مشكل آيات المعية والقرب والعلو
الفصل الأول: الجمع بين علو الله تعالى ومعيته لخلقه
يُمثل هذا الفصل جوهر البحث في التوفيق بين صفتين قد يتوهم البعض تعارضهما؛ وهما صفة "العلو المطلق" لله تعالى على خلقه، وصفة "المعية والقرب" منهم. والتحرر من هذا الإشكال يقتضي بسط الأدلة من الوحيين، وبيان فقه السلف في فهمها بما يليق بجلال الله ومباينته لخلقه.
المبحث الأول: أدلة العلو المطلق (الذاتي والقدري) والرد على المنكرين
إن صفة العلو ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع والفطرة والعقل، وهي تنقسم إلى علو الذات (بأن الله فوق عرشه بائناً من خلقه) وعلو القدر والقهر.
1. الاستشهاد بآيات القرآن الكريم:
تنوعت دلالات القرآن على علو الله في أكثر من ألف موضع، ومنها:
* التصريح بالفوقية: قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50]، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: 18].
* التصريح بالعلو: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
* التصريح بصعود الأشياء إليه: قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10]، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: 4].
* التصريح بنزول الأشياء منه: قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: 5]، وقوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: 1].
* التصريح بوجوده في السماء (أي العلو): قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: 16].
2. الاستشهاد بالسنة النبوية:
* حديث الجارية المشهور، وفيه سألها النبي ﷺ: "أين الله؟" قالت: في السماء، قال: "من أنا؟" قالت: أنت رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". (أخرجه مسلم، ج1، ص 381، رقم 537).
* قوله ﷺ في دعائه: "أنت الظاهر فليس فوقك شيء". (أخرجه مسلم، ج4، ص 2084، رقم 2713).
* إشارته ﷺ بإصبعه إلى السماء في خطبة الوداع واستشهاده بالله على تبليغه وهو يقول: "اللهم اشهد". (أخرجه البخاري، ج1، ص 24، رقم 67).
3. الرد على المنكرين لصفة العلو:
زعم المنكرون (من الجهمية والمعتزلة) أن القول بالعلو يستلزم "الجهة والحيز"، فادعوا أن الله "في كل مكان" بذاته، أو "لا داخل العالم ولا خارجه".
* الرد: إن نفي العلو هو نفي لوجود الله؛ إذ ما لا يكون في جهة علو ولا سفل ولا داخل ولا خارج هو "العدم". والسلف أجمعوا على أن الله فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائن من خلقه.
* يقول الإمام الأوزاعي (ت 157هـ): "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". (الذهبي، العلو للعلي الغفار، ص 135).
* يقول عبد الله بن المبارك (ت 181هـ): "نعرف ربنا بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية إنه هاهنا في الأرض". (البخاري، خلق أفعال العباد، ص 31).
المبحث الثاني: حقيقة المعية (العامة والخاصة) وبيان عدم مناقضتها للعلو
إن القول بعلو الله تعالى لا ينفي كونه مع خلقه، فالمعية حق على حقيقتها، وهي تنقسم إلى قسمين:
1. المعية العامة (معية العلم والإحاطة):
وهي لجميع الخلق، مؤمنهم وكافرهم، وبرهم وفاجرهم.
* الدليل: قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: 7].
* وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: 4].
* المعنى: أي معهم بعلمه، وسمعه، وبصره، وتدبيره، لا بذاته المختلطة بهم. (ينظر: الطبري، جامع البيان، ج22، ص 388).
2. المعية الخاصة (معية النصر والتأييد):
وهي للمؤمنين وأهل الطاعات.
* الدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128].
* وقوله لموسى وهارون: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه: 46].
* وقول النبي ﷺ لأبي بكر في الغار: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
3. الجمع بين العلو والمعية ودفع التناقض:
لا يوجد في العقل ولا في اللغة ما يمنع أن يكون الشيء "علياً" وهو "معك".
* التمثيل اللغوي: العرب تقول: "ما زلنا نسير والقمر معنا"، والقمر في السماء وهو مع السائر بضوئه وإحاطته، ولله المثل الأعلى؛ فهو فوق عرشه حقيقة، وهو مع خلقه حقيقة بعلمه وقدرته وسلطانه، ولا يلزم من المعية "المخالطة والمماسة".
* يقول ابن تيمية (ت 728هـ): "فلفظ (مع) في اللغة إذا أُطلق فليس مقتضاه في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة أو محاذاة، فإذا أضيفت إلى الله فالمعية تقتضي علمه واطلاعه، وهي لا تنافي العلو". (مجموع الفتاوى، ج5، ص 103).
* يقول ابن القيم (ت 751هـ): "هو سبحانه فوق سماواته على عرشه، بائن من خلقه، وهو معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عليه، ويراهم، ويسمع كلامهم، ويحصي أعمالهم، وكل ذلك حق على حقيقته لا يحتاج إلى تأويل يصرفه عن ظاهره". (الصواعق المرسلة، ج4، ص 1382).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق