ننتقل الآن إلى مدرسة التفسير بالأثر، ومع إمام المفسرين وحبر التابعين مجاهد بن جبر (ت 104 هـ)، تلميذ ابن عباس الذي عرض عليه القرآن ثلاث عرضات يقفه عند كل آية يسأله فيم نزلت وكيف كانت.
هذا الأثر الذي ذكرتَه في قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، وقوله: {إِلَّا هُوَ}، يُعد من أدق المسائل التي تنازعها أهل الإثبات وأهل التأويل، وسنفصله تفصيلاً أكاديمياً استقرائياً يجمع بين الرواية والدراية.
أولاً: تخريج الأثر ومصادره (التحقيق المسندي)
هذا الأثر ثابت عن مجاهد، وقد اعتنى بنقله أئمة الحديث والتفسير المسند:
* صحيح البخاري: كتاب التفسير، سورة القصص، باب قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه}. قال البخاري: "وقال مجاهد: إلا هو". (رواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم).
* تفسير ابن جرير الطبري: المجلد 20، ص 146، قال: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، في قوله: {كل شيء هالك إلا وجهه} قال: "إلا هو".
* تفسير ابن أبي حاتم: المجلد 9، ص 3014، رقم (17105).
* الأسماء والصفات للبيهقي: المجلد 2، ص 102، رقم (672).
* فتح الباري لابن حجر: المجلد 8، ص 505 (شرح حديث سورة القصص).
ثانياً: التحقيق اللغوي والعقدي (20 قاعدة في فهم الأثر)
إن قول مجاهد "إلا هو" ليس نفياً لصفة الوجه، بل هو تقرير لقاعدة لغوية وعقدية كبرى، وإليك تفصيل ذلك:
* قاعدة "التعبير بالجزء عن الكل": في لغة العرب، يُعبر بالوجه عن "الذات" تشريفاً وتكريماً، لأن الوجه هو أشرف ما في الموصوف وبه تقع المواجهة.
* إثبات الذات بصفاتها: عندما يقول مجاهد "إلا هو" (أي إلا ذاته)، فإنه يثبت ذاتاً متصفة بالوجه، ولا يتصور عقل سوي ذاتاً بلا صفات.
* الرد على المعطلة: المعطلة زعموا أن مجاهداً "أوَّل" الوجه بالذات ليهرب من إثبات الصفة. والرد عليهم: أن مجاهداً ثبت عنه في آيات أخرى إثبات الصفات الخبرية، وقوله "إلا هو" هنا لتفسير "المقصود بالبقاء"، فالباقي هو الله بذاته المتصفة بالوجه.
* دلالة السياق: سياق الآية في مقام "الهلاك والبقاء"، والهالك هو الخلق، والباقي هو الخالق بذاته، ففسر مجاهد اللفظ بما يناسب سياق العظمة.
* قاعدة "ذو الجلال": في آية الرحمن قال: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال}، فجاء النعت مرفوعاً (ذو) ليصف الوجه، مما يدل على أن الوجه صفة ذاتية، وفسره مجاهد بـ "هو" لأن الوجه لا ينفك عن الذات.
* أشرف الصفات: ذكر الوجه هنا تنبيه على عظمة الذات، فإذا كان وجهه لا يهلك، فمن باب أولى أن ذاته سبحانه هي الباقية الدائمة.
* التحقيق عند البخاري: إيراد البخاري لهذا الأثر في "صحيحه" (كتاب التوحيد وكتاب التفسير) دليل على أنه يراه موافقاً لمعتقد أهل السنة في إثبات الذات والصفات معاً.
* قول ابن جرير الطبري: رجح الطبري قول مجاهد وقال: "عنى بالوجه: نفسه"، وهذا إجماع عند السلف أن الوجه المضاف لله يراد به هو سبحانه بصفاته.
* الرد على من أوله بـ "القبلة": روي عن مجاهد أثر آخر في آية البقرة {فثم وجه الله} قال: "قبلة الله"، وهذا خاص بآية القبلة، أما في آية القصص (الهلاك) ففسره بالذات (هو).
* الملازمة العقلية: لا يصح في العقل أن يبقى "الوجه" ويهلك ما سواه، فثبت أن المراد بقاء الرب بصفاته.
* تحقيق ابن تيمية: قال في (مجموع الفتاوى 6/422): "قول السلف (إلا وجهه أي إلا هو) معناه: إلا إياه، وهذا لا ينفي أن يكون له وجه، بل يثبت أن وجهه من لوازم ذاته".
* إبطال المجاز: التعبير بالوجه عن الذات في حق الله هو حقيقة شرعية، لأن الله سمى نفسه بذلك.
* قاعدة "التعريف بالذات": "هو" ضمير يعود على الله، والوجه صفة لله، والخبر عن الصفة خبر عن الموصوف.
* اتساق مدرسة مجاهد: مجاهد هو الذي أثبت "المقام المحمود" (إجلاس النبي على العرش)، فمن يثبت الأفعال والصفات العلية لا ينفي صفة الوجه.
* دقة اللفظ: لم يقل مجاهد "إلا ثوابه" (كما قالت الجهمية)، بل قال "إلا هو"، والثواب غير "هو".
* الرد على المشركين: المشركون عبدوا أوثاناً تهلك بذواتها، ومجاهد يقرر أن المعبود الحق هو الباقي بذاته (وجهه).
* البقاء المطلق: بقاء الله ذاتي، وبقاء الجنة والنار بإبقاء الله لهما، وفسر مجاهد "الوجه" بالذات ليبين الاستحقاق الذاتي للبقاء.
* التلازم اللغوي: العرب تقول "هذا وجه الرأي" أي الرأي نفسه، فكيف بملك الملوك.
* نفي التجزئة: قول مجاهد "إلا هو" يمنع توهم المتكلمين أن الوجه "جزء" ينفك عن الذات (تعالى الله عن ذلك).
* الخلاصة المنهجية: أثر مجاهد تطبيق لقاعدة: "الصفة تابعة للموصوف في الوجود والبقاء".
ثالثاً: التعريف بالإمام مجاهد بن جبر (ت 104 هـ)
* الاسم والكنية: أبو الحجاج، مجاهد بن جبر المخزومي المكي (مولاهم).
* المولد: ولد في خلافة عمر بن الخطاب سنة 21 هـ.
* مكانته: إمام أهل التفسير والقراءات، قال عنه الثوري: "إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به".
* علاقته بابن عباس: قال: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها".
* شيوخه: ابن عباس، عائشة، سعد بن أبي وقاص، أبو هريرة، جابر بن عبد الله.
* تلاميذه: قتادة، الحكيم بن عتيبة، عمرو بن دينار، ابن جريج، الأعمش.
* وفاته: توفي وهو ساجد بمكة سنة 104 هـ، وله 83 سنة.
رابعاً: مدرسة مجاهد في الصفات
تميز مجاهد بأنه "أثري محقق"، ومن معتقده الثابت:
* إثبات الرؤية: فسر قوله {إلى ربها ناظرة} بالنظر الحقيقي بالعين.
* إثبات الاستواء: أثبت علو الله على عرشه كما جاء في الآثار.
* إثبات كلام الله: كان يرى القرآن كلام الله غير مخلوق.
* تعظيم الآثار: كان يشدد على لزوم ما جاء عن الصحابة في التفسير والاعتقاد.
خامساً: المنظومة التعليمية (تتمة للأرجوزة)
> وَقَالَ فِي "القصصِ" شَيْخُ العُلَمَا ... مُجَاهِدٌ مَنْ لِلتَّفَاسِيرِ سَمَا
> "إلَّا هُوَ" في قَوْلِهِ "إلَّا وَجْهَهْ" ... يُرِيدُ ذَاتَ الرَّبِّ نَفْيَ السَّبْهَهْ
> وَالوَجْهُ أَشْرَفُ مَوْصُوفٍ بِهِ الذَّاتْ ... فَبَانَ أنَّ اللهَ بَاقٍ لِلْفَوَاتْ
> لَمْ يَنْفِ صِفَةً وَلَمْ يُؤَوِّلْ ... بَلْ فَهْمُ ذَاتِ اللهِ كَانَ الأوَّلْ
>
سادساً: التحقيق المقارن
عند تناول هذا الأثر، يجب تنبيه الطلاب إلى الفرق بين تفسير مجاهد (إلا هو) وتفسير المعطلة:
* مجاهد: يفسر الوجه بالذات (المتصفة بالوجه) لأن البقاء للذات والصفة معاً.
* المعطلة: يفسرون الوجه بـ (الثواب) أو (الجهة) ليفروا من إثبات الصفة أصلاً.
الفارق الجوهري: أن مجاهداً يرى أن "هو" (الله) له وجه حقيقي، بينما المعطل يرى أن لفظ "وجه" مجاز لا حقيقة له.
الخلاصة:
أثر مجاهد بن جبر في سورة القصص هو "عمدة" في إثبات بقاء الذات الإلهية بصفاتها العلية، وهو رد لغوي بليغ يُبين أن الله هو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق