الفوائد العقدية المستخرجة من أثر الإمام عبدالله بن المبارك
اشتهر هذا الأثر عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت عبد الله بن المبارك، قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه».
هذا الأثر عن الإمام "جبل السنة" عبد الله بن المبارك يُعد من الركائز الأساسية في تقرير منهج السلف في باب الصفات، وتحديداً مسألة "العلو" و"المباينة". إليك هذا البحث المفصل وفق المنهجية التي طلبتها:
1. تخريج الأثر ومصادره وحكمه
اشتهر هذا الأثر عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت عبد الله بن المبارك، قلت: كيف نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه».
المصادر:
* عبد الله بن أحمد في "السنة": (1/174) برقم (216).
* الإمام الدارمي في "الرد على الجهمية": ص (67) برقم (103).
* البخاري في "خلق أفعال العباد": ص (11).
* ابن خزيمة في "التوحيد": (1/121) برقم (149).
* البيهقي في "الأسماء والصفات": (2/336) برقم (862).
درجة الأثر:
صحيح ثابت. رواه الأئمة بأسانيد صحيحة عن علي بن الحسن بن شقيق (وهو ثقة حافظ) عن ابن المبارك. قال الذهبي في "العلو": «هذا صحيح ثابت عن ابن المبارك».
2. الناحية اللغوية ومعنى "بائن من خلقه"
كلمة "بائن" في اللغة اسم فاعل من "بانَ"، وتأتي بمعنيين متلازمين هنا:
* الانفصال: أي أن الله سبحانه ليس مختلطاً بخلقه، ولا حالاًّ فيهم.
* الظهور والتميز: من "البيان"، فهو سبحانه متميز عن خلقه بذاته وصفاته.
أصالة الكلمة عند السلف:
لم تكن كلمة "بائن" ابتداعاً في الدين، بل كانت ضرورة شرعية للرد على الجهمية الذين زعموا أن الله في كل مكان (الحلول والاتحاد).
* وردت عن أئمة التابعين وتابعيهم كالأوزاعي، وحماد بن زيد، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه.
* قال الإمام أحمد لما سئل عن الله: «هو على العرش بائن من خلقه».
* أصبحت هذه الكلمة "شعاراً" لأهل السنة لتمييز معتقدهم عن أهل البدع.
3. عشر فوائد مستنبطة من الأثر
* إثبات العلو المطلق: أن الله فوق سماواته بذاته.
* إثبات صفة العرش: وأنه سبحانه مستوٍ عليه كما يليق بجلاله.
* إمكانية المعرفة: قوله "نعرف ربنا" يدل على أن معرفة الله بصفاته ممكنة ومطلوبة شرعاً.
* الرد على الحلولية: الذين يقولون إن الله في كل مكان.
* الرد على المعطلة: الذين ينفون الصفات الخبرية.
* تلازم العلو والاستواء: فالعلو صفة ذات، والاستواء صفة فعل.
* أهمية الأثر في ضبط المصطلحات: استخدام "بائن" لقطع الطريق على التأويلات الباطلة.
* منهج السؤال والجواب: حرص تلاميذ الأئمة على ضبط مسائل العقيدة بالسؤال الدقيق.
* وضوح العقيدة السلفية: بساطة العبارة مع عمق الدلالة وسلامة الفطرة.
* الجمع بين النقل والعقل: فالفطرة والعقل يقران بأن الخالق لا بد أن يكون متميزاً عن مخلوقاته.
4. القواعد التي بناها العلماء على هذا الأثر
* قاعدة المباينة: (الخالق غير المخلوق)؛ فكل ما سوى الله مخلوق، والله بائن من خلقه.
* قاعدة الإثبات بلا تمثيل: إثبات الاستواء والعلو دون تشبيهه بخلقه.
* قاعدة التوقيف في المعنى والاصطلاح: جواز استخدام ألفاظ لم ترد بنصها (ككلمة بائن) إذا كان معناها حقاً واحتيج إليها للرد على الباطل.
5. الاستشهادات ومن استشهد به من العلماء
استشهد بهذا الأثر كبار أئمة الإسلام في كتب العقيدة المسندة، ومنهم:
* الإمام أحمد بن حنبل: في رواية المروزي وغيره.
* الإمام البخاري: في كتابه "خلق أفعال العباد".
* عثمان بن سعيد الدارمي: في رده على الجهمية.
* ابن تيمية: في "الفتوى الحموية" و"درء التعارض".
* الإمام الذهبي: في كتابه "العلو للعلي الغفار".
6. تراجم مختصرة للمستشهدين بالأثر
* الإمام أحمد (ت 241 هـ): إمام أهل السنة، الصابر في المحنة، قمع فتنة خلق القرآن.
* الإمام البخاري (ت 256 هـ): أمير المؤمنين في الحديث، صاحب "الجامع الصحيح".
* الإمام ابن خزيمة (ت 311 هـ): يُلقب بـ "إمام الأئمة"، صاحب كتاب التوحيد.
* ابن تيمية (ت 728 هـ): شيخ الإسلام، الذي أحيا منهج السلف رداً على المتكلمين.
7. ترجمة الإمام عبد الله بن المبارك (ت 181 هـ)
* اسمه: عبد الله بن المبارك المروزي، أبو عبد الرحمن.
* مكانته: الإمام الحافظ، شيخ الإسلام، عالم خراسان، جمع بين العلم والزهد والشجاعة والجهاد والكرم.
* قالوا عنه: قال سفيان بن عيينة: «ما رأيت مثل ابن المبارك»، وقال عنه أحمد بن حنبل: «لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه».
* وفاته: توفي في "هيت" راجعاً من الغزو سنة 181 هـ.
نص مناظرة الإمام أحمد التي استخدم
فيها هذا الإجماع ضد الجهمية بشكل مفصل
حول قاعدة المباينة (البينونة)
تعتبر مناظرة الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ) مع الجهمية، والتي سجلها في كتابه الشهير (الرد على الزنادقة والجهمية)، هي التأصيل الأكبر لـ "قاعدة البينونة". لقد استخدم الإمام أحمد العقل الصريح لإلزامهم بالنقل الصحيح، وإليك نص وحيثيات هذه المناظرة وكيف استعمل "البينونة" كحجة إجماع وعقل:
نص المناظرة في قاعدة "البينونة"
يقول الإمام أحمد بن حنبل في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية، ص 156-158):
«قلنا للجهمية: أخبرونا عن الله، هل هو في خلقه، أم خلقه فيه، أم هو بائن من خلقه؟»
فانقسم رد الجهمية ومناظرة الإمام لهم إلى ثلاثة محاور عقلية حاسمة:
1. إبطال قولهم (خلقه فيه):
قال الإمام أحمد: «إن زعمتم أن خلقه فيه؛ فقد أوجبتم أنه وعاء لخلقه، وأن خلقه أزلي معه، وهذا كفر».
(بمعنى: إذا كانت المخلوقات داخل ذات الله، فإما أن تكون قديمة معه وهذا شرك، أو أن ذات الله تتغير بدخول الحوادث فيها وهذا محال).
2. إبطال قولهم (هو في خلقه):
قال الإمام أحمد: «وإن زعمتم أنه في خلقه؛ فقد أوجبتم أنه في مواضع القذر والحشوش (أماكن النجاسات) والأماكن المستقذرة، وهذا وصف للنقص، والله منزه عن ذلك».
(وهذا هو الرد الصاعق على القائلين بالحلول العام، أي أن الله في كل مكان).
3. إثبات الخيار الوحيد الصحيح (هو بائن من خلقه):
قال الإمام أحمد: «فلم يبق إلا أن يكون بائناً من خلقه، مستوياً على عرشه، وعلمه محيط بكل مكان».
كيف استخدم الإمام أحمد "الإجماع" في هذه القاعدة؟
لم يقدم الإمام أحمد هذا الكلام كاجتهاد شخصي، بل استند فيه إلى ما استقر عليه إجماع السلف قبله، وتجلى ذلك في أمرين:
* قبوله لأثر ابن المبارك: عندما قيل للإمام أحمد: إن ابن المبارك قال: "نعرف ربنا بأنه فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه"، قال الإمام أحمد: «هكذا هو عندنا، لا نعرفه إلا بحد (أي تميز وبينونة)». (المصدر: كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، 1/175).
* الاحتجاج بالقرآن كإجماع: استدل الإمام أحمد بقوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى}، وقوله: {إليه يصعد الكلم الطيب}، وقال إن المسلمين أجمعوا على رفع أيديهم إلى السماء في الدعاء، مما يثبت "البينونة والعلو" بالفطرة والنص، وهذا إجماع عملي.
توسع العلماء في استخدام هذه المناظرة (الدارمي وابن تيمية)
* عثمان الدارمي (ت 280هـ): أخذ هذه المناظرة وطورها في كتابه (النقض على بشر المريسي، 1/438)، حيث قال: «لولا البينونة لكان الرب هو العبد، والعبد هو الرب، فمن لم يقل بالبينونة فقد هدم التوحيد».
* شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ): اعتبر أن مناظرة الإمام أحمد هذه هي "القاعدة الكلية" لرد شبهات الجهمية، وقال في (مجموع الفتاوى، 5/137): «فالإمام أحمد بين أن العقل يوجب أن يكون الرب بائناً من خلقه، لئلا يلزم الحلول أو العدم».
الخلاصة من كلام الأئمة:
قاعدة "البينونة" عند الإمام أحمد هي:
* شرعاً: مقتضى قوله تعالى {على العرش استوى}.
* عقلاً: الوسيلة الوحيدة لتنزيه الله عن مواضع النقص والنجاسات.
* إجماعاً: هي ما كان عليه الصحابة والتابعون، ومنهم ابن المبارك، وهو ما قبله الإمام أحمد وجعله "الفيصل" في المحنة
تعد "قاعدة البينونة" (بائن من خلقه) هي الفيصل بين مذهب أهل السنة والجماعة وبين أهل التعطيل والحلول. وقد تتابع العلماء على نقل الإجماع على هذه اللفظة ومعناها، واعتبروها مقتضى العقل والنقل والفطرة.
إليك تفصيل هذا المبحث مع ذكر المصادر ونصوص الإجماع:
أولاً: مفهوم قاعدة البينونة وتوسع العلماء فيها
توسع العلماء في هذه القاعدة لتشمل ثلاثة أبعاد أساسية:
* بينونة الذات: أن ذات الله سبحانه منفصلة عن ذوات المخلوقين، فليس في ذاته شيء من خلقه، ولا في خلقه شيء من ذاته.
* بينونة الصفات: أن صفات الخالق لا تماثل صفات المخلوقين (قاعدة: الاتفاق في الاسم لا يستلزم التماثل في الحقيقة).
* بينونة العلو: أن الله فوق العالم، وليس داخلاً فيه ولا محايثاً له.
ثانياً: حكاية الإجماع على لفظ "بائن من خلقه"
نقل غير واحد من الأئمة الإجماع على أن الله "بائن من خلقه"، وإليك أبرز من حكى ذلك:
1. إجماع التابعين وأتباعهم (عن ابن المبارك):
سُئل ابن المبارك: كيف نعرف ربنا؟ قال: «بأنه فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه». قال الإمام أحمد بن حنبل لما بلغه هذا الأثر: «هكذا هو عندنا».
* المصدر: (عبد الله بن أحمد، كتاب السنة، 1/175).
2. إجماع الأئمة الأربعة وغيرهم (حكاه ابن تيمية):
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على أن الله بائن من خلقه».
* المصدر: (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 5/137).
* وقال أيضاً: «اتفق السلف والأئمة على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته». (درء تعارض العقل والنقل، 6/264).
3. إجماع الحافظ الذهبي:
قال في كتابه العمدة في هذا الباب: «وهذه الكلمة (بائن من خلقه) أطلقها عبد الله بن المبارك، وتداولها الأئمة بعده، وهي إجماع أهل السنة في مقابلة الجهمية».
* المصدر: (الذهبي، العلو للعلي الغفار، ص 151).
4. إجماع ابن القيم:
ذكر أن هذا القول هو قول الصحابة والتابعين قاطبة، وأن من خالفه فقد خالف إجماع الرسل.
* المصدر: (ابن القيم، اجتماع الجيوش الإسلامية، ص 135).
ثالثاً: العلماء الذين أجمعوا وصرحوا بهذه القاعدة (سلفاً ومعاصرة)
من السلف المتقدمين:
* الإمام أحمد بن حنبل (ت 241هـ): في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية) أكد أن الله بائن من خلقه رداً على الحلولية.
* عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ): في (النقض على المريسي) جعل البينونة شرطاً في الإيمان بالعلو.
* ابن خزيمة (ت 311هـ): في كتابه (التوحيد) ساق الأدلة على مباينة الله لخلقه وعلوه عليهم.
* اللالكائي (ت 418هـ): في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة) نقل الآثار عن السلف في إثبات البينونة.
من العلماء المتأخرين والمعاصرين:
* الشيخ عبد العزيز بن باز: أكد في فتاواه أن "بائن من خلقه" هو معتقد السلف قاطبة، وهو مقتضى قوله {الرحمن على العرش استوى}. (مجموع فتاوى ابن باز، 2/85).
* الشيخ محمد بن صالح العثيمين: شرح هذه القاعدة في (القواعد المثلى) وفي (شرح العقيدة الواسطية)، وقرر أنها لفظة صحيحة المعنى، استعملها السلف للبيان، وهي محل إجماع عندهم. (شرح الواسطية، 1/374).
* الشيخ صالح الفوزان: ذكر في (شرح الحموية) أن البينونة هي الفارق بين الموحد والمشرك الحلولي.
رابعاً: لماذا سميت "لفظة إجماع"؟
استخدم العلماء مصطلح "الإجماع" هنا لأنك لن تجد إماماً واحداً من أئمة القرون الثلاثة المفضلة (الصحابة، التابعين، أتباع التابعين) أنكر هذه الكلمة أو قال بضدها. بل إنهم أجمعوا على أن:
* نفي البينونة = تعطيل لوجود الرب (لأن ما لا يكون بائناً عن خلقه فهو إما "عدم" أو "حال فيهم").
* إثبات البينونة = كمال التنزيه عن النقص والحلول في الأقذار والمخلوقات.
الخلاصة:
قاعدة البينونة هي "إجماع لفظي ومعنوي" عند السلف، استقر عليها العمل لتمييز الخالق عن المخلوق، وتوثيقها موجود في أمهات كتب العقيدة المسندة (كالسنة للخلال، والسنة للالكائي، والتوحيد لابن خزيمة).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق