الخميس، 26 مارس 2026

الفوائد العقدية المستخرجة من حديث النزول

الفوائد العقدية المستخرجة من حديث النزول 

وننتقل إلى صفة من أصول صفات الأفعال التي ثبتت بالنقل الصحيح، وهو "حديث النزول الإلهي"، الذي يعد محكاً بين أهل الإثبات وأهل التعطيل.

أولاً: تخريج الحديث والحكم عليه

هذا الحديث من أصح الأحاديث وأعلاها درجة، بل عده جمع من العلماء (كابن القيم والذهبي) من الأحاديث المتواترة معنوياً لكثرة طرقه عن الصحابة.

 * صحيح البخاري: (كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل)، رقم الحديث: 1145.

 * صحيح مسلم: (كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل)، رقم الحديث: 758.

 * السنن الأربعة: رواه أبو داود (4733)، والترمذي (446)، والنسائي في الكبرى، وابن ماجه (1366).

 * المسانيد: رواه الإمام أحمد في مسنده عن جمع من الصحابة (أبي هريرة، وجابر، وأبي سعيد، وغيرهم).

الحكم: حديث صحيح متفق عليه، بل هو في أعلى درجات الصحة.

ثانياً: عشر فوائد عقدية وإيمانية من الحديث

 * إثبات صفة النزول: نزولاً حقيقياً يليق بجلاله سبحانه، لا يشبه نزول المخلوقين.

 * إثبات صفة العلو: إذ النزول لا يكون إلا من علو، وهذا يؤكد ما سبق في آيات الاستواء وحديث الجارية.

 * إثبات الأفعال الاختيارية: أن الله يفعل ما يشاء متى شاء (ينزل إذا مضى ثلث الليل).

 * إثبات صفة الكلام: قوله ﷺ: "يقولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ"، فالله يتكلم متى شاء بما شاء.

 * سعة كرم الله ورحمته: فنزوله إلى السماء الدنيا هو ليتودد إلى عباده ويجيب دعاءهم.

 * إثبات المجازاة بالمثل: (يدعوني فاستجيب، يسألني فأعطيه، يستغفرني فأغفر له).

 * تخصيص ثلث الليل الآخر: دلالة على شرف هذا الوقت وأنه وقت الإجابة والقرب.

 * الرد على المعطلة: الذين يؤولون النزول بنزول "أمره" أو "ملك من ملائكته"، فالمَلَك لا يقول: "اغفروا لي" أو "ادعوني".

 * إثبات صفة القول: "يقول" دلالة على أن قوله مسموع بصوت وحرف يليق بجلاله عند أهل السنة.

 * تزكية النفس: الحديث يورث في قلب المؤمن الرجاء والحرص على قيام الليل لعلمه بقرب ربه.

ثالثاً: القواعد السلفية المنبنية على الحديث

 * قاعدة (النزول لا ينافي العلو): نثبت نزوله سبحانه مع بقاء علوه على عرشه، فليس نزوله كنزول الأجسام الذي يقتضي خلو المكان.

 * قاعدة (السمعيات تُتلقى بالتسليم): ما دام الخبر صح عن الصادق المصدوق، وجب الإيمان به دون سؤال "كيف".

 * قاعدة (الصفات تُمرُّ كما جاءت): بلا تحريف للمنى، ولا تعطيل للوصف، ولا تكييف للهيئة، ولا تمثيل بالمخلوق.

رابعاً: الطريقة الاستدلالية وأقوال الأئمة

استدل أهل السنة بهذا الحديث على أن الله فوق السماء، وأن فعله حقيقي.

 * الإمام مالك: سُئل عن النزول فقال: "ينزل أمره، فأما هو فإنه دائم لا يزول"، ولكن نُقِل عنه في "التمهيد" لابن عبد البر إثبات النزول الذاتي وكسر التأويلات الجهمية.

 * الإمام الشافعي وأحمد: أجمعوا على إمرار الحديث كما جاء، وكان الإمام أحمد يقول: "ينزل كيف شاء، لا نحدُّ في ذلك حداً".

 * شيخ الإسلام ابن تيمية: أفرد "شرح حديث النزول" في مجلد كامل، وقرر فيه أن النزول حقيقي، وأنه لا يلزم منه خلو العرش، لأن خصائص الربوبية لا تُقاس بخصائص المخلوقين.

 * الإمام ابن القيم: ذكر في "الصواعق المرسلة" أن النزول من مقتضيات علوه ورحمته، وأن القول بأن النازل هو "أمره" جهل محض؛ لأن أمره ينزل في كل وقت، وليس في ثلث الليل فقط.

خامساً: إضافة للأرجوزة (خاصة بحديث النزول)

وَمِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ "النُّزُولُ" ... حَقًّا كَمَا قَدْ نَقَلَ العُدُولُ

فِي كُلِّ لَيْلٍ لِلسَّمَاءِ الدُّنْيَا ... يَنْزِلُ رَبِّي بَاسِطاً لِلْعُلْيَا

يَقُولُ: "مَنْ يَدْعُو؟" فَنِعْمَ القَوْلُ ... وَمَنْ سِوَاهُ مَلِكٌ لَهُ الطَّوْلُ؟

فَأَثْبِتَنْ نُزُولَهُ كَمَا وَرَدْ ... مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ لَهُ عَلَى أَحَدْ

هَذَا هُوَ الإِيمَانُ عِنْدَ أَحْمَدَا ... وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَالْهُدَى



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق