السبت، 4 أبريل 2026

«الإِشَارَةُ إلي الإِفَادَة بِالثَّلَاثَةِ أُصُولِ فِي بَيَانِ سُلَّمِ الوُصُولِ إِلَى مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ».

«الإِشَارَةُ إلي الإِفَادَة بِالثَّلَاثَةِ أُصُولِ 

فِي بَيَانِ سُلَّمِ الوُصُولِ إِلَى مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ».









الهَيْكَلُ العَامُّ لِلْبَحْثِ (الخُطَّةُ )

المُقَدِّمَةُ المَنْهَجِيَّةُ:

المقدمات المنهجية (المباحث 1 - 5)

 * أهمية دراسة العقيدة والبدء بالأصول الثلاثة.

 * تحقيق المسائل الأربع (العلم، العمل، الدعوة، الصبر).

 * شرح سورة العصر وعلاقتها بالمنهج السلفي.

 * تحقيق قول الشافعي والبخاري في باب "العلم قبل القول والعمل".

 * المسائل الثلاث التي يجب على كل مسلم تعلمها (الربوبية، الألوهية، الولاء والبراء).

الأصل الأول: معرفة الرب (المباحث 6 - 15)

 * تعريف الرب لغةً واصطلاحاً.

 * أدلة وجود الله الفطرية والعقلية والنقلية.

 * تحقيق مقام العبودية العامة والخاصة.

 * شرح أنواع العبادة (الدعاء، الخوف، الرجاء).

 * الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة (الفروق والأحكام).

 * الذبح والنذر (الصور الشرعية والشركية).

 * الخضوع والإنابة والمحبة (أركان العبادة القلبية).

 * توحيد الربوبية وعلاقته بتوحيد الألوهية.

 * الآيات الكونية والشرعية الدالة على الربوبية.

 * رد الشبهات حول توحيد العبادة.

الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام (المباحث 16 - 30)

 * تعريف الإسلام بالمراتب الثلاث (الإسلام، الإيمان، الإحسان).

 * أركان الإسلام الخمسة (تحقيقاً ودلالة).

 * شهادة أن لا إله إلا الله (شروطها، مقتضاها، نواقضها).

 * شهادة أن محمداً رسول الله (معناها ولوازمها).

 * مراتب الإيمان الست (تحقيق أركان الإيمان).

 * زيادة الإيمان ونقصانه عند أهل السنة.

 * مرتبة الإحسان وحقيقة المراقبة.

 * شرح "حديث جبريل" الطويل (الفهوم والاستنباطات).

 * الفرق بين الإسلام والإيمان عند الاجتماع والانفراد.

 * الولاء والبراء في الإسلام (الضوابط والمحاذير).

الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ (المباحث 31 - 40)

 * نسب النبي ﷺ ونشأته وأمانته.

 * بعثته ﷺ بـ "اقرأ" وإرساله بـ "المدثر".

 * الهجرة (تعريفها، حكمها، وأنواعها).

 * حياة النبي ﷺ في المدينة وتأسيس الدولة.

 * كمال الشريعة ووفاة النبي ﷺ وبقاء دينه.

 * الأدلة على نبوته ورسالته ﷺ.

 * حقوق النبي ﷺ على أمته (الطاعة، المحبة، النصرة).

 * ختم النبوة والرد على القاديانية والبهائية.

 * مقام النبي ﷺ بين الغلو والجفاء.

مباحث الخاتمة والنوازل (المباحث 41 - 50)

 * البحث في البعث والنشور والحساب.

 * الكفر بالطاغوت (المعنى، المناط، الرؤوس الخمسة).

 * التحاكم للقوانين الوضعية (التحقيق بين الكفر والمعصية).

 * السحر (التحقيق اللغوي، الحكم، والأنواع).

 * السحر الرقمي والمعاصر (دراسة النوازل).

 * الرقية الشرعية (الأركان، الشروط، والصور المعاصرة).

 * الرقية على الوسائط (الماء، الزيت، الزعفران).

 * تحقيق حديث السبعين ألفاً (مفردات لغوية وعقائدية).

 * فقه الأسباب (السبب الحقيقي والوهمي).

 * مقامات التوكل وعلاقتها بالقضاء والقدر.

 * الرد على المخالفين في باب السحر والتوكل.

هذه هي الخريطة الكاملة لـ 50 مبحثاً تقريباً غطت "الثلاثة أصول" من المبدأ إلى المنتهى.

&&&&&&&&&&&&&


المُقَدِّمَةُ 

الحَمْدُ للهِ الَّذِي شَرَحَ صُدُورَ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلتَّوْحِيدِ، وَأَنَارَ بَصَائِرَهُمْ بِاتِّبَاعِ الأَثَرِ الرَّشِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، المُنَفَرِدُ بِالخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَالصَّمَدُ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنِ الشَّبِيهِ وَالنَّظِيرِ، شَهَادَةً تَبْلُغُ بِنَا رِضْوَانَهُ، وَتُورِثُنَا فِِي دَارِ القَرَارِ جِنَانَهُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خِيَرَةُ خَلْقِهِ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، بَعَثَهُ اللهُ لِيُخْرِجَ العِبَادَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ رَبِّ العِبَادِ، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَمْجَادِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا مَمْدُودًا إِلَى يَوْمِ المَعَادِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَزْكَى مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الهِمَمُ، وَأَسْمَى مَا جَرَتْ بِتَقْرِيرِهِ أَقْلَامُ الأُمَمِ؛ هُوَ العِلْمُ بِأُصُولِ العَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، الَّتِي هِيَ أَصْلُ كُلِّ فَلَاحٍ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ نَجَاحٍ. وَلَمَّا كَانَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الأَزْمَانِ المُتَأَخِّرَةِ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى تَقْرِيبِ مَعَانِي التَّوْحِيدِ بِأُسْلُوبٍ يَمْتَزِجُ فِيهِ الدَّلِيلُ بِالتَّعْلِيلِ؛ بَرَزَ مَتْنُ «ثَلَاثَةِ الأُصُولِ» لِلإِمَامِ المُجَدِّدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- كَمَنَارَةٍ هَادِيَةٍ، وَحُجَّةٍ بَادِيَةٍ [1].

لَقَدْ صِيغَ هَذَا المَتْنُ بِجَزَالَةٍ لُغَوِيَّةٍ، وَمَتَانَةٍ عِلْمِيَّةٍ، لِيَكُونَ دُسْتُورًا لِلْمُسْلِمِ فِي أَهَمِّ قَضَايَا وُجُودِهِ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ رَبِّهِ، وَدِينِهِ، وَنَبِيِّهِ ﷺ. وَإِنَّنِي فِي هَذَا البَحْثِ العَمِيقِ، أَرُومُ اسْتِجْلَاءَ دَقَائِقِ هَذَا المَتْنِ، وَفَكَّ رُمُوزِهِ اللُّغَوِيَّةِ، وَاسْتِخْرَاجَ كُنُوزِهِ العَقَدِيَّةِ، مُعْتَمِدًا فِيمَا أَقُولُ عَلَى مَا خَلَّفَهُ سَلَفُ الأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا، مَعَ العِنايَةِ التَّامَّةِ بِالضَّبْطِ النَّحْوِيِّ، وَالعَزْوِ الدَّقِيقِ لِلْمَصَادِرِ الأَصِيلَةِ، مُجْتَنِبًا طَرِيقَةَ الجَدَاوِلِ، مُؤْثِرًا عَلَيْهَا السَّرْدَ المُحَقَّقَ، وَالشَّرْحَ المُسْهَبَ الَّذِي يَرْبِطُ الفَرْعَ بِأَصْلِهِ، وَالثَّمَرَةَ بِغَرْسِهَا [2].

---------------------------------------------------------

[1] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 9.

[2] المَنْهَجُ العِلْمِيُّ فِي دِرَاسَةِ العَقِيدَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ المَحْمُود، المجلد 1، ص 45.

&&&&&&&&&&&&&&


التَّمْهِيدُ التَّأْصِيلِيُّ: سِيرَةُ الإِمَامِ وَمِحْنَةُ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ

أَوَّلًا: نَشْأَةُ الإِمَامِ وَرِحْلَتُهُ فِي طَلَبِ العِلْمِ

 * المَوْلِدُ وَالنَّشْأَةُ: وُلِدَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ بْنِ سُلَيْمَانَ آلِ مُشَرَّفٍ التَّمِيمِيُّ فِي بَلْدَةِ (العُيَيْنَةِ) بِنَجْدٍ سَنَةَ (1115هـ). نَشَأَ فِي بَيْتِ عِلْمٍ وَقَضَاءٍ؛ فَوَالِدُهُ القَاضِي عَبْدُ الوَهَّابِ، وَجَدُّهُ سُلَيْمَانُ مُفْتِي الدِّيَارِ النَّجْدِيَّةِ [1].

 * رِحْلَةُ الطَّلَبِ: لَمْ يَكْتَفِ بِعِلْمِ عُلَمَاءِ نَجْدٍ، بَلْ رَحَلَ إِلَى مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ وَالبَصْرَةِ. وَفِي المَدِينَةِ، لَازَمَ الشَّيْخَ عَبْدَ اللهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيْفٍ، وَالشَّيْخَ مُحَمَّدَ حَيَاةَ السِّنْدِيَّ، وَتَأَثَّرَ بِتَقْرِيرَاتِهِمَا فِي تَوْحِيدِ الأُلُوهِيَّةِ وَنَبْذِ البِدَعِ [2].

 * مَنْهَجُهُ فِي الطَّلَبِ: تَمَيَّزَ بِالعُكُوفِ عَلَى كُتُبِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذِهِ ابْنِ القَيِّمِ، فَاجْتَمَعَ لَهُ بَيْنَ فِقْهِ الحَنَابِلَةِ وَتَحْقِيقِ السَّلَفِ فِي بَابِ الاعْتِقَادِ.

ثَانِيًا: بَدْءُ الدَّعْوَةِ وَالمُوَاجَهَةُ مَعَ الانْحِرَافَاتِ العَقَدِيَّةِ

 * وَاقِعُ نَجْدٍ: كَانَتْ نَجْدٌ آنَذَاكَ تَعِيشُ فَوْضَى سِيَاسِيَّةً وَتَمَزُّقًا، مَعَ انْتِشَارِ القِبَابِ عَلَى القُبُورِ، وَالتَّبَرُّكِ بِالأَشْجَارِ وَالأَحْجَارِ.

 * الانْطِلَاقَةُ: بَدَأَ الشَّيْخُ دَعْوَتَهُ بِاللُّطْفِ وَالبَيَانِ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى (الدِّرْعِيَّةِ) سَنَةَ (1157هـ)، حَيْثُ تَمَّ اللِّقَاءُ التَّارِيخِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَمِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ سُعُودٍ، فَتَعَاهَدَا عَلَى "النُّصْرَةِ وَالتَّوْحِيدِ" [3].

ثَالِثًا: مِحْنَةُ الدَّعْوَةِ وَحَمْلَةُ مُحَمَّدِ عَلِي بَاشَا (الاِضْطِهَادُ الكَبِيرُ)

هَذَا المَفْصِلُ هُوَ مَحَلُّ الِاسْتِيعَابِ التَّارِيخِيِّ لِمُعَانَاةِ السَّلَفِيِّينَ:

 * الدَّافِعُ لِلْحَمْلَةِ: بَعْدَ انْتِشَارِ الدَّعْوَةِ وَتَوْحِيدِ نَجْدٍ وَالحِجَازِ، أَوْعَزَتِ الدَّوْلَةُ العُثْمَانِيَّةُ لِوَالِي مِصْرَ (مُحَمَّد عَلِي بَاشَا) بِالقَضَاءِ عَلَى هَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَصَوَّرُوهَا لِلْعَالَمِ الإِسْلَامِيِّ عَلَى أَنَّهَا "حَرَكَةُ خَوَارِجَ" [4].

 * سُقُوطُ الدِّرْعِيَّةِ (1233هـ): بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الحِصَارِ وَالقِتَالِ الشَّرِسِ، سَقَطَتِ الدِّرْعِيَّةُ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّد عَلِي بَاشَا.

 * صُوَرُ الِاضْطِهَادِ وَالتَّهْجِيرِ:

   * قَتْلُ العُلَمَاءِ: نُفِذَتْ إِعْدَامَاتٌ بِحَقِّ كِبَارِ عُلَمَاءِ الدَّعْوَةِ، مِنْهُمُ الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ (صَاحِبُ تَيْسِيرِ العَزِيزِ الحَمِيدِ) الَّذِي قُتِلَ بِطَرِيقَةٍ بَشِعَةٍ أَمَامَ أَهْلِهِ [5].

   * التَّهْجِيرُ القَسْرِيُّ: سِيقَ آلُ الشَّيْخِ وَآلُ سُعُودٍ أَسْرَى إِلَى مِصْرَ وَمِنْهَا إِلَى الآسِتَانَةِ، وَهُدِّمَتِ الدِّرْعِيَّةُ بِالكُلِّيَّةِ.

 * الثَّبَاتُ عَلَى المِنْهَجِ: رَغْمَ هَذَا الاِضْطِهَادِ العَسْكَرِيِّ، بَقِيَتِ "الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ" وَغَيْرُهَا مِنْ كُتُبِ الإِمَامِ مَحْفُوظَةً فِي صُدُورِ الطُّلَّابِ وَمُتَدَاوَلَةً فِي الخَفَاءِ، حَتَّى قَامَتِ الدَّوْلَةُ السُّعُودِيَّةُ الثَّانِيَةُ ثُمَّ الثَّالِثَةُ، مِمَّا يُثْبِتُ أَنَّ القُوَّةَ العَسْكَرِيَّةَ لَا تَقْضِي عَلَى عَقِيدَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى الدَّلِيلِ [6].

رَابِعًا: أَهَمِّيَّةُ مُصَنَّفَاتِ الإِمَامِ فِي تِلْكَ المَرْحَلَةِ

كَانَ مَنْهَجُ الإِمَامِ يَقُومُ عَلَى "التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ"؛ لِذَلِكَ جَاءَتْ كُتُبُهُ (كَالأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، وَكِتَابِ التَّوْحِيدِ) بَسِيطَةَ اللَّفْظِ، عَمِيقَةَ الأَثَرِ، كَثِيرَةَ الِاسْتِدْلَالِ بِالقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ؛ لِتَكُونَ حِصْنًا لِلْعَامَّةِ وَالخَاصَّةِ أَمَامَ شُبُهَاتِ المُبْطِلِينَ وَهَجَمَاتِ المُنَاوِئِينَ [7].

&&&&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] عُنْوَانُ المَجْدِ فِي تَارِيخِ نَجْدٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بِشْرٍ، المجلد 1، ص 15.

[2] رَوْضَةُ الأَفْكَارِ وَالأَفْهَامِ لِمُرْتَادِ حَالِ الإِمَامِ، حُسَيْنُ بْنُ غَنَّامٍ، ص 22.

[3] حَيَاةُ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانَ الفَوْزَانِ، ص 12.

[4] تَارِيخُ المَمْلَكَةِ العَرَبِيَّةِ السُّعُودِيَّةِ، عَبْدُ اللهِ الصَّالِحُ العُثَيْمِين، المجلد 1، ص 180.

[5] عُنْوَانُ المَجْدِ فِي تَارِيخِ نَجْدٍ، ابْنُ بِشْرٍ، المجلد 1، ص 380 (فِي ذِكْرِ حَوَادِثِ سَنَةِ 1233هـ).

[6] الدَّعْوَةُ الإِصْلَاحِيَّةُ فِي نَجْدٍ وَأَثَرُهَا، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ السَّلْمَانِ، ص 210.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 10 (المُقَدِّمَةُ).


&&&&&&&&&&&&&


المَبْحَثُ الأَوَّلُ: مَنْهَجُ الإِمَامِ فِي التَّصْنِيفِ وَتَحْقِيقُ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ"

أَوَّلًا: الخَصَائِصُ المَنْهَجِيَّةُ لِلتَّأْلِيفِ عِنْدَ الشَّيْخِ

 * الِاسْتِدْلَالُ المَحْضُ: يَعْتَمِدُ الشَّيْخُ مَنْهَجَ "قَالَ اللهُ، قَالَ رَسُولُهُ"؛ فَلَا يَكَادُ يَذْكُرُ مَسْأَلَةً إِلَّا وَيَقْرِنُهَا بِدَلِيلِهَا النَّقْلِيِّ، وَهَذَا لِتَرْبِيَةِ المُسْلِمِ عَلَى تَعْظِيمِ النَّصِّ وَتَرْكِ التَّقْلِيدِ الأَعْمَى [1].

 * التَّبْسِيطُ مَعَ العُمْقِ: صِيغَ المُؤَلَّفُ بِلُغَةٍ سَهْلَةٍ تَنَاسَبَ العَامِيَّ وَتُؤَصِّلُ لِطَالِبِ العِلْمِ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى بِـ "العِلْمِ الضَّرُورِيِّ" الَّذِي لَا يَسَعُ المَرْءَ جَهْلُهُ.

 * التَّدَرُّجُ التَّعْلِيمِيُّ: بَدَأَ الشَّيْخُ بِتَمْهِيدَاتٍ (المَسَائِلُ الأَرْبَعُ، ثُمَّ المَسَائِلُ الثَّلَاثُ) قَبْلَ الدُّخُولِ فِي الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ الكُبْرَى؛ لِيَبْنِيَ لَدَى القَارِئِ قَاعِدَةً ذِهْنِيَّةً وَعَقَدِيَّةً صَلِبَةً [2].

ثَانِيًا: تَحْقِيقُ العُلَمَاءِ لِلْمَتْنِ وَتَمْيِيزُ "ثَلَاثَةِ الأُصُولِ" عَنْ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ"

 * تَحْرِيرُ التَّسْمِيَةِ: نَبَّهَ المُحَقِّقُونَ أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ رِسَالَةِ "ثَلَاثَةِ الأُصُولِ" (الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ شَرْحِهَا وَهِيَ المَبْسُوطَةُ لِطَلَبَةِ العِلْمِ)، وَبَيْنَ رِسَالَةِ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ" (وَهِيَ رِسَالَةٌ صَغِيرَةٌ جِدًّا كَتَبَهَا الشَّيْخُ لِلْعَوَامِّ لِيَحْفَظُوهَا) [3].

 * أَهَمِّيَّةُ المَتْنِ: جَاءَ هَذَا المَتْنُ لِيُجِيبَ عَلَى أَهَمِّ سُؤَالٍ يُوَاجِهُهُ الإِنْسَانُ، وَهُوَ (أَسْئِلَةُ القَبْرِ الثَّلَاثَةُ)؛ فَالتَّحْقِيقُ فِي هَذَا المَتْنِ هُوَ تَحْقِيقٌ لِلنَّجَاةِ فِي البَرْزَخِ.

ثَالِثًا: مَسْلَكُ الشَّيْخِ فِي بِنَاءِ "المُقَدِّمَاتِ المَنْهَجِيَّةِ"

 * المَسْلَكُ التَّعْلِيمِيُّ: يَعْتَمِدُ الشَّيْخُ أُسْلُوبَ "السُّؤَالِ وَالجَوَابِ" فِي طَيَّاتِ المَتْنِ (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟)، وَهُوَ أُسْلُوبٌ نَبَوِيٌّ يُثِيرُ الِانْتِبَاهَ وَيُثَبِّتُ المَعْلُومَةَ.

 * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التَّصْدِيرُ بِـ (اعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ) يَعْكِسُ مَنْهَجَ الرَّحْمَةِ فِي التَّعْلِيمِ، وَأَنَّ القَصْدَ هُوَ نُصْحُ الخَلْقِ لَا مُجَرَّدُ سَرْدِ المَعْلُومَاتِ [4].

 * المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التَّرْكِيزُ عَلَى "الأَدِلَّةِ" لِتَحْقِيقِ مَقَامِ (اليَقِينِ)؛ فَالإِيمَانُ لَا يَكُونُ صَحِيحًا إِلَّا إِذَا قَامَ عَلَى بَصِيرَةٍ نَاقِلَةٍ مِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى الِاتِّبَاعِ [5].

رَابِعًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ فِي مَنْهَجِ الإِمَامِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ-: ذَكَرَ أَنَّ مَنْهَجَ الشَّيْخِ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى "الِاخْتِصَارِ غَيْرِ المُمِلِّ"، مَعَ شُمُولِيَّةٍ تَغْرِسُ فِي النَّفْسِ تَعْظِيمَ الخَالِقِ وَرَسُولِهِ [6].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ الشَّيْخَ ابْتَكَرَ فِي هَذَا المَتْنِ "تَسْلْسُلًا مَنْطِقِيًّا عَقَدِيًّا"؛ يَبْدَأُ مِنَ الإِلْزَامِ بِالعِلْمِ، ثُمَّ ثَمَرَتِهِ، ثُمَّ تَبْلِيغِهِ، ثُمَّ الثَّبَاتِ عَلَيْهِ [7].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: أَثْنَى عَلَى دِقَّةِ اسْتِنْبَاطِ الشَّيْخِ لِلْمَسَائِلِ مِنْ نُصُوصِ الوَحْيِ، مُعْتَبِرًا "ثَلَاثَةَ الأُصُولِ" نَمُوذَجًا لِإِحْيَاءِ مَنْهَجِ السَّلَفِ فِي التَّصْنِيفِ المَبْنِيِّ عَلَى الآثَارِ [8].

&&&&&&&&&&&

[1] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 15.

[2] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص 5.

[3] المَجْمُوعُ الثَّمِينُ مِنْ فَتَاوَى ابْنِ عُثَيْمِين، المجلد 1، ص 162.

[4] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 14.

[5] مَجْمُوعُ رَسَائِلِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 3، ص 112.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 16.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 18.

[8] آثَارُ الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 2، ص 304.

&&&&&&&&&&&&&&&

تَحْقِيقُ الإِشْكَالِ: بَيْنَ «ثَلَاثَةِ الأُصُولِ» وَ «الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ»

إِنَّ النَّاظِرَ فِي المُصَنَّفَاتِ العَقَدِيَّةِ لِلإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ- يَلْمَحُ تَدَاخُلًا فِي المِسْمَيَيْنِ، مِمَّا اسْتَوْجَبَ تَحْرِيرَ المَحَلِّ بَيْنَهُمَا لِإِزَالَةِ اللَّبْسِ العِلْمِيِّ، وَذَلِكَ وَفْقَ التَّأْصِيلِ الآتِي:

أَوَّلًا: الفَرْقُ بَيْنَ المَتْنَيْنِ مِنْ حَيْثُ المَضْمُونِ:

يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ رِسَالَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ؛ الأُولَى هِيَ «ثَلَاثَةُ الأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا»، وَهِيَ البَحْثُ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِينَا، وَتَمْتَازُ بِسِيَاقِ الأَدِلَّةِ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَتَصْدِيرِهَا بِالمَسَائِلِ الأَرْبَعِ ثُمَّ الثَّلَاثِ [1]. أَمَّا الثَّانِيَةُ فَهِيَ رِسَالَةٌ صَغِيرَةٌ تُسَمَّى «الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ»، وَهِيَ تَعْلِيمِيَّةٌ لِلْعَوَامِّ، تَقُومُ عَلَى طَرِيقَةِ (السُّؤَالِ وَجَوَابِهِ)، وَتَخْلُو مِنَ المُقَدِّمَاتِ العِلْمِيَّةِ المَبْسُوطَةِ فِي الرِّسَالَةِ الكُبْرَى [2].

ثَانِيًا: تَوْجِيهُ التَّسْمِيَةِ لُغَوِيًّا وَعِلْمِيًّا:

ذَهَبَ جَمْعٌ مِنَ الشُّرَّاحِ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ الدَّقِيقَةَ لِلْمَتْنِ الَّذِي يَبْدَأُ بِالمَسَائِلِ الأَرْبَعِ هِيَ «ثَلَاثَةُ الأُصُولِ» بِإِضَافَةِ العَدَدِ إِلَى المَعْدُودِ، لِتَكُونَ الأُصُولُ هِيَ مِحْوَرُ الرِّسَالَةِ. بَيْنَمَا تُطْلَقُ «الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ» غَالِبًا عَلَى الرِّسَالَةِ الصُّغْرَى العَوَامِيَّةِ. وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ جَرَى التَّسَامُحُ فِي الإِطْلَاقِ بَيْنَهُمَا عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ، إِلَّا أَنَّ التَّحْقِيقَ يَقْتَضِي التَّمْيِيزَ لِعَدَمِ خَلْطِ المُرَادِ [3].

ثَالِثًا: مَنْهَجُ الجَمْعِ فِي هَذَا البَحْثِ:

إِنَّ مَا سَنَسِيرُ عَلَيْهِ فِي بَحْثِنَا هَذَا هُوَ المَتْنُ المَشْهُورُ بـ «ثَلَاثَةِ الأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا»، وَالَّذِي يَتَضَمَّنُ ثَلَاثَ رَسَائِلَ دَمَجَهَا العُلَمَاءُ لِتَرَابُطِهَا المَوْضُوعِيِّ، وَهِيَ: (المَسَائِلُ الأَرْبَعُ، المَسَائِلُ الثَّلَاثُ، ثُمَّ الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ وَأَدِلَّتُهَا مِنَ القُرْآنِ وَالسُّنَّةِ)، فَهِيَ بِمَثَابَةِ مَنْظُومَةٍ عَقَدِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ تَبْنِي شَخْصِيَّةَ المُسْلِمِ عِلْمًا وَعَمَلًا [4].

________________

[1] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، ص 7.

[2] شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَان، ص 11.

[3] مَجْمُوعُ فَتَاوَى وَرَسَائِلِ فَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ العُثَيْمِينَ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، المجلد 10، ص 105.

[4] التَّعْلِيقَاتُ البَازِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَاز، ص 15.

&&&&&&&&&&&&&

نَصُّ مَتْنِ (ثَلَاثَةِ الأُصُولِ وَأَدِلَّتِهَا) كَامِلًا وَمُحَقَّقًا

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.

اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبَعِ مَسَائِلَ:

المَسْأَلَةُ الأُولَى: العِلْمُ؛ وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بِهِ.

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.

المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.

 قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ». 

وَقَالَ البُخَارِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: «بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ»؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾، فَبَدَأَ بِالعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ.

اعْلَمْ -رَحِمَكَ اللهُ- أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ تَعَلُّمُ هَذِهِ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ، وَالعَمَلُ بِهِنَّ:

الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا * فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾.

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللهَ لَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ؛ لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَالَاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللهُ لِطَاعَتِهِ، أَنَّ الحَنِيفِيَّةَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ: أَنْ تَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ. وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ العَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.

الأَصْلُ الأَوَّلُ: مَعْرِفَةُ الرَّبِّ: فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي، لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العَالَمِ. فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ؛ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. وَالرَّبُّ هُوَ المَعْبُودُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وَأَنْوَاعُ العِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا؛ مِثْلُ: الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ: الدُّعَاءُ، وَالخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالخُشُوعُ، وَالخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ؛ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ.

الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ: وَهُوَ: الاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: الإِسْلَامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ؛ وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ. فَأَرْكَانُ الإِسْلَامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ. وَأَرْكَانُ الإِيمَانِ سِتَّةٌ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ. وَالإِحْسَانُ رُكْنٌ وَاحِدٌ: وَهُوَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ».

الأَصْلُ الثَّالثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ: وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ العَرَبِ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ. وَلَهُ مِنَ العُمُرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً؛ مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا. نُبِّئَ بِـ (اقْرَأْ)، وَأُرْسِلَ بِـ (المُدَّثِّرِ). وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ. بَعَثَهُ اللهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ.

الخَاتِمَةُ: وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾. وَبَعْدَ البَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَمَنْ كَذَّبَ بِالبَعْثِ كَفَرَ. وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا رَسُولًا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرَةٌ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ.

تَمَّ المَتْنُ بِحَمْدِ اللهِ [1].

&&&&&&&&&&

[1] ثَلَاثَةُ الأُصُولِ وَأَدِلَّتُهَا، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، عُنِيَ بِهَا: عَلِيُّ بْنُ نَاصِرٍ الفَقِيهِيُّ، ص 15-50.

[2] مَجْمُوعَةُ التَّوْحِيدِ النَّجْدِيَّةِ، مَجْمُوعَةٌ مِنَ العُلَمَاءِ، المجلد 1، ص 102.

&&&&&&&&&&&&&&&&ـ&ـ

أَسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوْضُوعِ (لِمَاذَا هَذَا المَتْنُ؟)

إِنَّ عُنَايَةَ البَاحِثِ بِشَرْحِ وَتَحْقِيقِ مَتْنِ «ثَلَاثَةِ الأُصُولِ» لَمْ تَكُنْ نَابِعَةً مِنْ فَرَاغٍ، بَلْ أَمْلَتْهَا جُمْلَةٌ مِنَ الأَسْبَابِ المَنْهَجِيَّةِ وَالعِلْمِيَّةِ، نُوجِزُهَا فِي النِّقَاطِ الآتِيَةِ:

أَوَّلًا: مَرْكَزِيَّةُ المَوْضُوعِ فِي العَقِيدَةِ:

يُعَدُّ هَذَا المَتْنُ اللبِنَةَ الأُولَى فِي بِنَاءِ التَّصَوُّرِ الإِسْلَامِيِّ الصَّحِيحِ، إِذْ يَتَنَاوَلُ الأُصُولَ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ السُّؤَالِ فِي القَبْرِ (الرَّبُّ، الدِّينُ، النَّبِيُّ ﷺ)؛ فَلَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يُحِكِمَ هَذِهِ الأُصُولَ عِلْمًا وَعَمَلًا [1].

ثَانِيًا: مَنْهَجِيَّةُ المُصَنِّفِ التَّرْبَوِيَّةُ:

تَمَيُّزُ المَتْنِ بِالتَّدَرُّجِ العِلْمِيِّ؛ حَيْثُ اسْتَهَلَّهُ المُصَنِّفُ بِالمَسَائِلِ الأَرْبَعِ الَّتِي تَرْسُمُ طَرِيقَ طَالِبِ العِلْمِ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَسَائِلِ الثَّلَاثِ الَّتِي تُحَقِّقُ مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالوَلَاءِ وَالبَرَاءِ، مِمَّا يَجْعَلُهُ مَنْهَجًا مُتَكَامِلًا لِتَرْبِيَةِ النَّاشِئَةِ وَالعَوَامِّ وَطُلَّابِ العِلْمِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ [2].

ثَالِثًا: الحَاجَةُ إِلَى شَرْحٍ يَمْزُجُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالدَّلِيلِ:

رَغْبَةُ البَاحِثِ فِي تَقْدِيمِ قِرَاءَةٍ عِلْمِيَّةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الدِّقَّةِ اللُّغَوِيَّةِ فِي ضَبْطِ الأَلْفَاظِ، وَبَيْنَ الاسْتِيعَابِ العَقَدِيِّ لِشُرُوحِ العُلَمَاءِ، مَعَ رَبْطِ كُلِّ قَوْلٍ بِمَصْدَرِهِ الأَصِيلِ، لِيَكُونَ هَذَا العَمَلُ خَادِمًا لِلْمَتْنِ فِي ثَوْبٍ جَدِيدٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الأَصَالَةِ وَالمُعَاصَرَةِ [3].

رَابِعًا: شُمُولِيَّةُ النَّفْعِ لِكَافَّةِ الفِئَاتِ:

إِنَّ هَذَا المَتْنَ لَيْسَ حِكْرًا عَلَى النُّخْبَةِ، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ لِلْعَوَامِّ لِتَصْحِيحِ عِبَادَاتِهِمْ، وَلِطُلَّابِ العِلْمِ لِتَأْصِيلِ مَعَارِفِهِمْ؛ فَكَانَ اخْتِيَارُهُ اسْتِجَابَةً لِحَاجَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ مُلِحَّةٍ [4].

&&&&&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 14.

[2] شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 9.

[3] المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ المَحْمُود، المجلد 1، ص 88.

[4] التَّعْلِيقَاتُ المُخْتَصَرَةُ عَلَى مَتْنِ الثَّلَاثَةِ أُصُولٍ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَان، ص 5.

&&&&&&&&&'&''-&&&&&&


أَهْدَافُ البَحْثِ وَأَهَمِّيَّتُهُ

تَتَجَلَّى قِيمَةُ هَذَا العَمَلِ العِلْمِيِّ فِي مِحْوَرَيْنِ رَئِيسَيْنِ؛ هُمَا: الأَهْدَافُ الَّتِي يَرُومُ البَاحِثُ تَحْقِيقَهَا، وَالأَهَمِّيَّةُ الَّتِي يَمْتَازُ بِهَا المَوْضُوعُ فِي سِيَاقِ المَكْتَبَةِ الإِسْلَامِيَّةِ.

أَوَّلًا: أَهْدَافُ البَحْثِ

يَسْعَى هَذَا البَحْثُ إِلَى تَحْقِيقِ جُمْلَةٍ مِنَ الغَايَاتِ المَنْهَجِيَّةِ:

 * تَقْدِيمُ نُسْخَةٍ مِعْيَارِيَّةٍ: ضَبْطُ مَتْنِ «ثَلَاثَةِ الأُصُولِ» نَحْوِيًّا وَلُغَوِيًّا لِتَلَافِي اللَّحْنِ وَالتَّصْحِيفِ الَّذِي قَدْ يَعْرِضُ لِبَعْضِ الطَّبَعَاتِ [1].

 * التَّأْصِيلُ العِلْمِيُّ لِلْفَوَائِدِ: اسْتِنْبَاطُ الإِشَارَاتِ العَقَدِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ مِنْ عِبَارَاتِ المُصَنِّفِ، وَرَبْطُهَا بِأُصُولِهَا مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ الصَّالِحِ [2].

 * تَيْسِيرُ العِلْمِ لِلْعَوَامِّ وَالطُّلَّابِ: صِيَاغَةُ الشَّرْحِ بِمُسْتَوَيَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا لُغَوِيٌّ مَتِينٌ لِلْمُتَخَصِّصِينَ، وَالآخَرُ مَفْهُومٌ وَاضِحٌ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ، لِتَعُمَّ الفَائِدَةُ جَمِيعَ الفِئَاتِ [3].

 * التَّدْقِيقُ فِي العَزْوِ: حَصْرُ المَصَادِرِ وَالمَرَاجِعِ الَّتِي خَدَمَتْ هَذَا المَتْنَ، وَتَوْثِيقُ النُّقُولِ بِالمُجَلَّدِ وَالصَّفْحَةِ لِضَمَانِ الأَمَانَةِ العِلْمِيَّةِ.

ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ البَحْثِ

تَنْبُعُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا المَوْضُوعِ مِنْ كَوْنِهِ:

 * عِلْمٌ لَا يَسَعُ جَهْلُهُ: فَالْمَتْنُ يَتَنَاوَلُ مَعْرِفَةَ اللهِ وَالدِّينِ وَالرَّسُولِ، وَهِيَ مَدَارُ الفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالقَبْرِ وَالآخِرَةِ [4].

 * بِنَاءُ المَلَكَةِ العَقَدِيَّةِ: يُعِينُ البَحْثُ طَالِبَ العِلْمِ عَلَى فَهْمِ مَنْهَجِيَّةِ الاسْتِدْلَالِ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا رَسَمَهَا الإِمَامُ المُجَدِّدُ.

 * مُوَاجَهَةُ الشُّبُهَاتِ: يَقُومُ البَحْثُ بِتَقْعِيدِ مَسَائِلِ التَّوْحِيدِ وَالبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ، مِمَّا يُشَكِّلُ حِصْنًا لِلْمُسْلِمِ فِي وَجْهِ الانْحِرَافَاتِ الفِكْرِيَّةِ المُعَاصِرَةِ [5].

&&&&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، ص 5.

[2] شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ، صَالِحُ بْنُ فَوْزَانِ الفَوْزَان، ص 8.

[3] المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ فِي التَّعْلِيمِ وَالتَّرْبِيَةِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ المَحْمُود، المجلد 1، ص 92.

[4] التَّعْلِيقَاتُ البَازِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَاز، ص 10.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 12.

&&&&&&&&&&&&&&&


أَوَّلًا: إِشَارَاتٌ لُغَوِيَّةٌ وَمَنْهَجِيَّةٌ

 * المُتَعَلَّقُ المَحْذُوفُ: البَاءُ فِي (بِسْمِ اللهِ) لِلِاسْتِعَانَةِ، وَالمَحْذُوفُ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ البَاءُ قُدِّرَ فِعْلًا (أُؤَلِّفُ) لِأَنَّ الأَصْلَ فِي العَمَلِ الأَفْعَالُ، وَقُدِّرَ مُؤَخَّرًا لِإِفَادَةِ القَصْرِ؛ أَيْ: لَا أَبْدَأُ بِاسْمِ أَحَدٍ إِلَّا بِاسْمِ اللهِ [1].

 * أَمْرُ التَّنْبِيهِ: كَلِمَةُ (اعْلَمْ) فِعْلُ أَمْرٍ يُؤْتَى بِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِمَا بَعْدَهُ، وَهُوَ هُنَا اسْتِفْتَاحٌ يَقْطَعُ حَالَةَ الغَفْلَةِ لَدَى السَّامِعِ لِيَسْتَقْبِلَ الحَقَائِقَ اليَقِينِيَّةَ [2].

 * دُعَاءُ المُعَلِّمِ: جُمْلَةُ (رَحِمَكَ اللهُ) جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا طَلَبِيَّةٌ مَعْنًى، وَفِي تَصْدِيرِ العِلْمِ بِالدُّعَاءِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى الرَّحْمَةِ، وَأَنَّ العَالِمَ نَاصِحٌ شَفِيقٌ لَا مُتَعَالٍ جَبَّارٌ [3].

ثَانِيًا: فَوَائِدُ عِلْمِيَّةٌ وَتَأْصِيلِيَّةٌ

 * تَحْرِيرُ مَعْنَى (الوُجُوبِ العَيْنِيِّ):

   قَوْلُهُ (يَجِبُ عَلَيْنَا): الوُجُوبُ فِي الشَّرْعِ هُوَ: "مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ عَلَى وَجْهِ الحَتْمِ وَالإِلْزَامِ، بِحَيْثُ يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا وَيَسْتَحِقُّ العِقَابَ تَارِكُهُ".

   وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا (الوَاجِبُ العَيْنِيُّ): وَهُوَ مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ بَعَيْنِهِ أَنْ يَعْرِفَهُ وَيَعْمَلَ بِهِ، وَلَا يَسْقُطُ بِفِعْلِ البَعْضِ عَنِ البَعْضِ (بِخِلَافِ الكِفَائِيِّ)، لِأَنَّ هَذِهِ المَسَائِلَ تَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الإِيمَانِ الَّذِي لَا يَعْذُرُ اللهُ فِيهِ أَحَدًا بِالجَهْلِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى التَّعَلُّمِ [4].

ثَالِثًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

1. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ-:

ذَكَرَ الشَّيْخُ أَنَّ تَقْدِيمَ البَسْمَلَةِ هُنَا هُوَ اسْتِعَانَةٌ بِاللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنَّ قَوْلَهُ (رَحِمَكَ اللهُ) يَعْنِي: "أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكَ مَا مَضَى، وَيُوَفِّقَكَ لِمَا يَسْتَقْبِلُ"، فَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ جَلْبِ المَنْفَعَةِ وَدَفْعِ المَضَرَّةِ لِطَالِبِ العِلْمِ [5].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ-:

نَبَّهَ إِلَى أَنَّ الوُجُوبَ هُنَا دَلِيلُهُ العَقْلُ وَالنَّقْلُ؛ فَالنَّقْلُ أَمَرَ بِالعِلْمِ، وَالعَقْلُ يَقُولُ: كَيْفَ تَعْبُدُ مَنْ لَا تَعْرِفُ؟ فَمَعْرِفَةُ اللهِ وَاجِبَةٌ لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ العِبَادَةِ، وَمَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ [6].

3. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

أَشَارَ فِي مَقَامَاتِ التَّعْلِيمِ إِلَى أَنَّ المُؤَلِّفَ سَلَكَ مَسْلَكَ السَّلَفِ فِي تَهْيِئَةِ النُّفُوسِ؛ فَبَدَأَ بِمَا يُرَقِّقُ القَلْبَ (الرَّحْمَةَ) لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ الِالتِزَامُ بِمَا يَثْقُلُ (الوُجُوبَ)، وَهَذَا مِنْ دِقَّةِ النَّظَرِ فِي مَقَاصِدِ الخِطَابِ الشَّرْعِيِّ [7].

&&&&&&&&&&&&

[1] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 15.

[2] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قَاسِمٍ، ص 9.

[3] التَّعْلِيقَاتُ البَازِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ بَاز، ص 12.

[4] التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 21.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 18.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 19.

[7] آثَارُ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيِّ اليَمَانِيِّ، المجلد 1، ص 112.

&&&&&&&&&&&&&

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: دُعَاءُ الرَّحْمَةِ وَتَقْعِيدُ الوُجُوبِ

أَوَّلًا: مَدْلُولُ اللَّفْظِ وَالأُسْلُوبِ التَّرْبَوِيِّ لِلْمُصَنِّفِ

 * لِمَاذَا أَتَى بِهَا الشَّيْخُ؟: أَتَى بِهَا لِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الدِّينَ مَبْنِيٌّ عَلَى المَرْحَمَةِ، وَلِيَسْتَمِيلَ قَلْبَ الطَّالِبِ؛ فَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى حُبِّ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهَا، وَالدُّعَاءُ أَعْظَمُ إِحْسَانٍ. وَهُوَ دَيْدَنُ أَئِمَّةِ الدَّعْوَةِ السَّلَفِيَّةِ فِي مُلَاطَفَةِ الخَلْقِ وَالنُّصْحِ لَهُمْ [1].

 * مَجِيئُهَا بِالفِعْلِ المَاضِي: جَاءَتْ بِصِيغَةِ المَاضِي (رَحِمَ) لِإِفَادَةِ "التَّفَاؤُلِ وَتَحَقُّقِ الوُقُوعِ"؛ فَكَأَنَّ الشَّيْخَ يَدْعُو اللهَ دُعَاءً مُسْتَجَابًا قَدْ ثَبَتَتْ بَرَكَتُهُ عَلَيْكَ أَيُّهَا المُتَعَلِّمُ [2].

 * الرَّابِطُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ العِلْمِ: الرَّابِطُ أَنَّ الرَّحْمَةَ شَرْطٌ فِي حُصُولِ الفَهْمِ؛ فَمَنْ رَحِمَهُ اللهُ شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْعِلْمِ، وَمَنْ تَعَلَّمَ العِلْمَ نَالَ رَحْمَةَ اللهِ، فَهُمَا مُتَلَازِمَانِ [3].

 * الأُسْلُوبُ التَّرْبَوِيُّ لِلْمُصَنِّفِ: هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ يُرَسِّخُ أَنَّ العَالِمَ أَبٌ شَفِيقٌ، وَأَنَّ العِلْمَ لَيْسَ جَفَافًا، بَلْ هُوَ تَرْبِيَةٌ لِلرُّوحِ قَبْلَ العَقْلِ.

ثَانِيًا: نَصُّ الحَدِيثِ وَتَخْرِيجُهُ وَالحُكْمُ عَلَيْهِ

نَصُّ الحَدِيثِ:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ».

تَخْرِيجُ الحَدِيثِ وَالحُكْمُ عَلَيْهِ:

أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (4941)، وَالتِّرْمِذِيُّ (1924). وَهُوَ الحَدِيثُ "المُسَلْسَلُ بِالأَوَّلِيَّةِ" [4].

 * الحُكْمُ الحَدِيثِيُّ: حَدِيثٌ (حَسَنٌ صَحِيحٌ)، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ، وَالذَّهَبِيُّ، وَالأَلْبَانِيُّ.

ثَالِثًا: إِشَارَاتٌ لُغَوِيَّةٌ وَدَعَوِيَّةٌ حَوْلَ الحَدِيثِ

 * الإِشَارَاتُ اللَّغَوِيَّةُ: جَاءَ لَفْظُ (الرَّاحِمُونَ) بِصِيغَةِ الِاسْمِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى ثُبُوتِ الصِّفَةِ فِيهِمْ، وَجَاءَ (يَرْحَمُهُمْ) بِالفِعْلِ لِتَجَدُّدِ رَحْمَةِ اللهِ لَهُمْ.

 * النُّطْقُ بِالسُّكُونِ وَالضَّمِّ فِي (يَرْحَمْكُمْ/يَرْحَمُكُمْ):

   * بِالسُّكُونِ (يَرْحَمْكُمْ): لِأَنَّهُ جَوَابُ الطَّلَبِ (ارْحَمُوا)، فَيُجْزَمُ الفِعْلُ. وَالفَائِدَةُ مِنْهُ: رَبْطُ رَحْمَةِ اللهِ بِفِعْلِ العَبْدِ (جَزَاءً وِفَاقًا).

   * بِالضَّمِّ (يَرْحَمُكُمْ): عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ مَرْفُوعٌ، وَفَائِدَتُهُ: أَنَّ رَحْمَةَ اللهِ وَاسِعَةٌ وَمُبْتَدَأَةٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى [5].

 * الأُسْلُوبُ التَّرْبَوِيُّ لِلْحَدِيثِ: تَرْبِيَةُ المُسْلِمِ عَلَى التَّوَاضُعِ وَبَذْلِ النَّدَى لِلْخَلْقِ كَافَّةً لِيَسْتَحِقَّ مَعِيَّةَ اللهِ وَرَحْمَتَهُ.

رَابِعًا: فَوَائِدُ عِلْمِيَّةٌ مُسْتَنْبَطَةٌ (مِنَ المَتْنِ وَالحَدِيثِ)

 * مِنَ المَتْنِ: أَنَّ مَنْ أَرَادَ النَّجَاةَ فَلْيَبْدَأْ بِالعِلْمِ، وَأَنَّ دُعَاءَ الصَّالِحِينَ لِلْمُتَعَلِّمِينَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الثَّبَاتِ [6].

 * مِنَ الحَدِيثِ: إِثْبَاتُ صِفَةِ الرَّحْمَةِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِثْبَاتُ صِفَةِ العُلُوِّ (مَنْ فِي السَّمَاءِ).

خَامِسًا: تَحْرِيرُ مَعْنَى الوَاجِبِ وَقَوَاعِدِهِ

 * حَدُّ الوَاجِبِ (تَعْرِيفُهُ): هُوَ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّارِعُ أَمْرًا جَازِمًا.

 * حُكْمُهُ: يُثَابُ فَاعِلُهُ امْتِثَالًا، وَيَعْصِي تَارِكُهُ وَيَسْتَحِقُّ العِقَابَ.

 * الوَاجِبُ وَالفَرْضُ: ذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى تَرَادُفِهِمَا، وَفَرَّقَ الحَنَفِيَّةُ بَيْنَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (فَرْضٌ) وَمَا ثَبَتَ بِظَنِّيٍّ (وَاجِبٌ) [7].

​قَوْلُ الحَنَفِيَّةِ: فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا؛ فَمَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ (كالقُرْآنِ) فَهُوَ فَرْضٌ، وَمَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ (كَأَخْبَارِ الآحَادِ) فَهُوَ وَاجِبٌ [8].

قَاعِدَةُ الوَاجِبِ: (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ)؛ وَلَمَّا كَانَ تَوْحِيدُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِتَعَلُّمِ هَذِهِ المَسَائِلِ، صَارَ تَعَلُّمُهَا وَاجِبًا عَيْنِيًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ [9].

 * قَاعِدَةُ الوَاجِبِ: (مَا لَا يَتِمُّ الوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ).

سَادِسًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

 * الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين: ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ (رَحِمَكَ اللهُ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى حَاجَةِ الطَّالِبِ لِلتَّوْفِيقِ فِي مُسْتَقْبَلِ أَمْرِهِ [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: أَكَّدَ أَنَّ تَعَلُّمَ المَسَائِلِ هُوَ مِنْ "الوَاجِبِ العَيْنِيِّ" الَّذِي لَا يُعْذَرُ فِيهِ أَحَدٌ [11].

 * الشَّيْخُ المُعَلِّمِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ تَصْدِيرَ الكُتُبِ بِدُعَاءِ الرَّحْمَةِ هُوَ فَتْحٌ لِأَبْوَابِ السَّمَاءِ لِلْعَمَلِ بِالعِلْمِ [12].

&&&&&&&&&&&&&&

[1] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص 9.

[2] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 18.

[3] التَّمْهِيدُ لِشَرْحِ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 24.

[4] جَامِعُ التِّرْمِذِيِّ، المجلد 4، ص 323.

[5] فَتْحُ القَدِيرِ، الشَّوْكَانِيُّ، المجلد 1، ص 55.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 19.

[7] رَوْضَةُ النَّاظِرِ، ابْنُ قُدَامَةَ، المجلد 1، ص 150.

[8] المَنْهَجُ فِي أُصُولِ الفِقْهِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 34.

[9] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 20.

[10] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 21.

[11] مَجْمُوعُ رَسَائِلِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 2، ص 45.

&&&&&&&&&&&&&

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الأَوَّلِ: فَرِيضَةُ العِلْمِ وَحَصْرُ المَسَائِلِ

أَوَّلًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِـ (يَجِبُ عَلَيْنَا)

 * التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ: (يَجِبُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَالتَّجَدُّدِ، وَأَصْلُ الوُجُوبِ فِي اللُّغَةِ: السُّقُوطُ وَالثُّبُوتُ؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أَيْ سَقَطَتْ وَثَبَتَتْ. وَالمَعْنَى هُنَا: أَنَّ هَذَا العِلْمَ ثَابِتٌ لَا فِكَاكَ لِلْمُكَلَّفِ مِنْهُ [1].

 * التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ (عَلَيْنَا): حَرْفُ الجَرِّ (عَلَى) يُفِيدُ الِاسْتِعْلَاءَ وَالإِلْزَامَ. وَفِي قَوْلِهِ (عَلَيْنَا) نُونُ الجَمَاعَةِ، وَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى (الوَاجِبِ العَيْنِيِّ)؛ أَيْ أَنَّ الخِطَابَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي طَلَبَةِ العِلْمِ أَوْ النُّخْبَةِ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ بَلَغَ مَحَلَّ التَّكْلِيفِ.

 * عِلْمُ الوَاجِبِ: هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا عَرَّفَهُ العُلَمَاءُ بِـ (مَا لَا يَسَعُ المُسْلِمَ جَهْلُهُ)؛ فَالنَّجَاةُ فِي القَبْرِ مَرْهُونَةٌ بِعِلْمِ هَذِهِ المَسَائِلِ، وَمَا كَانَ شَرْطًا فِي النَّجَاةِ صَارَ تَعَلُّمُهُ أَوْجَبَ الوَاجِبَاتِ [2].

ثَانِيًا: مَسْأَلَةُ الحَصْرِ وَالِاسْتِقْرَاءِ (لِمَاذَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ؟)

قَدْ يَرِدُ سُؤَالٌ: الدِّينُ وَاسِعٌ وَمَسَائِلُهُ كَثِيرَةٌ، فَلِمَاذَا حَصَرَهَا الشَّيْخُ فِي أَرْبَعٍ؟

 * الِاسْتِقْرَاءُ التَّامُّ: ذَكَرَ المُحَقِّقُونَ أَنَّ حَصْرَ الشَّيْخِ لِلْمَسَائِلِ فِي أَرْبَعٍ جَاءَ بِنَاءً عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ التَّامِّ لِسُورَةِ العَصْرِ؛ فَالشَّيْخُ لَمْ يَخْتَرِعْ هَذَا الحَصْرَ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، بَلِ اسْتَنْبَطَهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ.

 * حَصْرُ أُمَّهَاتِ المَسَائِلِ: هَذِهِ الأَرْبَعُ (العِلْمُ، العَمَلُ، الدَّعْوَةُ، الصَّبْرُ) هِيَ أُصُولُ الدِّينِ الَّتِي تَنْدَرِجُ تَحْتَهَا جَمِيعُ الفُرُوعِ. فَالشَّيْخُ أَرَادَ ضَبْطَ الأُصُولِ الكُلِّيَّةِ لِلْمُتَعَلِّمِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي التَّفَاصِيلِ.

 * أَهَمِّيَّةُ هَذَا الحَصْرِ: يُفِيدُ هَذَا التَّقْسِيمُ فِي تَرْتِيبِ ذِهْنِ الطَّالِبِ وَالعَامِيِّ، فَيَعْرِفُ مَرَاتِبَ الدِّينِ وَيُدْرِكُ أَنَّ الإِيمَانَ لَيْسَ مُجَرَّدَ دَعْوَى، بَلْ هُوَ مَنْظُومَةٌ مُتَكَامِلَةٌ تَبْدَأُ بِالمَعْرِفَةِ وَتَنْتَهِي بِالصَّبْرِ [3].

ثَالِثًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

1. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ-:

أَوْضَحَ الشَّيْخُ أَنَّ الوُجُوبَ هُنَا هُوَ "وُجُوبٌ شَرْعِيٌّ"، وَأَنَّ قَوْلَهُ (أَرْبَع مَسَائِل) هُوَ تَقْسِيمٌ تَعْلِيمِيٌّ بَدِيعٌ. وَبَيَّنَ أَنَّ الحِكْمَةَ مِنَ الحَصْرِ هِيَ جَمْعُ شَتَاتِ المَوْضُوعِ لِيَسْهُلَ حِفْظُهُ وَفَهْمُهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ مِنْهَا هِيَ جُزْءٌ مِنَ الفَلَاحِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللهُ فِي سُورَةِ العَصْرِ [4].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ-:

أَسْهَبَ الشَّيْخُ فِي بَيَانِ رَابِطَةِ (عَلَيْنَا)، فَقَالَ: «هَذَا الوُجُوبُ يَتَعَلَّقُ بِمَا تَصِحُّ بِهِ العَقِيدَةُ، وَمَا لَا يَسَعُ المُكَلَّفَ جَهْلُهُ مِنْ أَرْكَانِ الإِسْلَامِ». وَأَكَّدَ أَنَّ قَوْلَ المُصَنِّفِ (أَرْبَع مَسَائِل) يَدُلُّ عَلَى فِقْهِهِ فِي تَرْتِيبِ الأَوْلَوِيَّاتِ؛ فَبَدَأَ بِمَا يَجِبُ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِمَا يُسْتَحَبُّ [5].

3. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

أَشَارَ فِي مَنْهَجِهِ إِلَى أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ عِنْدَ العُلَمَاءِ نَوْعَانِ: تَامٌّ وَنَاقِصٌ، وَحَصْرُ الشَّيْخِ هُنَا هُوَ اسْتِقْرَاءٌ مَقَاصِدِيٌّ؛ أَيْ أَنَّهُ حَصَرَ جِمَاعَ الدِّينِ فِي هَذِهِ الأَرْبَعِ. فَالإِنْسَانُ إِمَّا فِي حَالِ نَفْسِهِ (عِلْمٌ وَعَمَلٌ)، أَوْ فِي حَالِ غَيْرِهِ (دَعْوَةٌ وَصَبْرٌ)، وَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ التَّصْنِيفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى رُسُوخِ القَدَمِ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الشَّارِعِ [6].

&&&&&&&&&&&

[1] لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 1، ص 156 (مَادَّةُ وَجَبَ).

[2] التَّعْلِيقَاتُ البَازِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ص 14.

[3] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 22.

[4] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 21.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 25.

[6] آثَارُ الشَّيْخِ العَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيِّ اليَمَانِيِّ، المجلد 2، ص 148 (بِتَصَرُّفٍ تَوْضِيحيٍّ).

&&&&&&&&&&&&&&&&&

المَسْأَلَةُ الأُولَى: العِلْمُ وَحَقِيقَةُ المَعْرِفَةِ

أَوَّلًا: التَّحْقيقُ اللَّغَوِيُّ وَمَرَاتِبُ الإِدْرَاكِ

 * تَعْرِيفُ العِلْمِ: هُوَ إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا.

 * الفَرْقُ بَيْنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ:

   * العِلْمُ: يُقَالُ فِيمَا يُدْرَكُ ذَاتُهُ وَتَفَاصِيلُ أَحْوَالِهِ، وَيُضَادُّهُ الجَهْلُ.

   * المَعْرِفَةُ: تُقَالُ فِيمَا يُدْرَكُ أَثَرُهُ وَإِنْ لَمْ تُدْرَكْ ذَاتُهُ، وَيُضَادُّهَا الإِنْكَارُ.

   * مَا يَجُوزُ فِي حَقِّ اللهِ: يُوصَفُ اللهُ تَعَالَى بِـ "العِلْمِ" وَيُسَمَّى "عَالِمًا" وَ "عَلِيمًا"، وَلَا يُوصَفُ بِـ "المَعْرِفَةِ" فِي أَسْمَائِهِ الحُسْنَى؛ لِأَنَّ المَعْرِفَةَ تَسْبِقُهَا غَفْلَةٌ أَوْ جَهْلٌ، وَاللهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ [1].

 * مَرَاتِبُ الإِدْرَاكِ الستة:

   * العِلْمُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ إِدْرَاكًا جَازِمًا .

   * الجَهْلُ البَسِيطُ: عَدَمُ الإِدْرَاكِ بِالكُلِّيَّةِ.

   * الجَهْلُ المُرَكَّبُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى وَجْهٍ يُخَالِفُ مَا هُوَ عَلَيْهِ في الواقع .

   * الظَّنُّ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ مَعَ احْتِمَالِ ضِدٍّ مَرْجُوحٍ.

   * الوَهْمُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ مَعَ احْتِمَالِ ضِدٍّ رَاجِحٍ.

   * الشَّكُّ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ مَعَ احْتِمَالِ ضِدٍّ مُسَاوٍ [2].

ثَانِيًا: تَقْسِيمُ العِلْمِ (عَيْنِيٌّ وَكِفَائِيٌّ)

 * الوَاجِبُ العَيْنِيُّ: هُوَ العِلْمُ الَّذِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ تَحْصِيلُهُ بِنَفْسِهِ، وَهُوَ مَا عَرَّفَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ- بِقَوْلِهِ: «هُوَ مَا يَقُومُ بِهِ دِينُهُ»، وَسُئِلَ: مِثْلُ أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: «مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ؛ صَلَاتُهُ، وَصِيَامُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ»، وَيَشْمَلُ أَصْلَ الشَّهَادَتَيْنِ وَأَرْكَانَ الإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ [3].

 * الوَاجِبُ الكِفَائِيُّ: هُوَ مَا إِذَا قَامَ بِهِ مَنْ يَكْفِي سَقَطَ الإِثْمُ عَنِ البَاقِينَ، كَالتَّبَحُّرِ فِي فُرُوعِ الفِقْهِ وَدَقَائِقِ المَوَارِيثِ وَعُلُومِ الآلَةِ.

 * المَقْصُودُ هُنَا: المَقْصُودُ فِي سِيَاقِ (ثَلَاثَةِ الأُصُولِ) هُوَ "العِلْمُ الوَاجِبُ العَيْنِيُّ"؛ لِأَنَّ الشَّيْخَ بَنَى رِسَالَتَهُ عَلَى المَسَائِلِ الَّتِي يُسْأَلُ عَنْهَا كُلُّ عَبْدٍ فِي قَبْرِهِ، وَهِيَ لَا تَسْقُطُ بِفِعْلِ الغَيْرِ [4].

ثَالِثًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

1. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ-:

بَيَّنَ أَنَّ "مَعْرِفَةَ اللهِ" تَكُونُ بِالقَلْبِ مَعْرِفَةً تَسْتَلْزِمُ قَبُولَ مَا شَرَعَ وَالِانْقِيَادَ لَهُ، وَأَنَّ العِلْمَ لَا يُسَمَّى عِلْمًا شَرْعِيًّا نَافِعًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى "الأَدِلَّةِ" مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَهُوَ تَقْلِيدٌ [5].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ-:

أَسْهَبَ فِي بَيَانِ مَعْنَى (بِالأَدِلَّةِ)، فَقَالَ: «لَا يُشْتَرَطُ فِي العَامِيِّ أَنْ يَعْرِفَ دَقَائِقَ الِاسْتِدْلَالِ، بَلْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ أَصْلِ الدَّلِيلِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ اليَقِينُ فِي قَلْبِهِ». وَأَكَّدَ أَنَّ تَقْسِيمَ المَعْرِفَةِ إِلَى (اللهِ، النَّبِيِّ، الدِّينِ) هُوَ حَصْرٌ لِلضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ عَنْهَا إِيمَانٌ [6].

3. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

أَشَارَ إِلَى أَنَّ العِلْمَ هُوَ حَيَاةُ القَلْبِ، وَأَنَّ تَعْرِيفَ الإِمَامِ أَحْمَدَ لِلْوَاجِبِ العَيْنِيِّ يَضْبُطُ لِلْمُسْلِمِ طَرِيقَهُ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِمَا لَا يَنْفَعُهُ عَمَّا لَا يَقُومُ دِينُهُ إِلَّا بِهِ. وَرَأَى أَنَّ كَلِمَةَ "مَعْرِفَة" فِي قَوْلِ المُصَنِّفِ اسْتُعْمِلَتْ لِلْمُشَاكَلَةِ وَالتَّقْرِيبِ لِفَهْمِ العَامَّةِ، مَعَ الِالْتِزَامِ بِأَنَّ مَقَامَ اللهِ هُوَ مَقَامُ العِلْمِ الأَكْمَلِ [7].

&&&&&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] شَرْحُ القَوَاعِدِ المُثْلَى، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 42.

[2] شَرْحُ الأُصُولِ مِنْ عِلْمِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 15.

[3] المَسَائِلُ الفِقْهِيَّةُ مِن كِتَابِ رِوَايَتَيْنِ وَوَجْهَيْنِ، المجلد 1، ص 32.

[4] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص 11.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 24.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ، ص 29.

[7] مَجْمُوعُ رَسَائِلِ المُعَلِّمِيِّ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيّ، المجلد 3، ص 210.

&&&&&&&&&&&&&&

تَتِمَّةُ المَسْأَلَةِ الأُولَى: أَدِلَّةُ العِلْمِ مِنَ الوَحْيَيْنِ

أَوَّلًا: الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: 19].

   * تَفْسِيرُ المُحَقِّقِينَ: بَدَأَ اللهُ تَعَالَى بِالعِلْمِ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَهِيَ أَقْوَى حُجَّةٍ عَلَى أَنَّ العِلْمَ أَصْلٌ لِكُلِّ طَاعَةٍ. قَالَ ابْنُ عُثَيْمِين: «لَا يَصِحُّ قَوْلٌ وَلَا عَمَلٌ إِلَّا إِذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى عِلْمٍ، وَلِذَلِكَ بَدَأَ اللهُ بِتَوْحِيدِهِ عِلْمًا ثُمَّ أَمَرَ بِالِاسْتِغْفَارِ عَمَلًا» [1].

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

   * تَفْسِيرُ المُحَقِّقِينَ: الدَّرَجَاتُ هُنَا تَشْمَلُ الرِّفْعَةَ المَعْنَوِيَّةَ فِي الدُّنْيَا بِحُسْنِ الثَّنَاءِ، وَالرِّفْعَةَ الحِسِّيَّةَ فِي الآخِرَةِ بِعُلُوِّ المَنَازِلِ فِي الجَنَّةِ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِلْمَ هُوَ مِعْيَارُ التَّفَاضُلِ الحَقِيقِيِّ بَيْنَ العِبَادِ [2].

ثَانِيًا: الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» [3].

   * تَحْقِيقُ الحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (71)، وَمُسْلِمٌ (1037).

   * الإِشَارَةُ العِلْمِيَّةُ: مَفْهُومُ المُخَالَفَةِ فِي الحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِهِ وَلَمْ يَطْلُبِ العِلْمَ الوَاجِبَ، فَقَدْ حُرِمَ الخَيْرَ بِكُلِّيَّتِهِ. وَالتَّفَقُّهُ هُوَ "الفَهْمُ الدَّقِيقُ" لِلْمَسَائِلِ [4].

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «طَلَبُ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» [5].

   * تَحْقِيقُ الحَدِيثِ: أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ (224)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.

   * الإِشَارَةُ العِلْمِيَّةُ: لَفْظُ (فَرِيضَةٌ) يَقْطَعُ بِأَنَّ العِلْمَ لَيْسَ تَرَفًا، وَالمَقْصُودُ بِهِ -كَمَا قَرَّرْنَا آنِفًا- هُوَ العِلْمُ العَيْنِيُّ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ العَقِيدَةُ وَصِحَّةُ العِبَادَةِ [6].

ثَالِثًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ فِي تَقْرِيرِ هَذِهِ الأَدِلَّةِ

 * الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين:

   أَكَّدَ أَنَّ تَقْدِيمَ العِلْمِ فِي سُورَةِ (مُحَمَّد) يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العِلْمَ هُوَ إِمَامُ العَمَلِ، وَالعَمَلُ تَابِعٌ لَهُ، وَأَنَّ العِلْمَ بِدُونِ دَلِيلٍ يُسَمَّى "تَقْلِيدًا" وَلَا يَنْهَضُ بِهِ الإِيمَانُ اليَقِينِيُّ [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:

   بَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ (يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) تَنْكِيرُ "خَيْرًا" يُفِيدُ الشُّمُولَ، أَيْ كُلَّ أَنْوَاعِ الخَيْرِ مَرْهُونَةٌ بِالفِقْهِ، وَأَعْظَمُ الفِقْهِ هُوَ "الفِقْهُ الأَكْبَرُ" أَيِ العَقِيدَةُ، ثُمَّ فِقْهُ الأَحْكَامِ [8].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ:

   يَرَى أَنَّ الدَّلِيلَ النَّقْلِيَّ (الوَحْيَ) هُوَ المِصْبَاحُ الَّذِي يَهْدِي العَقْلَ، وَلَا يُعْتَبَرُ المَرْءُ عَالِمًا حَتَّى يَقْرِنَ قَوْلَهُ بِقَالَ اللهُ وَقَالَ رَسُولُهُ، لِأَنَّ الحَقَّ لَا يُعْرَفُ بِالرِّجَالِ بَلْ بِالآثَارِ [9].

&&&&&&&&&&&&&

[1] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 22.

[2] التَّسْهِيلُ لِعُلُومِ التَّنْزِيلِ، ابْنُ جُزَيٍّ الكَلْبِيُّ، المجلد 2، ص 360.

[3] صَحِيحُ البُخَارِيِّ، مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ، المجلد 1، ص 24، رقم (71).

[4] فَتْحُ البَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، ابْنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيُّ، المجلد 1، ص 164.

[5] سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ، مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ القَزْوِينِيُّ، المجلد 1، ص 81، رقم (224).

[6] صَحِيحُ الجَامِعِ الصَّغِيرِ، مُحَمَّدُ نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيُّ، ص 727، رقم (3913).

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 25.

[8] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 32.

[9] آثَارُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَحْيَى المُعَلِّمِيِّ، المجلد 3، ص 188.

&&&&&&&&&&&&&&

ملحق[ أ]حول مسألة  تحقيق العلم  (مَعْرِفَةُ اللهِ وَالنَّبِيِّ وَالدِّينِ):

تَحْقِيقُ المَسْأَلَةِ الأُولَى: العِلْمُ (مَعْرِفَةُ اللهِ وَالنَّبِيِّ وَالدِّينِ)

أَوَّلًا: مَعْرِفَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (الأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ)

تتحقق معرفة الله تعالى بالإيمان بأربعة أمور جوهرية:

 * الإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ:

   * تَعْرِيفُهُ: هُوَ التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى مَوْجُودٌ، لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَلَا يَلْحَقُهُ فَنَاءٌ.

   * حَدُّهُ: إِثْبَاتُ ذَاتِ بَارِئِ الكَوْنِ بِدَلَالَةِ الفِطْرَةِ، وَالعَقْلِ، وَالشَّرْعِ، وَالحِسِّ [1].

 * الإِيمَانُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ:

   * تَعْرِيفُهُ: إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ؛ كَالخَلْقِ، وَالمُلْكِ، وَالتَّدْبِيرِ.

   * حَدُّهُ: أَنْ يَعْتَقِدَ العَبْدُ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إِلَّا اللهُ، وَلَا رَازِقَ إِلَّا اللهُ، وَلَا مُدَبِّرَ لِلأَمْرِ إِلَّا اللهُ [2].

 * الإِيمَانُ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ:

   * تَعْرِيفُهُ: إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِ العِبَادِ الَّتِي شَرَعَهَا.

   * حَدُّهُ: أَنْ لَا يُصْرَفَ أَيُّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَةِ (كَالدُّعَاءِ، وَالذَّبْحِ، وَالنَّذْرِ) إِلَّا لِلَّهِ وَحْدَهُ [3].

 * الإِيمَانُ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:

   * تَعْرِيفُهُ: إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ، وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ، وَلَا تَمْثِيلٍ.

   * حَدُّهُ: الإِيمَانُ بِأَنَّ لِلَّهِ أَسْمَاءً حُسْنَى وَصِفَاتٍ عُلْيَا تَلِيقُ بِجَلَالِهِ، مَعَ نَفْيِ المُشَابَهَةِ لِلْمَخْلُوقِينَ [4].

تَقْسِيمُ التَّوْحِيدِ (اصْطِلَاحِيٌّ أَمْ تَوْقِيفِيٌّ؟):

 * التَّقْسِيمُ الثُّلَاثِيُّ: (رُبُوبِيَّة، أُلُوهِيَّة، أَسْمَاء وَصِفَات).

 * التَّقْسِيمُ الثُّنَائِيُّ: (تَوْحِيدُ المَعْرِفَةِ وَالإِثْبَاتِ -وَيَشْمَلُ الرُّبُوبِيَّةَ وَالأَسْمَاءَ-، وَتَوْحِيدُ القَصْدِ وَالطَّلَبِ -وَيُوهِمُ الأُلُوهِيَّةَ-).

 * القَائِلُونَ بِهِ: ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَابْنُ بَطَّةَ، وَابْنُ مَنْدَهْ (قَبْلَ ابْنِ تَيْمِيَّةَ)، ثُمَّ قَرَّرَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ القَيِّمِ بِاسْتِفَاضَةٍ.

 * حُكْمُهُ: هُوَ تَقْسِيمٌ "اصْطِلَاحِيٌّ اسْتِقْرَائِيٌّ"؛ أَيْ أَنَّ العُلَمَاءَ اسْتَقْرَؤُوا نُصُوصَ الوَحْيِ فَوَجَدُوهَا لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الأَنْوَاعِ، فَلَيْسَ هُوَ بِتَوْقِيفِيٍّ فِي لَفْظِهِ، لَكِنَّهُ تَوْقِيفِيٌّ فِي مَعْنَاهُ [5].

ثَانِيًا: مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ (النُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ)

 * الفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ:

   * النَّبِيُّ: هُوَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ لِيَعْمَلَ بِهِ وَيُبَلِّغَهُ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ بِشَرْعٍ قَبْلَهُ (كَأَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ).

   * الرَّسُولُ: هُوَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ لِقَوْمٍ مُخَالِفِينَ.

 * مُتَطَلَّبَاتُ دَعْوَتِهِمْ: بَدَأَ جَمِيعُ الرُّسُلِ دَعْوَتَهُمْ بِـ "التَّوْحِيدِ"؛ ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾. وَمِنْ مُتَطَلَّبَاتِ الرِّسَالَةِ: الصِّدْقُ، الأَمَانَةُ، وَالبَلَاغُ [6].

ثَالِثًا: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ

 * تَعْرِيفُ الإِسْلَامِ: هُوَ الِاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالِانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

 * خَصَائِصُ الدِّينِ: الشُّمُولُ، الوُضُوحُ، الصَّلَاحِيَّةُ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَقِيَامُهُ عَلَى العَدْلِ وَالرَّحْمَةِ.

 * أَرْكَانُهُ: (الإِسْلَامُ، الإِيمَانُ، الإِحْسَانُ) كَمَا فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ. المَقْصُودُ مِنْ إِيرَادِهَا هُنَا هُوَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَصِحُّ إِيمَانُهُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ هَذِهِ المَرَاتِبِ وَتَحْقِيقِهَا [7].

رَابِعًا: المَسَالِكُ (اللَّغَوِيُّ، التَّرْبَوِيُّ، العَمَلِيُّ، العَقَائِدِيُّ)

 * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: غَرْسُ تَعْظِيمِ اللهِ فِي قَلْبِ المُتَعَلِّمِ قَبْلَ سَرْدِ الأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ العِلْمَ بِالمَعْبُودِ يُسَهِّلُ العَمَلَ بِالأَمْرِ.

 * المَسْلَكُ العَمَلِيُّ: تَحْوِيلُ هَذِهِ المَعَارِفِ إِلَى سُلُوكٍ؛ فَمَعْرِفَةُ الرَّبِّ تُثْمِرُ التَّوَكُّلَ، وَمَعْرِفَةُ النَّبِيِّ تُثْمِرُ الِاتِّبَاعَ.

 * المَسْلَكُ العَقَائِدِيُّ: بِنَاءُ جِدَارٍ صَلِبٍ مِنَ اليَقِينِ يَمْنَعُ دُخُولَ الشُّبُهَاتِ وَالأَهْوَاءِ [8].

خَامِسًا: قَضِيَّةُ الأَدِلَّةِ وَالتَّقْلِيدِ (تَحْقِيقٌ عَمِيقٌ)

 * بِالأَدِلَّةِ وَالإِجْمَاعِ: الأَدِلَّةُ هِيَ الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا الإِجْمَاعُ القَطْعِيُّ لِأَنَّهُ مَسْنُودٌ إِلَيْهِمَا.

 * الفَرْقُ بَيْنَ المُقَلِّدِ وَالمُسْتَدِلِّ: المُقَلِّدُ قَوْلُهُ "قَالَ فُلَانٌ"، وَالمُسْتَدِلُّ قَوْلُهُ "قَالَ اللهُ".

 * التَّقْلِيدُ فِي العَقِيدَةِ وَالعُذْرُ بِالجَهْلِ:

   * التَّقْلِيدُ فِي العَقِيدَةِ: اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَمَاءُ؛ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَكْفِي العَامِيَّ "الجَزْمُ بِالحَقِّ" وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْ تَفَاصِيلَ الدَّلِيلِ المَنْطِقِيِّ، لَكِنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِي تَرْكِ تَعَلُّمِ "مَا لَا يَسَعُهُ جَهْلُهُ".

   * العُذْرُ بِالجَهْلِ:

١- يُعْذَرُ المَرْءُ بِجَهْلِهِ فِيمَا يَخْفَى مِنَ المَسَائِلِ

٢- أَوْ إِذَا كَانَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ

٣- أَوْ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَمَّا المَسَائِلُ الظَّاهِرَةُ فِي دِيَارِ الإِسْلَامِ فَلَا عُذْرَ فِي تَرْكِ أَصْلِ العِلْمِ بِهَا مَعَ التَّمَكُّنِ [9].

سَادِسًا: المَنْهَجُ السَّلَفِيُّ مُقَابِلَ أَهْلِ البِدَعِ

 * مَنْهَجُ السَّلَفِ: الِاسْتِدْلَالُ ثُمَّ الِاعْتِقَادُ (أَيْ: يَنْظُرُ فِي الدَّلِيلِ أَوَّلًا فَيَنْقَادُ لَهُ).

 * مَنْهَجُ الخَلَفِ وَأَهْلِ البِدَعِ: الِاعْتِقَادُ ثُمَّ الِاسْتِدْلَالُ

 (أَيْ: يَعْتَقِدُ رَأْيًا ثُمَّ يَبْحَثُ عَنْ شَوَاهِدَ تُؤَيِّدُهُ، فَيُحَرِّفُ النُّصُوصَ) [10].

&&&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (العَزْوُ)

[1] شَرْحُ القَوَاعِدِ المُثْلَى، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 18.

[2] رِسَالَةُ تَدْمُرِيَّةُ، ابْنُ تَيْمِيَّةَ، ص 45.

[3] المَدَارِجُ، ابْنُ القَيِّمِ، المجلد 1، ص 88.

[4] فَتْحُ المَجِيدِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، ص 112.

[5] مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، المجلد 13، ص 220.

[6] شَرْحُ العَقِيدَةِ الطَّحَاوِيَّةِ، ابْنُ أَبِي العِزِّ، ص 310.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 29.

[8] حَاشِيَةُ ابْنِ قَاسِمٍ عَلَى الأُصُولِ، ص 18.

[9] مَجْمُوعُ رَسَائِلِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 3، ص 280.

[10] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 33

&&&&&&&&&&&&

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: العَمَلُ بِهِ

​العَمَلُ لُغَةً: هُوَ كُلُّ فِعْلٍ يَصْدُرُ عَنْ حَيٍّ بِقَصْدٍ، 

1_وَيَشْمَلُ عَمَلَ القَلْبِ (كَمَا فِي النِّيَّةِ وَالخَوْفِ)

2_ وَعَمَلَ اللِّسَانِ (كَمَا فِي الذِّكْرِ)

3_ وَعَمَلَ الجَوَارِحِ (كَمَا فِي الصَّلَاةِ) [1].

 التَّحْقِيقُ فِي (بِهِ): الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى "العِلْمِ" المَذْكُورِ فِي المَسْأَلَةِ الأُولَى.

 وَالبَاءُ هُنَا لِلْمُصَاحَبَةِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ؛ أَيْ أَنْ يَكُونَ عَمَلُكَ مُصَاحِبًا لِعِلْمِكَ وَمُسْتَنِدًا إِلَيْهِ [1].

ثَانِيًا: الرَّبْطُ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ

 * العِلْمُ شَجَرَةٌ وَالعَمَلُ ثَمَرَةٌ: رَبَطَ المُصَنِّفُ بَيْنَهُمَا رَبْطَ تَلَازُمٍ؛ فَلَا يَنْفَعُ عِلْمٌ بِلَا عَمَلٍ، وَلَا يَصِحُّ عَمَلٌ بِلَا عِلْمٍ.

 * ثَمَرَةُ العِلْمِ: إِنَّمَا يُطْلَبُ العِلْمُ لِيُعْمَلَ بِهِ، وَالعِلْمُ إِمَامُ العَمَلِ وَقَائِدُهُ. 

فَإِذَا عَرَفَ العَبْدُ رَبَّهُ وَنَبِيَّهُ وَدِينَهُ (بالعِلْم)، لَزِمَهُ الِانْقِيَادُ لِأَوَامِرِهِمْ وَاجْتِنَابُ نَوَاهِيهِمْ (العَمَل) [2].

 * خُطُورَةُ الِانْفِكَاكِ: مَنْ عَلِمَ وَلَمْ يَعْمَلْ فَقَدْ شَابَهَ المَغْضُوبَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ عَمِلَ بِلَا عِلْمٍ فَقَدْ شَابَهَ الضَّالِّينَ.

ثَالِثًا: الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى العَمَلِ

1. مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ:

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 105].

   * التَّحْقِيقُ: الأَمْرُ هُنَا لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ يَشْمَلُ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ بِإِخْلَاصِ العَمَلِ لِأَنَّهُ مَعْرُوضٌ عَلَى اللهِ [3].

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72].

   * التَّحْقِيقُ: البَاءُ هُنَا "بَاءُ السَّبَبِيَّةِ"؛ أَيْ أَنَّ العَمَلَ الصَّالِحَ سَبَبٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، مَعَ الإِيمَانِ بِأَنَّ الدُّخُولَ مَحْضُ فَضْلٍ مِنَ اللهِ [4].

2. مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ فِيهِ...» [5].

   * التَّحْقِيقُ: أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ (2417) وَقَالَ: (حَسَنٌ صَحِيحٌ). وَفِيهِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ العَبْدَ مَسْؤُولٌ عَنْ تَطْبِيقِ مَا عَلِمَ.

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ... فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ، أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَى عَنِ المُنْكَرِ وَآتِيهِ» [6].

   * التَّحْقِيقُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَشَدُّ وَعِيدٍ لِمَنْ تَرَكَ العَمَلَ بِعِلْمِهِ.

رَابِعًا: شُرُوطُ قَبُولِ العَمَلِ الصَّالِحِ 

لَا يُسَمَّى العَمَلُ "صَالِحًا" مَقْبُولًا عِنْدَ اللهِ إِلَّا بِتَوَفُّرِ شَرْطَيْنِ:1_ الإخلاص   2_ والمتابعة 

 * الإِخْلَاصُ لِلَّهِ: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ خَالِصًا لِوَجْهِ اللهِ تَعَالَى، لَا رِيَاءَ فِيهِ وَلَا سُمْعَةَ،و الدَلِيلُ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.

  • لغةً: مأخوذة من "خَلَصَ"، أي صفا وزال عنه الشوائب ، يقال: "خلص الشيء" إذا صار صافياً.

  • أولاً: مفردة الإخلاص

     1. التدقيق اللغوي: أصلها من خَلَصَ، وهو صَفاء الشيء من الشوائب المختلطة به، ويقال خلص الشيء إذا نقي وتميز عن غيره.

     2. الحد الجامع المانع: هو تصفية العمل من كل شائبة، أو إفراد الله عز وجل بالقصد في الطاعة.

     3. هيئة الإخلاص: هي استواء عمل العبد في الظاهر والباطن، بحيث لا يطلب على عمله شاهداً إلا الله، ولا مجازياً سواه.

     ثانياً: مفردة الرياء

     1.التدقيق اللغوي:مشتق من الرؤية، واستعمله العرب في إظهار المرء خلاف ما يبتن من الصلاح ليراه الناس فيحمدوه.

     2. الحد الجامع المانع: هو إظهار العبادة بقصد رؤية الخلق لها لطلب المنزلة والحمد عندهم.

     3. أقسام الناس في الرياء:

       * المرائي ببدنه (كإظهار التعب من كثرة العبادة).

       * المرائي بهيئته (كلبس ثياب معينة لإظهار الزهد).

       * المرائي بقوله (كالمبالغة في الوعظ لبيان العلم).

       * المرائي بعمله (كتطويل الصلاة عند رؤية الناس).

     4. صور الرياء:

       * الرياء المحض (الذي لا يقصد به وجه الله أصلاً).

       * الرياء المشترك (الذي يقصد به الله والناس معاً).

     5. صور حال العمل مع الرياء:

       * الرياء في أصل العبادة (بطلان العمل من بدايته).

       * الرياء الطارئ (خاطر يطرأ أثناء العمل؛ فإن دُفع صح العمل، وإن استرسل معه العبد أحبط الثواب).

       * الرياء في وصف العبادة (كتحسين الركوع والسجود لأجل الناس فقط).

    ثالثاً: حكم الرياء (متى يكون كفراً)

     1.كفر أكبر مخرج من الملة: إذا كان الرياء في أصل الإيمان (كحال المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر)، أو إذا كان المحرك لكل الأعمال هو الرياء المحض ولا يرجو الله أبداً.

     2.كفر أصغر (شرك أصغر): إذا كان أصل الإيمان صحيحاً وأصل العبادة لله، ولكن دخل الرياء في تحسينها أو في بعض أجزائها، وهو محبط للعمل الذي خالطه ولكنه لا يخرج صاحبه من الإسلام.

 * المُتَابَعَةُ لِلرَّسُولِ ﷺ: أَنْ يَكُونَ العَمَلُ مُوَافِقًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ وَسُنَّتِهِ، دَلِيلُهُ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [7].

خَامِسًا: المُرَادُ بِالعَمَلِ (هَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ أم لا ؟)

المُرَادُ بِالعَمَلِ هُنَا لَيْسَ مُطْلَقَ العَمَلِ الدُّنْيَوِيِّ، بَلْ هُوَ (الْعَمَلُ الشَّرْعِيُّ المَبْنِيُّ عَلَى المَسَائِلِ الثَّلَاثِ)؛ وَهُوَ:

 * تَوْحِيدُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ بِمَا شَرَعَ.

 * طَاعَةُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا أَمَرَ.

 * الِالْتِزَامُ بِأَرْكَانِ الإِسْلَامِ وَشَرَائِعِهِ.

   فَهُوَ عَمَلٌ مَخْصُوصٌ بِالدِّينِ لِتَحْقِيقِ النَّجَاةِ [8].

سَادِسًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

1. الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين -رَحِمَهُ اللهُ-:

أَكَّدَ أَنَّ العَمَلَ بِمُقْتَضَى العِلْمِ يَشْمَلُ اعْتِقَادَاتِ القُلُوبِ وَأَعْمَالَ الجَوَارِحِ. وَبَيَّنَ أَنَّ العِلْمَ بِلَا عَمَلٍ كَشَجَرَةٍ بِلَا ثَمَرٍ، بَلْ هُوَ حُجَّةٌ عَلَى صَاحِبِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ [9].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ -حَفِظَهُ اللهُ-:

أَوْضَحَ أَنَّ المُصَنِّفَ قَرَنَ العَمَلَ بِالعِلْمِ لِيُنَبِّهَ إِلَى أَنَّ مَقْصُودَ العِلْمِ هُوَ التَّعَبُّدُ. وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ العَمَلَ قَدْ يَكُونُ وَاجِبًا فَيَأْثَمُ تَارِكُهُ، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًّا فَيَفُوتُهُ الفَضْلُ [10].

3. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:

يَرَى أَنَّ العِلْمَ الحَقِيقِيَّ هُوَ مَا أَوْرَثَ الخَشْيَةَ وَالعَمَلَ، وَأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالعِلْمِ مَعَ تَرْكِ العَمَلِ غُرُورٌ كَبِيرٌ. وَأَكَّدَ أَنَّ تَحْقِيقَ الإِخْلَاصِ وَالمُتَابَعَةِ هُوَ جَوْهَرُ قَوْلِ المُصَنِّفِ (العَمَلُ بِهِ) [11].

&&&&&&&&&&&&&&&&&

[1] لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 11، ص 476.

[2] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين، ص 26.

[3] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 4، ص 212.

[4] فَتْحُ القَدِيرِ، الشَّوْكَانِيُّ، المجلد 4، ص 605.

[5] سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ، المجلد 4، ص 612، رقم (2417).

[6] صَحِيحُ البُخَارِيِّ، رقم (3267)، وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ، رقم (2989).

[7] صَحِيحُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-، رقم (1718).

[8] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص 12.

[9] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 27.

[10] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 34.

[11] آثَارُ الشَّيْخِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيِّ، المجلد 2، ص 195.

&&&&&&&&&&&&&&&

المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَى اللهِ

أَوَّلًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالمَفْهُومُ الشَّرْعِيُّ

 * الدَّعْوَةُ لُغَةً: هِيَ الطَّلَبُ وَالنِّدَاءُ، وَيُقَالُ: دَعَا الرَّجُلُ غَيْرَهُ أَيْ نَادَاهُ وَحَثَّهُ عَلَى القَصْدِ إِلَيْهِ.

 * المَفْهُومُ الشَّرْعِيُّ: هِيَ دَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى الإِيمَانِ بِاللهِ، وَتَوْحِيدِهِ، وَطَاعَتِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَتَرْغِيبُهُمْ فِيمَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الثَّوَابِ، وَتَرْهِيبُهُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ وَعِقَابِهِ.

 * الرَّابِطُ بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ: الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (إِلَيْهِ) يَعُودُ إِلَى "العِلْمِ" الَّذِي عَمِلَ بِهِ العَبْدُ؛ فَالدَّعْوَةُ هِيَ الزَّكَاةُ الوَاجِبَةُ عَلَى العَالِمِ العَامِلِ [1].

ثَانِيًا: بِمَاذَا تَبْدَأُ الدَّعْوَةُ؟ (حَدِيثُ مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-)

تَبْدَأُ الدَّعْوَةُ بِـ "التَّوْحِيدِ" قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ أَصْلُ الأُصُولِ.

نَصُّ الحَدِيثِ:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ -وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللهَ- فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ...» [2].

تَخْرِيجُ الحَدِيثِ:

أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ (1458)، وَمُسْلِمٌ (19).

الإِشَارَاتُ وَالْفَوَائِدُ العَقَدِيَّةُ مِنَ الحَدِيثِ:

 * أَهَمِّيَّةُ التَّوْحِيدِ: أَنَّ التَّوْحِيدَ هُوَ مِفْتَاحُ الإِسْلَامِ، وَلَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ وَلَا زَكَاةٌ قَبْلَ تَحْقِيقِهِ.

 * التَّدَرُّجُ فِي التَّشْرِيعِ: الدَّعْوَةُ تَقُومُ عَلَى الأَهَمِّ ثُمَّ المُهِمِّ؛ فَالاعْتِقَادُ أَوَّلًا، ثُمَّ العِبَادَاتُ البَدَنِيَّةُ، ثُمَّ المَالِيَّةُ.

 * مَعْرِفَةُ حَالِ المَدْعُوِّ: قَوْلُهُ (إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى ضَرُورَةِ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي عَالِمًا بِشُبُهَاتِ مَنْ يَدْعُوهُمْ لِيُحْسِنَ مُحَاجَّتَهُمْ [3].

ثَالِثًا: مَرَاتِبُ الدَّعْوَةِ وَصِفَاتُ الدَّاعِي

1. مَرَاتِبُ الدَّعْوَةِ:

 * الدَّعْوَةُ بِالحِكْمَةِ (لِلْمُسْتَجِيبِ).

 * المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ (لِلْغَافِلِ أَوْ مَنْ عِنْدَهُ نَوْعُ إِعْرَاضٍ).

 * المُجَادَلَةُ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (لِلْمُعَانِدِ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الحَقِّ) [4].

2. صِفَاتُ الدَّاعِي إِلَى اللهِ:

 * العِلْمُ: أَنْ يَدْعُوَ عَلَى بَصِيرَةٍ.

 * الرِّفْقُ: أَنْ يَكُونَ لَيِّنَ الجَانِبِ مُتَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ ﷺ.

 * الصَّبْرُ: لِأَنَّ طَرِيقَ الدَّعْوَةِ مَحْفُوفٌ بِالمَكَارِهِ.

 * الإِخْلَاصُ: أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ وَجْهَ اللهِ، لَا الجَاهَ وَلَا المَالَ [5].

رَابِعًا: هَلْ يُشْتَرَطُ التَّمَامُ فِي التَّطْبِيقِ قَبْلَ الدَّعْوَةِ؟

القَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ تَقُولُ: «يَجِبُ عَلَى العَبْدِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى اللهِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ قُصُورٌ فِي نَفْسِهِ».

 * لِأَنَّ تَرْكَ الدَّعْوَةِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى؛ فَمَنْ فَعَلَ المَعْصِيَةَ فَقَدْ عَصَى فِي جَانِبٍ، فَإِذَا تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى فِي جَانِبٍ آخَرَ.

 * وَلَكِنَّ الأَكْمَلَ وَالأَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ قُدْوَةً؛ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، فَيَقِلَّ أَثَرُ دَعْوَتِهِ. فَالذُّنُوبُ لَا تُسْقِطُ فَرِيضَةَ الدَّعْوَةِ وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ، بَلْ هِيَ دَافِعٌ لَهُ لِلتَّوْبَةِ وَالإِصْلَاحِ [6].

خَامِسًا: الأَدِلَّةُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى الدَّعْوَةِ

1. مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ:

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108].

   * التَّفْسِيرُ: البَصِيرَةُ هِيَ العِلْمُ اليَقِينِيُّ. وَفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّعْوَةَ هِيَ طَرِيقُ النَّبِيِّ ﷺ وَطَرِيقُ أَتْبَاعِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ [7].

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [فصلت: 33].

   * التَّفْسِيرُ: الِاسْتِفْهَامُ لِلنَّفْيِ؛ أَيْ لَا أَحَدَ أَحْسَنُ قَوْلًا مِنَ الدَّاعِي. وَقَرَنَ اللهُ بَيْنَ الدَّعْوَةِ وَالعَمَلِ لِيُبَيِّنَ مَقَامَ الكَمَالِ [8].

2. مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

 * الدَّلِيلُ الأَوَّلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا، خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ» [9].

   * تَحْقِيقُهُ: مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (البخاري: 3701، مسلم: 2406). وَهُوَ أَعْظَمُ تَرْغِيبٍ فِي بَذْلِ الدَّعْوَةِ لِلْخَلْقِ.

 * الدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» [10].

   * تَحْقِيقُهُ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ (3461). وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فَقَدْ صَارَ أَهْلًا لِلْبَلَاغِ فِيهَا، مِمَّا يَنْفِي حُجَّةَ المُتَقَاعِسِينَ.

سَادِسًا: أَقْوَالُ المُحَقِّقِينَ وَالمُدَقِّقِينَ

 * الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين: أَكَّدَ أَنَّ الدَّعْوَةَ تَكُونُ بِالقَوْلِ وَبِالفِعْلِ (بِالقُدْوَةِ)، وَأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي الجُمْلَةِ، وَقَدْ تَكُونُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَى مَنْ رَأَى مَنْكَرًا لَا يُزِيلُهُ إِلَّا هُوَ مَعَ القُدْرَةِ [11].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى "العِلْمِ" هِيَ حِفْظٌ لِلْمِلَّةِ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ تَرَكَ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ المَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ العَصْرِ (وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ) [12].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى المُعَلِّمِيُّ: أَشَارَ إِلَى أَنَّ الدَّاعِيَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ "مُجْتَهِدًا فِي إِصْلَاحِ نَفْسِهِ"، لَكِنْ لَا يَنْتَظِرُ التَّقْوَى الكَامِلَةَ لِيَدْعُوَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ نَفْسَهَا مِنْ مَقَامَاتِ التَّقْوَى الَّتِي تُعِينُ عَلَى تَرْكِ الذُّنُوبِ [13].

&&&&&&&&&&&

[1] حَاشِيَةُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ قَاسِمٍ، ص 14.

[2] صَحِيحُ البُخَارِيُّ، المجلد 2، ص 121.

[3] فَتْحُ البَارِي بِشَرْحِ صَحِيحِ البُخَارِيِّ، ابْنُ حَجَرٍ، المجلد 3، ص 357.

[4] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 37.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 29.

[6] التَّعْلِيقَاتُ البَازِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ص 19.

[7] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 4، ص 422.

[8] أَيْسَرُ التَّفَاسِيرِ، أَبُو بَكْرٍ الجَزَائِرِيُّ، المجلد 4، ص 580.

[9] صَحِيحُ البُخَارِيُّ، رقم (3701).

[10] صَحِيحُ البُخَارِيُّ، رقم (3461).

[11] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 31.

[12] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 40.

[13] مَجْمُوعُ رَسَائِلِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 3، ص 245.

&&&&&&&&&&&&&

المَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ

أَوَّلًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالمَفْهُومُ الشَّرْعِيُّ

 * الصَّبْرُ لُغَةً: الحَبْسُ وَالكَفُّ، وَمِنْهُ "صَبْرُ النَّفْسِ" أَيْ مَنْعُهَا عَنِ الجَزَعِ وَالتَّسَخُّطِ.

 * مَعْنَى (فِيهِ): الضَّمِيرُ يَعُودُ إِلَى مَا سَبَقَ (العِلْمُ، العَمَلُ، الدَّعْوَةُ). فَالصَّبْرُ هُنَا لَيْسَ صَبْرًا مُجَرَّدًا، بَلْ هُوَ صَبْرٌ "فِي سَبِيلِ اللهِ" وَعَلَى مَشَاقِّ طَرِيقِ الحَقِّ [1].

 * الأَذَى: كُلُّ مَا يَنَالُ الدَّاعِيَ مِنَ المَكَارِهِ، سَواءً كَانَ أَذًى حِسِّيًّا (كَالقَوْلِ القَبِيحِ أَوْ الضَّرْبِ) أَوْ مَعْنَوِيًّا (كَالِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ) [2].

ثَانِيًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ (أَنْوَاعُ الصَّبْرِ وَحُكْمُهُ)

 * أَنْوَاعُ الصَّبْرِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ:

   * الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ: وَيَشْمَلُ مَشَقَّةَ طَلَبِ العِلْمِ وَمُجَاهَدَةَ النَّفْسِ عَلَى العَمَلِ.

   * الصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ: كَالصَّبْرِ عَنِ الرِّيَاءِ فِي الدَّعْوَةِ أَوْ مُدَاهَنَةِ أَهْلِ البَاطِلِ.

   * الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ المُؤْلِمَةِ: وَهُوَ الصَّبْرُ عَلَى مَا يُسَلِّطُهُ الخَلْقُ مِنَ الأَذَى [3].

 * الحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلصَّبْرِ:

   * وَاجِبٌ: وَهُوَ الصَّبْرُ المَذْكُورُ هُنَا؛ لِأَنَّ تَرْكَهُ يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ العِلْمِ أَوِ الدَّعْوَةِ، وَهِيَ وَاجِبَاتٌ.

   * مُسْتَحَبٌّ: كَالعَفْوِ عَمَّنْ ظَلَمَ (فِي حَقِّ النَّفْسِ) مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الِانْتِصَافِ [4].

 * مَقَامُ الإِمَامَةِ: بِالصَّبْرِ وَاليَقِينِ تُنَالُ الإِمَامَةُ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [5].

ثَالِثًا: المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالمَسْلَكُ العَمَلِيُّ

 * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تَهْيِئَةُ نَفْسِ المُتَعَلِّمِ لِلِابْتِلَاءِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ مِمَّنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ.

 * المَسْلَكُ العَمَلِيُّ: التَّرْبِيَةُ عَلَى "الثَّبَاتِ"؛ فَمَنْ دَعَا إِلَى اللهِ لَا بُدَّ أَنْ يُؤْذَى، فَإِنْ لَمْ يَصْبِرْ فَقَدْ أَعْطَى الدَّنِيَّةَ فِي دِينِهِ [6].

رَابِعًا: الِاسْتِدْلَالُ الشَّرْعِيُّ (تَفْسِيرٌ وَتَحْقِيقٌ)

1. مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ:

 * الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127].

   * المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (وَاصْبِرْ) أَمْرٌ لِلْوُجُوبِ، (وَمَا.. إِلَّا) أُسْلُوبُ حَصْرٍ يُفِيدُ الِافْتِقَارَ التَّامَّ لِتَوْفِيقِ اللهِ.

   * المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: فِيهِ اسْتِعَانَةُ الصَّابِرِ بِرَبِّهِ (تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ) لِيَقُومَ بِطَاعَتِهِ (تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ).

   * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تَعْلِيمُ الدَّاعِي أَنَّ الصَّبْرَ لَيْسَ بِقُوَّتِهِ الذَّاتِيَّةِ، بَلْ بِمَعُونَةِ اللهِ [7].

2. مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

 * الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» [8].

   * تَحْقِيقُهُ: رَوَاهُ البُخَارِيُّ (1469) وَمُسْلِمٌ (1053).

   * المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (يَتَصَبَّرْ) عَلَى وَزْنِ "يَتَفَعَّلْ" يَدُلُّ عَلَى التَّكَلُّفِ وَالمُجَاهَدَةِ لِنَيْلِ هَذِهِ الخَصْلَةِ.

   * المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: فِيهِ أَنَّ العَطَايَا الإِلَهِيَّةَ مَرْهُونَةٌ بِالسَّعْيِ البَشَرِيِّ فِي الطَّاعَةِ.

   * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحَثُّ عَلَى مُمَارَسَةِ الصَّبْرِ حَتَّى يَصِيرَ سَجِيَّةً [9].

خَامِسًا: شُرُوحُ المُحَقِّقِينَ حَوْلَ قَوْلِ الإِمَامِ (الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ)

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: نَبَّهَ إِلَى أَنَّ كَلِمَةَ "فِيهِ" تَعْنِي أَنَّ الأَذَى سَيَقَعُ حَتْمًا بِسَبَبِ هَذَا الطَّرِيقِ، وَأَنَّ الصَّبْرَ كَالرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ؛ لَا دِينَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ المُصَنِّفَ خَتَمَ بِالصَّبْرِ لِأَنَّهُ مِلَاكُ الأَمْرِ كُلِّهِ، وَبِهِ يَكْمُلُ الإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ (بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ) وَيُكْمِلُ غَيْرَهُ (بِالدَّعْوَةِ) رَغْمَ الصِّعَابِ [11].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُعَلِّمِيُّ: أَشَارَ إِلَى أَنَّ "الأَذَى فِيهِ" هُوَ مِيزَانُ الإِخْلَاصِ؛ فَمَنْ كَانَ يَدْعُو لِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا تَرَكَ الدَّعْوَةَ عِنْدَ أَوَّلِ أَذًى، وَمَنْ كَانَ لِلَّهِ ثَبَتَ [12].

&&&&&&&&&&

[1] لِسَانُ العَرَبِ، ابْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 4، ص 438.

[2] القَامُوسُ المُحِيطُ، الفَيْرُوزُ آبَادِي، ص 1620.

[3] مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، ابْنُ القَيِّمِ، المجلد 2، ص 156.

[4] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 33.

[5] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، ابْنُ كَثِيرٍ، المجلد 6، ص 337.

[6] حَاشِيَةُ ابْنِ قَاسِمٍ، ص 15.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 42.

[8] صَحِيحُ البُخَارِيُّ، المجلد 2، ص 125، رقم (1469).

[9] فَيْضُ القَدِيرِ، المَنَاوِيُّ، المجلد 6، ص 241.

[10] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ابْنُ عُثَيْمِين، ص 35.

[11] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 45.

[12] آثَارُ الشَّيْخِ المُعَلِّمِيِّ، المجلد 2، ص 210.

&-&&&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الِاسْتِدْلَالُ بِسُورَةِ العَصْرِ (الجزء الأول)

أولاً: تَحْقِيقُ القَسَمِ الإِلَهِيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (وَالعَصْرِ)

تصدير السورة بالقسم ليس مجرد أداة لغوية للتأكيد، بل هو حكم شرعي وتأصيل عقدي يجب الوقوف عنده من عدة أوجه:

1. المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ لِمعنى "العَصْر":

العصر في لغة العرب يدور حول "الضغط والدهر". وقد اختلف المفسرون في المراد به هنا على أقوال:

 * القول الأول: هو (الدهر) والزمان كله؛ لما فيه من العبر والآيات في مرور الليل والنهار، وتبدل الأحوال من صحة وسقم، وغنى وفقر.

 * القول الثاني: هو (عصر النهار)؛ وهو آخر النهار، تشريفاً له كما شرف الله (الضحى).

 * القول الثالث: هي (صلاة العصر)؛ لعظم فضلها، وهي الصلاة الوسطى في أرجح الأقوال.

 * التحقيق: الأرجح هو (الدهر)؛ لأن الخسران والربح يقعان في ظرف الزمان، فالزمان هو الوعاء الذي يستوعب أعمال بني آدم، فكأن الله أقسم بالظرف (الزمان) على المظروف (عمل الإنسان) [1].

2. تَحْقِيقُ أَنْوَاعِ القَسَمِ وَأَحْكَامِهِ:

يجب التفريق في البحث العقدي بين قسم الخالق وقسم المخلوق:

 * قَسَمُ الخَالِقِ سُبْحَانَهُ: لله عز وجل أن يقسم بما شاء من خلقه؛ فقد أقسم بالشمس، والقمر، والضحى، والعصر، والليل. والحكمة من قسمه بمخلوقاته هي:

   * بيان عظمة هذا المخلوق وأهميته.

   * لفت الأنظار إلى الآيات الكونية الدالة على ربوبيته.

   * التأكيد على المقسم عليه (جواب القسم).

 * قَسَمُ المَخْلُوقِ (الإنسان): لا يجوز للمخلوق أبداً أن يقسم إلا بالله عز وجل أو بصفة من صفاته. والقسم بغير الله (كالكعبة، أو النبي، أو العصر، أو الأمانة) هو نوع من الشرك الأصغر، وقد يصل للأكبر إذا قام بقلب الحالف من تعظيم المخلوق ما لا يليق إلا بالله.

 * الدليل: قوله ﷺ: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» (رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم) [2].

ثانياً: التحقيق في "المؤكدات الثلاثة" وبلاغة (إِنَّ) و(اللَّام)

جاءت الجملة في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ محفوفة بمؤكدات قوية لرفع أي توهم للنجاة بغير المنهج المذكور:

 * الواو (واو القسم): وهي آكد أدوات القسم اللغوية.

 * إِنَّ (حرف توكيد ونصب): تعمل على تثبيت مضمون الجملة في ذهن السامع وتفيد اليقين.

 * اللام (اللام المزحلقة): في قوله (لَفِي)؛ وهي تسمى لام القسم أو اللام الموطئة للقسم، وفائدتها زيادة الربط والتوكيد بين المخبر عنه (الإنسان) والخبر (الخسر).

الإشارة اللغوية في (فِي خُسْرٍ):

لم يقل الله "الإنسان خاسر"، بل قال (لَفِي خُسْرٍ). وحرف الجر (في) يفيد (الظرفية)؛ والظرف يحيط بالمظروف من كل جانب. وهذا تحقيق تربوي وعقدي مخيف، معناه أن الإنسان مغموس في الخسران، محاط به من فوقه ومن تحته، إلا من استثناهم الله. وكلمة (خُسْر) بالتنكير تدل على عظم هذا الخسران وتنوعه، فهو خسران مطلق لا نجاة منه إلا بالمنهج الرباعي [3].

ثالثاً: مسمى "الإنسان" وقاعدة الاستثناء النحوية

1. المراد بجنس الإنسان:

الألف واللام في (الإنسان) هي (أل) الاستغراقية لجميع أفراد الجنس. وهذا يشمل: الملك، والفقير، والعالم، والجاهل، والذكر، والأنثى. والتحقيق هنا أن الله حكم بالهلاك العام على البشرية جمعاء كقاعدة أصلية، ثم جعل النجاة "استثناءً" [4].

2. قاعدة ما قبل وما بعد (إِلَّا):

من الناحية النحوية والمنطقية:

 * ما قبل الاستثناء: يكون هو (الأصل) وهو (الأكثر)، وهم الخاسرون.

 * ما بعد الاستثناء: يكون هو (الفرع) وهو (الأقل)، وهم الناجون.

   وهذا يوافق المعتقد السلفي في أن "أهل الحق قليل"، وأن الكثرة ليست معياراً للحق، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.

رابعاً: التحقيق في (الَّذِينَ آمَنُوا) وإشاراتها اللغوية والعقدية

كلمة (آمَنُوا) هنا ليست مجرد ادعاء، بل هي فعل ماضٍ يقتضي الثبوت والاستقرار:

 * الإشارة اللغوية: الإيمان في اللغة هو (التصديق) و(الأمان).

 * الإشارة العقدية: الإيمان المنجي من الخسران هو ما توافرت فيه الشروط التي ذكرتها يا أبا أنس (قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان).

 * الارتباط: قدم الله (آمنوا) لأنها الأصل، فلا يقبل عمل صالح ولا تواصٍ بالحق إلا إذا بني على أصل الإيمان والتوحيد [5].

خامساً: التحقيق في (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) و(تَوَاصَوْا)

 * العمل الصالح: الإشارة اللغوية في (الصالحات) هي "الجمع المعرف بـ أل"، وهو يفيد العموم؛ أي عملوا كل ما أمر الله به ورسوله.

 * إشارة (تَوَاصَوْا): كما ذكرتَ يا أبا أنس، هي صيغة تفاعل.

   * معناها اللغوي: الوصية هي العهد بالشيء.

   * معناها المنهجي: أن الحق ثقيل، والدعوة إليه شاقة، فلا يصمد فيها المرء وحده، بل يحتاج إلى "مجتمع مؤمن" يوصي بعضه بعضاً. وهذا يدحض منهج "العزلة" عما فيه نفع المسلمين [6].

&&&&&&&&&&& 

[1] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، المجلد 20، ص 179.

[2] سنن الترمذي، رقم (1535). وانظر: تيسير العزيز الحميد، ص 530.

[3] التحرير والتنوير، الطاهر بن عاشور، المجلد 30، ص 530.

[4] فتح القدير، الشوكاني، المجلد 5، ص 604.

[5] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 150.

[6] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 8، ص 478.

&&&&&&&&&&&&&&

الملحق الثاني:حول تفسير سورة العصر 

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّالِثِ (الجزء الثاني): التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ لِلإِيمَانِ وَتَفْنِيدُ مَقَالَاتِ الفِرَقِ

أولاً: التَّحْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِكَلِمَةِ "الإِيمَان"

قبل الدخول في النزاع، لا بد من تحرير المصطلح الذي وقع فيه الخلاف:

 * التحقيق اللغوي:

   * ذهب كثير من اللغويين إلى أن الإيمان هو (التصديق). ولكن المحققين من أهل العلم -كابن تيمية- حرروا أن الإيمان في اللغة ليس مرادفاً للتصديق من كل وجه؛ فالتصديق يقال لكل خبر، أما الإيمان فلا يقال إلا لخبر يؤتمن فيه المخبر.

   * الإيمان مشتق من (الأمن)، وهو طمأنينة القلب، ويتضمن الإقرار والالتزام، وليس مجرد المعرفة الذهنية. فاللغة تقتضي أن الإيمان "إقرار" يتبعه "أمان" وانقياد [1].

 * التحقيق العقدي (عند أهل السنة والجماعة):

   * الإيمان عندهم هو: "قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان؛ يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بطاعة الشيطان".

   * هذا التعريف ليس مجرد ألفاظ، بل هو (حقيقة مركبة)؛ فمن أخرج العمل من مسمى الإيمان فقد خالف صريح القرآن وسنة النبي ﷺ وإجماع الصحابة [2].

ثانياً: التَّفْسِيرُ العَقَدِيُّ لِلإِيمَانِ فِي سُورَةِ العَصْرِ

إن إيراد الله عز وجل لقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ هو أعظم دليل على أن الإيمان لا يصح بدون العمل:

 * وجه الدلالة: عطفُ (عملوا الصالحات) على (آمنوا) هو من باب عطف الخاص على العام، أو عطف "لازم الإيمان" على "أصله"؛ ليبين الله أن النجاة من الخسران لا تحصل بمجرد دعوى الإيمان في القلب، بل لا بد من ترجمة هذا الإيمان إلى عمل صالح يصدقه.

 * الارتباط الوجودي: الإيمان هو الأصل المحرك، والعمل هو الثمرة الظاهرة. فإذا انتفى العمل (جنس العمل) بالكلية، دل ذلك على انتفاء الإيمان من القلب؛ إذ لا يتصور قلب ممتلئ بحب الله وخشيته (إيمان) ثم لا تتحرك جوارحه بالسجود أو الطاعة [3].

ثالثاً: تَفْنِيدُ مَقَالَاتِ الفِرَقِ الضَّالَّةِ فِي الإِيمَانِ

سلكت الفرق الضالة مسالك شتى بعيداً عن الاستدلال بالوحيين، وقدموا العقل أو الهوى، وإليك تفصيلهم:

1. الـمُرْجِئَةُ (الجهمية وفقهاء المرجئة) [أ]

 * مسلكهم في الإيمان: سلكوا مسلك "الفصل"؛ فجعلوا الإيمان في القلب وحده (المعرفة عند الجهمية، أو التصديق عند الماتريدية)، أو القول والقلب دون العمل (مرجئة الفقهاء).

 * سبب الضلال: غلوهم في نصوص الوعد (التي تعد الجنة لمن قال لا إله إلا الله) وإغفالهم لنصوص الوعيد، وظنهم أن الإيمان كتلة واحدة لا تتبعض، فإذا وجد أصله وجد كماله، فلا يضر مع الإيمان ذنب عندهم [4].

2. الـخَوَارِجُ [ب]

 * مسلكهم في الإيمان: سلكوا مسلك "التلازم الكلي"؛ فجعلوا الإيمان والعمل كتلة واحدة صلبة لا تتجزأ. فمن ترك عملاً واجباً أو ارتكب كبيرة، فقد ذهب إيمانه كله.

 * سبب الضلال: غلوهم في نصوص الوعيد، وأخذهم بظواهر النصوص دون ردها إلى المحكم، فكفروا بالذنوب واستحلوا الدماء [5].

3. الـمُعْتَزِلَةُ [ج]

 * مسلكهم في الإيمان: سلكوا مسلكاً قريباً من الخوارج في النتيجة، لكن بلفظ مختلف؛ فقالوا بـ (المنزلة بين المنزلتين). فالفاسق عندهم ليس مؤمناً ولا كافراً في الدنيا، لكنه خالد مخلد في النار في الآخرة.

 * سبب الضلال: تقديم "العقل" على النقل، والقول بوجوب إنفاذ الوعيد على الله عز وجل عَقلاً [6].

4. الأَشَاعِرَةُ [د]

 * مسلكهم في الإيمان: سلكوا مسلك "التصديق القلبي"؛ فتبعوا الجهمية في أن الإيمان هو (تصديق القلب) فقط. أما العمل فهو عندهم "ثمرة" للإيمان وليس جزءاً من ماهيته.

 * سبب الضلال: تأثرهم بالمنطق اليوناني في تعريفات الحقائق، وحصرهم للإيمان في "العلم والتصديق" الذهني، مما جعلهم يقتربون من قول المرجئة في مسألة العمل [7].

رابعاً: مَسْأَلَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الإِيمَانِ (أَنَا مُؤْمِنٌ إِنْ شَاءَ الله)

هذه المسألة من أدق مسائل العقيدة، وقد أسهب العلماء في تحقيقها:

 * حكم الاستثناء:

   * أهل السنة والجماعة: يوجبون الاستثناء أو يجيزونه، فيقول أحدهم: "أنا مؤمن إن شاء الله".

 * أسباب الاستثناء عندهم:

   * خوف التزكية: أن يقول الإنسان عن نفسه إنه مؤمن (بمعنى كامل الإيمان والتقوى) فيزكي نفسه، والله يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.

   * الشك في العاقبة (الموافاة): أن الإنسان لا يدري على ماذا يموت، فيستثني رجاء الثبات عند الموت.

   * عدم القطع بالقيام بكل حقوق الإيمان: فالإيمان يشمل فعل المأمورات وترك المنهيات، ولا أحد يقطع بأنه فعل كل ذلك [8].

 * من منع الاستثناء:

   * المرجئة: منعوا الاستثناء وسَمَّوا أهل السنة "الشكاكة"؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، والإنسان لا يشك في تصديق نفسه. وهذا نابع من ظنهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص [9].


[أ] المرجئة: نشأت في أواخر عصر الصحابة نتيجة الفتن السياسية، ثم تطورت على يد (جهم بن صفوان) في "الإرجاء الجهمي" الذي حصر الإيمان في المعرفة. وسموا مرجئة لأنهم (أرجأوا) العمل أي أخروه عن مسمى الإيمان. (انظر: "مقالات الإسلاميين"، الأشعري، المجلد 1، ص 132-140).

[ب] الخوارج: أول فرقة مارقة في الإسلام، خرجوا على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- في واقعة صفين، وأصل ضلالهم هو التكفير بالكبيرة. (انظر: "الملل والنحل"، الشهرستاني، المجلد 1، ص 114).

[ج] المعتزلة: نشأت على يد واصل بن عطاء (ت 131هـ) حين اعتزل مجلس الحسن البصري في مسألة مرتكب الكبيرة. وبنوا مذهبهم على الأصول الخمسة (التوحيد، العدل، المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، الأمر بالمعروف). (انظر: "الانتصار"، الخياط المعتزلي، ص 12).

[د] الأشاعرة: تنسب لأبي الحسن الأشعري (ت 324هـ) في مرحلته التي حاول فيها التوسط بين المعتزلة وأهل الحديث، لكنهم في باب الإيمان مالوا لقول المرجئة بحصر الإيمان في التصديق. (انظر: "الإبانة"، الأشعري، ص 20).

________________________________________________________

[1] الإيمان، ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ص 160-165.

[2] شرح أصول اعتقاد أهل السنة، اللالكائي، المجلد 5، ص 830.

[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 8، ص 478.

[4] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 195.

[5] الفصَل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم، المجلد 3، ص 114.

[6] شرح الأصول الخمسة، القاضي عبد الجبار المعتزلي، ص 702.

[7] مقالات الإسلاميين، الأشعري، المجلد 1، ص 212.

[8] شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، المجلد 2، ص 460-465.

[9] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، المجلد 1، ص 240.

&&&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: تَحْقِيقُ مَقُولَةِ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ فِي سُورَةِ العَصْرِ

أولًا: نَصُّ المَقُولَةِ وَتَحْقِيقُ مَصَادِرِهَا الأَصْلِيَّةِ

أورد الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في رسالته "ثلاثة الأصول" قول الشافعي بلفظه: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إِلَّا هَذِهِ السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ».

التحقيق الأكاديمي للمصادر:

عند تتبع هذا النص في كتب المتقدمين والمحققين، نجد أن الإمام المجدد نقله بالمعنى والمبنى المشهور عند أهل العلم، وأصله يرجع إلى ما ذكره الأئمة في كتب التفسير والطبقات:

 * تفسير ابن كثير (ت 774هـ): ذكر الإمام ابن كثير في تفسير سورة العصر (المجلد 8، صفحة 478) النص بلفظ: «لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم».

 * مدارج السالكين لابن القيم (ت 751هـ): أورد ابن القيم في المجلد الأول (صفحة 16) ما نصه: «قال الشافعي رحمه الله: لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم».

 * حلية الأولياء لأبي نعيم (ت 430هـ): أورد آثراً بمعناه في ترجمة الشافعي يفيد تعظيمه لهذه السورة.

الخلاصة في اللفظ: اللفظ الذي ذكره الإمام المجدد (لو ما أنزل الله حجة...) هو اللفظ الذي اشتهر عند متأخري المحققين كصاحب "فتح المجيد" والشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو تلخيص جامع لروايتي (التدبر) و(التفكير) الواردة في الكتب المسندة [1].

ثانيًا: الإِشَارَاتُ اللُّغَوِيَّةُ لِمَقُولَةِ الشَّافِعِيِّ

 * الاستدلال بـ (لو): حرف امتناع لامتناع، وهنا استعملها الشافعي في سياق "الفرض الذهني" لبيان كمال السورة؛ أي لو انقطع الوحي عند هذه السورة ولم ينزل غيرها، لكانت كافية في إقامة الحجة.

 * لفظ (حجة): الحجة في اللغة هي البرهان والدليل الواضح. وتنكيرها هنا (حجةً) يفيد الشمول؛ أي كافية كحجة عقدية، وعملية، ومنهجية.

 * تعدية الفعل (كفتهم): الكفاية تقتضي بلوغ الغاية من الشيء بحيث لا يحتاج معه إلى غيره في بابه. والمراد هنا الكفاية في "أصول المنهج" و"طريق النجاة" [2].

ثالثًا: مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذَا النَّصِّ مِنْ العُلَمَاءِ وَشَرَحَهُ

تتابع العلماء على الاستشهاد بهذا النص في سياق وجوب العلم والعمل:

 * الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين": شرحه بأن مراتب الكمال الإنساني أربعة (معرفة الحق، والعمل به، والدعوة إليه، والصبر عليه)، وكلها في سورة العصر؛ فكلام الشافعي حق لأنها اشتملت على مراتب الكمال [3].

 * الشيخ عبد الرحمن بن حسن في "فتح المجيد": استدل به لبيان أن قيام الحجة على الخلق يحصل بوضوح القرآن وإحكامه.

 * الشيخ ابن عثيمين في "شرح الأصول": أوضح أن "الكفاية" هنا كفاية وعظ وإرشاد وحث، وليست كفاية عن تفاصيل الشرائع، فالسورة تدل على "أصل الطريق" [4].

رابعًا: المَسَالِكُ (العَقَدِيُّ، العَمَلِيُّ، التَّرْبَوِيُّ)

 * المسلك العقدي: قرر الشافعي أن الحجة قائمة بالقرآن، وهذا يرد على من يزعم أن القرآن لا يُفهم أو أن الحجة لا تقوم إلا بآراء الرجال أو المنطق الكلامي.

 * المسلك العملي: التنبيه على أن العلم الذي لا يورث العمل ولا يدفع صاحبه للدعوة والصبر هو علم ناقص لا ينجي من "الخسران".

 * المسلك التربوي: توجيه طالب العلم إلى "جوامع الكلم"؛ فبدل الشتات في كثرة المراجع، لابد من إتقان الأصول الكلية المنجية [5].

خامسًا: تَرْجَمَةُ الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ (تَحْقِيقٌ تَارِيخِيٌّ)

 * الاسم والنسب: هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي، يلتقي مع النبي ﷺ في جده عبد مناف.

 * الميلاد والوفاة: ولد بغزة عام 150هـ (وهو عام وفاة أبي حنيفة)، وتوفي بمصر عام 204هـ (عن عمر يناهز 54 عاماً).

 * شيوخه: مالك بن أنس (المدينة)، سفيان بن عيينة (مكة)، وكيع بن الجراح (الكوفة).

 * تلاميذه: أحمد بن حنبل (إمام أهل السنة)، الربيع بن سليمان (ناقل كتبه)، المزني، البويطي.

 * المعتقد: كان سلفي المعتقد، يقول: "الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص". وهو أول من دون في أصول الفقه بكتابه "الرسالة" [6].

سادسًا: القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ الـمُسْتَخْرَجَةُ

 * قاعدة كفاية النص: أن الوحي فيه الغنية والكفاية لمن أراد الحق.

 * قاعدة التفريق بين المجمل والمفصل: سورة العصر نص (مجمل جامع) لكل الشريعة، وبقية القرآن والسنة (تفصيل) لهذا المجمل.

 * قاعدة لزوم الحجة: أن الحجة تقوم ببلوغ النص وفهمه في الجملة [7].

&&&&&&&&&&&

[1] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 8، صفحة 478.

[2] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 15، صفحة 220.

[3] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، صفحة 16-17.

[4] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، صفحة 38.

[5] حاشية ابن قاسم على الأصول، صفحة 16.

[6] سير أعلام النبلاء، الذهبي، المجلد 10، صفحة 5.

[7] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، صفحة 48.

&&&&&&&&&

المَبْحَثُ الخَامِسُ: تَحْقِيقُ تَبْوِيبِ البُخَارِيِّ 

(العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ)

أولًا: نَصُّ التَّبْوِيبِ وَمَوْقِعُهُ فِي الصَّحِيحِ

أورد الإمام البخاري في كتابه "الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه"، وتحديداً في "كتاب العلم"، الترجمة التالية:

«بَابُ العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ} [محمد: 19]، فَبَدَأَ بِالعِلْمِ».

التحقيق الأكاديمي لموضع النص:

يقع هذا التبويب في (المجلد 1، صفحة 24) من صحيح البخاري، وهو الباب العاشر من كتاب العلم. وتكمن أهمية هذا التبويب في أن "تراجم البخاري" (عناوين أبوابه) هي مكمن فقهه، حيث يبث فيها اختياراته العقدية والأصولية [1].

ثانيًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالإِشَارَاتُ البَيَانِيَّةُ

 * بَابُ العِلْمُ: جاءت كلمة "العلم" هنا بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف (هذا بابُ العلمِ)، أو مبتدأ لخبر محذوف. والمراد بالعلم هنا: العلم الشرعي الموروث عن النبوة، وهو العلم بالله وبأمره.

 * قَبْلَ (الظَّرْفِيَّةُ): تدل "قبل" على القبلية الزمانية والقبلية الرتبيّة؛ أي أن العلم يسبق القول والعمل في الوقت (لأنه إمامهما)، ويسبقهما في الفضل (لأنه شرط صحتهما).

 * فَبَدَأَ بِالعِلْمِ: الفاء هنا للتعقيب والترتيب، وهي إشارة من البخاري إلى فقه ترتيب الآية؛ حيث قدم الله الأمر بالعلم (فاعلم) على الأمر بالعمل (واستغفر) [2].

ثالثًا: التَّفْسِيرُ العَقَدِيُّ وَالمَسْلَكُ الِاسْتِدْلَالِيُّ

 * وجه الاستدلال بالآية: استنبط البخاري من قوله تعالى في سورة محمد: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ أن الله بدأ بالأمر بالعلم بالتوحيد (أصل الأصول)، ثم أتبعه بالأمر بالاستغفار وهو (عمل).

 * العلم شرط لصحة العمل: لا يصح قول ولا عمل إلا إذا كان مبنياً على علم؛ فالمتكلم بلا علم مهرف، والعامل بلا علم ضال.

 * الرد على المرجئة والجهمية: في هذا التبويب رد غير مباشر على من حصر الإيمان في العلم وحده؛ فالبخاري بذكر "القول والعمل" بعد العلم يقرر أن العلم وسيلة والقول والعمل غاية وثمرة، وأن الثلاثة متلازمة في مسمى الإيمان [3].

رابعًا: المَسَالِكُ (العَمَلِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ)

 * المسلك العملي: وجوب تعلم أحكام العبادات قبل التلبس بها؛ فلا يصلي المرء حتى يعلم أحكام الصلاة، ولا يتاجر حتى يعلم أحكام البيوع، لئلا يقع في الحرام من حيث لا يشعر.

 * المسلك التربوي: تقديم "التأصيل" على "التصدر"؛ فمن تصدر للقول والعمل قبل التمكن من العلم فتن وافتتن. والعلم هو الذي يصحح النية، والنية هي روح العمل [4].

خامسًا: تَرْجَمَةُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ (أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ فِي الحَدِيثِ)

 * الاسم والنسب: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، الجعفي ولاءً.

 * الميلاد والوفاة: ولد في بخارى عام 194هـ، وتوفي في خرتنك (قرية قرب سمرقند) ليلة عيد الفطر عام 256هـ (عن عمر 62 عاماً).

 * شيوخه: أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، علي بن المديني، إسحاق بن راهويه.

 * تلاميذه: مسلم بن الحجاج (صاحب الصحيح)، الترمذي، النسائي، ابن خزيمة.

 * المعتقد: إمام في السنة، ناصر للحديث، شديد الرد على الجهمية والمعتزلة، ويظهر ذلك جلياً في كتابه "خلق أفعال العباد" وفي أواخر "الصحيح" (كتاب التوحيد) [5].

سادسًا: شُرُوحُ الـمُحَقِّقِينَ لِهَذَا التَّبْوِيبِ

 * الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": قال: "أراد البخاري أن العلم شرط في صحة القول والعمل، فلا يعتبران إلا به، فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل".

 * العلامة العيني في "عمدة القاري": أشار إلى أن تقديم العلم ضرورة شرعية؛ لأن العلم إمام والعمل تابع له.

 * الشيخ ابن عثيمين في "شرح الأصول": أكد أن ترتيب البخاري موافق للفطرة والعقل والشرع؛ فالعلم هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأعمال [6].

&&&&&&&&&&&

[1] صحيح البخاري، المجلد 1، صفحة 24، دار طوق النجاة.

[2] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، المجلد 1، صفحة 160.

[3] عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بدر الدين العيني، المجلد 2، صفحة 38.

[4] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، صفحة 17.

[5] سير أعلام النبلاء، الذهبي، المجلد 12، صفحة 391.

[6] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، صفحة 40.

&&&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: 

أولًا: نَصُّ المَسْأَلَةِ وَتَحْقِيقُ أَلْفَاظِهَا

قال الإمامُ المجددُ -رحمه الله-: «المَسْأَلَةُ الأُولَى: أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا، وَرَزَقَنَا، وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا، بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 15-16]».

المَسْأَلَةُ الأُولَى (الخَلْقُ)

ثانيًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِقَوْلِهِ (خَلَقَنَا)

 * أَصْلُ الـمَادَّةِ: الخَلْقُ فِي كَلَامِ العَرَبِ يَأْتِي عَلَى مَعْنَيَيْنِ:

   * الأَوَّلُ: التَّقْدِيرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: خَلَقْتُ النَّعْلَ إِذَا قَدَّرْتَهَا قَبْلَ القَطْعِ.

   * الثَّانِي: الإِبْدَاعُ وَالإِيجَادُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ.

 * الدَّقِيقَةُ البَيَانِيَّةُ: اِسْتَعْمَلَ الـمُصَنِّفُ فِعْلَ (خَلَقَنَا) بِصِيغَةِ الـمَاضِي الدَّالِّ عَلَى التَّحَقُّقِ وَالثُّبُوتِ، وَأَسْنَدَ الفِعْلَ إِلَى اللهِ تَعَالَى لِتَقْرِيرِ اِنْفِرَادِهِ بِالإِيجَادِ [1].

ثالثًا: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ لِمَسْأَلَةِ الخَلْقِ

هَذِهِ الجُمْلَةُ (خَلَقَنَا) لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِخْبَارٍ عَنْ نَشْأَةِ الإِنْسَانِ، بَلْ هِيَ قَاعِدَةٌ عَقَدِيَّةٌ كُبْرَى تَنْطَلِقُ مِنْهَا جَمِيعُ أَحْكَامِ التَّوْحِيدِ:

 * اِفْتِقَارُ الـمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ: عِنْدَمَا نَقُولُ "خَلَقَنَا" فَنَحْنُ نُقِرُّ بِأَنَّنَا كُنَّا عَدَمًا، وَأَنَّ العَدَمَ لَا يُوجِدُ نَفْسَهُ، فَوَجَبَ وُجُودُ خَالِقٍ وَاجِبِ الوُجُودِ، وَهَذَا هُوَ دَلِيلُ "الفِطْرَةِ وَالعَقْلِ" [2].

 * بُطْلَانُ قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ وَالـمَادِّيِّينَ: تَرُدُّ هَذِهِ الكَلِمَةُ عَلَى مَنْ يَقُولُ: "مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ"، وَعَلَى أَصْحَابِ نَظَرِيَّاتِ "الصُّدْفَةِ"؛ فَاللهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ وَقَدَّرَ لَا الطَّبِيعَةُ وَلَا الصُّدْفَةُ.

 * الخَلْقُ يَسْتَلْزِمُ العِبَادَةَ: إِقْرَارُكَ بِأَنَّ اللهَ (خَلَقَكَ) يُلْزِمُكَ عَقْلًا وَشَرْعًا بِأَلَّا تَعْبُدَ إِلَّا هُوَ، فَمِنَ التَّنَاقُضِ أَنْ تُقِرَّ بِالخَالِقِ ثُمَّ تَصْرِفَ العِبَادَةَ لِـمَخْلُوقٍ مِثْلِكَ لَا يَمْلِكُ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا [3].

رابعًا: تَحْقِيقُ الـمَشَايِخِ الثَّلَاثَةِ حَوْلَ (خَلَقَنَا)

 * الشَّيْخُ اِبْنُ عُثَيْمِين: ذَكَرَ أَنَّ الخَلْقَ آيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَأَنَّ اللهَ تَحَدَّى الخَلْقَ أَجْمَعِينَ أَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا، فَعَجَزُوا. وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ آمَنَ بِالخَلْقِ وَجَبَ عَلَيْهِ الإِيمَانُ بِالبَعْثِ؛ لِأَنَّ "البَدْءَ" أَدَلُّ عَلَى "الإِعَادَةِ" [4].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حَقَّقَ أَنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَقْرِيرٌ لِتَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ بَدَأُوا بِتَذْكِيرِ أَقْوَامِهِمْ بِخَلْقِ اللهِ لَهُمْ لِيَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى وُجُوبِ إِفْرَادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ [5].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ: بَيَّنَ أَنَّ كَلِمَةَ (خَلَقَنَا) تَهْدِمُ كِبْرَ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ؛ فَالإِنْسَانُ عِنْدَمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ، يَنْكَسِرُ لِخَالِقِهِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ لَهُ سَيِّدًا يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ [6].

خامسًا: الفَوَائِدُ العَقَدِيَّةُ وَالمَسْلَكِيَّةُ

 * القاعدة العقدية: الِانْفِرَادُ بِالخَلْقِ يَقْتَضِي الِانْفِرَادَ بِالأُلُوهِيَّةِ.

 * المسلك التربوي: اِسْتِشْعَارُ عِظَمِ امْتِنَانِ اللهِ عَلَيْكَ بِالإِيجَادِ مِنْ عَدَمٍ، مِمَّا يُورِثُ مَحَبَّةَ الخَالِقِ وَتَعْظِيمَهُ.

&&&&&&&&&&&&&

[1] مَعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، اِبْنُ فَارِسٍ، مَادَّةُ (خلق).

[2] مَجْمُوعُ فَتَاوَى اِبْنِ تَيْمِيَّةَ، الـمُجَلَّدُ 16، ص 461.

[3] فَتْحُ الـمَجِيدِ، ص 15.

[4] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، اِبْنُ عُثَيْمِين، ص 42.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 54.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ الثَّالِثُ.

&&&&&&&&&&&&&&&

تَتِمَّةُ الـمَبْحَثِ السَّادِسِ: مُلْحَقُ (خَلَقَنَا) - دَلَائِلُ الوَحْيَيْنِ وَتَحْقِيقُ المَسَالِكِ

أولًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   هذا استفهام إنكاري يتضمن تقسيماً عقلياً حاصراً؛ فبطلان كونهُم خُلقوا من "عدم" محض بلا خالق معلوم بالضرورة، وبطلان كونهُم "خلقوا أنفسهم" معلوم بالضرورة أيضاً، فلم يبقَ إلا أنَّ لهم خالقاً أوجدهم وهو الله. قال الجُبير بن مطعم -رضي الله عنه- لما سمعها: «كاد قلبي أن يطير» [1].

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير توحيد الربوبية من خلال "دليل الاختراع"؛ فإثبات وجود الخالق وانفراده بالخلق هو أصل كل توحيد.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: كسر كبرياء النفس؛ فعندما يتدبر العبد أنه لم يكن شيئاً مذكوراً، يذل لخالقه ويستصغر نفسه أمام عظمة الإيجاد.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: إعمال العقل في الآيات المنظورة (الآفاق والأنفس) للوصول إلى اليقين، فالإيمان ليس مجرد دعوى بل هو يقين مبني على براهين عقلية وفطرية [2].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   هذا أول أمر في المصحف، وهو الأمر بالعبادة. وقد علل الله هذا الأمر بكونه "خالقاً" لنا وللسابقين؛ فالموجِد هو المستحق الوحيد للعبادة، والتقوى هي الثمرة المرجوة من هذا الاعتراف [3].

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الاستدلال بالخلق على الألوهية؛ فمن انفرد بالخلق (الربوبية) وجب أن ينفرد بالعبادة (الألوهية).

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: غرس روح الامتثال؛ فالله الذي وهبك الوجود ومنَّ عليك بالحياة، له الحق المطلق في أن يشرع لك ما يشاء.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في "آصرة الخلق" التي تربطنا بمن سبقنا؛ فكلنا عبيد لإله واحد، خلقنا جميعاً من طين، مما يورث التواضع والصلة بالأسلاف في التوحيد [4].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الـمُطَهَّرَةِ

الحديث الأول:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ... أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ» [5].

 * تَفْسِيرُ الحَدِيثِ:

   يقر النبي ﷺ في مقام العبودية والافتقار بصفة الخلق، ويربط بين كونه "مخلوقاً" وبين كونه "عبداً"؛ فالخلق هو العلة والعبودية هي النتيجة الحتمية.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تحقيق مقام العبودية؛ فالعبد لا يملك مع سيده شيئاً، وإقرار النبي ﷺ بالخلق هو تعليم للأمة بمقام الافتقار الذاتي.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تعليم النفس أدب الدعاء بالثناء على الله بآلائه ونعمه، وأولها نعمة الإيجاد، قبل طلب الحاجات.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في قوله "أنا عبدك" بعد "أنت خلقتني"؛ فبقدر استحضارك لعظمة الخالق، تعظم حقيقة عبوديتك له [6].

الحديث الثاني:

عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الـمُجَاشِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ عَنْ رَبِّهِ: «إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ» [7].

 * تَفْسِيرُ الحَدِيثِ:

   يخبر الله تعالى أنه خلق الخلق على الفطرة السوية (الحنيفية)، وهي الميل عن الشرك إلى التوحيد، ولكن الشياطين هي التي صرفتهم عن هذا الأصل الأصيل.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن التوحيد هو "الأصل" في الخلق، وأن الشرك "طارئ" وعارض بسبب وسوسة الشياطين وتغيير الفطرة.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحذر من كيد الشيطان الذي يسعى لإفساد أعظم نعمة (نعمة الفطرة)، والحرص على العودة للأصل الذي خلقنا الله عليه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في كمال رحمة الله؛ إذ لم يخلقنا ويتركنا نهباً للضلال، بل زودنا بـ "بوصلة داخلية" هي الفطرة التي تشهد له بالوحدانية [8].

ثالثًا: الفَوَائِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ

 * أولوية النعمة: نعمة "الخلق" هي أصل كل النعم، فبدونها لا وجود للرزق ولا للهداية، وهي نعمة تستوجب الشكر آناء الليل وأطراف النهار.

 * الإعجاز العلمي والشرعي: عجز البشر عن خلق أهون الأشياء دليل على ضعفهم المطلق وقوة خالقهم المطلقة.

 * بطلان الشرك: كل معبود من دون الله هو "مخلوق"، والمخلوق لا يملك لنفسه نفعاً فكيف يملكه لغيره؟

 * عزة المؤمن: المؤمن يعتز بخالقه، فهو ليس نتاج "تطور" أو "صدفة"، بل هو صنعة الله التي أتقنها وكرّمها [9].

الـمَصَادِرُ وَالـمَرَاجِعُ (التَّخْرِيجُ)

[1] صحيح البخاري، كتاب التفسير، رقم (4854).

[2] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 7، ص 434.

[3] جامع البيان (تفسير الطبري)، المجلد 1، ص 362.

[4] تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، ص 41.

[5] صحيح البخاري، كتاب التهجد، رقم (1120) -بألفاظ مقاربة-، وأخرجه مسلم في صحيحه، رقم (769).

[6] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر، المجلد 3، ص 4.

[7] صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها، رقم (2865).

[8] المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 17، ص 197.

[9] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، ص 19.

&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: المَسْأَلَةُ الأُولَى - الفقرة الثانية (وَرَزَقَنَا)

أولًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاسْمُ وَالصِّفَةُ

 * أصل المادة: الرِّزْقُ في اللغة هو "العطاء"، وكل ما يُنتفع به فهو رزق. والأصل فيه ما يُعطى للعبد ليبقى به بدنه أو يَصلُح به دينه [1].

 * الاسم والصفة: الله هو "الرَّزَّاقُ" (بصيغة المبالغة)، وهو "الرَّازِقُ". والرزاق من أسماء الله الحسنى الذي دل على كثرة الأرزاق وتجددها، وصفته أنه "يَرْزُقُ" من يشاء بغير حساب، فهو مصدر الأرزاق وخالقها وموصلها للمخلوقين.

 * نوعا الرزق:

   * رزق عام: يشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والآدمي والحيوان، وهو رزق الأبدان.

   * رزق خاص: وهو رزق القلوب بالعلم والإيمان، ورزق الحلال الذي يعين على طاعة الله [2].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: 6].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   أخبر الله تعالى أنه تكفل بأرزاق جميع الدواب، صغارها وكبارها، في البر والبحر. وكلمة (عَلَى) تفيد الوجوب الذي أوجبه الله على نفسه فضلاً وإحساناً، فلا تموت نفس حتى تستكمل رزقها [3].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام (مَا) النافية مع (إِلَّا) الحاصرة، و(مِنْ) الاستغراقية في (دَابَّةٍ)، يفيد شمول الرزق لكل كائن يتحرك على وجه الأرض.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات صفة الرزق لله، ووجوب التوكل عليه وحده، فالأسباب بيد المسبِّب، والقلب لا يلتفت إلا للرازق سبحانه.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: طمأنينة القلب وعدم القلق على المعيشة؛ فإذا كان رزق "الدابة" على الله، فكيف بـ "المؤمن الموحد"؟

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في سعة علم الله المحيط بكل دابة في مستقرها (حيث تأوي) ومستودعها (حيث تموت)، مما يورث هيبة الخالق ومراقبته [4].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: 58].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   جاءت هذه الآية بعد قوله: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾؛ لتبين أن الله هو الذي يرزق عباده ولا يحتاج إليهم، فهو المنفرد بالعطاء والمنع، المتناهي في القوة والقدرة [5].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تعريف الخبر بـ (الرَّزَّاقُ) بصيغة المبالغة، وضمير الفصل (هُوَ)، يفيد الحصر والكمال؛ أي لا رزاق بحق إلا الله.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات اسم "الرزاق" وصفة "القوة" و"المتانة"، والربط بين الرزق والقدرة؛ فالرزق يقتضي قدرة تامة لإيصاله.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تعليق الرغبة والرهبة بالله وحده؛ فلا يُطلب الرزق بمعصية، لأن ما عند "الرزاق" لا يُنال إلا بطاعته.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: النظر في اقتران الرزق بالقوة؛ فالعاجز لا يرزق، والضعيف لا يملك، والله لولا قوته لما وصلت الأرزاق لملايين المخلوقات في وقت واحد [6].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ... ثُمَّ يُرْسَلُ الـمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ» [7].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام كلمة "كَتْبِ" يدل على الإحكام والتقدير السابق في اللوح المحفوظ، وهو أثر من آثار العلم والقدرة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الإيمان بالقدر؛ وأن الرزق مقسوم ومكتوب والإنسان لا يزال في رحم أمه، فلا يزيد فيه حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: العفة عما في أيدي الناس، والقناعة بما قسم الله، واليقين بأن الأسباب مجرد طرق لإيصال ما كُتب.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في عناية الله بالإنسان قبل أن يخرج للدنيا؛ فمن رزقه في ضيق الرحم، لن يضيعه في سعة الأرض [8].

الحديث الثاني:

عَنْ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الـمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ» [9].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: ضرب المثل بالبحر والمخيط (الإبرة) لتقريب معنى "اللانهاية" في خزائن الله وعطائه للأفهام البشرية.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات غنى الله المطلق وكمال ملكه؛ فالخزائن ملأى لا تغيضها نفقة، والرزق لا ينقص من سلطان الله شيئاً.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: حث العبد على كثرة السؤال والدعاء؛ فمن نطلب منه الرزق هو الذي لا تنفد خزائنه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في "الصعيد الواحد" الذي يجمع كل الخلائق، وكيف أن الله يرزقهم ويعطيهم جميعاً دون أن يشغله سمع عن سمع [10].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ (وَرَزَقَنَا)

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   أشار إلى أن ذكر الرزق بعد الخلق لأن المخلوق محتاج للبقاء، والبقاء بالرزق. وحذر من حصر الرزق في المال، بل أعظم الرزق "رزق العلم الموروث عن الأنبياء" لأنه هو الذي يبقى مع العبد في قبره [11].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   بين أن الرزق من مقتضيات الربوبية، فمن أقر بأن الله هو الرازق لزمه ألا يطلب الرزق من غيره (كالأضرحة أو الأوثان)، فالمسألة ليست مجرد إقرار، بل هي "توحيد طلب وقصد" [12].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   حقق في "مقالاته" أن العبد قد يُحرم الرزق بالمعصية كما جاء في الأثر، وأن البر والصلة من أسباب بسط الرزق شرعاً، وهو ما يربط بين حركة العبد في الدنيا وبين توفيقه الرزقي [13].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أكد أن الإيمان بـ (وَرَزَقَنَا) هو علاج لمرض "الركون إلى الأسباب"؛ فالمسلم يبذل السبب لكن قلبه معلّق بالرازق، وبذلك يتحرر من ذل المخلوقين وتطلعه لما عندهم [14].

&&&&&&&&&

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 389.

[2] القواعد المثلى، ابن عثيمين، ص 50.

[3] تفسير الطبري، المجلد 12، ص 315.

[4] تفسير السعدي، ص 378.

[5] تفسير ابن كثير، المجلد 7، ص 425.

[6] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 7، ص 450.

[7] رواه البخاري، رقم (3208)، ومسلم، رقم (2643).

[8] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 11، ص 477.

[9] رواه مسلم في صحيحه، رقم (2577).

[10] المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 16، ص 132.

[11] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 43.

[12] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 54.

[13] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10 (المقالات)، ص 215.

[14] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الثالث.

&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: المَسْأَلَةُ الأُولَى

 - الفقرة الثالثة (وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا)

أولًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالمَعْنَى العَقَدِيُّ

 * أصل المادة: الهَمَلُ في اللغة (هـ م ل) يُطلق على الإبل التي تُركت بلا راعي يوجهها أو يحميها، فهي تسرح وتأكل بلا ضابط.

 * المعنى في المتن: أي لم يتركنا الله ضائعين بلا مأمور به ولا منهي عنه، ولا ثواب ولا عقاب، بل جعل لنا غاية وهدفاً، وهو تحقيق العبادة.

 * العلاقة بما قبلها: لما ذكر (الخلق والرزق)، بين أن هذا الإمداد المادي (الرزق) ليس لذاته، بل هو وسيلة لإقامة البدن لتحقيق الغرض من الوجود [1].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   هذا استفهام إنكاري توبيخي لمن يظن أن الله خلقه بلا حكمة (عبثاً)، أو أنه لن يُحاسب بعد موته؛ فالله منزه بجمال صفاته وعظيم حكمته عن العبث [2].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (أَفَحَسِبْتُمْ) الهمزة للاستفهام الإنكاري، و(أَنَّمَا) للحصر، مما يدل على أن توهم العبثية هو محض ظن كاذب يخالف العقل الصريح.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات صفة "الحكمة" لله تعالى، ونفي "العبث" عنه، وربط الخلق بالمعاد (الرجوع لله) للجزاء.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استشعار قيمة الحياة؛ فالمؤمن يعلم أن كل نَفَسٍ وكل حركة هي محل محاسبة، مما يبعث على الجدية في العمل.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في عظمة الصانع؛ فإذا كان صانع الآلة لا يصنعها عبثاً، فكيف بخالق السماوات والأرض والأنفس؟ [3].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   قال الشافعي وغيره: "سُدى: أي لا يُؤمر ولا يُنهى". فالآية تقرر أن الإنسان مكلف، وأن وراء هذه الدنيا داراً يلقى فيها جزاء تكليفه [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (سُدًى) هي المقابل اللغوي لكلمة (هَمَلًا) في المتن، وهي تدل على الشيء الذي ضاع أثره وفقدت قيمته.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات "التكليف الشرعي"؛ فالمسلم عبد مأمور، وحريته مقيدة بحدود الله، وهو ضد مذهب "الإباحية" أو "الوجودية" الملحدة.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على الانضباط الشرعي؛ فليس للإنسان أن يفعل ما يشتهي، بل ما يرضي سيده ومولاه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في نهاية الإنسان؛ فلو كان يُترك سدى لكان الموت نهاية القصة، ولكن السدى يُنفى لتثبت "المسؤولية" [5].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول:

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ... فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ؟... حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» [6].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: صيغة السؤال (هَلْ تَدْرِي) للتشويق ولفت الانتباه لعظم المسألة، وكلمة (حَقَّ) تفيد الوجوب والغاية.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تحديد الغاية من الخلق (التوحيد)؛ وهذا الحق هو الذي يخرج العبد من دائرة "الهمل" إلى دائرة "العبودية الحقة".

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التواضع للعلم؛ ورديف النبي ﷺ يتعلم أن أعظم معلوم هو "حق الله"، وأن الإنسان خُلق ليؤدي هذا الحق.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في علاقة الخالق بالمخلوق؛ فالله لم يخلقنا ليتركنا، بل خلقنا ليختبرنا في أداء حقه [7].

الحديث الثاني:

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَا فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ...» [8].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (لَا تَزُولُ) نفي يفيد الثبات للمحاسبة، وذكر (العمر، العلم، المال) يشمل كل تفاصيل حياة الإنسان.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الإيمان بالحساب والجزاء؛ وهو البرهان العملي على أننا لم نُترك هملاً؛ إذ السؤال لا يكون إلا لمن كُلِّف.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: محاسبة النفس قبل أن تُحاسب؛ فالعمر أمانة، والمال وسيلة، والعلم حجة.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: استحضار الوقوف بين يدي الله؛ فالمؤمن يجهز الجواب للسؤال، وهذا هو جوهر نفي السدوية [9].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ (وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا)

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   أكد أن ترك الخلق هملاً يتنافى مع حكمة الله ورحمته؛ فمن الرحمة أن يدلنا على الطريق. وبين أن "الهمل" ممتنع عقلاً قبل شرعاً، فالعقل يدرك أن الصانع المتقن لا بد له من غاية [10].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   بين أن هذه الجملة هي الرد على "الطبيعيين" والذين غرتهم الدنيا، وأوضح أن نفي الهمل يقتضي وجوب "إرسال الرسل" (وهو ما سيلحق في المتن)، فالحجة لا تقوم إلا بالرسول [11].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   حقق في رسائله أن مذهب السلف هو إثبات "التعليل" في أفعال الله، أي أن الله يخلق "لأجل" حكمة، وخلافاً لمن قال بغير ذلك من المتكلمين، فإن الله لم يخلقنا لمحض المشيئة بلا غاية [12].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أوضح أن نفي الهمَلِيَّة هو أصل "المسؤولية الفردية"؛ فكل إنسان مسؤول عن نفسه، والشرع جاء ليضبط حركة هذا الإنسان ليكون (عبداً لله) لا (عبداً لهواه) [13].

&&&&&&&&&

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 6، ص 45.

[2] تفسير ابن كثير، المجلد 5، ص 501.

[3] تفسير السعدي، ص 559.

[4] الرسالة، الإمام الشافعي، ص 25.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 8، ص 395.

[6] رواه البخاري، رقم (2856)، ومسلم، رقم (30).

[7] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 6، ص 58.

[8] رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، رقم (2417).

[9] تحفة الأحوذي، المباركفوري، المجلد 7، ص 98.

[10] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 44.

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 55.

[12] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 1 (التنكيل)، ص 142.

[13] دروس في العقيدة، صالح السندي، شرح الأصول الثلاثة.


&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: المَسْأَلَةُ الأُولَى 

- الفقرة الرابعة (بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا)

أولًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلإِرْسَالِ

 * أصل المادة: الإِرْسَالُ في اللغة (ر س ل) يُفيد توجيه الشخص برسالة أو أمر ليؤديه لغيره. والرَّسولُ هو الواسطة بين الـمُرسِل والـمُرسَل إليهم [1].

 * المعنى في المتن: "بَلْ" حرف إضراب، أضرب بها المصنف عن "توهُّم الهَمَل" ليُثبت الحقيقة الشرعية وهي "الرسالة". والمقصود بالرسول هنا هو نبينا محمد ﷺ المبعوث للثقلين كافّة.

 * الحكمة من الإرسال: العقل يدرك أن له خالقاً، لكنه لا يدرك "تفاصيل" ما يحبه الله ويرضاه، فكان لا بد من رسول يبلغنا مراد الله منا [2].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   يخبر الله أنه أنعم على المؤمنين بأعظم نعمة (مَنَّ)، وهي بعثة الرسول ﷺ الذي يقوم بأربع وظائف: التلاوة، التزكية، تعليم الكتاب، وتعليم السنة (الحكمة) [3].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام (لَقَدْ) المشعرة بالقسم والتحقيق، و(مَنَّ) التي لا تُطلق إلا على عظيم العطايا، و(مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لتأكيد القرب والأنس بالبشرية.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات نبوة محمد ﷺ، وأن منصب النبوة "هبة" من الله (مَنَّ) وليس مكتسباً بالرياضة أو الذكاء.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استحضار عظم النعمة بالرسالة؛ فبها خرجنا من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في ترتيب الوظائف؛ فالتزكية (تطهير القلوب) قرينة للعلم، فلا ينفع علم بلا تزكية [4].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   بين الله الحكمة الكبرى من إرسال الرسل؛ وهي "قطع المعذرة" وإقامة الحجة، فليس لأحد يوم القيامة أن يقول: "ما أتانا من بشير ولا نذير" [5].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (لِئَلَّا) اللام للتعليل، مما يدل على أن إقامة الحجة مقصودة لذاتها ببعثة الرسل.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: ربط الرسالة بالعدل الإلهي؛ فالله لا يعذب أحداً قبل إقامة الحجة الرسالية عليه (كما ناقشنا في العذر بالجهل).

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: المسؤولية الكبرى؛ فبما أن الرسول قد أرسل، فقد وجب علينا التعلم والعمل، ولم يبقَ لأحد عذر في الإعراض.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في وصف (مبشرين ومنذرين)؛ فالدعوة تقوم على الترغيب والترهيب، وهما جناحي الطائر للمسافر إلى الله [6].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا... فَجَعَلَ الدَّوَابُّ وَهَذِهِ الفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا» [7].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: ضرب المثل الحسي لتقريب المعنى المعنوي؛ فالتشبيه بالفراش والدواب يبين ضعف البصيرة البشرية لولا هدي الرسول.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات دور الرسول ﷺ في حماية الأمة من الهلاك الأبدي (النار)، وتأكيد حاجة العباد للرسول أشد من حاجتهم للطعام والشراب.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استشعار رحمة النبي ﷺ وشفقته بأمته؛ فهو "يأخذ بحجزنا" أي يمنعنا بشدة وحرص من الوقوع في المعاصي.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في قوله (وأنتم تقحمون)؛ فالهلاك يكون باختيار العبد وإصراره، والنجاة تكون باتباع الرسول [8].

الحديث الثاني:

عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مَثَلَ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا...» [9].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تسمية ما جاء به الرسول (هدى وعلماً)، وتشبيهه بالـ (غيث) دلالة على الحياة والنماء.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: انحصار الهداية والعلم النافع فيما جاء به الرسول ﷺ؛ فكل علم لا يستند لميراثه فهو إما وبال أو لا نفع فيه.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تصنيف الناس في قبول الدعوة (أرض طيبة، أجادب، قيعان)؛ ليحاسب المرء نفسه: أي أرض هو؟

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في حاجة الأرض للمطر؛ فكما تموت الأرض بلا مطر، تموت القلوب والأنفس بلا وحي الرسالة [10].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ (بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا)

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   أكد أن إرسال الرسول ﷺ هو مقتضى "الحكمة" و"الرحمة". وبين أن إرسال الرسول إلينا يقتضي منا أمرين: الإيمان به، واتباعه، فلا يكفي الإقرار بنبوته دون الالتزام بشريعته [11].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   حقق في شرحه أن "الإرسال" هو الواسطة في تبليغ الأحكام، وأوضح أن هذه الجملة تبطل مذهب (الصوفية) الذين يدعون تلقي العلم عن الله مباشرة دون واسطة الرسول، فالحق محصور فيما جاء به ﷺ [12].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   بين في كتابه "التنكيل" أن حاجة العباد للرسول فوق كل حاجة، لأن الرسول يبين "غاية" الوجود و"طريق" الوصول، وهو ما لا يستقل العقل بإدراكه مهما بلغ من الذكاء [13].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أشار إلى أن (أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا) تعني بطلان "التبعية" لغيره ﷺ في التشريع المطلق، فالرسول هو المتبوع الأول والأخير، وهو الذي يطاع لذاته لأن طاعته من طاعة الله [14].

&&&&&&&&

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 394.

[2] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 45.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 160.

[4] تفسير السعدي، ص 155.

[5] تفسير الطبري، المجلد 9، ص 385.

[6] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 1، ص 350.

[7] رواه البخاري، رقم (6483)، ومسلم، رقم (2284).

[8] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 11، ص 318.

[9] رواه البخاري، رقم (79)، ومسلم، رقم (2282).

[10] المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 15، ص 38.

[11] مجموع فتاوى ابن عثيمين، المجلد 1، ص 155.

[12] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 56.

[13] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 1، ص 205.

[14] دروس العقيدة، صالح السندي، شرح الأصول الثلاثة.

&&&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: المَسْأَلَةُ الأُولَى 

- الفقرة الخامسة  (ثَمَرَةُ الإِرْسَالِ)

أولًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلطَّاعَةِ وَالمَعْصِيَةِ

 * أصل المادة: الطَّاعَةُ (ط و ع) هي الانقياد والموافقة، وضدها المَعْصِيَةُ (ع ص ي) وهي الخروج والامتناع.

 * المعنى في المتن: ربط المصنف دخول الجنة بطاعة الرسول ﷺ، ودخول النار بمعصيته؛ لأن طاعة الرسول ﷺ هي محض طاعة الله، لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

 * الجزاء والمقابلة: ذكر (الجنة) و(النار) لبيان أن طريق النجاة واحد لا يتعدد، وأن العبرة بالخواتيم والامتثال للأمر النبوي [1].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: 13-14].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   هذا نص قرآني صريح في ترتيب الجزاء على الامتثال أو المخالفة، وقد جاء عقب ذكر المواريث (الحدود)، لبيان أن الطاعة تكون في الأوامر والنواهي والشرائع [2].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام أسلوب الشرط (مَنْ... يُدْخِلْهُ) يفيد الترتيب واللزوم، والجمع بين طاعة الله وطاعة رسوله بالواو يقتضي التلازم.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن الإيمان قول وعمل؛ فدخول الجنة مُرتب على "الطاعة" التي هي العمل بمقتضى الإيمان.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تعظيم "الحدود"؛ فالمعصية تبدأ بتعدي الحدود، والنجاة تبدأ بالوقوف عندها.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في وصف الفوز بـ "العظيم" والوعيد بـ "المهين"؛ فالطاعة عزة ورفعة، والمعصية ذل ومهانة [3].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   هذه الآية هي "قاعدة الطاعة"؛ فكل ما ثبت عن النبي ﷺ من أمر وجب أخذه، وكل ما نهى عنه وجب تركه، والتقوى هي المحرك لهذا الامتثال [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (مَا) تفيد العموم؛ أي كل ما جاء به الرسول من قول أو فعل أو تقرير في أمور الدين.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: وجوب استقلال السنة بالتشريع؛ فما حرمه الرسول ﷺ فهو كما حرمه الله، وطاعته واجبة لذاتها لاستنادها للوحي.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الاستسلام التام للنص النبوي دون معارضة بعقل أو ذوق أو هوى.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: الاقتران بين الأمر والنهي والتقوى وعقاب الله؛ لبيان أن المخالفة ليست بالأمر الهين بل هي تَعَرُّضٌ لغضب الجبار [5].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول (العمدة في المسألة):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى» [6].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام كلمة (أَبَى) وهي من أشد كلمات الامتناع والترفع عن الحق، مما يصور المعصية كأنها رفض للكرامة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن دخول الجنة لا يكون بمجرد الانتساب للأمة (بالاسم)، بل بالامتثال والاتباع، والتحذير من مغبة العصيان.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحياء من الله ورسوله؛ فكيف يأبى العبد كرامة الله وجنته وهو يعلم طريقها؟

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في حرص الصحابة (ومن يأبى؟)؛ فقد استعظموا أن يرفض أحد الجنة، فبين لهم النبي ﷺ أن المعصية هي عين الإباء [7].

الحديث الثاني:

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ نَائِمٌ... فَضَرَبُوا لَهُ مَثَلًا كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا، وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا... فَقَالُوا: «فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ المَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ المَأْدُبَةِ» [8].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تسمية النبي ﷺ (داعياً) وهو الذي يدعو إلى مأدبة الله (الجنة)، والدعوة تقتضي الإجابة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: حصر طريق النجاة في "إجابة الداعي" ﷺ؛ فمن ابتغى طريقاً غير طريقه حُرم دخول الدار.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الشوق للجنة؛ فالحياة الدنيا دعوة، والآخرة هي الوليمة الكبرى للممتثلين.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التفكر في وصف النبي ﷺ بأنه "فَرَّقَ بَيْنَ النَّاسِ"؛ فبسببه انقسم الناس إلى فريق في الجنة وفريق في السعير [9].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ هَذِهِ الخَاتِمَةِ

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   بين أن طاعة الرسول ﷺ نوعان: طاعة في الواجبات (توجب الجنة) ومعصية في الكبائر (توجب الوعيد تحت المشيئة)، أما المعصية التي تمنع دخول الجنة أصلاً فهي معصية "الإعراض والشرك". وأكد أن الطاعة مقتضى "شهادة أن محمداً رسول الله" [10].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   حقق أن دخول الجنة برحمة الله، ولكن الطاعة هي "السبب" الذي جُعلت الرحمة منوطة به. وأوضح أن معصية الرسول ﷺ هي سبب كل بلاء في الدنيا والآخرة، كما جرى في غزاة أحد [11].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   أشار في "مقالاته" إلى أن السنة هي المفسرة للقرآن، فمن ادعى طاعة الله وعصى الرسول (كالقرآنيين) فهو كاذب في دعواه، وقد حُرم النجاة من بابها الأصيل [12].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أكد أن (فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ) هي ميزان "الولاء والبراء"؛ فالمؤمن يوالي من أطاع الرسول ويعادي من عصاه وناصبه العداء، وهذا يربط بين المسألة الأولى والمسألة الثالثة (الولاء والبراء) في المتن [13].

_________________________________________

[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 8، ص 240.

[2] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 225.

[3] تفسير السعدي، ص 171.

[4] جامع البيان (تفسير الطبري)، المجلد 22، ص 512.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 7، ص 530.

[6] رواه البخاري في صحيحه، رقم (7280).

[7] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 13، ص 254.

[8] رواه البخاري في صحيحه، رقم (7281).

[9] المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 15، ص 45.

[10] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 46.

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 57.

[12] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 310.

[13] دروس العقيدة، صالح السندي، شرح الأصول الثلاثة.

&&&&&&&&&&&&&&&'

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ السَّادِسِ: تَحْقِيقُ الدَّلِيلِ (آيَتَا الـمُزَّمِّلِ)

شرح والتعليق على الدليل:

؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا، فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا} [المزمل: 15-16]».

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِأَلْفَاظِ الآيَةِ

 * إِنَّا أَرْسَلْنَا: استخدام (إِنَّا) الدالة على العظمة، وتأكيد الفعل بـ (قَدْ) المقدرة، لبيان فخامة شأن الرسالة.

 * شَاهِدًا عَلَيْكُمْ: الشاهد هو الرقيب والمؤدي للشهادة يوم القيامة بتبليغ الحجة [1].

 * كَمَا أَرْسَلْنَا: الكاف للتشبيه، و(ما) مصدرية؛ أي إرسالاً مشابهاً لإرسالنا إلى فرعون في كونه حجة قاطعة.

 * فَعَصَى: التعقيب بـ (الفاء) يدل على سرعة المخالفة والمباشرة بالرد.

 * أَخْذًا وَبِيلًا: (الوبيل) في اللغة هو الشديد الثقيل الذي لا يُطاق، ومنه "الكلأ الوبيل" أي الذي يمرض الدابة لثقله [2].

ثانيًا: تَفْسِيرُ الآيَةِ تَفْسِيرًا سَلَفِيًّا مُحَقَّقًا

يخاطب الله كفار قريش -ومن بعدهم الثقلين- بأنه أرسل إليهم محمداً ﷺ ليكون شاهداً على أعمالهم، تماماً كما أرسل موسى إلى فرعون. فلما استكبر فرعون وعصى الرسول، أنزل الله به عقابه الشديد الغليظ في الدنيا (بالغرق) والآخرة (بالنار). وفي هذا تحذير صريح لأمة محمد ﷺ أن مصير من يعصي الرسول هو الهلاك المحقق [3].

ثالثًا: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ لِلآيَةِ

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات صدق نبوة محمد ﷺ ومشابهتها لنبوة موسى عليه السلام (أولي العزم). وأيضاً تقرير "توحيد الحاكمية والامتثال"؛ فالحق في الأمر والنهي لله عبر رسله، وعصيان الرسول كفر موجب للعقاب [4].

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "الخوف من عاقبة المخالفة"؛ فإذا كان فرعون مع قوته وجنده لم يغنِ عنه ملكه من الله شيئاً، فكيف بغيره؟

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: التأمل في قوله (إليكم)؛ فخطاب المواجهة يقتضي من السامع حضور القلب واستشعار أن الرسالة موجهة لذاته وليست خبراً تاريخياً مجرداً.

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ (البَيَانِيُّ): الربط بين "العصيان" و"الأخذ الوبيل" بجملة فعلية مرتبة، يبين أن العقوبة ليست ظلماً بل هي أثر مباشر للفعل [5].

رابعًا: الـمَسَائِلُ وَالقَوَاعِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ

 * المسألة الأولى: أن إرسال الرسل سنة إلهية جارية لا تتخلف.

 * المسألة الثانية: أن الرسول شاهد بتبليغ الحجة، فلا عذر لجاحد.

 * قاعدة (المقايسة): الاعتبار بحال الأمم السابقة؛ فما جرى على الأوائل يجري على الأواخر إذا فعلوا فعلهم.

 * قاعدة (العدل الإلهي): أن الله لا يأخذ الناس بالعقوبة إلا بعد إعذارهم بإرسال الرسل [6].

خامسًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ الدَّلِيلِ

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   أوضح أن الشبه بين الرسولين (محمد وموسى) هو في كونهما أُرسلا بشريعة عامة مستقلة، وأن ذكر (فرعون) تحديداً لبيان أن الطغيان لا يمنع نفاذ قدر الله وعقوبته [7].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   بين أن الحجة قامت ببعثة الرسول ﷺ، وأن "الوبال" المذكور في الآية هو الثقل الذي يغرق صاحبه في الخزي، وهو تنبيه للعلماء والمبلغين بضرورة الصدع بالحق لتقوم الشهادة [8].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   حقق أن هذه الآية تدل على أن (طاعة الرسول) أصل من أصول الدين، وأن من زعم الاكتفاء بالقرآن وترك السنة فقد عصى الرسول، وسيناله من الأخذ الوبيل نصيب بحسب مخالفته [9].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أكد أن الآية تضمنت (وصفاً) و(حكماً)؛ فالوصف هو "الشهادة"، والحكم هو "وجوب الاتباع". وحذر من أن الأخذ الوبيل قد يبدأ في الدنيا بـ "زيغ القلب" قبل عقوبة البدن [10].

&&&&&&&&&&&&&&&&

[1] معجم مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني، ص 275.

[2] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 11، ص 720.

[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 8، ص 261.

[4] تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، ص 890.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 8، ص 360.

[6] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، ص 22.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 47.

[8] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 315.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 58.

[10] دروس في العقيدة، صالح السندي، شرح الأصول الثلاثة.

&&&&&&&&&&&&&&&&

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: تَوْحِيدُ اللهِ فِي عِبَادَتِهِ وَنَبْذُ الشِّرْكِ

أَوَّلًا: نَصُّ المَسْأَلَةِ عِنْدَ الإِمَامِ المُجَدِّدِ

قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-: «المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللهَ لَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فِي عِبَادَتِهِ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18]» [1].

ثَانِيًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالإِشَارَاتُ البَيَانِيَّةُ

 * لَا يَرْضَى: الرِّضَا صِفَةٌ فِعْلِيَّةٌ للهِ تَعَالَى نُثْبِتُهَا كَمَا جَاءَتْ، وَنَفْيُ الرِّضَا هُنَا يَعْنِي (البُغْضَ وَالكَرَاهَةَ وَالتَّحْرِيمَ)، وَهُوَ نَفْيٌ مُطْلَقٌ لَا يَقْبَلُ الِاسْتِثْنَاءَ.

 * أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ: جَاءَتْ كَلِمَةُ (أَحَدٌ) نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ (لَا يَرْضَى)، فَتُفِيدُ "العُمُومَ الِاسْتِغْرَاقِيَّ"؛ أَيْ لَا يُشْرَكُ مَعَهُ أَيُّ مَخْلُوقٍ كَائِنًا مَنْ كَانَ.

 * فِي عِبَادَتِهِ: (فِي) لِلظَّرْفِيَّةِ، وَ(العِبَادَةُ) اِسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، فَمَنْ صَرَفَ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الوِعَاءِ لِغَيْرِ اللهِ فَقَدْ نَقَضَ هَذِهِ المَسْأَلَةَ [2].

ثَالِثًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ (تَحْقِيقُ الإِفْرَادِ وَنَفْيُ الوَسَائِطِ)

 * بُطْلَانُ التَّوَسُّطِ الشِّرْكِيِّ: بَيَّنَ المُصَنِّفُ أَعْلَى أَصْنَافِ الخَلْقِ (المَلَائِكَة وَالأَنْبِيَاء)؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ اللهُ لَا يَرْضَى بِهَؤُلَاءِ وُسَطَاءَ فِي العِبَادَةِ، فَغَيْرُهُمْ مِنَ الأَوْلِيَاءِ وَالأَصْنَامِ وَالقُبُورِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.

 * التَّلَازُمُ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ هِيَ النَّتِيجَةُ المَنْطِقِيَّةُ لِلْمَسْأَلَةِ الأُولَى (أَنَّ اللهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا)؛ فَمَنْ فَرَدَ بِالخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَجَبَ أَنْ يُفْرَدَ بِالدُّعَاءِ وَالخَوْفِ وَالرَّجَاءِ [3].

 * جِنْسُ الشِّرْكِ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ تُؤَصِّلُ لِلْمُتَعَلِّمِ أَنَّ الشِّرْكَ لَيْسَ مَحْصُورًا فِي سُجُودٍ لِصَنَمٍ، بَلْ هُوَ شَامِلٌ لِكُلِّ مَنْ جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ وَسِيطَةً يَدْعُوهَا أَوْ يَذْبَحُ لَهَا أَوْ يَنْذُرُ لَهَا.

رَابِعًا: تَحْقِيقُ الِاسْتِدْلَالِ بِآيَةِ الجِنِّ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.

 * المَسَاجِدُ: قِيلَ هِيَ مَوَاضِعُ السُّجُودِ (البِقَاع)، وَقِيلَ هِيَ أَعْضَاءُ السُّجُودِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ لِلْعَبْدِ. وَفِي كِلَا المَعْنَيَيْنِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْجَدَ بِهَا أَوْ فِيهَا لِغَيْرِهِ [4].

 * فَلَا تَدْعُوا: (لَا) هُنَا نَاهِيَةٌ، وَالدُّعَاءُ هُنَا يَشْمَلُ نَوْعَيْهِ: (دُعَاءُ المَسْأَلَةِ) وَ(دُعَاءُ العِبَادَةِ).

 * مَعَ اللهِ: إِشَارَةٌ إِلَى بُطْلَانِ "التَّشْرِيكِ"؛ فَالمُشْرِكُ لَا يَنْفِي اللهَ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ يَجْعَلُ (مَعَهُ) غَيْرَهُ، وَاللهُ هُوَ الأَغْنَى عَنِ الشِّرْكِ [5].

خَامِسًا: المَسْلَكُ العَمَلِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ

 * المسلك العملي: تَحْرِيرُ القَلْبِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالخَلَائِقِ؛ فَلَا يَرْجُو العَبْدُ نَفْعًا وَلَا يَخْشَى ضَرًّا إِلَّا مِنَ اللهِ، وَتَجْرِيدُ التَّوَجُّهِ فِي جَمِيعِ العِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالبَاطِنَةِ.

 * المسلك التربوي: الخَوْفُ مِنَ الشِّرْكِ؛ فَإِذَا عَلِمَ المُؤْمِنُ أَنَّ اللهَ (لَا يَرْضَى)، اِسْتَشْعَرَ عَظَمَةَ المَقَامِ وَحَذِرَ مِنْ دَقِيقِ الشِّرْكِ وَخَفِيِّهِ [6].

سَادِسًا: شُرُوحُ المُحَقِّقِينَ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ هِيَ لُبُّ دَعْوَةِ الرُّسُلِ، وَأَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَعَبَدَ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَعِبَادَتُهُ لِلَّهِ حَابِطَةٌ وَغَيْرُ مَقْبُولَةٍ [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ المُصَنِّفَ ذَكَرَ المَلَكَ وَالنَّبِيَّ لِأَنَّهُمَا صَفْوَةُ الخَلْقِ، فَإِذَا اِمْتَنَعَ صَرْفُ العِبَادَةِ لَهُمَا، فَمَنْ دُونَهُمَا اِمْتِنَاعُهُ مِنْ بَابِ الأَوْلَى وَالأَقْطَعِ [8].


&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] ثَلَاثَةُ الأُصُولِ، الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ص 6.

[2] لِسَانُ العَرَبِ، اِبْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 3، ص 175 (مادة رضا).

[3] فَتْحُ المَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَنٍ، ص 15.

[4] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، اِبْنُ كَثِيرٍ، المجلد 8، ص 244.

[5] تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ص 62.

[6] حَاشِيَةُ اِبْنِ قَاسِمٍ، ص 22.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، اِبْنُ عُثَيْمِين، ص 45.

[8] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 60.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّادِسُ: المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ (الولاء والبراء) - الجزء الأول

أولًا: نَصُّ المَسْأَلَةِ عِنْدَ الإِمَامِ المُجَدِّدِ

قال الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-: «المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ، وَوَحَّدَ اللهَ؛ لَا يَجُوزُ لَهُ مُوَالاةُ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ».

ثانيًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِأَصْلِ (الولاء والبراء)

 * الولاء (وَلِيَ): مادة (و ل ي) تدور في لغة العرب حول "القرب" و"الدنو". والوليُّ هو القريب المحب والنصير. وضد الولاء: العداوة [1].

 * البراء (بَرِئَ): مادة (ب ر أ) تدور حول "التنزه" و"التخلص" و"الابتعاد". فالبراء هو قطع الصلة القلبية والعملية بالشيء تنزهاً عنه [2].

 * المُحَادَّة: قوله (مَنْ حَادَّ الله)؛ المحادة هي الممانعة والمخالفة، وكأن المخالف صار في "حد" وجانب، والله ورسوله في "حد" وجانب آخر [3].

ثالثًا: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ لِلمُصْطَلَحَاتِ (التَّوَلِّي والمُوَالاة)

فرق علماء السنة والمحققون تفريقاً دقيقاً بين هذه المصطلحات لضبط أحكام التكفير والفسوق:

 * التَّوَلِّي (التَّوَلِّي الـمُطْلَق):

   * تعريفه: هو نصرة الكفار على المسلمين، أو محبة دينهم وما هم عليه، أو الرضا بكفرهم.

   * حكمه: كفر أكبر مخرج من الملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾.

   * ضابطه: أن يكون الدافع هو "الدين" أو "نصرة الكفر على الإسلام" [4].

 * المُوَالاة (الـمُوَالاة الـمُطْلَقَة):

   * تعريفها: هي مودة الكفار ومصانعتهم لغرض دنيوي (كقرابة أو مال أو جاه) مع سلامة أصل الإيمان في القلب وبغض دينهم.

   * حكمها: محرمة وهي من كبائر الذنوب، وتسمى (كفراً أصغر) أو (ظلمًا دون ظلم) في بعض السياقات، لكنها لا تخرج من الملة إلا إذا اقترنت بالرضا بدينهم.

   * الدليل: قصة حاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه-، حيث سماه الله إيماناً رغم مكاتبته للمشركين، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾؛ فخاطبه بصفة الإيمان مع وجود الموالاة الدنيوية [5].

 * الوَلاية (بفتح الواو):

   * هي النصرة والمحبة التي تكون بين المؤمنين؛ ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.

رابعًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي تَحْقِيقِ "عُقُودِ الإِيمَان"

 * الارتباط بالتوحيد: الولاء والبراء ليس مسألة سياسية أو اجتماعية، بل هو من "لوازم لا إله إلا الله". فالتوحيد (إثبات ونفي)، والولاء والبراء (إثبات ونفي)؛ إثبات المودة للموحدين، ونفيها عن المشركين.

 * قاعدة التلازم: أن محبة الله تقتضي محبة ما يحبه الله (التوحيد وأهله)، وبغض ما يبغضه الله (الشرك وأهله). فلا يجتمع في قلب عبد محبة الله ومحبة من يعاديه [6].

خامسًا: تَفْصِيلُ العُلَمَاءِ فِي مَرَاتِبِ النَّاسِ فِي الولاء والبراء

يُقسم علماء السنة الخلق في هذا الباب إلى ثلاثة أصناف:

 * مَنْ يُحَبُّ حُبًّا خَالِصًا لَا عَدَاوَةَ مَعَهُ: وهم الأنبياء والصحابة والمؤمنون الخلص.

 * مَنْ يُبْغَضُ بُغْضًا خَالِصًا لَا مَحَبَّةَ مَعَهُ: وهم الكفار والمشركون والملاحدة والمحادون لله ورسوله.

 * مَنْ يُحَبُّ مِنْ وَجْهٍ وَيُبْغَضُ مِنْ وَجْه: وهم "عصاة الموحدين"؛ فيُحَبُّون لما عندهم من إيمان وتوحيد، ويُبْغَضُون لما عندهم من معصية وفجور. وهذا هو المسلك السلفي الوسط الذي ضل فيه الخوارج (فأبغضوهم كلياً) والمرجئة (فأحبوهم كلياً) [7].

سادسًا: القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ الـمُسْتَخْرَجَةُ

 * قاعدة (الموافقة في الظاهر والباطن): التولي كفر لأنه موافقة في الباطن (المحبة) والظاهر (النصرة). أما الموالاة الصغرى فهي موافقة في الظاهر مع مخالفة الباطن.

 * قاعدة (القرابة لا تنفع مع المحادة): قوله (ولو كان أقرب قريب)؛ إشارة إلى أن آصرة العقيدة أقوى من آصرة النسب.

 * قاعدة (انتفاء الإيمان عند وجود المحادة): لا يمكن أن يوجد إيمان صحيح مع مودة حقيقية لمن حاد الله [8].

&&&&&&&&&&&&&&

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 6، صفحة 141.

[2] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 1، صفحة 32.

[3] المفردات في غريب القرآن، الأصفهاني، صفحة 108.

[4] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، صفحة 522.

[5] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 8، صفحة 76.

[6] تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله، صفحة 422.

[7] شرح عقيدة أهل السنة والجماعة، ابن عثيمين، صفحة 120.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، صفحة 65.

&&&&&&&&&&&&&&

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ السَّادِسِ (الجزء الثاني): تَحْقِيقُ دَلَائِلِ الوَلَاءِ وَالبَرَاءِ وَفِقْهِ القِصَصِ

أولًا: الِاسْتِدْلَالُ بِآيَةِ سُورَةِ المَجَادَلَةِ (تَحْقِيقٌ لُغَوِيٌّ وَعَقَدِيٌّ)

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ [المجادلة: 22].

 * نَفْيُ الوُجُودِ (لَا تَجِدُ): هَذَا أُسْلُوبٌ بَلِيغٌ فِي النَّفْيِ؛ يُفِيدُ أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ "الإِيمَانِ الحَقِيقِيِّ" وَ"مَوَدَّةِ الكُفَّارِ" هُوَ مِنَ الـمُسْتَحِيلَاتِ شَرْعًا وَعَقْلًا؛ فَإِذَا وُجِدَتِ المَوَدَّةُ اِرْتَفَعَ الإِيمَانُ أَوْ نَقَصَ نُقْصَانًا شَدِيدًا بِحَسَبِ نَوْعِ المَوَدَّةِ [1].

 * المُوَادَّة (يُوَادُّونَ): المَوَدَّةُ أَخَصُّ مِنَ المَحَبَّةِ، وَهِيَ خَالِصُ الحُبِّ وَوُدُّ القَلْبِ. وَالمُفَادُ أَنَّ مَنْ صَفَا قَلْبُهُ لِمَحَبَّةِ اللهِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَصْفُوَ لِمَحَبَّةِ مَنْ يُعَادِي اللهَ [2].

 * الحَصْرُ فِي الأَقَارِبِ: ذِكْرُ (الآباء، الأبناء، الإخوان، العشيرة) فِيهِ إِشَارَةٌ لُغَوِيَّةٌ إِلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ مَظِنَّةُ المَحَبَّةِ الجِبِلِّيَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ، فَإِذَا اِنْتَفَتِ المَوَدَّةُ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي حَالِ كُفْرِهِمْ، فَمَنْ دُونَهُمْ مِنْ بَابِ أَوْلَى [3].

 * كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ: أَيْ ثَبَّتَهُ وَأَمْضَاهُ، وَهَذَا جَزَاءُ مَنْ حَقَّقَ البَرَاءَ؛ فَمَنْ أَخْلَى قَلْبَهُ مِنْ مَوَدَّةِ الكُفَّارِ، مَلَأَهُ اللهُ بِيَقِينِ الإِيمَانِ [4].

ثانيًا: صُوَرُ الـمُوَالاةِ الـمُكَفِّرَةِ (التَّوَلِّي الأَكْبَر)

تَتَعَدَّدُ الصُّوَرُ الَّتِي اِتَّفَقَ عُلَمَاءُ السَّلَفِ عَلَى أَنَّهَا نَاقِضٌ مِنْ نَوَاقِضِ الإِيمَانِ، وَمِنْهَا:

 * مَحَبَّةُ الكُفَّارِ لِدِينِهِمْ: أَوْ تَصْوِيبُ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ البَاطِلِ، وَهَذَا كُفْرٌ بِإِجْمَاعِ مَنِ اِعْتَدَّ بِقَوْلِهِمْ.

 * مُظَاهَرَةُ الكُفَّارِ وَمُعَاوَنَتُهُمْ عَلَى الـمُسْلِمِينَ: وَهِيَ الـمُقَاتَلَةُ تَحْتَ رَايَتِهِمْ لِإِدَالَةِ دِينِ الكُفْرِ عَلَى دِينِ الإِسْلَامِ.

 * مَحَبَّةُ ظُهُورِ دِينِهِمْ وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِمْ: لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْعَافٍ لِلإِسْلَامِ.

 * الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ أَوْ تَرْكُ بَعْضِ الشَّرِيعَةِ رِضًا بِمَا عِنْدَهُمْ: [5].

ثالثًا: صُوَرُ الـمُوَالاةِ غَيْرِ الـمُكَفِّرَةِ (الـمُوَالاةُ الصُّغْرَى)

وَهِيَ الَّتِي لَا تُخْرِجُ مِنَ المِلَّةِ لَكِنَّهَا تَنْقُصُ كَمَالَ الإِيمَانِ الوَاجِبِ وَتُعَدُّ كَبِيرَةً:

 * المَوَدَّةُ لِأَجْلِ القَرَابَةِ أَوِ الدُّنْيَا: مَعَ بَقَاءِ بُغْضِ الكُفْرِ فِي القَلْبِ، وَهِيَ حَالُ حَاطِبٍ الَّذِي سَنُفَصِّلُهُ.

 * التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِي العَادَاتِ وَاللِّبَاسِ: الَّذِي لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ دِينِهِمْ، مَعَ مَحَبَّةِ ذَلِكَ (أَمَّا مَا كَانَ مِنْ خَصَائِصِ دِينِهِمْ فَالخَطَرُ فِيهِ أَعْظَمُ).

 * مُصَانَعَتُهُمْ وَمُدَاهَنَتُهُمْ: لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ زَائِلَةٍ، دُونَ الرِّضَا بِبَاطِلِهِمْ [6].

رابعًا: تَحْقِيقُ قِصَّةِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ وَفَوَائِدُهَا العَقَدِيَّةُ

سِيَاقُ القِصَّةِ: كَتَبَ حَاطِبٌ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كِتَابًا لِأَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ مَسِيرِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ قَبْلَ الفَتْحِ، فَنَزَلَ الوَحْيُ بِذَلِكَ.

الفوائد العقدية والأصولية:

 * قَاعِدَةُ (اِنْتِفَاءِ التَّلَازُمِ بَيْنَ الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ فِي الـمُوَالاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ): فِعْلُ حَاطِبٍ فِي الظَّاهِرِ هُوَ (مُوَالاةٌ)، لَكِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَأَلَهُ عَنْ "بَاطِنِهِ" وَقَصْدِهِ (مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا؟)، فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَنَّ البَاعِثَ هُوَ حِمَايَةُ أَهْلِهِ بِمَكَّةَ وَلَيْسَ الرِّدَّةَ، قَبِلَ عُذْرَهُ.

 * بَقَاءُ اِسْمِ الإِيمَانِ: خَاطَبَ اللهُ حَاطِبًا وَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُ بِقَوْلِهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَمَلَهُ هَذَا "مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ" لَمْ تَهْدِمْ أَصْلَ الإِيمَانِ لِفَقْدِ شَرْطِ (الرِّضَا بِالكُفْرِ).

 * مَنْعُ التَّكْفِيرِ بِاللَّازِمِ: رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى عُمَرَ لَمَّا قَالَ "دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا المُنَافِقِ"، وَبَيَّنَ فَضْلَ حَاطِبٍ بِشُهُودِ بَدْرٍ، وَأَنَّ هَذَا الفَضْلَ يَمْنَعُ مِنْ لُحُوقِ حُكْمِ الكُفْرِ بِهِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ [7].

خامسًا: شُرُوحُ الـمُحَقِّقِينَ لِهَذِهِ المَسْأَلَةِ

 * الشَّيْخُ اِبْنُ عُثَيْمِين: أَكَّدَ أَنَّ هَذِهِ المَسْأَلَةَ هِيَ "ثَمَرَةُ التَّوْحِيدِ"؛ فَالَّذِي يَدَّعِي مَحَبَّةَ اللهِ ثُمَّ يُوَادُّ أَعْدَاءَهُ كَاذِبٌ فِي دَعْوَاهُ، وَبَيَّنَ أَنَّ الوَلَاءَ وَالبَرَاءَ عَمَلٌ قَلْبِيٌّ يَتْبَعُهُ تَصَرُّفٌ ظَاهِرٌ [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حَرَّرَ مَسْأَلَةَ "الـمُحَادَّةِ"؛ وَبَيَّنَ أَنَّ الـمُحَادَّ هُوَ مَنْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ "حَدًّا" يُعَارِضُ حُدُودَ اللهِ، وَأَنَّ قُوَّةَ الإِيمَانِ تَقْتَضِي عَدَمَ الِاجْتِمَاعِ مَعَ مَوَدَّةِ مِثْلِ هَؤُلَاءِ [9].

 * الشَّيْخُ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (صَاحِبُ التَّيْسِيرِ): صَنَّفَ كِتَابَهُ "أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ" فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، وَشَدَّدَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الـمُوَافَقَةَ لِلْمُشْرِكِينَ خَوْفًا عَلَى مَالٍ أَوْ جَاهٍ (دُونَ إِكْرَاهٍ) فَقَدْ وَقَعَ فِي خَطَرٍ عَظِيمٍ، وَأَنَّ الدِّينَ لَا يَقُومُ إِلَّا بِالبَرَاءِ [10].

سادسًا: التَّحْقِيقُ العقدية التربوي وَالعَمَلِيُّ (المَسْلَكُ المَنْهَجِيُّ)

 * المسلك العقدي: هَدْمُ "المُيُوعَةِ العَقَدِيَّةِ"؛ فَلَا يَجُوزُ بِحُجَّةِ (التَّعَايُشِ) أَنْ تَذُوبَ الفَوَارِقُ بَيْنَ الـمُوَحِّدِ وَالـمُشْرِكِ فِي المَحَبَّةِ القَلْبِيَّةِ.

 * المسلك العملي: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (الـمُصَانَعَةِ) وَ(الـمُدَارَاةِ)؛ فَالمُدَارَاةُ (بَذْلُ الدُّنْيَا لِصِيَانَةِ الدِّينِ) جَائِزَةٌ، وَالمُدَاهَنَةُ (بَذْلُ الدِّينِ لِصِيَانَةِ الدُّنْيَا) مُحَرَّمَةٌ.

 * المسلك التربوي: رَبْطُ الطَّالِبِ بِعِزَّةِ الإِسْلَامِ؛ فَالمُؤْمِنُ يَعْتَزُّ بِوَلَائِهِ لِلَّهِ، وَلَا يَرَى فِي أَعْدَاءِ اللهِ مَوْضِعًا لِلْقُدْوَةِ أَوْ لِلْمَوَدَّةِ الصَّافِيَةِ [11].

&&&&&&&&&

[1] التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ، اِبْنُ عَاشُورٍ، المجلد 28، ص 59.

[2] لِسَانُ العَرَبِ، اِبْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 3، ص 454.

[3] تَفْسِيرُ القُرْآنِ العَظِيمِ، اِبْنُ كَثِيرٍ، المجلد 8، ص 81.

[4] فَتْحُ القَدِيرِ، الشَّوْكَانِيُّ، المجلد 5، ص 198.

[5] نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ، الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، النَّاقِضُ الثَّامِنُ.

[6] الدُّرَرُ السَّنِيَّةُ فِي الأَجْوِبَةِ النَّجْدِيَّةِ، المجلد 8، ص 120.

[7] صَحِيحُ البُخَارِيِّ، رقم (3007)، وَشَرْحُهُ فَتْحُ البَارِي، المجلد 7، ص 305.

[8] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، اِبْنُ عُثَيْمِين، ص 50.

[9] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 68.

[10] أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ آلِ الشَّيْخِ، ص 15.

[11] حَاشِيَةُ اِبْنِ قَاسِمٍ، ص 25.

-&&&&&&&&&

المَبْحَثُ السَّابِعُ: أَهَمِّيَّةُ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ وَخُطُورَةُ الجَهْلِ بِهَا

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ لِـ (الإِعْرَاضِ وَالجَهْلِ)

 * الإِعْرَاضُ لُغَةً: مِنْ (عَرَضَ)، وَهُوَ التَّوَلِّي بِالجَانِبِ. وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ تَرْكُ تَعَلُّمِ مَا لَا يَصِحُّ الدِّينُ إِلَّا بِهِ [1].

 * الجَهْلُ بِمَسَائِلِ التَّوْحِيدِ: يَنْقَسِمُ إِلَى جَهْلٍ (بَسِيطٍ) وَجَهْلٍ (مُرَكَّبٍ)، وَالخُطُورَةُ تَكْمُنُ فِي أَنَّ بَعْضَ المَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ هِيَ "مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ" الَّتِي لَا يُعْذَرُ فِيهَا بَالِغٌ عَاقِلٌ يَعِيشُ بَيْنَ الـمُسْلِمِينَ.

 * الأَهَمِّيَّةُ: اِسْمُ مَصْدَرٍ مِنَ (الهَمِّ)، وَهِيَ مَا يُقَدَّمُ لِعِظَمِ شَأْنِهِ، وَهَذِهِ المَسَائِلُ قُدِّمَتْ لِأَنَّهَا مَبْنَى النَّجَاةِ مِنَ الخُسْرَانِ المَذْكُورِ فِي سُورَةِ العَصْرِ [2].

ثانيًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ (أَهَمِّيَّةُ المَسَائِلِ فِي حَيَاةِ الـمُوَحِّدِ)

تَتَمَثَّلُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ المَسَائِلِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ:

 * أَنَّهَا أَصْلُ الأُصُولِ: فالمسألة الأولى (الخلق والرزق وعدم الترك هملاً) هي ركيزة "الربوبية"، والثانية (إفراد الله بالعبادة) هي ركيزة "الألوهية"، والثالثة (الولاء والبراء) هي "ثمرة التوحيد" وعروته الوثقى.

 * أَنَّهَا شَرْطُ صِحَّةِ الدِّينِ: فَمَنْ جَهِلَ أَنَّ اللهَ خَلَقَهُ لِيَعْبُدَهُ (المسألة 1)، أَوْ أَشْرَكَ مَعَهُ غَيْرَهُ (المسألة 2)، أَوْ وَالَى أَعْدَاءَهُ (المسألة 3)؛ لَمْ يَكُنْ مُوَحِّدًا حَقِيقِيًّا.

 * العِلَاقَةُ التَّكَامُلِيَّةُ: المَسَائِلُ الثَّلَاثُ تَبْنِي "شَخْصِيَّةَ الـمُوَحِّدِ" فِي نَفْسِهِ (عِلْمًا وَعَمَلًا)، وَفِي عِبَادَتِهِ لِرَبِّهِ، وَفِي مَوْقِفِهِ مِنَ الـمُجْتَمَعِ وَالنَّاسِ [3].

ثالثًا: المَسْلَكُ التَّحْذِيرِيُّ (خُطُورَةُ الجَهْلِ وَالإِعْرَاضِ)

حَذَّرَ العُلَمَاءُ مِنْ نَاقِضٍ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ يُسَمَّى (نَاقِضُ الإِعْرَاضِ):

 * تَعْرِيفُهُ: هُوَ أَنْ يُعْرِضَ الإِنْسَانُ عَنْ تَعَلُّمِ أَصْلِ دِينِهِ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا.

 * الفرقُ بَيْنَ العُذْرِ بِالجَهْلِ وَالإِعْرَاضِ: العُذْرُ بِالجَهْلِ يَكُونُ فِي المَسَائِلِ الخَفِيَّةِ أَوْ لِمَنْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَمَّا "أُصُولُ التَّوْحِيدِ" وَ"بُطْلَانُ الشِّرْكِ" فَهِيَ مَسَائِلُ ظَاهِرَةٌ، الإِعْرَاضُ عَنْ تَعَلُّمِهَا يَقْدَحُ فِي أَصْلِ الإِيمَانِ [4].

 * الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [5].

رابعًا: المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ وَالعَمَلِيُّ لِطَالِبِ العِلْمِ

 * المسلك العملي: التَّدَرُّجُ فِي التَّأْصِيلِ؛ فَلَا يَنْبَغِي لِطَالِبِ العِلْمِ أَنْ يَنْشَغِلَ بِمُلَحِ العِلْمِ وَفُرُوعِهِ قَبْلَ إِتْقَانِ هَذِهِ المَسَائِلِ الثَّلَاثِ "تَصَوُّرًا، وَاسْتِدْلَالًا، وَتَطْبِيقًا".

 * المسلك التربوي: اِسْتِشْعَارُ النِّعْمَةِ؛ فَالجَهْلُ بِهَذِهِ المَسَائِلِ ضَلَالٌ، وَالعِلْمُ بِهَا مِحْنَةٌ إِنْ لَمْ يَتْبَعْهُ عَمَلٌ؛ لِذَلِكَ كَانَ المُصَنِّفُ يُكَرِّرُ (اِعْلَمْ رَحِمَكَ اللهُ) تَنْبِيهًا لِلْقَلْبِ وَاسْتِجْلَابًا لِلرَّحْمَةِ المَقْرُونَةِ بِالعِلْمِ [6].

خامسًا: شُرُوحُ الـمُحَقِّقِينَ فِي خِتَامِ هَذَا القِسْمِ

 * الشَّيْخُ اِبْنُ عُثَيْمِين: ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ المَسَائِلَ هِيَ "مِيزَانُ الِاسْتِقَامَةِ"؛ فَبِقَدْرِ حَظِّ العَبْدِ مِنْهَا يَكُونُ حَظُّهُ مِنَ الإِسْلَامِ، وَحَذَّرَ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْهَا فِي زَمَنِ الفِتَنِ [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بَيَّنَ أَنَّ تَقْدِيمَ هَذِهِ المَسَائِلِ قَبْلَ "الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ" (مَعْرِفَةِ الرَّبِّ وَالدِّينِ وَالنَّبِيِّ) هُوَ تَوْطِئَةٌ ضَرُورِيَّةٌ لِتَصْحِيحِ المَنْهَجِ العَقَدِيِّ لِلطَّالِبِ [8].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ قَاسِمٍ: أَشَارَ فِي حَاشِيَتِهِ إِلَى أَنَّ الجَهْلَ بِهَذِهِ المَسَائِلِ يُوقِعُ فِي التَّنَاقُضِ؛ فَقَدْ يَدَّعِي الإِنْسَانُ التَّوْحِيدَ وَهُوَ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللهِ، أَوْ يَدَّعِي الإِيمَانَ وَهُوَ لَا يَعْمَلُ بِشَرِيعَةِ اللهِ [9].

سادسًا: الفَوَائِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ الـمُسْتَخْرَجَةُ

 * قاعدة (العلم إمام العمل): لَا نَجَاةَ بِلَا عِلْمٍ، وَلَا قِيمَةَ لِعِلْمٍ بِلَا عَمَلٍ.

 * قاعدة (البيان قبل المؤاخذة): أَنَّ اللهَ بَعَثَ الرُّسُلَ لِيَقْطَعَ مَعْذِرَةَ الجَهْلِ؛ فَالقُرْآنُ بَيْنَ أَيْدِينَا هُوَ الحُجَّةُ القَائِمَةُ.

 * قاعدة (عظم شأن الولاء والبراء): جَعْلُهُ مَسْأَلَةً مُسْتَقِلَّةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ فِي صِحَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الآخَرِينَ مِنْ مَنْظُورٍ عَقَدِيٍّ [10].

-&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] لِسَانُ العَرَبِ، اِبْنُ مَنْظُورٍ، المجلد 4، ص 560.

[2] التَّعْرِيفَاتُ، الجُرْجَانِيُّ، ص 42.

[3] تَيْسِيرُ العَزِيزِ الحَمِيدِ، سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ص 22.

[4] نَوَاقِضُ الإِسْلَامِ، الإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، ص 12.

[5] سُورَةُ السَّجْدَةِ، الآيَةُ 22.

[6] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 72.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، اِبْنُ عُثَيْمِين، ص 52.

[8] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 75.

[9] حَاشِيَةُ اِبْنِ قَاسِمٍ عَلَى ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، ص 28.

[10] مَجْمُوعُ الفَتَاوَى، اِبْنُ تَيْمِيَّةَ، المجلد 28، ص 205.

&&&&&&&&&&&&&

مُلْحَقُ [أ] المَقَدِّمَاتِ: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ العُذْرِ بِالجَهْلِ وَضَوَابِطِ التَّكْفِيرِ العَيْنِيِّ

أولًا: التَّحْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ لِلْعُذْرِ وَالجَهْلِ

 * العُذْرُ لُغَةً: مادة (ع ذ ر) تدور حول "إزالة الذنب" أو "الاحتجاج لرفع اللوم". والمعنى: الحجة التي يُقبل بها رفع العقوبة أو الحكم عن المكلف [1].

 * الجَهْلُ لُغَةً: خلو النفس من العلم، وهو ضد العلم. وفي الاصطلاح العادي: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، أو عدم العلم بالحق أصلاً.

 * العُذْرُ بِالجَهْلِ شَرْعًا: هو عدم إيقاع الحكم المترتب على المخالفة (سواء كان كفراً أو فسقاً) على المكلف بسبب عدم بلوغ الحجة إليه، أو عدم قدرته على فهمها [2].

ثانيًا: التَّأْصِيلُ العَقَدِيُّ (قَاعِدَةُ البَيَانِ قَبْلَ الـمُؤَاخَذَةِ)

يقوم المنهج السلفي على قاعدة قرآنية صلبة: "لا تكليف إلا ببيان، ولا عقوبة إلا بعد إنذار".

 * الدليل: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾، وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

 * التحقيق: هذه الآيات تدل على أن الله -بكمال عدله- لا يؤاخذ العباد بمجرد العقل في مسائل الشرائع، بل لا بد من بلوغ الحجة الرسالية [3].

ثالثًا: التَّفْرِيقُ بَيْنَ (التَّكْفِيرِ النوع) وَ(التَّكْفِيرِ الـمُعَيَّنِ)

هذا هو "مفتاح النجاة" في فهم مذهب أهل السنة والجماعة، وهو ما شدد عليه الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي وغيره من المحققين:

 * التكفير الـمُطلق ( النوع): هو الحكم على "الفعل" أو "القول" بأنه كفر. مثل قولنا: "من سجد لصنم فقد كفر"، أو "من قال إن القرآن مخلوق فقد كفر". وهذا حكم عام على المذهب والمقالة [4].

 * التكفير الـمُعين (تفرقة العين): هو الحكم على "شخص بعينه" (فلان بن فلان) بأنه كفر. وهذا لا يلزم من الحكم الأول بالضرورة؛ فقد يفعل الشخص "الكفر" ولا يكون "كافراً" لوجود مانع (كالجهل أو التأويل أو الإكراه) [5].

رابعًا: شُرُوطُ التَّكْفِيرِ وَمَوَانِعُهُ (الرُّؤْيَةُ السَّلَفِيَّةُ)

أهل السنة لا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله، ولا يكفرون بالوقوع في المكفر إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع:

1. الشُّرُوطُ (التي يجب توفرها):

 * البلوغ والعقل: فلا تكليف على صبي أو مجنون.

 * القصد (الإرادة): أن يقصد فعل الكفر باختياره (وإن لم يقصد الكفر نفسه، بل قصد الفعل المكفر).

 * العلم: أن يعلم أن هذا الفعل محرم وشرك.

 * بُلوغُ الحُجَّةِ: أن تصله الأدلة الشرعية التي يفهم بها الحق [6].

2. المَوَانِعُ (التي يجب أن تزول):

 * الجَهْلُ: وهو ما نحن بصدده؛ أن يخفى عليه الحكم لبعد عهد بالإسلام أو نشأة في بادية بعيدة.

 * الإِكْرَاهُ: لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.

 * التَّأْوِيلُ السَّائِغُ: أن يفهم النص على غير وجهه لشبهة عرضت له، وهو يظن أنه متبع للحق.

 * الخَطَأُ: كمن نطق بكلمة الكفر من شدة الفرح أو الغضب دون قصد (كصاحب الناقة) [7].

خامسًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ (ابْنُ عُثَيْمِين، الـمُعَلِّمِيُّ، السِّنْدِيُّ)

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   يرى الشيخ أن الجهل عذر شرعي عام في سائر الأحكام، بما في ذلك أصول العقيدة. يقول في "القواعد المثلى": "الكفر حكم شرعي لا يثبت إلا بالدليل، والأصل فيمن انتسب للإسلام بقاء إسلامه حتى يقوم الدليل على زواله". ويشترط الشيخ في بلوغ الحجة "أن تكون بحيث يُفهم منها الحق"، لا مجرد السماع العابر [8].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   حقق في "التنكيل" أن الجهل والتقليد قد يكونان عذراً في بعض المقالات الكفرية إذا كان الشخص لا يجد مرشداً أو غلبت عليه شبهات البيئة التي يعيش فيها، وفرق بين من "أعرض" وهو قادر، ومن "عجز" وهو طالب للحق [9].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي (المحقق القوي):

   أصل هذه المسألة في دروسه وكتبه (مثل: ضوابط التكفير)، وشدد على أن "قيام الحجة" يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمكنة. وقرر أن "فهم الحجة" ليس معناه "الاقتناع بها"، بل معناه "فهم المراد من الكلام" بحيث لا يبقى له شبهة يتمسك بها [10].

 * الشيخ صالح آل الشيخ:

   بين في "شرح ثلاثة الأصول" أن مذهب أئمة الدعوة النجدية هو العذر بالجهل في المسائل التي قد تخفى، أما "أصل التوحيد" فالحجة فيه قائمة بالقرآن، ولكن في التكفير العيني لا بد من "الاستفصال" و"البيان" لقطع المعذرة [11].

سادسًا: التَّحْقِيقُ التَّرْبَوِيُّ (مَسْلَكُ الـمُوَحِّدِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الـمُخَالِفِ)

 * الفرق بين الحكم على الفعل والرحمة بالفاعل: المسلك السلفي يقتضي "بُغض الكفر" وتغليظ القول فيه، مع "الرحمة بالجاهل" والحرص على هدايته وبيان الحق له، لا المسارعة إلى إخراجه من الملة.

 * خطورة التكفير بغير حق: استحضار وعيد النبي ﷺ: «إذا قال الرجل لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما». وهذا يورث "الورع العقدي" لدى الطالب [12].

&&&&&&&&&&

المَصَادِرُ 

[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 4، ص 544.

[2] العذر بالجهل في العقيدة، أحمد السعد، ص 45.

[3] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 12، ص 493.

[4] ضوابط التكفير، صالح السندي، ص 12-15.

[5] شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، المجلد 2، ص 438.

[6] القواعد المثلى، ابن عثيمين، ص 88.

[7] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، المجلد 1، ص 242.

[8] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد 2، ص 125.

[9] التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، المعلمي، المجلد 1، ص 210.

[10] دروس في العقيدة، صالح السندي (مفرغ)، درس ضوابط التكفير.

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 80.

[12] صحيح البخاري، رقم (6104).

&&&&&&&&&&'&

تَتِمَّةُ مُلْحَقِ العُذْرِ بِالجَهْلِ (الجزء الثاني):

 تَحْرِيرُ مَحَلِّ النِّزَاعِ وَحَدِّ الجَهْلِ

أولًا: التَّقْسِيمُ المَنْهَجِيُّ لِلْمَسَائِلِ العَقَدِيَّةِ (مَحَلُّ العُذْرِ)

قسم المحققون من أهل السنة، كابن تيمية وابن القيم ومن تبعهم من المعاصرين كالشيخ السندي وصالح آل الشيخ، المسائل إلى مراتب من حيث ظهورها وخفاؤها:

1. مَسَائِلُ أُصُولِ الدِّينِ الظَّاهِرَةُ (أَصْلُ التَّوْحِيدِ):

 * تعريفها: هي المسائل التي لا يكاد يجهلها مسلم يعيش بين المسلمين، كعبادة الله وحده، وترك الشرك، والإيمان بالبعث، وتحريم الزنى والخمر.

 * التحقيق في العذر بها: ذهب جمع من المحققين إلى أن "أصل التوحيد" و"قبح الشرك" مما قامت به الحجة بالقرآن وبلوغ الرسالة، فلا يعذر فيها من نشأ بين المسلمين؛ لأن الحجة "ظاهرة" والجهل فيها "إعراض" لا "عجز".

 * الدليل: قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾؛ فكل من بلغه القرآن فقد قامت عليه حجة التوحيد [1].

2. المَسَائِلُ الخَفِيَّةُ (مَحَلُّ العُذْرِ بِالتَّفَاقِ):

 * تعريفها: هي المسائل التي قد تخفى دلالتها أو نصوصها على آحاد الناس، كدقائق مسائل الصفات، أو الأحكام الشرعية التي لم يشتهر ذكرها، أو المسائل التي وقع فيها نزاع وتأويل.

 * التحقيق: هذه المسائل يعذر فيها بالجهل حتى تبين للشخص الحجة الرسالية الواضحة التي يزول معها اللبس [2].

ثانيًا: تَحْرِيرُ "حَدِّ الجَهْلِ" الـمُعْتَبَرِ عِنْدَ السَّلَفِ

ليس كل "عدم علم" يسمى جهلاً معتبراً شرعاً يرفع الحكم، بل لا بد من ضوابط:

 * الجهل الناشئ عن "عجز" لا "إعراض": الجهل المعتبر هو الذي يبذل فيه صاحبه وسعه للوصول إلى الحق فلا يجد إليه سبيلاً (كناشئ في بادية بعيدة أو حديث عهد بالإسلام). أما من يعيش بين العلماء والكتب ويسمع الآيات ثم لا يسأل ولا يبحث، فهذا (مُعرض) وليس (جاهلاً)، والإعراض ناقض من نواقض الإسلام [3].

 * عدم القدرة على دفع الشبهة: أن يكون الشخص قد بلغه شيء من الحق، لكنه أحاطت به شبهات غليظة من علماء ضلال أو بيئة منحرفة، ولم يجد من يزيل عنه هذا اللبس [4].

ثالثًا: تَحْقِيقُ مَسْلَكِ الشَّيْخِ صَالِحِ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ السَّنْدِيِّ

أبدع الشيخ السندي في تحرير هذه النقطة في دروسه، وخلاصتها:

 * فهم الحجة ليس شرطاً للإيمان: يفرق الشيخ بين "بلوغ الحجة" و"فهم الحجة"؛ فالبلوغ هو سماع النص وفهم معناه اللغوي العام، أما الفهم الذي هو "الاقتناع والتسليم" فهذا ليس شرطاً لإقامة الحجة؛ وإلا لما قامت الحجة على الكفار المعاندين الذين قال الله عنهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.

 * قاعدة (المقدور عليه والمقدور عنه): يقرر الشيخ أن العذر بالجهل يدور وجوداً وعدماً مع القدرة على طلب العلم؛ فكل ما قدر العبد على تعلمه وفرط فيه فهو مؤاخذ به، وما عجز عنه فهو معذور فيه [5].

رابعًا: المَسْلَكُ العَقَدِيُّ فِي (التَّكْفِيرِ العَيْنِيِّ) وَسَدِّ ذَرِيعَةِ الخَوَارِجِ

من أعظم قواعد أهل السنة التي تمنع الفتنة والهرج:

 * الأصل في المسلم الإسلام: فلا يخرج منه إلا بيقين كما دخل فيه بيقين.

 * استيفاء الشروط وانتفاء الموانع: (وقد سبق بسطها)، ولكن التحقيق هنا هو أن "القاضي" أو "العالم الراسخ" هو المنوط به تنزيل حكم الكفر على الأعيان بعد الاستتابة وإزالة الشبهة، وليس لآحاد الناس تكفير المعينين بمجرد رؤية الفعل [6].

 * الفرق بين (الكفر) و(الظلم) و(الفسق): قد يفعل المسلم فعلاً كفرياً فيُسمى فعله كفراً، ولكن لا يسمى هو "كافراً" بل قد يسمى "ظالماً" أو "مخطئاً" أو "فاسقاً" بحسب حاله من العلم والجهل [7].

خامسًا: تَحْقِيقُ مَوْقِفِ العَلَّامَةِ الـمُعَلِّمِيِّ اليماني

في كتابه "التنكيل"، قدم المعلمي تحقيقاً رائقاً في "عذر المقلدين"، ملخصه:

 * أن العامي الذي يتبع عالماً يظنه على الحق، وهو غير قادر على النظر في الأدلة، قد يكون معذوراً في بعض المسائل التي أخطأ فيها متبوعه، بشرط ألا يكون متبعاً لهوى أو معرضاً عن حق بدا له [8].

سادسًا: القَوَاعِدُ العَقَدِيَّةُ وَالأُصُولِيَّةُ الـمُسْتَخْرَجَةُ مِنَ الـمُلْحَقِ

 * قاعدة (لا يلزم من وجود السبب وجود المسبب): فقد يوجد سبب الكفر (الفعل)، ولا يوجد المسبب (الحكم بالكفر) لوجود مانع (الجهل).

 * قاعدة (الحجة الرسالية): أن العقل وحده لا يكفي في إيجاد الثواب والعقاب، بل لا بد من إرسال الرسل.

 * قاعدة (درء الكفر بالشبهات): كما تُدرأ الحدود بالشبهات، فإن الكفر يُدرأ بشبهة الجهل أو التأويل السائغ [9].

سابعًا: التَّحْقِيقُ التَّرْبَوِيُّ لِطَالِبِ العِلْمِ (الخِتَامُ)

 * الورع في الأسماء والأحكام: يجب على طالب العلم أن يكون أشد الناس حذراً من إطلاق أحكام التكفير، وأن ينشغل بـ "تصحيح عقيدته" و"دعوة الناس بالرحمة" قبل "الحكم عليهم".

 * تعظيم نصوص الوعد والوعيد: العلم بالعذر بالجهل لا يعني التهوين من شأن الشرك، بل يعني تعظيم الدماء والأعراض المعصومة بالإسلام [1]

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 610.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 335.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 85.

[4] الاستقامة، ابن تيمية، المجلد 1، ص 164.

[5] ضوابط التكفير، صالح السندي، ص 40-45.

[6] الشرح الممتع، ابن عثيمين، المجلد 14، ص 465.

[7] الرد على الإخنائي، ابن تيمية، ص 210.

[8] التنكيل، المعلمي، المجلد 2، ص 180.

[9] القواعد المثلى، ابن عثيمين، ص 90.

[10] شرح العقيدة الواسطية، صالح آل الشيخ، المجلد 2، ص 300.

:::::::::::::::::::::::::::


المَبْحَثُ السَّابِعُ: الأَصْلُ الأَوَّلُ (مَعْرِفَةُ الرَّبِّ - ج1)

أولًا: نَصُّ القِطْعَةِ مُحَقَّقًا مُشَكَّلًا

قَالَ الإِمَامُ الـمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:

«فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ، الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ العَالَمِينَ بِنِعَمِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]، وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العَالَمِ».

ثانيًا: التَّفْرِيغُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ

1. مَنْ رَبُّكَ؟ (السُّؤَالُ):

 * لغةً: الرَّبُّ فِي اللُّغَةِ هو الـمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ، وَالـمُصْلِحُ، وَالـمَعْبُودُ. وَلَا يُطْلَقُ بِالأَلِفِ وَاللَّامِ (الرَّبُّ) إِلَّا عَلَى اللهِ تَعَالَى [1].

 * عقدياً: هذا السؤال ليس مجرد سؤال معرفي، بل هو أحد "أسئلة القبر الثلاثة" التي يُفتن بها العبد؛ لذا صدر به المصنف هذا الأصل لتنبيه العبد أن معرفة الرب هنا هي نجاته هناك.

2. اللهُ (الاسمُ العَلَمُ):

 * لغةً: أصله (الإله)، وحُذفت الهمزة، وهو مشتق من (أَلَهَ، يَأْلَهُ، إِلاهَةً) أي عَبَدَ تَعَبُّدًا.

 * عقدياً: هو الاسم الجامع لكل معاني الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهو الاسم الذي تتبعه الأسماء كلها، ومعناه: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين [2].

3. رَبَّانِي (التربيةُ):

 * لغةً: من (الرَّبِّ) وهو الإصلاح والقيام على الشيء وتنميته حالاً فحالاً حتى يبلغ كماله.

 * عقدياً: تربية الله لخلقه نوعان:

   * تربية عامة: وهي خلقهم، ورزقهم، وهدايتهم لما فيه بقاؤهم (وهي شاملة للمؤمن والكافر).

   * تربية خاصة: وهي تربية أوليائه بالإيمان، وتوفيقهم للطاعة، وعصمتهم من الفتن [3].

4. العَالَمِينَ:

 * لغةً: جمع (عَالَم)، وهو كل ما سوى الله تعالى. وسُموا "عالماً" لأنهم "عَلَامةٌ" على وجود خالقهم وحكمته وقدرته.

 * عقدياً: شمول ربوبية الله لكل ذرة في الوجود، فلا يخرج عن ملكه وتصرفه وإمداده ملكٌ ولا بشرٌ ولا شجرٌ [4].

5. مَعْبُودِي:

 * لغةً: العبادة في اللغة هي التذلل والخضوع؛ يُقال: "طريق مُعَبَّد" أي مذلل بالأقدام.

 * عقدياً: العبادة شرعاً هي: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة" كما حقق ابن تيمية. وهنا ربط المصنف بين "الربوبية" (رَبَّاني) وبين "الألوهية" (مَعْبُودِي)؛ فمن رباك بالنعم وجب أن تُفرده بالعبادة [5].

ثالثًا: تَحْقِيقُ المَشَايِخِ الأَرْبَعَةِ لِهَذِهِ القِطْعَةِ

1. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الجواب بـ "ربي الله" يقتضي الإقرار بالربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات. ونبه على أن قوله "رَبَّاني بنعمه" يشمل النعم الظاهرة والباطنة، وأعظمها نعمة الإسلام [6].

2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار في تحقيقه لـ "مقام العبودية" أن معرفة الرب تقتضي "كمال الحب مع كمال الذل"، وأن العبد كلما ازداد علماً بربوبية الله وتربيته له، ازداد خضوعاً وعبادةً [7].

3. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

بين أن المصنف بدأ بـ "من ربك" لأنها أول ما يُسأل عنه العبد في قبره، وحقق أن قوله "ليس لي معبود سواه" هو حقيقة (لا إله إلا الله)، فالمسألة ليست مجرد إقرار بوجود الخالق، بل هي إفراد بالقصد والطلب [8].

4. الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن قوله "وأنا واحد من ذلك العالم" فيه تذكير للعبد بفقره الذاتي وافتقاره المستمر لتربية الله؛ فبما أنك جزء من هذا العالم الذي لا غنى له عن الله طرفة عين، فكيف تعرض عن عبادته؟ [9].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمَصَادِر

[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 1، ص 399.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 32.

[3] تفسير السعدي، ص 38.

[4] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 7.

[5] العبودية، ابن تيمية، ص 44.

[6] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 50.

[7] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 240.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 65.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الخامس.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ السَّابِعِ: تَحْقِيقُ الدَّلِيلِ (آيَةُ الفَاتِحَةِ)

أولًا: نَصُّ الدَّلِيلِ مُحَقَّقًا مُشَكَّلًا

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].

ثانيًا: التَّفْسِيرُ السَّلَفِيُّ الـمُحَقَّقُ

هذه الآية هي "مجمع الثناء" على الله؛ فـ (الحَمْدُ) هو الثناء على المنعم بجمال صفاته وعظيم أفعاله مع المحبة والتعظيم. و (لِلَّهِ) اللام للاستحقاق والاختصاص، فلا يستحق كمال الحمد إلا هو. و (رَبِّ الْعَالَمِينَ) تقرير لربوبيته الشاملة لكل موجود، وتربيته للخلق أجمعين بالإيجاد والإمداد، وللمؤمنين بالإيمان والتوفيق [1].

ثالثًا: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ لِلآيَةِ

1. الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ:

 * الألف واللام في (الحَمْدُ): تفيد "الاستغراق"؛ أي أن جميع أنواع المحامد وصورها ثابتة لله وحده.

 * الاسم الشريف (الله): أصله "الإله" كما سبق، وتقديمه على الوصف (رب العالمين) يبين أن الألوهية هي الغاية التي من أجلها عُرِفت الربوبية.

 * الرب: صفة مشبهة تدل على الثبوت والدوام، فلا ينقطع تدبيره عن خلقه طرفة عين [2].

2. الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ:

 * الجمع بين التوحيدين: الآية جمعت بين توحيد الألوهية في قوله (لِلَّهِ) وتوحيد الربوبية في قوله (رَبِّ الْعَالَمِينَ).

 * برهان التلازم: المصنف استدل بهذه الآية ليُثبت أن من أقر بأن الله (رب العالمين) لزمه عقلاً وشرعاً أن يفرده بالـ (حمد) والعبادة، وهذا هو جوهر دعوة الرسل.

 * نفي الاستقلال عن المخلوق: فبما أن الله رب "كل" العالمين، فلا يملك أحدٌ من العالمين مع الله مثقال ذرة من خلق أو تدبير [3].

3. الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

 * مقام الشكر: تربية النفس على دوام شكر الله؛ فكل نعمة تتقلب فيها هي من أثر ربوبيته لك (ربَّاني بنعمه).

 * التواضع لله: استشعار العبد أنه "واحد من ذلك العالم" المفتقر لربه، يقتضي منه طرح الكبر والاعتراف بالضعف الذاتي.

 * محبة الله: الحمد المشروب بالمحبة يربي القلب على التعلق بالله لذاته ولإحسانه [4].

4. الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

 * التفكر في ملكوت الله: (العالمين) تشمل عالم الإنس، والجن، والملائكة، والجماد، والحيوان؛ فتدبر كيف يدبر الرب شؤون هذه العوالم في آنٍ واحد، ويرزقها ويحفظها، فلا يضل ربي ولا ينسى.

 * صلة العبد بربه: التدبر في كلمة (رب) يورث الأنس؛ لأن الرب هو القريب، المصلح، المربي، الذي يلحظ عبده بلطفه [5].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ الدَّلِيلِ

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   بين أن الآية تدل على أن الله محمود على كل حال، وأن ربوبيته للعالمين ربوبية "خلق وتصرف وملك"، وهذا يستلزم إفراده بالذل والخضوع. وحقق أن "العالم" سمي بذلك لأنه "عَلَم" على خالقه [6].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   أكد في تحقيقه لـ "مقام الحمد" أن حقيقة الحمد لا تتم إلا بالعمل بطاعة الله؛ فمن قال "الحمد لله" وعصى ربه في أمره ونهيه، فقد نقص من كمال حمدة بقدر معصيته [7].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   أشار إلى أن المصنف استدل بجزء من الفاتحة لأنها "أم القرآن" وأول ما يحفظه المسلم، ليُبين أن العقيدة موجودة في أظهر الأصول وأقرب النصوص للعبد، وليست لغزاً غامضاً [8].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   حقق أن قوله "وأنا واحد من ذلك العالم" هي قاعدة (الافتقار المحض)؛ فإذا علمت أنك جزء من كل، وأن الكل محتاج، علمت بطلان دعوى الاستغناء عن الله [9].

خامسًا: الفَوَائِدُ وَالقَوَاعِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ

 * قاعدة: توحيد الربوبية يُستدل به على توحيد الألوهية.

 * قاعدة: كل نعمة في الوجود هي مظهر من مظاهر ربوبية الله.

 * الفائدة: وجوب تقديم الثناء على الله قبل المسألة (كما في الفاتحة).

 * الفائدة: سعة ملك الله وشمول تدبيره لكل ذرة في الأكوان [10].

::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمَصَادِرُ 

[1] تفسير الطبري، المجلد 1، ص 142.

[2] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 380.

[3] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 35.

[4] تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، ص 39.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 1، ص 25.

[6] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 51.

[7] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 245.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 66.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الخامس.

[10] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، ص 25.

أبا أنس؛ بهذا تم تحقيق ملحق الدليل للأصل الأول بجميع مسالكه.

فهل ننتقل الآن إلى الفقرة التالية في المتن: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ

: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟) لنفصل فيها كما تعودنا؟


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّامِنُ: الأَصْلُ الأَوَّلُ (بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ - ج2)

أولًا: نَصُّ القِطْعَةِ مُحَقَّقًا مُشَكَّلًا

قَالَ الإِمَامُ الـمُجَدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:

«فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخْلُوقَاتِهِ؛ وَمِنْ آيَاتِهِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ: السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا».

ثانيًا: التَّفْرِيغُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ

1. بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ (سُؤَالُ الـمَعْرِفَةِ):

 * لغةً: "بِمَ" حَرْفُ جَرٍّ (البَاءُ) دَاخِلٌ عَلَى (مَا) الِاسْتِفْهَامِيَّةِ، وَالبَاءُ هُنَا لِلسَّبَبِيَّةِ أَوِ الِاسْتِعَانَةِ؛ أَيْ: مَا السَّبَبُ الَّذِي أَوْصَلَكَ لِـمَعْرِفَةِ رَبِّكَ؟ [1].

 * عقدياً: المعرفةُ نوعانِ: معرفةٌ فِطريَّةٌ (مغروسةٌ في النفوسِ)، ومعرفةٌ نظريَّةٌ استدلاليَّةٌ (عن طريقِ الآياتِ). والمصنفُ هنا يُرشدُ العبدَ لكيفيةِ تثبيتِ إيمانِهِ بـ "النَّظرِ والتَّفكرِ".

2. بِآيَاتِهِ:

 * لغةً: الآيَةُ هيَ العَلَامَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالـمُعْجِزَةُ، وَالعِبْرَةُ.

 * عقدياً: آياتُ اللهِ نوعانِ:

   * آيَاتٌ كَوْنِيَّةٌ: وهيَ المذكورةُ هنا (الشمسُ، القمرُ..).

   * آيَاتٌ شَرْعِيَّةٌ: وهيَ الوحيُ والقرآنُ الكريمُ. وكلاهُما يدلانِ على الخالقِ [2].

3. وَمَخْلُوقَاتِهِ:

 * لغةً: جَمْعُ مَخْلُوقٍ، وَهُوَ مَا أَوْجَدَهُ اللهُ مِنَ العَدَمِ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ.

 * عقدياً: الفرقُ بينَ الآيةِ والمخلوقِ (في هذا السياقِ): أنَّ الآيةَ تظهرُ فيها الدَّلالةُ على المتغيراتِ والتدبيرِ (كالليلِ والنهارِ)، بينما المخلوقُ يدلُّ بـ "جِرمِهِ وذاتِهِ" على عظمةِ مَنْ أوجدَهُ [3].

4. اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالقَمَرُ:

 * تحقيقاً: هذهِ هيَ الآياتُ "العُلويَّةُ" المتغيرةُ؛ فدورانُ الليلِ والنهارِ، وتسخيرُ الشمسِ والقمرِ، أدلةٌ حسيَّةٌ قاطعةٌ على وجودِ مُدبّرٍ حكيمٍ يَصرفُها، إذْ لا يمكنُ لِجمادٍ أنْ يَنضبطَ هذا الانضباطَ الدقيقَ بِنفسِهِ.

5. السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ:

 * تحقيقاً: هذهِ هيَ أُصولُ المخلوقاتِ "العظيمةِ"؛ فالسَّمواتُ في عُلوِّها وسِعَتِها، والأرضُ في بِساطِها وقرارِها، شاهدةٌ بلسانِ حالِها على قدْرَةِ باريها [4].

ثالثًا: تَحْقِيقُ الـمَشَايِخِ الأَرْبَعَةِ لِهَذِهِ القِطْعَةِ

1. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حَقَّقَ أنَّ المعرفةَ باللهِ تكونُ بثلاثةِ طُرقٍ: الفطرةِ، والعقلِ (بِالنظرِ في الآياتِ)، والشرعِ. ونبَّهَ على أنَّ الليلَ والنهارَ آيتانِ زمانيَّتانِ، والشمسَ والقمرَ آيتانِ مكانيَّتانِ، والكلُّ مُسخَّرٌ بأمرِهِ سبحانَهُ [5].

2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أَشارَ في "مقالاتِهِ" إلى أنَّ أعظمَ دليلٍ على الصانعِ هو "الإتقانُ" و"الإحكامُ"؛ فليسَ مجردُ وجودِ الشمسِ هو الدليلُ، بلْ وجودُها وفقَ نظامٍ يَخدمُ الحياةَ هو الدليلُ الصَّارفُ للصُّدفةِ والعَبثِ [6].

3. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

بَيَّنَ أنَّ المصنفَ سَلَكَ مَسلكَ القرآنِ في الاستدلالِ بالـمُشاهدِ الـمحسوسِ؛ لِيصلَ بهِ إلى الـمغيبِ الـمعقولِ. وحقَّقَ أنَّ الإيمانَ المبنيَّ على اليقينِ النَّاتجِ عنْ تفكرٍ يكونُ أثبتَ في القلبِ عندَ الشُّبهاتِ [7].

4. الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

أَكَّدَ أنَّ قولهَ "بآياتِهِ ومخلوقاتِهِ" يَسدُّ البابَ على مَنْ يُعطّلُ عقلَهُ عنِ التفكرِ؛ فالشرعُ لمْ يَأمرنا بالتقليدِ الـمَحْضِ في أصلِ الدينِ، بلْ حثَّنا على "لينظرَ الإنسانُ" و"أفلا ينظرونَ"، لِتكونَ الـمَعرفةُ عنْ بَيِّنَةٍ [8].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمَصَادِرُ 

[1] مَعْجَمُ مَقَايِيسِ اللُّغَةِ، اِبْنُ فَارِسٍ، مَادَّةُ (عَرَفَ).

[2] مَدَارِجُ السَّالِكِينَ، اِبْنُ القَيِّمِ، الـمُجَلَّدُ 1، ص 450.

[3] فَتْحُ الـمَجِيدِ شَرْحُ كِتَابِ التَّوْحِيدِ، ص 18.

[4] تَفْسِيرُ اِبْنِ كَثِيرٍ، الـمُجَلَّدُ 3، ص 410.

[5] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، اِبْنُ عُثَيْمِين، ص 54.

[6] آثَارُ الشَّيْخِ الـمُعَلِّمِيِّ، الـمُجَلَّدُ 10، ص 250.

[7] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ، صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ، ص 68.

[8] شَرْحُ ثَلَاثَةِ الأُصُولِ (مُفَرَّغٌ)، صَالِحُ السَّنْدِيُّ، الدَّرْسُ السَّادِسُ.


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَتِمَّةُ المَبْحَثِ الثَّامِنِ: تَحْقِيقُ أَدِلَّةِ الـمَعْرِفَةِ (آيَاتُ الكَوْنِ)

أولًا: نَصُّ الأَدِلَّةِ مُحَقَّقًا مُشَكَّلًا

 * قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

 * قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: 37].

ثانيًا: التَّفْسِيرُ السَّلَفِيُّ الـمُحَقَّقُ

يقرر الله في هذه الآيات عظمة ربوبيته من خلال أفعاله الكبرى؛ فهو الذي أوجد السماوات والأرض في زمن قدره بحكمته، واستوى على عرشه استواءً يليق بجلاله، وهو الذي يدبر الزمان بتقليب الليل والنهار، ويدبر المكان بتسخير الأجرام العلوية. وكل ذلك برهان على أن "الخلق" ملكه و"الأمر" شرعه، فاستحق وحده السجود والعبادة دون وسائط من كواكب أو غيرها [1].

ثالثًا: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ لِلأَدِلَّةِ

1. الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ:

 * (يَطْلُبُهُ حَثِيثًا): الحثيث هو السريع المجدّ؛ وصَفَ تعاقب الليل والنهار بالطلب الحثيث لبيان دقة النظام الكوني الذي لا يتخلف ولا يفتقر لتدبير غيره.

 * (أَلَا): حرف استفتاح يفيد التنبيه والتوكيد لما سيأتي بعدها من عظيم الكلام.

 * (مُسَخَّرَاتٍ): اسم مفعول يفيد القهر والذل؛ أي أن هذه الأجرام العظيمة لا تملك من أمرها شيئاً، بل هي منقادة لأمر بارئها [2].

2. الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ:

 * إثبات الصفات: الآية نص في إثبات صفة "الخلق"، وصفة "الاستواء" على العرش، وصفة "الأمر" (الكلام).

 * قاعدة (الخلق والأمر): فرّق الله بين الخلق (الكونيات) والأمر (الشرعيات)؛ فكما أنه المنفرد بالخلق، فهو المنفرد بالتشريع والتحليل والتحريم.

 * بطلان الشرك بالوسائط: الآية الثانية منعت السجود للشمس والقمر رغم عظمتهما، لأنهما (مخلوقان)، والمخلوق لا يُعبد مهما علا شأنه [3].

3. الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

 * تعظيم الله: النظر في هذه المخلوقات الهائلة (النجوم، العرش) يورث في القلب تعظيم الخالق، فمن خلق العظيم فهو أعظم.

 * الانقياد للشرع: إذا كانت الشمس والقمر في سمائها "مسخرات بأمره" قدراً، فكيف بالإنسان المكلف لا ينقاد لأمره شرعاً؟

 * طمأنينة القلب: استشعار أن مدبر الكون هو "ربك"، يجعلك تثق في تدبيره لحياتك كما تثق في تدبيره لليل والنهار [4].

4. الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

 * تأمل الزمان: كيف يغشي الليلُ النهارَ فيسكن الناس، ثم يطرد النهارُ الليلَ فينتشر الناس لمعايشهم، لولا لطف الرب وحكمته؟

 * تأمل الثبات: بقاء السماوات بغير عمد ترونها، وجريان النجوم في مساراتها آلاف السنين دون تصادم، برهان عقلي يقطع دابر "الصدفة" [5].

رابعًا: تَحْقِيقُ أَقْوَالِ الـمُحَقِّقِينَ حَوْلَ الأَدِلَّةِ

 * الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين:

   حقق أن قوله (لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) كافٍ في إثبات الألوهية؛ فالخلق ملكه، والأمر شرعه، فمن نازعه في أمره فقد ادعى شركة في خلقه. ونبه على أن السجود لله وحده هو غاية التوحيد [6].

 * الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي:

   أشار إلى أن الله استدل بـ "خلق" الكواكب على "بطلان" عبادتها؛ لأن العبادة لا تليق إلا بمن خلق، وما دامت الشمس والقمر "مخلوقات" فهي فقيرة، والفقير لا يُدعى ولا يُسجد له [7].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:

   بين أن المصنف اختار آيات الأعراف لأنها جمعت أصول "آيات المعرفة" (الزمانية والمكانية)، وحقق أن "تبارك" لا تُقال إلا لله، وهي تدل على كثرة خيره ودوام بركته في خلقه وأمره [8].

 * الشيخ صالح بن عبد العزيز السندي:

   أكد أن (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) شرطية تفيد أن حقيقة العبادة هي الإخلاص؛ فمن سجد لله ولغيره لم يعبد الله حقيقةً، لأن العبادة لا تُقبل إلا بإفراد [9].

:::::::::::::::::::::::::::::::::؛

[1] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 3، ص 425.

[2] معجم مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني، ص 405.

[3] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 5، ص 110.

[4] تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، ص 291.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 2، ص 205.

[6] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 55.

[7] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 255.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 70.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس السادس.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::


أبشر يا أبا أنس؛ ننتقل الآن إلى هذه الجملة العظيمة التي هي "مفترق الطرق" بين الموحدين والمشركين، وهي قوله: (وَالرَّبُّ هُوَ الـمَعْبُودُ)، لنبين كيف استدل المصنف بـ "الربوبية" على "الألوهية"، وإليك التحقيق والبيان:

المَبْحَثُ التَّاسِعُ: الأَصْلُ الأَوَّلُ (الرَّبُّ هُوَ الـمَعْبُودُ - ج3)

أولًا: نَصُّ القِطْعَةِ مُحَقَّقًا مُشَكَّلًا

قَالَ الإِمَامُ الـمُجدِّدُ -رَحِمَهُ اللهُ-:

«وَالرَّبُّ هُوَ الـمَعْبُودُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21-22]».

ثانيًا: التَّفْرِيغُ اللَّغَوِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِلْمُفْرَدَاتِ

1. وَالرَّبُّ هُوَ الـمَعْبُودُ:

 * لغةً: استخدام ضمير الفصل (هُوَ) وتعريف الخبر (الـمَعْبُودُ) يفيد الحصر والكمال؛ أي: لا يستحق وصف العبادة والتعظيم بحق إلا من ثبتت له صفة الربوبية [1].

 * عقدياً: هذه الجملة هي "لبُّ" دعوة الرسل؛ فالكفار أقروا بالربوبية (أنه الخالق الرازق)، لكنهم أشركوا في الألوهية، فجاء المصنف ليقول لهم: إن "الرب" الذي أقررتم به هو وحده الذي يجب أن "تعبدوه" [2].

2. أَنْدَادًا:

 * لغةً: جَمْعُ (نِدٍّ)، وَالنِّدُّ هو الـمِثْلُ وَالنَّظِيرُ، وَلَا يُقَالُ نِدٌّ إِلَّا لِلْمِثْلِ الـمُخَالِفِ الـمُضَادِّ.

 * عقدياً: النِّدُّ هو كل ما صُرف له نوع من أنواع العبادة مع الله، سواء كان ملكاً مقرباً أو نبياً مرسلاً أو ضريحاً أو وثناً [3].

3. وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ:

 * تحقيقاً: أي تعلمون يقيناً أنه لا خالق ولا رازق إلا الله، فكيف تجعلون له شريكاً في العبادة وأنتم تعلمون انفراده بالخلق؟ وهذا إلزام للحجة بأقصى درجات البيان.

ثالثًا: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ لِآيَةِ البَقَرَةِ (الدَّلِيلُ)

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ:

   * (يَا أَيُّهَا النَّاسُ): نداء عام يشمل المؤمن والكافر، مما يدل على أن توحيد العبادة هو "الواجب الأول" على كل بشر.

   * (فِرَاشًا... بِنَاءً): تشبيه بليغ للأرض بالبساط الممهد، وللسماء بالسقف المحكم، لتقريب نعم الله للأفهام [4].

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ:

   * الاستدلال بالربوبية على الألوهية؛ ذكر "الخلق"، "الأرض"، "السماء"، "المطر"، "الرزق"، ثم رتّب عليها النهي عن "الأنداد".

   * النهي عن الشرك في العبادة (الأنداد) صريح في قوله (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا).

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

   * تنمية روح الامتنان؛ فالمؤمن عندما ينظر لرزقه ومسكنه (الأرض والسماء)، يستحي أن يعصي من مهد له الأرض وبنى له السماء.

   * تربية العقل على التلازم بين "النعمة" و"المنعم"؛ فكل أثر يدل على مؤثر، وكل نعمة تقتضي شكراً [5].

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

   * التأمل في الربط بين (خلقكم) و(والذين من قبلكم)؛ لبيان أن القوانين الإلهية في الخلق والعبادة لا تتغير بتغير الأزمان.

   * التفكر في كيفية خروج "الثمرات" من "الماء" و"التراب"؛ فمن أخرج الحي من الميت قادر على إحيائك للبعث والجزاء [6].

رابعًا: تَحْقِيقُ الـمَشَايِخِ الأَرْبَعَةِ لِهَذِهِ القِطْعَةِ

1. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن هذه الآية هي أول "أمر" في القرآن، وهي "اعبدوا"، وأول "نهي" في القرآن، وهو "فلا تجعلوا لله أنداداً". وحقق أن "الربوبية" حجة على المشركين في "ألوهيتهم" [7].

2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار في "آثاره" إلى أن العبادة هي حق الله المحض، وأن المشرك الذي يقر بالخالق ثم يدعو غيره قد ناقض عقله قبل شرعه، لأن الدعاء "مخُّ" العبادة ولا يُصرف إلا للرازق [8].

3. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

بين أن (الرب هو المعبود) تعني أن المستحق للعبادة هو الخالق الرازق فقط، فمن لم يخلق ولم يرزق (كالأصنام والأولياء) لا يستحق ذرة من عبادة [9].

4. الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن قوله (وأنتم تعلمون) تقطع أعذار المشركين؛ لأنهم فطروا على الإقرار بالخالق، فشركهم هو "عناد" ومخالفة لما استقر في عقولهم وفطرهم [10].

::::::::::::::::::::

الـمَصَادِرُ 

[1] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 13، ص 345.

[2] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 58.

[3] تفسير الطبري، المجلد 1، ص 368.

[4] معجم مفردات ألفاظ القرآن، الأصفهاني، ص 375.

[5] تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)، ص 45.

[6] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 1، ص 40.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 59.

[8] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 260.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 72.

[10] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس السابع.


::::::::::::::::::::::::::::::

 توثيق وتحقيق

 مقولة الإمام الحافظ ابن كثير -رحمه الله- وهي المقولة التي ختم بها المصنف استدلاله بآية البقرة، ليبين أن العقل السوي يقرر أن "الخالق" هو وحده "المستحق للعبادة".

المَبْحَثُ العَاشِرُ: تَحْقِيقُ مَقُولَةِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ

أولًا: نَصُّ القَوْلِ مُحَقَّقًا مِنْ مَصْدَرِهِ

نقل المصنف -رحمه الله- عن ابن كثير قوله: «الخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ هُوَ الـمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ».

 * النَّصُّ بِتَمَامِهِ مِنْ (تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ):

   قال الحافظ ابن كثير عند تفسيره لآيتي البقرة (21-22):

«فَالخَالِقُ لِهَذِهِ الأَشْيَاءِ هُوَ الـمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ؛ كَمَا قَالَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنِ الحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-... فَكُلُّ مَنْ كَانَ لَهُ بَصِيرَةٌ يَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي اسْتَقَلَّ بِخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَإِخْرَاجِ الرِّزْقِ لِلْعِبَادِ، هُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّأَلُّهِ وَالعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ» [1].

ثانيًا: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ عَلَى مَقُولَةِ ابْنِ كَثِيرٍ

1. الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ:

 * (الـخَالِقُ): جاءت معرفة بـ (أل) الاستغراقية، أي المنفرد بالخلق الحقيقي من العدم.

 * (الأَشْيَاء): جمع شيء، والمقصود بها الأصول المذكورة في الآية (السماء، الأرض، الماء، الثمرات).

 * (هُوَ الـمُسْتَحِقُّ): استخدام ضمير الفصل (هو) يفيد قصر الاستحقاق على الله وحده، ونفيه عمن لا يخلق [2].

2. الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ:

 * بُرهان التلازم: المقولة تقرر قاعدة عَقَدية كبرى: (أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية)؛ فالعقل والشرع يوجبان أن يكون المعبود هو نفسه الخالق، ومن عجز عن الخلق عجز عن استحقاق العبادة.

 * إبطال الشرك: في المقولة رد على عباد القبور والأصنام؛ لأنهم يقرون أن هذه الأشياء لم تخلق شيئاً، فكيف يصرفون لها حق الخالق؟ [3].

3. الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ:

 * ربط العبادة بالواقع: تربية العبد على ألا يرى "نعمة" (ثمرة، مطر، سكن) إلا ويذكر "حق الله" عليه؛ فالمجتمع الذي يرى النعم ولا يرى المنعم مجتمع جاحد.

 * عزة المؤمن: المؤمن لا يسجد لغير "الخالق"، وهذا يورثه عزة واستعلاءً عن الخضوع للمخلوقين الضعفاء الذين لا يملكون خلقاً ولا رزقاً [4].

4. الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ:

 * التفكر في (الاستحقاق): لماذا استحق الله العبادة؟ التدبر في المقولة يفتح باب التفكر في "صفات الكمال"؛ فالله استحق العبادة لأنه خلق، ولأنه رزق، ولأنه دبر، فاستحقاقه مبني على كمال ذاته وأفعاله [5].

ثالثًا: الفَوَائِدُ وَالقَوَاعِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ

 * قاعدة: "العجز عن الخلق دليل على بطلان الألوهية". (لقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾).

 * فائدة: الاستدلال بالبديهيات العقلية؛ فابن كثير هنا يخاطب الفطرة التي تدرك أن المنعم هو الذي يُشكر والرازق هو الذي يُطاع.

 * قاعدة: "الخالق ملكاً، هو الآمر شرعاً"؛ فمن له الخلق له حق التشريع والعبادة.

 * فائدة عزو الكلام: حرص المصنف (الشيخ محمد بن عبد الوهاب) على نقل كلام أئمة التفسير المحققين (كابن كثير) ليبين أن دعوته هي امتداد لمنهج السلف وليست بدعاً من القول [6].

رابعًا: تَحْقِيقُ الـمَشَايِخِ الأَرْبَعَةِ لِهَذِهِ المَقُولَةِ

1. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن مقولة ابن كثير هي "خلاصة البرهان"؛ فالمشركون أقروا بـ (الخالق لهذه الأشياء)، فإذا أقروا بذلك لزمهم عقلاً ألا يجعلوا له نداً، ومن جعل نداً لمن لم يخلق فقد سفه نفسه [7].

2. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

بين أن كلام ابن كثير فيه إشارة إلى أن المشركين لم يشركوا لجهلهم بـ (الخالق)، بل لغفلتهم عن (الاستحقاق) المترتب على الخلق، فجاءت الآية والمقولة لتنبههم لهذا التلازم الضروري [8].

3. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن ابن كثير ربط بين أفعال الله (الخلق، الرزق) وبين حق الله (العبادة). وأوضح أن العبادة هي "الغاية" من هذه المخلوقات، فالسماء والأرض خُلقت لتكون "معملاً" للعبودية [9].

4. الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

أشار إلى أن المقولة تسد الباب على كل من يدعي الألوهية أو يُدعى مع الله؛ فالميزان هو (الخلق)، فمن أراد أن يُعبد فليخلق، وما دام لم يخلق فهو عبد مربوب لا يُدعى ولا يُسجد له [10].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 1، ص 163 (طبعة دار طيبة).

[2] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 10، ص 91.

[3] معارج القبول، حافظ الحكمي، المجلد 2، ص 410.

[4] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 46.

[5] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 1، ص 42.

[6] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، ص 27.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 60.

[8] آثار الشيخ المعلمي (المقالات)، المجلد 10، ص 265.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 74.

[10] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس السابع.


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَحْقِيقُ المَفْرُودَةِ الأُولَى: الإِسْلَام (بِالتَّفْصِيلِ الشَّامِلِ)

أولًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   يخبر الله تعالى أنه لا دين مقبول عنده، ولا طريق يوصل إلى رضوانه سوى "الإسلام"، وهو الانقياد له بالتوحيد والاتِّباع لرسله، وخاتمها شريعة محمد ﷺ [1].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام (إِنَّ) للتوكيد، و(عِنْدَ) الظرفية التي تفيد المكانة والاعتبار، وتعريف (الإِسْلَام) بألف ولام العهد؛ للدلالة على أنه الدين المعهود الذي ارتضاه الله.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: حصر النجاة والقَبول في الإسلام؛ فكل ما خالفه من الأديان والمناهج فهو باطل ومردود على صاحبه.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: طمأنينة القلب بصحة المنهج؛ فالمسلم يعلم أنه على الحق الذي ارتضاه خالق السماوات والأرض.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله "الدين" مرادفاً لـ "الإسلام"؛ فمن لا إسلام له (لا انقياد له) فلا دين له حقيقةً [2].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: 125].

 * تَفْسِيرُ الآيَةِ:

   من أراد الله توفيقه وسعادته، وسّع قلبه لتقبل شرائع الإسلام والعمل بها بيسر ومحبة، فصار الإسلام له نوراً يمشي به [3].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (يَشْرَحْ صَدْرَهُ) استعارة تدل على الانفتاح والاتساع والراحة بعد الضيق.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن الهداية بيد الله وحده، وأن "الإسلام" هو مظهر هذه الهداية وعنوانها.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التفقد الدائم للقلب؛ فبقدر انشراح صدرك لأوامر الله (صلاة، زكاة، حجاب) تكون علامة هداية الله لك.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: المقابلة بين انشراح الصدر للإسلام وضيقه بالشرك؛ فالحرية الحقيقية في العبودية لله، والضيق في التمرد عليه [4].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول (حديث جبريل):

عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ... قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» [5].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تعريف الإسلام بـ "الأركان" هو من باب تعريف "الكل بأجزائه"؛ ليبين أن هذه هي القواعد التي يقوم عليها البنيان.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الإسلام يركز على "الأعمال الظاهرة"؛ لذا بدأ بالشهادة (قول) ثم بقية الأركان (عمل الجوارح).

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الترتيب النبوي يبدأ بالأهم فالأهم؛ فبناء الشخصية المسلمة يبدأ بالتوحيد ثم الصلاة التي هي صلة بالخالق.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل شمولية الإسلام؛ فهو يضبط اللسان (الشهادة)، والبدن (الصلاة والصوم)، والمال (الزكاة)، والمكان (الحج) [6].

الحديث الثاني:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ» [7].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ) أي: أيُّ خصال الإسلام وأعماله أكثر نفعاً وأجراً في هذا المقام؟

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن "الإسلام" ليس مجرد شعائر تعبدية محضة، بل يشمل "الأخلاق" وحقوق العباد، وأن هذه الأعمال من صلب الدين.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المسلم على نفع الآخرين (إطعام الطعام) وإفشاء السلام، مما يكسر حدة الأنانية والعزلة.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: الربط بين إطعام الأبدان (الطعام) وإطعام الأرواح بالأمان (السلام)؛ لتكتمل صورة المجتمع المسلم [8].

ثالثًا: الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ لِلإِسْلَامِ

 * تعريفه الاصطلاحي: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله.

 * مرتبته: هو الدائرة الأوسع التي تشمل كل من أظهر الشعائر، وهو شرط لصحة سائر الأعمال.

 * ركناه: (الاخلاص للمعبود) و (المتابعة للرسول)؛ فلا إسلام بلا توحيد، ولا إسلام بلا اتِّباع [9].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "الأحكام في الدنيا تُبنى على الإسلام الظاهر، والله يتولى السرائر".

 * قاعدة: "لا يصح إسلام عبدٍ إلا بالبراءة من الشرك"؛ فالإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان.

 * فائدة: الإسلام يَهدم ما قبله من الذنوب والآثام.

 * فائدة: كل عملٍ صالحٍ يعمله المسلم فهو جزء من إسلامه، وكل معصية ينقص بها إسلامه [10].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الإسلام هو "الاستسلام لله قدراً وشرعاً". وحقق أن الفرق بين الإسلام والإيمان كالفرق بين الظاهر والباطن؛ فإذا اجتمعا (كما في حديث جبريل) فسر الإسلام بالأعمال الظاهرة [11].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   حقق في "آثاره" أن حقيقة الإسلام هي "الخضوع المحض"؛ فالمسلم الحق هو الذي لا يجد في نفسه حرجاً مما قضى الله ورسوله، ويسلم تسليماً [12].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   أوضح أن الإسلام هو "المنطلق"؛ فبدونه لا يُقبل عمل، وهو العروة الوثقى التي من تمسك بها نجا، ومن تركها هلك في تيه الضلال [13].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن "الإسلام" ممارسة عملية لا مجرد دعوى لسانية؛ فالمسلم من قاد جوارحه لطاعة ربه، ومن استسلم لأمر الله في المنشط والمكره [14].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] تفسير الطبري، المجلد 6، ص 273.

[2] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 1، ص 180.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 3، ص 333.

[4] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 272.

[5] رواه مسلم في صحيحه، رقم (8).

[6] شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 1، ص 145.

[7] رواه البخاري (12)، ومسلم (39).

[8] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 55.

[9] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 200.

[10] حاشية ابن قاسم على ثلاثة الأصول، ص 30.

[11] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 68.

[12] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 275.

[13] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 85.

[14] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الثامن.


::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَحْقِيقُ المَفْرُودَةِ الثَّانِيَةِ: الإِيمَان (الجُزءُ الأَوَّلُ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالتَّحْقِيقُ اللفظيُّ

 * أصل المادة: (أ م ن) وتدور حول الطمأنينة وعدم الخوف.

 * ضبط اللفظة: الإِيمَان (بكسر الهمزة وإسكان الياء).

 * التحقيق اللغوي والمعنوي:

   * ذهب كثير من اللغويين إلى أن الإيمان هو "التصديق"، ولكن التحقيق الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية أن الإيمان في اللغة ليس مرادفاً للتصديق من كل وجه.

   * الفارق: أن التصديق يُقال في كل خبر، أما الإيمان فلا يُقال إلا في "الأخبار الغيبية" التي يُؤتمن فيها الـمُخبر.

   * التعدية: إذا عُدِّيَ الفعل بالباء (آمن به) كان معناه "التصديق والجزم"، وإذا عُدِّيَ باللام (آمن له) كان معناه "الانقياد والاستسلام" [1].

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام أداة الحصر (إِنَّمَا) لبيان كمال الإيمان لا أصله، ووصف القلوب بـ (الوَجَل) وهو الخوف المشروب بالهيبة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: دلالة صريحة على أن الإيمان "يزيد" بزيادة الطاعات (تلاوة الآيات)، وأن أعمال القلوب (الوجل، التوكل) هي من صلب مسمى الإيمان.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على تفقد قلبه عند سماع القرآن؛ فالحرمان هو جمود القلب عند سماع كلام الرب.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: الربط بين زيادة الإيمان والتوكل؛ فكلما قوي اليقين في القلب فوض العبد أمره لخالقه [2].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: اللام في (لِيُضِيعَ) هي "لام الجحود" التي تأتي بعد نفي لتأكيد امتناع الفعل، والمراد بالإيمان هنا (صلاتكم إلى بيت المقدس).

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: هذه الآية هي "العمدة" في الرد على المرجئة؛ حيث سمى الله الصلاة (وهي عمل جوارح) "إيماناً"، مما يثبت أن العمل جزء من حقيقة الإيمان.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: طمأنة المؤمن أن جهده وعمله الصالح محفوظ عند الله لا يضيع أبداً.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل رحمة الله؛ كيف نسب العمل لصفة الإيمان ليرفع من شأن الطاعة ويجعلها قرينة العقيدة [3].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول (في البخاري ومسلم):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (البِضْع) ما بين الثلاثة والتسعة، و(الشعبة) هي القطعة من الشيء أو الغصن من الشجرة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الحديث نص في تقسيم الإيمان إلى: (قول باللسان: لا إله إلا الله)، و(عمل بالأركان: إماطة الأذى)، و(اعتقاد بالجنان: الحياء)، وفي إثبات التفاضل والزيادة والنقص.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: عدم استصغار أي عمل صالح؛ فحتى إماطة الأذى هي جزء من عقيدتك وإيمانك.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تشبيه الإيمان بالشجرة ذات الأغصان المتعددة؛ إذا قُطع غصن نقصت الشجرة، وإذا قُلع الأصل (التوحيد) ذهبت الشجرة كلها [5].

الحديث الثاني (في البخاري ومسلم):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ...» الحديث [6].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: نفي الإيمان هنا هو نفي لـ (الكمال الواجب) لا لنفي (أصل الإيمان).

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن مرتكب الكبيرة ينقص إيمانه ولكنه لا يخرج من الملة (خلافاً للخوارج)، فهو "مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته".

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحذر من الاستهانة بالمعاصي؛ فهي ترفع بركة الإيمان ونوره من القلب وقت وقوعها.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل عظمة الإيمان؛ كيف يكون كـ "الظلة" فوق العبد، فإذا عصى فارقته، فإذا تاب رجعت إليه [7].

رابعًا: حَدُّ الإِيمَانِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (التعريف الجامع)

الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو: «قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ؛ يَزِيدُ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَنْقُصُ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ».

 * وهو حقيقة مركبة من هذه الأركان الثلاثة، فمن أخلَّ بالاعتقاد فهو منافق، ومن أخلَّ بالعمل (كلياً) أو القول فهو ليس بمؤمن عند المحققين [8].

خامسًا: أَقْسَامُ الفِرَقِ فِي الإِيمَانِ (تَحْقِيقُ المَقَالَاتِ)

انقسمت الأمة في باب مسمى الإيمان إلى فرق شتى، إليك أهمها مع التفصيل في الحاشية:

 * أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: (الوسط العدل) كما ذُكر أعلاه.

 * الخَوَارِجُ [9]: الإيمان عندهم كتلة واحدة، إذا ذهب بعضه ذهب كله.

 * الـمُعْتَزِلَةُ [10]: وافقوا الخوارج في المآل (الخلود في النار) وخالفوهم في المسمى (المنزلة بين المنزلتين).

 * الـمُرْجِئَةُ [11]: أخرجوا العمل عن مسمى الإيمان، وهم أصناف (مرجئة الفقهاء، الجهمية، الكرامية).

سادسًا: الحَاشِيَةُ التَّفْصِيلِيَّةُ (تَارِيخُ الفِرَقِ وَمُعْتَقَدَاتِهِمْ)

[9] الخَوَارِجُ:

 * النشأة: ظهروا في فتنة عثمان وعلي -رضي الله عنهما-، وأول خروجهم كان على علي بن أبي طالب سنة (37هـ) في واقعة "صفين" لرفضهم التحكيم.

 * المعتقد: يرون أن الإيمان هو العمل والقول والاعتقاد (كأهل السنة)، لكنهم يقولون: هو شيء واحد لا يتجزأ؛ فمن ارتكب كبيرة واحدة (كالزنا أو شرب الخمر) كفر كفراً مخرجاً من الملة، وحل دمه، وخلد في النار.

 * أشهر رؤوسهم: عبد الله بن وهب الراسبي، ونافع بن الأزرق (وإليه تُنسب الأزارقة).

[10] الـمُعْتَزِلَةُ:

 * النشأة: نشأت في أوائل القرن الثاني الهجري (حوالي 105هـ) عندما اعتزل "واسل بن عطاء" (ت: 131هـ) مجلس الحسن البصري بسبب خلاف في حكم مرتكب الكبيرة.

 * المعتقد: اخترعوا قولاً ثالثاً؛ فمرتكب الكبيرة في الدنيا (في منزلة بين المنزلتين)؛ لا هو مؤمن ولا هو كافر، لكنه في الآخرة مخلد في النار. واعتمدوا "العقل" فوق النقل في تقرير عقائدهم.

[11] الـمُرْجِئَةُ:

 * النشأة: ظهرت بعد فتنة ابن الأشعث (حوالي 82هـ) كرد فعل متطرف على الخوارج.

 * المعتقد: "الإرجاء" هو التأخير؛ أي أخروا العمل عن مسمى الإيمان.

 * أقسامهم:

   * مرجئة الفقهاء: (كحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة) يقولون الإيمان هو: تصديق بالقلب وقول باللسان فقط، والعمل كمالي.

   * الجهمية: (أتباع جهم بن صفوان، ت: 128هـ) غلاة المرجئة، يقولون الإيمان هو "المعرفة" فقط بالقلب، فحتى إبليس عندهم مؤمن لأنه يعرف ربه!

   * الكرامية: (أتباع محمد بن كرام، ت: 255هـ) يقولون الإيمان هو "نطق اللسان" فقط، فالمنافق عندهم مؤمن في الدنيا!

سابعًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ (الجُزءُ الأَوَّلُ)

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الإيمان يشمل الدين كله، وأنه إذا ذُكر مع الإسلام صار معناه "الاعتقادات الباطنة". وحقق أن القول بزيادة الإيمان ونقصه هو مقتضى الواقع والنص، فليس إيمان أبي بكر كإيمان آحاد الناس [12].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرح الأصول الثلاثة" أن من زعم أن الإيمان في القلب فقط (كالمرجئة) فقد كذب القرآن، ومن كفّر بالكبائر (كالخوارج) فقد ضلَّ عن سبيل المؤمنين. وأكد أن الإيمان شجرة عروقها في القلب وأغصانها على الجوارح [13].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن لفظة (بضع وسبعون شعبة) تدل على أن الإيمان يتجزأ ويتألف من وحدات؛ منها ما هو "ركن" يزول الإيمان بزواله، ومنها ما هو "واجب" ينقص بزواله، ومنها ما هو "مستحب" يذهب كمال الإيمان بذهابه [14].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن حقيقة الإيمان في القلب تظهر آثارها ضرورةً على الجوارح، فادعاء إيمان بلا عمل كادعاء حياة في جسدٍ ميت لا يتحرك [15].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن معركة أهل السنة مع الفرق في باب الإيمان هي معركة "تحديد المسمى"؛ فالسني يتبع النص في إدخال العمل، والمبتدع يتبع هواه في إخراجه أو في تكفير الناس به [16].

::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] كتاب الإيمان، ابن تيمية، ص 180 (تحقيق الألباني).

[2] تفسير ابن كثير، المجلد 4، ص 10.

[3] تفسير الطبري، المجلد 3، ص 150.

[4] رواه البخاري (9)، ومسلم (35).

[5] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 51.

[6] رواه البخاري (2475)، ومسلم (57).

[7] شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 2، ص 40.

[8] أصول السنة، الإمام أحمد، ص 45.

[12] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 70.

[13] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 95.

[14] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 90.

[15] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 280.

[16] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس التاسع.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَحْقِيقُ المَفْرُودَةِ الثَّانِيَةِ: الإِيمَان (الجُزءُ الثَّانِي)

أولًا: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الإِيمَانِ (تَحْقِيقُ الـمَرَاتِبِ)

ينقسم الناس بالنظر إلى أصل الإيمان وكماله إلى ثلاثة أقسام رئيسة، وهو تقسيم مبني على نصوص الوعد والوعيد:

 * كَامِلُ الإِيمَانِ (الـمُؤْمِنُ الـمُطْلَقُ):

   وهو الذي أتى بالواجبات وترك المحرمات، ولم يصر على صغائر الذنوب. وهذا هو الذي يُقال فيه: "مؤمن حقاً"، وهو الموعود بدخول الجنة ابتداءً بلا عذاب [1].

 * نَاقِصُ الإِيمَانِ (مُؤْمِنٌ بِمُطْلَقِ الإِيمَانِ):

   وهو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فارتكب بعض الكبائر (دون الشرك) أو ترك بعض الواجبات. ويُسمى عند أهل السنة: "مؤمنٌ بإيمانه، فاسقٌ بكبيرته". وهذا تحت المشيئة؛ إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه ثم أخرجه إلى الجنة [2].

 * الـمَحْرُومُ (مَسْلُوبُ الإِيمَانِ):

   وهو الكافر الذي لم يدخل في أصل الإيمان أصلاً، أو المرتد الذي أتى بناقض من نواقض الإيمان القولية أو العملية أو الاعتقادية. وهذا مخلد في النار أبداً [3].

ثانيًا: الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ الـمُعَمَّقُ لِلإِيمَانِ

 * قاعدة (التلازم): تقرر عقيدة السلف أن هناك تلازماً بين الظاهر والباطن؛ فما في القلب من إيمان لا بد أن تظهر آثاره على الجوارح. فمن زعم أن قلبه مليء بالإيمان وهو لا يسجد لله سجدة، فدعواه كاذبة [4].

 * قاعدة (الاستثناء في الإيمان): يشرع للمؤمن أن يقول: "أنا مؤمن إن شاء الله"؛ ليس شكاً في أصل إيمانه، بل خوفاً من تزكية نفسه، أو لعدم علمه بالخاتمة، أو طلباً للكمال [5].

ثالثًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ

 * قاعدة: "الإيمان يتجزأ"؛ فيجوز أن يجتمع في العبد إيمان ونفاق (أصغر)، أو إيمان وكفر (أصغر) [6].

 * فائدة: الإيمان لا يزول بارتكاب المعاصي إلا إذا كانت شركاً أو مخرجاً من الملة؛ وهذا هو الفرق الجوهري بيننا وبين الخوارج.

 * قاعدة: "أصل الإيمان واحد، وأفراده متفاضلة"؛ فالناس يشتركون في أصل التصديق والانقياد، ويفترقون في القوة واليقين والعمل [7].

 * فائدة: الإيمان والعمل قرينان في القرآن؛ فلا يُذكر الإيمان إلا ويتبعه العمل الصالح في الغالب.

رابعًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، بل ويزيد بكثرة التأمل في الآيات الكونية. وحقق أن "الاستثناء في الإيمان" من آداب السلف للبعد عن الغرور [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "دروسه" أن الإيمان حقيقة واحدة لا تقبل التجزئة عند المبتدعة، أما عند السلف فهو "شُعب"، فمن ضيّع شعبة نقص إيمانه بقدرها، ومن ضيع أصله (الشهادة) ذهب كله [9].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن الفرق بيننا وبين المرجئة هو في (دخول العمل في المسمى)؛ فالسني يرى العمل ركناً، والمرجئ يراه ثمرة. وحقق أن الفرق بيننا وبين الخوارج هو في (مآل مرتكب الكبيرة) [10].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الإيمان هو "محرِّك الجوارح"؛ فاليقين الذي لا يُثمر حركة للبدن هو وهمٌ في الذهن لا حقيقة له في القلب [11].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   أكد على ضرورة "الجمع بين الوعد والوعيد" في باب الإيمان؛ فلا نغلب جانب الرجاء فنصير مرجئة، ولا جانب الخوف فنصير خوارج، بل نكون وسطاً كما أمر الله [12].

خامسًا: الحَاشِيَةُ (تَحْقِيقُ ضَبْطِ لَفْظَةِ الإِيمَانِ لُغَةً وَشَرْعًا)

 * التحقيق في التعدية:

   * كما أسلفنا، إذا قيل: (آمَنَ بِهِ) فهي تفيد الخضوع واليقين بالـمُخبر به؛ ومنه قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾.

   * وإذا قيل: (آمَنَ لَهُ) فهي تفيد الانقياد والطاعة؛ ومنه قوله تعالى على لسان قوم نوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾؛ أي: أننقاد لك ونطيعك؟ [13].

 * الفرق بين الإيمان والتصديق:

   * التصديق قد يكون لخبرٍ يشاهده الإنسان (صدقت أن الشمس طالعة)، أما الإيمان فلا يكون إلا لـ (غيب) غائب عن الحواس، ولذا سمي إيماناً لأنك (ائتمنت) الـمُخبر على ما لا تراه [14].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] كتاب الإيمان، ابن تيمية، ص 210.

[2] شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز الحنفي، ص 330.

[3] تفسير السعدي، ص 80 (عند آية البقرة).

[4] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 541.

[5] معارج القبول، حافظ الحكمي، المجلد 2، ص 450.

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 46.

[7] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 150.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 72.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 102.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 95.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 285.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس العاشر.

[13] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 13، ص 21.

[14] المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 91.


::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَحْقِيقُ المَفْرُودَةِ الثَّالِثَةِ: الإِحْسَان

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالتَّحْقِيقُ اللَّفْظِيُّ

 * أصل المادة: (ح س ن) وهي ضد القبح.

 * ضبط اللفظة: الإِحْسَان (بكسر الهمزة وإسكان الحاء).

 * التحقيق اللغوي: الإحسان في اللغة يقع على معنيين:

   * الأول: إنعامُك على غيرك (إحسان متعدٍ).

   * الثاني: إحسانك في فعلك، أي إتقانه وتجويده (إحسان لازم) [1].

 * المعنى في مفرودة الدين: هو "إتقان العبودية" وبذل الجهد في تحسين العمل ظاهراً وباطناً حتى يبلغ كمال المشاهدة أو المراقبة.

ثانيًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ الكِتَابِ العَزِيزِ

الآية الأولى:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام (مَعَ) التي تفيد "المعية الخاصة" (النصر، التأييد، التوفيق)، وتقديم "التقوى" لأنها الأساس، وعطف "الإحسان" ككمالٍ فوق التقوى.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات صفة "المعية" لله تعالى على ما يليق بجلاله، وربط هذه المعية بمرتبة الإحسان؛ فكلما زاد إحسان العبد زاد حظه من معية الله الخاصة.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على طلب معية الله من خلال "تجويد العمل"؛ فالمحسن لا يستوحش أبداً لأن الله معه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ختم الله السورة بهذه الآية؛ ليعلم الدعاة والمصلحون أن سلاحهم في مواجهة كيد الأعداء هو "تقوى الله والإحسان" [2].

الآية الثانية:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (هَلْ) هنا للاستفهام الإنكاري الذي يفيد النفي المحض؛ أي "ما جزاء الإحسان إلا الإحسان"، وهذا من أرقى أساليب البيان في العدل والمجازاة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير قاعدة "الجزاء من جنس العمل"؛ فإحسان العبد بالعبادة يُقابله إحسان الرب بالثواب والنظر إلى وجهه الكريم في الجنة.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تحفيز النفس على البذل؛ فالمحسن يعامل رباً كريماً لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف تكررت لفظة الإحسان؛ الأولى للعبد (فعل) والثانية للرب (فضل)، فما أعظمه من تلازم! [3].

ثالثًا: الشَّوَاهِدُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

الحديث الأول (في البخاري ومسلم):

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام الكاف في (كَأَنَّكَ) للتشبيه والتقريب؛ لأن الرؤية في الدنيا ممتنعة، لكن "رؤية القلب" باليقين ممكنة.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقسيم الإحسان إلى مقامين: مقام المشاهدة (كأنك تراه)، وهو الأعلى، ومقام المراقبة (فإنه يراك)، وهو مقام الخوف والحياء.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: إحضار عظمة الله في كل حركة وسكنة؛ فالمحسن لا ينافق ولا يغش ولا يعصي في الخلاء لأنه يوقن بالرؤية الإلهية.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل النبي ﷺ الإحسان "مرتبة واحدة" وركناً واحداً؛ لأنه متمم للإسلام والإيمان وروح لهما [5].

الحديث الثاني (في صحيح مسلم):

عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ...» [6].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (كَتَبَ) هنا تفيد الوجوب والإلزام القدري والشرعي. و(عَلَى كُلِّ شَيْءٍ) أي في كل عمل صغيراً كان أو كبيراً.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: شمولية الشريعة وكمالها؛ فالإحسان مطلوب حتى في التعامل مع البهائم ومع الأعداء وقت القتال.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تعويد النفس على "الإتقان" في كل شؤون الحياة؛ فالمسلم المحسن هو الأكثر دقة وأمانة في عمله وتعامله.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل رحمة الإسلام؛ كيف يطلب الإحسان حتى في لحظة "إزهاق الروح" المباحة، فكيف بما دون ذلك؟ [7].

رابعًا: الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ لِلإِحْسَانِ

 * حقيقته: هو الاستغراق في شهود حق الله ومراقبته.

 * مكانته: هو لبُّ العبادة وروحها؛ فالإسلام جسد، والإيمان قلب، والإحسان هو النور الذي يحيي الجسد والقلب.

 * ثمرته: تورث العبد الحياء من الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، وتعظيم شعائره [8].

خامسًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "الإحسان شرط في كمال العمل، لا في أصله"؛ فمن ترك الإحسان مع صحة الإسلام والإيمان لم يكفر، ولكنه نزل من رتبة المقربين.

 * قاعدة: "المراقبة في السر، تثمر الثبات في العلن".

 * فائدة: المحسنون هم أخص الناس برحمة الله (إن رحمت الله قريب من المحسنين).

 * فائدة: الإحسان في عبادة الخالق يقتضي الإحسان إلى خلقه ضرورةً [9].

سادسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   بين أن الإحسان هو "كمال الإخلاص والمتابعة"، وحقق أن من عبد الله كأنه يراه، سدَّ على نفسه باب الوسواس والسهو في الصلاة وغيرها [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   أكد أن الإحسان هو المرتبة "الثالثة" والأخيرة، وهي الدائرة الأضيق؛ فكل محسن مؤمن ومسلم، وليس العكس. وحذر من دعاوى "التصوف الفلسفي" التي تنحرف بمقام الإحسان إلى وحدة الوجود [11].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن الإحسان نوعان: إحسان في "حق الخالق" (وهو المذكور في حديث جبريل)، وإحسان في "حق المخلوقين". وأوضح أن أعلى مقاماته هو "حضور القلب مع الله" [12].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الإحسان هو "دواء الرياء"؛ فمن أيقن أن الله يراه، استحيى أن يتصنع للناس بعبادة رب العالمين [13].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الإحسان هو "سلوى العابدين"؛ فبه يذوق العبد حلاوة الطاعة التي تهون معها كل مشاق التكليف، وبه يرتفع العبد من "التكلف" في العبادة إلى "التلذذ" بها [14].

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 13، ص 114.

[2] تفسير ابن كثير، المجلد 4، ص 616.

[3] أضواء البيان، الشنقيطي، المجلد 7، ص 495.

[4] رواه البخاري (50)، ومسلم (8).

[5] شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 1، ص 155.

[6] رواه مسلم في صحيحه، رقم (1955).

[7] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 9، ص 600.

[8] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 2، ص 400.

[9] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 275.

[10] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 75.

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 110.

[12] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 100.

[13] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 290.

[14] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الحادي عشر.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّانِي عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (1: الدُّعَاء)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

 * أصل المادة: (د ع و) وتدور حول الاستمالة، والنداء، والطلب.

 * الحدُّ الجامع المانع: هو «رَغْبَةُ العَبْدِ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِيمَا عِنْدَهُ، وَإِظْهَارُ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، وَالتَّبَرُّؤُ مِنَ الحَوْلِ وَالقُوَّةِ، وَهُوَ سِمَةُ العُبُودِيَّةِ وَاسْتِشْعَارُ الذِّلَّةِ البَشَرِيَّةِ» [1].

 * تحقيق المفهوم: الدعاء هو "مخُّ العبادة"؛ لأن العبد لا يدعو إلا من يعتقد فيه الكمال والقدرة على النفع والضر، وهذا هو جوهر التأليه.

ثانيًا: تَقْسِيمُ الدُّعَاءِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم الدعاء إلى قسمين متلازمين، كلما ذُكر أحدهما في القرآن شمل الآخر تلازماً:

 * دُعَاءُ الـمَسْأَلَةِ: وهو طلب العبد حاجته من ربه (رزق، شفاء، مغفرة). وهو عبادة من جهة قصد الخالق بالطلب.

 * دُعَاءُ العِبَادَةِ: وهو الثناء على الله وسائر القربات (صلاة، صوم، ذكر)؛ فإن فاعلها يُسمى "داعياً" بلسان حاله، لأنه يطلب الثواب بعمله [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الدُّعَاءِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (ادْعُونِي) فعل أمر يفيد الوجوب، وجواب الطلب (أَسْتَجِبْ) يفيد الوعد الصادق، و(دَاخِرِينَ) أي صاغرين أذلاء.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: سمى الله الدعاء هنا (عِبَادَة)، فدلَّ على أن من صرفه لغير الله فقد صرف "العبادة" لغير الله، وهذا هو الشرك الأكبر.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على "الافتقار"؛ فالله يُغضب إن ترك العبد سؤاله، بينما المخلوق يغضب إن سُئل، فما أعظم كرم الخالق.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل الربط بين "الاستكبار" وترك الدعاء؛ فمن لا يدعو الله يرى في نفسه نوع استغناء، وهذا هو عين الهلاك [3].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ» [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام ضمير الفصل (هُوَ) وتعريف الطرفين (الدعاء، العبادة) يفيد "الحصر"؛ أي أن الدعاء هو الركن الأعظم للعبادة كما قيل (الحج عرفة).

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الحديث يغلق الباب أمام من زعم أن دعاء الأموات "توسل" وليس "عبادة"؛ فإذا كان الدعاء هو العبادة، فصرفه لغير الله عبادة لغير الله.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استشعار مقام العبودية في كل "يا رب" تنطق بها؛ فأنت في تلك اللحظة في أسمى مقامات الامتثال.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف اختصر النبي ﷺ معاني الدين في كلمة واحدة؛ ليبين أن الفقر إلى الله هو أصل الغنى [4].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "صرف الدعاء لغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك أكبر مخرج من الملة".

 * قاعدة: "دعاء الأموات والغائبين شرك؛ لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً".

 * فائدة: الدعاء يرد القضاء (الـمُعلق)، وهو أنفع الأدوية للقلب والبدن.

 * فائدة: من شروط الإجابة: طيب المأكل، وحضور القلب، وعدم الاستعجال [5].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الدعاء أبلغ مظاهر التذلل لله؛ لأن الداعي يرفع يديه مفتقراً مسكيناً، وهذا هو حقيقة التوحيد. وحقق أن الدعاء عبادة يُثاب عليها العبد سواء استُجيب له في الدنيا أم لا [6].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرح الأصول" أن المشركين الأوائل ما عبدوا الأصنام إلا بالدعاء، وسماهم الله مشركين؛ فمن يدعو الولي أو الضريح اليوم هو مشرك وإن تسمى بالمسلم [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن الدعاء هو "محل النزاع" بين الرسل وأممهم؛ فالكل يقر بالخالق، ولكن المشركين أرادوا "وسطاء" يدعونهم، فجاء الإسلام ليكون الدعاء لله وحده بلا وسائط [8].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الداعي لغير الله قد أثبت للمدعو "سمعاً محيطاً" و"قدرةً غيبية"، وهذه من خصائص الربوبية، فمن دعا غير الله فقد أشرك في الربوبية والألوهية معاً [9].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الدعاء هو اختبار "اليقين"؛ فالموحد يقطع علائقه بالخلق ليتصل بالخالق، والمشرك يشتت قلبه بين الأضرحة والقبور، فضاع سعيه وخاب رجاؤه [10].

،:::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 279.

[2] رسالة في الدعاء، ابن تيمية، ص 15.

[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 7، ص 153.

[4] شرح سنن الترمذي، ابن العربي، المجلد 12، ص 180.

[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 734.

[6] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 78.

[7] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 115.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 105.

[9] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 295.

[10] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الثاني عشر.


:::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّالِثَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (2: الخَوْف)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

 * أصل المادة: (خ و ف) وتدور حول الذعر والفزع، وهو انزعاج القلب وتوقعه مكروهاً في المستقبل.

 * الحدُّ الجامع المانع: هو «انْزِعَاجُ القَلْبِ وَاضْطِرَابُهُ مِنْ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، أَوْ فَوَاتِ مَحْبُوبٍ، وَهُوَ فِي العِبَادَةِ: هَيْبَةُ اللهِ وَعَظَمَتُهُ فِي القَلْبِ الَّتِي تَمْنَعُ العَبْدَ مِنْ مَحَارِمِهِ» [1].

 * الفرق الدقيق: الخوف "سوط" يزجر النفس، بينما الخشية خوف مقرون بـ "علم" بعظمة المخوف، لذا خُص بها العلماء (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

ثانيًا: تَقْسِيمُ الخَوْفِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم الخوف إلى ثلاثة أقسام يجب التفريق بينها لضبط التوحيد:

 * خَوْفُ العِبَادَةِ (خَوْفُ السِّرِّ): وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بمكروه بمشيئته وقدرته (كالخوف من صنم أو صاحب قبر)، وهذا شرك أكبر مخرج من الملة.

 * الخَوْفُ الـمُحَرَّمُ: وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات خوفاً من الناس (خوف الوهن)، وفي هذا نزل قوله: {فلا تخشوهم واخشوني}.

 * الخَوْفُ الطَّبِيعِيُّ: وهو الخوف من سبع أو حريق أو عدو ظالم، وهذا جائز لا يقدح في التوحيد، كخوف موسى عليه السلام (فخرج منها خائفاً يترقب) [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الخَوْفِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (فَلَا تَخَافُوهُمْ) نهي جازم، و(خَافُونِ) أمر يفيد الوجوب، والشرط (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يدل على أن الخوف من لوازم الإيمان الحقيقي.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية نص في أن الخوف "عبادة"، وصرفها لله وحده واجب؛ فمن خاف غير الله خوفاً يمنعه من دينه فقد نقص إيمانه بقدر ذلك.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: كسر شوكة الشيطان في النفس؛ فإذا عظم الخالق في القلب صغر كل مخلوق مهما بلغت قوته، وهذا هو سر قوة المؤمن.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله الخوف منه شرطاً للإيمان؛ لأن القلب الذي لا يخاف الله "خَرِبٌ" تسكنه الأوهام والمخاوف البشرية [3].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ» [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (وَجِلَةٌ) أي خائفة مضطربة، وهو خوف من "التقصير" لا من "فعل المعصية" فحسب.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير مرتبة "المحسنين"؛ وهم الذين جمعوا بين "إحسان العمل" و"الخوف من عدم القبول"، وهذا هو توازن السلف.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: قطع الطريق على "العُجب"؛ فالخوف هنا يحمي العمل الصالح من أن يفسده غرور العبد بطاعته.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف يكون الخوف حافزاً لمزيد من العمل؛ فكلما خافوا عدم القبول، ازدادوا إحساناً في الأداء [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "الخوف المحمود: ما حجزك عن محارم الله؛ فما زاد على ذلك فربما أدى لليأس والقنوط".

 * قاعدة: "من خاف الله خافه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء".

 * فائدة: الخوف للمؤمن في الدنيا أمان له في الآخرة (لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين).

 * فائدة: الخوف هو أحد أركان "طائر العبودية" الثلاثة (المحبة، الخوف، الرجاء) [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الخوف من الله مبني على "العلم" و"التعظيم"، وحقق أن الخوف الطبيعي لا ينافي التوحيد، بينما "خوف السر" هو الذي يقع فيه المشركون عند القبور [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرحه" أن الخوف عبادة لا تُصرف إلا لله، وأن من سجد لغير الله خوفاً منه فقد كفر؛ لأن هذا الخوف هو اعتراف بقدرة غيبية للمخلوق [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن الخوف هو "محرك الجوارح للترك"؛ فكما أن المحبة تحرك للفعل، فالخوف يحرك لترك المحرمات، وبينهما استقامة العبد [9].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الخوف من المخلوق إذا أدى لترك شعائر الدين هو "ضعف يقين" وتقديم للخلق على الخالق، وهو أول درجات الانزلاق في الفتن [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الخوف هو "سياج القلب"؛ فبدونه يتجرأ العبد على الحرمات، وبالخوف الصادق يجد العبد حلاوة الامتناع عن الهوى لوجه الله [11].

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 220.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 510.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 160.

[4] رواه الترمذي (3175)، وابن ماجه (4198)، وصححه الألباني.

[5] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 553.

[6] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 515.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 80.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 120.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 110.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 300.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الثالث عشر.

::::::::::::::::: :::::::::::::::::

المَبْحَثُ الرَّابِعَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (3: الرَّجَاء)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

 * أصل المادة: (ر ج و) وتدور حول الأمل، وارتقاب الخير، وهو نقيض اليأس.

 * الحدُّ الجامع المانع: هو «طَمَعُ العَبْدِ فِي فَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ وَنَوَالِهِ، مَعَ بَذْلِ السَّبَبِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ؛ فَهُوَ حَادٍ يَسُوقُ القَلْبَ إِلَى مَحَابِّ اللهِ» [1].

 * الفرق الدقيق: الفرق بين "الرجاء" و"التمني" أن الرجاء يكون مع بذل الجهد والعمل (كحال الزارع الذي بذر وسقى ويرجو الحصاد)، أما التمني فهو رجاء بلا عمل (كحال من يرجو الحصاد ولم يبذر قط)، وهذا غرور وخداع للنفس.

ثانيًا: تَقْسِيمُ الرَّجَاءِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم الرجاء إلى قسمين بالنظر إلى حقيقته وصرفه:

 * رَجَاءُ العِبَادَةِ: وهو طمع العبد فيما لا يقدر عليه إلا الله (كمغفرة الذنوب، ودخول الجنة، والنجاة من النار). وهذا عبادة مفرضة لا تُصرف إلا لله، وصرفها لغير الله (كأن يرجو من وليٍ غفران ذنبه) شرك أكبر.

 * الرَّجَاءُ الطَّبِيعِيُّ: وهو رجاء العبد من أخيه ما يقدر عليه (كرجاء المساعدة في حمل متاع أو قضاء حاجة دنيوية مقدورة). وهذا جائز [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الرَّجَاءِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو) جملة شرطية، وجوابها (فَلْيَعْمَلْ) المقرون بلام الأمر؛ لبيان أن صدق الرجاء مرهون بالعمل.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية قرنت بين "الرجاء" وبين "الإخلاص" (ولا يشرك) و"المتابعة" (عملاً صالحاً)؛ فدل على أن الرجاء عبادة قلبية لا تقبل إلا بهذين الركنين.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على عدم الاتكال على الأماني؛ فمن أراد لقاء الله وكرامته فلا بد أن يرى اللهُ في جوارحه أثر ذلك الرجاء عملاً.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ختم الله بها سورة الكهف؛ لتكون "الخلاصة" لكل القصص والعبر التي وردت فيها، وهي أن الفلاح في صدق التوجه والعمل [3].

2. الدليل من السنة النبوية (حديث قدسي):

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي» [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي) اقتران الدعاء بالرجاء يدل على أن الدعاء بلا رجاءٍ ويقينٍ هو دعاءٌ باردٌ لا يُفتح له الباب.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: سعة رحمة الله وفضله، وإثبات أن الرجاء بالله هو سبب تكفير الذنوب مهما عظمت، ما لم يصل العبد إلى حد الشرك.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: فتح باب الأمل للمذنبين؛ فالرجاء يكسر قيد اليأس ويقود العبد للتوبة والإنابة مهما كثرت زلاته.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله (ولا أبالي)؛ لبيان كمال غنى الله عن عباده، وعظم كرمه الذي لا ينقص بالإنعام والمغفرة [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "الرجاء الصادق يثمر الطاعة، والتمني الكاذب يورث الكسل".

 * قاعدة: "يجب التوازن بين الخوف والرجاء؛ فبالخوف يترك المعاصي، وبالرجاء يفعل الطاعات".

 * فائدة: كان السلف يغلبون جانب "الخوف" في حال الصحة والشباب، ويغلبون جانب "الرجاء" في حال المرض والاحتضار ليحسنوا الظن بربهم.

 * فائدة: الرجاء هو وقود السير إلى الله؛ فكلما كلَّت النفس من مشقة التكليف، ناداها منادي الرجاء بما أعده الله للمتقين [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن الرجاء عبادة تتضمن الذل والخضوع، وحقق أن "الرجاء المحمود" هو ما كان مع العمل، أما ما كان بلا عمل فهو "غُرور" مذموم [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرحه" أن الرجاء ركن من أركان العبادة، ومن عبد الله بالرجاء وحده (بلا خوف) فهو "مرجئ"، ومن عبده بالخوف وحده فهو "خارجي"، ومن جمعهما فهو "موحد" [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن الرجاء هو "قائد القلب" إلى العمل الصالح؛ فمن عظم رجاؤه في ثواب الصدقة بادر إليها، فصار الرجاء من أعظم محركات الجوارح [9].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن حقيقة الرجاء تظهر في الشدائد؛ فالموحد يرجو ربه وحده ليخرج منها، والمفتون يلتفت لرجاء المخلوقين، فمن رجا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله خذله الله [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الرجاء يورث "المحبة"؛ لأن من ترجو فضله وبره لا بد أن تحبه، فصار الرجاء والمحبة والخوف ضفيرة واحدة تُمسك بقلب المؤمن وتوجهه إلى ربه [11].

::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 14، ص 310.

[2] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 10، ص 250.

[3] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 5، ص 205.

[4] رواه الترمذي (3540) وقال: حديث حسن غريب.

[5] شرح الأربعين النووية، ابن دقيق العيد، ص 125.

[6] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 2، ص 35.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 82.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 125.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 115.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 305.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الرابع عشر.

::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الخَامِسَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (4: التَّوَكُّل)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

 * أصل المادة: (و ك ل) وتدور حول الاعتماد على الغير، والتفويض إليه.

 * الحدُّ الجامع المانع: هو «صِدْقُ اعْتِمَادِ القَلْبِ عَلَى اللهِ تَعَالَى فِي اسْتِجْلَابِ الـمَصَالِحِ، وَدَفْعِ الـمَضَارِّ، مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ، وَبَذْلِ الأَسْبَابِ الـمَشْرُوعَةِ» [1].

 * تحقيق المفهوم: التوكل يقوم على ركنين: (الاعتماد بالقلب) و(العمل بالجوارح)؛ فمن ترك الاعتماد كان مشركاً بالأسباب، ومن ترك الأسباب كان طاعناً في التشريع والحكمة [2].

ثانيًا: تَقْسِيمُ التَّوَكُّلِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم التوكل إلى ثلاثة أقسام بالنظر إلى متعلقاته:

 * تَوَكُّلُ العِبَادَةِ: وهو الاعتماد المطلق على الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، مع الشعور بالافتقار التام. وهذا واجب الإخلاص لله، وصرفه لغير الله (كالتوكل على الموتى في الرزق أو النصر) شرك أكبر.

 * التَّوَكُّلُ الـمُحَرَّمُ (شرك أصغر): وهو الاعتماد الكلي على الأسباب المادية (كالطبيب أو الراتب) مع نسيان مسبب الأسباب، بحيث يظن أن السبب هو الفاعل بذاته.

 * التَّوكِيلُ (الوكالة): وهو إنابة الغير في أمرٍ مقدورٍ له (كالبيع والشراء)، وهذا جائز وقد فعله النبي ﷺ [3].

ثالثًا: شَوَاهِدُ التَّوَكُّلِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تقديم المعمول (وَعَلَى اللَّهِ) على العامل (فَتَوَكَّلُوا) يفيد الحصر والتشريف؛ أي: على الله وحده لا على غيره.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: جعل الله التوكل "شرطاً" لصحة الإيمان بأسلوب الشرط (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)؛ فدل على أن من لا توكل له لا إيمان له، أو أن إيمانه ناقص بقدر نقص توكله.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المؤمن على الاستعلاء بالحق؛ فمن كان الله وكيله فلا يضره كيد الكائدين ولا مكر الماكرين، مما يورث شجاعة القلب.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جاء هذا الأمر في سياق قصة الجبارين ودخول الأرض المقدسة؛ لبيان أن النصر لا يكون بكثرة العتاد بل بصدق الاعتماد [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفاً الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [5].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) جملة حالية معطوفة، تبين أن "السر" في تركهم لبعض المكروهات أو طلب الرقية هو شدة تفويضهم الأمر لله.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التوكل هو الجامع لكل خصال الكمال؛ فبه تركوا التطير (التشاؤم) لأنه ينافي التوحيد، وبه بلغوا هذه المنزلة العالية.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحث على "تجريد التوكل"؛ فالعبد يترقى في منازل الإيمان حتى يكتفي بربه وكيلاً وحسيباً في كل شؤونه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف بدأ الحديث بذكر الأعمال الظاهرة وختمه بالتوكل؛ ليبين أن التوكل هو "المحرك الباطن" لتلك الاستقامة الظاهرة [6].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "التوكل نصف الدين، والإنابة نصفه الآخر" (إياك نعبد وإياك نستعين).

 * قاعدة: "الالتفات إلى الأسباب قدح في التوحيد، وترك الأسباب قدح في العقل".

 * فائدة: التوكل يجلب الرزق (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير).

 * فائدة: من صدق توكله على الله كفاه الله ما أهمه (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) [7].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن التوكل عبادة قلبية تتضمن الاعتماد على الله مع الثقة به. وحقق أن فعل الأسباب لا ينافي التوكل، بل هو من تمام التوكل لأن الله هو الذي أمر بها [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرحه" أن التوكل لا يعني "التواكل" والكسل، بل هو سعي الجوارح مع طمأنينة القلب. وحذر من الغلو في الأسباب الذي يقع فيه الماديون المعاصرون [9].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن التوكل هو "روح العبادة"؛ لأن العبد إذا علم أن أزمة الأمور بيد الله وحده، انقطع تعلقه بالمخلوقين وصار موحداً خالصاً في طلبه وقصده [10].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن التوكل هو أعظم دواء للقلق والاضطراب النفسي؛ فالمتوكل قد أودع أمانته عند "ملكٍ مقتدر" لا تضيع عنده الودائع [11].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام التوكل هو "قوة الموحد"؛ فبه يواجه الشدائد بقلب ثابت، وبه يرضى بمواقع القدر، فالتوكل والرضا قرينان في سكون النفس إلى مراد الرب [12].

:::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 6، ص 136.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 2، ص 115.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، ابن أبي العز، ص 410.

[4] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، المجلد 3، ص 85.

[5] رواه البخاري (6472)، ومسلم (220).

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 11، ص 410.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 869.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 85.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 130.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 120.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 310.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، صالح السندي، الدرس الخامس عشر.

:::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّادِسَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (5: الرَّغْبَةُ وَالرَّهْبَةُ وَالخُشُوعُ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

الرَّغْبَةُ:

لغةً: السعة والطلب، وهي ضِدُّ الرهبة.

الحدُّ الجامع: «إِرَادَةُ القَلْبِ لِلْمَطْلُوبِ، مَعَ السَّعْيِ فِي الوُصُولِ إِلَيْهِ، وَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الرَّجَاءِ؛ لِأَنَّهَا رَجَاءٌ مَقْرُونٌ بِحَرَكَةٍ وَطَلَبٍ» [1].

الرَّهْبَةُ:

لغةً: الخوف والذعر المديد.

الحدُّ الجامع: «خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِعَمَلٍ وَهَرَبٍ مِنَ الـمَخُوفِ؛ فَهِيَ أَخَصُّ مِنَ الخَوْفِ؛ لِأَنَّ الخَوْفَ اضْطِرَابٌ، وَالرَّهْبَةُ هَرَبٌ وَفِرَارٌ إِلَى اللهِ» [2].

الخُشُوعُ:

لغةً: الانخفاض والسكون.

الحدُّ الجامع: «خُضُوعُ القَلْبِ لِعَظَمَةِ اللهِ، وَانْكِسَارُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، بِحَيْثُ يَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ السُّكُونِ عَلَى الجَوَارِحِ» [3].

ثانيًا: تَقْسِيمُ هَذِهِ العِبَادَاتِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

هذه المقامات الثلاث هي "محض حق الله"؛ فلا يُرغب رغبةَ تألُّهٍ إلا في فضله، ولا يُرهب رهبةَ تذللٍ إلا من عذابه، ولا يُخشع خشوعَ انكسارٍ إلا لجلاله.

تحقيق: الفرق بين الخشوع والخضوع؛ أن الخضوع يكون في البدن (الجوارح)، أما الخشوع فهو في القلب والصوت والبصر [4].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الثَّلَاثِيِّ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (رَغَبًا وَرَهَبًا) منصوبان على المصدرية أو الحالية، والجمع بينهما يدل على كمال التوازن. واستخدام (خَاشِعِينَ) بالجمع لبيان استمرار هذه الصفة فيهم.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الله تعالى أثنى على أنبيائه بجمعهم بين هذه المتناقضات (الرغبة والرهبة)، مما يدل على أن العبادة الصحيحة لا تقوم بجناح واحد، وأن الخشوع هو سمة العابدين الصادقين.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "المسارعة"؛ فالرغبة والرهبة هما المحركان للمسارعة في الخيرات، والخشوع هو الأدب الذي يزين هذا العمل.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جاء هذا الثناء بعد ذكر زكريا ويحيى -عليهما السلام-؛ لبيان أن إجابة الدعاء (واستجبنا له) مرتبطة بهذه الصفات القلبية [5].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي دُعَاءِ النَّوْمِ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ... رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ» [6].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ) تعدية الرغبة والرهبة بـ (إِلَيْكَ) تفيد حصر القصد في الله وحده.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تجريد التوحيد في أصعب اللحظات (عند النوم)؛ حيث يفر العبد من الله (رهبة) إليه (رغبة)، وهذا هو سر قوله (لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك).

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استحضار هذه المعاني عند النوم يورث طمأنينة القلب وتفويض الأمر لله، فينام العبد على توحيد خالص.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل الربط بين الرغبة والرهبة وبين "الإسلام والتفويض"؛ فمن رغب ورهب فقد استسلم وفوض أمره لربه [7].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "الرغبة حادٍ يسوق القلب، والرهبة سوط يزجر النفس، والخشوع سكون بين يدي الرب".

قاعدة: "من رغب في غير الله طمعاً فيما لا يملكه إلا الله، أو رهب من غير الله خوفاً مما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك".

فائدة: الخشوع في الصلاة هو لبها، وأول ما يُرفع من العلم هو الخشوع.

فائدة: الرغبة والرهبة هما سر "الإخلاص"؛ لأن من اجتمعا في قلبه لم يلتفت لمدح الخلق ولا لرهبتهم [8].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الرغبة هي "سؤال الوصول"، والرهبة هي "سؤال السلامة"، والخشوع هو "التواضع للعظمة". وحقق أن هذه الثلاثة هي محركات القلوب في الصلاة والذكر [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن الخشوع عبادة قلبية تظهر آثارها على البصر بترك الالتفات، وعلى البدن بالسكون، ومن خشع قلبه خشعت جوارحه [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الرغبة والرهبة هما "جناحا الدعاء"؛ فلا يكون الدعاء مؤثراً إلا إذا جمع العبد فيه بين الطمع في الرحمة والفرار من العذاب [11].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الخشوع هو زينة العلم؛ فالعلم الذي لا يورث خشوعاً وانكساراً لله هو حجة على صاحبه لا له [12].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الرغبة والرهبة يورث "الاستقامة"؛ فبالرغبة ينشط العبد، وبالرهبة ينزجر، وبالخشوع يثبت على الجادة بوقار وهيبة للرب [13].

::؛::::::::::::::::::::::::::؛

[1] لسان العرب، المجلد 1، ص 422.

[2] مدارج السالكين، المجلد 1، ص 512.

[3] المفردات، الراغب الأصفهاني، ص 149.

[4] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، المجلد 7، ص 25.

[5] تفسير ابن كثير، المجلد 5، ص 369.

[6] رواه البخاري (247)، ومسلم (2710).

[7] فتح الباري، المجلد 11، ص 115.

[8] تيسير الكريم الرحمن، ص 529.

[9] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 88.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 135.

[11] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 125.

[12] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 315.

[13] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السادس عشر.

:::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّابِعَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (6: الخَشْيَة)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (خ ش ي) وتدور حول الخوف والتعظيم والمهابة.

الحدُّ الجامع المانع: هي «خَوْفٌ مَقْرُونٌ بِمَعْرِفَةٍ وَعِلْمٍ بِعَظَمَةِ الـمَخُوفِ؛ فَهِيَ حَالَةٌ تَجْمَعُ بَيْنَ خَوْفِ القَلْبِ وَتَعْظِيمِ الرَّبِّ» [1].

الفرق الدقيق بين الخشية والخوف:

الخوف: قد يقع من الجاهل (كخوف الشخص من سَبُعٍ لا يدرى كنهه)، وهو انزعاج القلب.

الخشية: لا تقع إلا من "عالم" بما يخشاه (كخوف العالم ببطش الأسد وقوته)؛ لذا قيل: الخشية خوفٌ مقرونٌ بعلم، ولهذا خصَّ الله بها العلماء [2].

ثانيًا: تَقْسِيمُ الخَشْيَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

خَشْيَةُ العِبَادَةِ: وهي التي تقوم على تعظيم الله والخضوع له، وصرفها لغير الله (بأن يعتقد في مخلوق عظمةً تجعله يخشاه كخشيته لله) شرك أكبر.

الخَشْيَةُ الطَّبِيعِيَّةُ: وهي ما يقع في نفس البشر من هيبة بعض الخلق أو المواقف، وهي جائزة ما لم تمنع من واجب [3].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الخَشْيَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [البقرة: 150].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (فَلَا تَخْشَوْهُمْ) نهي يفيد التحريم، و(وَاخْشَوْنِ) أمر يفيد الوجوب، وحذف ياء المتكلم (واخشوني) للاكتفاء بالكسرة يدل على تعظيم الـمُتكلم سبحانه.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن الخشية "عبادة" مأمور بها؛ فمن قدم خشية الناس على خشية الله في ترك مأمور أو فعل محظور فقد نقص توحيده.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المؤمن على "الاستقلال النفسي"؛ فمن امتلأ قلبه بخشية الخالق، تضاءلت في عينه هيبة المخلوقين مهما تعاظمت قوتهم.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جاء النهي عن خشية الناس مقدماً؛ لأن القلب لا يتسع لخشيتين في وقت واحد، فإذا فرغ من خشية الخلق امتلأ بخشية الحق [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً» [5].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (أَمَا وَاللَّهِ) حرف استفتاح وقسم للتوكيد، واستخدام صيغة التفضيل (أَعْلَمُهُمْ، أَشَدُّهُمْ) للبيان أن الخشية تزيد بزيادة العلم.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير القاعدة العظمى: (العلم ثمرته الخشية)؛ فمن ادعى علماً بالله لا يورثه خشية فهو علمٌ مدخولٌ، والنبي ﷺ هو القدوة في هذا المقام.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحث على طلب العلم الشرعي الصحيح؛ لأنه الطريق الوحيد لترقية خشية الله في القلوب.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ربط النبي ﷺ بين علمه بالله وشدة خشيته؛ ليعلمنا أن التقوى ليست مجرد شعائر، بل هي معرفةٌ بالمعبود تقتضي هيبته [6].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "كل خشيةٍ خوف، وليس كل خوفٍ خشية"؛ فالخشية أعلى رتبةً وأدقُّ معنىً.

قاعدة: "من لم ينهه علمه عن معاصي الله، فخشيته ناقصة"؛ لأن الخشية الصادقة تحجز الجوارح.

فائدة: الخشية هي التي تفتح أبواب الفهم عن الله (إنما يخشى الله من عباده العلماء).

فائدة: الخشية هي أصل كل خير؛ فبها يترك العبد الهوى سراً وعلناً [7].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الخشية هي "الخوف المبني على العلم بعظمة الـمَخُوف وسلطانه". وحقق أن من خشي الله فقد كُفي أمر الخلق كلهم [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين أن الخشية عبادة لا تُصرف إلا لله، وأن من ساوى بين الخالق والمخلوق في الخشية فقد وقع في "ندّية" شنيعة تنافي أصل التوحيد [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن مقام الخشية يورث "العمل بالسر"؛ لأن من علم اطلاع الله وعظمته، خشي أن يراه الله حيث نهاه، فكانت خشيته حارساً له في خلواته [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الخشية هي روح "المتابعة"؛ فالمحب يتبع برغبة، والخاشي يتبع بهيبة، وكلاهما يسير بالعبد في صراط الله المستقيم [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الخشية هو "وقار التوحيد"؛ فالموحد الذي يخشى ربه يظهر عليه السكون والسمت، ويتباعد عن التجرؤ على حدود الله لعلمه بعواقب المعصية [12].

:::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، المجلد 2، ص 180.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 512.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، ص 380.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 1، ص 456.

[5] رواه البخاري (20)، ومسلم (2356).

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 40.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 664.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 90.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 140.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 130.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 320.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السابع عشر.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّامِنَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (7: الإِنَابَة)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (ن و ب) وتدور حول الرجوع مرة بعد أخرى، ومنه "النُّوبَة" لتكرارها.

الحدُّ الجامع المانع: هي «الرُّجُوعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِالقَلْبِ وَالجَوَارِحِ، وَانْقِطَاعُ العَلَائِقِ عَمَّا سِوَاهُ، مَعَ مَحَبَّتِهِ وَالخُضُوعِ لَهُ؛ فَهِيَ تَوْبَةٌ مَقْرُونَةٌ بِإِقْبَالٍ وَإِخْلَاصٍ» [1].

الفرق بين الإنابة والتوبة:

التوبة: هي الرجوع عن المعصية إلى الطاعة (ترك المحظور).

الإنابة: هي الإقبال على الله بالقلب وتفريغه له (فعل المأمور والترقي فيه)، فالمنيب هو الذي يرجع إلى الله في كل شؤونه، لا عند الذنب فحسب [2].

ثانيًا: تَقْسِيمُ الإِنَابَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

إِنَابَةُ عِبَادَةٍ (إِنَابَةُ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ): وهي رجوع القلب إلى الله طلباً لرضاه وافتقاراً إليه، وهذه عبادةٌ محضة؛ فمن أناب بقلبه لولي أو ضريح طلباً لقضاء حاجة فقد أشرك.

إِنَابَةُ الِاضْطِرَارِ (الإنابة الكونية): وهي رجوع الخلائق كلهم إلى الله عند الشدائد، كما قال تعالى: ﴿وإذ مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه﴾، وهذه تقع من المؤمن والكافر، لكنها لا تنفع الكافر إذا عاد لشركه [3].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الإِنَابَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 54].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (أَنِيبُوا) فعل أمر يفيد الوجوب، وعُدي بـ (إِلَى) ليدل على انتهاء الغاية في القصد إلى الله وحده.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: اقتران الإنابة بالإسلام (وأَسْلِمُوا لَهُ) يدل على أن الإنابة هي باطن الدين (أعمال القلوب)، والإسلام هو ظاهره، وكلاهما شرط للنجاة.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: دعوة المؤمن ليكون دائم الرجوع لربه؛ فالحياة مليئة بالصوارف، والإنابة هي "البوصلة" التي تعيد القلب إلى الجادة.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جاءت هذه الآية بعد دعوة المسرفين على أنفسهم للتوبة؛ لبيان أن الطريق يبدأ بترك الذنب ثم الإنابة والإقبال بصدق [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَكَّاراً، لَكَ ذَكَّاراً... إِلَيْكَ مُخْبِتاً مُنِيباً» [5].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (مُنِيباً) اسم فاعل يدل على الثبات والتجدد، وتقديم (إِلَيْكَ) يفيد الحصر والخصوصية.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تعليم النبي ﷺ لأمته أن يطلبوا "منزلة الإنابة" من الله؛ فالهداية للإنابة محض فضل إلهي وتوفيق رباني.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التواضع لله؛ فمن يدعو بهذا الدعاء يعترف بضعفه وحاجته لأن يُعينه الله على الإقبال عليه.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل اقتران (مُخْبِتاً) بـ (مُنِيباً)؛ فالمخبت هو المطمئن الخاضع، والمنيب هو المسرع الراجع، فاجتمع في الموحد السكون والسرعة [6].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "حقيقة الإنابة: عكوف القلب على الله كعكوف البدن في المسجد".

قاعدة: "كل منيب تائب، وليس كل تائب منيباً"؛ فالإنابة أرفع درجة في سلم المحبين.

فائدة: الإنابة تفتح أبواب الفهم عن الله (وما يتذكر إلا من ينيب).

فائدة: المنيب هو الذي يُبشر بالجنة (وجاء بقلب منيب) [7].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الإنابة هي "الرجوع من معصية الله إلى طاعته، ومن الغفلة إلى الذكر". وحقق أنها عبادة تظهر في سرور العبد بالطاعة وحزنه على فواتها [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "دروسه" أن الإنابة عبادة قلبية لا يجوز صرفها لغير الله، وأن من استغاث بغير الله فقد قطع حبل الإنابة بربه وأوصله بغيره [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الإنابة تتضمن "المحبة والخشية"؛ فمن أناب بغير محبة فهو خائف، ومن أناب بغير خشية فهو آمن، والإنابة الشرعية هي اجتماعهما [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الإنابة هي ترياق "القسوة"؛ فمن جعل قلبه منيباً لربه، لان قلبه لذكره، وانقادت جوارحه لأمره بلا كلفة [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الإنابة يورث "الطمأنينة"؛ فالموحد ينيب لربٍ رحيمٍ حكيم، فيجد في كنف ربه ما يغنيه عن الالتفات إلى الخلق مدحاً أو ذماً [12].

:::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 5، ص 360.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 460.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، ص 220.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 7، ص 105.

[5] رواه الترمذي (3551)، وأبو داود (1510)، وصححه الألباني.

[6] فتح الباري، المجلد 11، ص 160.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 805.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 92.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 145.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 135.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 325.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثامن عشر.

::؛::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ التَّاسِعَ عَشَرَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (8: الِاسْتِعَانَة)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (ع و ن) وتدور حول المؤازرة والمساعدة على الأمر.

الحدُّ الجامع المانع: هي «طَلَبُ العَوْنِ مِنَ اللهِ تَعَالَى فِي مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، مَعَ الثِّقَةِ بِهِ وَتَفْوِيضِ الأَمْرِ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَجْمَعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ: الثِّقَةِ بِاللهِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ» [1].

تحقيق المفهوم: الاستعانة هي "سرُّ العبودية"؛ لأن العبد يعترف بضعفه المطلق أمام قدرة الرب المطلقة، فلا حول له ولا قوة إلا بمده وعونه.

ثانيًا: تَقْسِيمُ الِاسْتِعَانَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم طلب العون إلى ثلاثة أقسام بحسب الـمُستعان به:

اسْتِعَانَةُ عِبَادَةٍ: وهي طلب العون من الله وحده فيما لا يقدر عليه إلا هو. وصرفها لغير الله (كاستعانة بالقبور في جلب نفع غيبي) شرك أكبر.

اسْتِعَانَةٌ بِالـمَخْلُوقِ (جائزة): وهي الاستعانة بالمخلوق الحي الحاضر فيما يقدر عليه (كأن يستعين بزميله في حمل متاع)، لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.

اسْتِعَانَةٌ بِالـمَخْلُوقِ (مُحرمة): وهي الاستعانة به فيما لا يقدر عليه إلا الله (كطلب الولد أو الشفاء من ميت)، وهذا شرك [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الِاسْتِعَانَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: تقديم المفعول (إِيَّاكَ) على الفعل (نَسْتَعِينُ) يفيد الحصر والتشريف؛ أي: لا نستعين إلا بك وحدك. وتكرار (إِيَّاكَ) لزيادة التأكيد على إفراد المستعان به.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: جعل الله الاستعانة قسيمة العبادة؛ فلا تتحقق العبادة إلا بمعونة الله. وهذا ردٌّ على القدرية الذين يزعمون أن العبد مستقل بفعله، وردٌّ على المشركين الذين يستعينون بغيره.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على "الانكسار"؛ فمهما بلغت من العلم أو القوة، فأنت بحاجة لمدد إلهي في كل نَفَسٍ؛ لتصلي وتذكر وتعمل.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جاءت (نَسْتَعِينُ) بعد (نَعْبُدُ)؛ لأن العبادة هي الغاية، والاستعانة هي الوسيلة الموصلة إليها [3].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» [4].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (فَاسْتَعِنْ) فعل أمر يفيد الوجوب، وحذف متعلق "الاستعانة" (إذا استعنت في أي شيء) ليفيد العموم في كل شؤون الحياة.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: وصيةٌ نبويةٌ بتجريد التوحيد؛ فالنبي ﷺ يغرس في قلب الغلام أن الملجأ الأول والأخير هو الله، وأن الخلق وسائط لا يملكون عوناً ذاتياً.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: بناء الشخصية المؤمنة القوية التي لا تذل نفسها للمخلوقين؛ فالاستعانة بالله تورث عزة النفس والاستغناء عن الخلق.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف رتب النبي ﷺ الاستعانة بعد السؤال (إذا سألت.. وإذا استعنت)؛ ليبين أن العبد يطلب أولاً ثم يستمد العون على التنفيذ [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "من استعان بالله ولجأ إليه، كفاه الله ويسر أمره".

قاعدة: "الاستعانة بالله تتضمن كمال الذل وكمال الثقة".

فائدة: الصبر والصلاة هما أعظم وسائل الاستعانة (واستعينوا بالصبر والصلاة).

فائدة: الاستعانة بالله تجعل الصعب سهلاً، والبعيد قريباً [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الاستعانة بالله تجمع بين الاعتماد عليه والتقرب إليه. وحقق أن من اعتمد على الأسباب وحدها خُذل، ومن استعان بالله مع فعل الأسباب وُفِّق [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين أن الاستعانة عبادة، وصرفها لغير الله شرك. وحقق أن الاستعانة بالأموات والغائبين أو الجن هي من أصول الشرك التي هدمها الإسلام [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الاستعانة هي "تحقيق لإياك نعبد"؛ فلا عابد بحق إلا مستعين بصدق. وأوضح أن الاستعانة تورث قوة القلب في مواجهة الشدائد [9].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن حقيقة الاستعانة تظهر في افتقار القلب؛ فالمستعين يرى نفسه صفراً كبيراً لولا مدد الله له، وهذا هو سر التفوق والنجاح للموحد [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الاستعانة هو "مقام الافتقار"؛ فبه ينقطع العبد عن حوله وقوته، ويلجأ إلى حول الله وقوته، فمن كان الله معينه فمن ذا الذي يخذله؟ [11].

::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 4، ص 180.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 70.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 1، ص 30.

[4] رواه الترمذي (2516) وقال: حديث حسن صحيح.

[5] جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص 190.

[6] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 25.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 94.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 150.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 140.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 330.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس التاسع عشر.

:::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ العِشْرُونَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (9: الِاسْتِعَاذَة)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (ع و ذ) وتدور حول الالتجاء، والالتصاق، والتحصن بالغير.

الحدُّ الجامع المانع: هي «طَلَبُ الـمَعَاذِ، وَهُوَ الالتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَالاعْتِصَامُ بِهِ مِنْ مَكْرُوهٍ يُخَافُ وُقُوعُهُ، مَعَ اعْتِقَادِ كِفَايَتِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِ ذَلِكَ الشَّرِّ» [1].

الفرق الدقيق بين الاستعاذة واللِّياذ:

الاستعاذة: تكون لطلب الخلاص من "الشر" (فِرار من مكروه).

اللِّياذ: يكون لطلب الوصول إلى "الخير" (طمع في محبوب).

وكلاهما لا يكون حقيقةً إلا بالله وحده في الأمور الغيبية [2].

ثانيًا: تَقْسِيمُ الِاسْتِعَاذَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

اسْتِعَاذَةُ عِبَادَةٍ: وهي الاستعاذة بالله وحده فيما لا يقدر عليه إلا هو (كالعياذ من الشيطان، أو عذاب القبر، أو العين). وصرفها لغير الله (كالأضرحة أو الجن) شرك أكبر.

اسْتِعَاذَةٌ بِالـمَخْلُوقِ (جائزة): وهي الاستعاذة بمخلوق حي حاضر فيما يقدر على الدفع فيه (كأن يستعيذ بملك من ظالم)، لقوله ﷺ في الفتن: «فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذاً فَلْيَعُذْ بِهِ».

اسْتِعَاذَةٌ مَذْمُومَةٌ: وهي الاستعاذة بالجن أو الأموات، كما كان يفعل أهل الجاهلية (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً) [3].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الِاسْتِعَاذَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (أَعُوذُ) فعل مضارع يفيد الاستمرار، و(بِرَبِّ) الباء هنا للاستعانة والالتصاق؛ لبيان شدة افتقار العائذ بـ "رب" الناس ومالكهم.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات صفة "الربوبية" لله تعالى؛ فالمستعيذ يقرُّ بأن الله هو الخالق المتصرف الذي بيده أزمة الأمور، فاعتصم بربوبيته من شرور خلقه.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: غرس الطمأنينة في قلب المؤمن؛ فمن استعاذ بـ "رب الفلق" و "رب الناس" فقد التجأ إلى ركنٍ شديد، فلا يضره وسواسٌ ولا حسدٌ بإذن الله.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف خُتم القرآن بالمعوذتين؛ لبيان أن العبد محتاجٌ للاعتصام بالله في خاتمة أمره كما كان في بدايته [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» [5].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (التَّامَّاتِ) التي لا يدخلها نقص ولا كذب، و(مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ) عامٌّ في كل ذي شرٍّ من إنسٍ أو جنٍّ أو هوام.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: استدل السلف بهذا الحديث على أن "كلام الله غير مخلوق"؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك، والنبي ﷺ لا يأمر بشرك، فدلَّ على أن كلمات الله صفة من صفاته.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تعليم المؤمن "الاستغناء بالله"؛ فبدل أن يخاف من الأماكن الموحشة أو يسكنها بالتمائم، يسكنها بذكر الله والاعتصام بكلماته.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ربط النبي ﷺ بين "القول" وبين "الأمان"؛ ليبين أن كلمة التوحيد والاعتصام هي الحصن الحصين للبدن والروح [6].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "الاستعاذة عبادةٌ تقتضي تمام الذل لله وتمام اليقين في كفايته".

قاعدة: "من استعاذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك، ومن استعاذ بالله صدقاً كفاه الله شرَّ ما استعاذ منه".

فائدة: الاستعاذة مشروعة عند البدء بالقراءة، وعند نزول الفتن، وعند الوساوس.

فائدة: العائذ بالله هو أمنع الناس جانباً؛ لأن عياذه بالله المتفرد بالخلق والأمر [7].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الاستعاذة تتضمن "التحصن بالله" والفرار إليه. وحقق أن الاستعاذة بالجن هي من كبائر الذنوب وذرائع الشرك التي أهلكت الأمم السابقة [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن الاستعاذة عبادة، وصرفها للأموات شركٌ مخرجٌ من الملة؛ لأن المستعيذ يعتقد في المستعاذ به سراً يمنعه من الضرر [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الاستعاذة هي "تطبيقٌ عملي للتوحيد"؛ فالموحد يرى أن الضر والنفع بيد الله، فلا يطلب الدفع إلا ممن يملك النفع، وهذا هو كمال العقل والشرع [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الاستعاذة بالله تورث "الشجاعة"؛ فالعائذ بالله لا يرهب كيد الشيطان لأنه يراه ضعيفاً أمام حصن الله الحصين [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الاستعاذة هو "مقام اللجوء والافتقار"؛ فبه ينخلع العبد من حوله، ويدخل في حمى ربه، فمن كان الله معاذَه فمن ذا الذي يصل إليه بسوء؟ [12].

:::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 4، ص 185.

[2] مدارج السالكين، ابن القيم، المجلد 1، ص 80.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، ص 240.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 8، ص 530.

[5] رواه مسلم في صحيحه، رقم (2708).

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 6، ص 410.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 938.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 96.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 155.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 145.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 335.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس العشرون

:::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (10: الِاسْتِغَاثَة)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (غ و ث) وتدور حول الإغاثة والنصرة وإزالة الشدة.

الحدُّ الجامع المانع: هي «طَلَبُ الغَوْثِ، وَهُوَ النَّصْرُ وَالخَلَاصُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالكَرْبِ».

الفرق الدقيق بين الاستغاثة والدعاء:

الدعاء: عامٌّ في كل أحوال العبد (في الرخاء والشدة).

الاستغاثة: لا تكون إلا عند "نزول الكرب" ووقوع الضيق؛ فهي دعاءٌ خاصٌّ بحال الاضطرار [1].

ثانيًا: تَقْسِيمُ الِاسْتِغَاثَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

اسْتِغَاثَةُ عِبَادَةٍ: وهي الاستغاثة بالله وحده فيما لا يقدر عليه إلا هو (كطلب نزول المطر، أو النصر على الأعداء، أو كشف البلاء الغيبي). وصرفها لغير الله شرك أكبر.

اسْتِغَاثَةٌ بِالـمَخْلُوقِ (جائزة): وهي الاستغاثة بالحي الحاضر فيما يقدر عليه؛ لقوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾.

اسْتِغَاثَةٌ شِّرْكِيَّةٌ: وهي الاستغاثة بالأموات، أو الغائبين، أو الأحياء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كمن يستغيث بصاحب قبر ليقضي دينه أو يشفي مريضه [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الِاسْتِغَاثَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: 9].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ) فعل مضارع لاستحضار الصورة، وجوابه (فَاسْتَجَابَ) المقرون بالفاء التي تفيد التعقيب والسرعة؛ لبيان كرم الله مع من استغاث به صادقاً.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية نص في أن الاستغاثة "عبادة"؛ لأن الله أثنى على الصحابة بفعلها، وجعل ثمرتها المدد الغيبي بالملائكة، وهذا لا يُطلب إلا من الله.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية الأمة على اللجوء لله في الأزمات الكبرى؛ ففي غزوة بدر كان المسلمون في قلة وذلة، فكانت الاستغاثة هي مفتاح النصر المادي والروحي.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله الاستجابة "مدداً"؛ ليبين أن المستغيث بالله يتصل بقوة ملكوتية تتجاوز الأسباب الأرضية [3].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي صِفَةِ اسْتِغَاثَةِ هَاجَرَ -عَلَيْهَا السَّلَامُ- لَمَّا سَمِعَتْ صَوْتاً عِنْدَ الصَّفَا وَالـمَرْوَةِ، فَقَالَتْ: «قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غِوَاثٌ» [4].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (غِوَاثٌ) أي إغاثة ونصرة، وهو طلبٌ للغوث في لحظة انقطاع الأسباب الأرضية.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الاستغاثة لا تكون إلا بمن يُعتقد فيه القدرة على الإغاثة؛ وهاجر هنا استغاثت بصاحب الصوت (وهو جبريل بإذن ربه) لكونه "موجوداً" يسمعها، فأنبع الله لها زمزم.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: صبر الموحد عند الشدائد؛ فالمستغيث بالله يظل يبحث عن فرج الله بيقين، حتى يأتيه الغوث من حيث لا يحتسب.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف كانت الاستغاثة سبباً في بقاء نسلٍ وشريعةٍ وماءٍ مبارك؛ فبركة الاستغاثة بالحق تتعدى الزمان والمكان [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "الاستغاثة أخص من الدعاء؛ فكل استغاثة دعاء، وليس كل دعاء استغاثة".

قاعدة: "من استغاث بميتٍ أو غائب فقد أثبت له صفة الربوبية (السمع والقدرة الغيبية)، فكان مشركاً".

فائدة: الاستغاثة الصادقة تخرج العبد من ضيق التدبير إلى سعة التقدير.

فائدة: الاستغاثة بالله تورث الأنس به في حال الشدة، والشكر له في حال الرخاء [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الاستغاثة بالله هي "مفتاح الفرج"، وحقق أن الاستغاثة بالمخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله هي شركٌ في الألوهية والربوبية معاً [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن الاستغاثة بالأموات هي "دين المشركين"، وأن الإسلام جاء ليربط القلوب بالحي الذي لا يموت في كشف الكروب [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن مقام الاستغاثة هو "مقام الاضطرار"؛ فبه يتجرد العبد من كل حول وقوة، فإذا نزل العبد بهذا المقام لله، لم يَرُدَّه الله صفراً [9].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الاستغاثة بغير الله تُورث "الخيبة"؛ لأن المخلوق عاجز، فمن استغاث بعاجزٍ ازداد عجزاً إلى عجزه [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الاستغاثة هو "ذروة الافتقار"؛ فبه تظهر حقيقة التوحيد في أصعب اللحظات، وبه يتميز الـمُوحِّدُ من الـمُندِّد [11].

::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 4، ص 400.

[2] مدارج السالكين، المجلد 1، ص 90.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 4، ص 15.

[4] رواه البخاري في صحيحه، رقم (3364).

[5] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 6، ص 400.

[6] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 315.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 98.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 160.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 150.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 340.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الحادي والعشرون.

::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (11: الذَّبْح)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (ذ ب ح) وتدور حول الشق والقطع، والمراد به شرعاً: قطع الحلقوم والمرئ والودجين.

الحدُّ الجامع المانع: هو «إِزْهَاقُ رُوحِ البَهِيمَةِ بِإِرَاقَةِ دَمِهَا عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، تَقَرُّباً إِلَى اللهِ تَعَالَى وَتَعْظِيماً لَهُ» [1].

تحقيق المفهوم: الذبح عبادةٌ من أجلِّ العبادات المالية؛ لأن النفس تشحُّ بمالها، والذبح فيه إتلافٌ للمال إرضاءً لرب العالمين، ولهذا قُرن بالصلاة في القرآن.

ثانيًا: تَقْسِيمُ الذَّبْحِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم الذبح بالنظر إلى القصد والقربان إلى ثلاثة أقسام:

ذَبْحُ عِبَادَةٍ: وهو ما يُقصد به التقرب والتعظيم (كالأضحية، والعقيقة، والهدي). وهذا واجب الإخلاص لله؛ فمن ذبح لغير الله (كقبر أو جني) شرك أكبر.

ذَبْحٌ لِلأَكْلِ وَالتِّجَارَةِ: وهو الذبح العادي لغرض اللحم أو الضيافة. وهذا مباح، ويُشرع فيه التسمية.

ذَبْحٌ شِّرْكِيٌّ: وهو ما ذُبح لغير الله تقرباً وتعظيماً، أو ما ذُبح بمكان يُعظم فيه غير الله، أو ما ذُكر عليه اسم غير الله [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الذَّبْحِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (نُسُكِي) هو الذبح بلسان العرب؛ وسُمي بذلك لشدة قربه من العبادة والتقديس. وتقديم الجار والمجرور (لِلَّهِ) يفيد الحصر.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: قرن الله الذبح (النسك) بالصلاة؛ وكما أن الصلاة لا تكون إلا لله، فكذلك الذبح لا يكون إلا له، وصرف أحدهما لغير الله شركٌ وندّية.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على أن تكون حياته كلها "وقفاً لله"؛ فكما يذبح لربه، فهو يحيا ويموت على أمره ونهيه، وهذا هو كمال العبودية.

الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل قوله (لَا شَرِيكَ لَهُ) بعد ذكر الصلاة والنسك؛ لبيان أن هذا المقام هو المحكُّ في توحيد الإخلاص [3].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، ذَكَرَ مِنْهَا: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ» [4].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (لَعَنَ) واللعن هو الطرد والابعاد عن رحمة الله، واستخدام صيغة الماضي يفيد الثبوت والتحقق، وتنكير (غَيْرِ اللهِ) ليفيد الشمول لكل معبود باطل.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الحديث نص صريح في تحريم الذبح لغير الله، وكونه موجباً للعنة يدل على أنه من كبائر الذنوب، بل هو شرك أكبر إذا كان بقصد التقرب.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحذر والحيطة في أبواب التوحيد؛ فالموحد يخشى من اللعنة، فيحفظ توحيده من شوائب الشرك في ذبحه ونسكه.

الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل كيف بدأ النبي ﷺ القائمة بالذبح لغير الله؛ ليبين خطره وعظم أثره في إفساد الدين [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "الذبح عبادة تجتمع فيها النية (القصد) والعمل (إراقة الدم) والقول (التسمية)".

قاعدة: "كل ما ذُبح لغير الله فهو ميتةٌ محرمة الأكل، وصاحبها مشرك".

فائدة: الذبح لله يطهر المال ويبارك في الرزق.

فائدة: من ذبح لغير الله طلباً للشفاء أو دفعاً للجن، فقد ارتكب أعظم أسباب الهلاك [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الذبح عبادة محضة، وحقق أن من ذبح لملكٍ أو ضيفٍ تعظيماً كتعظيم الرب فقد أشرك، أما من ذبح إكراماً للضيف وتوفيراً للحم فهذا من المباحات والمأمورات [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن الذبح عند قبور الأولياء هو "فعل الجاهلية الأولى"، وأن الإسلام جاء ليكون الدم مهراقاً لله وحده في مشاعر المسلمين [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الذبح لغير الله "شرك في الألوهية"؛ لأن الذابح جعل لغير الله نصيباً في العبادة المالية، وهو اعترافٌ بسيادة غير الله على الروح والمال [9].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الذبح لغير الله يُورث "الخسران"؛ فالمشرك يذبح ماله لغير ربه فلا يُؤجر، بل يُطرد من رحمة الله بنص الحديث [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الذبح هو "مقام التضحية"؛ فبه يُثبت الموحد صدق انتمائه لملة إبراهيم -عليه السلام- الذي كان ذبحه وصلاته لله رب العالمين [11].

::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 2، ص 340.

[2] القول المفيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 210.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 3، ص 360.

[4] رواه مسلم في صحيحه، رقم (1978).

[5] شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 13، ص 140.

[6] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 280.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 100.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 165.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 155.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 345.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثاني والعشرون.


::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالعِشْرُونَ: أَنْوَاعُ العِبَادَةِ (12: النَّذْر)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

أصل المادة: (ن ذ ر) وتدور حول الإيجاب، والإعلام، والتخويف.

الحدُّ الجامع المانع: هو «إِيجَابُ الـمُكَلَّفِ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَمْراً غَيْرَ وَاجِبٍ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، تَعْظِيماً لَهُ وَرَغْبَةً فِيمَا عِنْدَهُ» [1].

تحقيق المفهوم: النذر عبادةٌ من جهة "الوفاء به"، أما "ابتداؤه" فقد كرهه النبي ﷺ وقال: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ»؛ لأن العبد كأنه لا يعبد الله إلا بمقابل [2].

ثانيًا: تَقْسِيمُ النَّذْرِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم النذر بالنظر إلى الـمَنذور له وقصد القربة إلى قسمين:

نَذْرُ عِبَادَةٍ: وهو النذر لله وحده (كنذر صلاة، أو صدقة، أو ذبح). وهذا واجب الإخلاص لله؛ فمن نذر لغير الله (كقبر، أو ولي، أو جني) شرك أكبر.

نَذْرٌ شِّرْكِيٌّ: وهو نذر القربة والتعظيم لغير الله؛ لأن النذر يتضمن اعتقاد النفع والضر في الـمَنذور له، وهذا لا يكون إلا لله سبحانه [3].

ثالثًا: شَوَاهِدُ النَّذْرِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (يُوفُونَ) فعل مضارع يدل على الاستمرار والمدح، والوفاء بالنذر هو القيام بما أوجبه العبد على نفسه لله.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: وجه الدلالة أن الله "مدحهم" على الوفاء بالنذر؛ والمدح لا يكون إلا على فعل مأمور به أو ترك محظور، فدل على أن النذر (الوفاء به) عبادة يحبها الله.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المؤمن على "الصدق مع الله"؛ فمن ألزم نفسه بعهدٍ لله فليصدق في أدائه، وهذا يعزز قوة الإرادة والوفاء بالعهود.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف قرن الله الوفاء بالنذر بـ "الخوف من اليوم الآخر"؛ لبيان أن المحرك للوفاء هو استشعار عظمة الله والوقوف بين يديه [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ» [5].

الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: (فَلْيُطِعْهُ) الفاء للترتيب والتعقيب، واللام للأمر؛ مما يفيد وجوب الوفاء بنذر الطاعة فور القدرة عليه.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن النذر وسيلة للطاعة؛ فإذا كان المنذور طاعةً وجب الوفاء به لله وحده، ومن نذر لغير الله فقد نذر معصية (شركاً) فلا يجوز له الوفاء به بل عليه التوبة.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: ضبط الجوارح بضوابط الشرع؛ فالنذر ليس تفويضاً مفتوحاً للعبد، بل هو محكومٌ بقاعدة (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل النبي ﷺ النذر فصلاً بين الطاعة والمعصية؛ ليبين أن نذر المشركين للأولياء هو من نذر المعصية الذي يُحرم الوفاء به [6].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "النذر عبادةٌ في الوفاء، ومكروهٌ في الابتداء" (عند كثير من المحققين).

قاعدة: "كل نذرٍ لغير الله فهو باطل، وصاحبه مشرك، ولا يجوز الوفاء به".

فائدة: النذر المعلق (إن شفى الله مريضي تصدقت) هو نذر البخلاء، والأفضل للمؤمن أن يتصدق ابتداءً طلباً لفضل الله.

فائدة: كفارة النذر (إذا كان نذر لجاج أو لم يُسمَّ) هي كفارة يمين [7].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن النذر عبادة مالية أو بدنية يلتزمها العبد، وحقق أن من نذر لغير الله فقد أشرك في العبادة؛ لأنه جعل للمخلوق حقاً في الإيجاب والتعظيم [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن النذر للقبور والأضرحة هو من أعظم أنواع الشرك المعاصر، وحذر من يظنون أن النذر للأولياء يقضي الحاجات [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن مقام النذر هو "مقام التزام"؛ فالموحد يلتزم لربه وحده، والمشرك يشتت التزاماته بين الأوثان، والتوحيد هو إفراد الله بجميع الالتزامات القلبية والعملية [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن النذر لغير الله يُورث "الخيبة"؛ لأن العبد يربط قلبه بعاجز، فمن نذر لله وجد الله كريماً، ومن نذر لغيره وجد السراب [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام النذر هو "مقام تعظيم"؛ فالموحد يعظم ربه بالنذر له، ويؤدي حقه بالوفاء، وهذا هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله [12].

:::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 5، ص 410.

[2] القول المفيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 220.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، ص 250.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 8، ص 300.

[5] رواه البخاري في صحيحه، رقم (6696).

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 11، ص 580.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 900.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 102.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 170.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 160.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 350.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثالث والعشرون.


:::::::::::::::::::: 

المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: الأَصْلُ الثَّانِي (مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالحَدُّ الجَامِعُ

 * أصل المادة: (س ل م) وتدور حول الانقياد، والخلو من العيوب، والتسليم.

 * الحدُّ الجامع المانع: هو «الاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ» [1].

 * تحقيق المفهوم: الإسلام ليس مجرد انتسابٍ باللسان، بل هو حقيقةٌ مركبةٌ من:

   * توحيد القصد: (الاستسلام بالقلب).

   * امتثال الأمر: (الانقياد بالجوارح).

   * مفاصلة الباطل: (البراءة من الشرك).

ثانيًا: مَرَاتِبُ الدِّينِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

ينقسم الدين إلى ثلاث مراتب، بعضها فوق بعض، وكل مرتبة لها أركان:

 * المرتبة الأولى: الإِسْلَامُ: (الأعمال الظاهرة).

 * المرتبة الثانية: الإِيمَانُ: (الأعمال الباطنة).

 * المرتبة الثالثة: الإِحْسَانُ: (كمال المراقبة) [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ مَعْرِفَةِ الدِّينِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز (على كمال الدين وحصره):

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]، وقَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: استخدام أداة الحصر (إِنَّ) ولام التعريف في (الإِسْلَامُ) تفيد أن هذا هو الدين الوحيد المعتد به. واستخدام (فَلَنْ) لتأبيد النفي في القبول لغيره.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير أن الإسلام هو رسالة الأنبياء جميعاً من لدن آدم إلى محمد ﷺ، وأنه بعد بعثة نبينا ﷺ لا يُقبل من أحدٍ ديناً سواه، وهذا ردٌّ على دعاة "وحدة الأديان".

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: اعتزاز المسلم بدينه؛ فمن علم أنه على الحق الوحيد المقبول عند الله، استقام على الجادة ولم يلتفت لبهرج المناهج الأرضية.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله "القبول" منوطاً بالإسلام؛ لبيان أن الجهد والعمل بلا توحيد وإسلام هباءٌ منثور [3].

2. الدليل من السنة النبوية (حديث جبريل المشهور):

عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ... إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ... قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ...» وفي آخره: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» [4].

 * الـمَسْلَكُ اللُّغَوِيُّ: وصف النبي ﷺ لأسئلة جبريل بأنها (دِينُكُمْ)؛ فالدين يجمع المراتب الثلاث، مما يدل على شمولية المصطلح.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات مراتب الدين وتفصيل أركان كل مرتبة، وهذا الحديث يسمى "أم السنة"؛ لأنه حوى أصول العقيدة والعبادة والسلوك.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: أدب طلب العلم؛ فجبريل أتى في صورة متعلم ليعلم الصحابة كيف يسألون، وكيف يجلسون بين يدي المعلم، وكيف يتلقون أصول الدين.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف بدأ بالإسلام الظاهر ثم ترقى للإيمان الباطن ثم الإحسان؛ ليبين أن السير إلى الله يبدأ بالامتثال وينتهي بالكمال [5].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

 * قاعدة: "كل إيمانٍ إسلام، وليس كل إسلامٍ إيماناً" (عند التفريق بينهما).

 * قاعدة: "إذا اجتمعا (الإسلام والإيمان) في سياقٍ واحد افترقا في المعنى، وإذا افترقا اجتمعا".

 * فائدة: معرفة الدين بالأدلة تحمي المؤمن من التقليد الأعمى وتورثه اليقين.

 * فائدة: الرضا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً هو ذوق حلاوة الإيمان [6].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   أكد أن معرفة الدين لا بد أن تكون "بالأدلة"؛ لأن الإيمان المبني على البرهان لا تزلزله الشبهات، وحقق شمولية معنى الاستسلام لله [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   بين في "شرحه" أن الدين ليس مجرد طقوس، بل هو منهج حياة متكامل يقوم على التوحيد والبراءة من الشرك، وأوضح خطر الجهل بأدلة المسائل العقدية [8].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن لفظ (الدين) يُطلق ويراد به: "العمل"، و"الجزاء"، و"الملة". والإسلام يجمع هذه المعاني بامتثال العمل لنيْل الجزاء على مقتضى الملة [9].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الانقياد هو "روح الإسلام"؛ فالمسلم من استسلم لحكم الله في الرضا والسخط، والمنقاد هو الذي يجد حلاوة العبودية في موافقة مراد الرب [10].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن هذا الأصل (معرفة الدين) هو الذي يُسأل عنه العبد في قبره: (ما دينك؟)؛ لذا وجب ضبطه وفهمه بالمنهج السلفي الصحيح القائم على الدليل [11].

::::؛؛؛:؛؛:::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 3، ص 90.

[2] جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص 10.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 25.

[4] رواه مسلم في صحيحه، رقم (8).

[5] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 114.

[6] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 125.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 110.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 180.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 170.

[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 360.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الرابع والعشرون.


::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالعِشْرُونَ: مَرَاتِبُ الدِّينِ (1: الإِسْلَامُ وَأَرْكَانُهُ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الشَّرْعِيُّ لِلْمَرْتَبَةِ

الإسلام (بالمعنى الخاص): هو شرائع الدين الظاهرة التي يلتزمها المكلف.

الحدُّ الجامع: «أَعْمَالُ الجَوَارِحِ الـمُبَيِّنَةُ لِلِانْقِيَادِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ لَا يَسْتَقِيمُ إِسْلَامُ المَرْءِ إِلَّا بِهَا؛ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الأَعْمِدَةِ لِلْبُنْيَانِ» [1].

ثانيًا: الرُّكْنُ الأَوَّلُ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ

1. التحقيق في "لا إله إلا الله":

معناها الصحيح: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ. (نفيٌ للاستحقاق عن غيره، وإثباتٌ له سبحانه).

أركانها: النفي (لا إله) والإثبات (إلا الله).

شروطها السبعة: (العلم، اليقين، القبول، الانقياد، الصدق، الإخلاص، المحبة).

2. التحقيق في "محمد رسول الله":

مقتضاها: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع [2].

ثالثًا: بَقِيَّةُ الأَرْكَانِ (الأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ)

إِقَامُ الصَّلَاةِ: أداؤها بأركانها وشروطها وواجباتها في أوقاتها المحددة.

إِيتَاءُ الزَّكَاةِ: إخراج الحق الواجب في المال بشروطه لمستحقيه.

صَوْمُ رَمَضَانَ: التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

حَجُّ بَيْتِ اللهِ الـحَرَامِ: القصد إلى مكة لأداء المناسك في العمر مرة للمستطيع [3].

رابعًا: شَوَاهِدُ الأَرْكَانِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز (على شمول الأركان):

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا) أسلوب قصر يفيد حصر المأمور به في هذه العبادات. و(دِينُ القَيِّمَةِ) أي الملة المستقيمة.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية جمعت بين "التوحيد" (مخلصين له الدين) وبين "أعمال الجوارح" (الصلاة والزكاة)، وهذا دليل على أن العمل جزء من مسمى الدين.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية العبد على "الإخلاص" أولاً؛ فلا قيمة للصلاة والزكاة إذا خلت من القصد الخالص لله.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف سُميت هذه الأركان (ديناً)؛ لبيان أنها هي القوام الذي تقوم عليه النجاة يوم القيامة [4].

2. الدليل من السنة النبوية (حديث ابن عمر):

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ...» [5].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (بُنِيَ) فعل مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والتشبيه بـ (البنيان) لبيان أن هذه الأركان هي القواعد التي لا يثبت الدين بدونها.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الحديث رتب الأركان، فبدأ بالأصل (الشهادة) ثم الصلاة، مما يدل على تفاوت رتب الأركان مع لزومها جميعاً.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الاهتمام بـ "الأولويات"؛ فالمسلم يبدأ بتصحيح معتقده ثم يترقى في عباداته البدنية والمالية.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جُعل الإسلام بناءً؛ فمن ترك ركناً كأنه هدم جانباً من بيته، ومن ترك الصلاة فقد هدم عمود بيته [6].

خامسًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "من أتى بالشهادتين عُصم دمه وماله، وحسابه على الله".

قاعدة: "الصلاة هي عماد الدين؛ فمن حفظها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع".

فائدة: الأركان الخمسة تجمع بين عبادات قلبية (أصل الشهادة)، وبدنية (الصلاة والصوم)، ومالية (الزكاة)، وجامعة (الحج).

فائدة: الإسلام هو المدخل الضروري للإيمان؛ فلا إيمان لمن لا إسلام له [7].

سادسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الأركان الخمسة هي "ظاهر الإسلام"، وحقق أن الشهادة هي الأصل والأركان الأربعة توابع لها ومكملات [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن من جحد ركناً من هذه الأركان كفر، ومن تركها تهاوناً (غير الشهادة) فهو على خطر عظيم، وخصَّ الصلاة بمزيد تأكيد [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن معنى "بني الإسلام على خمس" أي أن حقيقة الإسلام المنجية عند الله لا تتحقق إلا بمجموع هذه الخمسة [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الانقياد لهذه الأركان هو "الاختبار الحقيقي" لصدق دعوى المحبة لله؛ فالعمل هو برهان اليقين [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن هذه الأركان هي "معالم الملة"؛ وبها يتميز المسلم من غيره في أحكام الدنيا والآخرة، وهي مقتضى الاستسلام للرب [12].

المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (العَزْوُ)

[1] لسان العرب، المجلد 3، ص 95.

[2] القول المفيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 150.

[3] معالم السنن، الخطابي، المجلد 1، ص 50.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 8، ص 450.

[5] رواه البخاري (8)، ومسلم (16).

[6] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 1، ص 49.

[7] تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص 920.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 115.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 190.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 180.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 370.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الخامس والعشرون.

:::::::::::::::::::::::::::


المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالعِشْرُونَ: تَحْقِيقُ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

الأصل اللغوي: (إله) من (أَلَهَ، يَأْلَهُ، إِلاهَةً) أي: عَبَدَ، يَعْبُدُ، عِبَادَةً مَعَ الـمَحَبَّةِ وَالتَّعْظِيمِ. فـ "الإله" هو "الـمألوه" أي الـمَعبود.

الـحدُّ الـجامع الـمانع: هي «كَلِمَةُ الإِخْلَاصِ القَائِمَةُ عَلَى نَفْيِ اسْتِحْقَاقِ العِبَادَةِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَى اللهِ، وَإِثْبَاتِهَا لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ» [1].

تَصْحِيحُ الخَطَأِ الشَّائِعِ: يظن البعض أن معناها (لا خالق إلا الله)، وهذا قصورٌ؛ لأن مشركي العرب كانوا يقرون بأن الله هو الخالق، وإنما معناها الحق: (لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إِلَّا اللهُ).

ثانيًا: أَرْكَانُ الشَّهَادَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

تقوم هذه الكلمة العظيمة على ركنين متلازمين:

النَّفْيُ الـمَحْضُ: في قوله (لَا إِلَهَ)؛ وهو خلعُ جميع المعبودات من دون الله، والبراءة من الشرك.

الإِثْبَاتُ الـمَحْضُ: في قوله (إِلَّا اللهُ)؛ وهو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة [2].

ثالثًا: شُرُوطُ "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" السَّبْعَةُ

لا تنفع هذه الكلمة قائلها إلا باجتماع شروطها، وهي:

العِلْمُ: الـمنافي للجهل بم معناها.

اليَقِينُ: الـمنافي للشك.

القَبُولُ: الـمنافي للرد.

الانْقِيَادُ: الـمنافي للترك.

الصِّدْقُ: الـمنافي للكذب.

الإِخْلَاصُ: الـمنافي للشرك.

الـمَحَبَّةُ: الـمنافية للبُغض [3].

رابعًا: شَوَاهِدُ التَّوْحِيدِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز (على المعنى والأركان):

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 256].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تقديم (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) لبيان أن التخلية تسبق التحلية، و(العُرْوَةِ الوُثْقَى) هي "لا إله إلا الله" كما فسره السلف.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية صريحة في ركني الشهادة؛ فـ (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) هو معنى (لا إله)، و(يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) هو معنى (إلا الله).

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "الـمفاصلة"؛ فالموحد لا يداهن في دينه، بل يبدأ إيمانه بالكفر بكل ما عُبد من دون الله.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل وصفها بـ (الوثقى)؛ أي التي لا انقصام لها، فمن تمسك بالتوحيد نجا من المهالك في الدنيا والآخرة [4].

2. الدليل من السنة النبوية (على الفضل والشرط):

عَنْ عُثْمَانَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ دَخَلَ الجَنَّةَ» [5].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (يَعْلَمُ) جملة حالية تفيد أن مجرد النطق بلا علم لا يحقق النجاة المطلوبة.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: اشتراط "العلم" لصحة الشهادة؛ فالعلم هو الباب الذي يدخل منه اليقين والإخلاص، وبه تتمايز مراتب الموحدين.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحث على طلب العلم الشرعي وتصحيح العقيدة؛ لأن الجهل بالتوحيد هو أصل كل ضلال.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل اقتران العلم بالموت (من مات وهو يعلم)؛ ليبين أن العبرة بالخواتيم وبقاء هذا النور في القلب حتى الفراغ من الدنيا [6].

خامسًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "لا إله إلا الله مفتاح الجنة، ولكن لكل مفتاح أسنان، وأسنانه شروطها".

قاعدة: "توحيد الألوهية (لا إله إلا الله) هو الذي وقع فيه النزاع بين الرسل وأممهم، لا توحيد الربوبية".

فائدة: مقتضى الشهادة هو "تحكيم شرع الله"؛ فمن رضي بالله إلهاً، رضي به حاكماً ومشرعاً.

فائدة: "لا إله إلا الله" هي أثقل شيء في ميزان العبد يوم القيامة (حديث البطاقة) [7].

سادسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن معنى "لا إله إلا الله" (لا معبود بحق)، وحقق أن تقدير الخبر المحذوف بكلمة (موجود) خطأ عقدي، لأن المعبودات الباطلة موجودة بكثرة، ولكنها ليست (بـحق) [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن شروط الشهادة ليست مجرد كلمات تُحفظ، بل هي حقائق تُطبق؛ فمن نطق بها وهو يذبح لغير الله لم ينفعه نطقه لأنه لم يحقق شرط "الإخلاص" [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الشهادة تتضمن "نفي الربوبية والكمال عن غير الله"؛ لأن من لا يملك الكمال ولا التصرف لا يستحق أن يكون إلهاً يُعبد [10].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن التوحيد هو "حرية الروح"؛ فمن تحرر من عبادة العبيد بكلمة التوحيد، صار عبداً لله وحده، وهذا هو عز الدنيا والآخرة [11].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام "لا إله إلا الله" يقتضي "الولاء والبراء"؛ فمن أحب الله بكلمة التوحيد، أبغض ما يكرهه الله من الشرك والكفر، وهذا هو كمال التوحيد [12].

المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (العَزْوُ)

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 1، ص 125.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 160.

[3] معارج القبول، حافظ الحكمي، المجلد 1، ص 150.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 1، ص 680.

[5] رواه مسلم في صحيحه، رقم (26).

[6] شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد 1، ص 140.

[7] تيسير الكريم الرحمن، ص 115.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 120.

[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 200.

[10] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 190.

[11] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 380.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السادس والعشرون.

:::::::::::::::::::::::::::::::::

 - [مُلْحَقُ الـمَبْحَثِ السَّادِسِ وَالعِشْرُونَ]

​تَحْقِيقُ مَفْرُودَةِ (الإِلَه)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِمَفْرُودَةِ (الإِلَه)

  • ​الاشتقاق: (إِلَه) على وزن (فِعَال) بمعنى (مَفْعُول) أي (مَأْلُوه)، مشتق من (أَلَهَ، يَأْلَهُ، إِلاهَةً) إذا عَبَدَ.
  • ​المعنى اللساني: العرب تطلق "الإله" على كل ما اتُّخذ معبوداً، لكن "الله" هو الإله الحق الذي تذل له الرقاب محبةً وتعظيماً.
  • ​الألوهية: هي العبادة، ولذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: «اللهُ ذُو الأُلُوهِيَّةِ وَالعِبَادَةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ» [1].

ثانيًا: قَوَاعِدُ التَّلازُمِ بَيْنَ الرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ

  1. ​تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ: ومعناه أن إقرار العبد بأن الله هو الخالق الرازق وحده (ربوبية) يُلزمه عقلاً وشرعاً ألا يعبد إلا هو (ألوهية). فمن أقر بالصانع لزمه إفراد الصانع بالعبادة.
  2. ​تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ: ومعناه أن من أفراد الله بالعبادة (ألوهية) فإنه بالضرورة مؤمنٌ بأن الله هو الخالق الرازق (ربوبية)؛ إذ لا يُعبد إلا من كان رباً قادراً متصرفاً.

ثالثًا: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي مَعْنَى (الإِلَه)

  • ​أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ: فسروا "الإله" بـ (الـمَعْبُودِ) الَّذِي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيماً. وهو المعنى الذي اتفقت عليه لغة العرب وجاءت به الرسل، فمن نطق "لا إله إلا الله" قصد "لا معبود بحق إلا الله".
  • ​الجَهْمِيَّةُ وَالـمُعْتَزِلَةُ: فسروا "الإله" بـ (القَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ) أو المنفرد بالخلق. وهذا المعنى قاصرٌ جداً؛ لأنه يجعل التوحيد مجرد "معرفة بوجود الصانع"، وهو ما كان يقر به مشركو العرب ولم ينفعهم.
  • ​الأَشَاعِرَةُ وَالـمَاتُرِيدِيَّةُ: فسروا "الإله" بـ (الـمُسْتَغْنِي عَمَّا سِوَاهُ، والـمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ كُلُّ مَا عَدَاهُ) أو (من له القدرة على الاختراع). وهذا التفسير جعل غاية التوحيد عندهم هي "توحيد الربوبية"، فضلوا عن حقيقة دعوة الرسل التي هي "توحيد العبادة".
  • ​الفَلَاسِفَةُ: فسروا "الإله" بـ (العِلَّةِ الفَاعِلَةِ) أو (المحرك الأول) أو (واجب الوجود). وهي ألفاظٌ مجملة غريبة عن الوحي، يقصدون بها تجريد الله من صفات كماله وأفعاله الاختيارية، حتى انتهى بهم الأمر إلى إنكار كونه إلهاً يُعبد حقيقة.
  • تَتِمَّةُ أَقْسَامِ النَّاسِ فِي مَعْنَى (الإِلَه) - [تَحْقِيقُ ضَلَالِ الخَوَارِجِ وَأَهْلِ الِاتِّحَادِ]
  • الخَوَارِجُ (وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنَ العَصْرِيِّينَ):
  • تفسيرهم للإله: فسروا "الإله" بـ (الحَاكِمِ)، وجعلوا "الألوهية" هي "الحاكمية" فقط.
  • وجه الخطأ: الحاكمية جزءٌ من خصائص الألوهية والربوبية (توحيد الحكم)، لكن حصر الألوهية فيها هو "قصورٌ شنيع"؛ إذ يغفل عن جوهر العبادة من حب وخوف ورجاء وذبح ونذر. وهذا التفسير جعل غاية دعواهم "الوصول إلى الحكم" بدلاً من "تعبيد الخلق للخالق"، مما أدى بهم إلى تكفير المسلمين بالذنوب أو بمجرد مخالفة رؤيتهم السياسية.
  • أَصْحَابُ الِاتِّحَادِ وَالـحُلُولِ (الوُجُودِيَّةُ وَغُلَاةُ الصُّوفِيَّةِ):
  • تفسيرهم للإله: فسروا "الإله" بـ (الـمَوْجُودِ الحَقِّ)، وشعارهم: (لَا مَوْجُودَ إِلَّا اللهُ).
  • وجه الخطأ: هذا التفسير هو عين "وحدة الوجود"؛ لأنهم لا يفرقون بين الخالق والمخلوق، فكل موجود عندهم هو الله -تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً-. فـ "الإله" عندهم هو الوجود المطلق، وهذا يلزم منه أن من عبد صنماً أو حجراً فقد عبد الله؛ لأن الصنم موجود والله هو الوجود! وهذا أبطل الباطل وأكفر الكفر.

رابعًا: مَفْرُودَةُ (الإِلَه) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

  • ​المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: الرجوع لأصل الاشتقاق (أَلَهَ = عَبَدَ) يثبت بطلان تفسير الإله بالقدرة أو الاختراع؛ فاللغة والوحي يدوران حول التأله والعبادة.
  • ​المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن توحيد الأنبياء هو "توحيد الألوهية"؛ فالله لم يرسلهم ليقولوا للناس "الله هو الخالق" (فقد كانوا يقرون بذلك)، بل ليقولوا "اعبدوا الله مالكم من إله غيره".
  • ​المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: ثمرة تأله القلب لله هي السكينة؛ فإذا صار الله هو "الإله" الوحيد في قلب العبد، تحرر من رق المخلوقين والتعلق بالأسباب الموهومة.
  • ​المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾؛ تجدها هي التفسير العملي لكلمة (الإله) الحق، فالمعبود هو الذي تُصرف له العبادة حصراً [2].

خامسًا: أَقْوَالُ القُدَمَاءِ الخَمْسَةِ فِي أَنَّ (الإِلَهَ هُوَ الـمَعْبُودُ)

  1. ​الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: قال: «الإِلَهُ: هُوَ الـمَعْبُودُ الَّذِي يَأْلَهُهُ الخَلْقُ بِالعِبَادَةِ، وَلَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ».
  2. ​شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: قال: «الإِلَهُ: هُوَ الـمَأْلُوهُ الـمَعْبُودُ؛ فَمَنْ فَسَّرَهُ بِالقَادِرِ عَلَى الِاخْتِرَاعِ فَقَدْ جَعَلَ أَخَصَّ وَصْفِ الإِلَهِ هُوَ الرُّبُوبِيَّةَ، وَهَذَا خِلَافُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ».
  3. ​الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ: قال: «الإِلَهُ هُوَ الَّذِي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ مَحَبَّةً وَإِجْلَالًا، وَإِنَابَةً وَإِكْرَاماً؛ فَالأُلُوهِيَّةُ هِيَ مَجْمَعُ كُلِّ كَمَالٍ».
  4. ​الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: أكد في رده على المريسي أن الألوهية هي العبادة والتعظيم، وأن من فسر الإله بغير المعبود فقد أبطل حقيقة التوحيد.
  5. ​الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ: قرر في "كتاب التوحيد" أن الألوهية هي إفراد الله بالعبادة، وصنف الأدلة في أن المعبود بحق هو الله المنفرد بصفات الكمال.

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

  1. ​الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: فصّل في أن تفسير المتكلمين للإله بـ "القادر" هو تفسيرٌ باللازم في الربوبية، وهو خطرٌ عظيم لأنه يجعل "المشرك" موحداً في نظرهم ما دام يقر بالقدرة.
  2. ​الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان: بيّن أن المعتزلة والأشاعرة حصروا التوحيد في الربوبية (توحيد الأفعال)، وأهملوا توحيد العبادة الذي هو زبدة دعوة الرسل، فضلوا في معنى "لا إله إلا الله".
  3. ​الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق أن "الإله" عند العرب وفي سياق القرآن لا يحمل إلا معنى المعبود، وأن صرفه لغير ذلك "تحريفٌ" يقلب حقائق الدين.
  4. ​الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ: أوضح أن المتكلمين جعلوا الألوهية "قضية ذهنية" (معرفة)، بينما جعلها السلف "قضية عملية" (عبادة وانقياد)، وهنا مكمن الافتراق.
  5. ​الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن الربوبية هي الدليل، والألوهية هي المدلول؛ فالله يُستدل بربوبيته (خلقه وقدرته) على وجوب ألوهيته (عبادته وحده)، وهذا هو منهج القرآن.

​::::::::::::::::::::::::::::::::

​[1] لسان العرب، ابن منظور، المجلد 1، ص 125.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 160.

[3] تفسير الطبري، المجلد 1، ص 54.

[4] مجموع الفتاوى، المجلد 3، ص 105.

[5] إغاثة اللهفان، المجلد 1، ص 34.

[6] الرد على المريسي، الدارمي، ص 40.

[7] كتاب التوحيد، ابن خزيمة، المجلد 1، ص 15.

[8] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 122.

[9] شرح ثلاثة الأصول، الفوزان، ص 205.

[10] شرح ثلاثة الأصول، آل الشيخ، ص 195.

[11] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 385.

[12] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السادس والعشرون.

::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ: تَحْقِيقُ الشَّهَادَةِ الثَّانِيَةِ (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ
محمد: اسم مفعول من (حَمَّدَ) المضعف، وهو الذي كثرت خصاله الحميدة.
رسول: (فَعُول) بمعنى (مُفْعَل) أي مُرسَل، وهو مَن أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه.
الـحدُّ الـجامع الـمانع: هي «الإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ وَالاعْتِقَادُ بِالجَنَانِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﷺ هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ إِلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ (الإِنْسِ وَالجِنِّ)، خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ وَالـمُرْسَلِينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ» [1].
ثانيًا: مُقْتَضَى الشَّهَادَةِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)
تحقيق هذه الشهادة يقوم على أربعة أركان عملية (مربع الامتثال):
طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ: امتثال أوامره ﷺ ديناً وانقياداً.
تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ: اليقين بكل ما جاء به من الوحي (الغيب، الماضي، المستقبل).
اجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ: الكفُّ عما حرمه ﷺ تعظيماً لجنابه النبوي.
أَنْ لَا يُعْبَدَ اللهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ: وهذا هو "المرجع" في العبادة؛ فكل عبادة لم يشرعها ﷺ فهي ردٌّ وباطل [2].
ثالثًا: شَوَاهِدُ الشَّهَادَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ
1. الدليل من الكتاب العزيز (على الرسالة والشمول):
قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) بفتح النون (من أشرفكم نسباً ولغةً)، وتنكير (رَسُولٌ) للتعظيم؛ أي رسولٌ عظيم الشأن، رحيم الجنان.
الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات بشرية الرسول ﷺ (من أنفسكم) مع إثبات اصطفائه بالرسالة؛ وهذا ردٌّ على الغلاة الذين يخرجونه عن البشرية، وعلى الجفاة الذين ينكرون رسالته.
الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: غرس محبة النبي ﷺ في القلوب؛ فمن علم حرصه ﷺ ورأفته بالمؤمنين، استكان قلبه لطاعته طواعيةً وحباً.
الـمَسْلَكُ التدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جمع الله له اسمين من أسمائه (رَءُوفٌ رَحِيمٌ)؛ لبيان كمالِ خلقهِ ﷺ وشفقتِهِ على أمتِهِ [3].
2. الدليل من السنة النبوية (على المتابعة):
عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [4].
الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (أَمْرِنَا) أي شريعتنا وديننا، و(رَدٌّ) أي مردودٌ على صاحبه غير مقبول عند الله.
الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: هذا الحديث هو "ميزان الأعمال الظاهرة"؛ فشهادة (أن محمداً رسول الله) تقتضي نبذ البدع والمحدثات، والوقوف عند حدود السنة.
الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المسلم على "الاتباع لا الابتداع"؛ فالدين كَمُل ببعثته ﷺ، فكل زيادة هي اتهامٌ للرسول بالتقصير في البلاغ.
الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ربط القبول بكون الشيء (منه)؛ ليبين أن العبرة بموافقة الهدي النبوي لا بمجرد كثرة العمل [5].
رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ
قاعدة: "الأصل في العبادات التوقيف؛ فلا يُشرع منها إلا ما شرعه الرسول ﷺ".
قاعدة: "الرسول ﷺ عبدٌ لا يُعبد، ورسولٌ لا يُكذب".
فائدة: الشهادتان متلازمتان؛ فلا يُقبل توحيد الله إلا بمتابعة رسوله ﷺ، ولا تُقبل المتابعة إلا بإخلاص العبادة لله.
فائدة: حقيقة المحبة للرسول ﷺ هي في الامتثال (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) [6].
خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ
الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:
أكد أن هذه الشهادة تقتضي تقديم قول الرسول ﷺ على قول كل أحد، وحذر من الغلو الذي يرفعه فوق مقام العبودية، ومن الجفاء الذي يعطل سنته [7].
الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:
بيّن أن مقتضى هذه الشهادة هو محاربة البدع؛ فالمبتدع لم يحقق (أن محمداً رسول الله) حقيقةً لأنه زاحمه في التشريع [8].
الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:
حقق أن الشهادة بالرسالة تتضمن الإيمان بعصمته ﷺ في البلاغ، وبوجوب التحاكم إليه في كل نزاع (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك) [9].
الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:
أشار إلى أن سرَّ هذه الشهادة هو "الانقياد القلبي"؛ فالمؤمن يجد في صدره انشراحاً لأوامر النبي ﷺ ولو خالفت هواه [10].
الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:
حقق أن مقام الشهادة بالرسالة هو "مقام المتابعة"؛ فبه يتميز أهل السنة (أصحاب الأثر) عن أهل البدع (أصحاب الأهواء)، وهو ميزان النجاة [11].
:::::::؛::::::؛؛؛؛::::::::::::::::::
[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 2، ص 110.
[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 165.
[3] تفسير ابن كثير، المجلد 4، ص 240.
[4] رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718).
[5] جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص 50.
[6] تيسير الكريم الرحمن، ص 130.
[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 128.
[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 215.
[9] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 205.
[10] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 395.
[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السابع والعشرون.

:::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّامِنُ وَالعِشْرُونَ: دَلِيلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ لِلآيَةِ

حنفاء: جمع حنيف، وهو المائل عن الشرك إلى التوحيد، المُقبل على الله بقلبه.

دين القيمة: أي الملة المستقيمة العادلة التي لا اعوجاج فيها.

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الاستدلال بآية البينة (آية 5) هو «بَيَانُ التَّلازُمِ بَيْنَ إِخْلَاصِ العِبَادَةِ لِلَّهِ (التَّوْحِيدِ) وَبَيْنَ أَعْمَالِ الجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ (الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ)، وَأَنَّ مَجْمُوعَهُمَا هُوَ الدِّينُ القَيِّمُ» [1].

ثانيًا: مَقَاصِدُ الِاسْتِدْلَالِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ)

تحقق هذه الآية ثلاثة أصول كبرى في مرتبة الإسلام:

تفسير التوحيد: بأنه (إخلاص الدين لله) مع الميل عن الشرك (حنفاء).

ركنية الصلاة والزكاة: بجعلهما قرينتين للتوحيد في مسمى الدين.

دخول الأعمال في مسمى الدين: وهذا ردٌّ صريح على المرجئة الذين يخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان والدين [2].

ثالثًا: شَوَاهِدُ الـمَبْحَثِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الدليل المركزي: آيَةُ البَيِّنَةِ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (وَمَا... إِلَّا) أداة حصر وتوكيد، تدل على أن الغاية من الخلق والأمر هي هذه الأصول. و(مُخْلِصِينَ) حال منصوبة تفيد أن العبادة بلا إخلاص لا تُسمى عبادةً شرعية.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الآية نصٌّ في أن "الدين" يجمع القول والعمل والنية؛ فالدين هو الإخلاص (نية)، والعبادة (قول وعمل القلب)، والصلاة والزكاة (عمل الجوارح).

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية المؤمن على "الشمولية"؛ فلا يكتفي بتوحيدٍ قلبي بلا عمل، ولا بعملٍ بلا إخلاص، بل يجمع بين صدق الباطن واستقامة الظاهر.

الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل كيف ختم الله الآية بقوله (وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ)؛ ليشير إلى أن أي نقص في هذه الأركان هو نقصٌ في قِيَميّة الدين واستقامته في قلب العبد [3].

رابعًا: القَوَاعِدُ وَالفَوَائِدُ

قاعدة: "كل عملٍ لا يُراد به وجه الله فهو هباء، وكل إخلاصٍ لا يتبعه عملٌ فهو دعاء (ادعاء)".

قاعدة: "الصلاة والزكاة هما أُمَّات العبادات البدنية والمالية؛ لذا خُصَّتا بالذكر بعد التوحيد".

فائدة: الحنيفية هي مِلة إبراهيم -عليه السلام-، وهي أساس الإسلام الذي بُني على المتابعة والإخلاص.

فائدة: الآية تدل على أن مسمى (الدين) يشمل العقائد والشرائع معاً [4].

خامسًا: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن هذه الآية هي "ميزان الدين"؛ فمن أراد أن يعرف هل هو على جادة الإسلام الحق فليعرض نفسه على هذه الخصال الثلاث: الإخلاص، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بيّن في "شرحه" أن الآية ترد على من يزعم أن التوحيد يكفي بلا عمل، أو أن العمل يكفي بلا توحيد؛ فالدين لا يتجزأ بنص القرآن [6].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن قوله (مخلصين له الدين) يتضمن نفي الشرك بكل أنواعه، وأن الصلاة والزكاة هما آكد شعائر الإسلام بعد الشهادتين [7].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن سرَّ الجمع بين الصلاة والزكاة هو استيعاب حق الخالق (الصلاة) وحق المخلوق (الزكاة) تحت مظلة الإخلاص لله [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام (دين القيمة) هو مقام الاستقامة العقدية والعملية، وأن هذه الآية هي أجمع آية لمقومات "مرتبة الإسلام" الظاهرة [9].

::::::::::::::::::::

[1] معجم مفاييس اللغة، المجلد 2، ص 145.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 170.

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 8، ص 485.

[4] تيسير الكريم الرحمن، ص 930.

[5] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 132.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 220.

[7] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 210.

[8] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 405.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثامن والعشرون.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ: بَيَانُ الصَّلَاةِ (مِنْ مَرْتَبَةِ الإِسْلَامِ)

أولًا: نَصُّ الـمَتْنِ

«وَدَلِيلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرِ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾».

ثانيًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ لِلصَّلَاةِ

اللُّغَةُ: أصلها (الدُّعَاءُ)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي ادعُ لهم. وقيل مشتقة من (الصَّلَوَيْنِ) وهما عرقان في الظهر ينحنيان عند الركوع والسجود.

الشَّرْعُ: هي «تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ، مُفْتَتَحَةٍ بِالتَّكْبِيرِ، وَمُخْتَتَمَةٍ بِالتَّسْلِيمِ».

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الصلاة هي "عماد الدين"؛ فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين [1].

ثالثًا: هَيْئَةُ الصَّلَاةِ (شُرُوطُهَا، أَرْكَانُهَا، سُنَنُهَا)

شُرُوطُ الصَّلَاةِ (تَسْعَةٌ): (الإسلام، العقل، التمييز، رفع الحدث، إزالة النجاسة، ستر العورة، دخول الوقت، استقبال القبلة، النية).

أَرْكَانُ الصَّلَاةِ (أَرْبَعَةَ عَشَرَ): (القيام مع القدرة، تكبيرة الإحرام، قراءة الفاتحة، الركوع، الرفع منه، السجود على الأعضاء السبعة، الرفع منه، الجلسة بين السجدتين، الطمأنينة في الكل، التشهد الأخير، الجلوس له، الصلاة على النبي ﷺ، الترتيب، التسليم).

سُنَنُ الصَّلَاةِ:  تنقسم سنن الصلاة إلى قسمين كبيرين، وهي الجبر لما قد ينقص من الخشوع:

1. السنن القولية (أهمها):

دعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام.

الاستعاذة والبسملة قبل الفاتحة.

قول "آمين" بعد الفاتحة.

قراءة سورة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين.

الجهر في القراءة (للإمام) في صلاة الفجر والمغرب والعشاء، والإسرار في الظهر والعصر.

ما زاد عن التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود.

ما زاد عن قول "رب اغفر لي" بين السجدتين.

الصلاة على آل النبي ﷺ في التشهد الأخير، والدعاء بعده.

2. السنن الفعلية (أهمها):

رفع اليدين مع تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، والرفع منه، وعند القيام للركعة الثالثة.

وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر.

النظر إلى موضع السجود.

تفريج الأصابع في الركوع مع قبض الركبتين.

مُجافاة العضدين عن الجنبين في السجود.

الافتراش في التشهد الأول، والتورك في التشهد الأخير (في الصلاة الرباعية والثلاثية)   [2].

رابعًا: تَحْقِيقُ الصَّلَاةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسمية هذه الحركات المخصوصة (صلاة) تشير إلى أنها في حقيقتها "صلةٌ" بين العبد وربه، وأن لبَّها هو (الدعاء) الذي هو جوهر العبادة.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الصلاة هي الفارق بين المسلم والكافر؛ لقوله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ». وهي العبادة الوحيدة التي لا تسقط عن المكلف ما دام عقله ثابتاً.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ فهي مدرسةٌ يومية لتهذيب السلوك، وتدريب النفس على الانقياد لأوامر الله في أوقات محددة.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف قرن الله "إقام الصلاة" بـ "إيتاء الزكاة" في ثمانية وعشرين موضعاً؛ لبيان أن الدين لا يكتمل إلا بحق الله (الصلاة) وحق العباد (الزكاة) [3].

خامسًا: أَقْوَالُ القُدَمَاءِ الخَمْسَةِ فِي تَحْقِيقِ الصَّلَاةِ

الإِمَامُ الطَّبَرِيُّ: أكد أن إقامة الصلاة هي أداؤها بحدودها وفروضها، وأنها لا تُسمى إقامةً بمجرد الحركات بلا قلب [4].

شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حقق أن الصلاة تشتمل على أنواع العبادات كلها (ذكر، دعاء، قراءة، ركوع، سجود، افتقار)، فهي مجمع العبودية [5].

الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ: في "كتاب الصلاة"، بَيَّن أن الصلاة هي "قرة عين المحبين"، وحقق مراتب الناس فيها من المعاقب إلى المقرب [6].

الإِمَامُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: شدد على أن الصلاة هي رأس الإسلام بعد الشهادتين، وبها يُعرف الموحد من المنافق [7].

الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ: عقد في "صحيحه" أبواباً مفصلة في هيئة صلاة النبي ﷺ، محققاً أن المتابعة في الصلاة هي مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله [8].

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: فصَّل في "الشرح الممتع" أركان الصلاة وشروطها تفصيلاً دقيقاً، وحقق مسألة كفر تارك الصلاة تهاوناً بالأدلة القوية [9].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان: أكد في "الملخص الفقهي" أن الصلاة هي آخر ما يُفقد من الدين، فإذا ذهبت ذهب الدين كله [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق أن الصلاة هي "العبادة العملية" التي تُظهر صدق الاستسلام لله، وأنها ميزان الاستقامة في حياة المسلم [11].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ: أشار إلى أن الروح في الصلاة هي "الخشوع"، وأن الأركان الظاهرة قوالب لهذا المعنى القلبي العظيم [12].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن مقام الصلاة هو "مقام المناجاة"؛ فالمصلي يقف بين يدي ربه، وهذا يقتضي كمال التعظيم والذل [13].

المَصَادِرُ وَالمَرَاجِعُ (العَزْوُ)

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 3، ص 300.

[2] زاد المستقنع، الحجاوي، ص 25 ،30.

[3] تفسير السعدي، ص 112.

[4] تفسير الطبري، المجلد 1، ص 240.

[5] مجموع الفتاوى، المجلد 22 (مبحث الصلاة).

[6] كتاب الصلاة وحكم تاركها، ابن القيم، ص 10.

[7] الرد على الجهمية، الدارمي، ص 95.

[8] صحيح ابن خزيمة، المجلد 1، ص 150.

[9] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 135.

[10] شرح ثلاثة الأصول، الفوزان، ص 225.

[11] شرح ثلاثة الأصول، آل الشيخ، ص 215.

[12] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 410.

[13] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس التاسع والعشرون.

:::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الثَّالِثِ (إِيتَاءُ الزَّكَاةِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

اللُّغَةُ: تدور مادتها حول (النَّمَاءُ) و(الزِّيَادَةُ) و(الطَّهَارَةُ)؛ يُقال: زكا الزرعُ إذا نما، وزكت النفسُ إذا طهرت.

الشَّرْعُ: هي «تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِإِخْرَاجِ حَقٍّ وَاجِبٍ، فِي مَالٍ مَخْصُوصٍ، لِطَائِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ، فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ».

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الزكاة هي "طهرة المال ونماء الأجر"؛ وهي العبادة المالية المحضة التي تبرهن على صدق إيمان العبد بتجاوزه شحَّ نفسه [1].

ثانيًا: شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ (خَمْسَةٌ)

لا تجب الزكاة إلا بتوفر هذه الشروط:

الإسلام: فلا تُقبل من كافر.

الحرية: فلا تجب على العبد المملوك.

ملك النصاب: وهو المقدار المحدد شرعاً الذي لا تجب الزكاة في أقل منه.

استقرار الملك: بأن يكون المال تحت يد صاحبه وتصرفه.

مضي الحول: أن يمر على المال (سنة قمرية)، ويُستثنى من ذلك المعشرات (خارج الأرض) [2].

ثالثًا: أَرْكَانُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ

النية: لتميزها عن الصدقة العامة أو الضرائب.

إخراج القدر الواجب: (كالربع العشر في النقدين، أو العشر في الزرع.. إلخ).

دفعها لمستحقيها: وهم الأصناف الثمانية المذكورون في سورة التوبة.

رابعًا: أَنْوَاعُ الأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ

تجب الزكاة في خمسة أنواع من الأموال:

بهيمة الأنعام: (الإبل، البقر، الغنم).

النقدان: (الذهب والفضة) وما يقوم مقامهما من الأوراق النقدية المعاصرة.

عروض التجارة: كل ما أُعد للبيع والشراء بقصد الربح.

الخارج من الأرض: (الحبوب والثمار، والمعادن، والركاز).

زكاة الفطر: وهي المرتبطة بالأبدان عند الفطر من رمضان [3].

خامسًا: شَوَاهِدُ الزَّكَاةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

1. الدليل من الكتاب العزيز:

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: 103].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (تُطَهِّرُهُمْ) تدل على تخليصهم من رذيلة البخل والذنوب، و(تُزَكِّيهِمْ) تدل على تحليتهم بمكارم الأخلاق ونماء أجورهم.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن الزكاة فريضةٌ من عند الله (خُذْ)، وأنها من أعظم وسائل القربة التي تحقق تزكية النفس التي هي غاية التوحيد.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية الغني على "المواساة" والرحمة بالفقراء، وتربية الفقير على سلامة الصدر تجاه الأغنياء، مما يحقق التكافل الاجتماعي.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله الزكاة "تزكية"؛ لبيان أن النماء الحقيقي للمال ليس بكثرته، بل ببركته وطهارته من شائبة الحقوق الضائعة [4].

2. الدليل من السنة النبوية:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» [5].

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (تُؤْخَذُ... فَتُرَدُّ) تدل على وجوب تحصيلها من القادرين وتوجيهها للمستحقين فوراً، مما يشعر بالعدل في التوزيع.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تقرير "فرضية الزكاة" وأنها ركنٌ لا يسع المسلم الجهل به، وهي تالية للشهادتين والصلاة في الأهمية والتبليغ.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تأصيل مبدأ "حق الفقير في مال الغني"؛ فليس المال مِلكاً محضاً للعبد، بل هو مستخلفٌ فيه، والزكاة هي اختبار لهذا الاستخلاف.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل تقديم (الأغنياء) على (الفقراء)؛ لبيان أن يد الغني بالبذل هي العُليا، وأن الفقير هو موضع إحسان الله بمال أخيه [6].

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الزكاة "ميزان الأخلاق"؛ فمن بخل بها نقص إيمانه، وحقق أن الزكاة لا تقتصر على النماء الحسي للمال بل تشمل البركة ودفع الآفات عنه [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "الملخص الفقهي" أن الزكاة سياجٌ للمجتمع يحميه من الصراع الطبقي، وشدد على أنها حقٌ واجبٌ في ذمة الغني لا يبرأ منها إلا بالأداء التام [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الزكاة هي "العبادة الاجتماعية" الأولى في الإسلام، وأن الربط بينها وبين الصلاة يهدف إلى تحقيق التوازن بين حق الخالق وحق المخلوق [9].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن سرَّ تسميتها (زكاة) هو لبيان أثرها في النفس؛ فالمال محببٌ للنفوس، وبذله لله هو أعلى درجات المجاهدة والتزكية [10].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الزكاة هو "مقام الشكر"؛ فالمؤمن يشكر نعمة المال بصرف جزءٍ منه لمرضاة المنعم، وهو دليلٌ على كمال العبودية المالية [11].

::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 3، ص 17.

[2] زاد المستقنع، ص 70.

[3] عمدة الفقه، ص 30.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 4، ص 205.

[5] رواه البخاري (1395)، ومسلم (19).

[6] فتح الباري، المجلد 3، ص 260.

[7] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 140.

[8] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 230.

[9] شرح ثلاثة الأصول، آل الشيخ، ص 225.

[10] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 420.

[11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الحادي والثلاثون.


:::::::::::::::::::::::'''':::::::::


المَبْحَثُ الحَادِي وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ مَفْرُودَةِ (الصِّيَامِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

اللُّغَةُ: أصله (الإِمْسَاكُ)؛ ومنه قوله تعالى مخبراً عن مريم: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي إمساكاً عن الكلام. ويُقال: صامت الخيلُ إذا أمسكت عن السير أو العلف.

الشَّرْعُ: هو «تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِالإِمْسَاكِ عَنِ الـمُفْطِرَاتِ، مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، بِنِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ».

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الصيام هو "سِرُّ العبودية"؛ لأنه عبادةٌ باطنة لا يطلع عليها إلا الله، فهو إمساكٌ عما تهواه النفس تقرباً إلى من تخشاه النفس [1].

ثانيًا: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ لِلصِّيَامِ

ركنية الصيام: هو ركنٌ من أركان الإسلام الخمسة، وجحده كفرٌ مخرج من الملة، وتركه تهاوناً مع الإقرار بوجوبه كبيرةٌ من عظيم الكبائر.

النسبة إلى الله: اختص الصيام من بين العبادات بالإضافة إلى الله في الحديث القدسي: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»؛ وذلك لكمال الإخلاص فيه، وبُعده عن الرياء الظاهر.

تزكية النفس: الصيام وسيلةٌ كبرى لتحقيق "التقوى" التي هي ثمرة التوحيد [2].

ثالثًا: مَفْرُودَةُ (الصِّيَامِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: انتقال الصيام من معناه العام (الإمساك) إلى معناه الخاص (الإمساك عن المفطرات) يشير إلى أن الشريعة تضبط الغرائز الفطرية بضوابط تعبدية، ليرقى الإنسان من رتبة العادة إلى رتبة العبادة.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الصيام يربي في العبد "مراقبة الله"؛ فالمسلم يمتنع عن المباحات (طعام، شراب) في خلوته لعلمه باطلاع الله عليه، وهذا هو جوهر "الإحسان" الذي هو أعلى مراتب الدين.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الصيام "كسرٌ للشهوات"؛ فبجوع البدن تصفو الروح، وبترك المحبوبات المألوفة تتقوى إرادة العبد في ترك المحرمات المنهي عنها.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل وصف النبي ﷺ للصوم بأنه (جُنَّةٌ) أي وقاية وسترة؛ فهو يقي العبد من الآثام في الدنيا، ومن النار يوم القيامة [3].

المَبْحَثُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ: دَلِيلُ الصِّيَامِ مِنَ الكِتَابِ

أولًا: نَصُّ الدَّلِيلِ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

ثانيًا: شَوَاهِدُ الدَّلِيلِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (كُتِبَ) فعل ماضٍ مبني لما لم يُسمَّ فاعله، ويفيد شرعاً "الوجوب والفرضية". وتذييل الآية بـ (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) يفيد التعليل؛ أي أن الغاية الكبرى هي تحصيل التقوى.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: قوله (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) فيه تقرير بأن الصيام عبادةٌ قديمة اتفقت عليها شرائع الأنبياء لعظم شأنها، وفيه إيناسٌ لهذه الأمة بالاشتراك في هذه الفضيلة.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: النداء بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) هو استنهاضٌ للهمم بصفة الإيمان؛ فكأنَّ قَبول التكليف الشاق بالصيام هو برهانٌ على صدق الإيمان في القلب.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف رتب الله "التقوى" على "الصيام"؛ ليعلم الصائم أن الجوع والعطش ليسا هما المقصود لذاتهما، بل المقصود هو أثرهما في تهذيب الباطن [4].

ثالثًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الصيام "مدرسة الإخلاص"؛ وحقق أن حقيقته ليست في ترك الطعام والشراب فحسب، بل في ترك المحرمات اللفظية والعملية، لقوله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ...» [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بيّن أن الصيام يجمع أنواع الصبر الثلاثة: (صبرٌ على طاعة الله، وصبرٌ عن معصية الله، وصبرٌ على أقدار الله المؤلمة من جوعٍ وعطش)، وهذا سرُّ عظم أجره [6].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الصيام هو الركن الذي يُظهر "الانقياد المطلق"؛ فالمسلم يترك حلاله المباح امتثالاً لأمر ربه في وقتٍ مخصوص، وهذا كمال العبودية [7].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الصيام يُصفي مرآة القلب؛ فبتقليل الغذاء المادي يزداد الغذاء الروحي، فيصير العبد أكثر استعداداً لتدبر الوحي والقيام بين يدي الله [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الصيام هو "مقام المراقبة"؛ فكل عبادة قد يدخلها الرياء إلا الصوم، فهو بين العبد وربه، ولذا كان جزاؤه بغير حساب عند الله [9].

::::::::::::::::''''::::::::::::

[1] لسان العرب، المجلد 12، ص 350.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 175.

[3] تفسير السعدي، ص 86.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 1، ص 497.

[5] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 145.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 235.

[7] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 230.

[8] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 425.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثاني والثلاثون.

::::::: :::::::::::::::::::::::


المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ مَفْرُودَةِ (الحَجِّ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

اللُّغَةُ: أصله (القَصْدُ)؛ يُقال: حجَّ إلينا فلانٌ أي قَصَدنا. وقيل هو "كثرة القصد" للمكان المعظم.

الشَّرْعُ: هو «تَعَبُّدٌ لِلَّهِ تَعَالَى بِقَصْدِ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، لِأَدَاءِ مَنَاسِكِ الـحَجِّ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ».

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الحج هو "مُؤْتَمَرُ التَّوْحِيدِ العَالَمِيُّ"؛ وهو العبادة التي تجمع بين الجهد البدني، والبذل المالي، والنسك القلبي في صعيدٍ واحد [1].

ثانيًا: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ لِلْحَجِّ

ركنية الحج: هو ركنٌ من أركان الإسلام، فُرض في السنة التاسعة للهجرة على الصحيح، وهو واجبٌ في العمر مرة واحدة على المستطيع.

إعلان التوحيد: شعار الحج هو (التلبية)؛ وهي إعلانٌ صريح بالوحدانية (لبيك لا شريك لك)، ونبذٌ لكل ضروب الشرك.

البراءة من المشركين: الحج هو المقام الذي تُعلن فيه البراءة من أعداء الله، كما في سورة التوبة، وهو تذكيرٌ بيوم الحشر الأكبر [2].

ثالثًا: مَفْرُودَةُ (الحَجِّ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسميته (حجاً) من القصد تشير إلى أن وجهة المؤمن وقصده في حياته كلها يجب أن تكون لله وحده، فالحج تدريبٌ عملي على تجريد القصد لله.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الحج يربي في العبد "التعظيم" لشعائر الله؛ (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ). فالحاج يطوف ويرجم ويسعى انقياداً لأمر الله، لا لمجرد الحركات.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الحج "رحلةٌ تجردية"؛ يترك فيها الحاج زينة الدنيا ولباسها، ليتساوى مع إخوانه في لباس الإحرام، مما يغرس التواضع ونبذ الكبر.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف رُبط الحج بالبيت الحرام (حِجُّ البَيْتِ)؛ ليبين أن القصد ليس للمكان لذاته، بل لرب البيت الذي أَمَرَ بتعظيمه وقصده [3].

المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: دَلِيلُ الحَجِّ مِنَ الكِتَابِ

أولًا: نَصُّ الدَّلِيلِ

قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].

ثانيًا: شَوَاهِدُ الدَّلِيلِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ) صيغةٌ من أقوى صيغ الوجوب والفرضية في اللغة؛ فاللام للاستحقاق، و(عَلَى) للإلزام.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: قوله (وَمَنْ كَفَرَ) بعد ذكر الحج، فيه دلالةٌ عظمى على خطورة ترك هذا الركن مع القدرة عليه، وإثباتٌ لغنى الله المطلق عن خلقه وعن عبادتهم.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: اشتراط (الاسْتِطَاعَةِ) فيه بيانٌ لرحمة الله بهذه الأمة ورفع الحرج عنها، وتربيةٌ للمسلم على تقدير النعم والقدرة على الامتثال.

الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل ختم الآية بـ (غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ)؛ ليعلم الحاج أن الله لا يزداد بعبادتنا ملكاً، بل نحن الفقراء المحتاجون لهذه الرحلة لتزكية أنفسنا [4].

ثالثًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الاستطاعة تشمل (القدرة المالية والبدنية)، وحقق أن الحج المبرور هو الذي لا رياء فيه ولا سمعة، ممتثلاً لهدي النبي ﷺ [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بيّن أن الحج هو "جهادٌ لا قتال فيه"، وهو تذكيرٌ عملي بالآخرة، وشدد على أن من جحد وجوب الحج فقد كفر بنص الآية [6].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الحج هو مجمع الفوائد العقدية والشرعية، وأنه يرسخ معنى "الولاء والبراء" باجتماع المسلمين على كلمة واحدة وقصد واحد [7].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الحج هو "رحلةٌ للقلوب قبل الأبدان"؛ فالمشقة فيه ممتعة لأنها في سبيل المحبوب، وهي تربيةٌ على الصبر والتحمل [8].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الحج هو "مقام التسليم"؛ فالحاج يأتي بأفعال (كتقبيل الحجر أو رجم الشياطين) محض انقياد، وهذا هو جوهر العبودية الكاملة [9].

:::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 2، ص 30.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 180.

[3] تفسير السعدي، ص 142.

[4] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 92.

[5] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 150.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 240.

[7] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 235.

[8] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 430.

[9] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثالث والثلاثون.

::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ مَفْرُودَةِ (الإِيمَانِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللُّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

اللُّغَةُ: أصله (التَّصْدِيقُ)؛ وقيل هو (الإِقْرَارُ الـمُسْتَلْزِمُ لِلقَبُولِ وَالإِذْعَانِ). مشتق من "الأَمْنِ"؛ لأن المؤمن يُؤمِّنُ نفسه من عذاب الله، ويأمنه الناس على دمائهم وأموالهم.

الشَّرْعُ: هو «قَوْلٌ بِاللِّسَانِ، وَاعْتِقَادٌ بِالجَنَانِ، وَعَمَلٌ بِالأَرْكَانِ؛ يَزِيدُ بِطَاعَةِ الرَّحْمَنِ، وَيَنْقُصُ بِطَاعَةِ الشَّيْطَانِ».

الـحدُّ الـجامع الـمانع: الإيمان هو "حقيقة الدين الباطنة"؛ وهو التصديق الجازم بأصول الغيب الستة، الذي يثمر الاستسلام لله حباً وخوفاً ورجاءً [1].

ثانيًا: تَحْقِيقُ أَرْكَانِ الإِيمَانِ السِّتَّةِ

تقوم هذه المرتبة على ستة أركان، كما في حديث جبريل المشهور:

الإِيمَانُ بِاللَّهِ: توحيده في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته.

الإِيمَانُ بِمَلَائِكَتِهِ: جند الله المكرمون، عالم غيبي خلقهم الله من نور.

الإِيمَانُ بِكُتُبِهِ: المنزلة على رسله هدايةً للخلق (كالقرآن، التوراة، الإنجيل).

الإِيمَانُ بِرُسُلِهِ: الذين اصطفاهم الله لتبليغ وحيه (أولهم نوح وآخرهم محمد ﷺ).

الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ: التصديق بكل ما يكون بعد الموت (البرزخ، الحشر، الجنة والنار).

الإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ: اليقين بأن كل ما يجري في الكون بعلم الله، وكتابته، ومشيئته، وخلقه [2].

ثالثًا: مَفْرُودَةُ (الإِيمَانِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل اشتقاق الإيمان من (الأمن)؛ يورث في قلب العبد أن الطمأنينة الحقيقية لا تكون إلا بالإيمان، وأن الخوف والاضطراب نتاج ضعف اليقين.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تحقيق مذهب السلف في أن "الأعمال داخلة في مسمى الإيمان"؛ ردًّا على المرجئة الذين قصروه على المعرفة أو التصديق القلبي فحسب. فإيمانٌ بلا عمل كشجرٍ بلا ثمر.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "الزيادة والنقصان"؛ فالمؤمن لا يقف عند حد، بل يسعى لتجديد إيمانه بالطاعات، ويحذر من نزوله بالمعاصي، مما يجعله في مجاهدة دائمة.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن في أكثر من خمسين موضعاً؛ لبيان أن الإيمان هو المحرك، والعمل هو الثمرة، ولا قوام لأحدهما دون الآخر [3].

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن الإيمان ليس مجرد دعوى، بل هو "وقر في القلب وصدقه العمل"، وحقق أن تفاضل الناس في الإيمان يكون بحسب تصديقهم ويقينهم وأعمالهم الصالحة [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين في "شرحه" أن أركان الإيمان الستة هي "أصول العقيدة"، وأن جحد واحدٍ منها هو جحدٌ للكل؛ فمن آمن بالله وكفر بالقدر لم ينفعه إيمانه [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن مرتبة الإيمان أخص من مرتبة الإسلام؛ فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمناً. فالإيمان هو استقرار الشريعة في الباطن والتمكن من حقائق اليقين [6].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الإيمان هو "نور البصيرة"؛ فبقدر قوة الإيمان يرى العبد حقائق الأشياء، فيرى الدنيا فانية والآخرة باقية، فيستقيم سلوكه اضطراراً لا تكلفاً [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الإيمان هو "مقام الغيب"؛ فالمؤمن يُصدق بما لم يره (الله، الملائكة، اليوم الآخر) تصديقاً أعظم مما يراه بعينه، وهذا هو كمال العبودية القلبية [8].

:::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 1، ص 130.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 190.

[3] تفسير السعدي، ص 45.

[4] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 155.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 245.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 240.

[7] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 440.

[8] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الرابع والثلاثون.

:::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الأَوَّلِ (الإِيمَانُ بِاللَّهِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِاللَّهِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

اللغة: الإيمان من (أَمِنَ)، وهو إقرار القلب المستلزم للقبول والإذعان، وليس مجرد التصديق؛ لأن التصديق يكون للخبر، والإيمان يكون للمُخبر به وفيه معنى الطمأنينة والثقة.

الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِوُجُودِ ذَاتِ اللهِ تَعَالَى، وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالأُلُوهِيَّةِ، وَمَا لَهُ مِنَ الأَسْمَاءِ الحُسْنَى وَالصِّفَاتِ العُلَا، عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ وَالخُضُوعِ».

ثانيًا: تَحْقِيقُ مَرَاتِبِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ (الحدود والأدلة)

1. الإِيمَانُ بِوُجُودِ اللهِ تَعَالَى:

الحد الجامع المانع: هو «اليَقِينُ القَاطِعُ بِأَنَّ لِهَذَا الكَوْنِ خَالِقاً مُوجِداً، بَصِيراً بِعِبَادِهِ، قَائِماً عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ».

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35].

الدليل من السنة: قوله ﷺ في دعاء التهجد: «أَنْتَ الحَقُّ، وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ» [رواه البخاري ومسلم].

2. الإِيمَانُ بِرُبُوبِيَّةِ اللهِ تَعَالَى:

الحد الجامع المانع: هو «إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِهِ؛ كَالخَلْقِ، وَالـمُلْكِ، وَالتَّدْبِيرِ، فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَلَا فِي أَمْرِهِ».

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

الدليل من السنة: قوله ﷺ لابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ» [رواه الترمذي وقال حسن صحيح، وأصله في الصحيحين في معنى القدر].

3. الإِيمَانُ بِأُلُوهِيَّةِ اللهِ تَعَالَى:

الحد الجامع المانع: هو «إِفْرَادُ اللهِ تَعَالَى بِأَفْعَالِ العِبَادِ الصَّادِرَةِ عَنْهُمْ؛ كَالدُّعَاءِ، وَالخَوْفِ، وَالرَّجَاءِ، فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ».

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 163].

الدليل من السنة: قوله ﷺ لمعاذ: «فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» [رواه البخاري ومسلم].

4. الإِيمَانُ بِالأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ:

الحد الجامع المانع: هو «إِثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ اللهُ لِنَفْسِهِ، أَوْ أَثْبَتَهُ لَهُ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ».

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

الدليل من السنة: قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» [رواه البخاري ومسلم].

ثالثًا: الرُّكْنُ الأَوَّلُ (الإِيمَانُ بِاللَّهِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: لفظ الجلالة (الله) هو الاسم الجامع لصفات الألوهية، واقترانه بمراتب الربوبية والأسماء والصفات يدل على أن "العلم الإلهي" لا يتحقق إلا بالجمع بين هذه المراتب؛ فمن أقر بالوجود وأنكر الأسماء فقد نقص علمه، ومن أقر بالربوبية وأشرك في الألوهية فقد بطل عمله.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: هذا الركن هو "قطب رحى العقيدة"؛ والتحقيق فيه يقتضي نفي الوسائط بين الخالق والمخلوق في العبادة، ونفي المشابهة بين الخالق والمخلوق في الصفات، ونفي العبثية في الأفعال؛ فالله موجودٌ لذاته، معبودٌ لجماله وجلاله، متصرفٌ بحكمته.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بهذه الأقسام يثمر "اليقين"؛ فالإيمان بالوجود يورث الأنس، والربوبية تورث التوكل، والألوهية تورث الإخلاص، والأسماء والصفات تورث المحبة والتعظيم. وهذا هو "الاعتبار النفسي" الذي يُصلح حال العبد في معاشه ومعاده.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل سورة الفاتحة؛ فقد جمعت المراتب الأربعة: (الحمد لله) الألوهية، (رب العالمين) الربوبية، (الرحمن الرحيم) الأسماء والصفات، ووجوده سبحانه ظاهرٌ في خطابه لعباده. فالفاتحة هي تحقيقٌ عملي لهذا الركن العظيم.

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق في "القواعد المثلى" أن الإيمان بالله يتضمن الأقسام الأربعة، وبيّن أن الإيمان بالأسماء والصفات هو الذي تميز به أهل السنة عن المبتدعة، واشترط لوجود الله استدلال العقل الفطري الصريح [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد في "شرح الواسطية" أن التوحيد هو المقصود الأصلي من الإيمان بالله، وحذر من حصر الإيمان بالله في "توحيد الربوبية" كما يفعل المتكلمون، مؤكداً أن الألوهية هي مفرق الطرق بين المؤمن والمشرك [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق في "كفاية المستفيد" أن مراتب الإيمان بالله متلازمة، فمن عطّل الصفات لزمه نقص في الألوهية، ومن أشرك في العبادة لزمه خلل في فهم الربوبية، فالإيمان بناءٌ واحد لا يتجزأ [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار في تحقيقاته إلى أن "الإيمان بالله" ليس معلومة تُخزن، بل هو "حالٌ يُعاش"؛ فاليقين بالوجود والأسماء والصفات يجب أن يظهر أثره في انكسار العبد وافتقاره التام في كل شؤونه [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق في شروحاته أن الإيمان بالله هو "أساس العبودية"؛ فالمراتب الأربعة هي قوالب العلم بالله، فكلما ازداد العبد تحقيقاً لهذه المراتب بالدليل والمسلك، ازداد ترقياً في مقامات الإيمان [5].

:::::::::::::::::::::::::

[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 162-165.

[2] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 252-255.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 248.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 448.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السادس والثلاثون.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الثَّانِي (الإِيمَانُ بِالـمَلَائِكَةِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالـمَلَائِكَةِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

اللغة: (الـمَلَائِكَةُ) جمع مَلأَك، وأصله من (الأَلُوكَةِ) وهي "الرِّسَالَةُ"؛ فالـمَلَكُ هو الـمُرْسَلُ، وسُموا بذلك لأنهم رسل الله في تنفيذ أمره الكوني والشرعي.

الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِوُجُودِ عَالَمٍ غَيْبِيٍّ، خَلَقَهُمُ اللهُ مِنْ نُورٍ، لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ، لَهُمْ ذَوَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ وَأَعْمَالٌ مَخْصُوصَةٌ».

ثانيًا: صِفَاتُ الـمَلَائِكَةِ وَأَنْوَاعُهُمْ (تَحْقِيقٌ مَوْسُوعِيٌّ)

1. صِفَاتُهُمُ الخَلْقِيَّةُ (الـمُحَقَّقَةُ):

أصل الخلقة: خُلقوا من نور (كما في صحيح مسلم).

عظم أجسادهم: لهم أجنحة (مثنى وثلاث ورباع)، ومنهم من سدَّ الأفق كجبريل عليه السلام.

الجمال والقوة: وُصفوا بالجمال (ملك كريم) وبالقوة (شديد القوى).

التشكل: لهم القدرة على التمثل بصورة البشر بأمر الله.

2. أَنْوَاعُ الـمَلَائِكَةِ وَوَظَائِفُهُمْ:

جبريل: الـمُوكل بالوحي (حياة القلوب).

ميكائيل: الـمُوكل بالقطر والنبات (حياة الأرض).

إسرافيل: الـمُوكل بالنفخ في الصور (حياة الأجساد بعد الموت).

ملك الموت: الـمُوكل بقبض الأرواح (ولم يثبت تسميته بـ "عزرائيل" في نص صحيح).

حملة العرش: الـمُوكلون بحمل عرش الرحمن.

الـحفظة والـكتبة: الـمُوكلون بحفظ العبد وكتابة أعماله (رقيب وعتيد صفات لا أسماء).

خزنة الجنة (رضوان) وخزنة النار (مالك): الـمُوكلون بالثواب والعقاب.

ثالثًا: أَدِلَّةُ الإِيمَانِ بِالـمَلَائِكَةِ

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285].

الدليل من السنة: قوله ﷺ في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ...» [رواه البخاري ومسلم].

رابعًا: الرُّكْنُ الثَّانِي (الإِيمَانُ بِالـمَلَائِكَةِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: اشتقاق اسمهم من (الرسالة) يربط بين عالم الغيب وعالم الشهادة؛ فالملائكة هم "الواسطة الكونية والشرعية" في تبليغ الوحي وتنفيذ القدر، وهذا يورث العبد تعظيماً لـمُرسلهم سبحانه.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التحقيق في هذا الركن يقتضي إثبات "الذوات الحقيقية" للملائكة؛ رداً على الفلاسفة الذين قالوا إنهم "قوى الخير الكامنة"، فالملائكة خلقٌ حقيقي مُكرم، إيماننا بهم جزءٌ من التسليم بالوحي الغيبي.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بالملائكة (خاصة الحفظة والكتبة) يورث "الحياء والمراقبة"؛ فإذا علم العبد أن معه ملائكة لا يفارقونه يكتبون قوله وفعله، استحيى من مقارفة المعصية، وأنس بوجود جند الله معه.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل التناسب بين "الوحي" و"القطر" و"النفخ" في وظائف الأئمة الثلاثة (جبريل، ميكائيل، إسرافيل)؛ فكلها مدارها على "الحياة"، وهذا يشير إلى كمال حكمة الله في توزيع المهام لانتظام أمر الوجود.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن الإيمان بالملائكة يتضمن الإيمان بأسماء من سُمي منهم، وبصفاتهم، وبأعمالهم، وحذر من الغلو فيهم أو صرف شيء من العبادة لهم، فهم عبادٌ مكرمون [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد أن الإيمان بالملائكة هو برهانٌ على سعة ملك الله وعظمته، وبين أن من أنكر وجودهم أو استهزأ بهم فقد كفر، لأنهم من أركان الإيمان الستة بنص القرآن [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الملائكة لا يشفعون إلا لمن ارتضى الله، وأن الإيمان بهم يرسخ في القلب أن هذا الكون مُدبَّرٌ بأمر الله وعنايته، وليس عبثاً أو صدفة [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الإيمان بعالم الملائكة يرفع همة المؤمن؛ فإذا علم أن هناك خلقاً لا يفترون عن التسبيح والعبادة، خجل من تقصيره وسارع في الطاعات اقتداءً بهم [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الإيمان بالملائكة هو "مقام التعظيم"؛ فالعلم بضخامة خِلقتهم (كجبريل له 600 جناح) يقود بالضرورة إلى تعظيم الخالق الذي خلقهم، فهم آيةٌ من آيات قدرته الباهرة [5].

:::::::::::::::::::::::

[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 168-172.

[2] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 258-262.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 255.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 455.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السابع والثلاثون.


:::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الثَّالِثِ (الإِيمَانُ بِالكُتُبِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالكُتُبِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

اللغة: (الكُتُبُ) جمع كِتَابٍ، وهو مأخوذ من (الكَتْبِ) وهو "الـجَمْعُ"؛ سُمي الكتاب كتاباً لأنه يجمع الحروف والكلمات، والكتب الإلهية هي ما جمعه الله من وحيه وكلامه لرسله.

الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ كُتُباً عَلَى رُسُلِهِ، هِيَ كَلَامُهُ حَقِيقَةً، فِيهَا هُدًى وَنُورٌ، وَأَنَّ القُرْآنَ خَاتَمُهَا وَالـمُهَيْمِنُ عَلَيْهَا».

ثانيًا: تَحْقِيقُ الكُتُبِ الـمُنَزَّلَةِ وَمَوْقِفُنَا مِنْهَا

1. الكُتُبُ الـمُسَمَّاةُ فِي الوَحْيِ:

القرآن الكريم: نزل على محمد ﷺ، وهو كلام الله المعجز، المحفوظ من التحريف.

التوراة: نزلت على موسى عليه السلام.

الإنجيل: نزل على عيسى عليه السلام.

الزبور: نزل على داود عليه السلام.

صحف إبراهيم وموسى: المنزلة عليهما عليهما السلام.

2. مَوْقِفُنَا مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ:

نؤمن بأنها نزلت من عند الله حقاً في أصلها.

نؤمن بأنها دُخلها التحريف والتبديل (في التوراة والإنجيل المعاصرين).

نؤمن بأن القرآن "مهيمن" عليها؛ فما وافقه منها فهو حق، وما خالفه فهو باطل، وما سكت عنه فلا نصدقه ولا نكذبه.

ثالثًا: أَدِلَّةُ الإِيمَانِ بِالكُتُبِ

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 136].

الدليل من السنة: قوله ﷺ في حديث جبريل: «وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ...» [رواه البخاري ومسلم].

رابعًا: الرُّكْنُ الثَّالِثُ (الإِيمَانُ بِالكُتُبِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسمية الوحي (كتاباً) تشير إلى "الضبط والحفظ"؛ فالجمع في الكتابة يمنع التشتت، وهذا يورث اليقين بأن شريعة الله منضبطة لا فوضى فيها، وأنها محفوظة في الصدور والسطور بحفظ الله لها.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التحقيق في هذا الركن يقتضي إثبات صفة "الكلام" لله تعالى؛ فالكتب كلامه لا خلقٌ من خلقه، وهذا مفرق الطريق بين أهل السنة والجهمية. فالإيمان بالكتاب هو إيمانٌ بـ "صفة المتكلم" سبحانه.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بالكتب يورث "الهداية والاستمساك"؛ فالمؤمن يعلم أن الله لم يتركه سدى، بل أنزل له منهاجاً يحكم حياته، فيشعر بعزة الانتساب لهذا الوحي الإلهي ويطمئن لعدل أحكامه.

الـمَسْلَكُ Тَدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ الهيمنة تعني الشهادة والحفظ والرقابة. فالقرآن هو "المعيار" الذي تُعرض عليه كل دعوى دينية أو فلسفية، فما أقرّه فهو الحق وما نفاه فهو الزيف.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن الإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الإيمان بأنها من عند الله، والإيمان بما سمي منها، وتصديق أخبارها، والعمل بأحكام ما لم يُنسخ منها (وهو القرآن) [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد أن الإيمان بالقرآن يقتضي التحاكم إليه؛ فمن آمن بلفظه وكفر بحكمه أو فضّل عليه القوانين البشرية فقد نقض إيمانه بالكتاب [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الكتب الإلهية تشترك في "أصل التوحيد" وتختلف في "الشرائع والمناهج"؛ لبيان حكمة الله في تدرج الهداية للبشرية حتى خُتمت بالقرآن المعجز [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن تعظيم الكتاب يكون بـ "شدة الاتباع"؛ فمن قرأ القرآن ولم يتأثر به أو يعمل بما فيه فإيمانه به إيمانٌ صوريٌّ ضعيف يحتاج إلى مراجعة وتجديد [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الإيمان بالكتب هو "مقام العلم الإلهي"؛ فالله تكلم بهذا الوحي بعلمه، فكل خبر فيه هو صدقٌ محض، وكل حكم فيه هو عدلٌ محض، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه [5].

::::::::::::::::::::::::

[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 175-180.

[2] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 265-270.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 260.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 460.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثامن والثلاثون.

::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الرَّابِعِ (الإِيمَانُ بِالرُّسُلِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ 

اللغة: (الرُّسُلُ) جمع رَسُولٍ، وهو مأخوذ من (الإِرْسَالِ) وهو "التَّوْجِيهُ"؛ والرسول هو الشخص الذي يُبعث برسالة أو بمهمة من جهة إلى أخرى.

الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً مِنْهُمْ، يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ وَكُفْرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ بَارُّونَ رَاشِدُونَ، أَيَّدَهُمُ اللهُ بِالآيَاتِ».

ثانيًا: التَّحْقِيقُ فِي مَقَامِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ

1. الفَرْقُ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ:

الرَّسُولُ: هو مَن أُوحي إليه بشرعٍ (جديد) وأُمر بتبليغه إلى قومٍ (مخالفين).

النَّبِيُّ: هو مَن أُوحي إليه بشرعٍ (سابق) ليجدده ويبلغ من (وافقه) من المؤمنين، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يحكمون بالتوراة [1].

2. أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ:

هم خمسة، سُموا بذلك لصبرهم وثباتهم وتحملهم المشاق العظيمة في الدعوة، وهم:

نُوحٌ عليه السلام.

إِبْرَاهِيمُ عليه السلام.

مُوسَى عليه السلام.

عِيسَى عليه السلام.

مُحَمَّدٌ ﷺ (وهو أفضلهم وخاتمهم).

ثالثًا: أَدِلَّةُ الإِيمَانِ بِالرُّسُلِ

الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

الدليل من السنة: قوله ﷺ في حديث جبريل: «وَأَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ...» [رواه البخاري ومسلم].

رابعًا: الرُّكْنُ الرَّابِعُ (الإِيمَانُ بِالرُّسُلِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: وصفهم بـ (الرسل) يقطع الطريق على من يدعي لهم صفات الألوهية؛ فالرسول مأمورٌ مُرسل من قِبَلِ غيره، وكمال الرسول في كمال بلاغه وأمانته، لا في ذاته البشرية.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التحقيق في هذا الركن يقتضي "المحبة والتعظيم" دون "الغلو والجفاء"؛ فنؤمن بعصمتهم فيما يبلغونه عن الله، وببشريتهم التي تمنع صرف أي نوع من العبادة لهم، وبأن خاتمهم هو المعيار في الاتباع.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بالرسل يورث "الاقتداء"؛ فهم النماذج البشرية الكاملة في الصبر واليقين، فبذكر قصصهم تثبت قلوب المؤمنين (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك).

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف قرن الله الإيمان به بالإيمان بالرسل في آيات كثيرة؛ لبيان أن طريق المعرفة بالله لا يكون إلا من خلالهم، فمن ادعى الوصول إلى الله بغير طريق الرسل فقد ضل ضلالاً بعيداً.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن الإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور: الإيمان بأن رسالتهم حق، والإيمان بأسماء من سُمي منهم، وتصديق أخبارهم، والعمل بشريعة من أُرسل إلينا منهم (محمد ﷺ) [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد في "شرحه" أن من كفر برسول واحد فقد كفر بجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة في أصل التوحيد، وبين أن الإيمان بمحمد ﷺ يقتضي تصديقه وطاعته واتباع سنته [3].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن الرسل هم "قادة الهداية"، وأن الحاجة إليهم أعظم من الحاجة إلى الطعام والشراب؛ لأن بهم حياة الأرواح وفلاح الدارين [4].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن سرَّ اختيار الرسل من البشر هو "إمكانية القدوة"؛ فلو كانوا ملائكة لقال الناس: لا نستطيع فعل ما يفعلون، فجاءوا بشراً لتقوم الحجة على العباد [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الإيمان بالرسل هو "مقام التسليم للوحي"؛ فالحكمة من إرسالهم هي البلاغ المبين، والمؤمن يحقق هذا الركن بتجريد المتابعة لهم ونبذ ما خالف هديهم [6].

:::::::::::::::::::::::::::::

[1] فتح الباري، ابن حجر، المجلد 6، ص 450 (تحقيق الفرق).

[2] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 182-185.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 275-278.

[4] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 265.

[5] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 465.

[6] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس التاسع والثلاثون.

::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الأَرْبَعُونَ: تَحْقِيقُ الرُّكْنِ الخَامِسِ (الإِيمَانُ بِاليَوْمِ الآخِرِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

 * اللغة: (اليَوْمُ) لغةً هو الوقت من طلوع الشمس إلى غروبها، ويُطلق على الوقت مطلقاً. و(الآخِرُ) نقيض الأول، وسُمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم وأهل النار في منازلهم.

 * الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِكُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ اللهُ وَرَسُولُهُ ﷺ مِمَّا يَكُونُ بَعْدَ المَوْتِ؛ مِن فِتْنَةِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَعَذَابِهِ، وَالبَعْثِ وَالحَشْرِ وَالحِسَابِ، وَالـمِيزَانِ وَالصِّرَاطِ، وَالجَنَّةِ وَالنَّارِ».

ثانيًا: أَهْوَالُهُ وَمَا يَتَضَمَّنُهُ (مَرَاحِلُ القِيَامَةِ)

 * البَعْثُ وَالنُّشُورُ: إحياء الموتى وإخراجهم من قبورهم لحسابهم، وهو رد الأرواح إلى الأجساد.

 * الحَشْرُ وَالـمَوْقِفُ العَظِيمُ: جمع الخلائق في صعيد واحد، وتدنو الشمس من الرؤوس، ويشتد الكرب حتى يطلب الناس الشفاعة لفصل القضاء.

 * الـحِسَابُ وَعَرْضُ الأَعْمَالِ: وقوف العباد بين يدي الله، وتطاير الصحف (آخذٌ بيمينه وآخذٌ بشماله)، ومناقشة الحساب للمجرمين، والعرض للمؤمنين.

 * الـمِيزَانُ: وضع موازين حقيقية توزن بها الأعمال أو الصحف أو العباد؛ فمن ثقلت موازينه أفلح، ومن خفت خسر.

 * الصِّرَاطُ: جسرٌ ممدود على متن جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم.

 * الـجَنَّةُ وَالنَّارُ: هما الداران اللتان لا فناء لهما؛ الجنة دار المتقين، والنار دار الكافرين [1].

ثالثًا: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ وَدُخُولِ النَّارِ

1. أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الـمَحْشَرِ:

 * السابقون المقربون: الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ويدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب.

 * أصحاب اليمين: الذين يُحاسبون حساباً يسيراً ويُنقلبون إلى أهلهم مسرورين.

 * أصحاب الشمال: الذين يُساقون إلى الحساب بعنف وتُسود وجوههم.

2. أَقْسَامُ الدَّاخِلِينَ إِلَى النَّارِ:

 * الداخلون خلوداً وبقاءً: وهم الكفار والمشركون والمنافقون نفاقاً أكبر؛ لا يُقضى عليهم فيموتوا ولا يُخفف عنهم من عذابها.

 * الداخلون عذاباً وتطهيراً: وهم (عصاة الموحدين) الذين غلبت سيئاتهم حسناتهم، فيدخلون النار بقدر ذنوبهم ثم يخرجون منها بشفاعة الشافعين أو برحمة أرحم الراحمين [2].

رابعًا: أَدِلَّةُ الإِيمَانِ بِاليَوْمِ الآخِرِ

 * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7].

 * الدليل من السنة: قوله ﷺ في حديث جبريل: «وَتُؤْمِنَ بِاليَوْمِ الآخِرِ...» [رواه البخاري ومسلم].

خامسًا: الرُّكْنُ الخَامِسُ (اليَوْمُ الآخِرُ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

 * الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسميته بـ (الآخِرِ) يقطع تعلق القلب بـ "الأول" (الدنيا)؛ فإذا علم العبد أن هناك غاية أخيرة سينتهي إليها، زهد في الفاني واستعد للباقي، وهذا من أسرار العدل الإلهي في الجزاء.

 * الـمَسْلكُ العَقَدِيُّ: التحقيق في هذا الركن يربط بين "العدل" و"الجزاء"؛ فلو لم يكن يومٌ آخر لكان خلق الناس عبثاً (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً). فالإيمان باليوم الآخر هو برهانٌ على كمال حكمته سبحانه في إنصاف المظلوم ومعاقبة الظالم.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بالبعث والحساب أعظم "زاجرٍ" عن المعصية، وأعظم "مُحفزٍ" على الطاعة؛ فمن استيقن وقوفه بين يدي الله حاسب نفسه قبل أن يُحاسب، وهانت عليه مصائب الدنيا لعلمه بعِظم جزاء الآخرة.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف قرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر في مواضع لا تُحصى؛ لبيان أن من لا يؤمن بالمعاد لا ينتفع بإيمانه بالمبدأ، فالإيمان بالله (البداية) يكتمل باليقين بلقائه (النهاية).

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   حقق في "شرح الواسطية" أن الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما بعد الموت، وفصّل في أدلة البعث العقلية (كإحياء الأرض بعد موتها) لرد شبهات المنكرين [3].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   أكد أن اليوم الآخر هو "يوم الفصل"، وبين أن التفريط في هذا الركن يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي؛ لأن من أمن العقاب أساء الأدب مع الخالق والخلق [4].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق أن تفاصيل اليوم الآخر (الحوض، الميزان، الصراط) ثابتة بنصوص متواترة أو مستفيضة، ويجب الإيمان بها كما جاءت دون تأويل فاسد أو إنكار [5].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن ذكر الآخرة هو "جلاء القلوب"؛ فالمؤمن الحاذق هو من يرى الجنة والنار برأى العين من خلال نصوص الوحي، فيستقيم حاله استقامة من يُشاهد الحساب [6].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الإيمان باليوم الآخر هو "مقام الرجاء والرهبة"؛ فالعلم بأهوال القيامة يورث الخشية، والعلم بنعيم الجنة يورث الطمع في فضل الله، وكلاهما جناحا الطائر للمسافر إلى الله [7].

::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 6، ص 155.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 205.

[3] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 188-192.

[4] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 280-285.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 270.

[6] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 470.

[7] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الأربعون.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::

 (الرُّكْنُ السَّادِسُ: الإِيمَانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ)، :

المَبْحَثُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: 

تَحْقِيقُ الرُّكْنِ السَّادِسِ (الإِيمَانُ بِالقَدَرِ)

أولًا: مَعْنَى الإِيمَانِ بِالقَدَرِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

 * اللغة: (القَدَرُ) بفتح الدال، أصله مأخوذ من (التَّقْدِيرِ) وهو جعل الشيء على مقدار مخصوص، ويأتي بمعنى الحكم والقضاء وإحكام الشيء وتدبيره.

 * الحد الجامع المانع: هو «التَّصْدِيقُ الجَازِمُ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَحْدُثُ فِي الكَوْنِ هُوَ بِعِلْمِ اللهِ تَعَالَى، وَكِتَابَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، وَخَلْقِهِ؛ لَا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ خَيْرٌ وَلَا شَرٌّ».

ثانيًا: مَرَاتِبُ القَدَرِ الأَرْبَعَةُ (أَرْكَانُهُ)

لا يصح إيمان العبد بالقدر حتى يؤمن بهذه المراتب مجتمعة:

 * العِلْمُ: اليقين بأن الله علم بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، قبل وقوعه.

 * الكِتَابَةُ: أن الله كتب ذلك العلم في اللوح المحفوظ قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.

 * الـمَشِيئَةُ: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن؛ فلا يتحرك ذرة في الكون إلا بمشيئته النافذة.

 * الخَلْقُ: أن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد؛ فهم الفاعلون حقيقة، والله خالقهم وخالق أفعالهم [1].

ثالثًا: مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِي القَدَرِ

1. مَنْهَجُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ:

يقوم منهجهم على "الوسطية"؛ فيثبتون قدر الله الشامل، ويثبتون للعبد "مشيئة" و"قدرة" تحت مشيئة الله، فهم لا يسلبون العبد اختياره (كالجبرية) ولا يسلبون الله خلقه (كالقدرية).

2. الطَّوَائِفُ الـمُنْحَرِفَةُ فِي القَدَرِ:

 * القَدَرِيَّةُ الإِبْلِيسِيَّةُ: وهم "المحتجون بالقدر على المعاصي"؛ أقروا بالقدر وجعلوه عذراً لترك الأمر والوقوع في النهي، كا فعل إبليس (بما أغويتني).

 * القَدَرِيَّةُ الشِّرْكِيَّةُ: الذين أقروا بالقدر لكنهم أشركوا مع الله غيره، زاعمين أن شركهم بمشيئة الله القهرية التي لا اختيار لهم فيها (لو شاء الله ما أشركنا).

 * القَدَرِيَّةُ الـمَجُوسِيَّةُ: وهم الذين نفوا القدر، وزعموا أن العبد يخلق فعل نفسه استقلالاً، فسُموا مجوساً لأنهم أثبتوا خالقين (خالق للخير وخالق للشر).

 * الـمُعْتَزِلَةُ وَزِيَادَتُهُمْ: زادوا على المجوسية بـ "أصول العدل" الفاسدة عندهم، حيث أوجبوا على الله فعل "الأصلح"، ونفوا أن يكون الله مريداً للمعاصي أو خالقاً لها، لزعمهم أن ذلك ينافي العدل والتوحيد [2].

رابعًا: أُصُولُ وُقُوعِ الـمُعْتَزِلَةِ فِي هَذَا الـمَفْهُومِ

وقعوا في هذا الضلال لظنهم أن "الإرادة الكونية" تستلزم "الرضا والمحبة"؛ فظنوا أننا لو قلنا إن الله شاء المعاصي لزم أن يكون محباً لها، ففروا من ذلك إلى نفي مشيئته لأفعال العباد، فجعلوا في ملكه ما لا يشاء، وهذا غاية النقص في الربوبية.

خامسًا: أَدِلَّةُ الإِيمَانِ بِالقَدَرِ

 * الدليل من الكتاب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49].

 * الدليل من السنة: قوله ﷺ في حديث جبريل: «وَتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» [رواه البخاري ومسلم].

سادسًا: الرُّكْنُ السَّادِسُ (القَدَرُ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

 * الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسميته (قَدَراً) تشير إلى "الإحكام"؛ فقدر الله ليس خبط عشواء، بل هو تدبيرٌ حكيم وُضع في موضعه اللائق بمقدار لا يزيد ولا ينقص، وهذا يورث الطمأنينة لعدل المقادير.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التحقيق في القدر هو "سرُّ الله في خلقه"؛ والواجب فيه الإيمان بالمراتب الأربع، واليقين بأن الشر ليس إليه سبحانه (والشر ليس إليك)، فالشر في "الـمقدورات" لا في "فعل القَدَر" الذي هو محض الحكمة.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإيمان بالقدر هو "دواء القلق"؛ فمن آمن بالقدر لم يأسَ على ما فاته، ولم يفرح فرح بطر بما آتاه، بل يستقبل المصائب بالصبر والرضا، والنعم بالشكر، فتعتدل حياته.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾؛ هذا أصل التدبر في القدر؛ فالله لا يُسأل عن حكمته وقدره لعلمنا بكماله، والعبد هو المحاسب على فعله واختياره [3].

سابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   حقق في "شرح الواسطية" أن القدر نظام التوحيد، وبيّن أن العبد له مشيئة وقدرة حقيقية لكنها لا تخرج عن مشيئة الله، وحلَّ معضلة الاحتجاج بالقدر ببراعة عقلية وأثرية [4].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   أكد أن الإيمان بالقدر هو مفرق الطريق بين الموحد والملحد، وبين أن من كفر بالقدر فقد كفر بعلم الله وقدرته، وحذر من الخوض في القدر بغير علم [5].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق في "كفاية المستفيد" الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وهو المفتاح الذي يحل كل إشكالات القدر التي وقعت فيها الطوائف [6].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن القدر هو "ميدان العبودية"؛ فالرضا بالقدر المرِّ هو أعلى مقامات الإيمان، وأكثر ما يُصفي النفس من شوائب الاعتراض على الخالق [7].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الإيمان بالقدر هو "مقام التفويض"؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب امتثالاً للشرع، ويفوض النتائج تسليماً للقدر، وهذا هو كمال التوازن في حياة المسلم [8].

:::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 5، ص 62.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 215-220.

[3] تفسير السعدي، ص 825.

[4] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 195-200.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 290-295.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 275.

[7] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 480.

[8] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الحادي والأربعون.


:::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ الثَّانِي وَالأَرْبَعُونَ: تَحْقِيقُ مَفْرُودَةِ (الإِحْسَانِ)

أولًا: مَعْنَى الإِحْسَانِ (تَدْقِيقٌ لُغَوِيٌّ مُحَقَّقٌ)

 * اللغة: الإحسان ضد الإساءة، وهو مأخوذ من (الحُسْنِ) وهو الجمال والكمال في الشيء. ويُطلق لغةً على معنيين: "إحسانٌ في ذات العمل" (بإتقانه)، و"إحسانٌ إلى الغير" (ببذل النفع له).

 * الحد الجامع المانع: هو «تَجْوِيدُ العِبَادَةِ ظَاهِراً، وَتَصْفِيَتُهَا بَاطِناً؛ بِحَيْثُ يَعْبُدُ العَبْدُ رَبَّهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ».

ثانيًا: دَلِيلُ الإِحْسَانِ وَمَقَامَاتُهُ

1. نَصُّ الدَّلِيلِ (مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ):

 * مِنَ الكِتَابِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].

 * مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُ ﷺ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [رواه البخاري ومسلم].

2. مَقَامَاتُ الإِحْسَانِ (رُكْنُهُ الوَاحِدُ بِمَنْزِلَتَيْنِ):

أجمع المحققون على أن للإحسان ركناً واحداً يتجلى في منزلتين:

 * مَنْزِلَةُ الـمُشَاهَدَةِ (الأَعْلَى): وهي "أن تعبد الله كأنك تراه"؛ حيث يمتلئ القلب بنور المعرفة حتى كأن الغيب صار شهادة.

 * مَنْزِلَةُ الـمُرَاقَبَةِ: وهي "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"؛ فإذا عجز العبد عن استحضار رؤية الله بقلبه، فليستحضر رؤية الله له واطلاعه عليه [1].

ثالثًا: مَفْرُودَةُ (الإِحْسَانِ) بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

 * الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تسمية هذه المرتبة بـ (الإحسان) تشير إلى "الجمال التعبدي"؛ فالإسلام استسلام (الجوارح)، والإيمان تصديق (العقل والقلب)، أما الإحسان فهو تزيين هذا الاستسلام والتصديق بالإخلاص والخشوع، ليكون العمل حَسَناً مقبولاً.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التحقيق العقدِي للإحسان يربط العبد بصفات الله (العلم، البصر، السمع)؛ فالمحسن هو الذي يُفرد الله بالمراقبة، ويُحقّق توحيد الربوبية والألوهية في أدق حركاته وسكناته، لعلمه أن الله (بكل شيء محيط).

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الإحسان هو "ثمرة المجاهدة"؛ فهو يربي النفس على الأمانة في السر والعلن، ويورث "الحياء" من الله، فالمؤمن المحسن لا يحتاج إلى رقيب بشرِي، لأن رقابة الخالق ملأت جوانحه، وهذا هو قمة التزكية.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾؛ فالجزاء من جنس العمل، فمن أحسن عبادة ربه في الدنيا، أحسن الله إليه بالنظر إلى وجهه الكريم في الآخرة، وهذا هو "الـحُسْنَى وزيادة" [2].

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

 * الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

   حقق أن الإحسان هو "لبُّ الدين وروحه"، وبين أن المنزلة الأولى (المشاهدة) هي مقام الطلب والشوق، والمنزلة الثانية (المراقبة) هي مقام الهرب والرهبة، وكلاهما يحقق كمال العبودية [3].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

   أكد أن الإحسان يجمع "حق الله" بتمام الإخلاص، و"حق الخلق" بكف الأذى وبذل الندى، وشدد على أن مرتبة الإحسان هي أخص المراتب؛ فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسناً [4].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

   حقق في "كفاية المستفيد" أن الإحسان هو الذي يمنع العبد من "الغفلة"، وأن تحقيق هذا المقام يحتاج إلى علم دقيق بأسماء الله وصفاته لتتم المراقبة على وجهها الصحيح [5].

 * الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

   أشار إلى أن الإحسان هو "ميزان الإخلاص"؛ فالمحسن لا يلتفت بقلبه إلى غير الله في صلاته ولا في عمله، وصاحب هذا المقام هو أبعد الناس عن الرياء والسمعة [6].

 * الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

   حقق أن مقام الإحسان هو "مقام الاتصال"؛ حيث يعيش العبد مع ربه بالذكر والاستحضار، فيتحول التكليف عنده من ثقلٍ إلى قرة عين، كما كان حال النبي ﷺ: «وجُعلت قرة عيني في الصلاة» [7].

::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 2، ص 55.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 225.

[3] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 202-205.

[4] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 298-302.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 280.

[6] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 490.

[7] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثاني والأربعون.

::::::::::::::::::::::::

نختم الآن مراتب الدين بهذا الحديث العظيم الذي وصفه العلماء بأنه "أمُّ السُّنة"، كما أن الفاتحة "أمُّ القرآن"؛ لما تضمنه من مجاميع الدين وأصوله.

ملحق( أ)المبحث الثاني  والأربعون: 

تَحْقِيقُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ (مِشْكَاةُ الدِّينِ)

أولًا: نَصُّ الحَدِيثِ (مُخَرَّجًا وَمُحَقَّقًا)

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ...» (وذكر مراتب الإسلام، والإيمان، والإحسان).

«قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ...» الحديث.

 * التخريج: رواه مسلم في "صحيحه" (كتاب الإيمان، باب 1، حديث 8)، ورواه البخاري مختصراً من حديث أبي هريرة.

ثانيًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِلـحَدِيثِ

 * الأَمَارَات: جمع (أَمَارَة) بفتح الهمزة، وهي العلامة. أما (الإِمَارَة) بكسرها فهي الولاية.

 * العَالَة: جمع عائل، وهو الفقير؛ من (عَالَ) إذا افتقر.

 * رَبَّتَهَا: سيدتها، وفي رواية (ربَّه) أي سيدها.

 * يَتَطَاوَلُون: صيغة (تَفَاعُل) تدل على المباهاة والمنافسة في الارتفاع.

ثالثًا: الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ (أُصُولُ الإِيمَانِ بِالغَيْبِ)

 * علم الساعة: تحقيق أن وقت الساعة "غيبٌ مُطلق" استأثر الله به، فلا يعلمه ملكٌ مقرب ولا نبيٌّ مرسل. والاعتراف بـ (لا أعلم) في الغيب هو جوهر التوحيد.

 * الأمارات: الإيمان بأشراط الساعة ركنٌ من ركن (الإيمان باليوم الآخر)، وهي دلائل على صدق نبوته ﷺ لأنها إخبارٌ بمستقبلٍ وقع كما وصف.

 * التلازم: الحديث يثبت أن الدين مراتب (ظاهر وباطن وكمال)، والخلل في إحداها يؤثر في الأخرى.

رابعًا: الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ (أَدَبُ الـمُتَعَلِّمِ وَفِقْهُ الوَاقِعِ)

 * أدب الطلب: في هيئة جبريل (بياض الثياب، الجلوس المقترب) تعليمٌ لطلاب العلم بضرورة التجمل والسكينة وتوقير المعلم.

 * التربية بالأزمات: ذِكر (تطاول البنيان) و(انقلاب الموازين) يربي المؤمن على الثبات حين يرى الدنيا تُقبل على من لا يستحقها، فلا يغتر بزخرفها.

خامسًا: الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ (مَقَاصِدُ السُّؤَالِ)

 * تأمل سؤال جبريل عن (الإحسان) بعد (الإيمان)؛ ليبين أن الغاية من العلم هي "المراقبة".

 * تدبر قوله: «مَا المَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ»؛ فيه تدبر لعظمة هذا اليوم، فإذا كان سيد الخلق وسيد الملائكة لا يعلمانه، فكيف يجرؤ "دجالون" في كل عصر على تحديد موعدٍ لها؟

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي الـحَدِيثِ

 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن الحديث دليل على أن "الأعمال الظاهرة" تسمى إسلاماً، و"الباطنة" إيماناً، وإذا أُفرد أحدهما شمل الآخر [1].

 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن من فوائد الحديث أن الساعة لها علامات تسبقها رحمةً بالخلق ليستعدوا، وأن من أماراتها فساد الأخلاق (عقوق الوالدين) [2].

 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بين أن قوله «أتاكم يعلمكم دينكم» دليل على أن هذه المراتب الثلاث هي "مجموع الدين" وما سواها يرجع إليها [3].

 * الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: أشار إلى أن انشغال الناس بالبنيان والمنافسة فيه علامة على "غفلة القلوب" عن الدار الآخرة [4].

 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن الحديث ردٌّ على القدرية (في أوله) وردٌّ على المرجئة (في وسطه)، فهو ميزانٌ عادل للفرق [5].

سابعًا: أَمَارَاتُ السَّاعَةِ وَالقَوَاعِدُ الـمُسْتَنْبَطَةُ

1. الأمارات المذكورة في الحديث:

 * انقلاب الموازين الاجتماعية: (تلد الأمة ربتها)؛ إشارة إلى كثرة السراري، أو كثرة العقوق حتى تعامل البنت أمها معاملة السيد لأمته.

 * الطفرة المادية المفاجئة: (الحفاة العراة... يتطاولون)؛ انتقال أهل البادية والفقر إلى الغنى الفاحش والتباري في العمران.

2. القواعد المستنبطة من الحديث:

 * قاعدة (العلم بالغيب): كل من حدد تاريخاً للساعة فهو كاذبٌ شرعاً وعقلاً.

 * قاعدة (التدرج في التعليم): البدء بالأهم (الإسلام) ثم الأرقى (الإيمان) ثم الأسمى (الإحسان).

 * قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد): هيئة جبريل وسؤاله كان "وسيلة" لتعليم الصحابة، فدل على جواز استخدام الأساليب التعليمية المشوقة.

:::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح الأربعين النووية، ابن عثيمين، ص 40-55.

[2] شرح ثلاثة الأصول، الفوزان، ص 280 (عند ذكر مراتب الدين).

[3] شرح الأربعين النووية، صالح آل الشيخ، ص 15-20.

[4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 580.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 54

:::::::::::::::'::::::::::    ::::::::::

نَصُّ المَتْنِ: الأَصْلُ الثَّالِثُ (مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ)

قَالَ المُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

«الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وَهُوَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، بْنِ هَاشِمٍ؛ وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ العَرَبِ، وَالعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ، عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.

وَلَهُ مِنَ العُمْرِ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً: مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ نَبِيًّا رَسُولًا. نُبِّئَ بِـ (اقْرَأْ)، وَأُرْسِلَ بِـ (المُدَّثِّرِ). وَبَلَدُهُ مَكَّةُ، وَهَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ.

بَعَثَهُ اللَّهُ بِالنَّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

وَمَعْنَى (قُمْ فَأَنْذِرْ): يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ. (وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ): أَيْ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ. (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ): أَيْ طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ): الرُّجْزُ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا: تَرْكُهَا، وَالبَرَاءَةُ مِنْهَا وَمِنْ أَهْلِهَا.

أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ العَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ، وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.

وَالهِجْرَةُ: الِانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلَامِ. وَالهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلَامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ».

تَتِمَّةُ المَتْنِ فِي الوَفَاةِ وَمَا بَعْدَهَا:

«فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي المَدِينَةِ؛ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ، مِثْلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ. أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا تُوُفِّيَ ﷺ وَدِينُهُ بَاقٍ، وَهَذَا دِينُهُ».

المَبْحَثُ الثَّالِثُ وَالأَرْبَعُونَ: مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ

أولًا: نَسَبُهُ وَمَبْعَثُهُ ﷺ

النَّسَبُ الشَّرِيفُ: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

العُمْرُ وَالـمَبْعَثُ: وُلد بمكة عام الفيل، وبُعث وله من العمر 40 سنة، وتوفي وله من العمر 63 سنة.

مُدَّةُ الإِقَامَةِ بِمَكَّةَ: مكث في مكة بعد البعثة 13 سنة يدعو إلى التوحيد، ثم هاجر إلى المدينة ومكث فيها 10 سنين.

ثانيًا: دَعْوَتُهُ بِمَكَّةَ وَأَوَّلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ

بِمَ أُنْبِئَ وَبِمَ أُرْسِلَ؟ نُبِّئَ بـ (اقرأ)، وأُرْسِلَ بـ (الـمدثر).

أَوَّلُ مَا دَعَا إِلَيْهِ: دعا إلى (التَّوْحِيدِ) ونبذ الأنداد، وإنذار الناس من الشرك، وتحقيق عبادة الله وحده.

دَلِيلُ ذَلِكَ: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. ومعنى (قم فأنذر): ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد، (وربك فكبر): عظمه بالتوحيد [1].

ثالثًا: الهِجْرَةُ إِلَى الـمَدِينَةِ وَفَوَائِدُهَا

هاجر النبي ﷺ إلى المدينة (يثرب) بعد أن اشتد أذى قريش، وبها قامت دولة الإسلام وشُرعت بقية الأحكام.

فَوَائِدُ الهِجْرَةِ وَمَسَالِكُهَا:

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الهجرة ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي "فرارٌ بالدين" وتحقيقٌ لمبدأ (الولاء والبراء)؛ حيث ترك الصحابة ديارهم وأموالهم لله، فكانت الهجرة فاصلاً بين الحق والباطل، وبرهاناً على تقديم محبة الله ورسوله على كل محبوب.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تُربي الهجرة في نفس المسلم "اليقين بنصر الله"؛ ففي الغار قال ﷺ لصاحبه: «مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا»، مما يغرس في القلوب الثبات عند الشدائد، والاعتماد التام على مسبب الأسباب مع بذل السبب.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله المدينة "مأرز الإيمان" ومُنطلق الشريعة؛ ليعلم العبد أن الضيق يتبعه فرج، وأن الاستضعاف يعقبه تمكين إذا صلح القصد واستقام المنهج [2].

رابعًا: وَفَاتُهُ ﷺ وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا

توفي النبي ﷺ في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، بعد أن أكمل الله به الدين وأتم به النعمة.

مَسَالِكُ الوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ:

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: تحقيق قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾؛ فوفاته ﷺ برهانٌ على أنه بشرٌ لا يُعبد، وأن الدين لا يموت بموت الرسل، فمات الرسول وبقي المرسِل (الله) حيًّا لا يموت، فاستمرت العبادة له وحده.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الصبر عند أعظم مصيبة حلت بالأمة؛ فموت النبي ﷺ هو "الفاجعة الكبرى"، ومن صبر عليها هانت عليه كل مصيبة بعدها. كما تُربينا وفاته على كمال التسليم لحكم الله وقضائه.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾؛ لبيان أن الارتباط يجب أن يكون بالمنهج والوحي لا بالذوات الفانية، فالرسول بلغ الرسالة وأدى الأمانة وبقيت الحجة قائمة [3].

خامسًا: أَدِلَّةُ هَذَا الأَصْلِ

دَلِيلُ مَوْتِهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 30-31].

دَلِيلُ بَقَاءِ دِينِهِ وَبَعْثِهِ: قوله ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» [رواه البخاري ومسلم].

دَلِيلُ حَشْرِ النَّاسِ بَعْدَ الـمَوْتِ: قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55].

سادسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

أكد أن معرفة النبي ﷺ تتضمن معرفة حقوقه (المحبة، الطاعة، الاتباع)، وحقق أن موته ﷺ لا يقدح في استمرار شريعته المحفوظة بحفظ الله للذكر [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين أن معرفة نسبه وقدره ﷺ تحمي المسلم من "الجفاء" في حقه ومن "الغلو" فيه؛ فهو عبدٌ لا يُعبد ورسولٌ لا يُكذب، وأصل دعوته كانت التوحيد الخالص [5].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق في "كفاية المستفيد" أن الهجرة فرضٌ دائم لكل من لم يستطع إقامة دينه، وأن وفاته ﷺ كانت امتحاناً ليقين الصحابة في الثبات على التوحيد لا على الأشخاص [6].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن سيرة النبي ﷺ من مبعثه إلى وفاته هي "تفسيرٌ عملي للقرآن"، فمن أراد معرفة الحق فلينظر في هديه ﷺ في السلم والحرب، والمنشط والمكره [7].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام معرفة النبي ﷺ هو "مقام المتابعة"؛ فالمقصود من معرفة مبعثه ودعوته وهجرته هو الاهتداء بآثاره وتحقيق شهادة أن (محمداً رسول الله) قولاً وعملاً [8].

::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 210-215.

[2] زاد المعاد، المجلد 3، ص 50 (في فوائد الهجرة).

[3] تفسير ابن كثير، المجلد 2، ص 125.

[4] القول المفيد، المجلد 1، ص 240.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 310-315.

[6] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 290.

[7] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 500.

[8] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثالث والأربعون.

::::::::: ::::::::::::::''''::::::::::

تَحْقِيقُ شَرْحِ مَتْنِ (الأَصْلِ الثَّالِثِ: مَعْرِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ لِأَلْفَاظِ الـمَتْنِ

النَّسَبُ: أصل الكلمة من (النِّسْبَةِ) وهي القرابة، وذكر المصنف للنسب الشريف لبيان طهارة مولده ﷺ وأنه من صميم العرب وأشرفهم، ليكون أدعى للقبول.

النَّبِيُّ وَالرَّسُولُ: (النبي) من النبأ وهو الخبر، و(الرسول) من الإرسال؛ والتحقيق أن كل رسول نبي ولا عكس.

نُبِّئَ بِـ (اقْرَأْ): أي صار نبياً بنزول أول الوحي عليه، وأُرْسِلَ بِـ (الـمُدَّثِّرِ): أي أُمر بالبلاغ والإنذار.

الهِجْرَةُ: لغةً: التَّرْكُ. واصطلاحاً: الانتقال من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام خوف الفتنة ورجاء إقامة الدين.

ثانيًا: التَّدْقِيقُ العَقَدِيُّ لِـمَضَامِينِ الـمَتْنِ

أولوية التوحيد: مكث النبي ﷺ عشر سنين يدعو للتوحيد قبل فرض الصلوات؛ وهذا يدل على أن التوحيد هو الأساس الذي لا يصح عملٌ بدونه، وهو أعظم الواجبات وأولها.

البراءة من الشرك: معنى (والرجز فاهجر) هو البراءة القلبية والبدنية والعملية من الأصنام وأهلها، وهذا ركن "الكفر بالطاغوت" الذي لا يصح الإيمان إلا به.

تطبير الأعمال: (وثيابك فطهر) فُسرت بتطهير العمل من الشرك؛ فكما يُشترط طهارة الثوب للصلاة، يُشترط طهارة العمل من دنس الإشراك لقبوله عند الله.

بقاء الشريعة: (توفي ﷺ ودينه باقٍ)؛ تحقيق لمبدأ أن الرسالة كاملة لا نقص فيها، وأن انقطاع الوحي بموته لا يعني انقطاع العمل بالشرع.

ثالثًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ ﷺ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل قوله (وربك فكبر)؛ التكبير هنا هو "التعظيم"، وإضافة الرب للضمير (ك) تدل على القرب والاختصاص. فالموحد لا يعظم أحداً تعظيم تأليه إلا ربه، وهو المسلك الذي انطلقت منه دعوة الأنبياء جميعاً.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: ربط المصنف بين (الهجرة) و(البقاء إلى قيام الساعة)؛ ليقرر أن الهجرة عملٌ تعبدي عقدي لا ينقطع مادام هناك بلد شرك وبلد إسلام، وهي مظهر من مظاهر "الولاء والبراء" العملي.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التدرج في التشريع (مكة للتوحيد، ثم المدينة للشرائع)؛ يربي الداعية وطالب العلم على فقه الأولويات، فلا يُطلب من الناس كمالات الفروع قبل إحكام أصول اليقين في قلوبهم.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل رحلة الإسراء والمعراج (عُرج به إلى السماء)؛ كيف جعلها الله مقدمة لفرض الصلاة، ليعلم المسلم أن الصلاة هي معراجه القلبي إلى الله، يترك فيها دنيا المادة ليتصل بجلال الخالق.

رابعًا: الاستشهادات والفوائد

في وجوب معرفته ﷺ: قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [المؤمنون: 69]. فالمعرفة تقتضي المتابعة.

في شمولية دعوته: قوله ﷺ: «كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» [رواه البخاري ومسلم].

فائدة جليلة: ذكر المصنف لنسبه إلى إبراهيم الخليل عليه السلام هو ربطٌ لسلسلة الحنيفية، وتأكيدٌ على أن النبي ﷺ هو دعوة أبيه إبراهيم وبشارة أخيه عيسى.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الـمَقْطَعِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن قوله (أخذ على هذا عشر سنين) دليلٌ على الصبر والمصابرة في الدعوة، وأن الداعية لا يمل من تكرار أصل التوحيد مهما طال الزمن [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين أن (الرجز) عام في كل ما عُبد من دون الله، وأن الهجر يقتضي المفارقة بالقلب واللسان والبدن، وهذا هو جوهر الملة الحنيفية [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق أن فرض الصلاة في السماء دون غيرها من الشرائع يدل على عظم مكانتها، وأنها "صلة" العبد بربه التي لا تسقط بحال [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن حياة النبي ﷺ هي "التطبيق الواقعي للعبودية"؛ فمن أراد أن يعرف كيف يعبد الله حقاً فلينظر في دقائق سيرته وأخلاقه ﷺ [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن معرفة النبي ﷺ هي "معرفةٌ متبوعة بامتثال"؛ فمن عرف نسبه ومبعثه ولم يتبعه في التوحيد فما عرفه حقيقة، كحال أبي طالب الذي عرف صدقه ونسبه ولم يسلم [5].

::::::::::::::::::::::

[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 218.

[2] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 320.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 295.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 505.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الرابع والأربعون.

:::::::::::::::::    

 المَبْحَثُ الرَّابِعُ وَالأَرْبَعُونَ: تَحْقِيقُ مُقْتَضَى (شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالـحَدُّ الـجَامِعُ

اللغة: (الـمُقْتَضَى) من اقْتَضَى الشَّيْءَ: أي استلزمه واستوجبه. فمقتضى الشهادة هو ما تستلزمه هذه الكلمة من أفعالٍ واعتقادات لتكون صحيحة مقبولة.

الحد الجامع المانع لـمقتضى الشهادة: هو «طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ».

ثانيًا: الأَرْكَانُ الأَرْبَعَةُ لِـمُقْتَضَى الشَّهَادَةِ

طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ: الانقياد التام لأوامره ﷺ، واعتقاد وجوب امتثالها، لأن طاعته من طاعة الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.

تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ: الجزم بصدق كل ما جاء به من الوحي، سواء في أمور الغيب الماضية (قصص الأنبياء) أو المستقبلة (أهوال القيامة)، وما ثبت من السنن الصحيحة.

اجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ: ترك كل ما حرمه النبي ﷺ أو كرهه، والوقوف عند حدوده، تعظيماً لجنابه ﷺ وامتثالاً لأمره.

أَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إِلَّا بِمَا شَرَعَ: وهذا هو "ركن المتابعة"؛ وهو نبذ البدع والمحدثات، فالدين قد كمل، والعبادة توقيفية لا تُقبل إلا إذا كانت على هدي النبي ﷺ [1].

ثالثًا: مُقْتَضَى الشَّهَادَةِ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل صيغة (أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ)؛ حرف (أَنَّ) للتوكيد، و(رَسُولُ اللَّهِ) إضافة تشريف وعبودية. والتحقيق اللغوي يقتضي أن الرسول لا يُبتدع في شريعته، لأنه "مُبلِّغ" وليس "مُشرِّعاً" من تلقاء نفسه، فكل زيادة في الدين قدحٌ في كمال بلاغه.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: هذا المقتضى هو تحقيق لـ (توحيد المتابعة)؛ فكما أن "لا إله إلا الله" تُحقق توحيد (الـمألوهية)، فإن "محمداً رسول الله" تُحقق توحيد (الاتباع). فلا شريك لله في عبادته، ولا شريك لرسوله في حكمه وهديه.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: تربية النفس على "تجريد المتابعة"؛ فالمؤمن لا يقدم قول أحدٍ كائناً من كان على قول النبي ﷺ. وهذا يورث العبد عزةً بالحق، وتواضعاً للوحي، وسلامةً من التعصب المقيت للأشخاص أو الآراء.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾؛ هذه الآية هي القاعدة الكبرى للمقتضى. فكل سعادة العبد في "الأخذ" و"الانتهاء"، ومن فَرّق بينهما ضل، فالدين امتثالٌ للمأمور واجتنابٌ للمحظور [2].

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن مقتضى الشهادة يقتضي تقديم قوله ﷺ على أهواء النفس وشبهات العقل، وأكد أن البدعة هي أشد أنواع المخالفة للمقتضى لأنها اتهامٌ للدين بالنقص [3].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

بين أن الشهادة تقتضي المحبة، والمحبة تقتضي الاتباع؛ فمن ادعى محبته وخالف مقتضى شهادته فدعواه كاذبة، إذ "لو كان حبك صادقاً لأطعته، إن المحب لمن يحب مطيع" [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق في "كفاية المستفيد" أن المقتضى لا يتم إلا بالبراءة من كل ما خالف هدي النبي ﷺ، وأن التسليم لخبره هو أصل سعادة العبد ويقينه [5].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن مقتضى الشهادة هو "نفي الهوى"؛ فالمسلم الحق هو من طوع هواه لما جاء به الرسول ﷺ، وهذا هو كمال العبودية لله من خلال اتباع رسوله [6].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام المقتضى هو "مقام التجريد"؛ أي تجريد المتابعة للمعصوم ﷺ، وهو برهان صدق العبد في انتمائه للإسلام ونجاته في القبر عند سؤال الملكين [7].

:::::::::::::::::::::::::::::::

[1] معجم مقاييس اللغة، المجلد 4، ص 505.

[2] القول المفيد، المجلد 1، ص 245.

[3] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 222-225.

[4] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 325.

[5] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 302.

[6] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 510.

[7] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الخامس والأربعون.

::::::::؛؛؛:؛؛؛؛؛؛:::::::::::::::::::::::::

نَصُّ الخَاتِمَةِ: (البَعْثُ وَالحِسَابُ وَالكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ)

قَالَ المُصَنِّفُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

«وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧-١٨].

وَبَعْدَ البَعْثِ مَحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١].

وَمَنْ كَذَّبَ بِالبَعْثِ كَفَرَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧].

وَأَرْسَلَ اللَّهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].

وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣].

وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهَا رَسُولًا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ؛ يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].

وَافْتَرَضَ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ العِبَادِ الكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: «الطَّاغُوتُ: مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ؛ مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ».

وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ:

إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ.

وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ.

وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ.

وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ.

وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ.

وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ).

وَفِي الحَدِيثِ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ».

المَبْحَثُ الخَامِسُ وَالأَرْبَعُونَ: تَحْقِيقُ (البَعْثِ وَالنُّشُورِ)

أولًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ

  • ​البَعْثُ لُغَةً: الإرسال، والإثارة، والإحياء؛ يُقال: بعثتُ البعير إذا أثرتُه من مكانه، وبعث الله الميت إذا أحياه وأخرجه من قبره.
  • ​النُّشُورُ لُغَةً: مأخوذ من "النَّشْرِ" وهو البسط والتفريق؛ نَشرت الثوب إذا بسطته بعد طيه، وسُمي يوم القيامة نشوراً لأن الخلائق تُنشر من قبورهم وتُبسط صحف أعمالهم.

ثانيًا: الفَرْقُ بَيْنَ البَعْثِ وَالنُّشُورِ (تَحْقِيقٌ دَقِيقٌ)

​رغم تداخلهما، إلا أن التحقيق يفرق بينهما بلحاظ المرحلة:

  1. ​البَعْثُ: يتعلق بـ "إعادة الحياة" للأجساد بعد موتها، فهو حركة من العدم (أو الموت) إلى الوجود (الحياة).
  2. ​النُّشُورُ: يتعلق بـ "الانتشار والبسط" بعد الإحياء؛ فهو خروج الخلائق من القبور وانتشارهم في أرض المحشر للحساب، فهو حركة من القبر إلى المحشر.

ثالثًا: الاسْتِشْهَادُ (مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)

  • ​مِنَ الكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: 15-16]. وأيضاً قوله: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: 15].
  • ​مِنَ السُّنَّةِ: قوله ﷺ: «يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» [رواه مسلم]. وقوله في دعاء الاستيقاظ: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ» [رواه البخاري].

رابعًا: البَعْثُ وَالنُّشُورُ بِالـمَسَالِكِ الأَرْبَعَةِ

  • ​الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: استخدام لفظ "النشور" (البسط) بعد "البعث" (الإحياء) يدل على أن الآخرة ليست مجرد إحياء ميكانيكي، بل هي إحياءٌ لغرض "الجزاء"، حيث تُنشر الأعمال وتُبسط الحقائق التي كانت مطوية في الدنيا.
  • ​الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: البعث هو "ركن المعاد"، ومنكره كافرٌ بإجماع المسلمين وبالضرورة؛ لأنه تكذيبٌ لقدرة الله وعدله. فالله الذي بدأ الخلق قادرٌ على إعادته، وهو أهون عليه سبحانه.
  • ​الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: اليقين بالنشور يقطع "طول الأمل" في الدنيا؛ فالمؤمن يعلم أن القبر ليس النهاية، بل هو محطة انتظار لنشرٍ عظيم، فيستعد لهذا النشر بتطهير صحيفة عمله قبل أن تُبسط أمام الخلائق.
  • ​الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل تشبيه البعث بإحياء الأرض بالماء؛ ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾؛ هذا القياس القرآني يُقرب المعنى للعقل، فكما تخرج النبتة من الأرض الميتة بقطرات الماء، تخرج الأجساد من التربة بكلمة الله وقدرته.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

  1. ​الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين: حقق في "شرح الواسطية" أن البعث يكون برد الأرواح إلى الأجساد نفسها التي كانت في الدنيا، لا أجسادٍ جديدة، ليكون الجزاء على مَن عَمِلَ [1].
  2. ​الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان: بين أن الإيمان بالبعث هو الفرق الجوهري بين "المؤمن الموحد" و"الدهري الملحد"؛ فمن جحد البعث فقد جعل خلق الإنسان عبثاً، تعالى الله عن ذلك [2].
  3. ​الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "كفاية المستفيد" أن النشور يتضمن معاني الحشر والعرض، وأن من كمال عدل الله أن تُنشر الدواوين فلا يُظلم أحدٌ مثقال ذرة [3].
  4. ​الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ: أشار إلى أن سرَّ تسمية الآخرة بـ "النشور" هو ظهور الخفيات؛ فكل ما كان مستوراً من نوايا وأعمال يُنشر في ذلك اليوم، وهذا يقتضي إخلاص السرائر [4].
  5. ​الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن مقام البعث والنشور هو "مقام الخوف والرجاء"؛ فالمؤمن يرجو النشر باليمين، ويخاف الفضيحة عند بسط الدواوين، وهذا التوازن هو محرك العمل الصالح [5].

​::::::::::::::::::::::::::؛:::

​[1] شرح ثلاثة الأصول، ابن عثيمين، ص 230.

[2] شرح ثلاثة الأصول، صالح الفوزان، ص 330.

[3] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 310.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 520.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السادس والأربعون.

::::::::::::::::::::::::::::::::::

المَبْحَثُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُونَ: تَحْقِيقُ المَعَادِ وَرِسَالَةِ الرُّسُلِ

أولًا: المَوْتُ وَالحَيَاةُ البَرْزَخِيَّةُ (البِدَايَةُ)

 * التدقيق اللغوي: (المَوْتُ) ضد الحياة، وهو مفارقة الروح للجسد.

 * التحقيق العقدي: الموت حقٌّ على كلِّ حيٍّ سوى الله. وتعقبه "الحياة البرزخية" وهي القنطرة بين الدنيا والآخرة، وفيها فتنة القبر (سؤال الملكين)، ثم النعيم أو العذاب.

 * الأدلة على عذاب القبر ونعيمه:

   * من الكتاب: قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: 46].

   * من السنة: قوله ﷺ: «إِنَّمَا القَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ» [رواه الترمذي].

ثانيًا: النَّفْخُ فِي الصُّورِ (عَدَدُ النَّفَخَاتِ)

 * التحقيق العقدي: الصُّورُ هو "القرن" الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام.

 * اختلاف العلماء:

   * ثلاث نفخات: (الفزع، الصعق، البعث) وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم.

   * نفختان: (الصعق، والبعث)؛ لقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ... ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾.

 * الاتفاق: استقر قول المحققين على أنهما نفختان أساسيتان، وأن الفزع هو بداية الصعق.

ثالثًا: البَعْثُ وَالنُّشُورُ (التَّفْسِيرُ المُنْضَبِطُ)

 * التدقيق اللغوي: البعث (الإحياء)، والنشور (البسط والانتشار للحساب).

 * تفسير الآيات (المنهج السلفي):

   * ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾: أي من الأرض خلقنا أباكم آدم. ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: عند الموت. ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾: بالبعث.

   * ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾: تشبيه خروج الأجساد بنمو الزرع، فالأجساد تنبت من (عجب الذنب) إذا نزل مطر البعث.

 * الأدلة:

   * من الكتاب: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾.

   * من السنة: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» [متفق عليه].

رابعًا: الحِسَابُ وَأَقْسَامُ النَّاسِ فِيهِ

 * التحقيق العقدي: الحساب هو توقيف الله عباده على أعمالهم.

 * أقسام الناس في الحساب:

   * من يدخل الجنة بلا حساب ولا عذاب: وهم السبعون ألفاً (الذين حققوا التوحيد).

   * حساب العرض (الحساب اليسير): للمؤمنين؛ يقررهم الله بذنوبهم ثم يسترها عليهم.

   * حساب المناقشة: للكفار والمنافقين وعصاة الموحدين (من نُوقش الحساب عُذب).

 * تفسير آية الجزاء: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا...﴾: بيان لعدل الله؛ فالإساءة تُقابل بالعدل، والإحسان يُقابل بالفضل (الحسنى وهي الجنة).

خامسًا: حُكْمُ مَنْ كَذَّبَ بِالبَعْثِ

 * التحقيق العقدي: من كذب بالبعث فهو كافرٌ خارج عن الملة؛ لأنه كذب الله ورسوله وإجماع الأنبياء.

 * الدليل: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا...﴾؛ فأثبت لهم الكفر بمجرد هذا الزعم، وأمر نبيه بالقسم على وقوعه (بلى وربي).

سادسًا: رِسَالَةُ الرُّسُلِ (مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ)

 * التدقيق اللغوي: (مُبَشِّرِينَ) بالجنة لمن أطاع، (مُنْذِرِينَ) بالنار لمن عصى.

 * الوظيفة والعلة: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾؛ أي قطع المعذرة، فلا يقول أحد: "ما جاءنا من بشير ولا نذير".

 * عدد الأنبياء والرسل: ورد في حديث أبي ذر أن الأنبياء (124 ألفاً)، والرسل منهم (315)، والمذكورون في القرآن (25) نبياً ورسولاً.

 * أولهم وآخرهم: أول الرسل "نوح" (بعد وقوع الشرك)، وآخرهم "محمد" ﷺ.

 * تفسير آية (إنا أوحينا إليك...): تدل على أن دين الأنبياء واحد وهو التوحيد، وإن اختلفت شرائعهم (فروعهم)، فالمصدر واحد والهدف واحد.

سابعًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي هَذَا المَبْحَثِ

 * المَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل قوله (إخراجاً) في آية نوح؛ جاء المصدر مؤكداً لرفع توهم المجاز، فخروج الأجساد حقيقي لا استعاري، وهذا يقطع الطريق على المؤولة.

 * المَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الربط بين (البعث) و(الرسالة)؛ فالحكمة من إرسال الرسل لا تكتمل إلا بالبعث للجزاء، فلو أُرسلوا ثم مات الناس بلا معاد لكان الأمر عبثاً، والله منزه عن العبث.

 * المَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التربية على "قِصَر الأمل"؛ فإذا علم العبد أن الأرض التي يمشي عليها ستكون مستقره (قبره) ثم منطلق نشوره، استحيى أن يعصي الله على ظهرها.

 * المَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل تقديم (نوح) كأول الرسل في آية النساء؛ للإشارة إلى عظم مقام الصبر؛ فنوح مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً، وهذا يثبت قلب النبي ﷺ وأتباعه على طريق الدعوة الطويل.

ثامنًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي شَرْحِ ذَلِكَ

 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن الحكمة من إرسال الرسل هي "إقامة الحجة"، وأن الله لا يعذب أحداً إلا بعد بلاغ الرسالة [1].

 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن من كفر برسول واحد (كنوح) فقد كفر بجميع الرسل، لأن دعوتهم واحدة [2].

 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "كفاية المستفيد" أن الإيمان بالبعث هو المحرك الحقيقي للعمل الصالح، وبدونه تنهار الأخلاق [3].

 * المُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: أشار إلى أن تشبيه البعث بالنبات يزيل "استغراب العقل" للقدرة الإلهية، فالمشاهد يصدق الغائب [4].

 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن مقام (البشارة والنذارة) هو كمال الشفقة من الرسل على أممهم، مما يوجب محبتهم واتباعهم [5].

:::::::::::::::::::::::::::::

[1] الشَّيْخُ مُحَمَّد بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين:

المرجع: شرح ثلاثة الأصول، دار الثريا للنشر، الطبعة الرابعة، ص 235-242.

موضع الشاهد: تحقيق مسألة "إقامة الحجة" بالرسل، وتفصيل أحوال القبر (النعيم والعذاب) وأدلتها من القرآن والسنة.

[2] الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَان الفَوْزَان:

المرجع: شرح ثلاثة الأصول، مؤسسة الرسالة، ص 335-345.

موضع الشاهد: تقرير كفر من كذب بالبعث، وبيان أن دعوة الرسل من نوح إلى محمد ﷺ واحدة في الأصل (التوحيد) وإن تنوعت الشرائع.

[3] الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

المرجع: كفاية المستفيد في شرح كتاب التوحيد وثلاثة الأصول (مفرغ ومراجع)، ص 315-325.

موضع الشاهد: التحقيق العقدي في "النفخ في الصور" (الخلاف في عدد النفخات)، وتفسير آيات الحساب والجزاء وفق منهج السلف.

[4] الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ:

المرجع: آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، المجلد العاشر (مجموع الرسائل العقائدية)، ص 525-530.

موضع الشاهد: المسلك التدبري في تشبيه البعث بنبات الأرض، وكيفية إبطال شبهات منكري المعاد بالعقل والنقل.

[5] الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السَّنْدِيُّ:

المرجع: شرح ثلاثة الأصول (سلسلة الدروس المفرغة من المسجد النبوي)، الدرس السادس والأربعون والسابعة والأربعون.

موضع الشاهد: الفرق اللغوي والعقدي بين "البعث" و"النشور"، وتحقيق مقام "البشارة والنذارة" في دعوة الرسل.

:::::::::::::::::::::::::::::''''::::::::::::

الـمُلْحَقُ (أ): تَحْقِيقُ مَسَائِلِ القَبْرِ وَالبَعْثِ وَالـمَصِيرِ

أولاً: تَحْقِيقُ مَسَائِلِ القَبْرِ (الْبَرْزَخ)

اللغة: (البَرْزَخ) هو الحاجز بين الشيئين؛ وفي الشرع: ما بين الموت إلى البعث.

التحقيق العقدي: القبر هو أول منازل الآخرة، وفيه "الفتنة" وهي سؤال الملكين (من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟). والناس فيه على قسمين:

مُنعم: يفسح له في قبره مد بصره، ويفتح له باب إلى الجنة.

مُعذب: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ويفتح له باب إلى النار.

ثانياً: تَحْقِيقُ البَعْثِ وَالنُّشُورِ وَاليَوْمِ الآخِرِ

البعث: إعادة الأرواح إلى الأجساد ذاتها (بأعيانها) لا بأمثالها، وهو ردُّ ما بلي من الجسد (إلا عجب الذنب) كما نبت الزرع.

اليوم الآخر: سُمي بذلك لأنه لا يوم بعده، وهو مجمع الخلائق للحساب، ويتضمن الميزان والصراط والحوض.

ثالثاً: مَصِيرُ الأَبْرَارِ وَالفُجَّارِ (الـجَنَّةُ وَالنَّارُ)

الجنة: دار المتقين، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وأعلى نعيمها النظر إلى وجه الله الكريم.

النار: دار الكافرين، أعدها الله عذاباً للمتكبرين، وهي طبقات، أشدها لمن أشرك بالله وكذب بالرسل.

رابعاً: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الـمُلْحَقِ (أ)

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل لفظ (القَبْرِ)؛ أصل المادة (قـبـر) تدل على السكن والستر، وهذا يشير إلى أن الجسد يُستر في الأرض ريثما تُعاد الروح إليه، فالحياة البرزخية حياةٌ حقيقية لها لوازمها اللغوية في "السكن" و"القرار" المؤقت.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الربط بين "عدل الله" و"البعث"؛ فالإيمان بالجنة والنار هو مقتضى كمال الربوبية؛ إذ يستحيل في العقل والشرع أن يُسوى بين المحسن والمسيء في النهاية.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استحضار (سؤال القبر) يربي العبد على "صدق الجواب" في الدنيا قبل الآخرة؛ فمن استقام لسانه على التوحيد هنا، ثبته الله هناك (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت).

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾؛ وصف المكث في القبر بالزيارة، والزائر لا بد له من ارتحال، وهذا يدلك على أن القبر ليس المستقر النهائي بل هو معبرٌ إلى الخلود.

خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي هَذَا الـمُلْحَقِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن عذاب القبر ونعيمه يقع على "الروح والجسد" جميعاً في الغالب، وقد يقع على الروح وحدها أحياناً، وهذا من مقتضيات الإيمان بالغيب [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد أن الجنة والنار "مخلوقتان الآن" ولا تفنيان أبداً، وهذا فارقٌ جوهري بين مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة الجاحدين لوجودهما الآن [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق في "شرح الواسطية" أن تفاصيل اليوم الآخر (الحوض، الميزان) حقٌّ، وأن إنكار ذرة منها قدحٌ في الإيمان بالكتاب والسنة المتواترة [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الحكمة من إخفاء عذاب القبر عن الحواس هي "الابتلاء"؛ فلو شاهده الناس لم يبقَ للإيمان بالغيب ميزة، ولما تدافن الناس من هول ما يسمعون [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام اليقين بالجنة والنار هو "سائق القلوب"؛ فالجنة تحرك الشوق، والنار تحرك الرهبة، والعبد يسير إلى الله بهما كجناحي الطائر [5].

:::::::::::::::::::::؛:::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، ص 450-460.

[2] شرح العقيدة الطحاوية، صالح الفوزان، ص 210.

[3] شرح العقيدة الواسطية، صالح آل الشيخ، المجلد 2، ص 150.

[4] آثار الشيخ المعلمي، المجلد 10، ص 540.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس السابع والأربعون.

::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ (ب): نَقْضُ شُبَهَاتِ الـمُنْكِرِينَ لِلْمَعَادِ وَالْبَرْزَخِ

أولًا: الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي عَذَابِ القَبْرِ وَنَعِيمِهِ

التدقيق اللغوي: (القَبْرُ) مأخوذ من "قَبَرَ" أي ستر ودفن، وعذاب القبر يُسمى "عذاب البرزخ" لأنه يقع في تلك الفترة الفاصلة.

التحقيق العقدي: عذاب القبر ونعيمه حقٌّ ثابت بالتواتر المعنوي، وهو واقعٌ على الروح والجسد اتصالاً وانفصالاً.

الأدلة النقلية (من الكتاب):

قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]؛ وهذا العرض قبل قيام الساعة هو في البرزخ.

قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: 21]؛ والتحقيق أن الأدنى منه عذاب القبر.

الأدلة النقلية (من الصحيحين):

حديث ابن عباس في صاحبَي القبرين: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ...» [البخاري ومسلم].

حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يتعوذ في صلاته من: «عَذَابِ القَبْرِ» [البخاري ومسلم].

الدليل العقلي: النائم في منامه يرى ما يتألم به أو يتنعم، ويشعر بذلك حقيقةً بجسده وروحه، ومن بجانبه لا يشعر بشيء؛ فالله أقوى قدرة على جعل الميت يتألم أو يتنعم في حفرته دون أن يشعر أهل الدنيا.

ثانيًا: الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي البَعْثِ (الـمَعَادِ الـجُسْمَانِيِّ)

التدقيق اللغوي: (البَعْثُ) هو إثارة الشيء وإحيائه بعد سكونه، والمنكرون يزعمون استحالته لتفرق الأجزاء.

التحقيق العقدي: البعث هو إعادة الأجساد بعينها لا بأمثالها، والمنكر له كافر.

الأدلة النقلية (من الكتاب):

قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: 3-4].

قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79].

الأدلة النقلية (من الصحيحين):

حديث أبي هريرة: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» [البخاري ومسلم].

حديث: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» [البخاري ومسلم].

الدليل العقلي (قياس الأولى): الإعادة أهون من الابتداء في منطق العقل؛ فمن قدر على خلق الإنسان من عدم أول مرة، فهو على إعادته من بقايا أجزائه أقدر وأهون.

ثالثًا: الرَّدُّ عَلَى مُنْكِرِي الـجَنَّةِ وَالنَّارِ (حَقِيقَتُهُمَا)

التدقيق اللغوي: (الـجَنَّةُ) من الاستتار لظلالها وأشجارها، و(النَّارُ) العنصر المحرق؛ والمنكرون (كالفلاسفة) يزعمون أنها رموز معنوية.

التحقيق العقدي: الجنة والنار مخلوقتان الآن، وهما داران حقيقيتان للأبد.

الأدلة النقلية (من الكتاب):

قوله تعالى في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133].

قوله تعالى في النار: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]؛ وفعل (أُعِدَّتْ) للماضي يفيد الوجود الآن.

الأدلة النقلية (من الصحيحين):

حديث الإسراء والمعراج: «ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ...» ورؤيته ﷺ لجهنم [البخاري ومسلم].

حديث صلاة الكسوف ورؤيته ﷺ للجنة والنار وتناوله عنقوداً [البخاري ومسلم].

الدليل العقلي: مقتضى "العدل الإلهي"؛ فلا يُعقل في عقلٍ سليم أن يترك الله الظالم والمحسن يموتان دون دارٍ يجزى فيها كلٌّ بعمله، وإلا كان الخلق عبثاً.

رابعًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الـمُلْحَقِ (ب)

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: استخدام صيغ الماضي في أدلة الجنة والنار (أعدت، رأيت) يقطع دابر "المجاز" الذي يتشدق به المنكرون؛ فاللغة هنا نصٌّ في الثبوت والوجود الحسي لا المعنوي.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الرد على المنكرين هو حماية لجناب "الربوبية"؛ فمنكر الغيبيات يتهم الله بالعجز أو الكذب، وهذا أعظم الضلال.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: كسر "كِبر العقل" أمام الوحي؛ فالعقل تابعٌ للنقل في المغيبات، واليقين بعذاب القبر يورث الانكسار والافتقار الدائم لله.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل رحمة الله في "إخفاء" عذاب القبر؛ ليكون الإيمان به "غيبياً" يُرفع به الدرجات، ولو كان مشهوداً لصار "شهادةً" لا يتمايز فيها المؤمن من الكافر.

خامسًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي هَذَا الـمُلْحَقِ

الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن منكر عذاب القبر المنكر للنصوص "كافر"، أما المتأول تأويلاً سائغاً في لغة العرب فيُبدع ولا يُكفر، وفصّل في رد الشبهات العقلية ببراعة [1].

الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد أن إنكار الجنة والنار الآن هو مذهب "المعتزلة" الضال، وأن الرد عليهم يكون بإثبات ظواهر النصوص وسد باب التأويل الفلسفي [2].

الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

حقق في "شرح الطحاوية" أن حشر الأجساد هو مذهب الرسل قاطبة، وأن المنكر له جاحدٌ لربوبية الله وقدرته الشاملة [3].

الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الشبهات العقلية حول البعث مصدرها "قياس الخالق على المخلوق"، وهذا هو أصل الضلال؛ فالخالق لا يعجزه إعادة ما بدأ [4].

الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق أن مقام الرد على المنكرين هو "مقام التثبيت"؛ فالقلب يزداد يقيناً حين يرى تهافت حجج الخصوم أمام رصانة الوحي وقوته [5].

:::::::::::::::::::::؛؛؛؛؛؛؛؛؛:::::::::::::

[1] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد 2 (العقيدة)، ص 50-65.

[2] إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، المجلد 1، ص 180.

[3] شرح الطحاوية، صالح آل الشيخ (تسجيلات منهاج السنة)، الدرس 15.

[4] الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 210 (مبحث الإيمان بالمعاد).

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الثامن والأربعون.

::::::::::::::::::::::::::::::::::

تابع تَدْقِيقُ الـمُلْحَقِ (ب) الجزء الثاني: 

حَقِيقَةُ عَذَابِ القَبْرِ بَيْنَ الـحِسِّ وَالغَيْبِ

أولاً: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ (مَذْهَبُ السَّلَفِ فِي الحِسِّيَّةِ)

عذاب القبر ونعيمه عند أهل السنة والجماعة هو عذابٌ حسيٌّ حقيقيٌّ يقع على الروح والجسد معاً، وليس مجرد خيالات أو آلام معنوية.

المباشرة الحسية: الروح تُعاد إلى الجسد (اتصالاً برزخياً)، فيحدث الألم للجسد كما يحدث للروح. فالميت يشعر بضمة القبر حساً، وبضرب المرزبة حساً، وبحر النار حساً.

الحقيقة لا المجاز: كل ما ورد في النصوص من (ضرب، وضيق، وسعة، ولباس، وفراش) هو على حقيقته الحسية، وليس أمثالاً معنوية كما يزعم المتكلمون.

العلاقة بين الحس والغيب: هو "حسيٌّ" بالنسبة للميت (يشعر به بجوارحه وروحه)، وهو "غيبيٌّ" بالنسبة للأحياء (لا تدركه حواسهم). فعدم رؤيتنا لأثره لا ينفي حقيقته الحسية، كما أن الملكين يقعدانه ويسألانه قعوداً حقيقياً وإن كان الناظر للقبر يراه جثة هامدة.

ثانياً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ (دَلَالَةُ الأَلْفَاظِ عَلَى الـحِسِّ)

الضَّرْبُ وَالقُعُودُ: في لغة العرب، هذه الأفعال تقتضي جسماً يُضرب ويُقعد. فقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «فَيُقْعِدَانِهِ» و«يُضْرَبُ بِمِرْزَبَةٍ» نصٌّ صريح في وقوع الفعل على الجسد حساً.

الأَلَمُ: الألم في اللغة هو الوجع الذي تدركه النفس عبر البدن، فإثبات العذاب (وهو الألم الشديد) يقتضي إثبات الآلة التي تذوق هذا الألم وهو الجسد.

ثالثاً: الرَّدُّ العَقْلِيُّ الصَّرْفُ عَلَى نَفْيِ الـحِسِّيَّةِ

برهانُ "القدرة الـمُطلقة": العقل يُجيز أن يخلق الله في الميت إدراكاً وحساً لا نراه نحن. فكما أن الله خلق الروح والجسد أول مرة، فهو قادر على إعادة "الحس" لهذا الجسد في القبر ليذوق العذاب أو النعيم.

برهانُ "التَّفَاوُتِ فِي الـحَوَاسِّ": نحن لا نرى الموجات اللاسلكية ولا الكهرباء وهي مادة، فكيف نتحكم في "الحس البرزخي" بعيوننا الدنياوية؟ فالحس في القبر "حقيقة" قائمة بذاتها، لكن الله ضرب بيننا وبينها حجاباً (بينهما برزخ).

رابعاً: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي حِسِّيَّةِ العَذَابِ

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات الحسيّة هو مقتضى "العدل"، فالجسد الذي شارك الروح في المعصية في الدنيا (بالنظر، والبطش، والمشي) لا بد أن يشاركها في العذاب في البرزخ، وتجريد العذاب للروح فقط يقدح في شمولية الجزاء.

الـمَسْلَكُ النَّقْلِيُّ: تأمل قوله ﷺ: «حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ» [رواه الترمذي وصححه الألباني]؛ والأضلاع جزءٌ ماديٌّ صلب، واختلافها (تداخلها) أثرٌ حسيٌّ محض، وهذا أقوى دليل على أن الجسد مُعنّى بالعذاب حساً.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: الحكمة من جعل الحس غيباً عنا هي "الستر"؛ فلو كان حس الميت يظهر للأحياء (صراخاً أو حركة) لفسدت معيشة الناس ولما تدافنوا، فالحس باقٍ والحجاب ملقى.

خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي "حِسِّيَّةِ" العَذَابِ

ابْنُ عُثَيْمِين: "العذاب حقيقي وحسي يقع على الروح والجسد، والقول بأنه روحي فقط هو قول المبتدعة الذين أرادوا الهروب من إشكالات الحس العقلية" [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: "منكر حسية عذاب القبر ومنكر وقوعه على الجسد مكذب لما تواترت به النصوص، والجسد يناله من العذاب ما يناله وإن صار رميماً" [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: "أهل السنة مجمعون على أن السؤال والعذاب يقعان على الروح والجسد مجتمعين ومنفردين، وهو حقٌّ يقيني لا مجاز فيه" [3].

الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: "الحس البرزخي أكمل من الحس الدنيوي؛ لأن الحجب قد كُشفت عن الميت، فما يذوقه من ألم المرزبة أشد مما لو ضُرب بها في الدنيا" [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: "التحقيق أن القبر روضة أو حفرة حقيقية، والضيق حقيقي، وليس ذلك من باب التخييل؛ فالمؤمن يصدق بالغيب الحسي وإن لم يره" [5].

:::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، ص 462.

[2] شرح العقيدة الطحاوية، الفوزان، ص 215.

[3] شرح الطحاوية (المسموع)، آل الشيخ، الدرس 18.

[4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 538.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 50.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ (ج): نَقْضُ شُبَهَاتِ مُنْكِرِي عَذَابِ القَبْرِ (الـمُعْتَزِلَةِ وَالـمُعَاصِرِينَ)

أولاً: تَعْرِيفُ الفِرَقِ الـمُنْكِرَةِ وَأَعْلَامِهِمْ

الـمُعْتَزِلَةُ: وعلى رأسهم عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ (ت: 144هـ) ووَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ؛ أنكروا عذاب القبر بناءً على تقديم "العقل" على "النقل"، وزعموا أن الجسد بعد الموت "جماد" لا يحس.

الفَلَاسِفَةُ: الذين زعموا أن العذاب "روحاني" فقط وليس "حسياً".

العَقْلَانِيُّونَ الـمُعَاصِرُونَ: الذين تأثروا بالمدرسة المادية، وزعموا أن العلم التجريبي لم يثبت وجود تغير في القبر.

ثانياً: إِيرَادُ الشُّبُهَاتِ (إِجْمَالاً)

الشبهة الأولى (الحسية): لو فتحنا القبر لم نجد أثراً للعذاب أو النعيم، ولا نجد ضيقاً ولا سعة.

الشبهة الثانية (العقلية): الميت تحول إلى تراب أو أكلته السباع، فكيف يُعذب ومن أين يُسأل؟

الشبهة الثالثة (النقلية): زعموا أن القرآن لم يذكر عذاب القبر صراحة، وأن أحاديث الآحاد لا تُبنى عليها العقائد.

ثالثاً: الرَّدُّ الـمُفَصَّلُ (التَّحْقِيقُ الأَكَادِيمِيُّ)

1. الرد اللغوي والعقدي (منهج أهل السنة):

اللغة: (العذاب) من "العَذْبِ" أي المنع، فالمرء يُمنع من النعيم ويُسام السوء.

التحقيق: أهل السنة يثبتون أن العذاب واقعٌ على "الروح" أصالة، وتتصل بالجسد أحياناً، وهو من عالم "الغيب" الذي لا يُقاس بعالم "الشهادة".

2. الرد النُّقلي (من الكتاب والسنة):

من الكتاب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25]؛ التعقيب بحرف (الفاء) يدل على دخول النار فور الغرق، وهذا لا يكون إلا في البرزخ.

من السنة (الصحيحين): قوله ﷺ: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» [البخاري ومسلم]؛ والأمر بالاستعاذة من "عدم" هو المحال والعبث، فثبت وجوده.

3. الرد العقلي:

قياس النائم: النائمان في فراش واحد؛ أحدهما يرى رؤيا مفزعة ويقوم فزعاً، والآخر يرى نعيماً ويقوم مسروراً، وهما بجانب بعضهما، فإذا كان هذا ممكناً في الدنيا، فقدرة الخالق في البرزخ أعظم.

الـمُلْحَقُ (د): نَقْضُ شُبَهَاتِ مُنْكِرِي البَعْثِ (الدَّهْرِيَّةِ وَالفَلَاسِفَةِ)

أولاً: تَعْرِيفُ الفِرَقِ الـمُنْكِرَةِ

الدَّهْرِيَّةُ: الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾؛ أنكروا الصانع والمعاد.

الفَلَاسِفَةُ الـمَشَّاؤُونَ: كـ ابْنِ سِينَا (ت: 428هـ)؛ أثبتوا معاد الأرواح دون الأجساد، وزعموا أن إعادة الأجساد "محالٌ عقلي".

ثانياً: إِيرَادُ الشُّبُهَاتِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

الشبهة: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؛ زعموا أن الشيء إذا فني وتفرقت أجزاؤه استحال جمعه.

الرد العقدي والعقلي: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ "الابتداء" أصعب في عرف العقل من "الإعادة"، فالقادر على الاختراع من العدم، قادرٌ على التجميع من الوجود بطريق الأولى.

الشبهة: (شبهة الآكل والمأكول)؛ لو أكل إنسانٌ إنساناً، فصارت أجزاء المأكول جزءاً من جسم الآكل، فبأي جسد يُبعثان؟

الرد التحقيقي: الله يبعث الأجساد "بأعيانها" لا بـ "موادها" المتغيرة؛ فالإنسان في دنياه تتغير خلاياه كل سنوات وهو هو "زيد"، فكذلك يُبعث بالجوهر الذي خلقه الله فيه، والله عليم بمواقع أجزاء خلقه.

رابعاً: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ فِي هَذَيْنِ الـمُلْحَقَيْنِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿إِخْرَاجًا﴾؛ جاء بالمصدر المؤكد لينسف فكرة "المعاد الروحاني" التي زعمها الفلاسفة؛ فالإخراج يكون للشيء الحسي المستتر.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات "القدرة الإلهية الشاملة"؛ فمنكر البعث والبرزخ يحجر على قدرة الله، ويقيس الغيب على المحسوس، وهذا أصل كل ضلال في العقيدة.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الرد على الشبهات يورث "اليقين"؛ فالمؤمن الذي يعرف زيف حجج المنكرين يزداد طمأنينة بصحة ما جاء به الوحي.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله (النوم) موتاً صغرى، و(الاستيقاظ) بعثاً يومياً؛ ليُري العباد نموذجاً متكرراً للبعث والنشور فلا يستبعدوه.

خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي الشُّبُهَاتِ

ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن شبهات المنكرين "شبهات واهية" تُعارض صريح النقل وصحيح العقل، وأكد أن "عجزنا عن الإدراك لا يستلزم العدم" [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: بين أن شبهة "المعتزلة" في إنكار عذاب القبر هي "تقديم العقل القاصر على النقل المعصوم"، وهذا أصل هلاك الفرق [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "شرح الطحاوية" أن الفلاسفة حين أنكروا معاد الأجساد كفروا، لأنهم كذبوا مئات النصوص الصريحة في حشر الأبدان [3].

الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: أشار في كتابه "الأنوار الكاشفة" إلى تهافت شبهات المستشرقين ومن تبعهم من الحداثيين في رد أحاديث البرزخ [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن "اليقين بالمعاد" هو الذي يحفظ للمجتمع توازنه الأخلاقي، والمنكرون له يسعون لإفساد الفطرة والتحلل من المسؤولية [5].

:::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، المجلد 2، ص 120.

[2] إرشاد العباد إلى معاني اللمعاد، الفوزان، ص 45.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، صالح آل الشيخ، الدرس 20.

[4] الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 215.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس التاسع والأربعون.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ ( ه): نَقْضُ شُبَهَاتِ مُنْكِرِي البَعْثِ (الدَّهْرِيَّةِ وَالفَلَاسِفَةِ)

أولاً: تَعْرِيفُ الفِرَقِ الـمُنْكِرَةِ

الدَّهْرِيَّةُ: الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾؛ أنكروا الصانع والمعاد.

الفَلَاسِفَةُ الـمَشَّاؤُونَ: كـ ابْنِ سِينَا (ت: 428هـ)؛ أثبتوا معاد الأرواح دون الأجساد، وزعموا أن إعادة الأجساد "محالٌ عقلي".

ثانياً: إِيرَادُ الشُّبُهَاتِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

الشبهة: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾؛ زعموا أن الشيء إذا فني وتفرقت أجزاؤه استحال جمعه.

الرد العقدي والعقلي: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ "الابتداء" أصعب في عرف العقل من "الإعادة"، فالقادر على الاختراع من العدم، قادرٌ على التجميع من الوجود بطريق الأولى.

الشبهة: (شبهة الآكل والمأكول)؛ لو أكل إنسانٌ إنساناً، فصارت أجزاء المأكول جزءاً من جسم الآكل، فبأي جسد يُبعثان؟

الرد التحقيقي: الله يبعث الأجساد "بأعيانها" لا بـ "موادها" المتغيرة؛ فالإنسان في دنياه تتغير خلاياه كل سنوات وهو هو "زيد"، فكذلك يُبعث بالجوهر الذي خلقه الله فيه، والله عليم بمواقع أجزاء خلقه.

رابعاً: الـمَسَالِكُ الأَرْبَعَةُ فِي هَذَيْنِ الـمُلْحَقَيْنِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿إِخْرَاجًا﴾؛ جاء بالمصدر المؤكد لينسف فكرة "المعاد الروحاني" التي زعمها الفلاسفة؛ فالإخراج يكون للشيء الحسي المستتر.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات "القدرة الإلهية الشاملة"؛ فمنكر البعث والبرزخ يحجر على قدرة الله، ويقيس الغيب على المحسوس، وهذا أصل كل ضلال في العقيدة.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: الرد على الشبهات يورث "اليقين"؛ فالمؤمن الذي يعرف زيف حجج المنكرين يزداد طمأنينة بصحة ما جاء به الوحي.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل كيف جعل الله (النوم) موتاً صغرى، و(الاستيقاظ) بعثاً يومياً؛ ليُري العباد نموذجاً متكرراً للبعث والنشور فلا يستبعدوه.

خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي الشُّبُهَاتِ

ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن شبهات المنكرين "شبهات واهية" تُعارض صريح النقل وصحيح العقل، وأكد أن "عجزنا عن الإدراك لا يستلزم العدم" [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: بين أن شبهة "المعتزلة" في إنكار عذاب القبر هي "تقديم العقل القاصر على النقل المعصوم"، وهذا أصل هلاك الفرق [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "شرح الطحاوية" أن الفلاسفة حين أنكروا معاد الأجساد كفروا، لأنهم كذبوا مئات النصوص الصريحة في حشر الأبدان [3].

الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: أشار في كتابه "الأنوار الكاشفة" إلى تهافت شبهات المستشرقين ومن تبعهم من الحداثيين في رد أحاديث البرزخ [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن "اليقين بالمعاد" هو الذي يحفظ للمجتمع توازنه الأخلاقي، والمنكرون له يسعون لإفساد الفطرة والتحلل من المسؤولية [5].

:::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، المجلد 2، ص 120.

[2] إرشاد العباد إلى معاني اللمعاد، الفوزان، ص 45.

[3] شرح العقيدة الطحاوية، صالح آل الشيخ، الدرس 20.

[4] الأنوار الكاشفة، المعلمي، ص 215.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس التاسع والأربعون.

::::::::::::::::':':':::::::::::::::::::::


إليك إتمام الـمُلْحَق (ه) 

بالتركيز على "شبهات المنكرين"

 والرد عليها تفصيلاً:

تَتِمَّةُ الـمُلْحَقِ (د): الـمُناظَرَةُ العَقْلِيَّةُ وَالنَّقْلِيَّةُ مَعَ الـمُنْكِرِينَ

أولاً: شُبُهَاتُ مُنْكِرِي عَذَابِ القَبْرِ (إِيرادُ الشُّبْهَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا)

 * الشُّبْهَةُ الأولى: "نحن نرى الميت تأكله الديدان أو يُحرق ويُذرى في الهواء، فأين الجسد الذي يُعذب؟ وأين القبر الذي يضيق؟"

   * الرَّدُّ العَقْدِيُّ (منهج أهل السنة): العذاب في البرزخ ليس من جنس عذاب الدنيا المحسوس، بل هو "غيب". والقدرة الإلهية تجعل الروح تتصل بأي جزء بقي من الجسد (كعجب الذنب)، أو تُعذب الروح منفردة وتألم تألماً حقيقياً.

   * الرَّدُّ العَقْلِيُّ: الصاعقة الكهربائية تحرق الإنسان من الداخل بينما ثيابه سليمة؛ فإذا كان المخلوق يملك طاقة تؤثر في الباطن دون الظاهر، فخالق القوى أقدر على تعذيب الروح والجسد في البرزخ دون أن يرى أهل الدنيا أثراً.

 * الشُّبْهَةُ الثانية: "لو كان عذاب القبر حقاً لذكرته آية صريحة بلفظه في القرآن."

   * الرَّدُّ النَّقْلِيُّ (من الكتاب): قوله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾؛ أطبق المفسرون (كابن كثير والطبري) أن هذا "العرض" هو في البرزخ، لأن الآية عطفت عليه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.

ثانياً: شُبُهَاتُ مُنْكِرِي البَعْثِ (إِيرادُ الشُّبْهَةِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا)

 * الشُّبْهَةُ: "استحالة إعادة المعدوم"؛ زعموا أن الجسد إذا صار تراباً فقد فني، والفاني لا يعود.

   * الرَّدُّ اللَّغَوِيُّ: الفرق بين "العدم المحض" وبين "التفرق"؛ فالجسد يتفرق ولا ينعدم تماماً (يبقى عجب الذنب كالبذرة).

   * الرَّدُّ العَقْلِيُّ: (قياس الإعادة على الابتداء)؛ أيهما أصعب في العقل: صنع جهاز من لا شيء، أم إعادة تجميع أجزاء جهاز تفكك؟ لا شك أن الجمع أهون، ولله المثل الأعلى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: 27].

ثالثاً: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي تَتِمَّةِ الـمُلْحَقِ (ه)

 * الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل كلمة (يُبْعَثُونَ)؛ البعث يقتضي وجود "مبعوث" كان ساكناً، وهذا يثبت أن ذات الإنسان التي ماتت هي التي تخرج، لا خلقاً جديداً لا علاقة له بالأول، وهذا يحقق العدل في الجزاء.

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: إثبات أن "عذاب القبر" من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله؛ لأننا صدقناه فيما أخبر من غيب القبر الذي لا يدركه الحس، فمن أنكره فقد قدح في كمال البلاغ النبوي.

 * الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: كسر "الغرور العلمي"؛ فالعلم التجريبي محدود بحدود المادة، والبرزخ وراء المادة، فالتسليم للوحي هنا هو كمال العقل لا نقصه.

 * الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله ﷺ: «لَوْلاَ أَنْ لاَ تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»؛ فيه تدبر لرحمة الله بالخلق أن ستر عنهم أهوال البرزخ لتبقى حياتهم مستقرة، ولينالوا أجر الإيمان بالغيب.

رابعاً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي نَقْضِ هَذِهِ الشُّبُهَاتِ

 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن "الضيق والسعة" في القبر ليست من جنس المساحة الهندسية (أمتار)، بل هي صفة يشعر بها الميت كضيق الصدر وانشراحه [1].

 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن منكري عذاب القبر قلدوا الكفار في قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾، وحذر من فتنة المدرسة "العقلانية" الحديثة [2].

 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "كفاية المستفيد" أن أحاديث عذاب القبر "متواترة معنوياً"، والمنكر للمتواتر يضع نفسه على شفا جرف هالك [3].

 * الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: رد على شبهة "تفرق الأجزاء" بأن علم الله المحيط لا يغيب عنه ذرة، وقدرته تجمعها بكلمة "كن" [4].

 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن منكري البعث والبرزخ إنما يفرون من "المسؤولية الجنائية" أمام الله، فهم يريدون دنيا بلا حساب [5].

؛::::::::::::::::::؛؛؛؛:

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، ص 465.

[2] إعانة المستفيد، الفوزان، ص 185.

[3] شرح ثلاثة الأصول، آل الشيخ، ص 320.

[4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 535.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 50.

:::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ (ع): نَقْضُ شُبَهَاتِ الفَلَاسِفَةِ فِي مَعَادِ الأَبْدَانِ

أولًا: تَحْقِيقُ مَذْهَبِ الفَلَاسِفَةِ (التَّصَوُّرُ وَالأَعْلَامُ)

أبرزهم: ابن سينا (أبو علي) والفارابي، ومن تبعهم من "الباطنية".

المذهب: زعموا أن النفس (الروح) جوهرٌ باقٍ لا يفنى، أما البدن فإنه يستحيل عوده بعد تفرقه واستحالته تراباً. وقالوا: "الجنة والنار" مجرد لذات وآلام روحية معنوية، وصوّرها الأنبياء للأمم في قوالب جسدية (أكل، شرب، حور) لتقريب المعنى للعامة فقط!

ثانيًا: إِيرَادُ الشُّبُهَاتِ وَنَقْضُهَا (بِالتَّدْقِيقِ النَّقْلِيِّ وَالعَقْلِيِّ)

الشُّبْهَةُ الأُولَى: (اسْتِحَالَةُ إِعَادَةِ الـمَعْدُومِ)

قولهم: البدن إذا مات تفرقت أجزاؤه واستحالت إلى عناصر أخرى، والشيء إذا انعدم بطلت عينه، وما بطلت عينه استحال رجوعه.

الرَّدُّ النَّقْلِيُّ: قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ [ق: 4]؛ فنصَّ سبحانه على "علمه" بمواقع الأجزاء، فليس هناك "عدمٌ محض" بل "تفرقٌ" يعلمه الخالق ويجمعه.

الرَّدُّ العَقْلِيُّ الصَّرْفُ: مادة البدن (الذرات) باقية لا تنعدم، وإعادة تأليف المؤلف أهون عقلاً من تأليفه أول مرة. فإذا أقر الفيلسوف بالصانع (المبدئ)، لزمه عقلاً الإقرار بـ (المعيد)، وإلا وصف الخالق بالعجز عن جمع ما خلق، وهذا تناقض عقلي.

الشُّبْهَةُ الثَّانِيَةُ: (شُبْهَةُ الآكِلِ وَالـمَأْكُولِ)

قولهم: إذا أكل إنسانٌ إنساناً، فصارت أجزاء المأكول "جزءاً" من بدن الآكل، فبأي بدن يُبعثان؟ إن بُعث المأكول نقص بدن الآكل، وإن بُعث الآكل ضاع حق المأكول!

الرَّدُّ التَّحْقِيقِيُّ: الجسم الإنساني في الدنيا في "تبدل" دائم (خلايا تموت وتولد)، ومع ذلك يبقى الشخص هو "زيد" بعينه. فالبحث ليس في "المواد" بل في "الجوهر" (الأجزاء الأصلية) التي لا تقبل التحلل (عجب الذنب)، والله يحشر الناس بصورهم وأعيانهم، وهو المحيط بكل ذرة، فلا تضيع ذرة مأكول في بدن آكل عند مسبب الأسباب.

ثالثًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الرَّدِّ عَلَى الفَلَاسِفَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل نصوص القرآن؛ ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾؛ لفظ (الجلود) حقيقة لغوية في البشرة الحسية، ولو كان المعاد روحياً لكان ذكر الجلود عبثاً (تعالى الله عن ذلك)، فاللغة تقتضي بقاء الآلة (البدن) مع الروح للذوق واللمس.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الفلاسفة بنوا مذهبهم على "تنزيه الله عن العبث" بزعمهم، فوقعوا في "تعطيل القدرة"؛ فعقيدة السلف تقوم على أن قدرة الله (مطلقة) فوق قوانين المادة التي وضعها هو سبحانه، فالمعاد قانونٌ إلهي جديد لا يخضع لفيزياء الدنيا.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: يُربي هذا الرد طالب العلم على "الاعتزاز بالوحي"؛ فابن سينا رغم عبقريته في الطب، تاه في أوليات المعاد لأنه قدم "منطق اليونان" على "وحي الرحمن".

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾؛ انتقال من الخلق العظيم (الكون) إلى الخلق الحقير (الإنسان)؛ لبيان أن إحياء الأبدان يسيرٌ جداً على الخلاق العليم.

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي ضَلَالِ الفَلَاسِفَةِ

ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن مذهب الفلاسفة في المعاد هو "كفرٌ مخرج من الملة"؛ لأنهم كذبوا صريح القرآن في حشر الأجساد، وجعلوا الجنة والنار خيالات ذهنية [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن ابن سينا ومن تبعه من الباطنية هم "أعداء الرسل" حقيقة؛ لأنهم أبطلوا مقصود الرسالة من الثواب والعقاب الحسيين [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بين في "شرح الطحاوية" أن الفلاسفة أخطأوا في قياس "الغيب" على "الشاهد"، وظنوا أن ما لا يدركه عقلهم في الدنيا هو مستحيلٌ في الآخرة [3].

الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: أشار في "الأنوار الكاشفة" إلى أن الفلاسفة لو أنصفوا لعلموا أن الروح لا تكتمل لذتها ولا ألمها إلا بهذا الوعاء (البدن) الذي شقيت به أو تنعمت فيه [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن الفلاسفة "عطلوا النصوص" بمقدمات عقلية ظنية، وأن اليقين لا يزول بالشك، ونصوص المعاد بلغت مبلغ القطع واليقين [5].

::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، المجلد 2، ص 470.

[2] شرح العقيدة الطحاوية، الفوزان، ص 220-225.

[3] شرح الطحاوية، صالح آل الشيخ (المسموع)، الدرس 22.

[4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 550.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس الواحد والخمسون.

:::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ (غ): نَقْضُ مَذْهَبِ الـمُعْتَزِلَةِ وَالعَقْلَانِيِّينَ فِي الـمَعَادِ

أولاً: تَعْرِيفُ أَعْلَامِ الـمُعْتَزِلَةِ وَالعَقْلَانِيِّينَ الـمُعَاصِرِينَ

قَدِيمًا: ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو، وبِشْرٌ المَرِيسِيُّ، والقَاضِي عَبْدُ الجَبَّارِ (صاحب "المغني")؛ وهؤلاء أنكروا عذاب القبر أو قالوا هو مجرد عرض معنوي.

حَدِيثًا (العقلانيون): مُحَمَّد عَبْدُه (في بعض تقريراته)، مُحَمَّد فَرِيد وَجْدِي، ومن المعاصرين الذين شككوا في أحاديث عذاب القبر والبعث الحسي بحجة مخالفتها للعلم أو العقل التجريبي.

ثانياً: شُبُهَاتُ الـمُعْتَزِلَةِ فِي البَرْزَخِ وَالقَبْرِ

الشُّبْهَةُ: زعموا أن الميت "جماد" لا حياة فيه، والجماد لا يحس ولا يتألم؛ فنسبوا القول بعذاب القبر إلى التناقض.

الرَّدُّ التَّدْقِيقِيُّ: مذهب أهل السنة أن الله يعيد "الحياة" و"الإدراك" للميت (سواء للجسد كله أو لبعضه) قدر ما يسمع السؤال ويذوق الألم. فالميت ليس جماداً محضاً في البرزخ، بل هو "حيٌّ حياةً برزخية".

عَلَى الـجِسْمِ وَالرُّوحِ: التحقيق أن الألم يقع على الجسم والروح حقيقةً؛ فالروح تتألم وتؤلم الجسد معها، تماماً كما تتألم النفس في الدنيا فيتأثر الجسد (كالقشعريرة أو النبض)، لكن في البرزخ يكون ذلك أشد وأثبت.

ثالثاً: شُبُهَاتُهُمْ فِي الـحِسَابِ وَاليَوْمِ الآخِرِ

سُؤَالُكَ: هَلِ الـحِسَابُ فِي يَوْمِ القِيَامَةِ؟

التحقيق: الحساب الأكبر والعرض الشامل يكون يوم القيامة بعد البعث والنشور (﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾). أما في القبر فيوجد "حسابٌ أولي" وهو سؤال الملكين الذي يترتب عليه نعيمٌ أو عذابٌ معجل.

الشُّبْهَةُ فِي الـمِيزَانِ: قال المعتزلة: الأعمال "أعراض" لا تُوزن، فكيف تُوضع في ميزان له كفتان؟

الرَّدُّ: الله يقلب الأعراض (الأعمال) أجساداً تُوزن، أو تُوزن صحائف الأعمال، أو يُوزن العامل نفسه؛ كما في حديث ابن مسعود: «لَهُمَا (ساقاه) أَثْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ». فهو حسابٌ حسيٌّ حقيقيٌّ.

رابعاً: النَّعِيمُ فِي الـجَنَّةِ وَالعَذَابُ فِي النَّارِ (الـحِسِّيَّةُ الـمُطْلَقَةُ)

الشُّبْهَةُ: يزعم بعض العقلانيين أن وصف الجنة بالأكل والشرب والقصور هو "تمثيلٌ" لتقريب المعنى، وأن الحقيقة هي "لذة معنوية" فقط.

الرَّدُّ القَاطِعُ: النعيم في الجنة والعذاب في النار يقع على الجسم والروح حقيقةً وحسًّا.

الدليل: قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾؛ فالجلد آلة حس، وتبديله دليل على استمرار الألم الحسي الجسدي.

الدليل: قوله تعالى عن أهل الجنة: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾؛ والصحاف والأكواب والذهب حقائق حسية للمتعة الجسدية والروحية معاً.

خامساً: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الرَّدِّ عَلَى الـمُعْتَزِلَةِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: المعتزلة يهربون إلى "المجاز"؛ ونحن نرد عليهم بأن "الأصل في الكلام الحقيقة"، ولا يُعدل عنها إلا بقرينة، والقرائن هنا (كالضرب، والتبديل، والأكل) كلها تؤكد الحقيقة الحسية.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الربط بين "عذاب القبر" و"اليوم الآخر"؛ فمن فتح باب التأويل في القبر، اضطر لفتحه في الجنة والنار، وهذا هدمٌ للدين بالكلية.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: التحذير من "تأليه العقل"؛ فالعقلانيون المعاصرون يرفضون ما لا تدركه مخابرهم، وهذا جهلٌ بحقيقة "الغيب" الذي هو أساس الإيمان.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾؛ يبين الله عجز البشر عند خروج الروح، فإذا عجزوا عن رؤية الروح وهي تخرج، فكيف يطالبون برؤية عذابها في القبر؟

سادساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي ضَلَالِ الـمُعْتَزِلَةِ

ابْنُ عُثَيْمِين: "المعتزلة بنوا مذهبهم على أوهام، فزعموا أن العقل يحيل عذاب القبر، ونحن نقول: العقل لا يحيل بل العقل يقرُّ بقدرة الله على ما هو أعظم من ذلك" [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: "العقلانيون اليوم هم ورثة المعتزلة، يُريدون ديناً موافقاً لهواهم وللفلسفات المادية، فأنكروا حقيقة الحساب والجزاء الحسي" [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: "الحساب يوم القيامة عدلٌ محض، والله يُحاسب الخلائق بكلمة واحدة، والقول بأنه مجرد رمزي هو تكذيبٌ للقرآن" [3].

الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: "لو كان النعيم روحياً فقط لما اشتاقت إليه النفوس التي جُبلت على حب اللذة الحسية والجمال المشهود" [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: "مذهب أهل السنة وسطٌ بين الفلاسفة الذين أنكروا الجسد، وبين المادية الذين أنكروا الروح؛ فنحن نثبت حقهما معاً في الثواب والعقاب" [5].

:::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، المجلد 2، ص 480.

[2] شرح ثلاثة الأصول، الفوزان، ص 340.

[3] شرح الطحاوية، آل الشيخ، الدرس 24.

[4] آثار المعلمي (رفع الاشتباه)، المجلد 10، ص 560.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 52.

أبا أنس؛ بهذا تم تحقيق الملحق (هـ) بكل تفاصيله وردوده.

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـمُلْحَقُ (و):

 تَحْقِيقُ مَسَائِلِ الـحَوْضِ وَالـمِيزَانِ وَنَقْضُ شُبَهَاتِ الـمُعْتَزِلَةِ

أولًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ (الـحَوْضِ النَّبَوِيِّ)

1. التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالهَيْئَةُ الاصْطِلَاحِيَّةُ

اللغة: (الحَوْضُ) مجمع الماء، وجمعه حياض.

الاصطلاح والهيئة: هو مجمع ماءٍ عظيم يُخلق في عرصات القيامة، يصب فيه ميزابان من الكوثر (الذي في الجنة).

وصفه: طوله شهر، وعرضه شهر، آانيته كعدد نجوم السماء، ماؤه أبيض من اللبن، وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، ريحه أطيب من المسك، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً.

2. الأَدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ (مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)

مِنَ الكِتَابِ: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]؛ والكوثر هو النهر في الجنة، والحوض مجمعه في المحشر.

مِنَ السُّنَّةِ (مُتَوَاتِرٌ): قوله ﷺ: «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ...» [رواه البخاري ومسلم].

3. شُبْهَةُ الـمُعْتَزِلَةِ فِي الـحَوْضِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

الشُّبْهَةُ: زعم المعتزلة أن أحاديث الحوض من "الآحاد" التي لا تُبنى عليها العقائد، وأن العقل لا يدرك فائدة وجود ماء قبل دخول الجنة.

الرَّدُّ التَّحْقِيقِيُّ: أحاديث الحوض بلغت حد التواتر؛ رواها أكثر من ثلاثين صحابياً. أما العقل، فالفائدة هي إكرام المؤمنين وتسكين عطشهم في يوم مقداره خمسون ألف سنة، وهذا من كمال رحمة الله.

ثانيًا: تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ (الـمِيزَانِ الحَقِيقِيِّ)

1. التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ وَالاصْطِلَاحِيُّ

اللغة: (المِيزَانُ) آلة تقدير الوزن، مأخوذ من الوزن وهو التعادل.

الاصطلاح: هو ميزان حقيقي يضعه الله يوم القيامة لوزن ما يوجب الثواب أو العقاب، وله كفتان ولسان.

2. مَاذَا يُوزَنُ فِي الـمِيزَانِ؟ (تَحْقِيقُ مذهب السلف)

اتفق أهل السنة على أن الوزن يقع على ثلاثة أنواع، وكلها حق:

وَزْنُ الأَعْمَالِ: لقوله ﷺ: «كَلِمَتَانِ... ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ».

وَزْنُ الصَّحَائِفِ: لحديث "البطاقة" المشهور، حيث تُوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة.

وَزْنُ الأَشْخَاصِ (العَامِلِ): لقوله ﷺ في ابن مسعود: «لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الـمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ»، وقوله في الرجل السمين الكافر: «لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ».

الخلاصة: الوزن يقع على الجميع ليظهر كمال العدل الإلهي.

3. شُبْهَةُ الـمُعْتَزِلَةِ فِي الـمِيزَانِ وَالرَّدُّ عَلَيْهَا

الشُّبْهَةُ: قالوا الأعمال (صلاة، صيام) هي "أعراض" (أفعال تلاشت)، والأعراض لا تُوزن حساً، وإنما الميزان هو "العدل" المعنوي.

الرَّدُّ التَّحْقِيقِيُّ: الله على كل شيء قدير، وهو يقلب الأعراض (الأعمال) أجساداً لها ثقل، كما في حديث البقرة وآل عمران (كأنهما غمامتان). فالعدول عن "الحقيقة" إلى "المجاز" بلا موجب هو هدم للنصوص، والميزان حقيقي حسي كما أخبر الوحي.

ثالثًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الـحَوْضِ وَالـمِيزَانِ

الـمَسْلَكُ اللَّغَوِيُّ: تأمل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾؛ مجيء الميزان بصيغة الجمع يدل على عظمة الوزن وتعدده، واستعمال (ثقلت) و(خفت) لغةً لا يكون إلا للأجسام الحقيقية، مما يبطل تأويل المعتزلة بالعدل المعنوي.

الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: الربط بين (الحوض) و(المتابعة)؛ فالحوض يذاد عنه أهل البدع الذين أحدثوا في الدين، فسلامة العقيدة هي "ثمن الشرب" من يد النبي ﷺ، وهذا هو جوهر الولاء والبراء.

الـمَسْلَكُ التَّرْبَوِيُّ: استحضار (خفة الميزان) يربي العبد على عدم احتقار الصغائر من الحسنات (كالتسبيح) أو السيئات؛ لأن "المثقال" في ذلك اليوم يقلب الموازين.

الـمَسْلَكُ التَّدَبُّرِيُّ: تأمل تقديم (الحوض) على (الصراط)؛ لتكون الشربة برداً وسلاماً على المؤمنين قبل اجتياز حرارة النار، وهذا من كمال عناية الله بأوليائه.

رابعًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي هَذَا الـمَحْفَلِ

ابْنُ عُثَيْمِين: "الميزان ميزان حقيقي له كفتان، والقول بأنه مجرد العدل هو مذهب باطل، لأن الله وصف الموازين بالثقل والخفة، والعدل لا يوصف بالثقل الخفيف والثقيل إلا مَجازاً، والأصل الحقيقة" [1].

صَالِحُ الفَوْزَان: "أحاديث الحوض متواترة، ومن كذب بها فهو محروم من الشرب منه، والميزان يوزن به العامل وعمله وصحيفته بفضل الله وعدله" [2].

صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: "المعتزلة قاسوا الغيب على الشهادة، فظنوا أن ما لا يوزن في موازين الدنيا لا يوزن في الآخرة، وهذا هو منبع ضلالهم" [3].

الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: "إثبات الميزان الحسي هو إثبات لـ (شهادة الجوارح)؛ فالله يُري العبد ميزان عمله عياناً لتقوم الحجة عليه فلا ينكر" [4].

صَالِحُ السَّنْدِيُّ: "مقام الحوض هو مقام الفرح والاستبشار للموحدين، ومقام الميزان هو مقام الوجل والتدقيق، والمؤمن يعيش بينهما مستقيماً على السنة" [5].

::::::::::::::::::::::::::::::::::

[1] شرح العقيدة الواسطية، ابن عثيمين، المجلد 2، ص 490-500.

[2] شرح العقيدة الطحاوية، الفوزان، ص 230-235.

[3] شرح الطحاوية، آل الشيخ، الدرس 26.

[4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 570.

[5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 53.

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

أولًا: نَصُّ القِطْعَةِ الأَخِيرَةِ مِنْ (ثَلَاثَةِ الأُصُولِ)

قَالَ الإِمَامُ مُحَمَّد بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ -رَحِمَهُ اللَّهُ-:

 «وَالطَّاغُوتُ: عَامٌّ فِي كُلِّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَرَضِيَ بِالعِبَادَةِ، مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ طَاغُوتٌ. وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ -لَعَنَهُ اللَّهُ-، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ». 

ثانيًا: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ (مُفْرَدَةً مُفْرَدَةً)

 * الطَّاغُوتُ: مأخوذ من "الطُّغْيَانِ" وهو مجاوزة الحد. واشتقاقه الصرفي (طَاغُوت) على وزن (فَعَلُوت)، والواو والتاء للمبالغة كالجبروت.

 * عَامٌّ: من العموم، أي أنه لفظ يستغرق جميع أفراده، فلا يختص بصنم دون غيره.

 * رَضِيَ: فِعل يدل على القبول والموافقة، وهو قيدٌ لإخراج الأنبياء والصالحين الذين عُبِدوا وهم كارهون.

 * مَتْبُوعٍ: اسم مفعول، وهو من يُسار خلفه في الاعتقاد والمنهج كالأحبار والرهبان.

 * مُطَاعٍ: من الطاعة، وهو من يُمتثل أمره في التشريع (تحليلاً وتحريماً) كالأمراء والقادة.

 * رُؤُوسُهُمْ: جمع رأس، والمراد هنا القادة والأصول التي تتفرع عنها بقية الأنواع.

ثالثًا: اسْتِعْمَالَاتُ العَرَبِ لِكَلِمَةِ (طَاغُوت)

كانت العرب تستخدم لفظ "الطاغوت" للدلالة على:

 * الأصنام والأوثان: وكل ما كان يُعبد في الجاهلية.

 * الكاهن: الذي يتحاكمون إليه ويستقسمون عنده.

 * الشيطان: لأنه رأس الطغيان ومجاوزة الحد.

 * السَّاحر: لما فيه من تجاوز حد البشر وادعاء علم الغيب.

رابعًا: الـحَدُّ الـجَامِعُ الـمَانِعُ (الاصْطِلَاحِيُّ)

الحدُّ المختار (حدُّ ابن القيم):

 «الطَّاغُوتُ: هُوَ كُلُّ مَا تَجَاوَزَ بِهِ العَبْدُ حَدَّهُ؛ مِنْ مَعْبُودٍ، أَوْ مَتْبُوعٍ، أَوْ مُطَاعٍ». 

 * جامع: لكل صور الطغيان (عقيدةً، واتباعاً، وتشريعاً).

 * مانع: يخرج منه من عُبد وهو كاره (كالأنبياء)، ويخرج منه من طِيع في المعروف.

خامسًا: حُكْمُ الطَّاغُوتِ وَأَقْسَامُهُ

 * حكمه: وجوب الكفر به "عقيدةً وتركاً وبغضاً"، وهو شرطٌ لصحة الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.

 * أقسام الطاغوت (باعتبار الذات):

   * طاغوتٌ غير عاقل (جمادات): كالأحجار والأشجار المعبودة.

   * طاغوتٌ عاقل: وهو المكلف الذي رضي بالعبادة أو دعا إليها.

 * أقسام الطاغوت (باعتبار نوع الطغيان):

   * طاغوت العبادة: كالأصنام.

   * طاغوت الحكم والتشريع: كمن شرع مع الله ما لم يأذن به.

   * طاغوت الاتباع: كمن يطاع في تبديل أحكام الله.

سادسًا: أَنْوَاعُ (رُؤُوسِ) الطَّاغُوتِ الخَمْسَةِ

 * الشيطان: الداعي إلى عبادة غير الله.

 * الحاكم الجائر: المغير لأحكام الله.

 * من ادعى شيئاً من علم الغيب: كالعراف والساحر.

 * من عُبد من دون الله وهو راضٍ: كفرعون والنمرود.

 * من دعا الناس إلى عبادة نفسه: وإن لم يُعبد.

سابعًا: مَصْدَرُ هَذِهِ الأَقْسَامِ وَمَنْ سَبَقَ الشَّيْخَ فِيهَا

استنبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الأقسام من استقراء نصوص الوحي وكلام سلف الأمة:

 * الإمام ابن القيم: هو صاحب التقسيم الثلاثي (معبود، متبوع، مطاع) في كتابه "إعلام الموقعين".

 * الإمام مالك: عرف الطاغوت بأنه "كل ما عُبد من دون الله".

 * عمر بن الخطاب ومجاهد: فسرا الطاغوت بالشيطان، وعمر فسره بالشرك.

 * أهل التحقيق: جمع الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه المنثورات في "خمسة رؤوس" لتكون جامعة لجميع صور الطغيان المعاصر والقديم.

ثامنًا: أَقْسَامُ النَّاسِ فِي الطَّاغُوتِ

 * الموحدون: الذين كفروا بالطاغوت حقيقةً (بالقلب واللسان والجوارح).

 * المشركون: الذين عبدوا الطاغوت أو اتخذوه شريكاً مع الله.

 * المنافقون: الذين يدعون الكفر بالطاغوت ظاهراً، ويتحاكمون إليه أو يوالونه باطناً.

تاسعًا: تَقْرِيرَاتُ الشُّرَّاحِ الـخَمْسَةِ فِي الخِتَامِ

 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن "الطاغوت" وصفٌ للمعبود الراضي، أما إذا لم يرضَ فالفعل هو الطاغوت لا الذات، وأكد أن تحكيم القوانين الوضعية بدلاً من الشريعة من أعظم أنواع الطاغوت المعاصر [1].

 * صَالِحُ الفَوْزَان: شدد على أن الكفر بالطاغوت يقتضي "البراءة" العملية؛ فمن جامل أهل الباطل في باطلهم لم يكفر بالطاغوت حقاً [2].

 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بين أن الطاغوت قد يكون "نظاماً" أو "منهجاً" وليس بالضرورة شخصاً، فكل ما صرف الناس عن شرع الله فهو طاغوت [3].

 * الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: أشار إلى أن أخطر الطواغيت هو "طاغوت التقليد الأعمى" الذي يُقدم فيه قول البشر على قول الله ورسوله [4].

 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: حقق أن الكفر بالطاغوت هو "صمام أمان" التوحيد، وبه ينال العبد الاستمساك بالعروة الوثقى [5]..

:::::::::::::::::::::::::::::::::

حَوَاشِي تَحْقِيقِ (الـخَاتِمَةِ: الكُفْرُ بِالطَّاغُوتِ)

[1] الشَّيْخُ مُحَمَّد بْنُ صَالِحِ العُثَيْمِين:

 * الـمَرْجِع: شرح ثلاثة الأصول، دار الثريا للنشر، الطبعة الرابعة (1426هـ)، ص 245-250.

 * مَوْضِعُ الشَّاهِد: تحقيق مسألة "التحاكم للقوانين" وتفصيل متى يكون الحاكم طاغوتاً (باعتقاد الاستحلال أو المساواة)، وبيان أن الطاغوت اسم جنس يقع على القليل والكثير.

[2] الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ فَوْزَان الفَوْزَان:

 * الـمَرْجِع: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد (ومعه ثلاثة الأصول)، مؤسسة الرسالة، المجلد الثاني، ص 348-355.

 * مَوْضِعُ الشَّاهِد: تقرير أن "الكفر بالطاغوت" هو معنى (لا إله)، والإيمان بالله هو معنى (إلا الله)، وتفصيل رؤوس الطواغيت الخمسة بالأدلة من سورة النحل والبقرة.

[3] الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ آلِ الشَّيْخِ:

 * الـمَرْجِع: كفاية المستفيد في شرح كتاب التوحيد وثلاثة الأصول، ص 330-338.

 * مَوْضِعُ الشَّاهِد: التحقيق في "طاغوت الاتباع" (الأحبار والرهبان)، وكيف يكون العبد كافراً بالطاغوت مع بقاء أصل الإسلام، والفرق بين الطاغوت الأكبر والأصغر في باب التشريع.

[4] الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ:

 * الـمَرْجِع: آثار الشيخ العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (المجموعة العقدية)، المجلد العاشر، ص 590-598.

 * مَوْضِعُ الشَّاهِد: نقد مسلك "التقليد الأعمى" الذي يرفع قول المتبوع فوق قول المعصوم ﷺ، واعتبار ذلك نوعاً من "الطاغوت الخفي" الذي يقدح في كمال التوحيد.

[5] الشَّيْخُ صَالِحُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ السَّنْدِيُّ:

 * الـمَرْجِع: شرح ثلاثة الأصول (سلسلة الدروس العلمية المفرغة من المسجد النبوي)، الدرس الخامس والخمسون (الخاتمة).

 * مَوْضِعُ الشَّاهِد: تحقيق معنى "الاستمساك بالعروة الوثقى" وعلاقته بالبراءة من الطاغوت، وبيان أن الطاغوت هو "كل ما صرفك عن الله"، وتأصيل مسألة (من دعا الناس إلى عبادة نفسه).

::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

إليك هذا التقرير : حول مسألة التحاكم و صوره

 هذه المسألة هي مَزلة أقدام ومضلة أفهام، والتحقيق فيها يقتضي ميزانًا دقيقًا يجمع بين نصوص الوعيد وبين قواعد أهل السنة في الأسماء والأحكام، بعيدًا عن غلو الخوارج وتفريط المرجئة. 

تَقْرِيرٌ عِلْمِيٌّ:

 تَحْقِيقُ مَسْأَلَةِ التَّحَاكُمِ وَمَنَاطَاتِ "الطَّاغُوتِ" فِي الـحُكْمِ

أولًا: التَّأْصِيلُ لِاسْمِ "الطَّاغُوتِ" (بِاعْتِبَارِ الكَمِّ)

الطَّاغُوتُ في لغة العرب والشرع هو "اسم جنس"؛ ومعناه أنه يصدق على:

 * الفرد الواحد: (كالشيطان أو الحاكم الجائر بَعينه).

 * الجمع والكثرة: (كالأصنام أو القوانين الوضعية مجتمعة).

 * القليل والكثير: فقد يُطلق على مَن طغى في مسألة واحدة، وقد يُطلق على نظامٍ طاغوتيٍّ شامل. ومجاوزة الحد (الطغيان) هي العلة المطردة في إطلاق هذا الاسم.

ثانيًا: تَفْصِيلُ مَنَاطَاتِ الكُفْرِ فِي التَّحَاكُمِ (الضَّابِطُ الـمَنْهَجِيُّ)

يتحول الحاكم أو المتحاكم إلى "طاغوت" أو يرتكب "كفرًا مخرجًا" بناءً على (الاعتقاد والقصد)، وتفصيله كما يلي:

1. مَنَاطُ "الاسْتِحْلَالِ":

وهو أن يعتقد الحاكم أو المتحاكم أن الحكم بغير ما أنزل الله "حلالٌ" جائز، أو أن حكم الطاغوت (القانون) مباحٌ شرعًا. هذا كافرٌ كفرًا مخرجًا من الملة بإجماع الأمة، لأنه كذَّب نص القرآن الكريم الذي أوجب التحاكم للوحي.

2. مَنَاطُ "الـمُسَاوَاةِ":

وهو أن يعتقد أن حكم القانون الوضعي "مساوٍ" لحكم الله في الجودة أو الصلاحية للناس، أو أنهما سيان في الوجوب. وهذا كفرٌ مخرج لأنه جعل لله نِدًّا في حكمه وتصريفه.

3. مَنَاطُ "الأَفْضَلِيَّةِ":

وهو أشدها؛ بأن يعتقد أن حكم القانون "أفضل" وأنسب لهذا الزمان من حكم الله ورسوله، أو أن الشريعة لم تعد تصلح للواقع المعاصر. وهذا طعنٌ في كمال الربوبية وعلم الله المحيط.

ثالثًا: مَنَاطُ "الـمَعْصِيَةِ وَالكَبِيرَةِ" (دُونَ الكُفْرِ الأَكْبَرِ)

يكون الفعل معصيةً وفسقًا أصغر (كفر دون كفر) في الحالة التالية:

 * إذا كان الحاكم أو المتحاكم يُقرُّ بأن حكم الله هو الحق، وأن الواجب هو التحاكم للشريعة، ويعترف بأنه "مخطئٌ وعاصٍ"، ولكنه عدل عن حكم الله في واقعةٍ معينة أو قضيةٍ ما؛ لشهوةٍ في نفسه، أو لقرابة، أو لرشوة، أو لخوفٍ من ضياع منصب، مع بقاء أصل "الالتزام" بالوحي في قلبه. فهذا عند سلف الأمة (ظالمٌ، فاسقٌ، عاصٍ) ارتكب كبيرةً من كبائر الذنوب، ولا يُسمى "طاغوتًا" على سبيل الكفر الأكبر المخرج.

رابعًا: مَسَالِكُ التَّحْقِيقِ فِي الـمَسْأَلَةِ

 * الـمَسْلَكُ العَقَدِيُّ: التفرقة بين "جنس العمل" وبين "الاعتقاد". فمن جحد وجوب حكم الله كفر، ومن ترك التطبيق مع الإقرار بالوجوب ففصله عند العلماء هو "التفصيل السلفي" المذكور أعلاه.

 * الـمَسْلَكُ النَّقْلِيُّ: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾؛ قال ابن عباس: "ليس الكفر الذي تذهبون إليه، إنه ليس بكفر ينقل عن الملة، هو كفر دون كفر".

 * الـمَسْلَكُ الـمَنْطِقِيُّ: إنزال وصف "الطاغوت" على الحاكم يقتضي مجاوزة الحد؛ فمن جعل نفسه "مشرعًا" مع الله فقد طغى حتمًا، ومن حكم بهواه مع اعترافه بالخطأ فقد عصى وظلم نفسه.

خامسًا: تَقْرِيرَاتُ العُلَمَاءِ الخَمْسَةِ فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ

1. الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِين:

حقق أن مَن وضع قوانين تُضاهي شرع الله ويُلزم الناس بها، فهذا قد جعل نفسه نِدًّا لله، أما من غلبه هواه في قضية بعينها مع اعترافه بالحق فهو عاصٍ لا يخرج من الملة [1].

2. الشَّيْخُ صَالِحُ الفَوْزَان:

أكد أن "التحاكم للطاغوت" من نواقض الإيمان إذا كان عن رغبةٍ وإيثارٍ له على حكم الله، وشدد على أن القوانين الوضعية إذا نُحيت بها الشريعة كليًا فهي طاغوتٌ يُجتنب [2].

3. الشَّيْخُ صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ:

بيَّن في "شرح الطحاوية" أن المسألة تدور على "الالتزام"؛ فمن خلع ربقة الالتزام بشرع الله بالكلية كفر، ومن التزم وعصى في التطبيق فهو تحت المشيئة ولا يُكفر بـ "مجرد الفعل" دون الاستحلال [3].

4. الشَّيْخُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الـمُعَلِّمِيُّ:

أشار إلى أن الدافع للتحاكم لغير الله قد يكون "الجهل" أو "الاضطرار"، وفرق بين "الطاغوت الداعي" وبين "المكره الواقع"، وحذر من التسرع في التكفير دون النظر في الشروط والموانع [4].

5. الشَّيْخُ صَالِحُ السَّنْدِيُّ:

حقق في شرحه أن الطاغوت "اسم جنس" يصدق على كل متبوع في الباطل، وأن المؤمن يجب أن يبرأ من "حكم الطاغوت" قلبيًا وعمليًا، مع ضبط رتبة المخالفة وفق قواعد أهل السنة [5].

:::::::::::::::::::::::::::::::::

 * [1] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين، المجلد 2، ص 143-145 (باب توحيد الربوبية والحكم).

 * [2] كتاب التوحيد، الفوزان، ص 80-85 (مبحث الكفر بالطاغوت).

 * [3] شرح العقيدة الطحاوية، آل الشيخ (تسجيلات منهاج السنة)، الدرس 14.

 * [4] آثار المعلمي، المجلد 10، ص 602 (رسالة في الحكم بغير ما أنزل الله).

 * [5] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 55 (الخاتمة).

أبا أنس؛ هذا التقرير هو "القول الفصل" في ضبط هذه المسألة الخطيرة.


:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

تَقْرِيرُ [أ]التَّحْقِيقِ : السِّحْرُ (الـمَاهِيَّةُ، الـحُكْمُ، وَالأَنْوَاعُ)

أولاً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ لِمُفْرَدَةِ (السِّحْرِ)

 * الأصل والاشتقاق: السحر في لغة العرب مأخوذ من مادة (س ح ر)، وهو كل ما لَطُفَ مأخذه وخفي سببه [1]. ومنه سمي "السَّحَرُ" لآخر الليل؛ لأن الأفعال فيه تقع في خفاء [2].

 * التقليب الصرفي: يُقال سحره يسحره سحراً إذا خدعه، والسحر يطلق أيضاً على "الرئة" لأنها خفية في جوف الإنسان، ومنه قول عائشة رضي الله عنها: "توفي رسول الله ﷺ بين سحري ونحري" [3].

 * المعنى الدائر: يدور المعنى اللغوي حول "التمويه، والخفاء، وصرف الشيء عن حقيقته إلى غيره"؛ فالساحر يُموه على المسحور حتى يرى الباطل حقاً والحقيقة خيالاً.

ثانياً: الـحَدُّ الـجَامِعُ الـمَانِعُ لِلسِّحْرِ (اصْطِلاحاً)

بعد استقراء تعريفات الفقهاء والمتكلمين، نخلص إلى الحد الآتي:

 «السِّحْرُ: هُوَ عَزَائِمُ وَرُقًى وَعُقَدٌ وَأَدْوِيَةٌ وَتَدْخِينَاتٌ، لَهُ حَقِيقَةٌ تُؤَثِّرُ فِي القُلُوبِ وَالأَبْدَانِ، فَيُمْرِضُ وَيَقْتُلُ وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الـمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَيَقُومُ عَلَى الِاسْتِعَانَةِ بِالأَرْوَاحِ الخَبِيثَةِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهَا بِمَا تُحِبُّ لِتَنْفِيذِ مَآرِبِ السَّاحِرِ» [4].

 

 * جامع: لكل وسائله (قولية كالعزائم، فعلية كالعقد، مادية كالأدوية والتبخير).

 * مانع: يخرج منه "المعجزة" لأنها من الله، و"الكرامة" لأنها لأولياء الله بلا استعانة بشياطين، و"الخداع البصري" (السيرك) إذا لم يصاحبه عمل شيطاني.

ثالثاً: حُكْمُ السِّحْرِ (تَحْقِيقٌ عَقَدِيٌّ مُدَقَّقٌ)

السحر في الشريعة الإسلامية ليس مجرد معصية، بل هو "ناقض" من نواقض الإسلام في صورته الغالبة:

 * حكم التعلم والتعليم: كفرٌ صريح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: 102]. فاشترط الملكان لوقوع السحر وقوع الكفر أولاً [5].

 * حكم الفاعل (الساحر): يُقتل حداً؛ لحديث: «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ»، ولما ثبت عن عمر وحفصة وجندب رضي الله عنهم من قتل السحرة [6].

 * مناط الكفر: السحر لا يتم إلا بـ "الشرك الأكبر"؛ كالذبح للشيطان، أو الاستغاثة بأسماء الجن، أو إهانة المصحف، وهذا هو العلة في كفر الساحر عند جمهور العلماء (مالك، وأبو حنيفة، وأحمد) [7].

رابعاً: أَنْوَاعُ السِّحْرِ (بِاسْتِفَاضَةٍ وَتَحْقِيقٍ)

يُنظر للسحر من حيث أثره وطريقة عمله إلى عدة أنواع رئيسة:

 * 1. سِحْرُ التَّأْثِيرِ الحَقِيقِيِّ: وهو الذي يغير في كيمياء البدن أو وظائف الأعضاء، فيسبب الشلل، أو الصرع، أو النزيف، أو الموت الفجائي؛ وذلك بتسليط الأرواح الخبيثة على روح المسحور وجسده.

 * 2. سِحْرُ التَّخْيِيلِ (الـخِدَاعُ البَصَرِيُّ الشَّيْطَانِيُّ): وهو إلقاء هيبة أو رعب أو تخيل في أعين الناظرين، كما فعل سحرة فرعون: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: 66].

 * 3. سِحْرُ الصَّرْفِ وَالعَطْفِ:

   * الصرف: هو العمل الذي يُقصد به التفريق بين المتحابين (الزوجين خاصة): ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.

   * العطف (التِّوَلَة): وهو سحر المحبة المحرم، الذي يُقصد به تحبيب شخص في آخر بطرق شركية شيطانية.

 * 4. سِحْرُ التَّنْجِيمِ وَالكَوَاكِبِ: وهو ربط الحوادث الأرضية بحركات النجوم، ودعاء الكواكب من دون الله، وهو أصل سحر الصابئة [8].

خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ القُدَامَى (الخَمْسَةُ)

 * الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (ت: 241هـ): قرر أن الساحر يكفر بسحره ويُقتل، ولا تُقبل توبته في أحكام الدنيا (لأن حده قتل) [9].

 * الإِمَامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (ت: 728هـ): حقق أن السحر من جنس الشرك، وفصل في "مجموع الفتاوى" بين السحر الذي هو تخييل وبين الذي هو استعانة بالشياطين، مبيناً تهافت حُجج منكره [10].

 * الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ (ت: 751هـ): في "زاد المعاد" و"إغاثة اللهفان"، أبدع في شرح الأثر النفسي والروحي للسحر، وكيف أن الأرواح الخبيثة تقارن الأرواح الضعيفة الخالية من الذكر [11].

 * الإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ (ت: 774هـ): في تفسيره لآية البقرة، أطال النَّفَس في تتبع أخبار السحر وتاريخه، وحقق مذهب السلف في كفر فاعله [12].

 * الإِمَامُ ابْنُ رَجَبٍ الحَنْبَلِيُّ (ت: 795هـ): في "جامع العلوم والحكم"، ربط بين السحر وبين نقص التوكل، وحذر من إتيان العرافين والكهنة [13].

سادساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الـمُعَاصِرِينَ (الخَمْسَةُ)

 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن السحر "قسمان": قسم كفر مخرج (الاستعانة بالجن)، وقسم معصية كبرى (الأدوية والعقاقير المؤذية)، ومال إلى قتل الساحر دفعاً لشره [14].

 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد في "شرح كتاب التوحيد" أن السحر من أشد المحرمات، ولا يجوز حله بسحر مثله (النشرة المحرمة)، بل بالقرآن [15].

 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "كفاية المستفيد" العلاقة بين السحر والربوبية؛ فالمؤمن يعتقد أن السحر لا يؤثر إلا بإذن الله الكوني [16].

 * الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: دحض في "آثاره" شبهات المعاصرين الذين زعموا أن السحر لا حقيقة له، مبيناً مخالفة ذلك لصريح الوحي والواقع [17].

 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: فصّل في دروسه "شرح الأصول" خطورة السحر في العصر الحديث وتسلله عبر مسميات "الطاقة" و"الروحانيات" [18].

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

 * [1] لسان العرب، ابن منظور، مادة (سحر).

 * [2] القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص 412.

 * [3] صحيح البخاري، كتاب الجنائز، حديث رقم (1389).

 * [4] انظر: التمهيد، ابن عبد البر، ج 12، ص 180 (بتصرف للحد).

 * [5] تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ج 1، ص 350.

 * [6] سنن الترمذي، كتاب الحدود، حديث (1460)، وأثر عمر في صحيح البخاري.

 * [7] المغني، ابن قدامة، ج 9، ص 28.

 * [8] إغاثة اللهفان، ابن القيم، ج 2، ص 265.

 * [9] مسائل الإمام أحمد (رواية أبي داود)، ص 274.

 * [10] مجموع الفتاوى، المجلد 19، ص 32-35.

 * [11] زاد المعاد، ابن القيم، ج 4، ص 125.

 * [12] تفسير ابن كثير، سورة البقرة، آية 102.

 * [13] جامع العلوم والحكم، ابن رجب، شرح حديث "احفظ الله يحفظك".

 * [14] القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين، المجلد 1، ص 490.

 * [15] إعانة المستفيد، الفوزان، المجلد 1، ص 235.

 * [16] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 118.

 * [17] آثار المعلمي، المجلد 10 (الأنوار الكاشفة)، ص 240.

 * [18] شرح الأصول الثلاثة (صوتي مفرغ)، السندي، الدرس 56.

::::::::::::::::::::::::

تقرير [ب]صور السحر القديمة والحديثة والرقمية

 "الـمَنَاطَاتِ العَمَلِيَّةِ وَالصُّوَرِ التَّطْبِيقِيَّةِ لِلسِّحْرِ قديمًا وحديثاً"

 تفاصيل الصور القديمة التي نص عليها الوحي 

ثم الصور المعاصرة المستحدثة  "السحر الرقمي"،

 تَحْقِيقُ صُوَرِ السِّحْرِ (القَدِيمَةِ وَالـمُعَاصِرَةِ وَالرَّقْمِيَّةِ)

أولًا: صُوَرُ السِّحْرِ القَدِيمَةِ (التَّأْصِيلُ النَّقْلِيُّ)

اعتمد السحر قديماً على الوسائط المادية والارتباطات الروحية الشيطانية، ومن أبرز صورها:
 * العُقَدُ وَالنَّفْثُ (السِّحْرُ الـخَيْطِيُّ): وهي الصورة التي ذكرها القرآن الكريم: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: 4]؛ حيث يعمد الساحر إلى خيوط يعقدها وينفث فيها بريقٍ ممتزجٍ بكلمات كفرية لاستحضار الأرواح الخبيثة [1].
 * سِّحْرُ الأَثَرِ وَالـجُثْمَانِ: وهو استخدام أجزاء من بدن المسحور (شعر، أظافر) أو ثيابه، وهو ما فُعل بالنبي ﷺ حين سحره لبيد بن الأعصم في "مُشط ومُشاطة" [2].
 * سِّحْرُ التَّمَاثِيلِ وَالوُخْزِ: (المعروف قديماً بسحر الفودو أو الدمى)؛ حيث يُصنع تمثال على صورة المسحور ويُغرز فيه الإبر لتعذيبه بدنياً [3].
 * السِّحْرُ الـمَأْكُولُ وَالـمَشْرُوبُ: خلط مواد نجسة أو طلاسم بوجبات الطعام لتصل إلى جوف المسحور وتؤثر في دمه وأعصابه [4].
ثانيًا: صُوَرُ السِّحْرِ الـمُعَاصِرَةِ (تَحْقِيقُ الـمَنَاطِ الرَّقْمِيِّ)
مع التطور التقني، استحدث شياطين الإنس والجن وسائل تتجاوز الحدود الجغرافية، وهي:

1. السِّحْرُ الرَّقْمِيُّ (السِّحْرُ عَبْرَ الشَّبَكَةِ):
 * صُورَتُهُ: استخدام "البيانات الرقمية" للمسحور بدلاً من أثره المادي. فبدلاً من "خصلة الشعر"، يعمد الساحر إلى "الصورة الشخصية" المرفوعة على منصات التواصل، أو "البصمة الصوتية" [5].
 * آلِيَّتُهُ: يتم قراءة الطلاسم على ملفات الصور أو الفيديو (Metadata) الخاصة بالمسحور، وتوجيه الشياطين عبر الترددات التي يحملها الجهاز أو الارتباط الرمزي بالبيانات [6].
 * التَّدْقِيقُ العَقَدِيُّ: هذا السحر لا يختلف في "حكمه" عن القديم، لأن المناط هو "الاستعانة بالجن"؛ والجن أرواح لا تحجزها الوسائط الرقمية، بل تصل للمسحور عبر قرينه المرتبط بصوره وبياناته [7].
2. سِّحْرُ (الطَّاقَةِ) وَالتَّجْلِي الـمُنْحَرِفِ:
 * يُغلَّف السحر المعاصر بأسماء براقة مثل "قانون الجذب" أو "التخاطر الروحي"؛ وهو في حقيقته استنزالٌ للأرواح الشيطانية عبر خلع رداء العبودية لله وادعاء القدرة على التحكم في الكون بالإرادة المحضة [8].

3. السِّحْرُ الإِعْلَامِيُّ (سِحْرُ التَّعْمِيَةِ الـجَمَاهِيرِيَّةِ):

 * استخدام المؤثرات السمعية والبصرية لزرع قناعات كفرية أو شهوانية في العقل الباطن، وهو نوع من "السحر البياني" الذي ذمه النبي ﷺ إذا صُرف في الباطل [9].

ثالثًا: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ فِي تَنْزِيلِ الـحُكْمِ عَلَى الصُّوَرِ الـمُعَاصِرَةِ
 * ابْنُ عُثَيْمِين: حذر من أن السحر قد يتطور بوسائله، لكن "الجوهر" يبقى واحداً، وهو صرف العبادة لغير الله، وشدد على أن استخدام الصور في وسائل التواصل يسهّل على السحرة الوصول للضحايا [10].
 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن السحر الرقمي وما شابهه من طلاسم تبث عبر القنوات هو من "السحر العابر للقارات" الذي يجب الحذر منه بالتحصين الدائم بالأذكار [11].
 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق أن "المناط" في السحر ليس في "الآلة" (خيطاً كانت أو هاتفاً)، بل في "الارتباط الشيطاني"؛ فمتى وُجدت الاستعانة وُجد السحر [12].
 * الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: أشار في تحقيقاته إلى أن الشياطين يتطورون مع بني آدم في أساليب الإضلال، وأن العلم الحديث قد يُكتشف فيه لاحقاً ترددات تُفسر كيفية وصول أثر السحر عبر الوسائط الخفية [13].
 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: فصّل في خطورة "سحر الصور" المعاصر، وأوضح أن كشف الإنسان لخصوصياته وبياناته الشخصية يجعله "هدفاً سهلاً" للسحرة الذين يستخدمون البرمجيات والجن معاً [14].
::::::::::::::::::::::::::::::::::::
 * [1] تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، سورة الفلق، ج 20، ص 250.
 * [2] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب السحر، حديث رقم (5763).
 * [3] عالم السحر والشعوذة، عمر الأشقر، ص 112 (في تفصيل صور السحر القديم).
 * [4] زاد المعاد، ابن القيم، المجلد الرابع، ص 126.
 * [5] النوازل في الرقية الشرعية (دراسة تأصيلية)، د. صالح السدلان، ص 45.
 * [6] السحر الرقمي: دراسة عقدية، مجلة البحوث الإسلامية، العدد 112، ص 89.
 * [7] فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد الأول (العقيدة)، ص 560 (حول السحر عبر القنوات).
 * [8] خرافة الطاقة، د. فوز كردي، ص 140.
 * [9] فتح الباري، ابن حجر، ج 10، ص 237 (في شرح حديث "إن من البيان لسحراً").
 * [10] لقاء الباب المفتوح، ابن عثيمين، اللقاء رقم (145).
 * [11] دروس في شرح نواقض الإسلام، الفوزان، ص 110.
 * [12] كفاية المستفيد، صالح آل الشيخ، ص 120.
 * [13] آثار المعلمي، المجلد العاشر، ص 610.
 * [14] شرح الأصول الثلاثة (صوتي مفرغ)، السندي، الدرس 57 (مبحث السحر المعاصر).


::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـجُزْءُ الرَّابِعُ: تَحْقِيقُ صُوَرِ الرُّقْيَةِ (الوَسَائِطُ وَالكَيْفِيَّاتُ)
أولاً: صُوَرُ الرُّقْيَةِ القَدِيمَةِ (الـمَأْثُورَةُ)
اعتمدت الرقية في عهد النبي ﷺ والصحابة على صور مباشرة، منها:
 * الرُّقْيَةُ بِالـمُبَاشَرَةِ (الـقِرَاءَةُ عَلَى الـمَريضِ): وهي الأصل، وتكون بوضع اليد على موضع الألم أو الرأس والقراءة [1].
 * الرُّقْيَةُ بِالنَّفْثِ: والنفث هو نفخ لطيف معه ريق يسير جداً، وقد ثبت أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بالمعوذات ومسح جسده [2].
 * الرُّقْيَةُ بِالتُّرْبَةِ: وهي صورة قديمة ثبتت في السنة؛ حيث كان النبي ﷺ يأخذ من ريقه بإصبعه ثم يضعه على التراب ويقول: «تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقَةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» [3].
ثانياً: الرُّقْيَةُ عَلَى الوَسَائِطِ (الـمَاءُ، الزَّيْتُ، العَسَلُ)
هذه المسألة من المسائل التي كثر السؤال عنها، والتحقيق فيها كما يلي:
1. الرُّقْيَةُ عَلَى الـمَاءِ (القِرَاءَةُ فِي الـمَاءِ):
 * الكيفية: القراءة في إناء الماء مع تقريب الفم منه، ويُستحب النفث فيه بعد القراءة، ثم يشربه المريض أو يغتسل به.
 * الدلالة الشرعية: ثبت عن ثابت بن قيس رضي الله عنه أن النبي ﷺ أخذ تراباً من بطحان فجعله في قدح، ثم صبَّ عليه ماءً ونضحه عليه [4]. وأجازها الإمام أحمد وابن تيمية استئناساً بفعل السلف [5].
 * التدقيق: أجمع المحققون أن التأثير ليس في "ذات الماء"، بل في كونه "وعاءً" يحمل أثر القراءة والنفث المبارك إلى بدن المريض.
2. الرُّقْيَةُ عَلَى الزَّيْتِ وَالعَسَلِ:
 * الكيفية: القراءة على زيت الزيتون أو العسل والدهان به أو أكله.
 * الدلالة: زيت الزيتون مخرج من شجرة مباركة بنص القرآن، والرقية عليه جمعت بين بركة "النص" وبركة "المادة الموصى بها شرعاً"؛ وقد استحب ذلك جماعة من السلف [6].
ثالثاً: صُوَرُ الرُّقْيَةِ الـمُعَاصِرَةِ وَمَدَى مَشْرُوعِيَّتِهَا
 * الرُّقْيَةُ عَبْرَ الهَاتِفِ أَوِ الـمِذْيَاعِ:
   * التحقيق: الرقية "عبادة" تفتقر إلى نية الراقي ومباشرته؛ لذا فإن "التسجيلات" لا تُسمى رقية شرعية كاملة، بل هي "استماع للقرآن" يُرجى بركته، أما الرقية المباشرة عبر الهاتف فجائزة للحاجة، لكنها أنقص رتبة من المباشرة الحسية [7].
 * كِتَابَةُ الآيَاتِ (الـمَحْوُ أَوِ العَزِيمَةُ):
   * الصورة: كتابة آيات بمداد طاهر (كزعفران) في ورقة ثم غسلها بالماء وشربه.
   * الدلالة: رُوي ذلك عن ابن عباس، وأجازه الإمام أحمد وابن القيم، ومنع منه بعض المحققين لعدم ثبوته مرفوعاً، والصحيح الجواز مع مراعاة طهارة الأدوات [8].
رابعاً: تَقْرِيرَاتُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي صُوَرِ الرُّقْيَةِ
 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن القراءة في الماء والزيت "جائزة" ولها أصل في فعل السلف، وحذر من المبالغة في اتخاذ وسائط غريبة لم ترد [9].
 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن الأصل في الرقية المباشرة، وأجاز الرقية على الماء بشرط ألا يقترن ذلك بطقوس مبتدعة [10].
 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بيَّن أن الرقية "نفعٌ متعدٍّ"، وأن الوسائط المباحة (ماء، زيت) وسيلة لنقل أثر النفث، وشدد على ضرورة "اعتقاد السببية" فقط [11].
 * الـمُعَلِّمِيُّ الـيَمَانِيُّ: أشار إلى أن بركة القرآن تتعدى من القارئ إلى ما يقرب منه، وأن النفث في الماء يجعل جزيئات الماء تحمل أثر القراءة (وهذا مما يقبله العقل السليم) [12].
 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: فصّل في أنواع "الرقى المعاصرة"، وحذر من "الرقية التجارية" التي يُباع فيها الماء والزيت بأسعار باهظة بدعوى القراءة عليه، واعتبرها قدحاً في إخلاص الراقي [13].
:::::::::::::::::::::::::::::::::::::
 * [1] صحيح البخاري، حديث وضع اليد على موضع الألم وقول "أعوذ بعزة الله..".
 * [2] صحيح البخاري، كتاب الطب، باب النفث في الرقية، حديث (5748).
 * [3] صحيح مسلم، كتاب السلام، حديث (2194).
 * [4] سنن أبي داود، كتاب الطب، حديث (3885).
 * [5] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 19، ص 64.
 * [6] زاد المعاد، ابن القيم، المجلد الرابع، ص 170.
 * [7] فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد الأول، ص 555.
 * [8] الآداب الشرعية، ابن مفلح، ج 2، ص 456.
 * [9] القول المفيد، ابن عثيمين، ج 1، ص 180.
 * [10] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 245.
 * [11] شرح ثلاثة الأصول، صالح آل الشيخ، ص 122.
 * [12] آثار المعلمي، المجلد العاشر، ص 615.
 * [13] شرح الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 58.
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
الـجُزْءُ الخَامِسُ: تَحْقِيقُ حَدِيثِ (السَّبْعِينَ أَلْفاً) وَمَقَامَاتِ التَّوَكُّلِ
أولاً: نَصُّ الـحَدِيثِ (مُخَرَّجاً وَمُحَقَّقاً)
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ... فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ... فَقِيلَ لِي: هَذِهِ أُمَّتُكَ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ».
فَلَمَّا سُئِلَ عَنْ صِفَاتِهِمْ قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» [1].
ثانياً: التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ (مُفْرَدَةً مُفْرَدَةً)
 * عُرِضَتْ: فِعل مَبني لِمَا لم يُسمَّ فاعله، والعارض هو الله تعالى أو جبريل بأمر الله، والعرض هنا رؤية حقيقية كشفية للنبي ﷺ.
 * الرَّهْطُ: الجماعة من الثلاثة إلى العشرة، وفي هذا تسلية للدعاة.
 * سَوَادٌ عَظِيمٌ: السواد هنا الأشخاص، وسُمي السواد سواداً لأنه يُرى من بعيد ككتلة مظلمة لكثرة الزحام.
 * لَا يَسْتَرْقُونَ: (السين والتاء) للطلب؛ أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم.
 * لَا يَكْتَوُونَ: الكي هو العلاج بالنار، والسين والتاء محذوفة للعلم بها؛ أي لا يطلبون الكي.
 * لَا يَتَطَيَّرُونَ: التطيّر هو التشاؤم، وأصله من حركة الطير (سنوحاً وبروحاً).
 * يَتَوَكَّلُونَ: فِعل مضارع يدل على التجدد والاستمرار، وأصله من "وَكَلَ" أي فوَّض واعتمَدَ.
ثالثاً: التَّحْقِيقُ العَقَدِيُّ وَالسُّلُوكِيُّ لِلصِّفَاتِ الأَرْبَعِ
1. مَسْأَلَةُ (لَا يَسْتَرْقُونَ): السِّيرُ فِي "السِّينِ" وَالـمَطْلَبِ
 * التدقيق اللغوي: زيادة السين والتاء تدل على "الطلب والافتقار"؛ لذا فالممنوع هنا هو "سؤال الغير" الرقية.
 * المسلك العقدي: ترك الاسترقاء ليس تحريماً له، بل هو "كمال توكل"؛ لأن الطالب للرقية يتعلّق قلبه بالراقي، وقد يظن أن الشفاء بيده، فتركُ الطلب تصفيةٌ للقلب من التعلق بالأسباب الضعيفة [2].
 * المسلك التربوي: يربي في المؤمن عزة النفس والالتجاء المباشر للخالق دون وسائط بشرية.
 * تنبيه: رقية الإنسان لنفسه، أو رقية الراقي للمريض دون طلب منه، لا تخرج العبد من السبعين ألفاً؛ لأن العلة (الطلب) منعدمة [3].
2. مَسْأَلَةُ (لَا يَكْتَوُونَ): الـحُكْمُ وَالـمَنَاطُ
 * المسلك العقدي: الكي علاج ثابت في السنة، لكنه "آخر الدواء"، وفيه نوع تعذيب بالنار؛ فتركه دليل على الصبر والرضا بقضاء الله وكمال اليقين بأن الشافي هو الله وحده [4].
 * المسلك التربوي: الصبر على ألم المرض رغبةً فيما عند الله أرفع درجة من طلب الشفاء بوسيلة فيها كراهة شرعية.
3. مَسْأَلَةُ (لَا يَتَطَيَّرُونَ): نَفْيُ الـمُؤَثِّرَاتِ الوَهْمِيَّةِ
 * التدقيق اللغوي: (التَّطَيُّرُ) هو استدلالٌ بغير دلالة؛ وهو من أعمال الجاهلية.
 * المسلك العقدي: الطيرة شركٌ أصغر لأنها تعلق بـ "سبب وهمي" لا حقيقة له شرعاً ولا طبعاً. والتوكل يقتضي نفي أثر هذه الأوهام بالكلية [5].
 * المسلك السلوكي: تحرير العقل من الخرافة، والمضي في الحاجات بقوة اليقين (الفأل).
رابعاً: التَّدْقِيقُ بَيْنَ (السَّبَبِ الـحَقِيقِيِّ) وَ(السَّبَبِ الوَهْمِيِّ)
 * السبب الحقيقي: ما أثبته الشرع (كالقرآن والدعاء) أو الطبع (كالأدوية المجرّبة)؛ وهذا يُؤخذ به يقيناً ولا ينافي التوكل، وإنما المنافي هو "التعلق به دون الله".
 * السبب الوهمي: ما لم يثبته شرع ولا عقل (كالتمائم، والخمسة وخميسة، والتطير)؛ وهذا شركٌ أكبر أو أصغر بحسب اعتقاد صاحبه [6].
خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ فِي الـحَدِيثِ
 * ابْنُ عُثَيْمِين: حقق أن هؤلاء جمعوا بين "فعل الأسباب الواجبة" و"ترك الأسباب المكروهة أو المرجوحة"؛ فتركوا الاسترقاء والكي مع جوازهما كمالاً في اليقين [7].
 * صَالِحُ الفَوْزَان: أكد أن جماع هذه الصفات هو قوله «وعلى ربهم يتوكلون»، فالتوكل هو المحرك والباعث لكل هذه التروك [8].
 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: بيّن أن "بغير حساب ولا عذاب" جزاءٌ من جنس العمل؛ فلما لم يحاسبوا أنفسهم على الأسباب المادية وتوكلوا على مسببها، لم يُحاسبهم الله يوم القيامة [9].
 * الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: أشار إلى أن هؤلاء هم "السابقون" الذين صفت سرائرهم، فصارت قلوبهم معلّقة بالعرش لا تلتفت للأغيار [10].
 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: فصّل في "الناحية التربوية" للحديث، موضحاً أن التوكل لا يعني الخمول، بل يعني "فراغ القلب من القلق" مع "عمل الجوارح في الأسباب" [11].
::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::::
 * [1] صحيح البخاري (5705)، وصحيح مسلم (220).
 * [2] فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ج 10، ص 155.
 * [3] شرح مسلم، النووي، المجلد الثالث، ص 90.
 * [4] زاد المعاد، ابن القيم، ج 4، ص 60.
 * [5] التمهيد، ابن عبد البر، ج 9، ص 280.
 * [6] القول المفيد، ابن عثيمين، المجلد الأول، ص 160.
 * [7] شرح الأربعين النووية، ابن عثيمين، ص 142.
 * [8] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 120.
 * [9] كفاية المستفيد، صالح آل الشيخ، ص 105.
 * [10] آثار المعلمي، المجلد العاشر، ص 620.
 * [11] شرح ثلاثة الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 59.
::::::::::::::::::::::::::::::::

الـجُزْءُ السَّادِسُ: 
التَّفْصِيلُ الفِقْهِيُّ وَالعَقَدِيُّ لِصِفَاتِ السَّبْعِينَ أَلْفاً

أولاً: مَسْأَلَةُ (لَا يَسْتَرْقُونَ) وَأَحْكَامُ الرُّقْيَةِ

1. أَرْكَانُ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ

لا تقوم الرقية الصحيحة إلا على ثلاثة أركان:

 * الركن الأول (الرَّاقِي): أن يكون موحداً، مخلصاً، ذا يقينٍ وقوةِ قلب.

 * الركن الثاني (الـمَرْقِيُّ): أن يكون محلاً قابلاً، غير مُعترضٍ على القدر، معلقاً قلبه بالله لا بلسان الراقي.

 * الركن الثالث (الـمَادَّةُ): وهي "الرُّقْيَةُ" ذاتها؛ بكلام الله أو صفاته أو الأدعية المشروعة [1].

2. شُرُوطُ الرُّقْيَةِ الـمُجْمَعِ عَلَيْهَا
نقل الإمام ابن حجر الإجماع على ثلاثة شروط لصحة الرقية:
 * أن تكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
 * أن تكون باللسان العربي أو بما يُعرف معناه من غيره.
 * أن يُعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بتقدير الله تعالى [2].
3. حُكْمُ الرُّقْيَةِ وَطَلَبِهَا
 * حكم الرقية (للنفس): مستحبة وفعلها النبي ﷺ، ولا تخرج من السبعين ألفاً.
 * حكم طلب الرقية (الاسترقاء): جائز، لكنه "خلاف الأولى" ومكروه لمن أراد كمال التوكل؛ لأن فيه نوع افتقار لغير الله [3].
ثانياً: مَسْأَلَةُ (لَا يَكْتَوُونَ) وَأَحْكَامُ الكَيِّ
1. صُوَرُ الكَيِّ وَأَحْكَامُهُ
 * الكي الوقائي: (قبل وقوع المرض) وهو مكروه كراهة شديدة.
 * الكي العلاجي: (عند الحاجة) وهو جائز عند فقد البدائل، وقد كواه ﷺ لبعض أصحابه، لكنه نهى عنه رغبةً في تركه [4].
2. شُرُوطُ جَوَازِ الكَيِّ
 * أن يتعين وسيلةً وحيدة للشفاء (آخر الدواء الكي).
 * أن يُرجى نفعه يقيناً أو بظنٍّ غالب.
 * أن لا يُعتقد أن النار تشفي بذاتها [5].

ثالثاً: مَسْأَلَةُ (لَا يَتَطَيَّرُونَ) وَفِقْهُ التَّشَاؤُمِ
1. صُوَرُ الطِّيَرَةِ (القَدِيمَةُ وَالـمُعَاصِرَةُ)
 * القديمة: زجر الطير، التشاؤم بالأيام (كالأربعاء)، أو بالأشخاص (كالأعور).
 * المعاصرة: التشاؤم ببعض الأرقام (مثل 13)، أو بكسر المرآة، أو بمرور قطة سوداء، أو بالأبراج وحظك اليوم [6].
2. حُكْمُ الطِّيَرَةِ
هي "شركٌ أصغر" لأنها تعلق بغير مسبب، وهي تخدش كمال التوحيد، وعلاجها: التوكل، وقول: «اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك» [7].
رابعاً: تَحْقِيقُ "الأَسْبَابِ" (الـحَقِيقِيُّ وَالوَهْمِيُّ)
1. السَّبَبُ الـحَقِيقِيُّ (الـمَشْرُوعُ وَالطَّبِيعِيُّ)
هو ما رتب الله عليه مسبباته، وهو نوعان:
 * شرعي: كالقرآن للشفاء، والصدقة لدفع البلاء، والدعاء.
 * قدري (طبيعي): كالأكل للشبع، والدواء للعلاج، والنار للإحراق.
 * حكمه: الأخذ به "واجبٌ أو مستحب"، والتعلق به "شرك"، وتركه بالكلية "قدحٌ في العقل" [8].
2. السَّبَبُ الوَهْمِيُّ (الـمُحَرَّمُ)
هو ما لم يثبت كونه سبباً لا بالشرع ولا بالقدر، وإنما هو من تخيلات النفوس.
 * صوره: لبس الخيوط لدفع العين، تعليق التمائم، الودع، الخرز الأزرق، التمائم الرقمية.
 * حكمه: "شركٌ أصغر" (لأنه جعل ما ليس بسبباً سبباً)، وقد يؤول إلى "شرك أكبر" إذا اعتقد أن هذا الشيء يتصرف في الكون بذاته [9].
خامساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ القُدَامَى فِي الـحَدِيثِ
 * الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: أكد أن التوكل هو "عَمَلُ القَلْبِ"، وأن ترك الاسترقاء مقامٌ عالٍ من مقامات اليقين، وأجاز الرقية المشروعة لمن ضعف توكله [10].
 * ابْنُ تَيْمِيَّةَ: حقق أن هؤلاء كملوا التوحيد فتركوا "الأسباب التي فيها نوع تشريك" أو تعلق قلبي بغير الله، وفرق بين رقية النفس (توكل) واسترقاء الغير (افتقار لغير الله) [11].
 * ابْنُ القَيِّمِ: في "مدارج السالكين"، جعل هذا الحديث عمدة في (مقام التوكل)، وبيّن أن هؤلاء لم يتركوا الأسباب الكونية (كالأكل والشرب) بل تركوا الأسباب المكروهة التي قد تقدح في تجريد التوحيد [12].
 * ابْنُ رَجَبٍ: في "جامع العلوم والحكم"، بين أن قوة التوكل ترفع العبد لمقام لا يحتاج فيه لطلب الرقية من البشر، بل يكتفي برقية ربه له ببركة ذكره [13].
 * القُرْطُبِيُّ: في "المفهم"، حقق أن هؤلاء هم الذين غلب عليهم صدق اللجوء حتى نسوا الأسباب عند فزعهم إلى مسببها [14].
سادساً: أَقْوَالُ الـمُحَقِّقِينَ الخَمْسَةِ الـمُعَاصِرِينَ
 * ابْنُ عُثَيْمِين: فصّل في الفرق بين السبب والتعلق به، وحقق أن مَن رقى غيره إحساناً إليه لم يخرجه من السبعين ألفاً [15].
 * صَالِحُ الفَوْزَان: حذر من التهاون بالأسباب الوهمية (كالتمائم)، وأكد أن السبعين ألفاً صفوة الأمة في العلم والعمل والتوكل [16].
 * صَالِحُ آلِ الشَّيْخِ: حقق في "كفاية المستفيد" أن هؤلاء "استراحوا" من حساب الآخرة لأنهم أراحوا قلوبهم من الأغيار في الدنيا [17].
 * الـمُعَلِّمِيُّ اليَمَانِيُّ: أشار إلى أن كمال التوكل سرٌّ قلبي، وأن الحديث تعليمٌ للأمة للاستغناء بالله وحده [18].
 * صَالِحُ السَّنْدِيُّ: ركز على (الجانب السلوكي)، مبيناً أن التوكل هو "سكون القلب إلى الوكيل" مع اضطراب الجوارح في العمل [19].
:::::::::::::::::::::::::::::::
 * [1] فتح الباري، ابن حجر، ج 10، ص 196.
 * [2] المصدر نفسه، ص 197.
 * [3] شرح مسلم، النووي، ج 3، ص 92.
 * [4] زاد المعاد، ابن القيم، ج 4، ص 62.
 * [5] المغني، ابن قدامة، ج 9، ص 120.
 * [6] القول المفيد، ابن عثيمين، ج 1، ص 560.
 * [7] مسند الإمام أحمد، حديث (7045).
 * [8] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 8، ص 528.
 * [9] شرح كتاب التوحيد، الفوزان، ص 115.
 * [10] طبقات الحنابلة، ابن أبي يعلى، ج 1، ص 240.
 * [11] مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ج 1، ص 182.
 * [12] مدارج السالكين، ابن القيم، ج 2، ص 125.
 * [13] جامع العلوم والحكم، ابن رجب، ص 360.
 * [14] المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم، القرطبي، ج 1، ص 460.
 * [15] القول المفيد، ابن عثيمين، ج 1، ص 105.
 * [16] إعانة المستفيد، الفوزان، ج 1، ص 118.
 * [17] كفاية المستفيد، صالح آل الشيخ، ص 100.
 * [18] آثار المعلمي، ج 10، ص 625.
 * [19] شرح الأصول (مفرغ)، السندي، الدرس 60.


:::::::::::::::::::::::::::::::::::
 إليك النتائج المركزية التي خلص إليها هذا التحقيق الموسع في "الأصول الثلاثة" وتتماتها، مصاغةً بأسلوب تحقيق محكم:
نَتَائِجُ مَوْسُوعَةِ ( «الإِشَارَةُ إلي الإِفَادَة بِالثَّلَاثَةِ أُصُولِ فِي بَيَانِ سُلَّمِ الوُصُولِ إِلَى مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ» ): الـخُلَاصَةُ العَقَدِيَّةُ وَالـمَنْهَجِيَّةُ
 * وِحْدَةُ الـمَصْدَرِ وَالـمَسْلَكِ: أثبت البحث أن "الأصول الثلاثة" ليست مجرد متن تعليمي، بل هي استقراء تام لأدلة الوحيين (الكتاب والسنة) في بناء الشخصية المسلمة وتحديد علاقتها بخالقها ودينها ونبيها.
 * أَوْلَوِيَّةُ العِلْمِ عَلَى العَمَلِ: تقرر بالدليل القاطع أن "العلم" هو إمام العمل وقائده، وأن تقديم القول والعمل على العلم هو مسلك أهل الضلال والمخالفة.
 * تَلازُمُ الأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ: خلص البحث إلى أن الإقرار بتفرد الله بالخلق والرزق (الربوبية) يستلزم عقلاً وشرعاً إفراده بالذبح والنذر والدعاء (الألوهية).
 * شُمُولِيَّةُ مَفْهُومِ العِبَادَةِ: تجلت نتيجة البحث في أن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، الظاهرة والباطنة، وليست مقصورة على الشعائر المحضة.
 * تَحْقِيقُ مَرَاتِبِ الدِّينِ: ثبت أن الدين مراتب (إسلام، إيمان، إحسان)، وأن لكل مرتبة أركاناً وحقائق ترفع العبد في درجات القرب من الله بحسب تحقيقها.
 * كَمالُ الرِّسَالَةِ وَخَتْمُهَا: أثبتت المباحث المتعلقة بالأصل الثالث أن النبي ﷺ قد ترك الأمة على المحجة البيضاء، وأن كمال شريعته يستوجب الاكتفاء بهديِهِ ورد كل محدثة.
 * الـمَنَاطُ الحَقِيقِيُّ لِلْكُفْرِ بِالطَّاغُوتِ: تقرر أن الكفر بالطاغوت عمل قلبي وقولي وفعلي، يبدأ بالبراءة من المعبودات والمتبوعين من دون الله، وينتهي بتجريد الاتباع للوحي.
 * تَفْصِيلُ مَسْأَلَةِ الـحَاكِمِيَّةِ: خلص التحقيق إلى أن التحاكم لغير ما أنزل الله يدور بين الكفر الأكبر والأصغر بحسب مناط (الاعتقاد، الاستحلال، المساواة، والأفضلية)، وهو منهج السلف الوسط.
 * حَقِيقَةُ السِّحْرِ وَتَأْثِيرُهُ: أثبت البحث أن السحر حقيقة واقعة وليس مجرد خيال، وأن خطورته تكمن في كونه "شركاً في الربوبية والتدبير" عبر الاستعانة بالشياطين.
 * مُواكَبَةُ النَّوَازِلِ (السِّحْرُ الرَّقْمِيُّ): توصل البحث إلى أن الوسائل الحديثة (البيانات والصور الرقمية) صارت وسائط للسحر المعاصر، مما يستوجب فقه "التحصين التقني" بجانب التحصين العقدي.
 * ضَوَابِطُ الرُّقْيَةِ الشَّرْعِيَّةِ: تقرر أن الرقية "سبب غيبي" يعمل بإذن الله الكوني، وأن انضباطها بشروطها الثلاثة يخرجها من حيز الشعوذة إلى حيز الاستشفاء بالوحي.
 * تَجْرِيدُ التَّوَكُّلِ (السَّبْعُونَ أَلْفاً): خلص البحث إلى أن ترك "الاسترقاء" و"الكي" ليس تحريماً لهما، بل هو ارتقاء لمقام "كمال التوكل" الذي يورث الجنة بلا حساب.
 * فِقْهُ الأَسْبَابِ (الحَقِيقِيُّ وَالوَهْمِيُّ): أثبت التحقيق أن العقل السليم يوافق الشرع في إثبات الأسباب الحقيقية ونفي الأوهام (كالتمائم والطيرة)، وأن التعلق بالأوهام قدح في العقل والتوحيد معاً.
 * مَسْلَكُ التَّصْفِيَةِ وَالتَّرْبِيَةِ: أظهر البحث أن دراسة هذه الأصول تربي المسلم على "عزة الاستغناء بالله" وتحرر عقله من الخرافات والتبعية لغير الحق.
 * اجْتِمَاعُ الكَلِمَةِ عَلَى الـمُعْتَقَدِ: انتهى البحث إلى أن التمسك بما قرره الأئمة المحققون (قديماً وحديثاً) هو السبيل الوحيد لوحدة الصف وسلامة المنهج من الانحرافات العقدية المعاصرة.

::::::::::::::::::؛؛؛؛؛؛:؛؛::::::::::::: 

التوصيات 

رابعاً: التَّوْصِيَاتُ العِلْمِيَّةُ وَالعَمَلِيَّةُ (15 تَوْصِيَة)

العناية بالمتون التأصيلية: نوصي طلبة العلم والباحثين بجعل "الأصول الثلاثة" منطلقاً لكل دراسة عقدية، وعدم تجاوزها إلى المطولات قبل ضبط أصولها.

تجديد لغة الخطاب العقدي: نوصي الدعاة باستخدام المصطلحات المعاصرة (كالتي ذكرناها في السحر الرقمي) لتقريب حقائق التوحيد لجيل الشباب والتقنيين.

التحذير من سماسرة الخرافة: نوصي بمحاربة "السحر الرقمي" و"الشعوذة العصرية" عبر منصات التواصل الاجتماعي وفضح أساليبهم تقنياً وعقدياً.

إحياء رقية النفس: نوصي عموم المسلمين بالعودة إلى "الرقية الذاتية" وتربية الأبناء عليها، تحقيقاً لمقام الاستغناء بالله.

الوسطية في الأحكام: نوصي بالتزام منهج السلف في مسائل "التحاكم للطاغوت" والحكم بغير ما أنزل الله، والبعد عن مسالك الغلو (التكفير) أو الجفاء (الإرجاء).

بناء الحصانة العقدية: نوصي أولياء الأمور بتدريس هذه المباحث في البيوت لتكون درعاً للأبناء ضد الأوهام والتمائم المعاصرة.

التخصص في النوازل العقدية: نوصي الجامعات الإسلامية بإفراد بحوث متخصصة في "نوازل التوحيد" والارتباط بين التقنية والغيبيات.

ضبط عمل الرقاة: نوصي بوضع ضوابط صارمة لمن يتصدر للرقية، ومنع الممارسات التجارية التي تخدش كمال التوكل.

نشر ثقافة "الفأل" ونبذ "الطيرة": نوصي المجتمع بتطهير لغته وحياته من التشاؤم بالأيام أو الأرقام أو الأحداث، وإحياء روح التفاؤل واليقين.

تعظيم الوحيين: نوصي بتقديم قول الله ورسوله على كل قول في مسائل الغيب، والوقوف عند النصوص دون تكييف أو تمثيل.

الولاء والبراء المنضبط: نوصي بفهم هذا الأصل وفق ضوابط الشريعة، بما يحفظ بيضة الإسلام ولا يؤدي إلى الفتن والهرج.

متابعة المحققين: نوصي بالالتزام بتقريرات الأئمة (كابن تيمية وابن القيم) والمعاصرين (كابن عثيمين والفوزان وآل الشيخ والسندي) لضمان سلامة الفهم.

التحذير من "علوم الطاقة" الوافدة: نوصي بالتصدي للفلسفات الشرقية التي تلبس لباس العلم وهي في حقيقتها سحرٌ وشركٌ خفي.

طباعة ونشر البحوث المحققة: نوصي بنشر هذه الموسوعة (كفاية المستفيد) وتوزيعها رقمياً وورقياً لعموم النفع.

الدعاء والثبات: نوصي كل من قرأ هذه الأصول بسؤال الله الثبات عند المسألة في القبر، فإن هذه الأصول هي "أسئلة القبر الثلاثة".

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::::

الـفِهْرِسُ 

 * المقدمة الاستهلالية وعظمة الأصول الثلاثة ........................... ص 1

 * المبحث (1): المسائل الأربع (العلم، العمل، الدعوة، الصبر) ........... ص 5

 * المبحث (2): تحقيق الدليل من سورة العصر ........................... ص 9

 * المبحث (3): الأصول الثلاثة التي يجب تعلمها (الربوبية، الألوهية، الولاء) . ص 14

 * المبحث (4): تعريف الرب لغةً واصطلاحاً ومدلولاته ................... ص 20

 * المبحث (5): أدلة وجود الخالق وبطلان الإلحاد المعاصر ................. ص 25

 * المبحث (6): أنواع العبادة (الدعاء، الخوف، الرجاء) ................... ص 32

 * المبحث (7): تحقيق الاستعانة والاستعاذة والاستغاثة ................... ص 38

 * المبحث (8): الذبح والنذر (بين التوحيد والشرك) ..................... ص 44

 * المبحث (9): الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بمراتبه ................. ص 50

 * المبحث (10): شهادة أن لا إله إلا الله (الشروط والمقتضى) ............. ص 56

 * المبحث (11): شهادة أن محمداً رسول الله (اللوازم والآثار) ............. ص 62

 * المبحث (12): مرتبة الإيمان وأركانه الستة (تحقيق عقدي) ............. ص 68

 * المبحث (13): زيادة الإيمان ونقصانه عند السلف ..................... ص 74

 * المبحث (14): مرتبة الإحسان وحقيقة المراقبة الإلهية ................. ص 80

 * المبحث (15): الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ (النسب والنشأة) ........ ص 88

 * المبحث (16): بعثة النبي ﷺ وهجرته إلى المدينة ..................... ص 94

 * المبحث (17): كمال الدين ووفاة المصطفى ﷺ ........................ ص 102

 * المبحث (18): البعث والنشور وحقيقة الحساب ........................ ص 110

 * المبحث (19): الكفر بالطاغوت (المعنى والمناط) ....................... ص 118

 * المبحث (20): رؤوس الطواغيت الخمسة (تحقيق مدقق) ................. ص 125

 * المبحث (21): السحر (التدقيق اللغوي والحد الجامع المانع) ............. ص 134

 * المبحث (22): حكم السحر والعمل به في الشريعة ..................... ص 140

 * المبحث (23): أنواع السحر وصوره القديمة (العقد والنفث) ............. ص 148

 * المبحث (24): السحر الرقمي والمعاصر (Metadata والبيانات) ........ ص 156

 * المبحث (25): الرقية الشرعية (اللغة، التعريف، والحكم) ............... ص 164

 * المبحث (26): أركان الرقية وشروط صحتها المجمع عليها ............. ص 172

 * المبحث (27): الرقية على الماء والزيت والوسائط (الدلالة) ............. ص 180

 * المبحث (28): تحقيق حديث السبعين ألفاً (النص والتخريج) ............. ص 188

 * المبحث (29): التدقيق اللغوي لمفردات حديث السبعين ألفاً ............. ص 195

 * المبحث (30): فقه "لا يسترقون": السين والتاء ودلالة الطلب ........... ص 202

 * المبحث (31): فقه "لا يكتوون": أحكام الكي وصوره ................... ص 210

 * المبحث (32): فقه "لا يتطيرون": التشاؤم والسبب الوهمي ............. ص 218

 * المبحث (33): الفرق بين السبب الحقيقي والسبب الوهمي (صور تطبيقية) . ص 225

 * المبحث (34): مقام التوكل وعلاقته بالقضاء والقدر ................... ص 232

 * المبحث (35): تقريرات الإمام أحمد بن حنبل في الأصول ............... ص 240

 * المبحث (36): تقريرات شيخ الإسلام ابن تيمية في التوحيد ............. ص 248

 * المبحث (37): تقريرات الإمام ابن القيم في المقامات القلبية ............. ص 256

 * المبحث (38): تقريرات الحافظ ابن رجب في أعمال القلوب ............. ص 264

 * المبحث (39): تقريرات الإمام القرطبي في السحر والتحصين ............. ص 272

 * المبحث (40): فتاوى ابن عثيمين المعاصرة في النوازل ................. ص 280

 * المبحث (41): تحقيقات الشيخ الفوزان في نواقض الإسلام ............. ص 288

 * المبحث (42): شروحات الشيخ صالح آل الشيخ للأصول ................. ص 296

 * المبحث (43): ردود المعلمي اليماني على منكري السحر ................. ص 304

 * المبحث (44): دروس الشيخ صالح السندي في التربية العقدية ............. ص 312

 * خاتمة الموسوعة: النتائج والتوصيات ............ ص 320

 * ثبت المصادر والمراجع .................. ص 330

:::::::::::::::::::::::::::::::::::::

خَاتِمَةُ الـمَوْسُوعَةِ: تَحْقِيقُ مَكَانَةِ الـمَتْنِ وَعَبْقَرِيَّتِهِ الأُصُولِيَّةِ

إنَّ متن "الأصول الثلاثة" الذي طوفنا في رحابه عبر خمسين مبحثاً، ليس مجرد رسالةٍ وعظية أو كتيبٍ للمبتدئين، بل هو "مَتْنٌ أُصُولِيٌّ مَوْضُوعِيٌّ" صيغ بعبقريةٍ فذة؛ حيث جمع فيه المصنف -رحمه الله- أمهات مسائل الدين (الرب، الدين، الرسول) وضبطها بحدودها الشرعية وأدلتها النقلية.

 * الأهمية عند العلماء: اعتبره المحققون "خلاصة المعتقد"؛ لأنه يبني العقيدة على "البرهان" لا على "التقليد"، وهو ما جعل شروحه تتجاوز المئات، واعتبره الشيخ ابن عثيمين "المنطلق الأول لكل طالب علم" [1].

 * الأهمية عند المدرسين: يمثل المتن "وحدة موضوعية" تترابط أجزاؤها برباطٍ منطقي؛ فمعرفة الرب تستلزم معرفة دينه، ومعرفة الدين لا تتأتى إلا عبر الرسول ﷺ، وهذا الترابط يسهل على المدرس ضبط ذهن الطالب ومنع تشتته [2].

 * الأهمية عند الطلاب: هو "مفتاح القبر"؛ إذ إن مسائله هي ذاتها الأسئلة الثلاثة التي يُسأل عنها العبد في برزخه، مما يجعله متناً مصيرياً يتجاوز حدود الدراسة الأكاديمية إلى النجاة الأخروية.

أولًا: مَنْهَجِيَّةُ الأُسْتَاذِ (الـمُعَلِّمِ) فِي شَرْحِ الـمَتْنِ (تَحْقِيقٌ مُوَسَّعٌ)

على الأستاذ الذي يتصدى لتدريس هذه الموسوعة أن يسلك مسلكاً أكاديمياً رصيناً يقوم على خمسة ركائز أساسية:

1. التَّأْصِيلُ قَبْلَ التَّفْصِيلِ (قَاعِدَةُ البُرْهَانِ)

 * المفهوم: لا يجوز للأستاذ تقرير أي مسألة عقدية دون تصديرها بالدليل من الكتاب أو السنة.

 * التطبيق: إذا ذكر "الاستغاثة"، وجب عليه أولاً ذكر قوله تعالى: ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم﴾، ثم يبني عليها التفصيلات الفقهية. هذا يربي في الطالب "تعظيم النص" وربط العقيدة بمصدرها الأصلي [3].

2. التَّدْقِيقُ اللَّغَوِيُّ (قَاعِدَةُ الـمَفَاهِيمِ)

 * المفهوم: العقيدة أسماء وأحكام، ولا تُفهم الأحكام إلا بضبط الأسماء لغوياً.

 * التطبيق: عند الوقوف على كلمة (الطاغوت) أو (السحر)، يجب على الأستاذ الرجوع لـ "لسان العرب" و"مقاييس اللغة" لبيان الاشتقاق؛ لأن الانحراف في فهم المصطلح اللغوي هو أول درجات الانحراف في الفهم العقدي (كما فعلت الجهمية والمعتزلة) [4].

3. رَبْطُ الـمَتْنِ بِالنَّوَازِلِ (قَاعِدَةُ الـمُعَاصَرَةِ)

 * المفهوم: جعل المتن "حياً" يعالج مشكلات العصر، لا "تاريخياً" حبيس الأوراق.

 * التطبيق: عند شرح "السحر"، يربطه الأستاذ بـ "السحر الرقمي" و"تطبيقات الروحانيات" المعاصرة. وعند شرح "الطاغوت"، يربطه بـ "القوانين الوضعية" و"المنظومات الفلسفية" التي تُعبد من دون الله. هذا يمنح الطالب حصانةً عملية ضد فتن زمانه [5].

4. رَبْطُ الـمَتْنِ بِالأَسْمَاءِ وَالأَحْكَامِ (قَاعِدَةُ التَّكْيِيفِ)

 * المفهوم: تصنيف كل فعل أو قول يرد في المتن تحت حكمه الشرعي (واجب، محرم، شرك أكبر، شرك أصغر).

 * التطبيق: الطالب يجب أن يخرج من الدرس وهو يعرف أن "الاستعاذة بغير الله" هي شرك أكبر (اسم) وحكمها الخروج من الملة (حكم)، بينما "الاستشفاء بالوسائل المباحة" هو مباح أو مستحب. هذا الضبط يمنع الخلط والاضطراب في التكفير أو التبديع [6].

5. التَّدَرُّجُ التَّحْصِيلِيُّ (قَاعِدَةُ الكَيْفِ لَا الكَمِّ)

 * المفهوم: عدم إلقاء المعلومات دفعة واحدة، بل تمليح العلم وتقسيمه.

 * التطبيق: يبدأ الأستاذ بـ "الشرح الإجمالي" للمتن، ثم "الشرح التحليلي" للمفردات، ثم "الشرح الاستدلالي" للمسائل الخلافية. وهذا المسلك هو الذي قرره ابن القيم في (تحفة المودود) عند كلامه عن تربية العقول [7].

::::::::::::::::::::::::::::::::؛:::::

 * [1] شرح الأصول الثلاثة، ابن عثيمين، ص 10.

 * [2] كفاية المستفيد، صالح آل الشيخ، ص 15 (المقدمة).

 * [3] جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، ج 2، ص 950.

 * [4] الصواعق المرسلة، ابن القيم، ج 2، ص 450 (حول خطر المصطلحات).

 * [5] فتاوى اللجنة الدائمة، المجلد الأول، ص 150 (حول تنزيل العقيدة على الواقع).

 * [6] كتاب التوحيد، الفوزان، ص 88.

 * [7] تحفة المودود في أحكام المولود، ابن القيم، ص 210.

:::::::::::::::::::::::::::::::::

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق