أثر التصورات المادية والفكر الغربي الحديث على معتقد المسلم
تمهيد: زلزال الحداثة وانتقال "التعطيل" من التجريد إلى المادة
إن التحول العقدي الذي شهده العالم الإسلامي في العصر الحديث لم يكن مجرد "شبهات" عارضة، بل كان هجمة منظمة تهدف إلى إحلال "المركزية الإنسانية" محل "المركزية الإلهية". إذا كان المتكلمون الأوائل (كالجهمية والمعتزلة) قد عطلوا الصفات تنزيهاً للذات عن "الأعراض" بتأثير أرسطو، فإن الفكر الغربي الحديث قد نقل التعطيل من حيز "التجريد الذهني" إلى حيز "المادة المحسوسة"، فصار الإله في التصور المادي غائباً ليس لصعوبة إدراكه، بل لعدم الحاجة إليه في تفسير الكون.
1. أثر التصورات المادية على "العامة" و"الخاصة"
* على العامة: أحدث الفكر المادي ما يسمى بـ "علمنة الوجدان"؛ حيث صار المسلم العامي يؤمن بوجود الله اسمياً، لكنه في تفاصيل حياته (المرزق، المرض، الأسباب) يتعامل بمادية بحتة، فغابت عقيدة "القدر" وحل محلها "السببية المادية المغلقة".
* على الخاصة (المثقفين): أدى الانبهار بالمنجز الغربي إلى محاولة "عقلنة النص"؛ فظهرت دعوات تؤول المعجزات والغيبيات (الملائكة، الجن) باعتبارها قوى طبيعية أو رموزاً نفسية، وهو ما يمثل "نيو-جهمية" (جهمية حديثة) تلبست لباس العلم.
2. ركائز الانحراف في الفكر الغربي (كانط وهُيوم)
بدأ هذا الانحراف الفلسفي بجعل "العقل" هو المقياس الوحيد للحقيقة، ثم انتهى بجعل "المادة" هي الحقيقة الوحيدة.
* إيمانويل كانط: وضع حاجزاً بين "الفينومينا" (الظواهر) و"النومينا" (الحقائق الغيبية)، زاعماً أن العقل البشري عاجز عن معرفة ما وراء المادة.
* ديفيد هيوم: حطم مبدأ "السببية" بمعناه الإيماني، وحوله إلى مجرد "ارتباط ذهني"، مما جعل صفات الله في نظرهم مجرد "إسقاطات بشرية".
> المصدر: "إن العقل النظري عند كانط يقر بعجزه التام عن إثبات وجود الله أو صفاته، لأنها تقع خارج نطاق التجربة الحسية" (د. عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج 2، ص 285، المؤسسة العربية للدراسات).
>
أولاً: المادية الديالكتيكية (ماركس) وسرقة صفة "الأزلية"
تعد المادية الجدلية (الديالكتيك) قمة الهرم في التعطيل المادي؛ فهي لم تكتفِ بنفي الخالق، بل وهبت صفاته للمادة.
* التحليل: ادعى ماركس وإنجلز أن المادة هي الأصل، وأنها "أزلية" لا تفنى ولا تستحدث من عدم. هنا وقعت "السرقة العقدية"؛ فصفة الأزلية والقيومية التي هي لله وحده، نُقلت في الفكر الماركسي إلى "المادة".
* الأثر العقدي: تحول الكون من "مخلوق" له خالق مريد، إلى "آلة" محكومة بصراع الأضداد (الديالكتيك).
* المصدر: يقول فريدريك إنجلز: "إن العالم المادي الذي يدركه الحس.. هو الواقع الوحيد، وعقيدتنا هي أن المادة ليست من خلق روح، بل الروح نفسها ليست إلا أسمى نتاج للمادة" (إنجلز، لودفيج فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، ص 32، دار التقدم).
ثانياً: الفكر الغربي (كانط وهيوم) وحبس العقل في المادة
هذا الفكر هو الذي مهد لتعطيل الصفات الإلهية الخبرية (اليد، الاستواء، النزول) بحجة أنها "غيبيات غير خاضعة للتجربة".
* كانط (العجز المعرفي): زعم أننا لا نستطيع وصف الله بصفات حقيقية لأن لغتنا مستمدة من عالم المادة، فجعل صفات الله "تخيلات ذهنية" تنظيمية فقط لا حقائق خارجية.
* هيوم (إنكار الغيب): رأى أن كل ما لا يمكن إخضاعه للمختبر فهو لغو، وهذا ولد "الإلحاد العلمي" الذي يرى نصوص الصفات "تجسماً بدائياً".
* المصدر: "إن هيوم ينكر أي دلالة للصفات الإلهية لأنها لا تعود إلى 'انطباعات حسية' أصيلة، مما يجعل الكلام في الإلهيات عنده ركاماً من الأوهام" (يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، ص 164، دار المعارف).
ثالثاً: تولد "الإلحاد العلمي المعاصر" وأثره على نصوص الصفات
هنا نصل إلى أخطر مراحل الصراع، حيث تم الربط بين "التعطيل الفلسفي القديم" و"الإنكار المادي الحديث".
* وصف الصفات بالتجسيم: يرى الملحدون المعاصرون (المتأثرون بمدرسة الحداثة الغربية) أن إثبات صفات مثل "اليد" أو "الاستواء" هو "أنثروبومورفيزم" (تشبيه الإله بالإنسان)، وهو مصطلح فلسفي غربي استُخدم لتكرار مقولة الجهمية والمعتزلة القديمة لكن بلغة "بيولوجية" و"فيزيائية".
* النتيجة: بدلاً من تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين (كما فعل السلف)، صار "التنزيه الحديث" هو نفي وجود الله بالكلية، أو جعل صفاته مجرد "استعارات" لا واقع لها.
* المصدر: يقول ريتشارد دوكينز (كبير الملحدين المعاصرين): "إن فكرة الخالق المصمم هي مجرد انعكاس لنقص فهمنا للقوانين المادية، والصفات التي تخلعها الأديان عليه هي إسقاطات بشرية بامتياز" (ريتشارد دوكينز، وهم الإله، ص 155، ترجمة بسام البغدادي).
الخلاصة:
إن ما نعيشه اليوم هو "جهمية مادية"؛ فالجهمية الأوائل عطلوا الصفات ليثبتوا "ذاتاً مجردة"، أما الماديون المعاصرون فقد عطلوا "الذات والصفات" معاً ليثبتوا "المادة وحدها". وهذا يتطلب من حماة العقيدة العودة إلى منهج السلف في الإثبات بلا تمثيل، والرد على هذه الفلسفات بكشف عجزها عن تفسير أصل الوجود أو معنى الحياة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق