الأربعاء، 25 مارس 2026

أثر الإمام حماد بن زيد المتوفي ١٧٩قال إنما يدور هؤلاء الجهمية على أن يقولوا ليس في السماء إله لانكارهم الصفات كالقبض والبسط

 يعتبر أثر الإمام حماد بن زيد (ت: 179هـ) من أشهر وأقوى الآثار السلفية التي كشفت حقيقة المذهب الجهمي في وقت مبكر، وهو عمدة في باب الرد على المعطلة.

أولاً: تخريج الأثر

يروى هذا الأثر عن حماد بن زيد بألفاظ متقاربة، وقد اعتنى أئمة السنة بإيراده في كتب "العقيدة والسنّة" المسندة:

 * عبد الله بن أحمد في كتاب "السنة": رواه بسنده قال: «حدثني أبي، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: سمعت حماد بن زيد، يقول: إنما يحاول هؤلاء - يعني الجهمية - أن يقولوا: ليس في السماء شيء».

 * البخاري في "خلق أفعال العباد": ذكره بلفظ قريب في معرض الرد على منكري الاستواء.

 * ابن بطة في "الإبانة الكبرى": أخرجه بإسناد صحيح عن سليمان بن حرب عن حماد.

 * الذهبي في "العلو": وصحح إسناده ووصفه بأنه من أصح النقول عن أئمة السلف.

ثانياً: الفوائد العقدية من الأثر

يحتوي هذا الأثر المختصر على دلالات عميقة في أصول الاعتقاد، منها:

 * إثبات علو الله العليّ الأعلى: الأثر صريح في أن إنكار الصفات (كالقبض والبسط والاستواء) يؤدي بالضرورة إلى إنكار وجود الخالق فوق عرشه.

 * كشف حقيقة "التعطيل": يوضح حماد بن زيد أن الجهمية لا يصرحون بالكفر ابتداءً، بل "يدورون" حوله عبر نفي الصفات، فالغاية النهائية للتعطيل هي العدم.

 * الرد على القول بـ "الحلول" أو "نفي الجهة": حين يقولون "ليس في السماء إله"، فهم إما يقصدون أنه في كل مكان (حلول) أو أنه لا داخل العالم ولا خارجه (عدم)، وكلاهما ضلال.

 * تلازم الصفات والذات: نفي الصفات عند السلف هو نفي للموصوف؛ لأن ذاتاً بلا صفات هي ممتنعة الوجود في العقل.

ثالثاً: كلام العلماء وتعليقاتهم (قديماً وحديثاً)

1. العلماء قدامى:

 * الإمام أحمد بن حنبل: استشهد بمضمون هذا الكلام في محنته وفي رده على الجهمية، مبيناً أن مآل قولهم هو جحد الصانع.

 * الإمام ابن تيمية: اعتنى بهذا الأثر جداً في "درء تعارض العقل والنقل" و**"بيان تلبيس الجهمية"**، وقال ما معناه: إن حماد بن زيد من أعلم الناس بمقالات الجهمية لأنه عاصر بداياتهم، وقد فطن إلى أن نفي الصفات الخبرية هو بريد لنفي الخالق نفسه.

 * الإمام ابن القيم: ذكره في "الصواعق المرسلة" ونظم معناه في "النونية"، مؤكداً أن المعطل يعبد عدماً.

2. العلماء المحدثون والمعاصرون:

 * الشيخ عبد العزيز بن باز: كان يكرر هذا الأثر في دروسه (مثل شرح "العقيدة الطحاوية") لبيان خطورة التأويل الذي يفضي إلى نفي الخالق.

 * الشيخ محمد بن صالح العثيمين: في شرحه لـ "الفتوى الحموية"، علق على هذا الأثر موضحاً أن الجهمية استخدموا "نفي التشبيه" ستاراً للوصول إلى "نفي الإله".

 * الشيخ صالح الفوزان: أشار إليه في تعليقاته على كتب السنة، مبيناً أن هؤلاء الجهمية أرادوا إيهام الناس بتنزيه الله، بينما حقيقة قولهم هي "الإلحاد" (ميل عن الحق إلى العدم).

رابعاً: من تناول الأثر بالتعليق المفصل

إليك أبرز المصنفات التي ناقشت هذا الأثر تفصيلاً:

 * الإمام الذهبي في كتابه "العلو للعلي الغفار": أفرد له مكاناً وساق الأسانيد إليه وعلق عليه ببيان جلالة حماد بن زيد وإمامته.

 * ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية": جعله من ضمن الأدلة من أقوال التابعين وأتباعهم على إثبات الاستواء والعلو.

 * الشيخ الألباني في مختصره لكتاب العلو، حيث أكد على ثبوته وأهميته في حسم مادة النزاع مع المعطلة.

ملاحظة: يركز العلماء في تعليقهم على كلمة "يدورون"، مشيرين إلى "التقية" أو "التدرج" الذي يسلكه أهل البدع؛ فهم لا يصادمون الفطرة مباشرة بإنكار الخالق، بل يهدمون أركان الإيمان به صفة تلو الأخرى


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق