لقد تصدى العلماء والمفكرون المعاصرون للموجة المادية بأسلحة متنوعة؛ فمنهم من استخدم النقل والوحي ومنهم من استخدم المنطق الرياضي والفيزيائي ومنهم من استخدم النقد المعرفي (الابستمولوجي).
ردود هؤلاء الأعلام على مادية ماركس وأكذوبة "أزلية المادة":
1. رد الشيخ محمد بن صالح العثيمين (المنهج الفطري والعقلي)
اعتمد الشيخ ابن عثيمين في رده على الماديين والماركسيين على إثبات بطلان "أزلية المادة" من خلال قانون "الحدوث" وقانون "الافتقار".
* تفكيك زيف الأزلية: يرى الشيخ أن القول بأزلية المادة يتناقض مع المشاهدة؛ فالمادة متغيرة، وكل متغير حادث، وكل حادث لا بد له من محدث.
* المصدر: يقول الشيخ ابن عثيمين: "إن هؤلاء الماديين الذين يقولون إن المادة أزلية، يكذبهم الواقع؛ فإن المادة تتغير وتتحول، وما كان قابلاً للتغير لا يكون أزلياً بذاته، لأن الأزل يقتضي الوجوب والدوام، والمادة تفتقر في وجودها وبقائها إلى صانع" (ابن عثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي، ج 1، ص 54).
* نقد قانون الصدفة: "القول بأن المادة أوجدت نفسها أو وجدت صدفة هو عبث عقلي، فالعدم لا يخلق وجوداً" (ابن عثيمين، مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، ج 1، ص 48).
2. رد الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني (المنهج المنطقي)
يُعد العلامة المعلمي من أدق من فككوا "شبهات الملحدين" والماديين في عصره، خاصة في كتابه العظيم "القائد إلى تصحيح العقائد".
* تفكيك الديالكتيك الماركسي: رد المعلمي على فكرة أن المادة تتحرك من تلقاء نفسها بصراع الأضداد.
* المصدر: يقول المعلمي: "إن القول بأن المادة هي الخالقة لنفسها يقتضي أن تكون المادة قبل وجودها موجودة لتخلق نفسها، وهذا جمع بين النقيضين وهو باطل بضرورة العقل" (عبد الرحمن المعلمي، القائد إلى تصحيح العقائد، المكتب الإسلامي، ص 22).
* نفي صفات الربوبية عن المادة: "الماركسية سرقت صفة 'الغنى المطلق' من الخالق وأعطتها للمادة، والمادة في حقيقتها فقيرة محتاجة للحيز والزمان" (المعلمي، المصدر السابق، ص 25).
3. رد الدكتور عبد الوهاب المسيري (النقد الفلسفي والمعرفي)
المسيري هو صاحب المشروع الأضخم في تفكيك "العلمانية الشاملة" والمادية، وقد ركز على ما يسمى بـ "النموذج الاختزالي".
* تفكيك المادية الديالكتيكية: يرى المسيري أن ماركس سجن الإنسان في "الطبيعة/المادة"، وحوّل الإنسان إلى مجرد "مادة متحركة" لا قيمة لها، وهو ما يسميه "الاستباحة المادية".
* زيف أزلية المادة: أثبت المسيري أن "المادية" هي عقيدة دينية (علمانية) تفتقد للدليل العلمي، فهي "إيمان بالغيب المادي".
* المصدر: يقول د. المسيري: "المادية تدعي العلمية، لكنها تبدأ بفرضية غير مبررة وهي 'أزلية المادة'، وهذه الفرضية هي قفزة إيمانية لا تختلف عما ينكرونه على المتدينين، بل هي إله مادي بلا روح" (عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دار الشروق، ج 1، ص 246).
* تفكيك "وحدة الوجود المادية": يوضح المسيري أن الماركسية هي "حلولية مادية" (أي حلول الإله في المادة ثم نفي الإله والإبقاء على المادة). (المسيري، دراسات معرفية في الحداثة الغربية، ص 188).
4. رد الشيخ محمد تقي الدين الهلالي (مواجهة الإلحاد الماركسي)
كان له دور كبير في المغرب العربي في الرد على المد الشيوعي المادي.
* تفنيد دعوى العلمية: أثبت أن قوانين الفيزياء الحديثة (مثل القانون الثاني للديناميكا الحرارية) تثبت أن الكون له بداية، مما يهدم "أزلية المادة" ماركسياً.
* المصدر: "إن الماركسية تقوم على ظنون فلسفية ألبست ثوب العلم، والعلم منها برآء، فالمادة تنحل وتفنى حرارياً، وما يفنى لا يكون إلهاً أزلياً" (تقي الدين الهلالي، البراهين الإنجيلية على أن عيسى داخل في العبودية، ص 12 - مقدمة في الرد على الماديين).
النتيجة النهائية لهذا الصراع:
لقد أثبت هؤلاء العلماء أن "المادية الحديثة" هي مجرد "نسخة مطورة من الجهمية"؛ فالجهمية جردوا الله من صفاته، والماديون جردوا الوجود من الله، وكلاهما انتهى إلى "العدم". وكما فكك شيخ الإسلام ابن تيمية قديماً فلسفة أرسطو في "درء التعارض"، قام العثيمين والمسيري بتفكيك فلسفة ماركس وهگل، موضحين أن العقل الصريح يوافق النقل الصحيح في أن "المادة مخلوقة ومربوبة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق