الجمعة، 29 مايو 2026

إِرْشَادُ الطَّالِبِ بِزَجْرِ المُعَطِّلِ النَّافِي لِحَدِّ الرَّبِّ الوَاحِدِ

 




​هَيْكَلُ البَحْثِ: لَفْظُ الحَدِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالمُخَالِفِينَ

​المُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ

  • ​أَوَّلاً: خُطْبَةُ الحَاجَةِ.
  • ​ثَانِيّاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسَّلَفِيَّةِ.
  • ​ثَالِثاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ.
  • ​رَابِعاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ البِدْعِيَّةِ. (ص1)

​أَرْكَانُ الخُطَّةِ التَّمْهِيدِيَّةِ

  • ​أَوَّلاً: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ (10عَنَاصِرَ):
  • ​ثَانِيّاً: أَهَمِّيَّةُ المَوْضُوعِ (10 عَنَاصِرَ):
    • ​العُنْصُرُ 1 إِلَى العُنْصُرُ 10.
  • ​ثَالِثاً: أَهْدَافُ البَحْثِ (5 عَنَاصِرَ):
    • ​العُنْصُرُ 1 إِلَى العُنْصُرُ 5.
  • ​رَابِعاً: الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ (10 دِرَاسَاتٍ):
    • ​الدِّرَاسَةُ 1 إِلَى الدِّرَاسَةُ 10. (ص2)

​المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ لِلَفْظِ (الحَدِّ)

  • ​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِمَادَّةِ (ح د د).
  • ​العُنْصُرُ الثَّانِي: المَعْنَى الدَّلَالِيُّ لِلْحَدِّ (المَنْعُ وَالفَصْلُ).
  • ​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيُّ لِلْحُدُودِ فِي النُّصُوصِ.
  • ​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ المَنَاطِقَةِ وَالفَلَاسِفَةِ.
  • ​العُنْصُرُ الخَامِسُ: تَعْرِيفُ الحَدِّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ وَالفُقَهَاءِ.
  • ​العُنْصُرُ السَّادِسُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ.
  • ​العُنْصُرُ السَّابِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ.
  • ​العُنْصُرُ الثَّامِنُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ غُلَاةِ المُشَبِّهَةِ.
  • ​العُنْصُرُ التَّاسِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ فِي الِاصْطِلَاحِ السَّلَفِيِّ.
  • ​العُنْصُرُ العَاشِرُ: المُقَارَنَةُ بَيْنَ المَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالكَلَامِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ. (ص3)

​المَبْحَثُ الثَّانِي: المَحَاوِرُ الأَرْبَعَةُ الكُبْرَى لِلَفْظِ الحَدِّ

  • ​المِحْوَرُ الأَوَّلُ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي لَفْظِ الحَدِّ (بَيْنَ الإِجْمَالِ وَالشَّرْعِيَّةِ).
  • ​المِحْوَرُ الثَّانِي: قَاعِدَةُ الِاسْتِفْسَارِ وَالِاسْتِفْصَالِ فِي اللَّفْظِ.
  • ​المِحْوَرُ الثَّالِثُ: مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي بَابِ الإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى:
    1. ​أَقْسَامُ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي الَّتِي يَجُوزُ الإِخْبَارُ بِهَا.
    2. ​أَقْسَامُ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي الَّتِي لَا يَجُوزُ الإِخْبَارُ بِهَا.
  • ​المِحْوَرُ الرَّابِعُ: مَسْلَكُ العُلَمَاءِ وَالسَّلَفِ فِي إِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَمَنْعِهِ:
    1. ​مَنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ مِنَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ.
    2. ​مَنْ مَنَعَ اللَّفْظَ أَوِ تَحَفَّظَ عَلَيْهِ. (ص4)

​المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتُ المُخَالِفِينَ فِي لَفْظِ الحَدِّ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

  • ​المَطْلَبُ الأَوَّلُ: شُبْهَةُ التَّجْسِيمِ وَالتَّرْكِيبِ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا.
  • ​المَطْلَبُ الثَّانِي: شُبْهَةُ الحَيِّزِ وَالمَكَانِ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا.
  • ​المَطْلَبُ الثَّالِثُ: غُلُوُّ الكَرَّامِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ فِي إِثْبَاتِ الحَدِّ الحِسِّيِّ وَالرَّدُّ عَلَيْهِمْ.
  • ​المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ نَفْيِ الحَدِّ عَلَى مَسَائِلِ العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ. (ص5)

​المَبْحَثُ الرَّابِعُ: القَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ

  • ​المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنِ مَقَامِ التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ وَمَقَامِ السَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ وَالرَّدِّ.
  • ​المَطْلَبُ الثَّانِي: قَاعِدَةُ (العِبْرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ.
  • ​المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ المُصْطَلَحَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ المِتَرْجَمَةِ عَلَى صِيَاغَةِ الفِكْرِ الكَلَامِيِّ.
  • ​المَطْلَبُ الرَّابِعُ: التَّطْبِيقُ المُعَاصِرُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ. (ص6)

​الخَاتِمَةُ وَالفَهَارِسُ

  • ​أَوَّلاً: نَتَائِجُ البَحْثِ.
  • ​ثَانِيّاً: التَّوْصِيَاتُ.
  • ​ثَالِثاً: الفَهَارِسُ الفَنِّيَّةُ. 


​هَيْكَلُ البَحْثِ: لَفْظُ الحَدِّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالمُخَالِفِينَ

​المُقَدِّمَةُ التَّمْهِيدِيَّةُ

​أَوَّلاً: خُطْبَةُ الحَاجَةِ

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

​ثَانِيّاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَالسَّلَفِيَّةِ

إِنَّ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ قَائِمٌ عَلَى التَّوْقِيفِ وَالاتِّبَاعِ، وَمُجَانَبَةِ الِابْتِدَاعِ وَالِاخْتِرَاعِ. وَتَأْصِيلُ مَسْلَكِهِمْ فِي الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا الكِتَابُ المَسْطُورُ، وَنَطَقَتْ بِهَا السُّنَّةُ المَأْثُورَةُ، وَتَلَقَّاهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ بِالقَبُولِ، هُوَ الِالتِزَامُ التَّامُّ بِإِثْبَاتِ أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيهَا حَقِيقَةً لَا مَجَازاً، بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، مَعَ قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إِدْرَاكِ الكَيْفِيَّةِ. وَكَذَلِكَ الأَلْفَاظُ السَّلَفِيَّةُ الَّتِي صَحَّتْ عَنْ أَعْلَامِ الهُدَى مِنَ الأَئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ فِي مَقَامِ البَيَانِ أَوْ رَدِّ الضَّلَالِ؛ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ يَجْرُونَهَا عَلَى سَنَنِ النَّصِّ الشَّرْعِيِّ، فَيَقْبَلُونَهَا رِوَايَةً وَدِرَايَةً، لِأَنَّهَا تُعَبِّرُ عَنِ الحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ المُسْتَقِرَّةِ، بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ.

​ثَالِثاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ

وَأَمَّا مَا أَحْدَثَهُ المُتَكَلِّمُونَ وَالفَلَاسِفَةُ مِنَ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ الحَادِثَةِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِي نَفْيِهَا وَلَا فِي إِثْبَاتِهَا نَصٌّ مِنَ الوَحْيِ، وَلَا قَوْلٌ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَإِنَّ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا مَنْهَجاً دَقِيقاً قَائِماً عَلَى عَدَمِ إِطْلَاقِ القَبُولِ وَلَا إِطْلَاقِ الرَّدِّ لِذَاتِ اللَّفْظِ. بَلْ يَسْلُكُونَ مَسْلَكَ الِاسْتِفْصَالِ وَالِاسْتِفْسَارِ عَنِ المُرَادِ وَالمَعْنَى؛ فَإِنْ كَانَ المُرَادُ بِاللَّفْظِ المُجْمَلِ مَعْنًى صَحِيحاً يُوِافِقُ الكِتَابَ وَالسُّنَّةَ، قَبِلُوا المَعْنَى الشَّرِيعِيَّ الحَقَّ، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ النَّصِّيَّةِ تَنْزِيهاً لِلُّغَةِ العَقَدِيَّةِ. وَإِنْ كَانَ المُرَادُ بِهِ مَعْنًى بَاطِلاً يُصَادِمُ نُصُوصَ الوَحْيِ، رَدُّوا المَعْنَى وَاللَّفْظَ مَعاً. وَمِنْ هَذَا البَابِ جَاءَ نَظَرُهُمْ إِلَى لَفْظِ الحَدِّ، إِذْ هُوَ لَفْظٌ حَادِثٌ يَحْتَمِلُ الحَقَّ وَالبَاطِلَ، فَيُرَادُ بِهِ حَقٌّ هُوَ المُنَافَاةُ لِلْخَلْقِ، وَيُرَادُ بِهِ بَاطِلٌ هُوَ التَّكْيِيفُ الشَّبِيهُ بِالمَخْلُوقَاتِ.

​رَابِعاً: تَأْصِيلُ مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأَلْفَاظِ البِدْعِيَّةِ

وَأَمَّا الأَلْفَاظُ البِدْعِيَّةُ المَحْضَةُ الَّتِي اخْتَرَعَتْهَا الطَّوَائِفُ الضَّالَّةُ، وَالَّتِي وُضِعَتْ أَصَالَةً لِتَكُونَ قَوَالِبَ لِمَعَانٍ بَاطِلَةٍ لَا تَحْتَمِلُ الحَقَّ بِحَالٍ، فَإِنَّ مَنْهَجَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهَا هُوَ الرَّدُّ المُطْلَقُ وَالمَنْعُ الصَّارِمُ مِنْ وُرُودِهَا فِي مَجَالِسِ العِلْمِ وَمُصَنَّفَاتِ الاعْتِقَادِ. فَهَذِهِ الأَلْفَاظُ لَا كَرَامَةَ لَهَا وَلَا اسْتِفْصَالَ فِيهَا، لِأَنَّهَا بُنِيَتْ عَلَى جُحُودِ صِفَاتِ البَارِي، أَوْ نَفْيِ عُلُوِّهِ النَّصِّيِّ، أَوْ تَمْثِيلِهِ بِخَلْقِهِ، فَتُرَدُّ لَفْظاً وَمَعْنًى، وَيُحَذَّرُ مِنْهَا كَمَا يُحَذَّرُ مِنْ كُلِّ بِدْعَةٍ مُحْدَثَةٍ فِي الدِّينِ.

--------------------------------‐------------(ص1)-------------------------------------------------

أَوَّلاً: أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ (10 عَنَاصِرَ):

  • ​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: غُمُوضُ الضَّوَابِطِ العَقَدِيَّةِ المَنْهَجِيَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ لَفْظِ (الحَدِّ) عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الكَاتِبِينَ فِي المَقَالَاتِ وَالمَذَاهِبِ المُعَاصِرَةِ.
  • ​العُنْصُرُ الثَّانِي: الحَاجَةُ العِلْمِيَّةُ المَاسَّةُ لِجَمْعِ شَتَاتِ أَقْوَالِ أَعْلَامِ السَّلَفِ المَنْقُولَةِ فِي كُتُبِ الآثَارِ وَالسُّنَّةِ المُتَقَدِّمَةِ وَتَحْرِيرِهَا فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ.
  • ​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: دَفْعُ وَرَدُّ دَعْوَى التَّنَاقُضِ المَوْهُومَةِ الَّتِي يُثِيرُهَا أَهْلُ الكَلَامِ بِشَأْنِ وُرُودِ إِثْبَاتِ الحَدِّ عَنْ بَعْضِ الأَئِمَّةِ وَنَفْيِهِ عَنْ آخَرِينَ.
  • ​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: بَيَانُ مُرُونَةِ المَنْهَجِ السَّلَفِيِّ وَانْضِبَاطِ قَوَاعِدِهِ الأُصُولِيَّةِ فِي اسْتِخْدَامِ المَفَاهِيمِ الحَادِثَةِ لِغَرَضِ البَيَانِ الشَّرْعِيِّ المَحْضِ.
  • ​العُنْصُرُ الخَامِسُ: كَشْفُ دَوَاعِي الِانْحِرَافِ الفِكْرِيِّ لَدَى المَدَارِسِ الفَلْسَفِيَّةِ الَّتِي حَوَّلَتْ لَفْظَ الحَدِّ مِنَ المَعْنَى اللُّغَوِيِّ إِلَى المَعْنَى المَنْطِقِيِّ النَّافِي لِلصِّفَاتِ.
  • ​العُنْصُرُ السَّادِسُ: إِبْرَازُ القِيمَةِ العِلْمِيَّةِ لِقَاعِدَةِ الِاسْتِفْصَالِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَكَيْفَ تُعَدُّ مِعْيَاراً حَاسِماً فِي حَلِّ النِّزَاعَاتِ اللَّفْظِيَّةِ الكُبْرَى.
  • ​العُنْصُرُ السَّابِعُ: الرَّدُّ العِلْمِيُّ الرَّصِينُ عَلَى الشُّبُهَاتِ الكَلَامِيَّةِ الَّتِي تَرْمِي أَهْلَ السُّنَّةِ بِالتَّجْسِيمِ لِمُجَرَّدِ نَقْلِهِمْ عِبَارَاتِ السَّلَفِ المَأثُورَةَ.
  • ​العُنْصُرُ الثَّامِنُ: تَصْحِيحُ المَفَاهِيمِ المَغْلُوطَةِ لَدَى بَعْضِ المُنْتَسِبِينَ لِلسُّنَّةِ الَّذِينَ أَثْبَتُوا حَدّاً يَؤُولُ بِهِمْ إِلَى التَّكْيِيفِ الحِسِّيِّ المَمْنُوعِ.
  • ​العُنْصُرُ التَّاسِعُ: بَيَانُ التَّلَازُمِ العَقَدِيِّ بَيْنِ قَوْلِ السَّلَفِ بِالْحَدِّ وَبَيْنِ إِثْبَاتِ صِفَاتِ العُلُوِّ الفَوْقِيِّ وَالمُبَايَنَةِ الحَقِيقِيَّةِ لِلْمَخْلُوقَاتِ.
  • ​العُنْصُرُ العَاشِرُ: تَقْدِيمُ دِرَاسَةٍ مُصْمَتَةٍ مُنْضَبِطَةٍ تَكُونُ مَرْجِعاً مَنْهَجِيّاً لِطُلَّابِ العِلْمِ العَقَدِيِّ فِي تَفْكِيكِ المُصْطَلَحَاتِ المُجْمَلَةِ الحَادِثَةِ.
ثَانِيّاً: أَهَمِّيَّةُ المَوْضُوعِ (10 عَنَاصِرَ):

​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: ارْتِبَاطُ لَفْظِ (الحَدِّ) بِأُمَّهَاتِ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ الكُبْرَى؛ كَصِفَةِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ، وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ، وَمُبَايَنَةِ الخَالِقِ لِخَلْقِهِ.
​العُنْصُرُ الثَّانِي: صِيَانَةُ الجَنَابِ الإِلَهِيِّ وَمُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَنْ لَوَامِثِ التَّأْوِيلِ الكَلَامِيِّ، وَشُبُهَاتِ التَّعْطِيلِ الَّتِي تَتَسَتَّرُ خَلْفَ نَفْيِ الأَلْفَاظِ.
​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: حِمَايَةُ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ مَزَالِقِ التَّكْيِيفِ وَالتَّمْثِيلِ الحِسِّيِّ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ غُلَاةُ المُشَبِّهَةِ بِسَبَبِ سُوءِ فَهْمِهِمْ لِمُرَادِ السَّلَفِ.
​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: تَنْقِيَةُ المَكْتَبَةِ العَقَدِيَّةِ مِنْ خَلْطِ بَعْضِ المُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ (الحَدِّ المَنْطِقِيِّ) الَّذِي يَعْنِي التَّعْرِيفَ، وَ(الحَدِّ العَقَدِيِّ) الَّذِي يَعْنِي الفَصْلَ وَالمُبَايَنَةَ.
​العُنْصُرُ الخَامِسُ: كَشْفُ الأَبْعَادِ الفَلْسَفِيَّةِ وَالجُذُورِ اليُونَانِيَّةِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الكَلَامِيَّةِ الَّتِي اسْتُعْمِلَتْ لِإِبْطَالِ دَلَالَاتِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ المَحْكَمَةِ.
​العُنْصُرُ السَّادِسُ: إِبْرَازُ وَسَطِيَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَجَمَاعَةِ السَّلَفِ بَيْنِ مَنْ نَفَى الحَدَّ مُطْلَقاً فَعَطَّلَ الصِّفَاتِ، وَمَنْ أَثْبَتَهُ بِمَعْنَى المُمَاثَلَةِ لِلْأَجْسَامِ المَخْلُوقَةِ.
​العُنْصُرُ السَّابِعُ: تَرْسِيخُ حُجِّيَّةِ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ المَنْقُولَةِ عَنِ الأَئِمَّةِ المُتَقَدِّمِينَ؛ كَإِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ فِي هَذَا البَابِ.
​العُنْصُرُ الثَّامِنُ: بَيَانُ أَنَّ الخِلَافَ فِي الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ هُوَ خِلَافٌ حَقِيقِيٌّ يَعُودُ إِلَى المَعَانِي المَقْصُودَةِ، وَلَيْسَ مُجَرَّدَ نِزَاعٍ لَفْظِيٍّ صُورِيٍّ.
​العُنْصُرُ التَّاسِعُ: تَقْرِيرُ القَوَاعِدِ المَنْهَجِيَّةِ المُنْضَبِطَةِ فِي بَابِ الإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لَا يَرِدُ فِيهِ نَصٌّ نَفْياً أَوْ إِثْبَاتاً.
​العُنْصُرُ العَاشِرُ: تَمْكِينُ بَاحِثِي الدِّرَاسَاتِ العَقَدِيَّةِ مِنْ تَمَلُّكِ مَلَكَةٍ نَقْدِيَّةٍ تُفَكِّكُ عِبَارَاتِ أَهْلِ المَقَالَاتِ القَدِيمَةِ وَالمُعَاصِرَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

​ثَالِثاً: أَهْدَافُ البَحْثِ (5 عَنَاصِرَ):
​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: تَأْصِيلُ حَقِيقَةِ مَفْهُومِ (الحَدِّ) لُغَةً وَاصْطِلَاحاً عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ المَقَالَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ وَالكَلَامِيَّةِ.
​العُنْصُرُ الثَّانِي: تَتَبُّعُ وَجَمْعُ نُصُوصِ السَّلَفِ الصَّالِحِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا إِطْلَاقُ اللَّفْظِ أَوْ نَفْيُهُ، وَبَيَانُ السِّيَاقَاتِ التَّارِيخِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْهَا.
​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: صِيَاغَةُ قَاعِدَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ مُطَّرِدَةٍ لِلِاسْتِفْصَالِ فِي لَفْظِ الحَدِّ، بِمَا يُمَيِّزُ بَيْنَ مَعْنَى المُبَايَنَةِ الحَقِّ وَمَعْنَى التَّكْيِيفِ البَاطِلِ.
​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: تَقْرِيرُ الضَّوَابِطِ الشَّرْعِيَّةِ المُنَظِّمَةِ لِبَابِ الإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِالأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ، وَتَحْرِيرُ مَحَلِّ الجَوَازِ وَالمَنْعِ فِيهَا.
​العُنْصُرُ الخَامِسُ: نَقْدُ وَدَحْضُ شُبُهَاتِ المُخَالِفِينَ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ وَالمُتَكَلِّمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا نَفْيَ اللَّفْظِ ذَرِيعَةً لِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ.

الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ وَالمُصَنَّفَاتُ المَفْرَدَةُ (10 دِرَاسَاتٍ):

​الدِّرَاسَةُ الأُولَى (مِنَ المُتَقَدِّمِينَ): كِتَابُ (الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ) لِلْإِمَامِ أَبِي سَعِيدٍ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ؛ وَهُوَ أَعْظَمُ كِتَابٍ مُتَقَدِّمٍ أَفْرَدَ مَسْأَلَةَ إِثْبَاتِ الحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى المُبَايَنَةِ، وَنَاقَشَ فِيهِ رَأْسَ الجَهْمِيَّةِ بِشْرَ المَرِيسِيَّ فِي نَفْيِهِ لِلْحَدِّ.
​الدِّرَاسَةُ الثَّانِيَةُ (مِنَ المُتَقَدِّمِينَ): كِتَابُ (بَيَانِ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ صِفَاتِهِمُ النَّفْيِيَّةِ) لِشَيْخِ الإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَّةَ؛ حَيْثُ أَفْرَدَ فِيهِ مُجَلَّدَاتٍ كَامِلَةً لِتَتَبُّعِ لَفْظِ الحَدِّ، وَنَقْضِ دَعَاوَى الفَخْرِ الرَّازِيِّ، وَتَحْرِيرِ كَلَامِ الإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ المُبَارَكِ.
​الدِّرَاسَةُ الثَّالِثَةُ (مِنَ المُتَقَدِّمِينَ): كِتَابُ (العُلُوِّ لِلْعَلِيِّ الغَفَّارِ) لِلْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيِّ؛ وَقَدْ أَفْرَدَ فِيهِ بَاباً خَاصّاً لِجَمْعِ الآثَارِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا لَفْظُ الحَدِّ عَنِ الأَئِمَّةِ، وَوَجَّهَ هَذِهِ العِبَارَاتِ مَنْهَجِيّاً.
​الدِّرَاسَةُ الرَّابِعَةُ (مِنَ المُتَقَدِّمِينَ): كِتَابُ (اجْتِمَاعِ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى غَزْوِ المُعَطِّلَةِ وَالجَهْمِيَّةِ) لِلْإِمَامِ شَمْسِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ابْنِ قَيِّمِ الجَوْزِيَّةِ؛ إِذْ خَصَّصَ فِيهِ فُصُولاً مُفْرَدَةً لِنَقْلِ كَلَامِ عُلَمَاءِ الإِسْلَامِ الَّذِينَ نَطَقُوا بِالْحَدِّ رَدّاً عَلَى قَوْلِ الحُلُولِيَّةِ.
​الدِّرَاسَةُ الخَامِسَةُ (مِنَ المُتَقَدِّمِينَ): كِتَابُ (إِقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى إِبْطَالِ التَّحْلِيلِ - قِسْمُ العَقِيدَةِ) لِلْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الحُسَيْنِ الفَرَّاءِ؛ حَيْثُ أَفْرَدَ جُزْءاً لِمُنَاقَشَةِ لَفْظِ الحَدِّ عِنْدَ الحَنَابِلَةِ بَيْنَ الإِثْبَاتِ وَالمَنْعِ اللَّفْظِيِّ.
​الدِّرَاسَةُ السَّادِسَةُ (مِنَ المُعَاصِرِينَ): بَحْثُ (مَنْهَجِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ الحَادِثَةِ فِي بَابِ الاعْتِقَادِ) لِلشَّيْخِ الدُّكْتُورِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ المَشُوحِ؛ وَهُوَ بَحْثٌ أَفْرَدَ مَسْأَلَةَ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ وَجَعَلَ لَفْظَ الحَدِّ نَمُوذَجاً تَطْبِيقِيّاً رَئِيسِيّاً.
​الدِّرَاسَةُ السَّابِعَةُ (مِنَ المُعَاصِرِينَ): كِتَابُ (لَفْظُ الحَدِّ عِنْدَ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمَوْقِفُ المُخَالِفِينَ مِنْهُ) لِلْبَاحِثِ الدُّكْتُورِ عَادِلِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّبِيعِيِّ؛ وَهُوَ جُزْءٌ مُفْرَدٌ مَطْبُوعٌ تَنَاوَلَ فِيهِ مَسْأَلَةَ الحَدِّ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ بِالتَّفْصِيلِ وَالدِّرَاسَةِ المَفْرَدَةِ.
​الدِّرَاسَةُ الثَّامِنَةُ (مِنَ المُعَاصِرِينَ): بَحْثُ (أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي لَفْظِ الحَدِّ إِثْبَاتاً وَنَفْياً: دِرَاسَةٌ عَقَدِيَّةٌ) لِلْبَاحِثِ الدُّكْتُورِ فَهْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الفُهَيْدِ، وَهُوَ بَحْثٌ مُحَكَّمٌ مَنْشُورٌ أَفْرَدَ فِيهِ البَاحِثُ جَمْعَ الآثَارِ وَتَوْجِيهَهَا لَفْظَةً لَفْظَةً.
​الدِّرَاسَةُ التَّاسِعَةُ (مِنَ المُعَاصِرِينَ): كِتَابُ (المُصْطَلَحَاتُ العَقَدِيَّةُ الحَادِثَةُ: نَشْأَتُهَا، وَمَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْهَا) لِلشَّيْخِ الدُّكْتُورِ سُلْطَانِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ العُمَيْرِيِّ؛ حَيْثُ خَصَّصَ فِيهِ مَبْحَثاً مُسْتَقِلّاً مُفْرَداً لِتَحْرِيرِ دَلَالَاتِ لَفْظِ الحَدِّ تَارِيخِيّاً وَعَقَدِيّاً.
​الدِّرَاسَةُ العَاشِرَةُ (مِنَ المُعَاصِرِينَ): بَحْثُ (قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ فِي الأَلْفَاظِ العَقَدِيَّةِ المُوهِمَةِ: لَفْظُ الحَدِّ أُنْمُوذَجاً) لِلْبَاحِثِ الدُّكْتُورِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بَاتِعٍ، وَهُوَ بَحْثٌ مَنْشُورٌ أَفْرَدَ الجَانِبَ الأُصُولِيَّ المَنْهَجِيَّ لِهَذَا اللَّفْظِ بِالدِّرَاسَةِ.
---------------------------------------------------ص٢---------------------------------------------------

المَبْحَثُ الأَوَّلُ: التَّأْصِيلُ اللُّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ لِلَفْظِ (الحَدِّ)

​العُنْصُرُ الأَوَّلُ: الِاشْتِقَاقُ اللُّغَوِيُّ لِمَادَّةِ (ح د د)
تَدُورُ مَادَّةُ الحَاءِ وَالدَّالِ المُضَعَّفَةِ فِي تَقَلُّبَاتِهَا الِاشْتِقَاقِيَّةِ فِي لِسَانِ العَرَبِ حَوْلَ أَصْلٍ وَاحِدٍ يَعُودُ إِلَى صَلَابَةٍ فِي الشَّيْءِ مَعَ تَمَيُّزٍ لَهُ عَمَّا عَدَاهُ. وَمِنْهُ اشْتُقَّ الحَدِيدُ لِقُوَّتِهِ وَصَلَابَتِهِ وَامْتِنَاعِهِ، وَاشْتُقَّتْ حِدَّةُ السَّيْفِ لِنَفَاذِهِ وَقَطْعِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ المَاضِي فِي أُمُورِهِ شَدِيدِ القَلْبِ: حَدِيدٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ} (1). 
وَهَذَا الِاشْتِقَاقُ يُؤَصِّلُ لِكَوْنِ اللَّفْظِ فِيهِ مَعْنَى الشِّدَّةِ الَّتِي تَمْنَعُ دُخُولَ غَيْرِ الشَّيْءِ فِيهِ، أَوْ خُرُوجَ مَا فِيهِ عَنْهُ.

​العُنْصُرُ الثَّانِي: المَعْنَى الدَّلَالِيُّ لِلْحَدِّ (المَنْعُ وَالفَصْلُ)
يَرْتَبِطُ المَعْنَى الدَّلَالِيُّ لِلْحَدِّ فِي المَعَاجِمِ اللُّغَوِيَّةِ بِالفَصْلِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِئَلَّا يَخْتَلِطَ أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ. فَقَدْ نَصَّ أَهْلُ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّ حَدَّ كُلِّ شَيْءٍ هُوَ حَاجِزُهُ وَمُنْتَهَاهُ، وَمِنْهُ حُدُودُ الأَرْضِ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ أَمْلَاكِ النَّاسِ وَتَمْنَعُ الجَوْرَ، كَمَا قِيلَ لِلْبَوَّابِ حَدَّادٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الدُّخُولِ، وَالأَصْلُ فِي الحَدِّ المَنْعُ (2). فَالْمَدْلُولُ رَاجِعٌ إِلَى مَنْعِ التَّدَاخُلِ وَالفَصْلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَ مَاهِيَّتَيْنِ.

​العُنْصُرُ الثَّالِثُ: الِاسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيُّ لِلْحُدُودِ فِي النُّصُوصِ

وَرَدَ لَفْظُ (الحُدُودِ) فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مُضَافاً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا} (3)، وَقَوْلِهِ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا} (4). 

وَالِاسْتِعْمَالُ الشَّرْعِيُّ هُنَا لَا يَعُودُ إِلَى ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا يَعُودُ إِلَى أَحْكَامِهِ وَشَرَائِعِهِ الَّتِي حَدَّهَا لِعِبَادِهِ، فَهِيَ مَحْدُودَةٌ مَفْصُولَةٌ بَيْنَ الحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَتُطْلَقُ الشَّرِيعَةُ أَيْضاً الحُدُودَ عَلَى العُقُوبَاتِ المُقَدَّرَةِ زَجْراً لِلْعُصَاةِ (5).

​العُنْصُرُ الرَّابِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ المنَاطِقَةِ وَالفَلَاسِفَةِ

انْتَقَلَ لَفْظُ الحَدِّ عِنْدَ أَهْلِ المَنْطِقِ وَالفَلَاسِفَةِ إِلَى مَفْهُومٍ ذِهْنِيٍّ كُلِّيٍّ، إِذْ جَعَلُوا الحَدَّ هُوَ التَّعْرِيفَ المَقْصُودَ بِهِ بَيَانُ كُنْهِ الشَّيْءِ وَحَقِيقَتِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ الحَدُّ التَّامُّ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنَ الجِنْسِ القَرِيبِ وَالفَصْلِ النَّاطِقِ (6). وَالْحَدُّ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ الفَلْسَفِيِّ هُوَ المُحِيطُ بِمَاهِيَّةِ الشَّيْءِ المَحْدُودِ جَامِعاً لِأَفْرَادِهِ مَانِعاً مِنْ خُرُوجِهَا عَنْهُ طَرْداً وَعَكْساً.

​العُنْصُرُ الخَامِسُ: تَعْرِيفُ الحَدِّ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ وَالفُقَهَاءِ

تَبِعَ الأُصُولِيُّونَ وَالفُقَهَاءُ أَهْلَ المَنْطِقِ فِي جُزْءٍ مِنْ مَفْهُومِ الحَدِّ، فَعَرَّفُوهُ فِي أَبْوَابِ التَّعَارِيفِ بِأَنَّهُ العِبَارَةُ الدَّالَّةُ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ المُمَيِّزَةِ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ جَامِعاً مَانِعاً (7). أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الفِقْهِيِّ الصِّرْفِ، فَقَدْ أَبْقَوْا عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ، وَجَعَلُوا الحَدَّ هُوَ العُقُوبَةَ المُقَدَّرَةَ حَقّاً لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا تَمْيِيزاً لَهُ عَنِ التَّعْزِيرِ (8).

​العُنْصُرُ السَّادِسُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ

صَاغَتِ الجَهْمِيَّةُ الأُولَى وَتَبِعَتْهَا المُعْتَزِلَةُ مَفْهُوماً خَاصّاً لِلْحَدِّ، فَجَعَلُوا الحَدَّ مُرَادِفاً لِلِاحْتِوَاءِ الحِسِّيِّ، وَالنِّهَايَةِ المَخْلُوقَةِ، وَالتَّحَيُّزِ فِي الأَمْكِنَةِ الشَّاغِلَةِ الَّتِي تَتَّصِفُ بِهَا الأَجْسَامُ (9). 
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا المَفْهُومِ المُخْتَرَعِ، قَالُوا إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا حَدَّ لَهُ، وَقَصَدُوا بِذَلِكَ نَفْيَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بَائِناً مِنْ خَلْقِهِ أَوْ مُسْتَوِياً عَلَى عَرْشِهِ فَجَحَدُوا الصِّفَاتِ (10).

​العُنْصُرُ السَّابِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ الأَشَاعِرَةِ وَالمَاتُرِيدِيَّةِ

سَارَ الأَشَاعِرَةُ وَالمَاتُرِيدِيَّةُ عَلَى طَرِيقَةِ المُتَكَلِّمِينَ فِي تَبَنِّي المَفْهُومِ الكَلَامِيِّ لِلْحَدِّ، حَيْثُ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الحَدَّ يَعْنِي المِقْدَارَ وَالأَبْعَادَ الثَّلَاثَةَ الَّتِي تَتَّصِفُ بِهَا الجَوَاهِرُ وَالأَجْسَامُ (11). 
فَلَمَّا كَانَ الحَدُّ عِنْدَهُمْ يَعْنِي مُمَاثَلَةَ الأَجْسَامِ الحَادِثَةِ المَحْصُورَةِ، مَنَعُوا إِطْلَاقَ لَفْظِ الحَدِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَعَلُوا نَفْيَ الحَدِّ دَلِيلاً عَلَى نَفْيِ جِهَةِ العُلُوِّ الفَوْقِيِّ (12).

​العُنْصُرُ الثَّامِنُ: مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ غُلَاةِ المُشَبِّهَةِ

فِي المَقَابِلِ، انْحَرَفَتْ طَوَائِفُ مِنْ غُلَاةِ المُشَبِّهَةِ كَالكَرَّامِيَّةِ، فَأَثْبَتُوا لَفْظَ الحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّهُمْ صَاغُوا لَهُ مَفْهُوماً حِسِّيّاً بَاطِلاً، فَقَالُوا إِنَّ حَدَّهُ تَعَالَى هُوَ جُلُوسُهُ عَلَى العَرْشِ مَعَ مُمَاثَلَةِ أَوْ مُمَاسَّةِ الذَّاتِ لِلْعَرْشِ، أَوْ أَنَّهُ بِمِقْدَارِ العَرْشِ لَا يَفْضُلُ عَنْهُ (13). 
فَهَؤُلَاءِ أَثْبَتُوا اللَّفْظَ وَأَرَادُوا بِهِ مَعْنًى بَاطِلاً يُشْبِهُ صِفَاتِ الأَجْسَامِ.

​العُنْصُرُ التَّاسِعُ: مَفْهُومُ الحَدِّ فِي الِاصْطِلَاحِ السَّلَفِيِّ

أَمَّا سَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا فَقَدْ كَانَ مَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَهُمْ نَقِيّاً يَعْنِي المُبَايَنَةَ وَالتَّمَيُّزَ العَيْنِيَّ عَنِ المَخْلُوقَاتِ (14). 
فَمَفْهُومُ الحَدِّ عِنْدَ السَّلَفِ هُوَ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى ذَاتاً حَقِيقِيَّةً مُقَدَّسَةً، فَمَنْ قَالَ اللَّهُ مَحْدُودٌ أَرَادَ أَنَّهُ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ فِي ذَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، وَلَا فِي مَخْلُوقَاتِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَاتِهِ (15).

​العُنْصُرُ العَاشِرُ: المُقَارَنَةُ بَيْنَ المَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالكَلَامِيَّةِ وَالعَقَدِيَّةِ لِلَفْظِ

عِنْدَ المُحَاكَمَةِ وَالمُقَارَنَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ المَعْنَى اللُّغَوِيَّ الصِّرْفَ الَّذِي هُوَ الفَصْلُ وَالمَنْعُ يَتَطَابَقُ مَعَ المَفْهُومِ السَّلَفِيِّ العَقَدِيِّ (16). 
بَيْنَمَا انْحَرَفَ المَعْنَى الكَلَامِيُّ عَنْ لِسَانِ العَرَبِ حَيْثُ نَقَلُوا اللَّفْظَ إِلَى سِيَاقِ المِقْدَارِ الحِسِّيِّ المَخْلُوقِ لِيَتَّخِذُوهُ ذَرِيعَةً لِنَفْيِ صِفَاتِ كَمَالِ البَارِي جَلَّ وَعَلَا (17).

-----------------------------------------------------------------------------
​(1) سُورَةُ ق، الآيَةُ: 22.
(2) ابْنُ مَنْظُورٍ، لِسَانُ العَرَبِ، مَادَّةُ (ح د د)، 3 / 141؛ الفَيْرُوزُ أَبَادِيِّ، القَامُوسُ المُحِيطُ، ص 271.
(3) سُورَةُ البَقَرَةِ، الآيَةُ: 187.
(4) سُورَةُ البَقَرَةِ، الآيَةُ: 229.
(5) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 10 / 351.
(6) ابْنُ سِينَا، النَّجَاةُ فِي المَنْطِقِ وَالإِلَهِيَّاتِ، ص 12.
(7) الآمِدِيُّ، الإِحْكَامُ فِي أُصُولِ الأَحْكَامِ، 1 / 9.
(8) المَرْدَاوِيُّ، الإِنْصَافُ فِي مَعْرِفَةِ الرَّاجِحِ مِنَ الخِلَافِ، 10 / 150.
(9) القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ، مُغْنِي المَعْنَى فِي أَبْوَابِ التَّوْحِيدِ وَالعَدْلِ، 5 / 192.
(10) الأَشْعَرِيُّ، مَقَالَاتُ الإِسْلَامِيِّينَ وَاخْتِلَافُ المُصَلِّينَ، ص 211.
(11) البَاقِلَّانِيُّ، التَّمْهِيدُ فِي الرَّدِّ عَلَى المُعَطِّلَةِ وَالرَّافِضَةِ، ص 43.
(12) الرَّازِيُّ، أَسَاسُ التَّقْدِيسِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ، ص 33.
(13) ابْنُ حَزْمٍ، الفِصَلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ، 5 / 62.
(14) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ، 1 / 443.
(15) الخَلَّالُ، السُّنَّةُ، رِوَايَةُ الأَئِمَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ، ص 212.
(16) ابْنُ القَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، 4 / 1205.
(17) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 6 / 191.
-------------------------------------------------- (ص3)-----------------------------------------------

المَبْحَثُ الثَّانِي: المَحَاوِرُ الأَرْبَعَةُ  لِلَفْظِ الحَدِّ

​المِحْوَرُ الأَوَّلُ: مُعْتَقَدُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي لَفْظِ الحَدِّ (بَيْنَ الإِجْمَالِ وَالشَّرْعِيَّةِ)

إِنَّ مُعْتَقَدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي لَفْظِ (الحَدِّ) مَبْنِيٌّ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنِ اللَّفْظِ وَالمَعْنَى؛ فَمِنْ حَيْثُ "اللَّفْظُ" هُوَ لَفْظٌ مُجْمَلٌ حَادِثٌ لَمْ يَرِدْ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ (1) 
وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ "المَعْنَى" فَإِنَّ السَّلَفَ أَرَادُوا بِهِ مَعْنًى شَرْعِيّاً حَقِيقِيّاً ثَابِثاً بِالنُّصُوصِ المُحْكَمَةِ وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ (2). 

فَالْحَدُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ لَيْسَ صِفَةً مُخْتَرَعَةً زَائِدَةً عَلَى مَا وَرَدَ فِي الوَحْيِ، بَلْ هُوَ عِبَارَةٌ تَفْسِيرِيَّةٌ أَمْلَتْهَا ضَرُورَةُ الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ الحُلُولِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ ذَاتَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ (3) 
فَلَمَّا كَانَ اللَّفْظُ حَادِثاً وَالمَعْنَى صَحِيحاً شَرْعِيّاً، كَانَ حُكْمُهُ عِنْدَهُمْ دَائِراً بَيْنَ مَنْعِ اللَّفْظِ تَوْقِيفاً وَإِثْبَاتِ المَعْنَى تَحْقِيقاً.

​المِحْوَرُ الثَّانِي: قَاعِدَةُ الِاسْتِفْسَارِ وَالِاسْتِفْصَالِ فِي اللَّفْظِ

يُطَبِّقُ أَهْلُ السُّنَّةِ قَاعِدَتَهُمُ الأُصُولِيَّةَ الذَّهَبِيَّةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ لَفْظِ الحَدِّ بِالِاسْتِفْصَالِ عَنْ مُرَادِ المُتَكَلِّمِ بِهِ؛ فَإِذَا قَالَ القَائِلُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَحْدُودٌ، أَوْ سُئِلَ هَلْ لِلَّهِ حَدٌّ؟ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ الإِثْبَاتَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ التَّكْيِيفِ، وَلَا يُطْلِقُونَ النَّفْيَ لِمَا فِيهِ مِنْ إِيهَامِ التَّعْطِيلِ وَالحُلُولِ (4). 

بَلْ يُقَالُ لَهُ: إِنْ أَرَدْتَ بِالْحَدِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، مُسْتَوٍ عَلَى عَرْشِهِ، وَأَنَّ ذَاتَهُ المُقَدَّسَةَ لَا تَحُلُّ فِي المَخْلُوقَاتِ وَلَا تَحُلُّ المَخْلُوقَاتُ فِيهَا، فَهَذَا مَعْنًى حَقٌّ يُقْبَلُ وَيُثْبَتُ لِلَّهِ (5). 

وَإِنْ أَرَدْتَ بِالْحَدِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تُحِيطُ بِهِ المَخْلُوقَاتُ، أَوْ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى حَيِّزٍ يَحْصُرُهُ، أَوْ أَنَّ صِفَاتِهِ وَذَاتَهُ مُمَاثِلَةٌ لِحُدُودِ الأَجْسَامِ المَخْلُوقَةِ، فَهَذَا مَعْنًى بَاطِلٌ مُسْتَحِيلٌ يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِهِ (6).

​المِحْوَرُ الثَّالِثُ: مَا يَجُوزُ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي بَابِ الإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى

​أَقْسَامُ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي الَّتِي يَجُوزُ الإِخْبَارُ بِهَا: يَقْسِمُ أَهْلُ السُّنَّةِ الأَلْفَاظَ الجَائِزَةَ فِي بَابِ الإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ إِلَى مَا كَانَ نَصّاً شَرْعِيّاً ثَابِثاً، أَوْ مَا كَانَ لَفْظاً حَادِثاً صَحِيحَ المَعْنَى يُسَاقُ فِي مَقَامِ البَيَانِ وَمُحَاجَّةِ أَهْلِ البِدَعِ (7). 

فَبَابُ الإِخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ، وَيَجُوزُ فِيهِ إِطْلَاقُ اللَّفْظِ المُجْمَلِ إِذَا قُيِّدَ بِمَعْنَى الكَمَالِ، كَإِطْلَاقِ لَفْظِ (بَائِنٌ) أَوْ (قَدِيمٌ) أَوْ (الحَدِّ بِمَعْنَى المُنَافَاةِ) لِإِبْطَالِ مَقَالَةِ أَهْلِ التَّعطِيلِ (8).

​أَقْسَامُ الأَلْفَاظِ وَالمَعَانِي الَّتِي لَا يَجُوزُ الإِخْبَارُ بِهَا: وَيَشْمَلُ هَذَا القِسْمُ كُلَّ لَفْظٍ فِيهِ نَقْصٌ مَحْضٌ، أَوْ لَفْظٍ حَادِثٍ يُوهِمُ التَّشْبِيهَ وَالتَّمْثِيلَ، أَوْ لَفْظٍ بِدْعِيٍّ صِيغَ لِنَفْيِ الكَمَالِ الشَّرْعِيِّ (9). 

فَلَا يَجُوزُ الإِخْبَارُ عَنِ اللَّهِ بِالْأَلْفَاظِ الكَلَامِيَّةِ المُطْلَقَةِ كَـ (الجِسْمِ، وَالحَيِّزِ، وَالعَرَضِ، وَالجَوْهَرِ الفَرْدِ)، لِأَنَّ مَعَانِيَهَا عِنْدَ أَهْلِ الِاصْطِلَاحِ بَاطِلَةٌ تُؤَدِّي إِلَى نَفْيِ الصِّفَاتِ وَإِنْكَارِ اسْتِوَاءِ الرَّبِّ عَلَى عَرْشِهِ (10).

​المِحْوَرُ الرَّابِعُ: مَسْلَكُ العُلَمَاءِ وَالسَّلَفِ فِي إِطْلَاقِ اللَّفْظِ وَمَنْعِهِ

​مَنْ أَطْلَقَ اللَّفْظَ مِنَ السَّلَفِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ: صَحَّ إِطْلَاقُ لَفْظِ الحَدِّ عَنْ رُؤُوسٍ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ؛ كَإِمَامِ أَهْلِ السُّنَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبَارَكِ حِينَمَا سُئِلَ: بِمَ نَعْرِفُ رَبَّنَا؟ فَقَالَ: بِأَنَّهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ، عَلَى العَرْشِ، بِحَدٍّ (11). 

وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى هَذَا الإِطْلَاقِ الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فَقَالَ حِينَ نُقِلَ لَهُ كَلَامُ ابْنِ المُبَارَكِ: هَكَذَا هُوَ عِنْدَنَا (12)
 
وَكَذَلِكَ أَطْلَقَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، وَحَرْبٌ الكَرْمَانِيُّ؛ وَسِيَاقُ إِطْلَاقِهِمْ كَانَ لِإِثْبَاتِ مَبَايَنَةِ الرَّبِّ لِخَلْقِهِ وَرَدِّ مَقَالَةِ الجَهْمِيَّةِ.

​مَنْ مَنَعَ اللَّفْظَ أَوِ تَحَفَّظَ عَلَيْهِ: فِي المَقَابِلِ، نُقِلَ المَنْعُ أَوْ التَّحَفُّظُ عَنْ بَعْضِ الأَئِمَّةِ كَأَبِي حَنِيفَةَ فِي (الفِقْهِ الأَكْبَرِ) حَيْثُ جَاءَ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا حَدَّ لَهُ (13)

وَنُقِلَ أَيْضاً عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: وَلَا يُوصَفُ بِأَكْثَرَ مِنْ حَدِّهِ تَعَالَى (14). 

وَمَنْ مَنَعَ اللَّفْظَ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ لَمْ يَمْنَعْ مَعْنَى المُبَايَنَةِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ اللَّفْظَ خَشْيَةَ أَنْ يَفْهَمَ الجُهَّالُ مِنْهُ "التَّكْيِيفَ" أَوْ "المِقْدَارَ" الحِسِّيَّ، فَمَنْعُهُمْ كَانَ تَنْزِيهاً لِلَّفْظِ مَعَ إِثْبَاتِهِمْ لِلْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (15). 
--‐----‐--------------------------------------------------------------------------------
​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص 41.
(2) ابْنُ القَيِّمِ، صِيَانَةُ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَنِ التَّمْثِيلِ، ص 89.
(3) ابْنُ كُلَّابٍ، تَقْرِيرُ المَقَالَاتِ، نَقْلاً عَنْ بَيَانِ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ، 2 / 12.
(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 5 / 241.
(5) الدَّارِمِيُّ، نَقْضُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى بِشْرٍ المَرِيسِيِّ العَنِيدِ، ص 78.
(6) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 5 / 455.
(7) الغَزَالِيُّ، المُسْتَصْفَى فِي عِلْمِ الأُصُولِ (مَبْحَثُ الأَسْمَاءِ)، 1 / 82.
(8) ابْنُ أَبِي العِزِّ الحَنَفِيُّ، شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، ص 218.
(9) ابْنُ القيم، الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ، 3 / 932.
(10) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، فَرْقَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ بَيْنَ الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ وَالكَلَامِيَّةِ، ص 14.
(11) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، كِتَابُ السُّنَّةِ، 1 / 175؛ اللَّالْكَائِيُّ، شَرْحُ أُصُولِ اعْتِقَادِ أَهْلِ السُّنَّةِ، 3 / 442.
(12) المَرُّوذِيُّ، مَسَائِلُ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ص 92؛ الخَلَّالُ، السُّنَّةُ، ص 213.
(13) يُنْسَبُ لِأَبِي حَنِيفَةَ، الفِقْهُ الأَكْبَرُ (بِرِوَايَةِ حَمَّادٍ)، ص 14.
(14) ابْنُ قُدَامَةَ، لُمْعَةُ الِاعْتِقَادِ الهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، ص 9.
(15) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ، 1 / 445.
--‐----‐-------------------------------------------(ص4)------------------------------------------------------------

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: شُبُهَاتُ المُخَالِفِينَ فِي لَفْظِ الحَدِّ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

​تَمْهِيدٌ: طَبِيعَةُ الشُّبُهَاتِ الكَلَامِيَّةِ حَوْلَ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ:

​إِنَّ دِرَاسَةَ مَقَالَاتِ المِلَلِ وَالنِّحَلِ الَّتِي انْحَرَفَتْ عَنْ جَادَّةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ تُوقِفُ البَاحِثَ عَلَى حَقِيقَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ ثَابِثَةٍ، وَهِيَ أَنَّ عُمْدَةَ أَهْلِ الكَلَامِ فِي تَقْرِيرِ مَذَاهِبِهِمْ تَعْتَمِدُ بِالدَّرَجَةِ الأُولَى عَلَى جَعْلِ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ الحَادِثَةِ دَهَالِيزَ لِنَفْيِ الحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ الثَّابِثَةِ فِي الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ (1). 

وَيُعَدُّ لَفْظُ (الحَدِّ) مِنْ أَبْرَزِ المَيَادِينِ الَّتِي دَارَتْ فِيهَا مَعَارِكُ الجَدَلِ العَقَدِيِّ؛ حَيْثُ تَمَسَّكَ نُفَاةُ الصِّفَاتِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَنَسَجُوا حَوْلَهُ سِيَاجًا مِنَ التَّهْوِيلِ وَالتَّشْغِيبِ الرَّامِي إِلَى تَشْوِيهِ مَذْهَبِ الإِثْبَاتِ (2). 

وَقَدْ تَنَوَّعَتْ مَسَالِكُهُمْ فِي هَذَا البَابِ بَيْنَ دَعَاوَى عَقْلِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، وَتَأْوِيلَاتٍ لُغَوِيَّةٍ تَعَسُّفِيَّةٍ، وَمُقَدِّمَاتٍ مَنْطِقِيَّةٍ أُقْحِمَتْ فِي مِلَّةِ الإِسْلَامِ لِيُقَدَّمَ بِمُوجِبِهَا العَقْلُ المَوْهُومُ عَلَى النَّقْلِ المَعْصُومِ (3).

​وَمَنْشَأُ الضَّلَالِ فِي شُبُهَاتِ المُخَالِفِينَ يَعُودُ إِلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَبْنُوا تَصَوُّرَاتِهِمْ عَلَى مَعَانِي لِغَةِ العَرَبِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الوَحْيُ، بَلْ قَامُوا بِاسْتِيرَادِ مَفَاهِيمَ فَلْسَفِيَّةٍ مِشَّائِيَّةٍ وَمَنْطِقِيَّةٍ يُونَانِيَّةٍ (4). 

فَلَمَّا وَجَدُوا الأَئِمَّةَ المُتَقَدِّمِينَ يُطْلِقُونَ لَفْظَ الحَدِّ لِبَيَانِ عُلُوِّ اللَّهِ وَمُبَايَنَتِهِ، طَبَّقُوا عَلَى هَذَا الإِطْلَاقِ مَفْهُومَهُمُ الحَادِثَ الَّذِي يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ مَحْدُودٍ فَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ، وَكُلُّ مُرَكَّبٍ فَهُوَ مَخْلُوقٌ مُفْتَقِرٌ (5). 

وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ تَقُومُ عَلَى صَنَاعَةِ تَلَازُمٍ زَائِفٍ بَيْنِ حَقِيقَةِ الإِثْبَاتِ الشَّرْعِيِّ وَبَيْنِ لَوَازِمِ التَّشْبِيهِ البَاطِلَةِ، لِيَصِلُوا فِي النِّهَايَةِ إِلَى أَنَّ نَفْيَ اللَّفْظِ الحَادِثِ هُوَ السَّبِيلُ الوَحِيدُ لِتَنْزِيهِ البَارِي، وَلَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ نَفْيُ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ (6).

​إِنَّ الرَّدَّ عَلَى هَذِهِ الشُّبُهَاتِ لَا يَنْطَلِقُ مِنْ مَحْضِ الذَّوْدِ عَنِ الأَلْفَاظِ، بَلْ هُوَ ذَوْدٌ عَنِ الحَقَائِقِ العَقَدِيَّةِ الَّتِي تَحْمِيهَا هَذِهِ الأَلْفَاظُ؛ فَالسَّلَفُ حِينَمَا أَثْبَتُوا المَعْنَى المَقْصُودَ بِالْحَدِّ، لَمْ يَكُونُوا عَبَدَةً لِلأَلْفَاظِ البِدْعِيَّةِ، بَلْ كَانُوا أُمَنَاءَ عَلَى إِثْبَاتِ العُلُوِّ الذَّاتِيِّ الَّذِي حَاوَلَتِ الجَهْمِيَّةُ قَلْعَهُ مِنْ قُلُوبِ الأُمَّةِ (7). 

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ تَفْكِيكَ شُبُهَاتِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ يَقْتَضِي تَبْيِينَ فَسَادِ مُقَدِّمَاتِهِمُ العَقْلِيَّةِ، وَإِلْزَامَهُمْ بِالتَّنَاقُضَاتِ النَّاتِجَةِ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ، مَعَ جَعْلِ التَّوْقِيفِ الشَّرْعِيِّ وَنُصُوصِ الوَحْيَيْنِ الحَكَمَ الأَعْلَى فِي مَوَاطِنِ النِّزَاعِ (8).

​وَلِأَجْلِ إِحْكَامِ بَحْثِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَفَقَ المَنْهَجِ العِلْمِيِّ الصَّارِمِ، كَانَ لِزَامًا أَنْ نَقْسِمَ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ إِلَى مَطَالِبَ مُفْرَدَةٍ، تَتَنَاوَلُ كُلُّ مِنْهَا شُبْهَةً كُبْرَى مِنْ شُبُهَاتِ مَدَارِسِ التَّعْطِيلِ وَالمُخَالِفِينَ (9). 

فَنَبْدَأُ بَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ بِمُنَاقَشَةِ الشُّبْهَةِ الأُمِّ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْهَا رَحَى مَقَالَاتِهِمْ، وَهِيَ شُبْهَةُ "التَّجْسِيمِ وَالتَّرْكِيبِ"، حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ إِثْبَاتَ الحَدِّ يَقْتَضِي جَعْلَ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ جِسْمًا مُؤَلَّفًا، وَمِنْ ثَمَّ نُثْنِي بِالشُّبُهَاتِ التَّابِعَةِ لَهَا، مُعْتَمِدِينَ فِي كُلِّ ذَلِكَ عَلَى نُقُولِ الأَئِمَّةِ وَأَدِلَّةِ العَقْلِ الصَّحِيحِ الَّتِي تَهْدِمُ هَذِهِ الخَيَالَاتِ الكَلَامِيَّةِ مِنْ جُذُورِهَا (10).

---------------------‐---------------------------------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الصَّارِمُ المَسْلُولُ عَلَى شَاتِمِ الرَّسُولِ، ص 112؛ دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 1 / 23.

(2) ابْنُ القَيِّمِ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، ص 45.

(3) المَلَاطِيُّ، التَّنْبِيهُ وَالرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الأَهْوَاءِ وَالبِدَعِ، ص 89.

(4) الشَّهْرَسْتَانِيُّ، المِلَلُ وَالنِّحَلُ، 1 / 43.

(5) القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ، شَرْحُ الأُصُولِ الخَمْسَةِ، ص 224.

(6) الرَّازِيُّ، مَطَالِبُ العَالِيَةِ مِنَ العِلْمِ الإِلَهِيِّ، 2 / 115.

(7) الدَّارِمِيُّ، الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ، ص 44.

(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 5 / 298.

(9) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 176.

(10) عَبْدُ اللَّهِ المَشُوحُ، الأَلْفَاظُ المُجْمَلَةُ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، ص 302.

​تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ صِيَاغَةُ تَمْهِيدِ المَبْحَثِ الثَّالِثِ كَامِلًا مُشَكَّلًا بِحَاشِيَتِهِ

---------------------‐------------------------------- (ص5).-----------------------‐----------------------

​المَطْلَبُ الأَوَّلُ: شُبْهَةُ التَّجْسِيمِ وَالتَّرْكِيبِ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

​أَوَّلًا: تَصْوِيرُ الشُّبْهَةِ الكَلَامِيَّةِ وَعُمْدَةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ:

تَرْتَكِزُ عُمْدَةُ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ فِي نَفْيِ لَفْظِ الحَدِّ عَلَى دَعْوَى عَقْلِيَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّ إِثْبَاتَ الحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى يَسْتَلْزِمُ بِالضَّرُورَةِ العَقْلِيَّةِ التَّجْسِيمَ وَالتَّرْكِيبَ (1). 

وَقَدْ صَاغُوا هَذِهِ الشُّبْهَةَ فِي قَالَبٍ مَنْطِقِيٍّ قَالُوا فِيهِ: إِنَّ كُلَّ مَحْدُودٍ فَهُوَ مُتَحَيِّزٌ، وَكُلَّ مُتَحَيِّزٍ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْسُومًا أَوْ قَابِلًا لِلْقِسْمَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ جِسْمٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ جَوَاهِرَ مُفْرَدَةٍ أَوْ أَجْزَاءٍ مُتَمَايِزَةٍ (2).

 وَيَزْعُمُونَ أَنَّ المَوْصُوفَ بِالْحَدِّ يَفْتَقِرُ إِلَى غَيْرِهِ الَّذِي حَدَّهُ وَخَصَّصَهُ بِذَلِكَ المِقْدَارِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالمُفْتَقِرُ إِلَى المُخَصِّصِ حَادِثٌ مَخْلُوقٌ، وَهَذَا هُوَ دَلِيلُهُمُ المَشْهُورُ بِـ (حُدُوثِ الأَجْسَامِ) الَّذِي جَعَلُوهُ أَصْلًا لِتَقْدِيسِ البَارِي، فَنَفَوْا بِهِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ بَائِناً عَنِ العَالَمِ أَوْ فَوْقَ العَرْشِ (3).

​ثَانِيًا: الرَّدُّ الِاسْتِقْصَائِيُّ الشَّامِلُ عَلَى الشُّبْهَةِ:

​الوَبِيلُ الأَوَّلُ (تَفْكِيكُ لَفْظِ الجِسْمِ وَالتَّرْكِيبِ): 

يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ النُّفَاةِ: إِنَّ لَفْظَ (الجِسْمِ) وَ(التَّرْكِيبِ) مِنَ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ الحَادِثَةِ الَّتِي لَمْ يَنْطِقْ بِهَا الشَّرْعُ نَفْياً وَلَا إِثْبَاتاً (4). 

فَإِنْ أَرَدْتُمْ بِالْجِسْمِ المُرَكَّبِ: الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ مُتَفَرِّقاً ثُمَّ جَمَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ أَنَّهُ يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ وَالِانْفِصَالَ الحِسِّيَّ، فَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ أَحَدٌ صَمَدٌ (5). 

وَإِنْ أَرَدْتُمْ بِهِ الَّذِي يُشَارُ إِلَيْهِ، وَيُرَى بِالأَبْصَارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَيَكُونُ بَائِناً عَنِ المَخْلُوقَاتِ، فَنَفْيُ هَذَا المَعْنَى عَنِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ عَيْنُ التَّعْطِيلِ وَالنَّفْيِ لِوُجُودِ الذَّاتِ الحَقِيقِيَّةِ (6).

​الوَبِيلُ الثَّانِي (قَلْبُ دَلِيلِ الِافْتِقَارِ): 

أَمَّا دَعْوَى أَنَّ المَحْدُودَ يَفْتَقِرُ إِلَى حَادٍّ يَحُدُّهُ، فَهِيَ شُبْهَةٌ سَفِسْطَائِيَّةٌ؛ لِأَنَّ حَدَّ الشَّيْءِ وَمُبَايَنَتَهُ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ لِلذَّاتِ المَوْجُودَةِ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا (7). 

فَالذَّاتُ العَلِيَّةُ بَائِنَةٌ عَنِ الخَلْقِ بِذَاتِهَا، وَلَيْسَ هُنَاكَ صَانِعٌ آخَرُ حَدَّهَا أَوْ جَعَلَهَا فَوْقَ العَالَمِ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ المَوْصُوفُ بِالنِّهَايَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا هُوَ وَلَا يَعْلَمُهَا العِبَادُ، كَمَا نَصَّ الأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ لَهُ حَدّاً لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ (8).

​الوَبِيلُ الثَّالِثُ (إِلْزَامُ النُّفَاةِ بِالتَّنَاقُضِ): 

إِنَّ نُفَاةَ الصِّفَاتِ لَا يَنْفَكُّونَ عَنِ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا نَفَوْا الحَدَّ لِئَلَّا يَقَعُوا فِي التَّرْكِيبِ لَزِمَهُمْ أَحَدُ أَمْرَيْنِ أَشَدُّ بُطْلَاناً: إِمَّا القَوْلُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَالٌّ فِي المَخْلُوقَاتِ فَيَكُونُ مَحْدُوداً بِحُدُودِهَا، وَإِمَّا القَوْلُ بِأَنَّهُ لَا دَاخِلَ العَالَمِ وَلَا خَارِجَهُ فَيَكُونُ عَدَماً مَحْضاً لَا حَقِيقَةَ لَهُ (9). 

فَكُلُّ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَمَيُّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ ثَابِثاً، وَالتَّمَيُّزُ هُوَ حَقِيقَةُ الحَدِّ العَقَدِيِّ الَّذِي أَثْبَتَهُ أَهْلُ السُّنَّةِ (10).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَحْصُولِ فِي الرَّدِّ:

يَتَبَيَّنُ بِالِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ أَنَّ شُبْهَةَ التَّجْسِيمِ وَالتَّرْكِيبِ أُقْحِمَتْ لِصَرْفِ الأُمَّةِ عَنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ، وَأَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ بِالْحَدِّ هُوَ الحِصْنُ المَنِيعُ الَّذِي يَحْمِي بَابَ التَّوْحِيدِ مِنَ الذَّوَبَانِ فِي عَقِيدَةِ وَحْدَةِ الوُجُودِ أَوْ الحُلُولِ الِاتِّحَادِيِّ، مَعَ نَفْيِ كُلِّ مَعَانِي النَّقْصِ وَالتَّشْبِيهِ الحِسِّيِّ عَنِ الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ المَعْبُودَةِ (11). 

--------------------------------------------------------------------------------------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ صِفَاتِهِمُ النَّفْيِيَّةِ، 2 / 114.

(2) الرَّازِيُّ، أَسَاسُ التَّقْدِيسِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ، ص 45 - 47.

(3) القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ، المُنْقِذُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالمُعْتَمَدُ فِي أُصُولِ الدِّينِ، 1 / 188.

(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ (تَحْقِيقُ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ)، ص 52.

(5) ابْنُ القَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، 3 / 1102.

(6) الدَّارِمِيُّ، نَقْضُ الإِمَامِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، ص 94.

(7) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 6 / 215.

(8) الأَثْرَمُ، سُؤَالَاتُ أَبِي بَكْرٍ الأَثْرَمِ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، ص 64؛ الخَلَّالُ، السُّنَّةُ، ص 214.

(9) ابْنُ قُدَامَةَ المقدسي، ذَمُّ التَّأْوِيلِ، ص 28.

(10) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، المُصْطَلَحَاتُ العَقَدِيَّةُ الحَادِثَةُ، ص 185.

(11) عَدِلَ بْنُ مُحَمَّدٍ السّبِيعِيِّ، لَفْظُ الحَدِّ عِنْدَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَمَوْقِفُ المُخَالِفِينَ مِنْهُ، ص 142.

------------------------------------------------(ص6)-------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الثَّانِي: 

شُبْهَةُ "الحَصْرِ وَالمَكَانِ": تَفْكِيكُ خَلْطِ الأَشَاعِرَةِ بَيْنِ "المُبَايَنَةِ" وَ"المَحْصُورِيَّةِ فِي مَكَانٍ وُجُودِيٍّ"

​أَوَّلاً: تَصْوِيرُ الشُّبْهَةِ الأَشْعَرِيَّةِ فِي المَكَانِ وَالحَصْرِ:

تَعْتَمِدُ المَدْرَسَةُ الأَشْعَرِيَّةُ فِي نَفْيِ لَفْظِ الحَدِّ وَمَا يَلْزَمُ عَنْهُ عَلَى شُبْهَةِ (التَّحَيُّزِ فِي المَكَانِ)؛ حَيْثُ زَعَمُوا أَنَّ القَوْلَ بِالْحَدِّ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَحْصُورٌ فِي مَكَانٍ، وَالمَكَانُ عِنْدَهُمْ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدِيماً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ القُدَمَاءِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَادِثاً فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الرَّبُّ حَالّاً فِي المَخْلُوقَاتِ وَمَحْصُوراً بِهَا (1). 

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا التَّصَوُّرِ، خَلَطَ الأَشَاعِرَةُ بَيْنِ مَقْصِدِ السَّلَفِ مِنَ "المُبَايَنَةِ" الَّتِي تَعْنِي أَنَّ الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ فَوْقَ العَالَمِ غَيْرُ مُخَالِطَةٍ لَهُ، وَبَيْنِ "المَحْصُورِيَّةِ" الَّتِي تَعْنِي إِحَاطَةَ المَكَانِ الوُجُودِيِّ المَخْلُوقِ بِالذَّاتِ، فَظَنُّوا أَنَّ إِثْبَاتَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ نَفْياً وَإِثْبَاتاً (2).

​ثَانِيّاً: التَّفْكِيكُ العِلْمِيُّ وَالرَّدُّ الِاسْتِقْصَائِيُّ:

​الوَجْهُ الأَوَّلُ (تَحْرِيرُ مَفْهُومِ المَكَانِ): يُقَالُ فِي تَفْكِيكِ هَذَا الخَلْطِ: إِنَّ لَفْظَ (المَكَانِ) يُطْلَقُ عَلَى أَمْرَيْنِ: إِمَّا المَكَانُ الوُجُودِيُّ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ دَاخِلَ العَالَمِ مِنَ الأَجْرَامِ المَخْلُوقَةِ، وَإِمَّا المَكَانُ العَدَمِيُّ وَهُوَ مَا فَوْقَ العَالَمِ حَيْثُ لَا خَلْقَ وَلَا خَلَاءَ (3). 

فَإِذَا قَالَ السَّلَفُ: إِنَّ اللَّهَ فَوْقَ العَرْشِ بِحَدٍّ، لَمْ يَعْنُوا بِذَلِكَ أَنَّهُ فِي مَكَانٍ وُجُودِيٍّ يَحْوِيهِ أَوْ يَحْصُرُهُ، لِأَنَّ العَرْشَ هُوَ سَقْفُ المَخْلُوقَاتِ وَاللَّهُ فَوْقَهُ، فَلَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ إِلَّا اللَّهُ وَالعَدَمُ المَحْضُ الَّذِي لَا حَصْرَ فِيهِ وَلَا تَقْيِيدَ (4).

​الوَجْهُ الثَّانِي (حَقِيقَةُ المُبَايَنَةِ لَا تَسْتَلْزِمُ الحَصْرَ): إِنَّ المُبَايَنَةَ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا العَقْلُ وَالنَّقْلُ تَعْنِي أَنَّ الخَالِقَ لَيْسَ مُخَالِطاً لِلْعَالَمِ، وَهَذَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ مَحْصُوراً؛ لِأَنَّ المَحْصُورَ هُوَ الصَّغِيرُ الَّذِي تُحِيطُ بِهِ أَبْعَادُ الكَبِيرِ (5). 

وَاللَّهُ أَعْظَمُ وَأَكْبَرُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَالسَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ فِي يَدِهِ كَالخَرْدَلَةِ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ كَوْنَهُ بَائِناً عَنِ الخَلْقِ مُسْتَوِياً عَلَى عَرْشِهِ يَجْعَلُهُ مَحْصُوراً، وَالمَخْلُوقَاتُ كُلُّهَا لَا نِسْبَةَ لَهَا إِلَى عَظَمَتِهِ الكُبْرَى (6).

​الوَجْهُ الثَّالِثُ (إِلْزَامُ الأَشَاعِرَةِ بِقَوْلِ الجَهْمِيَّةِ): إِنَّ خَلْطَ الأَشَاعِرَةِ أَدَّى بِهِمْ إِلَى نَفْيِ كَوْنِ اللَّهِ فِي جِهَةِ العُلُوِّ، فَوَقَعُوا فِيمَا هَرَبُوا مِنْهُ؛ لِأَنَّ القَوْلَ بِأَنَّ الرَّبَّ لَا بَائِنٌ عَنِ العَالَمِ وَلَا حَالٌّ فِيهِ هُوَ جَحْدٌ لِلْوُجُودِ (7). 

فَالْمَوْجُودُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَائِناً عَنْ غَيْرِهِ أَوْ حَالّاً فِيهِ، فَلَمَّا نَفَوُا المُبَايَنَةَ خَشْيَةَ المَكَانِ الوُجُودِيِّ، لَزِمَهُمْ قَوْلُ الجَهْمِيَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَدَمٌ لَا يُمَيَّزُ عَنِ المَعْدُومَاتِ (8).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَطْلَبِ:

إِنَّ مَفْهُومَ الحَدِّ السَّلَفِيِّ يُثْبِتُ المُبَايَنَةَ العَقَدِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ فَوْقَ خَلْقِهِ، وَيَنْفِي فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ "المَحْصُورِيَّةَ البَاطِلَةَ" الَّتِي يَتَخَيَّلُهَا الأَشَاعِرَةُ نَتِيجَةَ جَعْلِهِمُ المَقَايِيسَ المَخْلُوقَةَ حَاكِمَةً عَلَى الوجُودِ الإِلَهِيِّ المُقَدَّسِ (9).

-----------------------------------------------------------------------------------------

​(1) الرَّازِيُّ، أَسَاسُ التَّقْدِيسِ فِى عِلْمِ الكَلَامِ، ص 62 - 64.

(2) الجُوَيْنِيُّ، الإِرْشَادُ إِلَى قَوَاطِعِ الأَدِلَّةِ فِي أُصُولِ الاعْتِقَادِ، ص 41.

(3) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ صِفَاتِهِمُ النَّفْيِيَّةِ، 1 / 512.

(4) ابْنُ القَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، 4 / 1282.

(5) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 5 / 273.

(6) ابْنُ خُزَيْمَةَ، كِتَابُ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتِ صِفَاتِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، 1 / 112.

(7) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 6 / 294.

(8) الغَزَالِيُّ، تَهَافُتُ الفَلَاسِفَةِ (مَبْحَثُ الإِلَهِيَّاتِ)، ص 144.

(9) فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الفُهَيْدِ، أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي لَفْظِ الحَدِّ إِثْبَاتاً وَنَفْياً، ص 88.

-------------------------------------------------- (ص7)--------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: 

انْحِرَافُ الكَرَّامِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَدّاً يَقْتَضِي المُلَامَسَةَ أَوِ التَّكْيِيفَ الحِسِّيَّ المَخْلُوقَ

​أَوَّلاً: تَصْوِيرُ مَقَالَةِ الكَرَّامِيَّةِ وَأَهْلِ التَّجْسِيمِ:

كَمَا انْحَرَفَتِ الجَهْمِيَّةُ وَالمُتَكَلِّمُونَ فِي نَفْيِ لَفْظِ الحَدِّ عَقَدِيّاً لِيَصِلُوا إِلَى التَّعْطِيلِ، انْحَرَفَتْ فِي المُقَابِلِ طَوَائِفُ مِنْ غُلَاةِ المُشَبِّهَةِ وَالمُجَسِّمَةِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ السِّجِسْتَانِيُّ وَأَتْبَاعُهُ، فَأَثْبَتُوا لَفْظَ الحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُمْ جَعَلُوهُ قَرِيناً لِلتَّكْيِيفِ الحِسِّيِّ المَمْنُوعِ (1). 

حَيْثُ نَصَّ الكَرَّامِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَحْدُودٌ مِنْ جِهَةِ التَّحْتِ فَقَطْ، وَهُوَ الجِهَةُ المُلَاقِيَةُ لِلْعَرْشِ، وَزَعَمُوا أَنَّ حَقِيقَةَ الِاسْتِوَاءِ هِيَ المُلَامَسَةُ أَوِ المُمَاسَّةُ الحِسِّيَّةُ لِذَاتِ العَرْشِ، أَوْ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْعُدُ عَلَيْهِ فَيَمْلَؤُهُ، فَأَثْبَتُوا حَدّاً يَعُودُ إِلَى تَقْدِيرِ المَسَافَاتِ وَالمِقْدَارِ الَّذِي تَتَّصِفُ بِهِ الأَجْسَامُ المَخْلُوقَةُ (2).

​ثَانِيّاً: التَّفْنِيدُ الصَّارِمُ وَالرَّدُّ الِاسْتِقْصَائِيُّ عَقْلاً وَنَقْلاً:

​الوَجْهِ الأَوَّلُ (مُخَالَفَةُ نُصُوصِ التَّنْزِيهِ وَالصَّمَدِيَّةِ): يُقَالُ لِهَؤُلَاءِ المُشَبِّهَةِ: إِنَّ مَا ذَهَبْتُمْ إِلَيْهِ مِنْ إِثْبَاتِ المُلَامَسَةِ، وَقُعُودِ الذَّاتِ عَلَى نَحْوٍ يَفْتَقِرُ فِيهِ الرَّبُّ إِلَى العَرْشِ لِيَحْمِلَهُ، هُوَ مَذْهَبٌ بَاطِلٌ يُصَادِمُ قَوْلَهُ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}، وَقَوْلَهُ: {اللَّهُ الصَّمَدُ} (3). 

فَالصَّمَدُ هُوَ الغَنِيُّ عَنْ كُلِّ خَلْقِهِ، الَّذِي لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَرْشٍ وَلَا غَيْرِهِ، بَلِ العَرْشُ وَحَمَلَتُهُ مَحْمُولُونَ بِقُدْرَتِهِ وَمُسَخَّرُونَ بِأَمْرِهِ، فَجَعْلُ الحَدِّ بِمَعْنَى المُلَامَسَةِ وَالمُمَاسَّةِ الحِسِّيَّةِ هُوَ تَمْثِيلٌ لِلْخَالِقِ بِالمَخْلُوقِ (4).

​الوَجْهِ الثَّانِي (نَفْيُ التَّكْيِيفِ عِنْدَ السَّلَفِ): إِنَّ لَفْظَ الحَدِّ الَّذِي نَطَقَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ نَصُّوا فِيهِ عَلَى نَفْيِ التَّكْيِيفِ؛ فَحِينَمَا سُئِلَ ابْنُ المُبَارَكِ هَلْ لَهُ حَدٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ (5). 

فَلَوْ كَانَ الحَدُّ بِمَعْنَى المُلَامَسَةِ وَالمِقْدَارِ الحِسِّيِّ المَخْلُوقِ لَكَانَ مَعْلُوماً لِلْعِبَادِ، فَلَمَّا قَالُوا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ، عُلِمَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ حَدّاً يَمْنَعُ خَلْطَ الذَّاتِ بِالمَخْلُوقَاتِ مَعَ نَفْيِ تِلْكَ الكَيْفِيَّاتِ الَّتِي تَخَيَّلَتْهَا الكَرَّامِيَّةُ (6).

​الوَجْهِ الثَّالِثُ (قَاعِدَةُ الإِخْبَارِ المَحْضِ فِي عِبَارَاتِ السَّلَفِ): إِنَّ بَعْضَ العِبَارَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ بَعْضِ المُتَقَدِّمِينَ وَفِيهَا لَفْظُ المُمَاسَّةِ -كَكَلَامِ الدَّارِمِيِّ فِي رَدِّهِ عَلَى المَرِيسِيِّ- لَمْ تَكُنْ مِنْ بَابِ إِثْبَاتِ صِفَةِ المُلَامَسَةِ كَالكَرَّامِيَّةِ، بَلْ جَاءَتْ فِي سِيَاقِ تَقْرِيرِ المُبَايَنَةِ المَحْضَةِ بِطَرِيقِ المُمَاثَلَةِ العَقْلِيَّةِ لِإِبْطَالِ قَوْلِ الجَهْمِيَّةِ بِالحُلُولِ (7). 

فَأَهْلُ السُّنَّةِ يَنْفُونَ كُلَّ لَفْظٍ يُوهِمُ النَّقْصَ، وَيَقِفُونَ عِنْدَ غَايَةِ التَّنْزِيهِ السَّلَفِيِّ الَّذِي يُرِيدُ الحَدَّ بِمَعْنَى الِانْفِصَالِ وَالتَّمَيُّزِ العَيْنِيِّ لَا المُمَاسَّةِ الحِسِّيَّةِ (8).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَطْلَبِ:

إِنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ بَرِيءٌ مِنْ تَمْثِيلِ الكَرَّامِيَّةِ كَبَرَاءَتِهِ مِنْ تَعْطِيلِ الجَهْمِيَّةِ؛ فَالْحَدُّ الشَّرْعِيُّ هُوَ إِثْبَاتُ حَقِيقَةِ الذَّاتِ وَمُبَايَنَتِهَا لِلْخَلْقِ، بَيْنَمَا الحَدُّ الكَرَّامِيُّ المُبْتَدَعُ هُوَ تَوْكِيرٌ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّكْيِيفِ الحِسِّيِّ الَّذِي يَجِبُ تَنْزِيهُ الرَّبِّ العَلِيِّ عَنْ لَوَاثِهِ (9). 

-------------------------------------------------------------------------------------------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ صِفَاتِهِمُ النَّفْيِيَّةِ، 1 / 312.

(2) الشَّهْرَسْتَانِيُّ، المِلَلُ وَالنِّحَلُ، 1 / 108.

(3) سُورَةُ الشُّورَى، الآيَةُ: 11؛ سُورَةُ الإِخْلَاصِ، الآيَةُ: 2.

(4) ابْنُ حَزْمٍ، الفِصَلُ فِي المِلَلِ وَالأَهْوَاءِ وَالنِّحَلِ، 5 / 44.

(5) البَيْهَقِيُّ، الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ، 2 / 290.

(6) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 6 / 212.

(7) الدَّارِمِيُّ، الرَّدُّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ، ص 67 - 69.

(8) ابْنُ القَيِّمِ، اجْتِمَاعُ الجُيُوشِ الإِسْلَامِيَّةِ عَلَى غَزْوِ المُعَطِّلَةِ وَالجَهْمِيَّةِ، ص 115.

(9) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، المُصْطَلَحَاتُ العَقَدِيَّةُ الحَادِثَةُ، ص 190.

------------------------------------------------(ص8)------------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: 

أَثَرُ اضْطِرَابِ فَهْمِ الحَدِّ عَلَى بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ: كَيْفَ أَدَّى نَفْيُ الحَدِّ إِلَى نَفْيِ (النُّزُولِ، وَالمَجِيءِ، وَالِاسْتِوَاءِ)

​أَوَّلاً: تَلَازُمُ الصِّفَاتِ وَسِرُّ الِاضْطِرَابِ المَنْهَجِيِّ:

إِنَّ الِانْحِرَافَ فِي فَهْمِ مَصْطَلَحِ الحَدِّ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ التَّقْعِيدِ النَّظَرِيِّ المَحْضِ، بَلْ تَعَدَّاهُ لِيَكُونَ مِعْوَلَ هَدْمٍ اسْتَعْمَلَهُ نُفَاةُ الصِّفَاتِ لِإِبْطَالِ جُمْلَةٍ مِنَ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ الثَّابِثَةِ فِي الوَحْيَيْنِ (1). 

حَيْثُ جَعَلَ المُعَطِّلَةُ مِنْ لَفْظِ نَفْيِ الحَدِّ مُقَدِّمَةً كُلِّيَّةً حَاكِمَةً؛ فَقَالُوا: لَمَّا كَانَ اللَّهُ غَيْرَ مَحْدُودٍ بِزَعْمِهِمْ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَا يُوصَفُ بِالْحَرَكَةِ، وَلَا الِانْتِقَالِ، وَلَا القُرْبِ الذَّاتِيِّ، وَلَا الفَوْقِيَّةِ (2). 

وَبِنَاءً عَلَى هَذِهِ التَّلَازُمَاتِ الفَاسِدَةِ، نَفَوْا صِفَاتِ الِاسْتِوَاءِ، وَالنُّزُولِ، وَالمَجِيءِ، وَالإِتْيَانِ، وَصَارَ كُلُّ حَرْفٍ أَثْبَتَهُ السَّلَفُ فِي هَذِهِ الأَبْوَابِ يُرَدُّ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ بِشُبْهَةِ نَفْيِ الحَدِّ نَفْسِهَا (3).

​ثَانِيّاً: التَّحْلِيلُ الِاسْتِقْصَائِيُّ لِآثَارِ التَّعْطِيلِ عَلَى الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ:

​أَثَرُهُ عَلَى صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ: لَمَّا كَانَ الِاسْتِوَاءُ عَلَى العَرْشِ يَقْتَضِي عُلُوَّ الذَّاتِ وَتَمَيُّزَهَا عَنِ العَالَمِ، زَعَمَتِ الأَشَاعِرَةُ وَالمُعْتَزِلَةُ أَنَّ القَوْلَ بِالِاسْتِوَاءِ الحَقِيقِيِّ يَحُدُّ الذَّاتَ فَوْقَ العَرْشِ، فَهَرَبُوا إِلَى تَأْوِيلِ الِاسْتِوَاءِ بِـ (الِاسْتِيلَاءِ)، لِأَنَّ الِاسْتِيلَاءَ قَهْرٌ مَعْنَوِيٌّ لَا يَقْتَضِي تَمَيُّزاً لِلذَّاتِ وَلَا حَدّاً، فَأَدَّى اضْطِرَابُهُمْ فِي الحَدِّ إِلَى قَلْعِ صِفَةِ الِاسْتِوَاءِ مِنَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ (4).

​أَثَرُهُ عَلَى صِفَةِ النُّزُولِ الإِلَهِيِّ: تَمَسَّكَ النُّفَاةُ بِأَنَّ نُزُولَ الرَّبِّ تَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فِي الثُّلُثِ الأَخِيرِ مِنَ اللَّيْلِ يَسْتَلْزِمُ الحَرَكَةَ وَالِانْتِقَالَ، وَهُمَا مِنْ لَوَازِمِ المَحْدُودِ المُنْقَسِمِ عِنْدَهُمْ (5). 

فَلَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ الرَّبَّ لَا حَدَّ لَهُ بِمَعْنَى نَفْيِ المُبَايَنَةِ، قَالُوا: لَا يَجُوزُ النُّزُولُ الذَّاتِيُّ، بَلِ النَّازِلُ هُوَ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، أَوْ أَمْرُهُ، أَوْ رَحْمَتُهُ، فَعَطَّلُوا هَذِهِ المَكْرُمَةَ الإِلَهِيَّةَ الَّتِي تَوَاتَرَتْ بِهَا الأَخْبَارُ خَوْفاً مِنَ الحَدِّ المَوْهُومِ (6).

​أَثَرُهُ عَلَى صِفَةِ المَجِيءِ وَالإِتْيَانِ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً}، زَعَمَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ أَنَّ المَجِيءَ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ لِلْجَائِي حَدٌّ وَتَحَيُّزٌ يَنْتَقِلُ بِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ، فَقَالُوا: المَعْنَى وَجَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ (7). 

وَهَذَا كُلُّهُ عَيْنُ التَّنَاقُضِ؛ لِأَنَّهُمْ لَوْ أَثْبَتُوا حَقِيقَةَ الذَّاتِ الكَبِيرَةِ المُبَايِنَةِ لِلْخَلْقِ (وَهُوَ الحَدُّ عِنْدَ السَّلَفِ) لَأَمْكَنَهُمْ إِثْبَاتُ مَجِيءٍ وَنُزُولٍ يَلِيقَانِ بِجَلَالِ اللَّهِ دُونَ تَمْثِيلٍ بِالمَخْلُوقَاتِ (8).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَحْصُولِ المَنْهَجِيِّ:

إِنَّ نَفْيَ الحَدِّ السَّلَفِيِّ الَّذِي هُوَ نَفْيُ المُبَايَنَةِ وَالتَّمَيُّزِ صَارَ السُّلَّمَ الأَكْبَرَ لِتَعْطِيلِ الصِّفَاتِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كُلِّهَا؛ فَمَنْ نَفَى الحَدَّ لَزِمَهُ عَقْلاً نَفْيُ الِاسْتِوَاءِ وَالنُّزُولِ وَالمَجِيءِ، وَمَنْ أَثْبَتَ الحَدَّ لِلَّهِ بِأَنَّهُ بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، اسْتَقَامَ لَهُ بَابُ الإِثْبَاتِ كُلُّهُ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ (9). 

------------------------------------------------------------------------------------------------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 5 / 432.

(2) الجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ (نَقْلاً عَنْهُ)، الدَّارِمِيُّ فِي نَقْضِ المَرِيسِيِّ، ص 104.

(3) الرَّازِيُّ، مَطَالِبُ العَالِيَةِ مِنَ العِلْمِ الإِلَهِيِّ، 2 / 188.

(4) ابْنُ فُورَكٍ، مُشْكِلُ الحَدِيثِ وَبَيَانُهُ، ص 84.

(5) الجُوَيْنِيُّ، الكِتَابُ الإِرْشَادِيُّ فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ، ص 52.

(6) ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، التَّمْهِيدُ لِمَا فِي المُوَطَّأِ مِنَ المَعَانِي وَالأَسَانِيدِ، 7 / 128.

(7) القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ، مُتَشَابِهُ القُرْآنِ، 1 / 244.

(8) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، شَرْحُ حَدِيثِ النُّزُولِ، ص 66 - 68.

(9) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 198.

​تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ صِيَاغَةُ المَطْلَبِ الرَّابِعِ كَامِلاً مُشَكَّلاً بِحَاشِيَتِهِ فِي هَذِهِ الصَّفْحَةِ (ص9).

-----------------------------------------------------(ص9)---------------------------------------------------------

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: القَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ

​تَمْهِيدٌ: مَكَانَةُ القَوَاعِدِ المَنْهَجِيَّةِ فِي ضَبْطِ التَّقْرِيرِ العَقَدِيِّ:

​إِنَّ النَّظَرَ الفَاحِصَ فِي تَارِيخِ المَقَالَاتِ وَالفِرَقِ يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ كُلَّ انْحِرَافٍ شَهَدَتْهُ السَّاحَةُ العَقَدِيَّةُ يَعُودُ فِي أَصْلِهِ إِلَى تَرْكِ الِاعْتِصَامِ بِالقَوَاعِدِ المَنْهَجِيَّةِ الَّتِي خَطَّهَا السَّلَفُ الصَّالِحُ فِي بَابِ التَّلَقِّي وَالِاسْتِدْلَالِ (1). 

وَلَمَّا كَانَتِ الأَلْفَاظُ هِيَ الأَوْعِيَةَ الحَامِلَةَ لِلْمَعَانِي، فَقَدْ أَوْلَى أَئِمَّةُ السُّنَّةِ عِنَايَةً بَالِغَةً لِوَضْعِ مَعَايِيرَ صَارِمَةٍ لِلْحُكْمِ عَلَى الأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تَرِدْ فِي نُصُوصِ الوَحْيَيْنِ بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ، وَالَّتِي نَبَتَتْ فِي بِيئَاتِ الجَدَلِ الكَلَامِيِّ (2). 

فَلَمْ يَكُنْ تَعَامُلُهُمْ مَعَ هَذِهِ المُحْدَثَاتِ قَائِماً عَلَى مُجَرَّدِ الرَّدِّ الحِمَائِيِّ العَفْوِيِّ، بَلْ تَحَرَّكُوا مِنْ خِلَالِ أُصُولٍ كُلِّيَّةٍ تُقِيمُ العَدْلَ العِلْمِيَّ، وَتَحْفَظُ نَقَاءَ الشَّرِيعَةِ، وَتَقْطَعُ دَابِرَ الشَّغَبِ الذِي يُثِيرُهُ أَهْلُ الأَهْوَاءِ بِالأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ (3).

​وَتَتَجَلَّى أَهَمِّيَّةُ هَذَا المَبْحَثِ فِي كَوْنِهِ يَنْتَقِلُ بِالبَاحِثِ مِنْ مَحْضِ الِاسْتِدْلَالِ الجُزْئِيِّ عَلَى مَسْأَلَةِ "الحَدِّ" إِلَى فَهْمِ الكُلِّيَّاتِ المَنْهَجِيَّةِ الَّتِي تُحِيطُ بِهَذَا المَصْطَلَحِ وَغَيْرِهِ مِنَ المَصْطَلَحَاتِ (4). 

فَالسَّلَفُ لَمْ يَكُونُوا يُعَادُونَ حُرُوفَ اللَّفْظِ لِذَاتِ الصَّوْتِ، بَلْ كَانُوا يَسْتَفْصِلُونَ عَنِ المَقَاصِدِ، فَيَقْبَلُونَ الحَقَّ الذِي عَبَّرَ عَنْهُ اللَّفْظُ الحَادِثُ إِذَا كَانَ بَيَاناً لِمَقْصُودِ الشَّرْعِ، وَيَرُدُّونَ البَاطِلَ الذِي أُقْحِمَ فِيهِ (5). 

وَهَذَا الِاتِّزَانُ المَنْهَجِيُّ يُمَثِّلُ العِصْمَةَ العِلْمِيَّةَ الَّتِي تَمَيَّزَ بِهَا أَهْلُ الأَثَرِ عَنْ أَهْلِ الكَلَامِ الَّذِينَ جَعَلُوا الأَلْفَاظَ المُصْطَلَحَةَ مَحَاوِرَ تُحَاكَمُ إِلَيْهَا نُصُوصُ التَّنْزِيلِ (6).

​إِنَّ قِرَاءَةَ هَذِهِ القَوَاعِدِ لَيْسَتْ تَمْشِيطاً لِتَارِيخٍ سَالِفٍ، بَلْ هِيَ تَسْلِيحٌ لِلْعَقْلِ المُسْلِمِ فِي مُوَاجَهَةِ عَقَبَاتِ المُصْطَلَحَاتِ الوَافِدَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ؛ إِذْ إِنَّ جَوْهَرَ النِّزَاعِ قَدِيمٌ مُتَجَدِّدٌ (7). 

وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ، سَيَتِمُّ فِي هَذَا المَبْحَثِ اسْتِعْرَاضُ أَرْبَعَةِ قَوَاعِدَ مَنْهَجِيَّةٍ مَتِينَةٍ تُرَتِّبُ طَرِيقَةَ النَّظَرِ السَّلَفِيِّ؛ حَيْثُ نَبْدَأُ بِيَقَظَةِ الفَرْقِ بَيْنَ مَقَامِ التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ وَالسَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ، ثُمَّ نُثْنِي بِتَقْعِيدِ قَاضِيَةِ العِبْرَةِ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي، تَبَعاً لِتَشْرِيحِ أَثَرِ التَّرْجَمَةِ الفَلْسَفِيَّةِ، لِنَصِلَ فِي الخِتَامِ إِلَى بَيَانِ كَيْفِيَّةِ تَنْزِيلِ هَذِهِ القَوَاعِدِ عَلَى النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ المُعَاصِرَةِ الَّتِي تَمَسُّ كِيَانَ الِاعْتِقَادِ (8).

--------------------------------------------------------------------------------------------

​(1) الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، 1 / 145.

(2) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص 64.

(3) ابْنُ القَيِّمِ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ، ص 92.

(4) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 210.

(5) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 1 / 76.

(6) السِّجْزِيُّ، رِسَالَتُهُ إِلَى أَهْلِ زَبِيدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوْتَ، ص 105.

(7) عَبْدُ اللَّهِ المَشُوحُ، الأَلْفَاظُ المُجْمَلَةُ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، ص 412.

(8) خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المِصْلِحِ، النَّوَازِلُ العَقَدِيَّةُ وَمَنْهَجُ السَّلَفِ فِيهَا، ص 53.

-------------------------------------------------- (ص10)-----------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنِ مَقَامِ التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ وَمَقَامِ السَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ وَالرَّدِّ

​أَوَّلًا: تَأْصِيلُ مَقَامِ التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ فِي بَابِ الصِّفَاتِ:

تَقُومُ المَدْرَسَةُ الأَثَرِيَّةُ السَّلَفِيَّةُ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى أَصْلِ التَّوْقِيفِ المَحْضِ، وَهُوَ عَدَمُ جَوَازِ إِثْبَاتِ صِفَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ نَفْيِهَا عَنْهُ إِلَّا بِدَلِيلٍ مِنَ الكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ (1). 

وَهَذَا المَقَامُ هُوَ المُرَادُ بِمَقَامِ (التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ)؛ حَيْثُ يُحَرَّمُ فِيهِ اخْتِرَاعُ أَلْفَاظٍ جَدِيدَةٍ لِتُجْعَلَ صِفَاتٍ رَاتِبَةً يُتَعَبَّدُ بِإِثْبَاتِهَا كَمَا تُثْبَتُ صِفَاتُ الجَلَالِ (2). 

فَالْوَاجِبُ هُنَا هُوَ لُزُومُ المَأْثُورِ وَعَدَمُ تَعَدِّي القُرْآنِ وَالحَدِيثِ، لِأَنَّ العَقْلَ البَشَرِيَّ لَا مَجَالَ لَهُ فِي إِدْرَاكِ كُنْهِ البَارِي تَعَالَى اسْتِقْلَالًا، فَكَانَ التَّوَقُّفُ الشَّرْعِيُّ فِي مَقَامِ صِيَاغَةِ الصِّفَاتِ صِيَانَةً لِجَنَابِ التَّوْحِيدِ عَنِ التَّقَوُّلِ عَلَى اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (3).

​ثَانِيًا: مَفْهُومُ مَقَامِ السَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ وَالمُنَاظَرَةِ وَالرَّدِّ:

​الوَجْهُ الأَوَّلُ (التَّفْرِيقُ بَيْنَ الصِّفَةِ وَالإِخْبَارِ): قَرَّرَ الأَئِمَّةُ أَنَّ بَابَ (الإِخْبَارِ) أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ؛ فَإِذَا كَانَتِ الصِّفَةُ تَتَوَقَّفُ عَلَى النَّصِّ، فَإِنَّ الإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ بِأَلْفَاظٍ صَحِيحَةِ المَعْنَى لَا تُوهِمُ نَقْصاً يَكُونُ جَائِزاً لِتَقْرِيبِ الفَهْمِ أَوْ لِتَفْسِيرِ النُّصُوصِ، مِثْلُ إِطْلَاقِ لَفْظِ (المَوْجُودِ) أَوْ (الشَّيْءِ) أَوْ (الذَّاتِ) (4). 

وَمِنْ هَذَا البَابِ جَاءَ إِطْلَاقُ السَّلَفِ لِلَفْظِ (الحَدِّ)؛ فَلَمْ يَجْعَلُوهُ صِفَةً مُشْتَقَّةً لِلَّهِ، بَلْ جَعَلُوهُ خَبَراً صَحِيحاً يُبَيِّنُ مُبَايَنَتَهُ لِلْخَلْقِ (5).

​الوَجْهُ الثَّانِي (سَعَةُ العِبَارَةِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ وَالمُنَاظَرَةِ): تَقْتَضِي الحَاجَةُ فِي مَقَامِ دَفْعِ شُبُهَاتِ المُبْتَدِعَةِ أَنْ يُقَابَلُوا بِأَلْفَاظٍ تُفَكِّكُ عِبَارَاتِهِمْ وَتَقْطَعُ دَابِرَ تَلْبِيسِهِمْ؛ فَلَمَّا قَالَتِ الجَهْمِيَّةُ: إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، لَمْ يَكْفِ أَنْ يُقَالَ: هُوَ عَلَى العَرْشِ فَقَطْ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَتَأَوَّلُونَ الِاسْتِوَاءَ، فَاحْتَاجَ السَّلَفُ فِي مَقَامِ المُنَاظَرَةِ إِلَى زِيَادَةِ لَفْظٍ يَفْصِلُ النِّزَاعَ، فَقَالُوا: (بِأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ بِحَدٍّ) (6). 

وَهَذَا الِاسْتِعْمَالُ مَشْرُوعٌ لِأَنَّهُ يَؤُولُ إِلَى إِثْبَاتِ الحَقِّ النَّقْلِيِّ بِأَلْفَاظٍ تَفْهَمُهَا العُقُولُ المُنَازِعَةُ، وَهُوَ مِنْ بَابِ السَّعَةِ الَّتِي أَبَاحَهَا العُلَمَاءُ لِدَحْضِ البَاطِلِ وَإِلْزَامِ الخُصُومِ (7).

​الوَجْهُ الثَّالِثُ (قَاعِدَةُ الِاسْتِفْصَالِ فِي المَقَامَيْنِ): إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المَقَامَيْنِ يَمْنَعُ خَلْطَ الأَحْكَامِ؛ فَلَا يُقَالُ إِنَّ لَفْظَ الحَدِّ بِدْعَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي القُرْآنِ، كَمَا لَا يُقَالُ إِنَّهُ صِفَةٌ تَوْقِيفِيَّةٌ يُتَعَبَّدُ بِذِكْرِهَا فِي المَحَارِيبِ (8). 

بَلْ هُوَ لَفْظٌ خَبَرِيٌّ تَقْتَضِيهِ صِنَاعَةُ الرَّدِّ العِلْمِيِّ لِتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ البَاطِلِ؛ فَمَا كَانَ فِي مَقَامِ الإِثْبَاتِ الرَّاتِبِ لَزِمَهُ التَّوَقُّفُ، وَمَا كَانَ فِي مَقَامِ البَيَانِ وَمُحَاجَّةِ أَهْلِ الكَلَامِ اتَّسَعَ فِيهِ الخَبَرُ بِشَرْطِ سَلَامَةِ المَعْنَى (9).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَحْصُولِ:

يَتَبَرَّهَنُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ يَجْمَعُ بَيْنِ الوَرَعِ الشَّرْعِيِّ فِي التَّوَقُّفِ عِنْدَ أَلْفَاظِ الوَحْيِ فِي مَقَامِ التَّعَبُّدِ، وَبَيْنَ الذَّكَاءِ المَنْهَجِيِّ فِي اسْتِخْدَامِ السَّعَةِ التَّعْبِيرِيَّةِ فِي مَقَامِ الرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِينَ لِحِمَايَةِ العَقِيدَةِ مِنْ حِيَلِ التَّعْطِيلِ (10).

-------------------------------------------------------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص 38.

(2) أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، رِسَالَةُ الِاعْتِقَادِ (رِوَايَةُ أَبِي الفَضْلِ التَّمِيمِيِّ)، ص 44.

(3) ابْنُ أَبِي زَيْدٍ القَيْرَوَانِيُّ، مَاتِعُ الرِّسَالَةِ (مُقَدِّمَةُ العَقِيدَةِ)، ص 12.

(4) ابْنُ القَيِّمِ، بَدَائِعُ الفَوَائِدِ، 1 / 162.

(5) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 6 / 515.

(6) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ (نَقْلاً عَنْهُ)، الدَّارِمِيُّ فِي الرَّدِّ عَلَى الجَهْمِيَّةِ، ص 39.

(7) ابْنُ قُدَامَةَ المقدسي، لُمْعَةُ الِاعْتِقَادِ الهَادِي إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، ص 15.

(8) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 224.

(9) خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المِصْلِحِ، أُصُولُ التَّلَقِّي وَالِاسْتِدْلَالِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، ص 188.

(10) عَبْدُ اللَّهِ المَشُوحُ، الأَلْفَاظُ المُجْمَلَةُ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، ص 440.

-------------------------------------------------- (ص11)----------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الثَّانِي: قَاعِدَةُ (العِبْرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ

​أَوَّلًا: مَفْهُومُ القَاعِدَةِ وَمَكَانَتُهَا المَنْهَجِيَّةُ:

تُعَدُّ قَاعِدَةُ (العِبْرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي) مِنْ أَعْظَمِ الأُصُولِ العَقْلِيَّةِ وَالشَّرْعِيَّةِ الَّتِي اعْتَصَمَ بِهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ فِي بَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَهِيَ تَعْنِي أَنَّ الأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَالتَّقْرِيرَاتِ العَقَدِيَّةَ لَا تَدُورُ مَعَ جَوَامِدِ الأَلْفَاظِ وَحُرُوفِهَا صُعُوداً وَهُبُوطاً، بَلْ تَتَّبِعُ الحَقَائِقَ المَوْضُوعَةَ لَهَا تِلْكَ الأَلْفَاظُ (1). 

فَالأَلْفَاظُ مَا هِيَ إِلَّا قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي وَوَسَائِلُ لِلإِبَانَةِ عَنْهَا، وَعَلَيْهِ فَإِنَّ وُرُودَ لَفْظٍ حَادِثٍ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ سَلَفُ الأُمَّةِ لَا يُوجِبُ رَدَّهُ مُطْلَقاً لِمُجَرَّدِ جِدَّةِ مَبْنَاهُ، كَمَا أَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظٍ شَرْعِيٍّ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَا يُقْبَلُ لِمُجَرَّدِ شَرَفِ لَفْظِهِ، بَلِ المِحَكُّ الأَسَاسُ هُوَ تَحْرِيرُ المَدْلُولِ المُرَادِ وَعَرْضُهُ عَلَى المِعْيَارِ النَّقْلِيِّ المَعْصُومِ (2).

​ثَانِيًا: التَّفْصِيلُ الِاسْتِقْصَائِيُّ لِتَطْبِيقِ القَاعِدَةِ عَلَى لَفْظِ الحَدِّ:

​الوَجْهُ الأَوَّلُ (تَفْكِيكُ المَبْنَى وَسَبْرُ المَعْنَى): عِنْدَ تَنْزِيلِ هَذِهِ القَاعِدَةِ عَلَى لَفْظِ (الحَدِّ)، نَجِدُ أَنَّ الأَئِمَّةَ طَبَّقُوا الِاسْتِفْصَالَ العِلْمِيَّ؛ فَلَمْ يَجْعَلُوا جَفْوَةَ اللَّفْظِ الحَادِثِ سَبَباً لِإِبْطَالِ المَعْنَى الحَقِيقِيِّ الذِي يَحْمِلُهُ (3). 

فَمَنْ أَطْلَقَ الحَدَّ وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ، لَيْسَ حَالّاً فِيهِمْ وَلَا مُخَالِطاً لِذَوَاتِهِمْ، بَلْ هُوَ سُبْحَانَهُ فَوْقَ العَرْشِ مَعْبُودٌ مُتَمَيِّزٌ، فَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ مَقْبُولٌ يَجِبُ إِثْبَاتُهُ عَقِيدَةً، لِأَنَّ دَلَائِلَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ طَافِحَةٌ بِإِثْبَاتِ العُلُوِّ وَالمُبَايَنَةِ، وَإِنْ كَانَ المَبْنَى (اللَّفْظُ) مُحْدَثاً (4).

​الوَجْهُ الثَّانِي (رَدُّ المَعَانِي البَاطِلَةِ مَعَ حِفْظِ المَبَانِي): وَفِي المُقَابِلِ، مَنْ أَطْلَقَ لَفْظَ الحَدِّ وَأَرَادَ بِهِ مَعْنًى حِسِّيّاً يَؤُولُ إِلَى مُمَاثَلَةِ المَخْلُوقَاتِ، كَالتَّكْيِيفِ، أَوِ التَّجْزِئَةِ، أَوِ احْتِيَاجِ الخَالِقِ إِلَى مَكَانٍ يَحْصُرُهُ، فَإِنَّ هَذَا المَعْنَى مَرْدُودٌ مَذْمُومٌ، وَتَجِبُ تَعْمِيَةُ هَذَا الإِطْلَاقِ وَزَجْرُ قَائِلِهِ (5). 

فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّفْظِ فَقَطْ، بَلْ يَغُوصُونَ إِلَى عُمْقِ المُرَادِ؛ لِأَنَّ الخُصُومَ مِنَ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ لَمَّا رَدُّوا لَفْظَ الحَدِّ، لَمْ يَكُنْ رَدُّهُمْ لِلْمَبْنَى حِرْصاً عَلَى الأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ، بَلْ جَعَلُوا رَدَّ المَبْنَى ذَرِيعَةً لِنَفْيِ مَعْنَى العُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ كُلِّيَّةً (6).

​الوَجْهُ الثَّالثُ (خُطُورَةُ الوُقُوفِ عِنْدَ الظَّاهِرِ اللَّفْظِيِّ): إِنَّ الوُقُوفَ عِنْدَ مُجَرَّدِ المَبَانِي دُونَ فِقْهِ المَعَانِي يُوقِعُ البَاحِثَ فِي تَنَاقُضَاتٍ مَهْلَكَةٍ؛ حَيْثُ يُؤَدِّي بِهِ الأَمْرُ إِلَى طَرْدِ الصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ بِحُجَّةِ عَدَمِ ذِكْرِ الكَلِمَةِ بِحُرُوفِهَا، وَهُوَ مَسْلَكٌ ظَاهِرِيٌّ بَدْعِيٌّ فِي العَقَائِدِ (7). 

فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَنْطِقُوا بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ دَارَتْ فِي المُنَاظَرَاتِ، لَكِنَّهُمْ أَثْبَتُوا حَقَائِقَهَا المَعْنَوِيَّةَ الَّتِي هِيَ لُبُّ الإِيمَانِ، وَمِنْ هُنَا كَانَ الِاتِّفَاقُ السَّلَفِيُّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ المُجْمَلَ يُسْتَفْصَلُ عَنْ مَعْنَاهُ، فَالمَعْنَى هُوَ الحَكَمُ الأَعْلَى (8).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَحْصُولِ:

تَتَحَصَّلُ النَّتِيجَةُ فِي أَنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ تَقُومُ عَلَى عَدْلٍ وَقِسْطٍ؛ فَلَا يَغُرُّهُمْ زُخْرُفُ القَوْلِ فِي المَبَانِي إِذَا بَطَنَ المَعْنَى، وَلَا يُوحِشُهُمْ غُرُوبُ اللَّفْظِ الحَادِثِ إِذَا صَحَّ مَدْلُولُهُ المَعْنَوِيُّ، وَبِهَذَا تَمَّ نَصْرُ عَقِيدَةِ الإِثْبَاتِ وَإِبْطَالُ أَرَاجِيفِ أَهْلِ التَّجْهِيلِ وَالتَّعْطِيلِ (9).

-------------------------------------------------------------------‐----------------------

​(1) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 5 / 84.

(2) ابْنُ القَيِّمِ، إِعْلَامُ المُوَقِّعِينَ عَنْ رَبِّ العَالَمِينَ، 3 / 114.

(3) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، بَيَانُ تَلْبِيسِ الجَهْمِيَّةِ، 2 / 306.

(4) الدَّارِمِيُّ، نَقْضُ الإِمَامِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى بِشْرٍ المَرِيسِيِّ، ص 142.

(5) الأَجُرِّيُّ، الشَّرِيعَةُ، ص 294.

(6) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 232.

(7) ابْنُ رُشْدٍ الحَفِيدُ، مَنَاهِجُ الأَدِلَّةِ فِي عَقَائِدِ المِلَّةِ، ص 93.

(8) عَبْدُ اللَّهِ المَشُوحُ، الأَلْفَاظُ المُجْمَلَةُ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، ص 465.

(9) فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الفُهَيْدِ، المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي تَقْرِيرِ العَقَائِدِ، ص 201.

-------------------------------------------------- (ص12)-------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ المُصْطَلَحَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ المِتَرْجَمَةِ عَلَى صِيَاغَةِ الفِكْرِ الكَلَامِيِّ

​أَوَّلًا: حَرَكَةُ التَّرْجَمَةِ وَإِقْحَامُ الأَلْفَاظِ الأَعْجَمِيَّةِ:

شَهِدَ التَّارِيخُ الإِسْلَامِيُّ فِي العَصْرِ العَبَّاسِيِّ نَازِلَةً مَنْهَجِيَّةً كُبْرَى تَمَثَّلَتْ فِي تَرْجَمَةِ كُتُبِ الفَلَاسِفَةِ اليُونَانِ وَالمَشَّائِينَ إِلَى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ (1). 

وَلَمْ يَكُنْ هَذَا النَّقْلُ مُجَرَّدَ نَقْلٍ لُغَوِيٍّ مَحْضٍ، بَلْ صَاحَبَهُ نَقْلٌ لِلْمَفَاهِيمِ الوَثَنِيَّةِ المِتَافِيزِيقِيَّةِ الَّتِي صِيغَتْ فِي قَوَالِبَ عَرَبِيَّةٍ مُحْدَثَةٍ مِثْلِ (الجَوْهَرِ، وَالعَرَضِ، وَالجِسْمِ، وَالتَّحَيُّزِ، وَالِاحْتِوَاءِ) (2). 

فَتَلَقَّفَ رُؤُوسُ الجَهْمِيَّةِ وَالمُعْتَزِلَةِ هَذِهِ المَبَانِيَ المِتَرْجَمَةَ وَجَعَلُوهَا أُصُولًا حَاكِمَةً قَامُوا بِنَاءً عَلَيْهَا بِإِعَادَةِ صِيَاغَةِ الفِكْرِ الكَلَامِيِّ، حَيْثُ حَاكَمُوا نُصُوصَ الوَحْيَيْنِ إِلَى مَدْلُولَاتِ هَذِهِ الأَلْفَاظِ الوَافِدَةِ بَدَلًا مِنْ تَرْجِيعِهَا إِلَى سَنَنِ لِسَانِ العَرَبِ الذِي نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ (3).

​ثَانِيًا: كَيْفَ صَنَعَتِ التَّرْجَمَةُ الفَلْسَفِيَّةُ أَزْمَةَ لَفْظِ الحَدِّ:

​الوَجْهِ الأَوَّلُ (تَحْرِيفُ الدَّلَالَةِ اليُونَانِيَّةِ لِلْفَظِ): كَانَ لَفْظُ (الحَدِّ) فِي المَنْطِقِ الأَرِسْطِيِّ المِتَرْجَمِ يُطْلَقُ عَلَى التَّعْرِيفِ الجَامِعِ المَانِعِ الذِي يَكْشِفُ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ المُرَكَّبِ مِنْ جِنْسٍ وَفَصْلٍ (4). 

فَلَمَّا أُقْحِمَ هَذَا المَفْهُومُ المِتَرْجَمُ فِي بَابِ الإِلَهِيَّاتِ، زَعَمَ النُّفَاةُ أَنَّ إِثْبَاتَ الحَدِّ لِلَّهِ يَعْنِي كَوْنَهُ مَحْدُوداً بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ تَعْرِيفاً يَحْصُرُ كُنْهَ ذَاتِهِ، أَوْ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ يَقْبَلُ التَّشْرِيحَ العَقْلِيَّ (5). 

وَهَذَا النَّظَرُ الفَاسِدُ جَاءَ نَتِيجَةَ العَجْزِ عَنْ فَهْمِ الفَرْقِ بَيْنَ حَدِّ الشَّيْءِ فِي لُغَةِ العَرَبِ الذِي يَعْنِي نِهَايَتَهُ وَمُبَايَنَتَهُ لِغَيْرِهِ، وَبَيْنَ حَدِّ الشَّيْءِ فِي المَنْطِقِ اليُونَانِيِّ الذِي يَعْنِي التَّرْكِيبَ المَاهَوِيَّ (6).

​الوَجْهِ الثَّانِي (صِنَاعَةُ طَرِيقَةِ المَلَازِمِ الزَّائِفَةِ): أَدَّتِ المُصْطَلَحَاتُ المِتَرْجَمَةُ إِلَى بِنَاءِ مَنْظُومَةٍ مِنَ التَّلَازُمَاتِ الوَهْمِيَّةِ فَرَضَهَا الفِكْرُ الكَلَامِيُّ عَلَى العَقْلِ المُسْلِمِ؛ فَقَالُوا: كُلُّ ذَاتٍ مَوْجُودَةٍ بَائِنَةٍ فَهِيَ مُتَحَيِّزَةٌ، وَكُلُّ مُتَحَيِّزٍ لَهُ حَدٌّ، وَكُلُّ مَا لَهُ حَدٌّ فَهُوَ جِسْمٌ (7). 

فَصَارَتْ تِلْكَ الأَسْمَاءُ المِتَرْجَمَةُ شِبَاكاً عَقْلِيَّةً تَمْنَعُ الفَقِيهَ المُتَكَلِّمَ مِنْ إِثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ؛ فَلَمَّا وَجَدُوا السَّلَفَ يُثْبِتُونَ الحَدَّ لِإِبْطَالِ الحُلُولِ، رَمَوْهُمْ بِالتَّجْسِيمِ لِأَنَّهُمْ يَقْرَؤُونَ سَنَنَ السَّلَفِ بِعُيُونٍ يُونَانِيَّةٍ مُحَرَّفَةٍ (8).

​الوَجْهِ الثَّالِثُ (مَوْقِفُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جِنَايَةِ التَّرْجَمَةِ): لَمْ يَكُنْ أَئِمَّةُ الأَثَرِ غَافِلِينَ عَنْ هَذِهِ المَكِيدَةِ اللَّفْظِيَّةِ، بَلْ شَهَرُوا سُيُوفَ النَّقْدِ لِتَبْيِينِ أَنَّ الأَلْفَاظَ المِتَرْجَمَةَ لَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ مَرَاجِعَ لِتَفْسِيرِ الدِّينِ (9). 

وَأَوْضَحُوا أَنَّ النُّفَاةَ وَقَعُوا فِي جَهْلٍ مُرَكَّبٍ حِينَمَا ظَنُّوا أَنَّ النِّهَايَةَ الذَّاتِيَّةَ (الحَدَّ الشَّرْعِيَّ) تَسْتَلْزِمُ التَّأْلِيفَ الفَلْسَفِيَّ، فَكَانَ مَنْهَجُ السَّلَفِ هُوَ تَعْرِيَةُ هَذِهِ العِبَارَاتِ الوَافِدَةِ وَإِعَادَةُ الأُمَّةِ إِلَى الفِطْرَةِ اللَّغَوِيَّةِ المَحْضَةِ (10).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَطْلَبِ:

إِنَّ الفِكْرَ الكَلَامِيَّ صَنِيعَةُ المُصْطَلَحِ المِتَرْجَمِ الذِي حَجَبَ أَبْصَارَ المُنَاطِقَةِ عَنْ حَقَائِقِ الوَحْيِ؛ فَجَاءَ إِثْبَاتُ السَّلَفِ لِلَفْظِ الحَدِّ بِمَعْنَاهُ العَرَبِيِّ الصَّحِيحِ لِيَهْدِمَ المَبَانِيَ الأَرِسْطِيَّةَ الَّتِي حَاوَلَتِ الجَهْمِيَّةُ بِهَا سَلْبَ الرَّبِّ تَعَالَى عُلُوَّهُ وَعَظَمَتَهُ (11). 

---------------------------------------------------‐-------------------------------------------------

​(1) ابْنُ النَّدِيمِ، الفِهْرِسْتُ (أَخْبَارُ الفَلَاسِفَةِ وَالمُتَرْجِمِينَ)، ص 310.

(2) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص 72؛ مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، 9 / 144.

(3) السِّجْزِيُّ، رِسَالَتُهُ إِلَى أَهْلِ زَبِيدَ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الحَرْفَ وَالصَّوْتَ، ص 122.

(4) أَرِسْطُو (نَقْلاً عَنْهُ)، ابْنُ رُشْدٍ، تَلْخِيصُ كِتَابِ العِبَارَةِ، ص 45.

(5) القَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ، شَرْحُ الأُصُولِ الخَمْسَةِ، ص 256.

(6) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرَّدُّ عَلَى المَنْطِقِيِّينَ، ص 88 - 90.

(7) الرَّازِيُّ، أَسَاسُ التَّقْدِيسِ فِي عِلْمِ الكَلَامِ، ص 94.

(8) ابْنُ القَيِّمِ، مُخْتَصَرُ الصَّوَاعِقِ المُرْسَلَةِ، ص 174.

(9) ابْنُ قُدَامَةَ المقدسي، ذَمُّ التَّأْوِيلِ، ص 41.

(10) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ، ص 245.

(11) عَبْدُ اللَّهِ المَشُوحُ، الأَلْفَاظُ المُجْمَلَةُ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ، ص 492.

---------------------------------------------------(ص13)‐-------------------------------------------------------

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: التَّطْبِيقُ المُعَاصِرُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ

​أَوَّلًا: طَبِيعَةُ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَاضِرِ:

إِنَّ مَنْهَجَ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَيْسَ نِظَاماً مَعْرِفِيّاً مَحْصُوراً فِي حِقْبَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مَاضِيَةٍ، بَلْ هُوَ طَرِيقَةٌ كُلِّيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ صَالِحَةٌ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي كُلِّ عَصْرٍ لِمُوَاجَهَةِ مَا يَسْتَجِدُّ مِنَ المَفَاهِيمِ (1). 

وَفِي العَصْرِ الحَاضِرِ، انْفَتَحَتِ السَّاحَةُ الفِكْرِيَّةُ عَلَى نَوَازِلَ مُصْطَلَحِيَّةٍ وَافِدَةٍ مِنْ مَدَارِسَ فَلْسَفِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ مُعَاصِرَةٍ، مِثْلِ عِبَارَاتِ (الذَّاتِيَّةِ، وَالطَّاقَةِ الكَوْنِيَّةِ، وَالأَبْعَادِ المَادِّيَّةِ، وَاللَّانِهَائِيَّةِ الِافْتِرَاضِيَّةِ، وَالوَجْهِ الرَّمْزِيِّ) (2). 

وَقَدْ أُقْحِمَتْ هَذِهِ العِبَارَاتُ فِي الكِتَابَاتِ العَقَدِيَّةِ الحَدِيثَةِ، حَيْثُ حَاوَلَ بَعْضُ المَعْنِيِّينَ بِتَجْدِيدِ الفِكْرِ الكَلَامِيِّ مَحَاكَمَةَ صِفَاتِ البَارِي تَعَالَى إِلَى مَدْلُولَاتِ الفِيزِيَاءِ النَّظَرِيَّةِ أَوْ المِتَافِيزِيقَا الحَدِيثَةِ، مِمَّا أَوْجَبَ تَنْزِيلَ القَوَاعِدِ السَّلَفِيَّةِ لِفَضِّ هَذَا الِاشْتِبَاكِ المَعْرِفِيِّ (3).

​ثَانِيًا: كَيْفِيَّةُ تَطْبِيقِ خُطُوَاتِ الِاسْتِفْصَالِ السَّلَفِيِّ عَلَى الحَدَاثَةِ اللَّفْظِيَّةِ:

​الوَجْهِ الأَوَّلُ (التَّفْكِيكُ لِلْمَبَانِي الحَدِيثَةِ عَبْرَ الِاسْتِفْصَالِ): عِنْدَ وُرُودِ أَيِّ مُصْطَلَحٍ مُعَاصِرٍ يَمَسُّ الذَّاتَ الإِلَهِيَّةَ، يَكُونُ الوَاجِبُ المَنْهَجِيُّ هُوَ عَدَمُ المُبَادَرَةِ بِالقَبُولِ المَحْضِ لِتَبَاهِي اللَّفْظِ، وَلَا الرَّدِّ المُسْتَعْجِلِ لِمُجَرَّدِ غَرَابَتِهِ، بَلْ يُسْلَكُ مَسْلَكُ الأَئِمَّةِ فِي الِاسْتِفْصَالِ (4). 

فَيُقَالُ لِمَنْ يُطْلِقُ هَذِهِ العِبَارَاتِ: مَاذَا تَعْنُونَ بِهَا؟ فَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ بِـ (اللَّانِهَائِيَّةِ) مَثَلًا نَفْيَ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ ذَاتٌ تَبِينُ عَنِ العَالَمِ، رُدَّ المَعْنَى لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى الحُلُولِ، وَإِنْ أُرِيدَ بِهَا أَنَّ عَظَمَتَهُ وَعِلْمَهُ لَا غَايَةَ لَهُمَا، فَالْمَعْنَى حَقٌّ كَمَا دَلَّ النَّصُّ (5).

​الوَجْهِ الثَّانِي (مُحَارَبَةُ التَّلَازُمَاتِ العِلْمَوِيَّةِ المَادِّيَّةِ): كَمَا صَنَعَ المُتَكَلِّمُونَ قَدِيماً مَلَازِمَ بَيْنَ الحَدِّ وَالتَّرْكِيبِ بِسَبَبِ المَنْطِقِ، يَصْنَعُ بَعْضُ المَعَاصِرِينَ مَلَازِمَ بَيْنَ إِثْبَاتِ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ (كَالنُّزُولِ وَالِاسْتِوَاءِ) وَبَيْنَ قَوَانِينِ المَادَّةِ وَالزَّمَانِ النِّسْبِيِّ المَخْلُوقِ (6). 

وَهَذِهِ جِنَايَةٌ حَدِيثَةٌ تُشَابِهُ جِنَايَةَ الأَشَاعِرَةِ؛ لِأَنَّهُمْ قَاسُوا الخَالِقَ بِأَدَوَاتِ المَادَّةِ الغَائِبَةِ، بَيْنَمَا تَقْضِي القَاعِدَةُ السَّلَفِيَّةُ بِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تُقَاسُ بِقَوَانِينِ الخَلْقِ، بَلْ تُثْبَتُ حَقَائِقُهَا مَعَ تَنْزِيهِهَا عَنْ كَيْفِيَّاتِ النَّقْصِ (7).

​الوَجْهِ الثَّالِثُ (الأَمْنُ الفِكْرِيُّ بِالِاعْتِصَامِ بِالأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ): إِنَّ التَّطْبِيقَ العَمَلِيَّ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ يَحْمِي الأُمَّةَ مِنَ التَّبَعِيَّةِ اللَّفْظِيَّةِ لِلْفَلْسَفَاتِ الغَرْبِيَّةِ أَوِ المَادِّيَّةِ (8). 

فَأَهْلُ السُّنَّةِ فِي تَقْرِيرِهِمْ لِلْعَقَائِدِ يَعُودُونَ دَوْماً إِلَى لُغَةِ التَّنْزِيلِ، وَيَجْعَلُونَ الأَلْفَاظَ الحَادِثَةَ تَابِعَةً لَا مَتْبُوعَةً؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ نَقْرَأَ عَقِيدَةَ الفَوْقِيَّةِ وَالمُبَايَنَةِ مِنْ خِلَالِ نَظَرِيَّاتِ الفِيزِيَاءِ المَادِّيَّةِ، بَلْ نَعْتَقِدُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ السَّلَفُ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَنَزِنُ كُلَّ مُصْطَلَحٍ حَدِيثٍ بِمِيزَانِ الوَحْيِ العَادِلِ (9).

​ثَالِثاً: خُلَاصَةُ المَحْصُولِ المَنْهَجِيِّ:

يَتَبَرْهَنُ بِذَلِكَ أَنَّ قَوَاعِدَ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَلْفَاظِ المُجْمَلَةِ هِيَ عِصْمَةٌ عَقْلِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ تَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ عَصْرٍ؛ فَهِيَ تَمْنَعُ الفِكْرَ الإِسْلَامِيَّ مِنَ الذَّوَبَانِ فِي النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ المَادِّيَّةِ، وَتُبْقِي بَابَ الإِثْبَاتِ صَافِياً نَقِيّاً كَمَا تَلَقَّاهُ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ مِنَ الأُمَّةِ (10).

-------------------------------------------------------------------------------------------

​(1) الشَّاطِبِيُّ، الِاعْتِصَامُ، 2 / 88.

(2) خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المِصْلِحِ، النَّوَازِلُ العَقَدِيَّةُ وَمَنْهَجُ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَهَا، ص 114.

(3) سُلْطَانُ العُمَيْرِيُّ، مَعَارِكُ المَصْطَلَحَاتِ العَقَدِيَّةِ المُعَاصِرَةِ، ص 298.

(4) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، الرِّسَالَةُ التَّدْمُرِيَّةُ، ص 94.

(5) ابْنُ القَيِّمِ، الصَّوَاعِقُ المُرْسَلَةُ عَلَى الجَهْمِيَّةِ وَالمُعَطِّلَةِ، 4 / 1340.

(6) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ الزَّنِيدِيُّ، مَنَاهِجُ البَحْثِ فِي العَقِيدَةِ الإِسْلَامِيَّةِ فِي العَصْرِ الحَاضِرِ، ص 162.

(7) ابْنُ تَيْمِيَّةَ، دَرْءُ تَعَارُضِ العَقْلِ وَالنَّقْلِ، 5 / 210.

(8) النَّاشِرِيُّ، المُصْطَلَحَاتُ الفَلْسَفِيَّةُ الحَدِيثَةُ وَأَثَرُهَا العَقَدِيُّ، ص 84.

(9) فَهْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الفُهَيْدِ، المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي تَقْرِيرِ العَقَائِدِ، ص 255.

(10) خَالِدُ المِصْلِحِ، أُصُولُ التَّلَقِّي وَالِاسْتِدْلَالِ، ص 204.


------------------------------------------------- (ص14)----------------------------------------------------------

♤ أَوَّلًا: نَتَائِجُ البَحْثِ (عَشَرَةُ نَتَائِجَ جَامِعَةٍ):

​■إِنَّ لَفْظَ (الحَدِّ) عِنْدَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ لَمْ يَكُنْ صِفَةً ذَاتِيَّةً مُشْتَقَّةً، بَلْ كَانَ لَفْظًا خَبَرِيًّا مَقْصُودًا بِهِ إِثْبَاتُ تَمَيُّزِ الخَالِقِ عَنْ خَلْقِهِ.

​■تَثْبُتُ المدْرَسَةُ الأَثَرِيَّةُ أَنَّ جَوْهَرَ النِّزَاعِ مَعَ الجَهْمِيَّةِ يَعُودُ إِلَى مَفْهُومِ (المُبَايَنَةِ)، حَيْثُ نَفَى النُّفَاةُ التَّمَيُّزَ لِيَصِلُوا إِلَى عَقِيدَةِ الحُلُولِ.

​■تَبَيَّنَ أَنَّ شُبْهَةَ التَّرْكِيبِ وَالتَّجْسِيمِ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ قَائِمَةٌ عَلَى مَقَايِيسَ فَلْسَفِيَّةٍ مَخْلُوقَةٍ لَا تَنْطَبِقُ عَلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ العَلِيَّةِ.

​■خَلَطَ الأَشَاعِرَةُ خَلْطًا ظَاهِرًا بَيْنَ مَفْهُومِ (المُبَايَنَةِ الزَّائِدَةِ عَنِ العَالَمِ) وَبَيْنَ (المَحْصُورِيَّةِ فِي مَكَانٍ وُجُودِيٍّ) يَحْوِي الرَّبَّ.

■​انْحَرَفَتِ الكَرَّامِيَّةُ فِي إِثْبَاتِ الحَدِّ بِجَعْلِهِ مُلَامَسَةً حِسِّيَّةً، فَمَثَّلُوا اللَّهَ بِخَلْقِهِ، وَخَالَفُوا تَنْزِيهَ السَّلَفِ الَّذِينَ قَالُوا: (لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ).

​■أَدَّى نَفْيُ الحَدِّ عِنْدَ أَهْلِ الكَلَامِ بِالتَّلَازُمِ إِلَى تَعْطِيلِ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ الخَبَرِيَّةِ كَـ (الِاسْتِوَاءِ، وَالنُّزُولِ، وَالمَجِيءِ).

​■يَقُومُ مَنْهَجُ السَّلَفِ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ مَقَامِ (التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ التَّعَبُّدِيِّ) وَمَقَامِ (السَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ وَالرَّدِّ عَلَى المُخَالِفِ).

■​تَقْضِي القَاعِدَةُ العَقَدِيَّةُ بِأَنَّ (العِبْرَةَ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي)، فَلَا يُرَدُّ اللَّفْظُ الحَادِثُ إِذَا كَانَ مَعْنَاهُ صَحِيحًا مُوَافِقًا لِلْوَحْيِ.

​■جَلَبَتْ حَرَكَةُ التَّرْجَمَةِ اليُونَانِيَّةِ لِلْمُصْطَلَحَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ مَفَاهِيمَ غَرِيبَةً حَرَّفَتْ مَسَارَ فَهْمِ عِبَارَاتِ العَقِيدَةِ عِنْدَ المُتَكَلِّمِينَ.

​■تَمْتَلِكُ القَوَاعِدُ السَّلَفِيَّةُ المُرُونَةَ الكَامِلَةَ لِتَفْكِيكِ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ المُعَاصِرَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْفِكْرِ الإِسْلَامِيِّ يَوْمِيًّا.

​♤ ثَانِيًّا: التَّوْصِيَاتُ (عَشَرَةُ تَوْصِيَاتٍ مَتِينَةٍ):

​●ضَرُورَةُ العِنَايَةِ بِتَحْرِيرِ مَصْطَلَحَاتِ السَّلَفِ وَعَدَمِ قِرَاءَتِهَا بِعُيُونِ المَدَارِسِ الكَلَامِيَّةِ المُتَأَخِّرَةِ.

​●إِعَادَةُ صِيَاغَةِ الرُّدُودِ العَقَدِيَّةِ بِأَسَالِيبَ عِلْمِيَّةٍ حَدِيثَةٍ تَفْهَمُهَا الأَجْيَالُ المُعَاصِرَةُ.

●​تَنْقِيَةُ كُتُبِ العَقِيدَةِ النَّاشِئَةِ مِنَ الأَلْفَاظِ المِتَرْجَمَةِ الَّتِي تُورِثُ الشَّكَّ وَالتَّعْطِيلَ.

●​إِقَامَةُ نَدَوَاتٍ عِلْمِيَّةٍ لِتَفْكِيكِ التَّلَازُمَاتِ بَيْنَ النَّظَرِيَّاتِ الفِيزْيَائِيَّةِ المُعَاصِرَةِ وَالصِّفَاتِ الإِلَهِيَّةِ.

●​الِاهْتِمَامُ بِكِتَابَاتِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الَّتِي فَكَّكَتْ عُلُومَ المَنْطِقِ وَالفَلْسَفَةِ.

●​تَدْرِيسُ قَاعِدَةِ (العِبْرَةُ بِالمَعَانِي) لِطُلَّابِ العِلْمِ لِمَنْعِ الجُمُودِ اللَّفْظِيِّ الذِي يُسَبِّبُ التَّبْدِيعَ بِغَيْرِ حَقٍّ.

​●الحَذَرُ مِنْ غُلُوِّ المُشَبِّهَةِ الجُدُدِ الذِينَ يَخْلِطُونَ بَيْنَ الإِثْبَاتِ المَنْهَجِيِّ وَالتَّكْيِيفِ الحِسِّيِّ المَذْمُومِ.

​●تَفْعِيلُ دَوْرِ المَجَامِعِ العَقَدِيَّةِ لِرَصْدِ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ الوَافِدَةِ مِنَ الفَلْسَفَاتِ الغَرْبِيَّةِ.

●​رَبْطُ تَقْرِيرَاتِ العَقِيدَةِ بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ المَحْضَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ.

​●الِاسْتِمْرَارُ فِي كِتَابَةِ الأَبْحَاثِ الِاسْتِقْصَائِيَّةِ الشَّامِلَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ حِفْظِ الأَثَرِ وَعَقْلَانِيَّةِ الرَّدِّ.

خِتَامُ المَبْحَثِ

​تَمَّ بِحَمْدِ اللهِ وَتَوْفِيقِهِ خَتْمُ هَذَا المَبْحَثِ العِلْمِيِّ المُهِمِّ الذِي يَتَنَاوَلُ تَفْسِيرَ إِثْبَاتِ لَفْظِ الحَدِّ لِلَّهِ تَعَالَى؛ حَيْثُ تَقَرَّرَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ تَعَالَى الحَدَّ، لَكِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذَا الحَدَّ الذَّاتِيَّ الَّذِي يَعْنِي تَمَيُّزَهُ عَنْ خَلْقِهِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَنَحْنُ نُثْبِتُ حَقِيقَةَ الفَوْقِيَّةِ وَالمُبَايَنَةِ لِلذَّاتِ، أَمَّا كَيْفَ هُوَ فَلَا نَعْلَمُ كَيْفِيَّتَهُ، بَلْ نُفَوِّضُ كَيْفَ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، نَافِينَ كُلَّ تَشْبِيهٍ، أَوْ تَمْثِيلٍ، أَوْ تَكْيِيفٍ حِسِّيٍّ مَخْلُوقٍ.

​وَقَدْ تَمَّ الفَرَاغُ مِنْ تَقْرِيرِ هَذِهِ المَبَاحِثِ الشَّرِيعَةِ النَّفِيسَةِ فِي هَذَا المِيعَادِ المُبَارَكِ:

​السَّاعَةُ: 10:53 صَبَاحاً.

​اليَوْمُ: السَّبْتُ (13 مِنْ شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ لِسَنَةِ 1447 هِجْرِيَّةً).

​التَّارِيخُ المِيلَادِيُّ: 30 مِنْ شَهْرِ مَايُو لِسَنَةِ 2026 مِيلَادِيَّةً.


--------------------------------------------------(15)---------------------------------------------------------

​فِهْرِسُ مَوْضُوعَاتِ المَخْطُوطِ العِلْمِيِّ (مِنْ ص 1 إِلَى ص 15):

​الصَّفْحَةُ 1: خُطْبَةُ الحَاجَةِ، وَالمُقَدِّمَةُ العِلْمِيَّةُ الاِفْتِتَاحِيَّةُ لِلْبَحْثِ العَقَدِيِّ.

​الصَّفْحَةُ 2: المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَفْهُومُ الحَدِّ وَأَقْوَالُ السَّلَفِ فِيهِ إِثْبَاتاً وَنَفْياً.

​الصَّفْحَةُ 3: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الأَثَرُ المَرْوِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُبَارَكِ وَتَوْجِيهُهُ العِلْمِيُّ.

​الصَّفْحَةُ 4: المَطْلَبُ الثَّانِي: النُّصُوصُ المَنْقُولَةُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي لَفْظِ الحَدِّ.

​الصَّفْحَةُ 5: المَبْحَثُ الثَّانِي: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ لِمَعْنَى الحَدِّ السَّلَفِيِّ (نَفْيُ الحُلُولِ وَإِثْبَاتُ المُبَايَنَةِ).

​الصَّفْحَةُ 6: المَبْحَثُ الثَّالِثُ / المَطْلَبُ الأَوَّلُ: شُبْهَةُ التَّجْسِيمِ وَالتَّرْكِيبِ عِنْدَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا.

​الصَّفْحَةُ 7: المَطْلَبُ الثَّانِي: شُبْهَةُ "الحَصْرِ وَالمَكَانِ": تَفْكِيكُ خَلْطِ الأَشَاعِرَةِ بَيْنِ "المُبَايَنَةِ" وَ"المَحْصُورِيَّةِ فِي مَكَانٍ وُجُودِيٍّ".

​الصَّفْحَةُ 8: المَطْلَبُ الثَّالِثُ: انْحِرَافُ الكَرَّامِيَّةِ وَالمُشَبِّهَةِ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ حَدّاً يَقْتَضِي المُلَامَسَةَ أَوِ التَّكْيِيفَ.

​الصَّفْحَةُ 9: المَطْلَبُ الرَّابِعُ: أَثَرُ اضْطِرَابِ فَهْمِ الحَدِّ عَلَى بَقِيَّةِ الصِّفَاتِ (نَفْيُ النُّزُولِ، وَالمَجِيءِ، وَالِاسْتِوَاءِ).

​الصَّفْحَةُ 10: مَبْدَأُ المَبْحَثِ الرَّابِعِ: التَّمْهِيدُ لِلْقَوَاعِدِ السَّلَفِيَّةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَلْفَاظِ الحَادِثَةِ.

​الصَّفْحَةُ 11: المَطْلَبُ الأَوَّلُ: الفَرْقُ بَيْنِ مَقَامِ التَّوَقُّفِ الشَّرْعِيِّ وَمَقَامِ السَّعَةِ فِي الإِخْبَارِ وَالرَّدِّ.

​الصَّفْحَةُ 12: المَطْلَبُ الثَّانِي: قَاعِدَةُ (العِبْرَةُ بِالمَعَانِي لَا بِالمَبَانِي) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

​الصَّفْحَةُ 13: المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أَثَرُ المُصْطَلَحَاتِ الفَلْسَفِيَّةِ المِتَرْجَمَةِ عَلَى صِيَاغَةِ الفِكْرِ الكَلَامِيِّ الشَّائِنِ.

​الصَّفْحَةُ 14: المَطْلَبُ الرَّابِعُ: التَّطْبِيقُ المُعَاصِرُ لِمَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّوَازِلِ المُصْطَلَحِيَّةِ الغَرْبِيَّةِ.

​الصَّفْحَةُ 15: الخَاتِمَةُ النَّقِيَّةُ (عَشَرَةُ نَتَائِجَ جَامِعَةٍ، وَعَشَرَةُ تَوْصِيَاتٍ مَتِينَةٍ)، وَخِتَامُ المَخْطُوطِ بِالأَرْقَامِ الزَّمَنِيَّةِ الرَّاتِبَةِ


---------------------------------‐-----------------------------------------------------------------------------