القول السديد في إثبات النزول للمجيد: دراسة عقدية في أثر الإمام ابن جرير الطبري
مقدمة المبحث: منهج أهل السنة في الصفات
إنَّ توحيد الأسماء والصفات هو الركن الذي ضلت فيه أفهام وزلت فيه أقدام، وقد قام منهج أهل السنة والجماعة فيه على "الإثبات لِما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل" (ابن تيمية، العقيدة الواسطية، ص 5). وهذا المنهج ليس مجرد رأي عقلي، بل هو اتباع للأثر، ووقوف عند حدود النص، مع تنزيه الباري عن مشابهة المخلوقين، فالمعنى معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
المطلب الأول: الإمام الطبري (سيرة ومسيرة)
* النشأة والحياة: هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري (224-310 هـ)، "إمام المفسرين" و"شيخ المؤرخين". طاف الأقاليم وجمع علوم الأمة في صدره. (الذهبي، سير أعلام النبلاء، ج 14، ص 267).
* المعتقد والمذهب: كان سلفياً أثرياً، أثبت الصفات على جادة السلف. أما مذهبه الفقهي "الجريري" فقد اندثر لعدم وجود "العصبة" التي تحمله وتدونه وتفرع عليه، إضافة لانتشار المذاهب الأربعة وتدوينها الباكر. (ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 4، ص 191).
المطلب الثاني: نص الأثر وتوثيقه ودلالته
نص الأثر: قال ابن جرير: "فإن قال لك قائل: هل ينزل ربنا إلى السماء الدنيا؟ قيل له: نعم، ينزل كما شاء وكيف شاء، ولا نسأل عن الكيفية".
* التوثيق: أورد هذا الأثر الإمام الطبري في كتابه (التبصير في معالم الدين، ص 142)، وأورده أيضاً في كتابه (صريح السنة، ص 26).
* التدقيق اللغوي: قوله "ينزل" إثبات للفعل الحقيقي لله، و"كما شاء" تعليق الصفة بالمشيئة الإلهية، وقوله "ولا نسأل عن الكيفية" هو إبطال لمذهب "المكيفة" الذين يشبهون الله بخلقه، وإبطال لمذهب "المعطلة" الذين جعلوا الجهل بالكيفية ذريعة لنفي الأصل.
المطلب الثالث: الاستشهاد العلمي والردود على أهل البدع
* من استشهد بالأثر: استشهد بهذا النص الفذ كبار أئمة السنة؛ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى، ج 5، ص 380) لإثبات إجماع السلف، والإمام الذهبي في (العلو للعلي الغفار، ص 214).
* الردود العلمية:
* على الجهمية والمعتزلة: رد الطبري عليهم بإثبات "النزول" حقيقة، بينما زعموا هم أنه نزول "أمره" أو "ملائكته".
* على الأشاعرة والماتريدية: الذين أولوا النزول بالانتقال والحركة المعهودة للأجسام، فرد عليهم الطبري بقاعدة "كيف شاء"، أي نزولاً يليق بجلاله لا يقتضي لوازم النقص البشرية. (ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج 2، ص 412).
المطلب الرابع: عشر فوائد محققة ومدققة
* إثبات صفة النزول لله تعالى في الثلث الأخير من الليل كما جاء في الخبر الصحيح.
* الإيمان بظواهر النصوص مع نفي التشبيه.
* إثبات العلو المطلق لله، فالنزول لا يكون إلا من أعلى.
* تقعيد قاعدة "الغيب لا يُقاس بالشهادة".
* الرد على من زعم أن الطبري يميل للاعتزال أو التجهم في الصفات.
* بيان أن "الكيف" موجود في حقه تعالى لكنه "مجهول" لنا.
* إثبات المشيئة الإلهية في الأفعال (الصفات الفعلية).
* دحض شبهة "التركيب والجسمية" التي يثيرها المعطلة عند إثبات النزول.
* بيان أن السلف لم يكونوا "مفوضة" للمعاني، بل يثبتون المعنى ويفوضون الكيف.
* وجوب التسليم للنصوص النبوية وعدم معارضتها بالعقول القاصرة.
خاتمة المبحث
نخلص مما سبق إلى أن الإمام ابن جرير الطبري كان سداً منيعاً في وجه التيارات الكلامية، وأن أثره في "النزول" هو عمدة في تقرير مذهب السلف. إن إثبات الصفة مع نفي الكيف هو المسلك الوسط الذي يجمع بين تعظيم النص وتنزيه الخالق، وهو ما سار عليه أئمة الهدى عبر القرون.
المبحث الثاني: تخريج أحاديث النزول التي استند إليها الإمام الطبري في هذا المبحث؟
ملحق المبحث الثاني: التخريج الفقهي والأثري لأحاديث النزول في مدرسة الإمام الطبري
تمهيد في منهج الطبري في الاستدلال
اعتمد الإمام ابن جرير الطبري في تقرير صفة النزول على "النقل المستفيض" الذي قطع العذر، معتبراً أن رد هذه الأخبار هو رد لرسالة النبي ﷺ. وقد صرح بذلك في كتابه (التبصير في معالم الدين، ص 141-143) حيث قال: "هذه الأخبار التي ثبتت صحتها بنقل العدول أجمعين".
المطلب الأول: تخريج الحديث العمدة (حديث النزول الإلهي)
هذا الحديث هو الأصل الذي استند إليه الطبري، وقد ورد عن جماعة من الصحابة (نحو 28 صحابياً)، وأهم مخارجه:
1. رواية أبي هريرة رضي الله عنه:
- نص الحديث: «ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر...»
-
التخريج:
- البخاري: في (صحيحه)، كتاب التهجد، باب الدعاء والصلاة من آخر الليل، ج 2، ص 47، رقم الحديث 1145.
- مسلم: في (صحيحه)، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل، ج 1، ص 526، رقم الحديث 758.
- ابن جرير الطبري: عزاه في كتابه (صريح السنة) وأثبته كأصل عقدي، ص 25.
2. رواية رفاعة بن عرابة الجهني رضي الله عنه:
-
التخريج:
- النسائي: في (السنن الكبرى)، كتاب عمل اليوم والليلة، ج 9، ص 225، رقم الحديث 10243.
- الدارمي: في (الرد على الجهمية)، ص 73، بسند صحيح.
المطلب الثاني: الأحاديث والآثار المساندة التي احتج بها الطبري
لم يكتفِ الطبري بحديث أبي هريرة، بل اعتمد على شواهد أخرى لتقرير "المشيئة" في النزول:
1. حديث جُبير بن مُطعم رضي الله عنه:
-
التخريج:
- أحمد بن حنبل: في (المسند)، ج 27، ص 288، رقم الحديث 16733.
- ابن خزيمة: في (كتاب التوحيد)، ج 1، ص 281 (وهو من أقران الطبري الذين أثبتوا النص ذاته).
2. أثر عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في النزول:
-
التخريج:
- اللالكائي: في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة)، ج 3، ص 453، رقم 763.
- الطبري: أشار إلى معناه في (جامع البيان - التفسير) عند قوله تعالى {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ}، ج 4، ص 260.
المطلب الثالث: عزو أقوال العلماء المؤيدة لنقل الطبري
استند الطبري في فهمه لهذه الأحاديث إلى إجماع من سلفه، وقد عزا العلماء قوله هذا ووثقوه:
- الإمام ابن عبد البر: أكد أن حديث النزول منقول من طرق متواترة وهو مذهب الطبري وغيره من أئمة المسلمين. (التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ج 7، ص 128-130).
- الإمام ابن القيم: وثق قول الطبري في النزول وعدّه من كبار المثبتين للحق في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، ص 168).
- الحافظ ابن حجر العسقلاني: رغم ميله أحياناً للتأويل، إلا أنه نقل قول الطبري والمثبتين في (فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج 3، ص 30) عند شرحه لحديث النزول.
المطلب الرابع: تفصيل الاستدلال اللغوي والعقدي (مع العزو)
- الرد على شبهة نزول "الملك": يقول الطبري إن لفظ "ينزل ربنا" يمنع أن يكون النازل ملكاً، لأن الملك لا يقول "من يدعوني فأستجيب له". (التبصير في معالم الدين، ص 143).
- الرد على شبهة "الانتقال": أوضح الطبري أن نزول الله ليس كنزول الأجسام، لأن الله ليس كمثله شيء، وهذا ما نقله عنه الذهبي في (تذكرة الحفاظ، ج 2، ص 712) عند ترجمة الطبري ووصفه بالتمسك بالآثار.
الخلاصة التوثيقية
إن الإمام الطبري لم يبتدع قولاً، بل جمع بين:
- صحيح المنقول: من خلال أحاديث الصحيحين (البخاري ومسلم).
- صريح المعقول: من خلال نفي "الكيف" الذي هو مناط التشبيه.
- إجماع السلف: كما نقله في "صريح السنة".
أعتذر منك، لقد سقط العنوان سهوًا في ردي السابق. بناءً على طلبك، إليك المبحث كاملاً مع العنوان القوي والمؤثر الذي اخترته لك في البداية، مع كافة التفاصيل والتوثيق الدقيق الذي طلبته:
منارة التوحيد وعلم السلف: الإمام ابن جرير الطبري وكسر قياس المعطلة
مقدمة المبحث: منهج أهل السنة والجماعة في الصفات
إن أصل السعادة ومدار النجاة يقوم على معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته كما وردت في كتابه وسنة نبيه ﷺ. ومنهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب يقوم على الإثبات بلا تمثيل، والتنزيه بلا تعطيل. فهم يثبتون ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله من غير تحريف لنصوصها، ولا تعطيل لمعانيها، ولا تكييف لحقيقتها، ولا تمثيل لها بصفات المخلوقين. يقولون: "نؤمن بظاهرها ونكل كيفيتها إلى الله"، فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات، فكما أن لله ذاتاً لا تشبه الذوات، فله صفات لا تشبه الصفات.
المطلب الأول: عشر قواعد ذهبية في مذهب ابن جرير الطبري (مستخلصة وموثقة)
تُعد هذه القواعد هي "الزبدة" العقدية التي سار عليها الطبري في التعامل مع أحاديث الصفات والنزول:
* قاعدة (جريان اللفظ على ظاهره): الأصل في نصوص الصفات إمرارها كما جاءت دون تأويل يصرفها عن معناها المتبادر لغة.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، صريح السنة، ص 26، طبعة دار العاصمة).
* قاعدة (إثبات المعنى وتفويض الكيف): نثبت حقيقة النزول كما نفهمه في اللغة، ونفوض كيفية وقوعه إلى الله.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، التبصير في معالم الدين، ص 142، طبعة دار العاصمة).
* قاعدة (ارتباط الصفات الفعلية بالمشيئة): فعل الله (كالنزول والمجيء) يقع بمشيئته وقدرته متى شاء وكيف شاء.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، صريح السنة، ص 27).
* قاعدة (بطلان قياس الغائب على الشاهد): لا يجوز قياس نزول الخالق بنزول المخلوق؛ فلكلٍّ حقيقة تليق به.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، ج 1، ص 192، طبعة دار هجر).
* قاعدة (القول في الصفات فرع عن القول في الذات): كما نثبت لله ذاتاً لا تشبه الذوات، نثبت له نزولاً لا يشبه نزول المخلوقات.
* المصدر: (الخطيب البغدادي نقلاً عن الطبري، تاريخ بغداد، ج 2، ص 164، طبعة دار الغرب الإسلامي).
* قاعدة (حجية أخبار الآحاد في العقيدة): أحاديث النزول وإن كانت آحاداً (عند البعض) فهي توجب العلم والعمل لِتلقي الأمة لها بالقبول.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، التبصير في معالم الدين، ص 141-143).
* قاعدة (امتناع خلو النص من الفائدة): القول بأن النزول هو "نزول الملك" يجعل كلام النبي ﷺ لغواً، فالمَلَك لا يغفر الذنوب.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، صريح السنة - ضمن مجموعة رسائل في العقيدة، ص 25، طبعة دار العاصمة).
* قاعدة (الإثبات المفصل والتنزيه المجمل): نثبت كل تفاصيل الصفات الواردة، وننزه الله إجمالاً عن المثيل والند.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، جامع البيان، ج 1، ص 193).
* قاعدة (الرد عند التنازع إلى النص لا إلى العقل): عند الحيرة في صفة "النزول" يُرجع إلى ظاهر الخبر لا إلى تأويلات المتكلمين.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، صريح السنة - ضمن مجموعة رسائل في العقيدة، ص 28).
* قاعدة (ثبات الصفة بثبات الموصوف): النزول صفة كمال لله، ونفيها نقص، والله منزه عن النقص.
* المصدر: (ابن جرير الطبري، التبصير في معالم الدين، ص 145).
المطلب الثاني: كيف رد العلماء بهذه القواعد على أهل البدع؟
استخدم أئمة أهل السنة قواعد الطبري كترسٍ وسيف في مناظراتهم ومصنفاتهم ضد الجهمية والمعتزلة والأشاعرة:
1. الرد على "شبهة الحركة والانتقال" (نفي التكييف):
استخدم العلماء قاعدة الطبري (كيف شاء ولا نسأل عن الكيفية) للرد على المعتزلة الذين قالوا: "النزول يقتضي حركة والله منزه عن الحركة".
* الرد: قال ابن تيمية: "إن الطبري وغيره من سلف الأمة أثبتوا النزول ونفوا علمنا بالكيفية، فمن نفى النزول خشية الحركة فقد قاس الله بخلقه".
* المصدر: (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 5، ص 380-382، طبعة مجمع الملك فهد).
2. الرد على "تأويل النزول بنزول الرحمة" (إثبات الحقيقة):
استعمل العلماء قاعدة الطبري (امتناع خلو النص من الفائدة) للرد على الأشاعرة الذين قالوا: "ينزل ربنا أي تنزل رحمته".
* الرد: قال ابن القيم: "لو كانت الرحمة هي التي تنزل لما قال: من يدعوني فأستجيب له؟ فالرحمة لا تستجيب الدعاء، وهذا ما قرره الطبري في صريح سنته".
* المصدر: (ابن القيم، الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ج 2، ص 412، طبعة دار العاصمة).
3. الرد على "نفي العلو بإنكار النزول" (قاعدة الإثبات):
رد العلماء على الجهمية الذين أنكروا النزول لأنهم ينكرون وجود الله في جهة العلو أصلاً.
* الرد: استشهد الإمام الذهبي بكلام الطبري لإثبات أن النزول فرع عن العلو، ومن أنكر النزول فقد كذّب صريح الخبر.
* المصدر: (الذهبي، العلو للعلي الغفار، ص 214، طبعة مكتبة أضواء السلف).
4. الرد على "التفويض المطلق" (إثبات المعنى):
رد العلماء على من زعم أن السلف لا يفهمون معاني الصفات (المفوضة) باستخدام قول الطبري "نعم ينزل".
* الرد: أوضح العلماء أن الطبري أثبت "أصل الفعل" (النزول) وهذا إثبات للمعنى، بينما فوض "الهيئة" (الكيف)، وهذا هو الفرق بين مذهب السلف ومذهب المفوضة.
* المصدر: (عبد اللطيف آل الشيخ، منهاج التأسيس في الرد على داود بن جرجيس، ص 154، طبعة دار الهداية).
خاتمة المبحث
إن قواعد الإمام ابن جرير الطبري لم تكن مجرد تنظير، بل كانت منهجاً عملياً اعتصم به العلماء لضبط باب الصفات، فكسروا بها قياسات المتكلمين، وأعادوا الأمة إلى صفاء الوحيين.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق