السبت، 28 مارس 2026

المبحث الأول: التعريف التفصيلي للعلة الفاعلية والعلة الغائية


المبحث الأول: التعريف التفصيلي للعلة الفاعلية والعلة الغائية

 * العلة الفاعلية :

   هي "ما منه الوجود"، أي الذات المؤثرة التي تُخرج الشيء من القوة إلى الفعل، أو من العدم إلى الوجود. فالبناء فاعل للمسكن، والنجار فاعل للكرسي. وفي الإلهيات، هي قدرة الخالق ومشيئته التي أوجدت العالم.

 * العلة الغائية :

   هي "ما لأجله الوجود"، وهي القصد والهدف المحرك للفاعل. وهي أولى العلل في التصور الذهني (النية)، وآخرها في الوجود الخارجي (النتيجة). فالسكن هو غاية بناء البيت، والعبادة هي غاية خلق الجن والإنس.

المبحث الثاني: الصراع الكلامي والفلسفي حول العلة

1. موقف الفلاسفة (أرسطو وابن سينا):

 * أرسطو: حصر الألوهية في "العلة الغائية" فقط. زعم أن الإله "محرك لا يتحرك"، وأن العالم يتحرك إليه "شوقاً" كما يتحرك المعشوق نحو المحبوب، لكنه نفى أن يكون الإله "فاعلاً مختاراً" يخلق بمشيئة متجددة.

 * ابن سينا: حاول التوفيق، فجعل الله "فاعلاً" لكن بطريق "الإيجاب الذاتي" (كالخروج القسري للنور من الشمس)، مما يعني نفي الإرادة والاختيار.

 * المصدر: درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، ج 1، ص 110-115؛ شرح الأصفهانية، ص 114.

2. موقف المتكلمين (الأشاعرة والجهمية):

 * أثبتوا "العلة الفاعلة" (الخالق) لكنهم نفوا "العلة الغائية" في أفعال الله. زعموا أن القول بالحكمة والغرض يستلزم "حاجة" الخالق إلى ذلك الغرض، فقالوا: "الله يفعل لا لعلة"، ووصفوا أفعاله بأنها مجرد "مشيئة محضة" بلا حكمة غائية.

 * المصدر: مجموع الفتاوى، ج 8، ص 81 (رسالة في القضاء والقدر).

3. موقف المدرسة السلفية (ابن تيمية وابن القيم):

 * أثبتوا الكمال المطلق بجمع العلتين: الله فاعل مختار (بقدرة ومشيئة)، وهو حكيم (يفعل لغايات محمودة).

 * ابن القيم: أسهب في كتابه "شفاء العليل" في إثبات أن نفي الغاية هو نفي لصفة "الحكيم".

 * المصدر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ابن القيم، ص 190-210.

المبحث الثالث: كيف استعمل السلف هذا المبحث وردوا به على المخالفين

استخدمت المدرسة السلفية "العلة الغائية" لنقض مذهب الفلاسفة من جهة، و"العلة الفاعلة" لنقض مذهب المعطلة من جهة أخرى:

 * الرد على الفلاسفة: قالوا إن جعل الخالق "علة غائية" فقط (محبوباً لا فاعلاً) يجعل "المادة" أكمل من الخالق؛ لأن المادة هي التي تتحرك وتفعل، بينما الخالق جامد لا يفعل شيئاً. وهذا قلب للحقائق العقلية.

 * الرد على المعطلة: قالوا إن من نفي الحكمة (العلة الغائية) فقد شبه الله بالمجانين والعبثيين الذين يفعلون بلا قصد، تعالى الله عن ذلك.

 * المصدر: درء التعارض، ج 8، ص 362؛ منهاج السنة النبوية، ج 1، ص 445.

المبحث الرابع: الفروق الجوهرية بين العلة الفاعلة والعلة الغائية

 * الفرق الأول: العلة الفاعلة هي "مبدأ الحركة" (من أين بدأ الفعل؟)، بينما العلة الغائية هي "منتهى الحركة" (إلى أين ينتهي الفعل؟).

 * الفرق الثاني: العلة الغائية علة "للفاعلية" (أي هي التي جعلت الفاعل يتحرك)، والعلة الفاعلة علة "للوجود" (أي هي التي أوجدت الغاية في الواقع).

 * الفرق الثالث: العلة الغائية تسبق الفعل في "العلم والذهن"، والعلة الفاعلة تسبق المعلول في "الخارج والزمان".

 * الفرق الرابع: في حق الله، الفاعلية ترجع إلى صفة "القدرة والمشيئة"، والغائية ترجع إلى صفة "الحكمة والحمد".

المبحث الخامس: نكتة دقيقة (الوقوع في المحذور)

المحذور الدقيق الذي نبه عليه ابن تيمية هو أن:

 * نفي الصفات (التعطيل) ينتهي بالضرورة إلى وصف الله بنقيضها. فمن نفى أن يكون الله "فاعلاً مختاراً" (علة فاعلة) وصفه بكونه "موجباً بالذات" كالجمادات. ومن نفى عنه "الغايات والحكم" وصفه بـ "العبث".

 * المآل الإلحادي: إذا سلبنا عن الخالق "الفاعلية" و"الغائية"، لم يبقَ بينه وبين "المعدوم" فرق؛ لأنه موجود لا يفعل ولا يقصد، وهذا هو المحذور الذي أردتموه بالتنزيه فوقعتم في العدم.

 * المصدر: منهاج السنة، ج 2، ص 128.

المبحث السادس: الربط بمسألة "الوجود المطلق بشرط الإطلاق"

هذا هو أدق مواضع النقد عند ابن تيمية في "درء التعارض" (ج 6، ص 145-160):

 * الوجود المطلق بشرط الإطلاق: هو مفهوم ذهني يجرده العقل من كل الصفات (لا داخل العالم ولا خارجه، لا حياً ولا قادراً.. إلخ). يقول ابن تيمية: هذا الوجود "لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان".

 * التناقض: الفلاسفة والجهمية يثبتون لله هذا "الوجود المطلق" (الذي هو في الحقيقة عدم)، بينما يثبتون للمادة "وجوداً عينيناً مفصلاً" بصفات وحركات.

 * الربط بالعلل: حين نفوا عن الله "العلة الفاعلة الاختيارية" و"العلة الغائية الحكيمة"، اضطروا لتعريفه بهذا "الوجود المطلق" الخالي من الخصائص، ليهربوا من التشبيه.

 * الدلالة: الاستدلال السلفي يقول: "ما لا يوصف بصفات الوجود العيني فهو معدوم". فجعلُ الخالق "وجوداً مطلقاً بشرط الإطلاق" هو عين نفي وجوده، لأن الوجود في الخارج لا يكون إلا "مخصوصاً ومعيناً" وله "صفات وفعل".

المصدر النهائي لهذا الربط: درء تعارض العقل والنقل، المجلد السادس، صفحة 152، حيث يقول:

 "وهؤلاء يصفونه بالوجود المطلق بشرط الإطلاق، وهذا لا يكون إلا في الذهن، وما كان كذلك فهو يمتنع أن يكون علة فاعلة لغيره، فجعلوا الممكنات أكمل وجوداً من الواجب".


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق