عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280 هـ)، وهو صاحب النفس الطويل في المناظرة والتحقيق العقدي، وأثره هذا يعد من أمتن الأدلة في مسألة "الاختصاص" و"الاستئثار" في خلق آدم عليه السلام.
أولاً: تخريج الأثر ومصادره (توثيق أكاديمي)
هذا الأثر ورد في سياق الرد على "بشر المريسي" ومن نحا نحوه في تأويل الصفات:
* كتاب الرد على الجهمية: لعثمان بن سعيد الدارمي، ص 45 (طبعة دار ابن حزم) أو ص 84 (طبعة دار الكتب العلمية).
* نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي العنيد: المجلد الأول، ص 267 (تحقيق الشاويش).
* بيان تلبيس الجهمية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، المجلد الخامس، ص 412 (حيث نقل كلام الدارمي محتجاً به).
* اجتماع الجيوش الإسلامية: لابن القيم، المجلد الثاني، ص 241.
ثانياً: لفظ الأثر المحقق
نص كلام الإمام الدارمي في كتابه "الرد على الجهمية":
> "والله عز وجل له يدان، خلق آدم بيده استئثاراً له، وتفضيلاً له على خلقه، فلم يخلق بيده من الحيوان غيره، وخلق سائر الخلق بقوله: كن فكان".
>
وفي رواية أخرى في "النقض":
> "فلو كانت اليد هي القدرة، لم يكن لآدم على إبليس فضيلة، ولما قال الله لإبليس: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي}، وإبليس أيضاً خُلِق بالقدرة".
>
ثالثاً: استعمالات العلماء للأثر (قديماً وحديثاً)
1. من العلماء القدامى (5 أئمة):
* الإمام ابن خزيمة (ت 311 هـ): اعتمد منهج الدارمي في كتابه "التوحيد" لإبطال تأويل اليد بالنعمة، مستخدماً ذات الحجة (تفضيل آدم).
* الإمام ابن بطة العكبري (ت 387 هـ): في "الإبانة الكبرى"، ساق حجج الدارمي كأصول لا يمكن نقضها في إثبات الصفات الخبرية.
* القاضي أبو يعلى (ت 458 هـ): نقل في "إبطال التأويلات" استدلال الدارمي بـ "الاستئثار" للرد على الأشاعرة الأوائل.
* شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ): كان يلقب الدارمي بـ "الإمام" ويصف كتبه بأنها من أجلّ كتب السنة، واعتمد أثره هذا في "الدرء" و"الحموية".
* الإمام الذهبي (ت 748 هـ): في "سير أعلام النبلاء"، وصف الدارمي بأنه "كان جذعاً في أعين المبتدعة"، واستشهد بصلابته في إثبات اليدين.
2. من العلماء المعاصرين (5 علماء):
* الشيخ عبد العزيز بن باز: كان يثني على كتابي الدارمي ويعدهما مرجعاً في الرد على الجهمية المعاصرين.
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين: في "القواعد المثلى"، بنى قاعدة "امتناع تأويل اليد بالقدرة في حق آدم" على استدلال الدارمي.
* الشيخ الألباني: في تعليقه على "مختصر العلو"، أيد حجة الدارمي في إثبات اليدين حقيقةً لله.
* الشيخ صالح آل الشيخ: في "شرح الفتوى الحموية"، أفرد فصلاً للحديث عن أهمية الدارمي واستدلاله بكلمة "استئثاراً".
* الشيخ عبد الرحمن البراك: في شروحاته العقدية، يؤكد دائماً على "الخصوصية" التي ذكرها الدارمي في خلق آدم.
رابعاً: الفوائد العقدية (10 فوائد محققة)
* إبطال تأويل اليد بالقدرة: وهي الفائدة الكبرى؛ لأن القدرة عامة في كل الخلق، فلو كانت اليد هي القدرة لما كان لآدم مزية على إبليس أو حتى على الجمادات.
* معنى "استئثاراً": تعني أن الله اختص آدم بهذا الفعل (الخلق بيده) لرفع شأنه، والاستئثار لا يكون إلا بصفة خاصة لا يشترك فيها كل الخلق.
* إثبات التثنية (يدان): تأكيد أن لله يدين حقيقيتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى في الكمال والجلال.
* الفرق بين "الخلق باليد" و"الخلق بالقول": الدارمي يفرق بين ما خلقه الله بيده وبين ما خلقه بكلمة "كن"، وهذا يثبت مغايرة الصفات وتعدد أفعال الله.
* التفضيل الإلهي: الصفات الخبرية (كاليد) تستخدم في الوحي للسياق التكريمي، وهو ما يفهم منه الحقيقة لا المجاز.
* الرد على قياس الغائب على الشاهد: الدارمي يثبت اليدين لله دون أن يشبههما بيدي المخلوق، لكنه يثبت "أثر" الصفة في التشريف.
* تقرير علو الله وعظمته: الاستئثار بالخلق باليد يدل على القرب المباشر والمباشرة للفعل بما يليق بقدسية الذات الإلهية.
* استخدام الحجة العقلية المسددة بالوحي: الدارمي استخدم "اللازم العقلي" (لو كانت قدرة لما سجد إبليس) لخدمة النص النقلي.
* بيان جهل أهل البدع بلسان العرب: العرب لا تستخدم "بيدي" (بالتثنية) وتريد بها القدرة (التي هي صفة واحدة).
* ترسيخ اليقين في نصوص الصفات: الأثر يدعو المؤمن للتسليم بظاهر النص مع نفي التمثيل، لأن هذا هو مقتضى تعظيم الله.
خامساً: من هو عثمان بن سعيد الدارمي؟
* الاسم: عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي، السجستاني، أبو سعيد.
* المولد والوفاة: ولد سنة 200 هـ تقريباً وتوفي في ذي الحجة سنة 280 هـ.
* لقبه: لقب بـ "إمام أهل السنة بسجستان"، وكان أحد الأعلام الذين يشد إليهم الرحال.
شيوخه:
* أحمد بن حنبل (أخذ عنه العلم والورع).
* إسحاق بن راهويه (تأثر بمنهجه في الرد على أهل البدع).
* يحيى بن معين (أخذ عنه علم الجرح والتعديل).
* أبو يعقوب البويطي (صاحب الشافعي).
تلاميذه:
* أبو بكر بن خزيمة (إمام الأئمة).
* أبو قاسم الطبراني (صاحب المعاجم).
* أبو حامد الأعمشي.
* أبو نصر الفقيه.
على من رد؟
اشتهر الدارمي بكونه "سيفاً" على أهل البدع، وأبرز من رد عليهم:
* الجهمية: في كتابه الشهير "الرد على الجهمية".
* بشر المريسي: في كتابه "النقض على بشر المريسي"، وهو من أوسع الكتب في مناقشة شبهات المعطلة.
* الكرامية: ناضرهم وأخرجهم من هراة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق