الخميس، 26 مارس 2026

الفوائد العقدية المستخرجة من حديث الخلق

 الفوائد العقدية المستخرجة من حديث الخلق

ننتقل الآن إلى حديث عظيم الشأن، يجمع بين إثبات الكتابة السابقة للمقادير وإثبات علو الله فوق عرشه، وهو "حديث الكتاب فوق العرش".

أولاً: تخريج الحديث والحكم عليه

الحديث من أصح ما ورد، وقد اتفق عليه الشيخان وغيرهما:

 * صحيح البخاري: (كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ})، رقم الحديث: 7404. ورواه في مواضع أخرى برقم (3194) و (7422).

 * صحيح مسلم: (كتاب التوبة، باب في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه)، رقم الحديث: 2751.

 * سنن النسائي: رقم (11209).

 * مسند الإمام أحمد: رقم (7187).

   الحكم: صحيح متفق عليه في أعلى درجات الصحة.

ثانياً: الناحية اللغوية للحديث والرد على المبتدعة

لفظ الحديث: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي".

 * كلمة "عِنْدَهُ": "عند" ظرف للمكان أو المكانة، واقترانها بـ "فوق العرش" صريح في أن الكتاب في مكان مخصوص بعلو الذات الإلهية، وهي تبطل قول من قال إن الله في كل مكان، لأن "العندية" هنا مضافة لذاته سبحانه.

 * كلمة "فَوْقَ": نص صريح في الفوقية المكانية الحقيقية التي تقتضي علو الكتاب وعلو كاتب الكتاب سبحانه فوق العرش.

 * إسناد "الكتابة" و "القضاء": أفعال حقيقية لله عز وجل، فالقضاء فعل، والكتابة فعل، والوضع (فوق العرش) فعل، وكلها تدل على قيام الأفعال الاختيارية بذاته.

ثالثاً: عشر فوائد عقدية وإيمانية

 * إثبات صفة الكتابة: أن الله كتب كتاباً حقيقياً.

 * إثبات صفة العلو والفوقية: (فوق العرش) نص قاطع لا يحتمل التأويل.

 * إثبات صفة الرحمة والغضب: وهما صفتان لله يليقان بجلاله.

 * سبق الرحمة للغضب: دلالة على سعة كرمه وفضله على خلقه.

 * إثبات وجود العرش: وأنه مكان استقرار الكتاب بوضعه فوقه.

 * إثبات صفة "العندية" الذاتية: (فهو عنده) تدل على القرب والمكانة والعلو.

 * كمال العلم الإلهي: فالله كتب المقادير قبل وقوعها (لما قضى الخلق).

 * الرد على القدرية: الذين ينفون سبق الكتابة والعلم للأفعال.

 * تعظيم شأن الكتاب المحفوظ: لكونه وُضع في أسمى مكان (فوق العرش).

 * بث الطمأنينة في قلب المؤمن: لأن رحمته هي التي غلبت، فيرجو العبد رحمة ربه ويخشى غضبه.

رابعاً: القواعد السلفية المنبنية على الحديث

 * قاعدة (الأصل في النصوص الحقيقة): فلا يجوز صرف "فوق" عن معناها المكاني إلا بدليل، ولا دليل هنا.

 * قاعدة (إثبات جهة العلو): وهي الجهة الوحيدة التي تليق بكمال الخالق، والحديث أثبتها بـ "فوق العرش".

 * قاعدة (التلازم بين العلو والعرش): كلما ذُكر العرش ذُكر العلو، مما يدل على أنهما متلازمان في العقيدة.

خامساً: أقوال الأئمة ومصادرها

 * الإمام أحمد: استدل بهذا الحديث في "الرد على الجهمية" لإثبات أن الله فوق العرش، مبيناً أن "عنده" تقتضي مكاناً هو أعلى الأماكن.

 * الإمام الشافعي: ذكره في سياق إثبات ما وصف الله به نفسه من العلو، كما نقل عنه الذهبي في "العلو للعلي الغفار".

 * شيخ الإسلام ابن تيمية: في (مجموع الفتاوى ج 5)، قرر أن هذا الحديث من أقوى الأدلة على أن الله فوق العرش بذاته، لأن الكتاب "عنده"، والكتاب "فوق العرش"، فتعين أن يكون الله "فوق العرش".

 * الإمام ابن القيم: في (نونيته) الشهيرة وفي (اجتماع الجيوش الإسلامية)، قال: "وهذا صريح في أن الكتاب فوق العرش، والله فوق الكتاب، لأنه عنده".

الخاتمة: تتمة الأرجوزة (باسم عماد الدين)

وَخُذْ مِنَ الأَخْبَارِ نَصًّا ثَابِتَا ... حَقًّا بِـ "عِنْدِيَّةِ" رَبِّي ثَابِتَا

إِذْ كَتَبَ المَوْلَى كِتَاباً عِنْدَهُ ... فَوْقَ العُرُوشِ كَمَا أَرَادَ وَحْدَهُ

بِأَنَّ رَحْمَتِي لِغَضَبِي غَلَبَتْ ... سُبْحَانَ مَنْ لَهُ المَحَامِدُ انْتَهَتْ

قَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ وَكَذَا الشَّافِعِي ... هَذَا هُوَ الحَقُّ بِغَيْرِ مَانِعِ

وَابْنُ تَيْمِيَّةَ زَادَهُ جَلَاءْ ... بِأَنَّهُ الفَوْقُ لِرَبِّ السَّمَاءْ

فَاحْفَظْ "عِمَادَ الدِّينِ" هَذَا المَنْهَجَا ... تَنَلْ مِنَ التَّوْحِيدِ صَرْحاً أَبْلَجَا



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق