الأربعاء، 25 مارس 2026

مشكل آيات الصفات الذاتية الخبرية [تمهيد الفصل: تأصيل مفهوم الصفات الخبرية وتحرير محل النزاع]

 مشكل آيات الصفات الذاتية الخبرية

[تمهيد الفصل: تأصيل مفهوم الصفات الخبرية وتحرير محل النزاع]

إن الخوض في غمار "الصفات الذاتية الخبرية" يعد من أدق المسائل العقدية، نظرًا لارتباطها المباشر بمفهوم "التنزيه" وما يعرض للأفهام من "توهم التشبيه". ولتحرير هذا المشكل قبل الولوج في تفاصيله، يجب بسط القول في النقاط التأصيلية التالية:

أولاً: تعريف الصفات الذاتية الخبرية وحقيقتها

الصفات الذاتية هي الصفات الملازمة لذات الباري سبحانه، التي لم يزل ولا يزال متصفاً بها، ولا تتعلق بمشيئته من حيث الأصل، كالحياة والعلم والقدرة. أما وصفها بـ "الخبرية"، فهو اصطلاح اصطلح عليه أئمة السنة للتفريق بين الصفات التي يمكن للعقل إثباتها (كالعلم والقدرة) وبين الصفات التي "لا سبيل للعقل إلى إثباتها استقلالاً"، وإنما كان طريق إثباتها هو "الخبر المحض" من الكتاب والسنة؛ كالوجه واليدين والعينين. (ينظر: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج6، ص 358).

والمشكل الذي يواجه الباحث هنا هو أن هذه الألفاظ (وجه، يد، عين) تُطلق في حق المخلوق على أنها "أجزاء وأبعاض"، فكان تأصيل السلف في تسميتها "صفات" لا "أجزاء" هو المفتاح الأول لدفع توهم التجسيم؛ لأن الله سبحانه "أحدٌ صمد"، لا يتجزأ ولا يتبعض. (ينظر: البيهقي، الأسماء والصفات، ص 412).

ثانياً: منشأ الإشكال (توهم التشبيه والتمثيل)

إن "المشكل" في هذه الآيات ليس في ذات النص القرآني، بل في "عقل المتلقي" الذي قد يسبق إلى ذهنه قياس الغائب على الشاهد. وقد قسم العلماء الناس في هذا المقام إلى ثلاثة أقسام:

 * الممثلة: الذين أثبتوا الصفات الخبرية ولكنهم شبهوها بصفات المخلوقين، فضلّوا بترك "التنزيه".

 * المعطلة: الذين توهموا أن الإثبات يستلزم التشبيه، ففروا إلى نفي الصفات أو تحريف معانيها، فضلّوا بترك "الإثبات".

 * أهل السنة والجماعة: الذين أثبتوا الصفات على الحقيقة، ونفوا الكيفية والمماثلة، عملاً بقوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. (ينظر: ابن القيم، مختصر الصواعق المرسلة، ص 142).

ثالثاً: القواعد الكلية لدفع توهم التجسيم في هذا الفصل

لكي يكون البحث منضبطاً، نعتمد في رد الشبهات حول (اليد والوجه والعينين) على القواعد التالية:

 * قاعدة (الإضافة تقتضي التخصيص): اليد إذا أضيفت للإنسان كانت جارحة تناسبه، وإذا أضيفت للملك كانت صفة تناسبه، فإذا أضيفت للخالق كانت صفة تليق بجلاله، فالمضاف يتبع المضاف إليه في حقيقته وكيفيته.

 * قاعدة (العلم بالمعنى لا يستلزم العلم بالكيفية): نحن نعلم معنى "اليد" في اللغة (وهو القوة أو الأداة أو الصفة الذاتية حسب السياق)، لكن "كيفية" يد الله مجهولة لنا، والقول في الصفات فرع عن القول في الذات. (ينظر: الخطيب البغدادي، رسالة في الكلام على الصفات، ص 19).

 * قاعدة (نفي الجارحة والأداة): يقرر علماء السنة أننا نثبت ما أثبته الله لنفسه، ولكننا ننفي الألفاظ الموهمة للنقص التي لم ترد، فلا نقول عن صفاته "جوارح" أو "أعضاء"؛ لأن هذه الألفاظ تشعر بالانفصال والتركيب، والله منزه عن ذلك. (ينظر: السفاريني، لوامع الأنوار البهية، ج1، ص 135).

رابعاً: أثر الانحراف في فهم الصفات الخبرية

إن تأويل هذه الصفات بصرفها عن ظاهرها (كقولهم اليد هي النعمة، والوجه هو الذات) يؤدي إلى لوازم باطلة، منها تعطيل لغة العرب، وتجهيل الرسول ﷺ والصحابة، والادعاء بأن الله خاطبنا بما لا نفهمه أو بما ظاهره "كفر وتشبيه"، وهذا مما ينزه عنه الوحي المعصوم. (ينظر: ابن أبي العز الحنفي، شرح العقيدة الطحاوية، ص 222).



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق