الثلاثاء، 24 مارس 2026

التفويض الشرعي (للكيف) مقابل التفويض البدعي (للمعنى)

  التفويض الشرعي (للكيف) مقابل التفويض البدعي (للمعنى)

يعد مصطلح "التفويض" من الألفاظ المجملة التي تحتاج إلى تفصيل وتحرير؛ إذ إن إطلاقه دون قيد أدى إلى جعل نصوص الصفات بمنزلة "الألغاز" أو "الحروف الأعجمية" التي لا يُفهم لها معنى، وهو ما نبرز بطلانه وتأصيل الحق فيه في المطالب الآتية:

أولاً: حقيقة "التفويض الشرعي" (تفويض الكنه والكيفية)

وهو المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأئمة القرون المفضلة، ويقوم على إثبات معاني نصوص الصفات وتفويض علم "حقيقتها وكيفيتها" إلى الله تعالى.

 * المعنى معلوم: السلف كانوا يفهمون من "الاستواء" العلو والارتفاع، ومن "اليد" ما يليق بجلال الله من القوة والقبض والبسط، ومن "النزول" الهبوط الحقيقي.

 * الكيف مجهول: وهو الذي استأثر الله بعلمه، فلا يعلم كيف استوى، ولا كيف نزل، ولا كيف يضحك إلا هو سبحانه.

 * "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة". (الأسماء والصفات، للبيهقي، ص 408، دار الكتاب العربي؛ والتمهيد، لابن عبد البر، ج 7، ص 151).

 * "فقول ربيعة ومالك: (الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول) وافقهما عليه أهل السنة قاطبة، فقولهما: (الاستواء غير مجهول) أي معلوم المعنى، و(الكيف غير معقول) أي لا يعقله البشر". (مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ج 5، ص 365، مجمع الملك فهد).

ثانياً: بطلان "التفويض البدعي" (تفويض المعنى/ التجهيل)

وهو مذهب طائفة من المتأخرين زعموا أن السلف لم يكونوا يعرفون معاني آيات الصفات، وأنهم يقرؤونها كألفاظ مبهمة لا يُدرى ما المراد بها.

 * لوازم هذا القول الفاسدة: يقتضي أن الله خاطبنا بما لا نفهمه، وأن النبي ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل عليه، وهذا قدح في بيان القرآن وهدايته.

 * مخالفة لسان العرب: القرآن نزل بلسان عربي مبين، والعرب تفهم معاني الألفاظ (كاليد والعين والغضب)، فلو كانت هذه الألفاظ لا معنى لها لكان الخطاب بها لغواً، تعالى الله عن ذلك.

 * "أما التفويض، فكثير من المتأخرين يظنون أن مذهب السلف هو التفويض في المعاني، وهذا من شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ فإنه يقتضي أن الأنبياء والرسل لا يعلمون ما أنزل الله إليهم من نصوص الصفات". (درء تعارض العقل والنقل، لابن تيمية، ج 1، ص 201، جامعة الإمام محمد بن سعود).

 * "لو كان الصحابة لا يفهمون معاني آيات الصفات، لسألوا النبي ﷺ عنها كما سألوه عن غيرها، فلما أقرهم على فهمها اللغوي مع نفي التشبيه، دل على أن المعنى معلوم عندهم". (الصواعق المرسلة، لابن القيم، ج 2، ص 414، دار العاصمة).

ثالثاً: الفرق بين "العلم بالمعنى" و"العلم بالكيف"

يجب التفريق بين "فهم الخطاب" وبين "الإحاطة بالمخبر عنه".

 * فنحن نفهم معنى "الرؤية" (وهي إدراك الشيء بالبصر)، ولكن لا نعلم "كيفية" رؤية الله في الآخرة؛ لأن الله ليس كمثله شيء.

 * التوثيق: "نحن نعلم ما أراد الله بقوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى}، كما نعلم ما أراد بقوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، لكن حقيقة الكيفية في صفاته كحقيقة الذات، لا يعلمها إلا هو". (الرسالة التدمرية، لابن تيمية، ص 40، مكتبة العبيكان).

رابعاً: الرد على من استدل بقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} على التفويض

زعم أهل التجهيل أن الآية تدل على أن معاني الصفات لا يعلمها إلا الله (بناءً على الوقوف على لفظ الجلالة).

 * الرد: التأويل في الآية يراد به "الحقيقة والكنه" (أي وقوع الشيء ومصيره)، وهذا هو الذي لا يعلمه إلا الله. أما "التفسير" (بيان المعنى)، فقد علمه الله لنبيه وللراسخين في العلم.

 * "تأويل ما أخبر الله به عن نفسه هو حقيقة كنهه، وهذا لا يعلمه إلا الله، أما معاني الكلام فهي معلومة للراسخين في العلم، وإلا لكان القرآن لغزاً". (الإكليل في المتشابه والتأويل، لابن تيمية، ص 15، دار الإيمان؛ وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ج 2، ص 8، دار طيبة).

خامساً: قاعدة "الألفاظ الموهمة" وأثر التفويض فيها

يرى السلف أن آيات الصفات ليست "ألفاظاً موهمة" لذاتها، بل الإيهام يعرض في عقل المبتدع. فالمفوض البدعي يهرب من "وهم التشبيه" بتجهيل النص، والسلف يهربون من "حقيقة التشبيه" بتفويض الكيفية مع بقاء جلال المعنى.

 * "إن قول المفوضة (الله أعلم بمراده) كلمة حق أُريد بها باطل؛ فالله أعلم بمراده يقيناً، ولكن الله أخبرنا بمراده لنفهمه ونؤمن به، لا لنجهله". (مجموع الفتاوى، ج 5، ص 298، مجمع الملك فهد).

بهذا التحرير، يتبين أن مذهب السلف هو "إثبات المعاني وتفويض الكيفيات"، وهو المنهج الوسط الذي يحترم لغة الوحي ويُقر بعجز العقل عن الإحاطة بكنه الخالق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق