الثلاثاء، 24 مارس 2026

منهج أهل التجهيل (المفوضة) ونقد دعوى انقطاع السلف عن فهم المعاني

 منهج أهل التجهيل (المفوضة) ونقد دعوى انقطاع السلف عن فهم المعاني

يعد مذهب "التفويض" -بالمعنى الذي قرره متأخرو المتكلمين- من أدق المسائل التي التبس فيها الحق بالباطل؛ إذ حاول أصحابه نسبة مذهبهم إلى سلف الأمة، زاعمين أن الصحابة والتابعين كانوا يمرون نصوص الصفات دون إدراك لمعانيها، فجعلوهم بمنزلة "الأميين" الذين لا يعلمون من الكتاب إلا أماني. وهذا المبحث يتناول نقض هذه الدعوى وتحليلها من وجوه شتى.

أولاً: تحرير مفهوم التفويض والفرق بين تفويض "المعنى" وتفويض "الكيف"

من الضروري قبل الولوج في الردود تحرير محل النزاع؛ فالتفويض في لسان المتكلمين المعاصرين والمتأخرين ينقسم إلى قسمين، أحدهما حق والآخر باطل:

 * تفويض الكيفية (منهج السلف): وهو الإيمان بالمعنى الذي دلت عليه اللغة، مع تفويض العلم بحقيقة "كيفية" هذه الصفة إلى الله تعالى. فالسلف يعلمون معنى "النزول" لغة، لكنهم لا يعلمون "كيف" ينزل الله؛ لأن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، وكما أن ذاته لا تكييف لها، فصفاته كذلك.

   (انظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، 2/427؛ الرسالة التدمرية، ابن تيمية، ص 58).

 * تفويض المعنى (منهج أهل التجهيل): وهو الادعاء بأن الألفاظ الواردة في الصفات (كاليد، والعين، والاستواء) هي ألفاظ أعجمية المعنى بالنسبة لنا، لا تدل على معنى مفهوم، وأن ظاهرها غير مراد، وباطنها لا يعلمه إلا الله. وهذا هو الذي سماه المحققون "تجهيلاً"؛ لأنه ينسب للرسول ﷺ ولأصحابه الجهل بأعظم مقاصد الدين وهو العلم بالله.

   (انظر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، 1/205؛ مجموع الفتاوى، 5/29).

ثانياً: الأصول التي قام عليها منهج التجهيل ونقدها اعتمد أهل التجهيل على عدة ركائز حاولوا من خلالها تسويق مذهبهم:

1. الاحتجاج بقوله تعالى:

حيث وقفوا عند لفظ الجلالة، واعتبروا أن "التأويل" هنا هو "المعنى"، فاستنتجوا أن معاني آيات الصفات لا يعلمها إلا الله.

والرد على ذلك: أن التأويل في لسان القرآن يأتي بمعنى "الحقيقة التي يؤول إليها الشيء"، أي "وقوع المخبر به". فمعاني الصفات معلومة (وهي التنزيل)، أما "حقائقها وكيفياتها" فهي التي لا يعلمها إلا الله. وبناءً عليه، فإن الوقوف عند لفظ الجلالة صحيح إذا قصدنا "تأويل الكنه والحقيقة"، أما "تأويل التفسير" فقد كان ابن عباس يقول: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله".

(انظر: تفسير الطبري، 5/201؛ إيضاح الدليل في قطع حجج أهل التعطيل، بدر الدين بن جماعة، ص 88).

2. دعوى أن "الاستواء" و"اليد" وأمثالها ألفاظ متشابهة:

زعموا أن كل ما يتعلق بالصفات هو من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه.

والرد على ذلك: أن المتشابه نوعان: متشابه مطلق (لا يعلمه إلا الله كحقيقة الذات ووقت الساعة)، ومتشابه نسبي (يخفى على البعض ويعلمه الراسخون في العلم). فإذا ادعينا أن كل نصوص الصفات "متشابهة مطلقاً"، فقد عطلنا ثلث القرآن عن الفهم، وهذا يناقض أمر الله بتدبر القرآن.

(انظر: الإكليل في استنباط التنزيل، السيوطي، ص 54؛ التدمرية، ص 71).

ثالثاً: الوجوه العقلية والشرعية في بطلان مذهب التجهيل

التوسع في الرد على هذا المذهب يقتضي إيراد الوجوه التالية:

 * الوجه الأول: مناقضة صفة "البيان": وصف الله القرآن بأنه "مبين" و"نور" و"هدى". فإذا كانت أهم آيات العقيدة مجهولة المعنى، لزم أن يكون القرآن في أعظم أبوابه "لغزاً" لا بياناً فيه، وهذا محال في حق كلام الله.

 * الوجه الثاني: طعن في النبوة: النبي ﷺ مأمور بتبليغ الرسالة (بلاغاً مبيناً). والبلاغ المبيين يتضمن بلاغ اللفظ ومعناه. فلو كان النبي ﷺ يقرأ آيات الصفات وهو لا يعرف معناها، أو يعرفه ولم يبينه للأمة، لكان ذلك تقصيراً في البلاغ، وهو ما نزهه الله عنه.

 * الوجه الثالث: بطلان التعبد بما لا يُفهم: كيف يُطالب العبد بمحبة الله، وتعظيمه، والتقرب إليه بصفاته، وهو لا يفهم معنى هذه الصفات؟ إن المحبة والتعظيم فرع عن المعرفة، والمعرفة فرع عن فهم المعنى.

   (انظر: الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية، ابن القيم، ص 142؛ شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، 1/215).

رابعاً: الاستشهاد بأقوال السلف الصالح في "إثبات المعنى" ونفي التجهيل

لقد كان السلف أحرص الناس على فهم مراد الله، وإليك جملة موسعة من آثارهم التي تبين أنهم كانوا يفهمون المعنى اللغوي ويثبتونه:

 * عبد الله بن عباس (ت 68هـ): في قوله تعالى

   قال: "كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره إلا الله" (انظر: المعجم الكبير، الطبراني، 12/39؛ الأسماء والصفات، البيهقي، 2/196). فتفسيره بالقدمين هو إثبات للمعنى وإخراج له من حيز المجهول.

 * أم سلمة (رضي الله عنها) وربيعة بن أبي عبد الرحمن (ت 136هـ): قولهما المشهور: "الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول" (انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، 3/398). وقولهما "غير مجهول" نص صريح في أن المعنى "معلوم" ومعروف لغةً، ولو كان السلف مفوضة للمعنى لقالوا "الاستواء مجهول المعنى".

 * محمد بن الحسن الشيباني (ت 189هـ): صاحب الإمام أبي حنيفة، قال: "اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب عز وجل من غير تغيير ولا تحريف ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئاً من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا إلا بما وصف به نفسه" (انظر: العلو للعلي الغفار، الذهبي، ص 156). والمقصود بنفي التفسير هنا هو "التفسير الكلامي المحدث" أو "تكييف الصفة"، لا نفي فهم المعنى الأصلي.

 * الإمام الترمذي (ت 279هـ): قال في سننه بعد إيراد أحاديث الرؤية والصفات: "وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات.. إنما تروى هذه الأخبار ونؤمن بها ولا يُتوهم منها شيء، ولا يقال: كيف؟ هكذا روي عن مالك وسفيان بن عيينة وابن المبارك أنهم أمروا هذه الأشياء بلا كيف، وهذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة" (انظر: سنن الترمذي، 2/42، عقب حديث رقم 662). قوله "بلا كيف" دليل على إثبات "أصل المعنى"، إذ لو كان المعنى غير ثابت لما احتجنا لنفي الكيفية؛ فالعدم لا كيف له.

 * الإمام الخطابي (ت 388هـ): في كتابه "شعار الدين" قال: "إن المذهب في هذه الصفات هو إثباتها كما جاءت بظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها.. فالأصل في ذلك أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات" (انظر: العلو، الذهبي، ص 231). تأكيده على "الظاهر" يبطل مذهب التجهيل، لأن التجهيل يزعم أن ليس لها ظاهر مفهوم.

 * إسحاق بن راهويه (ت 238هـ): قال: "القول هو ما قال الله، ولا نقول كما قالت الجهمية: إنه في كل مكان، بل هو على العرش كما أخبر، وإنما التشبيه أن تقول: يد كيد، أما أن تقول: يد، كما قال الله، فهذا ليس بتشبيه" (انظر: الرد على الجهمية، الدارمي، ص 41). فإقراره بأن الله على العرش "كما أخبر" هو إيمان بالمعنى المفهوم من الخبر.

خامساً: الرد على شبهة "الإمرار" عند السلف

يتذرع أهل التجهيل بقول السلف: "أمرُّوها كما جاءت"، زاعمين أن الإمرار يعني القراءة باللسان مع جهل الجنان.

والرد المفصل:

إن قوله "أمرُّوها كما جاءت" يتضمن أمرين:

 * بقاء اللفظ على ما جاء عليه من الدلالة الحقيقية (أي إثبات المعنى).

 * عدم التعرض له بتأويل يغيره، ولا بتكييف يحده.

   فلو كان المراد بالإمرار هو "التجهيل"، لقالوا: "أمروا ألفاظها مع اعتقاد أنكم لا تفهمون معناها"، لكنهم قالوا "كما جاءت"، وهي قد جاءت بلسان عربي مبين يفهمه العربي من سياق الكلام.

   (انظر: صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام، السيوطي، ص 161؛ مدارج السالكين، ابن القيم، 2/78).

سادساً: الاستطراد في بيان تهافت منهج التجهيل عند المحققين

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في نقد هذا المنهج نقداً لاذعاً:

"تبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف هو من شر أقوال أهل البدع والإلحاد؛ فإنه إذا كان القرآن قد نزل ببيان الهدى، وأمر الرسول ﷺ بتبليغه، ثم يقال إن أعظم ما فيه لا يُعرف معناه، كان هذا قدحاً في الرسالة وفي القرآن"

 (انظر: درء تعارض العقل والنقل، 1/205).

ويؤكد العلامة ابن القيم أن السلف كانوا يفسرون القرآن، ولم يتركوا آية واحدة من آيات الصفات إلا وبينوا معناها، إما نصاً وإما إقراراً لمدلولها اللغوي، ولم يُنقل عن واحد منهم أنه قال "هذا لا أعرف معناه".

(انظر: مختصر الصواعق المرسلة، ص 118).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق