الأربعاء، 25 مارس 2026

الفصل الشبهات المعاصرة حول مكان الله وعلوه

 الفصل  الشبهات المعاصرة حول مكان الله وعلوه

يُعد هذا الفصل من أدق فصول البحث وأشدها اتصالاً بالواقع العقدي المعاصر؛ إذ تجددت فيه خصومات قديمة بألبسة عصرية، وحاول بعض المعاصرين من المتكلمين وغيرهم إحياء شبهات الجهمية والمعتزلة الأوائل في نفي علو الله بذاته فوق عرشه، متذرعين بحجج عقلية ومنطقية يظنونها قواطع، وعلى رأسها شبهة "الحيز والجهة".

المبحث الأول: نقد شبهة "الحيز والجهة" عند المعاصرين

لقد اتخذ المعاصرون من نفي "الحيز والجهة" وسيلة لنفي الفوقية المطلقة لله عز وجل، وزعموا أن القول بأن الله "فوق" يستلزم بالضرورة أن يكون في "جهة"، والجهة تقتضي "الحيز"، والحيز لا يكون إلا "للأجسام"، والله منزه عن الجسمية، فخلصوا من هذه المقدمات إلى نفي العلو الذاتي. ولتفكيك هذه الشبهة وتحقيق القول فيها، لا بد من بسط الردود النقلية والعقلية واللغوية بـإسهاب.

أولاً: تحرير المصطلحات (الألفاظ المجملة)

إن ألفاظ "الجهة" و"الحيز" هي ألفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة، لا بنفي ولا بإثبات، وهي مما يسميه العلماء "الألفاظ المجملة" التي تحتمل حقاً وباطلاً.

 * الجهة: إن أريد بها "جهة وجودية" مخلوقة تحيط بالله وتحصره، فهذا باطل ومنفي عن الله؛ فالله بكل شيء محيط ولا يحيط به شيء. وإن أريد بها "جهة العلو" المطلق الذي هو فوق العالم ومنفصل عنه، فهذا حق ثابت لله بالفطرة والنقل.

 * الحيز: إن أريد به أن الله "محوز" في مكان يفتقر إليه أو يحويه، فهذا باطل. وإن أريد به أن الله "متميز" عن خلقه، بائن منهم، ليس مختلطاً بهم، فهذا هو الحق الذي دل عليه الشرع والعقل. (ينظر: ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، ج1، ص 214).

ثانياً: النقل والاستشهاد من الآثار وأقوال الأئمة

لقد أدرك أئمة السلف أن نفي هذه المصطلحات المجملة دون تفصيل هو ذريعة لتعطيل صفات الخالق، فوضعوا القواعد في الرد عليهم:

 * النقل الأول: يقول الإمام ابن خزيمة (ت 311هـ): "من لم يقر بأن الله على عرشه استوى، فوق سبع سماواته، فهو كافر به، يُستتاب، فإن تاب وإلا ضُربت عنقه، وأُلقي على بعض المزابل؛ لئلا يتأذى المسلمون بريحه". (كتاب التوحيد، ج1، ص 103). وهذا النقل يؤكد أن العلو الذاتي كان أصلاً قطعياً عند المتقدمين لا يقبل التأويل بلفظ "الجهة" أو غيره.

 * النقل الثاني: يقول الإمام أبو حنيفة (ت 150هـ) فيما نقله عنه صاحب الطحاوية وغيره: "من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض فقد كفر؛ لأن الله يقول: (الرحمن على العرش استوى)، وعرشه فوق سبع سماواته". (شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز، ج1، ص 322). وفي هذا رد صريح على من يزعم أن تحديد مكان لله (بمعنى العلو) هو تجسيم، فجعله الإمام كفراً لمصادمته النص.

 * النقل الثالث: يقول الإمام ابن عبد البر (ت 463هـ): "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك.. وأما الجهمية والمعتزلة والأشاعرة (في هذا الباب) فإنهم ينكرونها ولا يحملونها على الحقيقة، وزعموا أن من أقر بها مشبه". (التمهيد، ج7، ص 145).

 * النقل الرابع: يقول الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ): "الله تعالى له مكان، وهو فوق عرشه، فوق سماواته، وهو بائن من خلقه، ليس كما يقول هؤلاء الجهمية إنه في كل مكان". (النقض على المريسي، ج1، ص 214). واستخدام الدارمي للفظ "المكان" هنا هو بمعنى "العلو" لا بمعنى "الظرف المحيط".

 * النقل الخامس: يقول ابن تيمية (ت 728هـ) في رد جامع: "إذا قال القائل: إن الله ليس في جهة، فإنه يُستفصل منه؛ فإن أراد بالجهة شيئاً مخلوقاً يحيط بالله فهذا باطل، وإن أراد بالجهة العلو المطلق، فإنك إذا نفيت هذا نفيت وجود الله ونفيت كونه فوق العرش، وهذا مصادم للضرورة العقلية والفطرة الإنسانية". (مجموع الفتاوى، ج5، ص 261).

ثالثاً: الردود التفصيلية على شبهة "الحيز والجهة"

1. الرد من جهة العقل (بطلان التسلسل):

يقول المعاصرون: "لو كان في جهة لكان جسماً". والرد عليهم: أن الجسم في لغتكم هو "المشار إليه"، ونحن لا نتحرج من القول بأن الله يُشار إليه حقيقة بجهة العلو كما فعل النبي ﷺ في حجة الوداع. فإثبات "التمايز" و"المنفصلية" بين الخالق والمخلوق هو ضرورة عقلية، فإما أن يكون الخالق داخلاً في العالم (وهذا حلول واتحاد وكفر)، وإما أن يكون خارجاً عنه (وهذا هو العلو والجهة التي ننفي حصرها).

2. الرد من جهة الفطرة:

كل بني آدم، مسلمهم وكافرهم، إذا دعوا الله اتجهت قلوبهم وأيديهم إلى "العلو". فلو كان الله في كل مكان، أو "لا جهة له"، لكان التوجه إلى الأسفل كالتوجه إلى الأعلى، وهذا ما تأباه الفطرة السوية.

 * يقول الإمام الجويني (ت 478هـ) عندما كان يقرر نفي العلو، فناداه أبو جعفر الهمذاني: "يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش والاستواء، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ فإنه ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد في قلبه ضرورة تطلب العلو"، فلطم الجويني رأسه وقال: "حيرني الهمذاني". (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج18، ص 474).

3. الرد من جهة اللغة:

يزعم المعاصرون أن "في السماء" تعني في حيز الظرفية. والرد: أن "في" تأتي بمعنى "على" في لغة العرب، كما في قوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوعها. فقوله "في السماء" أي على السماء وفوقها. (ينظر: ابن القيم، بدائع الفوائد، ج2، ص 38).

4. الرد على فرية "المكان الوجودي":

يقولون: "كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان". والرد: نعم، كان الله ولا عرش ولا سماء، ولكن لم يزل الله عالياً بذاته، فالعلو صفة كمال لا تفتقر إلى وجود مكان مخلوق، بل الله فوق العالم، والعالم تحت الله، ولا يلزم من كونه فوق العالم أن يحتاج إلى العالم، بل هو الغني الحميد. (ينظر: ابن تيمية، بيان تلبيس الجهمية، ج2، ص 412).

رابعاً: إبطال لوازم النفي (ماذا يترتب على نفي الجهة والعلو؟)

إن الذين ينفون الجهة والعلو يقعون في لوازم باطلة لا يستطيعون دفعها:

 * تجهيل الأنبياء: لأن الأنبياء وصفوا الله بالعلو والفوقية، فلو كان ذلك تشبيهاً وحيزاً لكانوا أول من بينه.

 * الوقوع في العدم: وصف الله بأنه "لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته" هو وصف "الممتنع والعدم"، وهذا تنزيه يؤدي إلى العدمية.

 * مخالفة الإجماع: مخالفة ما استقر عليه الصحابة والتابعون من إثبات الفوقية المطلقة لله سبحانه.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق