مواقف و مناظرات بين السلف وأهل التجهيل
1. مناظرة الإمام أبي حنيفة (ت 150هـ) لمنكري العلو
دخل جماعة من المعتزلة على الإمام أبي حنيفة يناظرونه في إثبات جهة العلو لله تعالى، وكانوا يرون أن وصف الله بالعلو يقتضي الحيز والجهة وهو عندهم مجهول المعنى أو مؤول.
* المحاجة: سألهم الإمام: "ما تقولون في إلهكم، أهو في السماء أم في الأرض؟" قالوا: "هو في كل مكان".
* الرد : قال الإمام: "إن قيل: أين الله؟ فقولوا: في السماء"، واستدل بقوله تعالى:
. وألزمهم بأن العلو صفة كمال معلومة المعنى، وأن نفيها هو نفي لوجود الخالق؛ لأن ما لا يطالب بجهة علوه في الفطرة هو "العدم".
(انظر: الفقه الأبسط، ص 51؛ العلو للعلي الغفار، الذهبي، ص 135).
2. مناظرة الإمام الشافعي (ت 204هـ) لحفص الفرد
ناظر الشافعي حفصاً الفرد في مسألة القرآن وصفات الله، وكان حفص يميل إلى مذهب التعطيل والتفويض الذي ينفي المعنى الحقيقي للصفة.
* المحاجة: جرى الكلام حول "المشيئة" و"العلم". أراد حفص أن يجعل هذه الصفات ألفاظاً لا تدل على معانٍ قائمة بالذات.
* الرد : قام الشافعي بتشقيق الألفاظ لغوياً، وأثبت أن الله وصف نفسه بالعلم، والعلم في لغة العرب يقتضي "معلوماً"، فإذا لم يكن لله علم حقيقي معلوم المعنى، بطل كونه عالماً. وانتهت المناظرة بتكفير الشافعي لحفص حين قال بخلق القرآن ونفى الصفة.
(انظر: مناقب الشافعي، البيهقي، 1/407-410؛ سير أعلام النبلاء، 10/79).
3. مناظرة الإمام عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) للجهمية
سُئل ابن المبارك عن كيفية معرفة الرب، وكان الجهمية والمفوضة يزعمون أننا لا نعرف عن الله إلا "العدم المحض" لصعوبة إدراك المعنى.
* المحاجة: قالوا له: كيف نعرف ربنا؟
* الرد : قال: "بأنه فوق سمواته على عرشه، بائن من خلقه". قيل له: بحد؟ قال: "بحد".
* استخدامه لكلمة "بحد" و"بائن" هو إثبات صريح لمعنى "الاستواء" و"العلو"، وردٌّ على من ادعى أن هذه الألفاظ متشابهة لا يُفهم معناها؛ إذ لو كانت مجهولة المعنى لما جاز لابن المبارك أن يصفها بـ "البينونة".
(انظر: الرد على الدارمي، ص 23؛ السنة، لعبد الله بن أحمد، 1/175).
4. مناظرة الإمام إسحاق بن راهويه (ت 238هـ) عند الأمير عبد الله بن طاهر
وقع نزاع بين إسحاق وبين طائفة من المتكلمين في "النزول" الإلهي، حيث ادعى الخصوم أن النزول مجهول المعنى ويستلزم النقص.
* المحاجة: قال الخصم لإسحاق: "كفرتَ برب ينزل من سماء إلى سماء!".
* الرد : قال إسحاق: "آمنتُ برب يفعل ما يريد". ثم أوضح أن النزول معلوم المعنى من حيث هو فعل اختيار لله، وأن الجهل بكيفيته لا يبيح لنا نفي أصل معناه أو ادعاء جهله.
(انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي، 11/376؛ فتح الباري، ابن حجر، 13/465).
5. مناظرة الإمام إبراهيم بن طهمان (ت 163هـ) في الاستواء
كان إبراهيم من علماء خراسان، وناظر من يدعي أن "الاستواء" لا معنى له أو أنه بمعنى "الاستيلاء".
* المحاجة: أورد الخصوم أن الله كان ولا عرش، فكيف يقال استوى؟
* الرد : قال إبراهيم: "الاستواء معلوم، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر". وبين أن حدوث العرش لا يمنع ثبوت صفة الفعل لله، وأن معنى الاستواء (العلو) ثابت في لسان العرب قبل وجود المتكلمين.
(انظر: العلو، الذهبي، ص 142؛ تهذيب التهذيب، ابن حجر، 1/129).
6. مناظرة الإمام أبو زرعة الرازي (ت 264هـ) لمنكري الصفات الخبرية
واجه أبو زرعة من يحاول تفويض معاني (اليد والوجه) بدعوى أنها من المجملات التي لا بيان لها.
* المحاجة: ادعى الخصم أن إثبات هذه الألفاظ بمعانيها يقتضي التشبيه، فيجب إهمال المعنى.
* الرد والتحقيق: قال أبو زرعة: "تفسيرها كما قرأت، لا يقال فيها كيف، بل هي حق معلوم". وأوضح أن التفويض الذي يدعيه الخصوم هو "هدم للدين"؛ لأن الله لم يخاطبنا بالأعجمية، بل بلساننا، واليد في لساننا معلومة المعنى، ونحن نثبت لله يداً تليق به لا كأيدينا.
(انظر: تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 10/326؛ طبقات الحنابلة، 1/200).
جملة من أقوال السلف المحققة في إثبات المعنى ونفي التجهيل
* الإمام الأوزاعي (ت 157هـ): "كنا والتابعين متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". (الأسماء والصفات، البيهقي، ص 408).
* الإمام سفيان الثوري (ت 161هـ): "ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا يُفسر بغير ذلك ولا يُكلف أحد بغيره". (شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 3/430).
* الإمام وكيع بن الجراح (ت 197هـ): "نُسلم هذه الأحاديث كما جاءت، ولا نقول: كيف كذا؟ ولا لِمَ كذا؟". (خلق أفعال العباد، البخاري، ص 71).
* الإمام ابن عيينة (ت 198هـ): "كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قراءته والسكوت عنه". (السنة، لعبد الله بن أحمد، 1/73).
* الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): "الأحاديث التي جاءت أن الله ينزل إلى السماء الدنيا، وأن الله يُرى.. هذه الأحاديث قد روتها الثقات فنحن نرويها ونؤمن بها ولا نفسرها". (الرد على الجهمية، الدارمي، ص 81)؛ والمقصود بنفي التفسير هنا هو "تأويل المعنى لغير حقيقته".
* الإمام يزيد بن هارون (ت 206هـ): "من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي". (العلو، الذهبي، ص 157)؛ قوله "ما يقر في قلوب العامة" دليل على وضوح المعنى.
* الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ): "هذه الأحاديث التي يروونها في الرؤية والصفات.. حق عندنا رواها الثقات بعضهم عن بعض، إلا أننا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها". (شرح أصول اعتقاد أهل السنة، 3/526).
* الإمام نعيم بن حماد (ت 228هـ): "حق على كل مؤمن أن يؤمن بجميع ما وصف الله به نفسه، ويترك التفكير في الرب". (سير أعلام النبلاء، 10/610).
* الإمام قتيبة بن سعيد (ت 240هـ): "هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه". (العلو، الذهبي، ص 187).
* الإمام ابن قتيبة الدينوري (ت 276هـ): "نحن لا نقول بالاستيلاء، بل نقول بالاستواء كما أخبر، ونفهم من كلامه ما فهمته العرب في لغتها". (تأويل مختلف الحديث، ص 215).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق