«مَقْمَعَةُ الضَّلَالِ: نَقْضُ مَزَاعِمِ المُّؤَوِّلَةِ في ضَوْءِ قَوْلِهِ ﷺ (إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)»
«مَقْمَعَةُ الضَّلَالِ: نَقْضُ مَزَاعِمِ المُّؤَوِّلَةِ في ضَوْءِ قَوْلِهِ ﷺ (إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ)»
دراسة عقدية تحليلية لحديث: "إنَّ اللهَ ليسَ بأعْوَرَ"
أولاً: الألفاظ الواردة في دواوين السنة
تعددت روايات هذا الحديث في أمهات الكتب، وكل لفظة تحمل دلالة عقدية فارقة:
- رواية ابن عمر (المتفق عليها): «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى عَيْنِهِ - وَإِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ العَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ».
- رواية أنس بن مالك: «مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإِنَّ بَيْنَ عَيْنَيْهِ مَكْتُوبٌ كَافِرٌ».
- رواية أبي هريرة: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَدِيثًا مَا حَدَّثَهُ نَبِيٌّ قَوْمَهُ؟ إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّهُ يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ...».
ثانياً: التخريج والمصادر (العزو الدقيق)
- صحيح البخاري: كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي.
- المجلد: 9، الصفحة: 123، رقم الحديث: 7407.
- صحيح مسلم: كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب ذكر الدجال.
- المجلد: 4، الصفحة: 2248، رقم الحديث: 2933.
- مسند الإمام أحمد:
- المجلد: 2، الصفحة: 131، رقم الحديث: 6148 (طبعة الرسالة).
- سنن أبي داود: كتاب السنة، باب في ذكر الدجال.
- رقم الحديث: 4316.
- كتاب التوحيد لابن خزيمة: (أفرد له باباً كاملاً في إثبات العين).
- المجلد: 1، الصفحة: 94 (تحقيق د. عبد العزيز الشهوان).
الحكم: الحديث صحيح متواتر المعنى، أخرجه أصحاب الكتب الستة وغيرهم.
ثالثاً: التدقيق اللغوي لألفاظ الحديث
- العور: في اللغة هو النقص والميل، وعور العين ذهاب نورها أو غؤورها. قال ابن فارس في مقاييس اللغة (ج4، ص182): "العين والقاف والراء أصلٌ واحد يدلُّ على خللٍ في الشيء".
- العنبة الطافية: (بالياء) هي التي برزت ونتأت، و(الطافئة) بالهمز هي التي ذهب نورها. وكلاهما عيب ونقص نزه النبي ﷺ ربه عنهما.
- الإشارة باليد: إشارة النبي ﷺ إلى عينه (كما في رواية البخاري) هي "إشارة تحقيق" لا "إشارة تشبيه"، أي لتحقيق أن الله له عين حقيقية، لا كما يزعم المؤولة أنها (العلم) أو (الرعاية).
- العزو: الخطابي، معالم السنن، ج4، ص332.
رابعاً: القواعد العقدية المستنبطة
- قاعدة إثبات "العينين": نفي العور (وهو نقص في إحدى العينين) يستلزم ثبوت كمال الضد، وهو ثبوت العينين لله تعالى.
- العزو: عثمان بن سعيد الدارمي، الرد على الجهمية، ص43.
- قاعدة "قياس الأولى": كل كمال في المخلوق لا نقص فيه فالله أولى به، وكل نقص في المخلوق فالله منزه عنه. فإذا كان العور نقصاً في البشر، فمن باب أولى تنزيه الخالق عنه.
- العزو: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج5، ص220.
- قاعدة "دلالة المفهوم": نفي الأحقية بالألوهية لوجود العيب المادي؛ مما يدل على أن صفات الذات مانعة من ادعاء الربوبية لغير الله.
خامساً: استعمال القواعد في الرد على الفرق الضالة
- الرد على الجهمية والمعطلة: زعموا أن "العين" مجاز عن البصر أو العلم. والرد عليهم من الحديث: لو كانت مجازاً لما صحّ نفي العور، إذ لا يقال "علمٌ أعور" أو "بصرٌ أعور"، بل العور يلحق الآلة (العين) حقيقة.
- العزو: ابن القيم، الصواعق المرسلة، ج1، ص245.
- الرد على المشبهة: حين أثبت النبي ﷺ العين ونفى العور، أثبت صفة تليق بجلاله، فالله ليس بأعور كالدجال، بل له الكمال المطلق الذي لا يماثل خلقه.
- إبطال "الحلول": الدجال جسم مرئي ناقص، والله لا تدركه الأبصار في الدنيا وهو الكامل، فكيف يحلّ الكامل في الناقص؟
- العزو: الحافظ ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص97.
سادساً: الفوائد العشر العقدية الكبرى
- إثبات صفات الذات: الحديث نص في إثبات العينين كصفة ذاتية ثابتة بالسمع.
- المنهج النبوي في نفي النقص: لم يكتفِ النبي ﷺ بقول "الله كامل"، بل نفى العيب المحدد (العور) ليقطع الطريق على الدجال.
- العلم قبل العمل: قوله «تَعْلَمُونَ» دليل على وجوب تعلم العقيدة للنجاة من الفتن.
- رؤية الله في الآخرة: استدلال أئمة السلف بقوله «تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ» على أن المؤمنين سيرون ربهم فيعرفون كماله بمشاهدة عيانه.
- إثبات "مباينة" الخالق للمخلوق: فالله في السماء والدجال في الأرض، والله كامل والدجال ناقص.
- بطلان الألوهية لمن حلت فيه العيوب: وهو رد على المشركين الذين عبدوا الأوثان أو البشر.
- الرد على الفلاسفة: الذين أنكروا الصفات الخبرية؛ فالنبي ﷺ خاطب الناس بما تدركه عقولهم وفطرهم من كمال الله.
- إثبات "السمع والبصر": لأن نفي العور يستلزم كمال الإدراك البصري.
- عظم أمانة النبوة: "ما من نبي إلا أنذره"، مما يدل على أن العقيدة والتحذير من الباطل أصل دعوة المرسلين.
- الوسطية بين التعطيل والتمثيل: إثبات (العين) بلا تعطيل، وتنزيه (ليس بأعور) بلا تمثيل.
سابعاً: التعمق في "علم الكيفية" من خلال الحديث
يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الحديث يقطع دابر "التكييف"؛ فالبشر يعلمون معنى "العين" لغة، ويعلمون معنى "العور" نقصاً، ولكنهم لا يحيطون بكيفية عين الرب سبحانه.
- العزو: ابن تيمية، الرسالة التدمرية، ص45 (تحقيق د. محمد بن عودة السعودي).
- شرح
- * الإمام أحمد بن حنبل:
- يرى أن هذا الحديث نص في إبطال شبهات المعطلة؛ فبقول النبي ﷺ "إن ربكم ليس بأعور"، أثبت لله صفة العين على وجه الكمال، لأن نفي العور (وهو النقص في إحدى العينين) يستلزم إثبات كمال العينين لله عز وجل بما يليق بجلاله، دون تشبيه بخلقه.
- * الإمام عثمان بن سعيد الدارمي:
- أكد في كتابه "الرد على الجهمية" أن النبي ﷺ لم يقل "ليس بأعور" إلا ليعرف الناس أن لربهم عينين بصيرتين كاملتين، بخلاف الدجال الذي تظهر فيه علامة النقص والآفة، فكيف يكون إلهاً مَن لا يقدر على دفع النقص عن نفسه؟
- * الإمام ابن خزيمة:
- في كتابه "التوحيد"، استدل بهذا الحديث على إثبات العينين لله عز وجل، وذكر أن المؤمنين لو لم يعرفوا أن لربهم عينين لما كان لقول النبي "ليس بأعور" معنى مفهوم، فالعور لا يُنفي إلا عمن له عينان، وهذا من باب إثبات الصفات باللازم والنص.
- * الإمام ابن تيمية:
- يوضح أن الحديث فيه "دليل محسوس" لكل أحد؛ فالدجال يدعي الألوهية وهو مشوه العين، والله منزه عن العيوب. ويضيف شيخ الإسلام أن الحديث يُثبت مباينة الخالق للمخلوق، فالله لا يراه أحد في الدنيا، والدجال يراه الناس، والله كامل من كل وجه، والدجال ناقص بعوره.
- * الإمام ابن القيم:
- ركز على أن نفي "العور" عن الله هو إثبات لغاية الكمال في البصر والجمال، وأن الله جعل قبح العور في وجه الدجال علامة فارقة يشترك في معرفتها العامي والمتعلم، لتكون حجة على بطلان دعواه الربوبية.
- * الإمام الآجري:
- ذكر في كتابه "الشريعة" أن هذا الحديث من الأصول التي يجب على المؤمنين اعتقادها بقلوبهم، وهو أن الله عز وجل ليس كمثله شيء، وأن من علامات كماله سبحانه تنزهه عن العور الذي هو سمة النقص في البشر، محذراً من تأويل الحديث أو صرفه عن ظاهره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق