى السَّاحِرِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ؛ فَالْجَعْدُ أَخَذَ مَقَالَةَ التَّعْطِيلِ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَبَانُ كَانَ مِنَ الشِّيعَةِ الْبَاطِنِيَّةِ الَّذِينَ قَالُوا بِأُلُوهِيَّةِ عَلِيٍّ وَقَالَ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَبَانُ أَخَذَ عَنْ طَالُوتَ، وَطَالُوتُ أَخَذَ عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ وَطَالُوتُ كَانَ ابْنَ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ، وَكَانَ لَبِيدٌ يَقُولُ بِخَلْقِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَعَطَّلَ. ثُمَّ وَرِثَ مَقَالَةَ الْجَعْدِ تِلْمِيذُهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، فَعَطَّلَ الْأَسْمَاءَ وَالصِّفَاتِ تَعْطِيلًا كُلِّيًّا، وَشَابَهَ فِي غَيْبَتِهِ الْفَلَاسِفَةَ الْمَحْضَ، حَتَّى صَارَ قَتِيلًا عَلَى يَدَيْ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ بِمَرْوَ».
_ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ إِلَى (مَرْوَ) فِي خُرَاسَانَ؛ لِأَنَّ سَالِمَ بْنَ أَحْوَزَ الْمَازِنِيَّ قَتَلَهُ هُنَاكَ فِي أَوَاخِرِ الدَّوْلَةِ الْأُمَوِيَّةِ ١٢٨هجريا
_أَمَّا حَرَّانُ فَهِيَ مَوْطِنُ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الَّذِي تَلَقَّى فِيهَا عَقَائِدَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ قَبْلَ قُدُومِهِ دِمَشْقَ، فَأَرَدْتُ جَوْدَةَ التَّحْرِيرِ لِمَتْنِكُمْ.
♤______________________________________________________________________________♤
٦_قلت :« ثُمَّ خَلَفَ الْجَهْمِيَّةَ (صَاحِبَةَ التَّعْطِيلِ الْكُلِّيِّ) الْمُعْتَزِلَةُ (أَهْلُ مَرْحَلَةِ التَّعْطِيلِ الْجُزْئِيِّ)؛ أَتْبَاعُ [وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ]، فَسَلَكُوا طَوْرَ النَّفْيِ الْجُزْئِيِّ؛ إِذْ أَثْبَتُوا أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى عَيْنًا، وَجَحَدُوا مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ أَوْصَافِ الْجَلَالِ مَعْنًى، فَقَالُوا: هُوَ عَالِمٌ بِلَا عِلْمٍ، وَسَمِيعٌ بِلَا سَمْعٍ، وَبَصِيرٌ بِلَا بَصَرٍ، وَجَعَلُوا الْأَسْمَاءَ أَعْلَامًا جَامِدَةً خَاوِيَةً، فَفَرُّوا مِنْ "تَعَدُّدِ الْقُدَمَاءِ" بِزَعْمِهِمْ
وَرَأْسُ نِحْلَتِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ: (وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ) وَ(عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ)، اللَّذَانِ اعْتَزَلَا مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَضِيَّةِ الْحُكْمِ عَلَى الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ؛ فَلَمَّا قَالَ الْحَسَنُ: "هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ؛ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ"، إِذَا بِهِمَا قَالَا: "لَا، هُوَ فِي الدُّنْيَا فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَفِي الْآخِرَةِ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ"، فَوَافَقُوا الْخَوَارِجَ فِي الْمَآلِ، فَمَرَقُوا عَنِ الْأَثَرِ، وَابْتَعَدُوا عَنْ مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ».
♤______________________________________________________________________________♤
٧_قلت : ثُمَّ ظَهَرَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ، فَأَحْدَثَ (الطَّوْرَ الْكُلَّابِيَّ) لِيَكُونَ جِسْرًا بَيْنَ الِاعْتِزَالِ وَالسُّنَّةِ؛ فَأَثْبَتَ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةَ الْأَزَلِيَّةَ لُغَةً وَحَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ نَفَى الصِّفَاتِ الْفِعْلِيَّةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ الْقَائِمَةَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ؛ فِرَارًا مِنْ مَسْأَلَةِ "حُلُولِ الْحَوَادِثِ" بِزَعْمِهِ، فَزَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَتَكَلَّمُ بِمَشِيئَتِهِ، وَلَا يَفْعَلُ شَيْئًا قَائِمًا بِذَاتِهِ فِي الْأَزَلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَمَا طَابَقَ السُّنَّةَ، وَلَا نَصَرَ الِاعْتِزَالَ».
♤______________________________________________________________________________♤
٨_ قلت:《ثُمَّ اسْتَقَرَّ الْمَذْهَبُ الْكَلَامِيُّ الْمُرَكَّبُ عَلَى يَدِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ -فِي طَوْرِهِ الثَّانِي- وَأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ، فَحَصَرُوا صِفَاتِ الْبَارِي تَعَالَى فِي سَبْعِ مَعَانٍ مَنُوطَةٍ بِالْعَقْلِ؛ وَهِيَ: (الْحَيَاةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْقُدْرَةُ، وَالْإِرَادَةُ، وَالسَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالْكَلَامُ النَّفْسِيُّ)، وَزَادَ الْمَاتُرِيدِيُّ: (التَّكْوِينَ)، ثُمَّ عَمَدُوا إِلَى مَا عَدَا هَذِهِ السَّبْعَ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ فَأَبْطَلُوا حَقَائِقَهَا؛ تَارَةً بِبِدْعَةِ "التَّأْوِيلِ" (وَهُوَ التَّحْرِيفُ)، وَتَارَةً بِبِدْعَةِ "تَفْوِيضِ الْمَعْنَى" (أَيْ أَصْلِ الْمَعْنَى)، فَوَافَقُوا السَّلَفَ فِي السَّبْعِ لَفْظًا، وَخَالَفُوهُمْ فِي الْمَنْهَجِ وَسَمْتِ الْمَعْنَى»》.
♤______________________________________________________________________________♤
٩_ قلت : وَالْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ غَرِيزَةٌ مَحْدُودَةٌ، وَأَدَاةٌ مُقَيَّدَةٌ بِأَنْوَارِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ لَا يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ الْغَيْبِ وَأَوْصَافِ الْكَمَالِ الْإِلَهِيَّةِ، فَإِنْ خَرَجَ عَنْ هَذَا الْإِطَارِ ، صَارَ أَدَاةَ إِفْسَادٍ، وَتَحْرِيفٍ، وَتَأْوِيلٍ، وَتَكْيِيفٍ، وَتَمْثِيلٍ. وَأَعْظَمُ طَاغُوتٍ عَقْلِيٍّ وُضِعَ لِهَدْمِ النُّصُوصِ هُوَ "قَانُونُ الرَّازِيِّ الْكُلِّيُّ" الَّذِي قَدَّمَ الْعَقْلَ عَلَى النَّقْلِ عِنْدَ التَّعَارُضِ بِزَعْمِهِ، وَهُوَ أَصْلُ الِابْتِدَاعِ الَّذِي اشْتَرَكَتْ فِيهِ الْجَهْمِيَّةَ، وَالْمُعْتَزِلَةُ وَالْأَشَاعِرَةُ، وَالْفَلَاسِفَةُ؛ فَجَعَلُوا عُقُولَهُمْ حَاكِمَةً عَلَى الْوَحْيِ لَا خَادِمَةً لَهُ. وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْفَلَاسِفَةُ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا هَاجَمُوا الْكَنِيسَةَ قَسَّمُوا الْعُلُومَ إِلَى صَادِقَةٍ وَكَاذِبَةٍ فَالصَّادِقَةُ عِنْدَهُمْ هِيَ عُلُومُ الرِّيَاضِيَّاتِ وَالْجَبْرِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَأَمَّا الْكَاذِبَةُ فَهِيَ عُلُومُ الْإِلَهِيَّاتِ، وَبِذَلِكَ جَعَلُوهَا تَحْتَ مِجْهَرِ الْعَقْلِ؛ إِنْ أَخَذَ بِهَا الْعَقْلُ أَخَذُوا بِهَا، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهَا لَمْ يَأْخُذُوا بِهَا، وَلِذَلِكَ افْتَرَقُوا فِي رَبِّهِمْ؛ فَتَارَةً يَنْفُونَ الْعُلُوَّ، وَتَارَةً يَجْعَلُونَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَيَقُولُونَ: لَا فَوْقَ ولا تحت ولا خارج ولا داخل العالم وَإِنْ سَأَلْتَهُمْ: أَيْنَ اللَّهُ؟ قَالُوا: فِي كُلِّ مَكَانٍ! وَهُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ مُسْتَوٍ فِي عُلُوِّهِ أو قالوا : ربنا لا مكان له ، فَهَؤُلَاءِ حَدَثَ لَهُمْ تَقَابُلٌ وَتَعَاكُسٌ وَاضْطِرَابٌ فِي مَفَاهِيمِهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآلَةِ الْمَحْدُودَةِ الَّتِي تُسَمَّى الْعَقْلَ. وَالْعَقْلُ مَنَاطُ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ الَّذِي كَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ، لَكِنَّهُ غَرِيزَةٌ مَحْدُودَةٌ خَلَقَهَا اللَّهُ مُقَيَّدَةً بِأَنْوَارِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ».
♤______________________________________________________________________________♤
١٠_قلت : وَنُصُوصُ الصِّفَاتِ كُلُّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى حَقَائِقِهَا الظَّاهِرَةِ اللَّائِقَةِ بِجَلَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَجَازٌ يُبْطِلُ حَقَائِقَ الْأَوْصَافِ؛ فَظَاهِرُ النَّصِّ هُوَ الْمُرَادُ الْإِلَهِيُّ. وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرِ بِلَا دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ صَحِيحٍ هُوَ عَيْنُ التَّحْرِيفِ الْبَاطِلِ، وَتَجْهِيلٌ لِلْأُمَّةِ، وَطَعْنٌ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ» وتَارِيخُ النَّشْأَةِ وَالتَّأْصِيلِ: لَمْ يَكُنْ مُصْطَلَحُ "الْمَجَازِ" مَعْرُوفًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَلَا أَئِمَّةِ اللُّغَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ كَالْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ. وَإِنَّمَا نَشَأَ التَّقْسِيمُ لَفْظًا فِي أَوَاخِرِ الْقَرْنِ الثَّانِي عَلَى يَدِ بَعْضِ اللُّغَوِيِّينَ كَأَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى فِي كِتَابِهِ "مَجَازُ الْقُرْآنِ" (وَلَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ بِهِ الْمَجَازَ الِاصْطِلَاحِيَّ، بَلْ طُرُقَ التَّعْبِيرِ) ثُمَّ لَقِفَ الْجَهْمِيَّةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ وَحَوَّلُوهُ إِلَى أَدَاةٍ كَلَامِيَّةٍ لِنَفْيِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَصَرْفِهَا عَنْ حَقَائِقِهَا، تَطَوُّرُ الْمَقَالَةِ وَمَنْ أَنْكَرَهَا: اسْتَقَرَّ الِاصْطِلَاحُ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْأَشَاعِرَةِ وَأَهْلِ الْأُصُولِ لِجَعْلِ الْمَجَازِ قَسِيمًا لِلْحَقِيقَةِ. وَقَدْ قَامَ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ بِالتَّصَدِّي لِهَذِهِ الْمَقَالَةِ لَمَّا جُعِلَتْ سُلَّمًا لِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ، وَمِنْ أَبْرَزِ مَنْ صَنَّفَ فِي نَفْيِ الْمَجَازِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ الَّذِي سَمَّاهُ فِي "الصَّوَاعِقِ الْمُرْسَلَةِ" بِـ (الطَّاغُوتِ الثَّالِثِ)، وَالْإِمَامُ الشِّنْقِيطِيُّ فِي رِسَالَتِهِ "مَنْعُ جَوَازِ الْمَجَازِ فِي الْمُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ وَالْإِعْجَازِ".
♤______________________________________________________________________________♤
١١_قلت : «وَتَنْزِيهُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ يَقُومُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنَ الْوَحْيِ:
الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُ نُعُوتِ الْجَلَالِ بِقَاطِعِ النَّصِّ
وَالثَّانِي: نَفْيُ تَمَاثُلِ الْمَخْلُوقِينَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، مَعَ الْإِيمَانِ بِأَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ
وَالثَّالِثُ: قَطْعُ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ الْكَيْفِيَّةِ (أَيِ الْحَقِيقَةِ وَالْكُنْهِ).
فَلَيْسَ التَّنْزِيهُ عِنْدَهُمْ إِخْلَاءَ الذَّاتِ عَنِ الْأَوْصَافِ، بَلْ هُوَ نَفْيُ النَّقْصِ وَالتَّشْبِيهِ مَعَ كَمَالِ الْإِثْبَاتِ؛ إِذْ كُلُّ تَشْبِيهٍ كُفْرٌ، وَكُلُّ تَعْطِيلٍ جُحُودٌ، وَالْحَقُّ صِرَاطٌ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِأَرْكَانِ التَّنْزِيهِ الثَّلَاثَةِ وَحَقِيقَةِ التَّمَاثُلِ]
أَرْكَانُ التَّنْزِيهِ الْأَثَرِيِّ الشَّرْعِيِّ: يَقُومُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَهْلِ الْأَثَرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مُسْتَمَدَّةٍ مِنْ مِشْكَاةِ الْوَحْيِ (وَلَا سِيَّمَا آيَةُ الشُّورَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ})؛ وَهِيَ: إِثْبَاتُ نُعُوتِ الْجَلَالِ بِقَاطِعِ النَّصِّ: فَلَا تَنْزِيهَ بِلَا إِثْبَاتٍ، وَتَنْزِيهُ الْمَعْدُومِ عَدَمٌ
نَفْيُ تَمَاثُلِ الْمَخْلُوقِينَ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ: مَعَ الِاعْتِقَادِ الْجَازِمِ بِأَنَّ الرَّبَّ سُبْحَانَهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ (أَيْ مُنْفَصِلٌ عَنْهُمْ ذَاتًا وَصِفَاتٍ، لَيْسَ حَالًّا فِيهِمْ وَلَا هُمْ حَالُّونَ فِيهِ).
قَطْعُ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ الْكَيْفِيَّةِ: وَهُوَ تَفْوِيضُ الْحَقِيقَةِ وَالْكُنْهِ إِلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْكَيْفِ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الذَّاتِ، وَذَاتُهُ لَا نَظِيرَ لَهَا، فَلَا تُعْلَمُ كَيْفِيَّةُ صِفَاتِهِ.
تَارِيخُ انْحِرَافِ الْمَفْهُومِ: أَبْدَعَ أَهْلُ الْبِدَعِ (مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ) مَفْهُومًا مَشْلُولًا لِلتَّنْزِيهِ، فَجَعَلُوهُ يَعْنِي "إِخْلَاءَ الذَّاتِ عَنِ الْأَوْصَافِ" (التَّعْطِيلَ)، وَزَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الصِّفَاتِ يَسْتَلْزِمُ التَّشْبِيهَ، فَوَقَعُوا فِي الْجُحُودِ، بَيْنَمَا وَقَعَ الْمُمَثِّلَةُ فِي الْكُفْرِ، وَجَاءَ أَهْلُ السُّنَّةِ بِالْحَقِّ الَّذِي هُوَ صِرَاطٌ بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٢_ قلت « وَالتَّأْوِيلُ النَّاشِئُ عَنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مِنَ الْوَحْيِ هُوَ التَّحْرِيفُ الْمَذْمُومُ فِي الدِّينِ، وَهُوَ مَسْلَكُ أَهْلِ الْبِدَعِ لِإِخْلَاءِ النُّصُوصِ عَنْ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ. وَهُمْ يَنْقَسِمُونَ فِي طَرِيقَتِهِمْ لُغَةً وَعَقِيدَةً إِلَى مَسْلَكَيْنِ :
١_ الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ: مَسْلَكُ التَّحْرِيفِ الَّذِي يُسَمُّونَهُ تَلْبِيسًا بِاسْمِ "التَّأْوِيلِ" تَعْمِيَةً عَنْ قَبِيحِ صَنِيعِهِمْ، وَيَنْقَسِمُ إِلَى:
■أَوَّلًا: تَحْرِيفِ اللَّفْظِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ.
■ثَانِيًا: تَحْرِيفِ اللَّفْظِ بِتَغْيرِ الْحَرَكَةِ الْإِعْرَابِيَّةِ.
■ثَالِثًا: تَحْرِيفِ الْمَعْنَى بِصَرْفِهِ إِلَى الْمَجَازَاتِ الْكَاسِدَةِ الَّتِي تَبْعُدُ عَنْ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ.
وَمَوَاقِعُ هَذَا التَّحْرِيفِ فِي نُصُوصِ الصِّفَاتِ تَجْرِي فِي صِفَاتِ الذَّاتِ -كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ- وَصِفَاتِ الْفِعْلِ -كَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ-.
ثُمَّ الْمَسْلَكُ الثَّانِي: مَسْلَكُ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ، وَهُوَ تَفْوِيضُ أَصْلِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَتَرْكُ حَقِيقَةِ الْمَعْنَى وَكُنْهِهِ، وَلَيْسَ مَحْضَ تَفْوِيضِ الْكَيْفِ؛ وَمِنْ لَازِمِ هَذَا الْمَسْلَكِ الْبَاطِلِ: أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَا نَزَلَ لِلْبَيَانِ، وَلَا لِلتَّدَبُّرِ، وَلَا لِيَفْهَمَهُ النَّاسُ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ! وَكَانَ مِنْ لَازِمِهِ أَيْضًا:
١_أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِمَّا كَتَمَ الْعِلْمَ
٢_وَإِمَّا لَمْ يَفْهَمْ مَا جَاءَهُ مِنَ الْوَحْيِ فَكَانَ بَسِيطًا فِي مَعْرِفَتِهِ بِدِينِ رَبِّنَا -حَاشَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
٣_وَكَذَلِكَ جِيلُ الصَّحَابَةِ الْفَرِيدِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلَى دِرَايَةٍ وَعِلْمٍ بِذَلِكَ؛ وَفِي هَذَا طَعْنٌ وَذَمٌّ فِي النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي الدِّينِ، وَفِي الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. مَعَ أَنَّ أَفْهَامَ الصَّحَابَةِ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَنَحْنُ نَقُولُ: كِتَابٌ وَسُنَّةٌ بِفَهْمِ سَلَفِ الْأُمَّةِ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِمَسْلَكَيِ التَّأْوِيلِ وَالتَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ]
الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ (التَّأْوِيلُ الْبِدْعِيُّ وَالتَّحْرِيفُ): هُوَ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ الْمُتَبَادِرِ بِلَا دَلِيلٍ مِنَ الْوَحْيِ، وَيُسَمُّونَهُ تَدْلِيسًا "تَأْوِيلًا" لِلْهُرُوبِ مِنْ شَنَاعَةِ لَفْظِ "التَّحْرِيفِ"، وَقَدْ تَنَوَّعَ مَسْلَكُهُمْ فِيهِ بَيْنَ تَحْرِيفِ اللَّفْظِ (بِالزِّيَادَةِ، أَوِ النُّقْصَانِ، أَوْ بِتَغْيِيرِ الْحَرَكَةِ)، وَتَحْرِيفِ الْمَعْنَى إِلَى الْمَجَازَاتِ الْكَاسِدَةِ.
الْمَسْلَكُ الثَّانِي (التَّفْوِيضُ الْبِدْعِيُّ - التَّجْهِيلُ): هُوَ نَفْيُ أَصْلِ الْمَعْنَى اللَّفْظِيِّ الْمَعْرُوفِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ وَتَفْوِيضُهُ، وَلَيْسَ فَقَطْ تَفْوِيضَ الْكَيْفِ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ يَلْزَمُ عَنْهُ لَوَازِمُ بَاطِلَةٌ خَطِيرَةٌ:
إِخْرَاجُ الْقُرْآنِ عَنْ كَوْنِهِ بَيَانًا، وَهُدًى، وَمَأْمُورًا بِتَدَبُّرِهِ لِلْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ.
وَصْمُ النَّبِيِّ ﷺ بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا كِتْمَانُ الْبَيَانِ، وَإِمَّا الْجَهْلُ وَعَدَمُ فَهْمِ حَقَائِقِ مَا جَاءَهُ مِنَ الْوَحْيِ.
رَمْيُ الْجِيلِ الْفَرِيدِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِالْجَهْلِ وَعَدَمِ الدِّرَايَةِ بِأُصُولِ الدِّينِ، مَعَ أَنَّ أَفْهَامَهُمْ جُزْءٌ مِنَ الدِّينِ؛ لِذَا فَالْأَصْلُ الْمَعْصُومُ هُوَ: (كِتَابٌ وَسُنَّةٌ بِفَهْمِ سَلَفِ الْأُمَّةِ).
♤______________________________________________________________________________♤
١٣_ قلت :« وَالظَّلَامُ الْأَكْبَرُ فِي بَابِ الْأَوْصَافِ هُوَ التَّعْطِيلُ؛ الَّذِي هُوَ جُحُودٌ لِحَقَائِقِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَإِخْلَاءٌ لِلذَّاتِ عَنْ نُعُوتِ كَمَالِهَا. وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
١_ تعطيل كُلِّيٌّ: وَهُوَ الَّذِي يَجْحَدُ الذَّاتَ وَالْأَوْصَافَ مَعًا -كَمَا قَالَتِ الْفَلَاسِفَةُ وَغُلَاةُ الْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ هُوَ عَلَى شَاكِلَتِهِمْ
٢_ وَالثَّانِي جُزْئِيٌّ: وَهُوَ الَّذِي يُثْبِتُ بَعْضًا وَيَنْفِي بَعْضًا :
١-كَمَسْلَكِ الْمُعْتَزِلَةِ،
٢_وَأَتْبَاعِ ابْنِ كُلَّابٍ
٣-أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ وَأَتْبَاعِهِ
٤- وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَأَتْبَاعِهِ فِي الطور الثَّانِي
٥_وَأَبِي مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ
وَلِذَلِكَ كَانَ الرَّدُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَطِّلَةِ
١_بِقَاعِدَةِ: (عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ)
٢_وقاعدة : فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي الذَّاتِ كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ،
٣_وقاعدة : وَالْقَوْلَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالذَّاتِ كَالْقَوْلِ فِي الصِّفَاتِ
٤_إِذْ كُلُّهَا بَابٌ وَاحِدٌ يَدُورُ فِي دَائِرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا أَثْبَتَّ الْأَسْمَاءَ فَلَا بُدَّ لَكَ أَنْ تُثْبِتَ الصِّفَاتِ، وَإِذَا أَثْبَتَّ الذَّاتَ فَلَا بُدَّ لَكَ أَنْ تُثْبِتَ الْأَسْمَاءَ. وَفِي بَابِ الصِّفَاتِ نَقُولُ لِمَنْ أَثْبَتَ بَعْضًا وَعَطَّلَ بَعْضًا: (الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ) فَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ.
٥_ فَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا يَسْتَحِيلُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، بَيْنَمَا الْمُشَبِّهِ يَعْبُدُ صَنَمًا مَنْحُوتًا فِي خَيَالِهِ، وَكِلَاهُمَا مَارِقٌ عَنِ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَوَاعِدِ إِبْطَالِ التَّعْطِيلِ]
قَاعِدَةُ التَّمَاثُلِ (الْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الذَّاتِ): كَمَا أَنَّ إِثْبَاتَ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتُ تَكْيِيفٍ، فَكَذَلِكَ إِثْبَاتُ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ هُوَ إِثْبَاتُ وُجُودٍ لَا إِثْبَاتُ تَكْيِيفٍ؛ فَالْمَخْرَجُ مِنَ التَّنَاقُضِ هُوَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ.
قَاعِدَةُ الِاطِّرَادِ (الْقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ كَالْقَوْلِ فِي الْبَعْضِ الْآخَرِ): مَنْ أَثْبَتَ صِفَاتِ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ -مَثَلًا- بِحُجَّةِ أَنَّهَا لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، لَزِمَهُ أَنْ يُثْبِتَ صِفَتَيِ الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ لِلْعِلَّةِ نَفْسِهَا، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا تَحَكُّمٌ بَاطِلٌ.
مَآلُ الْمُعَطِّلِ وَالْمُشَبِّهِ: الْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا مَحْضًا يَمْتَنِعُ وُجُودُهُ فِي الْخَارِجِ، وَالْمُشَبِّهِ يَعْبُدُ صَنَمًا مَنْحُوتًا فِي خَيَالِهِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ يَعْبُدُونَ إِلَهًا وَاحِدًا صَمَدًا، مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهًا عَنْ نَقَائِصِ الْأَنَامِ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٤_«وَالتَّكْيِيفُ هُوَ رَسْمُ كُنْهِ الصِّفَةِ وَتَحْدِيدُ حَقِيقَتِهَا فِي الذِّهْنِ أَوِ الْخَارِجِ. وَهُوَ مَحْظُورٌ بَاطِلٌ؛ إِذْ قَطَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ طَمَعَ الْعُقُولِ الْبَشَرِيَّةِ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِ ذَاتِهِ وَأَوْصَافِهِ؛ لِعَجْزِهَا الطَّبِيعِيِّ، وَلِعَدَمِ الْكُفْءِ وَالْمَثِيلِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْكَيْفِيَّةِ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ كَيْفَ هِيَ. فَنَحْنُ نُؤْمِنُ بِالْمَعَانِي نَقْلًا وَعَقْلًا، وَنُوكِلُ الْكَيْفِيَّاتِ إِلَى الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ تَسْلِيمًا وَإِجْلَالًا ، وَالْكَيْفِيَّةُ -كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الشَّيْخُ الشَّوْكَانِيُّ فِي التُّحْفَةِ- قَائِلًا: («وَالكَيْفِيَّةُ قَطَعَ اللهُ عَنَّا عِلْمَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالبَحْثِ عَنْهَا، وَلَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ، بَلْ أَمَرَنَا بِالإِيمَانِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَا لَنَا وَلِلْخَوْضِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟! وَمَا الفَائِدَةُ فِي قَوْلِنَا: كَيْفَ هُوَ؟! وَمَا الثَّمَرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الكَيْفِ لَوْ عَرَفْنَاهُ؟! فَلْنَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ بِنَا الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَا نَتَجَاوَزْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةَ وَالنَّجَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» ) فَلِمَاذَا نَبْحَثُ عَمَّا تُرِكَ وَنُهِينَا عَنْهُ؟! وَإِذَا بِأَهْلِ الْبِدَعِ يَبْحَثُونَ عَنْهَا، فَمَا ذَهَبَ الْمُعَطِّلُ إِلَى تَعْطِيلِهِ إِلَّا بِسَبَبِ أَنَّهُ تَصَوَّرَ أَوَّلًا كُنْهًا وَكَيْفِيَّةً لِلْصِّفَةِ فِي خَيَالِهِ الذِّهْنِيِّ لَا نَصِيبَ لَهَا فِي الْخَارِجِ، ثُمَّ سَلَكَ مَسْلَكَ الْهُرُوبِ بِـ"التَّأْوِيلِ" الَّذِي هُوَ عَيْنُ التَّحْرِيفِ، أَوْ بِـ"التَّفْوِيضِ" الْبِدْعِيِّ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ؛ وَهَذَا الْمَسْلَكُ فِي حَقِيقَتِهِ هُوَ دَعْوَةٌ لِتَجْهِيلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْصَّحَابَةِ -هَذَا الْجِيلِ الْفَرِيدِ-فَلَا بُدَّ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَدَبَّرَ وَيَتَفَكَّرَ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ؛ لِمَاذَا وَضَعَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمَامَنَا هَكَذَا؟ لِأَجْلِ أَنْ نَتَبَيَّنَهَا وَنَفْهَمَ مَعَانِيَهَا، وَحَتَّى لَا تَضِيقَ قُلُوبُنَا وَأَفْهَامُنَا بِالتَّكَلُّفِ لِمَا أُبْهِمَ عَنَّا كُنْهُهُ؛ وَرَبُّنَا يَقُولُ: ﴿ءَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ ٱللَّهُ﴾، وَنَبِيُّنَا ﷺ هُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَالصَّحَابَةُ أَعْلَمُ النَّاسِ وَأَحْكَمُهُمْ، وَاتِّبَاعُ طَرِيقِهِمْ هُوَ الْأَسْلَمُ وَالْأَحْكَمُ وَالْأَعْلَمُ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِأَوْجُهِ إِبْطَالِ التَّكْيِيفِ]
الْعِلْمُ بِالْكَيْفِيَّةِ فَرْعٌ عَنِ الْعِلْمِ بِالذَّاتِ: هَذِهِ قَاعِدَةٌ كُلِّيَّةٌ؛ فَكَمَا أَنَّ ذَاتَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ وَلَا نَعْلَمُ كُنْهَهَا، فَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهَا، فَالْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ مُتَفَرِّعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ وَيَحْذُو حَذْوَهُ.
ثَلَاثِيَّةُ الْإِمَامِ الشَّوْكَانِيِّ فِي "تُحْفَةِ الذَّاكِرِينَ": قَطَعَ فِيهَا مَادَّةَ التَّكَلُّفِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَاسِمَةٍ:
١_أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَعَبَّدْنَا بِالْكَيْفِيَّةِ
٢_وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالْبَحْثِ عَنْهَا
٣_ وَقَطَعَ طَمَعَ الْعُقُولِ عَنْ تَصَوُّرِهَا).
١_[النَّصُّ كلام ] لِلْإِمَامِ الشَّوْكَانِيِّ: قال «وَالكَيْفِيَّةُ قَطَعَ اللهُ عَنَّا عِلْمَهَا، وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالبَحْثِ عَنْهَا، وَلَا تَعَبَّدَنَا بِذَلِكَ، بَلْ أَمَرَنَا بِالإِيمَانِ بِمَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَا لَنَا وَلِلْخَوْضِ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ؟! وَمَا الفَائِدَةُ فِي قَوْلِنَا: كَيْفَ هُوَ؟! وَمَا الثَّمَرَةُ فِي مَعْرِفَةِ الكَيْفِ لَوْ عَرَفْنَاهُ؟! فَلْنَقِفْ حَيْثُ وَقَفَ بِنَا الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَلَا نَتَجَاوَزْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ السَّلَامَةَ وَالنَّجَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ هُوَ الْإِيمَانُ بِمَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ».[انْظُرْ: تُحْفَةُ الْخَلَفِ بِاعْتِقَادِ السَّلَفِ لِلشَّوْكَانِيِّ ص 41]
٢_[النَّصُّ كلام] للشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةِ التَّمِيمِيِّ: أَوْرَدَ الشَّيْخُ التَّمِيمِيُّ الضَّابِطَ مُتَّصِلًا بِتَقْرِيرَاتِ السَّلَفِ، حَيْثُ قَالَ:«وَمِنْ هُنَا نَعْلَمُ أَنَّ مَدَارَ الْغَلَطِ عِنْدَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ نَاشِئٌ عَنْ خَوْضِهِمْ فِي الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي حَجَبَهَا اللَّهُ عَنْ عُقُولِ الْخَلْقِ؛ إِذِ اللَّهُ تَعَالَى لَمْ يَتَعَبَّدِ الْعِبَادَ بِالْوُقُوفِ عَلَى كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِالْبَحْثِ عَنْ حَقِيقَتِهَا، بَلْ قَطَعَ طَمَعَ الْعُقُولِ عَنْ تَصَوُّرِهَا كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ -وَمِنْهُمُ الشَّوْكَانِيُّ فِي تُحْفَتِهِ-، فَالْعِلْمُ بِالْكَيْفِ مَنْفِيٌّ شَرْعًا وَعَقْلاً، وَالْإِيمَانُ بِالْمَعْنَى وَاجِبٌ نَقْلاً وَفِطْرَةً».«وَمُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ خَلِيفَةِ التَّمِيمِيِّ ص 171».
التَّكْيِيفُ جِذْرُ الضَّلَالِ الْمُفْضِي لِلتَّعْطِيلِ وَالتَّجْهِيلِ: الْمُعَطِّلُ لَمْ يَهْرُبْ إِلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ (التَّعْطِيلِ) ثُمَّ التَّدْلِيسِ بِـ(التَّأْوِيلِ/التَّحْرِيفِ) أَوْ (التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ) إِلَّا لِأَنَّهُ اسْتَقَرَّ فِي خَيَالِهِ الذِّهْنِيِّ نَوْعُ تَكْيِيفٍ وَتَشْبِيهٍ لِلْصِّفَةِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَمَّا ضَاقَ عَقْلُهُ عَنْ إِثْبَاتِهَا بِلَا كَيْفٍ، سَلَكَ مَسْلَكَ الْوُقُوعِ فِي التَّعْطِيلِ أَوْ رَمْيِ السَّلَفِ بِالتَّجْهِيل
♤______________________________________________________________________________♤
١٥_ قلت «وَالظَّلَامُ الثَّانِي فِي بَابِ الْأَوْصَافِ هُوَ التَّمْثِيلُ وَالتَّشْبِيهُ؛ وَهُوَ مَسْلَكٌ وَثَنِيٌّ، يَجْعَلُ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ كَالْمَخْلُوقِ الْمَرْبُوبِ ، وَالتَّمْثِيلُ لُغَةً هُوَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَالتَّشْبِيهُ هُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ. وَالَّذِي جَاءَ نَفْيُهُ فِي لَفْظِ الْقُرْآنِ هُوَ التَّمْثِيلُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِۦ شَيْءٌۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْبَصِيرُ﴾ [الشُّورَى: 11] إِذَنِ اللَّفْظُ الْمُرَادُ نَفْيُهُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ التَّمْثِيلُ دُونَ التَّشْبِيهِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا يَمْنَعُ فَهْمَ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ، إِذْ نَفْيُ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا هُوَ نَفْيٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَالِاسْمِ الْكُلِّيِّ الْعَامِّ، فَأَنْتَ بِذَلِكَ تَنْفِي الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكِ فَيَقَعُ التَّعْطِيلُ واعلم أن أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ هَذَا الضَّلَالَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ -مِنَ الرَّوَافِضِ- تَجْسِيمًا، وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ -وَلَهُ تَفْسِيرٌ بَيْنَ الْمُفَسِّرِينَ- تَمْثِيلاً؛ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ مَقَالَاتِهِمَا عُلُوًّا كَبِيرًا».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَوَاعِدِ إِبْطَالِ التَّمْثِيلِ]
الْفَرْقُ بَيْنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّشْبِيهِ: التَّمْثِيلُ هُوَ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَ نَفْيُهُ قَطْعًا فِي النُّصُوصِ. أَمَّا التَّشْبِيهُ فَهُوَ الْمُشَارَكَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْصَافِ (أَصْلِ الْمَعْنَى)؛ لِذَا فِيهِ إِجْمَالٌ؛ فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ "الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ" الَّذِي بِهِ نَفْهَمُ الْخِطَابَ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْيُ خَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ عَنِ الْخَالِقِ فَهُوَ حَقٌّ.
خُطُورَةُ نَفْيِ التَّشْبِيهِ مُطْلَقًا (مَزْلَقُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ): نَفْيُ التَّشْبِيهِ بِإِطْلَاقٍ يُؤَدِّي إِلَى تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي الِاسْمَ الْكُلِّيَّ الْعَامَّ وَالْقَدْرَ الْمُشْتَرَكِ فِي الْأَذْهَانِ قَبْلَ الْإِضَافَةِ وَالتَّخْصِيصِ، وَلَوْلَا هَذَا الْقَدْرُ لَمَا عَقَلَ الْبَشَرُ خِطَابَ الشَّارِعِ.
جُذُورُ مَقَالَةِ التَّمْثِيلِ وَالتَّجْسِيمِ بَدَأَ هَذَا الضَّلَالُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْرَ مَسْلَكَيْنِ: ١_(التَّجْسِيمُ الْوَثَنِيُّ) عِنْدَ غُلَاةِ الرَّوَافِضِ كَهِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ
٢_وَ(التَّمْثِيلُ) فِي بَابِ الصِّفَاتِ عِنْدَ بَعْضِ الْمُنْتَسِبِينَ لِلْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ كَمُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٦_قلت «وَالتَّفْوِيضُ الْحَادِثُ (الْبِدْعِيُّ) هُوَ شَرُّ الْمَذَاهِبِ وَأَخْبَثُهَا؛ وَحَقِيقَتُهُ جَعْلُ أَلْفَاظِ الْوَحْيِ بِمَنْزِلَةِ الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ الَّتِي لَا مَعْنَى لَهَا. وَهُوَ مَسْلَكٌ يَلْزَمُ مِنْهُ عَشَرَةُ لَوَازِمَ بَاطِلَةٍ، عِظَامُهَا: تَجْهِيلُ النَّبِيِّ ﷺ وَصَحَابَتِهِ -هَذَا الْجِيلِ الْفَرِيدِ-، وَجَعْلُ الْقُرْآنِ أُلْغُوزَةً لَا هُدَى فِيهِ. وَإِنَّمَا نَسَبَ هَذَا الْمَسْلَكَ السَّقِيمَ إِلَى السَّلَفِ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ؛ لِيَسْتُرُوا بِهِ عُوَارَ التَّأْوِيلِ. وَأَهْلُ الْأَثَرِ مِنْ ذَلِكَ بَرَاءٌ؛ إِذْ مَذْهَبُهُمْ هُوَ إِثْبَاتُ الْمَعَانِي وَلُزُومُهَا، وَتَفْوِيضُ الْكَيْفِيَّاتِ وَكُنْهِهَا».
[ الْعَشَرَةُ الْبَاطِلَةُ لِمَذْهَبِ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ]
■تَجْهِيلُ النَّبِيِّ ﷺ: مَقَالَتُهُمْ تَقْتَضِي أَنَّ الرَّسُولَ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَلْفَاظٍ لَا يَعْلَمُ مَعَانِيَهَا الْمُرَادَةَ مِنْ صِفَاتِ رَبِّهِ.
■تَجْهِيلُ الصَّحَابَةِ وَالْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ: وَصْمُ الْجِيلِ الْفَرِيدِ بِالْأُمِّيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ وَعَدَمِ فَهْمِ مَقَاصِدِ الصِّفَاتِ.
■وَصْفُ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ أُلْغُوزَةٌ: سَلْبُ صِفَةِ الْبَيَانِ عَنِ الْكِتَابِ، وَتَحْوِيلُهُ لِأَحَاجِيَ لَا هُدَى فِيهَا وَلَا نُورَ.
■نَفْيُ صِفَةِ الْبَيَانِ عَنِ الدِّينِ: جَعْلُ أَعْظَمِ أَبْوَابِ الدِّينِ (مَعْرِفَةِ اللَّهِ) مَجْهُولاً مُبْهَمًا لَا بَيَانَ فِيهِ.
■مُشَابَهَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ: الْوُقُوعُ فِيمَا ذَمَّ اللَّهُ بِهِ الْيَهُودَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾.
■سَدُّ بَابِ التَّدَبُّرِ: تَعْطِيلُ الْأَمْرِ الرَّبَّانِيِّ بِتَدَبُّرِ الْآيَاتِ؛ إِذْ لَا يُمْكِنُ عَقْلاً تَدَبُّرُ لَفْظٍ لَا مَعْنَى لَهُ.
■فَتْحُ الْبَابِ لِلْمَلَاحِدَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ: لِأَنَّهُ إِذَا فُرِّغَ النَّصُّ مِنْ مَعْنَاهُ، سَهُلَ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ مَلْؤُهُ بِخُرَافَاتِهِمْ.
■تَنَاقُضُ الْخِطَابِ الْإِلَهِيِّ: أَنْ يَأْمُرَنَا اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِمَا لَا نَعْقِلُ لَهُ مَعْنًى، وَهَذَا تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ.
■قَطْعُ الصِّلَةِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ: تَعْطِيلُ التَّعَبُّدِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ (دُعَاءِ الْمَسْأَلَةِ وَالثَّنَاءِ) لِجَهْلِ مَعَانِيهَا.
■تَسْوِيَةُ الْقُرْآنِ بِالْكَلَامِ الْأَعْجَمِيِّ سَمَاعاً: جَعْلُ خِطَابِ الْعَرَبِيِّ الْمُبِينِ كَالْحُرُوفِ الْمُهْمَلَةِ فِي عَدَمِ نَفْعِهِ الْعِلْمِيِّ.
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِإِبْطَالِ التَّفْوِيضِ الْبِدْعِيِّ]
■الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَعْنَى فِي التَّفْوِيضِ: التَّفْوِيضُ الشَّرْعِيُّ (مَذْهَبُ السَّلَفِ) هُوَ تَفْوِيضُ عِلْمِ الْكَيْفِيَّةِ وَالْكُنْهِ وَالْحَقِيقَةِ، مَعَ إِثْبَاتِ أَصْلِ الْمَعْنَى اللَّفْظِيِّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ لِسَانُ الْعَرَبِ.
■أَمَّا التَّفْوِيضُ الْبِدْعِيُّ (مَذْهَبُ أَهْلِ الْكَلَامِ) فَهُوَ تَفْوِيضُ الْمَعْنَى وَاللَّفْظِ مَعًا، بِحَيْثُ يُعَامَلُ النَّصُّ الشَّرْعِيُّ كَأَنَّهُ أَعْجَمِيٌّ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ شَيْءٌ.
■جِنَايَةُ الْمُفَوِّضَةِ عَلَى النُّصُوصِ: جَعَلُوا أَلْفَاظَ الْوَحْيِ بِمَنْزِلَةِ "الْحُرُوفِ الْمُعْجَمَةِ" (كَـ: أ، ب، ت)، وَهَذَا سَلْبٌ لِخَاصِّيَّةِ الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ عَنِ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَتَحْوِيلُهُ إِلَى أُلْغُوزَةٍ تَعْمَى عَنْهَا الْأَفْهَامُ.
■نِسْبَةُ الْمَذْهَبِ لِلسَّلَفِ زُورًا: أَهْلُ الْكَلَامِ هُمْ مَنْ نَسَبُوا هَذَا الْمَسْلَكَ السَّقِيمَ إِلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ؛ لِيَسْتُرُوا بِهِ عُوَارَ مَذْهَبِهِمْ فِي "التَّأْوِيلِ/التَّحْرِيفِ"، وَيُوهِمُوا الْعَامَّةَ أَنَّ السَّلَفَ كَانُوا أَهْلَ جَهْلٍ بِالْمَعَانِي، بَيْنَمَا أَهْلُ الْأَثَرِ بَرَاءٌ مِنْ هَذَا التَّجْهِيلِ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٧_ قلت «وَالتَّفْوِيضُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ هُوَ قَاعِدَةُ التَّنْزِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ؛ وَحَقِيقَتُهُ: إِثْبَاتُ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ الظَّاهِرَةِ لِلْأَوْصَافِ الْإِلَهِيَّةِ كَمَا عَقَلَتْهَا الْعَرَبُ، مَعَ رَدِّ عِلْمِ كُنْهِ النَّعْتِ وَحَقِيقَتِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ قَطْعًا لِلطَّمَعِ الْبَشَرِيِّ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِالْغَيْبِ ، وَهَذَا الْمَسْلَكُ هُوَ الْإِجْمَاعُ الْمُتَقَدِّمُ لِلصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْهُدَى الْأَرْبَعَةِ؛ خِلَافًا لِمَا افْتَرَاهُ أَهْلُ الْكَلَامِ. وَبِهِ يَجْتَمِعُ الْعَقْلُ الصَّرِيُحُ مَعَ النَّقْلِ الصَّحِيحِ؛ إِذِ الْعِلْمُ بِالْمَعْنَى بَيَانٌ لِلْخِطَابِ، وَتَفْوِيضُ الْكَيْفِ تَعْظِيمٌ لِلْمَوْصُوفِ».
[مجموع الفتاوى ٥٦/٥ ]
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِحَقِيقَةِ التَّفْوِيضِ الشَّرْعِيِّ]
■قَاعِدَةُ التَّنْزِيهِ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ: التَّفْوِيضُ الشَّرْعِيُّ الصَّحِيحُ هُوَ التَّفْوِيضُ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ مِنَ الْمَعَانِي الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي خُوطِبَتْ بِهَا الْعَرَبُ، وَبَيْنَ نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْكَيْفِيَّةِ وَالْكُنْهِ. فَالْمَعْنَى مَعْلُومٌ ظَاهِرٌ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ غَيْبِيٌّ.
■إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالْأَئِمَّةِ: هَذَا الْمَسْلَكَ هُوَ الَّذِي انْعَقَدَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَأَئِمَّةِ الْهُدَى الْأَرْبَعَةِ، وَهُوَ جَامِعٌ بَيْنَ بَيَانِ الْخِطَابِ الشَّرْعِيِّ وَتَعْظِيمِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَلَا، خِلَافًا لِمَا زَعَمَهُ أَهْلُ الْكَلَامِ مِنْ نِسْبَةِ "تَجْهِيلِ الْمَعَانِي" إِلَيْهِمْ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٨_ قلت « [وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ هُوَ الْمَيْدَانُ الْعَقْلِيُّ اللُّغَوِيُّ الَّذِي بِهِ يُفْهَمُ الْخِطَابُ ]
وَحَقِيقَتُهُ: هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ فِي الْأَذْهَانِ قَبْلَ التَّخْصِيصِ وَالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَعْيَانِ وَالْإِثْبَاتُ الشَّرْعِيُّ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الِاتِّفَاقَ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ لَا يُوجِبُ تَمَاثُلَ الْمُسَمَّيَاتِ فِي الْخَارِجِ؛ فَإِذَا أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِلَى الْبَارِي جَلَّ جَلَالُهُ خَصَّتْهُ وَتَبَرَّأَتْ عَنْ شَوَائِبِ الْمَخْلُوقِينَ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَخْلُوقِ خَصَّتْهُ وَنَسَبَتْ عَجْزَهُ وَفَنَاءَهُ ، وَمَنْ نَفَى هَذَا الْقَدْرَ الْمُشْتَرَكِ فَقَدْ سَدَّ بَابَ الْفَهْمِ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَوَقَعَ فِي تِيهِ الْأَعْجَمِيَّةِ وَالتَّعْطِيلِ».[ التدمرية ٣٥_ ٣٦]
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَانُونِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ]
حَقِيقَةُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ عَقْلًا وَلُغَةً: هُوَ الْمَعْنَى الْكُلِّيُّ الْمُطْلَقُ الَّذِي يَرْتَسِمُ فِي الذِّهْنِ عِنْدَ سَمَاعِ اللَّفْظِ الْمُجَرَّدِ (كَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْوُجُودِ) قَبْلَ أَنْ يُضَافَ إِلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ. وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ جِسْرُ الْفَهْمِ الَّذِي بِهِ يَعْقِلُ الْبَشَرُ خِطَابَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
الْإِضَافَةُ وَقَطْعُ الْمُمَاثَلَةِ: الِاتِّفَاقُ فِي الِاسْمِ وَالْمَعْنَى الْكُلِّيِّ الذِّهْنِيِّ لَا يَقْتَضِي التَّمَاثُلَ فِي الْخَارِجِ؛ فَإِذَا أُضِيفَتِ الصِّفَةُ إِلَى الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ خَصَّتْهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَتَبَرَّأَتْ مِنْ نَقْصِ الْخَلْقِ، وَإِذَا أُضِيفَتْ إِلَى الْمَخْلُوقِ خَصَّتْهُ بِمَا يُنَاسِبُ ضَعْفَهُ وَفَنَاءَهُ.
جِنَايَةُ نَفَاةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ: مَنْ نَفَى هَذَا الْأَصْلَ الْعَقْلِيَّ اللَّغَوِيَّ، لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَفْهَمَ عَنِ اللَّهِ شَيْئًا، فَيَقَعُ حَتْمًا فِي تِيهِ الْأَعْجَمِيَّةِ وَتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ.
♤______________________________________________________________________________♤
١٩_ قلت « اعْلَمْ أَنَّ تَمَيُّزَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْيَانِ فِي الْخَارِجِ مَنُوطٌ بِـالْقَدْرِ الْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ -وَهُوَ مَا يَخُصُّ كُلَّ مَوْصُوفٍ وَيَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِيهِ ، فَإِذَا كَانَ -الْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ- كُلِّيًّا لَا يُوجَدُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مُقَيَّدًا؛ فَإِنَّ -الْقَدْرَ الْفَارِقَ- هُوَ الَّذِي بِهِ تَتَعَيَّنُ الْحَقَائِقُ وَالْقَوْلُ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِهِ، لَهَا مِنَ الْعَظَمَةِ وَالصَّمَدِيَّةِ مَا يَكُونُ هُوَ قَدْرَهَا الْفَارِقَ الْمُمَيِّزَ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ عَقْلًا وَشَرْعًا ، وَهَذَا تَطْبِيقٌ لِقَاعِدَةِ: مَا مِنْ شَيْئَيْنِ إِلَّا بَيْنَهُمَا قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فِي الذِّهْنِ عَامٌّ قَبْلَ الْإِضَافَةِ، وَقَدْرٌ فَارِقٌ مُمَيِّزٌ مُخَصِّصٌ بَعْدَ الْإِضَافَةِ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَانُونِ الْقَدْرِ الْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ]
التَّعْيِينُ فِي الْخَارِجِ: إِذَا كَانَ الْفَهْمُ فِي الذِّهْنِ مَنُوطًا بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، فَإِنَّ تَعَيُّنَ الْحَقَائِقِ فِي الْخَارِجِ وَوُجُودَهَا الْحَقِيقِيَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِـ (الْقَدْرِ الْفَارِقِ الْمُمَيِّزِ)؛ لِأَنَّ الْكُلِّيَّاتِ لَا تُوجَدُ فِي الْخَارِجِ مُطْلَقَةً، بَلْ مُقَيَّدَةً مُخَصَّصَةً.
خُصُوصِيَّةُ الصِّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ: الْقَوْلُ فِي صِفَاتِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ أَنَّهَا خَاصَّةٌ بِهِ، لَهَا مِنَ الْعَظَمَةِ وَالصَّمَدِيَّةِ مَا يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، وَهَذَا هُوَ التَّطْبِيقُ الْعَقْلِيُّ وَالشَّرْعِيُّ لِقَاعِدَةِ التَّمَايُزِ بَعْدَ الْإِضَافَةِ.
♤______________________________________________________________________________♤
٢٠_ قلت « قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: جَاءَتْ طَرِيقَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ بِالْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ وَالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ؛ فَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ كُلَّ كَمَالٍ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ، وَيَنْفُونَ عَنْهُ النَّقْصَ وَالْمُمَاثَلَةَ نَفْيًا مُجْمَلًا.
وَأَمَّا طَرِيقَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْكَلَامِ فَعَلَى الضِّدِّ مِنْ ذَلِكَ؛ حَيْثُ أَقْبَلُوا عَلَى النَّفْيِ الْمُفَصَّلِ الَّذِي لَمْ يَرِدْ بِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ فَقَالُوا عَنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لَيْسَ بِجِسْمٍ، وَلَا عَرَضٍ، وَلَا جَوْهَرٍ؛ فَوَقَعُوا فِي سَلْبِ الْمَحَامِدِ وَتَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنْ كَمَالِهِ.[الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، الصَّفْحَاتُ 21 وَ 25 (حَيْثُ قَرَّرَ قَاعِدَةَ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ الْمُفَصَّلِ وَالنَّفْيِ الْمُجْمَلِ عِنْدَ الرُّسُلِ، وَمَا قَابَلَهَا مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السَّلْبِ وَالتَّعْطِيلِ).]
وَأَهْلُ الْكَلَامِ: الْمَدْحُ الصَّرِيحُ وَالتَّعْظِيمُ الْبَلِيغُ عِنْدَهُمْ مَقْلُوبٌ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَدْحُ بِتَعْدِيدِ الْمَحَامِدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْجَلَالِ صِفَةً صِفَةً، مَعَ تَنْزِيهِ الْمَوْصُوفِ عَنِ الْعُيُوبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَكُلُّ نَفْيٍ لَمْ يَتَضَمَّنْ إِثْبَاتًا لِكَمَالِ ضِدِّهِ فَهُوَ عَدَمٌ، وَالْعَدَمُ الْمَحْضُ لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ، وَمَنْ طَرَدَ النَّفْيَ الْمُفَصَّلَ فَقَدْ شَبَّهَ رَبَّهُ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ».[الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، الصَّفْحَاتُ 232 وَ 235 (وَفِيهِ بَيَانُ أَنَّ النَّفْيَ لَا يَكُونُ كَمَالًا إِلَّا إِذَا تَضَمَّنَ إِثْبَاتَ ضِدِّهِ، وَإِلَّا كَانَ عَدَمًا مَحْضًا لَا يَمْدَحُ بِهِ إِلَّا الْمَعْدُومُ).]
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِمَنْهَجِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ بَيْنَ الْوَحْيِ وَالْكَلَامِ]
قلت :أن مَنْهَجُ الْأَنْبِيَاء: مَبْنِيٌّ عَلَى تَعْدِيدِ الْمَحَامِدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ صِفَةً صِفَةً عَلَى الْوَجْهِ الْمُفَصَّلِ، مَعَ تَنْزِيهِ الرَّبِّ عَنِ النَّقَائِصِ وَالْمُمَاثَلَةِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَهَذَا هُوَ التَّعْظِيمُ الْبَلِيغُ الَّذِي تَنْشَرِحُ لَهُ الْفِطَرُ.
وقلت أن المَسْلَكُ الْكَلَامِيُّ: قَامَ عَلَى طَرْدِ النَّفْيِ الْمُفَصَّلِ بِأَلْفَاظٍ بِدْعِيَّةٍ مُجَمَّلَةٍ لَمْ تَرِدْ فِي الْوَحْيِ، مِمَّا أَدَّى بِهِمْ إِلَى سَلْبِ الْمَحَامِدِ، وَتَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنْ كَمَالِهِ، حَتَّى شَبَّهُوهُ بِالْمَعْدُومَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ؛ لِأَنَّ النَّفْيَ الْمَحْضَ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ ثُبُوتًا لَا مَدْحَ فِيهِ وَلَا كَمَالَ.
♤______________________________________________________________________________♤
٢١_ قلت أن :« قَاعِدَةُ الِاسْتِفْسَارِ وَالِاسْتِفْصَالِ فِي الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ وَالْمُبْتَدَعَةِ عِنْدَ تَنَازُعِ النُّظَّارِ ، وعلاجها السؤال [بماذا تقصد من هذا اللفظ ]فإن كان حق أخذنا به مع رد اللفظ المبتدع ، وإن كان باطل نرد على صاحبه لحظه ولا يجوز إستعمال هذه الألفاظ في التأصيل الشرعي التعلمي وإنما يكون الاستعمال عِنْدَ تَنَازُعِ النُّظَّارِ ، وَالْأَلْفَاظُ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ:
أَوَّلًا: أَلْفَاظٌ شَرْعِيَّةٌ: وَهِيَ مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُنَّةِ؛ مِثْلُ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَمَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ؛ فَهَذِهِ يُثْبَتُ لَفْظُهَا وَمَعْنَاهَا.
ثَانِيًا: أَلْفَاظٌ جَاءَتْ صَرِيحَةً فِي إِجْمَاعِ السَّلَفِ: لِتَقْرِيرِ مَعْنًى صَحِيِحٍ فِي الْعَقِيدَةِ فِي بَابِ الْإِخْبَارِ؛ مِثْلُ: (بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ)، وَ(ذَاتُ اللَّهِ)، وَ(الْقُرْآنُ كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ)؛ فَهَذِهِ جَائِزَةٌ مَقْبُولَةٌ.
ثَالِثًا: أَلْفَاظٌ فِي بَابِ الرَّدِّ وَالْمُقَابَلَةِ: وَهِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ بِهَا بَعْضُ السَّلَفِ لِلرَّدِّ عَلَى خُصُومِهِمْ؛ مِثْلُ: (الْقَدِيمِ)، وَ(الْحَدِّ)؛ وَحُكْمُهَا أَنْ يُسْأَلَ عَنِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ بِهَا، مَعَ اشْتِرَاطِ أَلَّا تَتَضَمَّنَ نَقْصًا، فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ أَحْسَنُ مِنْهَا فِي التَّعْبِيرِ كَانَ الْعُدُولُ إِلَيْهِ هُوَ الْمُوَافِقَ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ.
رَابِعًا: أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ حَادِثَةٌ تَعَمَّدَهَا الْمُبْتَدِعَةُ: مِثْلُ: (الْجِسْمِ، وَالْمُمَاسَّةِ، وَالتَّحَيُّزِ، وَالْجِهَةِ، وَالْمَكَانِ، وَالْجَوْهَرِ الْبَسِيطِ، وَالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأَغْرَاضِ، وَالْحَادِثِ)؛ فَهَذِهِ يُمْنَعُ التَّكَلُّمُ بِهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ مُطْلَقًا.
[ مَجْمُوعُ الْفَتَاوَى، الْمُجَلَّدُ الثَّانِي عَشَرَ (12)، الصَّفْحَاتُ مَا بَيْنَ 114 إِلَى 116 (حَيْثُ فَصَّلَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَقْسَامَ الْأَلْفَاظِ وَأَحْكَامَهَا عِنْدَ تَنَازُعِ أَهْلِ النَّظَرِ).]
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: فَالْأَصْلُ الْمُرْتَجَزُ عِنْدَ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ الْحَادِثِ هُوَ الِاسْتِفْسَارُ فِي اللَّفْظِ وَالِاسْتِفْصَالِ فِي الْمَعْنَى؛ فَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ حَقًّا يُوَافِقُ الْوَحْيَ قَبِلْنَا مَعْنَاهُ وَعَبَّرْنَا عَنْهُ بِالْأَلْفَاظِ الْشَّرْعِيَّةِ وَرَدَدْنَا اللَّفْظَ، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا رَدَدْنَاهُ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا، وَقُلْنَا لِصَاحِبِهِ: هَذَا لَفْظٌ مُبْتَدَعٌ لَا يُقْبَلُ إِطْلَاقًا؛ إِذْ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا جَرَى بِهِ لِسَانُ الْعَرَبِ».
[الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، الْمُجَلَّدُ الثَّالِثُ (3) الصَّفْحَاتُ مَا بَيْنَ 925 إِلَى 928 (وَفِيهِ تَقْرِيرُهُ لِلْقَانُونِ الْمُرْتَجَزِ فِي الِاسْتِفْسَارِ وَالِاسْتِفْصَالِ وَرَدِّ الْأَلْفَاظِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي لَمْ يَجْرِ بِهَا لِسَانُ الْعَرَبِ).]
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ لِقَاعِدَةِ الِاسْتِفْسَارِ وَالِاسْتِفْصَالِ]
مَحَلُّ الْقَاعِدَةِ: هَذَا الْأَصْلُ التَّأْسِيسِيُّ إِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ مَقَامِ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَتَنَازُعِ النُّظَّارِ لِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَفَكِّ الِاشْتِبَاكِ اللَّفْظِيِّ، أَمَّا فِي مَقَامِ التَّعْلِيمِ وَالتَّلْقِينِ فَلَا يَجُوزُ لِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ يَسْتَعْمِلَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الْحَادِثَةَ الْمُجْمَلَةَ، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى مَحْضِ الْوَحْيِ.
حَقِيقَةُ الْعِلَاجِ السَّلَفِيِّ: عِنْدَ وُرُودِ اللَّفْظِ الْمُجْمَلِ الْبِدْعِيِّ، يَكُونُ الْعِلَاجُ بِالِاسْتِفْسَارِ فِي اللَّفْظِ وَالِاسْتِفْصَالِ فِي الْمَعْنَى؛ فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى حَقًّا قُبِلَ الْمَعْنَى وَرُدَّ اللَّفْظُ عَلَى صَاحِبِهِ لِكَوْنِهِ مُحْدَثًا، وَإِنْ كَانَ بَاطِلًا رُدَّ اللَّفْظُ وَالْمَعْنَى جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا.
♤______________________________________________________________________________♤
٢٢_ قلت « التَّطْبِيقُ الْعَمَلِيُّ لِقَاعِدَةِ الِاسْتِفْصَالِ عَلَى الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ الدَّائِرَةِ بَيْنِ النُّفَاةِ وَالْمُثْبِتَةِ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: فَالْجِهَةُ وَالْحَيِّزُ إِنْ أُرِيدَ بِهِمَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مَخْلُوقٌ يَحْصُرُ الرَّبَّ فَهُوَ بَاطِلٌ تَنْفِيهِ الصَّمَدِيَّةُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَهُوَ حَقٌّ يَشْهَدُ لَهُ الْعَقْلُ وَالنَّقْلُ، وَنَرُدُّ عَلَى قَائِلِهَا أَلْفَاظَهُمُ الْمُجْمَلَةَ الْمُبْتَدَعَةَ.
وَأَمَّا الْحَدُّ : فَإِنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَهُ حَدٌّ يَعْلَمُهُ هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَا يَعْلَمُهُ الْعِبَادُ، وَالْحَدُّ هُوَ تَمَايُزُهُ عَنْ خَلْقِهِ وَبَيْنُونَتُهُ لَهُمْ؛ فَمَنْ نَفَى الْحَدَّ مُطْلَقًا لَزِمَهُ الْقَوْلُ بِالْحُلُولِ أَوِ الْعَدَمِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ بِمَعْنَى حَدِّ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ فَقَدْ شَبَّهَ، وَالصَّوَابُ أَنَّ لِلَّهِ حَدًّا يَخُصُّهُ لَا يُشْبِهُ حُدُودَ الْمُحْدَثَاتِ.
[دَرْءُ تَعَارُضِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، الْمُجَلَّدُ الْخَامِسُ (5)، الصَّفْحَاتُ 241 وَ 244 (وَفِيهِ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ وَالْحَدِّ وَتَقْرِيرُ بَيْنُونَةِ الْبَارِي عَنْ خَلْقِهِ)]
وَاعْلَمْ أَنَّ تَهْوِيلَ النُّفَاةِ بِالْأَلْفَاظِ وَنَشْرَهَا كَـ (التَّجْسِيمِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَالْأَغْرَاضِ، وَالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَالْجَوْهَرِ الْبَسِيطِ، وَالْهَيُولَى)، وَكَذَا (الْعِلَلِ الْأَرْبَعِ: كَالْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ وَالْعِلَّةِ الصُّورِيَّةِ)، هُوَ مَحْضُ طَلَاسِمَ لَفْظِيَّةٍ لِصَرْفِ الْقُلُوبِ عَنِ الْإِثْبَاتِ الشَّرْعِيِّ.
الصَّوَاعِقُ الْمُرْسَلَةُ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ، الْمُجَلَّدُ الثَّالِثُ (3)، الصَّفْحَاتُ مَا بَيْنَ 1212 إِلَى 1216 (وَفِيهِ كَشْفُ الطَّلَاسِمِ الْيُونَانِيَّةِ وَأَلْفَاظِ الْمَشَّائِينَ وَأَرِسْطُو، وَكَيْفَ أَنَّهَا أَلْفَاظٌ اسْتِعْمَارِيَّةٌ دَخِيلَةٌ نُفِيَتْ بِهَا حَقَائِقُ الْوَحْيِ).
وَهِيَ أَلْفَاظٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ يُونَانِيَّةٌ، جَاءَتْ مِنْ مَدْرَسَةِ أَفْلَاطُونَ، وَمَدْرَسَةِ أَرِسْطُو، وَمَدْرَسَةِ الْمَشَّائِينَ؛ فَهِيَ اصْطِلَاحَاتٌ غَرِيبَةٌ عَنِ الْعَقْلِ السَّلِيمِ وَالنَّقْلِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَمَا كَانَ مِنْ مَعَانِيهَا يَقْضِي بِنَفْيِ فِعْلِ اللَّهِ الِاخْتِيَارِيِّ أَوْ حِكْمَتِهِ رَدَدْنَاهُ بَاطِلًا، وَمَا كَانَ يُرَادُ بِهِ حَقِيقَةُ وُجُودِ الذَّاتِ أَوْ حِكْمَتُهُ فِي الْأَمْرِ قَبِلْنَا مَعْنَاهُ، وَرَمَيْنَا الْأَلْفَاظَ الْبِدْعِيَّةَ الِاسْتِعْمَارِيَّةَ الَّتِي لَا يَنْطِقُ بِهَا الْكِتَابُ وَلَا السُّنَّةُ وَلَا لِسَانُ الْعَرَبِ».
[تَأْصِيلٌ عَقَدِيٌّ فِي تَفْكِيكِ الطَّلَاسِمِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَالْكَلَامِيَّةِ]
- تَطْبِيقُ الِاسْتِفْصَالِ: لَفْظَا (الْجِهَةِ وَالْحَيِّزِ) إِنْ أُرِيدَ بِهِمَا جِهَةٌ مَخْلُوقَةٌ تَحْصُرُ اللَّهَ فَهَذَا بَاطِلٌ تَنْفِيهِ الصَّمَدِيَّةُ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمَا أَنَّهُ فَوْقَ الْعَالَمِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ فَهُوَ حَقٌّ تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ وَالْوَحْيُ، وَنَرُدُّ اللَّفْظَ الْمُبْتَدَعَ فِي الْحَالَيْنِ.
- إِثْبَاتُ الْحَدِّ الشَّرْعِيِّ: لِلَّهِ تَعَالَى حَدٌّ يَعْلَمُهُ هُوَ سُبْحَانَهُ وَلَا يَعْلَمُهُ الْعِبَادُ وَالْحَدُّ هُوَ بَيْنُونَتُهُ عَنْ خَلْقِهِ وَتَمَايُزُهُ عَنْهُمْ؛ فَمَنْ نَفَاهُ مُطْلَقًا لَزِمَهُ الْحُلُولُ أَوِ الْعَدَمُ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ كَحُدُودِ الْأَجْسَامِ فَقَدْ شَبَّهَ، وَالصَّوَابُ إِثْبَاتُ حَدٍّ يَخَصُّهُ لَا يُشْبِهُ حُدُودَ الْمَخْلُوقَاتِ.
- الْمَصَادِرُ الْيُونَانِيَّةُ: الْأَلْفَاظُ الْمُحْدَثَةُ كَالتَّجْسِيمِ، وَالْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، وَالْهَيُولَى، وَالْعِلَلِ الْأَرْبَعِ، هِيَ طَلَاسِمُ اصْطِلَاحِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ دَخِيلَةٌ مِنْ مَدَارِسِ (أَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَالْمَشَّائِينَ)، غَرَضُهَا صَرْفُ الْقُلُوبِ عَنِ الْإِثْبَاتِ الشَّرْعِيِّ؛ فَمَا نَفَى صِفَاتِهِ وَحِكْمَتَهُ رَدَدْنَاهُ، وَمَا أَثْبَتَ وُجُودَ الذَّاتِ قَبِلْنَا مَعْنَاهُ وَرَمَيْنَا لَفْظَهُ المجمل المبتدع .
♤______________________________________________________________________________♤
٢٣_ قلت « نُعُوتُ الْفِعْلِ الْمُقَيَّدَةُ بِالْمُقَابَلَةِ وَالْمُشَاكَلَةِ بَيْنَ الْإِثْبَاتِ وَالتَّأْوِيلِ: كُلُّ مَا وَرَدَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي أُطْلِقَتْ فِي حَقِّ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا مُقَابَلَةً وَمُشَاكَلَةً لِأَفْعَالِ الْعِبَادِ؛ كَالْمَكْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54]، وَالْكَيْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15-16]، وَالْخِدَاعِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]، وَالْنِّسْيَانِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى التَّرْكِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} [التوبة: 67]، وَالسُّخْرِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [التوبة: 79]؛ فَالْوَاجِبُ فِيهَا إِثْبَاتُ مَعَانِيهَا حَقِيقَةً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى وَجْهِ الْكَمَالِ الَّذِي يَلِيقُ بِهِ.
فَالْمُشَاكَلَةُ وَالْمُقَابَلَةُ لَا نَنْفِي فِيهَا صِفَاتِهِ تَعْطِيلًا لِلَّفْظِ، وَلَا نُشَبِّهُهَا بِنَقْصِ الْمَخْلُوقِينَ تَمْثِيلًا؛ وَأَصْلُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّرَّ لَا يَدْخُلُ فِي أَفْعَالِهِ الْحَكِيمَةِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَإِنَّمَا يَقَعُ فِي قَوَالِبِ مَفْعُولَاتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ ذَاتِهِ عَدْلًا وَقِسْطًا.
وَكُلُّ نَفْيٍ سَلْبِيٍّ جَاءَ فِي النُّصُوصِ مَنْفِيًّا عَنْهُ؛ فَالْغَرَضُ مِنْهُ لَيْسَ الْعَدَمَ الْمَحْضَ، بَلْ إِثْبَاتُ كَمَالِ الضِّدِّ النُّعُوتِيِّ أَبَدًا؛ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ مَا جَاءَ النَّفْيُ إِلَّا وَجَاءَ فِي الْمُقَابِلِ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ الضِّدِّ مِنَ النُّعُوتِ الثَّابِتَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ابْتِدَاءً».
♤______________________________________________________________________________♤
٢٤__ قلت : مفهوم الإضافة والتخصيص
[ في دفع توهم التشبيه في صفات الباري سبحانه]
١_قال الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه:
«كل ما سمى الله به نفسه أو وصف به نفسه مما سمى به نفسه أو وصف به نفسه فالإضافة فيه تقطع شبه المخلوقين، فلا نحن نجرح ولا نكيف، بل نثبت المعنى وننفي المثيل». [أحمد بن حنبل، عقيدة أصول السنة (رواية أبي بكر الخلال)، ص 74-76].
٢_قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والاعتماد في هذا الباب على أن الاتفاق في الاسم العام المجرد لا يوجب الاتفاق عند الإضافة والتخصيص، فالقول في الصفات كالقول في الذات حذو القذة بالقذة».
[ ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، الرسالة التدمرية، ص 41-43].
■ يُعالج هذا المبحث قضية دلالية وعقدية غاية في الأهمية، وهي أثر "الإضافة والتخصيص" في دفع توهم التشبيه في صفات الباري سبحانه.
■والتحليل العلمي لهذين النصين يرتكز على المعاني التالية:إن الألفاظ والأسماء قبل أن تُضاف وتُقيد، تكون مستقرة في الذهن على معنى كلي مشترك ومجرد، يفهم منه السامع أصل المعنى (كالعلم والسمع واليد).
■لكن هذا المعنى العام لا وجود له في الخارج محققًا إلا في ضمن أعيان مضافة فإذا وقعت "الإضافة إلى الله" سبحانه، انقطع ذلك الاشتراك الذهني فورًا وتحول اللفظ من العموم الإيجادي إلى الخصوص المانع؛ إذ تكسب الصفة المضافة من جلال المضاف إليه وعظمته وتقديسه ما يقطع دابر التشبيه، ويمنع العقل من سحب عوارض المخلوقين (كالحدوث، والبعضية، والتكييف) على صفات الخالق جل وعلا.
■وبناءً على هذا التأصيل اللغوي والعقلي : يستقيم منهج السلف في طرد القاعدة: [أن القول في الصفات كالقول في الذات] ، فكما أن إضافة "الذات" إلى الله قطعت شبه الذوات؛ فإن إضافة "الصفات" إليه تقطع شبه الصفات تماثلًا تامًا (حذو القذة بالقذة)، فيتحقق الإثبات الحقيقي للمعنى مع التنزيه المطلق عن الشبيه والمثيل.
♤______________________________________________________________________________♤
٢٤_حجية أخبار الآحاد في العقيدة والرد على النفاة
[قلت] «كل خبر صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط موصولًا إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة؛ فهو حجة قطعية في الدين يجب اعتقاد موجبه والعمل بمقتضاه، سواء كان في أبواب الأحكام العملية أو في أصول العقائد العلمية ، والقول بأن الآحاد ظنية لا تثبت بها العقيدة هو بدعة خلفية جهمية كلامية، لا أصل لها في كتاب الله، ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان.
فنحن لا ننفي حجيتها تعطيلًا للآثار، ولا نقسم الدين إلى عملٍ يثبت بالظن، وعقيدةٍ تشترط لها التواتر؛ تمثيلًا لمناهج أهل الأهواء ، وأصل ذلك: أن الخبر الواحد المقبول إذا احتفت به القرائن، أو تلقته الأمة بالقبول؛ أفاد العلم اليقيني النظري، خلافًا للمتكلمين. وكل تعطيل لهذا الأصل يقود حتماً إلى هدم الشريعة، وتفريغ باب الأسماء والصفات والسمعيات من مضامينها الأثرية أبدًا»
[[1] يُنظر في تأصيل هذه المسألة: ابن قيم الجوزية، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ص 340-420 (حيث أفاض في هدم طاغوت رد أخبار الآحاد بـ 110 وجوه) [ ٢] والخطيب البغدادي، الكفاية في علم الرواية، ص 132.
قلت : يُقرر هذا المبحث أصلًا عظيمًا من أصول الاستدلال، وهو إيجاب قبول خبر الواحد العدل الضابط في جميع أبواب الدين، دون تفريق بين عملٍ واعتقاد. والتحليل المنهجي للنص يتناول الأبعاد التالية:
■إبطال التقسيم المحدث للدين: إن تقسيم الشريعة إلى "مسائل علمية اعتقادية" تشترط التواتر، و"مسائل عمليّة فرعيّة" يُكتفى فيها بالآحاد، هو تقسيم مخترع لم يعرفه الصدر الأول من الصحابة والتابعين. بل كان الصحابة يقبلون خبر الواحد في العقيدة (كتحويل القبلة، وإرسال الآحاد لتعليم القبائل أصول التوحيد) كما يقبلونه في الأحكام سواءً بسواء.
■إفادة خبر الواحد للعلم: النص يُقعد المسألة المحررة عند المحدثين؛ وهي أن خبر الواحد لا يقتصر على إفادة الظن مطلقًا، بل إن المقبول منه إذا احتفت به القرائن (كإخراج الشيخان له، أو كونه مشهورًا) أو تلقته الأمة بالقبول والتصديق، فإنه يُفيد العلم اليقيني النظري (أي العلم المستند إلى النظر والاستدلال بسلامة الأسانيد).
■اللازم الفاسد لقول النفاة: يُبين النص أن القول بظنية الآحاد في العقيدة يؤدي إلى هدم الشريعة؛ لأن غالب أحاديث الأسماء والصفات، وأمور الغيب والسمعيات (كعذاب القبر، والحوض، والشفاعة) إنما ثبتت بطرق الآحاد الصحيحة. فتعطيلها بحجة أنها "آحاد" هو تفريغ حقيقي للاعتقاد الأثري من محتواه، وهو المآل الذي سعى إليه الجهمية والمعطلة.
♤_______________________________________________________________________________♤
٢٥_أسماء الله أعلام وأوصاف
(إثبات التلازم بين الاسم والوصف حقيقة لا مجاز )
قلت :«أَسماءُ الربِّ جلَّ جلالُهُ أَعلامٌ وأَوصافٌ؛ هي أَعلامٌ باعتبارِ دَلالتِها على الذَّاتِ المُقدَّسةِ، وأَوصافٌ باعتبارِ ما تضمنَتْهُ من معاني الكَمالِ والنُّعوتِ حقيقةً لا مَجازًا ، فالتَّلازُمُ بين الاسمِ والوَصْفِ فيها قائمٌ ثابتٌ لا ينفكُّ أبدًا، خِلافًا لمن جعلَها أَعلامًا جامدةً سلبيَّةً لا مَعانيَ لها كالجهميَّةِ والمعتزلةِ، أو جعلَ أوصافَها مَجازًا عن بعضِ الأفعالِ أو الإرادةِ كالأشاعرةِ ، فنسيرُ في إبطالِ مذاهبِهم نَسْرًا مُحقَّقًا مُسترسِلًا، نَقْطَعُ به زُجاجَ النُّفاةِ، ونَعُدُّ النُّقولَ لأهلِها عَدْلًا وإمامةً»[1].
قلت : يُؤصِّل هذا المبحث للقاعدة الكلية الثانية في فقه الأسماء الحسنى، وهي جمعها بين "العَلَمية" الدالة على الذات، و"الوَصفية" الدالة على صفات الكمال، ويمكن تفكيك هذا المتن عبر الأوجه التالية:
■ثنائية الدلالة (العلمية والوصفية): أسماء العباد قد تكون ألقابًا جامدة؛ فقد يُسمَّى المرء (صالحًا) وهو طالح، أو (بصيرًا) وهو أعمى.
■أما أسماء الله تعالى فهي أعلام وأوصاف معًا؛ فهي "أعلام" لأنها تدل على ذات واحدة وهي ذات الباري سبحانه، وهي "أوصاف" لأن كل اسم منها مشتق من صفة كمال حقيقية قائمة بذاته (فالعليم متضمن لصفة العلم، والقدير متضمن لصفة القدرة وهكذا).
■إبطال مسلك غلاة المعطلة (الجهمية والمعتزلة): زعم الجهمية والمعتزلة أن أسماء الله أعلام جامدة لا تدل على صفات، فقالوا: (عليم بلا علم، بصير بلا بصر) فرارًا -في زعمهم- من تعدد القدماء! وهذا مسلك يُفرغ الأسماء من مضامينها الإلهية ويجعلها كالألقاب الميتة، وهو ما رده المتن ببيان أن التلازم بين الاسم والوصف حتمي لا ينفك.
■إبطال مسلك الصفاتية السبعة (الأشاعرة): الأشاعرة أثبتوا الأسماء، لكنهم تلاعبوا بالصفات المشتقة منها؛ فلم يثبتوا من صفات المعاني إلا سبعًا، وجعلوا باقي الصفات المتضمنة في الأسماء (كالرحمة، والغضب، والوجه، واليدين) مجازًا يرجع إما إلى صفة "الإرادة" (كإرادة الإنعام في الرحمة) أو إلى "الفعل" المخلوق (كالنعمة نفسها)،فجاء المتن ليقطع هذا الزجاج الكلامي المغشوش ويثبت الصفات حقيقةً لا مجازًا.
♤_______________________________________________________________________________♤
٢٨_ أسماء الله تعالى حسنى (بلوغها الغاية في الكمال والجمال ونفي النقص)
«إنَّ أَسماءَ الرَّبِّ جلَّ جلالُهُ كلَّها حُسْنى، وعِلَّةُ حُسْنِها: بُلوغُها الغايةَ القُصْوى في الكَمالِ والجمالِ، فلا يعتريها نقصٌ ولا احتمالُ نقصٍ بوجهٍ من الوجوهِ؛ لا في انفرادٍ ولا اقترانٍ. والحُسْنُ فيها ثابتٌ للَّفظِ والمعنى جميعًا، فهي حُسْنى في مبانيها الشريفةِ، وحُسْنى في حقائقِ نُعوتِها المنيفةِ. وكلُّ لفظٍ يُوهِمُ غَضاضةً، أو يحتملُ ضدَّ الكمالِ؛ فَمَنْفِيٌّ عن حظيرةِ الأسماءِ مَنْعًا باتًّا. فسبحانَ من تقدَّستْ أسماؤُهُ عن شوائبِ النَّقائصِ! فنسيرُ في بيانِ هذا الكمالِ نَسْرًا مُحقَّقًا مُسترسِلًا، ونَعْزو النُّقولَ لأهلِها عَدْلًا وإمامةً»[انظر تأصيل هذه القاعدة واستشهاداتها في: ابن قيم الجوزية, بدائع الفوائد, (1/165-167)؛ ابن تيمية, مجموع الفتاوى, (22/483)؛ وابن عثيمين, القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى, ص 7-9.].
قلت :
■يُقرر هذا المبحث المحور الدلالي المركزي لأسماء الله تعالى، وهو وصفها بـ "الحسنى" كأصلٍ حاكم وميزانٍ ضابط يُقضى به على كل ما يُثبت أو يُنفى في هذا الباب.
■ويمكن تحليل المتن عبر الأبعاد التالية: علة الحُسْن المطلق (صيغة التفضيل): كلمة "حُسنى" في لغة العرب هي مؤنث "الأحسن"، فهي صفةُ تفضيلٍ تدل على الغاية والذروة. وعلة هذا الحُسْن -كما بَيّن المتن- هي بلوغ الأسماء الإلهية الغاية القصوى في الكمال والجمال.
■فلا يوجد في الوجود كله أسماء أحسن منها ولا أكمل، لكونها دالة على أكمل الذوات وأقدس النعوت.
■نفي النقص في الانفراد والاقتران: وضَع المتن ضابطًا سلفيًا دقيقًا؛ وهو أن أسماء الله مبرأة من النقص الذاتي أو الاحتمالي مطلقًا. وهذا الكمال مطرد في حالين:
●حال الانفراد: كاسم (الحي) أو (العزيز)، فكل اسم بمفرده دال على كمال مطلق.
●حال الاقتران: كقرن (العزيز الحكيم) أو (الغني الحميد)، فالاقتران يُنتج كمالًا فوق كمال؛ فعزته مقرونة بحكمة (ليست عزة بطش وظلم)، وغناه مقرون بحمد (ليس غنى بخل أو استعلاء).
■تلازم حُسْن اللفظ والمعنى والرد على أهل الغضاضة: الحسن ليس مجرد رنين لفظي بل هو كمال حقيقي سارٍ في "اللفظ والمعنى جميعًا".
■وبناءً على هذا، فإن كل اسم يشوب لَفْظَهُ أو معناه أيُّ ملمح من ملامح النقص أو التردد بين الكمال وضده (كألفاظ: صانع، مهندس، مكر، خداع) يُنحَّى تمامًا عن حظيرة الأسماء؛ لأن أسماء الباري منزهة عن سائر شوائب النقص والقصور البشرية.
♤___________________________________________________♤
٢٩_ عدم حصر الأسماء الحسنى بعدد معين وتحقيق حديث التسعة وتسعين
قلت «أَسماءُ الربِّ جلَّ جلالُهُ غيرُ محصورةٍ بعددٍ معيَّنٍ، ولا تَقِفُ عند غايةٍ عدديَّةٍ يُحاطُ بها الخَلْقُ؛ لأنَّ كمالاتِ ذاتِهِ لا نهايةَ لها، فكذلك نُعوتُهُ وأَسماؤُهُ لا نهايةَ لها. أمَّا حديثُ التِّسعةِ والتِّسعينَ اسمًا، فإنَّهُ قضيَّةٌ مستقلةٌ حَدُّها: بيانُ فضْلِ الـمُحْصِي لها، لا نفيُ ما عَداها من الأسماءِ الـمُستأثَرِ بها في غيبِهِ الـمَصونِ. فمن جعلَ الأسماءَ محصورةً في ذلك العَدَدِ، فقد جَهِلَ معنى الحديثِ لُغةً وسياقًا، ونَكَبَ عن جادَّةِ التَّحقيقِ التي سَلَكَهَا جَهابِذةُ الأَثَرِ. فنسلكُ طريقَ الاستقصاءِ نَسْرًا مُسترسِلًا تتبينُ به الأوجُهُ، ونَعْزو النُّقولَ لأهلِها بالعدلِ والإنصافِ»[١_ انظر تَحْرِيرَ هذه المسألةِ وسَنَدِ الحديثِ في: ابن حجر العسقلاني، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، (11/215) حيثُ نَقَدَ طُرُقَ حَدِيثِ الأسماءِ وبَيَّنَ إدْراجَ الوَلِيدِ٢_ ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، (1/168)
٣_والترمذي، سنن الترمذي، عَقِبَ حديث رقم (3507) حَيْثُ غَرَّبَ الرِّوايَةَ.].
[قلت] «وأصلُ حديثِ التِّسعةِ والتِّسعينَ اسمًا الموعودِ مُحْصِيها بالجنَّةِ ثابِتٌ في الصَّحيحَيْنِ مِنْ حديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ مرفوعًا دُونَ سَرْدٍ للأسماءِ، وإنَّما وقَعَ السَّرْدُ مدرجًا مِنْ فِعْلِ الرّواةِ؛ وأشهرُها روايةُ الوليدِ بنِ مسلمٍ عندَ الترمذيِّ، وهو ممَّنْ عُرِفَ بتدليسِ التَّسويةِ، حيثُ عَمَدَ إلى سَرْدِ الأسماءِ تتبُّعًا واسْتِخْراجًا مِنْ تِلْقاءِ نفسِهِ، فأَدْخَلَ فيها جُملةً مِنَ الألفاظِ التي لم يَرِدْ عليها دليلٌ تَسْمِيَةً لا في الكتابِ ولا في السُّنَّةِ. فالواجبُ قَبولُ الأصْلِ الصَّحيحِ المرفوعِ، وردُّ المُدْرَجِ المعلُولِ الذي خالَفَ التَّوقيفَ، وعَزْلُ ما لَمْ يَثْبُتْ نَقْدًا؛ لأنَّ بَابَ الأسماءِ غَيْبٌ مَصُونٌ اسْتَأْثَرَ اللهُ به، والقولُ فيه بغيرِ أَثَرٍ مَحْضٍ مَحْظُورٌ. فنسيرُ في هذا البيانِ نَسْرًا مُستقصِيًا مُسترسِلًا تتبيَّنُ به الطُّرقُ والعللُ، ونَعْزو النُّقولَ لأهلِها بالعدلِ والإنصافِ» [ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، تحقيق: علي بن محمد العمران، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، ط1، 1425هـ، المجلد الأول، ص 168. ].
قلت: يُعالج هذا المبحث قضيةً عِلميَّةً دقيقةً جمعت بين فقه المتن وتحقيق السند، ويرتكز التحليل المنهجي له على المعاني التالية:
■لا تلازم بين التوقيف والحصر العددي: قد يتوهم البعض أن قولنا "الأسماء توقيفية" يقتضي حصرها بعدد، والصواب الذي قرره المتن أن أسماء الله لا نهاية لها؛ لأن الأسماء تابعة للنعوت والصفات، وصفات الرَّبِّ تابعة لكمالات ذاته، وذاته سبحانه لا نهاية لكمالاتها، فكذلك أسماءه. والعمدة في ذلك حديث الاستسقاء المشهور: «أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك»، وما استأثر الله به في علم غيبه لا يمكن للمخلوق حصرُه ولا الإحاطة به.
■فقه حديث التسعة وتسعين واسمًا ولغته: وجَّه المتن سياق حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة» توجيهًا لغويًا مستقيمًا؛ فالحديث جملة واحدة سياقها تقييد الوعد بالجنة لمن أحصى هذا العدد المعين من أسمائه، وليس سياقها حصر الأسماء كلها فيه.
■ونظيره في كلام العرب أن تقول: (عندي مائةُ جنديٍّ أعددتُهم للغزو)، فهذا لا ينفي أن يكون عندك جنود آخرون لغير الغزو.
■أثر النقد الحديثي والتحقيق السندّي: تضمن عنوان المبحث إشارة قاطعة إلى عِلة سَنَدية طالما نبه عليها جهابذة الأثر؛ وهي أن سرد الأسماء التسعة والتسعين الواقع في رواية سنن الترمذي وابن ماجه إنما جاء من طريق الوليد بن مسلم (وهو مدلس تدليس تسوية)، وقد أدرج هذا السرد في الحديث إما من قِبَل نفسه تتبعًا واستخراجًا من القرآن، أو من طريق بعض شيوخه، ولذا اختلفت الروايات في الألفاظ؛ ففيها أسماء ثابتة يقينًا في الكتاب والسنة، وفيها ألفاظ لم تثبت فيها التسمية الصريحة.
■فكان تحقيق جادّة الأثر يقتضي التفريق بين أصل الحديث الصحيح (المرفوع دون سرد)، وبين سرد الوليد المدرج.
♤___________________________________________________♤
٣٠_ باب الإخبار أوسع من باب الصفات وباب الصفات أوسع من باب الأسماء
قلت:«نُعوتُ الإلهيَّةِ والاطِّلاقاتُ اللَّفظيَّةُ مراتبُ ثلاثةٌ، كلُّ حدٍّ فيها مبنيٌّ على الاتِّساعِ والاحتياطِ؛ فبابُ الإخبارِ أوسعُ مدًى من بابِ الصِّفاتِ، وبابُ الصِّفاتِ أوسعُ رتبةً من بابِ الأسماءِ الحُسْنَى الموقوفةِ على النَّصِّ. فكلُّ اسمٍ يتضمَّنُ صفةً وليس كلُّ صفةٍ تتضمَّنُ اسمًا، وكلُّ صفةٍ يُخْبَرُ بها ولا عكسَ؛ بشرطِ ألَّا يكونَ فيها نقصٌ ولا عيبٌ ولا إيهامٌ، وألا تكونَ مُجْملةً ولا أنْ تكونَ مُبتدَعةً. فالأسماءُ الحُسْنَى بالغةٌ الغايةَ، والصِّفاتُ كمالٌ لا عيبَ فيه، والإخبارُ صدقٌ ينفي الكذبَ والوحشةَ التي يقصدُها النُّفاةُ»[ابن قيم الجوزية، بدائع الفوائد، تحقيق: علي بن محمد العمران، مكة المكرمة: دار عالم الفوائد، ط1، 1425هـ، المجلد الأول، ص 170-172. ].
يُقعد هذا المبحث لأهم القواعد المنهجية التي تميز بها أهل الحديث والأثر عن سائر المبتدعة والمناطقة في ضبط طرق الإطلاق اللفظي على ذات الباري سبحانه وتعالى. ويرتكز التحليل العلمي للمتن على الأبعاد التالية:
■الترتيب الهرمي لمراتب الإطلاق (الضيق والاتساع):قَسَّم المتن الألفاظ والنعوت الإلهية إلى ثلاث مراتب متداخلة يوسع بعضها بعضاً
١_ المرتبة الأولى والأضيق هي (الأسماء الحسنى) المحكومة بالتوقيف المطلق والبالغة الغاية في الكمال تليها
٢_ المرتبة الثانية وهي أوسع (الصفات)، وتأتي
٣_ المرتبة الثالثة وهي الأوسع على الإطلاق وهي (باب الإخبار) أو الإطلاق العقلي الصادق لتيسير الفهم ونفي دعاوى المعطلة.
علاقة التضمن واللزوم بين المراتب:
صاغ المتن الضابط الأثري في التلازم بقوله: «فكل اسم يتضمن صفة وليس كل صفة تتضمن اسماً»؛ فاسم الله (الرحيم) يتضمن صفة (الرحمة) قطعاً، ولكن هناك صفات ثبتت بالنص لا يُشتق لله منها أسماء كصفة (المجيء) من قوله {وَجَاءَ رَبُّكَ} وصفة (الإرادة)؛ فلا يقال من أسمائه "المائي" أو "المريد". وكذلك الأمر في العلاقة بين الصفة والإخبار؛ فكل صفة يصح الإخبار بها عن الله، ولكن يجوز الإخبار عن الله بألفاظ صادقة لم ترد كصفات مشتقة، كقولنا: الله (موجود، أو شيء، أو قديم الذات) من باب نفي العدم والوحشة.
شروط وضوابط باب الإخبار:
حتى لا ينفلت باب الإخبار التزاماً بـ "الاحتياط" المذكور في المتن، وضع ثلاثة شروط صارمة للألفاظ المخبر بها:
أولاً: نفي النقص والعيب والإيهام (فلا يخبر عنه بلفظ يحتمل ضعة).
ثانياً: ألا تكون مجملة حمالة أوجه تشابه مذهب أهل الكلام.
ثالثاً: ألا تكون مخترعة مبتدعة في سياق يضاهي التسمية والتشريع. فمقصود الإخبار تحقيق الصدق ونفي "الوحشة" التي يريدها النفاة المعطلة بجعل الذات الإلهية عدماً لا يوصف ولا يخبر عنه.
♤___________________________________________________♤
٣١_دلالة الأسماء الحسنى تنقسم إلى ثلاث دلائل: دلالة مطابقة، دلالة تضمن، دلالة التزام
«في بيانِ مسالكِ الفهمِ وأوجهِ الدَّلالاتِ: دلالةُ الأسماءِ الحُسْنَى على ذاتِ الباري وصفاتِهِ العُلْيا لا تخرجُ عن معاقدِ البيانِ الثَّلاثِ عندَ أهلِ النَّظرِ والأَثَرِ؛ وهي:
●الأُولَى دلالةُ المطابقةِ
●والثَّانيةُ دلالةُ التَّضمُّنِ
●والثَّالثةُ دلالةُ الالتزامِ
فالاسمُ يدلُّ على الذَّاتِ والصِّفةِ معًا بالمطابقةِ، وعلى أحدِهِما بالتَّضمُّنِ، وعلى ما خرجَ عنهما من لوازمِ الكمالِ بالالتزامِ ، ومَنْ حُرِمَ فهمَ هذه المسالكِ اللُّغويَّةِ الأصوليَّةِ ضَلَّ في بابِ الإثباتِ؛ فإمَّا أنْ يقعَ في جمودِ الظَّاهرِ المشبِّهِ، أو في تعطيلِ المتكلِّمِ المفرِطِ»[1].
قلت : ويُقعد هذا المبحث للمسالك البيانية الحاكمة لفهم نصوص الأسماء والصفات وفق دلالات الألفاظ عند علماء لسان العرب وأصول الفقه، ويرتكز التحليل العلمي للمتن على الأبعاد التالية:
ضبط الدلالات الثلاث في باب الأسماء والصفات: قسّم المتن أوجه الدلالة اللفظية إلى ثلاثة أقسام عقلية ولغوية لا يخرج اللفظ عنها، وطبَّقها على الأسماء الحسنى كالآتي:
دلالة المطابقة: وهي دلالة اللفظ على كامل معناه الذي وُضع له، كدلالة اسم (الخالق) على الذات الإلهية وصفة الخلق معًا.
دلالة التضمن: وهي دلالة اللفظ على جزء معناه الذي وُضع له، كدلالة اسم (الخالق) على الذات وحدها، أو على صفة الخلق وحدها.
دلالة الالتزام: وهي دلالة اللفظ على أمر خارج عن معناه الحقيقي لكنه ملازم له عقلاً وعرفاً لا ينفك عنه، كدلالة اسم (الخالق) على صفة (العلم) وصفة (القدرة)؛ إذ لا يكون الخالق خالقاً إلا إذا كان عالماً قادراً، فالعلم والقدرة لازمان لصفة الخلق وخارجان عن اللفظ الصريح.
عصمة المنهج البياني المشترك: وصف المتن هذه المعاقد بأنها محل اتفاق بين «أهل النظر والأثر»؛ لأن القواعد العقلية السليمة تطابق النقول الشرعية الصحيحة، فجمعِها يُعَد ميزاناً يمنع الخلل في فقه الوحيين.
مآلات الجهل بمسالك الدلالة: بيّن المتن المقبرة الفكرية لمن يجهل هذه الدلالات، فعدم فقهها يؤول بالعبد إلى ضلالين: إما "جمود الظاهر" الذي يقع فيه الـمُشبّه الذي يثبت المعنى بلوازم المخلوقين، وإما "التعطيل" الذي يقع فيه المتكلم الـمُفرط الذي إذا رأى عجز لوازمه عن فهم النص فرَّ إلى جحد الصفة ونفيها بالكلية.
♤___________________________________________________♤
٣٢_«في بيانِ معاقدِ الألفاظِ وحقائقِ الأعيانِ: إنَّ الخوضَ في الاسمِ والمسمَّى والتَّسميةِ ممَّا تعاورتْهُ طوائفُ الكلامِ بالباطلِ، فجعلوا النِّزاعَ فيه دهليزًا لنفيِ الصِّفاتِ والقولِ بخلقِ القرآنِ. والحقُّ الصَّريحُ على جادَّةِ الأَثَرِ أنَّ النَّظرَ في هذا البابِ ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: الأوَّلُ الاسمُ وهو اللَّفظُ الدَّالُّ، والثَّاني المسمَّى وهو الذَّاتُ المدلولُ عليها بما لها من نعوتٍ، والثَّالثُ التَّسميةُ وهي فعلُ المسمِّي ووضعُهُ اللَّفظَ إزاءَ معناهُ. فلا يقالُ: الاسمُ هو المسمَّى إطلاقًا، ولا الاسمُ غيرُ المسمَّى إطلاقًا؛ بل يُفصَّلُ المقامُ سياقًا ودلالةً، فنُثْبِتُ حقائقَ الأسماءِ للهِ غيرَ مخلوقةٍ، ونبسطُ ذلكَ في هذا الموضعِ حتَّى نهدمَ بهِ شبهةَ أهلِ البدعِ»[1].
و يُقعد هذا الموضع لحل واحدة من أعقد الإشكاليات التي أحدثها أهل الكلام (من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة) في العقيدة الإسلامي، ويتجلى التحليل العلمي للمتن في الأبعاد التالية:
كشف المؤامرة الكلامية (الدهليز البدعي): بيّن المتن أن خوض المتكلمين في مسألة (الاسم والمسمى) لم يكن ترفاً لغوياً، بل كان «دهليزاً» خفياً ومكراً مبطناً؛ ليتوصلوا من خلاله إلى أمرين خطيرين:
١_ أولهما نفي الصفات عن الله بدعوى أن الأسماء غير المسمى
٢_ وثانيهما التأسيس للقول بـ «خلق القرآن»؛ زاعمين أن أسماء الله كـ (الرحمن السميع) هي ألفاظ حادِثة مخلوقة خلقها الخلق للتعبير عن الذات، فتعامل معها السلف باليقظة العقدية التامة.
القسمة الثلاثية الفاصلة: أعاد المتن ضبط المسألة على جادّة الأثر بفرز دقيق يرفع الالتباس، فقسم المبحث إلى ثلاثة أركان متمايزة ذهنياً وخارجياً:
■الاسم: وهو اللفظ المصوغ والمسموع (مثل: الله، الرحمن).
■المسمى: وهو الذات العلية المقدسة الموصوفة بنعوت الكمال ذاتها.
■التسمية: وهي الفِعل والحدث، أي وضع الواضع للفظ إزاء المعنى المعين.
●إبطال الإطلاق الفضفاض والوقوف على التفصيل: حسم المتن النزاع بمنع العبارات المجملة الإطلاقية التي شحنت كتب الكلام؛ فلا يصح القول بأن «الاسم هو المسمى» مطلقاً (لأن اللفظ غير الذات)، ولا يقال «الاسم غير المسمى» مطلقاً (لأن كلمة "غير" في اصطلاحهم توهم البينونة التامة وأن الأسماء مخلوقة ومفصولة عن الله).
● المنهج السلفي يقوم على التفصيل: فمن حيث إرادة المدلول فالاسم هو المسمى (إذا قلت: يا الله، فدعوت الذات)، ومن حيث الحروف واللفظ فالاسم للمسمى وليس هو ، وبذلك تثبت أسماء الله بحقائقها غير مخلوقة؛ لأنها كلامه، وكلامه صفة من صفاته القائمة بذاته سبحانه
♤___________________________________________________♤
٣٣_ قلت : أسماء الله تعالى المتضمنة لصفات الذات والصفات الفعلية (أمثلة تطبيقية)
■[نص القسم الأول: صفات الذات] «في تقسيمِ الصِّفاتِ المتضمَّنةِ للأسماءِ الحُسْنَى: إنَّ أسماءَ الباري جلَّ وعلا من حيثُ تضمنُها للصِّفاتِ تنقسمُ إلى ما يتضمنُ صفةً ذاتيَّةً لا تنفكُّ عنِ الذَّاتِ العليَّةِ طرفةَ عينٍ ولا تتعلقُ بالمشيئةِ والقدرةِ من حيثُ الآحادُ، بل هي لازمةٌ للذَّاتِ أزلًا وأبدًا؛ كالحياةِ، والعلمِ، والقدرةِ، والعزَّةِ، وأمثلتُها التطبيقيَّةُ في الكتابِ والسُّنَّةِ راسخةٌ تُبْطِلُ سَلْبَ المعطِّلةِ كما تردُّ على غلوِّ المشبِّهةِ».
■[نص القسم الثاني: الصفات الفعلية] «وفي بيانِ أسماءِ الأفعالِ وصفاتِها الاختياريَّةِ: إنَّ الرَّكيزةَ الثَّانيةَ في تقسيمِ نعوتِ الكمالِ هي الأسماءُ التي تتضمنُ صفاتٍ فعليَّةً اختياريَّةً قائمةً بالذَّاتِ العليَّةِ تتعلقُ بالمشيئةِ والقدرةِ؛ إنْ شاءَ اللهُ فعلَها في وقتٍ دونَ وقتٍ على وفقِ حكمتِهِ، وإنْ شاءَ لمْ يفعلْها، فهي (قديمةُ النَّوعِ حادثةُ الآحادِ)، ومثالُ ذلكَ: كالخلقِ، والرَّزقِ، والإحياءِ، والاستواءِ، والنُّزولِ، والمجيءِ، والإتيانِ، والكلامِ، والنِّداءِ؛ نُثبِتُها على ما يليقُ بجلالِهِ سبحانَهُ وتعالَى».
ويُقعد هذا المبحث الشريف لآلية انقسام الصفات المتضمنة في الأسماء الحسنى إلى صفات ذاتية وصفات فعلية اختيارية، ويرتكز التحليل العلمي للمتن على الأبعاد التالية:
إحكام حقيقة الصفات الذاتية الملازمة: قرر المتن في قسمه الأول أن الصفات الذاتية هي النعوت اللصيقة بالذات الإلهية أزلاً وأبداً، والتي يمتنع انفكاكها عن الرب بحال من الأحوال، ولا تدخل تحت المشيئة من جهة الآحاد والتعاقب؛ فالله لم يزل ولا يزال حياً عليماً قديراً عزيزاً، وإثبات هذه الصفات بالدليل الراسخ يقطع دابر "المعطلة" الذين يسلبون الرب كماله، ويقمع غلو "المشبهة" الذين يمثلون الخالق بالمخلوق.
تأصيل الصفات الفعلية الاختيارية: انتقل المتن في الركيزة الثانية إلى إثبات "الصفات الفعلية الاختيارية"، وهي الأفعال القائمة بذاته العلية والتي يفعلها بمشيئته وقدرته الكاملة؛ إن شاء فعلها في وقت دون وقت تَبَعاً لما تقتضيه حكمته البالغة، وإن شاء لم يفعلها، ومردها إلى إرادته المطلقة وطلاقة قدرته سبحانه.
فقه قاعدة (قديمة النوع حادثة الآحاد): حرر المتن المعنى الأثري الدقيق لأفعال الرب بجعلها «قديمة النوع حادثة الآحاد»؛ فنَوْع الصفة وأصل اتصاف الرب بها ثابت له في الأزل لم يصر فاعلاً بعد أن لم يكن، وأما آحاد الفعل وجزئياته وتفاصيله (كالخلق المعين، والنزل المخصوص، والكلام والنوازل) فهي حادثة متجددة تقع حيناً بعد حين بمشيئته، ومثل لها بأمهات الصفات الفعلية الواردة في الوحيين كالاستواء، والنزول، والمجيء، والإتيان، والكلام، والنداء، وتُثبت كلها حقيقةً على الوجه الذي يليق بجلاله دون تكييف أو تمثيل.
♤_______________________________________________________♤
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق