الفوائد العقدية المستخرجة من أثر الإمام ابن عبد البر المالكي في نقل إجماع السلف على إثبات الصفات كما جاءت المبحث: «قاعدة الإثبات الحقيقي ونفي المجاز عند إمام المغرب ابن عبد البر»
ننتقل الآن إلى الإمام المحدِّد، فقيه المغرب ومحدثه، الإمام ابن عبد البر الأندلسي (ت 463 هـ)، الذي وضع في كتابه "التمهيد" القاعدة الذهبية التي حسمت مذهب أهل السنة في التعامل مع الظاهر والحقيقة والمجاز.
المبحث: «قاعدة الإثبات الحقيقي ونفي المجاز عند إمام المغرب ابن عبد البر»
أولاً: عزو الأثر وتوثيقه (الاستخراج والنسبة)
نص الأثر: «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة».
المصادر والمراجع:
* ابن عبد البر في "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد": المجلد 7، الصفحة 145 (طبعة المغرب - وزارة الأوقاف).
* ابن عبد البر في "الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار": المجلد 8، الصفحة 150.
* الذهبي في "العلو للعلي الغفار": الصفحة 250 (نقل الإجماع عن ابن عبد البر).
* ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": المجلد 5، الصفحة 87.
الحكم على النسبة: النسبة قطعية ويقينية؛ فقد سطرها الإمام في مقدمات كتبه، وتلقاها العلماء عنه بالقبول كإجماع منقول لا ينازع فيه سني.
ثانياً: التدقيق اللغوي للأثر
* "الإقرار": لغوياً هو الاعتراف والالتزام بالشيء، وعقدياً هو إثبات اللفظ والمعنى كما وردا.
* "الحقيقة": هي استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي الذي وضع له في اللغة (كعلو الله على عرشه حقيقة).
* "المجاز": هو صرف اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنى آخر لعلاقة وقرينة (كقولهم استوى بمعنى استولى)، وهو ما نفاه ابن عبد البر هنا.
ثالثاً: المقارنة التحليلية (الفرق بين الحقيقة والمجاز والـتأويل)
1. المقارنة بين الحقيقة والمجاز:
* الحقيقة هي الأصل في الكلام، والمجاز فرع لا يُلجأ إليه إلا بضرورة وصرف الدليل القطعي.
* الحقيقة في الصفات تعني إثبات "ذات الصفة" لله على ما يليق بجلاله، والمجاز يعني نفي الصفة وجعلها بمعنى آخر (كالرحمة بمعنى إرادة الإنعام).
* أهل السنة يحملون النصوص على الحقيقة لأن الله خاطبنا بلسان عربي مبين، والأصل في العرب الحقيقة.
2. المقارنة بين المجاز والتأويل:
* المجاز هو الوسيلة اللغوية، والتأويل هو الفعل العقلي الذي يصرف اللفظ.
* التأويل المذموم هو "التحريف" الذي يزعم أن ظاهر النص غير مراد، بينما الإثبات الحقيقي يرى أن ظاهر النص هو المراد وهو اللائق بالله.
رابعاً: القواعد العقدية والأصولية المستنبطة من الأثر
* قاعدة "الأصل في الكلام الحقيقة": لا يجوز الانتقال للمجاز في صفات الله إلا بدليل سمعي (التمهيد ج7 ص145).
* قاعدة "حجية الإجماع المنقول": ابن عبد البر نقل "إجماع أهل السنة"، والإجماع حجة قطعية تفوق الأدلة الظنية.
* قاعدة "نفي التكييف لا ينفي الحقيقة": نثبت الحقيقة ونفوض الكيفية، وهذا هو الجمع بين العقل والنقل.
خامساً: من استشهد بهذا الأثر من العلماء
* الإمام ابن تيمية: في "الحموية الكبرى" ص 321، وفي "مجموع الفتاوى" ج5 ص87، حيث جعل قول ابن عبد البر حجة على الأشاعرة المتأخرين.
* الإمام الذهبي: في "سير أعلام النبلاء" ج18 ص161، وفي كتاب "العلو".
* الإمام ابن القيم: في "مختصر الصواعق المرسلة" ج2 ص342، عند رده على الطاغوت الثالث (المجاز).
سادساً: عشر فوائد على هذا الأثر
* وضوح العقيدة: أن مذهب السلف لا لغز فيه ولا تعقيد.
* ضبط لسان العرب: احترام دلالات الألفاظ العربية.
* إثبات علو الله: لأن العلو حقيقة وليس مجازاً.
* الرد على المعتزلة: الذين جعلوا الصفات مجازات عقلية.
* تواتر الإجماع: أن أهل السنة في المغرب والمشرق على كلمة واحدة.
* الإيمان بالوحيين: (الكتاب والسنة) كلاهما يُحمل على الحقيقة.
* سلامة الصدر: التسليم لله ولرسوله ﷺ.
* الرد على "التفويض": لأن الإثبات الحقيقي يقتضي فهم المعنى.
* التنزيه بلا تعطيل: إثبات الحقيقة مع نفي التكييف هو عين التنزيه.
* المنهجية الأثرية: تقديم الآثار على القواعد المنطقية اليونانية.
سابعاً: مبحث الصفات الخبرية والذاتية والفعلية (علاقة الأثر بالعلو)
أكد ابن عبد البر أن العلو والاستواء هما صفات "حقيقية". وإليك سرد لبعض الصفات التي تُحمل على الحقيقة:
* الصفات الذاتية: (الحياة، العلم، القدرة، السمع، البصر) - نثبتها حقائق لله.
* الصفات الخبرية: (الوجه، اليدان، العينان) - نثبتها حقائق بلا تمثيل، كقوله تعالى: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ}، وقوله: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ}.
* الصفات الفعلية: (الاستواء، النزول، المجيء، الضحك) - نثبتها حقائق تليق بجلاله، فالله "ينزل" حقيقة، و"استوى" حقيقة.
العلاقة: أثر ابن عبد البر ينسف قول من قال: "استوى بمعنى استولى"، لأن "استولى" مجاز، وابن عبد البر يقول: "حملها على الحقيقة لا على المجاز".
ثامناً: ترجمة الإمام ابن عبد البر
* هويته: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، أبو عمر. (363 - 463 هـ).
* عقيدته: سلفية أثرية، وافق السلف في الصفات والقدر والإيمان.
* مذهبه: كان مالكياً، ويقال إنه صار مجتهداً يميل إلى مذهب أهل الحديث.
* شيوخه: أبو عمر أحمد بن عبد الله بن الفرضي، وابن عفيف.
* تلاميذه: الإمام ابن حزم الأندلسي (تلمذه عليه في الحديث)، وأبو علي الغساني.
* وفاته: توفي في شاطبة بالأندلس وله من العمر مائة عام، قضاها في خدمة السنة.
الخاتمة: علاقة هذا الأثر بإثبات العلو والاستواء
علاقة هذا الأثر هي "القطعية في التفسير". فإذا قلنا إن الاستواء حقيقة، بطل أن يكون (استيلاء)، وبطل أن يكون (قهراً)، وتعين أن يكون (علواً وارتفاعاً)؛ لأن هذا هو المعنى الحقيقي الوحيد للفظ في لسان العرب
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق