هذا الأثر للإمام نعيم بن حماد الخزاعي (شيخ البخاري) يُعد من أصرح الآثار في وضع الفواصل الإيمانية بين التوحيد والشرك، وبين الإثبات والتعطيل.
وهو يمثل "قاعدة التكفير بالضدين": الغلو في الإثبات (التشبيه) والغلو في النفي (الجحد).
أولاً: تخريج الأثر ومصادره
أثر نعيم بن حماد ثابت عنه بإسناد صحيح، وقد اعتنى به أئمة الجرح والتعديل والعقيدة:
* شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي: أخرجه بسنده في المجلد الثالث، صفحة 532، أثر رقم (935).
* سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي: في ترجمة نعيم بن حماد، المجلد العاشر، صفحة 610.
* تذكرة الحفاظ للذهبي: المجلد الثاني، صفحة 11.
* العلو للعلي الغفار للذهبي: صفحة 181.
* مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم: المجلد الثاني، صفحة 432.
* فتح الباري لابن حجر العسقلاني: المجلد الثالث عشر، صفحة 407 (في كتاب التوحيد).
ثانياً: ألفاظ الأثر المنقولة
اللفظ الذي اتفقت عليه المصادر هو:
"مَنْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ جَحَدَ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ كَفَرَ، ".
ثالثاً: استعمال الأئمة للأثر (قديماً وحديثاً)
1. الاستعمال القديم (5 أئمة):
* الإمام البخاري (ت 256 هـ): وهو تلميذ نعيم، بنى كتابه "خلق أفعال العباد" على روح هذا الأثر في الرد على الجهمية.
* الإمام اللالكائي (ت 418 هـ): ساقه كأصل أصيل في "شرح أصول الاعتقاد" لبيان كفر من شبه وكفر من جحد.
* شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): احتج به في "الفتوى الحموية" ليثبت أن نفي التشبيه لا يسوغ نفي الصفات، لأن الله أعلم بنفسه.
* الإمام الذهبي (ت 748 هـ): استخدم الأثر للرد على من اتهم علماء الحديث بالحشو والتشبيه، موضحاً أن أئمة الحديث هم أول من كفّر المشبهة.
* ابن القيم الجوزية (ت 751 هـ): استدل به في "النونية" وفي "الصواعق" لبيان أن النجاة في لزوم النص دون زيادة أو نقصان.
2. الاستعمال الحديث (5 علماء):
* الشيخ عبد العزيز بن باز: كان يذكره كثيراً في تقريرات العقيدة الواسطية لبيان أن مذهب السلف وسط بين كفرين.
* الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: استشهد به في "مختصر العلو" لتصحيح المفاهيم العقدية والرد على غلاة التأويل.
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين: شرحه في "القواعد المثلى" ليبين أن الواصف لله بصفاته ليس مشبهاً باتفاق السلف.
* الشيخ صالح الفوزان: يكرره في دروسه "الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد" كقاعدة ذهبية في باب الأسماء والصفات.
* الشيخ عبد المحسن العباد: يستدل به في شرح "سنن أبي داود" لبيان فضل أئمة الحديث في صيانة العقيدة.
رابعاً: الفوائد العقدية (10 فوائد محققة)
* خطورة باب الصفات: الأثر رتب "الكفر" على الانحراف في هذا الباب، مما يدل على أنه أصل الدين وليس من المسائل الفروعية.
* بطلان التشبيه: الجزم بكفر من قال "يد الله كيد المخلوق"، لأن فيه تكذيباً لقوله تعالى: ليس كمثله شيء.
* بطلان الجحد (التعطيل): الجزم بكفر من أنكر ما أثبته الله لنفسه، لأن فيه تكذيباً للقرآن واتهاماً للوحي بالغموض.
* نفي التلازم الموهوم: الفائدة المركزية هي قوله "وليس ما وصف الله به نفسه تشبيهاً"؛ فالإثبات لا يستلزم التشبيه أبداً.
* حجية السنة في العقيدة: قوله "ولا رسوله" يقرن بين وصف الله لنفسه ووصف الرسول له، مما يثبت وجوب الإيمان بأحاديث الصفات.
* الرد على سلاح "التنفير": المعطلة يسمون المثبتة "مشبهة"، فجاء الأثر ليبين أن "المثبت للنص" ليس مشبهاً، بل "المشبه" هو من قاس الخالق على الخلق.
* الوسطية السلفية: الأثر رسم طريقاً ضيقاً للنجاة يقع بين منحدرين: منحدر التشبيه ومنحدر الجحد.
* التكفير بالحق: أثبت الأثر أن التكفير يكون بالضلالات الكبرى التي تمس ذات الله، وهو رد على المرجئة الذين يهونون من مسائل الاعتقاد.
* التوقيفية: لا يجوز وصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا جحد ما وصف به نفسه؛ فالمصدر هو الوحي فقط.
* الأدب مع الوحي: قوله "وليس.. تشبيهاً" يعلم المؤمن أن يحسن الظن بكلام الله، فلا يتوهم فيه نقصاً أو تشبيهاً.
خامساً: علاقة هذا الأثر بالأثار السابقة (أحمد وإسحاق)
هذه الآثار الثلاثة (أحمد، إسحاق، نعيم) تشكل "المثلث الرقابي" لعقيدة أهل السنة:
* أثر الإمام أحمد: وضع "المصدر" (لا نتعدى القرآن والحديث).
* أثر إسحاق بن راهويه: وضع "الضابط " (التشبيه هو قولك: يد كيدي).
* أثر نعيم بن حماد: وضع "الحكم العقدي " (كفر المشبه وكفر الجاحد).
فكأن أحمد يقول لك: "من أين تأخذ؟"
وإسحاق يقول لك: "كيف تفهم؟"
ونعيم يقول لك: "ما جزاء من انحرف؟".
سادساً: من هو نعيم بن حماد؟ (بطاقة تعريفية)
* الاسم: نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي، المروزي، أبو عبد الله.
* المولد والوفاة: ولد في مرو (خراسان) وتوفي سنة 228 هـ مسجوناً في فتنة خلق القرآن.
* مكانته: إمام، حافظ، فقيه، صنف كتاب "الفتن" وهو من كبار أئمة السنة الصابرين في المحنة.
* شيوخه:
* سفيان بن عيينة.
* الفضيل بن عياض.
* وكيع بن الجراح.
* يحيى بن سعيد القطان.
* تلاميذه:
* الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (وهو من كبار شيوخه الذين روى عنهم في صحيحه).
* يحيى بن معين (رفيقه وصاحبه).
* أبو حاتم الرازي.
* أبو زرعة الرازي.
* ثناؤه: قال عنه الإمام أحمد: "كان من الثقات"، وقال عنه المروزي: "كان نعيم من أعلم الناس بالفرائض، وكان يقف في السنة ويصبر في المحنة".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق