"الدرةُ المضيَّة في نظمِ القواعدِ الكليةِ للعقيدةِ المرضيَّة"
الأُرْجُوزَةُ العِمَادِيَّةُ فِي بَيَانِ القَوَاعِدِ الكُلِّيَّةِ فِي العَقِيدَةِ المَرْضِيَّةِ
1. الحَمْدُ لِلَّهِ الصَّلَاةُ تَتَّصِلْ ... عَلَى نَبِيٍّ قَدْ أَتَى بِالْمُعْتَدِلْ
2. وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ قَفَا ... هَدْيَ السَّلَفْ الصَّالِحِينَ الحُنَفَا
3. هَذِي قَوَاعِدٌ جَلِيَّةُ المَنَارْ ... مِنْ كُتْبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ذِي الفَخَارْ
4. هُوَ "ابْنُ تَيْمِيَّةَ" ذَاكَ الحَرَّانِي ... بَحْرُ العُلُومِ شَامِخُ الأَرْكَانِ
5. جَمَعَهَا العَبْدُ الفَقِيرُ التَّائِبُ ... طُوَيْلِبُ العِلْمِ الرَّجِيُّ الرَّاغِبُ
6. "عِمَادُ" مَنْ يَرْجُو رِضَا الرَّحْمَنِ ... فِي نَظْمِهِ لِمُحْكَمِ التِّبْيَانِ
7. نُثْبِتُ مَا اللهُ لِنَفْسِهِ أَقَرّْ ... فَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ بَرّْ
8. وَمَا أَتَى عَنْ رُسْلِهِ نُثْبِتُهُ ... فَالرُّسْلُ أَعْلَمُ بِمَا نَنْعَتُهُ
9. وَمَا نَفَاهُ اللهُ أَوْ رَسُولُهُ ... فَالنَّفْيُ حَقٌّ وَاجِبٌ قَبُولُهُ
10. بِلَا تَمْثِيلٍ وَلَا تَكْيِيفِ ... وَبِلَا تَعْطِيلٍ وَلَا تَحْرِيفِ
11. وَالقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ كَالقَوْلِ فِي الذَّاتْ ... إِثْبَاتُ حَقٍّ لَا تَشَابُهَ الذَّوَاتْ
12. وَالقَوْلُ فِي بَعْضِ الصِّفَاتِ جَارِي ... كَقَوْلِنَا فِي البَعْضِ بِاخْتِصَارِ
13. مَعْلُومَةُ المَعْنَى لَنَا بِاللَّفْظِ ... مَجْهُولَةُ الكَيْفِ بِدُونِ نَقْضِ
14. وَمَا مِنَ الشَّيْئَيْنِ إِلَّا بَيْنَهَا ... "قَدْرٌ مِشَارِكٌ" بِذِهْنٍ زَيَّنَهَا
15. يَكُونُ كُلِّيًّا قُبَيْلَ النِّسْبَةِ ... وَ"الفَارِقُ المَمْيُوزُ" بَعْدَ الإِضَافَةِ
16. فَالرَّبُّ كَامِلٌ بِكُلِّ وَصْفِ ... وَالخَلْقُ نَاقِصٌ بِذَاتِ الضَّعْفِ
17. وَمُجْمَلُ الأَلْفَاظِ رُدَّ القَصْدَا ... بِالاِسْتِفْصَالِ حَقًّا تَنَلْ سَعْدَا
18. سَلْ عَنْ "مُرَادِهِ" بِلَفْظٍ مُجْمَلِ ... فَإِنْ أَرَادَ الحَقَّ فِيهِ فَاقْبَلِ
19. وَعَبِّرَنْ عَنْهُ بِلَفْظِ الشَّرْعِ ... وَانْبِذْ لِسَانَ المَيْنِ أَوْ لَفْظَ البِدَعِ
20. تَمَّتْ بِمَنِّ مَنْ لَهُ الثَّنَاءُ ... نَظْمًا لَهُ القَبُولُ وَالسَّنَاءُ
شرحُ الألفاظِ والقواعدِ (بإيجاز):
* المفردات:
* التائب: إشارة إلى الرجوع إلى الله والتواضع له سبحانه.
* الرجي الراغب: الذي يرجو رحمة الله ويرغب في ثوابه.
* أعلمُ بنفسه: لأن الله هو خالق كل شيء فلا أحد أعلم منه بذاته وصفاته.
* الرُّسل أعلم: لأنهم المبلغون عن الله، فلا ينطقون عن الهوى.
* القواعد الكلية:
* كمال العلم الإلهي والنبوي: وهي القواعد التي صدرت بها النظم (أعلم بنفسه/ أعلم الخلق بربه)؛ لقطع الطريق على كل من يحاول إعمال عقله في نفي ما أثبته الوحي.
* المحاذير الأربعة: (التمثيل، التكييف، التعطيل، التحريف) وهي ميزان الاستقامة في باب الأسماء والصفات.
* تلازم الصفات والذات: القاعدة الذهنية التي تُلزم نفاة الصفات بالتسليم بها ما داموا قد سلموا بوجود الذات.
* تلازم الصفات مع بعضها: لإبطال مذهب من يُفرق بين صفة وأخرى بلا دليل شرعي.
* المعلوم والمجهول: الفرق بين فهم "المعنى" العربي، وبين إدراك "الكيفية" الغيبية.
* القدر المشترك والفارق: التفريق بين المعنى الكلي الذهني وبين حقيقة الصفة بعد إضافتها للموصوف (خالقاً أو مخلوقاً).
* الاستفصال في المجمل: المنهج السلفي في التعامل مع المصطلحات الحادثة، بقبول الحق ورد الباطل مع التزام اللفظ الشرعي.
القاعدة الأولى: الإثبات والنفي (علم الله وعلم الرسول)
نص القاعدة: "إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله، ونفي ما نفاه الله عن نفسه وما نفاه عنه رسوله".
* التدقيق اللغوي: (الإثبات) لغةً هو الإقرار والدوام، وشرعاً هو التصديق الجازم بما اتصف به الرب. (أعلم): اسم تفضيل يدل على الإحاطة التامة والخبرة التي لا يسبقها جهل ولا يلحقها نسيان.
* الشرح المحقق: تقوم هذه القاعدة على ثلاثة أركان:
* كمال علم الله بذاته: قال تعالى: أأنتم أعلم أم الله. فالله هو الذي خلق وتكلم، فهو أصدق قيلاً وأحسن حديثاً.
* كمال علم الرسول بربه: قال ﷺ: «أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية». فخبر المعصوم وحيٌ يجب اتباعه.
* انتفاء علم الخلق بكيفية الخالق: قال تعالى: ولا يحيطون به علماً.
* الاستدلال: قوله تعالى: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. (ليس كمثله شيء) نفيٌ لمشابهة المخلوقين، و(هو السميع البصير) إثباتٌ لصفاته على الحقيقة.
القاعدة الثانية: القول في الصفات كالقول في الذات
نص القاعدة: "من أثبت ذاتاً لله لا تشبه الذوات، لزمه إثبات صفات لا تشبه الصفات".
* التدقيق اللغوي: (الذات) في لغة العرب تطلق على الشيء نفسه وحقيقته. والقول في الشيء فرع عن تصوره.
* الشرح المحقق: هذه قاعدة عقلية تُفحم المعطلة. فإذا قال الخصم: "أنا لا أثبت صفة (الغضب) أو (الاستواء) لأنها تقتضي التشبيه بالأجسام"، نقول له: "هل تثبت لله (ذاتاً) موجودة؟" فسيقول: "نعم، ذات لا تشبه الذوات". فنقول: "كذلك أثبت له (صفات) حقيقية لا تشبه الصفات".
* الاستدلال: كما أن وجود الله حقيقي لا يشبه وجود المخلوقين، فكذلك سمعه وبصره وكلامه حقيقي لا يشبه صفات المخلوقين.
القاعدة الثالثة: القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر
نص القاعدة: "التفريق بين الصفات المتماثلة في الدليل تناقض".
* التدقيق اللغوي: (التماثل) هو التساوي في القدر والمكانة.
* الشرح المحقق: هذه القاعدة موجهة لمن يثبت (العلم، الإرادة، القدرة) وينفي (المحبة، الرضا، النزول). نقول له: الدليل الذي جعلك تثبت "الإرادة" (وهو النص) هو نفسه الذي أمرك بإثبات "المحبة". فإما أن تثبت الجميع أو تنفي الجميع، أما "التبعيض" فبطلان وتحكم بالهوى.
* الاستدلال: قوله تعالى: رضي الله عنهم ورضوا عنه مثل قوله إنه بكل شيء عليم. كلاهما خبر من الله عن نفسه.
القاعدة الرابعة: معلومة باعتبار (المعنى) مجهولة باعتبار (الكيف)
نص القاعدة: "نعلم ما أراد الله بظاهر اللفظ، ونجهل حقيقة الكيفية".
* التدقيق اللغوي: (المعنى) هو ما وُضع له اللفظ في أصل اللغة. (الكيف) هو الهيئة والحقيقة الوجودية للشيء.
* الشرح المحقق: السلف لا يفوضون "المعنى" (كما تفعل الأشاعرة والمفوضة)، بل يفوضون "الكيف". فنحن نعرف معنى (الاستواء) لغة وهو (العلو والارتفاع)، لكننا لا نعرف (كيف استوى)؛ لأن الله لم يخبرنا بذلك.
* الاستدلال: قول الإمام مالك المشهور: «الاستواء معلوم (أي معناه)، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة».
القاعدة الخامسة: القدر المشترك والقدر الفارق
نص القاعدة: "الاشتراك في الاسم والمعنى الكلي لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة".
* التدقيق اللغوي: (القدر المشترك) هو المعنى الذي يتصوره العقل عند سماع اللفظ مجرداً (مثل كلمة: وجود، سمع، يد). (الإضافة) هي نسبة الصفة لصاحبها.
* الشرح المحقق:
* في الذهن: يوجد قدر مشترك. فكلمة "سمع" عند الخالق والمخلوق تشترك في أصل (إدراك الأصوات).
* عند الإضافة: يظهر القدر الفارق. فإذا قلت (سمع الله) فهو كامل محيط، وإذا قلت (سمع العبد) فهو محدود ناقص.
* الاستدلال: سمى الله نفسه (عليماً حليماً) وسمى بعض خلقه (عليماً حليماً)، فاشتركوا في "الاسم" واختلفوا في "الحقيقة".
القاعدة السادسة: الألفاظ المجملة وعلاجها الاستفصال
نص القاعدة: "الألفاظ الحادثة المبتدعة لا تُقبل ولا تُرد حتى يُعرف مقصود قائلها".
* التدقيق اللغوي: (المجمل) هو اللفظ الذي يحتمل أكثر من معنى. (الاستفصال) هو طلب البيان والشرح.
* الشرح المحقق: ظهرت ألفاظ لم تكن عند السلف مثل (الجهة، التحيز، الجسم). المنهج السلفي فيها:
* لا نطلق إثباتها (لأنها لم ترد في الشرع).
* لا نطلق نفيها (خوفاً من نفي معنى حق تضمنته).
* العلاج: نسأل المتكلم: "ماذا تقصد بالجهة؟" إن قال: "علو الله على خلقه"، قلنا: "المعنى حق لكن لا تسمه جهة، بل استواء وعلو". وإن قال: "تقصد أنه محاط بمكان"، قلنا: "هذا باطل نرده".
* الاستدلال: والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. فرجعوا بالمتشابه (المجمل) إلى المحكم (المفصل).
خاتمة التحقيق: هذه القواعد هي "ميزان العقيدة"، ومن ضبطها سَلِم من التشبيه (الغلو في الإثبات) ومن التعطيل (الغلو في النفي).

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق