أثر إمام خراسان، إسحاق بن راهويه (المتوفى سنة 238 هـ ، وهو أثر مفصلي في تعريف "التشبيه" عند السلف
أولاً: تخريج الأثر ومصادره (بالرقم والصفحة)
هذا الأثر من أصح ما روي عن إسحاق بن راهويه، وقد تلقاه العلماء بالقبول والاحتجاج.
* سنن الترمذي: رواه الإمام الترمذي في "جامعه" عقب الحديث رقم (662) في كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة. وقال الترمذي: "قال إسحاق بن إبراهيم...".
* شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: أخرجه بسنده في الجزء الثالث، صفحة 532، أثر رقم (936).
* العلو للعلي الغفار للذهبي: ذكره في صفحة 192.
* إجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم: ذكره في المجلد الثاني، صفحة 214.
* فتح الباري لابن حجر: استشهد به في كتاب التوحيد، المجلد 13، صفحة 407.
ثانياً: ألفاظ الأثر المنقولة
اللفظ الأشهر الذي رواه الترمذي وغيره هو:
"إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيدي، أو مثل يدي، أو سمع كسمعي، أو مثل سمعي، فإذا قال: سمع كسمعي، فهذا التشبيه. وأما إذا قال كما قال الله تعالى: {يد} و{سمع} و{بصر}، ولا يقول كيف، ولا يقول مثل سمعي ولا كسمعي، فهذا لا يكون تشبيهاً، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}".
>
ثالثاً: استعمالات العلماء للأثر (احتجاجاً واستشهاداً)
1. من العلماء القدامى (5 أئمة):
* الإمام الترمذي (ت 279 هـ): استخدمه في "الجامع" ليبيّن مذهب أهل الحديث في إمرار أحاديث الصفات والرد على الجهمية الذين سموا أهل السنة "مشبهة".
* الإمام الخطابي (ت 388 هـ): في كتابه "المعالم"، استعمل معنى هذا الأثر لبيان أن إثبات الصفة ليس إثباتاً للتشبيه، بل هو إثبات وجود.
* الإمام ابن عبد البر (ت 463 هـ): في "التمهيد"، احتج بقول إسحاق ليوضح أن الصفات تُحمل على الحقيقة لا على التشبيه.
* شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): أكثر من ذكره في "درء التعارض" و"المنهاج" لكسر حدة "فزاعة التشبيه" التي كان يرفعها المتكلمون.
* الإمام الذهبي (ت 748 هـ): في "تذكرة الحفاظ" و"السير"، ذكر هذا الأثر في ترجمة إسحاق كمنقبة له في ضبط باب الاعتقاد.
2. من العلماء المعاصرين (5 علماء):
* الشيخ عبد العزيز بن باز: استعمل الأثر في فتاواه لبيان الفرق بين "الإثبات" و"التمثيل" المذموم.
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين: في كتابه "شرح العقيدة الواسطية"، جعل قول إسحاق ركيزة في تعريف التمثيل الممنوع.
* الشيخ ناصر الدين الألباني: استشهد به في تعليقه على "الطحاوية" لبيان مراد السلف بنفي التشبيه.
* الشيخ صالح آل الشيخ: في "شرح الطحاوية"، فصّل في كلام إسحاق لبيان بطلان مذهب المعطلة الذين فروا من التشبيه بإنكار الصفات.
* الشيخ عبد الله الغنيمان: في "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري"، أفاض في شرح هذا الأثر كقاعدة في "التكييف".
رابعاً: الفوائد العقدية والتحقيق (10 نقاط)
* تحرير مصطلح التشبيه: الفائدة الكبرى هي وضع حد منضبط لمعنى "التشبيه"؛ فالخلاف ليس في الأسماء (يد، سمع)، بل في "الكاف" و"المثلية".
* الرد على الجهمية: الأثر يرد على من يزعم أن مجرد إثبات الصفات هو تشبيه، فبين إسحاق أن التشبيه فعل "المشبه" لا فعل "المثبت للنص".
* إثبات الحقيقة بلا تكييف: قوله "ولا يقول كيف" قاعدة في أن الصفات لها حقيقة وكيفية، لكنها مجهولة لنا، والمنهي عنه هو التكييف (حكاية الكيفية).
* قاعدة "الاشتراك في اللفظ لا يستلزم المماثلة": اشتراك الخالق والمخلوق في اسم الصفة (سمع، بصر) لا يعني تماثل الحقائق، وهذا لبّ مذهب السلف.
* التفريق بين "الصفة" و"العضو": حين قال "يد كيدي" نفى مماثلة الجوارح، مما يدل على أن صفات الله ليست أعضاءً ولا أجزاءً بمفهوم المخلوقين.
* إعمال آية المحكم (ليس كمثله شيء): جعل إسحاق هذه الآية هي الميزان؛ فكل إثبات يصطدم بها (بالمماثلة) فهو باطل، وكل تنزيه يلغيها (بالتعطيل) فهو باطل.
* المنهج اللفظي السليم: دل الأثر على وجوب الالتزام بالألفاظ الشرعية (يد، سمع) دون الزيادة عليها بأدوات التشبيه.
* الوسطية بين التجسيم والتعطيل: الأثر يضرب في اتجاهين؛ يمنع المجسم من تشبيهه، ويمنع المعطل من تعطيله بحجة التشبيه.
* دلالة اللغة: أشار الأثر ضمنياً إلى أن اللغة تفرق بين "ذات الشيء" و"مثله"، فإثبات الذات والصفات لا يستلزم المماثلة لغوياً.
* الأمان العلمي: نقل إسحاق بن راهويه لهذا المعنى يوضح أن عقيدة السلف كانت مستقرة ومنضبطة بضوابط لسان العرب وفهم الصحابة.
خامساً: تحقيق منهجي في الأثر (نحو التفصيل المطلوب)
إن قول إسحاق بن راهويه: "إنما يكون التشبيه إذا قال: يد كيدي" يمثل "فصل الخطاب" في صراع المدارس العقدية. فالمعطلة (كالجهمية والمعتزلة) بنوا مذهبهم على مقدمة فاسدة وهي: (إثبات الصفات يستلزم التشبيه، والتشبيه كفر، إذن إثبات الصفات كفر).
جاء إسحاق بن راهويه ليفكك هذه المقدمة من جذرها، موضحاً أن "التشبيه" هو إلحاق الغائب بالشاهد في الكيفية، أما مجرد الإثبات لما أثبته الله لنفسه، فهو محض التوحيد.
لماذا اختار إسحاق صفة "اليد" و"السمع"؟
اختارها لأنها هي التي كانت تثير حفيظة النفاة بدعوى أنها توهم "الجسمية". فأكد أن الموحد يقول: لله يد حقيقية تليق بجلاله، ولا أقول هي كيدي، وبذلك برأت ساحته من التشبيه، وبطلت حجة المعطل في نفيها.
خلاصة القول: إن هذا الأثر مع أثر الإمام أحمد يشكلان "درع السنة"؛ فإمام أهل السنة (أحمد) رسم حدود التلقي "لا نتعدى القرآن"، وإمام خراسان (إسحاق) رسم حدود الفهم "لا يقول كسمعي".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق