ننتقل الآن إلى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت 256 هـ)، أمير المؤمنين في الحديث، الذي لم يكتفِ بنقل الآثار، بل صاغها في تبويبات فقهية وعقدية دقيقة في "جامعه الصحيح"، ليكون رداً عملياً ومنهجياً على أهل البدع في عصره.
أولاً: تخريج "تبويب" البخاري ومصادره (توثيق أكاديمي)
البخاري يعبر عن عقيدته من خلال "التراجم" (عناوين الأبواب)، وقد عقد كتاباً كاملاً في نهاية صحيحه سماه "كتاب التوحيد".
* صحيح البخاري: كتاب التوحيد، "باب قوله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}".
* رقم الباب: باب رقم (24) في بعض النسخ، ورقم (25) في "فتح الباري".
* الموقع: المجلد التاسع، صفحة 124 (طبعة السلطانية)، أو المجلد الثالث عشر، صفحة 390 (بشرح ابن حجر).
* الأحاديث المساقة تحت الباب: أورد فيه حديث الشفاعة الطويل وفيه: "يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده"، وأورد أحاديث القبض والطي (الحديث رقم 7411 وما بعده).
ثانياً: ألفاظ التبويب وما ساقه البخاري
نص تبويب البخاري:
"بَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، وَقَالَ: (بِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ)".
>
ثم ساق أحاديث منها قوله ﷺ: "يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ".
ثالثاً: استعمال العلماء لهذا التبويب (قديماً وحديثاً)
1. الاستعمال القديم (5 أئمة):
* الإمام ابن خزيمة (ت 311 هـ): في كتاب "التوحيد"، بنى استدلاله على ما بوبه البخاري لإثبات صفة اليدين حقيقةً لله تعالى.
* الإمام البيهقي (ت 458 هـ): في "الأسماء والصفات"، رغم نزوعه للتأويل في مواضع، إلا أنه اضطر لمناقشة تبويب البخاري كأصل في الباب.
* الإمام ابن بطال (ت 449 هـ): في "شرح صحيح البخاري"، نقل أقوال السلف في إمرار الآية على ظاهرها دون تكييف بناءً على تبويب البخاري.
* الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت 852 هـ): في "فتح الباري"، أفاض في شرح هذا الباب ونقل إجماع السلف على إثبات اليدين لله تعالى كما يليق بجلاله.
* العلامة العيني (ت 855 هـ): في "عمدة القاري"، وافق البخاري في أن ذكر "اليدين" في القرآن يمنع تأويلها بالنعمة أو القدرة (لأن التثنية تمنع ذلك).
2. الاستعمال الحديث (5 علماء):
* الشيخ عبد العزيز بن باز: اعتبر تبويب البخاري هذا من أقوى الردود على الأشاعرة والمؤولة في صفة اليد.
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين: في "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري"، استدل بالتبويب على أن البخاري يرى اليد صفة "ذاتية خبرية".
* الشيخ حماد الأنصاري: كان يوصي بمدارسة تراجم البخاري في التوحيد لكونها تمثل "عقيدة أهل الحديث" المحضة.
* الشيخ عبد الله الغنيمان: أفرد مجلداً كاملاً لشرح كتاب التوحيد من البخاري، ركز فيه على هذا الباب لنقض شبهات المعطلة.
* الشيخ عبد المحسن العباد: يشير دائماً في دروسه إلى أن البخاري لم يورد آية {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} إلا ليثبت المغايرة بين الخلق والصفة.
رابعاً: الفوائد العقدية والتحقيق (10 نقاط)
* إثبات اليدين صفتين لله: استدلال البخاري بالآية التي وردت فيها التثنية ({بِيَدَيَّ}) يقطع الطريق على من يؤول اليد بالقدرة؛ لأن الله له قدرة واحدة لا توصف بالتثنية.
* المغايرة بين الفعل والصفة: في قوله "خلق بيدي"، أثبت البخاري "الخلق" كفعل، و"اليد" كصفة، وهذا يبطل قول من قال إن اليد هي عين الخلق.
* إثبات الحقيقة بنص "القبض والطي": إيراد أحاديث القبض والطي يدل على أن اليد حقيقية لها أفعال تليق بالخالق، وليست مجرد استعارة.
* إثبات "اليمين" و"الأخرى": استدلاله بحديث "يمين الله ملأى" و"بيده الأخرى" تأكيد على إثبات اليدين حقيقةً.
* الرد على الجهمية: التبويب صريح في الرد على من أنكر الصفات الخبرية، حيث جعل البخاري الآية نصاً محكماً في المسألة.
* بطلان التأويل المجازي: لو كان المراد باليد "القدرة" لما قال النبي ﷺ "يطوي بيمينه"، فالقدرة لا يوصف جزء منها باليمين.
* تشريف آدم: استدلال البخاري بخلق آدم بيدي الله يدل على ميزة لآدم على غيره، ولو كانت اليد هي القدرة لما كان لآدم ميزة، فكل الخلق بخلق الله وقدرته.
* الجمع بين الكتاب والسنة: منهج البخاري في الباب جمع بين النص القرآني ({بِيَدَيَّ}) وبين التفصيل النبوي (القبض، الطي، اليمين) للتأكيد على وحدة المصدر.
* إثبات العلو والملك: أحاديث الباب "أنا الملك.. أين ملوك الأرض" تدل على أن هذه الصفات هي من كمال الربوبية وعظمة الخالق.
* السكوت عما سكت عنه الوحي: البخاري أثبت "اليد" و"اليمين" و"القبض" وتوقف عند حدود النص، مطبقاً قاعدة "لا نتعدى القرآن والحديث".
خامساً: علاقة تبويب البخاري بآثار (أحمد، وإسحاق، ونعيم)
يمكننا القول إن الإمام البخاري قد "طبق عملياً" القواعد الثلاث السابقة:
* امتثل لأثر الإمام أحمد: فلم يتعدَّ لفظ القرآن ({بِيَدَيَّ}) ولا الحديث (القبض والطي).
* امتثل لأثر إسحاق بن راهويه: فلم يقل "يد كيدنا" بل أثبتها لله على ما يليق بجلاله، نافياً التكييف.
* امتثل لأثر نعيم بن حماد: فجعل من يجحد هذه الصفة (التي وصف الله بها نفسه) من أهل التعطيل المذموم، ومن مثلها بصفات الخلق من أهل التشبيه.
سادساً: تعريف بالإمام البخاري (صاحب الأثر)
* الاسم: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، الجعفي مولاهم.
* المولد والوفاة: ولد في بخارى سنة 194 هـ وتوفي سنة 256 هـ.
* شيوخه:
* نعيم بن حماد الخزاعي (تأثر به جداً في العقيدة).
* أحمد بن حنبل (كان يجلّه جداً).
* إسحاق بن راهويه (قال عنه البخاري: "أحفظ مائة ألف حديث صحيح").
* علي بن المديني.
* تلاميذه:
* الإمام مسلم (صاحب الصحيح).
* الإمام الترمذي.
* الإمام النسائي.
* ابن خزيمة (إمام الأئمة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق