الفوائد العقدية من أثر الإمام مالك رحمه الله قال روى أحاديث الوجه وأقرها دون تأويل
"إمام دار الهجرة"، ومحرر المذهب الأثري في المدينة النبوية، الإمام مالك بن أنس (ت 179 هـ). ومدرسة مالك هي الجسر الرابط بين فقه التابعين وبين تدوين السنة المسندة، وقد كان له قدم صدق في إثبات الصفات الخبرية، والرد على الجهمية والمعتزلة بـ "الإقرار والتسليم".
سنتناول أثر الإمام مالك في صفة الوجه بمنهجك الأكاديمي، مع الإسهاب والتحقيق في الموارد والمصادر.
أولاً: لفظ الأثر وتوثيقه (التحقيق المسندي)
اشتهر عن الإمام مالك إثبات أحاديث الصفات وإمرارها كما جاءت، ومن أبرز ما روي عنه في "الوجه" وما يتصل به:
* في إقرار أحاديث الصفات:
روى الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس، وسفيان الثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، عن الأحاديث التي فيها الصفات؟ فقالوا: "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ".
* المصدر: أخرجه الدارقطني في "الصفات" (ص 75)، والآجري في "الشريعة" (3/1146)، واللالكائي في "شرح أصول الاعتقاد" (3/527).
* في نفي التأويل:
قال الإمام مالك في رواية الهيثم بن خارجة: "مَنْ مَثَّلَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ، أَوْ شَبَّهَ وَجْهَهُ بِوُجُوهِهِمْ، أَوْ يَدَهُ بِأَيْدِيهِمْ؛ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ أَقَرَّ بِمَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ دُونَ تَأْوِيلٍ وَلَا تَمْثِيلٍ؛ فَقَدْ نَجَا".
* المصدر: ذكره الذهبي في "العلو" (ص 138)، وابن عبد البر في "التمهيد" (7/145).
* في الرؤية (لذة النظر للوجه):
قال مالك في قوله تعالى {إلى ربها ناظرة}: "هُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ بِأَعْيُنِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
* المصدر: أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره"، وأبو نعيم في "الحلية" (6/327).
ثانياً: التحقيق العقدي واللغوي (20 قاعدة في مدرسة مالك)
إن منهج مالك هو "منهج المدينة" الذي يقوم على التسليم للنص، وإليك تفكيك القواعد المستنبطة من أثره:
* قاعدة "الإقرار": الإقرار هو اعتراف بالحق مع الالتزام به؛ فمالك يقر بأن لله وجهاً كما نطق القرآن.
* قاعدة "الإمرار": (أمروها كما جاءت) تعني إبقاءها على ظاهرها اللغوي مع نفي الكيفية الحسية.
* بطلان "التأويل": التأويل عند مالك هو "تحريف" للمعنى المراد، وهو فتح لباب التعطيل.
* قاعدة "الكيف مجهول": كما قال في الاستواء، يُطبق مالك ذات القاعدة في الوجه؛ فالوجه معلوم لغة، وكيفيته مجهولة شرعاً.
* نفي "التمثيل": التمثيل عند مالك كفر، لأنه يجعل الخالق كالمخلوق، وهو مناقض لـ {ليس كمثله شيء}.
* إثبات "الحقيقة": مالك لا يرى "الوجه" مجازاً، بل هو صفة حقيقية تليق بعظمة الله.
* تقديم الوحي: مالك كان يقول: "كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر (ﷺ)"؛ فما قاله الرسول عن ربه هو الحق المطلق.
* الرد على المعتزلة: عاصر مالك بدايات انتشار الفكر الاعتزالي، فكانت كلماته "حارسة" لعقيدة السلف في الصفات الخبرية.
* قاعدة "العمل بالخبر": مالك فقيه، والفقيه يعمل بالخبر، والخبر جاء بإثبات الوجه، فالعمل بمقتضاه واجب.
* تعظيم السنة: كان مالك لا يُحدِّث بحديث رسول الله إلا وهو على طهارة تعظيماً للموصوف في الحديث.
* نفي "الجوارح": مالك يثبت "الوجه" صفةً، وينفي مسمى "الجوارح" التي تقتضي التجزئة (كما ذكرنا في الطحاوي).
* إثبات الرؤية العيانية: تأكيده على النظر "بالأعين" رد قاطع على من أول النظر بـ "انتظار الثواب".
* قاعدة "الاستغناء بالوحي": مالك يرى أن العقل إذا خاض في صفات الله بغير وحي ضل وتيه.
* اتساق الذات والصفات: مَن أثبت الذات عند مالك لزمه إثبات صفات الذات (كالوجه واليدين).
* قاعدة "اللغة السليمة": مالك إمام في العربية، ويفهم أن الوجه المضاف لله لا يخرج عن معناه الحقيقي إلا بصارف.
* المنع من الجدال: كان مالك يطرد من يسأل عن "الكيفية" من مجلسه (الاستواء معلوم.. والسؤال عنه بدعة).
* حجية أحاديث الآحاد: كان مالك يحتج بأحاديث الآحاد في العقائد إذا صحت وتلقاها العلماء بالقبول.
* البقاء المطلق: ربط مالك بين إثبات الوجه وبين صفات البقاء والدوام لله.
* التلازم بين الجلال والإكرام: وصفُ الوجه بالجلال (كما في أثر قتادة) أقرّه مالك كصفة ذاتية لا تقبل الصرف.
* الخلاصة المالكية: "النجاة في الاتباع، والهلاك في الابتداع".
ثالثاً: التعريف بالإمام مالك بن أنس (93 - 179 هـ)
* الاسم: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة.
* المولد: ولد بالمدينة النبوية سنة 93 هـ.
* مكانته: أحد الأئمة الأربعة، صاحب "الموطأ"، قال عنه الشافعي: "إذا ذُكر العلماء فمالك النجم".
* شيوخه: نافع مولى ابن عمر، ابن شهاب الزهري، ربيعة الرأي، جعفر الصادق.
* تلاميذه: الشافعي، ابن القاسم، ابن وهب، القعنبي، الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
* وفاته: توفي بالمدينة سنة 179 هـ ودفن بالبقيع.
رابعاً: مدرسة مالك في الصفات
تتميز مدرسة مالك بـ:
* هيبة النص: عدم السماح بالخوض العقلي في كنه الصفات.
* الوضوح: كلمات مالك قصيرة، مركزة، قاطعة للنزاع.
* الأثرية: الالتزام بما كان عليه الصحابة والتابعون في المدينة.
خامساً: المنظومة التعليمية (تتمة للأرجوزة)
> وَمَالِكٌ نَجْمُ الهُدَى في المَدينَةْ ... قَدْ ثَبَّتَ الآثَارَ واليَقينَةْ
> أَحَادِيثَ "الوَجْهِ" أَقَرَّهَا بِلا ... تَأْوِيلِ مَنْ بِعَقْلِهِ قَدْ ضَلَّلا
> "أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ" مَقَالُهْ ... تَلِيقُ بِالمَوْلَى وعِزِّ جَلَالُهْ
> فَمَنْ نَفَى أَوْ كَيَّفَ المَعْبُودَا ... فَقَدْ جَفَا الإسْلَامَ والمَحْمُودَا
سادساً: (الخلاصة)
إن أثر الإمام مالك "أقروها دون تأويل" هو القاعدة الفاصلة التي تفرق بين "المثبت" و"المعطل"؛ فالمثبت يقر باللفظ والمعنى ويفوض الكيف، والمعطل ينفي اللفظ أو يغير المعنى بدعوى "التنزيه". ومالك جعل التنزيه في "نفي المماثلة" مع "بقاء الإثبات".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق