يُعد هذا الأثر من القواعد المنهجية التي سار عليها الإمام الشافعي (ت: 204هـ) في إثبات الأسماء والصفات كما وردت في الوحيين، بعيداً عن التحريف أو التكييف، وهو نص صريح في إثبات صفة "اليدين" لله عز وجل.
أولاً: تخريج الأثر ومصدره
أصل هذا الأثر مروي عن الإمام الشافعي في رسالته المشهورة التي رواها عنه يونس بن عبد الأعلى، أو ما يُعرف بـ "وصية الشافعي" أو "اعتقاد الشافعي":
* ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة": أخرجه بسنده عن أبي محمد الخلال، عن أبي بكر المروزي، قال: سمعت أبا عبد الله (الإمام أحمد) يقول: سألت يونس بن عبد الأعلى عن قول الشافعي في الصفات، فقال: «لله عز وجل أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه ﷺ، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها... وأن له يدين بقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [المائدة: 64]».
* الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" و"العلو": ساقه وصححه، وقال عن هذه الرسالة: "رواها الفقيه يونس بن عبد الأعلى الصدفي، وهو من أصح أصحابه، فليتق الله من يقرأها ولا ينكرها".
* ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية": ذكره محتجاً به على منهج الشافعي في الإثبات.
* أبو نعيم الأصبهاني في "حلية الأولياء": أورده في ترجمة الإمام الشافعي ضمن جملة اعتقاده.
ثانياً: الفوائد العقدية من الأثر
* المصدرية في التلقي: حصر الشافعي مرجع الأسماء والصفات في "الكتاب" و"السنة" فقط، وهو ما يُعرف بـ (التوقيف).
* إثبات صفات الخبرية: نص على "اليدين" كصفة ذاتية ثابتة بالقرآن، مما يرد على من يؤولها بالنعمة أو القدرة.
* وجوب القبول وقيام الحجة: بيّن أن من بلغه الدليل من الوحي ولم يقبله فقد كفر، أما قبل قيام الحجة فيُعذر بالجهل.
* الجمع بين الإثبات ونفي التشبيه: أكمل الشافعي أثره بقوله: "وأنه سميع بصير.. كما أخبر عن نفسه"، مؤكداً أن الإثبات لا يقتضي التشبيه.
ثالثاً: كلام العلماء وتعليقاتهم (قديماً وحديثاً)
1. قديماً:
* الإمام أحمد بن حنبل: كان يستشهد بفقه الشافعي في السنة ويقول: "ما رأيت أحداً أتبع للأثر من الشافعي". وقد حرص تلامذة أحمد على نقل هذا الاعتقاد عن الشافعي لبيان اتفاق الأئمة الأربعة على أصول الاعتقاد.
* ابن تيمية: استدل بهذا الأثر في مواضع كثيرة من "مجموع الفتاوى" و**"الحموية"** ليثبت أن الشافعي لم يكن أشعرياً ولا معتزلياً في الصفات، بل كان على جادة السلف.
* الذهبي: علق في "العلو" مبيناً أن هذا هو النقل الثابت عن الشافعي، رداً على من حاول نسبة أقوال تخالف ذلك إليه في كتب متأخري الفقهاء.
2. حديثاً:
* الشيخ الألباني: في تعليقه على "مختصر العلو"، أكد على صحة نسبة هذا الكلام للشافعي من طريق يونس بن عبد الأعلى.
* الشيخ محمد خليل هراس: في شرحه لـ "الواسطية"، أشار إلى أن قول الشافعي "له يدان" هو إبطال صريح لمن زعم أن الأئمة كانوا يفوضون المعنى أو يؤولونه.
رابعاً: تناول العلماء للأثر بالتعليق
* أبو الحسن الهكاري واللالكائي: ممن اعتنوا بنقل معتقد الشافعي في كتب "السنة"، حيث اعتبروا هذا النص فيصلًا في نسبة الشافعي إلى مدرسة الأثر.
* ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري": حاول بعض المتأخرين تأويل نصوص الشافعي، لكن المحققين أثبتوا أن نص يونس بن عبد الأعلى هو الأوثق اتصالاً بالإمام.
📜 بطاقة تعريفية:
عقيدة الإمام الشافعي في إثبات الصفات
1. نص الأثر (المتن):
"لله عز وجل أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ، لا يسع أحداً من خلق الله قامت عليه الحجة ردها؛ لأن القرآن نزل بها، وصح عن رسول الله ﷺ القول بها فيما روى عنه العدول... وأن له يدين بقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}، وأن له يميناً بقوله: {وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}..."
2. تخريج السند وتحقيقه:
* الراوي الأصلي: يونس بن عبد الأعلى الصدفي (تلميذ الشافعي وأخصّ أصحابه).
* أبرز من أخرجه:
* ابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" بسند صحيح.
* الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء" و "العلو".
* ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية".
* درجة الثبوت: صحيح ثابت؛ وصفه الحافظ الذهبي بأنه من أصح ما نُقل عن الشافعي في الاعتقاد.
3. المضامين والفوائد العقدية:
* قاعدة التوقيف: الإيمان بأن مصدر الأسماء والصفات هو الوحي المحض (الكتاب والسنة).
* إثبات صفة اليدين: النص صريح في إثبات صفة "اليدين" و"اليمين" لله تعالى على ما يليق بجلاله، وهو رد على من يؤولها بالنعمة أو القدرة.
* حجية السنة: تقرير الشافعي بأن ما صح عن رسول الله ﷺ بواسطة العدول يجب قبوله في الاعتقاد كوجوب قبول القرآن.
* الإعذار بالجهل: التفريق بين من لم تبلغه الحجة ومن رد النصوص بعد قيامها عليه.
4. قالوا عن هذا الأثر:
قال الإمام الذهبي: "هذه الرسالة رواها الفقيه يونس بن عبد الأعلى.. فليتق الله من يقرأها ولا ينكرها، فإنه قول إمام العصر".
قال ابن تيمية: "ثبت عن الشافعي من وجوه صحيحة إثبات الصفات الخبرية كالاستواء واليدين والوجه".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق